48 – كيف يتفق قول الكتاب أن الله خلق العالم في ستة أيام، مع آراء علماء الجيولوجيا التي ترجع عمر الأرض إلى آلاف السنين؟
اعلم أن أيام الخليقة ليس أياماً شمسية كأيامنا… بل يوم الخليقة هو حقبة من الزمن لا ندري مداها، قد تكون لحظة من الزمن. وقد تكون آلافاُ أو ملايين من السنين، اصطلح على بدايتها ونهايتها بعبارة “كان مساء وكان صباح”…
والأدلة على ذلك كثيرة نذكر منها:
اليوم الشمسي هو فترة زمنية محصورة ما بين شروق الشمس وشروقها مرة أخرى أو غروب الشمس وغروبها مرة أخرى. ولما كانت الشمس لم تخلق إلا في اليوم الرابع (تك 1: 16-19)… إذن الأيام الأربعة الأولى لم تكن أياماً شمسية، لأن الشمس لم تكن قد خلقت بعد، حتى يقاس بها الزمن.
اليوم السابع لم الكتاب إنه انتهى حتى الآن… لم يقل الكتاب “وكان مساء وكان صباح يوماً سابعاً”. وقد مرت آلاف السنين منذ آدم حتى الآن، دون أن ينقضي هذا اليوم السابع. فعلى هذا القياس، لا تكون أيام الخليقة أياماً شمسية وإنما هي حقب زمنية مجهولة المدى.
وبكلمة إجمالية قال الكتاب عن الخليقة كلها، بأيامها الستة: “هذه مبادئ السماوات والأرض حين خلقت. (يوم) عمل الرب الإله الأرض والسماوات” (تك 2: 4). وهكذا أجمل في كلمة (يوم) أيام الخليقة الستة كلها…
إذن فليقل علماء الجيولوجيا ما يقولون عن عمر الأرض، فالكتاب المقدس لم يذكر عمراً محدداً للأرض يتعارض مع أقوال العلماء. بل إن نظرة الله إلى مقاييس الزمن، يشرحها الرسول بقوله: “إن يوماً واحداً عند الرب كألف سنة.
وألف سنة كيوم واحد” (2بط 3: 8). متى خلق النور؟ سؤال ورد في سفر التكوين أن الله خلق النور في اليوم الأول (تك 1: 3). بينما ورد إنه خلق الشمس والقمر والنجوم في اليوم الرابع (تك 1: 14-18). فما الفرق بين الأمرين؟ ومتى خلق النور: في اليوم الأول، أم في اليوم الرابع؟ الجواب خلق الله النور في اليوم الأول، حسبما قال الكتاب. ولكن أي نور؟ إنه مادة النور. كتلة النار المضيئة التي صنع منها الله في اليوم الرابع الشمس والقمر والنجوم. وفي هذا اليوم الرابع أيضاً وضع الله قوانين الفلك والعلاقات الثابتة بين هذه الأجرام السماوية…
47 – نحن نعلم أن موسى النبي هو كاتب الأسفار الخمسة الأولى (التوراة). ولكن ما إثبات هذا؟
الأسفار الخمسة من الكتاب المقدس تسمى التوراة وأيضاً Pentateuch وواضح من الكتاب نفسه، أن موسى النبي قد كتبها. موسى النبي كتب الأسفار الخمسة كلها ما عدا خبر وفاته طبعاً (تث 34: 5-12). فهذه الفقرة الأخيرة من سفر التثنية، كتبها تلميذه وخليفته يشوع. وكان يمكن أن ترد في أول سفر يشوع الذي بدأ بعبارة “وكان بعد موت موسى عبد الرب…” (يش 1: 1). ولكن رؤي من الأفضل أن يكتب خبر موت موسى ودفنه في آخر الأسفار الخمسة، استكمالاً لتاريخ تلك الفترة التي تشمل حياة موسى النبي وعمله، وهو أشهر نبي في تاريخ العهد القديم كله.
أما كتابة موسى لكل أسفار التوراة فواضح. والأدلة عليه كثيرة من نصوص العهد القديم والعهد الجديد. ومنها:
الله أمر موسى بكتابة الشريعة والأحداث: إن الله يأمر موسى بكتابة الأحداث الجارية وبكتابة الشريعة، فمن ذلك ما حدث بعد هزيمة عماليق، إذ ورد في سفر الخروج: “وقال الرب لموسى اكتب هذا تذكاراً في الكتاب، وضعه في مسامع يشوع” (خر 17: 4). وبعدما أعطى الله الشريعة لموسى أمره بكتابتها: “وقال الرب لموسى اكتب لنفسك هذه الكلمات قطعت عهداً معك ومع إسرائيل” (خر 34: 7). وكثيراً ما كان الرب يأمر موسى بكتابة وصايا الناموس كما ورد في (تث 27: 8).
موسى نفذ أمر الله وكتب: ورد في سفر العدد عن تحركات بني إسرائيل “وكتب موسى هذه التوراة، وسلمها للكهنة بني لاوي حاملي تابوت عهد الرب ولجميع شيوخ إسرائيل” (تث 31: 9). وورد أيضاً: “فعندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها، أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلاً: خذوا كتاب التوراة هذا، وضعوه بجانب تابوت عهد الرب…” (تث 31: 24-26).
شهد المسيح أن موسى كتب التوراة: في مناقشة السيد المسيح لليهود، قال لهم: “لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني، لأنه هو كتب عني، فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك، فكيف تصدقون كلامي” (يو 5: 46). وفي رده على الصدوقيين الذين ينكرون قيامة الأموات، قال لهم: وأما من جهة الأموات أنهم يقومون، أفما قرأتم في كتاب موسى في أمر العليقة كيف كلمه الله قائلاً: “أنا إله إبراهيم وإله اسحق، وإله يعقوب” (مر 12: 26). وفي مقابلته لتلميذي عمواس بعد قيامته، يقول الكتاب: “ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب” (يو 24: 27).
وشهد الرسل والأنبياء أن موسى هو كتابتها: ورد في إنجيل يوحنا أن فيلبس وجد نثنائيل، وقال له: “وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء” (يو 1: 45). وبولس الرسول يشهد بكتابة موسى للتوراة فيقول في رسالته إلى أهل رومية (10: 5) “لأن موسى يكتب في البر الذي بالناموس إن الإنسان الذي يفعلها سيحيا بها”. وفي رسالته الثانية إلى كورنثوس (3: 15) يقول عن اليهود “لكن حتى اليوم حين يقرا موسى (أي التوراة) البرقع موضوع على قلوبهم”.
ويعقوب الرسول يقول في مجمع أورشليم “لأن موسى منذ أجيال قديمة له في كل مدينة من يكرز به، إذ يقرأ في المجامع كل سبت” (أع 15: 21). وإبراهيم أبو الآباء يشهد بذلك في كلامه مع الغني الذي لم يحسن إلى لعازر المسكين (لو 19: 26) “وقال له إبراهيم: عندهم موسى والأنبياء ليسمعوا منهم…” ويقصد كتب موسى والأنبياء.
وشهد اليهود بهذا أيضاً أمام المسيح: إذ جاء قوم من الصدوقيين إلى المسيح قائلين: “يا معلم، كتب لنا موسى إن مات لأحد أخ وترك امرأة ولم يخلف أولاداً، أن يأخذ أخوه امرأته ويقيم نسلاً لأخيه” (مر 12: 19).
وسميت التوراة شريعة موسى، أو ناموس موسى: قال السيد المسيح لليهود: “فإن كان الإنسان يقبل الختان في السبت لئلاً ينقض ناموس موسى، أفتسخطون عليّ لأني شفيت إنساناً كله في السبت” (يو 7: 23). وقيل عن السيدة العذراء “ولما تمت أيام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا به إلى أورشليم ليقدموه للرب” (لو 2: 22). وقال بولس الرسول في رسالته إلى العبرانيين (10: 28) “من خالف ناموس موسى فعلى شاهدين أو ثلاث شهود يموت بلا رأفة”.
وقال في رسالته الأولى إلى كورنثوس (9:9) “فإنه مكتوب في ناموس موسى لا تكم ثوراً دارساً” وفي نقاشه مع اليهود يقول سفر أعمال الرسل (28: 23) “فطفق يشرح لهم شاهداً بملكوت الله ومقنعاً إياهم من ناموس موسى والأنبياء”. ويوحنا الرسول يقول “لأن الناموس بموسى أعطي” (يو 1: 17). اقرأ أيضاً (أع 13: 39؛ 15: 5؛ 26: 22؛ يو 7: 19).
تنسب لموسى أقوال الله التي فاه بها موسى: قال السيد المسيح: “لأن موسى قال أكرم أباك وأمك، ومن يشتم أباً أو أماً فليمت موتاً” (مر 7: 10). وقال اليهود “موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن هكذا” (مر 19: 7). وقال للأبرص “أر نفسك للكاهن وقدم القربان الذي أمر به موسى شهادة لهم” (مت 8: 4). وقال اليهود للمسيح عندما قدموا له المرأة الزانية: “موسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه ترجم” (يو 8: 5).
موسى هو أنسب شخص للكتابة: إن موسى النبي هو أكثر الأشخاص صلة بالحوادث. وتوجد أشياء خاصة به وحده مثل ظهور الرب له في العليقة. وكلام الرب معه على الجبل، والوصايا التي أعطاها له والتفاصيل العديدة الخاصة بأوصاف خيمة الاجتماع. ولا شك أن موسى هو أقدر إنسان على كتابة التوراة، لأنه هو الذي أقام أربعين يوماً على الجبل. يسمع منه جميع ما أوصاه به. وليس الأمر قاصراً على الأربعين يوماً، بل كان يكلمه من باب خيمة الاجتماع. ونقرأ في أول سفر اللاويين: “ودعا الرب موسى وكلمه من خيمة الاجتماع قائلاً: كلم بني إسرائيل وقل لهم….” (لا 1: 1، 2؛ 1: 4؛ 1: 6، 8، 19، 24). ولا شك أن موسى كان يعرف الكتابة والقراءة طبعاً، فهو قد تهذب بكل حكمة المصريين” (أع 7: 22).
46 – من هم الثلاثة الذين استضافهم أبو الآباء إبراهيم في (تك 18)؟ وهل هم الثالوث القدوس؟ وهل سجوده لهم دليل ذلك؟ ولماذا كان يكلمهم أحياناً بأسلوب الجمع وأحياناً بأسلوب المفرد؟ هل هذا يدل على الثالوث والتوحيد؟
لا يمكن أن نقول إن هؤلاء الثلاثة كانوا الثالوث القدوس…. لأن الثالوث ليس فيه هذا الانفصال الواضح. فالابن يقول: “أنا والآب واحد” (يوحنا 10: 30). ويقول “أنا في الآب، والآب فيّ. من رآني فقد رأى الآب” (يوحنا 14: 9، 10). كذلك قيل عن الآب “الله لم يره أحد قط” (يوحنا 1: 18). أما سجود إبراهيم، فكان هنا سجود احترام، وليس سجود عبادة. وقد سجد إبراهيم لبني حث لما اشترى منهم مغارة المكفيلة (تك 23: 7).
ولو كان إبراهيم يعرف أنه أمام الله، ما كان يقدم لهم زبداً ولبناً وخبزاً ولحماً، ويقول: “اتكئوا تحت الشجرة. فأخذ كسرة خبز، فتسندون قلوبكم ثم تجتازون” (تك 18: 5-8). أما الثلاثة، فكانوا الرب ومعه ملاكان… الملاكان بعد المقابلة ذهبا إلى سدوم (تك 18: 16-22؛ 19: 1). وبقي إبراهيم واقفاً أمام الرب (تك 18: 22)، وتشفع في سدوم (تك 18: 23). ولما رأى أبونا إبراهيم من باب خيمته هؤلاء الثلاثة، لم يكونوا طبعاً في بهاء واحد، ولا في جلال واحد، وكان الرب بلا شك مميزاً عن الملاكين في جلاله وهيبته.
ولعل الملاكين كانا يسيران خلفه. ولهذا كان أبونا إبراهيم يكلم الرب بالمفرد، باعتباره ممثلاُ لهذه المجموعة…. وهكذا يقول له: “يا سيد، إن كنت قد وجدت نعمة في عينك، فلا تتجاوز عبدك. ليؤخذ قليل ماء، واغسلوا أرجلكم، واتكئوا تحت الشجرة”، أي: أسمح يا سيد للاثنين الذين معك، فيؤخذ قليل ماء واغسلوا أجلكم. من أجل هذا السبب، كان أبونا إبراهيم يتكلم أحياناً بالمفرد، ويخاطبهم أحياناً بالجمع. مثلما يقابلك ضابط ومعه جنديان، فتكلم الضابط عن نفسه وعن الجنديين في نفس الوقت… قلنا إن الثلاثة كانوا الرب ومعه ملاكان، وقد ذهب الملاكان إلى سدوم (تك 19: 1). وبقي الثالث مع إبراهيم… واضح أن هذا الثالث كان هو الرب.
والأدلة هي: إنه الذي قال لإبراهيم “إني أرجع إليك نحو زمان الحياة، ويكون لسارة امرأتك ابن” (تك 18: 10). بل إن الكتاب يقول صراحة في نفس الأصحاح أنه هو الرب. في عبارات كثيرة منها: فقال الرب لإبراهيم “لماذا ضحكت سارة” (تك 18: 13). فقال الرب: “هل أخفي على إبراهيم ما أنا فاعله” (تك 18: 17). وقال الرب: إن صراخ سدوم وعمورة قد كثر… ” (تك 18: 20). “وانصرف الرجال من هناك، وذهبوا نحو سدوم. أما إبراهيم فكان لم يزل قائماً أمام الرب” (تك 18: 22).
وقول إبراهيم “أديان الأرض كلها لا يصنع عدلاً” يدل بلا شك على أنه كان يكلم الله وكذلك باقي كلام تشفعه في سدوم، واسلوبه “عزمت أن أكلم المولى، وأنا تراب ورماد”. وكذلك أسلوب الرب “إن وجدت في سدوم خمسين باراً…
فإني أصفح عن المكان كله من أجلهم “لا أفعل إن وجدت ثلاثين، ولا أهلك من أجل العشرة”…. واضح أنه كلام الله الذي له السلطان أن يهلك وأن يصفح… أما الاثنان الآخرين، فهما الملاكان اللذان ذهبا إلى سدوم. كما هو واضح من النصوص (18: 16، 22؛ 19: 1). وقصتهما مع أبينا لوط معروفة (تك 19). وكون الثلاثة ينفصلون، دليل على أنهم ليسوا الثالوث القدوس… الاثنان يذهبان إلى سدوم. ويظل الثالث مع إبراهيم يكلمه في موضوع إعطاء سارة نسلاً، ويسمع تشفعه في سدوم. هذا الانفصال يليق بالحديث مع الرب وملاكين، وليس عن الثالوث…
المعمودية في الديانة المسيحية هي سر إلهي من أسرار الكنيسة ويتوجب على كل مسيحي أن يعتمد كختم لإيمانه. وتعتبر المعمودية أمراً هاماً لأنها تأتي ضمن المأمورية العظمى التي أعطاها المسيح لتلاميذه حين قال: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” (متى 28: 19-20).
* ما هو أساس المعمودية، وهل كانت معروفة قبل الديانة المسيحية؟
– إن كلمة “معمودية” بحد ذاتها تعني (اغتسالاً أو تطهيراً) يحمل طابعاً دينياً، وإن بعض أنواع الاغتسال بقصد التطهير كانت معروفة في العهد القديم وهي مذكورة في الكتاب المقدس فنقرأ عن قصة نعمان السرياني، رئيس جيش ملك آرام أنه كان مصاباً بالبرص وجاء إلى النبي أليشع ليشفيه من برصه، فأرسل إليه أليشع رسولاً يقول له، اذهب واغتسل سبع مرات في نهر الأردن (2ملوك 5). وقد ورد في المزمور 51 مثلاً قول داود النبي في تضرعه إلى الله (طهرني بالزوفا فأطهر، اغسلني فأبيض أكثر من الثلج).
* معمودية يوحنا المعمدان الذي كان يمهد الطريق أمام المسيح؟
– ادخل يوحنا، الذي أرسل من الله ليمهد الطريق أمام المسيح، طقس المعمودية، وكان يعمد الناس في نهر الأردن داعياً إياهم إلى التوبة والإيمان بالمسيح المنتظر وكان يقول “توبوا لأنه قد اقترب ملكوت الله” (مرقص 1: 4). لذلك فإن معمودية يوحنا هي (معمودية التوبة لمغفرة الخطايا والاستعداد لملكوت الله الآتي).
* ما علاقة معمودية يوحنا بالعهد الجديد من الكتاب المقدس؟
– معمودية يوحنا هي مقدمة فقط لعصر الخلاص الآتي في المسيح. فلما جاء المسيح أتم معمودية يوحنا. ويقول يوحنا المعمدان نفسه في إنجيل متى “أنا أعمدكم بماء للتوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني…. هو سيعمدكم بالروح القدس ونار” (متى 3: 11). ويصعب تحديد الوقت الذي فيه بدأت المعمودية المسيحية، وإنما بدأت زمن المسيح، بقول البشير يوحنا في إنجيله “وبعد هذا جاء يسوع وتلاميذه إلى أرض اليهودية ومكث معهم هناك وكان يعمد وكان يوحنا أيضاً يعمد في عين نون” (يوحنا 2: 22-23).
* هل أمر المعمودية ضروري بالنسبة للمسيحي؟
– نعم، ففي أمر المعمودية قال يسوع لتلاميذه “فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (متى 28: 19) والمعمودية ليست مجرد ماء فقط، بل هي الماء المضمون بوصية الله، والمرتبط بكلمته “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم…”. إن “المعمودية” هي طقس الغسل بالماء للتطهير الديني، وكانت معروفة عند اليهود كما نفهم من الكتاب المقدس (خروج 29: 4؛ 30: 20) إذ أنه جعل التعميد بالماء باسم الثالوث الأقدس علامة على التطهير من الخطية والنجاسة، وعلامة الانتساب رسمياً إلى كنيسة المسيح.
أي أن المعمودية في العهد الجديد حلت محل الختان في العهد القديم، وكلاهما علامة على العهد ويصرح الله للمعتمد بواسطة هذه العلامة بغفران الخطايا ومنح الخلاص. أما المعتمد فيتعهد، هو أو المسؤولون عنه، بالطاعة لكلمة الله والتكريس لخدمته (أعمال 2: 21؛ رومية 6: 3) أي أن المعمودية تختم وتشهد على اتحاد المؤمنين بالله والبنوة وغفران الخطايا بموت المسيح وقيامته. إلا أن المعمودية ليس في حد ذاتها سبباً للتجديد والولادة الثانية والخلاص.
فكرنيليوس مثلاً حل عليه الروح القدس وقبل الإيمان من قبل أن يعتمد (أعمال 10: 44-48)، وسيمون الساحر اعتمد ومع ذلك ظل إنساناً عتيقاً وأخطأ في عيني الرب (أعمال 8: 13، 21-23). وقد اختلفت وجهات نظر المسيحيين حول المعمودية، وكان الجدال حول قضيتين: نوع المعمودية، ومعمودية الأطفال أو الكبار.
فقد قال بعض المسيحيين أن المعمودية لا تصح إلا بتغطيس الإنسان كاملاً تحت الماء لأنها تشير إلى أن المعتمد دفن مع المسيح وقام معه بناء على الآية القائلة “أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته، فدفنا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة” (رومية 6: 3-4) أو بتغطيسه ثلاث مرات على اسم الثالوث الأقدس وليس مرة واحدة، كما قال البعض.
إلا أن أغلبية المسيحيين تكتفي برش الماء على الوجه، لأن المقصود من وضع الماء هو الإشارة إلى غسل الروح القدس. لذلك فإن كمية الماء غير مهمة في الموضوع. وقال بعض المسيحيين أنه لا لزوم لتعميد الأطفال، وأن الاعتماد للمؤمنين فقط، أي الذين تعدوا مرحلة الطفولة وبلغوا سن الرشد، بحيث يمكن لهم فهم الخلاص والاعتراف بالتوبة بناء على الآية التالية “من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن” (مرقص 16: 16) إلا أن أغلبية المسيحيين تعتبر معمودية الصغار واجبة ما داموا أطفالاً لمؤمنين.
وذلك علامة على الميثاق بين الله وبينهم. أما معمودية الروح القدس والنار فإنها رمز لانسكاب الروح القدس على الرسل في يوم الخمسين. كانت هذه بعض الأفكار العامة عن المعمودية قبل المسيحيين وبعدها.
* ماذا تعلم الكنيسة من الناحية الكتابية بخصوص المعمودية بشكل عام؟ طبيعتها، معناها، مغزاها، وبركتها؟
أولاً: طبيعة المعمودية
ما هي المعمودية؟ المعمودية ليس مجرد ماء، بل هي الماء المقصود بوصية الله والمرتبط بكلمته.
ما هي كلمة الله هذه؟ هي ما يقوله ربنا يسوع المسيح في الأصحاح الأخير من إنجيل متى: اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس.
* ما معنى كلمة “يعمد”؟
– كلمة “يعمد” تعني استعمال الماء بواسطة الاغتسال (أو الغسل) السكب، الرش، أو التغطيس. “قم واعتمد واغسل خطاياك داعياً باسم الرب” (أعمال الرسل 22: 16)، “هو سيعمدكم بالروح القدس ونار” (متى 3: 11).
* لماذا لا تعتبر المعمودية مجرد ماء فقط؟
– إن المعمودية ليست مجرد ماء فقط:
لأنه في المعمودية يستعمل الماء حسب أمر الله الخاص.
لأن الماء يستعمل باسم الآب والابن والروح القدس، لهذا فإنه يرتبط بكلمة الله.
* من رتب سر المعمودية المقدسة؟
– إن الله نفسه رتب سر المعمودية المقدسة، لأن المسيح وهو الله أمر كنيسته أن تعمد جميع الأمم.
قال يسوع “دفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” (متى 18: 18-20).
* بواسطة من تقوم الكنيسة بخدمة المعمودية؟
– تقوم الكنيسة بخدمة المعمودية بواسطة خدام المسيح المدعوين. ولكن في الحالات الطارئة، وفي غياب راعي الكنيسة، يحق لأي مسيحي أن يعمد. “هكذا فليحسبنا الإنسان كخدام المسيح ووكلاء سرائر الله” (1كورنثوس 4: 1).
* إلى ماذا تشير الكلمات “عمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس”
– تشير إلى أنني بواسطة المعمودية قبلت في شركة الثالوث الأقدس.
* من يجب أن يعتمد؟
– يجب أن يعتمد جميع الأمم، أي كل البشر، الصغار والكبار على السواء.
* ما هو التمييز الذي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار في المعمودية؟
– على البالغين الذين يتمكنون من الحصول على الإرشاد والتعلم أن يعتمدوا بعد دراستهم العقائد الأساسية للديانة المسيحية. “فقبلوا كلامه بفرح واعتمدوا” (أعمال الرسل 2: 41).
– يجب أن يعمد الأطفال عندما يقدمون لقبول سر المعمودية بواسطة أولياء أمورهم. “وأنتم أيها الآباء لا تغيظوا أولادكم بل ربوهم بتأديب الرب وإنذاره”. (أفسس 6: 4)
* كيف تبرهن بأنه يجب تعميد الأطفال أيضاً؟
– يجب تعميد الأطفال أيضاً:
لأن كلمة جميع تشملهم. “فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (متى 28: 29)، “فقال لهم بطرس، توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس. لأن الموعد هو لكم ولأولادكم” (أعمال 2: 38، 39).
لأن المعمودية هي عادة الوسيلة الوحيدة التي يمكن بواسطتها للأطفال الذين يجب أن يولدوا ثانية أيضاً، أن يحصلوا على التجديد ويؤتى بهم إلى الإيمان. “وقدموا إليه أولاداً لكي يلمسهم، وأما التلاميذ فانتهروا الذين قدموهم. فلما رأي يسوع ذلك اغتاظ وقال لهم: “دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله. الحق أقول لكم، من لا يقبل ملكوت الله مثل طفل فلن يدخله” (مرقص 10: 13-15).
لأن الأطفال أيضاً يمكن أن يؤمنوا. “ومن أعثر أحد هؤلاء الصغار بي فخير له أن يعلق في عنقه حجر رحى يغرق في لجة البحر” (متى 18: 6).
ثانياً: بركات المعمودية
* ما هي فائدة المعمودية؟
إنها تعمل على غفران الخطايا، تنجي من الموت والشرير وتمنح الخلاص الأبدي لكل الذين يؤمنون بذلك، كما هو معلن في كلام الله ووعوده المشار إليها. يقول السيد المسيح في الأصحاح الأخير من إنجيل مرقص: “من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن.
* ما هي الفوائد العظيمة التي تمنحها المعمودية؟
إنها تعمل على غفران الخطايا. “توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا” (أعمال 2: 38)، “لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح” (غلاطية 3: 26، 27).
إنها تنجي من الموت والشرير. “أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته” (رومية 6: 3)
إنها تمنح الخلاص الأبدي. “من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن” (مرقص 16: 16)، “الذي مثاله يخلصنا نحن الآن، أي المعمودية” (1بطرس 3: 21).
* ولكن ألم يحصل المسيح على هذه البركات لأجلنا؟
– بكل تأكيد إن المسيح بواسطة آلامه وموته حصل على كل هذه البركات لأجلنا ولكن المعمودية هي وسيلة تؤدي عن طريق عمل الروح القدس إلى جعل البركات ملكاً لنا “لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح” (غلاطية 3: 26، 27)، “لأنكم اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كورنثوس 6: 11).
* لمن تمنح المعمودية كل هذه البركات؟
– تمنح هذه البركات لكل من يؤمن، كما هو معلن في كلام الله ووعوده “كل من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن”
* هل يمكن أن يخلص أحد بدون المعمودية؟
– إن عدم الإيمان فقط يقود إلى الدينونة فمع أن الإيمان الذي يخلص لا يمكن أن يكون موجوداً في قلب شخص لم يتمكن من الحصول على المعمودية لسبب ما.
ثالثاً: قوة المعمودية
كيف يمكن للماء أن يقوم بأعمال عظيمة كهذه؟ بالحقيقة أن الماء لا يفعل ذلك، بل كلمة الله الحالة في الماء والفعالة فيه، والإيمان الذي يجعل المؤمن يثق بأن هذه الكلمة حالة في الماء. لأن الماء بدون كلمة الله هو مجرد ماء عادي وليس معمودية.
ولكن الماء بحلول كلمة الله فيه هو معمودية، أي ماء النعمة للحياة وغسل الميلاد الثاني بالروح القدس، حسب قول بولس الرسول إلى تيطس في الأصحاح الثالث: “بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس الذي سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلصنا، حتى إذا تبررنا بنعمته نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية، صادقة هي الكلمة”
* كيف يمكن الحصول على مغفرة الخطايا والنجاة من الموت والشرير وعلى الحياة الأبدية بواسطة المعمودية؟
– إن كلمة الله تضع هذه البركات العظيمة في المعمودية، وبواسطة الإيمان الواثق بكلمة الوعد هذه نقبل البركات التي تمنحها المعمودية: المغفرة، الحياة والخلاص، ونجعلها ملكاً لنا. “أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم نفسه من أجلها لكي يقدسها مطهراً إياها بغسل الماء بالكلمة” (أفسس 5: 25، 26).
* لماذا يدعو الكتاب المقدس المعمودية غسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس؟
– في المعمودية، يحرك الروح القدس الإيمان، وهكذا يخلق فينا حياة روحية جديدة
رابعاً: مغزى المعمودية بالماء
إلى ما تشير المعمودية بالماء؟ تشير إلى أن آدم العتيق فينا يجب أن يغرق ويموت مع جميع الخطايا والشهوات الشريرة، بالتوبة والندامة اليومية، وأن يولد فينا يومياً إنسان جديد يحيا أمام الله بالبر والطهارة إلى الأبد.
أين دون ذلك؟
يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية الأصحاح السادس: “فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة”.
* ما المقصود بآدم العتيق؟
– آدم العتيق هو الطبيعة الخاطئة التي ورثناها بسقوط آدم وتولد معنا. “أن تخلعوا من جهة التصرف السابق الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور” (أفسس 4: 22).
* كيف نغرق (نميت) آدم العتيق فينا؟
– نميت آدم العتيق فينا عن طريق الندامة اليومية (الندم على الخطية) والتوبة (الإيمان) وبواسطتهما نستطيع مقاومة الشهوات الشريرة والتغلب عليها.
* ما المقصود بالإنسان الجديد؟
– الإنسان الجديد هو الحياة الروحية الجديدة التي خلقت فينا بواسطة غسل الميلاد الثاني. “إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة” (2كورنثوس 5: 17).
* كيف يولد هذا الإنسان الجديد وينمو؟
-إن الإنسان الجديد يولد وينمو طالما نتغلب على الخطية يومياً ونحيا في القداسة الحقة. “وتلبس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق” (أفسس 4: 24).
* كيف تمثل المعمودية بالماء الموت اليومي للإنسان العتيق وولادة الإنسان الجديد؟
– بواسطة المعمودية نصبح شركاء في المسيح. ونحن الذين اعتمدنا، علينا أن نتوب يومياً عن جميع الخطايا، ونتجنب كل شر ونسير في جدة الحياة.
* من نرفض إذاً عند معموديتنا؟
– عند معموديتنا، نرفض الشيطان وكل أعماله وطرقه.
* ما هو الوعد أو العهد الذي نقطعه على أنفسنا عند المعمودية؟
– عند المعمودية نعد ونتعهد أن نخدم الثالوث الأقدس (الإله المثلث الأقانيم) وحده دون سواه.
يؤمن المسيحيون أن الله موجود وهو الخالق العظيم خالق الكون وما فيه، الذي يملأ السماوات والأرض، الأزلي الذي لا بداءة له والذي لا نهاية له، غير المحدود في قدرته وسلطانه وفي علمه وحكمته. إن العقل السليم يستطيع أن يعرف وجود الله ولكنه يعجز عن معرفة ذاته وحقيقته، وكيانه وجوهره، لأن الله أعظم من أن يحيط به عقل الإنسان المخلوق المحدود. لذا لزم الإعلان الإلهي، لأنه لو لم يعلن الله عن ذاته لنا لما أمكننا أن نعرفه.
إن الله واحد، لا إله إلا هو. وإليك بعض الشواهد من الكتاب المقدس:
“فاعلم اليوم وردد في قلبك أن الرب هو الإله في السماء من فوق وعلى الأرض من أسفل ليس سواه” (تثنية 4: 39).
“أنا الرب صانع كل شيء ناشر السماوات وحدي باسط الأرض. من معي؟” (أشعيا 44: 24).
“أليس أب واحد لكلنا، أليس إله واحد خلقنا؟” (ملاخي 2: 10)
“فقال له الكاتب جيداً يا معلم، بالحق قلت لأن الله واحد وليس آخر سواه” (مرقص 12: 32).
“كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجداً بعضكم من بعض والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه” (يوحنا 5: 44).
“أنت تؤمن أن الله واحد، حسناً تفعل” (رسالة يعقوب 2: 19).
” لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد” (1تيموثاوس 2: 5).
ولكن وحدانية الله تختلف عن وحدانية الإنسان فوحدانية الإنسان تجعله محدوداً لا يمكنه أن يوجد في مكانين في نفس الوقت. ولكن الله غير محدود، ولذلك هو في كل مكان. وكذلك جسد الإنسان محدود وخاضع لقوانين الطبيعة التي حددها الله وجعل مخلوقاته خاضعة لها. ولكن الله الذي خلق كل شيء وحدد هذه القوانين لمخلوقاته، ليس هو خاضعاً لهذه القوانين. فإن أراد الله أن يكون في السماء، وفي نفس الوقت يأتي إلى هذه الأرض في جسد إنسان، هل هناك من يستطيع أن يمنعه؟
يحكي لنا التاريخ عن ملوك لبسوا ملابس الفقراء وذهبوا إلى بيوت الفقراء ليتكلموا معهم وليحسنوا إليهم دون أن يخيفوهم ونحن نعجب بمثل هؤلاء. فإن أراد الله أن يأتي كإنسان ليزور الإنسان، هل هناك من يستطيع أن يمنعه؟ كلا… وهذا هو ما حدث فعلاً. يقول الكتاب المقدس: “عظيم هو سر التقوى، الله ظهر في الجسد”. ويقول أيضاً: “الكلمة (لقب من ألقاب المسيح) صار جسداً وحل بيننا.
فالقول بأن المسيح ابن الله لا يعني أن الله اتخذ زوجة أو صاحبة، لأن الله ليس إنساناً مثلنا، وهو لا يلد. بل يقول الكتاب المقدس أن الله روح “فبنوة المسيح هي بنوة روحية”. هي علاقة تفوق إدراك العقل البشري. ولكنها حقيقة أكيدة. حين قال الملاك جبرائيل للعذراء مريم: “ها أنت ستحبلين وتلدين ابن وتسمينه يسوع، هذا يكون عظيماً، وابن العلي يدعى” (لوقا 1: 31، 32)، “قالت مريم للملاك: كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً؟ فأجابها الملاك وقال لها: الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك، فلذلك القدوس المولود منك يدعى ابن الله” (لوقا 1: 34-36).
وكذلك لما كان المسيح مع يوحنا المعمدان وهو المسمى أيضاً يحيى ابن زكريا انفتحت السماء وجاء عليه صوت من السماء قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت (متى 3: 17). وهذا ما حدث مرة أخرى حين كان المسيح على الجبل مع ثلاثة من تلاميذه (انظر متى 17: 5).
والكتاب المقدس يعلمنا في أماكن كثيرة أن المسيح جاء من السماء وصار إنساناً من أجلنا لكي يحتمل عقاب خطايانا. ومتى اعترفنا بخطايانا وآمنا به، وقبلناه في قلوبنا، ننال غفران الخطايا والحياة الأبدية. لذلك يقول الكتاب المقدس: “هكذا أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية”. وليس هناك مؤمن يقول إن الله اتخذ زوجة وولد ولداً، لأن مثل هذا الكلام هو نوع من الكفر والتجديف ضد الله. فالمسيح هو ابنه بنوة روحية، نؤمن بها، لأن الله أعلنها لنا، ولو أنها تفوق العقل البشري.
هل كان صلب المسيح ضرورياً ولماذا ترك المسيح اليهود يصلبونه، ألم يكن بإمكانه أن يخلص نفسه منهم؟
تشير تعاليم الإنجيل المقدس إلى أن صلب المسيح كان ضرورياً لخلاص الجنس البشري من الخطية. فعدالة الله تقضي أن “النفس التي تخطئ هي تموت” (حزقيال 18: 20) لذلك كان موت المسيح على الصليب بدلاً عن الخطاة، ولهذا فإن صلب المسيح يعتبر عملاً كفارياً.
* ولكن لماذا كان صلب المسيح وموته ضروريين لتبرير الخطاة؟
للإجابة على هذا السؤال بوضوح لا بد من الرجوع إلى جذور الموضوع. فمنذ سقوط الإنسان الأول في الخطية، وعد الله بإرسال مخلص يخلص الناس من شرورهم وفسادهم، ويكون من نسل المرأة.
ونقرأ في سفر التكوين من الكتاب المقدس أنه بعد ما خلق الله آدم وحواء ووضعهما في جنة عدن، أوصاهما أن يأكلا من كل شجر الجنة ما عدا شجرة معرفة الخير والشر. ولكن آدم وحواء عصيا أمر الله.
وبسبب عصيانهما، صدر الحكم العادل عليهما وعلى الحية التي أغرتهما، فقال الرب الإله للحية، لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية. على بطنك تسعين، وتراباً تأكلين كل أيام حياتك. وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها، هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه” (تكوين 3: 14) ومن هنا بدأت خطية الإنسان، فأصبح الناس يتوارثون الخطية التي ورثوها أصلاً عن أبويهم آدم وحواء. ويشير الكتاب المقدس إلى أن كل الناس خطاة فيقول:
الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله (رومية 3: 23) ونقرأ أيضاً في رسالة رومية “من أجل ذلك، كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع” (رومية 5: 12) وبما أن الجميع خطاة لا يستطيعون تتميم وصايا الله وناموسه، فق حاول البعض منهم في العهد القديم التكفير عن خطاياهم بطرق مختلفة.
* وما هي تلك الطرق التي حاول الناس قديماُ بواسطتها التكفير عن خطاياهم؟
بالرجوع إلى العهد القديم من الكتاب المقدس نلاحظ أن الذبائح كانت تقدم لله للتكفير عن خطايا الناس. وكانت تقدم بطرق مختلفة. فنوح قدم ذبائح لله كما يقول الكتاب المقدس: “وبنى نوح مذبحاً للرب؛ وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة وأصعد محرقات على المذبح” (تكوين 8: 20). ونلاحظ أن النبي موسى أيضاً قال لفرعون ملك مصر قديماً، عندما لم يرد أن يعطيه ماشية بني قومه “أنت تعطي أيضاً في أيدينا ذبائح ومحرقات لنصنعها للرب إلهنا، فتذهب مواشينا أيضاً معنا” ونقرأ في سفر اللاويين ما يلي:
“إذا أخطأ رئيس وعمل بسهو واحدة من جميع مناهي الرب إلهه التي لا ينبغي عملها وأثم؛ ثم أعلم وخطيته التي أخطأ بها، يأتي بقربانه تيساً من المعز ذكراً صحيحاً؛ ويضع يده على رأس التيس ويذبحه في الموضع الذي يذبح فيه المحرقة أمام الرب؛ إنه ذبيحة خطيه” (لاويين 4:24) والجدير بالذكر أن الذبائح والقرابين ترجع إلى عهد بعيد جداً حينما قدم قايين وهابيل ولدا آدم وحواء ذبائحهما لله (تكوين 4: 3) كما أن المؤمنين في العهد القديم اعتادوا أن يقدموا لله ذبائح؛ كل بيت يقدم حمال، أي خروف بلا عيب.
* وما علاقة هذه الذبائح بموت المسيح؟
إن تلك الذبائح والحملان كانت تقدم للتكفير عن الخطايا، ولكنها في الوقت نفسه كانت تشير إلى المسيح، والذي هو حمل الله، والذي تنبأ عنه أنبياء العهد القديم بأنه مسيح الله الذي وعد بإرساله ليضع حداً لعهود الذبائح والمحرقات، ويفتدي العالم بذبيحة واحدة هي المسيح. ويشير الكتاب المقدس إلى المسيح بقوله: “هو ذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يوحنا 1: 29).
ويقول أيضاً، إن الرب أعد المسيح ليكون ذبيحة تبطل ذبائح العهد القديم. فنقرأ ما يلي: “اسكت قدام السيد الرب لأن يوم الرب قريب، لأن الرب قد أعد ذبيحة قدس مدعويه” (صفنيا 1: 7) وقد تمت هذه الذبيحة بموت المسيح على الصليب، فالمسيح نفسه الذي مات على الصليب هو الذبيحة المشار إليها.
وهل هناك تأكيدات في الكتاب المقدس تشير إلى أن موت المسيح كان يقصد خلاص الجنس البشري من الخطيئة؟
الكتاب المقدس مليء بالتأكيدات التي تشير إلى ذلك. نقتبس منها ما يلي: “الذي جمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة، لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر، الذي بجلدته شفيتم” وأيضاً قوله: “لأنه هكذا أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية” (يوحنا 3: 16) وهكذا علينا أن ندرك أن في عملية صلب المسيح التي كانت بترتيب الله، تمت المصالحة بين الله القدوس والإنسان الخاطئ.
والدليل على ذلك ما ورد في رسالة كولوسي (1: 20) بأن موت المسيح كان ضرورياً لمصلحة الإنسان مع الله إذ يقول بأن الله في الصليب صالح الكل لنفسه، عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته. ولهذا السبب كان من الضروري أن يموت المسيح على الصليب من أجل الخطاة. وقد أطاع المسيح ترتيب الله حتى الموت، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل فيليبي: “فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضاً، الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى ذاته آخذاً صورة عبد، صائراً في شبه الناس.
وإذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب. لذلك رفعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء من فوق ومن الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل إنسان إن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب” (فيليبي 2: 5-11) وهكذا نرى أن الرب يسوع صلب ومات لأجل الخطاة، وأنه بموته انتهى عصر الذبائح لأنه كان الذبيحة الأخيرة المرتبة من الله، فكل من يؤمن بالمسيح ينال أو يحصل على هبة الحياة الأبدية.
كلمة الغفران في الكتاب المقدس، تعني تغطية الخطايا، أو سترها أو التكفير عنها. وقد استعملت لأول مرة في سفر التكوين (14: 6) بمعنى “طلي” ثم تطورت بالمعنى، حتى استعملت للغطاء في قدس الأقداس. وفي العهد الجديد، استعلمت للتكفير عن الخطايا بدم المسيح. إذن فالغفران هو ستر خطايانا بدم كفارة المسيح.
في الواقع أنه حين نتأمل في موضوع الغفران من خلال الكتاب المقدس، يتضح لنا أن المسيح، هو علة غفران خطايانا، لأنه كفر عنها، بموته على الصليب. هذه الحقيقة تكشفت للرسول يوحنا، فكتب لنا شهادته، إذ قال: “إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار. وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً” (رسالة يوحنا الأولى) أيضاً جاءت كلمة غفران بمعنى رفع الخطايا، كقول يوحنا المعمدان: ” هو ذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (الإنجيل بحسب يوحنا 29: 1).
وثمة سائل يقول: لماذا لا يغفر الله بدون كفارة؟ والجواب هو:
لأن الله حاكم أدبي على جميع البشر، ومن مستلزمات عدالته وبره، أن يحترم الشريعة. والشريعة تقول: “أن النفس التي تخطئ هي تموت”.
أنه لصالح جميع البشر، أن تحترم الشريعة. لأن احترام الشريعة، ضمان الأمان والطمأنينة.
كان يجوز للبشر أن يتقدموا بهذا السؤال، الذي فيه شيء من الاعتراض، لو كانوا هم أنفسهم مطالبين بتقديم الكفارة. أما وقد قد الله نفسه هذه الكفارة، فمن الواجب أن “يستد كل فم، ويصير كل العالم تحت قصاص من الله” (رومية 3: 19). ولكن الله، الذي هو غني في الرحمة، فلأجل مسرته، يبررنا مجاناً بنعمته بالفداء، الذي بيسوع المسيح، الذي قدمه الله كفارة، بالإيمان بدمه، لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله (رومية 3: 24-25).
الإنسان والغفران:
من المسلم به، أن الذين يشعرون بشناعة خطاياهم، يحاولون إرضاء الله بوسائل مختلفة لكي يغفر لهم:
بالأعمال الحسنة: الأعمال الصالحة، لها قيمة طيبة في حد ذاتها، ولكنها لا تستطيع أن تنال غفران الله عن الخطايا السالفة. هذه الحقيقة أعلنت لنا على لسان أشعياء النبي، حين قال قد صرنا كلنا كنجس وكثوب عدة كل أعمال برنا، وقد ذبلنا كورقة وآثامنا كريح تحملنا (أشعياء 46: 6) وهذه الحقيقة نفسها كشفت للرسول بولس، فكتب لنا وصيته الملهمة بالروح القدس: “ليس من أعمال كي لا يفتخر أحد، لأننا نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها” (أفسس 2: 9-10). ونفهم من قول الرسول المغبوط، أن الأعمال الطيبة التي يقوم بها الإنسان، لا يمكن أن تنيله الغفران.
لأن لا فضل له فيها، إذ هي من الواجبات الضرورية، التي وضعت عليه. والمسيح نفسه، أشار إلى هذه الحقيقة حين قال: “متى فعلتم كل ما أمرتكم به، فقولوا إننا عبيد بطالون، لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا” (الإنجيل بحسب لوقا 17: 10). فكأن المسيح، يذكرنا بالوصية الأولى والعظمى في الناموس: “تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك” وهذه الوصية تعني أن محبتنا للرب يجب أن تقترن بخدمته وعمل الصالح قدام عينيه. ولعل أروع مثل نتعلمه في سيرة داود، الذي حين قدم هو ورجاله كمية ضخمة من الذهب لبناء الهيكل قال: “من أنا ومن هو شعبي، حتى نستطيع أن ننتدب هكذا” لأن منك الجميع، ومن يدك أعطيناك، أيها الرب إلهنا كل هذه الثروة، التي هيأناها، لنبني بيتاً لأسم قدسك، إنما هي من يدك ولك الكل”.
صحيح أن الأعمال الصالحة ضرورية جداً نظراً لتوافقها مع أفكار الله، لكن الأعمال الصالحة، لا يمكنها أن تشتري الغفران، وإلا لحذفت كلمة نعمة من معاجم اللغة.
الصلاة: الصلاة أيضاً، ليس بوسيلة غفران فالخاطئ قد أساء إلى الله، وليس باستطاعته أن يعوض عن الإساءة بمجرد التوسل والابتهال. وكذلك لا يستطيع بالتوسل والابتهال، أن يحظى برحمة الله لأن رحمة الله مقترنة بكماله المطلق في العدل.
وكذلك الخاطئ لا يتمتع بشفاعة الروح القدس، الذي يجعل نفس الإنسان متوافقة مع الله، وبالتالي يشفع في صلاته، ويجعلها مقتدرة كثيراً في فعلها.
وثمة من يسأل: من يستطيع أذاً أن يصلي؟ الجواب: الذي قبل المسيح، ونال غسل خطاياه بدم صليب الفادي. لذلك فالصلاة، ليست وسيلة للحصول على الغفران. وإنما هي علاقة طيبة يتمتع بها الإنسان مع الله، بعد غفران خطاياه.
الصوم: الصوم مظهر من مظاهر التذلل وكسر النفس، إلا أن ممارسته لا تكفي للتعويض عن الإهانة الموجهة إلى الله بسبب الخطية. وبالتالي، لا يتيح للخاطئ الغفران. وقد عرف بالاختبار أن الذين يصومون، طمعاً في ثواب الله، هم في الواقع لا يؤدون بصومهم عملاً نافعاً لله وللناس، يستحقون من أجله جزاء. فقد قال الله: “لما نحتم وصمتم، هل صمتم صوماً لي؟ ولما أكلتم وشربتم، أفما كنتم أنتم الآكلين، وأنتم الشاربين؟” (زكريا 5: 7).
الشفاعة: ليس في الكتاب المقدس تعليم يقول إن شفاعة الأولياء والقديسين، الذين سبقونا، تغفر الخطايا. وقد جاء في التعليم الرسولي أنه “يوجد إله واحد ووسيط واحد، بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح، الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع، الشهادة في أوقاتها الخاصة” (1تيمو 2: 5) وليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسماً آخر تحت السماء، قد أعطي بين الناس، به ينبغي أن نخلص (أعمال الرسل 4: 12).
التوبة: ما أجمل التوبة! إنها تحول دوي ارتكاب الكثير من الخطايا. ولكنها مع جمالها لا تستطيع غفران ما سلف من الخطايا… إن قاتلاً، ارتكب جريمة قتل، ولكنه في أثناء المحاكمة يقطع وعداً بالكف عن ارتكاب الجرائم. فهل يجد القاضي في وعده سبباً للعفو عنه؟ كلا إطلاقاً، لأن القاضي الذي أقيم حارساً على القانون، لا يمكن أن ينقضه. فإن كان القاضي الأرضي، لا يجيز لنفسه كسر العدالة، فكم بالحري يكون قاضي السماء والأرض الذي قال: النفس التي تخطئ تموت (حزقيال 18: 20).
كيف نحصل على الغفران إذاً؟
هذا سؤال، تردد على لسان كل خاطئ استيقظ ضميره من سبات نوم الموت، في كل جيل وعصر. والجواب عليه: بالفداء. إذ يقرأ في رسالة كولوسي هذه التسبيحة الرائعة: “…شاكرين الآب، الذي أهلنا لشركة ميراث القديسين من النور، الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته، الذي لنا فيه الفداء، بدمه غفران الخطايا” (كولوسي 1: 12-14).
هذه الحقيقة كشفت لرجال الله، فكتبوا لنا شهاداتهم بما أعلن لهم. منهم أشعياء النبي الذي نقل لنا إعلان الله القائل: “من تعب نفسه يرى ويشبع، وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها. لذلك أقسم لهم بين الأعزاء، ومع العظماء يقسم غنيمة، من أجل أنه سكب للموت نفسه، وأحصي مع أثمة. وهو حمل خطية كثيرين، وشفع في المذنبين” (أشعياء 35: 11-12). ومنهم يوحنا المعمدان، الذي كشف عن بصيرته فعرف أن يسوع هو المسيح فادي الخطاة، فقال: هو ذا حلم الله، الذي يرفع خطية العالم” (يوحنا 1: 29).
في الواقع إن معلنات الله في الإنجيل المقدس، تؤكد لنا أن غفران الخطايا، هو نتيجة الفداء الأولى. وقد أشار المسيح إلى ذلك، حين رسم العشاء الرباني، إذ قال: “هذا هو دمي، الذي للعهد الجديد، الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا” (متى 26: 28).
والغفران، ينال بالنعمة، المسيح هو وسيط النعمة، لأن فيه اختارنا الآب للحياة الأبدية، وفيه تبنانا، وفيه باركنا بكل بركة روحية في السماوات.
بالفداء العظيم، صار المسيح وسيط صالحنا مع الله. وثمرة الفداء، هي غفران الخطايا. وكمية الغفران ليست محدودة، لأن الله غني في الرحمة من أجل محبته الكثيرة.
أما نتائج الغفران فهي:
ارتداد غضب الله عن الخاطئ وتدفق الرضوان الإلهي عليه بحسب غنى نعمته، التي أنعم بها علينا في المحبوب يسوع.
كسر شوكة الآلام المبرحة، التي ينشئها نخس الضمير المحتج في قلب الإنسان.
رفع العقاب الذي يستحقه الإنسان بسبب خطاياه، وشفاء ضميره من أعمال ميتة ليخدم الله الحي.
41 – هل جـاء المسـيح لهداية جميع الناس أم أنه جاء لفئة معينة منهم؟
إجابة هذا السؤال تشرح لنا شيئاً عن شخصية السيد المسيح الفريدة، والهدف الذي من أجله جاء إلى العالم. ولا بد من الإشارة إلى أن السيد المسيح لم يكن مجرد نبي من الأنبياء الذين جاءوا كبشر لحمل رسالة الهداية للناس فحسب، بل كان الإله الذي ظهر في الجسد. فهو روح الله، والكلمة المتجسد الذي جاء ليكشف للناس مقدار محبة الله لهم. لقد كان المسيح إلهاً وإنساناً في آن واحد.
صحيح أن المسيح جاء معلماً وكارزاً وهادياً. ولكنه بالإضافة إلى ذلك كان فادياً، وبهذا يختلف عن كل من جاء قبله أو بعده من الأنبياء والرسل. إذ أنه جاء لفداء الناس من الخطية والموت، فمات بدلاً عن الخطاة على خشبة الصليب، حتى أن كل من يؤمن به يحصل على الحياة الأبدية. والجدير بالذكر أن تعاليمه وهدايته وفداءه لم تقتصر على فئة معينة، ولكنها لجميع الناس دون استثناء.
* حدثني عن موضوع الفداء لجميع الناس، وإذا أمكن أن تؤيد حديثك بآيات من الكتاب المقدس؟
– السيد المسيح، الإله المتجسد، هو الوحيد الذي جاء إلى العالم حاملاً رسالة “الخلاص والفداء” وتتلخص فكرة الخلاص والفداء في إظهار محبة الله القدوس للبشر الخطاة. فشريعة الله العادلة تقضي بأن يعاقب الخاطئ على خطئه، لأن النفس التي تخطئ موتاً تموت. ولكن كل البشر خطاة بدون استثناء، ولذلك جاء المسيح القدوس ليكون وسيطاً بين الله القدوس والإنسان الخاطئ، وبمجيئه أتم عمل المصالحة، ومات هو على الصليب بدلاً من الخطاة.
فبدلاً من أن يعاقب الإنسان الخاطئ، عوقب المسيح وبذلك افتدى المسيح الناس بواسطة موته عنهم على الصليب. فموت المسيح على الصليب معروف بأنه “موت المسيح الفدائي”. وهو لم يمت عن فئة واحدة، بل عن كل الخطاة بدون استثناء. ويقول الكتاب المقدس بهذا الصدد ما يلي: “ولكن الله بين محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة، مات المسيح لأجلنا” (رومية 5: 8). ويقول أيضاً: “لأنه إن كنا ونحن أعداء، قد صالحنا مع الله بموت ابنه (أي المسيح) فبالأولى كثيراً ونحن مصالحون نخلص بحياته. وليس ذلك فقط، بل نفتخر أيضاً بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الآن المصالحة” (رومية 5: 10-11).
ويذكر الكتاب المقدس أنه كما أن الخطية دخلت إلى العالم بإنسان (وهو آدم)، فإن المصالحة مع الله تمت بواحد هو المسيح، فيقول: “لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة، هكذا أيضاً بإطاعة الواحد سيُجعل الكثيرون أبراراً… حتى كما ملكت الخطية إلى الموت، هكذا تملك النعمة بالبر للحياة الأبدية بيسوع المسيح” (رومية 5: 19-21).
أما فيما يختص بموت المسيح الفدائي، وفيما إذا كان هذا الفداء ينحصر بفئة معينة، يقول الكتاب المقدس: “لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم” (يوحنا 3: 17). فمحبة الله هي لكل العالم، وهو يريد الهداية لكل الناس كما أن الخلاص بواسطة المسيح هو لكل العالم أيضاً.
والجدير بالذكر أن الخلاص من الخطية هو بواسطة الإيمان بالمسيح المخلص حيث يقول الكتاب المقدس: “لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يوحنا 3: 16). ويقول السيد المسيح أيضاً: “أنا هو الطريق والحق والحياة، ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يوحنا 14: 6). وبهذا نرى أن المسيح جاء لهداية وفداء وخلاص الجميع دون استثناء.
42 – ما معنى الغفران في المسيحية؟
كلمة الغفران في الكتاب المقدس، تعني تغطية الخطايا، أو سترها أو التكفير عنها. وقد استعملت لأول مرة في سفر التكوين (14: 6) بمعنى “طلي” ثم تطورت بالمعنى، حتى استعملت للغطاء في قدس الأقداس. وفي العهد الجديد، استعلمت للتكفير عن الخطايا بدم المسيح. إذن فالغفران هو ستر خطايانا بدم كفارة المسيح.
في الواقع أنه حين نتأمل في موضوع الغفران من خلال الكتاب المقدس، يتضح لنا أن المسيح، هو علة غفران خطايانا، لأنه كفر عنها، بموته على الصليب. هذه الحقيقة تكشفت للرسول يوحنا، فكتب لنا شهادته، إذ قال: “إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار. وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً” (رسالة يوحنا الأولى) أيضاً جاءت كلمة غفران بمعنى رفع الخطايا، كقول يوحنا المعمدان: ” هو ذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (الإنجيل بحسب يوحنا 29: 1).
وثمة سائل يقول: لماذا لا يغفر الله بدون كفارة؟ والجواب هو:
لأن الله حاكم أدبي على جميع البشر، ومن مستلزمات عدالته وبره، أن يحترم الشريعة. والشريعة تقول: “أن النفس التي تخطئ هي تموت”.
أنه لصالح جميع البشر، أن تحترم الشريعة. لأن احترام الشريعة، ضمان الأمان والطمأنينة.
كان يجوز للبشر أن يتقدموا بهذا السؤال، الذي فيه شيء من الاعتراض، لو كانوا هم أنفسهم مطالبين بتقديم الكفارة. أما وقد قد الله نفسه هذه الكفارة، فمن الواجب أن “يستد كل فم، ويصير كل العالم تحت قصاص من الله” (رومية 3: 19). ولكن الله، الذي هو غني في الرحمة، فلأجل مسرته، يبررنا مجاناً بنعمته بالفداء، الذي بيسوع المسيح، الذي قدمه الله كفارة، بالإيمان بدمه، لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله (رومية 3: 24-25).
الإنسان والغفران:
من المسلم به، أن الذين يشعرون بشناعة خطاياهم، يحاولون إرضاء الله بوسائل مختلفة لكي يغفر لهم:
بالأعمال الحسنة: الأعمال الصالحة، لها قيمة طيبة في حد ذاتها، ولكنها لا تستطيع أن تنال غفران الله عن الخطايا السالفة. هذه الحقيقة أعلنت لنا على لسان أشعياء النبي، حين قال قد صرنا كلنا كنجس وكثوب عدة كل أعمال برنا، وقد ذبلنا كورقة وآثامنا كريح تحملنا (أشعياء 46: 6) وهذه الحقيقة نفسها كشفت للرسول بولس، فكتب لنا وصيته الملهمة بالروح القدس: “ليس من أعمال كي لا يفتخر أحد، لأننا نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها” (أفسس 2: 9-10).
ونفهم من قول الرسول المغبوط، أن الأعمال الطيبة التي يقوم بها الإنسان، لا يمكن أن تنيله الغفران. لأن لا فضل له فيها، إذ هي من الواجبات الضرورية، التي وضعت عليه. والمسيح نفسه، أشار إلى هذه الحقيقة حين قال: “متى فعلتم كل ما أمرتكم به، فقولوا إننا عبيد بطالون، لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا” (الإنجيل بحسب لوقا 17: 10). فكأن المسيح، يذكرنا بالوصية الأولى والعظمى في الناموس: “تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك” وهذه الوصية تعني أن محبتنا للرب يجب أن تقترن بخدمته وعمل الصالح قدام عينيه.
ولعل أروع مثل نتعلمه في سيرة داود، الذي حين قدم هو ورجاله كمية ضخمة من الذهب لبناء الهيكل قال: “من أنا ومن هو شعبي، حتى نستطيع أن ننتدب هكذا” لأن منك الجميع، ومن يدك أعطيناك، أيها الرب إلهنا كل هذه الثروة، التي هيأناها، لنبني بيتاً لأسم قدسك، إنما هي من يدك ولك الكل”.
صحيح أن الأعمال الصالحة ضرورية جداً نظراً لتوافقها مع أفكار الله، لكن الأعمال الصالحة، لا يمكنها أن تشتري الغفران، وإلا لحذفت كلمة نعمة من معاجم اللغة.
الصلاة: الصلاة أيضاً، ليس بوسيلة غفران فالخاطئ قد أساء إلى الله، وليس باستطاعته أن يعوض عن الإساءة بمجرد التوسل والابتهال. وكذلك لا يستطيع بالتوسل والابتهال، أن يحظى برحمة الله لأن رحمة الله مقترنة بكماله المطلق في العدل.
وكذلك الخاطئ لا يتمتع بشفاعة الروح القدس، الذي يجعل نفس الإنسان متوافقة مع الله، وبالتالي يشفع في صلاته، ويجعلها مقتدرة كثيراً في فعلها.
وثمة من يسأل: من يستطيع أذاً أن يصلي؟ الجواب: الذي قبل المسيح، ونال غسل خطاياه بدم صليب الفادي. لذلك فالصلاة، ليست وسيلة للحصول على الغفران. وإنما هي علاقة طيبة يتمتع بها الإنسان مع الله، بعد غفران خطاياه.
الصوم: الصوم مظهر من مظاهر التذلل وكسر النفس، إلا أن ممارسته لا تكفي للتعويض عن الإهانة الموجهة إلى الله بسبب الخطية. وبالتالي، لا يتيح للخاطئ الغفران. وقد عرف بالاختبار أن الذين يصومون، طمعاً في ثواب الله، هم في الواقع لا يؤدون بصومهم عملاً نافعاً لله وللناس، يستحقون من أجله جزاء. فقد قال الله: “لما نحتم وصمتم، هل صمتم صوماً لي؟ ولما أكلتم وشربتم، أفما كنتم أنتم الآكلين، وأنتم الشاربين؟” (زكريا 5: 7).
الشفاعة: ليس في الكتاب المقدس تعليم يقول إن شفاعة الأولياء والقديسين، الذين سبقونا، تغفر الخطايا. وقد جاء في التعليم الرسولي أنه “يوجد إله واحد ووسيط واحد، بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح، الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع، الشهادة في أوقاتها الخاصة” (1تيمو 2: 5) وليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسماً آخر تحت السماء، قد أعطي بين الناس، به ينبغي أن نخلص (أعمال الرسل 4: 12).
التوبة: ما أجمل التوبة! إنها تحول دوي ارتكاب الكثير من الخطايا. ولكنها مع جمالها لا تستطيع غفران ما سلف من الخطايا… إن قاتلاً، ارتكب جريمة قتل، ولكنه في أثناء المحاكمة يقطع وعداً بالكف عن ارتكاب الجرائم. فهل يجد القاضي في وعده سبباً للعفو عنه؟ كلا إطلاقاً، لأن القاضي الذي أقيم حارساً على القانون، لا يمكن أن ينقضه. فإن كان القاضي الأرضي، لا يجيز لنفسه كسر العدالة، فكم بالحري يكون قاضي السماء والأرض الذي قال: النفس التي تخطئ تموت (حزقيال 18: 20).
كيف نحصل على الغفران إذاً؟
هذا سؤال، تردد على لسان كل خاطئ استيقظ ضميره من سبات نوم الموت، في كل جيل وعصر. والجواب عليه: بالفداء. إذ يقرأ في رسالة كولوسي هذه التسبيحة الرائعة: “…شاكرين الآب، الذي أهلنا لشركة ميراث القديسين من النور، الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته، الذي لنا فيه الفداء، بدمه غفران الخطايا” (كولوسي 1: 12-14).
هذه الحقيقة كشفت لرجال الله، فكتبوا لنا شهاداتهم بما أعلن لهم. منهم أشعياء النبي الذي نقل لنا إعلان الله القائل: “من تعب نفسه يرى ويشبع، وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها. لذلك أقسم لهم بين الأعزاء، ومع العظماء يقسم غنيمة، من أجل أنه سكب للموت نفسه، وأحصي مع أثمة. وهو حمل خطية كثيرين، وشفع في المذنبين” (أشعياء 35: 11-12). ومنهم يوحنا المعمدان، الذي كشف عن بصيرته فعرف أن يسوع هو المسيح فادي الخطاة، فقال: هو ذا حلم الله، الذي يرفع خطية العالم” (يوحنا 1: 29).
في الواقع إن معلنات الله في الإنجيل المقدس، تؤكد لنا أن غفران الخطايا، هو نتيجة الفداء الأولى. وقد أشار المسيح إلى ذلك، حين رسم العشاء الرباني، إذ قال: “هذا هو دمي، الذي للعهد الجديد، الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا” (متى 26: 28).
والغفران، ينال بالنعمة، المسيح هو وسيط النعمة، لأن فيه اختارنا الآب للحياة الأبدية، وفيه تبنانا، وفيه باركنا بكل بركة روحية في السماوات.
بالفداء العظيم، صار المسيح وسيط صالحنا مع الله. وثمرة الفداء، هي غفران الخطايا. وكمية الغفران ليست محدودة، لأن الله غني في الرحمة من أجل محبته الكثيرة.
أما نتائج الغفران فهي:
ارتداد غضب الله عن الخاطئ وتدفق الرضوان الإلهي عليه بحسب غنى نعمته، التي أنعم بها علينا في المحبوب يسوع.
كسر شوكة الآلام المبرحة، التي ينشئها نخس الضمير المحتج في قلب الإنسان.
رفع العقاب الذي يستحقه الإنسان بسبب خطاياه، وشفاء ضميره من أعمال ميتة ليخدم الله الحي.
38 – هل شك المعمدان؟ لما أرسل يوحنا اثنين من تلاميذه إلى الرب قائلاً “أنت هو الآتي أم ننتظر آخر” (لو 7: 19)؟
يجيب قداسة البابا شنودة الثالث على هذا السؤال قائلاً: محال أن يشك في المسيح، الملاك الذي جاء يمهد الطريق قدامه (مر 1: 2) “الذي جاء للشهادة ليشهد للنور، ليؤمن الكل بواسطته” (يو 1: 7).
لا يمكن أن يشهد له، إلا إذا كان يعرفه. وقد أدى يوحنا هذه الشهادة بكل قوة “يوحنا شهد له ونادى قائلاً هذا الذي قلت عنه إن الذي يأتي بعدي صار قدامي، لأنه كان قبلي” (يو 1: 15).
وظهرت معرفة يوحنا له وشهادته له واضحة في وقت العماد. فلما رأى الرب يسوع مقبلاً إليه قال “هذا هو حمل الله الذي يرفع خطية العالم. هذا هو الذي قلت عنه يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي” (يو 1: 29، 30).
لماذا إذن أرسل يوحنا تلميذين للمسيح يقولان له: أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟
يوحنا أرسل هذين التلميذين وهو في السجن (مت 11: 2)، لما سمع بأعمال المسيح المعجزية. وكان يعرف أن رسالته قد انتهت وموته قريب. فأراد قبل موته أن يسلم تلاميذه للمسيح. فأرسلهم بهذه الرسالة، ليسمعوا ويروا، وينضموا إلى الرب… وكان كذلك.
لهذا قال الرب للتلميذين: اذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران: العمي يبصرون، والعرج يمشون، والصم يسمعون، والموتى يقومون… وطوبى لمن لا يعثر فيّ (مت 11: 4-6). وكانت هذه الرسالة للتلميذين أكثر مما ليوحنا.
أما عن يوحنا، فقال الرب للناس في نفس المناسبة “ماذا خرجتم لتنظروا؟ أنبياً؟ نعم أقول لكم، وأفضل من نبي…. الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان” (مت 11: 9-11).
من غير المعقول أن يقول الرب هذه الشهادة على إنسان يشك فيه.
وهناك نقطة أخرى نقولها عن إيمان يوحنا بالمسيح وهي تعرف يوحنا بالمسيح وهو في بطن أمه. وفي ذلك يسجل الكتاب كيف أن القديسة اليصابات وهي حبلى بيوحنا قالت للقديسة مريم العذراء لما زارتها: “هو ذا حين صار صوت سلامك في أذني، ارتكض الجنين بابتهاج في بطني”.
ارتكض يوحنا الجنين الذي في بطن العذراء. وكيف أتيح له ذلك؟
يجيب ملاك الرب على هذا بقوله: “ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس” (يو 1: 15).
39 – هل التجسد يعني التحيز؟ هل تجسد الرب يعني أن الرب صار يحده حيز معين! فيتحيز، بينما الله غير محدود؟
يقول قداسة البابا شنودة الثالث:
التجسد ليس معناه التحيز. فالله لا يحده حيز من المكان، وإنما عندما كان بالجسد في مكان، كان بلاهوته في كل مكان.
مثلما نقول إن الله كان يكلم موسى على الجبل، ومع ذلك لم يكن في حيز الجبل، إنما في نفس الوقت كان في كل مكان، يدير العالم في كل قاراته… وهكذا حينما كان الله يكلم إبراهيم، وحينما ظهر لغيره من الأنبياء. كان في نفس الوقت في كل مكان.
وأيضاً حينما يقال إن الله على عرضه، لا يعني أنه تحيز على هذا العرش. بل هو ممجد هنا، وموجود في كل مكان. عرشه السماء، وعرشه كل مكان يتمجد فيه. هو في السماء. والسماء لا تسعه.
هكذا كان السيد المسيح يكلم نيقوديموس في أورشليم. وقال له “ليس أحد صعد إلى السماء، إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء” (يو 3: 13). أي أنه كان في السماء، بينما كان يكلم نيقوديموس في أورشليم.
كان في الجسد في مكان، أي مرئياً بالجسد فيه. وفي نفس الوقت، غير مرئي في باقي الأمكنة، باللاهوت.
هو بلاهوته ف كل موضع. ولكن يراه الناس بالجسد في مكان معين. وهذا لا يمنع من وجود باللاهوت في كل الأرض والسماء، لأن اللاهوت غير محدود.
40 – ما هو سفر ياشر؟ هل هو من أسفار الكتاب المقدس، أو من التوراة؟ وكيف أشير إليه في سفر يشوع، وفي سفر صموئيل الثاني ومع ذلك ليس هو في الكتاب؟
كلمة سفر معناها كتاب، ديني أو مدني…. وسفر ياشر، أو كتاب ياشر، هو كتاب مدني قديم، كان يضم الأغاني الشعبية المتداولة بين اليهود، حول الأحداث الهامة دينية ومدنية. وبعض هذه الأغاني، كانت تشمل أناشيد عسكرية للجنود…. ويرجع هذا الكتاب إلى ما بين سنة 1000، وسنة 800 قبل الميلاد، أي بعد موسى النبي بأكثر من خمسمائة سنة، إذ ورد فيه ما يخص داود النبي ومرثاته لشاول الملك. إذن ليس هو من توراة موسى، لأنه يشمل أخبار بعد موسى بعدة قرون.
إن بعض الأحداث التاريخية الهامة في العهد القديم، تغنى بها الناء، ونظموا حولها أناشيد وضعوها في هذا الكتاب، الذي كان ينمو بالزمن، ولا علاقة له بالوحي الإلهي. مثال ذلك: معركة جبعون أيام يشوع، ووقوف الشمس. ألف الناس عنها أناشيد، ضمت إلى كتاب ياشر. وأشار إليها يشوع بقوله “أليس هذا مكتوباً في سفر ياشر” (يش 10: 13). أي أليس هذا من الأحداث المشهورة المتداولة، التي بلغ من شهرتها تأليف أناشيد شعبية عنها، في كتب مدنية مثل سفر ياشر.
كذلك فإن النشيد الجميل المؤثر، الذي رثى به داود النبي شاول الملك وابنه يوناثان، أعجب به الناس وتغنوا به، وضموه إلى كتاب أناشيدهم الشعبية، إذ يختص بحادثة مقتل ملك من ملوكهم مع ولي عهده، بل هو أول ملوكهم. فلما ورد الخبر في سفر صموئيل الثاني، قيل فيه “هو ذا ذلك مكتوب في سفر ياشر” (2صم 1: 17). أي أن مرثاة داود، تحولت إلى أغنية شعبية، وضعها الناس في كتاب أناشيدهم المعروف باسم سفر ياشر. تماماً كما نقول عن حادث معين مشهور، إنه ورد في الكتاب المقدس، كما ورد أيضاً في كتاب من كتب التاريخ…. يبقى السؤال الأخير، وهو: هل حذفه اليهود من التوراة لسبب عقيدي؟ والإجابة واضحة وهي:
إنه ليس من التوراة. لأن التوراة هي أسفار موسى الخمسة، وهي التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، التثنية.
لو أراد اليهود إخفاءه لسبب عقيدي، ما كانوا يشيرون إليه في سفر يشوع، وفي سفر صموئيل النبي.
أشهر وأقدم ترجمات العهد القديم، وهي الترجمة السبعينة التي وضعت في القرن الثالث قبل الميلاد، لا يوجد بها هذا الكتاب.
28 – كيف مع محبة المسيح للسلام، وكونه رئيس السلام، يقول “لا تظنوا أني جئت لألقى سلاماً على الأرض. ما جئت لألقى سلاماً، بل سيفاً… جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه….” (مت 10: 34، 35)؟
يقصد السيف الذي يقع على المؤمنين، بسبب إيمانهم. وفعلاً، ما أن قامت المسيحية، حتى قام ضدها السيف من الدولة الرومانية، ومن اليهود، ومن الفلاسفة الوثنين وتحقق قول الرب “تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله” (يو 16: 2). وعصر الاستشهاد الذي استمر إلى بداية حكم قسطنطين، دليل على ذلك. كذلك حدث انقسام – حتى في البيوت – بسبب إيمان بعض أعضاء الأسرة مع بقاء أعضاء الأسرة الآخرين غير مؤمنين.
فمثلاً يؤمن الابن بالمسيحية، فيقف ضده أبوه، أو تؤمن البنت بالمسيحية فتقف ضدها أمها، وهكذا يحدث انقسام داخل الأسرة بين من يقبل الإيمان المسيحي من أعضائها ومن يعارضها، حسبما قال “ينقسم الأب على الابن، والابن على الأب. والأم على البنت، والبنت على الأم. والحماة على كنتها، والكنة على حماتها” (لوقا 12: 53). وكثيراً ما كان المؤمن يجد محاربة شديدة من أهل بيته ليرتد عن إيمانه. ولذلك قال الرب متابعاً حديثه “وأعداء الإنسان أهل بيته. من أحب أباً أو أماً أكثر مني فلا يستحقني…” (مت 10: 36، 37). كان يتكلم عن السيف ضد الإيمان. وليس السيف في المعاملات العامة…
ولهذا فإن قوله “ما جئت لألقى سلاماً بل سيفاً” (مت 10: 34)، سبقه مباشرة بقوله “من ينكرني قدام الناس، أنكره أنا أيضاً قدام أبي الذي في السماوات” (متى 10: 33). وقد يدخل الأمر في تطبيق المبادئ الروحية المسيحية… فقد يحدث انقسام بين البنت المسيحية المتدينة وأمها في موضوع الحشمة في الملابس والزينة. وقد يحدث نفس الاصطدام بين الابن وأبيه في موضوع خدمة الكنيسة والتكريس، أو في موضوع الصحة والصوم، أو فيما لا يحصى من بنود السلوك المسيحي، ويكون “أعداء الإنسان أهل بيته”…
أما من جهة المعاملات العادية بين الناس، فيقول السيد في عظته على الجبل: “طوبى لصانعي السلام، فإنهم أبناء الله يدعون” (مت 5: 9). وقد دعي السيد المسيح “رئيس السلام” (أش 9: 6). ولما بشر الملائكة بميلاده قالوا “وعلى الأرض السلام” (لو 2: 14). وقد قال لتلاميذه “سلامي أترك لكم، سلامي أنا أعطيكم” (يو 14: 27). وقال الكتاب “ثمر البر يزرع في السلام، من الذين يصنعون السلام” (يع 3: 18). وقيل من ثمار الروح “محبة وفرح وسلام” (غل 5: 22).
29 – نرجو تفسير هذه الآية التي وردت في (غل 3: 13) “لأنه مكتوب: ملعون كل من علق على خشبة”. فهل هذه اللعنة أصابت المسيح؟
إن الآية بوضعها الكامل هي “المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا، لأنه مكتوب ملعون كل من علقة على خشبة” (غل 3: 13). في الواقع كانت هناك لعنات كثيرة لكل من يخالف الوصايا وقد وردت في سفر التثنية (تث 27: 15-26) (تث 28: 15-68) ففي الفداء، كان لا بد من إنسان بار ليس تحت اللعنة، لكي يحمل كل لعنات الآخرين، ليفديهم من لعنات الناموس، والوحيد الذي كانت تنطبق عليه هذه الصفة، ويقوم بهذا العمل الفدائي، هو السيد المسيح الذي قال عنه الكتاب “الكائن فوق الكل، إلهاً مباركاً إلى الأبد آمين” (رو 9: 5).
فهو بطبيعته مبارك، وبركة. ولكنه في موته عن العالم كله، حمل كل اللعنات التي تعرض لها العالم كله. هو بلا خطية، ولكنه حامل خطايا. وقد حمل خطايا العالم كله (يو 1: 29) (1يو 2: 2). وهو مبارك بلا لعنة، ولكنه حمل اللعنات التي يستحق العالم كله. هو في حب كامل مع الآب. ولكن حلم غضب الآب بسبب كل خطايا العالم. هذا هو الكأس الذي شربه المسيح عنا. “كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه. والرب وضع عليه إثم جميعنا” (أش 53: 6). ولو لم يحمل المسيح هذه اللعنة، لبقينا كلنا تحت اللعنة. مبارك هو في كل ما حمله عنا.
30 – لماذا لا تتبع المسيحية شريعة العهد القديم، بينما هي لم تنقضها حسب قول السيد المسيح “لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء” فلماذا لا تسير المسيحية بمبدأ “عين بعين، وسن بسن” ولا داعي لعبارة “من لطمك على خدك حول له الآخر”، وما يشبهها. وإلا تكون قد نقضت الناموس؟
لاحظ أن السيد المسيح لم يقل فقط ما جئت لأنقض، وإنما أضاف بل لأكمل. وعبارة إنه جاء ليكمل لها معنيان: الأول: إنه جاء يكمل فهم اليهود للشريعة. فاليهود ما كانوا على فهم سليم للشريعة. حتى أن شريعة السبت مثلاً، كانوا يفهمونها بطريقة حرفية بحتة، فلا يعمل الإنسان أي عمل في السبت، حتى فعل الخير…
لدرجة أنه حينما قام السيد المسيح بمعجزة كبيرة، في يوم سبت، وهي منح البصر لشخص مولود أعمى، قابلوا هذا الإنسان بعد أن أبصر وقالوا له إن الذي شفاه إنسان خاطئ!! (يو 9: 24) لمجرد أنه صنع المعجزة في يوم السبت!! وهي منح البصر لشخص مولود أعمى قابلوا هذا الإنسان بعد أن أبصر وقالوا له إن الذي شفاه إنسان خاطئ!! (يو 9: 24) لمجرد أنه صنع المعجزة في يوم سبت!! وقد جادلوا المسيح في عناد عن “هل يحل الإبراء في السبوت؟ لكي يشتكوا عليه (مت 12: 10).
وما أكثر المجادلات التي دخلوا فيها لحل مشكلة “هل يحل في السبت فعل الخير؟!” (لو 6: 9) (مت 12: 12). فماذا كان تكميل فهمهم في وصية عين بعين وسن بسن؟ كانت للأحكام القضائية، وليست للمعاملات الشخصية. بدليل أن يوسف الصديق لم يعامل أخوته بوصية “عين بعين وسن بس” ولم ينتقم لنفسه من الشر الذي صنعوه به، وإنما أكرمهم في مصر، وأسكنهم في أرض جاسان، واعتنى بهم” (تك 50: 17-21). وداود النبي لم يكافئ شاول شراً بشر، بل احترمه في حياته.
وفي وفاته رثاه بعبارات مؤثرة (2صم 1: 17-25). وأحسن إلى كل أهل بيته… ثانياً: عبارة يكمل تعنى أيضاً يكمل لهم طريق السمو والقداسة. وبخاصة لأن العهد الجديد بدأت تزول فيه العبادة الوثنية التي كانت منتشرة طوال العهد القديم. وعمل الإيمان في قلوب الناس، إلى جوار عمل الروح القدس فيهم، ومؤازرة النعمة لهم. فكان يمكن لهم أن يتقدموا في حياة الروح ويسلكوا بسمو أعلى من ذي قبل. وتكملة الطريق الروحي، لم يكن فيها نقد للقديم.
فمثلاً قال لهم السيد المسيح “سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن، أما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها، فقد زنى بها في قلبه” (مت 5: 27، 28). هنا الوصية القديمة “لا تزن” لا تزال قائمة لم تنقض. لكن أضيف إليها معنى أعمق، هو عفة القلب والنظر، وليس مجرد عفة الجسد… مثال آخر: قال السيد “قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل، ومن قتل يكون مستوجب الحكم. أما أنا فأقول لكم كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم” (مت 5: 21، 22).
هنا الوصية القديم “لا تقتل”، لا تزال قائمة لم ينقضها، ولكن أضيف إليها منع الغضب الباطل، على اعتبار أن القتل خطوته الأولى هي الغضب، كما أن الزنى خطوته الأولى هي شهوة القلب… إذن السيد المسيح لم ينقض العهد القديم.
بل شرح روح الوصية، ومنع الخطوة الأولى إلى الخطية. ويعوزنا الوقت إن دخلنا في كل التفاصيل بالنسبة إلى كل الوصايا، فهذا يحتاج إلى كتاب كامل، وليس إلى مجرد مقال أو إجابة سؤال. كذلك ليس العهد القديم فيه الوصايا العشر فقط، إنما توجد فيه وصايا وتعاليم أدبية كثيرة فيها سمو كبير. وقد خفي ذلك على عديد من معلمي اليهود. لذلك قال لهم السيد المسيح في مناسبة أخرى: “تضلون إذ لا تعرفون الكتب” (مت 22: 29).
31 – هل يعبـد المسـيحيون ثـلاثـة آلهـة؟
هذا زعم باطل تماماً وليس فيه شيء من الصحة، فنحن المسيحيون نعبد إلهاً واحداً وكتابنا المقدس في عهديه يؤكد هذا. أنتخب من الكتاب بعض الآيات التي تؤكد هذه الحقيقة.
ففي العهد القديم نقرأ “أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي”. وفي تثنية “اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد”. وفي سفر الملوك الأول “ليعلم كل شعوب الأرض أن الرب هو الله وليس آخر.” وفي سفر أشعياء “أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيري.” وأيضاً “أنا الرب وليس آخر. لا إله سواي. أنا الرب وليس آخر”. وفي أشعياء أيضاً “إني أنا هو. قبلي لم يصور إله وبعدي لا يكون. أنا أنا الرب وليس غيري مخلص”.
وفي العهد الجديد نقرا في إنجيل مرقص أنه حين سأل واحد من الكتبة الرب يسوع “آية وصية هي أول الكل” أن يسوع أجابه “إن أول الوصايا هي اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد”. “فقال له الكاتب جيداً يا معلم. بالحق قلت لأنه الله واحد وليس آخر سواء. فلما رآه يسوع أنه أجاب بعقل قال له لست بعيداً عن ملكوت الله”. وفي الرسالة الأولى إلى كورنثوس يقول “فمن جهة أكل ما ذبح للأوثان نعلم أن ليس وثن في العالم وأن ليس إله آخر إلا واحد”. وفي الرسالة إلى أفسس نقرأ القول “إله وأب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم”. ويعقوب يكتب في رسالته “أنت تؤمن أن الله واحد. حسناً تفعل”.
لكن هذه الوحدانية ليس وحدانية مجردة مطلقة، لكنها وحدانية جامعة، بمعنى أنه إله واحد، جوهر واحد، ذات واحدة، لاهوت واحد، لكنه أقانيم متحدون بغير امتزاج، ومتميزون بغير انفصال، وكلمة أقنوم هي كلمة سريانية تدل على التميز بغير انفصال.
والأدلة كثيرة على أن وحدانية الله جامعة وليست مطلقة، فأسماء الله قد وردت في العهد القديم بصيغة الجمع أكثر من ثلاثة آلاف مرة. أول آية في الكتاب المقدس في سفر التكوين تقول “في البدء خلق (بصيغة المفرد) الله (إلوهيم بصيغة الجمع) السماوات والأرض”. “نعمل (بصيغة الجمع) الإنسان على صورتنا كشبهنا (بصيغة الجمع)” “هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا” “هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم” وفي سفر أشعياء “ثم سمعت صوت السيد قائلاً من أرسل (بالمفرد) ومن يذهب من أجلنا (بالجمع)”.
ولا يمكن أن نقول إن هذه صيغة تعظيم، فصيغة التعظيم لا وجد لها في اللغة العبرانية لكنها مستحدثة في اللغة العربية، وحتى هذه الصيغة المستحدثة لا تنطبق على قوله “هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا” وهذا الوحدانية الجامعة غير المجردة لازمة وضرورية لتفسير طبيعة الله قبل خلق هذه الخليقة، فنحن نعرف أنه بعد خلق الله الخليقة قد أحبنا وصار يسمع صلواتنا ويتكلم إلينا في الأنبياء.
32 – لمـاذا عنـدكـم أربـع أنـاجيـل؟
يجب أن نعرف أولاً أن كلمة إنجيل معناها الأخبار السارة – أي المفرحة. وفي الغالب تطلق كلمة (الإنجيل) على كتاب العهد الجديد كله (لأنه مليء بالأخبار السارة). إلا أن كلمة إنجيل عادة يقصد بها أحد الكتب الأربعة التي نقلت لنا بشارة المسيح والتي دونها أربعة من أتباع المسيح المعاصرين له بإيحاء من الروح القدس. فقد شاء الله أن يسجل سيرة المسيح في أربعة كتب، فحصلنا على بشارة الخلاص المفرحة: إنجيل واحد، تعليم واحد، وحقيقة واحدة، مسجلة في أربعة كتب بأربعة أساليب إنشائية وأدبية مختلفة.
إنجيل متى أي الأخبار السارة عن المسيح كما دونها البشير متى بوحي من الروح القدس. وهدفه الأساسي أن يثبت للناس عامة، ولليهود خاصة، أن يسوع هو المسيا أي المسيح الذي تنبأ عنه الأنبياء مئات المرات. ولذلك تتكرر فيه عبارة “لكي يتم ما هو مكتوب (أي في العهد القديم)”. وفيه يعطي سلسلة نسب المسيح إلى ابيهم إبراهيم، وإلى داود الملك. ولكن اليهود لم يؤمنوا به فرضوا ملكهم ومخلصهم.
إنجيل مرقص، كتبه مرقص بوحي من الروح القدس وفيه سرد للخدمات التي قام بها المسيح الذي قال عن نفسه أنه جاء “لا لُيخدم، بل ليخدم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين…”
إنجيل لوقا، كتبه البشير لوقا بوحي من الروح القدس ليثبت أن المسيح جاء أيضاً لكل العالم ولذلك فسلسلة نسبه تمتد إلى آدم، والذي هو أبو الجنس البشري كله. وأنه جاء “ليطلب ويخلص ما قد هلك”. ففيه تظهر نعمة الله التي ترحب بالخاطئ التائب. وفيه قال المسيح أنه “يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب”.
إنجيل يوحنا، كتبه الرسول يوحنا بوحي من الروح القدس، ليثبت أن المسيح جاء من السماء وصار إنساناً لأجلنا. وأن الله أحب العالم كله وبذل المسيح “كي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية”.
فالإنجيل الواحد، كما دونه أربعة بشيرون مختلفون، ليس من تأليف إنسان، بل هو من الله، وإذ ندرسه نحصل على فكرة أكمل وأشمل عن فادينا ومخلصنا يسوع المسيح.
وبخلاف ما يظن البعض لم يكن هناك إنجيل “أنزل على المسيح”، بل المسيح هو الذي أوحى لهؤلاء الأربعة، بروحه القدوس، أن يكتبوا هذه البشائر الأربعة.
33 – هل الكتـاب المقـدس محـرف؟؟؟
القول بالتحريف عن الأخوة المسلمين معناه وأسبابه:
ما هو التحريف؟
التحريف كما اصطلح علماء المسلمين هو تحريف الكلام بمعنى تفسيره على غير معناه بدون دليل وإعطاؤه معنى يخالف معناه الحقيقي. ويعني أصل التحريف في اللغة تبديل المعنى. والتحريف اصطلاحاً له معان كثيرة منها: التحريف الترتيبي: أي نقل الآية من مكانها إلى مكان آخر. ومنها تحريف المعنى وتبديله إلى ما يخالف ظاهر لفظه، وهذا يشمل التفسير بالرأي، وكل من فسر الكلام بخلاف حقيقته وحمله على غير معناه فهو تحريف. ومنها تحريف اللغظ: وهو يشمل الزيادة أو النقص، والتغير والتبديل.
أولاً: التحريف بالزيادة: بمعنى أن بعض الكتاب ليس من كلام الكتاب الأصلي.
الزيادة في الآية بحرف أو أكثر.
الزيادة في الآية بكلمة أو أكثر.
الزيادة في جزء من الكتاب.
الزيادة في مجموع الكتاب.
ثانياً: التحريف بالنقص: بمعنى أن بعض الكتاب لا يشتمل على جميع ما كتبه الأنبياء بالروح، بأن يكون قد ضاع بعضه إما عمداً، أو نسياناً، وقد يكون قد ضاع إما عمداً، أو نسياناً، وقد يكون هذا البعض حرفاً أو كلمة أو آية أو جزءاً من الكتاب.
النقص في الآية بحرف أو أكثر.
النقص في الآية بكلمة أو أكثر.
النقص في جزء واحد.
النقص في مجموع الكتاب.
أي التحريف في تبديل كلمة بدل أخرى، التحريف في تبديل حرف بآخر، التحريف في تبديل حركة بأخرى.
هذا معنى التحريف وأقسامه كما عرفها وبينها علماء المسلمين.
السؤال هو: هل ينطبق معنى التحريف هذا على أسفار الكتاب المقدس؟ وإن كان البعض يتصور ويزعم حدوث ذلك فهل يستطيع الإجابة على الأسئلة التالية:
متى حرف الكتاب المقدس؟ وفي أي عصر تم التحريف؟
هل تم التحريف قبل القرن السادس الميلادي أم بعده؟
من الذي حرف الكتاب المقدس؟
أين حرف الكتاب المقدس؟ وفي أي بلد من بلاد العالم؟
لماذا حرف الكتاب المقدس؟ وما هو الهدف من ذلك؟
هل يستطيع أحد أن يقدم دليلاً تاريخياً على هذا الزعم؟
أين نسخة الكتاب المقدس غير المحرفة؟ وما هي النصوص التي حرفت؟ وكيف تستطيع أن تميز بين ما حرف وما لم يحرف؟
كيف تم التحريف؟ وهل كان في إمكان أحد أن يجمع جميع نسخ العهد القديم والتي كانت موجودة مع اليهود والمسيحيين، وجميع أسفار العهد الجديد التي كانت منتشرة في عشرات الدول ومئات المدن وألوف القرى، سواء التي كانت مع الأفراد أو التي كانت في الكنائس، ثم يقوم بتحريفها وإعادتها إلى من أخذت منهم؟
ولم يقل أحد قط من المسيحيين سواء من المستقيمين في العقيدة أو الهراطقة بتحريف الكتاب المقدس عبر تاريخ الكتاب المقدس والمسيحية. وبرغم ظهور الفرق المسيحية المختلفة، سواء في القرون الأولى أو في العصور الحديثة، وظهور البدع والهرطقات عبر تاريخ المسيحية، واختلافها وتباينها في الفكر والعقيدة حول شخص وطبيعة الرب يسوع المسيح، فلم تقل فرقة واحدة أو مجموعة من المجموعات بتحريف الكتاب المقدس.
وقد كان كل من رجال الكنيسة والهراطقة علماء في الكتاب المقدس، وقد درسوا كل كلمة فيه وحفظوها عن ظهر قلب وكان لدى كل منهم نسخته الخاصة من الكتاب المقدس. وقد عقدت المجامع المكانية والمسكونية ودارت فيها مناقشات حامية حول مفهوم كل منهم لآيات نفس الكتاب المقدس الواحد، فقد اختلفوا حول تفسير بعض آياته ومفهوم كل منهم لها، وجعل بعضهم آياته تخدم أفكاره الخاصة، ولكنهم جميعاً آمنوا بوحي واحد لكتاب مقدس واحد معصوم من الخطأ والزلل.
كما لم يقل أحد من اليهود بتحريف الكتاب المقدس، وكان قد انضم إلى المسيحية المئات من كهنة اليهود في السنوات الأولى للبشارة بالإنجيل، يقول الكتاب “وكانت كلمة الله تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جداً في أورشليم وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان” (أع 6: 7). كما دارت مناقشات حامية بين اليهود والمسيحيين حول ما جاء عن المسيح من نبوات في العهد القديم آمن بسببها الآلاف منهم وصاروا مسيحيين (أع 17: 2-4).
ومن أشهر المناقشات في القرن الثاني الحوار الذي دار بين يوستينوس الشهيد وتريفو اليهودي، واعتمد كلاهما على آيات نفس الكتاب والمقدس الواحد، العهد القديم، ولي يتهم أحدهما الآخر بتحريف الكتاب المقدس إنما اختلفا في التفسير والتطبيق. وبرغم ظهور آلاف الترجمات للكتاب المقدس فقد ترجمت جميعها من النص الأصلي، العبري والآرامي الذي كتب به العهد القديم، واليوناني الذي كتب به العهد الجديد، ولدينا له مخطوطات ترجع لأيام الرب يسوع المسيح وأيام رسله الأطهار.