الله ليس مسبب للشرور – للقديس باسيليوس الكبير – ترجمة د جورج عوض ابراهيم

الله ليس مسبب للشرور – للقديس باسيليوس الكبير – ترجمة د جورج عوض ابراهيم

الله ليس مسبب للشرور – للقديس باسيليوس الكبير – ترجمة د جورج عوض ابراهيم

استخدم داود النبي والمرنم المستنير بالروح القدس طرقا شتى في تعليمنا. تارة يحكى لنا عن آلامه وشجاعته التي مكنته من تحمل مواقف كثيرة تاركًا لنا من خلال شخصه مثالاً يعلمنا الصبر، مثلما قال: ” يارب ما أكثر مضايقى. كثيرون قائمون على ” (مز1:3). وتارة أخرى يقدم لنا داود صلاح الله وسرعته في المعونة التي يمنحها لأولئك الذين يطلبونه حقًا، عندما يقول ” فاعلموا أن الرب قد ميز تقية. الرب يسمع عندما أدعوه ” (مز2:4).

وهذه الأقوال هي نفسها التي قالها النبي إشعياء: ” حينئذ تدعو فيجيب الرب تستغيث فيقول هاآنذا ” (إش9:58) أيضًا يصلى داود النبي الى الله بطلبات حارة يعلمنا بطريقة صحيحة كيف يجعل الخطاة الله عطوفا نحوهم بتوسلاتهم: ” يارب لا توبخنى بغضبك ولا تؤدبنى بغيظك ” (مز1:6) ويقول في المزمور الثالث عشر: ” إلى متى يارب تنسانى كل النسيان ” لكي يعبر عن عتابه الله في شكل استفهام ويعلمنا من هذا المزمور ألا نترك أنفسنا للحزن والضيق ونحن ننتظر صلاح الله نحونا، وعلينا أن نعرف أن الله يسلمنا إلى الضيقات والتجارب بحسب قياس ودرجة إيمان كل واحد منا.

 

خطورة نسبة الشرور الى الله:

وبعدما قال داود ” إلى متى يارب تنسانى كل النسيان “، ” حتى متى تحجب وجهك عنى ” (مز2:12) ينتقل مباشرة الى شرور الوثنيين، غير المؤمنين الذين عندما يواجهون صعوبة صغيرة في الحياة لا يستطيعون أن يتحملوا ظروف الأحداث الأكثر صعوبة ويبدأوا يشكوا بعقولهم ما إذا كان الله موجودًا ويعتنى بكل الأمور وأنه يجازى كل واحد بحسب أعماله. وعندما يرون أنفسهم مستمرين في هذه الظروف المؤلمة يثبتون داخلهم التعاليم الشريرة ويقتنعون في قلوبهم بالرأي القائل بأنه لا يوجد إله: ” قال الجاهل في قلبه ليس إله ” (مز1:14).

وطالما أن هذا الجاهل يضع في قلبه هذا الأمر فإنه يفعل أي خطية بدون تردد لأنه إن لم يوجد الله الذي يرى كل الأمور، إن لم يوجد الله الذي يجازى كل واحد حسب أعماله إذًا فما الذي يمنع أن نظلم الفقير ونتسلط عليه ونقتل الأيتام، ولا نتردد في إبادة الأرملة والغريب الذي أراد أن يعيش بيننا، ونتجرأ على فعل أي عمل سخيف ولا مانع أن نتلوث بالشهوات النجسة والقذرة وبكل الرغبات المتوحشة؟

لذلك وكنتيجة للإعتقاد بعدم وجود الله يقول المرنم: ” فسدوا ورجسوا بأفعالهم ” (مز1:14). لأنه ليس من الممكن أن ينحرفوا هكذا عن الطريق المستقيم إن لم تكن نفوسهم قد ضعفت بمرض نسيان الله.

إننى أتساءل: كيف سُلم الوثنيون ” إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق” (رو28:1). ألم يُسلموا أنفسهم لأنهم قالوا: “لا يوجد إله”؟ كيف وقعوا في ” أهواء الهوان لإن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذى على خلاف الطبيعة. وكذلك الذكور أيضًا تاركين استعمال الأنثي الطبيعى إشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكورا بذكور ” (رو26:1ـ27). ألم يُسلموا أنفسهم بسبب أنهم ” أبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات “؟ (رو23:1).

 

من ينسب الشر لله يتشبه بالوثنى:

حسنا من يقول ليس إله هو الذي لا يملك عقلا ولا حكمة كذلك من يقول إن الله مسبب للشرور هو شبيه به. إنى أعتقد أن خطية الإثنين واحدة، لأن الأول والثاني ينكران الله الصالح. فالأول يقول لا يوجد إله والآخر يقول أن الله ليس صالحا لأنه لو أن الله هو مسبب للشرور فهذا يعنى أن الله ليس صالحًا، إذًا هناك انكار لله من كلا الجانبين. يتسائلون من أين تأتى الأمراض؟ من أين هذه الميتات المبكرة؟

من أين الدمار العظيم الذي يلحق بالمدن؟ من أين العواصف؟ من أين الأوبئة؟ إن هذه الأمور تعتبر بالطبع شرورًا، وكلها من أعمال الله ويتمادوا في ذلك بقولهم من هو الآخر الذي يمكننا أن نتهمة بإرتكاب هذه الحوادث إلا الله؟.

تعال الآن، إذًا، لأننا قد أدخلنا أنفسنا في موضوع يتحدث عنه كثيرون وقيل فيه كلام كثير، وحيث أننا انشغلنا بهذه المسألة بالتفصيل دعنا نحاول أن نطرح شرحًا واضحًا ووافيًا لها.

 

هل الإنسان مسئول عن كل ما يصيبه من تجارب وضيقات؟

حسنًا ينبغي أن نضع في تصورنا هذا الأمر: إننا نحن خليقة الله الصالح وإننا محفوظون بواسطة الله الذي يدبر أمورنا الصغيرة والكبيرة في حياتنا، لذا لن نعانى شيئًا بدون أن يكون لله إرادة في ذلك. أيضًا ليس شيئًا مما نعانى منه يعتبر ضارًا لنا بل يكون أفضل لنا لأننا عندما نتأمل في ذلك نستطيع أن نقترب من الله خالقنا.

فالموت على سبيل المثال يأتى من قبل الله بالتأكيد، ولكنه ليس شر، بل يصبح شرًا فقط في حالة موت الخاطئ. والموت بالنسبة للخاطئ الذي يرحل عن هذا العالم يعتبر بداية الجحيم في الهاوية. وأيضًا ما يقابله الإنسان من آلام في الهاوية لا يكون الله المتسبب فيها بل الإنسان نفسه لأنه كان في مقدرته وسلطته أن يختار بين فعل الخطية أو رفضها وكان لدى الخطاة إمكانية الابتعاد عن فعل الشر وتجنب الإصابة بأية نكبات.

ولكنهم إنخدعوا بطعم اللذة وانقادوا الى الخطية. إذن فما صحة هذا الذي يُقال بأن هؤلاء أنفسهم ليسوا سببا في النكبات التي اصابتهم؟! هذه النكبات هي شرور كما نفهم نحن. وهناك شرور تتوقف علينا نحن مثل الظلم، الخلاعة، الإنحلال الخلقى، الجُبن، الحسد، القتل، الدسائس وكل ما يترتب عليها من أفعال تلوث النفس التي خُلقت بحسب صورة الله خالقنا. إن هذه الأفعال تشوه بالطبع جمال النفس.

أيضًا نحن ندعو كل أمر متعب ومحزن لنا شرًا مثل المرض الجسدى، الجروح، حرمان الجسدمن الأمور الضرورية، العار أو الفضيحة، الضرر المالى، فقدان أحد الأقارب. إن هذه الأمور تأتى إلينا من الرب الصالح والحكيم وذلك لفائدتنا. فمثلاً عندما يأخذ الله المال من الذين يستخدمونه بطريقة سيئة فإنه يريد أن يُدمر ـ بهذه الطريقة ـ الأداة التي بها يظلمون الناس.

وأحيانًا يتسبب الله في مرض للذين يكون في صالحهم أن تتقيد أعضائهم ويلازموا فراش المرض أفضل من أن يكونوا معافين وأحرارًا في إرتكاب الخطية. والموت يأتي إلى البشر في الوقت المناسب أي عندما يصلون الى نهاية حياتهم التي حددها حكم الله العادل منذ البداية الذي قد رأى مسبقًا ما يفيد كل واحد منا. فالمجاعات والسيول هي نكبات مشتركة تأتى على المدن والأمم لكي توقف وتحجم فعل الشر المتفاقم.

إذن مثلما نصف الطبيب دائمًا بأنه محسن وكريم حتى لو تسبب في إيلام الجسد أو النفس (لأنه يحارب المرض وليس المريض) هكذا الله هو صالح يدبر الخلاص من خلال محصلة بعض العقوبات. أيضا نحن لا نتهم الطبيب بأى إتهام عندما يقوم ببتر جزء من أعضاء الجسد أو يكوى آخر بل نعطيه أجرًا وندعوه مخلصًا لأنه يوقف المرض عندما يظهر في جزء صغير من الجسد قبل أن ينتشر في كل الجسد. ولكن عندما نرى مدينة تنهار على ساكينيها بسبب زلزال، أو سفينة تنكسر وتغرق في البحر مع كل ركابها لا نتردد في التجديف على الله الطبيب الحقيقي والمخلص.

أننا نعرف جيدًا أنه في حالة إصابة أحد بأى مرض فإنه يعطي له علاجا مفيدا ليُشفى، ولكن عندما يُصاب بمرض لا يقبل الشفاء تصير الحاجة الى قطع العضو غير القابل للشفاء حتى لا ينتشر المرض في كل أعضاءه الحية والنشطة. إذن كما أن الطبيب ليس هو السبب في إجراء الجراحة أو الكى بل المرض نفسه هكذا فالخطايا هي التي تسبب دمار المدن وليس الله المنزه عن أي تهمة.

 

شرح لبعض الآيات التي قد يفهم منها أن الله مصدر للشرور:

مصور النور وخالق للظلام

ربما يتسائل أحد: إن كان الله غير مسئول عن الشرور لماذا قال عن نفسه أنه ” مصور النور وخالق الظلمة ” (إش7:45).

إن من يفهم هذه الآية فهما صحيحا لا يمكن أن يتهم الله بأنه مسبب للشرور وهى تعني الآتي:

إن الله الذي قال إنه ” مصور النور وخالق الظلمة صانع السلام وخالق الشر أنا الرب صانع كل هذه ” يقدم ذاته من خلال هذه الكلمات ـ كخالق للخليقة كلها وليس لأى شر. ولكى لا تظن أن هناك آخر هو مسبب للنور وآخر أيضًا مسبب للظلمة، دعى نفسه خالق وصانع كل الأشياء حتى التي تبدو أنها ضد الطبيعة، وذلك حتي لا تطلب خالقا آخر للنور وخالقا آخر للمياه، وآخر للهواء وآخر للأرض. والحقيقة أن كثيرين آمنوا بتعدد الآلهه آنذاك إذ رأوا أشياءًا متضادة فيما بينهما (مثل الماء والنار، النور والظلمة،….) دعونا نفحص الجزء الثانى من الآية.

 

صانع السلام وخالق الشر “:

صانع السلام وخالق الشر “. ” صانع السلام ” تعنى أن الله يمنحك الهدوء بالتعليم المستقيم الذي يدخل الهدوء والسكينة الى عقلك ويُسكِّن الشهوات التي تثور ضد النفس. أما عبارة ” خالق الشر ” فتعنى أن الله يغير الشر ويشركة في طبيعة الصلاح. هيا نرى بعض الأمثلة على فعل يخلق: عندما يقول المرنم ” قلبا نقيا إخلق في يا الله ” (مز1:51) لا يعنى أنه يطلب من الله أن يخلق له قلبا آخر لكن تعنى أنه يطلب من الله أن يجدد قلبه الذي عتق من الشرور ليصير جديدًا.

وأيضًا بولس الرسول يقول ” ليخلق من الإثنين إنسانا جديدا ” (أف15:2) لا يعنى ان الله يخلق من العدم لكن تجديد الاثنين الموجودين بالفعل. كذلك عندما يقول: ” إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة ” (2كو17:5). وأيضًا عندما يقول موسى النبي: ” أليس هو أباك مقتنيك هو عملك. وأنشأك (أى خلقك) ” فإنه يعلمنا أنه الله خلقك أو أنشأك بعدما عملك أي أن هناك تحسين وتجديد للخليقة. هكذا يصنع الله السلام بتغيير الشر وتحويله الى ما حسن.

وحتى لو كان السلام في رأيك هو التحرر من الحروب وحتى لو كنت تعتبر الأمور التي تحدث أثناء الحروب شرورًا مثل حملات الإغارة والهجوم خارج حدود البلاد، والدوريات والسهر المستمر، والتدريبات والمشقات، الجرحى والقتلى وسقوط المدن، والأسر، والسلب والنهب، ومناظر القتلي، وكل الفوضى التي تصاحب الحروب، فإن هذه الأمور قد صارت بحكم الله العادل الذي يُعاقب كل الذين يستحقون العقوبة من خلال هذه الحروب. هل ترى إنه يجب الا تحترق سدوم بعد كل هذه الأفعال القبيحة التي إرتكبها سكانها؟

وربما كنت تتمنى ألا تخرب أورشليم ولا ينقض الهيكل بعد كل تلك الاتهامات الباطلة التي تفوه بها اليهود ضد الرب؟! هل هناك طريقة أخري عادلة غير أن تخرب أورشليم بيد الرومان؟ تذكَّر أن اليهود كانوا هم أنفسهم أعداء الحياة إذ سلموا الرب الحياة. هكذا كان ينبغي في بعض الأحيان أن تسقط شرور الحروب على هؤلاء الذين يستحقون العقاب.

 

أنا أُميت وأنا أحيي

أما بالنسبة لقوله ” أنا أُميت وأنا أحيي ” عليك أن تقبل هذه العبارة في معناها البسيط، لأن المخافة تبنى البسطاء. أما عبارة “سحقت وأنا أشقى” فإن السحق أو الجرح ينتج عنه مخافة والشفاء يقود الى المحبة. ويمكنك أن تتأمل هذه الآية تأملاً أسمى من هذا، فستجد الله كأنه يقول: أنا سوف أميت بالخطية وسوف أحيّ بالفضيلة. لأنه ” إن كان إنسانا الخارج يفنى بالداخل يتجدد يوما فيوما ” (2كو16:4).

إذن الله لا يميت أحدا ويحيي آخر، ولكن هو يحي بالأشياء التي تميت ويشفي بالأمور التي تجرح وينطبق ذلك على المثل الذي يقول: ” تضربه أنت بعصا فتنقذ نفسه من الهاوية ” (أم14:23) إذًا يجرح الجسد لكي يشفى النفس، يميت الخطية لتحيا الفضيلة.

وبالنسبة لقوله: ” لأن شرًا قد نزل من عند الرب الى باب أورشليم ” فالآية تشرح نفسها أي شر؟ إنه ضوضاء العربات والفرسان القادمين إليها.

 

” لا توجد بلية إلا والرب صانعها “

أما عندما تقرأ ” لا توجد بلية إلاّ والرب صانعها ” فإنه يقصد بهذا الكلام الإشارة الى فعل الألم الذي يحدث للخطاة بغرض إصلاح وتقويم إخطائهم، لأنه يقول بعد ذلك ” فأذلك وأجاعك وأطمعك المن الذي لم تكن تعرفه ولا عرفه آباؤك لكي يعلمك أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الإنسان” تث 8: 3، وذلك لكي يوقف الظلم قبلما ينتشر ويمتد إمتدادا فائقا مثل تيار النهر الذي يوقفونه بسد أو بجدار متين قوى.

 

الكوارث الطبيعية تحدث لفائدة الإنسان :

الأمراض التي تصيب المدن والأمم، والرياح الجافة والأرض الجرداء العقيمة التي لا تثمر وأيضًا الظروف الأكثر قسوة في حياة كل واحد توقف زيادة ونمو الشر. هكذا كل أنواع الشرور (الآلام) التي تأتى من الله تبعد الإنسان عن فعل الشرور الحقيقية. فالعذابات التي يتعرض لها الجسد وكذلك الأمور المؤسفة التي تأتى من خارج الجسد تحدث لكي يبتعد الإنسان عن فعل الخطية.

إذًا ـ في الحقيقة ـ الله يبعد الشر كما إن الشر لا يأتى من الله. لأن الطبيب يشفى المرض لكنه لا يتسبب في حدوث المرض نفسه. هكذا دمار المدن والزلازل والفيضانات وإبادة الجيوش وحوادث الغرق وكل أشكال الدمار التي تصيب الإنسان وتأتى سواء من الأرض أو البحر أو الهواء أو النار أو تأتى من أي مكان تحدث لأن الله يريد بهذه الضربات الجهارية تهذيب البشر.. أما الشر الحقيقى فهو الخطية، وإرتكابها يتوقف على إرادتنا وهى تدعى بالحق شرًا، وبإرادتنا نستطيع أن نبتعد عن الشر أو نفعل الشر.

 

التجارب تخلص الإنسان من الخطايا:

هناك شرور (آلام) تحيط بالإنسان لتظهر مدى شجاعته وإحتماله وصبره، مثلما حدث مع أيوب إذ حرم من أولاده ولحق الدمار بكل ما يملك في لحظة، وحلت قروح البرص بجسده. وهناك أيضا شرور أخري تحيط بالإنسان لشفائه من الخطايا التي فعلها، مثل داود الذي إستحق العقاب الذي لحق به نتيجة شهوته غير المشروعه.

هكذا تعلمنا كيف أن عدل الله ينزل نوعا آخر من العقوبات المخيفة لكي يجعل أولئك الذين ينزلقون بسهولة في فعل الخطية اكثر تهذيبًا. مثال على ذلك داثان وأبيرام اللذين بلعتهما الأرض عندما ” إنشقت الأرض التي تحتهم ” (خر31:16) بهذا العقاب طبعا لم يصيرا في حالة أفضل (لأنه كيف يحدث هذا طالما نزلا الى الهاوية؟ ولكن بهذه العقوبة القاسية صار الباقين أكثر تهذيبا. وبهذه الطريق أغرق فرعون مع كل جنودة (خر28:14).

لا تظن عندما قال بولس الرسول مرة ” آنية الغضب مهيأة للهلاك ” (رو23:9) إنه يقصد آنية شريرة (لأنه سوف ينسب بالصواب سبب الشر لعملية التصنيع)، إنما عندما تقرأ كلمة “آنية” فلنفهم أن كل واحد منا صار (خلق) لشئ مفيد ” ولكن في بيت كبير ليس آنية من ذهب وفضه فقط بل من خشب وخزف أيضًا وتلك للكرامة وهذه للهوان ” (2 تيمو20:2).

[ الإنسان بمقدوره أن يكون إناء ذهب أي طاهر القلب ونقي في طرقه، وإناء فضه أي يكون أقل قيمة من الأول، وإناء خزف أي أن له تصرفات أرضية ومعرض للكسر، أو أن يكون إناء من الخشب أي يتلوث بسهولة من فعل الخطية وجدير أن يلقى في الناء الأبدية ]، هكذا عبارة ” آنية غضب ” أي مثل وعاء فيه طاقة شيطانية تسبب رائحة فساد كريهه وهو غير قابل للاستخدام بل جدير بالفناء والضياع.

لذلك فإن فرعون كان ينبغي أن يهلكه الله الحكيم ومدبر النفوس لكي يعرف للجميع أنه بسبب شره كان غير قابل للشفاء لقد قسى الله قلبه بتأجيل العقاب فيزداد شرًا ويظهر هكذا حكم الله العادل.

تدرج الله معه بعقوبات صغيرة محاولاً دائمًا أن يلين تصرفه غير المطيع ولكنه إزداد في احتقار طول أناة الله وإعتاد على المتاعب التي كانت تحل عليه. إذن الله لم يسلمه إلى الموت. لقد أغرق فرعون نفسه بتكبر قلبه وتشامخه، إذ تجرأ في مقاومة شعب الله وظن أنه يستطيع أن يعبر البحر الأحمر مثلما عبر هذا الشعب.

 

الشر ليس له جوهر:

حسنًا حيث أنك عرفت أنواع الشرور (الآلام) التي تأتى من الله، وعرفت أن تميزها في داخلك. وحيث أنك تعرف جيدًا ما هو الشر الحقيقي؟ أي الخطية التي نهايتها الدمار والموت. كذلك تعرف الآن ما هو الأمر الذي يبدو شرًا إذ يؤلمك ولكنك تدرك أن له قوة الصلاح مثل كل الآلام التي تحيط بنا كى نتوقف عن فعل الخطية، وتعرف أن ثمار هذه الآلام هي خلاص نفوسنا الأبدى، عليك إذًا أن تتوقف عن الشعور بالإحباط تجاه خطة الله لك وعليك أيضًا أن تبتعد عن اعتبار الله مسبب للشر، كذلك لا تظن أن الشر له وجود خاص به. لأن الشر ليس شيئًا موجودًا، مثلما نقول ذلك عن حيوان ما (كائن حى ما).

الشر ليس له جوهر، فالشر هو غياب الصلاح. كما أن العمى يحدث نتيجة تلف يصيب العينين، هكذا الشر ليس له وجود خاص لكنه يأتى بعدما تمرض النفس. والشر أيضًا ليس هو غير مولود كما ينادي الفجار (الغنوسيون وغيرهم) جاعلين هكذا طبيعة الصلاح وطبيعة الشر على نفس المستوى في التقدير. لو أن الكل أتى من الله عندئذ كيف يكون الممكن أن يأتي الشر من الصلاح؟

فلا السيئ يأتى من الصلاح ولا الشر من الفضيلة. إقرأ في سفر التكوين عن خلق العالم ستجد أن الكل صار “حسنا” وأيضا ” حسنا جدًا ” (تك31:1). إذًا، الشر لم يخلق مع الصلاح في آن واحد. ولم تكن الأرواح المخلوقة ممتزجة بالشرور عندما خلقها الله وأتى بها الى الوجود. لأنه إذا كانت الأجساد المادية لم تكن لها طبيعة شريرة بداخلها فكم بالأولى الأرواح التي تتميز جدًا بالنقاوة والقداسة لم تكن لها وجود مشترك مع الشر؟ لكننا نرى الشر موجود وفعله ظاهر ومنتشر في كل العالم.

 

كيف يوجد الشر إن كنا نقول أن ليس له بداية ولا أنه خلق؟

الإجابة تأتى من هؤلاء الذين يفحصون هذه الأمور. فإذا تساءل أحد: كيف تأتى الأمراض؟ من أين يأتى الشلل الجسدى؟ نقول إن المرض ليس هو غير مولود وليس هو خليقة الله، لكن الكائنات لها أعضاء تؤدى وظيفتها ولكن عندما يصيبها المرض تنحرف عن أداء مهمتها بحسب طبيعتها. إذ أن هذه الأعضاء تكون قد فقدت عافيتها سواء لقلة التغذية أو لأى سبب آخر. إذن الله خلق الجسد وليس المرض. لقد خلق الله النفس ولم يخلق الخطية.

إنما النفس يمكن أن تقبل الشر لأنها ابتعدت عن حالتها الطبيعية. وإذا تساءل أحد وقال ما هو الخير الذي كان للنفس؟ نقول: كان مكانها بجوار الله وكان الخير متمثلاً في الاتحاد به بواسطة المحبة. ثم سقطت من هذا المكان وعانت من أمراض كثيرة ومتنوعة لكن إذا تسائل أيضًا وقال: لماذا تقبل النفس فعل الشر؟ نقول: إن نفس الإنسان لها حرية تتناسب مع الكائنات العاقلة. إن نفس الإنسان الانسان متحررة من أي قيد وقد منحها الله أن تحيا بحرية إذ خلقت بحسب صورة الله.

لقد نالت بالتأكيد الصلاح وتعرف جيدا أن تستمتع بهذا الصلاح، ولديها المقدرة لأن تحفظ حياتها الطبيعية طالما أنها تظل تستمتع بالروحيات. لكن أيضًا لديها المقدرة أن ترفض الصلاح. وهذا يحدث للنفس عندما تنحاز للجسد بسبب حب اللذات والشهوات حيث أنها تشبع من مباهج العالم فتنفصل عن حب التمتع بالأمور السمائية.

 

الله لم يخلق الموت ولكن….

6ـ لقد كان أدم في السماء بالمفهوم الروحي وليس المكاني، وفور أن دبت فيه الحياة (النفس) ونظر نحو السماء إمتلأ فرحا إذ نظر هذه الأشياء التي رآها. لقد أحب كثيرا الله الكريم حبا قوى إذ هو الذي منحه حب التمتع بالحياة الأبدية من خلال مباهج الفردوس حيث أعطاه سلطة وسيادة تشبه سلطة وسيادة الملائكة. هذه السيادة جعلته يشترك في الحضور مع رؤساء الملائكة وأن يكون جديرًا بأن يسمع صوت الله.

لكن بينما كان في حماية الله متمتعا بخيراته، شعر بشبع (زائف) من هذه الخيرات السمائية وفضل ما يبهج عينيه الجسدية على الجمال الروحي، وبدلاً من أن يستمتع بالأمور الروحية فضل أن يملأ بطنه، وللتو وجد نفسه خارج الفردوس، خارج تلك البيئة الطوباوية التي كانت محيطة به. وصار شريرا ليس عن إجبار ولكن عن عدم استنارة. إذً فهو الذي وقع في الخطية عن طريق إختياره السيئ ومات بسبب الخطية ” لأن أجرة الخطية هي موت ” (رو23:6) أي كل من يبتعد عن الحياة يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة وغياب الحياة هو موت.

هكذا جلب آدم الموت على نفسه وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور ” لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون” (مز27:73). هكذا ليس الله هو الذي خلق الموت لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة. لكن الله لم يوقف الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظل المرض بدون نهاية، هذا الأمر مثل شخص لا يقبل أن يضع إناء مكسور من الخزف في النار لكي يأخذ الشكل النهائى قبلما يصلح الخطأ بإعادة تصنيعه من جديد.

 

لماذا لم يمنحنا الله طبيعة لا تميل للخطية:

7ـ قد يتسائل أحد أيضا لماذا لا تكون لنا طبيعة لا ترتكب الخطية حتى إذا أردنا أن نفعل الخطية، فلا نجد في طبيعتنا إمكانية لفعلها؟ إننى أقول لك: أنت لا تعتبر العبيد المجبرين على أداء خدماتك أحباءًا لك، بينما عندما تراهم باختيارهم وبإرادتهم ينفذون واجباتهم تعتبرهم أحباءًا لك. هكذا بالنسبة لله فهو لا يحب أن يُنفذ أمره عن إجبار بل يحب ذاك الذي بحرية يتوق الى فعل الخير وإكتساب الفضائل.

والفضيلة تتحقق بالإرادة الحرة وليس بالإجبار. والإرادة الحرة أيضًا تتوقف على مدى استعدادنا الداخلي. وهذا الاستعداد هو الحرية الداخلية. إذًا فإن من يشكو الى الله لأنه لم يمنحنا طبيعة غير قابلة لفعل الخطية، هو الذي لا يفضل لنفسه شيئا آخر إلاّ الطبيعة غير العاقلة محتقرًا بذلك طبيعته العاقلة.

فالطبيعة الأولي تأمر بألا تفعل شيئا، أما الثانية فلديها هذا الاستعداد الداخلي والحرية التي تتوقف دائما على الخبرة والفعل.

هذه الأمور بالرغم من أنها أبعدتنا عن الموضوع إلاّ أننا قد تحدثنا عنها للضرورة حتى لا تقع في هوّة الأفكار، وفى غمرة غياب القيّم تحرم نفسك من الله. إذن ليتنا نتوقف عن تقييم أعمال الله الحكيم. وإن غابت عنا مقاصد خططه فياليت توجد داخل نفوسنا عقيدة واحدة وهي أن الله الصالح لا يصدر عنه أي شرٍ.

 

الشيطان لم يصر مضادا للصلاح بطبيعته:

8ـ نتناول أيضًا موضوع يتعلق بهذه الأمور التي فحصناها وهو الشيطان. ربما يتساءل أحد: إن كانت الشرور لا تأتى من الله فمن أين أتى الشيطان إذًا؟ حسنًا، ماذا يقول عن هذا؟

يكفي أن نجيب عن ذلك بنفس الإجابة التي أعطيناها عن الشر البشري. بمعني، كيف صار الإنسان شريرًا؟ أقول من استعداده الشخصى. أيضا على نفس المنوال: كيف صار الشيطان شريرًا؟ نفس الإجابة، كان الشيطان لدية حرية، كان بمقدرته أن يظل بالقرب من الله أو يتغرب عن الله الصالح.

غبريال كان ملاكا يقف دائما بالقرب من الله والشيطان أيضًا كان ملاكًا لكنه سقط من رتبته. إرادة الملاك غبريال هي التي حفظته في السماء، أما بالنسبة للشيطان فإن اختياره الحر هو الذي ألقى به الى أسفل. وبكل تأكيد كان بمقدور الملاك غبريال أن ينشق عن الله وكذلك كان بمقدور الشيطان الا يسقط. لكن محبة غبريال الملاك لله هي التي حفظته، بينما ابتعاد الشيطان عن الله جعله مطرودًا.

إذًا الشر هو الاغتراب والابتعاد عن الله. بالتفاته صغيرة من العين تجعلنا نكون تجاه الشمس أو تجاه ظل جسدنا. فالاستنارة والنور هما نصيب من نظر الى فوق أما الظلام فهو مصير ذلك الذي يلتفت نحو الظلال. هكذا فإن الشيطان صار شريرًا بارادته، ولم يصر مضادا للصلاح بطبيعته.

 

ولكن لماذا يحاربنا نحن البشر؟

لأن أي وعاء يحتوي على الشر يقبل أي مرض مثل الحسد، فالشيطان هذا الوعاء المملوء بالشر قد حسدنا من أجل المكانة التي منحها الله لنا. لم يطق أن نحيا في الفردوس بدون حزن. لذا خدع الإنسان بالدسائس والمكائد وانتهز فرصة اشتياق الإنسان لأن يتشبه بالله فخدعه وأظهر له بهجة الشجرة ووعده بأنه إذا أكل من ثمرتها سوف يصير مثل الله ” يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر ” (تك5:3).

لم يُخلق هذا الملاك “الشيطان” لكي يكون عدوًا لنا ولكنه من جراء الحسد إنتهى إلى هذه الحالة صائرًا عدوا لنا. وإذ رأى نفسه قد سقط من مكانة الملائكة فلم يستطع أن يرى الإنسان الأرضى يرتفع مترقيا نحو رتبة الملائكة.

9ـ إذن، بسبب أن الشيطان صار عدوا لنا، وضع الله في داخلنا عداوة ضده، وهذا نفهمه من وعد الله للحية التي كانت تخدم الشيطان، إذ قال لها ” وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها ” (تك15:3) لأنه حقا المصالحة مع الشر مؤذية جدا. لأن هذا هو ناموس الصداقة:

يؤثر الواحد في الآخر ويصيران ذات طبيعة متشابهه. وهذا يعبر عنه بالصواب ما هو مكتوب: ” المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة ” (1كو33:15).

لأنه كما أن الهواء الموجود في الأماكن الملوثة بالأمراض ينقل الأمراض خفية لمن يتنفسه، هكذا اعتياد فعل الشرور ينشئ في النفس شرورا عظيمة حتى لو كان الضرر لا يحدث طريقة مباشرة. لذلك لا مصالحة بيننا وبين الحية بل عداوة دائمة وإن كانت الأداة (الحية التي استخدمها الشيطان) تستحق مثل هذه العداوة فكم وكم العداوة التي تتناسب مع ذاك الذي كان السبب (الشيطان)؟! وقد يتساءل البعض: هل كان لابد أن توجد الشجرة في الفردوس حيث انطلق منها الشيطان ليفعل فعلته ضدنا؟ وأنا أتساءل أيضا:

إن لم يكن لديه طعم الخداع كيف كان سيقودنا بالعصيان الى الموت؟ لقد وجدت الشجرة لأنه كان ينبغي أن توجد الوصية التي بها يتم اختبار طاعتنا لله. كان لابد أن توجد شجرة تحمل ثمارًا شهية، حتى إذا تجنبنا هذه الثمرة وأظهرنا انضباطنا نستحق أن نأخذ حقا إكليل الصبر والرجاء.

لم ينتج عن الأكل من الشجرة المحرمة عصيان الوصية فقط بل أيضًا معرفة العُرى الجسدى لأنه مكتوب: ” فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان ” (تك7:3). كان ينبغي للإنسان ألا يعرف العُرى الجسدي حتى لا ينشغل عقل الإنسان بتعويض جسده المكشوف عن طريق صنع الملابس، وأيضًا حتى لا يتلذذ الإنسان بمنظر العري، وعلى أية حال فان الاعتناء الزائد بالجسد يجعلنا ننفصل عن الله بدلاً من أن نتجه دائما نحوه.

ولكننى أتساءل: لماذا لم تصنع الملابس في نفس الوقت الذي خلق فيه الإنسان؟ أقول: لم تصنع الملابس لأنه لم يكن هناك داع لوجود ملابس طبيعية في الكائن الحي. لأن الملابس الطبيعية هي شيء يتميز به الحيوانات غير العاقلة مثل الأجنحة والشعر والجلود السميكة التي تساعد الحيوانات على تحمل برد الشتاء وقيظ الصيف. وبالنسبة للحيوانات لا يختلف الواحد عن الآخر في شيء لأن الجميع لهم طبيعة متساوية. أما بالنسبة للانسان فهو ينال عطايا مختلفة قياسا بالمحبة التي يتمتع بها تجاه الله.

إذً كان يجب على الإنسان تجنب الاهتمامات الجسدية إذ هي ضارة، لذلك فإن الرب عندما دعانا ثانية الى حياة الفردوس أوصانا أن نقتلع من نفوسنا هذه الاهتمامات قائلا لنا: ” لا تهتموا بحياتكم بما تأكلون وبما تشربون. ولا لأجسادكم بما تلبسون أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس ” (مت25:6).

إذًا لم يكن ينبغي للإنسان أن تكون له أغطية طبيعية ولا حتى صناعية، إذ كان معدًا له نوعا آخر من الأغطية إذا مارس الفضيلة. هذه الأغطية التي كانت لابد أن تغطى الإنسان بنعمة الله هي تلك التي يرتديها الملائكة، تلك الملابس المنيرة التي تفوق جمال الزهور، ولمعان وبهاء النجوم. لذا لم تعطى له الملابس مباشرة بعد خلقته، إذ كانت معدة له كمكافأة له إذا مارس الفضيلة، والحقيقة كان في يده أن يأخذها لكن للأسف بسبب تأثير الشيطان لم يستطع أن ينالها.

إذًا عدونا هو الشيطان الذي تسبب في سقوطنا لذا حدد لنا الله أن نجاهد ضد الشيطان حتى أننا بالطاعة نستطيع أن نتوج مرة ثانية بانتصارنا على الشيطان. ياليته لم يصر شيطانا وظل في مكانه الذي حدده له الله مدبر الكون.

وبسبب أن الشيطان صار عاصيا بالفعل وعدوا لله وعدوا للبشر الذين خلقوا بحسب صورة الله لذلك فهو يمقت الإنسان ويحارب الله إنه يكرهنا لأننا ملك الله وأيضا لاننا خلقنا بحسب صورة الله. استخدم الله ـ الذي يضبط كل الأشياء بحكمته ـ خداع الشيطان كوسيلة لكي تتدرب نفوسنا، مثل الطبيب الذي يستخدم سم الحية في صنع الدواء الشافى.

 

انحصار سيادة الشيطان بآلام مخلصنا الصالح:

حسنًا من هو الشيطان؟ وما هي مكانته ورتبته؟

أيضا لماذا سمى شيطان؟ يطلق عليه إسم شيطان لأنه مقاوم للصلاح. وهذه الكلمة العبرية شيطان” تعلمناها من سفر الملوك: ” وأقام الرب خصما لسليمان هدد الأدومى ” (1مل14:11). يطلق على الشيطان إسم “ديافلوس” لأنه صار هو نفسه معاون في فعل الخطية ثم يشتكى أيضا علينا، لأنه يفرح لهلاكنا ويقودنا لفعل الأعمال الشريرة.

طبيعة الشيطان غير جسدية كما قال بولس الرسول: ” فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات ” (أف12:6) وله رتبة ذات سيادة، لأنه يقول: ” مع الرؤساء مع السلاطين ولاة هذا العالم على ظلمة هذا الدهر “. ومكان سلطته هي المجال الهوائى كما يقول لنا بولس الرسول: ” حسب دهر هذا العالم حسب رئيس سلطان الهواء الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية ” (أف2:2) ويدعوه ” برئيس هذا العالم ” لأن سلطته هي حول الأرض.

والرب يقول هكذا: ” الآن دينونة هذا العالم الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجا ” (يو31:12) وأيضا يقول الرب: ” رئيس هذا العالم ياتى وليس له في شئ ” (يو30:14).

10ـ لكن بمناسبة أننا تكلمنا عن جنود الشيطان: ” أجناد الشر الروحية في السموات ” (أف12:6)، علينا أن نوضح تسمية السموات الواردة في هذه الآية. ينبغي علينا أن نعرف أن الكتاب المقدس يعتاد أن يسمى الهواء بالسماء، على سبيل المثال تعبير: ” طيور السماء ” (مت26:6)، و” يصعدون الى السموات ” (مز26:107). أي يرتفعون عاليا في الهواء. لذلك رأى الرب: ” الشيطان ساقطا مثل البرق من السماء. ها أنا أعطيكم سلطانا أن تدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ” (لو10: 18ـ19).

ولكن يسوع المسيح المخلص كرز لنا بملكوت السموات بعدما إنحصرت سيادة الشيطان الشريرة حول الأرض. هذا الانحصار للسيادة الشريرة هذه قد تم بفضل آلام المخلص الذي صالح الأرضيين مع السمائيين (كو20:20). لذا نرى يوحنا المعمدان يقول: ” إقترب ملكوت السموات ” (مت2:3)، والرب نفسه كرز في كل مكان بإنجيل الملكوت.

وقبل ذلك كرزت الملائكة قائلة: ” المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام ” (لو14:2)، وأيضًا الملائكة المملئون بالفرح بدخول ربنا الى أورشليم كرزوا قائلين: إن أصواتنا المنتصرة هي التي سوف تهتف بالانكسار الكامل للعدو الذي سيحدث في السماء حيث لاجهاد ولاصراع يتبقى لنا هناك. ولن يوجد أي أحد يقاومنا ويحاول إخراجنا من الحياة الطوباوية، لأننا سوف نستمتع بالميراث السمائى المُعَّد لنا مستمعين دائما بثمار شجرة الحياة التي لم نستطع أن نتمتع بها بسبب مكيدة الحية، إذ مكتوب: ” فطرد الإنسان وأقام شرقى جنه عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة ” (تك24:3) لكننا سنمر بدون عائق لندخل ونستمتع بالخيرات الأبدية بمعونة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقوة من الآن وإلى أبد الآبدين آمين.

الله ليس مسبب للشرور – للقديس باسيليوس الكبير – ترجمة د جورج عوض ابراهيم

الشك ف الكمين – ما هو مصدر الشر في العالم؟

الشك ف الكمين – ما هو مصدر الشر في العالم؟

الشك ف الكمين – ما هو مصدر الشر في العالم؟

الشك ف الكمين – ما هو معنى الشر وكيف تناولت المسيحية مشكلة الشر؟

الشك ف الكمين – ما هو معنى الشر وكيف تناولت المسيحية مشكلة الشر؟

الشك ف الكمين – ما هو معنى الشر وكيف تناولت المسيحية مشكلة الشر؟

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

“المحبة تستطيع أن تحتمل، والمحبة تستطيع أن تغفر… لكن المحبة لا تستطيع أبداً أن تتصالح مع شيء بغيض… لذلك لا يستطيع الله مطلقاً أن يتصالح مع خطيئتك، لأن الخطية نفسها غير قابلة للتغيير، ولكن الله يمكنه أن يتصالح معك كشخص، لأن الشخص يمكن استرداده وتجديده.”

تراهيرن

Traherne. Centuries of Meditation.

إن أي تفكير في صلاح الله ينذرنا على الفور بالمعضلة التالية. فمن ناحية، إذا كان الله أحكم منا فإن حكمه لا بد أن يختلف عن حكمنا في الكثير من الأمور، وليس بأقلها في الخير والشر. فما يبدو بالنسبة لنا خيراً قد لا يكون خيراً في عينيه، وما يبدو بالنسبة لنا شراً قد لا يكون شراً.

من الناحية الأخرى، إذا كان حكم الله الأدبي الأخلاقي يختلف عن حكمنا بحيث أن ما نعتبره “أسود” قد يكون بالنسبة لله “أبيض”، فليس هناك أي معنى أن ندعو الله صالحاً؛ لأننا عندما نقول إن “الله صالح”، بينما نؤكد أن صلاحه يختلف بالكامل عن صلاحنا، فهذا معناه الحقيقي فقط أن نقول، “إننا لا نعرف ماهية الله”. وصفة غير معروفة على الإطلاق في الله لا تستطيع أن تعطينا أسساً أخلاقية لكي نحبه ونطيعه. فإذا لم يكن الله (بحسب مفهومنا) “صالح” فإننا سنطيعه، إن كنا سنطيعه من الأساس، فقط من خلال الخوف – وعندها يجب أن نكون مستعدين بالمثل أن نطيع شيطاناً كلي القدرة. عندما نستنتج من عقيدة “الفساد الكلي” Total Depravity – أنه حيث أننا فاسدون كلية فإن فكرتنا عن الخير ببساطة لا تساوي شيئاً – فإن هذا قد يحول المسيحية بالتالي إلى شكل من أشكال عبادة الشيطان.

لذلك يعتمد الهروب من هذه المعضلة على ملاحظة ما يحدث في العلاقات الإنسانية، عندما يدخل إنسان ذو معايير أدبية أخلاقية دنيا إلى مجتمع يتكون من أولئك الذين هم أفضل وأحكم منه ويتعلم تدريجياً أن يقبل “معاييرهم”، وهي عمليه، إذ تحدث، يمكنني أن أصفها بدقة شديدة، حيث أنني قد اختبرتها بصفة شخصية، فعندما ذهبت أول مرة إلى الجامعة كنت تقريباً بدون ضمير أخلاقي هو نوع من النفور الضئيل من القسوة ومن الدناءة بشأن المال، أما العفة، والصدق، والتضحية بالنفس فقد كنت أفكر فيها مثلما يفكر قرد البابون في الموسيقا الكلاسيكية.

لكن برحمة الله وقعت بين مجموعة من الشباب (وبالمناسبة، ليس من بينهم مسيحيون) كانوا قريبين مني في الفكر والخيال بما يكفي بحيث مثلوا بالنسبة لي مصدر علاقة حميمية مني في الفكر والخيال بما يكفي بحيث مثلوا بالنسبة لي مصدر علاقة حميمية مباشرة، ولكنهم أيضاً عرفوا، وحاولوا أن يطيعوا، القانون الأخلاقي. وبالتالي فإن حكمهم على الخير والشر كان مختلفاً جداً عن حكمي.

ما يحدث في مثل هذه الحالة لا يشبه في أقل تقدير أن يتم سؤالك أن تعامل ما كان يطلق عليه حتى ذلك الحين “أسود”، باعتباره “أبيض”. فالأحكام الأخلاقية الجديدة لا تدخل العقل أبداً كمجرد انعكاسات Reversals للأحكام السابقة (رغم انها تقوم بالفعل بعكسها)، بل “كأسياد متوقعين بكل تأكيد”. فلا يمكن أن يكون لديك أدنى شك في الاتجاه الذي ستتحرك فهي؛ إذ ان هذه الأحكام الجديدة تشبه “الخير” أكثر من ذرات الخير التي كانت لديك بالفعل، ولكنها تكون من ناحية ما مستمرة معها (يعني الكاتب أن كل إنسان في داخله بعض الإدراك لما هو خير وصالح، وبداخله أيضاً بعض القدر من ذرات الصلاح، حتى وإن كانت أفعاله شريرة، وعندما يتعرف هذا الإنسان على الخير والصلاح فإنه يجد أن في داخله تعرف وإدراك مسبق لهذا الصلاح – المحرر).

لكن الاختبار العظيم هنا هو أن إدراك المعايير الجديدة يصحبه شعور بالخزي والذنب؛ إذ يعي الإنسان أنه قد أخطأ بفداحة داخل مجتمع هو غير مؤهل له. وهكذا، في ضوء مثل هذه الخبرات لا بد لنا أن نفكر في صلاح الله.

دون أدنى شك، فكرة الله عن “الصلاح” تختلف عن فكرتنا؛ لكنك لا تحتاج أن تخاف من أنك إذ تقترب من فكرته سيطلب منك ببساطة أن تعكس Reverse أو تناقض معاييرك الأخلاقية؛ فعندما يظهر لك الفارق المقصود بين الأخلاقيات الإلهية وأخلاقياتك الشخصية، لن يكون لديك في الحقيقة أدنى شك في أن التغيير المطلوب منك هو في الاتجاه الذي تستطيع بالفعل أن تدعوه “أفضل”.

يختلف “الصلاح” الإلهي عن صلاحنا، لكنه “لا يختلف جوهرياً” عنه؛ إنه لا يختلف عنه مثل اختلاف الأبيض عن الأسود، بل مثل اختلاف الدائرة الكاملة المتقنة عن أول محاولة يقوم بها طفل للاسم دائرة عجلة. لكن عندما يتعلم الطفل أن يرسم، سيعرف عندئذ أن الدائرة التي رسمها في النهاية هي ما كان يحاول أن يرسمه منذ البداية. (يقصد الكاتب أن صلاح الله لا يختلف عن صلاحنا في جوهره أي لا يناقضه بصورة مطلقة بل إنه يختلف عنه في جودته وكماله وإتقانه – المرجم.)

هذا التعليم مفترض مسبقاً في الكتاب المقدس. فالمسيح يدعو البشر إلى التوبة – وهي دعوة كانت ستصبح بلا معنى لو أن معايير الله تخلف جوهرياً عن المعايير التي عرفها البشر بالفعل وفشلوا في ممارستها. فالله يناشد حكمنا الأخلاقي الموجود بالفعل، إذ يقول، لماذا لا تحكمون في أنفسكم بما هو حق؟ (لوقا 12: 57) كان الله في العهد القديم يوبخ البشر على أساس مفاهيمهم الشخصية عن الامتنان والإخلاص والعدل؛ ويضع نفسه كما لو أنه في محاكمة مع مخلوقاته التي صنعها. “ماذا وجد فيّ آباؤكم من جور حتى ابتعدوا عني؟” (إرميا 2: 5).

بعد هذه المقدمات، أرجو أن يكون من الآمن أن أفترض أن بعض المفاهيم الخاصة بالصلاح الإلهي التي تميل إلى أن تسود تفكيرنا، رغم أنه يندر التعبير عنها بكلمات كثيرة، هي الآن عرضة للنقد.

في أيامنا هذه نحن نقصد بصلاح لله حصرياً تقريباً، محبته؛ وقد نكون على حق في ذلك. في هذا السياق، معظمنا يعني بالحب، اللطف والحنان، أو الرغبة في رؤية الآخرين أكثر سعادة من النفس؛ ليس أن نراهم سعداء بهذه الطريقة أو تلك، بل فقط سعداء. فالذي يمكن أن يرضينا حقاً هو إله يقول على أي شيء نحب أن نفعله. “ماذا يهم، طالما أنهم راضون وقانعون؟” إننا في الحقيقة لا نريد “أباً” في السماء قد ما نريد “جداً” في السماء، شيخاً عجوزاً محسناً، الذي كما يقولون “يحب أن يرى الشباب يستمتعون”، والذي خطته لأجل الكون هي ببساطة أن يقال فعلياً في نهاية كل يوم، “لقد استمتع الجميع بوقت طيب”.

إنني أعترف أنه ليس كل الناس يقومون بصياغة لاهوت بمثل هذه المصطلحات بالتحديد؛ لكن هناك مفهوم لا يختلف كثيراً عن هذا يقبع في الخلفية الذهنية للكثيرين. أنا لا أزعم أنني استثناء، لذلك: كنت أرغب كثيراً في أن أعيش في عالم تحكمه مثل هذه الأفكار الخاطئة. لكن حيث أنه من الواضح بشدة أنني لا أستطيع ذلك، وحيث أن لدي سبب لكي أعتقد، رغم ذلك، أن الله محبة، فإنني أستنتج أن مفهومي عن الحب يحتاج إلى تصحيح.

ربما قد تعلمت بالفعل، حتى من الشعراء، أن الحب هو شيء أكثر صرامة وقوة وروعة من مجرد اللطف؛ وأن حتى الحب بين الجنسين، هو كما في دانتي Dante، “سيد ذو مظهر رهيب” ” A Lord of Terrible Aspect”. نعم هناك لطف في الحب؛ لكن الحب واللطف ليسا متزامنين ومتماثلين Coterminous، وعندما ينفصل اللطف (بحسب المعنى المقدم أعلاه) عن العناصر الأخرى من الحب، فإنه يتضمن نوعاً معيناً من اللامبالاة الجوهرية بالشيء موضوع اهتمامه، بل حتى ما يشبه احتقاره.

إذ يوافق اللطف بسهولة جداً على القضاء على الشيء موضوع اهتمامه، فقد التقينا جميعاً بأناس يقودهم لطفهم تجاه الحيوانات باستمرار إلى قتلها حتى لا تتألم. لذلك فاللطف، كمجرد لطف، لا يهتم ما إذا أصبح موضوع اهتمامه جيداً أو سيئاً، طالما أنه يهرب من الألم. لكن كما يشير الكتاب المقدس، النغول هم الذين يتركون دون تهذيب؛ أما الأبناء الشرعيون، الذين عليهم أن يحملوا ويواصلوا تقليد العائلة، فيتم تأديبهم.

فالناس الذين لا يعنينا شيء من أمرهم هم الذين نطلب لهم السعادة بأية شروط، أما أصدقائنا، وأحبائنا، وأبنائنا، فإننا نكون صارمين، ونفضل حتى أن نراهم يتألمون كثيراً عن أن يكونوا سعداء بطرق حقيرة وجافية. فإذا كان الله محبة، فإنه بحسب تعريف المحبة، يكون أكثر من مجرد لطف. ويبدو من كل السجلات، أنه على الرغم من أن الله يوبخنا كثيراً ويديننا، إلا أنه لا ينظر إلينا أبداً باحتقار وازدراء.

فقد أعطانا الله عطية الحب التي لا يمكن استيعابها أو التعبير عنها، وبرهم لنا هذا الحب بأعمق المعاني وبأكثر الطرق المأساوية التي لا تنسى (هذا التعبير هو تجسد الله في المسيح وموته الكفاري – المحرر).

بالطبع، العلاقة بين الخالق والمخلوق هي علاقة متفردة، ولا يمكن مقارنتها بأية علاقة أخرى بين مخلوق وغيره. فالله أسمى وأبعد عنا وفي نفس الوقت أقرب إلينا، من أي كائن آخر. فهو أبعد عنا لأن الفارق المطلق بين ذاك الذي يحمل في ذاته مبدأ وجوده وذلك المخلوق الذي يتواصل معه، يمكن مقارنته بالفارق بين رئيس الملائكة ودودة حقيرة.

فالله هو الذي يخلق، ونحن المخلوقون؛ هو الأصل، ونحن المشتقون منه. لكن في نفس الوقت، ولنفس السبب، فإن العلاقة الحميمة بين الله وبين حتى أدنى المخلوقات هي أقرب من أية علاقة يمكن الوصول إليها بين مخلوق وآخر.

إن حياتنا، في كل لحظة منها، مستمدة من الله؛ فالقوة المعجزية الضئيلة المتمثلة في إرادتنا الحرة تعمل فقط في أجساد تقوم طاقته المستمرة بحفظها في الوجود، بل أن مجرد قدرتنا نفسها على التفكير هي قدرته المنقولة إلينا، مثل هذه العلاقة الفريدة يمكن إدراكها فقط بواسطة التشبيهات؛ فمن خلال مختلف أنواع الحب المعروفة بين المخلوقات، نصل إلى مفهوم غير كاف، ولكنه مفيد، عن محبة الله للإنسان.

أدنى أنواع الحب، النوع الذي لا يُعتبر “حباً” على الإطلاق إلا فقط كامتداد للكلمة، هو الذي يشعر به الفنان تجاه عمل فني. تتم تصوير علاقة الله بالإنسان بهذه الطريقة في رؤية إرميا للفخاري والوعاء الذي كان يصنعه من الطين، أو عندما يتكلم القديس بطرس عن الكنيسة بأكملها باعتبارها بناء يعمل فيه الله، وعن الأعضاء الأفراد باعتبارهم حجارة. لكن تتمثل محدودية هذه التشبيه بالطبع في أنه في هذا الرمز لا يعتبر المتألم حياً، وأن هناك قضايا معينة تختص العدالة والرحمة تنشأ عندما تكون “الحجارة” بالفعل “حية”.

وبالتالي تظل هذه القضايا غير ممثلة في هذا التشبيه. لكنه تشبيه مهم على قدر ما يذهب إليه. فنحن، ليس مجازياً بل بالحقيقة، تحفة فنية إلهية، شيء يصنعه الله، وبالتالي لن يرضى إلا عندما يكون له شخصية وكفاءة معينة. هنا، مرة أخرى، نلتقي بما أطلق عليه “الثناء الذي لا يُعبر عنه” Intolerable Compliment (بمعنى ان اهتمام الله وتعلقه بالإنسان لا يمكن استيعابه او التعبير عنه. إنه نوع من الحب غير مدرك المعاني أو المفردات بالنسبة للإنسان الذي هو مثل الدودة الصغيرة الحقيرة – المحرر).

قد لا يشعر الفنان بانزعاج كبير بشأن لوحة قد رسمها دون اهتمام لإسعاد طفل؛ قد يرضى بأن يتركها كما هي رغم أنها قد لا تكون بالضبط كما قصدها أن تكون، لكنه بالنسبة للصورة العظيمة لحياته، العمل الذي يحبه، رغم أنه على نحو مختلف، في مثل القوة التي يحب بها رجل امرأة أو أم طفلها – سيتحمل مصاعب لا نهاية لها – وبالتالي سيعطي بلا شك اهتماماً لا حد له للصورة لو كانت حية. يمكن للإنسان أن يتخيل صورة حية، بعد أن يتم حكها وكشطها وإعادة رسمها للمرة العاشرة، تتمنى تلك الصورة لو أنها كانت فقط مجرد رسم مصغر يتم الانتهاء منه في دقيقة. نفس الطريقة، من الطبيعي بالنسبة لنا أن نتمنى لو أن الله كان قد صمم لنا مصيراً أقل مجداً وبالتالي أقل شقاءً؛ لكننا عندها نكون راغبين ليس في حب أكثر بل في حب أقل.

هناك نوع آخر من الحب وهو محبة إنسان لحيوان، وهي علاقة تستخدم باستمرار في الكتاب المقدس لكي ترمز إلى العلاقة بين الله والبشر؛ فنحن قطيعه، “شعبه وغنم مرعاه”. هذا من بعض النواحي تشبيه أفضل من السابق، لأن الطرف الأدنى كائن حي، ولكنه مع ذلك أدنى بلا أي شك من الطرف الآخر. لكن هذا المقياس لا يزال أقل من جيد، حيث أن الإنسان لم يخلق الحيوان ولا يفهمه بالكامل.

ومع ذلك تكمن القيمة العظيمة في التشبيه في حقيقة أن الرابط (يمكن أن نقول مثلاً) بين إنسان وكلب هي في الأساس لأجل خاطر الإنسان: فالإنسان يروض الكلب في الأساس لكي يحب الكلب، وليس لكي يحبه الكلب، ولكي يقوم الكلب بخدمته، وليس لكي يقوم الإنسان بخدمة الكلب. لكن في نفس الوقت، لا يتم التضحية باهتمامات الكلب لأجل اهتمامات الإنسان. فالغاية الواحدة (أن يحب الإنسان الكلب) لا يمكن الوصول إليها بالكامل إلا إذا قام الكلب أيضاً، بطريقته، بمحبة الإنسان، ولا يستطيع الكلب أن يخدم الإنسان إلا إذا قام الإنسان، بطريقة مختلفة، بخدمة الكلب.

فقط لأن الكلب بحسب المقاييس البشرية هو واحد من “أفضل” المخلوقات غير العاقلة، وموضوع مناسب لمحبة الإنسان – بالطبع بدرجة ونوع المحبة التي تناسب مثل هذا الكائن، وليس بدرجة المبالغات السخيفة بتشبيه الكلب بالإنسان – يتدخل الإنسان في حياة الكلب ولجعله محبوباً أكثر مما هو عليه في الطبيعة. ففي حالته كما هو بالطبيعة يكون للكلب رائحة منفرة، وعادات تحبط محبة الإنسان: لذلك يقوم الإنسان بغسل جسم كلبه، وتدريبه في البيت، وتعليمه ألا يسرق؛ وبذلك يستطيع الإنسان أن يحبه بالكامل. بالنسبة إلى الجرو، لو كان عالماً لاهوتياً، لكانت ستبدو له العملية كلها وكأنها تلقي بشكوك خطيرة على “صلاح” الإنسان؛ لكن الكلب كامل النضج وتام التدريب، والأكبر حجماً، والأكثر صحة، والذي يعيش حياة أطول من الكلب البري. والذي يمنح الدخول، كما لو كان بالنعمة، إلى عالم كامل من الميول والولاءات والاهتمامات ووسائل الراحة أبعد بكثير من مصيره الحيواني. لن تكون له مثل هذه الشكوك.

ستلاحظ أن الإنسان (إنني أتكلم خلال كل ذلك عن إنسان صالح) يتحمل كل هذه المشقات والآلام مع الكلب، ويسبب للكلب كل هذه الآلام، فقط لأنه حيوان في مستوى عال – لأنه محبوب بطريقة حميمة حتى أنه يستحق مشقة جعله محبوباً بالكامل. فالإنسان لا يقوم بتدريب حشرة “أبو مقص” في المنزل. أو يقوم بغسل جسم حشرة “أم أربعة وأربعين”. قد نرغب بالفعل لو كنا بمثل هذا الشأن الدنيء لدى الله حتى يتركنا لشأننا لكي نتبع دوافعنا الطبيعية – أن يتخلى عن محاولاته لتدريبنا على شيء يختلف كثيراً عن ذواتنا الطبيعية؛ لكن مرة أخرى، عندها لن نكون ساعين إلى مزيد من الحب، بل إلى القليل منه. (يريد الكاتب أن يقول إن محبه الله لنا تجعله يتحمل ألم تدريبنا وتشكيلنا وتجعلنا نجتاز في آلام مختلفة لأننا نمثل قيمة عظيمة بالنسبة له، لأننا لو كنا ذوي قيمة ضئيلة لما تحمل تلك التكلفة وهذه المشقة الباهظة. والمحبة الحقيقية الحميمة تستلزم التهذيب الذي يكون بلا شك مؤلماً – المترجم.)

هناك تشبه آخر أكثر نبلاً، والذي أقره الاتجاه المستمر لتعليم ربنا، وهو تشبيه محبة الله للإنسان بمحبة الأب لابنه. إلا أنه كلما يتم استخدام هذه التشبيه (أي كلما نصلي الصلاة الربية)، لا بد أن نتذكر أن المخلص استخدمه في وقت ومكان حيث كانت السلطة الأبوية تحتل مكانة أسمى بكثير مما هي عليها الآن في إنجلترا الحديثة. حين يكون الأب الآن نصف آسف لأنه أتى بابنه إلى العالم، خائفاً من كبحه لئلا ينشئ حواجز بينهما بل خائفاً حتى من تعليمه وإرشاده لئلا يتداخل في استقلالية فكره، وبالتالي يمثل ذلك رمزاً شديد التضليل للأبوة الإلهية.

إنني لا أناقش هنا ما إذا كانت سلطة الآباء، في حدودها القديمة، شيئاً جيداً أم سيئاً؛ بل إنني أشرح فقط ماذا كان يعني مفهوم الأبوة بالنسبة إلى أول من استمعوا إلى ربنا، وبالتأكيد لمن خلفوهم على مدى عدة قرون. سيصبح هذا أكثر وضوحاً إذا فكرنا كيف كان ربنا ينظر إلى بنوته الشخصية للآب، ويخضع إرادته بالكامل للإرادة الأبوية ولا يسمح حتى لنفسه بأن يدعى “صالحاً” لأن “الصالح” هو اسم الآب (رغم أن المسيح بحسب عقيدتنا، هو واحد مع أبيه وهو شريك سرمدي معه.

وهذا ما لا يوجد بين أي ابن أرضي لأب أرضي). فالحب بين الآب والابن، في هذا الرمز، يعني في الأساس الحب السلطوي من جانب، والحب الطائع من الجانب الآخر. فالأب يستخدم سلطته لكي يجعل الابن في صورة الكيان البشري الذي، عن حق في حكمته الفائقة، يريده أن يكون. حتى في أيامنا هذه، مهما كان يمكن للإنسان أن يقول، فليس هناك أي معنى أن يقول، “إنني أحب ابني ولكني لا أعباً بمدى بشاعة بذاءته طالما أنه يقضي وقتاً ممتعاً.”

أخيراً نأتي إلى تشبيه مليء بالأخطار، وذي تطبيق أكثر محدودية، والذي يتصادف مع ذلك أن يكون أكثر التشبيهات المفيدة لهدفنا الخاص في تلك اللحظة، وأعني بذلك، القياس بين محبة الله للإنسان ومحبة رجل لامرأة. ويستخدم هذا القياس بحرية في الكتاب المقدس. فإسرائيل زوجة خائنة، ولكن زوجها السماوي لا يستطيع أن ينسى الأيام السعيدة التي قضاها معها: “قد ذكرت لك غير صباك محبة خطبتك ذهابك ورائي في البرية في أرض غير مزروعة” (إرميا 2: 2) إسرائيل هو العروس الفقيرة اللقيطة التي وجدها حبيبها مطروحة على قارعة الطريق، فألبسها وزينها وجعلها جميلة ومع ذلك خانته. يدعونا القديس يعقوب “زناة وزواني”، لأننا ابتعدنا عن الله واتجهنا إلى “محبة العالم”، بينما الله “الروح الذي حل فينا يشتاق إلى الحب”.

هكذا أيضاً الكنيسة هي عروس الرب التي يحبها كثيراً حتى أنه لا يطيق أن يوجد فيها أي عيب أو غضن. لذلك فإن الحق الذي يعمل هذا التشبيه على تأكيده هو أن الحب، بحسب طبيعته الخاصة، يتطلب تكميل المحبوب Love In Its Own Nature , Demands The Perfecting Of The Beloved؛ وأن مجرد “اللطف” الذي يحتمل أي شيء سوى الألم لأجل الشيء أو الشخص موضوع الاهتمام هو، من هذه الناحية، في القطب المضاد للحب. فعندما نقع في حب امرأة، هل نتوقف عن الاهتمام بما إذا كانت نظيفة أم قذرة، جميلة أم كريهة؟ بل ألسنا بالأحرى نبدأ في الاهتمام بها؟ هل تعتبر أية امرأة أنها علامة على الحب في الرجل أنه لا يعرف ولا يهتم كيف يبدو مظهرها؟ يكن للمحب، بالتأكيد، أن يحب محبوبته عندما تفقد جمالها؛ ولكن ليس لأنه فقد.

يمكن للمحب أن يفغر كل العيوب والنقائص ويظل يحب على الرغم من كل هذه؛ لكن المحب لا يمكن أن يتوقف عن الرغبة في إزالة هذه العيوب. الحب أكثر حساسية من الكراهية نفسها لك عيب في المحبوب: “فمشاعره أكثر رقة وحساسية من القرون الرقيقة لقوقع الكوكل البحري.” أنه يغفر أكثر من كل القوى؛ ولكنه أقلها في التغاضي عن الأخطاء؛ إنه يرضى بالقليل، ولكنه يطلب الكل.

لذلك عندما تقول المسيحية أن الله يحب الإنسان، فإنها تعني أن الله “يحب” الإنسان بالحقيقة؛ وليس أن لديه نوع من الاهتمام الفاتر بمصلحتنا، لأنه فعلياً غير مبال أو مهتم، بل أن الحقيقة المهيبة والمدهشة، هي أننا نحن موضوع محبة الله. لقد طلبت إلهاً محباً: وها أنت لديك هذا الإله. إن الروح العظيمة التي استحضرها باستخفاف شديد، “السيد ذو المظهر الرهيب” حاضرة: وهو ليس شيخاً خيّراً يرغب وهو في حالة النعاس في أن تكون سعيداً بطريقتك الخاصة، ولا يقدم إحساناً بارداً كما من حالم ذي ضمير متيقظ، ولا مجرد رعاية كالمضيف الذي يشعر بالمسؤولية عن راحة ضيوفه، ولكن الله يحب لكونه هو نفسه ناراً آكلة، الحب الذي خلق العوالم، حب ثابت مستمر مثل حب الفنان لعمله الفني، وملح مثل محبة الإنسان لكلبه، وحكيم بعيد النظر وجليل مثل حب الأب لابنه، وغيور، يتعذر تغييره وكثير المطالب مثل الحب بين الجنسين.

كيف يمكن أن يكون هذا، لا أعرف؛ إنه حب يتخطى العقل لكي يفسر لماذا يجب لأية مخلوقات، فما بالك مخلوقات مثلنا، أن يكون لها مثل هذه القيمة المدهشة للغاية في عيني خالقها. إنه بالتأكيد ثقل مجد ليس فقط أبعد من استحقاقنا بل أيضاً، فيما عدا لحظات نادرة من النعمة، أبعد من رغبتنا؛ فنحن نميل، مثل العذارى في المسرحية القديمة، إلى أن ننتقص من محبة زيوس Zeus. لكن هذه الحقيقة تبدو غير قابلة للشك.

فالله الذي هو غير خاضع للألم Impassible يتكلم كما لو أنه يعاني من الحب والعشق، وذاك الذي يحوي في ذاته سبب سعادته وسعادة الجميع يتكلم كما لو أنه يمكن أن يكون في احتياج وشوق. “هل أفرايم ابن عزيز لدي أو ولد مُسر؟ لأني كلما تكلمت به أذكره بعد ذكراً. من أجل ذلك حنت أحشائي أليه” (إرميا 31: 20)، “كيف أتركك يا أفرايم؟ كيف أتخلى عنك يا إسرائيل… قد انقلب عليّ قلبي. اضطرمت مراحمي جميعاً” (هوشع 11: 8)، “يا أورشليم يا أورشليم، كم مرة أردت أن أجمعك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا” (متى 23: 37).

إن مشكلة التوفيق بين الألم البشري ووجود إله يحب، تصبح فقط غير قابلة للحل طالما أننا ننسب معنى تافهاً لكلمة “الحب”، وننظر إلى الأشياء كما لو أن الإنسان هو محورها. ليس الإنسان هو المركز. فالله لا يوجد لأجل الإنسان، كما أن الإنسان لا يوجد لأجل نفسه. “لأنك أنت (يا الله) خلقت كل الأشياء، وهي بإرادتك كائنة وخلقت.” (رؤيا 4: 11) فنحن لم نخلق أساساً لكي نحب الله (رغم أننا خلقنا لأجل ذلك أيضاً) بل لكي يحبنا الله، حتى نصبح موضوع محبته إذ “يُسر” الحب الإلهي بأن يستقر فينا.

لذلك أن نطلب أن محبة الله يحب أن ترضى بنا كما نحن، هذا معناه أننا نريد أن يتوقف الله عن أن يكون هو الله؛ فحيث أن الله هو كينونة وماهيته، فلا بد أن تٌعاق وتٌرفض محبته، بطبيعة الأمور، بواسطة موانع معينة في شخصياتنا الحالية. وحيث أنه بالفعل يحبنا فلا بد أن يجاهد ويتعب لكي يجعلنا محبوبين. إننا لا يمكن حتى أن نتخيل، في أفضل حالاتنا، أنه يمكن لله أن يصالح نفسه مع نجاساتنا الحالية. كما لم تستطع الفتاة المتسولة أن تتخيل أن يرضى الملك كوفيتوا King Cophetua يخرقها البالية وقذارتها، أو أن يتخيل كلب، بعد أن يكون قد تعلم أن يحب إنساناً، أن هذا الإنسان سوف يتحمل في بيته ذلك المخلوق القذر، الذي يعض وينهش، ويلوث المكان، في حالته البرية دون ترويض.

إن ما نطلق عليه هنا والآن “سعادتنا” ليس هو الغاية في الأساس في نظر الله. لكننا عندما نكون مثل ذلك الكيان الذي يستطيع الله أن يحبه بدون عوائق، عندئذ سنكون حقاً سعداء.

يمكنني أن أتوقع بوضوح أن مسار حجتي هذا قد يثير اعتراضاً. فقد وعدت أننا عندما نأتي إلى فهم الصلاح الإلهي يجب ألا يطلب منا قبول مجرد انعكاس Reversal لأخلاقنا الشخصية في الاتجاه المضاد. لكن قد يتم الاعتراض بأن هذا الانعكاس هو بالتحديد ما يطلب منا قبوله. ربما يٌقال إن نوع الحب الذي أنسبه إلى الله هو بالضبط النوع الذي نصنفه في البشر بأنه الحب “الأناني” Selfish أو “الاستحواذي” Possessive، وهو يتناقض بصورة غير مواتية مع نوع آخر يسعى أولاً إلى سعادة المحبوب وليس إلى رضا المحب.

لكني غير واثق من أن هذا هو بالضبط ما أشعر به حتى تجاه الحب البشري. فأنا لا أعتقد أنني يجب أن أعتبر محبة صديق ذات قيمة عظيمة إذا كان كل ما يهتم به فقط هو سعادتي، ولا يعترض إذا أصبحت مثلاً غير أمين. ومع ذلك، فالاعتراض هو موضع ترحيب، والإجابة عليه سوف تلتقي على الموضوع ضوءً جديداً، وتصحح ما كان ذو جانب واحد في نقاشنا.

الحقيقة هي أن هذا التناقض بين الحب الأناني Egoistic والحب الغيري Altruistic لا يمكن تطبيقـه بطريقة لا لبس فيها على محبـة الله لمخلوقاتـه. فتضارب الاهتمامات، وبالتـالي الفرص إما بسـبب الأنانية أو غير الأنانية، يحدث فقط بين الكائنات التي تسـكن عالماً مشتركاً A Common World؛ فلا يمكن لله أن يكون في منافسه مع مخلوق، كما لا يمكن لشكسبير Shakespeare أن يكون في منافسة مع آلة الكمان. وعندما صار الله إنساناً وعاش كمخلوق بين مخلوقاته في فلسطين، عندها بالحقيقة كان حياته حياة التضحية الفائقة بالنفس والتي أدت إلى الجلجثة.

قال أحد الفلاسفة الوجوديين المحدثين، “عندما يقع المطلق The Absolute داخل البحر فإنه يصبح سمكة”؛ بنفس الطريقة، يمكننا نحن المسيحيون أن نشير إلى التجسد Incarnation ونقول إنه عندما يُخلي الله نفسه من مجده ويخضع إلى تلك الظروف التي فيها فقط يكون للأنانية والغيرية معنى واضحاً، فإننا نراه غيرياً بالكامل. لكن الله في سموه – الله باعتباره الأساس غير المشروط لكل الظروف – لا يمكن بسهولة التفكير فيه بنفس الطريقة. إننا ندعو الحب البشري أنانياً عندما يُشبع احتياجاته الشخصية على حساب احتياجات الآخر موضوع المحبة – كما عندما يُبقي الأب أبناءه معه في المنزل، الذين يجب لأجل مصلحتهم الشخصية ان يخرجوا إلى العالم، لأنه لا يحتمل أن يتخلى عن رفقتهم له.

يتضمن هذا الموقف احتياجاً أو عاطفة من جانب المحب، واحتياجاً متضارباً من جانب المحبوب، وتجاهل المحب، أو جهله الملوم لاحتياج المحبوب. لكن لا توجد أي من هذه الحالات في علاقة الله بالإنسان. فالله ليس لديه احتياجات. الحب البشري، كما يعلمنا أفلاطون Plato، هو ابن الفقر، ابن الاحتياج او النقص؛ فسببه هو خير وصلاح حقيقي أو مفترض في محبوبه، والذي يحتاجه المحب ويرغب فيه. لكن محبة الله، إذ تبعد كثيراً عن أن تكون بسبب خير أو صلاح في الإنسان موضوع المحبة، هي التي تسبب كل خير وصلاح لدى ذلك الإنسان، فهي التي أحبته منذ البداية حتى أنها أتت به إلى الوجود ثم بعد ذلك جعلته يصبح جديراً حقاً بالحب، رغم أن تلك الجدارة مشتقة من الله.

فالله هو الخير والصلاح الخالص. يستطيع الله أن يعطي الخير، ولكنه لا يستطيع أن يحتاجه أو يحصل عليه. بهذا المعنى فإن كل حب الله، إذا جاز التعبير، غيري متفان إلى أقصى حد بحكم تعريفه الحقيقي؛ فالله لديه كل شيء لكي يعطيه، ولا شيء ليأخذه. من هنا، إذا كان الله في بعض الأحيان يتكلم كما لو أن الإله الذي هو غير خاضع للألم Impassible يمكن أن يتألم من العاطفة. وكما لو أن الملء الأبدي يمكن أن يكون في احتياج إلى تلك الكائنات التي يغدق عليها كل شيء بدية من مجرد وجودها وحتى كل شيء آخر فصاعداً.

فإن هذا يمكن فقط أن يعني، إن كان يعني أي شيء مفهوم بالنسبة لنا، أن الله بمجرد معجزة قد جعل نفسه قادراً أن يجوع، وخلق في نفسه ذلك الشيء الذي يمكننا نحن أن نشبعه. لذلك فإذا كان الله يحتاجنا، فإن احتياجه ذلك هو باختياره الشخصي. وإذا كان القلب الثابت غير القابل للتغير يمكن أن يحزن بسبب دمى من صنعه الخاص، فإن هذا القلب هو الإله كلي القدرة؛ وليس غيره، والذي أخضع قلبه بهذه الطريقة، وبكامل حريته، وباتضاع يفوق الفهم. إذا كان العالم يوجد ليس أساساً لكي نحب نحن الله بل لكي يحبنا الله، فإن تلك الحقيقة نفسها، على مستوى أعمق، هي كذلك لأجلنا نحن، إذا كان الشخص الذي في ذاته لا يمكن أن يحتاج إلينا أحد.

إن قبل ووراء كل علاقات الله بالإنسان، كما نعرفها نحن الآن من المسيحية، يقبع منجم وخزان لا محدود من فعل إلهي للعطاء الخالص – والذي يتمثل في اختار الإنسان، من اللاوجود Nonentity، لكي يكون محبوب الله، وبالتالي (من ناحية ما) يحتاجه الله ويرغب فيه – الله الذي لا يحتاج أو يرغب في شيء سوى هذا الفعل، حيث أن لديه سرمدياً كل الخير والصلاح، بل أنه هو نفسه، كل الخير والصلاح. هذا الفعل هو لأجلنا نحن، فمن الخير لنا أن نعرف الحب؛ والأفضل لنا أن نعرف محبة من هو أفضل موضوع للحب، الله نفسه.

لكن إذا قلنا إننا نعرف هذا الحب كحب كنا نحن فيه المبادرين المتوددين بالحب في البداية والله هو المحبوب، الحب الذي فيه نحن الذي سعينا إلى الله وهو الذي وجد، والذي فيه يتوافق الله مع احتياجاتنا، ولسنا نحن الذين نتوافق مع احتياجاته، أي أن حبنا نحن هو الذي يأتي أولاً، فهذا معناه أننا نعرف الحب بصورة مزيفة لطبيعة الأشياء نفسها. فحيث أننا مجرد مخلوقات فقط؛ لا بد أني يكون دورنا دائماً هو دور التابع تجاه القوة، دور الأنثى تجاه الذكر، دور المرآة تجاه النور، دور الصدى تجاه الصوت.

أقصى نشاط لنا لا بد أن يكون هو الاستجابة، وليس المبادرة. لذلك عندما نختبر محبة الله بصورة حقيقية وليست خيالية وهمية، فهذا معناه أنا نختبرها كتسليم لمطلبه، واتفاق مع رغبته؛ لكن أن نختبرها بطريقة عكسية، إذا جاز التعبير، فهذا خطأ نحوي ضد قواعد لغة الوجود.

إنني لا أنكر، بالطبع، أنه على مستوى معين قد يحق لنا أن نتحدث عن بحث النفس عن الله، وعن الله كمتلقي لمحبة النفس؛ لكن على المدى الطويل، بحث النفس عن الله يمكن فقط أن يكون صيغة، أو مظهر (Erscheinung) لبحث الله عنها، حيث أن الكل يأتي من الله، وحيث أن إمكانية حبنا نفسها هي عطية منه لنا، وحيث أن حريتنا هي فقط حرية للاستجابة سواء للأفضل أو للأسوأ. ومن هنا اعتقد أنه لا يوجد شيء يميز التوحيد الوثني عن المسيحية بصورة حادة قدر مبدأ أرسطو Aristotle بأن الله يحرك الكون، لكنه هو نفسه غير متحرك، كما يحرك المحبوب المحب. اما بالنسبة للمسيحية، “هذه هي المحبة، ليس أننا نحن أحببنا الله بل أنه هو أحبنا” (1يو 4: 10).

الحالة الأولى إذاً لما يُسمى الحب الأناني بين البشر، منعدمة بالنسبة لله. فالله ليس لديه ضرورات طبيعة، ولا هوى أو شهوة، لكي تتنافس مع رغبته في خير المحبوب؛ أو إذا كان فيه شيء يجب أن نتخيله فيما يشبه الهوى، أو الاحتياج، فإنه فيه بحسب مشيئته الخاصة ولأجل صالحنا نحن. كما أن الحالة الثانية أيضاً منعدمة بالنسبة لله. قد تختلف المصالح الحقيقية لطفل ما عما تتطلبه عواطف الأب بالغريزة، لأن الطفل هو كائن منفصل عن أبيه ذو طبيعة لها احتياجاتها الخاصة والتي لا تتواجد فقط لأجل الأب كما أنها لا تجد اكتمالها التام في أن تشعر بالحب من جانبه. ولا الأب نفسه يفهمها فهماً كاملاً. لكن المخلوقات ليس منفصلة هكذا عن خالقها، ولا يستطيع الخالق أن يخطئ فهمها.

فالمكان الذي صممها لأجله في نظام الأشياء هو المكان المصنوعة لأجله. لذلك عندما تصل إليه تُشبع طبيعتها وتتحقق سعادتها: هناك عظام مكسورة في الكون قد تم جبرها. فانتهى الألم والمعاناة. لذلك عندما نريد أن نكون شيئاً غير الشيء الذي يريدنا الله أن نكون، فلا بد أننا نرغب فيما هو، في الحقيقة، لن يجعلنا سعداء. إن تلك المطالب الإلهية التي تبدو لآذاننا الطبيعية مثل مطالب حاكم مستبد أكثر منها مطالب محب، هي في الحقيقة ترشدنا إلى حيث يجب أن نرغب في الذهاب لو كنا نعرف ما نريد. يطلب الله عبادتنا، وطاعتنا، وسجودنا. فهل نفترض أن هذه الأمور يمكن أن تصنع لله أية فائدة.

أو أن يكون هناك خوف، مثلما تقول الجوقة في ميلتونMilton، من أن عدم المهابة البشرية يمكن أن يأتي “بنقصان لمجده”؟ كلا على الإطلاق؛ لا يمكن لأنسان أن ينقص من مجد الله برفضه لعبادته، كما لا يمكن لمجنون أن يطفئ الشمس بأن يخربش كلمة “ظلمة” على جدران غرفته. الله يريد خيرنا، وخيرنا هو أن نحبه (بتلك المحبة المستجيبة التي تتناسب مع مخلوقات) ولكي نحبه لا بد ان نعرفه؛ وإذا عرفناه، فإننا في الحقيقة سوف نسقط على وجوهنا رهبة.

فإذا لم نفعل، فهذا يُظهر فقط أن ما نحاول أن نحبه ليس هو الله بعد – رغم أنه قد يكون أقرب تقريب لله يمكن لفكرنا وخيالنا أن يصل إليه. إلا أن الدعوة ليست فقط لكي نسجد ونرتعب؛ بل إلى ما نعكس الحياة الإلهية، فتصبح مخلوقات مشاركة في الصفات الإلهية التي هي أبعد بما لا يقاس عن رغباتنا الحاضرة. إننا مدعوون إلى أن “نلبس المسيح”، وأن نصبح مثل الله، وهذا يعني، سواء أحببنا ذلك أم لا، أن الله ينوي أن يعطينا ما نحتاجه، وليس ما نعتقد الآن أننا نريده. ومرة أخرى، نشعر بالخجل بسبب “الثناء الذي لا يعبر عنه” Intolerable Compliment لله بنا. بسبب محبة الله الكثيرة للغاية، وليست الضئيلة للغاية.

ومع ذلك ربما حتى هذه النظرة تقصر عن الحقيقة. ليس الأمر ببساطة أن الله قد خلقنا بتعسف بحيث يكون هو فقط خيرنا الوحيد. بل أن الله هو الخير الوحيد لجميع المخلوقات؛ وبالضرورة، كل منها لا بد أن يجد خيره في ذلك النوع والدرجة من الشبع والاستمتاع بالله الذي يلائم طبيعته. قد يختلف النوع والدرجة بحسب طبيعة المخلوق؛ لكن إمكانية أن يكون هناك على الإطلاق أي خير آخر، هو حلم إلحادي. في مقطع لا أستطيع أن أبحث فيه الآن. يمثل جورج ماكدونالد George Macdonald الله وكأنه يقول للبشر: “لا بد أن تكونوا أقوياء بقوتي ومباركين بنعيمي Blessedness، لأنه ليس لدي شيء آخر أعطيه لكم.”

هذا هو ختام الأمر كله. الله يعطي ما لديه، لا ما ليس لديه؛ إنه يعطي السعادة الموجودة، ليس السعادة غير الموجودة. فإما أن تكون الله – أو أنت تكون مثل الله وتشاركه صلاحه باستجابة المخلوق – أو أن تكون شقياً بائساً. هذه هي البدائل الثلاث الوحيدة المتاحة. فإذا لم نتعلم أن نأكل الطعام الوحيد الذي ينبته الكون (ما لدى الله) – الطعام الوحيد الذي يمكن لأي كون ممكنPossible Universe أن يُنبته على الإطلاق – فإننا لابد أن نتضور جوعاً إلى الأبد.

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

Exit mobile version