كتاب الثورة السرية ما هو الإنجيل وما هو الإيمان وما هي الحياة المسيحية الحقيقية – أوسم وصفي PDF

كتاب الثورة السرية ما هو الإنجيل وما هو الإيمان وما هي الحياة المسيحية الحقيقية – أوسم وصفي PDF

كتاب الثورة السرية ما هو الإنجيل وما هو الإيمان وما هي الحياة المسيحية الحقيقية – أوسم وصفي PDF

كتاب الثورة السرية ما هو الإنجيل وما هو الإيمان وما هي الحياة المسيحية الحقيقية – أوسم وصفي PDF

تحميل كتب دكتور أوسم وصفي PDF كاملة

تحميل الكتاب PDF

هل لم يمت المسيح على الصليب إنما تعرض فقط للإغماء؟

هل لم يمت المسيح على الصليب إنما تعرض فقط للإغماء؟

 

قال بهذا ” شيلر ماخر ” Schlerier Macher (1768 – 1834م) وفينتوريني K. H. Venturini (1768 – 1848م) وآهرد K. F. Ahrd (1741 – 1892م) وكورت بيرنا، وهيوج شوتفيلد، ود. تريفور لويد دافيز وزوجته مارجريت.. إلخ.

هل لم يمت المسيح على الصليب إنما تعرض فقط للإغماء؟

ج:

هناك أدلة تاريخية حاسمة تثبت موت السيد المسيح، 

سبق أن سجلنا منها 46 دليلًا في كتابنا “أسئلة حول الصليب”(1) مثل شهادة الإنجيليين الأربعة، وبطرس وبولس الرسولين، وأستفانوس رئيس الشمامسة، وبيلاطس البنطي في رسائله التي حررها إلى الإمبراطور طيباريوس قيصر، ومعلمه الفيلسوف سينكا، والمؤرخ اليهودي يوسيفوس الذي وُلِد سنة 37 م وما سجله في كتاب العاديات، والمؤرخ الروماني تاسيتوس (56-120 م.) الذي كتب تاريخ الإمبراطورية الرومانية، والتلمود اليهودي، والآباء الرسولين تلاميذ الرسل، وآباء القرون الأولى، وشهادة كثير من المؤرخين مسيحيين وغير مسيحيين.

 

كما أن هناك أدلة أثرية تثبت موت السيد المسيح منها(2):

1- خشبة الصليب المقدسة؛ 5- سراديب روما

2- أكليل الشوك والمسامير؛ 6- الفن الكنسي والآثار المختلفة

3- صورة الحكم على المسيح؛ 7- النقود الأثرية

4- القبر المقدَّس؛ 8- كفن المسيح

 

ونكتفي هنا بذكر الأدلة الطبية التي تثبت موت السيد المسيح بالصليب:

1- في بستان جثسيماني كانت قطرات العرق تتقاطر مثل قطرات الدم، وهذه ظاهرة طبية نادرًا ما تحدث وتُسمى Hemohidrosis of Hematidrasis وتنتج من حالة التوتر النفسي الشديد فيحدث نزيفًا داخل الغدد العرقية، فيصير العرق بنيًا محمرًا(3)(4).

2- كانت الجلدات كفيلة بالقضاء على السيد المسيح، فقد جُلِد بالسوط الروماني ” Plagrim ” المكوَّن من ثلاثة سيور جلدية ينتهي كل منها ببكرتين من العظم أو الرصاص، وقام بعملية الجلد جنديان روميان، أحدهما طويل القامة والآخر قصير القامة، وكان الاثنان في حالة تحدي، فانهالت الجلدات القاسية على ظهر السيد المسيح ومقعدته وساقيه، فتهرأ جسده وأحدثت الكرات جروح غائرة، فتغطى جسده بالدماء ثم ألبسوه ثوبًا أرجوانيًا (مر 15: 17) ثم بعد أن استهزأوا به نزعوا عنه الثوب (مر 15: 20) مما تسبب في تفتيح الجروح ثانية وأحدثت آلامًا فوق الطاقة.

3- كُلّل السيد المسيح بطاقية من الأشواك، وضُرِب على رأسه مما تسبب في انغراس الأشواك في رأس وجبين مخلصنا الصالح، مما تسبب في نزيف، والذي أُصيب من قبل في وجهه أو رأسه يعرف كمية النزيف التي يتعرض لها نتيجة أية إصابة في هذه المنطقة.

4- وصل السيد المسيح إلى مرحلة حرجة من الإنهاك بعد السهر طوال الليل في المحاكمات، وبعد ما جاز فيه من استهزاء وضرب وبصاق وجلدات وحمل عارضة الصليب على منكبيه الطاهرين والتي يبلغ وزنها نحو 45 كجم، فلم يقوَ على مواصلة السير، وسقط أكثر من مرة وهو في طريقه من دار الولاية إلى جبل الجلجثة، وتعرض لإصابات بالغة في الوجه والركبة، ووصل إلى الحد الذي سخَّر فيه الرومان سمعان القيرواني ليحمل الصليب عوضًا عنه.

5- طرح الجنود السيد المسيح على الأرض مما تسبب في تفتيح الجروح الناتجة عن الجلدات لثالث مرة، واخترقت المسامير يديه ورجليه، وكان طول كل منها 13 – 18 سم والمقطع العرضي للمسمار ليس دائريًا لكنه مربعًا طول ضلعه 1 سم مما يحدث احتكاك أكثر.. اخترق المسمار يد المخلص بين عظام الرسغ Carpals bone وعظام الكُعبرة Radius bone مخترقًا أربطة المفصل Flexor Retinaculum مصيبًا الأغشية المحيطة بتلك العظام مما أدى إلى آلام رهيبة.

ولو اخترق المسمار العصب الأوسط Mediam Nerue فإنه ينتُج عنه شلل جزء من عضلات اليد، ونتيجة لنقص كميات الدم، وتقلص العضلات، تتخذ أصابع اليد شكل المخلب Clow Like Rand أما مسمار القدم فقد مرَّ بين عظام المشط Metatarsas bone وأصاب الأغشية المحيطة بها مخترقًا العصب الشظوي، ومرَّ بين السلميات الثانية والثالثة مباشرة تحت ما يسمى ” مفصل ليسفرانك ” مسببًا آلامًا رهيبة، ويعاني المصلوب من صعوبة التنفس، فلكيما يتنفس المصلوب يحاول رفع نفسه فيضغط على قدميه ويشد يديه مما يتسبب في آلام رهيبة تتكرَّر مع كل حركة تنفس، فترتفع نسبة ثاني أكسيد الكربون في الدم مما يؤدي إلى تقلص العضلات وحدوث انقباضات تشنجية مما يؤدي إلى صعوبة التنفس ثم الاختناق Asphyxia(5).

6- يقول نيافة الأنبا بيشوي مطران دمياط وسكرتير المجمع المقدَّس أن “النزيف الداخلي الحاد الذي تعرَّض له السيد المسيح نتج عن أن كمية الدم الباقية في الدورة الدموية كانت بسيطة جدًا لذلك إحتاج القلب أن يعمل بسرعة لتعويض الدم المفقود، ولكي يعمل بسرعة، كان القلب نفسه كعضلة، يحتاج لكمية أكبر من الدم، ولكن الشرايين التاجية التي تغذي القلب لم يكن في إمكانها أن تقوم بهذا الدور لقلة كمية الدم نتيجة للنزيف. فإذا كانت سرعة ضربات القلب في الإنسان الطبيعي هي سبعين نبضة في الدقيقة ففي حالات النزيف ترتفع إلى 140 نبضة، وكل هذا يجهد عضلة القلب فتصل إلى مرحلة الهبوط الحاد جدًا في الجزء الأيمن ويؤدي ذلك إلى الوفاة”(6).

7- تعرض السيد المسيح على الصليب للطعن بالحربة، وهزأ البعض من هذه الحربة فقال إن فعل “طعن” الوارد في الإنجيل في الأصل اليوناني يفيد أن الجرح الناتج لم يكن غائرًا، فإن الحربة نفذت في الجلد والشحم وبعض العضلات فقط، ونزول الدماء من جُرح الحربة دليل على الحياة، فهذا دليل على أن السيد المسيح لم يمت على الصليب، والأمر العجيب أن البعض قال إن غزة الرمح أعادت الدورة الدموية للعمل وأنقذت المسيح من الموت، فيقول أحمد ديدات ” يعمل الله مشيئته بطريقة لا نعرفها. يبث في روح الجنود أن الضحية قد ” مات بالفعل ” كي لا يقطعوا ساقيه، ولكنه في نفس الوقت يجعل جنديًا آخر يغزه بالرمح (للتأكد من الوفاة) في جنبه و.. ” للوقت خرج دم وماءً” (يو 19: 34).

من أفضال الله سبحانه وتعالى أن الجسم الإنساني عندما لا يتحمل الألم والتعب أكثر من طاقته فإنه يدخل عالم اللاشعور. لكن انعدام الحركة والتعب ووضع الجسم بشكل مغاير لطبيعته ولراحته على الصليب، كل ذلك جعل الدورة الدموية تبطئ، وغزة الرمح إنما جاءت لتنقذ، وبخروج شيء من الدم استطاعت الدورة الدموية أن تستعيد مسارها وعملها وإيقاعها، وتؤكد لنا دائرة معارف الإنجيل تحت ” مادة الصليب ” بالعمود رقم 960 أن ” يسوع كان حيًّا عندما وُجَه إليه الرمح ” وهذا أيضًا يؤكد قول يوحنا فيما يتعلق “بالماء والدم” وإنهما انبعثا على الفور إذ أنه يقول ” وعلى الفور: أي وفي الحال ” مما يعد دليلًا مؤكدًا أن يسوع كان حيًّا”(7).

والحقيقة أن طعنة الحربة كانت كافية للقضاء على إنسان في ملء صحته فكم وكم مع إنسان مصلوب. لقد كانت الحربة نافذة وقاتلة والدليل على ذلك ما يلي:

أ – طعن الجندي الروماني السيد المسيح بالحربة الرومانية “لانسيا” Lancia وهي عبارة عن رمح طويل له طرف على شكل ورقة الشجر بطرف مدبب يزداد سمكًا مع الاتجاه لجذع الحربة فيحدث جرحًا غائرًا بيضاوي لا يقل عن 6ر4 × 1ر1 سم وقد صممت هذه الحربة بهدف القتل وليس بهدف الجرح فقط، فحتى لو أفترض البعض أن السيد المسيح كان حيًّا عند الضرب بالحربة فلذلك جرى من الجنب الدم والماء، فإننا نقول له: وما رأيك بعد الطعن بالحربة؟ إن كانت هذه الحربة قادرة على إماتة الإنسان الذي في كمال صحته، فكم وكم مع إنسان مصلوب مُنهك مثل شخص السيد المسيح له المجد؟!

ويقول الأستاذ ناجي ونيس الشماس الإكليريكي ” وعجبي يا سيد ديدات!!! إنها اللامعقوليات ذاتها يا رجل، إلى أن العقول أنت تتكلم؟ ومن تريده أن يصدق خيالك العبقري هذا؟ فهل لكي ينقذ الله يسوع من الموت يجعل جنديًا آخر يغزه بالرمح في جنبه؟ أنه كلام غير مقبول ولا معقول لأن الله لو شاء إنقاذ يسوع كما تدعي لفعل ذلك قبل الصليب. فلماذا سمح بصلبه؟”(8).

ب- فعل ” طعن ” الذي استخدمه الإنجيل يدل على أنه يحدث جرح غائر، وقد ترجم إلى الإنجليزية بثلاث معان:

A – Stab: Wound made with apointed weapon or to strike forcefully with a pointed weapon.

B – Prick: Hole made by pricking.

C – Pierce: To go through , pentratee pierce through: often of inficting severe of deadley wound.

جـ- لو لم يكن السيد المسيح قد مات فعلًا فكيف نزل الماء من مكان الجرح؟ لو كان حيًّا لنزف دم فقط، ولانساب الدم مع كل نبضة من نبضات القلب، ولكن الذي حدث أن الدم خرج أولًا من الترسيب (التجلط) الذي حدث. ثم أعقبه سائل البلازما الشفاف الذي دعاه يوحنا ماء، وهذا السائل لا يخرج من جسم إنسان حي.

د – يقول د. صموئيل هفتن أستاذ الفسيولوجيا من جامعة دبلن “عندما طعن الجندي جنب المسيح كان قد مات، وخروج الدم والماء قد يكون ظاهرة طبيعية قابلة للتفسير، أو أنه معجزة. ويبدو في رواية يوحنا أنه لو لم تكن هذه معجزة فإنها على الأقل ليست ظاهرة عادية، ويظهر هذا من تعليق يوحنا على هذا بأنه كان شاهد عيان صادق الرواية، ومن ملاحظاتي على الإنسان والحيوان في معمل التجارب وجدت النتائج التالية:

عندما يُطعن الجسد في الجانب الأيسر بعد الوفاة بسكين كبيرة في حجم حربة الجندي الروماني، فإن النتائج التالية يمكن أن تحدث:

1- أن لا يخرج شيء إلاَّ قطرات قليلة من الدم.

2- سيل من الدم فقط يخرج من الجرح.

3- دفق من الماء فقط تتبعه قطرات قليلة من الدم.

وفي هذه الحالات الثلاث تغلب الحالة الأولى. أما الحالة الثانية فتحدث في حالات الموت غرقًا أو بتسمم الأستركنين.. ويمكن البرهنة على أنها الحالة العادية للشخص المصلوب. أما الحالة الثالثة فتحدث في حالة الموت بذات الجنب أو إلتهاب التامور أو تمزق القلب.

وهناك حالتان لم تسجلا في كتب (إلاَّ في إنجيل يوحنا) ولم يكن من حظي أن ألتقي بهما:

4- سيل غزير من الماء يتبعه سيل غزير من الدم..

5- سيل غزير من الدم يتبعه سيل غزير من الماء..

ويُحدث الصلب احتقان الرئتين بالدم كما في حالة الغرق أو التسمم بالأستركنين، وتحدث الحالة الرابعة للمصلوب الذي كان يعاني قبل الصليب من حالة انسكاب رئوي. أما الحالة الخامسة فتظهر في المصلوب الذي يموت على الصليب نتيجة انفجار أو تمزق في القلب. ودراسة تاريخ الأيام الأخيرة من حياة المسيح، تُظهر أنه لم يكن مصابًا بحالة انسكاب رئوي قبل الصلب، وعلى هذا لا يبقى أمامنا إلاَّ احتمال خروج الدم والماء من جنب المسيح بسبب الصلب وتمزق القلب أو انفجاره، وأعتقد أن هذا الفرض الأخير هو الصحيح، ويتفق معي فيه الدكتور وليم سيراود”(9)(11).

 

كما يجب أن نشير هنا إلى شهود القيامة(10):

1- أنبياء العهد القديم

2- نبوءات السيد المسيح قبل الصليب

3- ظهورات المسيح القائم

4- شهادة الرسل والآباء والمشاهير

5- التغيير المفاجئ في حياة الرسل

6- نجاح الكرازة والتوبة والأفخارستيا

7- الكرازة في أورشليم

8- الجنود والأختام والقبر الفارغ

9- استبدال السبت بالأحد

10- الاحتفال بعيد القيامة

11- أسرار المعمودية والميرون

_____

(1) أسئلة حول 6 – الصليب ص 115 – 149.

(2) راجع كتابنا: أسئلة حول 6 – الصليب ص 149 – 177.

(3) مقالة ” رؤية طبية لموت المسيح ” نشرت في مجلة J. A. M. A الأمريكية في 21/3/1986م.

(4) ترجمة د. صابر عبد الملاك بمجلة السامري الصالح عدد (5).

(5) راجع د. فريز صموئيل – موت أم إغماء ص 74 – 76.

(6) لماذا الصليب بالذات؟ ص 6، 7.

(7) مسألة صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء ص 84.

(8) حقيقة الإيمان المسيحي ص 294.

(9) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 245 – 246.

(10) راجع كتابنا: أسئلة حول 6- الصليب ص 237 – 258.

(11) Frederick Cook Commenttary on the Holy Bible, John Murruy.

هل لم يمت المسيح على الصليب إنما تعرض فقط للإغماء؟

كتاب الإنجيل – اسبيرو جبور

الإنجيل – اسبيرو جبور

كتاب الإنجيل – اسبيرو جبور

الإنجيل – اسبيرو جبور

 

لتحميل الكتاب إضغط هنا

لتحميل المزيد من الكتب المسيحية اضغط هنا

المسيح هو يهوه في المنظور اليهودي – لماذا يجب أن يكون المسيح هو الله من المنظور اليهودي؟ – ترجمة: سانتا نبيل غالي

المسيح هو يهوه في المنظور اليهودي – لماذا يجب أن يكون المسيح هو الله من المنظور اليهودي؟ – ترجمة: سانتا نبيل غالي

المسيح هو يهوه في المنظور اليهودي – لماذا يجب أن يكون المسيح هو الله من المنظور اليهودي؟ – ترجمة: سانتا نبيل غالي 

المسيح هو يهوه في المنتظور اليهودي – لماذا يجب أن يكون المسيح هو الله من المنظور اليهودي؟ – ترجمة: سانتا نبيل غالي

هل يحول العهد الجديد إنسان عادي إلى الله؟ هذا ما يفكر به الناقد الأدبي الحاخام دانيال أسور عن العهد الجديد، حيث يقول:

” إن الإنجيل يرفض رفضاَ تام كل العبادات الوثنية التي تدول حول الإله التي تشبه البشر، أو كون البشر إلها “.

في الثقافات الوثنية في الشرق، كان المعلومون يتسلقون سلما دينيًا حتى يصلوا إلى أعلى خطوة ليصبحوا آلهه عندها. وهذه، بلا شك، عبادة وثنية.

لكن، هل هذا ما يُعلمه الكتاب المقدس والعهد الجديد؟ بالتأكيد لا، لكن الحاخامات يريدونكم أن تظنوا هكذا! فوفقا للعهد القديم، الله ليس بشرا بل هو روح والله يمكنه أن يظهر نفسه بأي هيئة يريدها وهذا ما فعله الله خلال الكتاب المد. وكذلك، لم يقدم العهد الجديد شيء جديد عن هذا، بل أنه يوضح تجلي الله في العهد القديم وأن الله سيظهر نفسه من خلال شخص المسيح.

 

الحاخام توفيا سينجر يسخر من هذه الفكرة:

“كل من يظن أن الله جاء ألينا وتجلى في أي شيء، كجبن أو كالمسيح فسوف يحترق بنار الجحيم”

لكن لنضع ما قاله على جنب لدقيقة ولننظر بعين غير متحيزة لما يعلمنا إياه العهد القديم وما آمن به اليهود في “فترة المعبد الثاني “(تقع هذه الفترة بين 516 قبل الميلاد إلى 70سنة بعد الميلاد) وحتى الحكماء الأقدمون بما يخص بألوهية المسيح.

ميتاترون: (يرجى قراءة كامل المقطع قبل الحكم عليه)

هل تعلم أن وفقا لكتاب زوهار وكتابات الحكماء اليهود القدماء (مع العلم أن العهد الجديد كُتبَ قبل كتاب زوهار وكتبات حكماء اليهود بكثير) ” كان ميتاترون الذي يوصف ” بأمير العالم وقوة الله “ولديه صفات من الله نفسه؟ وهو أعلى مرتبة في السلالات الملائكية ومثل الله هو أيضا يجلس على عرشه الممجد ويرتدي على رأسه تاج صُنع منه العالم وهو نور من الله والذي يدعى ب الـ”إله الصغير”.

إن ما قاله البروفيسور إيديل رئيس قسم العلم اليهودي بكون الجامعة اليهودية تصف طبيعة ميتاترون وموقعه ” كنصف إله نصف بشر” وهو الذي يصلح أخطاء البشر ويوجههم لملئ غايتهم الحقيقية. ويستمر كتاب زوهار بشرح صفات وشخصية ميتاترون كحامل صورة الله وممثلا خلق الله، وإنه ملاك العهد وإله صغير، وبكر الله وكوسيط لله ومسئول عن خليقة الله وأكثر.

الوصف اليهودي يدل على تخبطهم في من يكون هذا؟ وشرح صفاته مما جعلهم يدعونه إله صغير. وهذا لإبعاد الفكرة عن يهوه نتيجة التشابه المتماثل. ومن المثير للاهتمام أن من يقرأ العهد الجديد سوف يرى أن هذا تماما يشبه ما عُرفَ به يسوع المسيح في العهد الجديد. على الرغم من أن حكماء اليهود قد فَهموا أن الله يُظهر نفسه للبشر. وهم اختاروا ألا يعترفوا بيسوع، أو المسيح مُرسَل الله، ولذلك صنعوا لنفسهم بديلاَ وهو ميتاترون.

 

إن فكرة إظهار الله عن نفسه لنا بهيئة بشر مبنية على الكتب المقدسة اليهودية.

إن العهد القديم مملوء بأمثلة ونبوءات لتوضح أن الله سيُظهر نفسه لنا على هيئة بشر وسيُعاني عنا وسيموت عنا وسيُعطيننا التضحية الكاملة عن ذنوبنا. والآن سنُراجع بعض الأمثلة على أن الله يُظهر نفسه في العهد القديم ويهيئنا لمجيء المسيح.

لنبدأ بسفر التكوين 3:

“وسمعا صوت الرب الاله ماشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار، فاختبأ ادم وامراته من وجه الرب الاله في وسط شجر الجنة. فنادى الرب الاله ادم وقال له: «اين انت؟». فقال: «سمعت صوتك في الجنة فخشيت، لأني عريان فاختبات». فقال: «من اعلمك أنك عريان؟ هل اكلت من الشجرة التي اوصيتك ان لا تأكل منها؟» فقال ادم: «المرأة التي جعلتها معي هي اعطتني من الشجرة فأكلت». فقال الرب الاله للمرأة: «ما هذا الذي فعلت؟» فقالت المرأة: «الحية غرتني فأكلت».  

وهذا يعني أن آدام وحواء يتكلمان مع الله شخصيا والذي يمشي في حديقة عدن.

في سفر التكوين 18 نقرأ عن ابراهيم الأب والابن:

وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَقْتَ حَرِّ النَّهَارِ، فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا ثَلاَثَةُ رِجَال وَاقِفُونَ لَدَيْهِ. فَلَمَّا نَظَرَ رَكَضَ لاسْتِقْبَالِهِمْ مِنْ بَابِ الْخَيْمَةِ وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ. وَقَالَ: «يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلاَ تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ.

بعد ذلك، في النص، في الآية 22، يقول النص صراحة:

وَانْصَرَفَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَذَهَبُوا نَحْوَ سَدُومَ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ قَائِمًا أَمَامَ الرَّبِّ. “

بينما رحل الملائكة الثلاث بقي الله مع إبراهيم.

 

“يهوه ” (وهو اسم الله ذكر في العهد القديم) الرب هو الذي ظهر لإبراهيم.

إن ابراهيم يتعرف على أحد الملائكة أنه الله ولهذا يركع أمامه ويدعوه ليأكل معه، وإن التلمود يَعترف بهذا أيضاً. وفي الإصحاح يأتي الله بذاته لزيارة إبراهيم وكما شرحه الحاخام ستينستالز لقد خرج إبراهيم ورأى الله يقف بقرب المدخل. وهو الذي قال “ إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلاَ تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ.

وفي نفس الإصحاح المقطع 13 إن الله الذي يأكل مع إبراهيم يسأله سؤال فَقَالَ الرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ: «لِمَاذَا ضَحِكَتْ سَارَةُ… “ لا يمكن لهذه المقاطع أن تفهم بأي طريقة سوى أن: أحد الملائكة الثلاث يُعَرْف كونه الله ويَعد إبراهيم أن يعود لزيارته بعد سنة بعد أن تلد سارة ابنً. وتسمع سارة الأمر وتضحك ويجيبها الرب. فلا يمكن تفسيره سوى أن الله قد كان حاضرا على العشاء شخصيا بوجود سارة وإبراهيم.

وبعد أن قدم إبراهيم لله الزبد والحليب واللحم وقد علق بعضها في لحيته، كما حدث لموتي. فلو أن هذه الآيات قد كُتبت في العهد الجديد بدل العهد القديم فإن الحاخامات كانوا ليقولوا إن هذه الآيات وثنية وكانوا ليسخروا منا ويسألونا ‘ن كان وزن الله قد زاد بعد العشاء. وذلك لأن هذه هي حجج الحاخامات التي يهاجمون بها فكرة تجلي الله بيسوع المسيح، فإذا ظهر الله بنفسه لإبراهيم لعدة ساعات فما الذي سيوقفه عن تجليه بصورة بشر بشخص السيد المسيح لعدة سنين.

هل سمعت بمصطلح ” المسيح الملك ” وهي النبوءة عن المسيح موجودة في إصحاح ارميا 23:

هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأُقِيمُ لِدَاوُدَ غُصْنَ بِرّ، فَيَمْلِكُ مَلِكٌ وَيَنْجَحُ، وَيُجْرِي حَقًّا وَعَدْلًا فِي الأَرْضِ. فِي أَيَّامِهِ يُخَلَّصُ يَهُوذَا، وَيَسْكُنُ إِسْرَائِيلُ آمِنًا، وَهذَا هُوَ اسْمُهُ الَّذِي يَدْعُونَهُ بِهِ: الرَّبُّ بِرُّنَا. “

و”الغصن ” هو مصطلح شائع للدلالة على المسيح، فارميا يتنبأ بأن هذا الغصن من سلالة داوود سوف يجلب الخلاص ل إسرائيل.

ماذا سيكون اسمه؟ الرب مُخلصنا

في العهد القديم لا يوجد أحد سوى الرب يُدعى يهوه، الرب (السيد) لكن هنا المسيح يطلق عليه لقب “الرب مُخلصنا ” على خلاف أسماء دانيال (الرب حاكمي) وايليناداف (ربي الرحيم)، لكن هنا، يُذكر الإسم الصريح ليهوه.  ي-ه-و-ه.

في المدراش[1] على سفر الأمثال، الجزء التاسع عشر:

“يقول راف هونا: اسماء المسيح السبعة هي: ينون الرب خلاصنا، غُصننا، عزاء، نسل داوود (داوود) شيلو وإيليا”.

في المدراش على مراثي ارميا قد فُسِرَ المقطع كالتالي:

“ما هو اسم المسيح الملك؟ فيقول الحاخام ابا بار كاهانا: “الرب” (السيد) هو اسمه وسيدعونه “الرب مًخلصنا”.  ووفقا للحاخام يوحنان بار ناباها سوف يُدعى المسيح باسم الله. وكما قال أيضا: هؤلاء الثلاثة سوف يُدعون باسم الله: المخلص، المسيح، والمسيح بيت المقدس (جورساليم Jerusalem) كما كتب في ارميا 23 “بالرب مُخلصنا”.

وفقا للحاخام يوحنان بار نفحا، فإن المسيح سوف يُدعى باسم يهوه:

“قال الرابي يوحنان: “هؤلاء الثلاثة سوف يُدعون باسم الرب: الأبرار، المسيح وأورشليم، … المسيح لأنه مكتوب (سفر إرميا 23) وهذا هو الاسم الذي سيدعونه به: الرب برنا”

المسالك الصغرى في المدراش، سوفريم 13 هالاخا 12:

“نحن…. الرب إلهنا في ايليا النبي عبدك وفي ملكوت داوود المسيح سيظهر قريبا لأبنائه وعلى عرشه لن يجلس أحدًا ولا يعطي مجده لغيره. لأنه باسمك المقدس وعدته بأن مصباحه لن يطفأ إلى الأبد. “في أيامه يخلص يهوذا وتسكن إسرائيل بشكل آمن، وهذا هو الاسم الذي سيطلق عليه: الرب برنا. ” تبارك أنت يا رب الذي يرفع قرن الخلاص لشعبه إسرائيل”

وهنا أيضاً في ارميا 23 عُرِفَ المسيح ب ” الرب مُخلصنا “:

“عندما أعترف كلاهما بأعمالهما، كان يهوذا جنب إلى جنب مع روبن. ومنذ أن: من أمر طريقه الحق سأظهر خلاص الله الذي اعترف به يهوذا وبالتالي سيرث الملكوت، وسيأتي منه المسيح الذي سينقذ إسرائيل كما هو مكتوب ” في أيامه سوف يُخلِصُ يَهوذا ” (Tzror Hamor, Genesis Vayechi).

إن المُعِلق يشرح أن يهوذا تصرف بصلح حيث أن من نسله سوف يأتي المسيح، ويبني تعليقه السابق على إصحاح ارميا 23 المقطع السادس ” فِي أَيَّامِهِ يُخَلَّصُ يَهُوذَا، وَيَسْكُنُ إِسْرَائِيلُ آمِنًا، وَهذَا هُوَ اسْمُهُ الَّذِي يَدْعُونَهُ بِهِ: الرَّبُّ بِرُّنَا”. وفي شرح آخر هو أيضا يرى في هذه النبوءة عن المسيح وأن المسيح سوف يكون الله.  

في “مدراش تلهيم” يقول إن الرب يدعو المسيح باسمه وهو “رَبُ الجنود ” وسوف ندعوه المسيح وسوف يُدعى الرب مُخلصنا. ” ((لذلك تعلمنا النبوءة المسيحية الموجودة في ارميا 23 أن المسيح سيكون الله نفسه. حتى الحكماء اليهود القدماء قد فسروا المقطع وعلّموه بنفس الطريقة)) بالمناسبة إن بعض الأشخاص من ضمن حركة شاباد[2] يَدعي أن الحاخام سكنييرسون كان الملك المسيح وتجسيد الله بشريا طبقا لهذا الإصحاح.

لذلك، فإن النبوة المسيانية الموجودة في إرميا 23 تعلمنا أن المسيح سيكون الله نفسه. حكمَ الحكماء (Sages) أنفسهم ودرّسوا هذا المقطع بنفس الطريقة.

بالمناسبة، يدعي البعض في حركة حباد أن الحاخام شنيرسون Schneerson كان الملك المسيح، والله الآخذ جسداً، بناءً على هذا المقطع.

فلنكمل.

للأبد، ومنذ قديم الأزل

هنا سَننظر إلى ميخا الذي تنبأ أن المسيح سوف يولد إلى مدينة ببيت لحم وأن أصله من قديم الدهر.

” أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ«. “(ميخا 5:2)

وقد فسر الحاخام دافيد كيمحي هذه الآية، وقال:

“إن أصله من قديم الزمان ولكل الزمان وبزمانه سيعترفون بذلك…. وها هو الرب وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ. “

وهذا يعني أن المسيح: أبدي أزلي.. إنه الله!

 

الله المطعون

فوفقا لسفر زكريا الأصحاح 12 الله يخبر بيت داوود يوما ما في المستقبل “سينظرون إليّ، الذي طعنوه”.

فكيف سيُثقب جسد الرب إن لم يتجسد من لحم ودم؟

قد نسب التلمود البابلي هذا المقطع أيضا للمسيح:

“إنه قد قُيلَ عن المسيح، ابن يوسف، أنه سيُقتل كما ذُكر في إصحاح ذكريا 12 فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ

ابن الإنسان الذي يأتي على سحابة

هنا الرب يأتي لنا من بين الغيوم ويظهر لنا كبشر. وله تُقدم الأمم الأضاحي والقرابين وله يتعبدون (وهو الذي يعبدون). كما ذكر في إصحاح دانيال 7:

” كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ. “

 

فالاستنتاج الأكثر منطقية يمكن أن يؤخذ من الكتابات القديمة، اللفافة 4Q246 ، إحدى لفافات قمران التي وُجدت في البحر الميت، المُؤرخة في القرن الثالث قبل الميلاد قبل الهد الجديد وقبل المسيح ففي هذه اللفافة وصفت التوقعات المسيحية من اليهود. ففي ذلك الوقت ووفقا لنبوءة دانيال 7 المسيح سيكون ابن الله فلذلك وفقا لليهود الأوائل المسيح هو الله. ومن المؤكد أن الذين كتبوا هذه اللفافة عن نبوءة دانيال لا يمكن تصنيفهم “كمبشرين مسيحيين”.

فقط الله يمكنه أن يُخلِّص

إن نظرنا إلى الموضوع بذاته من وجهة نظر فلسفية ولاهوتية يجب أن يكون المسيح هو الله وذلك لأن هدف المسيح الأساسي هو أن يَجلُب الخلاص، والعهد القديم يقول لنا أن الله وحده فقط من يَجلُب الخلاص:

  • “أَنَا أَنَا الرَّبُّ، وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ.” (اشعياء 43:11)
  • “أَخْبِرُوا. قَدِّمُوا. وَلْيَتَشَاوَرُوا مَعًا. مَنْ أَعْلَمَ بِهذِهِ مُنْذُ الْقَدِيمِ، أَخْبَرَ بِهَا مُنْذُ زَمَانٍ؟ أَلَيْسَ أَنَا الرَّبُّ وَلاَ إِلهَ آخَرَ غَيْرِي؟ إِلهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ. لَيْسَ سِوَايَ.” (اشعياء 45:21)
  • “وَأَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، وَإِلهًا سِوَايَ لَسْتَ تَعْرِفُ، وَلاَ مُخَلِّصَ غَيْرِي.” (هوشع 13:4)

فإذن، الرب وحده هو الذي يُخلصُنا وكما نعرف أن هدف المسيح هو خلاصُنا وهنا إما أن هنالك تعارض أو أن المسيح هو بحق الرب المُخلص. يمكننا ذكر أمثلا كثيرة كيف أظهر الله عن نفسه لنا بشكل بشر وبالأخص بيسوع المسيح وهذه الأمثلة هي ليست فقط من العهد القديم بل ومن كتابات الحكماء اليهود القدماء.
هذه ليست عبادة وثنية أو عبادة مَثل أعلى…. ولا حتى تبشير مسيحي.

يجب عليك أن تعترف لفكرة (أن وفقاً لله نفسه) أن الذي كَون العالم أحبنا بشدة ولدرجة أنه بكل طواعية تواضع وتنزل وظهر لنا كبشر، عاش وتعذب ومات فقط لأجل خلاصنا. أنه لمُذهل هذا الأمر ويجب أن يجعلُنا هذا من جهة ممتنين ومن جهة أخرى متواضعين في تعاملنا مع بعضنا.
فإن الله هو الكامل الذي ضَحى بنفسه لأجلنا نحن الغير كاملين فإذا كم علينا أن نكون مستعدين للتضحية لأجل بعضنا البعض؟

المسيح هو الله المتجسد

كمثال: “قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ». ” (يوحنا 8:58) او ” أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ» يوحنا (10:30) وكذلك كل العهد الجديد يحمل هذه الفكرة عند وصف حياة يسوع. فعندما كتب بولس الرسول رسالته إلى أهل كولوسي:

” الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ” (كولوسى 1: 15-17).

وكذلك رسالته الثانية إلى أهل كولوسي ” فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا “ (كولوسى 2:9)

ففي قول إن يسوع هو الله الحي فهنالك احتمالان أما هذا صحيح أو غير صحيح. فإذا قال الحق فإن نبوءات العهد القديم قد تحققت وأظهر الله نفسه لنا بالجسد، بشخص السيد المسيح. وكُلُّ ما علينا هو أن نؤمن به وبمجده وسلطته. أو نرفضه إذا كان ما قاله غير صحيح.

فإذا كان المسيح غير صادق وغشاش فكيف يمكن أن يكون أنبل وأطهر شخصية عرفتها البشر منذ بداية حياته وحتى نهايتها؟ وسيكون من المستحيل تفسير تعاليمه العميقة الأخلاقية النبيلة، ومعاييره العالية التي علمها وحقيقة أنه كان دائما يبني كلماته على القانون والأنبياء. ويأتي مثل هذا الرد من – صدق أو لا – الملحدين.

جون ستوارت فيلسوف معروف يعترف:

“حياة المسيح وتعاليمه تحمل ختم الأصالة الشخصية، وتعطي منظور عميق. فهو قد وقف في الصف الأول بجانب بعض من أفضل الناس التي قد يتطلع أليها الجنس البشري. فعبقرتيه المطلقة ممتزجة بالفضائل تجعل منه شخص الذي يبدو أنه المثل الأخلاقي الأقدس في تاريخ البشر. ولذلك أنه ليس من الخطاء أن نرى هذا الشخص المثال الأفضل كقائد للبشرية. وحتى الذين لا يؤمنون به سوف يَصعُب عليهم جداً إيجاد طرق أفضل من طرقه، طرق لتطبيق التعاليم الأخلاقية فعليا.

الشخص الذي يَظُن أنه الله في ضمن مجتمع يهودي توحيدي كالذي عاش فيه يسوع ويجرأ على أن يقول للآخرين أن مصيرهم الأبدي مرتبط بأيمانهم به؟ هذا كان ليبدوا كحلم غريب له كشخص قد جُنَّ بالكامل. لكن شخص يسوع لا ينطَبق على هذه المواصفات؟

قال نابليون الشهير:

” أنا أعرف الناس وأقول لك إن يسوع المسيح ليس مجرَد شخص عادي، فكل شيء عن يسوع يُذهلني. وروحه تبُث فيي الخوف وإرادته تبهرُني. لا يمكن مقارنته بأيّ أحد في العالم، هو فريد من نوعه أنه من المستحيل تفسير أفكاره وآراءه ولا الحقيقة التي علمها…. وكلما اقتربت أكثر منه كلما تمعنت بالأشياء أكثر. فكل هذا فوق مقدرتي فسيبقى شيء عظيم وهائل وغير عادي.

إن إيمانه هو لوحي الذي يكمن أصله في العقل والذي لا شك أن مصدره ليس في البشر. من المستحيل العثور على أي شيء مثل حياته، باستثناء حياته. لقد بحثت في التاريخ عن شخص يقترب من يسوع، ولكن دون جدوى. أو شيء يضاهي الإنجيل. لكن لا التاريخ ولا الإنسانية، ولا المواسم ولا الطبيعة، يمكن أن يقدموا شيئًا يمكن مقارنته بيسوع. ولا يمكنهم شرحه. كل شيء عنه ببساطة استثنائي. “

أيضاً كاتب سلسلة ” نارنيا ” البروفيسور كلايف ستابلز لويس كتب:

” إن التحدي التاريخي لشرح حياة يسوع وكلماته وتأثيره كبير للغاية. التناقض بين عمق ووضوح تعاليمه الأخلاقية وبين جنون العظمة التي يجب أن تكون مخفية في مكان ما في تعاليمه اللاهوتية. ما لم يكن الله حقا، لم يتم شرح تعاليمه بشكل مرضٍ بعد. “

Why Messiah must be God! Dr. Eitan Bar

[1] المدراش (بالعبرية מדרש) هي سلسلة ومجموعة من التعليقات القديمة على كل أجزاء التناخ (العهد القديم) بتنظيم وتقسيم مختلفين من مجموعة إلى أخرى ويوجد بعض من أجزاء من المدراش في التلمود.

[2] حركة حباد (بالعبرية: חסידות חב”ד ליובאוויטש) هي حركة حسيدية في اليهودية الأرثوذكسية وهي واحدة من أكبر الحركات الحسيدية المعروفة في العالم، المقر الرسمي لها في بروكلين بنيويورك، وهي أكبر منظمة يهودية في العالم، وقد أسسها الحاخام شنيور ملادي عام 1788، وقد نشأت الحركة في بيلاروسيا، ثم انتقلت إلى لاتفيا، ثم بولندا، ثم الولايات المتحدة الأميركية، عام 1940.

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

مقدمة

هل ترجم الإنجيل (والكتاب المقدس بعهديه) إلى اللغة العربية، قبل الإسلام أم بعده؟ سؤال شغل الكثيرين من الباحثين ماضيا وحاضرا، وما زال يطرحه المعاصرون من العاملين في هذا الميدان. حقا، هذا الموضوع شائك، وقد تضاربت الآراء فيه. نحاول بهذه الإلمامة المتواضعة أن نوضح هذه المشكلة.

آراء متنوعة

من المعلوم أنه لم تصل إلينا أي ترجمة عربية سابقة للإسلام، إلا أن هذا الواقع ليس دليلا على عدم ترجمة الكتاب المقدس في الجاهلية؛ وإليك عرض سريع لأهم الآراء:

الأب لويس شيخو اليسوعي، دافع عن وجود ترجمة للكتاب في الجاهلية، مؤيدا رأيه بأدلة عديدة[1]، وتبعه عبد المسيح المقدسي في مقال قيم ظهر في مجلة المشرق البيروتية[2]. ثم نشر المستشرق أنطون باو مشتارك عددا من المقالات ابتداء من العام ۱۹۲۹ حتى ۱۹۳۸ لإثبات الرأي نفسه.

أما جورج غراف الألماني، فقد أثبت أن الترجمات العربية التي وصلت إلينا لا ترجع إلى أيام الجاهلية. ولكنه يفترض وجود ترجمة عربية للكتاب المقدس (أو الأجزاء منه) قبل الإسلام.

ثم ذكر ألفريد غليوم نضا من «السيرة النبوية» لإبن إسحق يستدل به على وجود ترجمة عربية لإنجيل يوحنا في بداية القرن السابع الميلادي.

وعالج آرثر فويس الموضوع باختصار، فتوصل إلى النتيجة ذاتها التي كان قد توصل إليها جورج غراف وكذلك فعل رابين في مقاله، عن «اللغة العربية التي كتبها لدائرة المعارف الاسلامية الجديدة. فأكد أن بعض أجزاء الكتاب المقدس كانت متداولة في الجاهلية، وأن واضعها من النصارى لا اليهود. وقدم جوزيف هنجر نظرة سريعة عن بعض الآراء، وأيد أخيرا رأي جورج غراف.

ثم جاء يوشع بلاو فأنكر وجود ترجمة عربية للكتاب المقدس سابقة للإسلام، اعتمادا على أدلة لغوية، وردا على أنطون بو مشتارك.

بعد هذا العرض لأهم الآراء نرى أن نختمه بتقديم رأي الدكتور جواد علي، لإحاطته موضوع الجاهلية فيقول:

ويظهر من بعض روايات الإخباريين أن بعض أهل الجاهلية كانوا قد اطلعوا على التوراة والإنجيل، وأنهم وقفوا على ترجمات عربية للكتابين. أو إن هذا الفريق كان قد عرب بنفسه الكتابين كلا أو بعضا، ووقف على ما كان عند أهل الكتاب من كتب في الدين، فذكروا مثلا أن ورقة بن نوفل: «كان يكتب الكتاب العبراني، ويكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب». وقالوا: «وكان أمرؤ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي من الإنجيل ما شاء الله أن الكتاب المقدس واللغة العربية يكتب». وذكروا مثل ذلك عن أمية بن أبي الصلت. فقالوا: إنه كان قد قرأ الكتب المقدسة، وقالوا مثل ذلك عن عدد من الأحناف.[3]

وبعد ذكر هذه الأمثلة، أبدى المؤلف رأيه قال:

ولا يستبعد وجود ترجمات للكتاب المقدس في الحيرة. ولما عنها من تقدم في الثقافة وفي التعليم والتعلم، ولوجود النصارى المتعلمين فيها بكثرة. وقد وجد المسلمون فيها حينما دخلوها عددا من الأطفال يتعلمون القراءة والكتابة، وتدوين الأناجيل؛ وقد برز نفر منهم وظهروا في علوم اللاهوت، وتولوا مناصب عالية في سلك الكهنوت في مواضع أخرى من العراق، فلا غرابة، إذا ما قام هؤلاء بتفسير الأناجيل وشرحها للناس للوقوف عليها، ولا يستبعد تدوينهم لتفاسيرها أو لترجمتها، لتكون في متناول الأيدي، ولا سيما بالنسبة إلى طلاب العلم المبتدئين، ولا يستبعد أيضا توزيع بعض هذه الترجمات والتفاسير إلى مواضع أخرى لقراءتها على الوثنيين وعلى النصارى للتبشير.[4]

ونحن إذ نؤيد رأي الدكتور جواد علي ونحبذه، نقول بهذا الصدد:

إن عدة قبائل من العرب أخذت تدين بالنصرانية منذ أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع، بعضها في العراق کالعباديين، وبعضها في بادية الشام كغسان، وبعضها في اليمن والحجاز كبني الحرث (الحارث) وأهل نجران [5]

افلا يقبل العقل أن هذه القبائل العديدة بقيت نحو مائتين وثلاثمائة سنة دون أن يطلع أصحابها على الأناجيل في اللغة العربية. أفليس عن بني غسان وإنجيلهم قال النابغة:

“بمجلتهم ذات الإله ودينهم قويم فلا يرجون غير الوقوف”.

ومن هذه الدلائل أيضا ما جاء في شعر بعض الأقدمين أمية بن أبي الصلت، وعدي بن زيد، وغيرهما من شعراء النصرانية في الجاهلية؛ فإنك ترى في دواوينهم إشارات واضحة إلى نصوص من الإنجيل بل قطع مطولة من التوراة والإنجيل.

وكذا جاء عن البراق أنه كان تعلم تلاوة الإنجيل على أحد الرهبان.[6] وفي سيرة ابن هشام نصوص أخرى من الإنجيل بالعربية نقلها ابن هشام عن محمد بن إسحق. وتراه هناك قد استشهد بالآية الواردة في إنجيل يوحنا (15: 26) على هذه الصورة: “فلو قد جاء المْنَحْمَنَا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب وروح القسط، الخ”؛ وفي لفظتي “مْنَحْمَنَا و «روح القسط» ما يدل على أن الترجمة العربية التي يشير إليها نقلت عن النسخة السريانية الفلسطينية.

ومن البراهين المقنعة أيضا أن القرآن ذكر الإنجيل مرارا، وقال عنه إن فيه نورا وهدى؛ ففي إشارته إلى الإنجيل ومضمونه دليل بين على أن هذا الكتاب كان معروفا عند العرب منقولا إلى لغتهم.[7]

على أن هذا التعريب القديم للإنجيل المقدس أخذته يد الضياع لما شاعت بعد ظهور الإسلام ترجمات محكمة. وأول نقل جاء ذكره في التاريخ أثبته ابن العبري (1226 – 1286) في تاريخه الكنسي بالسريانية، فروى هناك أن الأمير عمرو بن سعد بن أبي وقاص أرسل فاستقدم إليه البطريرك يوحنا (۱۳۱ – 64۹)، وأمره بأن ينقل له الإنجيل إلى العربية بشرط أن يحذف منه ما يختص باسم المسيح الاله والعماد والصليب. فأجابه يوحنا أنه يفضل الموت على أن يترك منه ياء أو نقطة، فلما رأى عمرو عزيمته قال: «اذهب واكتب ما تشاء». فترجمه بمساعدة من بني لحم المسيحيين.[8]

تنامي حركة التعريب قبل الإسلام

ومضى المسيحيون في حركة تعريب كتابهم المقدس إلى اللغة العربية – منذ انتشار المسيحية بينهم في القرن الرابع – ومن بينها الترجمة التي وضعت في نهاية القرن التاسع الميلادي، وقد استشهد بهذه الترجمة الجميلة الامام الزيدي أبو القاسم الطبطبائي في رده على النصارى.

وإذا اعتبرنا وعرفنا أن من أهم شعائر الدين المسيحي في كنائس المشرق وأحبها إلى الشعب كان أن تقرأ كل يوم مساء وصباحا، وإلى يومنا هذا، قطع من الكتب المقدسة[9]، وأن هذه العادة كانت قديمة عندهم، فيجوز لنا أن نفترض أن الحاجة الكنائسية اضطر رؤساء الدين المسيحي في البلاد العربية إلى نقل، ولو هذه القطع فقط، إلى لغة الشعب من يوم أصبح للعرب بيع يقيمون فيها صلواتهم وطقوسهم الدينية، و إلا اضطررنا أن نفرض أن هذه الطقوس وتلك القراءات كانت تقام وتقرأ[10] في بيعهم وبيوتهم وأديرتهم في إحدى اللغات الأجنبية، وهذا محال لا يقبله العقل ولا يتفق مع الشواهد العقلية.

على أن البيع والأديرة والصوامع إلى غير ذلك من بيوت العبادة، لم تقم في كل بلدة أو قرية دخلتها النصرانية من بلاد العرب، إما لقلة من دخل في النصرانية في بعض المدن والقرى، أو لفقر أهاليها وتفرق كلمتهم وآرائهم الدينية بين کسائية وأبيونية وأريوسية وصابئية وحنيفية ونسطورية ونصرانية[11]، وإما لأسباب أخرى بجهلها. إلا أن هذه العراقيل لم تكن لتمنع أصحاب النحل المسيحية وأهل التقوى والعبادة منهم أن يؤلفوا حلقات دينية كانت تجتمع في بيوت الخاصة لقراءة بعض الكتب والأسفار المزورة التي شاعت بين العرب خاصة، أو كتب أخرى منقولة عن السريانية واليونانية.

ويؤيد هذا الفكرة ما نعرفه عن حلقة الحنيفيين في مكة الذين عناهم محمد، كما يخال لي، في سورة النحل (آية 45) حيث سماهم أهل الذكر»، والذين كان محمد يتردد إليهم قبل إظهار دعوته[12] ليسمع قراآتهم، ويشترك معهم في إعتكافاتهم الدينية، وتلاوتهم للكتب المنزلة أو المزورة. فقد ذكر صاحب الأغاني عن ورقة بن نوفل، أحد هؤلاء الحنيفيين وابن عم خديجة زوج محمد الأولى، “أنه كان أمرا تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء أن يكتب”.

وقد جاء في مروج الذهب: «وكان ورقة قرأ الكتب ورغب عن عبادة الأوثان، ولم يذكر أسماء الكتب التي كان يقرأها، وهل كانت عربية أو عبرانية، كما قد يؤخذ من عبارة صاحب كتاب الأغاني، على أننا نعتقد أنها كانت عربية مكتوبة بأحرف عبرانية، كما يجب أن تفهم عبارة الأغاني، إن لم يكن وقع فيها تحريف، وحجتنا على ذلك أن العرب كانوا – قبل أن تشيع بينهم الأحرف النبطية – يكتبون بأحرف عبرانية أو سريانية أو يونانية، وأن صحيحي البخاري و مسلم اللذين نرجح أن صاحب الأغاني أخذ عبارته عنها لم يذكروا العبرانية بل العربية، وهذه عبارة البخاري بنصها: «وكان ورقة امرءًا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء أن يكتب.

فإذا صح هذا الافتراض، جاز لنا أن نستنتج منه أن الأناجيل، أو قسما منها، نقلت إلى العربية قبل الإسلام، إذ يصعب علينا أن نسلم بأن نصارى الحيرة وسورية واليمن وشبه جزيرة سينا (الآيلة) وفلسطين ويثرب والطائف يقرأون في كنائسهم وأديرتهم الأناجيل والمزامير وغيرها من كتب العهدين بلغات غير مفهومة، أو لا يقرأونها في هذه اللغات – هذا إن فرضنا أنهم كانوا يقرأونها فيها في بادئ الأمر – زمنا طويلا، وبعد أن شاعت بينهم الأحرف العربية الحاضرة التي صاروا يدونون فيها تاريخ بيعهم وأهم حوادئهم المدنية والكنائسية[13]، وكتاباتهم على أبواب أديرتهم[14]، وضرائحهم.[15]

زد على ذلك ما ذكره أحد المؤرخين من أن ملك الحبشة إيلا إسبيبا، أرسل سنة ۵۲۰ ميلادية إلى إمبراطور بيزنطية قسما من إنجيل لنصارى بحران نجا من الحريق. نعم، إن صاحب هذا الخبر لم يذكر لغة هذا الإنجيل، على أننا – استنادا إلى ما قدمنا من الاعتبارات – نرجح أنها كانت العربية[16]حيث النجرانيون عرب أقحاح.

أما وقد ترجح عندنا أن بعض الكتب المقدسة نقل إلى العربية قبل الإسلام، فطبيعي أن نتساءل عن اللغات التي نقلت عنها هذه الكتب، وعن أسمائها، لعلنا نجد في الجواب عن هذين السؤالين دعامة أخرى ندعم بها أو نقوي فكرتنا الأساسية، التي نحاول تأييدها في هذه العجالة[17].

التعريب بعد الإسلام

بعد الفتح الإسلامي للعراق وبلاد الشام، تعددت الترجمات العربية وانتشرت في كل أنحاء المشرق[18]. وهذه النسخ عديدة، منها نسخة في المكتبة الفاتيكانية، يرقى عهدها إلى القرن الثامن للمسيح، والذين سعوا في هذه الترجمة هم رهبان دير القديس سابا بقرب القدس. وفي ديرهم نسخ قديمة محفوظة فيه حتى الآن، وكذلك في دير الصليب المجاور للقدس. وهناك نسخ منقولة إلى العربية عن الأصل السرياني المعروفة بـ “البسيطة”، “بشيطو”، أقدمها النسخة التي وصفها غلومیستر، ورقى عهدها إلى ما بين سنتي ۷۵۰ – ۸۰۰ م.

وجدير بالذكر أن الأناجيل المقدسة ترجمت في نهاية القرن التاسع الميلادي، وقد استشهد بهذه الترجمة الجميلة الإمام الزيدي أبو القاسم الطبطبائي في رده على النصارى (في القرن العاشر الميلادي).

أما مزامير داود فقد ترجمها شعرا الأسقف الأندلسي الحفص بن البر القوطي في منتصف القرن العاشر الميلادي، وهي جوهرة الأدب المسيحي العربي.

وهنا يسرنا أن نورد نموذجا من ترجمة الحفص الموضوعة سنة ۸۸۹ م، نقلا عن الخطوط الفريد المحفوظ في ميلانو.

المزمور الأول

قد أفلح المرء الذي لم يذهب          في رأي أهل الجرم فعل المذنب

ولم يقم على سبيل الآثمة            ولا يكن يجلس بين الظلمة

في مقعد الأزراء والتداهي             لاكن هواه في كتاب الله،

کان، وفیه تالیَا مردَدًا                    نهاره وليله مجتهدا

مثاله شجرة قد غرست                على سواقي الماء حين نقلت

ثمارها لوقتها قد تثمر                  وليس منها ورق ينتثر

وكل ما يفصله قد يصلح               وفعله فعل صعيد مفلح

ليس كذلك الكفار بالتصحيح          بل كغبار ذاهب بالريح

لذلك لن يبعث أهل الفضل           ويوم القصاص والجزا والفصل

عرف سبل الصالحين الرب           والكافرون لهم تتب

المزمور الثامن

يارب يا مالكنا ما أعظم                   في كل أرض اسمك المكرم

قد اعتلا على السماء عزّك             وفوق كل شامخ علوك

جعلت من السنة الأطفال              والمرضعين الحمد ذا الكمال

لأجل شأني، ليهدي المبغض          والواثر المخالف الممرض

أرى السماء ما برت أصابعك            والبدر فيها من مصانعك

والأنجم الزهر التي جعلت،             مشرقة فيها كما قدرت

ماذا هو الإنسان حتى تذكره؟          وما ابنه، إذا بالبلا تختبره

نقصته القليل عن الله                    وستحليه بتاج باه

عزا وقدرا وعظيم الجاه                  مقدماله بلا إشتباه

جعلت كل مابرت يداك                   من تحت رجليه جميع ذاك

من بقر ومن صنوف الشاء،             ومن مواشي القفر في الصحراء

ومن طيور الجو والحيتان                اللاتي في الموج وفي القيعان

السالكات سبل البحار                  جريا بلا حث ولا آثار

يا رب، يا مالكنا، ما أعظم              في كل أرض اسمك المكرم

تاتيان وإنجيل “الدياطسرون”

تاتيان، ولد وثنا حول سنة ۱۱۰ م، ودرس الأدب والخطابة والتاريخ والفلسفة باليونانية. راق له كتاب التوراة، فتنصر ولزم القديس يوستينوس، ثم أنشأ أو اتبع شيعة الانکراتیت (الأعفّة الغلاة)، فأبسلته (حرمته) الكنيسة. قضى تحبه حول سنة 180م.

أما الدياطسرون فهو لفظ يوناني مركب، مدلوله «من خلال الأربعة)، وهو اسم الإنجيل الموحد الذي يشتمل على سيرة السيد المسيح، جمعه في خمسة وخمسين فصلا طيطانوس الحديابي المولد، المعروف بالآثوري، وذلك في حدود سنة 172 م، ووقع الدياطسرون عند السريان في الرها وولايتي الفرات وما بين النهرين أجمل موقع لسهولته وجودة إنشائه وترتيبه التاريخي، فأطلقوا عليه اسم «الأناجيل المختلطة»، وتبسطوا في نشره، واستشهد به أفراهاط، وفشره مار أفرام السرياني.

ودام استعمال الدياطسرون حتى الربع الأول من المئة الخامسة، إذ ألغاه رابولا مطران الرها، حرصا على سلامة الكتاب، وأحل محله الأناجيل المفردة. فزال تداوله من الكنيسة، وبقي منه نسخ للمطالعة. ووجد منه في أواسط المئة التاسعة نسخة بخط عيسى بن على المتطيب، تلميذ حنين بن إسحق، وهي التي نسب نقلها إلى العربية إلى القس الراهب أبي الفرج عبد الله ابن الطيب المتوفي سنة 1043. فتكون هذه الترجمة العربية من أوائل القرن الحادي عشر[19]. ولكن في خاتمة الصفحات الأربع أن هذه الترجمة العربية أقدم عهدا، وهذا نصها:

“كمل. معونة الله الإنجيل المقدس الذي جمعه طيطانوس من الأناجيل الأربعة المعروف بدیاطاسارون (كذا) والحمد لله كما هو أهله ووليّه والمجد لله دائما أبدا سرمدا. وكان الفراغ منه لست وعشرون (كذا) ليلة خلون من أبيب سنة ثمان وأربعون (كذا) وألف للشهداء وافق من الشهور العربية الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة سنة اثنان وثلثون (كذا) وسبع مائة للهجرة العربية (1132 م) بسلام من الرب آمين”

أفلا يجوز أن نستنتج أن الترجمة العربية كانت قبل القرن الحادي عشر، أعني قبل أبي الفرج ابن الطيب، لا سيما أننا لم نجد في قائمة كتب أبي الفرج المذكور ذكر ترجمته لدياطاسرون طيطانوس.

الإنجيل المسجع

ولما انتشر السجع، وأصبح من ضروريات الأدب الفتي، أخذ الأدباء المسيحيون يؤلفون مواعظ دينية مسجعة، وقد اشتهر في هذا الفن الجاثليق المشرقي النسطوري إيليا الثالث المعروف بأبي حليم بن الحديثي في القرن الثاني عشر الميلادي.

وهناك أربع ترجمات مسجعة للأناجيل وضعت في القرن العاشر الميلادي، واحدة منها لابن دادیشوع، وثلاث منها أغفل مترجموها عن أسمائهم، وما زالت مخطوطة في مكتبات أوروبا.

ثم جاء عبديشوع الصوباوي، مطران نصيبين على السريان المشارقة النساطرة، فوضع ترجمته الشهيرة الأناجيل الآحاد والأعياد سنة ۱۲۹۹ م، وهي جيدة بليغة، وكل إنجيل بقافية واحدة. وهذا نموذج من ترجمة الأناجيل العبد يشوع الصوباوي:

  1. وقال المخلص لتلاميذه والرفاق.
  2. لا تظنوا أني أتيت لأوقع في الأرض الصلح والوفاق.
  3. لم آت لأوقع السلام، بل الحرب والشقاق.
  4. فإني أتيت لأجعل الرجل المؤمن يخالف عن أبيه ذي النفاق.
  5. وأباعد بين الابنة وأمها الكافرة، والكنة وحماتها بالفراق.
  6. – وأعداء الرجل آل بيته الفاق.
  7. فمن أحب أبا أو أما أفضل مني، فليس هو لي بأهل الإعتلاق.
  8. ومن أحب ابنا أو ابنة أكثر مني، فلا يستحقني بإطلاق.
  9. – ومن لا يحمل صليبه ويتبعني، فما هو لي من أهل الميثاق.
  10. من وجد نفسه، فقد أهلكها، وعرضها للانمحاق.
  11. ومن أهلك نفسه، فسوف يجدها بجوار الخلاق.
  12. ومن تقبلكم، فإياي تقبل، بالنية والاشتياق.
  13. ومن تقبلني، فقد تقبل الذي أرسلني، باعثا على مكارم الأخلاق.
  14. ومن تقبل نبيا باسم نبي في الطراق،
  15. فأجر نبي يأخذن وما لمسعاه إخفاق،
  16. ومن تقبل صديقا، صديق صداق،
  17. فأجر صديق يأخذ، ولا عاق.
  18. وكل من سقى أحد هؤلاء الأصاغر شربة ماء بارد عذب المذاق.
  19. باسم تلميذ ذي استشراق،
  20. الحق أقول لكم: إنه لا يضيع أجره الذي فاق،
  21. من شاء أن يتبعني، فليكفر بنفسه ويولي الدنيا الطلاق
  22. وليأخذ صليبه، وليكن من اقتفاء أثرى على لحاق،
  23. إن من أحب أن يحيي نفسه، فقد أبادها وإلى الهلاك انساق،
  24. ومن أهلك نفسه من أجلي، سيجدها في نعيم باق
  25. فما الذي يستقيده المرء من الحذاق،
  26. إذا كسب الدنيا وخسر نفسه بعد المشاق؟
  27. أو ماذا يعطي الإنسان فدية عن نفسه، إذ نزل به البلاء وحاق؟

ترجمة الكتاب المقدس الموصلية الدومينيكية

كانت فكرة طبع الكتاب المقدس بالعربية تراود أذهان رجال الدين منذ مطلع القرن التاسع عشر؛ فقد كان مسيحيو العراق يقرأون الكتاب المقدس في ترجمته المعروفة (بالبسيطة)، وهي ترجمة ضعيفة وغير سليمة من الناحية اللغوية تتغلغل فيها العامية بكثرة، غير أن الإمكانيات كانت محدودة والطباعة لم تدخل العراق آنذاك. إضافة إلى عدم وجود من يستطيع الاضطلاع بهذا العمل الكبير ذي المسؤوليات الكبيرة..

أما في بلاد الشام فقد تم طبع الكتاب المقدس بعهديه العتيق والجديد في المطبعة الأميركية، وذلك بإشراف بطرس البستاني، ومصحح لغوي كبير هو الشيخ ناصيف اليازجي والشيخ يوسف الأسير، غير أن هذه الطبعة كانت خاصة بالبروتستانت، فلم يحبذها الكاثوليك، لذا فقد بدأ اليسوعيون مشروعهم الخاص بترجمة الكتاب المقدس سنة 1872، وعهدوا إلى الشيخ إبراهيم اليازجي بالإشراف اللغوي، واستمر العمل بطبعه من سنة 1876 وحتى سنة 1882، فظهر في ثلاثة مجلدات مزينا بالصور ومتقنا من حيث الطباعة والإخراج.[20]

وفي هذه الفترة تهيأ لنا في العراق من يستطيع القيام بهذا العمل، فقد عهد الآباء الدومنيكان إلى القس (المطران يوسف داود (+ 1890) القيام بترجمة وطبع الكتاب المقدس، فباشر بالعمل سنة 1897، فبدأ أولا بقراءة ترجمات الكتاب المقدس السابقة مقارنا ومدققا بين النصوص المقبولة في الكنيسة كالسريانية والعبرانية واليونانية واللاتينية، مستفيدا من معرفته وإتقانه لهذه اللغات.

وقد اعتمد الترجمة الشرقية القديمة التي كانت أساسا لترجمة الكتاب المقدس وطبعه أول مرة في رومة سنة 1671، وربما اعتمد أيضا على طبعة عربية قديمة ظهرت في حلب سنة 1706[21]، غير أنه لم يذكرها.

شرع الآباء الدومنيكان بطبع الكتاب المقدس، الذي استغرق ثماني سنوات: وتعتبر هذه الطبعة من الطبعات الفريدة اليوم بجودتها وشكلها وحروفها، والمعتمد عليها إلى اليوم في الكنيسة السريانية الكاثوليكية.

وقام بعد ذلك بعمل الحواشي لشرح الآيات والكلمات الغامضة، واستغرق في عمله هذا أربع سنوات متوالية، إلى أن استطاع إنجازه، فبوشر بالطبع سنة ۱۸۷۱ واستمر حتى سنة ۱۸۷۸، فظهر في أربعة مجلدات كانت تظهر تباعا، وبلغ مجموع صفحاته 2507 صفحة.

وسنة 1873، كتبت مجلة العالم الدومنيكي تقول: “… وإلى منتصف عام 1872 طبعوا العهد الجديد، طبعتين، الأولى أوكتافو (الحجم الكبير)، والأخرى أصغر بلا مراجع ولا ملاحظات أو شروحات، وهذا هو القسم الأول من الكتاب المقدس الذي طلب الكردينال بونابرت أن يطبع، والترجمة كانت للقس داود، والمعاون له المطران بهنام بي، رئيس أساقفة الموصل للسريان الكاثوليك؛ ولقد أبدت سرورها مع إبداء إعجابها أكاديمية الآداب في باريس لجودتها ورونقها”.[22]

وقد عهد للبطريرك عبديشوع الخياط (المطران آنذاك) وإلى راهب دومنيكي اسمه يوحنا، كان يتقن العربية بفحص الترجمة للتأكد من سلامتها من الناحيتين الفقهية والدينية، فأبديا شهادتهما في أنها تمت على وجه صحيح ولا شائبة فيها.

ثم ظهرت مشكلة النفقات الكثيرة لطبعه، وقد حلت المشكلة بأن تبرع الكردينال لوقيان بونابرت بنفقات الطبع على شرط أن يوزع مجانا، ولذلك نرى في الطبعة الأولى كلمة Gratis، ومعناها “مجانا”.[23]

وفي سنة 1875، أرسل الآب دوفال رسالة إلى رئيس الجمعية الخيرية للمدارس الشرقية في باريس رسالة يخبره فيها وشارحا له أحوال المطبعة فيقول: (… ونأمل أن ننتهي من طبع الكتاب المقدس (العهد القديم هذه السنة. وسنطبع طبعة ثانية من الأناجيل، إذ إن الطبعة الأولى قد وزعناها مجانا، وذلك بطلب من الكردينال بونابرت، ولذا فقدت هذه الطبعة…”[24].

وقد توالت فيما بعد طبعات الكتاب المقدس، حيث ظهرت طبعة أخرى في ستة مجلدات بين سنتي 1874 – 1878، بلغت عدد صفحاتها ۳۸۰ صفحة. ثم أعيد طبعه كاملا أو متفرقا بعد ذلك عدة مرات وكلما دعت الحاجة.

وفي رسالة أخرى من الأب كورماتشيك[25] الذي كان في رومه سنة 1888، والتي كتبها للأب دوفال[26] يوم ۲۸ تشرين الثاني من تلك السنة يقول فيها: “…أرسلتم الكتاب المقدس باللغة الكلدانية للحبر الأعظم[27]، وقد وصلتنا مساء البارحة. وحبذا لو ترسلون لقداسته كتاب الفرض (الفنقيت) للسريان، وقداسته يرسل لكم كأسا كعربون الشكر لكم وتثمينا لجهودكم…”.[28]

ومن المعروف أن الخوري يوسف راجع الترجمة البسيطة السريانية للكتاب المقدس، وطبعها في المطبعة نفسها بأحرف كلدانية، ولا يخفى أن هذه الترجمة كانت قد عبثت بها أيدي النساخ كما هو دأب كل الكتب المخطوطة باليد، فعهد إليه إصلاحها نظرا لبراعته في اللغة السريانية والعربية، فانكب على العمل بنشاط وافر حسبما يقتضيه شرف هذه النسخة المعتبرة للغاية في الكنيسة الكاثوليكية وأعادها إلى رونقها القديم.

والذي يعنينا في هذا المجال أن نذكر شيئا عن الأسلوب، والطريقة التي اتبعها يوسف داود في إنجاز هذا العمل الكبير بالعربية؛ ويكفي أن ننقل في هذا الخصوص شهادة من الأب أنستاس الكرملي (1947+) العالم اللغوي الشهير نقلا عن اثنين من الثقات، وكلاهما من خاصة أصدقائي، وهما الأستاذ کورکیس عواد (1993+) المؤرخ من النواحي اللغوية والأدبية والدينية، ويعدها من أحسن الترجمات التي ظهرت للكتاب المقدس في تلك الفترة، وحتى يومنا هذا يعترف الكثير من المتخصصين بأنها من أحسن الترجمات في اللغة العربية للكتاب المقدس، وذلك لسلامة لغتها وقوة سبكها وبساطتها. ولا زالت كنائسنا تستعمل هذه الترجمة حتى الآن.

المصادر والمراجع

  • سهیل قاشا، تاريخ التراث العربي المسيحي، منشورات الرسل، مطبعة الكريم (2004).
  • سهیل قاشا، أوتار الكنارة والعود المطران إقليميس يوسف داود، منشورات مطبعة السائح، طرابلس 2005.
  • هنام عفاص، إقليميس يوسف داود، بغداد، 1985.
  • سهيل قاشا، “مطبعة الآباء الدومنيكان وتراثها الفكري”، مجلة بين النهرين، 18، ص 55-73.
  • لويس شيخو اليسوعي، شعراء النصرانية، الجزء الأول.
  • لويس شيخو، “نسخ عربية قديمة في الشرق من الإنجيل الطاهر”، مجلة المشرق، السنة الرابعة، العدد 3.
  • عبد المسيح المقدسي، «نقل الكتب المقدسة الى العربية، مجلة المشرق، كانون الثاني 1933، ص1-112.

 

[1] شيخو، مجلة المشرق، ص ۲۰ – ۲۲، ۲۹۰ – ۳۰، ۳۰-۳۰۱، ۳۱۳ – ۳۲۲.

[2] عبد المسيح المقدسي، «نقل الكتب المقدسة إلى العربية، قبل الاسلام»، المشرق ۱۳۱(۹۳۳)6.

[3] د. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، جزء 6، ص 980.

[4] د. جواد علي، المفصل، ۹۸۱: ۹.

[5] راجع التفاصيل في كتابنا: صفحات من تاريخ العرب المسيحيين قبل الاسلام، منشورات المكتبة البولسية (۲۰۰۰).

[6] شیخو، شعراء النصرانية،1: 141.

[7] راجع أيضا قاموس الاسلام، 630.

[8] طبعة أبلوس ولافي، الجزء الأول، ص ۲۲۰.

[9] ) المعروفة بأل Kathismata وهي القراآت أو القرآن، كما كان يسميها السريان، ومنها أخذ محمد اسم کتابه؛ ولعله عناها بقوله: “فاقرأوا ما تيسر من القرآن” (73: 20)

[10] ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله أثناء الليل وهم يسجدون (القرآن 3: 113).

[11] نرجح أن كلمة «نصراني» كانت تدل في بادئ الأمر، وفي القرآن نفسه، على أصحاب إحدى النحل المسيحية، سيما “الأبيونية” أو “الأريوسية”، وليس على المسيحية على الإطلاق.

[12] راجع كتابنا: صفحات من تاريخ العرب المسيحيين قبل الاسلام.

[13] راجع ما ذكره الطبري عن كنائس الحيرة (1: 770) وابن خلدون (2: 363).

[14] راجع الكتابة على عتبة البيعة التي أقامتها هند بنت الحارث في معجم البلدان لياقوت 2: 709.

[15] راجع الكتابة على ضريح امرئ القيس التي عثر عليها في سورية.

[16] عبد المسيح المقدسي، “نقل الكتب المقدسة إلى العربية” المشرق 1933.

[17] نحن في صدد وضع دراسة واسعة بعنوان: “السريان ولغة القرآن”، سترى النور قريبا ان شاء الله.

[18] من بحثوا عن هذه النسخ العربية وأصلها وتاريخها العلامة الشهير أغناطيوس غويدي في مقالة مستوفية طبعت عام ۱۸۸۸، بين فيها ما تحتويه الخزائن الأوروبية من نسخ الإنجيل القديمة، فقسمها ستة أقسام، من حيث القدم والترجمة.

[19] ما زال السريان الأرثوذكس والكاثوليك يستعملون هذا الإنجيل (المربع) في قراءاتهم الفرضية لزمن الآلام، وخاصة يوم الجمعة العظيمة (جمعة الصلبوت).

[20] الفكر العربي في مئة سنة، بيروت 1967 ص 59.

[21] وردت معلومات عن هذه الطبعة في مجلة لغة العرب، مجلد لغة العرب، مجلد ۲، ص 462.

[22] مجلة العالم الدومنيكي لسنة 1873، ص 346.

[23] العهد الجديد لربنا يسوع المسيح، موصل، مطبعة الدومنيكان، ۱۸۷۹. استقينا هذه المعلومات من المقدمة التي كتبها المترجم يوسف داود ومن شهادات الفاحصين.

[24] الرسالة محفوظة في دير الآباء الدومنيكان بالموصل.

[25] الرسالة محفوظة في دير الدومنيكان بالموصل. والأب كورماتشيك قدم إلى الموصل في 7 كانون الأول ۱۸۷۱ وتركها عام ۱۸۱۵.

[26] الأب دوفال (۱۸۳۳- ۱۹۰) خدم في العراق (1857- 1895.

[27] هو الحبر الأعظم قداسة البابا كون الثالث عشر (1878- 1903).

[28] النظر مقالنا، “مطبعة الآباء الدومنيكان بالموصل”، مجلة بين النهرين، عدد ۱۷، ص 55-73.

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

الرد على شبهة 21 لكن إن بقى يوما أو يومين لا ينتقم منه لأنه ماله

الرد على شبهة 21 لكن إن بقى يوما أو يومين لا ينتقم منه لأنه ماله

الرد على شبهة 21 لكن إن بقى يوما أو يومين لا ينتقم منه لأنه ماله

الرد على شبهة 21 لكن إن بقى يوما أو يومين لا ينتقم منه لأنه ماله

 

سجل الكتاب المقدس اشياء تختص بالعبودية. فالعبودية لم تكن على اساس العرق بل كان بعض العبيد يبيعون انفسهم للسادة لتسديد ديونهم. فيتخيل البعض مشهد الرجل الابيض والرجل الاسود وهذا الرجل الابيض لا يرحم الاسود. هذه صوره هزليه لمفهوم العبودية انذاك. فالكتاب ذكر ايضا ان الاسرائيلي يمكنه ان يكون عبد. بحسب ما ورد في الخروج 21 : 2

 إذا اشتريت عبدا عبرانيا، فست سنين يخدم، وفي السابعة يخرج حرا مجانا.

فكان الرق قديما يشبه نظام الخدم وبالطبع كان هناك طبقية في المجتمع فكيف يكون هناك عبد دون ان يكون قد بيع لاجل المال فهم من الطبقة الفقيره. فكان الكثيرين يسعون للعمل لاجل تسديد ديونهم وان يحصلوا على السكن والرعاية. بدلاً من وجودهم بلا مأوى.  وكان العبد العبراني يمكنه ان يظل فترة ست سنوات ثم يطلق كانه عقد مبرم. وكان البعض يرغبون في البقاء ولا يريدون المغادرة وقد ذكر الكتاب هذا ايضاً في نص سفر الخروج 21 : 5

ولكن إن قال العبد: أحب سيدي وامرأتي وأولادي، لا أخرج حرا،

فبعض العبيد بقيوا للابد مع سيدهم. نتيجة لارتباطهم بالمكان والسيد. فيمكن ان نقول ان العبودية في هذا الوقت هي كمن يعمل مقابل الطعام والسقف والحوائط الذي يبيت بينها.

ولا ننسي ان شعب بني اسرائيل وقع تحت العبودية في مصر فهم ايضاً عانوا من مرارة العبودية القاسية. وعندما تم قمعهم من خلال المصريين ما كان من الله ان اخرجهم من مصر. وقال الرب ان صراخ بني اسرائيل قد اتي الي ورايت الضيقة بحسب خروج 3 : 9.

فنجد الرب ضد قمع للعبيد فالرب ضرب نموزج لاستياءه من خلال عبودية بني اسرائيل.

فالاية لا توافق على ضرب العبيد او الاساءة لهم. لكن ما يتكلم عنه هذا النص هو تشريع لعقوبة لجرائم الله لا يقول ان هذا الفعل اخلاقي. فمن سياق الاصحاح نجد ان هناك من ضرب والده وقتل الناس وغيره. فهل يعني هذا ان الرب يوافق على هذا فذكر التشريع لا يعني ان الله وافق على الجريمة. مثل ما يذكر قانون حول الاغتصاب فهل من وضع قانون للاغتصاب كان يوافق على الاغتصاب؟ لنا الرب!

فالنص ههنا يتناول ماذا يحدث للسيد اذا ضرب عبده ومات؟ وماذا لو لم يمت خلال يومان؟

إذا نتساءل لماذا لم يتم عقاب السيد اذا كان العبد حي يوم او اثنين؟

في البداية نتساءل هل ضرب العبد كدفاع عن النفس؟ ام ما السبب ينبغي ان نبحث في الاسباب وهذا عمل القاضي ففي النص 20 يتحدث النص عن القتل للتصفية. اي ازهاق الروح. لكن ان نجا العبد وظل يوماً او يومين بحسب نص 21 هو اشاره الي ان السيد لم يكن ينوي قتله او الحاق ضرر جسيم بالعبد. فربما كان السيد يدافع عن نفسه او لديه سبباً اخر فتتحول الجريمة الي ضرب غير متعمد التصفية. ويعاقب عليها السيد. ثانياً قال النص لانه ماله المقصود بهذا ان العبد كان خاضعاً لعقد فعلى سبيل المثال ان كان السيد اشتري العبد ب 20 الف فبالتالي العبد مدين للسيد ب 20 الف وعند موته يسقط هذا الدين.

فإسرائيل القديمة لم يكن بها سجون عند الخروج من مصر ولا كراسي كهربائية. لم يكن لديهم الماء في بعض الاحيان. فلذلك كان الشخص الذي يرتكب الخطأ امامه ثلاث اختيارات اما التعويض المالي للطرف المتضرر. اما القتل اما الحبس الذي لم يكن متوفر بشكل جيد. فالنص يشير الي ان السيد لا ينتقم منه لماذا ؟ لأنه في هذه الحالة ينبغي ان يدفع نقدياً وبالتالي كان العبد مدين للسيد مادياً فبالتالي سقط التعويض المادي إذا جاز التعبير. وعلى الرغم ان النص لا يدخل في مذيد من التفاصيل لكن اي جريمة مثل هذه ستكون جريمة فريدة لها العديد من الجوانب والتفاصيل وكان لدي القضاة في اسرائيل حرية الحكم على كل حالة بحسب متطلباتها.

يقول لنا كتاب

Engelbrecht, E. A. (2009). The Lutheran Study Bible (131). St. Louis, MO: Concordia Publishing House.

ان نص 21 يشير الي موت عرضي او غير مقصود وكان للعبيد مميزات وحقوق اكبر من اي دولة اخري في شريعة الرب.

ويذكر لنا كتاب

Sarna, N. M. (1991). Exodus. English and Hebrew; commentary in English. The JPS Torah commentary (124). Philadelphia: Jewish Publication Society.

انه يمكن ان يكون سبب وسيط جعل العبد يموت فقاعدة اليوم او اليومين هي للشك وفحص سلوك السيد والعبد خصوصاً ان هذا يؤكد قلة امكانية السيد في قتل العبد ومن المرجح ان تكون نيته تأديبية. خاصتاً انه يفقد ماله.

ويقول لنا كتاب

Ashby, G. W. (1997). Go out and meet God: A commentary on the Book of Exodus. International theological commentary (103). Grand Rapids, Mich.; Edinburgh: Wm. B. Eerdmans; Handsel Press.

ان هذا النص جاء بعد وقت طويل فلا يوجد قوانين قديمة تضع عقوبات ضد من يرتكبون اعمالاً سيئة ضد العبيد. فهذا النص هو بداية لعملية طويلة لإلغاء العبودية. ورسالة بولس الي فليمون تقدم رسالة بليغة في هذا. ان العبيد ليسوا مجرد ممتلكات بل هم اشخاص.

ويقول كتاب

KJV Bible commentary. 1997, c1994 (156). Nashville: Thomas Nelson.

ان نص 21 يشير الي ان مجرد فقد العبد يعد عقوبة بما فيه الكفاية للسيد.

ويذكر لنا كتاب

Walvoord, J. F., Zuck, R. B., & Dallas Theological Seminary. (1983-c1985). The Bible knowledge commentary: An exposition of the scriptures (1:141). Wheaton, IL: Victor Books.

ان فقد العبد العامل يعد خسارة كبير للسيد ولم يكن العبيد يعاملون معاملة قاسية بالرغم انهم ملك السادة. ويعاقب السيد إذا قتل العبد متعمداً بحسب نص 20.

ولعل النص 20 يشير الي القتل انتقاماً ونري ان العدد 26 والعدد 27 تكلموا عن اصابة العبيد ويحرر العبد في حالة الاصابة.

ويذكر لنا كتاب

Kaiser, W. C., Jr. Exodus. In F. E. Gaebelein (Ed.), The Expositor’s Bible Commentary, Volume 2: Genesis, Exodus, Leviticus, Numbers (F. E. Gaebelein, Ed.). Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House. 1990. 433.

ان هذا القانون الموضوع بمعاقبة من يمتلك عبد ويقتله في سفر الخروج 20: 21 لم يكن له مثيل في العالم القديم. فلم يكن هناك ضرر في العالم القديم إذا اذي سيد عبده. وقد كتب كايزر انه قانون فريد. وفي وقت لاحق واشار الي الاطلاق في حاله اتلاف العين وهذا لم يحدث في العالم القديم معاقبة سادة العبيد. وقد اوصي الكتاب بعدم العنف مع العبيد قائلاً لاويين 25: 43 لا تتسلط عليه بعنف بل اخش إلهك. فبهذا وضع الرب قانون كسره السيد بالتمادي في العنف فالسيد مدان امام الرب. ولم يفلت من العقاب الابدي.

 ويجب رؤية القانون في سياق بيئة المجتمع فالله الذي وضع عقوبة للسيد في حالة اصابة عين العبد بتحرير العبد. فهل لا يضع عقوبة حينما يقتل العبد لعل اشد عقوبة هو فقدان السيد لهذا العبد.

ليكن للبركة

كيف عرفنا يسوع – هل الأناجيل صادقة؟

كيف عرفنا يسوع – هل الأناجيل صادقة؟

كيف عرفنا يسوع – هل الأناجيل صادقة؟

كيف عرفنا يسوع – هل الأناجيل صادقة؟

 

في دراستنا لحياة يسوع وتعليمه، أخذناه أمراً مسلماً به أنه بمقدورنا أن نتعلم بالفعل شيئاً عنه من الأناجيل العهد الجديد. وقد عرفنا أن الأناجيل ليست سيراً ذاتيه ليسوع. وقد عرفنا أن الأناجيل ليست سيراً ذاتية ليسوع، بقدر ما هي مختارات منتقاة من أقواله وأعماله، جمعت معاً بسبب نفعها في خدمة الكرازة التي قامت بها الكنائس الأولى، ولكننا لم نأخذ هذه الحقيقة كسبب للتشكيك في مصداقيتها العامة بالنسبة ما روته عن حياة يسوع وتعليمه.

وفي غالبية النقاط شعرنا بأنه لدينا ما يبرر قبولنا لهذه السجلات كصورة عما كان عليه يسوع بالفعل، لا أن نعتبرها دراسات للحالة النفسية التي كان عليها المسيحيون الذين كانوا أول من كتبوا عنه.

ومع ذلك، يجب الاعتراف صراحة أن هذا الافتراض كان عرضة للشك من قبل عدد من الاتجاهات المختلفة. ولسنا في حاجة أن نتقبل بجدية أولئك الكتبة الذين يدعون بين آونة وأخرى أنه لم يكن ليسوع وجود على الإطلاق، ذلك أن لدينا دليلاً واضحاً على عكس ذلك من عدد من المصادر اليهودية واللاتينية والإسلامية. إلا أنه حين يدعي أناس درسوا العهد الجديد فترة طويلة أن الأناجيل لا تكشف شيئاً له أهميته عن يسوع، هنا علينا أن نواجه حججهم بك جدية.

ولعل أكثر التعبيرات تطرفاً في جيلنا بالنسبة لهذا الرأي ترتبط باسم رودولف بولتمان. ذلك أنه في كتاب صدر لأول مرة سنة 1934، ذكر قولته اللافتة للنظر: “أعتقد أننا نكاد لا نستطيع أن نعرف الآن شيئاً عن حياة يسوع وشخصيته”. وما يقصده بولتمان على وجه الدقة من قوله هذا يجب أن نقرره على ضوء بعض كتاباته الأخرى، حيث يوضح أنه يؤمن بالفعل بعناصر معينة من تعليم يسوع التي نجد في الأناجيل أن يسوع هو الذي قالها بنفسه. إلا أن بولتمان وحتى آخر يوم في حياته ظل متشككاً من ناحية احتمالية وقيمة المعرفة عن “يسوع التاريخي”.

وليس كل أتباع بولتمان كانوا متشككين مثله تماماً. وبمقدورنا أن نلمس هذا بوضوح كاف من كتاب جونثر بورنكام Gunther Bornkamm “يسوع الناصري” حيث يبين هذا حتى من وجهة النظر المتطرف التي يقول بها نقاد الصيغ. إلا أنه يتبقى مع ذلك الكثير مما يمكن معرفته بثقة عن يسوع. ولكنه، برغم كل هذا، فإن هؤلاء الباحثين الذين كانوا هم أكثر تأثراً ببولتمان وتناوله لنقد صيغة الأناجيل، فإنهم أخذوه أمراً مسلماً به بصفة عامة أن الأناجيل هي بصفة أساسية تعتبر سجلاً لمعتقدات الكنيسة الأولى عن يسوع، أكثر من كونها نوعاً من الروايات عن يسوع بالشكل الذي كان عليه حقيقة.

ومن الواضح أن معرفتنا بيسوع ليست هي نفس معرفتنا ونستون تشرشل Winston Churchill أو مارتن لوثر Martin Luther أو حتى بولس الرسول مثلاً. لأنه بمقدورنا أن نعرف هؤلاء الناس من خلال كتاباتهم وأقوالهم المسجلة. والواقع أنه بالنسبة لحالة لوثر وبولس، فإن المصدر الرئيسي لمعلوماتنا عنهما هي الكتب التي كتباها بنفسيهما. غير أن يسوع لم يكتب كتاباً. فقط أمضى حياته القصيرة كمعلم متجول، يعمل في أنحاء قاصية تقريباً من الإمبراطورية اليونانية، وبين أناس ربما لم يكن لهم أية اهتمامات بالموضوعات الأدبية.

ومن غير المحتمل إطلاقاً أن تكون أقوال يسوع وأعماله قد كتبت سواء بنفسه أو بواسطة أي شخص من معاصريه. وفضلاً عن ذلك نعرف أن يسوع كان يعيش في مجتمع لغته الأساسية هي اللغة الآرامية، ومع ذلك فإن معرفتنا بتعليمه جاءت من مصادر مكتوبة باليونانية. ومن المحتمل أن اللغة اليونانية كانت معروفة لشخص نشأ في الجليل. إلا أنه من المؤكد أن معظم تعاليم يسوع لم تعط أساساً بهذه اللغة، ولذلك فإن الأناجيل كانت ترجمة لأقوال يسوع باللغة التي كانت سائدة في الإمبراطورية الرومانية.

وعلاوة على ذلك، فإنه من نتائج تناقل أقوال يسوع باللغة اليونانية، أنه لدينا الآن في أناجيلنا قصص متباينة مما هو واضح أنه نفس التقليد الأساسي. فعلى سبيل المثال، إذا أخذنا الصلاة الربانية، سنجد أن إنجيلي متى ولوقا يحتفظان بترجمات مختلفة[1]. والتشابهات وثيقة جداً حتى إنه لا يوجد أي شك في أننا نتعامل مع نفس التقليد الأساسي. لكن الاختلافات بارزة ولا يمكن تفسيرها على أنها مجرد أشكال مختلفة من الترجمات. ونفس الملاحظات يمكن أن تقال بالنسبة لنقاط كثيرة أخرى في الأناجيل، وهي الحقائق الجوهرية التي يهتم بها نقاد الصيغ والتنقيح والمصدر.

ولا ينبغي علينا أن نضخم المشاكل. فهناك أجيال كثيرة من قراء الإنجيل ممن لا يعرفون شيئاً عما توصل إليه مفكرو العصر الحديث، لم يجدوا صعوبات كبيرة في التعامل مع هذه الأمور. فعلى الرغم من وضوح القصص المختلفة عن يسوع، أو التقارير الخاصة بتعليمه، فمن الواضح أنه يوجد ترابط منطقي داخلي في الأناجيل ككل. وليس من الصعوبة بمكان أن نجمع معاً قصة مما قدمته لنا الأناجيل مجتمعة من “تعليم يسوع”، ثم إن العناصر الأساسية لهذا التعليم هي نفسها التي نجدها في كل الأناجيل الأربعة.

التعرف على أقوال يسوع الصحيحة

ولكن كيف لنا أن نتأكد من أن الأناجيل تحتوي على تعليم يسوع نفسه، وليس انطباعات الكنيسة الأولى عن يسوع؟ كان هذا السؤال موضوع مناقشة بين باحثي العهد الجديد طوال العقد الماضي أو ما يقرب من ذلك، ولا زال النقاش مستمراً. وكإجابة محتملة صممت بعض الاختبارات والتي اعتبرت وسائل يمكن الاعتماد عليها للتعرف على التعليم الحقيقي ليسوع في الأناجيل.

ولقد طبقت هذه الاختبارات بشكل شامل على الأناجيل المتشابهة بواسطة البروفسور نورمان بيرين Prof. Norman Perrin. وقد حدد ثلاثة اختبارات أو معايير منفصلة، تباحث على أساسها بأن هناك على الأقل ثلاثة مجالات في الإنجيل يمكن بيان مصداقيتها، وهي: الأمثال، التعليم الخاص بملكوت الله، والموضوعات المذكورة في الصلاة الربانية.

اختبار التمييز The test of distinctiveness

اختبار التمييز، سبق أن استعمله بولتمان نفسه في كتابه: “تاريخ تقليد الأناجيل المتشابهة”. وهو يقوم على افتراض أن أي شيء في تعليم يسوع يمكن أن يكون له نظير في التعليم اليهودي، أو في الفكر اللاهوتي للكنيسة الأولى يكون عرضة للشك في مصداقيته، لأنه يكون قد جاء وليد هذين المصدرين وليس من ذكريات حقيقية ليسوع.

وذلك حيث يكون تعليم يسوع فريداً تماماً ومميزاً فهنا نكون على ثقة أننا في اتصال مباشر بيسوع نفسه. ويمكننا أن نقدم أمثلة على ذلك باستعمال يسوع لكلمة “أبا” (أي أب) في مناجاته لله، وأسلوبه المميز في استهلال أقواله الهامة بعبارة الحق…). وعلى قدر علمنا فإن معلمي اليهود أو الكنيسة الأولى لم يستعملا هاتين الوسيلتين.

وهناك مفكرون كثيرون قد يتفقون مع بروفسور بيرن Perrin حين يدعي أن المعلومات التي تستخلص من الأناجيل بهذه الوسيلة تمثل حداً أدنى من المعرفة التاريخية عن يسوع لا يمكن انتقاصه.

لكننا إذا فحصناه بمزيد من العناية، فإنه من المشكوك فيه أنه حتى هذا الادعاء المتواضع يمكن تبريره تماماً على أساس هذه الوسيلة بعينها. لأن استخدامها بنجاح يعتمد بشكل كلي على الافتراض الآخر بأن معرفتنا الحاضرة باليهودية والكنيسة الأولى هي على وجه التقريب معرفة كاملة. ومع ذلك، فالحقيقة هي أننا لا نعرف سوى القليل جداً عن شكل اليهودية أيام يسوع.

فالمعلومات الجديدة تكتشف وتقيم بصفة مستمرة، ومن المؤكد أنه ستظهر معها نظائر جديدة لتعليم يسوع. وعلى ذلك فإن معيار التمييز كوسيلة يعد مشورة يائسة. والأمر لن يحتاج إلا إلى فترة من الوقت حتى يتم التوصل إلى النتيجة المنطقية، وهي أنه لا يمكن أن يعرف شيء مؤكد عن يسوع. إلى جانب ضعف هذه الوسيلة، توجد مشكلتان كبيرتان تتعلقان بهذا المنهج بالذات.

وحتى هذه الصورة المحدودة عن يسوع والتي جاءت وليدة هذه الوسيلة لا بد أن تكون غير واقعية وغير صحيحة في واقع الحياة، لأنها تفترض أن يسوع كان معزولاً تماماً عن الظروف المحيطة به. والقول المأثور: النص بلا قرينة هو نص مزعوم “A text without a content is a pretext” ينطبق هنا، كما هو الحال كثيراً بالنسبة للعظات الحديثة. فلا بد وأن يكون للمسيح سياق أو قرينة. ومن المؤكد أن قرينته كانت يهودية.

ومن المؤكد أيضاً أنه لا بد وأنه كان هناك قدراً من الاستمرارية بين يسوع والكنيسة الأولى. ويسوع الفريد بمعنى أن تعليمه لا علاقة له باليهودية أو بالكنيسة الأولى ليس من المحتمل أن يكون يسوع الحقيقي. وإذا لم يستطع هذا الاختبار الكشف عنه فلا بد وأن يحكم عليه بالفشل.

هناك مساحات كبيرة وهامة في الأناجيل لا تصلح فيها هذه الطريقة إطلاقاً. لنأخذ موضوع تعليم يسوع عن نفسه. فبالنسبة لهذا الموضوع يؤدي اختبار التمييز إلى نتائج سلبية تماماً بالنسبة لكل الألقاب الكبرى التي تمت نسبتها ليسوع. فألقاب (المسيا)، (ابن الله)، (ابن الإنسان)، استعملها كثيرون في الكنيسة الأولى، ومن ثم فإن تطبيق هذا الاختبار سيؤدي إلى استنتاج أن يسوع لم يعط أي تعليم عن مصيره وشخصه.

ونفس الشيء يحدث بالنسبة لموضوعاته الأخروية، لأن هذه يمكن أن يوجد لها مثيل في اليهودية وفي مصادر الكنيسة الأولى. بل أن التعليم المميز الخاص بالموعظة على الجبل سوف يستبعد للسبب نفسه، ذلك أن بولس يظهر أنه على معرفة واضحة بذلك (انظر رو 12-14). وعلى ذلك فإنه توجد غلطة جوهرية في مفهوم هذه العملية كلها. لأنه لا مفر من أن هذا سيؤدي – سواء من الناحية النظرية أو العملية – إلى الادعاء بأنه لا يمكن أن نعرف شيئاً مفيداً عن يسوع من الأناجيل.

 

اختبار الترابط المنطقي The test of coherence

الذين يستخدمون هذه الاختبارات لا يجهلون المشاكل المرتبطة باختبار التمييز. ولذلك يقدم بيرين Perrin اختباراً آخر يمكن استخدامه معها. وهذا هو ما يعرف باسم “اختبار الترابط المنطقي”. وهي يقوم على افتراض أن أية مادة في الأناجيل تتناغم مع التعليم الذي ينجح في اجتياز اختبار التمييز يمكن اعتبارها تصريحاً حقيقياً لما قاله أو علمه يسوع.

ومن الناحية الظاهرية، يبدو هذا الاختبار الآخر واعداً. ولكن هذا بالطبع يعتمد وبشكل كبير جداً على التطبيق الصحيح للاختبار الأول. وسبق لنا أن عرفنا الصعاب التي تحيط به، فإذا لم يؤد إلى نتائج أكيدة، فهنا يكون هذا الاختبار بلا فائدة أيضاً.

وعلى أية حال فإنه من الصعب جداً الحكم على ما هو مترابط منطقياً، وما هو ليس كذلك. وحتى لو افترضنا أنه يمكننا أن نصدر حكمنا في هذا الشأن، فليس من ضمان في أن ما بدا لنا مترابطاً سيبدو كذلك بالنسبة للكنيسة الأولى. وهكذا نواجه مرة ثانية مصاعب عملية بالغة في تطبيق هذا الاختبار على تقاليد الإنجيل.

اختبار أكثر من مصدر The test of more than one source

هناك محك ثالث كثيراً ما استخدم لتقييم التقاليد التي تتحدث عن يسوع، وهو لا يعتمد بصفة مباشرة على المحكمين الآخرين. وكثيراً ما كان يستخدمه مانسون T. W. Manson الذي لم يكن لديه وقت لمنهج نقاد الصيغ.

واستناداً لهذا الاختبار، فالتعليم المذكور في الأناجيل يكون من تعاليم يسوع حقاً إذا لم يوجد في أكثر من مصدر واحد من مصادر الإنجيل. وهذا الاختبار نافع في هذا النطاق، لأنه إذا ما تولد فينا نفس الانطباع من إنجيل مرقص ومن المصدر Q عن مضمون تعاليم يسوع، فإنه من المعقول والحال هذه أن نعتقد أن هذا الانطباع أصيل. ولكن اختبار المصداقية هذا اكتنفته أيضاً عدة مصاعب، ولو أنها ليس كبيرة كتلك التي كانت تواجه تطبيق الاختبارين الآخرين.

ç لا يمكن – بواسطة هذه الوسيلة – أن نقرر شيئاً بالنسبة لأقوال محددة نسبت إلى يسوع، لأنه توجد قصص أو أقوال قليلة جداً متضمنة في أكثر من مصدر واحد من مصادر الإنجيل. والواقع أن هذه الحقيقة تعد من الأسس التي يقوم عليها منهج نقل مصادر الإنجيل بجملته. فإذا كان نفس التعليم مقدماً في كل مكان، لما كان في وسع “ستريتر” أن يصيغ نظريته عن مصادر الإنجيل. وهذا مفاده أن أقصى ما تستطيع أن تكتشفه هذه الطريقة هو اللهجة العامة لتعليم يسوع وليس تقريراً مفصلاً عنه.

ç ثم إن هناك قيد آخر يشكل جزءًا لا يتجزأ من هذا الاختبار، لأنه قد يرفض تلك الأجزاء من تعليم يسوع التي توجد في مصدر واحد فقط من مصادر الإنجيل باعتبار أنها غير حقيقة. ومع ذلك، فهذه هي الحالة بالنسبة لبعض من أكثر أجزاء تعاليم يسوع المميزة. باستخدام هذا الاختبار، سينتج عنه رفض قصص مثل السامري الصالح (لوقا 10: 25-37)، أو الابن الضال (لوقا 15: 11-32) بصفة قاطعة من قصة حياة يسوع وتعليمه، وذلك لأنها لم توجد سوى في إنجيل لوقا فقط.

ç حين طبق مانسون وآخرون هذا الاختبار على الأناجيل استطاعوا أن يفترضوا فرقاً شديداً حقاً بين مصادر الإنجيل المختلفة، لأنه في ذلك الحين كان الباحثون البريطانيون يتبنون نظرية “ستريتر” وعلى نطاق واسع في صيغتها الأصلية تقريباً. إلا أن دراسة أكثر حداثة بينت أن موضوع العلاقات بين الأناجيل ومصادرها أكثر تعقيداً وبدرجة تفوق إلى حد كبير ما كان يعتقده “ستريتر”. فلم يعد بوسعنا الآن أن نفترض أن التقسم البسيط إلى أربعة مصادر مستقلة هي: مرقص والمصادر Q، M، L، على أنه تقسيم طبيعي.

عيب أساسي

من الواضح أنه توجد مشاكل عويصة كثيرة تتعلق باستخدام هذه الاختبارات للتعرف على الأقوال الحقيقية التي فاه بها يسوع، والتي تضمنتها الأناجيل. ولذلك فلربما لا يكون الأمر مدعاة للدهشة أن يكون بعض الباحثين قد توصلوا بالأحرى إلى نتائج سالبة. ومن الصعوبة أن نفهم كيف أنه كان بإمكانهم أن يفعلوا خلاف ذلك.

والواقع أنهي يوجد عيب أساسي في كل النهج الذي تمثله هذه الاختبارات. فكلها تبدأ من الافتراض الجوهري بأن الأناجيل في معظمها تحتوي على معتقدات الكنيسة الأولى، ولا تضم سوى القليل جداً، إن لم يكن لا شيء على الإطلاق مما جاء مباشرة من يسوع نفسه. ويعرض البروفسور بيرين سببين رئيسيين ليبرر بهما هذا التشاؤم.

ç فقد كتب يقول: “إن الكنيسة الأولى لم تبذل أية محاولة للتمييز بين الأقوال التي قالها يسوع كإنسان، وتلك التي قالها الرب المقام بواسطة نبي في المجتمع، أو بين تعليم يسوع الأساسي والفهم الجديد وإعادة الصياغة بالنسبة لذلك التعليم الذي تم التوصل إليه في الكنيسة تحت إرشاد رب الكنيسة.

ونقطة البداية لهذه الحجة تتمثل في حقيقة أن المسيحيين الأولين اعتقدوا بكل وضوح أن يسوع المقام كان حاضراً وعاملاً بين أتباعه في الكنيسة. وهو بالطبع لم يعد بعد حاضراً بالجسد، ومن ثم لا يمكن توصيل كلمته للمسيحيين إلا بطريقة غير مباشرة.

هناك مثال عن كيفية إمكان حدوث ذلك، يقال إنه وجد في الأصحاحات الثلاثة الأولى من سفر الرؤية. حيث نجد أن النبي المسيحي يوحنا يقوم بتسليم رسائل من المسيح السمائي إلى سبع كنائس في أسيا الصغرى، كذلك يذكر بولس أنبياء يعملون في الكنيسة (1كو 12: 27-31)، وكثيراً ما قيل إن عمله الرئيسي كان إصدار “أقوال ليسوع” لمواجهة حاجة معينة في حياة الكنيسة.

وعلى الرغم من أن هذه الحجة لاقت قبولاً على نطاق واسع لدى باحثي العهد الجديد، إلا أنها مشكوك فيها إلى حد كبير. ويمكن أن تقدم ضدها عدد من الاعتراضات الخطيرة.

 أولاً: قامت على دليل مشكوك فيه. وعلى الرغم من أنه كثيراً ما كان يقال بثقة إن دور النبي المسيحي هو أن يخترع أقوالاً عن يسوع، إلا أنه لا يتوافر لدينا في الحقيقة دليل حقيقي لكي نبين ما الذي كان الأنبياء يعملونه في الكنيسة الأولى. فالرسائل إلى الكنائس السبع في سفر الرؤيا كانت خارج الموضوع تماماً، لأنه تم عمل فرق واضح هناك بين اختبار وأقوال كاتب السفر ورسالة المسيح المقام.

وعلى أية حال فقد ادعى أنه تلقاها في رؤية، وليس بمقدورنا القول بأنه اختلقها إلا إذا طرحنا الافتراض الآخر المشكوك فيه وهو أن الرؤى لا يمكن أن تحدث. والدليل الصريح الوحيد في العهد الجديد عن عمل هؤلاء الأنبياء نجده في (أعمال 13: 1-3) حيث يصدرون تعليمات بخصوص العمل المرسلي لبولس وبرنابا. وحتى التعليمات لم تعط باسم يسوع، بل بسلطان الروح القدس. والدليل من هذه النوعية يعد دليلاً ضعيفاً حتى إنه لا يعطينا سوى إشارة واهية إلى عمل الأنبياء على نحو من الدقة في حياة الكنيسة.

ثانياً: القول بأن الأنبياء لهم الحرية في اختلاق “أقوال ليسوع” يفترض أيضاً أن المسيحيين الأوائل لم يفرقوا بشكل واضح بين تعليم يسوع وتعليمهم. ولكن هذا أمر بعيد تماماً عن الصحة. ومما يبدو متناقضاً، أن دليلنا على هذا واضح للغاية في كتابات بولس، ولهذا السبب كان ملفتاً للنظر بشكل متزايد. لأنه، من بين كل كتبة العهد الجديد نجد بولس بالذات هو الذي كثيراً ما يتهم بأنه يتساهل في تعاليم يسوع.

ثم إنه ادعى أيضاً وأكثر من مرة أنه يتمتع بمواهب الله الخاصة بدرجة أعظم من كل معاصرين (1كو 14: 18-19؛ 2كو 12: 1-10) وهاتان الحقيقتان وحدهما تجعلانه مرشحاً مثالياً لأن يكون مورداً لأقوال يسوع. ولنا أن نتوقع أن تكون رسائله عامرة بمثل هذه الأقوال التي صنعها بنفسه بإلهام من الروح القدس من أجل تقديم النصح لقرائه. غير أننا في واقع الأمر نجد النقيض من ذلك. فعلى سبيل المثال، في (1كو 7) يخرج من نهجه ليميز بين آرائه وبين تعاليم يسوع.

ثالثاً: توجد مشكلة أخرى بالنسبة لافتراض أن الكنيسة الأولى كانت تختلق كثيراً من أقوال يسوع، وهي أن هذا افتراض يفتقر إلى المنطق. و”الدليل” الوحيد على أن الأنبياء كانوا يصيغون مثل هذه الأقوال يتمثل في فكرة أن تقاليد الإنجيل كان لها أصلها في الكنيسة الأولى وليس في خدمة يسوع.

وهناك إطار حياة مفترض تم تخيله بالنسبة للأناجيل، تم تفسير الأناجيل على ضوئه. وهذه عمليه مشكوك فيها للغاية، وليس إلى حلقة مفرغة دون أن يكون لها أي دليل خارجي. وليس ما يدعو للدهشة أنه حتى على هذا الأساس يمكن القول إن الأناجيل ما هي إلا نتاج تخيل تقي للكنيسة الأولى، وضع فيها الدليل بعد بداية البحث.

ç أما السبب الثاني لشكوك البروفسور بيرين فله أساس أقوى. فهو يؤكد – وعن صواب تام – أن القصد الأساسي من الأناجيل لم يكن تقديم معلومات تاريخية أو سيرة ذاتية ليسوع، بل بنيان قرائها. وكل شيء في الأناجيل يخدم غرضاً معيناً في حياة الكنيسة. ولكنه يستطرد قائلاً إن هذه الحقيقة في حد ذاتها تستبعد احتمال أن الأناجيل تضم ذكريات تاريخية ليسوع، على هذا النحو الذي كان عليه حقاً. وهذه حجة أخرى كثيراً ما يراد تأكيدها، إلا أنه نادراً ما تلقى التأييد.

ومع ذلك، لا يوجد على الإطلاق سبب منطقي، فما الداعي أن قصة أو جزءًا من تعليم يبلغ رسالة عملية أو لاهوتية أن يوصف بالزيف من الناحية التاريخية. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما ألقيت عظات على قول بولس إنه في المسيح “ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر. ليس ذكر ولا أنثى لأنكم جميعاً واحد….” (غلا 3: 28).

ولا شك أن عظات كثيرة ألقيت حول هذا الموضوع، حيث نسبناها إلى مشاكلنا المعاصرة المتعلقة بالظلم وعدم المساواة. ومن المؤكد أنها مناسبة تماماً لهذا الموضوعات. إلا أن حقيقة أنني ألقي عظة تقوم على هذا النص، وأنسبها إلى مشاكل القرن العشرين لن تؤدي عادة بالناس إلى القول إنني وضعت الأقوال بنفسي، وإن بولس الرسول لم يكتب إطلاقاً الرسالة إلى أهل غلاطية، أو إنه حتى لم يكن له وجود على الإطلاق.

ذلك سيكون أمراً سخيفاً. ومع ذلك فإن هذا هو بالضبط من نوعية المبررات التي يطلقها بعض الباحثين على الأناجيل حين يحاجون بالقول إنه بالنظر إلى أن محتوياتها تناسب الحياة في منتصف القرن الأول، فقد لا يكون لها أي سياق تاريخي في حياة يسوع نفسه. إنها ببساطة تأكيد ليس له أي معنى.

مدخل لفهم الأناجيل

كثيرون من الباحثين يرون أن شكوك بولتمان وأتباعه غير مقبولة على الإطلاق. وهم عوضاً عن هذه الشكوك ينادون بأنه يوجد عدد من الأسباب القوية للبدء من الافتراض القائل بأن الأناجيل يعول عليها، وليس العكس، من ناحية اعتبارها سجلات تصف يسوع بالشكل الذي كان عليه فعلاً. وهناك عدد من الحجج الهامة تشير إلى هذا الاتجاه.

إذ نبدأ على المستوى العام، يتعين علينا ألا ننسى أن الكتبة القدامى لم يكونوا على وجه الإجمال حمقى أو مخادعين. فكثيرون من لاهوتي العصر الحديث (ولو أنهم ليسوا مؤرخين) يتحدثون باستخفاف عن مؤرخي العالم الروماني حتى إنه كثيراً ما يتولد لدينا الانطباع بأن مفهوم كتابة التاريخ على نحو صحيح لم يكون معروفاً لهم على الإطلاق. وإنها الحقيقة بالطبع أن المؤرخ في العصر القديم لم يكون تتوافر له كل الوسائل المساعدة الحديثة التي تتوافر لنا في أيامنا هذه.

ولكن هذا ليس معناه القول ببساطة إنه اختلق قصصه. فكل من المؤرخين اللاتين واليونان كانت لديهم معايير عالية، وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا دائماً يلتزمون بها، إلا أنه من المؤكد أن ذلك لم يكن سببه الافتقار إلى المحاولة. والمبادئ التي حددها أناس مثل لوسيان وثوسيديدس Lucian and Thucydides توضح لنا تماماً أنهم كانوا يعملون في إطار خطوط إرشادية لا يزال معمولاً بها حتى يومنا هذا.

وأي شيء آخر قد يقال عن الناس الذين كتبوا الأناجيل، فمن الواضح أنهم كانوا يعتقدون أنهم كانوا يعملون في إطار هذه النوعية من التقليد التاريخي. ولوقا يقول بوضوح إنه تخير كل مصادر معلوماته، وإنه كتب بحرص قصته على هذا الأساس. وبالنظر إلى أن كتبه الأناجيل المتشابهة الآخرين استعملوا أسلوباً مماثلاً تقريباً في التعامل مع مصادرهم، فإنه من الطبيعي افتراض أنهم عملوا أيضاً على نفس هذه الأسس.

ومن المؤكد أنهم جميعاً كانوا يعتقدون أنهم يقدمون معلومات حقيقية عن شخص كان يعيش بالفعل وبالطريقة التي وصفوها. ولم يكونوا يدرون أنهم يكتبون عن أقوال صدرت عن معاصريهم ونسبوها ليسوع. لقد اعتقدوا أن ربهم المقام كان بالفعل معلماً يهودياً من الجليل، وأنه كمعلم متجول فقد عاش وتكلم كما صوروه.

وهذه الحجة ليست بالطبع قوية جداً في حد ذاتها، لأن الإنجيليين ربما كانوا قد أخطأوا أو غرر بهم، ولكنها تكتسب قوة مضافة كبيرة حين نكتشف أن تفاصيل قصصهم تعطي بالفعل صورة صادقة للحياة في فلسطين في الوقت الذي قالوا إنهم كتبوا فيه. وحين نتذكر أنهم جميعاً كتبوا باللغة اليونانية لقراء من غير اليهود تقريباً، وأن اثنين منهم على الأقل لم يكونوا عائشين في فلسطين حين كتبا، فإن هذا يبدو أمراً رائعاً.

وفي نقطة تلو أخرى نكتشف أن خلفية الإنجيل صادقة وحقيقية. وفضلاً عن ذلك، ففي المواضع التي ساد الاعتقاد ذات مرة، أن ما سجلوه فيها جانبه الصواب (كما في حالة إنجيل يوحنا)، فإن الاكتشافات التالية لمعلومات جديدة كثيراً ما بينت أن الأناجيل تحتفظ بكتابات يعول عليها لعدد من التفاصيل الجغرافية والاجتماعية الهامة.

أرجعت أصول الأناجيل إلى سياق وقرينة يهودية بعمل اثنين من المفكرين الاسكندنافيين هما: هيرالد ريزنفلد Herold Riesenfeld وتلميذه بريجر جيرهاردسون Birger Gerhardsson. فقد عرض جيرهاردسون الرأي القائل إن تعليم يسوع كان مماثلاً جداً في الشكل لتعليم معلمي اليهود، وفي تحليل مطول لوسائل تعليمهم بين كيف أنهم يبذلون كل جهد للتأكد من أنه قد تم حفظها جيداً أو أنها انتقلت شفاهة إلى أتباعهم.

ويقول جيرهاردسون Gerhardsson إن يسوع تبنى نفس هذه الطرق، وإنه صاغ تعليمه على أساس أن يحفظها تلاميذه عن ظهر قلب حتى يستطيعوا أن يسلموها لأتباعهم بنفس صيغة الاستظهار السهلة هذه. وقيل إن تعليم يسوع سلم بهذه الطريقة “ككلمة مقدسة” في الكنيسة الأولى، وأن الأناجيل ما هي إلا كتابة التقاليد التي تعود إلى يسوع نفسه.

ومع ذلك، لا يتوافر لدينا دليل على أن المسيحيين الأوائل اعتبروا أنفسهم ناقلي التقليد. فقد كانوا كارزي الأخبار السارة، شارحين كيف أن حياة يسوع ورسالته تناسب احتياجات جيلهم. ولدينا الشهادة التي أجمعت عليها الأناجيل، بأن يسوع كان مختلفاً تماماً عن معلمي اليهود. وكان يعلم “كمن له سلطان”[2]، ولم يقم ببساطة بتسليم أقوال محفوظة عن ظهر قلب من مجموعة من التلاميذ إلى مجموعة أخرى.

ومع ذلك، وعلى الرغم من أن ما ادعاه ريزيفلد وجيرهارسون قد يكون مبالغاُ فيه، إلا أنهما قاما بتذكيرنا أن تعليم يسوع أعطي في سياق وقرينة يهودية، وفي ظل هذا فإنه تعليم قائد صاحب سلطان كان يعامل باحترام عظيم. وحتى لو لم يكن التلاميذ الأوائل قد تعلموا تعاليم يسوع بحفظها عن ظهر قلب، فمن المؤكد أنهم كانوا يقدرونها حق قدرها.

وهناك أيضاً دليل كاف على حفظ القصص شفاهة، وبطرق يعتمد عليها على نطاق العالم الهليني كله. لنأخذ مثلاً: حياة أبولونيوس التياني Apollonuis of Tyana، والتي سبق أن ذكرناها في فصل سابق. كان أبولونيوس هذا من معاصري يسوع، مع أنه عمر طويلاً ومات قرب نهاية القرن الأول. ومع ذلك، فإن قصة حياته لم تتم كتابتها حتى بداية القرن الثالث.

ومع أن الكاتب جمع قصص حياته من عدد من المصادر المختلفة، ومع أنه لم يكن كاتب سيرة غير متحيز، فإن عدداً قليلاً جداً من المؤرخين القدامى هم الذين ستتولد لديهم شكوك خطيرة عن الخطوط الرئيسية لقصته. وبالنسبة للأناجيل، فنحن نتعامل مع مصادر كتبت بعد الأحداث التي تتناولها بفترة قصيرة. وبالنسبة لمعظم الناس العاديين سيبدو أمراً سخيفاً أن يفترض أن أحداثاً كهذه لا فائدة منها من ناحية معرفة شيء ما عن يسوع نفسه.

وطبقاً لما يقوله المفكر الألماني يواقيم جرمياس فإن الأناجيل تجعلنا حقاً على اتصال وثيق بيسوع بالشكل الذي كان عليه بالفعل. وقد فحص جيرمياس النواحي اللغوية وقواعدها بحسب ما وردت في الإنجيل، ويقول بأننا نستطيع أن نسمع صوت يسوع الحقيقي فيها.

وبين آونة وآخرى نصادف كلمات آرامية حقيقية، حتى في النص اليوناني للأناجيل. وفي حالات أخرى كثيرة توجد فقرات نجد أن تراكيب لغوية آرامية قد استعملت في كتابة الأناجيل باللغة اليونانية. كما يحدد جيرمياس أيضاً عدداً من طرق الكلام يقول إن يسوع بصفة خاصة كان يستعملها. وكثير من تعليمه تم كتابته في صيغة الشعر الآرامي، ويمكن التعرف على ذلك حتى في الترجمة الإنجليزية.

وفي نقاط أخرى، كما سبق لنا القول، توضح أنه حين تترجم الأقوال المنسوبة إلى يسوع ثانية إلى اللغة الآرامية، فإنها غالباً ما تأخذ صيغة سامية نمطية، بل وتبين أساليب الجناس والسجع، والتي لا يمكن أن تكون لها معنى إلا في اللغة الآرامية فقط، ثم إن هناك الأمثال، والتي تختلف تماماً عن تعليم معلمي اليهود، واستخدام يسوع الخاص لكلمات مثل أبا (في عبارة أبا الآب) وآمين.

ومثل هذه السمات لا تثبت في حد ذاتها أن تقاليد الإنجيل ترجع إلى يسوع. وإذا حددنا كلامنا بدقة نقول إن أقصى ما تستطيع أن تظهره هو أنها ترجع إلى صيغة أمكن بواسطتها أن تحفظ بواسطة المسيحيين الذي كانوا يتكلمون اللغة الآرامية، إلا أننا حين نعود إلى ذلك السياق، فإننا نعود أيضاً إلى فترة تأتي بعد أحداث حياة يسوع، وموته وقيامته بوقت قصير. وفي ذلك الحين لا بد وأنه كان كثيرون من شهود العيان ما يزالون على قيد الحياة لكي يدحضوا أية أقوال تكون قد جاءت من محض الخيال.

وعلى هذا، فإن هذه الأحداث تؤيد صحة روايات الإنجيل عن تعليم يسوع، وجيرمياس على سبيل المثال لم يكن يساوره شك في أنها تضع عبء الإثبات على عاتق هؤلاء الذين يشككون في صحتها. في التقليد الخاص بالأناجيل المتشابهة، يكون المطلوب هو إثبات عدم صحة أقوال يسوع وليس صحتها.

وثمة اعتبار آخر يعطينا ثقة في قبول الأناجيل على أنها بصفة عامة سجلات صحيحة عن حياة يسوع وتعليمه، يتمثل في حقيقة أنها مختلفة عما نعرفه عن حياة واهتمامات الكنائس الأولى غير اليهودية. ومن الخطأ تصور أنه بالنظر إلى أن الأناجيل قد كتبت لخدمة احتياجات الكنائس، فهي لا تزيد عن كونها مرآة تعكس حياة الكنيسة الأولى. فبقية العهد الجديد تبين أنه كانت للكنيسة احتياجات لم تظهر – ولو من بعيد – في الأناجيل.

فمثلاً، لا يوجد تعليم حقيقي عن الكنيسة نفسها في الأناجيل. فهناك ثغرة واضحة للغاية حتى إننا نجد لزاماً علينا أن نسأل في أصحاح من الأصحاحات الأولى ما إذا كان يسوع مهتماً على الإطلاق بتأسيس الكنيسة. ولقد قيل في هذا الخصوص إن ظهور الكنيسة لم يكن بأي حال متعارضاً مع تعليم يسوع، غير أننا لا زلنا في حاجة إلى الاعتراف أنه لا يوجد في الواقع أي إرشاد محدد بالنسبة لهذا الموضوع في الأناجيل.

وحتى المعمودية، والتي سرعان ما أصبحت طقساً لدخول الشركة المسيحية، لم يذكرها يسوع مطلقاً باستثناء حالة واحة بعينها[3]. ويسوع نفسه لم يعمد أحداً، بل ولم يتخذ من المعمودية جزءًا رئيسياً من تعليمه. ومع ذلك فإن هذا كان موضوعاً له أهميته البالغة بالنسبة للكنيسة الأولى. وإذا كانوا حقاً قد دأبوا على اختلاق أقوال ليسوع لمواجهة احتياجاتهم، فمن المؤكد أنهم فقدوا هنا فرصة هامة.

ونجد نفس الافتقار إلى توجيه صريح بالنسبة لموضوعات هامة أخرى. فعلى سبيل المثال، نجد أن موضوع اليهود وغير اليهود لم تتعرض له الأناجيل في واقع الأمر، على الرغم من معرفتنا من بقية العهد الجديد الذي سرعان ما أصبح أحد الموضوعات الهامة على الإطلاق.

وفي مواضيع أخرى، نجد أن الأناجيل تشدد على أمر يختلف تماماً عما يشدد عليه بقية العهد الجديد. فمصطلح “ابن الإنسان” على سبيل المثال، أكثر الأسماء المستعلمة بالنسبة ليسوع في الأناجيل، لكنه بالكاد يظهر في أي موضع آخر. وهكذا أيضاً مصطلح “ملكوت الله” الذي كان يشكل جوهر تعليم يسوع، بالكاد نجد له ذكراً في بقية العهد الجديد.

والحقيقة هي أنه إذا حاولنا أن نعيد تركيب وضع حياة الكنيسة في الأناجيل، فلن نصل إطلاقاً إلى نوعية الصورة التي نعرف أنها حقيقية من رسائل العهد الجديد. لأنه توجد سمات عديدة جداً في قصص الإنجيل عن يسوع تختلف اختلافاً بيناً عن حياة واهتمامات الكنيسة الأولى.

وعلى هدى حقائق كهذه، يبدو من المعقول أن نستنتج أن هناك أسباباً قوية لافتراض أن الأناجيل تحتفظ بذكريات صادقة عن يسوع بالشكل الذي كان عليه فعلاً. وبالطابع كله الذي تقدمه صورتهم ليسوع جاء على نحو نحتاج معه إلى حجج قوية ومنطقية لنبين أنهم كانوا مخطئين بصفة جوهرية.

وهذا الافتراض لا يعني بالطبع أنه يمكننا أن نتبنى موقفاً ساذجاً لا يتفق مع قواعد النقد النزيه. ولم يكن الإنجيليون مجرد مسجلين للتقليد، بل كانوا مفسرين للحقائق التي سلمت لهم، ونحن في حاجة إلى أن نفحص عملهم بحرص لنتفهم الطبيعة الصحيحة لما كانوا يعملونه.

إلا أنه مما يعطينا ثقة بالفعل هو اعتقادنا أن التقليد الذي فسروه لقرائهم الأوائل كان تقليداً أصيلاً، وأنهم بصفة عامة حفظوا لنا قصة عن حياة يسوع وتعليمه. أما من ناحية ما إذا كانوا قد فعلوا هذا في أمثلة معينة، فهذا ما يجب بالطبع تحديده عن طريق فحص أجزاء معينة من عملهم من الناحيتين الأدبية والتاريخية.

 

الإعلان الإلهي والتاريخ

على ضوء كثير من الأسباب التي حملتنا على افتراض أصالة الأناجيل كسجلات لتعليم يسوع، فقد تأخذنا الدهشة تماماً أن مفكرين كثيرين جداً قد اتخذوا موقفاً سلبياً تجاهها, وثمة سبب جوهري لهذا من المؤكد أن نجده ليس في تناولهم للأناجيل ذاتها من الناحيتين التاريخية والأدبية، بقدر ما نجده في فهمهم الكلي لموضوع الإعلان الإلهي بجملته ومعرفة الله.

وحتى نفهم هذا، نحن في حاجة للرجوع إلى ما كتبه فريدريك شيلرميكر Friedrich Shleiemacher (1768-1834) والذي يطلق عليه “أبو الفكر اللاهوتي الحديث”. وفي محاولته مواجهة حركة التنوير الأوروبية، قال شيلرميكر إنه إذا كان للاعتقاد الديني أن يحتفظ بأية مصداقية بالنسبة للشعوب الغربية في العصر الحديث، فلسوف يتطلب الأمر أن يبعد تماماً عن نطاق البحث العقلاني. لأن العلم التاريخي في أيامنا هذه متشكك تماماً في كل ما يتعلق بفكرة أن الله يستطيع أن يجعل نفسه معروفاً في التاريخ من خلال نوعية الأحداث التي سجلها الكتاب المقدس.

ولذلك استهدف شيلرميكر إنقاذ المعتقد الديني مما شعر بأنه سيكون سبب خنقه لا محالة في جو التشكك هذا. وقد نادى بأن جوهر الإيمان مختلف بالكلية عن جوهر النواحي الأخلاقية التي توجه الجانب العملي في الحياة، أو العلم الذي يهتم بعمليات التفكير العقلاني، وقال إن الإيمان هو شعور خالص، وهذا معناه أن الاعتقاد الديني الذي يمكن أن يكون صحيحاً يجب أن يكون بمعزل عن أي شيء يمكن تفسيره علمياً.

وقام مفكرون في وقت لاحق بتحدي هذه الفكرة وتعديلها في نقاط كثيرة إلا أن تمييز شيلرميكر بوجه عام بين الديانة والأدلة العقلية كان أمراً حاسماً للتطور اللاحق في الفكر اللاهوتي في كثير من أنحاء العالم الغربي. وفي دراسة الأناجيل تم التعبير عن ذلك بقبول مبدأين أساسيين يسيطران على تفكير الكثيرين من المفكرين.

ç إعلان الله والتاريخ: يوجد لاهوتيون كثيرون وخاصة أولئك الذين هم على شاكلة بولتمان، ممن يتبنون التقليد اللوثري، يعتقدون أن الكون هو نظام مغلق، يعمل على أساس “نواميس طبيعية” صارمة لا يمكن كسرها. وهذا الاعتقاد إذا وصل إلى نتيجته المنطقية، فمعناه أنه من المستحيل أن توفق أي نوع من الأحداث المعجزية أو الفريدة في مفهومنا عن التاريخ. وإذا كانت أعمال العلم يمكن التنبؤ بها كلها، فهنا وبالتحديد، لا يمكن وقوع ما لا يمكن التنبؤ به.

ولذا فإنه بناء على هذا الرأي فلا مفر أن ينظر إلى الأناجيل على أنها شيء غير التاريخ، لأنها تتضمن بالفعل قصصاً عن عدد من الأحداث الفريدة التي يبدو أنها انتهكت “نواميس الطبيعة” كما هي معروفة لدينا.

وهناك حجج عديدة يمكن طرحها ضد مثل هذه النوعية من الآراء المتعلقة بالعالم وأحداثه، ويمكن القول إن هذا أمر عفا عليه الزمن. ومن المثير أن نلاحظ أنه عند هذه النقطة، نجد أن افتراضات بعض الفلاسفة واللاهوتيين أقل مرونة من آراء كثيرين من علماء العصر الحاضر. وعلى سبيل المثال فإن الاكتشافات التي توصل إليها علماء الطبيعيات في القرن العشرين، أوضحت في نقاط كثيرة مدى غموض المفهوم الذي ينظر إلى الكون على أنه نظام مغلق، وهناك علماء كثيرون يدركون الآن أن أعماله تتضمن أكثر من مجرد عملية آلية لقوانين العلة والمعلول.

ثم أنه، من وجهة نظر أخرى، فالاعتقاد بأن الكون نظام مفلق يمكن بسهولة أن يصبح وسيلة لتفادي الحاجة إلى اتخاذ الدليل الفعلي المستمد من التاريخ بمأخذ الجد. فإذا سمحنا لأنفسنا أن نتأمل المضامين الكاملة لروايات الإنجيل، أو في الواقع، في التاريخ ككل، علينا من حيث المبدأ أن نكون مستعدين أن نعمل في ظل تحديد أرحب للتاريخ والحقيقة أكثر مما يسمح به كثيرون من لاهوتي العصر الحديث. فالقول بأن الأحداث الاستثنائية لا يمكن أن تقع، أو أنه لا يوجد ما هو خارق للطبيعة، لا يعد إجابة من أي نوع للأسئلة التي طرحها التاريخ. فهذا معناه الاحتياج لأسئلة أكبر وأكثر أهمية.

ç الحقائق والإيمان: وهناك افتراض آخر كثيراً ما يطرحه اللاهوتيون وهو أنه ليس ثمة ارتباط بين الحقائق والإيمان، وأن العقيدة الدينية لا يمكن أن تقوم على حقائق التاريخ. وثمة مشكلة تواجه المسيحية عند هذه النقطة… لأنه أياً كان ما نقوله عن الإيمان المسيحي، فإنه بشكل ما مرتبط بيسوع الذي عاش ومات في القرن الأول في فلسطين. ولذلك، فإنه من جانب، لا بد أن يكون إيماناً “تاريخياً” ولكن ما الذي نعنيه حين نقول هذا؟

حين نتحدث عن “التاريخ” أو “الأحداث التاريخية”، فمن الممكن أن نعني أمرين: فمن ناحية، “التاريخ” يمكن أن يعني “الماضي”. فهو ما وقع في مناسبة معينة. وهو ما يمكن أن نكون قد رأيناه بعيوننا وسمعناه بآذاننا لو كنا نحن هناك. وهذه هي نوعية “التاريخ” الذي كان العقلانيون في القرن التاسع عشر يحاولون اكتشافه في بحثهم عن يسوع التاريخي، إلا أنه بوسعنا أيضاً أن نستخدم كلمة “تاريخ” لنعني بها الإشارة إلى الماضي، ما يمكن أن يطلق عليه “تاريخ – كقصة” وليس “تاريخاً – كحقيقة”.

ففي إحدى الحالتين نحن نتعامل مع الأمور الفعلية التي حدثت، وليس شيئاً آخر. وفي الحالة الأخرى، نتأمل الأحداث في نطاقها الصحيح وفي ضوء مغزاها الأساسي بالنسبة لوجودنا.

تمسك عدد من اللاهوتيين الألمان بهذا الفرق التقني، كوسيلة للفصل بين يسوع الذي هو موضوع الإيمان المسيحي (الرب المقام) عن يسوع التاريخي. وقد استعملوا كلمتين ألمانيتين مختلفتين لوصف نوعيتي التاريخ. فاستخدموا كلمة “Historie” للإشارة إلى “التاريخ كحقيقة” وكلمة “Geschichte” للإشارة إلى “التاريخ كقصة”. ويقولون إن النوع الثاني هو الذي يهم الإيمان المسيحي حقاً. إن مغزى التاريخ من ناحية تأثيره فينا هو الذي يهم، وليس التاريخ نفسه. وهذا معناه أن معرفة يسوع نفسه كشخص تاريخي لا علاقة له بالإيمان.

وهذه النوعية من التأكيد لا تكفي إطلاقاً، سواء كقول عن الفكر اللاهوتي بصفة عامة، أو كتصريح عن قصص الإنجيل التي تتناول حياة يسوع وتعليمه. والفرق الحاج الذي اصطنع بين التاريخ كحقيقة، والتاريخ كقصة، قام على أساس سوء فهم للطبيعة الأصلية للتاريخ كحقيقة، والتاريخ كقصة. لأن الناحيتين مرتبطان بعضهما ببعض برباط وثيق للغاية، ومن المستحيل أن نفكر في أحدهما دون أن نفترض الآخر أيضاً.

وما من أحد يكتب إطلاقاً التاريخ كقصة ما لم يكن مقتنعاً بأن شيئاً ما قد حدث فعلاً وله من الأهمية ما يكفي لأن يستحق الكتابة عنه. وعلى مثال ذلك، بمقدورنا الوصول إلى “ما حدث فعلاً” من خلال القصص والسجلات التي تتحدث عن ذلك في سياقها وفي مغزاها الشامل دون الحاجة إلى أي شيء آخر.

ولذلك فإنه من الناحية المنطقية فإنه لا مفر من أنه حين نتحدث عن “التاريخ”، سواء بصفة عامة أو في علاقته بالعهد الجديد، فإنه يتعين علينا أن نضمن شيئاً من كلا المعنيين. ثم إنه من المرغوب تماماً أن نفعل ذلك أيضاً. وإذا حصرنا انتباهنا في معنى التاريخ فلسوف نكون في موقف مشكوك فيه تماماً، لأنه إذا لم يقع حدث ما فعلاً، فأي تفسير نقيمه على أساسه لا بد وأن يكون بعيداً تماماً عن أي معنى.

وعلى سبيل المثال، سيكون من الحماقة أن أقنع نفسي أن يسوع مات من أجل خطيئتي، إذا لم يكن – كحقيقة تاريخية – قد مات على الإطلاق. وإذا ما قلت إن الإيمان مهم، والحقائق ليست هامة فلسوف تكون ساذجاً. فذلك يقودك بعيداً عن الموضوعية، ويشكل عقيدة دينية وهمية غير منطقية.

وكتبة العهد الجديد لم يكونوا يجهلون هذه الأسئلة، وقد قدموا إجاباتهم عليها. وفي قصة بولس الهامة عن قيامة يسوع ومغزاها، أكد وبقوة على أهمية الحقائق كعنصر لا غنى عنه في إيمانه المسيحي. وعلى الرغم من أنه هو نفسه أصبح مسيحياً نتيجة لقاء مباشر بالمسيح المقام، إلا أنه يضع فكره اللاهوتي بثبات وقوة في سياق حدث تاريخي اعتقد أنه يمكن إثباته بالطريقة العادية بواسطة تقارير الشهود. ولم يتردد إطلاقاً في القول إنه إذا كان الشهود على خطأ، وأنه “إن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيمانكم….”[4].

والقصص المختلفة للكرازة المسيحية الأولى تؤكد أيضاً أن التاريخ مهم، والكثير من الكرازة “Kerygma” كما وصفها “دود Dodd” ما هي إلا سرد لحقائق عن يسوع. فالمسيح الذي يقابلنا في العهد الجديد، وكشخص سام في الأناجيل، ليس شبحاً أو خيالاً ليس له أهمية إلا في مغزاه. فهو شخص حقيقي يمكن أن يناسب عالمنا لأنه عاش بالفعل فيه.

لكن الأخبار السارة لا تتطلب منا أن نصبح مؤرخين قدامى لكي نكون مسيحيين. والحقائق تتطلب منا أن نعمل، وأن نمارس الإيمان. وإذ كان يسوع قد قام من الأموات، فعلينا أن نواجه المضامين المترتبة على ذلك، الحاجة إلى الخضوع إلى الرب المقام ومتطلباته بالنسبة لحياتنا. ولكن هذا يؤكد لنا أيضاً أن كلاً من متطلباته ومواعيده معقولة وعادلة وحقيقية لأنه يمكن تبريرها من أحداث التاريخ.

وأخيراً نقول، إن يسوع التاريخي لا يمكن إلا أن يكون يسوع الذي آمنت به الكنيسة، لأنه في أحداث حياة وموت وقيامة هذا الشخص، كان الله يعمل، ويكشف لنا عن طبيعته، مصالحاً العالم لنفسه.

أقوال ليسوع خارج العهد الجديد

وفي مواضع مختلفة من هذا الكتاب أشرنا إلى تقاليد عن حياة يسوع وتعليمه مما لا توجد في العهد الجديد. وثمة عدد من “الأناجيل” التي كتبت في القرن الثاني تزعم أنها تتحدث عن طفولة يسوع المبكرة. ثم ذكرنا أيضاً مجموعات من أقوال يسوع، مثل “إنجيل توما”. وهناك عدد كبير من هذه التقاليد التي تتحدث عن حياة يسوع معروفة لنا.

هذه المصادر ليست الوحيدة التي تحتوي على معلومات عن يسوع لا نجدها في أناجيل العهد الجديد. وبعض آباء الكنيسة يحتفظون بعدد قليل من القصاصات عن تعليم يقولون إن أول ما أعطاه هو الرب يسوع، وبالطبع نجد أحياناً في أجزاء أخرى من العهد الجديد نفسه إشارات إلى أقوال ليسوع لا توجد في الأناجيل. فعلى سبيل المثال، نجد أن بولس في ختام رسالته إلى شيوخ كنيسة أفسس يلخص ما قاله على أنه كلمات يسوع الذي قال “مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ”[5]. ومع ذلك لا توجد أقوال ليسوع كهذه مسجلة في أي موضع آخر في الأناجيل.

والمادة المحفوظة في مصادر القرن الثاني هي من طابع مختلف بشكل ملحوظ. والكثير منها، ولا سيما في قصص الطفولة، من الواضح أنها من الأساطير. وقد كتبت لتسد الثغرة التي تركتها أناجيل العهد الجديد، لأنها لم تذكر لنا شيئاً على الإطلاق عن طفولة يسوع. وكثير من قصص أناجيل الطفولة الأبوكريفية بعيدة عن الحقيقة، ولا هدف لها، ولا يحتاج الأمر إلا إلى قراءتها حتى ندرك أنها من طابع مختلفة تماماً عن قصص العهد الجديد التي يرويها عن يسوع.

ومع ذلك ثارت أسئلة أخرى حول مجموعات أقوال يسوع التي وجدت في مصادر مثل إنجيلي فيلبس وتوما، أو البرديات العديدة التي اكتشفت في البهنسا في صعيد مصر. ومعظم هذه المستندات كتبت لأغراض دينوية، وكثير منها جاء من المجموعات الغنوصية المختلفة التي كانت منتشرة في القرن الثاني، وبعده.

و”إنجيل توما” في صيغته الحالية تم وضعه لدعم حياة المجموعات السرية في الكنيسة. والعلماء غير متأكدين ما إذا كانت هذه جماعة غنوصية، أو نوعية أخرى من الجماعات المرتبطة بالمسيحية اليهودية، ولكنهم متفقون من ناحية اعتباره مصدراً أنتج لتأييد معتقدات شيعة معينة. وكثيراً من أقواله أخذت من العهد الجديد والبعض الآخر ربما أخذت مباشرة من مصدر غنوصي آخر.

إلا إنه إلى جانب هذا توجد أيضاً أقوال أخرى يبدو أنها من مصدر مستقل. فعلى سبيل المثال، القول 82 من إنجيل توما جاء به “قال يسوع: ذاك الذي بالقرب مني هو قريب من الإلهام، ذاك الذي هو بعيد عني هو بعيد عن الملكوت”. وهذا القول بالذات كان معروفاً لأب الكنيسة أوريجانوس (185-245م)، وربما تكون هناك إشارات إليه في كتابات بعض المسيحيين الأوائل الآخرين. ومن المؤكد أنه من سمات نوعية أقوال يسوع المسجلة في العهد الجديد، وعلاوة على ذلك، فإنه يتسم بصيغة الشعر الآرامي، والتي هي أيضاً سمة منتظمة من سمات تعليم يسوع في الأناجيل الأربعة.

ويوجد عدد من أقوال كهذه نجدها في كتابات الكنيسة الأولى. فهي لا تتضمن أي تعليم لعقيدة طائفية، وحين تتفق بشكل عام مع تعاليم يسوع الواردة في العهد الجديد، فلا يبدو أنه لا يوجد سبب للشك في أنها تعود إلى تقاليد صحيحة عن يسوع. أما إذا كانت على نفس المثال الذي أوردناه، تحمل صيغة الشعر السامي، فإن هذا يعد دلالة أخرى على طابعها البدائي. وفي كتابه “أقوال غير معروفة ليسوع” عزل البروفسور جيرمياس عدداً من هذه القصص التي تحوي تعليماً، وعدداً قليلاً من القصص التي قيلت عن يسوع، والتي يعتقد أنها قد تكون ذكريات حقيقية عن حياة يسوع نفسه.

ولا شك أن البعض منها يحمل علامات صحته. وحقيقة أن هذه المعلومات حفظت خارج العهد الجديد لا يجب أن تدهشنا. فكاتب إنجيل يوحنا يشير إلى قصص كثيرة عن حياة يسوع وتعاليمه كانت معروفة له، ولكنه لم يستخدمها في إنجيله. ولكن بوسعنا أن نكون على ثقة من أنها لن تكون معروفة على الإطلاق بالنسبة للكنيسة. ولا شك أنه تم تذكرها، وتم تكرارها، وربما انتهى الأمر ببعض منها إلى أن سجل في السجلات المختلفة السابق ذكرها هنا.

إلا أنه من الأهمية أن نلاحظ أنه بالمقارنة مع العدد الكبير من التقاليد الأبوكريفية عن يسوع، فإن نسبة ضئيلة فقط، هي التي يمكن وعن حياء الادعاء بصحتها. أما الأغلبية الساحقة من المادة لا قيمة لها على الإطلاق كمصدر تاريخي للمعرفة عن يسوع. وليس من شك أن البروفسور جيرمياس كان محقاً حين يعلق قائلاً: القيمة الحقيقية للتقليد الموجود خارج الأناجيل تتمثل في أنه يلقى الضوء على القيمة الحقيقية للأناجيل القانونية نفسها.

وإذا كنا نود أن نتعلم عن حياة يسوع ورسالته، فإننا “لن” نجد ما نبتغيه إلا في الأناجيل الأربعة القانونية. أما الأقوال الربانية المفقودة، فقد تدعم معرفتنا المشتتة هنا وهناك في بعض الأمور الهامة، ولكنها لا تستطيع أكثر من ذلك.

 

[1] متى 6: 9-13؛ لوقا 11: 2-4.

[2] مرقص 1: 22.

[3] متى 28: 19.

[4] 1كورنثوس 15: 17.

[5] أعمال 20: 35.

كيف عرفنا يسوع – هل الأناجيل صادقة؟

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

المسيح – كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

 

ما هي الأناجيل

في البابين الأولين من هذا الكتاب، ذكرنا الكثير عن حياة المسيح وتعليمه، ولكننا لم نتحدث إلا القليل جداً عن الكيفية التي عرفنا بها يسوع المسيح. ومن الطبيعي أن الصورة التي تخيلناها عنه قامت على أجزاء العهد الجديد التي تحدثت عن حياته وعمله، وهي الأسفار الأربعة التي نطلق عليها “الأناجيل” والتي ترتبط عادة بأسماء: “متى ومرقص، ولوقا، ويوحنا.

إلا أنه يتعين أن يكون واضحاً الآن أنه في فهمنا للأناجيل قمنا بعمل عدة افتراضات، وبشكل أو بآخر، تخيلنا صورة يسوع المسيح التي قدمت هنا. وعلى سبيل المثال، افترضنا أن الأناجيل ليست سيراً ذاتية للمسيح، بقدر ما هي عرض لمختارات من نواحي حياته وتعليمه التي بدت ذات أهمية بالغة لأولئك الذين كتبوها لأول مرة. وعلاوة على ذلك، افترضنا أن هناك الكثير من التداخل والتكرار في الروايات العديدة لحياة يسوع، ولذلك ربما يستخدم إنجيل لتوضيح أو تفسير التعليم الذي ورد في إنجيل آخر.

ثم لمحنا أيضاً إلى أنه من الممكن في الواقع معرفة شيء عن يسوع المسيح من دراسة الأناجيل، وأنه على الرغم من أنها فعلاً من نتاج الكنيسة الأولى، إلا أنها لا تحدثنا عن كاتبيها فقط، بل عن يسوع المسيح نفسه.

وقد حان الوقت الآن لدراسة بعض هذه الافتراضات، بشيء أكثر تفصيلاً لشرح الأسباب التي دفعتنا على افتراضها، ولاستكشاف تداعياتها.

ما هو الإنجيل؟

لماذا ندرس الانجيل

القارئ الحديث الذي يرى أحد الأناجيل لأول مرة قد يعتقد أنه يشبه إلى حد كبير سيرة ذاتية للمسيح. إلا أن لمحة خاطفة لأي منها، ستبين أن الأمر ليس كذلك. فالسيرة الذاتية الجيدة تبدأ عادة برواية عن سنوات طفولة الشخصية التي تتناولها، ثم تعرض بالتوالي إلى مرحلة المراهقة ثم البلوغ، كي تبين كيف نما الشخص الناضج استجابة للتأثيرات المختلفة في بداية حياته والبيئة التي نشأ فيها.

وعلى النقيض من ذلك، نرى أن التأكيد الرئيسي في الأناجيل لا ينصب على مجرى حياة يسوع المسيح، بل على أحداث الأسبوع الأخير منها على وجه التقريب. وهذه سبقتها تقارير عن تعليم يسوع، ورواية عن بعض الأحداث القليلة ترجع إلى فترة الثلاث سنوات السابقة لوفاته، مع عدم أي ذكر في الواقع لطفولته وفترة مراهقته. ولو كانت هذه سيرة ذاته، فإنها لا ريب سيرة ذاتية غير عادية.

وبمقدورنا وبمنتهى السهولة أن نعرف حقيقة الأمر بالرجوع إلى الأناجيل ذاتها. وعوض أن نحاول تصنيفها كما يفعل أي أمين مكتبة الآن، علينا أن نسأل، ماذا اعتقد كاتبوها بخصوص ما يفعلون وهم يكتبونها؟ لنأخذ على سبيل المثال إنجيل مرقص، وهو الإنجيل الذي يعتقد بوجه عام أنه أقدم الأناجيل الأربعة. والكتاب يصف عمله في العبارة الافتتاحية على أنه “بدء إنجيل يسوع المسيح”[1].

وهذا القول يأتي كعنوان أو مقدمة لما سيتبعه، ونجد هنا كلمتين هامتين لفهم الغرض من هذا الإنجيل، والكلمتان هما: “بدء” و”إنجيل”. وكلمة “إنجيل” هي ببساطة ترجمة لكلمة مرقص اليونانية “Evangilion” وقد اختيرت أساساً لأن للكلمتين معنى واحد هو: “أخبار سارة”. إذاً، فقد كان مرقص يكتب عن “بدء الأخبار السارة”.

وماذا يعني هذا؟ لقد سمع مرقص وكتبة الأناجيل الأخرى “الأخبار السارة” عن يسوع المسيح [2]. ولقد تقبلوا مصداقيتها واعترفوا بالمسيح كسيد لحياتهم[3]. ومرقص نفسه أصبح بناء على ذلك منخرطاً بشكل عميق في عمل الكنيسة، وتضمن جزءًا هاماً من عمله كلاً من الكرازة وتعليم الرسالة مما غير مجرى حياته هو شخصياً[4].

والكرازة والتعليم المشار إليهما سجلا في العهد الجديد، وفي صيغته الأساسية الخالصة يتكون من أقوال لخصها “دود” في تعريفه في كتابه “الكرازة الأولى”.

وبالنسبة لمرقص ومعاصريه لم تكن هذه الرسالة مجرد ذكر للحقائق المتعلقة بالإيمان المسيحي، بل كانت بمعنى أهم “الأخبار السارة” لإيمانهم، لأنهم فيما قبلوا دعوتها للتوبة وجودها اختبار تغيير حياة.

ولذلك حين وصف مرقص إنجيله بأنه “بدء الأخبار السارة” فهو بهذا كان يقول إن هدفه هو أن يصف المرحلة الأولى من تطور الرسالة التي استجاب لها هو وآخرون. والقصة التي يرويها تشكل جزءًا هاماً لا يتجزأ من قصتهم واختبارهم كمسيحيين، وكان للوقا غرض مماثل: فهو يكتب ليعرف قراءه المضامين الكاملة للرسالة المسيحية التي كثيراً ما سمعوا عنها[5]. والواقع أن لوقا شعر أنه من الواجب عليه أن يؤكد استمرارية حياة الكنيسة بحياة المسيح، وذلك بكتابة سفر آخر (سفر أعمال الرسل) ليجعل القصة كاملة تماماً.

وحين نطلق على كتبة الأناجيل لقب “إنجيليين” فإننا بذلك نصف قصدهم الحقيقي. لأنهم كانوا مهتمين بالدرجة الأولى بأن يوصلوا رسالتهم عن يسوع المسيح إلى معاصريهم، ثم بعد ذلك – بصفة ثانوية – يتناولون الاهتمامات العادية لكاتب السيرة، ولو أنهم لم يهتموا بهذه النقطة الأخيرة. وهذه الحقيقة لها على الأقل ثلاث نتائج هامة لفهمنا للأناجيل التي كتبوها:

يجب النظر إلى الأناجيل على اعتبار أنها تتضمن أقوالاً أو أحداثاً انتقائية تتعلق بحياة يسوع المسيح وتعليمه. وفي كرازتهم للرسالة لا ريب أن الرسل وآخرين تحدثوا عن أحداث من حياة المسيح بنفس الطريقة التي قد يستخدم بها الكارز الحديث توضيحات ملائمة لتفسير نفس النقاط اللاهوتية التي يعرض لها.

ولا ريب أن مرقص والإنجيليين الآخرين كانوا قد سمعوا عن هذه الأحداث التي استعملت لتوضيح كثير من المواعظ، وضمنوها أناجيلهم لأغراض مماثلة وبشكل أوسع. والواقع أن “بابياس Papias” وهو أباء الكنيسة الأولى زعم أن إنجيل مرقص يتكون من مادة استخلصت من كرازة بطرس نفسه.

وحقيقة أن المعلومات التي تتضمنتها الأناجيل التي استعملت أولاً لتوضيح رسالة الكنيسة تفسر لنا أيضاً بعض الصعاب التي كثيراً ما نستشعرها عما يبدو لنا من عدم اكتمال بعض روايات الإنجيل. وإذا جمعنا بين الأناجيل الأربعة معاً فبالكاد تحوي المعلومات الكافية لتسجيل ثلاث سنوات من حياة أي شخص، فما بال أن يكون هذه الشخص نشيطاً كالمسيح، إلا أنه إذا ما عرفنا أن المعلومات المتوافرة لنا قد حفظت بسبب ارتباطها بحياة أولى الكنائس، سنفهم بسهولة السبب في أن الكثير مما كنا نود معرفته قد ترك دون تدوين.

وهذا يفسر لنا السبب في أننا لا نجد أي ذكر في العهد الجديد لطفولة يسوع المسيح المبكرة، بل ولا أية أوصاف بالنسبة لشبهه أو من أية نوعية من الأشخاص كان. ولو كان الإنجيليون يكتبون لمجرد إشباع فضول الناس ورغبتهم في معرفة كل شيء عن يسوع المسيح، لضمنوا أناجيلهم هذه النوعية من المعلومات. ولكن هذا لم يكن قصدهم، لأنهم كانوا مهتمين بصفة أساسية بربح الناس للإيمان بربهم وسيدهم، ولهذا السبب لم تكن مثل هذه التفاصيل تهمهم من هذه الناحية.

إذا كانت الأناجيل توضيحات للكرازة الرسولية، فهذا معناه أن ليس بوسعنا النظر إلى محتوياتها على اعتبار أنها قصص بسيطة عن يسوع المسيح. فلا بد وأن يكون لها صلة وثيقة بالفكر اللاهوتي لكتاب الإنجيل. وقد جاء وقت انتشرت فيه فكرة افتراض أنه من الممكن أن نستخلص من الإنجيل صورة لمعلم جليلي بسيط، غيرها بولس وآخرون في وقت لاحق إلى رسالة لاهوتية عن ابن الله.

إلا أنه أصبح من المعروف الآن، وعلى نطاق واسع أن الأناجيل نفسها هي بذاتها من بين أكثر الوثائق اللاهوتية الهامة للكنيسة الأولى، وأن الحقيقة هي أنها ليس بوسعنا إطلاقاً اكتشاف صورة للمسيح كمعلم بسيط من الجليل. وبقدر ما استطعنا الرجوع إلى المصادر القديمة، فإن يسوع المسيح الذي وجدناه على صفحات العهد الجديد هو دائماً شخص يزعم لنفسه أموراً عظيمة، ويدلي بأقوال محددة عن علاقة الإنسان بالله. وكل تعاليمه، وكل حدث سجلته الأناجيل يتضمن بصفة خاصة شيئاً لاهوتياً يريد قوله لنا.

ç وكما سبق لنا القول، فإنه إذا كان كتبة الأناجيل قد اختاروا مادة للكتابة ليخدموا أهدافهم الشخصية، فمعنى هذا أنه قد يكون بوسعنا اكتشاف شيء عنهم وعن قرائهم بمقارنة اختيار كل منهم للمعلومات المتعقلة بالمسيح واستخدامه لها. وبالنسبة للأناجيل الثلاثة الأولى بمقدرونا عمل ذلك بكل يسر، لأنها على وجه التقريب تروي لنا نفس القصة وبنفس الترتيب، وكل منها يكرر أجزاء كبيرة من المادة التي نجدها في الأناجيل الأخرى.

وبمقارنة الطرق المختلفة التي استخدم بها كل من متى ومرقص ولوقا أعمال يسوع المسيح وتعليمه في رواياتهم، يمكننا بسهولة أن نعرف شيئاً عنهم والوضع الذي عاشوا وعملوا فيه.

وعلى هذا، فإنه لكي نفهم الأناجيل فهماً تاماً فإن ذلك يشكل عملية معقدة. فنحن نحتاج إلى معرفة السبب في أن الإنجيليين كتبوا بالطريقة التي كتبوا بها، ومتى كان ذلك. فإننا سنحتاج إلى محاولة فهم الطريقة التي جمعوا بها مادتهم، ولماذا استخدموها بطريقة معينة دون أخرى. كما أننا علينا أن نتذكر وبصفة دائمة أن أناجيلهم لم تكتب إلا بقصد المهمة الكرازية للكنيسة: وهي لم تكتب كسيرة ذاتية أو تاريخ، أو حتى كمادة لاهوتية بالمعنى المألوف.

الكرازة والكتابة

هناك سؤال واضح يمكن طرحه فيما يختص بالأناجيل وهو: من أين استقى كُتاب الأناجيل معلوماتهم، وما الذي عملوه بها؟ وللوهلة الأولى قد يبدو هذا سؤالاً خارجاً إلى حد ما عن الموضوع، أو نوعاً من تسلق قمة جبل إفرست بالنسبة للاهوتي، يجب عليه قهرها لا لشيء سوى أنها موجودة. لكنه سؤال مفيد يؤدي إلى فهم مقنع لطبيعة الأناجيل. فتتبع مصادر كاتب ما وفحص أسلوبه في استخدامها يمكن أن يشكل جزءًا هاماً لفهم ما يقوله.

فإذا كنا نعرف ما يعلمه، فبإمكاننا أن نفهم وبوضوح أكثر، ما الذي يهدف إليه. وإذا أسأنا فهم طريقته، فمن المحتمل تماماً أننا سنفشل في فهم رسالته الأساسية.

وبالنظر إلى أنه من المؤكد أن الأناجيل قد كتبت في سياق كرازة الكنيسة الأولى، فلنا أن نتوقع وجود بعض إلماحات إلى أصلها، وذلك بفحص رسالة الكنيسة. وهذا ما يتضمن بالضرورة ثلاثة موضوعات رئيسية، أولاً: الإنجيل المسيحي مرتبط بالمواعيد المذكورة في العهد القديم. ثانياً: سلسلة من الأقوال عن يسوع المسيح وأهميته. وأخيراً: كانت هناك دعوة للناس أن يتوبوا أو يقبلوا الرسالة.

نصوص العهد القديم

بدأت الرسالة بالقول إن المواعيد التي تضمنها العهد القديم قد تحققت في حياة يسوع المسيح. وفي ملخصات العهد الجديد لهذه الكرازة، كثيراً ما يقدم هذا القول بطريقة عامة إلى حد ما. إلا أنه في مواقف الحياة الواقعية لا بد وأنه كان إعلاناً جاء أكثر وضوحاً. فأي شخص ملم بالعهد القديم لن يقتنع إلا بعد أن يعرف تماماً ما هي النبوات التي كان من المفترض أن تتم بالمسيح. ونعرف من دليل آخر من بين الأعمال المفضلة لدى اليهود هي جمع قوائم لفقرات العهد القديم التي سيتممها المسيا حين يأتي.

وعلى سبيل المثال نجد أن أهل قمران كانوا يحتفظون بمثل هذه القوائم، وهكذا فعلت جماعات يهودية أخرى. وهذه القوائم يشير إليها العلماء عادة بكلمة “شهادات”.

وهناك عدد من الإشارات في العهد الجديد بأن قوائم النصوص هذه كان المسيحيون يستعملونها بشكل منتظم منذ البداية. فنجد في إنجيلي متى ويوحنا كثيراً من نصوص العهد القديم قد ذكرت للاستشهاد بها، مع إشارة إلى أنها تحققت في حدث معين في حياة يسوع المسيح. ومع ذلك ومما هو لافت للنظر أنهما بالكاد يستعملان نفس الفقرات. ولعل ذلك يرجع إلى أنهما كانا يستعملان مجموعات مختلفة من الشهادات.

كذلك في بعض رسائل بولس، نجد أيضاً نصوصاً من العهد القديم جمعت معاً في فقرات متصلة فيما يبدو أنها جاءت عشوائية، ومن المعقول أن نعتقد أن بولس وجدها أساساً وهي مجمعة معاً تحت نفس العنوان في مجموعة نصوص العهد القديم الخاص به. ولعل جمع هذه النصوص من العهد القديم كان من أوائل النشاط الأدبي للكنيسة المسيحية. فقد كانت من أجل تسهيل عمل الكارزين المسيحين، حتى يكون بمقدورهم أن يستشهدوا بنماذج معينة منها لدعم أقوالهم بأن يسوع المسيح أكمل مواعيد العهد القديم الخاصة بالمسيا.

 

كلمات يسوع

إن العنصر الرئيسي في الكرازة Kyrgma هو سلسلة الأقوال التي ذكرت عن يسوع المسيح نفسه. ومن المؤكد أنه في الأيام الأولى من وجود الكنيسة لم يكن من المستطاع إعلان الرسالة إلا بإشارة عابرة إلى حياة المسيح وتعليمه. ذلك أن معظم المسيحيين كانوا أصلاً من اليهود، وكانت الكنيسة لا تزال شيعة محلية فلسطينية، ولا بد أن كثيرين في فلسطين قد عرفوا شيئاً عن المسيح، مهما كان قليلاً.

إلا أنه لم يمر وقت طويل إلا وكان المرسلون المسيحيون ينتشرون في أماكن خارج فلسطين، حاملين تعليمهم إلى أجزاء الإمبراطورية الرومانية حيث لم يكن أحد يعرف شيئاً عن يسوع. ولا بد أنه كان من الضروري في هذه المرحلة، بالنسبة للكارزين بالأخبار السارة أن يضمنوا رسالتهم بعض المعلومات الحقيقية عن يسوع المسيح نفسه، حتى وإن اقتصرت على أحداث موته وقيامته.

وما أن يصبح الناس مسيحيين إلى ويحتاجون إلى تعليم بخصوص إيمانهم الجديد. وهذا التعليم يتضمن معلومات عن المعتقدات المسيحية، وكذلك نصيحة عن السلوك المسيحي من النوعية التي كثيراً ما نجدها في رسائل العهد الجديد. ومن مصادر هذا التعليم الواضحة والهامة لا بد وأن تكون الأقوال التي يذكرون أن يسوع المسيح نفسه قالها. وليس من الضروري أن تقدم هذه كمعلومات عن يسوع، وهذا ما نستطيع معرفته من نصيحة بولس إلى أهل رومية (12-13). فالكثير مما يقوله قريب جداً من تعليم يسوع المسيح في العظة على الجبل حتى أنه من الصعب الاعتقاد أن الاثنين لم يستندا إلى نفس المصدر.

ومع ذلك لم يقل بولس مطلقاً إن نصيحته مستمدة من تعليم المسيح نفسه. وهناك أجزاء أخرى من كتابات بولس تبين أيضاً أن تقاليد تعاليم يسوع المسيح كانت معروفة لدى كنائس الأمميين الأولى[6]. لذلك فمن المحتمل جداً أنه قبل كتابة الأناجيل بصورتها الحالية بوقت طويل كانت أقوال يسوع المسيح قد جمعت معاً كدليل لإرشاد المعلمين في الكنيسة الأولى. ولا شك أنه كان هناك عدد من مجموعات تعليم يسوع المسيح هذه، عملت لأغراض ومناسبات مختلفة في حياة الكنيسة، والدارسون كثيراً من يطلقون على هذه المجموعات كلمة “Logia” أي أقوال السيد المسيح.

وعلاوة على الاعتبارات العامة السابق ذكرها، هناك العديد من المبررات الأساسية الهامة للاعتقاد بأن هذه كانت من أول أنماط الكتابة المسيحية عن يسوع المسيح.

ç ونعرف أنه كانت توجد مجموعات لاحقة من هذه النوعية، حتى بعد كتابة أناجيل العهد الجديد بفترة طويلة. وهناك عدد من قصاصات البرديات التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث الميلادي، والتي وجدت في البهنسا في مصر، تحتوي على أقوال للمسيح، بعضها مختلف عن تلك الموجودة في الأناجيل.

وقد وجد كتاب كامل لمثل هذه الأقوال مكتوب باللغة القبطية تم العثور عليه في مصر. وقد عرف باسم “إنجيل توما”. وهو يحتوي على أقوال للمسيح ليست موجودة في العهد الجديد، ومع ذلك قد تكون حقيقية. ومع هذا وسواء كانت حقيقية أم لا، فإن هذه الوثائق لا تظهر بوضوح تام أنه كان من عادة الكنيسة الأولى أن تعمل هذه المجموعات الخاصة بأقوال السيد المسيح.

ç وفي الفترة 130-140م، كتب بابياس أسقف هيرابوليس، Papias the bishop of Hierapolis كتاب “شرح أقوال الرب” من خمسة أجزاء. ومع أن معظم هذا الكتاب مفقود الآن، إلا أنه لدينا بالفعل قصاصات قليلة منه على شكل مقتبسات وردت في كتابات أناس آخرين. وإذا كتب بابياس عن “متى قال إنه جمع أقوال المسيح “Logia” باللغة العبرية، وكل واحد فسرها بحسب ما استطاع. والمقصود بهذا القول على وجه الدقة أمر غير مؤكد، لكن معظم الباحثين يعتقدون أن اللوجيا “أقوال يسوع المسيح ” التي يشير إليها هي مجموعة من أقوال المسيح وليست السفر الذي نعرفه باسم “إنجيل متى”.

ç تنظيم المادة في الأناجيل كثيراً ما تشير إلى أن أقوال يسوع المسيح جمعت معاً قبل أن توضع في سياقها الحالي. وهناك مجموعات كثيرة من الأقوال بينها الصلة ضعيفة، ولا تشكل أي حجة مترابطة منطقياً. على سبيل المثال الأقوال عن الملح في إنجيل مرقص، تبدو في الواقع مختلفة تماماً بعضها عن بعض، ولعلها جمعت معاً لمجرد أنها كلها تذكر الملح[7].

ç ثم أمامنا العظة على الجبل بكاملها[8]. ولو حاول أي شخص في أي عصر أن يكتشف حجة الموعظة سيدرك استحالة المهمة، لأنها لا تتضمن حجة مترابطة منطقية. وما لدينا هو مجموعة تعاليم للمسيح جمعت معاً لأنها كلها تتناول مجموعات أخلاقية. ولكنها لا تتواصل بنفس الطريقة التي يتوقع أن تكون عليها العظة الحديثة. وطبقاً لما يقوله بروفسور جيرمياس Jeremias، أن السبب في ذلك يرجع إلى أن العظة في الأصل كانت تشكل مجموعة من أقوال يسوع المسيح، نظمت على هذا النحو لكي تكون سهلة التناول بالنسبة للمنضمين حديثاً في الإيمان المسيحي.

ç وهناك سبب قوي لافتراض وجود مجموعات من أقوال يسوع المسيح في وقت مبكر من تاريخ الكنيسة، يتمثل في حقيقة أنه كان لدى متى ولوقا كمية كبيرة من المادة المشتركة بين إنجيل كل منهما، ولكنها لا توجد إطلاقاً في إنجيل مرقص[9]. وتكاد هذه المادة تتكون في جملتها من تعاليم يسوع، ولكنها تتضمن أيضاً قصة عماده[10]. كما تتضمن التجربة وقصة معجزة واحدة هي شفاء عبد قائد المئة[11]. والتفسير العام المقبول لهذه المادة المشتركة هو أن متى ولوقا، استعمل كلاهما نفس مجموعة أقوال يسوع وأدمجها كل منهما في إنجيله[12].

والمفسرون يطلقون على هذه الأقوال المصدر (َQ). وربما كانت وثيقة مكتوبة، أو ربما تكون مجموعة من التقاليد الشفهية. ومن المؤكد أن وجودها في شكل ما أمر حقيقي، ولا سيما أن محتوياته تشابه إلى حد كبير مجموعات الأقوال النبوية التي نجدها في العهد القديم. وإلى جانب كلمات النبي التي تجمع معاً ويقوم تلاميذه بتحريرها، فإن الأسفار النبوية كثيراً ما تتضمن أيضاً رواية عن دعوة النبي، وحدثاً أو اثنين من الأحداث البارزة في حياته.

وهذا هو بالضبط ما نجده في التقليد المسمى (Q). فنجد قصة معمودية المسيح وتجربته في البرية (اللتان يمكن القول إنهما بمثابة دعوته)، كما نجد توضيحاً لأكثر أنشطته النمطية: معجزة وشفاء. إلا أن التأكيد الرئيسي إنما يكون على تعليمه.

وبناء على الدليل الذي تم جمعه حتى الآن، بوسعنا الاستنتاج انه من بداية وجود الكنيسة كان اهتمامها الرئيسي منصباً على نوعيتين من الكتابة هما: الشهادة Testimonia وأقوال يسوع المسيح Logia. ولعلهم أيضاً كان لديهم مخطط مشترك متفق عليه بالنسبة لمجرة حياة المسيح وتعليمه. إلا أنه قبل وقت طويل بدأت تبرز الحاجة إلى ضرورة جمع كل هذه المادة معاً في صورة تقبل الاستمراربة بشكل أكثر. وهذه العملية لم تتم بالطبع بين عشية وضحاها.

والواقع أنها ربما لم تكن في الحقيقة منفصلة على الإطلاق، بل كانت مجرد توسع وإكمال للعمل الذي سبق أن بدأ بعمل مجموعات من “الشهادة” و”أقوال يسوع”. غير أن المحصلة النهائية تمثلت في الوثائق الأربع التي نعرفها الآن بأسماء: إنجيل متى وإنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا.

وضع الأناجيل معاً

الأناجيل الثلاثة الأولى تسمى “المتشابهة Synoptics” لأنها تتشابه إلى حد كبير، والطريقة ذاتها التي حول الكتبة بها “أقوال يسوع” إلى أناجيل هي أساس مشكلة التشابه Synoptic Problem”.

وهذه الأناجيل في الواقع ما هي إلا ثلاث طبعات مختلفة لنفس المادة الأساسية تقريباً. وكثير من هذه التشابهات يمكن بالطبع تفسيره بافتراض أن هؤلاء الإنجيلين كانوا يستعملون نفس مجموعة الأقوال التي كانت متداولة بين مجموعة مختلفة من المسيحيين. ولكن التشابهات أكثر من ذلك تعقيداً، لأنه توجد أمثلة كثيرة جداً، حيث استعملت الأناجيل الثلاثة نفس اللغة بعينها من حيث المفردات اللغوية والتركيبات النحوية، الأمر الذي حمل معظم الباحثين على الاعتقاد بأنه لا بد وأنهم كانوا يستعملون نفس المصادر المكتوبة.

أما التفسير الذي قيل بوجه عام فيما يتعلق بهذه التشابهات فيتمثل في “نظرية المصدرين” والتي تفترض أن متى ولوقا استخدما نفس وثائق المصدرين في كتابة قصتيهما عن حياة يسوع المسيح وتعليمه. وكانت هذه هي المصادر التي نعرفها الآن بإنجيل مرقص والمصدر المفترض (Q). ومن المؤكد بالطبع، أن لوقا على الأٌقل استخدم مصادر متنوعة في كتابة إنجيله، ذلك لأنه يقول صراحة إنه فحص عمل أناس آخرين، واختار منها تلك الأجزاء التي كانت تناسب هدفه من الكتابة. وعلى ضوء العلاقات الأدبية الوثيقة بإنجيلي مرقص ولوقا، يبدو أن متى استخدم نفس الأسلوب في كتابة إنجيله.

وإذ توصل الباحثون إلى استنتاج أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص كمصدر لهما، فقد حللوا نص الأناجيل الثلاثة المتشابهة مستخدمين على الأقل خمس معايير مختلفة:

ç الصياغة: مقارنة الكلمات المستخدمة في نصوص مختلفة تعد طريقة بسيطة جداً لتحديد العلاقة الأدبية بينها. وأكثر من نصف المفردات اللغوية المستخدمة فعلاً في إنجيل مرقص، نجدها متضمنة في إنجيلي متى ولوقا، وكلاهما يحتويان على أجزاء متطابقة لا نجدها في إنجيل مرقص. ولذا فإنه من الواضح أنه كان هناك مصدر واحد معروف لهم جميعاً، كما أن هناك مصدر واحد استخدمه متى ولوقا فقط.

ç الترتيب: إذا اتفقت ترتيب أحداث في قصة موجودة في أكثر من إنجيل واتفقت الأجزاء التي بها نفس الصياغة، نستطيع أن نخطو خطوة إلى الأمام ونفترض وجود مصدر مشترك اتبع ترتيبه واستخدمت كلماته بواسطة الإنجيليين الثلاثة جميعاً. وهنا أيضاً يوجد دليل كاف على هذا. فإن متى ومرقص ولوقا اتبعوا كلهم نفس الترتيب العام للأحداث. فهم يبدأون بخدمة يوحنا المعمدان، ثم ينتقلون إلى الحديث عن معمودية المسيح وتجربته في البرية.

بعد هذا تأتي خدمة عمل المعجزات والتعليم في الجليل، والتي بدأت تثير مقاومة من الرؤساء اليهود. ثم يقوم المسيح برحلات صوب الشمال ليعطي تعليماً لتلاميذه على انفراد. وأخيراً يتوجهون إلى أورشليم، ونجد قصة أيامه الأخيرة هناك، محاكمته، صلبه، ثم قيامته.

وفي هذا الإطار العام، هناك أحداث معينة سجلت أيضاً في كثير من الأحيان بنفس الترتيب.

وسمة الأناجيل المتشابهة هذه، تتضح على أفضل نحو إذا افترضنا أن إنجيلي متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص، كمصدر لهما وليس العكس. لأنه مما يلفت النظر أنه حين يخرج متى عن نهج نظام مرقص، نجد أن لوقا يحتفظ بنفس ترتيب مرقص، وحين يخرج لوقا عن نظام مرقص، نجد أن متى يتبع نهج مرقص. وهناك حدث واحد يضعه كل منهما بنظام يختلف عن ترتيب مرقص وهو: تعيين الاثني عشر[13].

فأحياناً يتخلى متى أو لوقا عن نمط قصة مرقص كي يضيف شيئاً جديداً[14]، غير أنهما بعد هذه الإضافة يعودان إلى النقطة التي في إنجيل مرقص، والتي كانا قد توقفا عندها[15]. وهذه من أقوى الدعامات التي تدعم الاعتقاد أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص وليس العكس.

ç المحتويات: تحليل محتويات القصص كشف أيضاً عن استخدام مصادر مختلفة. فإذا سجل أحد الكتبة نفس القصة بنفس الكلمات والترتيب الذي استخدمهما كاتب آخر، فإنه يكون بوسعنا افتراض إما أن أحدهما استخدم عمل الآخر، وهذا ما حدث بالنسبة للأناجيل المتشابهة، فمن بين 661 آية الموجودة في إنجيل مرقص، نجد في متى منها 606 آيات بنفس صيغتها، ونصفها أيضاً نجده في إنجيل لوقا.

ç الأسلوب: هذا معيار صعب جداً من ناحية استعماله بطريقة مرئية، فأسلوب الكاتب يمكن أن يعتمد على أمور كثيرة، ومنها الوضع الذي يكتب أثناءه، والقراء الذين يقصدهم، وما إذا كان يستخدم سكرتيراً أم لا، وهكذا.

ومن المؤكد أن هناك اختلافات بارزة في الأسلوب بين مرقص والإنجيلين المتشابهين الآخرين. وإنجيل مرقص، على وجه العموم، كتب بلغة يونانية أقل مستوى من اللغة التي كتب بها الإنجيلان الآخران. على سبيل المثال، تراه كثيراً ما يصف الأحداث بالفعل المضارع التاريخي (يستخدم الفعل الحاضر للحديث عن شيء وقع في الماضي). ومع ذلك نجد أن متى ولوقا يستخدمان دائماً الفعل الماضي، وهذه بالطبع هي الصيغة الأدبية الصحيحة.

وكثيراً ما ثار الجدل بأن هذا الاختلاف يبين أن متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص – وليس العكس – وهي حقيقة مؤكدة أنه إذا كان مرقص قد اطلع على إنجيلي متى ولوقا لكان يعد أمراً شاذاً للغاية أن يقوم بتغير قواعد النحو الجيدة بأخرى رديئة.

ولكن هذه الحجة تعتمد على افتراض أن الإنجيليين استخدموا مصادرهم بطريقة خرقاء، حيث كانوا ببساطة ينقلون النص كلمة كلمة. غير أنه ليس هناك باحثون كثيرون ممن يتبعون مصدراً بحذافيره بحيث يسمحوا لأسلوبه بأن يعتم على أسلوبهم. وإذا كان مرقص ضعيف الكتابة باليونانية، فإن قواعد لغته المستعملة ستكون رديئة سواء كان ينقل عن مصدر آخر أم لا.

ولسوف نكون على صواب حقاً حين نلاحظ أنه في ثمان حالات سجل فيها مرقص أقوالاً للمسيح باللغة الآرامية، لا نجد لها مثيلاً في لوقا. ولا نجد سوى مثالاً واحداً لها في متى. والاحتمال الأكيد هو أن متى ولوقا حذفا الأقوال الآرامية، إلا أن مرقص تعمد ذكرها.

ç الأفكار واللاهوت: إذا أمكن بيان أن قصة أحد الأناجيل تتضمن فكراً لاهوتياً أكثر تطوراً من قصة أخرى، هنا يبدو من المعقول النظر إليها على أنها أحدث الاثنين. ويبدو هذا اختباراً بسيطاً، غير أنه من السهل تطبيقه من الناحية العملية، فكثيراً ما يكون من الصعب التأكد من أن ما يبدو أنه اختلاف في الوضع يكون بالفعل اختلافاً حقيقياً. وعلى أي حال، من الذي يحدد ما هو “فكر لاهوتي متطور”، وكيف لنا أن نكون واثقين أن هذا لا بد وأن ينتمي إلى وقت لاحق ولا يرجع إلى نظرة “أولية”؟

وحين نتذكر أن فكر بولس المتطور بدرجة عالية، كان موجوداً بالتأكيد في الوقت الذي كانت تتشكل فيه الأناجيل، وهنا يكون بوسعنا أن ندرك أن تحديد مثل هذه الاختلافات، وعلاقة ترتيبها الزمني بعضها ببعض، لا بد وأن يكون أمراً موضوعياً للغاية.

وهناك بالطبع عدد من التأكيدات المختلفة في الأناجيل. إلا أنه من الصعوبة أن نعرف على وجه اليقين ما هي أهميتها من ناحية كتابة الأناجيل. فعلى سبيل المثال، يبدو أن متى ولوقا عدلاً أو حذفاً أقوالاً معينة جاءت في إنجيل مرقص يمكن الاعتقاد أنها تشين يسوع. فقول مرقص الفظ إن المسيح في الناصرة: “لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة”[16]، جاء في متى على هذا النحو: “ولم يصنع هناك قوات كثيرة”[17]، أما لوقا فقد حذف هذا القول بجملته.

ونفس الشيء يقال عن سؤال المسيح في إنجيل مرقص: “لماذا تدعوني صالحاً”[18]، جاء في متى على النحو التالي: “لماذا تسألني عن الصالح”[19]، بحسب إحدى الترجمات.

وهذه النقاط الخمس ليست جميعها على نفس القدر من الأهمية. فهناك صعبات في تقدير قيمة الاثنتين منها على الأقل. ولكنها إذا أُخذت معاً فإن محصلة الدليل الذي تشكله يمكن تفسيره بسهولة إذا افترضنا أن متى ولوقا استخدما قصة مرقص، إلا أن متى كان الإنجيل الأساسي الذي لخصه مرقص والذي اختار منه لوقا بعض المقتطفات.

مصدران أم أربعة

وما ذكر حتى الآن عن الطريقة التي يمكن أن تكون الأناجيل قد كتبت بها يمكن أخذه على أنه تقريباً الرأي الذي اتفق عليه باحثو العهد الجديد بشكل عام. وعلى الرغم من أنه قد توجد نقاط اختلاف بالنسبة للتفاصيل، إلا أن أغلبية من الخبراء اتفقوا على الخطوط العريضة للحقائق.

وبالإضافة إلى فكرة أن الأناجيل المتشابهة تعتمد بصفة أساسية على مصدرين: إنجيل مرقص والمصدر (Q) فقد قيل إن هذين لم يكونا المصدرين الوحيدين اللذين اعتمدت عليهما أناجيلنا. وكان “ستريتر B. H. Streeter” هو أول دارس بريطاني يقدم الحجج، على أن متى ولوقا استخدم كلاهما إنجيل مرقص، ولكنه ذهب إلى أبعد من ذلك، وقال إنه لكي نفهم كل تفاصيل الأناجيل (المتشابهة) فنحن في حاجة إلى نظرية أكثر دقة، لا تتناول مصدرين فحسب بل أربعة مصادر أساسية.

فإلى جانب إنجيل مرقص والمصدر (Q) حدد مصدرين أطلق عليها الحرفين (M) و(L). والواقع أن هذه المادة هي ببساطة ما تبقى من قصص متى ولوقا بعد استبعاد المادة من مرقص ومادة المصدر (Q). غير أن “ستريتر” قال إن مجموعتي المواد هذه كانت هي نفسها تشكل مصدرين منفصلين ولكن مترابطين منطقياً، ومن أصل مستقل.

مسودة لوقا

يبدأ “ستريتر” ملاحظاته من حقيقة أنه يبدو أن متى ولوقا استعملا إنجيل مرقص بطرق مختلفة، فمتى اتبع بشكل دقيق ترتيب إنجيل مرقص وإطاره العام، مع أنه في ذات الوقت كثيراً ما كان يعيد كتابة المادة الفعلية، وغالباً ما كان يوجز المادة المأخوذة من إنجيل مرقص لإفساح المجال لمزيد من المعلومات الإضافية. كان من شأن ذلك أن إنجيل متى بدا بالأحرى مثل طبعة جديدة ومبكرة من إنجيل مرقص. أما بالنسبة للوقا فكان الأمر مختلفاً. ففي حين أن متى انتفع تقريباً بك المادة الموجودة في إنجيل مرقص، نجد أن إنجيل لوقا لا يحتوي إلا على نص مادة إنجيل مرقص.

والأكثر من هذا أن “ستريتر” اكتشف أنه إذا ما نحينا جانباً كل المادة المأخوذة من مرقص من إنجيل متى نجد أن المادة المتبقية غير مترابطة، وينهار السفر إلى قطع متناثرة. ولكننا إذا فعلنا الشيء نفسه بإنجيل لوقا، فلسوف تبقى لنا قصة معقولة متماسكة ومتواصلة. وهذا ينطبق بصفة خاصة على القصص المتعلقة بموت يسوع وقيامته في إنجيل لوقا، والتي يبدو أنها دعمت بمعلومات من إنجيل مرقص، ولم تتخذ قصة مرقص أساساً لها.

ولذلك يرى “ستريتر” أنه قبل أن يكتب إنجيل مرقص كان لوقا قد كتب مسودة أولى لإنجيله، تقوم على أساس مجموعة الأقوال التي تضمنها المصدر (Q)، والمادة التي أطلق عليها الحرف (L) والتي تعلمها من الكنيسة في قيصرية حيث أقام بها حينما كان بولس في السجن (أع 23: 23 – 27: 2).

وأطلق “ستريتر” على هذه المسودة الأولى للإنجيل “مسودة لوقا Porto-Luke”، وقال إنه حين كان لوقا مقيماً في روما في تاريخ لاحق بعد ذلك بقليل، تعرف على إنجيل مرقص الذي كان قد كتب في السنوات التي تخللت ذلك، وقد ضمن مقتطفات منه في مسودة إنجيله التي كانت موجودة معه بالفعل، والتي أطلقنا عليها “مسودة لوقا”. وفي الوقت ذاته، ربما كان قد أضاف أيضاً المقدمة (لوقا 1: 1-4) وقصص ميلاد المسيح في الأصحاحين الأول والثاني.

وهناك عدد من الحقائق تتناسب تماماً وهذه النظرية. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما يذكر لوقا قصة مختلفة تماماً عن نص القصة الموجودة في إنجيل مرقص. فقصة رفض يسوع في الناصرة تعد مثالاً طيباً لذلك (مرقص 6: 1-6؛ لوقا 4: 16-30). ومن الواضح أن الإنجيلين كليهما يذكران نفس الحدث، غير أن قصة لوقا أكمل بكثير ومن ثم فمن الواضح أنه لا بد وأن يكون قد استخدم مصدراً مختلفاً للمعلومات التي ذكرها.

ثم إن هناك الطريقة التي وضعت بها أقسام صغيرة من قصة مرقص وبنفس ألفاظها تقريباً في وسط مادة أخرى في إنجيل لوقا، وتظهر كما لو أنها وضعت في وقت لاحق تقريباً، ومما يلفت الانتباه أيضاً أن كماً كبيراً من المعلومات التي تضمنها إنجيل مرقص محذوفة بكل بساطة في لوقا.

وينادي “ستريتر” بأنه إذا كان لوقا قد عرف بأمر عمل مرقص حين قام بعمل أول مسودة لإنجيله، لكان قد أضاف إليها المزيد من مادة مرقص. كذلك كثيراً ما لوحظ أن إنجيل لوقا يبدو وكأن له بدايتين. هناك بدايته الحالية (1: 1-4)، ولكن بعد قصص ميلاد يسوع، يبدو أنه يبدأ من جديد في (3: 1) مع تأريخ لوقا بحرص لخدمة يسوع، التي اتبعها بقائمة أسلافه في (3: 23-38). ويوضح “ستريتر” هذه السمة غير الطبيعية بافتراضه أن (3: 1) كان يشكل البداية الأصلية “لمسودة لوقا”، التي استهلها لوقا بعد ذلك بما يعرف الآن بالأصحاحين 1، 2 من إنجيله.

وأهمية نظرية “ستريتر” فيما يتعلق بالطريقة التي كتب بها لوقا إنجيله تكمن في حقيقة أنه إذا كان هناك بالفعل ما يسمى بمسودة لوقا فإنها ستشكل مصدراً مبكراً مستقلاً آخر لمعرفتنا لحياة يسوع وتعليمه. ومع ذلك فإن هذا لم يلق ما يشبه الموافقة الشاملة على الرغم من أن الكتاب المعاصرين قبلوا وجهة النظر هذه بشكل آو بآخر.

ولعل من أضعف النقاط في هذا الاقتراح هو ما افترضه عن طبيعة تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى. ذلك أن “ستريتر” افترض أننا نتعامل مع عملية أدبية محددة على وجه حسن. وهو يميل إلى النظر إلى الإنجيلين كمحرري صحف، وقد جلسوا وأمامهم عدداً من المصادر المكتوبة يستخرجون منها أجزاء عديدة من الوثائق المختلفة.

وكان هذا يشكل مفهوماً شعبياً في الوقت الذي كتب فيه “ستريتر” اقتراحه (1924)، وكان يطبق على نطاق واسع على دراسة العهدين القديم والجديد، غير أن البحث اللاحق أثبت أن هذا تبسيط مفرط للموضوع، وربما كان لوقا على معرفة بالمادة المأخوذة من مرقص، ولكن ليس من خلال إنجيل مرقص بشكله الحالي.

وهذا أيضاً يشكل نقطة ضعف في اقتراحات أخرى قدمها “ستريتر”، فقد جادل ليس فقط في أنه يمكن تعريف أربعة مصادر تشكل خلفية للأناجيل المتشابهة، بل قال أيضاً إن كل منها قامت بتقديم تقاليد حياة يسوع وتعاليمه، كما حفظت في الأماكن الأربعة الأكثر أهمية في المسيحية الأولى: مرقص كُتب في روما، المصدر (Q) كُتب في أنطاكية، المصدر (M) في أورشليم، والمصدر (L) في قيصرية. ومع ذلك، هناك عدد من الصعاب التي تكتنف هذا الرأي.

افترض “ستريتر” أن المصدرين L وM مصدرين مترابطين منطقياً. ولكن هذا الأمر يصعب التمسك به. فحين أبعدت المادة المرقصة، ومادة المصدر (Q) من إنجيل متى، فما تبقى لم يشكل مجموعة مترابطة بأي شكل كان. ونفس الشيء يقال وبدرجة أقل عن المصدر (L)، والذي هو عبارة عن إنجيل لوقا بعد استبعاد مادة المصدر (Q) والمادة المأخوذة من مرقص.

يبدو أن هذه النظرية تفترض نوعاً من التعاقب الخطي في تطور الأناجيل، والذي بواسطته تقدم التقاليد من أشكال بدائية تقريباً إلى جمع أناجيلنا الأربعة الحالية بتطور أدبي خالص.

إلا أنه أصبح من المعروف الآن وعلى نطاق واسع، أنه ليس بوسعنا أن نتحدث بعد بثقة كبيرة عن هذه النوعية من التطور من قصص بدائية إلى قصص أكثر حنكة.

أضواء جديدة على مشاكل قديمة

ربي والهي – هل آمن توما بلاهوت المسيح حينما قال ربي والهي؟ Trent Horn

كثير من تركيز الدارسين للعهد الجديد الآن ينصب على هجر فكرة التحليل الآلي للأناجيل. ومع أن نظرية المصدرين الخاصة بأصل الإنجيل لا تزال مقبولة على نطاق واسع، إلا أن عدداً من الأسئلة الجديدة بدأ يطرح الآن على الساحة، بعضها قد يكون له تأثير حاسم على فهمنا للطريقة التي تم كتابة العهد الجديد بها.

وبين آونة وأخرى يتواصل طرح الأسئلة حول نظرية المصدرين نفسها، هل كان إنجيل مرقص فعلاً أول ما كتب من الأناجيل؟ وهل من الضروري حقاً افتراض أن المصدر (Q) يمثل مجموعة محددة من أقوال يسوع، أم أنها مجرد مجموعة غير مترابطة من التقاليد التي كانت معروفة لكل من متى ولوقا؟ وبالنظر إلى قوة الدليل لكل من أسبقية المادة المأخوذة من مرقص، والشكل الثابت لمصدر (Q)، فالأمر يتطلب حججاً قوية جداً لدحض وجهة النظر العامة.

والتشابهات اللفظية واللغوية الوثيقة بين الأناجيل المتشابهة الثلاث يبدو أنها تتطلب أن يكون إنجيل مرقص هو الأول، وأن المصدر (Q) له شكل ثابت تقريباً. وإذا تقبلنا الاقتراح القائل أن المصدر (Q) له شكل مماثل لشكل الكتابة النبوية في العهد القديم، إذاً لا بد وأن شكله كان له مادة مكتوبة أيضاً.

والفكرة الأقدم الخاصة بتطور خطى من الشهادة Testimonia وأقوال يسوع Logia والكرازة Kerygma إلى إنجيل تام، أصبحت الآن مصدر تساؤل. وما نعرفه عن الكنائس الأولى يوحي أنها كانت في الغالب مستقلة عن بعضها البعض. ولذلك فإن الكنائس في مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية، كانت تتطور بحسب قدرتها، ومن المحتمل تماماً أن المسيحيين في المواقع الجغرافية المختلفة لن يكونوا في نفس مرحلة التطور في ذات الوقت.

وهذا معناه أنه ليس واقعياً افتراض أنه في مختلف التقاليد عن يسوع كانت هناك فترة كان كل الاهتمام فيها مركزاً على جمع أقوال يسوع، وأن هذه الفترة اتبعت بعد ذلك بفترة نشاط أدبي مكثف تم كتابة الأناجيل أثناءها. ومن المحتمل أن نمط المعلومات المعروفة عن يسوع الآن في أية كنيسة، كان يختلف بحسب احتياجات كل كنيسة على حدة.

وكان لذلك تأثير هام على موضوع تحديد تاريخ الأناجيل. وإذا كانت هناك ضرورة لافتراض تاريخ طويل للتطور من اللوجيا (أقوال يسوع) إلى الإنجيل، هنا يجب أن نأخذ في الاعتبار وقتاً لهذا عند تحديدنا تواريخ الأناجيل. ولكن إذا كانت أقوال يسوع والإنجيل كلاهما تكون في نفس الوقت، لمواجهة متطلبات الكنائس المختلفة، هنا لا يكون هناك سبب يحول دون نسبة تاريخ الأناجيل سابق إلى حد ما عن التواريخ المعتادة.

وثمة نقطة أخرى أثيرت فيما يتعلق “بالتطور اللاهوتي”، الذي يقول البعض إنه يمكن تتبعه في الأناجيل. ولقد أشار د. جون روبنسون Dr. John Robinson في كتابه “إعادة تحديد تواريخ العهد الجديد” أن الفكر اللاهوتي المصقول لا يشير بالضرورة إلى تاريخ أقدم بأكثر مما يشير إلى ذلك الفكر اللاهوتي البدائي.

وعلى سبيل المثال، فإن إنجيل مرقص بلا شك أقل تعقيداً من إنجيل يوحنا، وكان هذا من بين الأسباب (وليس بالطبع السبب الوحيد) التي تم الاستناد إليها في نسبة تاريخ قديم بصفة عامة إلى إنجيل مرقص، واعتبار يوحنا آخر الأناجيل. ولكن هذا يتطلب بالطبع تقدماً متطوراً مباشراً بالنسبة لكل الأناجيل.

ومع ذلك، فإنه إذا ما كانت الأناجيل المختلفة قد كتبت لخدمة احتياجات كنائس مستقلة وفي أماكن مختلفة، فليس من العسير أن الكنائس ذات الفكر اللاهوتي البدائي لابد وأنها كانت موجودة في ذات الوقت إلى جانب كنائس ذات عقيدة راسخة، وعلى هذا فإن تطور الفكر اللاهوتي، لا يشكل بالضرورة مفهوماً نافعاً للغاية في دراسة الأناجيل المتوافرة لنا الآن.

ولذلك يوجد عدد من الأسئلة الجديدة التي طرحت عن الأناجيل في أيامنا هذه، وهو من نوعية أصعب إلى حد ما عن تلك التي طرحتها الأجيال الأولى. فقد صار من المعترف به على نطاق واسع الآن، بغض النظر عن الجهة التي استقيت منها المعلومات، فإن كل إنجيلي كتب ما هو بالضرورة عمل أصلي، مميز من نواح هامة عن عمل أي من الآخرين، وكثير من اهتمامنا مركز الآن على “ما” كان الإنجيليون يعملون، وليس على معرفة كيف كانوا يعملونه. وهذا سؤال يتطلب إجابة لاهوتية لدعم الاكتشافات الأولى لنقاد الأدب.

نقاد الصيغ

ما أن قبلت نظرية المصدرين على نطاق واسع باعتبارها أكثر التفسيرات احتمالاً بالنسبة “للصناع” المختصين بكتابة الإنجيل، إلا وانهالت سلسلة عريضة من الأسئلة الجديدة، لأن عزل المصادر المختلفة التي كان يستخدمها الإنجيليون في كتابة قصصهم عن حياة يسوع وتعليمه، لم يجب إلا على السؤال: من أين جاءت الأناجيل؟ إلا أنه هناك سؤال آخر: من أين جاءت مصادرهم؟ وماذا كان يحدث للتقاليد التي كانت تتحدث عن يسوع خلال الفترة بين موته وقيامته، وحفظها كتابة في الأناجيل؟

لقد خطرت هذه الأسئلة على فكر بعض الباحثين في ألمانيا حتى قبل أن ينشر “ستريتر” كتابه العظيم عن مصادر الإنجيل.

وفي محاولتهم الإجابة عليها، استخدموا طريقة جديدة لتحليل أسفار الكتاب المقدس وأطلقوا عليها عبارة “تاريخ الصيغ” إلا أنه يشار إليها عادة في اللغة الإنجليزية بعبارة “نقاد الصيغ”. تم تطبيق هذا الأسلوب أولاً على العهد القديم بواسطة هيرمان جونكل Herman Gunked وهو مفكر ألماني، وعلى الرغم من أن بعض باحثي العهد الجديد البارزين كانوا الأسرع في معرفة مناسبته لدراسة الأناجيل. وكان أشهر هؤلاء ك. ل. شميدت K. L. Schmidt، م. ديبليوس M. Dibelus، ر. بولتمان R. Bultmann.

ولقد بدأ هؤلاء من ملاحظة أن الأدب القديم بصفة عامة يتطلب صيغة أدبية معينة، تعتمد على نوعية الكتابة. ولقد تم اختبار هذا المبدأ بطريقة متقنة للغاية في دراسة الكتابات الشعبية التقليدية لشمال أوروبا، التي يمكن تصنيفها إلى قصص خرافية، تاريخ، سير ذاتية، حكم وما إلى ذلك، وذلك بكل بساطة بملاحظة الطريقة التي كتبت بها. وقد افترض نقاد الصيغ أن نفس الشيء ينطبق على العهد الجديد.

فوحدات التقليد التي كون الإنجيليون منها أناجيلهم، كما يقولون، تطلبت صيغاً أدبية معينة للموقت الحياتي التي استخدمت فيها في الكنيسة الأولى. وعلى ذلك فبفحص الصيغة الأدبية لقصة ما، ادعوا أنهم قادرون على اكتشاف الاستخدام الأساسي لها من خدمة تعليم الكنائس الأولى.

وإذا أمكن عمل ذلك بنجاح، فلسوف يشكل ذلك عوناً قيماً لفهمنا للأناجيل. لأنه إذا كان بمقدورنا معرفة شيء عن استخدامات تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى، نكون في وضع جيد لفهم علاقتها بحياة الكنيسة، من ثم نكتشف معناها الأساسي.

ومع ذلك، فإنه مما يؤسف له أن الذين درسوا الأناجيل بهذه الطريقة أخفقوا في الاتفاق عند نقطة واحدة حاسمة. فلا يوجد اتفاق مقبول على نطاق واسع عن أي الأنماط الأساسية يمكن أن توجد بالفعل في الأناجيل. ولقد ادعى مارتن ديبليوس أنه قادر على تمييز خمسة أشكال مختلفة، كل منها يتناغم مع موقف معين في حياة الكنيسة الأولى. غير أن اثنين فقط من بين هذه الأشكال الخمسة لم يعترف بهما إطلاقاً على نطاق واسع من قبل مفكرين آخرين وهما: الأمثلة والحكايات.

الأمثلة: وقد أطلق عليها فنسنت تايلر Vincent Taylor – وهو أحد نقاد الصيغ الإنجليز – “قصص إعلان”. وهذا التعبير يشير بشكل أدق إلى محتوياتها، لأنها على وجه العموم قصص صغيرة تصل في ذروتها إلى قول رائع قاله المسيح، أو قيل عنه، وطبقاً لما يقوله ديبليوس يرجع أصل هذا الشكل إلى الكنيسة الأولى التي استخدمت فيها مثل هذه القصص كأمثلة وتوضيحات.

وثمة قصة إعلان نمطية نجدها في الحدث الذي قطف فيه يسوع المسيح بعض سنابل القمح يوم السبت، وفسر عمله لليهود بقوله: “السبت إنما جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت. وابن الإنسان هو رب السبت أيضاً” (مرقص 2: 23-28؛ متى 12: 1-8؛ لوقا 6: 1-5). وقصص من هذا القبيل كثيراً ما كانت تقال في الوعظ قبل أن تكتب في الأناجيل بوقت طويل. ونقاد الصيغ يميزون بشكل عام بين سمتين رئيسيتين في مثل هذه القصص:

ç دائماً تختتم بقول رائع للمسيح، وطبقاً لما يقوله البعض، كان هذا يعد وسيلة مفضلة لدى وعاظ الكنيسة الأولى. وفي حين أن الواعظ الحديث يبدأ عادة بالنص الذي اختاره، وربما احتفظ الرسل بنصهم إلى النهاية كي يستخدموه كذروة طبيعية لما حدث قبلاً.

ç وهذه قصص تحتوي على معلومات وصفية قليلة جداً، مجرد حقيقة بسيطة إلى أقل قدر ممكن لتهيئة الوضع للعنصر البالغ الأهمية وهو قول يسوع المسيح. وحين تقال أية قصة شفاهة فهناك أمران يمكن أن يحدثا لها. إما أنها تبلى من كثرة التكرار حتى إنه لا يتبقى منها إلا أكثر الحقائق ضرورة، ويعبر عنها بطريقة موجزة ورائعة. وإما أن يتم توضيحها أثناء سردها، وذلك حيث يضاف إليها المزيد من التفاصيل حتى تكتسب المزيد من الواقعية والإثارة. وطبقاً لما يقوله معظم نقاد الصيغ، فقد بقيت القصص المتضمنة إعلانات ولم يتبق منها إلا الضروريات عوض أن توضع أثناء تسلمها.

الحكايات: أطلق عليها تايلور Taylor قصص المعجزات، على الرغم من أنها لم تكن جميعاً مهتمة بالمعجزات. وكما يقول ديبليوس فإن الملح المميز لهذه القصص أنها توضحت ولم تبل أثناء تداولها. والواقع إنه يقول إن هذه القصص ربما وضعت في صياغتها الحالية بواسطة شخص من نوعية معينة في الكنيسة الأولى “راوي القصة” والذي كانت وظيفته صياغة قصص عن يسوع المسيح على نفس نمط قصص آلهة اليونان. وكانت قصصاً قصد بها أن تربح متجددين في الإيمان المسيحي بتوضيحها أن المسيح أسمى من الآلهة الأخرى.

ولا يوجد بالطبع أي شيء في العهد الجديد يشير إلى أمثال هذا الشخص. ومما يلفت النظر بوجه خاص أن بولس الذي ذكر أكثر من قائمة بأسماء أناس لهم وظائف خاصة في الكنيسة، لم يذكر إطلاقاً رواة قصص (1كو 12: 1-11؛ 28-30؛ رو 12: 6-8؛ أف 4: 11).

وربما تكون التفصيلات الرائعة في هذه القصص مأخوذة من مصدر مختلف تماماً. ولعلها كانت رواية شهود عيان، كانوا يتذكرون في الواقع تفاصيل كل الأحداث التي كانوا يصفونها، وبالنظر إلى حقيقة أن الأناجيل نفسها لم تكتب إلى بعد مرور ما لا يقل عن جيل على الأحداث التي تصفها، فمن الصعوبة تصديق أي رواة قصص محترفين أمكنهم بكل سهولة أن يخترعوا تفاصيل خيالية في الوقت الذي كان فيه كثيرون من شهود العيان الذين عاصروا يسوع المسيح ما زالوا على قيد الحياة.

ولقد عين ديبليوس ثلاث صيغ أخرى للقصة في الأناجيل، غير أن باحثين كثيرين لم يقبلوا رأيه بشأن هذه النقطة. وهذه الصيغ هي:

الخرافات: يشبهها ديبليوس بالقصص التي كثيراً ما ترتبط بقديسي العصور الوسطى. وعرفها بأنها “قصص دينية عن قديس تم الاهتمام بأعماله ومصيره”… والغرض منها تقديم أساس لتكريم القديس. ولا يحتاج الأمر اختلاق هذه القصص، على الرغم من أن ديبليوس يقول إنها تختلق في معظم الأحيان، ووظيفتها تمجيد الشخص الذي بصفة لا أن تقدم أية معلومات حقيقية عنه.

الأساطير: وهو الاسم الذي خلعه ديبليوس على أية قصص تتضمن شخصيات أو أحداث خرافية. وقصص العماد والتجربة والتجلي تنخرط تحت هذه النوعية.

النصائح التحذيرية: كانت بالضرورة التعليم الذي تضمنته الأناجيل، وكانت تستخدم لتعليم المتجددين في الكنيسة الأولى، وتابع آخرون دراسة قصص الأناجيل بعد العمل الرائد الذي قام ديبليوس، وليس من شك في أن هذا ألقى بعض الضوء على أصل الأناجيل. فهناك عدد من الأفكار الرائعة التي نسلم بها الآن جاءت كنتيجة مباشرة لعمل نقاد الصيغ.

ç وبمقدورنا أن ندرك الآن أنه لم يقصد بالأناجيل أن تكون سيراً ذاتية للمسيح. بل هي رواية منتقاة من أجزاء معينة من حياته وتعليمه حفظت لنفعها لخدمة الكنائس الأولى.

ç وبسبب هذا، أصبح من المعروف الآن أن تفاسير الأناجيل مرتبطة بشكل وثيق بالمفهوم الكلي للكنيسة الأولى. ولكن لنفهم علاقة الأناجيل ومعناها، ترانا في حاجة إلى فهم الأشخاص الذين كتبوها.

ç وهذه العملية أدت بدورها إلى فهم إيجابي مؤقت لما كان يدور في الفترة السابقة على كتابة أي من وثائق العهد الجديد، حيث كان تعليم يسوع المسيح يفسر ويطبق على مواقف جديدة في حياة أتباعه.

ولا شك أن هذه الأفكار لها قيمتها، ولا يجب التقليل من أهميتها – ولا سيما الرأي الأول، والذي أثر بشكل جذري في أسلوب تناولنا للأناجيل من جميع نواحيه. ومع ذلك يوجد عدد من النقاط كان عمل نقاد الصيغ بالنسبة لها أقل فائدة. وهناك ثلاثة انتقادات رئيسية يمكن توجيهها لعملهم. ولا سيما في الفترة المبكرة.

الصيغة والمحتوى: الكثير من تصنيفات ديبليوس كانت تعتمد في الواقع، ليس على الصيغة الأدبية، بل على المحتوى. فعلى سبيل المثال، لا يوجد سبب أساسي لوصع القصص التي تتضمن شخصيات خارقة في نوعية مختلفة عن القصص الأخرى. وإذ كانوا يضعون مثل هذه النوعية من التفريق كان نقاد الصيغ متأثرين بافتراضاتهم المسبقة القائمة على مذهبهم العقلاني.

وكما سبق أن ذكرنا، فإن اثنتين فقط من صيغ ديبليوس تم الاعتراف بهما، بل وأن بعض الباحثين شككوا فيما إذا كانت هاتين الصيغتين واضحتين على هذا النحو. هناك أمثلة عديدة لا نجد فيها فرقاً واضحاً بين الأمثال والحكايات وكثير من مادة الإنجيل يصعب تصنيفها. وحين يكون الاتفاق ضئيلاً بالنسبة لماهية الصيغ بالفعل، لا يمكن أن تتوافر لدينا ثقة كبيرة في التراكيب التي قامت عليها.

التقليد والإنجيل:

هناك مشكلة أساسية أخرى، وهي أن نقد الصياغة أقيم على افتراض أن تطور كتابة العهد الجديد يماثل تطور الفولكلور في شمالي أوربا. غير أنه توجد اختلافات هامة بين الاثنين. ولقد رأت الكنيسة الأولى أن مهمتها الرئيسية هي الكرازة بالأخبار السارة عن يسوع المسيح، وليس تسليم قصص تقليدية. فقد كانوا مهتمين بالحاضر بأكثر من اهتمامهم بالماضي.

وفيما يتعلق بموضوع اهتمامهم بالماضي، فقد كان ذلك ينصب على الماضي القريب، وليس – كما في حالة التقاليد الأوروبية – بالماضي السحيق الذي تم نسيانه منذ أمد طويل. ومعرفة الكنيسة بيسوع لم تأت من قصص تقليدية كانت تسلم من جيل إلى جيل، بل من التجربة المباشرة لبعض أعضائها، وهذا معناه أن المجال الفعلي لتطور التقاليد إلى صيغ معيارية لا بد وأنه كان في الحقيقة محدوداً للغاية.

الصيغ والحقائق:

كثيرون من نقاد الصيغ لم يكتفوا بإبداء ملاحظاتهم على الصيغة الأدبية للأناجيل، بل نزعوا إلى إصدار أحكام تاريخية على محتوياتها، على أساس نقد الصيغ. إذ يشير أرنست كيزمان Ernst Kasemann إلى نقاد الصيغ الأولي فقد كتب يقول إن عملهم الأساسي “كان يستهدف بيان أن رسالة يسوع المسيح كما قدمتها الأناجيل المتشابهة، ليست أصلية في معظم أجزائها بل غلب عليها إيمان المجتمع المسيحي البدائي في مراحله المختلفة.

وهذا الهدف واضح حتى من الأسماء التي أطلقها ديبليوس على بعض الصيغ التي اكتشفها كانت عبارتي “أسطورة” و”خرافة” من الكلمات التي تحمل معان كثيرة – بل أنه حتى في مناقشته ما أسماه “بالحكايات”، تكاد تكون بديهة أساسية عنده أنه بالنظر إلى وجود تشابهات أدبية بالقصص التي قيلت عن آلهة الوثنيين، هي الأصل الأساسي للقصص التي ذكرت على يسوع المسيح.

ولكن نقدين هامين يمكن توجيههما لهذا الإجراء:

ç الدليل المستمد من “صيغة أدبية ليس له قيمة على الإطلاق في صياغة الأحكام التاريخية. وهذا يصبح واضحاً تماماً إذا ما أخذنا مثالاً ما. فنحن في أيامنا هذه لا نفرق بوجه عام بين أنماط مختلفة للقصة بإعطائها صيغاً أدبية خاصة.

وقد عرض بروس F. F. Bruce مثالاً نافعاً بالمكان الوحيد الذي ما يزال القصة صيغة معينة. وهذا يكون في ساحة القضاء. فحين يدلي شرطي بشهادته في المحكمة، فهو لا يدلي بقصة أدبية بليغة عما رآه، بل نراه يلتزم وبشكل وثيق بقدر الإمكان بصيغة محددة – حتى إنه، بغض النظر عن التغيرات الخاصة بتفاصيل مختلفة – فإن وصف حادثة وقعت في الطريق سيبدو على وجه التقريب – كوصف أي حادثة أخرى – والأمل هو أنه باستخدام صيغة قالب Stereotyped، فإن أهم الحقائق يمكن إنجازها على نحو دقيق وبقدر الإمكان.

وما من عاقل يعتقد بأنه نظراً لأن الشرطي يصف حادثين بلغة متطابقة، فإنه كان يدلي بقصة مختلفة لحدث واحد فقط، ناهيك عن القول بأن أي منهما لم يحدث في الواقع، وأن الأقوال مختلفة من صيغة قانونية مألوفة. وسواء كان الحدث قد وقع أم لا، فإن هذا يعتمد على محك من نوعية مختلفة تماماً. ونفس الشيء ينطبق على الأناجيل. فليس بوسعنا أن نصدر ببساطة حكماً عن مصداقيتها التاريخية على أساس صياغتها الأدبية.

هناك أيضاً عدد من الأسباب القوية تدعو للشك في أن الكنيسة الأولى اختلقت قصصاً عن يسوع، كما زعم بعض نقاد الصيغ:

أولاً: هناك موضوع شهود العيان. وكثيرون منهم لا بد وأنهم كانوا على قيد الحياة في الوقت الذي كتبت فيه الأناجيل، والذين كانوا قد عارضوا كل الأحداث المختلفة والتي نسبت إلى حياة يسوع، ثانياً: ثمة افتراض أساسي لديبليوس وبولتمان هو أن الكنيسة الأولى لم تبذل أي جهد للتمييز بين تعليمها وتعليم يسوع المسيح. وعلى أي حال، هم يجادلون، بأن روح يسوع كان عاملاً في الكنيسة، وما قاله الرسل باسمه كان يعد شيء قاله يسوع المسيح أثناء خدمته.

ولكن هذا الاستدلال لا يدعمه العهد الجديد نفسه. لأن هناك أمثلة كثيرة أظهر كتابها أنهم ميزوا بالفعل بين تعليمهم وتعليم يسوع المسيح. وأبرز مثال على هذا نجده في (1كو 7)، حيث خرج بولس عن طريقه ليميز بين آرائه وكلمات يسوع. لكنه حتى في الأناجيل نفسها نجد أمثلة حيث التعليقات التحريرية للإنجيلين قد توضحت تماماً عن تعليم يسوع المسيح (مر 7: 19).

ثانياً: ثمة حقيقة أخرى تشير إلى نفس الاتجاه وهو الفرق بين الأناجيل وبقية العهد الجديد. فعلى سبيل المثال، دعي يسوع المسيح “ابن الإنسان” في الأناجيل، مع استثناء واحد وهو أن هذا اللقب وجد في موضوع آخر في العهد الجديد. وفضلاً عن ذلك فالموضوعات التي تناولتها الأناجيل ليست هي نفس الموضوعات التي أزعجت كتبة الرسائل. لنأخذ على سبيل المثال موضوع العلاقة بين اليهود وغير اليهود.

كانت هذه مسألة ملحة في الكنيسة الأولى، ولكن الأناجيل لم تتعرض لها في أي موضوع منها. وهذه الحقائق تشير إلى أن الكنيسة لم تشعر أنه لها الحرية إطلاقاً أن تضع أفكارها وتنسبها إلى يسوع المسيح، بل كانت إلى حد كبير تهتم بحفظ التقاليد التي تسلمتها من فترة سابقة.

هناك نقاد صيغ أكثر حداثة تعرفوا على هذه المشاكل في عمل أسلافهم وأصبحوا الآن لا يهتمون بالموضوعات الأدبية الشكلية. وموضوع مصداقية الأناجيل يفصل الآن فصلاً تاماً وبشكل تدريجي عن نقاد الصيغ. وبعد ذلك جاء تطور آخر هو من بعض النواحي يعد وريثاً لنقد الصيغ السابق. وهذا هو النظام الذي عرف باسم “نقاد التنقيح”.

ومع معرفتنا أن تاريخ الأناجيل لا يشبه تماماً تاريخ الفولكلور الأوروبي، أصبح من الواضح، أن أفضل سؤال نافع يمكن طرحه عن الأناجيل يجب أن يركز على كيفية استعمال الإنجيليين للمواد التي في مصادرهم. ما الذي كان يفعله هؤلاء الناس فيما كانوا يكتبون أناجيلهم؟

ولماذا احتاجوا أن يكتبوا أربعة أناجيل بدلاً من أن يكتبوا إنجيلاً واحداً متفقاً عليه؟ وما هي الظروف الخاصة التي سادت كنائسهم والتي حملتهم على الكتابة بهذه الطرق المعينة التي اتبعوها؟ هذه هي الأسئلة التي يحاول نقاد التنقيح الإجابة عليها. وهذا تطور حديث نسبياً في دراسة الأناجيل، ولا توجد على أية حال أية نتائج متفق عليها بعد. إلا أن كثيراً من توجهاته سيكون لها قيمة في الفصل التالي، وهو اكتشاف معنى وجود أناجيل مختلفة وأهمية ذلك.

 

 

[1] مرقص 1: 1.

[2] أعمال 12: 25 – 13: 13؛ 15: 36-40.

[3] كولوسي 4: 10.

[4] 2تيموثاوس 4: 11.

[5] لوقا 1: 4.

[6] 1كورنثوس 7: 10-11.

[7] مرقص 9: 49-50.

[8] متى 5-7.

[9] متى 3: 13 – 4: 11.

[10] لوقا 3: 21-22، 4: 1-13.

[11] متى 8: 5-13.

[12] لوقا 7: 1-10.

[13] مرقص 3: 13-19.

[14] متى 10: 1-4.

[15] لوقا 6: 12-16.

[16] مرقص 6: 5.

[17] متى 11: 58.

[18] مرقص 10: 18.

[19] متى 19: 17.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

ركعت في مطار السعودية تناجي يسوع – يسوع يكشف نفسه لباحثة سعودية في لحظة مصيرية وهذه تفاصيل الحادثة

ركعت في مطار السعودية تناجي يسوع – يسوع يكشف نفسه لباحثة سعودية في لحظة مصيرية وهذه تفاصيل الحادثة

ركعت في مطار السعودية تناجي يسوع – يسوع يكشف نفسه لباحثة سعودية في لحظة مصيرية وهذه تفاصيل الحادثة

ركعت في مطار السعودية تناجي يسوع – يسوع يكشف نفسه لباحثة سعودية في لحظة مصيرية وهذه تفاصيل الحادثة

من منكم لم يختبر قوّة ربّنا يسوع المسيح فهو خاسر وأيّ خاسر فيسوعنا كان وما زال يصول ويجول يفعل خيرًا …انّه الحيّ أبدًا.

 

وصلتني على بريدي الالكتروني رسالة من أخت سعودية غالية ، مثقّفة ، بدأت تتلمّس طريق النور ، وبدأت تعشق عريس الدنيا السرمدي الذي قال ” أحبوا أعداءكم “من خلال موعظة الجبل ، الموعظة الإلهية التي أقف حيالها حائرًا كلما قرأتها ، وقد قرأتها مئات المرات وما زلت انفعل كما أول مرّة .

 

لم يكن اختبار هذه الأخت الغالية وإنما اختبار لأخت لها سعودية نجدية المولد ، باحثة مسلمة فازت بأكثر من جائزة في الدين الإسلامي على مستوى القطر السعودي ، وكان بحثها الأخير كمسابقة في البحث الإسلامي على مستوى الأقطار العربية ، ومن خلال هذا البحث وصلت اختنا الى المسيح ، بل المسيح وصل اليها وقرع باب قلبها ، من خلال متنصّر استعانت به في بحثها ، متنصّر يكتب المقالات في المحبة المسيحية فكشف عن عينيها وأراها النور الحقيقي..

 

الاختبار سماعيّ ومشوّق ومؤثّر ، يربو على الساعة والربع ، وهو أخّاذ ، جميل ، يشدّك إلى  المسيح ، ولعلّ آخره كان المسك والهدف والغاية ، فهذه الأخت قررت ان تترك الظلمة أبدًا ، وتتفرّغ للمسيح من خارج السعودية ، فأقدمت على خطوة جريئة ، وهي الهجرة ، فرغم ان يسوع يتمشّى في السعودية ، إلا أنها أرادت أن تقابله في أوروبا …فزارت سفارة إحدى الدول الأوروبية ، التي سارعت الى إعطائها تأشيرة دخول ، وهذا دفعها إلى اقتناء التذاكر بسرعة .  وحان وقت السفر ، ودون ان تُعلم أحدًا من أهلها – والحكمة مطلوبة- وجدت نفسها في المطار وهي على يقين انها ستطير الى الحريّة …وخاب ظنّها ، فالموظف في المطار أعلمها بصريح العبارة بأنها لا تستطيع السفر ، إذ لم يتبقَ على صلاحية جواز سفرها إلا ثلاثة أشهر ولا يصح السفر إن لم تكن الصلاحية من ستة أشهر فما فوق .واصرّت الباحثة المتنوّرة ان تطير فقابلت المدير المسؤول والموظفين الكبار في محاولة اقناعهم ، بأن تأشيرة الدخول سبب كاف لإعطائها مقعدًا في الطائرة .

 

ومضت ثلاث ساعات وهي تدور بين الموظفين الكبار ولكن دون جدوى حتّى أيقنت أن الأمر بات محالا فلم يتبق على موعد أقلاع الطائرة الا نصف ساعة فقط.  وعندما اقفلت كلّ الأبواب جاء من يفتح ، فقد فطنت ولو في اللحظة الأخيرة ، فطنت بيسوع ، فركعت في سيارتها قائلة : ” ربّي يسوع أرني قوتك !!”   وكانت قد خرجت قليلا من المطار فقررت العودة لتجد مَنْ يشير اليها بالوقوف ،وكان رجلا كبيرا في السن فسألها عن مطلبها واخذها الى مدير الجوازات وهمس في اذنه بضع كلمات وانصرف ، فقال مدير الجوازات : ” سيدتي هل هناك شخصية مهمة تنتظرك في الجانب الآخر ؟ فهذه المرة الأولى التي يحصل أن القى جوابا بالايجاب في مثل هذه الظروف وفي لمح البصر!!

 

وقلت الأخت السعودية ..لا ..لا ولكنها  كانت تعلم ان هناك الرب يسوع .  واقلعت الطائرة…

 

عظيم هذا الربّ يأتيك في كل الظروف ، في حلوها ومرّها وفي أحرجها ويعرض عليك خدماته ..أنت اطلب فقط بالايمان ، تعالَ اليه ، تقرّب منه ، وهو يُلبّي .   هل ذُقتم اخوتي حلاوة هذا المُخلّص ؟ وهل عرفتم قُوّة بأسه ؟ انّه عظيم في أفعاله ، وخلاصه ، وقداسته ومحبته .  انه عظيم فوق كلّ عظيم.

المصدر: لينغا

أدلة أن الكتاب المقدس هو كلمة الله

أدلة أن الكتاب المقدس هو كلمة الله

أدلة أن الكتاب المقدس هو كلمة الله

الدلائل على كون الكتاب المقدس هو كلمة الله

بوسعنا قول المزيد، بل حقاً أكثر بكثير، مما رأيناه قبلاً في الفصل الثاني عن رأي يسوع في أصل الكتاب المقدس وطبيعته. لذا، فإن أول ما سنقدم عليه في هذا الفصل هو تناول، من زاوية تفسيرية، المزيد من الدلائل عما يقوله الكتاب المقدس عن نفسه، ذلك لأننا لا نبغي بكل تأكيد ادعاء عن الكتاب المقدس أي شيء لا يدعيه هو عن نفسه. سنتناول على التوالي 1كورنثوس 2: 6-14؛ 2بطرس 3: 15، 16؛ 2تيموثاوس 3: 16، 17؛ 1بطرس 1: 10-12؛ 2بطرس 1: 20، 21. بعد هذا سنستعرض حجة عن وحي الكتاب المقدس قدمها “غوردن هـ كلارك”. من ثم سنبحث في شهادة الروح لمصداقية الكتاب المقدس في قلوب مختاري الله. أخيراً، سنختم ببحث لقانونية العهد الجديد.

1كورنثوس 2: 6-14

في هذا النص الذي يصفه “تشارلس هودج” بأنه “أكثر نص تعليمي رسمياً في الكتاب المقدس كله” حول عقائد الإعلان والوحي[1]، أكد بولس عن نفسه كونه رسول المسيح[2]: “التي نتكلم بها أيضاً [الأفكار المعطاة لنا من الله بصراحة]، ليس بكلمات تعلمها الحكمة البشرية، بل بما تعلمه [كلمات] الروح، مع [كلمات] الروح شارحة أفكار الروح” (1كورنثوس 2: 13)[3].

في المقطع الذي سبق، كان بولس قد أكد أنه بإعلانه المسيح المصلوب (أي الإنجيل)، كان يتكلم “بحكمة الله في سر”، الحكمة التي لم يعرفها أحد من “عظماء” هذا الدهر (هؤلاء يشملون الناس الحكماء، والدارسين، والفلاسفة؛ راجع 1: 20). هو يصف هذه الرسالة على أنها حكمة “في سر”(2:7)، ذلك لأن ما كان يعلنه، كما يصرح، “لم تره عين [بشرية]، ولم تسمع به أذن [بشرية]، ولم يخطر على بال [بشري]” (2: 9). وفي معرض الرد على السؤال المطروح مسبقاً: “إن لم تكن رسالتك في متناول الناس، كما تقول (2: 9)، فكيف حصلت عليها أنت؟” يصرح بولس: “أعلنها لنا الله بروحه” (2: 10أ). أما السبب وراء قدرة الروح على إعلان فكر الله للناس، فهذا مرده، كما يذكر بولس، إلى كون الروح يعرف أفكار الله بما أنه الله نفسه (2: 11ب).

ثم يضيف بولس أن ما يجعله كرسول يتكلم بما يعرفه روح الله، هو كونه قد أخذ روح الله (2: 12) الذي لم يعلمه أفكار الله وحسب، بل أيضاً الكلمات عينها لصياغتها. وهو يصرح: “الأشياء الموهوبة لنا من الله [بالروح] (2: 12ب)، “نتكلم بها أيضاً، لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية، بل بما يعلمه الروح القدس [بكلماته]، قارنين الروحيات بالروحيات [مع كلمات الروح مفسرة “أفكار” الروح]” (2: 13). فحتى الكلمات نفسها التي اعتمدها بولس للتعبير عن أفكار الله المعلنة، كانت من الروح، ومصدرها الروح. أمامنا هنا الوحي الحرفي حقاً، الوحي الحرفي بالكامل. لأنه بوسعنا التأكد من أن الروح لم يوح بأية كلمة بشكل عرضي. فكل كلمة أوحى به، قصد أن يختارها وهي هناك لهدف محدد. من هنا، علينا ألا نتمنى أبداً لو أن الروح لم يوح لأحد كتاب الكتاب المقدس بما صرح به، أو كان عليه أن يوحي للكاتب أن يقول ما قاله بشكل مختلف بواسطة كلمات أخرى.

أخيراً، يكتب بولس أن على أحدنا أن يقبل روح الله لفهم “الأمور التي يعلمها الروح”، ذلك لأن “الإنسان الطبيعي [الإنسان من دون الروح، أو الإنسان الساقط من أظلمت الخطيئة قدرته على استيعاب الأمور الروحية] لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يحكم فيه روحياً [بمعنى أن الروح هو الذي يمكننا من تمييزها]” (2: 14).

باختصار، يؤكد بولس أنه وبصفته رسولاً، فإن كلاً من الأفكار التي أعلنها [راجع الفعل باليوناني (لالومن)، ومعناه الحرفي “نتكلم به”] كما الكلمات التي اعتمدها في معرض التعبير عن أفكاره، لم تكن في نهاية المطاف أفكاره أو كلماته هو، بل كانت في الأصل أفكار الروح وكلماته. يظهر تصريح بولس هنا أنه ليس من المناسب فحسب، بل من الضروري التحدث عن “وحي حرفي” إن أراد أحدنا أن يكون كتابياً. ومن جديد، بمقدور أحدنا أن يستخلص من هذا عن حق أنه إن كان بولس قد دون هذه الأفكار بشكل خطي، بعد صياغتها بالكلمات التي علمها الروح، فإن ما كتبه في الكتاب المقدس، إنما يساوي أفكار الروح وكلماته.

2بطرس 3: 15، 16

هل يقع نظرنا في مكان ما من العهد الجديد على تصريح مفاده أن ما كتبه بولس كرسول، كان كلمة الله؟ أجل، نجد هذا في النص الذي يعتبره “جورج أ. لاد” “أبكر إشارة إلى حقيقة كون الكنيسة الرسولية كانت تنظر إلى رسائل بولس – أو إلى بعض منها على الأقل – كأسفار مقدسة”[4]. ففي 2بطرس 3: 15، 16، يعلن بطرس: “واحسبوا أناة ربنا خلاصاً، كما كتب إليكم أخونا الحبيب بولس أيضاً بحسب الحكمة المعطاة له، كما في الرسائل كلها أيضاً، متكلماً فيها عن هذه الأمور، التي فيها أشياء عسرة الفهم، يحرفها غير العلماء وغير الثابتين، كباقي الكتب أيضاً (باليونانية، كاي تاس لويباس غرافاس)، لهلاك أنفسهم”. بإمكاننا ملاحظة أربعة أمور عن هذا التصريح.

أولاً، يعلن بطرس أن ما كتبه بولس، ليس فقط ما وجهه إلى قرائه (قراء بطرس)، بل أيضاً في كل رسائله، كتب بحسب الحكمة المعطاة له. هنا يؤكد بطرس بالوحي الإلهي أن رسائل بولس تحوي حكمة إلهية بما أن الله هو الذي كان قد أعطاه الحكمة التي كتب بها. ثانياً، هنا بطرس ومن خلال قوله “كباقي الكتب أيضاً”، إنما يجعل رسائل بولس من ضمن مجموعة الأسفار المقدسة الموحى به إلهياً، كما أنه يسويها بها. ثالثاً، ترى سلطتها الإلهية في تصريح بطرس بشأن غير العلماء وغير الثابتين الذين يمعنون في تحريف رسائل بولس، وذلك لهلاك أنفسهم. أخيراً، يذكر بطرس هذه الأمور عن رسائل بولس، هذا مع كونه قد حصل في إحداها على توبيخ صارم بسبب ممارساته المتقلبة في أنطاكية (غلاطية 2: 11). إنه يُظهر بذلك استعداده لجعل نفسه تحت سلطة الكلمة الرسولية الصادرة عن بولس.

إذاً، يجزم بطرس كلاً من الأصل الإلهي الذي يدخل في جوهر رسائل بولس إلى جانب سلطتها أيضاً. وهذا بالتحديد ما يتوقعه أحدنا في ضوء التصريحات التي يدلي بها بولس نفسه عن الأصل “الخارجي” (أب إكسترا) لرسالته (غلاطية 1: 11، 12).

2تيموثاوس 3: 16

ماذا عن عبارة بطرس، “باقي الكتب”؟ وهل نفترض نحن عنها شيئاً لا يحق لنا افتراضه، أي أصلها الإلهي و”طابعها الإعلاني”، متى قلنا ما صرحنا به أعلاه؟ كلا، إن كنا نصدق بولس. فبولس يعلن في 2تيموثاوس 3: 16 أن “كل الكتاب هو موحى به من الله” (باسا غرافي ثيوبنستس)[5]. لكي نستوعب معنى هذا الكلام بالتمام، يلزمنا أن نفهم أولاً ماذا قصد بالعبارة “كل الكتاب” وبعد هذا، بالعبارة “موحى به من الله”.

على أقل تقدير، قصد بولس من خلال “كل الكتاب” أسفار العهد القديم المقدسة. وهذا واضح من تصريحه لتيموثاوس في العدد السابق مباشرة: “وأنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة [[تا] هييرا غراماتا]” قاصداً من خلال هذه العبارة العهد القديم نفسه الذي في حوزتنا اليوم.

هذا الأمر لا جدل حوله. لكن ثمة أسباب وجيهة لاعتقاد أن بولس كان على استعداد ليشمل، بل شمل بكل تأكيد تقريباً، من ضمن فئة “كل الكتاب” وثائق العهد الجديد أيضاً، بما في ذلك كتاباته هو أيضاً. ذلك لأنه عندما كتب بولس ما كتبه في 1كورنثوس 7، أكد بشيء من السخرية لأولئك الذين كانوا يدعون نيلهم موافقة الروح على تصرفهم بشكل مغاير لتوجيهاته: “وأظن أني أنا أيضاً عند روح الله” (7: 40). هنا يعبر بولس عن إدراكه أن ما كتبه كرسول، فقد كتبه تحت إشراف الروح القدس.

ومجدداً عن إدراكه هذا لتأثير إشراف الروح عليه لدى كتابته في 1كورنثوس 14: 37: “إن كان أحد يحسب نفسه نبياً أو روحياً، فليعلم ما أكتبه إليكم أنه وصايا الرب”. ثم في 1تيموثاوس 5: 18 يكتب بولس: “لأن الكتاب [هي غرافي] يقول” ثم يقدم على اقتباس كل من تثنية 25: 4 ولوقا 10: 7. هذا قد يعني فقط أن إنجيل لوقا كان من قبل في حوزة بولس وأن بولس اعتبره كواحد من الأسفار المقدسة على قدم المساواة مع التثنية.

يتضح لنا من هذه المعلومات أن بولس كان ليشمل من ضمن تعبيره، “كل الكتاب”، أي وكل وثيقة مكتوبة مصدرها الله، وبالتالي من طبيعة “الكتابات المقدسة”. هذا يعني أنه شمل من ضمن هذه العبارة ليس العهد القديم فحسب، بل أيضاً تلك الأجزاء من العهد الجديد المكتوبة من قبل وأية أجزاء من العهد الجديد التي كانت ستكتب. باختصار، بالنسبة إلى بولس كل ما كان يحمل طابع “الكتب” بموجب استخدامه المنتظم لهذه اللفظة، كان على استعداد للتأكيد بشأن تلك الكتابة أنها موحى بها من الله. حقاً، وكما سنحاجج الآن، بما أنها “موحى به من الله” بالتحديد، فهي إذاً من “الأسفار المقدسة”.

ترى، ماذا قصد بولس بالتحديد عندما صرح بأن كل الكتاب هو “موحى به من الله” (ثيوبنستس)؟ وردت اللفظة اليونانية هنا فقط، لكن “أ. ت. روبرتسن” يعتبرها بمثابة صفة فعلية بناء على صيغة قديمة لاسم المفعول في المجهول[6]. لعل أقرب لفظة مشابهة لها في العهد الجديد (ثيو – في المقدمة وأوس في النهاية) هي اللفظة (ثيوديداكتوس) والتي تعني “متعلمون من الله” (لاحظ فكرة صيغة المجهول) في 1تسالونيكي 4: 9.

هذا المعنى يدعم عمل صيغة المجهول في (ثيوبنستس)، من هنا ترجمتنا “موحى به من الله”. أو بحسب الترجمة الإنجليزية “الله تنفسها”. لكن ما معنى هذا؟ هل هذا يعني أن الله نفخ شيئاً في الأسفار المقدسة، أو كون الأسفار المقدسة “خرجت من” نفس الله؟ بعد بحث مستفيض، خرج “بنجامن ب. وارفيلد” بخلاصة أن المعنى الأخير هو المقصود هنا، أي أن الله “تنفس” الكتاب المقدس وأخرجه من كيانه، وخلاصته هذه حظيت على وجه العموم بموافقة الدارسين. بعد تصريحه أن العبارة “موحى به” هي “ترجمة مغلوطة بل تضيع”، فهو يعرض السبب وراء خلاصته هذه كما يلي:

… اللفظة اليونانية في هذا النص – # (ثيوبنستس) – لا تعني بكل وضوح “موحى به من الله” فهذه العبارة هي بالحري الترجمة اللاتينية (ديفيناتس إنسبيراتا). بعد استعادتها من الصيغة “وكلف” (أل سكربتور أف عد إنسبيريد إز…”) ومن الصيغة “ريميش” (All Scripture inspired of God is…) للغولغاتة. لا تعني العبارة اليونانية حتى كما تترجمها الصيغة الإنجليزية AV، “معطاة بوحي من الله”.

هذه الترجمة هي موروثة من “تندال”: “كل الكتاب الموحى به من الله هو…” وأقل ما يقال فيها أنها خرقاء وغير ملائمة ربما، من دون أن تكون مضللة، وهي إعادة صياغة للعبارة اليونانية باللغة اللاهوتية المعتمدة في تلك الأيام. إلا أن اللفظة اليونانية لا تذك شيئاً عن inspiring أو inspiration لكنها تتحدث فقط عن “spiring” و”spiration”.

ما تقوله عن الكتاب ليس أن “الله نفخ فيه” أو كونه نتاج “تنفس” الله داخل كُتابه الأرضيين، بل بالحري كونها خرجت من نفس الله، أي أنها نتاج نفس الله الخلاق. بكلام آخر، ما يعلنه هذا النص الجوهري ببساطة هو أن الأسفار المقدسة هي نتاج إلهي من دون أية إشارة إلى الطريقة التي اعتمدها الله في معرض إنتاجها[7].

إذاً، بولس بإعلانه أن الله “تنفس [إلى خارج]” الأسفار المقدسة، كان يؤكد بذلك “بكل ما أوتي من طاقة أن الكتاب هو نتاج عمل إلهي محدد”[8]. بكلام آخر، كان بذلك يؤكد الأصل الإلهي للأسفار المقدسة بجملتها، بالكامل وبأجزائها، بشكل جازم لو أنه كتب (باسا غرافي إك ثيو) (“كل الكتاب هو من الله”).

وبصيغة مختلفة، كان يؤكد أن الكتاب المقدس هو إعلان إلهي. لا يبالغ “جايمس س ستيوارت” قط من خلال تأكيده أن بولي كفريسي ومن ثم لاحقاً كمسيحي، كان يؤمن أن كل كلمة من الكتاب “الخارج من نفس الله” كانت “صوت الله الحقيقي”[9].

إلى ذلك، عندما وصف الأسفار المقدسة على أنها (ثيوبنستك)، بمعنى أنها من الطبيعة نفسها “لنفس الله الخارج منه”، كان بذلك يؤكد شيئاً عن طبيعتها. فكما أن “نفس” الله (أي كلمته) خلق كل جند السماء (المزمور 33: 6)، وكما أن “نفسه” منح حياة جسدية لآدم وللبشرية جمعاء (تكوين 2: 7؛ أيوب 33: 4)، وكما أن “نفسه” منح أيضاً حياة روحية لإسرائيل، “بقعة العظام اليابسة” (حزقيال 37: 1-14)، هكذا أيضاً فإن “نسمة فيه” المقتدرة تحت شكل كلام، هي “حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، ومميزة أفكار القلب ونياته” (عبرانيين 4: 12).

كما أنها لا تفنى وثابتة (1بطرس 1: 23)، وروح الله العامل من خلالها ومعها في النفس، يمنح النفس المحتاجة إلى ولادة جديدة حياة جديدة. وكما يكتب بطرس في 1بطرس 1: 23-25: “مولودين ثانية، لا من زرع يفنى، بل مما لا يفنى، بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد. لأن: كل جسد كعشب، وكل مجد إنسان كزهر عشب. العشب يبس وزهره سقط، وأما كلمة الرب فتثبت إلى الأبد. وهذه هي الكلمة التي بشرتم بها”.

اختتم بولس وصفه “لكل الكتاب” بقوله إنه “نافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر، لكي يكون إنسان لله كاملاً، متأهباً لكل عمل صالح” (2تيموثاوس 3: 16، 17)[10]. هنا يؤكد بولس كلاً من نهائية الأسفار المقدسة وكفايتها فيما يخص حاجة الإنسان التقي إلى كلمة إعلان من السماء.

1بطرس 1: 10-12

“الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء، الذين تنبأوا [بروفتويسانتس] عن النعمة التي لأجلكم [يعلن بطرس]، باحثين أي وقت أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم، إذ سبق فشهد [برومرترومينون] بالآلام التي للمسيح، والأمجاد التي بعدها. الذين أعلن لهم أنهم ليس لأنفسهم، بل لنا كانوا يخدمون بهذه الأمور التي أُخبرتم بها أنتم الآن، بواسطة الذين بشكروكم في الروح القدس المرسل من السماء”.

لدينا هنا تأكيد، لا يرقى إليه أي شك، على أن الأنبياء المذكور عنهم أنهم تلقوا الإعلان الإلهي، كان روح المسيح الذي فيهم هو الذي يتنبأ من خلالهم، عندما تنبؤوا عن أمور مستقبلية.

يبني “التصريح العقيدي لكلمة اللاهوت – دالاس” على هذا المقطع تصريحهم عن قديسي العهد القديم أنهم “لم يفهموا الأهمية الفدائية للنبوات والرموز المختصة بآلام المسيح”. لكن بطرس لا يعلم هذه الفكرة في هذه الأعداد. فهو يقول عنهم أنهم كانوا يبحثون بشكل هادف وبكل اهتمام عن الوقت والظروف، وليس عن “الذي”[11] (تينا أي بويأن كايرن؛ حرفياً، “أي وقت أو ما الوقت”)، المتعلق بآلام المسيا، وليس آلامه بحد ذاتها والأمجاد التي بعدها.

أكرر أن بطرس لا يذكر عن أنبياء العهد القديم انهم كانوا يجهلون آلام المسيا بحد ذاتها. هذه الحقيقة يأتي ليثبتها وصف بطرس للإعلان الإلهي الذي جاء نتيجة بحث الأنبياء الجاد حول هذا الإعلان الذي كان عندهم قبلاً. أعلن الله لهم ليس عن هوية الشخص الذي كانوا يتكلمون عن آلامه – هذا الأمر الذي كانوا على علم به من قبل – بل متى ستحصل هذه الآلام.

آلامه هذه، كما أعلمهم الله بذلك، كانت لتحصل ليس في زمانهم، أي ليس في عصر الأنبياء، بل في العصر التالي لعصر الأنبياء، بل في عصر تتميم كل شيء، أي في عصرنا الحاضر، حين سيكرز الناس بالإنجيل من خلال الروح القدس المرسل من السماء.

بكل تأكيد، وفي ضوء كل هذه التأكيدات العظمى التي تناولناها، علينا استخلاص أن الكتاب المقدس يتحدث عن الله الذي أعلن ذاته تحت شكل حقائق مطلقة بواسطة أوان مختارة. كما أن الكتاب المقدس يصور نفسه ككلام الله أو رسالته للناس المحتاجين.

2 بطرس 1: 20، 21

كيف أعطى الله إعلانه بالكلام؟ وهل يُجيب الكتاب المقدس عن هذا السؤال؟ طبعاً، نعم. يكتب بطرس في هذا السياق: “لك نبوة الكتاب ليست من تفسير [للنبي] خاص. لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (2بطرس 1: 20، 21).

علينا أولاً تناول القرينة وراء هذه التصريحات في 2بطرس، بما أن شلة من المعلمين الكذبة، ولعلهم كانوا من المتحمسين “لما قبل” الغنوسطية، في معرض ترويجهم للاهوت (الغنوسي) عندهم، في كل أرجاء الإمبراطورية الرومانية، راحوا يدعون حصولهم على كلمة جديدة من الله تلت الكلمة صاحبة السلطة لكل من أنبياء العهد القديم، ورسل العهد الجديد. شعر بطرس بضرورة الرد على ادعائهم هذا قبل أن يتسنى لهم إفساد قطيعه.

وصف أولاً “معرفتهم” بأنها “خرافات مصنعة” (2بطرس 1: 16) و”أقوال مصنعة” (2: 3). ثم حاجج في أن اختباره كشاهد عيان وشاهد لما سمع خلال تجلي يسوع في عظمته – هذه الحادثة التي تعد تتميماً لأسفار العهد القديم – “جاءت لتثبت الكلمة النبوية” (1: 19أ)[12]، هذه الكلمة التي نصح بها قراءه بالقول: “التي تفعلون حسناً إن انتبهتم إليها، كما إلى سراج منير في موضع مظلم، إلى أن ينفجر النهار، ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم” (1: 19ب). من ثم، ختم بطرس رده بتصريحه التالي حول الوحي: “… عالمين هذا أولاً: أن كل نبوة الكتاب ليس من تفسير خاص. لأنه لم تأتي نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (2بطرس 1: 20، 21).

بطرس، ومن خلال هذا التصريح الرائع، يؤكد أولاً أمرين سلبيين بشأن نبوة الأسفار المقدسة، أي النبوة المعلنة من الله في صيغتها المكتوبة:

† ما من نبوة في الكتاب جاءت في الأصل (“نشأت، خرجت من” غينتاي) من تقديرات النبي للحالة السياسية السائدة في أيامه أو من تخميناته الشخصية حول المستقبل. بكلام آخر، ما من نبوة في الكتاب المقدس نشأت من مفهومه الخاص للأمور. فهو لم يكن ببساطة عبقرياً في مجال السياسة ولا كان ملماً بشكل غير عادية في شؤون زمانه المدنية والعالمية.

† ما من نبوة في الكتاب المقدس حصلت بدافع من الإرادة البشرية، أي ما من نبوة كتابية جاءت بمجرد حافز بشري.

بطرس، ومن خلال هذين الأمرين السلبيين، ينفي بالتمام أن يكون قد تسبب العنصر البشري بأي معنى نهائي في إنشاء الأسفار المقدسة. هذا الأمر مدهش إلى أقصى حد.

من ثم يؤكد بطرس أمرين إيجابيين بشأن نبوة الكتاب، مع الحرص على جعلهما مقابل الأمرين السلبيين السابقين بواسطة حرف العطف الذي يفيد معنى المفارقة بقوة (ألا) (“لكن” أو “على نقيض ذلك”). وهذان الأمران الإيجابيان لا يحيراننا بدرجة أقل من الأمرين السلبيين الآخرين.

† تكلم الأنبياء من عند الله. هذا يعني، على أقل تقدير، أن ما قالوه لم يبدأ فيهم (راجع أيضاً 1: 20) لكن الله هو الذي أعطاهم إياه. يعني هذا التأكيد الإيجابي أيضاً في نظر بطرس أن ما “نطق” به الأنبياء شمل أيضاً ما “كتبوه” (لنتذكر كيف أن بطرس يصف هنا “نبوة الكتب”)، فإن الكتابات النبوية نفسها جاءتهم من الله.

وكدليل آخر على أن بطرس شمل ضمن فئة “كلامهم” ما تكلم به الأنبياء مع كتاباتهم أيضاً، بإمكاننا ملاحظة ما دونه في 2بطرس 3: 15، 16: “كما كتب [إغرابسن] إليكم أخونا الحبيب بولس أيضاً بحسب الحكمة المعطاة له، كما في الرسائل [إبستولايس] كلها أيضاً، متكلماً [لالن] فيها عن هذه الأمور”.

† السبب الذي مكن الأنبياء من التكلم من عند الله كما فعلوا، هو أنهم كانوا باستمرار مسوقين أي محمولين (فيرومنوي، اسم مفعول للحاضر في صيغة المجهول) بالروح القدس عندما تكلموا أو كتبوا. أي أنهم كانوا تحت تأثير إشراف الروح المباشر طوال الفترة التي تكلموا خلالها أو كتبوا كأنبياء. نجد إيضاحاً رائعاً لفكرة بطرس هنا، في أعمال 27: 15 حيث نقرأ “فلما خطفت السفينة [من جراء الريح العاتية] ولم يمكنها أن تقابل الريح، سلمنا، فصرنا نحمل [إيفيروميثا]”.

وكما أن السفينة لم تكن تحركها أية إرادة شخصية، بل تسير بموجب “إرادة” الريح، هكذا هي حال الأنبياء، يصرح بطرس. فهم لم يكونوا ليعرفوا أية إرادة ذاتية بأي معنى نهائي في سياق إنتاج الكتب النبوية، بل كانوا “محمولين” (جذر الفعل نفسه) بإرادة الروح القدس. وعلى قدر ما ساقهم، أي أشرف عليهم، تكلموا من عند الله. يعلق “وارفيلد” على هذا ما يلي:

ما يشدد عليه كلام بطرس هنا – وما يجري التركيز عليه في الرواية الكاملة التي يعطيها الأنبياء عن وعيهم الشخصي – وهي صفة الجمود التي تحلى بها الأنبياء فيما يتعلق بالإعلان المعطى من خلالهم. هنا تكمن أهمية العبارة: “تكلم الرجال من الله وكأن الروح القدس يحملهم ويسوقهم.” أن “يُساق” (فراين) أحدنا لا يفيد المعنى نفسه للفعل يُقاد (أغاين)، وبأقل تقدير أنه يصار إلى توجيهه أو إرشاده (هوديغاين)؛ فالذي يُساق لا يُساهم بشيء في الحركة الحاصلة، إنما يكون هو موضوع التحريك. غير أن اللفظة “جمود” قد يُساء فهمها ومن الضروري الحرص على عدم جعلها تعني ما لا يُقصد منها.

فلا يُقصد منها التنكر لذكاء الأنبياء ولنشاطهم في معرض تقبلهم لرسالتهم، بل حصلوا عليها بواسطة ذكائهم الناشط، شكل ذكاؤهم الأداة للإعلان. إنما المقصود بها هو إنكار فقط أن يكون ذكاؤهم ناشطاً في إنتاج رسالتهم: أي أنه لم ينشط بشكل خلاق، وذلك مقابل كونه نشط في معرض تقبله للرسالة. ذلك لأن التقبل نفسه هو شكل من أشكال النشاط. ما يريد الأنبياء لقرائهم أن يفهموه أنهم لم يكونوا شركاء الله في تأليف رسائلهم، فلقد أعطيت لهم، وبأكملها، وبالتحديد كما يسلمونها بدورهم. الله هو المتكلم من خلالهم، لم يكونوا مجرد مرسليه، بل بالحري “فمه”[13].

هل هذا يعني أن النبي كان مجرد إنسان آلي وسكرتير تكلم من خلاله الوحي الإلهي؟ ثمة اعتراض مفاده أنه “لمصلحة شخصيات [الأنبياء]، مطلوب منا عدم تصوير الله على أنه يتعامل معهم بشكل آلي، إذ يسكب إعلاناتهم داخل نفوسهم لكي يقبلوها ببساطة كما في العديد من الأوعية، أو وصفهم على أنهم في صراع مرير مع أذهانهم للتخلص من أفعالهم الشخصية حتى يتسنى لله جعل فكره الخص فيهم. “يصر هذا الاعتراض على ضرورة أن تحصل كل الإعلانات من خلال “وساطة نفسية” حتى تصبح أولاً “من الناحية النفسية ملكاً لمستلميها” فيمسي الأنبياء بالمعنى الصحيح هم المؤلفين الحقيقيين والنهائيين.

في هذا السياق، يُذكر “وارفيلد” قارئه بأمرين: أولاً، يتناقض أسلوب توصيل الرسائل النبوية التي يفضلها الاعتراض، بشكل مباشر مع وصف الأنبياء لعلاقتهم بالروح المعلن: “ففي نظر الأنبياء، كانوا مجرد أدوات أعطى الله من خلالها إعلانات، نطقوا بها لا كأنها من نتاجهم الخاص، بل ككلمة يهوه النقية”[14]. دعونا نقف على ما قاله “وارفيلد” حرفياً في هذا المجال:

… [يجب ألا] تعمينا منطقية هكذا تساؤلات، عما تنطوي عليه من خداع. إنهم يستغلون اعتبارات ثانوية ليست بغير صحيحة ضمن موقعها وحدودها، وكأنها الاعتبارات الأساسية وحتى الوحيدة في القضية، وذلك على حساب إهمالهم للاعتبارات الهامة الحقيقية. فالله هو نفسه صانع الأدوات التي يعتمدها لتوصيل رسائله إلى الناس. وهو شكلهم ليكونوا الأدوات التي أرادها لتوصيل رسالته بكل دقة.

ثمة مسوغ في محله لتوقع إقدامه على استخدام كل أدواته بحسب طبيعتهم: الكائنات الذكية ككائنات ذكية، والعناصر الأدبية كعناصر أدبية. لكن ما من مسوغ صحيح لتأكيد كون الله عاجزاً عن استخدام الكائنات الذكية التي صنعها هو وشكلها بحسب إرادته، وأن يعلن رسائله من خلالهم بكل نقاوة كما سلمها إليهم. هؤلاء عندهم أيضاً مفاهيم منطقية لا بد لهم من تكوينها. كما أنه ما من مسوغ لتخيل أن الله غير قادر على صياغة رسالته بلغة الناطق الرسمي بإعلانه من دون جعله يكف عن الوجود من جراء ذلك.

فهم يعبرون بشكل طبيعي بالنسبة إليهم، حتى ينطقون برسالة الله النقية. بوسع أحدنا افتراض في صلب هذه المسألة أنه متى أعطى الله أي إعلان للناس، فهو سيعطيه بلغة الناس؛ أو لأفراد بأكثر تحديد، وذلك بلغة الرجل الذي يستخدمه ليكون الناطق الرسمي بإعلانه. ومن الطبيعي أن يكون المقصود هنا ليس بلغة أمته أو دائرته، بل بلغته هو الخاصة، مع ما يشمل ذلك كل ما يُضفي فرادة على تعبيره الشخصي. قد نتحدث عن هذا، إن شئنا، على أنه “تكيف الله الذي يعطي الإعلانات مع فرادة الشخصيات النبوية المتنوعة”.

لكن، علينا تجنب التفكير في [هذا التكيف] كمسألة خارجية وبالتالي آلية. وكأن الروح المعلن صاغ بشكل اصطناعي الرسالة التي يعطيها من خلال كل نبي باللغة المناسبة لفرادة كل واحد منهم، بشكل يوهم بأن الرسالة قد خرجت من قلب النبي نفسه، لكن الأنبياء يؤكدون بالتحديد أن رسائلهم لا تنبع من قلوبهم ولا تمثل أعمال نفوسهم… إنه لمن الباطل الزعم أن الرسالة التي يجري توصيلها بواسطة اللسان (البشري) تتأثر، على الأقل في شكلها، باللسان الذي نطق بها، إن لم نقل يختصرها حقاً أو يحدها، بل حتى يقرر اللسان مضمونها بنسبة معينة.

لم يصنع الله اللسان وحسب، وبالتحديد مع كل خصائصه، بل أخذ أيضاً في الاعتبار الرسالة التي سينقلها بواسطته. سيطرته عليه هي بالكامل وبالكلية. لذا من السخافة زعم أنه لا يمكنه النطق برسالته من خلاله بنقاوة، من دون تعرض هذه الرسالة للتغيير بفعل نبرته الخاصة به وأساليب الإلقاء. وكأننا نتحدث عن عدم إمكانية إعلان أي حق جديد في أية لغة بما أن عناصر الكلام التي من خلالها جمعها معاً يتم الإعلان عن الحق المطروح، هذه العناصر موجودة من قبل مع ما تحمله من معان ثابته. بكلام آخر، سمات الفرادات المتعددة الداخلة في صلب رسائل الأنبياء، تعد فقط جزءًا من الحقيقة العامة ومفادها أن هذه الرسائل قد جرى التعبير عنها بلغة بشرية. الأمر الذي لا يؤثر بأي شكل من الأشكال في نقاوتها كرسائل من عند الله[15].

لماذا كان على الله “أن يسوقهم” خلال تكلمهم؟ يسهب “وارفيلد” في حديثه عن إعداد الناطقين الرسميين لأداء مهمتهم النبوية، والمشار إليهم في التعليقات أعلاه. فهو يكتب:

أحياناً يجري تصوير الله عندما يرغب في إصدار كتب مقدسة تجسم إرادته – سلسلة من الرسائل كتلك التي كتبها بولس مثلاً – كأنه مضطر إلى النزول إلى الأرض ومعاناة الأمرين في تفحصه الدقيق للرجال الذي عثر عليهم هناك. باحثاً بشيء من القلق عن الشخص الذي على وجه العموم يبدو واعداً أكثر من سواه في تتميم قصده الإلهي. ثم يظهرونه وهو يدخل غنوة وبشكل عنيف بواسطته المادة التي يرغب أن يصاب إلى التعبير عنها، وذلك ضد ميله الطبيعي، وبأقل خسارة ممكنة لخصائص التمرد عنده. بالطبع، لم يحصل أي شيء من هذا القبيل.

فإن كان الله يرغب في إعطاء شعبه سلسلة من الرسائل كرسائل بولس، كان يعده لكتابتها، كما أن بولس الذي أحضره لتتميم المهمة، سيكتب هذه الرسائل بشكل عفوي وتلقائي.

إذا أخذنا هذا بعين الاعتبار، سنعرف مدى قيمة التصور المألوف، والذي مفاده أن الخائص البشرية للكُتاب يجب أن تؤثر في الكتابات الصادرة عنهم وتحددها. إذاً، بالإمكان استخلاص من كل هذا أنه يتعذر الحصول بواسطة إنسان على كلمة نقية من الله. وكما أن النور الذي يجتاز عبر الزجاج الملون لنافذة الكاتدرائية، يقال لنا، هو نور من السماء إلا أنه يصطبغ بألوان الزجاج الذي يعبر من خلاله، هكذا فإن أية كلمة من الله تمر عبر ذهن أحد الرجال وعبر نفسه، لا بد أن تخرج بألوان أخرى من الشخصية التي أعطيت بواسطتها، حتى أنها تكف بهذه الدرجة عن أن تكون كلمة الله النقية.

لكن، ماذا لو أن هذه الشخصية كان الله قد شكلها لتكون بالتحديد ما هي عليه، وذلك بقصد توصيل الكلمة المعطاة لها من خلال الألوان المنبعثة منها فقط؟ وماذا لو كانت ألوان النافذة الملونة قد صممها المهندس لهدف محدد بحيث تضفي على النور الذي يغمر الكاتدرائية تلك الصفات والخصائص المحددة التي تحصل عليها منه؟ وماذا لو كانت كلمة الله التي تصل إلى شعبه قد عمل الله على تشكيلها لتكون كلمة الله، وذلك بالتحديد بواسطة مزايا الرجال الذين كان الله قد كونهم لهذا الغرض، لكي يوصل كلمته بواسطتهم؟

عندما [نأخذ بعين الاعتبار العملية الطويلة الأمد التي تقوم بها العناية الإلهية لإعداد الرجال الذين أنتجوا الأسفار المقدسة]، لا يعود بإمكاننا استغراب كيف أن ما نتج من من ذلك من أسفار مقدسة، تعتبر باستمرار بمثابة كلمة الله النقية.

لكن حري بنا في هذه الحال استغراب القول بضرورة قيام الله بعملية إضافية – ما يعرف عندنا بالتحديد “بالوحي” بمعناه التقني – عندما نولي العناية الإلهية على صعيد الكون أهميتها التي تليق بها في أفكارنا، وكذلك أيضاً عملها في أصغر الأمور وأدقها، كما ايضاً بشكل كامل على أوسع النطاقات، مع فعاليتها التي لا تعرف التغيير، قد نميل عندئذ إلى التساؤل عما تدعو إليه الحاجة فوق هذه العناية السائدة لضمان إنتاج أسفار مقدسة من اللازم أن تكون منسجمة في المطلق في كل التفاصيل مع الإرادة الإلهية.

الجواب هو أنه لا تدعو الحاجة إلى أي شيء فوق مجرد العناية الإلهية للحصول على أسفار كهذه، شريطة فقط ألا يدخل في صلب القصد الإلهي أن تحوي هذه الأسفار خصائص تعلو وتسمو فوق قدرات البشر لإنتاجها [من صنف الإلمام بالقصد الإلهي، والعصمة]، حتى تحت أعظم وأكمل شكل من الإرشاد الإلهي. ذلك لأن العناية هي الإرشاد، والإرشاد لا يمكنه أن ينقل أحدهم إلى أبعد مما بوسع قوته الشخصية أن تأخذه.

إن كانت هنا أعال ترتفع وتسمو فوق قدرة الأنسان على بلوغها، فعندئذ، تدعو الحاجة إلى ما هو أكثر من الإرشاد، مهما بلغت فعاليته. هذا يحتم في نهاية العملية الطويلة لإنتاج الأسفار المقدسة، إضافة العمل الإلهي الذي نطلق عليه تقنياً التسمية “الوحي”. من خلاله، ينسكب روح الله للعمل جنباً إلى جنب مع العناية الإلهية، ومع الرجال في عزمهم للعمل، بحيث يصبح بإمكانهم إنتاج تحت التوجيهات الإلهية الكتابات المعينة لهم.

الأمر الذي يضفي على النتاج صفة إلهية لا يمكن بلوغها بواسطة القوى البشرية وحدها. وهكذا لا تعود هذه الكتب مجرد كلام أناس أتقياء، بل بالحري الكلمة المباشرة من عند الله نفسه، لكي تُخاطب بشكل مباشر ذهن كل قارئ وقلبه.

…. يطالعنا أيضاً في سياق تلميح العهد الجديد إلى الموضوع، كيف أن كتابه فهموا كيف أن إعداد الرجال ليصبحوا قنوات وأدوات لنقل الرسالة الإلهية إلى الإنسان، أمر لا يحصل بين ليلة وضحاها، لكنه كان قد بدأ معهم منذ بداية وجودهم.

فالدعوة مثلاً، التي على أساسها جُعل بولس رسولاً ليسوع المسيح، حصلت فجأة وحسب الظاهر من دون أن يسبقها أي شيء آخر. لكن بولس نفسه يحسب أن دعوته لم تكن سوى خطوة واحدة ضمن عملية طويلة، كانت قد بدأت حتى قبل وجوده: “ولكن لما سر الله الذي أفرزني من بطن أمي، ودعاني بنعمته أن يعلن ابنه فيّ” (غلاطية 1: 15، 16؛ راجع إرميا 1: 5؛ إشعياء 49: 1، 5)[16].

هنا يكمن الجواب عن السؤال، لماذا “ساق أو حمل” روح الله الأنبياء خلال كتابتهم؟ قام بالإشراف عليهم خلال كتابتهم بشكل محدد ودقيق لضمان إضفاء على الأسفار المكتوبة تحت إشرافه طابعها الإعلاني، أي لمنحهم القدرة على إعلان تلك الأمور من صنف القصد الإلهي الذي هو فوق طاقتهم (راجع “تكلموا من عند الله، بينما كانوا محمولين”). وليس هذا وحسب، بل للتأكيد على أن كتاباتهم تحمل الصفة الإلهية بالكامل، وبالتالي عصمتها وموثوقيتها.

هل يشير الإشراف من قبل الروح القدس ضمناً إلى عصمة الأسفار المقدسة؟ العديد من اللاهوتيين (مثلاً: “إميل برونر”، “كارل بارث”، “أرنست كازمان”، لا يدعون فقط بأن الكتاب المقدس هو أي شيء ما عدا خلوة من التناقضات في تعاليمه – فهو بحسب زعمهم مملوء بالأخطاء والتناقضات – بل كون الله أيضاً “الذي يسر بأن يفاجئنا” والذي، كما يزعمون أيضاً، بوسعه “رسم خط مستقيم بواسطة عصا ملتوية”، يكلمنا حتى من خلال تناقضاته.

من هنا فإن المسألة التي تطرح نفسها بشكل طبيعي هي: هل المسيحي الإنجيلي في إصراره على عصمة الأسفار المقدسة فرض عليها مستلزماً في غير محله من خلال مطالبته بأن يشهد تماسكاً عقيدياً لا تستلزمه الأسفار المقدسة نفسها؟ تظهر ملاحظة “هنري بلوشر” في هذا السياق، في محلها:

في كل مراحل التاريخ الكتابي، يحظى التماسك بأكبر قدر من القيمة والأهمية، وهو ينسب إلى أي تعليم يعتقد أنه صادر عن الله. فالحق… هو مرادف للأبدية، وللاستمرارية التي لا تتغير (المزمور 119: 160). ناموس الرب نقي، أي أنه يشهد تناغماً كاملاً، وهو منقى من الزغل أكثر من الفضة والذهب المصفى؛ كل فرائضه تتجانس وتتماشى كأنها واحدة في استقامتها (المزمور 19: 9). ما من معجزة تستطيع إضفاء سلطة على النبوات غير المستقيمة (تثنية 13: 1 والأعداد التالية).

إن كان الله ينعم بملء الحرية بأن يُظهر أموراً جديدة في التاريخ، يبقى أن كل إخفاق على صعيد تناغم هذه مع الأسلوب السائد للإعلانات السابقة، يثير الشكوك حول مصداقية الرسالة (إرميا 28: 7) والأعداد التالية). يناشد بولس قراءه أن يكونوا في فكر واحد (فيلبي 2: 2، إلخ)؛ وأن عليهم أن ينموا في وحدانية الإيمان (أفسس 3: 13)، بما أنه هناك فقط تحت سلطة الرب والواحد، إيمان واحد ومعمودية واحدة (العدد 5).

ليس تعليمه “نعم” و”لا” (2كورنثوس 1: 18)، الأمر الذي يشكل صدى لكلمات يسوع المأثورة… يصر بولس على كون رسالته شبيهة برسالة سائر الرسل (1كورنثوس 15: 11). وفي وجه إساءة التفسير، 2بطرس 3: 16 يعود ويؤكد هذا الأمر المتفق عليه. يوحنا يسلط الأضواء على التوافق القائم بين الشهود الثلاثة (1يوحنا 5: 8)، كما أن الإنجيل الرابع يعرض عملية “تكرار”، ليس على غرار الببغاء بالطبع، بل من قبيل الاهتمام بأن يكون هناك تشابه في المضمون (يوحنا 8: 26، 28؛ 16: 13).

عدم الانسجام والاختلاف، هو علامة أن الأمر ليس حقاً، كما كان أمر شهود الزور في محاكمة يسوع (مرقص 14: 56، 59). يجب دحض المناهضين وإسكاتهم (رومية 16: 17؛ تيطس 1: 9)؛ هذا الأمر لا يمكن أبدأ الإقدام عليه لو كان المعيار نفسه يضم العديد من التعاليم اللاهوتية المتناقضة. في الواقع، كل منطق استشهاد ربنا بالأسفار المقدسة في حججه، (وكذلك الأمر مع رسله) من شأنه أن ينهار فوراً في حال سقوط الافتراض المسبق بتماسك الأسفار المقدسة.

وحتى في معرض مواجهته مع المجرب، يعتمد يسوع على التماسك الداخلي لكلمة أبيه، مقتبساً الأسفار المقدسة للرد على استخدام الكتاب المقدس بشكل منحرف وملتو. العبارة “مكتوب”، لن تعود تفي بالغرض على صعيد حسم أمر ما، لو سلمنا بوجود عدة آراء متناقضة تتنافس معاً على صفحات الكتاب المقدس. في هذه الحال، لا تعود سلطة كلمة الله تعمل عملها كما تفعل الآن في الأسفار المقدسة… رجالات الله الذين كان لهم دور في كتابة الكتاب المقدس، ثمنوا التماسك نسبوه بشكل بديهي إلى الإعلان الإلهي، والذي توسع من خلال خدمتهم[17].

لذا، أحتاج أن أكرر أن اللاهوتي الذي يصرح من جهة أنه يؤمن بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله الموحى بها، ثم يعتبر من جهة أخرى أنها تحوي أخطاء في نسختها الأصلية، فإنه يترتب عليه تفسير مشكلة رئيسية تواجهه، من زاويتي المعرفة واللاهوت. ثم لدينا الصنفان من نصوص العهد الجديد المثيران جداً للاهتمام بحيث إن كل منهما،

…. متى أخذ بالانفصال عن الآخر، يسلط الضوء بأقصى وضوح ممكن على ما كان [كُتاب العهد الجديد] يقومون به من خلال اقتباسهم العهد القديم على اعتبار أن الله هو المتكلم بنفسه، بينما يتركان معاً انطباعاً لا يقاوم بشأن التعاطف في المطلق القائم بين كتاب الأسفار المقدسة المتوافرة لديهم والله وصوته الحي.

ففي صنف من هذه النصوص، يصار إلى التحدث عن الأسفار المقدسة وكأنها الله، وفي الآخر يصار إلى التحدث عن الله وكأنه هو الأسفار المقدسة. ومتى أخذناهما معاً، يظهر التعاطف الكامل القائم ما بين الله والأسفار المقدسة، الأمر الذي يبين أنه لا مجال للتفرقة بينهما فيما يخص سلطتهما الصريحة[18].

على القارئ أن يتأمل بكل إمعان وتركيز في التفسير التالي كما يعرضه “وارفيلد”:

الأمثلة على الصنف الأول من النصوص هي كالتالي: غلاطية 3: 8 “والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم، سبق فبشر إبراهيم أن “فيك تتبارك جميع الأمم”” (تكوين 12: 1-3)؛ رومية 9: 17، “لأنه يقول الكتاب لفرعون: “إني لهاذا بعينه أقمتك”” (خروج 9: 16). لكن، لم يكن الكتاب (الذي لم يكن بعد موجوداً في ذلك الوقت) الذي بعد أن رأى مقاصد النعمة الإلهية للمستقبل، نطق بهذه الكلمات الثمينة لإبراهيم، لكن الله نفسه بشخصه. ولم يكن الكتاب الذي لم يكن له أي وجود بعد، هو الذي أعطى فرغون هذا الإعلان، بل بالحري الله نفسه على فم نبيه موسى. هذه الأفعال كان بالإمكان نسبها إلى “الكتاب” نتيجة للتماثل الذي بات مألوفاً في ذهن الكتاب على اعتبار أن الله هو الذي يتكلم في الكتاب. وهكذا أصبح من الطبيعي استخدام العبارة “يقول الكتاب”، عندما كان المقصود بذلك فعلاً: “الله، كما هو مدون في الأسفار المقدسة، قال.”

أمثلة على الصنف الآخر من النصوص هي كالتالي: متى 19: 4، 5: “فأجاب وقال لهم: أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكراً وأنثى؟ وقال: من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسداً واحداً”. (تكوين 2: 4)؛ عبرانيين 3: “لذلك كما يقول الروح القدس: “اليوم إن سمعتم صوته” إلخ.

(المزمور 95: 7)؛ أعمال 4: 24، 25: “أنت هو الإله الصانع السماء والأرض والبحر وكل ما فيها، القائل بفم داود فتاك: لماذا ارتجت الأمم وتفكر الشعوب بالباطل”؛ أعمال 13: 34، 35: “إنه أقامه من الأموات، غير عتيد أن يعود أيضاً إلى فساد، فهكذا قال: “إني سأعطيكم مراحم داود الصادقة” (إشعياء 55: 3)؛ “ولذلك قال أيضاً في مزمور آخر: “لن تدع قدوسك يرى فساداً” (المزمور 16: 10)؛ عبرانيين 1: 6: “وأيضاً متى أدخل البكر إلى العالم يقول: ولتسجد له كل ملائكة الله” (تثنية 32: 43)؛ وعن الملائكة يقول: “الصانع ملائكته رياحاً وخدامه لهيب نار” (المزمور 104: 4)؛ “وأما عن الابن، قال “كرسيك يا الله إلى دهر الدهور”، إلخ.

(المزمور 45: 7): “وأنت يا رب في البدء” إلخ. (المزمور 102: 26). لكن، لم يكن الله هو الذي نطق بهذه الأقوال التي جعلت في فمه في نص العهد القديم، إنها كلمات آخرين مدونة في نص الأسفار المقدسة على أنها قيلت لله، أو نطق هو بها. كان بالإمكان نسبها إلى الله فقط من جراء هكذا تماثل ما بين نص الكتاب وأقوال الله. والذي بات مألوفاً في أذهان الكتاب، حتى أنه أصبح من الطبيعي استخدام العبارة “قال الله” عندما كان المقصود فعلاً: “يقول الكتاب، كلمة الله”. إذاً هاتان المجموعتان من النصوص تظهران معاً وجود تماثل في المطلق في أذهان هؤلاء الكتاب بين “الكتاب” والله المتكلم[19].

إذاً، وفوق كل جدل، يدعي الكتاب المقدس لنفسه بأنه كلمة الله. هذه الحقيقة، الذي يؤكدها علم التفسير، من الضروري أخذها بعين الاعتبار وعدم تجنبها أبداً عندما تواجهنا مسألة لماذا نؤمن بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله. نحن نؤمن بذلك، لأنه هذا ما يدعيه عن نفسه. أنا مديون لـ “أ. كالفن بايسنر” لأنه لفت نظري إلى الحجة المشابهة التي طورها “غردن هـ كلارك” للإيمان بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله. حجته في غاية البساطة، وبرأي لها قيمتها، مع أن “كلارك” سيكون الأول لتأكيد أنه لا يمكنها بحد ذاتها، ولن تتمكن من هداية أي كان.

 

[1] Charles Hodge, Systematic Theology (Grand Rapids: Eerdmans, n.d.), I 165.

[2] علينا ألا ننسى أن بولس كتب كالناطق الموحى إليه بلسان المسيح الموحي. يتبين من الدليل الكتابي أن بولس كان يعتبر نفسه كرسول للمسيح. كما أن أصدقاء يسوع الحميمين اعتبروه كذلك، وأنه صاحب وفرة من مصادر المعلومات عن يسوع، وكونه شاطر يسوع النظرة عينها إلى ملكوت الله بحيث “حضر ولم يحضر بعد”، والعقيدة نفسها عن أبوة الله، والعقائد عينها المختصة بالخلاص على أساس النعمة المجانية، وبالدينونة الأخيرة، وبأدب المحبة كالتتميم للناموس، والأهم من هذا كله ديانة الفداء عينها في موت يسوع وقيامته ومن خلالهما. كذلك، كان قد حصل من يسوع على وعد بتعليمه ما يقوله بصفته رسوله (أعمال 9: 15، 16؛ 13: 2؛ 13: 46، 47؛ 18: 9؛ 22: 14، 15؛ 26: 16-18). إننا نقصد من خلال هذا أن الإيمان ببولس هو الإيمان بيسوع، كما أن عدم الاتفاق مع بولس يعني عدم الاتفاق مع المسيح من كان بولس رسوله الذي كان الرب قد أوحى إليه.

[3] يترجم هودج الجملة الأخيرة في كتابه: Hodge, Systematic Theology, 1, 162 “كاسين حقائق الروح بكلمات الروح.

[4] George E. Ladd, A Theology of the New Testament (Grand Rapids: Eerdmans, 1974), 605.

[5] صيغة الكتاب المقدس الإنجليزية المعروفة باسم Revised Version 1901 أوردت تصريح بولس على الشكل التالي: “كل كتاب موحى به من الله هو أيضاً نافع…” هذه الصيغة تفرض علينا الإدلاء بتعليقين:

أولاً: أنها تجعل فرقاً قليلاً بين الإقدام على ترجمة (باسا غرافي) إلى كل كتاب [نص] أو “كل كتاب” بمعنى “الأسفار المقدسة كلها [بأكملها].” النتيجة هي عينها في نظري.

Nigel Turner (A Grammar of New Testament Greek, edited by James H. Moulton [Edinburgh: T. & T. Clark, 1963], III, 199)

يعتبر أن (باسا) متى وردت قبل اسم غير معرف، فهي تعني “كل” بمعنى “أي”: “ليس كل فرد… بل أي واحد من فضلك”. وعليه يترجم (باسا غرافي) إلى “أي كان السفر المقدس”. ثم يضيف أن “(باسا) قبل اسم غير معرف تعني أيضاً كل، كامل الشيء، تماماً كعملها مع أل التعريف”. لذا، كان من السهل على “ترنر” أن يترجم (باسا غرافي) إلى “كل الكتاب”، بمعنى “الكتاب بجملته”. حقاً، وفي ضوء القرينة التي تحبذ مفهوم كون بولس يفكر بالعهد القديم بجملته، أسلم بأن هذا هو المعنى المقصود، على الأرجح. بولس يعلن هذا بشكل مبدئي في رومية 15: 4 عندما يصرح بالقول: “لأن كل ما سبق فكبت [هوسا بروايغرافي] كتب لأجل تعليمنا، حتى بالصبر والتعزية بما في الكتب [غرافون] يكون لنا رجاء (هوسس، بحسب BADG، الفقرة 2، 586، متى استخدمت في المطلق، كما هي الحال هنا، تعني “كل شيء”).

C.F. D. Moule (An Idiom Book of New Testament Greek [Cambridge: University Press, 1953], 95)

يوافقه الرأي. فهو يؤكد أن (باسا غرافي) “من غير المرجح أبداً” أن تعني “كل كتاب موحى به”، ومن المحتمل أكثر بكثير أنها تعني “كل الكتاب”.

ثانياً: فيما يتعلق بالترجمة بحسب:

Revised Version (RV), Merrill F. Unger Introductory Guide to the Old Testament (Grand Rapids: Zondervan, 1956), 25, 26

أصاب في رؤيته أنها (1) ركيكة من الزاوية التفسيرية، بما أنه ليس من الضروري أن يقال لأحدنا أن كل كتاب موحى به من الله هو أيضاً نافع؛ (2) عليها اعتراضات من الزاوية النحوية بما أن RV تجعل التركيبة نفسها (الفاعل الذي يليه صفتان أصليتان يربط بينهما حرف الجر (كاي) في 1كورنثوس 11: 30؛ 2كورنثوس 10: 10؛ 1تيموثاوس 4: 4؛ وعبرانيين 4: 12، 13، إنها تجعل هذه التركيبة بمثابة صفتين أصليتين متساويتين؛ (3) غير ثابت على أساس متين من الزاوية النقدية، بما أن هذه الترجمة حظيت بموافقة قلة قليلة فقط من الدارسين؛ و(4) خطرة من الزاوية العقدية، بما أنها توحي بأن بعض الكتب قد لا تكون من نتاج النفس الإلهي، راجع أيضاً تعليقات مشابهة لهذه مصدرها “ج. ن. د. كلي” في كتابه

A Commentary on the Pastoral Letters (New York: Harper & Row, 1964), 203

كذلك، فإن “روبرت واتس” علق على هذه المسألة في أواخر القرن التاسع عشر في كتابه

The Rule of Faith and the Doctrine of Inspiration [London: Hodder and Stoughton, 1885], 142

وذلك بقوله: من غير الممكن تخيل، ولو للحظة واحدة، أن يقدم الرسول بعد توجيه كل هذا المديح إلى الأسفار المقدسة والتي كانت محط إكبار واحترام عند كل من تيموثاوس، وأمه، وجدته، أن يعود ويغرس في الأذهان نظرية مبهمة عن الوحي، والتي نظراً لغموضها، لا تصلح سوى لإرباك أولئك الذين يحاولون تطبيقها، ومن الضروري أن يسفر عنها في النهاية آراء مشككة في ادعاءات التدوين المقدس ككل.

[6] A. T. Robertson, A Grammar of the Greek New Testament in the Light of Historical Research (Nashville, Broadman, 1934), 1095-97.

راجع أيضاً الدراسة المطولة لصيغة “ثيوبنستس) في مقاله

“God-Inspired Scripture” in The Inspiration and Authority of the Bible, 245-96.

إنه يستخلص أيضاً أن هذه العبارة وردت في صيغة المجهول.

[7] Benjamin B. Warfield, “The Biblical Idea of Inspiration” in The Inspiration and Authority of the Bible, 132-33; see also 154.

[8] Warfield “The Biblical Idea of Inspiration” in The Inspiration and Authority of the Bible, 133.

[9] James S. Stewart, A Man in Christ (London: Hodder and Stoughton, 1935), 39.

[10] أنا أقترح أن العبارة “كل عمل صالح” تشمل عمل المدافع وتعتبر أن عملية الدفاع هذه، متى تمت بشكلها الصحيح، عليها افتراض مسبقاً وجود الحق المعلن داخل الأسفار المقدسة، كما أنها ستؤسس حججها على تعاليم الكتاب المقدس كدليل لا يقبل الجدل على مصداقية الإيمان المسيحي بالله الواحد في الكل وفي الجزء.

[11] صيغتا الترجمة الإنجليزيتان المعروفتان باسم NADB و ETV تعرضان هنا ترجمة مضللة للغاية من خلال عبارتهما “أي شخص أو وقت”. هنا “أو” التي يستخدمها بطرس لا تفصل كما لو أن الإشارة هي إلى سؤالين متفارقين، لكنها بالحري عاطفة بمعنى أن المسألة الوحيدة التي كانت تهمهم هي المتعلقة بالوقت، والتي يمكن طرحها، كما في ترجمتنا العربية: “أي وقت أو ما الوقت” لحصور آلام المسيح. وفي كلتا الحالتين، كانوا معنيين بزمن حصول آلام المسيا، وليس إن كان سيتألم. هذا كانوا يعرفونه من قبل.

[12] ترجمت صيغة الترجمة AV (ببايأوتيرون) بالعبارة “أكثر تأكيداً – عندنا أيضاً كلمة نبوية “أكثر تأكيداً” – مولدة بذلك الإنطباع عند العديد من القراء المسيحيين، بأن الكلمة المكتوبة هي أضمن من “الصوت من المجد الأسنى” أو من اختبار بطرس كشاهد عيان أو شاهد للصوت الإلهي الذي سمعه. هذا الأمر مؤسف، ذلك لأنه الصوت نفسه الذي يتكلم والسلطة نفسها في كلتا الحالتين. صحيح أن (ببايأوتيرون) هي صفة للمقارنة، لكن أمامنا هنا حالة عندما تعمل الصفة للمقارنة عمل صيغة التفضيل. هذا يحصل بشكل مألوف في اللغة اليونانية. وبالتالي، الترجمة الصحيحة تكون “الأكيدة إلى أقصى حد”. الفكرة المقصودة هنا هي أن الكلمة النبوية المكتوبة التي تحدثت عن مجد المسيا قد “تأكدت إلى أقصى حد” بمعنى قد “تثبتت” من خلال التجلي.

[13] Warfield, “The Biblical Idea of Revelation” in The Inspiration and Authority of the Bible, 91.

[14] Warfield, “The Biblical Idea of Revelation” in The Inspiration and Authority of the Bible, 92.

[15] Warfield, “The Biblical Idea of Revelation” in The Inspiration and Authority of the Bible, 92-94.

[16] Warfield, “The Biblical Idea of Revelation” in The Inspiration and Authority of the Bible, 155-58, 159.

[17]Henri Blocher, “The ‘Analogy of Faith’ in the Study of Scripture” in The Challenge of Evangelical Theology (Edinburgh: Rutherford House, 1987, 29-31.

[18] “God Says” in The Inspiration and Authority of the Bible, 299. Benjamin B. Warfield, “It Says: Scripture Says”

[19]   “God Says” in The Inspiration and Authority of the Bible, 299-N 300. Warfield, “It Says: Scripture Says”

أدلة أن الكتاب المقدس هو كلمة الله

Exit mobile version