الوسم: الاتحاد بالله
اتحاد الإنسان بالله – د. نصحي عبد الشهيد
اتحاد الإنسان بالله – د. نصحي عبد الشهيد
أولاً: الاتحاد بالله هو غاية الحياة المسيحية:
الهدف الذي من أجله خلق الله الإنسان هو أن يعطي للإنسان الإمكانية لكي يصل في النهاية إلى الإتحاد به. وهذا هو السبب الذي جعل الله عندما خلق الإنسان، أن يقول “نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا.. وخلق الله الإنسان على صورته…” (تك26:1ـ27). وهذا الخلق على صورة الله يشرحه القديس أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة بأن الله بهذا الخلق (أعط نصيبًا للبشر في قوة كلمته ـ يسوع المسيح ربنا ـ لكي يستطيعوا ولهم نوع من انعكاس الكلمة فيهم أن يبقوا في السعادة أبدًا ويحيوا الحياة الحقيقية حياة القديسين في الفردوس” (تجسد الكلمة فصل3 فقرة3).
وهكذا يكشف لنا القديس أثناسيوس الغاية العالية جدًا، التي قصدها الله في خلقه للإنسان. ويوضح القديس أثناسيوس بعبارات أخرى هذه الإمكانية الإلهية المعطاة للإنسان بخلقه على صورة الله فيقول ” أن الإنسان بسبب خلقته على صورة الله الكائن كان ممكنًا أن ينجو من الفساد الطبيعي ويبقى في عدم فساد لو أنه أحتفظ بتلك الصورة بإبقاء الله في معرفته … ولأن الإنسان كان في عدم فساد كان ممكنًا أن يعيش كالله منذ ذلك الوقت. وأظن أن هذا هو ما يشير إليه الكتاب الإلهي عندما يقول “أنا قلت إنكم ألهه وبنى العلي كلكم لكن مثل الناس تموتون وكأحد الرؤساء تسقطون” (مز6:82، 7). (تجسد الكلمة 6:4).
فالحياة الأبدية مع الله أي الإتحاد بالله هي إذًا الهدف من خلقتنا نحن البشر. ولذلك فإن هذه الحياة مع الله إلى الأبد أي حالة الاتحاد بالله هي أيضًا الغاية النهائية والعظمى التي من أجلها جاء ابن الله يسوع المسيح متجسدًا من العذراء القديسة لكي يعطينا إياها بعد أن انفصلنا عن الله وفقدنا الشركة معه منذ سقوط أبوينا الأولين آدم وحواء. هكذا تجسد ابن الله وصار إنسانًا لكي يوصل إلينا الحياة الإلهية بواسطة جسده المتحد بلاهوته اتحادًا بغير انفصال ولا اختلاط ولا تغيير. ولهذا صار المسيح ابن الله هو الطريق الموصل إلى الآب كما قال بفمه الإلهي “أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يو6:14).
صور الاتحاد بالله:
يقدم لنا العهد الجديد عدة صور للحالة النهائية المجيدة التي سيصير عليها الإنسان والتي تعبر عن هذا الإتحاد بالله:
1ـ عرس المسيح والكنيسة:
يخبرنا سفر الرؤيا قائلاً: ” وسمعت كصوت جمع كثير وكصوت مياه كثيرة وكصوت رعود شديدة قائلة هلليويا فأنه قد ملك الرب الإله القادر على كل شيء. لنفرح ونتهلل ونعطيه المجد لأن عرس الحمل قد جاء وامرأته هيأت نفسها. وأعطيت أن تلبس برًا نقيًا بهيًا لأن البر هو تبررات القديسين” (رؤ6:19)
فهنا يعلن لنا الروح القدس عن الحالة النهائية التي سيصل إلهيا المؤمنون في الدهر الآتي بأنها هي “ملك الرب الإله القادر على كل شيء”. أي أن هذا هو التحقيق النهائي لملكوت الله. وهذا التحقيق يعبر عنه هنا بأن “الله قد ملك” وهذا هو معنى النهائي للاتحاد بالله أن يملك الله على الإنسان ويسود الله سيادة كاملة على البشر ليست سيادة العبودية ولكن سيادة المحبة الكاملة وفي هذا تكون سعادة الإنسان القصوى إذ يملك الله على حياته كلها دون تعطيل أو مقاومة من جانب الإنسان.
ومما يوضح أن ملك الله هذا على الإنسان في الدهر الآتي هو حالة الإتحاد بالله هو تعبيره في نفس هذه الآيات أن هذا الملك هو عرس الحمل ويعبر عنه بالقول: ” لأن عرس الحمل قد جاء وامرأته هيأت نفسها”، أي هذا الإتحاد بالله في الملكوت الآتي هو عرس المسيح والكنيسة أي الزيجة الروحانية بين المؤمنين والمسيح. فالمسيح هو العريس الذي خطب نفوسنا بدمه على الصليب.
والكنيسة تصل إلى العرس أي يوم زفافها للمسيح، بالاتحاد الكامل به عند مجيئه. وهذا هو الهدف الذي تتطلع إليه الكنيسة الآن في غربتها على الأرض، أن تصل إلى الإتحاد بالعريس ولذلك فهي تهيئ نفسها بالحب والطاعة والسهر والصلاة لكي يوهب لها أن تلبس البز النقي البهي الذي هو تبريرات القديسين كما يقول سفر الرؤيا.
2ـ رؤية الله وجهًا لوجه:
الصورة الثانية التي نجدها في العهد الجديد للحالة النهائية للإنسان في ملكوت الله الآتي هو ما يعبر عنه الرسول بولس بقوله: “فأننا الآن ننظر في مرآة في لغز لكن حينئذ وجهًا لوجه. الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت” (1كو12:13).
فالرسول بولس يقارن بين معرفتنا الآن للمسيح ونحن في هذا العالم وبين المعرفة الكاملة لله التي ستحدث في الدهر الآتي فيشبه معرفتنا الحالية بمعرفة الطفل بينما المعرفة الكاملة في الدهر الآتي يشبهها بمعرفة الرجل فيقول: ” لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم وكطفل كنت أفطن وكطفل كنت أفتكر ولكن لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل”. وأيضًا يقول ” إننا الآن نعلم بعض العلم وتتنبأ بعض التنبؤ. ولكن متى جاء الكامل فحينئذ يبطل ما هو بعض” (أنظر 1كو9:13ـ 11).
فهنا يقدم لنا حالة الملكوت الكاملة ـ أي الإتحاد بالله ـ على أنها رؤية الله وجهًا لوجه. وهذه الرؤية لله وجهًا لوجه تعطينا أن نعرفه معرفة كاملة. يقول عنها الرسول أننا سنعرف الله في المستقبل كما عرفنا الله. أي أننا سنعرفه بنفس قوة المعرفة التي يعرفنا بها الله نفسه الآن، وهذا هو ما يتحدث عنه سفر الرؤيا أيضًا في الأصحاح الأخير عندما يقول عن المؤمنين “وهم سينظرون وجهه وأسمه على جباههم ولا يكون ليل فيما بعد ولا يحتاجون إلى سراج نور أو إلى نور شمس لأن الرب الإله ينير عليهم. وهم سيملكون إلى أبد الآبدين” (رؤ4:22ـ 5).
وهذه الرؤية وجهًا لوجه باعتبارها حالة الملكوت الأبدي للإنسان يتحدث عنها الرسول يوحنا أيضًا عندما يقول: ” أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون، ولكن نعلم أنه إذ أظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو” (1يو2:3).
فهنا يخبرنا الرسول يوحنا أيضًا أننا عندما يأتي المسيح في ظهوره الثاني المجيد من السماء في نهاية هذا الدهر فإنه سيغيرنا بواسطة رؤيته وجهًا لوجه في مجده غير المحجوب الذي سيظهر به في السماء وهذا هو معنى قوله “سنراه كما هو” أي كما هو على حقيقة في مجده الإلهي غير الموصوف. وهذه الرؤية للمسيح في مجده السماوي هي التي ستغيرنا تغيرًا كاملاً ونهائيًا روحًا وجسدًا، لنكون مثله.
3ـ ميراث لا يفني ولا يضمحل:
الصورة الثالثة للاتحاد بالله التي نجدها في العهد الجديد هي في قول معلمنا بطرس الرسول ـ “ولدنا ثانية بقيامة يسوع المسيح من الأموات، ـــ لرجاء حي ـــ لأجل ميراث لا يفني ولا يتدنس ولا يضمحل محفوظ في السموات لأجلكم. أنتم الذين بقوة الله محروسون بإيمان وخلاص مستعد أن يعلن في الزمان الأخير” (1بط3:1ـ 5).
فهنا يقدم لنا الرسول بطرس حالة الملكوت الأبدي الذي ننتظره في صورة ميراث لا يفني ولا يضمحل ولا يتدنس. أي ليس مثل أي ميراث أرضي مخلوق يمكن أن يتلاشى أو يضيع أو يتدنس. لأن هذا الميراث هو مجد الله الأبدي ذاته أو هو الحياة الأبدية مع الله الثالوث القدوس الأب والإبن والروح القدس. أو هو حالة الاتحاد بالله، أو ما عبر عنه الرسول بطرس في رسالته الثانية بقوله “لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية هاربون من الفساد الذي في العالم بالشهوة” (2بط4:1).
ويعبر الرسول بطرس عن هذا الميراث الأبدي غير الفاني بأنه هو الخلاص الذي سيُعلن في الزمان الأخير أي سيعلن بظهور المسيح في مجده العظيم من السماء. ويوصينا معلمنا بطرس أيضًا بأن “نلقى رجائنا بالتمام على النعمة التي يؤتى بها إلينا عند استعلان يسوع المسيح”. ومعنى هذا الكلام أنه عند ظهور المسيح ثانية ستعطى لنا نعمة عظيمة تحقق اتحادنا الكامل بالله وتغييرنا الكلي لنكون مثل المسيح عند مجيئه الثاني كما أخبرنا يوحنا الحبيب.
ولأجل انتظار هذه النعمة التي سيأتي بها إلينا يوصينا الرسول بطرس قائلاً “لذلك منطقوا أحقاء ذهنكم صاحين فألقوا رجائكم بالتمام على النعمة التي يؤتى بها إليكم….” (1بط13:1). وهذا معناه أن نسهر سهرًا قلبيًا وذهنيًا ونكون يقظين ملقين رجائنا على نعمة المسيح ومنتظرين باستعداد وحب وطاعة ظهوره المجيد الذي ننتظره من السماء لكي يكمل خلاصنا إلى التمام.
ثانيًا: طريق الاتحاد:
كما علمنا المسيح أنه هو الطريق الموصل إلى الآب أن قال “أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يو6:14). وقال أيضًا للتلاميذ “لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم الآب أيضًا ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه” وأيضًا “الذي رآني فقد رأي الآب” (يو7:14ـ 10).
فالاتحاد بالله الذي هو غاية الحياة المسيحية كلها، وهو تحقيق الملكوت الكامل، هذا الاتحاد يبدأ من الآن في صورة عربون عن طريق الإيمان بالمسيح الذي وحَّد (شدة على الحاء) الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية بتجسده من العذراء، وعن طريق اندماجنا في جسد المسيح بعمل الروح القدس في المعمودية يوصلنا لنهاية الطريق أي غاية الطريق، لأنه هو الطريق إلى الآب. وغير ممكن الوصول إلى الآب كما قال هو نفسه: ” ليس أحد يعرف الآب إلا الإبن ومن أراد الإبن أن يعلن له” (مت27:11) كما أن المسيح هو الباب الذي ندخل به إلى الآب” (أنظر يو9:10).
فالاتحاد بالله أي نهاية الطريق، يبدأ منذ بداية الطريق، أي منذ الآن ونحن في الجسد على الأرض، ولكن يبدأ ليس بحالة كاملة بل في صورة عربون عن طريق عمل الروح القدس في حياتنا، فالاتحاد بالله موجود في المسيح منذ الآن.
فعندما نعرف المسيح الذي هو الطريق فإننا ننال عربون نهاية الطريق أي عربون الاتحاد بالله، ” فالروح القدس هو عربون ميراثنا” (أف14:1)، لأن الروح القدس يجذبنا إلى المسيح، ويجعلنا نذوق المسيح ساكنًا في قلوبنا أي يجعلنا نذوق ميراثنا كعربون ــ والعربون يكون من نفس نوع الميراث ــ أي ميراث المجد الأبدي في الملكوت الكامل، لأننا نرى الآب في المسيح منذ الآن ونعرف الآب بالمسيح منذ الآن، كما قال الرب نفسه من رآني فقد رأي الآب”، “ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه”.
وهكذا كما يقول القديس إيريناؤس “بالروح القدس نأتي إلى المسيح الأبن وبالابن نصل إلى الآب” (ضد الهرطقات 2:36:5). فالغاية هي الاتحاد بالله، والطريق هو يسوع بالروح القدس. فالنهاية موجودة في البداية. لأن الآب موجود في الإبن “أنا في الآب والآب في” (يو10:14). فعندما نجد المسيح نجد الآب فيه أي نجد الملكوت فيه.
ثالثًا: الحياة المسيحية العملية:
أ ـ الحصول على الإتحاد بالله كعربون منذ الآن ضروري لأجل أن نعيش الحياة المسيحية ونحن على الأرض. فالإنسان لا يستطيع أن يحب الله بكل قلبه وبكل قوته وبكل فكره، ولا أن يحب قريبه كنفسه، ولا أن يحب أعداؤه حسب وصية المسيح بدون أن ينال الاتحاد بالله كعربون في داخله منذ الآن. فكما يقول معلمنا بطرس الرسول أنه قد “وهب لكم المواعيد العظمى والثمينة لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة” (2بط4:1). فالشركة في الطبيعة الإلهية هي التي تهبنا القوة الإلهية التي بها نهرب من الفساد الذي في العالم.
ب ـ هذه الشركة تحدث منذ الآن بالإيمان بالمسيح والمعمودية باسمه، فنسلك في جدة الحياة (رو4:6).
ج ـ وهذه الشركة تتحقق أيضًا بالصلاة، فنتحد بالمسيح بالحب والصلاة ” من التصق بالرب فهو روح واحد” (1كو17:6).
د ـ وهذه الشركة تتحقق أيضًا بالافخارستيا فنتحد بالمسيح ونصير معه واحدًا “تؤلفنا بك بواسطة تناولنا من أسرارك الإلهية” (القداس الإلهي) إذ أننا بالتناول “نكون في المسيح ويكون المسيح فينا” وتكون “لنا حياة أبدية” منذ الآن (يو54:6ـ 56).
ه ـ الثبات في المسيح: لكي نسير في الطريق إلى الاتحاد بالله لا بد أن نكون ثابتين في المسيح، أي ثابتين في محبة المسيح، لأننا بالالتصاق بالمسيح نصيرا روحًا واحدًا معه “من التصق بالرب فهو روح واحد” (1كو17:6).
كل عمل نعمله حبًا في المسيح يثبتنا في المسيح. ” ان حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي” (يو10:15).
- طاعة الوصية حبًا في المسيح تثبتني في المسيح وتوحدني به منذ الآن.
- الصلاة بمحبة تلصقني بالمسيح فأصير روحًا واحدًا معه.
- كل عمله محبة مع الغير حبًا في المسيح يثبتنا في المسيح ويوحدنا.
- كل سهر لأجل محبة المسيح. كل إنكار ذات لأجل محبة المسيح. كل صوم لأجل محبة المسيح وحبًا فيه كل هذه ثبتنا في المسيح وتوحدنا.
- كل مجهود من أجل محبة المسيح مهما كان صغيرًا وهو عمل معمول بقوة الروح القدس الذي يشهد للمسيح في داخلنا، ويكشف لنا المسيح في داخلنا، ويوحدنا بالمسيح. وبوجودنا في المسيح ــ الطريق ــ يكشف لنا الآب ويعلن لنا محبته في داخلنا بعمل الروح القدس، وبذلك يوصنا إلى غاية الطريق منذ الآن.
عمومًا لا يمكن الوصول إلى نهاية أي طريق إلا بالسير في الطريق المؤدي إلى النهاية.
ولكي نصل إلى الإتحاد بالله الذي هو غاية الحياة لابد أن نسير في الطريق ـ أي نوجد في المسيح وتتحد به منذ الآن.
انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان
مختصر تاريخ ظهور النور المقدس
مدرسة الاسكندرية اللاهوتية – د. ميشيل بديع عبد الملك (1)
القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس
اتحاد الإنسان بالله – د. نصحي عبد الشهيد
مقالة المتنيح د/ نصحي عبد الشهيد، بالكتاب الشهري للشباب والخدام والذي كان يصدره بيت التكريس لخدمة الكرازة -شهر ديسمبر 2017 م-
الشركة والإتحاد بالله في عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد
الشركة والإتحاد بالله في عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد
مقدمة:
الشركة مع الله أو الإتحاد به، تعتبر محورًا أساسيًا في روحانية القديس مقاريوس كما نجدها في عظاته الخمسين.
وقد أشار كل من القديس يوحنا الرسول والقديس بطرس الرسول إلى الشركة مع الله: ” وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح ” (1يو 3:1)، ” لكي تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية… ” (2بط 4:1) ولكن القديس مقاريوس يتحدث كثيرًا جدًا عن هذه الشركة مع الله ويصفها من اختباره وتذوقه أنها حالة عرس روحاني أو زيجة روحانية بين المسيح والنفس الإنسانية، فالمسيح هو العريس والنفس هي العروس، والحب المشتعل بنار الروح القدس هو الذي يوحد العريس بالعروس.
وعلاقة المسيح كعريس للكنيسة وردت في سفر الرؤيا (رؤ7:19)، (2كو 2:12). كما جاءت علاقة الله كعريس لشعبه في العهد القديم (هو19:2). ولكن القديس يتحدث أساسًا عن العلاقة الشخصية الاختبارية، والإتحاد الشخصي بين المسيح والنفس، وربما نجد بداية هذه الخبرة في قول الرسول بولس ” وأما من التصق بالرب فهو روح واحد ” (1كو 17:6). حيث كلمة التصق تعنى في سياق حديث الرسول ” اقترن بالرب ” أو ” اتحد بالرب “.
أولاً: مبادرة الشركة والإتحاد هي من الله:
1 ـ فيقول القديس مقاريوس أن الله لا يجد راحته في أي من المخلوقات خلقها ” إنه يحكم كل الخليقة ولكنه لم يثبت عرشه فيها ولا دخل في شركة معها بل إن الله قد سُرَ بالإنسان وحده ودخل في شركة معه وفيه وحده استراح ” (عظة 5:45 ص 338). ” وأن الرب لا يُسر بأحد سوى الإنسان وحده “.
ويقول: [إن الله يكون مدفوعًا بالمحبة والحنان نحو الإنسان، وذلك من ذاته وبالصلاح الطبيعي الخاص به وإذ هو الكلى الصلاح فإنه يلتصق بتلك النفس ويصير معها روحًا واحدًا ” كما يقول الرسول].
وأيضًا يقول عن حنان الله ومحبته الشديدة للإنسان: ” الله غير المحدود… بصلاحه وحنانه الذي يفوق العقل قد أخلى نفسه من مجده الذي لا يُدنى منه ليتمكن من الاتحاد بخلائقه المنظورة مثل نفوس القديسين، وذلك حتى يستطيعوا هم أيضًا أن يشتركوا في حياة اللاهوت ” (عظة 4: 9 ص 51). وأيضًا ” الله من محبته قد أعطى للإنسان أن ينال نار المسيح الإلهية (المحبة) ” (عظة 7 ص 82).
2 ـ الغرض من التجسد أن يجعلنا مشتركين فيه:
يقول: ” الغرض والهدف من مجيء الرب إلينا في التجسد، هو أن يغير نفوسنا ويخلقها خلقة جديدة، ويجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية كما هو مكتوب (2بط 4:1) (عظة 44: 9 ص 333).
3 ـ الرب خلق النفس لكي يصيرها عروسًا له:
يقول: ” فالنفس هي حقًا صنيع إلهي عظيم مملوءٌا عجبًا…. فإنه خلقها لكي يصيرها عروسًا له وتدخل في شركة معه لكيما يلتصق بها ويصير روحًا واحدًا معها كما يقول الرسول ” وأما من ألتصق بالرب ـ فهو روح واحد ” (1كو 17:6) (عظة 46: 5 ص 344).
ويقول أيضًا: [الله لم يقل عن الملائكة، بل عن الطبيعة البشرية ” لنصنع الإنسان على صورتنا كشبهنا “… وأنت قد دُعيت إلى الخلود والتبني والأخوة للملك ولتكون عروسًا للملك. في هذا العالم الذي حولنا كل ما للعريس يصيرُ للعروس، وهكذا ما هو للرب مهما كان فإنه يودعه إياك) (عظة13:16ص175).
+ ويقول أيضًا أن المسيح العريس السماوي هو الذي يخطب النفس لأجل شركته السرية الإلهية (أنظر عظة 15: 2 ص 131).
ثانيًا: اتحاد النفس بالعريس السماوي:
1 ـ النفس لا تجد راحتها إلا في الرب:
فيقول ” أنظركم هي قرابة الإنسان لله فالنفس الحكيمة بعد مرورها على جميع المخلوقات لا تجد راحة لنفسها، إلا في الرب وحده ” (عظة5:45ص338)
2 ـ النفس لا تقنع بالعطايا الروحية بل تريد الشركة الكاملة مع العريس:
فيقول: ” العذراء المخطوبة لرجل تقبل منه هدايا كثيرة قبل الزواج… ولكنها لا تقتنع ولا ترضى بكل هذه الهدايا إلا أن يأتي يوم العرس الذي فيه تصير واحدًا معه. كذلك أيضًا النفس المخطوبة كعروس للعريس السماوي فإنها تنال منه كعربون من الروح مواهب (متعددة)… ولكنها لا تقنع بهذه العطايا بل تترجى الوصول إلى الشركة الكاملة معه والاتحاد به، أي المحبة التي لا تتغير ولا تسقط أبدًا ” (عظة 7:45 ص 339).
3 ـ الرب والنفس يصيران روحًا واحدًا:
” وحينما تلتصق النفس بالرب ويعطف عليها ويحبها ويأتي إليها ويلتصق بها… فإن الرب والنفس يصيران روحًا واحدًا ومزاجًا وعقلاً واحدًا وبينما يكون جسدها مطروحًا على الأرض فإن عقلها يكون في أورشليم السماوية مرتفعًا إلى السماء الثالثة ويلتصق بالرب ويخدمه هناك ” (عظة 3:46ص342).
4 ـ المسيح يزين النفس بالجمال الروحاني ويجعلها كلها نورًا:
” النفس التي تتشبع تمامًا بالجمال الذي لا يُوصف، جمال مجد نور وجه المسيح، وتكون في شركة تامة مع الروح القدس وتنال الامتياز بأن تكون محل سكن الله وعرشًا له فإنها تصير كلها عينًا وكلها نورًا وكلها مجدًا وكلها روحًا، والمسيح الذي يقودها ويرشدها ويحميها ويسندها، هو الذي يصنعها ويجعلها هكذا وينعم عليها ويزينها هكذا بالجمال الروحاني ” (عظة 2:1 ص 24).
5 ـ النفوس الحكيمة بالروح تقدم إشباعا كاملاً للعريس السماوي:
” النفوس التي تطلب تقديس الروح… تعلق حبها كله بالرب وتسير فيه، وفى الربُ تصلى، وبه تنشغل أفكارها، تاركين كل ما هو سواه ولهذا السبب يُحسبون أهلاً لنوال زيت النعمة السماوية وينجحون في عبور هذه الحياة بلا سقوط مقدمين إرضاءًا وإشباعًا كاملاً للعريس السماوي (عظة 6:4 ص 50).
6 ـ المسيح يصير روحًا واحدًا مع الإنسان:
” الله برأفته ومحبته للإنسان لبس أعضاء هذا الجسد متخليًا عن المجد الذي لا يُدنى منه إذ يصير هو بنفسه جسدًا، ويأخذ إليه النفوس المقدسة المرضية الأمينة، ويختلط معها بل يصير معها روحًا واحدًا كما قال الرسول بولس…. حتى أن النفس تستطيع أن تعيش في اتحاد وتتذوق الحياة غير المائتة وتصير شريكة في المجد الذي لا يفسد ” (عظة 10:4 ص 52).
7 ـ حب النفوس الإلهي للمسيح:
+ ” أولئك الذين تساقط عليهم ندى روح الحياة…، وجرح قلوبهم بحب إلهي للمسيح الملك السماوي، وارتبطوا بذلك الجمال وبذلك المجد الفائق الوصف… والغنى الذي يفوق التصور ـ غنى المسيح الحقيقي الأبدي.. وبرغبةٍ يشتاقون نحو ذلك الذي أسرهم بحبه واستعبدهم.. ومن أجله يعتبرون كل بهاء الملوك والرؤساء على الأرض وأمجادهم وكرامتهم وغناهم كلها كلا شيء بالمرة، لأنهم مجرحون بالجمال الإلهي… لذلك فإن شهوتهم موجهة نحو الملك السماوي…. ومن أجله يتخلون عن كل محبة عالمية ” (عظة6:5ص71،72).
+ نار حب المسيح: ويقول أيضًا: [الذين يشتغلون بالشهوة المقدسة شهوة الروح واشتياقه وتجرح نفوسهم بالمحبة الإلهية وتشتعل فيهم النار الإلهية السماوية التي جاء الرب ليلقيها على الأرض… ويلتهبون بالشهوة السماوية للمسيح، هؤلاء يعتبرون كل الأشياء المجيدة والثمينة الخاصة بهذا العالم كأنها أشياء حقيرة وكريهة بسبب نار حب المسيح التي تحصرهم وتشعلهم وتضرمهم ليميلوا بكل قلوبهم إلى الله وإلى خيرات الحب الإلهي. ذلك الحب الذي لا تستطيع كل الأشياء سواء في السماء أو على الأرض أو تحت الأرض أن تفصلهم عنه كما يقول الرسول ” من سيفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق… ” (رو35:8 ـ 39)] (عظة 9:9 ص 93).
+ الالتصاق بالرب وحده: يقول: ” حينما تخصص النفس ذاتها كلها للرب وتلتصق به وحده وتسير بوصاياه وتعطى روح المسيح حقه من الإكرام… فإنها تحسب حينئذٍ أهلاً أن تصير روحًا واحدًا وتركيبًا واحدًا كما يقول الرسول (1كو17:6) ” (عظة 12:9 ص 95).
+ ” النفوس التي تحب الحق وتحب الله وتشتهى برجاءٍ كثير وإيمان أن تلبس المسيح كلية… لا تحتمل ولا إلى لحظة أن تكون محرومة من حبها المشتعل للرب واشتياقها السمائي له.. وإذ يكونون مجروحين بالشوق السماوي وجائعين إلى الفضائل، فإنه يكون لهم رغبة عظيمة لا تنطفأ في اشراق الروح وإنارته “(عظة 1:10 ص 97).
+ شوق روحاني حار إلى العريس السماوي: [بقدر ما يحسبون أهلاً لنوال المواهب الروحية بقدر ذلك يزدادون عطشًا للمواهب السماوية، ويزدادون في طلبها باجتهادٍ وسهرٍ ويزدادون جوعًا وعطشًا إلى شركة النعمة وازديادها… إذ أنهم لا يشبعون من الشوق الروحاني الحار إلى العريس السماوي، كما يقول الكتاب ” الذين يأكلون يعودون إلى جائعين والذين يشربونني يعطشون ” (ابن سيراخ 21:24)] (عظة 1:10 ص 97).
+ ” فمثل هذه النفوس التي تحب الرب حبًا حارًا لا ينطفئ… تُمنح لهم نعمة التحرر من الشهوات وينالون إشراق الروح القدس بالتمام وحضوره الذي يفوق الوصف، والشركة السرية معه في ملء النعمة “.
8 ـ الشركة السرية مع العريس السمائي:
” والنفس التي تحب الله والمسيح حقيقة حتى إذا عملت ربوات من أعمال البر فهي تعتبر ذاتها لم تعمل شيئًا بسبب حبها المشتعل نحو الله… طوال النهار تشتاق وتجوع وتعطش بالإيمان والمحبة وبمداومة الصلاة… وتكون مجروحة بحب حار مشتعل ـ حب الروح السماوي ـ ويتحرك في داخل نفسها باستمرار بالنعمة إلهام وشوق حار للعريس السماوي، راغبة أن تدخل دخولاً كاملاً إلى الشركة السرية الفائقة الوصف معه، بتقديس الروح ” (عظة4:10 ص 99).
9 ـ رؤية العريس السماوي في نور الروح:
” وإذ يرتفع الحجاب عن وجه النفس، فإنها تحدق في العريس السماوي وجهًا لوجه في نور الروح الذي لا يُعبر عنه، وتختلط به بملء الثقة وتتشبه بموته وترقُب دائمًا بشوق عظيم أن تموت لأجل المسيح. وهي تثق بيقين شديد أنها ستنال بقوة الروح انعتاق كامل من الخطية ومن ظلمة الشهوات، حتى إذا ما اغتسلت وتطهرت بالروح، وتقدست نفسًا وجسدًا يسمح لها حينئذٍ أن تكون إناءًا طاهرًا معدًا لاستقبال المسحة السماوية وحلول المسيح الملك الحقيقي، وحينئذٍ تؤهل للحياة الأبدية إذ تكون قد صارت منذ تلك الساعة مسكنًا طاهرًا للروح القدس ” (عظة 4:10 ص 99).
10 ـ شركة النفس مع الروح القدس زيجة روحانية واتحادٌ بالله:
يقول القديس مقاريوس ” الزوجة باتفاقها مع زوجها تصير واحدًا معه لكنهما في لحظة أخرى يفترقان لأنه قد يحدث أن يموت أحدهما ويعيش الآخر. وعلى مثال هذه الشركة تكون شركة الروح القدس مع النفس. فيصيران روحًا واحدًا ” لأن من التصق بالرب فهو روح واحد “. وهذا الأمر يحدث عندما يمتلئ الإنسان بالنعمة فتحيطه من كل ناحية ” (عظة 2:16 ص 166).
الشركة والإتحاد بالله في عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد
انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان
