لا يمكن لله أن يكذب، لذلك لا توجد تناقضات في فكر الله. وحيث أن كل الكتاب المقدس هو موحى به من الله، فإنه جدير بالثقة. في ضوء هذا الافتراض الأساسي، تصبح كل المحاولات التي تبذل لتوفيق جميع تعاليم الكتاب المقدس بشأن موضوع ما أو إعداد نظام منهجي شامل لكل تعاليمه، هي محاولات سليمة وفي موضعها الصحيح.
ليس فقط الدراسة النظامية للكتاب المقدس سليمة، لكنها ضرورية. فعلى سبيل المثال، إنه أمر ضروري بالنسبة للاهوتي أن يدرس كل أجزاء الكتاب المقدس التي تصف طريق الخلاص. فإذا قام بأخذ مقطع معين، وفصله عن بقية المقاطع الأخرى التي تتعامل مع كيفية خلاص الشخص، وبنى عليه مبدأ للخلاص، ستكون النتيجة تشويه حق الله الخاص بالخلاص. لذلك فإن الدراسة المنظمة للاهوتي ليست فقط أمر سليم وضروري، لكن لها أهمية عظمى لفهم معنى الكتاب المقدس. فالجهود التي تبذل لتنسيق وتجانس ووحدة الحق في المقاطع المختلفة التي تتحدث عن موضوع معين هي سليمة ومطلوبة للمعلم والواعظ كما هي بالنسبة للاهوتي.
إن تركيب التعليم الكتابي ليس فقط صحيح، وضروري، ومهم؛ ولكنه حتمي كذلك. وحيث أن كل شخص يتعامل مع أية وثيقة مكتوبة بمجموعة من الافتراضات المسبقة، بالمثل، يتعامل المسيحي مع الكتاب المقدس من خلال هذه النظارات الفكرية. بل الحقيقة أنه لا يستطيع أن يقبل إلا الأفكار التي تتفق بصورة ما مع نظام تفكيره الممنهج الموجود في عقله بالفعل. لذلك ليس فقط جميع المسيحيين لاهوتيين، بل أن كل الناس لاهوتيين. الاختلاف الوحيد هو أن البعض يكونون لاهوتيين أفضل من غيرهم.
يصف إيرنست بيست هذا الاتجاه اللاهوتي العام لدى جميع الناس قائلاً:
كل تفسيرات الكتاب المقدس يتم التحكم فيها بواسطة لاهوت الشخص الذي يفسر. قد لا يكون صحيحاً أن هناك مفسر معين له وضع لاهوتي مستقيم ثابت؛ إذ أن لاهوته ونظرته العالمية تتحكم دائماً في تفسيره.[1]
إن كان صحيح أن الكتاب المقدس هو كلمة الله، وأن الفكر البشري يسعى باستمرار إلى علاقة متسقة بين الأفكار المقبولة بشأن معتقد معين، فما هو المنهج الذي يجب استخدامه لتجنب الخطأ في اكتشاف المعنى الحقيقي للكتاب المقدس؟ كيف يمكن للشخص أن يعمل من خلال متاهة مفاهيمه المسبقة ومفاهيم المفسرين الآخرين للكتاب المقدس، لكي يتوصل إلى الرسالة التي يعلنها الله في الكتاب المقدس؟ الإجابة على هذين السؤالين ستكون هي الجزء الرئيسي من هذه الدراسة في الفصلين 15 و16.
إن عملية تركيب التعليم الكتابي معاً تشبه استخدام العالم للاستقراء والاستنتاج. يبدأ المفسر بمقطع معين، فيثبت المعنى الذي يقصده المؤلف. ثم يقوم بهذه العملية مع جميع المقاطع الأخرى التي تتعالم مع نفس الموضوع والموضوعات المرتبطة به، سعياً للربط بينها في وحدة شاملة. يقوم المفسر بعد ذلك بصياغة نموذج معقول، أو فرضية ما، واثقاً من الوحدة النهائية للكتاب المقدس. ويصبح هذا النموذج بالتالي أساساً لدراسة مقاطع أخرى. النموذج الذي يتم فحصه بدقة، واعتناقه باقتناع، يصبح نظاماً لاهوتياً يفهم به المفسر الكتاب المقدس.
لكن الوصول إلى نظام ليس خطوة نهائية في التفسير، لأن تفسير الكتاب المقدس هو عملية تستمر طوال الحياة. كما أن الكتاب المقدس يجب دائماً أن يتحكم في النظام؛ فيجب ألا يسمح للنظام أن يتحكم مطلقاً في الكتاب المقدس. الأكثر من ذلك، يكون المفسر مسؤولاً إما أن يدمج كل التعليم الكتابي داخل نظامه، أو أن يتخلى عن النظام. بالإضافة لذلك فإن عناصر النظام التي لا يمكن التحقق منها بواسطة البرهان الكتابي المباشر يجب التعامل معها باتضاع باعتبارها غير نهائية.
لذلك فإن هناك استخدام مشروع لنظام ما للمبادئ في دراسة الكتاب المقدس. لكن تنشأ المشكلة عندما يصبح النظام نفسه هو السلطة، فيجلس للحكم على السلطة المستقلة لأي مقطع من مقاطع الكتاب المقدس. يساء تفسير الكتاب المقدس عندما يستخدم المفسر الافتراضات العقائدية للنظام، لإجبار المقطع على الاتفاق مع العقيدة، بدلاً من أن يعدل العقيدة لكي تتفق مع الكتاب المقدس.
بسبب الحماسة المعطاة من الله لكل من العلماء والعلمانيين على السواء عبر العصور، لفهم كل حق الله، قام الناس في البداية بإنشاء ما يبدو بالنسبة لهم أنظمة متسقة متجانسة، وبعد ذلك قاموا بتفسير كل مقاطع الكتاب المقدس على أساس أنظمتهم. يسمى ذلك المنهج العقائدي، والافتراضات المسبقة للتفسير العقائدي هي هذه: كل تعاليم الكتاب المقدس هي من الله، ويجب أن ينظر إليها كوحدة متناسقة. بعد أن يتم اكتشاف هذه الوحدة المنظمة، يجب أن يتفق معها تفسير معين.
يتكون إطار العمل العقائدية من مواد موجودة في الكتاب المقدس ومن استنتاج منطقي مبني على بيانات الكتاب المقدس. عندها يتم جعل كل مقطع كتابي يتفق مع ذلك النظام. لهذا السبب، توقف كثيرون من العلماء في السنوات الأخيرة عن الحديث عن تفسيرات، أو عن مجموعة من الإرشادات التي يمكن بها للشخص أن يفسر الكتاب المقدس. بل أصبحوا يتحدثون عن تفسير في صيغة المفرد. هذا يعني أن الشخص يعترف بصراحة ليس فقط بافتراضاته المسبقة بل بنظامه الكامل، ثم على أساس ذلك النظام يسعى لفهم الكتاب المقدس. يوجد لدينا اليوم التفسير الجديد، والتفسير الكالفيني، والتفسير الإعفائي، والكثيرون غيرهم.
لكن، رغم أني قلت في السنوات الأخيرة، إلا أن هذا كان أساس التفسير في العصور الوسطى كذلك:
خلال العصور الوسطى، كان الكثيرون، حتى رجال الدين، يعيشون في جهل عميق بالكتاب المقدس… وقد أصبح مبدأ قائماً، أن تفسير الكتاب المقدس يجب أن يكيف نفسه على التقليد وعلى عقيدة الكنيسة. وقد تم اعتبار أن ذروة الحكمة هو أن يعاد استخراج تعاليم الآباء، وأن يتم العثور على تعاليم الكنيسة في الكتاب المقدس… بل أن حتى هوجو من سانت فيكتور قال: “أعرف أولاً ما يجب أن تؤمن به، ثم اذهب بعد ذلك إلى الكتاب المقدس لكي تعثر عليه هناك”.[2]
في منتصف القرن السادس عشر أنشأ مجمع ترنت المنهج العقائدي باعتباره أنه الافتراض التفسيري الرسمي للكنيسة الرومانية الكاثوليكية. وقد أقر المجمع بأن كلاً من الكتاب المقدس والكنيسة معصومان من الخطأ، مما جعل بدوره عقيدة الكنيسة هي العامل المتحكم في التفسير.
لكن ماذا عن المصلحين؟ يوجد تفسير واحد فقط لنظرة لوثر المتدنية لسفر يعقوب. كان نظام لوثر الأساسي موجود في رومية 1: 17، وحيث أن سفر يعقوب ابتعد عن ذلك المعيار، كما فهمه لوثر، فقط كان السفر بالنسبة له “رسالة ضالة”.
هل يمكن بواسطة أي مبدأ كتابي في التفسير، أن تعني الآية الموجودة في يوحنا 3: 16: “لأنه هكذا أحب الله المختارين”؟ يبدو أنه لا يمكن أن يكون هناك مثل هذا التفسير، إلا على أساس افتراضات عقائدية، أي بواسطة نظام تم إنشاؤه بحيث يصبح معنى ذلك المقطع مختلفاً عن معناه الواضح والعادي. وبالمثل، يمكن لنظام ما أن يُستخدم لاستبعاد التوبة كمطلب يسبق قبول الله للإنسان، أو استبعاد الصلاة الربانية عن أن تكون ملائمة لشفاه المسيحيين.
وهكذا فغن النظام يحدد المعنى. يتحدث ميلتون تيري عن قضية التفسير على أساس افتراضات عقائدية مسبقة، فيقول:
عندما يفترض أحد اللاهوتيين وجهة نظر لعقيدة كنسية، ومن ثم يستكمل بمهاترة للبحث عن نص وحيد في الكتاب المقدس مفضل لديه أو غير مفضل لدى خصمه، يكون الأرجح كثيراً أن يبالغ في الأمر. فقد تكون عقيدته في مثل صدق الكتاب المقدس نفسه؛ لكن وسيلته مرفوضة. شاهد مثلاً النزاع بين لوثر وزوينجلي حول مسألة اتحاد جسد المسيح ودمه بالخبز والخمر عند ممارسة العشاء الرباني، والأدب الجدلي للمبادئ المتناقضة، ومشاحنات الكالفينيين، والخلافات الخاصة بالأسرار المقدسة.
تجد أن الكتاب المقدس كله قد تم نهبه ومعاملته كما لو كان مجموعة نصوص شديدة الصغر من الأدلة العقائدية…. لكننا يجب أن نتذكر أنه لا يوجد دفاع سليم، ولا مبدأ أكيد، يرتكز على وسائل غير نقدية، أو يتقدم على أساس افتراضات عقائدية. فمثل هذه الإجراءات ليست عرضاً للحقائق بل فرضاً لها.[3]
وهكذا يتجه المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس إلى التطرف، تكون له نتائج غير مرغوب فيها على الإطلاق، إذ لا يصبح الكتاب المقدس هو مصدر سلطته الخاص. فعلى الرغم من أنه قدم المادة الخام التي تم بناؤها داخل النظام، إلا أن قدراً كبيراً كذلك من الاستنتاج المنطقي تم بناؤه أيضاً في النظام. هذا الهيكل النظامي إذاً يتم فرضه على أي مقطع في الكتاب المقدس، وبذلك يصبح هو السلطة التي بها يُستبعد المعنى الطبيعي للمقطع.
إن المنهج العقائدي كما يتم تعريفه هنا، رغم أنه يقبل كلاً من السمات الطبيعية وفوق الطبيعية في الكتاب المقدس، إلا أنه يعوق الدراسة الموضوعية الساعية نحو تحديد المعنى الذي يقصده المؤلف. وفي النهاية، يمكنه أن يثبط أي تفسير جيد. بل أنه يمكن أن يستبدل السلطة المستقلة للكتاب المقدس بسلطة نظام من صنع إنسان.
توجد ثلاثة مصادر مثالية للعقيدة التي تتحكم في التفسير. إذ يتم تحقيق الترابط المنطقي – سواء بين تعاليم الكتاب المقدس أو في موقف الفرد الشخصي – بواسطة الخضوع غير النقدي للعقيدة النابعة من واحد من المصادر الثلاثة التالي: التقليد، مسيحي آخر، أو الاختبار الشخصي.
التقليد
يمكن أن ننظر للتقليد إما بصورة إيجابية أو سلبية. فكعقيدة أو نظام عقائدي تم تبنيه بواسطة كيان مسيحي وتم نقله لأجيال متعاقبة، يساعد التقليد في إظهار الحقائق التي صمدت في اختبار الزمن. كما أنه يقدم لكنيسة اليوم فهماً للكنيسة التاريخية. فكم يكون صعباً بالنسبة للمسيحيين لو أنه كان على كل جيل جديد أن يفكر ويقرر بشأن أمور مثل تعريف الثالوث، والعلاقة بين البشرية والإلهية في المسيح، أو التبرير بالنعمة من خلال الإيمان. تاريخياً، قاد الروح القدس الكنيسة في تأسيسها للتفسيرات التي صمدت في اختبار الكتب المقدسة في ذلك الوقت، ثم صمدت الآن في اختبار الزمن.
إلا أن التقليد يمكن أيضاً أن يعوق التفسير الأمين للكتاب المقدس إذا كانت التفسيرات التقليدية قد تم تبنيها دون مبرر كتابي سليم. فالافتراضات الموروثة غير الممحصة تعمل غالباً كمجموعة من الغمامات التي توضع على الأعين والتي تمنع المسيحيين من رؤية ما يقع خارج مجال رؤيتهم من الكتاب المقدس. الأكثر من ذلك، فإن الرؤية المحدودة تشوه ما يتم رؤيته.
إن نظام العقيدة الموروث يحتاج أن يتم تعديله وإصلاحه بإخضاعه تحت السلطة القوية الصارمة للكتاب المقدس – فنسمح للكتاب المقدس أن يتحكم في إيمان الشخص وسلوكه حتى عندما يبدو أن مقطع معين لا يتفق مع النظام. رغم أنه يكون هناك توكيد ويقين أكثر عندما يشترك كثيرون من المؤمنين الآخرين في اعتناق نظام ما، إلا أن هذا لا يعني أن كل مسيحي يجب أن يتفق تماماً مع نظام تقليدي معين، مثل نظام العهد، أو النظام الإعفائي، أو الكالفيني، أو الأرميني، أو اللوثري، أو التجديدي. فكل إنسان له نظام، سواء يعمل بصورة ظاهرة أو ضمنياً فقط. لكن أياً كان النظام، سواء كان تقليد موروث أو بنية شخصية، يجب القيام بالتفسير بصرامة تحت إشراف سلطة الكتاب المقدس المستقلة.
مسيحي آخر
المنهج العقائدي في التفسير الأقل تبريراً يحدث عندما يقبل المرء تعليم شخص آخر بصورة غير نقدية، مثل تعليم معلم أو راع مهاب. فالسماح لشخص ما بأن يقيم عقيدة أو تفسير كتابي دون افتراض المسؤولية الشخصية في الفهم والثقة والطاعة لتعاليم الكتاب المقدس، قد يأتي نتيجة لواحد من دوافع متعددة. فمحبة القائد الذي يوكل إليه مسؤولية تفسير الكتاب المقدس أو الإعجاب به قد يقود إلى الاستبعاد غير النقدي للمسؤولية الشخصية. يكون هذا الأمر سهلاً عندما تكون معرفة القائد الموثوق به أكثر كثيراً من معرفة التابع، وخاصة عندما يشجع مثل هذا القائد على مثل هذه النوعية من العلاقة، أو يتوقعها كمطلب من متطلبات “التلمذة” أو “الولاء”. إذ أنه يوجد شعور بالأمان في قبول القائد للتابع أو لجماعة التابعين.
بالطبع، يمكن للمرء أن يتنازل عن مسؤوليته نتيجة الكسل – غير راغب في أن يبذل جهداً لكي يفهم ويطبق الكتاب المقدس هو شخصياً. فالخيط الدقيق بين التعلم باتضاع من الشخص الذي لديه معرفة، والسماح لذلك الشخص بأن يبني عقيدة، قد لا يكون من السهل دائماً تمييزه. لكن كل مؤمن مسؤول أن يبذل أقصى جهده لكي يأتي بأفكاره وحياته تحت السلطة المباشرة للكتاب المقدس.
قد لا تكون المشكلة فيما يتم الإيمان به، بل في كيفية التوصل إلى هذا الإيمان. فإذا كان أي مسيحي يتمسك عقائدياً بتفسير للكتاب المقدس، لمجرد أن شخصاً آخر قدمه – بغض النظر عن مدى احترام ومهابة هذا الشخص – فإن الكتاب المقدس عندئذ لم يعد يعمل باعتبار أنه السلطة الوحيدة في هذه الحياة. فسلطة كل القادة المسيحيين هي سلطة مأخوذة ومستمدة؛ لكن سلطة المسيح وحده من خلال كلمته هي السلطة المطلقة.
الاختبار الشخصي
أما الاتجاه الثالث الخاطئ للمنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس فهو السماح للاختبار الشخصي بأن يبني عقيدة. فعندما ننظر بطريقة إيجابية إلى اختبار المسيحي مع الله، نجد أنه يدفعه للرغبة في معرفة المزيد عن الله. وكلما وثقنا في الله وأطعناه أكثر، كلما أظهر أمانته نحونا أكثر. لكن اختبار المسيحي يمكن أن يصبح عائقاً في طريق التفسير الكتابي السليم. ففي النهاية يكون الكتاب المقدس وحده هو السلطوي وليس التقييم الذاتي لاختبار الشخص مع الله.
فعلى سبيل المثال، يصحب اختبار التجديد دائماً أفكار معنية عن الخطية، وعن شخص يسوع المسيح، وعن عمل الروح القدس، وعن أهداف الكنيسة. لكن لو في وقت لاحق رفض المسيحي أن يغير من آرائه في ضوء الشهادة الكتابية، قائلاً، “إني أعرف أن ما كنت أؤمن به دائماً هو الصواب لأني اختبرته”، أو “كان الله يعمل في حياتي عندئذ، لذلك فأنا أعلم أنه لا بد وأن يكون صحيحاً”، عندها يكون الاختبار الشخصي قد أصبح سلطة. لكن لا بد أن نفسر اختبارنا بواسطة الكتاب المقدس وليس أن نفسر الكتاب المقدس بواسطة اختبارنا.
في تطوير تفسير خاص لمقطع كتابي أو لنظام شخصي للعقيدة، لا بد أن نقوم بذلك باتضاع عظيم. فإن أقل ما يقال عن ابتعادنا عن الحكمة العامة للكنيسة، هو أنه أمر خطير. فعلى الرغم من المفاهيم المعاصرة للحكم الذاتي للفرد، إلا أن الروح القدس يقود كنيسته بطريقة لا يمكن للفرد المستقل أن يدعيها بثقة. وإذ قد أشرنا إلى ذلك، نقول إنه يجب على كل منا أن يعطي حساباً عن كيفية تعامله مع الكتاب المقدس: “اجتهد أن تقيم نفسك لله مذكى عاملاً لا يخزى مفصلاً كلمة الحق بالاستقامة” (2تيموثاوس 2: 15).
لقد قمنا بفحص أربعة مناهج لتفسير الكتاب المقدس، يمكن أن تقود دارس الكتاب المقدس إلى الضلال، وهي: المنهج فوق الطبيعي، بتفسيراته الرمزية أو السرية؛ والمنهج الطبيعي، بتفسيراته العقلانية؛ والمنهج الوجودي، بمزيجه غير النافع بين الطبيعي وفوق الطبيعي؛ والمنهج العقائدي، الذي يفسر كل مقطع كتابي على أساس افتراضات عقائدية مسبقة. لاحظ أن كلاً من هذه المناهج مبني على افتراض صحيح بشأن الكتاب المقدس: أي أنه فوق طبيعي، وإنه طبيعي، وإنه يجب تطبيقه، وإنه متسق ومترابط – أي أن كل تعاليمه تتفق معاً في وحدة متكاملة. المشكلة هي أن كلاً من المناهج قد ركزت على افتراض صحيح بشأن الكتاب المقدس، ولكنها تجاهلت كون بقية الافتراضات الأخرى صحيحة كذلك. لذلك فالحل هو أن نتعامل مع الكتاب المقدس بجميع الافتراضات التي يعتقدها عن نفسه.
هذه الافتراضات الكتابية تتضمن مبادئ معينة سنقوم بالتعرف عليها الآن. بعد ذلك، سوف نناقش الإرشادات التي تنشأ عن تلك المبادئ.
مراجع مختارة للمزيد من الدراسة
بيركوف، لويز. Principles of Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1950.
براجا، جيمس. How to Study the Bible. Portland, Oreg.: Multnonah, 1982.
كارسون، دونالد إيه. Exegetical Fallacies. Grand Rapids: Baker, 1984.
إفيرد، جيمس إم. How to Interpret the Bible. Atlanta: John Konx, 1984.
فيك، جوردون دي، ودوجلاس ستيوارت. How to Read the Bible for All Its Worth. Grand Rapids: Zondervan, 1981.
فيرجاسون، دانكان إس. Biblical Hermeneutics: An Introduction. Atlanta: John Knox, 1986.
إنش، موريس إيه، وسي هازل بولوك، محرران. The Literature and Meaning of Scripture. Grand Rapids: Baker, 1981.
لونجنيكر، ريتشارد. Biblical Exegesis in the Apostolic Period. Grand Rapids: Erdmans, 1975.
كيرلي، إف فورمان، وإدوارد بي ميرز، وتيموثي دي هادلي، محررون.Biblical Interpretation: Principle and Practice. Grand Rapids: Baker, 1986.
ميكسلن ،إيه باركلي. Interpreting the Bible, Grand Rapids: Eerdmans, 1963.
رام، بيرنارد. Protestant Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1970.
شولتز، صامويل، وموريس إيه إنش. Interpreting the Word of God Today. Chicago: Moody, 1976.
سبرول، أر سي. Knowing Scripture. Downers Grove, Intervarsity, 1977.
تيري، ميلتون. Bible Hermeneutics طباعة. Grand Rapids: Zondervan, 1974.
ستوت، جون آر. Understanding the Bible طبعة ثانية. Grand Rapids: Zondervan, 1985.
فيركلر، هنري إيه. Hermeneutics: Principles and Processes of Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1981.
[1] انظر إيرنست بست، From Text to Sermon: Responsible Use of the New Testament in Preaching (Atlanta: John Knox, 1978)، الصفحات 97-99.
[2] لويز بيكوف، Principles of Biblical Interpretation (Grand Rapids: Baker, 1950)، صفحة 23.
[3] ميلتون إس تيري، Biblical Hermeneutics (Grand Rapids: Zondervan, 1974)، صفحة 172.
“المحبة تستطيع أن تحتمل، والمحبة تستطيع أن تغفر… لكن المحبة لا تستطيع أبداً أن تتصالح مع شيء بغيض… لذلك لا يستطيع الله مطلقاً أن يتصالح مع خطيئتك، لأن الخطية نفسها غير قابلة للتغيير، ولكن الله يمكنه أن يتصالح معك كشخص، لأن الشخص يمكن استرداده وتجديده.”
تراهيرن
Traherne. Centuries of Meditation.
إن أي تفكير في صلاح الله ينذرنا على الفور بالمعضلة التالية. فمن ناحية، إذا كان الله أحكم منا فإن حكمه لا بد أن يختلف عن حكمنا في الكثير من الأمور، وليس بأقلها في الخير والشر. فما يبدو بالنسبة لنا خيراً قد لا يكون خيراً في عينيه، وما يبدو بالنسبة لنا شراً قد لا يكون شراً.
من الناحية الأخرى، إذا كان حكم الله الأدبي الأخلاقي يختلف عن حكمنا بحيث أن ما نعتبره “أسود” قد يكون بالنسبة لله “أبيض”، فليس هناك أي معنى أن ندعو الله صالحاً؛ لأننا عندما نقول إن “الله صالح”، بينما نؤكد أن صلاحه يختلف بالكامل عن صلاحنا، فهذا معناه الحقيقي فقط أن نقول، “إننا لا نعرف ماهية الله”. وصفة غير معروفة على الإطلاق في الله لا تستطيع أن تعطينا أسساً أخلاقية لكي نحبه ونطيعه. فإذا لم يكن الله (بحسب مفهومنا) “صالح” فإننا سنطيعه، إن كنا سنطيعه من الأساس، فقط من خلال الخوف – وعندها يجب أن نكون مستعدين بالمثل أن نطيع شيطاناً كلي القدرة. عندما نستنتج من عقيدة “الفساد الكلي” Total Depravity – أنه حيث أننا فاسدون كلية فإن فكرتنا عن الخير ببساطة لا تساوي شيئاً – فإن هذا قد يحول المسيحية بالتالي إلى شكل من أشكال عبادة الشيطان.
لذلك يعتمد الهروب من هذه المعضلة على ملاحظة ما يحدث في العلاقات الإنسانية، عندما يدخل إنسان ذو معايير أدبية أخلاقية دنيا إلى مجتمع يتكون من أولئك الذين هم أفضل وأحكم منه ويتعلم تدريجياً أن يقبل “معاييرهم”، وهي عمليه، إذ تحدث، يمكنني أن أصفها بدقة شديدة، حيث أنني قد اختبرتها بصفة شخصية، فعندما ذهبت أول مرة إلى الجامعة كنت تقريباً بدون ضمير أخلاقي هو نوع من النفور الضئيل من القسوة ومن الدناءة بشأن المال، أما العفة، والصدق، والتضحية بالنفس فقد كنت أفكر فيها مثلما يفكر قرد البابون في الموسيقا الكلاسيكية.
لكن برحمة الله وقعت بين مجموعة من الشباب (وبالمناسبة، ليس من بينهم مسيحيون) كانوا قريبين مني في الفكر والخيال بما يكفي بحيث مثلوا بالنسبة لي مصدر علاقة حميمية مني في الفكر والخيال بما يكفي بحيث مثلوا بالنسبة لي مصدر علاقة حميمية مباشرة، ولكنهم أيضاً عرفوا، وحاولوا أن يطيعوا، القانون الأخلاقي. وبالتالي فإن حكمهم على الخير والشر كان مختلفاً جداً عن حكمي.
ما يحدث في مثل هذه الحالة لا يشبه في أقل تقدير أن يتم سؤالك أن تعامل ما كان يطلق عليه حتى ذلك الحين “أسود”، باعتباره “أبيض”. فالأحكام الأخلاقية الجديدة لا تدخل العقل أبداً كمجرد انعكاسات Reversals للأحكام السابقة (رغم انها تقوم بالفعل بعكسها)، بل “كأسياد متوقعين بكل تأكيد”. فلا يمكن أن يكون لديك أدنى شك في الاتجاه الذي ستتحرك فهي؛ إذ ان هذه الأحكام الجديدة تشبه “الخير” أكثر من ذرات الخير التي كانت لديك بالفعل، ولكنها تكون من ناحية ما مستمرة معها (يعني الكاتب أن كل إنسان في داخله بعض الإدراك لما هو خير وصالح، وبداخله أيضاً بعض القدر من ذرات الصلاح، حتى وإن كانت أفعاله شريرة، وعندما يتعرف هذا الإنسان على الخير والصلاح فإنه يجد أن في داخله تعرف وإدراك مسبق لهذا الصلاح – المحرر).
لكن الاختبار العظيم هنا هو أن إدراك المعايير الجديدة يصحبه شعور بالخزي والذنب؛ إذ يعي الإنسان أنه قد أخطأ بفداحة داخل مجتمع هو غير مؤهل له. وهكذا، في ضوء مثل هذه الخبرات لا بد لنا أن نفكر في صلاح الله.
دون أدنى شك، فكرة الله عن “الصلاح” تختلف عن فكرتنا؛ لكنك لا تحتاج أن تخاف من أنك إذ تقترب من فكرته سيطلب منك ببساطة أن تعكس Reverse أو تناقض معاييرك الأخلاقية؛ فعندما يظهر لك الفارق المقصود بين الأخلاقيات الإلهية وأخلاقياتك الشخصية، لن يكون لديك في الحقيقة أدنى شك في أن التغيير المطلوب منك هو في الاتجاه الذي تستطيع بالفعل أن تدعوه “أفضل”.
يختلف “الصلاح” الإلهي عن صلاحنا، لكنه “لا يختلف جوهرياً” عنه؛ إنه لا يختلف عنه مثل اختلاف الأبيض عن الأسود، بل مثل اختلاف الدائرة الكاملة المتقنة عن أول محاولة يقوم بها طفل للاسم دائرة عجلة. لكن عندما يتعلم الطفل أن يرسم، سيعرف عندئذ أن الدائرة التي رسمها في النهاية هي ما كان يحاول أن يرسمه منذ البداية. (يقصد الكاتب أن صلاح الله لا يختلف عن صلاحنا في جوهره أي لا يناقضه بصورة مطلقة بل إنه يختلف عنه في جودته وكماله وإتقانه – المرجم.)
هذا التعليم مفترض مسبقاً في الكتاب المقدس. فالمسيح يدعو البشر إلى التوبة – وهي دعوة كانت ستصبح بلا معنى لو أن معايير الله تخلف جوهرياً عن المعايير التي عرفها البشر بالفعل وفشلوا في ممارستها. فالله يناشد حكمنا الأخلاقي الموجود بالفعل، إذ يقول، لماذا لا تحكمون في أنفسكم بما هو حق؟ (لوقا 12: 57) كان الله في العهد القديم يوبخ البشر على أساس مفاهيمهم الشخصية عن الامتنان والإخلاص والعدل؛ ويضع نفسه كما لو أنه في محاكمة مع مخلوقاته التي صنعها. “ماذا وجد فيّ آباؤكم من جور حتى ابتعدوا عني؟” (إرميا 2: 5).
بعد هذه المقدمات، أرجو أن يكون من الآمن أن أفترض أن بعض المفاهيم الخاصة بالصلاح الإلهي التي تميل إلى أن تسود تفكيرنا، رغم أنه يندر التعبير عنها بكلمات كثيرة، هي الآن عرضة للنقد.
في أيامنا هذه نحن نقصد بصلاح لله حصرياً تقريباً، محبته؛ وقد نكون على حق في ذلك. في هذا السياق، معظمنا يعني بالحب، اللطف والحنان، أو الرغبة في رؤية الآخرين أكثر سعادة من النفس؛ ليس أن نراهم سعداء بهذه الطريقة أو تلك، بل فقط سعداء. فالذي يمكن أن يرضينا حقاً هو إله يقول على أي شيء نحب أن نفعله. “ماذا يهم، طالما أنهم راضون وقانعون؟” إننا في الحقيقة لا نريد “أباً” في السماء قد ما نريد “جداً” في السماء، شيخاً عجوزاً محسناً، الذي كما يقولون “يحب أن يرى الشباب يستمتعون”، والذي خطته لأجل الكون هي ببساطة أن يقال فعلياً في نهاية كل يوم، “لقد استمتع الجميع بوقت طيب”.
إنني أعترف أنه ليس كل الناس يقومون بصياغة لاهوت بمثل هذه المصطلحات بالتحديد؛ لكن هناك مفهوم لا يختلف كثيراً عن هذا يقبع في الخلفية الذهنية للكثيرين. أنا لا أزعم أنني استثناء، لذلك: كنت أرغب كثيراً في أن أعيش في عالم تحكمه مثل هذه الأفكار الخاطئة. لكن حيث أنه من الواضح بشدة أنني لا أستطيع ذلك، وحيث أن لدي سبب لكي أعتقد، رغم ذلك، أن الله محبة، فإنني أستنتج أن مفهومي عن الحب يحتاج إلى تصحيح.
ربما قد تعلمت بالفعل، حتى من الشعراء، أن الحب هو شيء أكثر صرامة وقوة وروعة من مجرد اللطف؛ وأن حتى الحب بين الجنسين، هو كما في دانتي Dante، “سيد ذو مظهر رهيب” ” A Lord of Terrible Aspect”. نعم هناك لطف في الحب؛ لكن الحب واللطف ليسا متزامنين ومتماثلين Coterminous، وعندما ينفصل اللطف (بحسب المعنى المقدم أعلاه) عن العناصر الأخرى من الحب، فإنه يتضمن نوعاً معيناً من اللامبالاة الجوهرية بالشيء موضوع اهتمامه، بل حتى ما يشبه احتقاره.
إذ يوافق اللطف بسهولة جداً على القضاء على الشيء موضوع اهتمامه، فقد التقينا جميعاً بأناس يقودهم لطفهم تجاه الحيوانات باستمرار إلى قتلها حتى لا تتألم. لذلك فاللطف، كمجرد لطف، لا يهتم ما إذا أصبح موضوع اهتمامه جيداً أو سيئاً، طالما أنه يهرب من الألم. لكن كما يشير الكتاب المقدس، النغول هم الذين يتركون دون تهذيب؛ أما الأبناء الشرعيون، الذين عليهم أن يحملوا ويواصلوا تقليد العائلة، فيتم تأديبهم.
فالناس الذين لا يعنينا شيء من أمرهم هم الذين نطلب لهم السعادة بأية شروط، أما أصدقائنا، وأحبائنا، وأبنائنا، فإننا نكون صارمين، ونفضل حتى أن نراهم يتألمون كثيراً عن أن يكونوا سعداء بطرق حقيرة وجافية. فإذا كان الله محبة، فإنه بحسب تعريف المحبة، يكون أكثر من مجرد لطف. ويبدو من كل السجلات، أنه على الرغم من أن الله يوبخنا كثيراً ويديننا، إلا أنه لا ينظر إلينا أبداً باحتقار وازدراء.
فقد أعطانا الله عطية الحب التي لا يمكن استيعابها أو التعبير عنها، وبرهم لنا هذا الحب بأعمق المعاني وبأكثر الطرق المأساوية التي لا تنسى (هذا التعبير هو تجسد الله في المسيح وموته الكفاري – المحرر).
بالطبع، العلاقة بين الخالق والمخلوق هي علاقة متفردة، ولا يمكن مقارنتها بأية علاقة أخرى بين مخلوق وغيره. فالله أسمى وأبعد عنا وفي نفس الوقت أقرب إلينا، من أي كائن آخر. فهو أبعد عنا لأن الفارق المطلق بين ذاك الذي يحمل في ذاته مبدأ وجوده وذلك المخلوق الذي يتواصل معه، يمكن مقارنته بالفارق بين رئيس الملائكة ودودة حقيرة.
فالله هو الذي يخلق، ونحن المخلوقون؛ هو الأصل، ونحن المشتقون منه. لكن في نفس الوقت، ولنفس السبب، فإن العلاقة الحميمة بين الله وبين حتى أدنى المخلوقات هي أقرب من أية علاقة يمكن الوصول إليها بين مخلوق وآخر.
إن حياتنا، في كل لحظة منها، مستمدة من الله؛ فالقوة المعجزية الضئيلة المتمثلة في إرادتنا الحرة تعمل فقط في أجساد تقوم طاقته المستمرة بحفظها في الوجود، بل أن مجرد قدرتنا نفسها على التفكير هي قدرته المنقولة إلينا، مثل هذه العلاقة الفريدة يمكن إدراكها فقط بواسطة التشبيهات؛ فمن خلال مختلف أنواع الحب المعروفة بين المخلوقات، نصل إلى مفهوم غير كاف، ولكنه مفيد، عن محبة الله للإنسان.
أدنى أنواع الحب، النوع الذي لا يُعتبر “حباً” على الإطلاق إلا فقط كامتداد للكلمة، هو الذي يشعر به الفنان تجاه عمل فني. تتم تصوير علاقة الله بالإنسان بهذه الطريقة في رؤية إرميا للفخاري والوعاء الذي كان يصنعه من الطين، أو عندما يتكلم القديس بطرس عن الكنيسة بأكملها باعتبارها بناء يعمل فيه الله، وعن الأعضاء الأفراد باعتبارهم حجارة. لكن تتمثل محدودية هذه التشبيه بالطبع في أنه في هذا الرمز لا يعتبر المتألم حياً، وأن هناك قضايا معينة تختص العدالة والرحمة تنشأ عندما تكون “الحجارة” بالفعل “حية”.
وبالتالي تظل هذه القضايا غير ممثلة في هذا التشبيه. لكنه تشبيه مهم على قدر ما يذهب إليه. فنحن، ليس مجازياً بل بالحقيقة، تحفة فنية إلهية، شيء يصنعه الله، وبالتالي لن يرضى إلا عندما يكون له شخصية وكفاءة معينة. هنا، مرة أخرى، نلتقي بما أطلق عليه “الثناء الذي لا يُعبر عنه” Intolerable Compliment (بمعنى ان اهتمام الله وتعلقه بالإنسان لا يمكن استيعابه او التعبير عنه. إنه نوع من الحب غير مدرك المعاني أو المفردات بالنسبة للإنسان الذي هو مثل الدودة الصغيرة الحقيرة – المحرر).
قد لا يشعر الفنان بانزعاج كبير بشأن لوحة قد رسمها دون اهتمام لإسعاد طفل؛ قد يرضى بأن يتركها كما هي رغم أنها قد لا تكون بالضبط كما قصدها أن تكون، لكنه بالنسبة للصورة العظيمة لحياته، العمل الذي يحبه، رغم أنه على نحو مختلف، في مثل القوة التي يحب بها رجل امرأة أو أم طفلها – سيتحمل مصاعب لا نهاية لها – وبالتالي سيعطي بلا شك اهتماماً لا حد له للصورة لو كانت حية. يمكن للإنسان أن يتخيل صورة حية، بعد أن يتم حكها وكشطها وإعادة رسمها للمرة العاشرة، تتمنى تلك الصورة لو أنها كانت فقط مجرد رسم مصغر يتم الانتهاء منه في دقيقة. نفس الطريقة، من الطبيعي بالنسبة لنا أن نتمنى لو أن الله كان قد صمم لنا مصيراً أقل مجداً وبالتالي أقل شقاءً؛ لكننا عندها نكون راغبين ليس في حب أكثر بل في حب أقل.
هناك نوع آخر من الحب وهو محبة إنسان لحيوان، وهي علاقة تستخدم باستمرار في الكتاب المقدس لكي ترمز إلى العلاقة بين الله والبشر؛ فنحن قطيعه، “شعبه وغنم مرعاه”. هذا من بعض النواحي تشبيه أفضل من السابق، لأن الطرف الأدنى كائن حي، ولكنه مع ذلك أدنى بلا أي شك من الطرف الآخر. لكن هذا المقياس لا يزال أقل من جيد، حيث أن الإنسان لم يخلق الحيوان ولا يفهمه بالكامل.
ومع ذلك تكمن القيمة العظيمة في التشبيه في حقيقة أن الرابط (يمكن أن نقول مثلاً) بين إنسان وكلب هي في الأساس لأجل خاطر الإنسان: فالإنسان يروض الكلب في الأساس لكي يحب الكلب، وليس لكي يحبه الكلب، ولكي يقوم الكلب بخدمته، وليس لكي يقوم الإنسان بخدمة الكلب. لكن في نفس الوقت، لا يتم التضحية باهتمامات الكلب لأجل اهتمامات الإنسان. فالغاية الواحدة (أن يحب الإنسان الكلب) لا يمكن الوصول إليها بالكامل إلا إذا قام الكلب أيضاً، بطريقته، بمحبة الإنسان، ولا يستطيع الكلب أن يخدم الإنسان إلا إذا قام الإنسان، بطريقة مختلفة، بخدمة الكلب.
فقط لأن الكلب بحسب المقاييس البشرية هو واحد من “أفضل” المخلوقات غير العاقلة، وموضوع مناسب لمحبة الإنسان – بالطبع بدرجة ونوع المحبة التي تناسب مثل هذا الكائن، وليس بدرجة المبالغات السخيفة بتشبيه الكلب بالإنسان – يتدخل الإنسان في حياة الكلب ولجعله محبوباً أكثر مما هو عليه في الطبيعة. ففي حالته كما هو بالطبيعة يكون للكلب رائحة منفرة، وعادات تحبط محبة الإنسان: لذلك يقوم الإنسان بغسل جسم كلبه، وتدريبه في البيت، وتعليمه ألا يسرق؛ وبذلك يستطيع الإنسان أن يحبه بالكامل. بالنسبة إلى الجرو، لو كان عالماً لاهوتياً، لكانت ستبدو له العملية كلها وكأنها تلقي بشكوك خطيرة على “صلاح” الإنسان؛ لكن الكلب كامل النضج وتام التدريب، والأكبر حجماً، والأكثر صحة، والذي يعيش حياة أطول من الكلب البري. والذي يمنح الدخول، كما لو كان بالنعمة، إلى عالم كامل من الميول والولاءات والاهتمامات ووسائل الراحة أبعد بكثير من مصيره الحيواني. لن تكون له مثل هذه الشكوك.
ستلاحظ أن الإنسان (إنني أتكلم خلال كل ذلك عن إنسان صالح) يتحمل كل هذه المشقات والآلام مع الكلب، ويسبب للكلب كل هذه الآلام، فقط لأنه حيوان في مستوى عال – لأنه محبوب بطريقة حميمة حتى أنه يستحق مشقة جعله محبوباً بالكامل. فالإنسان لا يقوم بتدريب حشرة “أبو مقص” في المنزل. أو يقوم بغسل جسم حشرة “أم أربعة وأربعين”. قد نرغب بالفعل لو كنا بمثل هذا الشأن الدنيء لدى الله حتى يتركنا لشأننا لكي نتبع دوافعنا الطبيعية – أن يتخلى عن محاولاته لتدريبنا على شيء يختلف كثيراً عن ذواتنا الطبيعية؛ لكن مرة أخرى، عندها لن نكون ساعين إلى مزيد من الحب، بل إلى القليل منه. (يريد الكاتب أن يقول إن محبه الله لنا تجعله يتحمل ألم تدريبنا وتشكيلنا وتجعلنا نجتاز في آلام مختلفة لأننا نمثل قيمة عظيمة بالنسبة له، لأننا لو كنا ذوي قيمة ضئيلة لما تحمل تلك التكلفة وهذه المشقة الباهظة. والمحبة الحقيقية الحميمة تستلزم التهذيب الذي يكون بلا شك مؤلماً – المترجم.)
هناك تشبه آخر أكثر نبلاً، والذي أقره الاتجاه المستمر لتعليم ربنا، وهو تشبيه محبة الله للإنسان بمحبة الأب لابنه. إلا أنه كلما يتم استخدام هذه التشبيه (أي كلما نصلي الصلاة الربية)، لا بد أن نتذكر أن المخلص استخدمه في وقت ومكان حيث كانت السلطة الأبوية تحتل مكانة أسمى بكثير مما هي عليها الآن في إنجلترا الحديثة. حين يكون الأب الآن نصف آسف لأنه أتى بابنه إلى العالم، خائفاً من كبحه لئلا ينشئ حواجز بينهما بل خائفاً حتى من تعليمه وإرشاده لئلا يتداخل في استقلالية فكره، وبالتالي يمثل ذلك رمزاً شديد التضليل للأبوة الإلهية.
إنني لا أناقش هنا ما إذا كانت سلطة الآباء، في حدودها القديمة، شيئاً جيداً أم سيئاً؛ بل إنني أشرح فقط ماذا كان يعني مفهوم الأبوة بالنسبة إلى أول من استمعوا إلى ربنا، وبالتأكيد لمن خلفوهم على مدى عدة قرون. سيصبح هذا أكثر وضوحاً إذا فكرنا كيف كان ربنا ينظر إلى بنوته الشخصية للآب، ويخضع إرادته بالكامل للإرادة الأبوية ولا يسمح حتى لنفسه بأن يدعى “صالحاً” لأن “الصالح” هو اسم الآب (رغم أن المسيح بحسب عقيدتنا، هو واحد مع أبيه وهو شريك سرمدي معه.
وهذا ما لا يوجد بين أي ابن أرضي لأب أرضي). فالحب بين الآب والابن، في هذا الرمز، يعني في الأساس الحب السلطوي من جانب، والحب الطائع من الجانب الآخر. فالأب يستخدم سلطته لكي يجعل الابن في صورة الكيان البشري الذي، عن حق في حكمته الفائقة، يريده أن يكون. حتى في أيامنا هذه، مهما كان يمكن للإنسان أن يقول، فليس هناك أي معنى أن يقول، “إنني أحب ابني ولكني لا أعباً بمدى بشاعة بذاءته طالما أنه يقضي وقتاً ممتعاً.”
أخيراً نأتي إلى تشبيه مليء بالأخطار، وذي تطبيق أكثر محدودية، والذي يتصادف مع ذلك أن يكون أكثر التشبيهات المفيدة لهدفنا الخاص في تلك اللحظة، وأعني بذلك، القياس بين محبة الله للإنسان ومحبة رجل لامرأة. ويستخدم هذا القياس بحرية في الكتاب المقدس. فإسرائيل زوجة خائنة، ولكن زوجها السماوي لا يستطيع أن ينسى الأيام السعيدة التي قضاها معها: “قد ذكرت لك غير صباك محبة خطبتك ذهابك ورائي في البرية في أرض غير مزروعة” (إرميا 2: 2) إسرائيل هو العروس الفقيرة اللقيطة التي وجدها حبيبها مطروحة على قارعة الطريق، فألبسها وزينها وجعلها جميلة ومع ذلك خانته. يدعونا القديس يعقوب “زناة وزواني”، لأننا ابتعدنا عن الله واتجهنا إلى “محبة العالم”، بينما الله “الروح الذي حل فينا يشتاق إلى الحب”.
هكذا أيضاً الكنيسة هي عروس الرب التي يحبها كثيراً حتى أنه لا يطيق أن يوجد فيها أي عيب أو غضن. لذلك فإن الحق الذي يعمل هذا التشبيه على تأكيده هو أن الحب، بحسب طبيعته الخاصة، يتطلب تكميل المحبوب Love In Its Own Nature , Demands The Perfecting Of The Beloved؛ وأن مجرد “اللطف” الذي يحتمل أي شيء سوى الألم لأجل الشيء أو الشخص موضوع الاهتمام هو، من هذه الناحية، في القطب المضاد للحب. فعندما نقع في حب امرأة، هل نتوقف عن الاهتمام بما إذا كانت نظيفة أم قذرة، جميلة أم كريهة؟ بل ألسنا بالأحرى نبدأ في الاهتمام بها؟ هل تعتبر أية امرأة أنها علامة على الحب في الرجل أنه لا يعرف ولا يهتم كيف يبدو مظهرها؟ يكن للمحب، بالتأكيد، أن يحب محبوبته عندما تفقد جمالها؛ ولكن ليس لأنه فقد.
يمكن للمحب أن يفغر كل العيوب والنقائص ويظل يحب على الرغم من كل هذه؛ لكن المحب لا يمكن أن يتوقف عن الرغبة في إزالة هذه العيوب. الحب أكثر حساسية من الكراهية نفسها لك عيب في المحبوب: “فمشاعره أكثر رقة وحساسية من القرون الرقيقة لقوقع الكوكل البحري.” أنه يغفر أكثر من كل القوى؛ ولكنه أقلها في التغاضي عن الأخطاء؛ إنه يرضى بالقليل، ولكنه يطلب الكل.
لذلك عندما تقول المسيحية أن الله يحب الإنسان، فإنها تعني أن الله “يحب” الإنسان بالحقيقة؛ وليس أن لديه نوع من الاهتمام الفاتر بمصلحتنا، لأنه فعلياً غير مبال أو مهتم، بل أن الحقيقة المهيبة والمدهشة، هي أننا نحن موضوع محبة الله. لقد طلبت إلهاً محباً: وها أنت لديك هذا الإله. إن الروح العظيمة التي استحضرها باستخفاف شديد، “السيد ذو المظهر الرهيب” حاضرة: وهو ليس شيخاً خيّراً يرغب وهو في حالة النعاس في أن تكون سعيداً بطريقتك الخاصة، ولا يقدم إحساناً بارداً كما من حالم ذي ضمير متيقظ، ولا مجرد رعاية كالمضيف الذي يشعر بالمسؤولية عن راحة ضيوفه، ولكن الله يحب لكونه هو نفسه ناراً آكلة، الحب الذي خلق العوالم، حب ثابت مستمر مثل حب الفنان لعمله الفني، وملح مثل محبة الإنسان لكلبه، وحكيم بعيد النظر وجليل مثل حب الأب لابنه، وغيور، يتعذر تغييره وكثير المطالب مثل الحب بين الجنسين.
كيف يمكن أن يكون هذا، لا أعرف؛ إنه حب يتخطى العقل لكي يفسر لماذا يجب لأية مخلوقات، فما بالك مخلوقات مثلنا، أن يكون لها مثل هذه القيمة المدهشة للغاية في عيني خالقها. إنه بالتأكيد ثقل مجد ليس فقط أبعد من استحقاقنا بل أيضاً، فيما عدا لحظات نادرة من النعمة، أبعد من رغبتنا؛ فنحن نميل، مثل العذارى في المسرحية القديمة، إلى أن ننتقص من محبة زيوس Zeus. لكن هذه الحقيقة تبدو غير قابلة للشك.
فالله الذي هو غير خاضع للألم Impassible يتكلم كما لو أنه يعاني من الحب والعشق، وذاك الذي يحوي في ذاته سبب سعادته وسعادة الجميع يتكلم كما لو أنه يمكن أن يكون في احتياج وشوق. “هل أفرايم ابن عزيز لدي أو ولد مُسر؟ لأني كلما تكلمت به أذكره بعد ذكراً. من أجل ذلك حنت أحشائي أليه” (إرميا 31: 20)، “كيف أتركك يا أفرايم؟ كيف أتخلى عنك يا إسرائيل… قد انقلب عليّ قلبي. اضطرمت مراحمي جميعاً” (هوشع 11: 8)، “يا أورشليم يا أورشليم، كم مرة أردت أن أجمعك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا” (متى 23: 37).
إن مشكلة التوفيق بين الألم البشري ووجود إله يحب، تصبح فقط غير قابلة للحل طالما أننا ننسب معنى تافهاً لكلمة “الحب”، وننظر إلى الأشياء كما لو أن الإنسان هو محورها. ليس الإنسان هو المركز. فالله لا يوجد لأجل الإنسان، كما أن الإنسان لا يوجد لأجل نفسه. “لأنك أنت (يا الله) خلقت كل الأشياء، وهي بإرادتك كائنة وخلقت.” (رؤيا 4: 11) فنحن لم نخلق أساساً لكي نحب الله (رغم أننا خلقنا لأجل ذلك أيضاً) بل لكي يحبنا الله، حتى نصبح موضوع محبته إذ “يُسر” الحب الإلهي بأن يستقر فينا.
لذلك أن نطلب أن محبة الله يحب أن ترضى بنا كما نحن، هذا معناه أننا نريد أن يتوقف الله عن أن يكون هو الله؛ فحيث أن الله هو كينونة وماهيته، فلا بد أن تٌعاق وتٌرفض محبته، بطبيعة الأمور، بواسطة موانع معينة في شخصياتنا الحالية. وحيث أنه بالفعل يحبنا فلا بد أن يجاهد ويتعب لكي يجعلنا محبوبين. إننا لا يمكن حتى أن نتخيل، في أفضل حالاتنا، أنه يمكن لله أن يصالح نفسه مع نجاساتنا الحالية. كما لم تستطع الفتاة المتسولة أن تتخيل أن يرضى الملك كوفيتوا King Cophetua يخرقها البالية وقذارتها، أو أن يتخيل كلب، بعد أن يكون قد تعلم أن يحب إنساناً، أن هذا الإنسان سوف يتحمل في بيته ذلك المخلوق القذر، الذي يعض وينهش، ويلوث المكان، في حالته البرية دون ترويض.
إن ما نطلق عليه هنا والآن “سعادتنا” ليس هو الغاية في الأساس في نظر الله. لكننا عندما نكون مثل ذلك الكيان الذي يستطيع الله أن يحبه بدون عوائق، عندئذ سنكون حقاً سعداء.
يمكنني أن أتوقع بوضوح أن مسار حجتي هذا قد يثير اعتراضاً. فقد وعدت أننا عندما نأتي إلى فهم الصلاح الإلهي يجب ألا يطلب منا قبول مجرد انعكاس Reversal لأخلاقنا الشخصية في الاتجاه المضاد. لكن قد يتم الاعتراض بأن هذا الانعكاس هو بالتحديد ما يطلب منا قبوله. ربما يٌقال إن نوع الحب الذي أنسبه إلى الله هو بالضبط النوع الذي نصنفه في البشر بأنه الحب “الأناني” Selfish أو “الاستحواذي” Possessive، وهو يتناقض بصورة غير مواتية مع نوع آخر يسعى أولاً إلى سعادة المحبوب وليس إلى رضا المحب.
لكني غير واثق من أن هذا هو بالضبط ما أشعر به حتى تجاه الحب البشري. فأنا لا أعتقد أنني يجب أن أعتبر محبة صديق ذات قيمة عظيمة إذا كان كل ما يهتم به فقط هو سعادتي، ولا يعترض إذا أصبحت مثلاً غير أمين. ومع ذلك، فالاعتراض هو موضع ترحيب، والإجابة عليه سوف تلتقي على الموضوع ضوءً جديداً، وتصحح ما كان ذو جانب واحد في نقاشنا.
الحقيقة هي أن هذا التناقض بين الحب الأناني Egoistic والحب الغيري Altruistic لا يمكن تطبيقـه بطريقة لا لبس فيها على محبـة الله لمخلوقاتـه. فتضارب الاهتمامات، وبالتـالي الفرص إما بسـبب الأنانية أو غير الأنانية، يحدث فقط بين الكائنات التي تسـكن عالماً مشتركاً A Common World؛ فلا يمكن لله أن يكون في منافسه مع مخلوق، كما لا يمكن لشكسبير Shakespeare أن يكون في منافسة مع آلة الكمان. وعندما صار الله إنساناً وعاش كمخلوق بين مخلوقاته في فلسطين، عندها بالحقيقة كان حياته حياة التضحية الفائقة بالنفس والتي أدت إلى الجلجثة.
قال أحد الفلاسفة الوجوديين المحدثين، “عندما يقع المطلق The Absolute داخل البحر فإنه يصبح سمكة”؛ بنفس الطريقة، يمكننا نحن المسيحيون أن نشير إلى التجسد Incarnation ونقول إنه عندما يُخلي الله نفسه من مجده ويخضع إلى تلك الظروف التي فيها فقط يكون للأنانية والغيرية معنى واضحاً، فإننا نراه غيرياً بالكامل. لكن الله في سموه – الله باعتباره الأساس غير المشروط لكل الظروف – لا يمكن بسهولة التفكير فيه بنفس الطريقة. إننا ندعو الحب البشري أنانياً عندما يُشبع احتياجاته الشخصية على حساب احتياجات الآخر موضوع المحبة – كما عندما يُبقي الأب أبناءه معه في المنزل، الذين يجب لأجل مصلحتهم الشخصية ان يخرجوا إلى العالم، لأنه لا يحتمل أن يتخلى عن رفقتهم له.
يتضمن هذا الموقف احتياجاً أو عاطفة من جانب المحب، واحتياجاً متضارباً من جانب المحبوب، وتجاهل المحب، أو جهله الملوم لاحتياج المحبوب. لكن لا توجد أي من هذه الحالات في علاقة الله بالإنسان. فالله ليس لديه احتياجات. الحب البشري، كما يعلمنا أفلاطون Plato، هو ابن الفقر، ابن الاحتياج او النقص؛ فسببه هو خير وصلاح حقيقي أو مفترض في محبوبه، والذي يحتاجه المحب ويرغب فيه. لكن محبة الله، إذ تبعد كثيراً عن أن تكون بسبب خير أو صلاح في الإنسان موضوع المحبة، هي التي تسبب كل خير وصلاح لدى ذلك الإنسان، فهي التي أحبته منذ البداية حتى أنها أتت به إلى الوجود ثم بعد ذلك جعلته يصبح جديراً حقاً بالحب، رغم أن تلك الجدارة مشتقة من الله.
فالله هو الخير والصلاح الخالص. يستطيع الله أن يعطي الخير، ولكنه لا يستطيع أن يحتاجه أو يحصل عليه. بهذا المعنى فإن كل حب الله، إذا جاز التعبير، غيري متفان إلى أقصى حد بحكم تعريفه الحقيقي؛ فالله لديه كل شيء لكي يعطيه، ولا شيء ليأخذه. من هنا، إذا كان الله في بعض الأحيان يتكلم كما لو أن الإله الذي هو غير خاضع للألم Impassible يمكن أن يتألم من العاطفة. وكما لو أن الملء الأبدي يمكن أن يكون في احتياج إلى تلك الكائنات التي يغدق عليها كل شيء بدية من مجرد وجودها وحتى كل شيء آخر فصاعداً.
فإن هذا يمكن فقط أن يعني، إن كان يعني أي شيء مفهوم بالنسبة لنا، أن الله بمجرد معجزة قد جعل نفسه قادراً أن يجوع، وخلق في نفسه ذلك الشيء الذي يمكننا نحن أن نشبعه. لذلك فإذا كان الله يحتاجنا، فإن احتياجه ذلك هو باختياره الشخصي. وإذا كان القلب الثابت غير القابل للتغير يمكن أن يحزن بسبب دمى من صنعه الخاص، فإن هذا القلب هو الإله كلي القدرة؛ وليس غيره، والذي أخضع قلبه بهذه الطريقة، وبكامل حريته، وباتضاع يفوق الفهم. إذا كان العالم يوجد ليس أساساً لكي نحب نحن الله بل لكي يحبنا الله، فإن تلك الحقيقة نفسها، على مستوى أعمق، هي كذلك لأجلنا نحن، إذا كان الشخص الذي في ذاته لا يمكن أن يحتاج إلينا أحد.
إن قبل ووراء كل علاقات الله بالإنسان، كما نعرفها نحن الآن من المسيحية، يقبع منجم وخزان لا محدود من فعل إلهي للعطاء الخالص – والذي يتمثل في اختار الإنسان، من اللاوجود Nonentity، لكي يكون محبوب الله، وبالتالي (من ناحية ما) يحتاجه الله ويرغب فيه – الله الذي لا يحتاج أو يرغب في شيء سوى هذا الفعل، حيث أن لديه سرمدياً كل الخير والصلاح، بل أنه هو نفسه، كل الخير والصلاح. هذا الفعل هو لأجلنا نحن، فمن الخير لنا أن نعرف الحب؛ والأفضل لنا أن نعرف محبة من هو أفضل موضوع للحب، الله نفسه.
لكن إذا قلنا إننا نعرف هذا الحب كحب كنا نحن فيه المبادرين المتوددين بالحب في البداية والله هو المحبوب، الحب الذي فيه نحن الذي سعينا إلى الله وهو الذي وجد، والذي فيه يتوافق الله مع احتياجاتنا، ولسنا نحن الذين نتوافق مع احتياجاته، أي أن حبنا نحن هو الذي يأتي أولاً، فهذا معناه أننا نعرف الحب بصورة مزيفة لطبيعة الأشياء نفسها. فحيث أننا مجرد مخلوقات فقط؛ لا بد أني يكون دورنا دائماً هو دور التابع تجاه القوة، دور الأنثى تجاه الذكر، دور المرآة تجاه النور، دور الصدى تجاه الصوت.
أقصى نشاط لنا لا بد أن يكون هو الاستجابة، وليس المبادرة. لذلك عندما نختبر محبة الله بصورة حقيقية وليست خيالية وهمية، فهذا معناه أنا نختبرها كتسليم لمطلبه، واتفاق مع رغبته؛ لكن أن نختبرها بطريقة عكسية، إذا جاز التعبير، فهذا خطأ نحوي ضد قواعد لغة الوجود.
إنني لا أنكر، بالطبع، أنه على مستوى معين قد يحق لنا أن نتحدث عن بحث النفس عن الله، وعن الله كمتلقي لمحبة النفس؛ لكن على المدى الطويل، بحث النفس عن الله يمكن فقط أن يكون صيغة، أو مظهر (Erscheinung) لبحث الله عنها، حيث أن الكل يأتي من الله، وحيث أن إمكانية حبنا نفسها هي عطية منه لنا، وحيث أن حريتنا هي فقط حرية للاستجابة سواء للأفضل أو للأسوأ. ومن هنا اعتقد أنه لا يوجد شيء يميز التوحيد الوثني عن المسيحية بصورة حادة قدر مبدأ أرسطو Aristotle بأن الله يحرك الكون، لكنه هو نفسه غير متحرك، كما يحرك المحبوب المحب. اما بالنسبة للمسيحية، “هذه هي المحبة، ليس أننا نحن أحببنا الله بل أنه هو أحبنا” (1يو 4: 10).
الحالة الأولى إذاً لما يُسمى الحب الأناني بين البشر، منعدمة بالنسبة لله. فالله ليس لديه ضرورات طبيعة، ولا هوى أو شهوة، لكي تتنافس مع رغبته في خير المحبوب؛ أو إذا كان فيه شيء يجب أن نتخيله فيما يشبه الهوى، أو الاحتياج، فإنه فيه بحسب مشيئته الخاصة ولأجل صالحنا نحن. كما أن الحالة الثانية أيضاً منعدمة بالنسبة لله. قد تختلف المصالح الحقيقية لطفل ما عما تتطلبه عواطف الأب بالغريزة، لأن الطفل هو كائن منفصل عن أبيه ذو طبيعة لها احتياجاتها الخاصة والتي لا تتواجد فقط لأجل الأب كما أنها لا تجد اكتمالها التام في أن تشعر بالحب من جانبه. ولا الأب نفسه يفهمها فهماً كاملاً. لكن المخلوقات ليس منفصلة هكذا عن خالقها، ولا يستطيع الخالق أن يخطئ فهمها.
فالمكان الذي صممها لأجله في نظام الأشياء هو المكان المصنوعة لأجله. لذلك عندما تصل إليه تُشبع طبيعتها وتتحقق سعادتها: هناك عظام مكسورة في الكون قد تم جبرها. فانتهى الألم والمعاناة. لذلك عندما نريد أن نكون شيئاً غير الشيء الذي يريدنا الله أن نكون، فلا بد أننا نرغب فيما هو، في الحقيقة، لن يجعلنا سعداء. إن تلك المطالب الإلهية التي تبدو لآذاننا الطبيعية مثل مطالب حاكم مستبد أكثر منها مطالب محب، هي في الحقيقة ترشدنا إلى حيث يجب أن نرغب في الذهاب لو كنا نعرف ما نريد. يطلب الله عبادتنا، وطاعتنا، وسجودنا. فهل نفترض أن هذه الأمور يمكن أن تصنع لله أية فائدة.
أو أن يكون هناك خوف، مثلما تقول الجوقة في ميلتونMilton، من أن عدم المهابة البشرية يمكن أن يأتي “بنقصان لمجده”؟ كلا على الإطلاق؛ لا يمكن لأنسان أن ينقص من مجد الله برفضه لعبادته، كما لا يمكن لمجنون أن يطفئ الشمس بأن يخربش كلمة “ظلمة” على جدران غرفته. الله يريد خيرنا، وخيرنا هو أن نحبه (بتلك المحبة المستجيبة التي تتناسب مع مخلوقات) ولكي نحبه لا بد ان نعرفه؛ وإذا عرفناه، فإننا في الحقيقة سوف نسقط على وجوهنا رهبة.
فإذا لم نفعل، فهذا يُظهر فقط أن ما نحاول أن نحبه ليس هو الله بعد – رغم أنه قد يكون أقرب تقريب لله يمكن لفكرنا وخيالنا أن يصل إليه. إلا أن الدعوة ليست فقط لكي نسجد ونرتعب؛ بل إلى ما نعكس الحياة الإلهية، فتصبح مخلوقات مشاركة في الصفات الإلهية التي هي أبعد بما لا يقاس عن رغباتنا الحاضرة. إننا مدعوون إلى أن “نلبس المسيح”، وأن نصبح مثل الله، وهذا يعني، سواء أحببنا ذلك أم لا، أن الله ينوي أن يعطينا ما نحتاجه، وليس ما نعتقد الآن أننا نريده. ومرة أخرى، نشعر بالخجل بسبب “الثناء الذي لا يعبر عنه” Intolerable Compliment لله بنا. بسبب محبة الله الكثيرة للغاية، وليست الضئيلة للغاية.
ومع ذلك ربما حتى هذه النظرة تقصر عن الحقيقة. ليس الأمر ببساطة أن الله قد خلقنا بتعسف بحيث يكون هو فقط خيرنا الوحيد. بل أن الله هو الخير الوحيد لجميع المخلوقات؛ وبالضرورة، كل منها لا بد أن يجد خيره في ذلك النوع والدرجة من الشبع والاستمتاع بالله الذي يلائم طبيعته. قد يختلف النوع والدرجة بحسب طبيعة المخلوق؛ لكن إمكانية أن يكون هناك على الإطلاق أي خير آخر، هو حلم إلحادي. في مقطع لا أستطيع أن أبحث فيه الآن. يمثل جورج ماكدونالد George Macdonald الله وكأنه يقول للبشر: “لا بد أن تكونوا أقوياء بقوتي ومباركين بنعيمي Blessedness، لأنه ليس لدي شيء آخر أعطيه لكم.”
هذا هو ختام الأمر كله. الله يعطي ما لديه، لا ما ليس لديه؛ إنه يعطي السعادة الموجودة، ليس السعادة غير الموجودة. فإما أن تكون الله – أو أنت تكون مثل الله وتشاركه صلاحه باستجابة المخلوق – أو أن تكون شقياً بائساً. هذه هي البدائل الثلاث الوحيدة المتاحة. فإذا لم نتعلم أن نأكل الطعام الوحيد الذي ينبته الكون (ما لدى الله) – الطعام الوحيد الذي يمكن لأي كون ممكنPossible Universe أن يُنبته على الإطلاق – فإننا لابد أن نتضور جوعاً إلى الأبد.
المسيح في الفكر الغنوسي يعتمد بالدرجة الأولى على الفكر الدوسيتي، فما هو الفكر الدوسيتي؟ والفكر الدوسيتي جاء من التعبير ” dokesis ” و ” dokeo ” والذي يعني ” يبدو “، ” يظهر “، ” يُرى “، ويعني الخيالي phantastic . فقد آمنوا أن المسيح كان مجرد خيال وشبح (phantom)، وأنه أحد الآلهة العلوية وقد نزل على الأرض في جسد خيالي وليس فيزيائي، مادي، حقيقي، أنه روح إلهي ليس له لحم ولا دم ولا عظام، لأنه لم يكن من الممكن، من وجهة نظرهم، أن يتخذ جسدا من المادة التي هي شر في نظرهم !
لذا قالوا أنه نزل في صورة وشبه إنسان وهيئة بشر دون أن يكون كذلك، جاء في شكل إنسان دون أن يكون له مكونات الإنسان من لحم ودم وعظام، جاء في ” شبه جسد ” و ” هيئة الإنسان “، وقالوا أنه لم يكن يجوع أو يعطش أو ينام، ولم يكن في حاجة للأكل أو الشرب … الخ وأنه كان يأكل ويشرب وينام متظاهرا بذلك تحت هيئة بشرية غير حقيقية. وشبهوا جسده بالنور أو شعاع الشمس، فأن النور وشعاع الشمس يمكن لهما أن يخترقا لوحا من الزجاج دون أن يكسرا هذا اللوح “. كان مجرد خيال(12).
وجاء في أحد كتبهم والذي يسمى بـ ” أعمال يوحنا “(13)، أن المسيح عندما كان يسير على الأرض لم يكن يترك أثرا لأقدامه وعندما كان يوحنا يحاول الإمساك به كانت يده تخترق جسده بلا أي مقاومة حيث لم يكن له جسد حقيقي. وكانت طبيعة جسده متغيرة عند اللمس، فتارة يكون ليناً وأخرى جامداً ومرة يكون خالياً تماماً. كان بالنسبة لهم مجرد شبح وحياته على الأرض خيال. وكان يظهر بأشكال متعددة ويغير شكله كما يشاء وقتما يشاء !! أي كان روحاً إلهياً وليس إنساناً فيزيقياً(14).
+ وقال بعضهم أنه اتخذ جسدا نفسيا Psychic، عقليا، وليس ماديا.
+ وقال بعض آخر أنه اتخذ جسداً نجمياً Sidereal.
+ وقال آخرون أنه اتخذ جسدا ولكنه لم يولد حقيقة من امرأة(15).
وجميعهم لم يقبلوا فكرة أنه تألم ومات حقيقة، بل قالوا أنه بدا وكأنه يتألم وظهر في الجلجثة كمجرد رؤيا. وقد أشار إليهم القديس أغناطيوس الإنطاكي (35 – 107) تلميذ القديس بطرس الرسول وحذر المؤمنين من أفكارهم الوثنية قائلا: ” إذا كان يسوع المسيح – كما زعم الملحدون الذين بلا إله – لم يتألم إلا في الظاهر، وهم أنفسهم ليسو سوى خيالات (بلا وجود حقيقي) فلماذا أنا مكبل بالحديد “(16)، ” وهو إنما أحتمل الآلام لأجلنا لكي ننال الخلاص، تألم حقا وقام حقا، وآلامه لم تكن خيالا، كما أدعى بعض غير المؤمنيين، الذين ليسوا سوى خيالات “(17)، ” لو أن ربنا صنع ما صنعه
في الخيال لا غير لكانت قيودي أيضا خيالا “(18).
(4) كما كان لهذه الجماعات، أيضا، اعتقادات أخرى في المسيح، فقالوا أن المسيح الإله نزل على يسوع الإنسان وقت العماد وفارقه على الصليب، وقالوا أيضا أن المسيح الإله والحكمة الإله نزلا على يسوع واتحدا به وفارقاه أيضا عند الصليب !! أي أن الذي صلب، من وجهة نظرهم هو المسيح الإنسان وليس المسيح الإله !!! وهؤلاء يؤمنون أن المسيح هو في ذاته كيان إنساني، كانت نفسه عبارة عن كيان إلهي وليست مجرد شرارة إلهية داخله، بل كيانا إلهياً خاصاً، جاء من أعلى وسكن مؤقتاً في يسوع الناصري ليكشف من خلاله الحقائق الضرورية لأتباعه المقربين(18).
(12) Irenaseus Ag. Her. 1:24.
(13) See NT Apocrypha Vol. 2.
(14) Robert Jonse Heresies & Schisms In Early Church .
(15) Catholic Enc. Docetism.
(16) رسالته إلى ترالس 10 : 1.
(17) رسالته إلى أزمير (سميرنا) 2.
(18) السابق 4 : 2.
(18) ) Christianity Turned on Its Head: The Alternative Vision Of The Gospel Of Judas. P.88.
الغنوسية ” gnosis ” وتعني ” حب المعرفة ” ومنها ” Gnostic – غنوسي – محب المعرفة “. وهي عبارة عن مدارس وشيع عديدة كانت تؤمن بمجموعات عديدة من الآلهة، وهذا ما نجده واضحاً في هذا الإنجيل المنحول(3). وكانت أفكارهم ثيوصوفية سرية غامضة جداً نتيجة لخلطها لأفكار عديدة من فلسفات وديانات عديدة. وهي في الأصل حركة وثنية امتزجت بأفكار مسيحية وترجع جذورها إلى ما قبل المسيحية بعدة قرون.
وكان أتباعها يخلطون بين الفكر الإغريقي – الهيلينتسي – والمصري القديم مع التقاليد الكلدانية والبابلية والفارسية (خاصة الزردشتية التي أسسها الحكيم الفارسي ذردشت (630-553 ق م) وكذلك اليهودية، خاصة فكر جماعة الأسينيين (الأتقياء) وما جاء في كتابهم ” الحرب بين أبناء النور وأبناء الظلام “، والفلسفات والأسرار والديانات الثيوصوفية(4).
وذلك إلى جانب ما سمي بالأفلاطونية الحديثة، التي كانت منتشرة في دول حوض البحر المتوسط في القرن الأول. وكان الفيلسوف اليهودي فيلو من أكثر مناصريها، فقد أعتقد أن الله غير مدرك ولا يتصل بالمادة، وأن هناك قوة سامية ” اللوجوس ” التي خلقت العالم المادي، وهو كلمة الله أو عقل الله “. وأن البشر يصارعون من أجل التحرر من سجن الجسد، وانه يمكن إعادة التجسد (التناسخ – أي تعود الروح في أجساد أخرى أكثر من مرة – Reincarnation) لأولئك الذين لم يتحرروا بالموت. بل ويرى بعض العلماء أن كل أصول الغنوسية موجودة عند أفلاطون (5) لذا يقول العلامة ترتليان ” أنا أسف من كل قلبي لأن أفلاطون صار منطلق كل الهراطقة “(6).
وكانت الفرق الغنوسية تنظر للمادة على أنها شر! وآمنت بمجموعة كبيرة من الآلهة، فقالت أنه في البدء كان الإله السامي غير المعروف وغير المدرك الذي هو روح مطلق، ولم تكن هناك المادة، هذا الإله السامي والصالح أخرج، انبثق منه، أخرج من ذاته، عدداً من القوات الروحية ذات الأنظمة المختلفة التي أسموها بالأيونات (Aeons)، قالت أكثر فرقهم أنه بثق من ذاته 365 أيونا وكل أيون بثق من ذاته 365 أيوناً وهكذا إلى ما لا نهاية!! هذه القوات المنبثقة من الإله السامي كان لها أنظمة مختلفة وأسماء مختلفة وتصنيفات وأوصاف مختلفة (7).
وتكون هذه الأيونات مع الإله السامي البليروما (Pleroma)، أو الملء الكامل، دائرة الملء الإلهي. وأن هذا الإله السامي الذي أخرج العالم الروحي من ذاته لم يخلق شيئاً، فهو ليس خالق الكون المادي، بل الذي خلق الكون المادي إله أقل من الإله السامي غير المدرك. وقد بثق، الإله السامي، من ذاته الابن، الوحيد الجنس، ثم مجموعة من الأيونات (العوالم الروحية = الحكام الروحيين = آلهة + سماوات روحية وعوالم روحية).
ومن هذه الأيونات قامت الحكمة، صوفيا (Sophia)، التي بثقت، أخرجت، من ذاتها كائناً واعياً، هو الذي خلق المادة والعوالم الفيزيقية، وخلق كل شيء على صورته، هذا الكائن لم يعرف شيئاً عن أصوله فتصور أنه الإله الوحيد والمطلق، ثم أتخذ الجوهر الإلهي الموجود وشكله في أشكال عديدة، لذا يدعى أيضا بالديميورج (Demiurge)، الصانع ونصف الخالق. فالخليقة مكونة من نصف روحي لا يعرفه هذا الديميورج، نصف الخالق، ولا حكامه (8).
ومن هنا فقد آمنوا أن الإنسان مكون من عنصرين عنصر إلهي المنبثق من الجوهر الإلهي للإله السامي ويشيرون إليه رمزيا بالشرارة الإلهية، وعنصر مادي طبيعي فاني. ويقولون أن البشرية بصفة عامة تجهل الشرارة الإلهية التي بداخلها بسبب الإله الخالق الشرير وارخوناته (حكامه). وعند الموت تتحرر الشرارة الإلهية بالمعرفة، ولكن أن لم يكن هناك عمل جوهري من المعرفة تندفع الروح، أو هذه الشرارة الإلهية، عائدة في أجساد أخرى داخل الآلام وعبودية العالم (9).
وأعتقد بعضهم بالثنائية (Dualism) الإلهية أي بوجود إلهين متساويين في القوة في هذا الكون؟ إله الخير، الذي خلق كل الكائنات الروحية السمائية، وإله الشر الذي خلق العالم وكل الأشياء المادية!! وربطوا بين إله الشر وإله العهد القديم!! وقالوا أن المعركة بين الخير والشر هي معركة بين مملكة النور ضد مملكة الظلمة!!
وأعتقد بعضهم أن إله الخير خلق الروح وقد وضعها إله الشر في مستوى أدني في سجن الجسد المادي الشرير. وهكذا فأن هدف البشرية هو الهروب من سجن الجسد المادي الشرير والعودة إلى اللاهوت أو التوحد مع إله الخير!! وقد فهموا خطأ قول القديس بولس بالروح ” إذا أن كنتم قد متم مع المسيح عن أركان العالم فلماذا كأنكم عائشون في العالم تفرض عليكم فرائض لا تمسّ ولا تذق ولا تجس. التي هي جميعها للفناء في الاستعمال حسب وصايا وتعاليم الناس. التي لها حكاية حكمة بعبادة نافلة وتواضع وقهر الجسد ليس بقيمة ما من جهة إشباع البشرية ” (كو20:2-23).
وتكمل أسطورة الخلق الغنوسية، وذلك من خلال ما جاء في كتبهم الأبوكريفية، والمكتشفة في نجع حمادي سنة 1947م، وما كتبه آباء الكنيسة في القرون الثلاثة الأولى، وخاصة ما كتبه معاصرهم القديس إيريناؤس أسقف ليون سنة 180م. والتي أخذوها كلية، كما يقول العلماء، من أسطورة الخلق Timaeus لأفلاطون مع مزجها بما جاء في سفر التكوين.
وتتحدث عن المسيح (أو الممسوح)؛ والذي تصفه بالكائن الميتافيزيقي، الآتي من عالم ما وراء الطبيعة وظهر في هيئة إنسان أو شكل جسد نجمي أو أثيري ولم يتخذ الجسد المادي لأنه شر، وقال عدد قليل منهم أن المسيح إله نزل من السماء وتوحد مع يسوع الناصري. وعن وجود ما يسمى بالمنيرين الأربعة؛ هارموزيل (Harmozel) وأورويائيل (Oroieal) وداوإيثاي (Daueithai) وإيليليث (Eleleth).
وهم أيونات وكائنات روحية. وكعوالم روحية فهم الأماكن التي تقطنها النماذج الرئيسية (Geradama) أو آداماس، أي آدم السمائي؛ شيث الذي هو النموذج السمائي لابن آدم؛ الذرية السمائية لشيث ونماذج الكنيسة الغنوسية. ثم تتحدث، أسطورة الخلق، عن خليقة الكون المادي؛ بعد اكتمال انبثاق الكون الروحي ولكي تستمر الخليقة فوق كل حدود الوجود الروحي وجد الصانع، (الديميورج -Demiurge ). ثم يقولون أنه، صانع العالم، ويسمونه أيضاً يالدابوس، ويقولون أنه صنع كوناً مركباً من أيونات (عوالم) مادية، أي كواكب ونجوم وسلاطين وقوات وأرواح وملائكة … الخ.
هذا الصانع للكون الذي يصفونه بأنه منقوص بالجهل والأنانية شعر بجاذبية طبيعية تجاه العوالم الروحية، ويقولون أن هذه الجاذبية أيضاً أختبرها كجهل وأنانية ورغبة شهوانية لامتلاك اللاهوت ليفسده(10). ووصفوا يالدابوس هذا وأتباعه من السمائيين ” الحكام” بأنهم متملكون ومتعجرفون يحاولون السيادة على كل الأمور البشرية، وتقودهم رغبتهم للسيادة لخلق الشهوة الجنسية وقيد القدر (سيطرة النجوم) التي عن طريقها يريدون استعباد البشرية.
وتصف خليقة آدم وحواء وأبنائهم بقولها أن الحكمة التي كانت تؤيدها الأيونات العليا للكون الروحي لتستعيد القوة المسروقة التي صارت مشتتة بعد خليقة آدم في الأجيال المتعاقبة, التي استعبدها نسل يلدابوث بخلق المقدر وروح الخداع البغيض. وتقول الأسطورة أن قوة اللاهوت المسروقة والمشتتة استقرت في نسل شيث ابن آدم إلى هذا اليوم.
وبحسب فكر هؤلاء الغنوسيين يصل الفصل النهائي للدراما عندما يُرسل المخلص السمائي، بل وتصل هذه الدراما غايتها في المجيء النهائي للمخلص، المسيح، في شكل إنسان وأن كان يظهر في أشكال كثيرة، بدون تفصيلات تاريخية. ” ليوقظ ” الإنسانية وليحرر نفوس البشر من المقدر ومن رباطات (عبودية) الجسد بالمعرفة، وهؤلاء المحررون هم الغنوسيون، محبو المعرفة. ويقولون أن كل نفس تستجيب وتكسب معرفة تتحرر من الجسد, أو أنها تهرب وتعود إلى الحق أو تصبح متجسدة في جسد آخر؛ خاص ” عقاب أبدى ” محفوظ للمرتدين عن الفرقة.
كما يؤمنون بأن الخلاص لا يتم إلا بالمعرفة والتي يسمونها بالمعرفة المؤدية للخلاص، وهذه المعرفة تعني ثلاثة أمور؛ (1) معرفة الإله الحقيقي غير المدرك ولا اسم له، (2) ومعرفة أن الإله الذي خلق العالم ليس هو الإله الحقيقي بل أنه إله أقل وشرير، (3) ومعرفة أن الإنسان، أو بمعنى أدق الغنوسي، المحب للمعرفة، ليس من هذا العالم بل أنه أصلا شرارة إلهية وطنه هو العالم الروحي الذي جاء منه ولابد أن يعود إليه، ويرى معظم الغنوسيين أنهم محبوسون هنا في هذا العالم في أجسادهم المادية التي وضعهم فيها الإله الخالق.
ويرون أن هذه المعرفة لا تتم إلا عن طريق المسيح الذي يقدم هذه المعرفة السرية من فوق ويكشفها لأتباعه المقربين، والذي يرى إنجيل يهوذا المنحول أن يهوذا وحده من دون التلاميذ هو الذي كان مقربا من المسيح وأنه هو وحدة الذي كان مستحقا لنوال هذه المعرفة ومن بعده الغنوسيون محبو المعرفة، أما بقية البشر ومنهم بقية تلاميذ المسيح ورسله وجميع المسيحيين من غير الغنوسيين فليسو مستحقين ولا مؤهلين لهذه المعرفة، فهم من جيل غير الجيل المقدس الذي استحق يهوذا أن يكون منه (11)!!
وكان الغنوسيون يرفضون بصورة مطلقة نقدهم لأنهم كانوا يؤمنون أنهم، وهم وحدهم دون بقية الخلق، الذين لديهم المعرفة الحقيقية التي كشفها لهم المسيح لأنهم، هم وحدهم، الذين كانوا مؤهلين لذلك. وقد كشف آباء الكنيسة كذب ادعاءاتهم وخرافاتهم وهرطقاتهم وأكاذيبهم وفكرهم الوثني.
(3) منحول أي مزيف ومنسوب زورا لمن هو منسوب إليه. وعندما نقول إنجيل يهوذا المنحول أي المزيف والمنسوب زرواً ليهوذا.
(4) See Pre-Christian Gnosticism Edwin M. Yamac chi pp. 21-27 & The Secret Books of the Egy. Gmo. Jeam Doresse.
(5) A Comprehensive Study of Heretical Beliefs Spaning 2000 Years History (From 33-200AD ) .
(6) Tertullian A Treatise On The Soul.
(7) A Comprehensive Study of Heretical Beliefs Spaning 2000 Years History (From 33-200AD).
(8) The Gnostic World View , A Brief Summary of Gnosticism.
(9) Ibid.
(10) See Reality do Rules , 89,18.
(11) Christianity Turned on Its Head: The Alternative Vision Of The Gospel Of Judas. P.85.
القديس يوستينوس الشهيد وقانونية العهد الجديد (100 – 165م)
القديس يوستينوس الشهيد وقانونية العهد الجديد (100 – 165م)
القديس يوستينوس الشهيد وقانونية العهد الجديد (100 – 165م)
كان القديس يوستينوس واحداً من أهم الفلاسفة المدافعين عن المسيحية في تاريخها المبكر، فهو من نابلس بفلسطين، ودرس الفلسفة اليونانية في أفسس، وكان فيلسوفاً أثينياً، ثم تحول إلى المسيحية حوالي سنة 130م، وقد كرس حياته للدفاع عن المسيحية وكان من أول المدافعين عنها. وقد بقى لنا مما كتبه دفاعان عن المسيحية كان قد وجههما إلى الإمبراطور الروماني أنطونيوس بيوس (138 – 161م) والسانتوس الروماني(12)، وحوار مع شخص يهودي يدعى تريفون، واستشهد في روما سنة 165م.
قال عنه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري: ” وفي نفس الوقت (عصر هادريان) أيضاً كان القديس يوستينوس، محباً للفلسفة الحقيقية، منغمساً في الآداب اليونانية “[1]. ” وفي تلك الأيام أشتهر القديس يوستينوس بصفة خاصة وظهر في هيئة الفيلسوف وبشر بالكلمة الإلهية، وناضل عن الإيمان بكتاباته. وقد كتب أيضاً مؤلفاً ضد ماركيون ذكر فيه أن هذا الأخير (ماركيون) كان حياً وقت كتابته … وقد نجح جداً القديس يوستينوس هذا في نضاله ضد اليونانيين، ووجه أحاديث متضمنة احتجاجاً ودفاعاً إلى الإمبراطور أنطونيوس الملقب بيوس، وإلى مجلس الأعيان الروماني، لأنه كان يعيش في روما “[2].
وقال عنه القديس جيروم: ” القديس يوستينوس الفيلسوف، والمتوشح بزي الفلاسفة، مواطن من نبيابوليس[3] وهو ابن برسكيوس باخوس. أجتهد بحماس للحفاظ على الإيمان المسيحي وإلى حد أنه أعطى انطونيوس بيوس وأولاده، ومجلس الأعيان المقدس كتاباً كتبه ” ضد اليونانيين الوثنيين ” مظهراً فيه أن الصليب ليس عاراً .. “. ويتكلم عن بقية مؤلفاته[4]. ويقول إيريناؤس أنه اقتبس من كتاب القديس يوستينوس ضد ماركيون: ” في كتابه ضد ماركيون يقول القديس يوستينوس ..”[5].
وقد اقتبس القديس يوستينوس من 13 سفراً من العهد الجديد على رأسها الإنجيل بأوجهه الأربعة ومنها الرسالة إلى العبرانيين ورسالة بطرس الثانية وسفر الرؤيا.
وهي كالآتي: ” الإنجيل للقديس متى حوالي 41 مرة، والإنجيل للقديس مرقس ثلاث مرات (2 :17؛ 12 :25؛ 12 :30)، والإنجيل للقديس لوقا حوالي 22مرة[6]، والإنجيل للقديس يوحنا ست مرات[7]، وأعمال الرسل مرتين (1 :9؛ 17 :11)، والرسالة إلى رومية ست مرات[8]، والرسالة الأولى إلى كورنثوس ثلاث مرات (10 :4؛ 10 :20؛ 11 :19)، والرسالة إلى غلاطية مرتين (3 :13؛ 4 :12)، والرسالة الثانية إلى تسالونيكي مرتين (2 :3؛ 2 :6و7)، والرسالة إلى العبرانيين الإصحاح الرابع، والرسالتين الأولى (2 :9)، والثانية (3 :8) إلى بطرس، وسفر الرؤيا (20 :4 و 5).
وقد شهد فيها للأناجيل الأربعة وأشار إليها أكثر من سبع عشرة مره بعبارات ” مذكرات الرسل (Memoirs of the Apostles) والتي ذكرها ثماني مرات بـ ” مذكرات الرسل “، وأربع مرات بـ ” المذكرات – Memoirs ” فقط، مثل قوله: ” لأن الرسل سلموا لنا في المذكرات التي دونوها والتي تسمى أناجيل “[9]. ومرة واحدة فقط ” مذكرات “: ” ففي كتابات الرسل، (مذكرات الرسل “[10]. ويؤكد لنا إيمان الآباء بوحي هذه الأناجيل، مذكرات الرسل، التي سجلها رسل المسيح ككلمة الله: ” وقد تم هذا كما علمنا الذين
سجلوا كل ما يخص مخلصنا يسوع المسيح، ونحن نؤمن بما قالوه “[11].
وقد سمى الأناجيل بمذكرات الرسل لأنه خاطب في دفاعيه الأول والثاني الرومان (الإمبراطور ومجلس الشيوخ)، كما يقول بروس متزجر، مذكرا إياهم بما كتبه زينوفون تحت اسم: ” مذكرات سقراط “[12].
وقد أعلن القديس يوستينوس لمن يقرؤون له من غير المسيحيين بأن هذه المذكرات يسميها المسيحيين بـ ” الأناجيل “؛ فيقول في دفاعه الأول: ” وقد سلمنا الرسل في مذكراتهم التي تدعى الأناجيل ما قد أمرهم يسوع أن يصنعوا “[13].
ويؤكد لنا أن هذه المذكرات هي الأناجيل الأربعة التي للإنجيليين متى ومرقس ولوقا ويوحنا. فيقول مقتبسا ما جاء في الإنجيل للقديس لوقا والإنجيل للقديس متى: ” ففي كتابات الرسل ومن جاء بعدهم مكتوب: أن عرقه كان يتصبب منه كقطرات الدم وهو يصلي قائلاً: أن شئت أن تجيز عني هذه الكأس ” (لو22 :44)[14]. وهنا يعتبر القديس لوقا من الرسل.
كما اقتبس من الإنجيل للقديس يوحنا والإنجيل للقديس مرقس قوله: ” ونحن نعلم من كتابات الرسل أن المسيح غير اسم واحد إلى بطرس “[15]، وهذا الحدث مذكور في (يو1 :42): ” فنظر إليه يسوع وقال أنت سمعان بن يونا. أنت تدعى صفا الذي تفسيره بطرس “، و (مر3 :16): ” وجعل لسمعان اسم بطرس “. ويضيف القديس يوستينوس: ” كما غير اسم الأخوين ابني زبدي إلى بوانرجس أي ابني الرعد “[16]. وهذا النص مذكور في مرقس (3 :17). ويستمر في الاستشهاد بنصوص الأناجيل:
” وقد جاء في كتابات الرسل أنه بمجرد خروج يسوع من
نهر الأردن، وسماعه صوتاً يقول له: أنت ابني أنا اليوم ولدتك “[17]. وهو يقصد هنا ” أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ ” (مر1 :11)، بالمقابلة مع مزمور (2 :7).
” أن الذين ذهبوا ليصطادوه اتحدوا معاً ليستخدموا كل طريقة ممكنة لكي يدينوه. وهذا الحدث أيضاً مكتوب في كتابات الرسل. وقد ذكرت لك أنه بعد صلبه اقتسم صالبوه ثيابه بينهم “[18] (يو19 :24).
كما يستخدم تعبير ” مكتوب = ge,graptai “[19] والذي يعني ” موحى به من الله ” أو ” كلمة الله “، والذي استخدم في العهد الجديد للتعبير عن النصوص المقتبسة أو المستشهد بها من العهد القديم ككلمة الله الموحى بها، وذلك للتعبير عن أن المكتوب في الإنجيل هو أيضاً كلمة الله؛ فينقل عن الإنجيل للقديس متى ويقول: ” مكتوب (مكتوب = ge,graptai) أيضا في الإنجيل أنه قال: كل شيء قد دفع إليّ من أبي. وليس احد يعرف الابن إلا الآب. ولا احد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له (مت11 :27).
هكذا كشف لنا جميعاً أننا قد تعلمنا بنعمته من الكتب المقدسة أن نعرفه كابن الله الوحيد المولود منه قبل كل الخليقة، وكابن الآباء البطاركة لأنه تجسد من عذراء من جنسهم وتنازل ليصير إنساناً لا جمال له ولا منظر وعُرضة للألم. فهو قد اشار إلى آلامه الوشيكة بقوله: إن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً ويرفض من الكتبة والفريسيين ويُصلب وبعد ثلاثة أيام يقوم[20] … وبما أنه مكتوب في مذكرات الرسل أنه هو ابن الله، وبما أننا ندعوه بهذا الاسم ذاته فإننا نفهم أنه هو بالحقيقة الذي خرج من عند الآب “[21].
وهو هنا يتكلم عن الإنجيل للقديس متى بقوله ” الإنجيل ” ويسبقه بقوله ” مكتوب “؛ ” مكتوب (مكتوب = ge,graptai) في الإنجيل “. وكلمة ” مكتوب = ge,graptai “، كما بينا أعلاه، هي نفس الصيغة التي يستخدمها العهد الجديد عندما يقتبس من العهد القديم بمعنى الوحي المكتوب بالروح القدس. ويضم الإنجيل للقديس متى مع بعض أسفار العهد القديم ويسميها ب، ” الكتب المقدسة “، كما يستخدم تعبير آخر يعطي نفس المعنى وهو ” قال يسوع “.
ويقول في فقرات أخرى: ” وبما أنه مكتوب (مكتوب = ge,graptai) في مذكرات الرسل (Memoirs of the Apostles) أنه هو ابن الله “[22].
” تقول لنا كتابات الرسل (Memoirs of the Apostles) إن المسيح وهو يسلم الروح على الصليب قال : يا أبتاه في يديك استودع روحي ” (لو23 :46)[23].
وتشهد كتابات الرسل (Memoirs of the Apostles) أيضاً أن المسيح قام من الأموات في اليوم الثالث بعد صلبه “[24].
وكما اقتبس واستشهد بكثير من آيات الأناجيل المتماثلة استشهد بالكثير مما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا، مما يدل على وجود هذا الإنجيل في الكنيسة وانتشاره في وقت مبكر، فيقول: ” ثم ينالون الاغتسال بالماء لأن المسيح قد قال: أن لم تولدوا مرة ثانية فلن تدخلوا ملكوت السموات ” (يو3 :5)[25]. مشيراً إلى حوار الرب مع نيقوديموس (يو3 :3 – 5).
كما تكلم عن الرب يسوع المسيح باعتباره الابن الوحيد من الآب وقال: ” وقد اثبت لكم أنه هو الابن الوحيد لأبي الكون كله، ولد منه؛ إذ هو كلمته وقوته. ثم صار إنساناً وولد من عذراء كما نعلم من كتابات الرسل “[26]. والكلام عن أنه الابن الوحيد ورد في الإنجيل للقديس يوحنا ورسالة يوحنا الأولى فقط[27].
وتكلم عن الرب يسوع باعتباره الكلمة (Logos – λογος)، هذا التعبير الذي لم يستخدم إلا في الإنجيل للقديس يوحنا. وفيما يلي بعض الأمثلة: ” يسوع المسيح هو بالحقيقة ابن الله، لأنه كلمته (Logos – λογος) وبكره وقوته، وعندما صار إنساناً بإرادته علمنا هذه المباديء “[28]. ” لأننا نعبد ونحب الكلمة (Logos – λογος) الذي هو من الله غير المولود الآب غير المولود وغير الموصوف، فالكلمة صار إنساناً لأجلنا “[29]. ” لأن المسيح كان وما زال هو الكلمة (Logos – λογος) الذي يعمل في الإنسان، وهو الذي تنبأ عن أشياء من خلال الأنبياء “[30].
” أن يسوع المسيح هو ابن الله الذي أرسله لخلاصنا وأنه منذ القديم وهو الكلمة (Logos – λογος)الذي ظهر في وقت ما في شكل نار وفي وقت آخر في هيئة غير جسدانية [مثل ملاك] والآن بعد أن صار إنساناً بإرادة الله لأجل خلاص جنس البشر … وأيضاً كما ذكرنا، أن يسوع عندما كان في وسطهم قال: وليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولا الآب إلا الابن، ومن أراد الابن يعلن له[31] … ويؤكد اليهود دائماً أن أبا الكل هو من كلم موسى بالرغم من أن من كلم موسى في الحقيقة هو ابن الله نفسه الذي دُعي أيضاً ملاكاً ورسولاً، ولهذا فقد استحقوا التوبيخ من روج النبوّة ومن المسيح نفسه لأنهم لم يعرفوا الآب ولا الابن “[32]. وهذه التعبيرات في أغلبها مأخوذة من الإنجيل للقديس يوحنا.
وقال عن كتابة القديس يوحنا لسفر الرؤيا: ” وقد كان بيننا رجل يُدعى يوحنا وهو أحد رسل المسيح وقد رأى رؤيا بأن اتباع المسيح سيعيشون في أورشليم لمدة ألف سنة ثم بعد ذلك قيامة الأموات والأبدية والدينونة “[33]. ويأخذ من سفر الرؤيا وصف ابليس بالحية: ” وكما يمكنكم أن تعرفوا من قراءة كتاباتنا أن رئيس الأرواح الشريرة نسميه الحية والشيطان وإبليس “[34].
بل ويؤكد لنا أن الكنيسة كانت تساوي بين أسفار أنبياء العهد القديم والإنجيل بأوجهه الأربعة ككلمة الله الموحي بها. بل ويضع الأناجيل قبل أسفار الأنبياء مما يعني أن لها المكانة الأعلى[35]. ويقتبس من سفر العدد وما جاء في الإنجيل للقديس متى باعتبارهما أسفار موحى بها بقوله: ” وفي سفر آخر يقول … عندما ظهر نجم في السماء وقت مولده، كما يؤكد الرسل، علم المجوس بالحدث من هذه العلامة وجاءو ليسجدوا له ” (عد24 :17؛ مت2 :11)[36]. وهنا يساوي بين ما جاء في توراة موسى والإنجيل للقديس متى.
ويبين لنا انتشار الأسفار المقدسة، العهد الجديد والعهد القديم، في كل مكان في العالم حيث يوجد به مسيحيون، وكيفية قراءتها في اجتماعات العبادة في الكنائس يوم الأحد، في كل مكان، ويشرح لنا كيفية العبادة المسيحية التي تسلمها عن الرسل فيقول: ” ولنا في اليوم الذي يدعى الأحد اجتماع لكل سكان المدن والضواحي وفي الاجتماع تقرأ مذكرات الرسل (Memoirs of the Apostles) أو كتابات الأنبياء حسبما يسمح الوقت، وبعد الانتهاء من القراءات يتقدم الرئيس ويعظ الحاضرين ويشجعهم على ممارسة الفضائل.
ثم نقف جميعا لنرفع الصلوات، وكما قلنا من قبل بعد أن ننتهي من الصلوات يتم تقديم الخبز والخمر والماء، ثم يصلي الرئيس ويرفع الصلوات والشكر على قدر استطاعته، أما الشعب فيرد قائلاً آمين. ثم توزع الأفخارستيا على الحاضرين ويُرسل منه للغائبين عن طريق الشمامسة. ويُقدّم الأغنياء إذا ارادوا ما يودون أن يتبرعوا به وتُجمع التبرعات وتترك في عهدة الرئيس. هو يساعد الأرامل والأيتام والمحتاجين بسبب مرض أو خلافه وأيضاً المسجونين والمتغربين عندنا، وباختصار هو يهتم بجميع المحتاجين. ويوم الأحد هو بالحقيقة اليوم الذي نعقد فيه اجتماعنا المشترك “[37].
وهذا إعلان واضح وصريح على وجود الإنجيل بأوجهه الأربعة عند جميع المسيحيين في كل كنائسهم على الأقل.
انتشار وتجميع أسفار العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط
انتشار وتجميع أسفار العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط
انتشار وتجميع أسفار العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط
بدأ تدوين أسفار العهد الجديد بكتابة رسالة القديس بولس الرسول الأولى إلى تسالونيكي حوالي سنة 49م، ويرجع البعض برسالة يعقوب إلى سنة 45م، ثم الإنجيل للقديس مرقس حوالي سنة 50م وتلا ذلك كتابة بقية رسائل القديس بولس الأربعة عشر وكذلك الإنجيل للقديس متى والإنجيل للقديس لوقا وسفر أعمال الرسل وبقية رسائل الرسل إلى حوالي سنة 68م، عدا كتابات القديس يوحنا، والتي كتبت فيما بين سنة 75 و95م.
وكان كل سفر يكتب ينتشر أولاً في المدينة التي كتب فيها، كالإنجيل للقديس مرقس والذي كتب في روما، أو التي أرسل إليها، كرسائل القديس بولس، ثم ينتشر في كنائس نفس المدينة وما حولها ثم ينتقل بالتدريج إلى المناطق المجاورة ثم البعيدة والأبعد حتى يصل إلى كل بلاد وجزر حوض البحر المتوسط وما بين النهرين والعربية وفارس حتى جنوب الهند. ويقسم لنا فيلكس جست (Felix Just) هذه العملية إلى عشر مراحل مرت بها كتابة وتكوين العهد الجديد وانتقاله كما يلي[1]:
مرحلة الرب يسوع التاريخية: وهي كلمات الرب يسوع المسيح التي قالها والأعمال التي قام بها بنفسه أثناء فترة وجوده متجسداً على الارض.
مرحلة التقليد الشفوي: وهي انتقال التقاليد والعقائد عن الرب يسوع المسيح والتي استدارت وانتشرت عن طريق الجماعات المسيحية الباكرة.
مرحلة المصادر المكتوبة: تدوين البعض لبعض معجزات الرب يسوع وأقواله التي جُمعت وسجُلت في وثائق مكتوبة مبكرة[2].
النصوص المكتوبة: الرسائل الفردية والأناجيل الكاملة وغيرها التي كتبت كرسائل خاصة لمواقف خاصة.
التوزيع: نسخ وتوزيع هذه الكتابات وانتشارها بين الجماعات المسيحية عبر البحر المتوسط.
التجميع: قام المسيحيون في البداية بجمع رسائل بولس الرسول ودمجها مع الأناجيل الأخرى.
القانونية: تقنين أربعة أناجيل والعديد من الرسائل والقليل من النصوص الاخرى التي قُبلت كأسفار موثوق بها.
الترجمة: ترجمة النصوص الكتابية إلى العديد من اللغات القديمة منها اللاتينية والسريانية والقبطية والأرمينية وغيرها.
التفسير: بالتحقق من معانى الأسفار المقدسة على المستوى الادبي والروحي والتاريخي والاجتماعي 00 الخ.
التطبيق: استخدام الجماعات والأفراد للعهد الجديد للأغراض التطبيقية: ليتورجية وسلوكية ولاهوتية.
وكانت هذه الأسفار قد اعتُمدت منذ اللحظة الأولى لتدوينها واستلام الكنيسة لها ككتب قانونية وموحى بها من الله، فكان القديس بولس يكتب الرسائل للكنائس ويوقعها بتوقيعه الخاص؛ ” اَلسَّلاَمُ بِيَدِي أَنَا بُولُسَ، الَّذِي هُوَ عَلاَمَةٌ فِي كُلِّ رِسَالَةٍ. هكَذَا أَنَا أَكْتُبُ ” (2تس3 :17)[3]، ويرسلها عن طريق مساعديه المعروفين للكنائس المرسلة إليها. وكانت تقرأ للشعب في الكنائس المرسلة إليه، يقول القديس بولس لأهل تسالونيكي:
” أناشدكم بالرب أن تقرا هذه الرسالة على جميع الإخوة القديسين ” (1تس5 :27)، كما كانت تقرأ في الكنائس الأخرى أيضاً؛ كما يقول القديس بولس في رسالته إلى كولوسي: ” وَمَتَى قُرِئَتْ عِنْدَكُمْ هذِهِ الرِّسَالَةُ فَاجْعَلُوهَا تُقْرَأُ أيضاً فِي كَنِيسَةِ الّلاَوُدِكِيِّينَ، وَالَّتِي مِنْ لاَوُدِكِيَّةَ (الرسالة إلى أفسس) تَقْرَأُونَهَا أَنْتُمْ أيضاً ” (كو4: 16).
وكانت تنسخ نسخاً من هذه الأسفار وترسل للكنائس الأخرى في مناطق أخرى، سواء القريبة والمجاورة أو البعيدة، وكانت كل كنيسة تحتفظ بالسفر الذي كتب لها أصلاً، سواء كان هذا السفر إنجيلاً من الأناجيل الأربعة أو رسالة من رسائل الرسل أو سفر الأعمال أو سفر الرؤيا، وتحتفظ بنسخ من الأسفار التي كتبت أو أرسلت للكنائس الأخرى. ويشهد القديس بطرس على وحي وقانونية وانتشار رسائل القديس بولس عند الجماعات المسيحية في عصره:
كما يؤكد سفر الرؤيا على ترتيب الكنيسة وطقسها في قراءة الأسفار المقدسة في الاجتماعات والقداسات، وعلى حقيقة كون السفر هو كلمة الله، فيقول ” طُوبَى لِلَّذِي يَقْرَأُ وَلِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ أَقْوَالَ النُّبُوَّةِ، وَيَحْفَظُونَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهَا، لأَنَّ الْوَقْتَ قَرِيبٌ ” (رؤ3:1) وتتكرر في السفر عبارة ” مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ ” سبع مرات (رؤ2:7و11و17و29؛ 6:،13و22).
وكان المؤمنون يستلمون الإنجيل المكتوب وفي نفس الوقت يحفظون الإنجيل الشفوي وكان من الطبيعي أن يقارنوا بين ما هو مكتوب وبين ما كانوا يحفظونه، يقول العالم كاسبر جيرجوري: ” وحيثما كان يتم استلام إنجيل فقد كان المسيحيون يقارنوا محتواه بما سمعوه شفويا بالفم “[4].
وهكذا بدأت تتجمع أسفار العهد الجديد معاً بالتدريج حسب المناطق والكنائس التي أرسلت إليها أولاً حيث بدأت تتجمع رسائل القديس بولس معاً ثم الأناجيل. ويجب أن نضع في الاعتبار أن الأناجيل الثلاثة الأولى، ثم إنجيل يوحنا بعد ذلك، كانت الأسرع في الانتشار يليها رسائل بقية الرسل التي كتب بعضها قبل الأناجيل وسفر الرؤيا.
كما كانت الرسائل تنتشر في المناطق المجاورة للأماكن التي أرسلت إليها أولاً، أما الأناجيل فقد كان انتشارها مرتبطاً بكرازة الكثير من الرسل التي حملوها معهم إلى أماكن متفرقة من العالم. ومن هنا تأخر الاعتراف ببعض هذه الرسائل وسفر الرؤيا في البلاد التي لم ترسل إليها أولاً، وذلك على الرغم من القبول الفوري لها في الأماكن التي أرسلت إليها أصلاً.
قبلت الكنيسة الأناجيل فور كتابتها بالروح القدس وتسليمها للمؤمنين من الانجيليين مباشرة، كما قبلوا كل رسائل الرسل من البدء فور تدوينها واستلامها ككلمة الله الموحى بها، فقد كُتبت رسائل الرسل لشرح وتفسير مغزى شخص الرب يسوع المسيح وعمله لجماعات المؤمنين، وقد أرسلت هذه التفسيرات والنصائح مباشرة إلى الكنائس المؤسسة حديثاً من خلال العمل الكرازي الواسع[5]. والتي يؤكد القديس بولس على أهميتها بسبب صعوبة الحضور بينهم بالجسد ” لأَنَّهُ يَقُولُ: الرَّسَائِلُ ثَقِيلَةٌ وَقَوِيَّةٌ، وَأَمَّا حُضُورُ الْجَسَدِ فَضَعِيفٌ، وَالْكَلاَمُ حَقِيرٌ ” (2كو10 :10).
وكانت الرسائل هي صدى وشرح لتعاليم الرب يسوع المسيح التي كانت مقتبسة بشكل واسع في رسائل القديس بولس، وعلى سبيل المثال يقول: ” فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ ” (1تس4: 15)،
كما نجد في الرسالة إلى رومية 12 – 14 والرسالة الأولى إلى تسالونيكي 4و5 صدى واسع لأقوال الرب يسوع المسيح وتعاليمه. وفيما يلي يعض الفقرات التي تبين لنا نص تعليم الرب يسوع المسيح في رسائل القديس بولس:
كما اقتبس القديس يعقوب في رسالته ست فقرات كانت تفسير أو صدى لأقوال الرب يسوع المسيح، يقول في الأولى: ” وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ ” (يع1 :5). وهذا القول هو تفسير لقول الرب يسوع المسيح: ” اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ ” (مت7 :7).
وكان الرسل أيضاً يقتبسون من بعضهم البعض كما اقتبس القديس يهوذا من رسالة بطرس الثانية، قوله: ” عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي آخِرِ الأَيَّامِ قَوْمٌ مُسْتَهْزِئُونَ، سَالِكِينَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ ” (2بط3 :3)، عندما قال: ” وَأَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ فَاذْكُرُوا الأَقْوَالَ الَّتِي قَالَهَا سَابِقًا رُسُلُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. فَإِنَّهُمْ قَالُوا لَكُمْ: ” إِنَّهُ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ سَيَكُونُ قَوْمٌ مُسْتَهْزِئُونَ، سَالِكِينَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ فُجُورِهِمْ ” (يه 17و18). وهو هنا يؤكد أن رسالة بطرس الثانية قد قبلت على الفور عند من أُرسلت إليهم كسفر قانوني.
كما يقتبس القديس بولس من سفر التثنية والإنجيل للقديس لوقا مؤكداً أنهما، كليهما، من الأسفار الموحى بها من الله، في قوله: ” لأَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ: لاَ تَكُمَّ ثَوْرًا دَارِسًا، وَالْفَاعِلُ مُسْتَحِق أُجْرَتَهُ ” (1تي5 :18)، الأولى ” لاَ تَكُمَّ ثَوْرًا دَارِسًا ” من تثنية (25 :4)، والثانية ” لأَنَّ الْفَاعِلَ مُسْتَحِق أُجْرَتَهُ ” من لوقا (لو10 :7). وهو هنا يقتبس منهما بعبارة ” لأَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ “، التي استخدمت في العهد الجديد عند الاستشهاد من العهد القديم ككلمة الله، مؤكداً أن كليهما موحى به وقانوني.
وكان الرسل يؤكدون أنهم يكتبون كلمة الله الموحى بها، فالقديس بولس يؤكد أنه هو يتحدث بكلام الرب وأن ما يكتبه في الرسائل هو أيضاً كلمة الله الموحى بها بالروح: ” لكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ، وَلكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هذَا الدَّهْرِ، وَلاَ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، الَّذِينَ يُبْطَلُونَ. بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ ” (1كو2 :6و7)، ” الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ ” (1كو2 :13).
اللاهوت في فكر البابا أثناسيوس الرسولي
يُعتبر البابا أثناسيوس الرَّسولي المركز الذي كانت تدور حوله الكنيسة واللاهوت في العصر النيقاوي ، لذلك لُقِب بأبو الأرثوذُكسية ، ودُعِيَ بالمِنبر الأعظم وحجر الزاوية في الكنيسة المُقدسة، وأسقف الأساقِفة رأس العالم رأس كنيسة الأسكندرية .
فهو الذي جعل للتعليم اللاهوتي الأرثوذُكسي قانون مُتكامِل ، جاهد واضطُهِد ونُفِيَ لكي يُرسيه ، وكان اللاهوت يتدفق من قلب أثناسيوس فجاء قوياً أمام الفلسفات والأفكار الذاتية ، ولا يندرِج المنهج اللاهوتي عنده تحت مفهوم المعارِف والعلوم والثقافات ، بعد أن أصبح الكتاب المُقدس عنده خبرة حيَّة مُعاصِرة للكنيسة في زمانه ، لذا تغيَّر مفهوم الخلاص في تقليد الأسكندرية ذاتها ، بعد أن شابته المعرِفة والثقافة اليونانية على يد إكليمنضُس وأوريجانوس السكندريين .
تميَّز اُسلُوب أثناسيوس الرَّسولي بكونهِ تعليمياً أكثر منه جَدَلِياً هجومياً ، لأنه راعِ يعلم رعيته ، وإن كان من البيِّن أنَّ البابا أثناسيوس كان يستخدِم الاُسلُوب الهجومي الجَدَلي ضد الأريوسيين بهدف تعليم الشعب، لذلك نقرأ كِتابات لاهوتي عظيم يتكلَّم بأبسط اُسلُوب يتناسب مع شعبه .
اعتقد أنَّ الأسفار المُقدسة كفيلة بحد ذاتها أن تُعلِن الحق (1) ، وأنها كافية جداً لنا ، وحوَّل كل فِكْر وثقافة لخدمِة أبحاثه اللاهوتية ، بعد أن تسلَّم حياة وتراث الآباء والعُلماء السابقين له ورأى استشهاد البابا بطرُس خاتِم الشُّهداء ، فأي تعليم لاهوتي هذا الذي تسلَّمه لينمو في وُجدانه الروحي والإيماني واللاهوتي ، على مستوى العِشرة بالخبر والإيمان والعيان والتلمذة والحق والاعتراف وشهادِة الدم .
وكما ارتبطت الكلِمة ( كيريجما ) باللاهوت الأثناسياني ، كذلك ارتبطت الشهادة ( مارتيريا ) أيضاً به ، لكي يشهد ويُدافِع أثناسيوس عن ما رأى وما سمع ، وارتبطت الثيولوچيا عنده بالتلمذة بعد أن تتلمذ للبابا ألكسندروس وعاين اعتراف وشهادِة البابا بطرس خاتِم الشُّهداء ، ليشهد بضمير صالِح مُتوهِج ويعترِف في نيقية ضد الأرواح المُضِلَّة والهرطقة الآريوسية .
تشكَّل لاهوت أثناسيوس الرَّسولي على أساس التلمذة النُّسكية على يدي العظيم الأنبا أنطونيوس أبو الرهبان في العالم كله فكان لاهوت أثناسيوس مبنياً على الإنجيل والآباء والنُسك وشهادِة الدم والتلمذة ، إنها رسالِة حب لا رسالِة تعليم ، وهكذا كان تأثير الرهبنة والنُّسك على شخصيِة البابا أثناسيوس تأثيراً عميقاً….
فاتسمت حياته بالفضيلة والجهاد ، وارتبط اللاهوت عنده بالذُّكصولوجيا أي التَّسبيح ، حتى صار الاتجاه النُّسكي البتولي وحياة التَّسبيح والعِفة خطاً رئيسياً في كِتاباته ، لا كلاهوتي يشرح عقيدة بل كمؤمِن يشهد لِمُخلِصه ، ومن أشهر كِتاباته اللاهوتية ” ضد الوثنيين “ و” تجسُّد الكلِمة “ .
كان أثناسيوس في نيقية ( 325م ) أعظم المُرافقين للأساقِفة ، وهو الذي انتصر بصورة أساسية في ثِقته بالمسيح الذي كان يُدافِع عنه ، فكان يملُك الحقيقة لا في عقله ولا في لِسانه فحسب بل في قلبه ، في شخص يسوع المسيح الذي كان يتكلَّم فيه بروحه القدوس عند افتتاح فمه .
وضع مُصطلحات لاهوتية لقطع خط الرجعة على الهراطِقة ، وهو صاحِب اصطلاح Homoousion ( أي واحِد مع الآب في الجوهر ) ، فنادى به على مستوى الإيمان والأمانة ولا يمكن أن نفصِل اسم أثناسيوس الخالِد أبداً عن عقيدِة الثَّالوث ( التريادولوچا ) التي كرَّس حياته لأجلها .
إنَّ أخر مفهوم أوريجاني في الثيولوچيا كان التريادولوچا ( الثَّالوث ) ، وبالنسبة للقديس أثناسيوس كانت التريادولوچا هي الكلِمة الأولى ، إذ كان تعليم الثَّالوث هو أساس وركيزة اللاهوت الذي دافع عنه البابا أثناسيوس وعمَّقه ، انطلاقاً من مقولته الشهيرة :
الله نفسه قد دخل بشريتنا
وهذه الركيزة اللاهوتية جاءت نتيجة الظروف التاريخية لقيام الجدل اللاهوتي الذي أثاره الأريوسيون وأصحاب بِدعِة ” مقاومة الروح القدس “ أبوليناريوس ومقدونيوس . وكانت المقولة الحاسِمة في تعليم القديس أثناسيوس اللاهوتي ، والتي صارت من أقواله المأثورة في العقيدة المسيحية على مر الدُّهور ، هي تلك التي وردت في مبحثه الأوَّل ضد الأريوسيين حيث أعلن قائِلاً :
” يكمُل اللاهوت في الثَّالوث “ وهذه هي فقط ” التقوى الحقيقية “ بلهذا هو ” الصَّلاح والحق “ (2) .
وكان يُعرِّف التقوى من خلال موقِف اليهودية العبرانية ، أمَّا اشارته إلى الصَّلاح والحق فتتضمن موقِف الفلسفة الهيلِّينية أو اللاهوت الفلسفي Philosophical Theology . اعتبر القديس أثناسيوس أنَّ الثيولوچيا التريادولوچية هي نقطة البدء ، لذلك رأى أنها ” قاعدة وأساس إيمان الكنيسة “ (3) . إنه ” الإيمان الذي أعطاه الرب نفسه والذي كرز به الرُّسُل لذلك حفظهُ الآباء الإيمان الذي عليه قد بُنِيَت الكنيسة “ .
وفي رسالته إلى الأسقف سِرابيون يُعلِن : ” الرب يسوع المسيح نفسه علَّم تلاميذه كمال الثَّالوث القدوس ، القائِم بلا انقسام في اللاهوت الواحِد “ (4) . وفي لاهوته الثَّالوثي يُؤكِد على وِحدانيِة الثَّالوث ( ثالوث في واحِد وواحِد في ثالوث ) .
ويُؤكِد على ثالوث أقانيم الآب والابن والروح القدس ووحدِة الكيان والعمل ( أنرچيا ) للأقانيم الثَّلاثة ، وكانت انطلاقته الأولى في استعلان الثَّالوث في الإيكونوميا الخلاصية ، والتي تعني مفهوم لاهوت التدبير الخلاصي الذي أتمُّه الثَّالوث القدوس وأيضاً تُشير إلى استعلان الله في المسيح .
وفي الإيكونوميا يشترِك الثَّالوث في تناغُم وانسجام ووحدة Unison :
فالآب يُخلِّص والابن يُخلِّص والروح القدس يُخلِّص بمعنى أنَّ الثَّالوث القدوس قد استُعلِن في عملٍ واحِد ، ووحدِة العمل هذه تُشير إلى وحدِة كيان الله .
فالله لا تحِدُّه مفاهيم ولا تحصُره ادراكات العقول البشرية ، لكنه يُعرف بأعماله واعلانه ، فنحن نعرِف أنَّ الله كائِن لأننا نعرِف أنَّ الله يعمل ، أباً وابناً وروح قدس ، لكننا نعرِف أيضاً أنَّ الآب والابن والروح القدس ليسوا ثلاثة آلهة بل إله واحِد ، لأنَّ عمل الآب لا يختلِف عن عمل الابن ولا عن عمل الروح القدس ، أخيراً لا الآب ولا الابن ولا الروح القدس يختلِفون في الكيان أو الجوهر ، فليس الآب أعظم من الابن أو الروح القدس ، ولا الابن أدنى من الآب ( فليس كل اُقنوم أدنى من الآخر أو أنَّ الأقانيم هي مجرد حالات أو ظواهِر مختلِفة ) ( حسب قول المُبتدِع سابيليوس ) .
قاوم البابا أثناسيوس الأفلاطونية بنظريتها في الثَّالوث المُتدرِج ( غير المُتساوي ) (5)، فكل من يفصِل الابن عن الآب ، أو من يُدنِّي الروح القدس لا يكون له الآب ولا الابن ، وهو بلا إله ، ويكون أشر من غير المُؤمِن ، ولا يُحسب أنه مسيحي ، لأنَّ الإيمان بالثَّالوث المُسلَّم إلينا يُوحِّدنا بالله (6) .
ومن ثمَّ فلتأكيد وحدِة الأقانيم الثَّلاثة ولتأكيد ثالوثيِة الجوهر الواحِد لا يليق أن يُعرف أو يُحدَّد اُقنوم باُقنوم آخر ، لكن الإنسان قد يتساءل حينما يقرأ مقولِة القديس أثناسيوس والتي قد يُفهم منها أنَّ الابن أدنى من الآب كقوله ” الآب هو الأصل أو المبدأ الأوَّل للابن بينما الآب لا مبدأ له “ أو حينما يقول ” الروح القدس ينبثِق من الآب ويستقِر في الابن أو أنه روح الابن أو أرسله الابن “ .
ويُؤكِد البابا أثناسيوس أنَّ هذه المقولات غير انعكاسية أي لا يمكن الرجوع فيها ، لأنَّ الاجابة على زعم البعض بأنَّ أقوال القديس تتضمن ولو شُبهِة التدني أو التدرُّج أو المرؤوسيةSubordinationism، هي بالقطع النفي التام للأسباب التالية :
الآب هو مبدأ الابن ( Ẩρχή ) بسبب الاستعلان ، لأنَّ الآب لا بِداية له ، فهو بحسب تعبير القديس أثناسيوس ” آنارخوس آرخي “ (Ẩναρχοσάρχή ) ” أي البدء الذي لا بدء له “ . الابن غير مخلوق أي ” أجنيتوجنيس “ ( Ẩγενητογενήσ ) وهي صِفة يعود استخدامها إلى البابا ألكسندر بطريرك الأسكندرية ألـ 19 ، الذي خَلَفَهُ البابا أثناسيوس الرَّسولي على الكرسي المرقُسي الأسكندري .
ونرى نفس الفِكر مُتعمِقاً في الإبنڤماتولوچيا ( لاهوت الروح القدس ) ، فالروح القدس ليس أقل Inferiorمن الابن لأنه مُرسل من الابن ، أيضاً ليس الابن أقل من الآب لأنه أرسله وفي الحقيقة الروح القدس يُعطى للابن من الآب ، وهو ينبثِق من الآب ليستقر في الابن ، ولكنه ليس أقل من الآب أو الابن ، لأنه يُعلِن الابن ويُعلِن الآب حقاً ، فالروح القدس يُكمِل لاهوت الثَّالوث He Completes the Theology of the Trinity .
وفي رسالِة القديس الأولى إلى سِرابيون الأسقف يقول : ” إذاً يوجد ثالوث قدوس وكامِل ، نعترِف بأنه الله الذي هو الآب والابن والروح القدس ، لا شئ فيه غريب أو خارِج عن طبيعته ، لا يتألَّف من واحِد يخلِق وواحِد مخلوق بل كله خالِق ، جوهره بسيط وغير مُنقسِم وعمله واحِد “ ( Consistent and in nature indivisible and its activity is ONE ) .
فالآب يصنع كل شئ بالابن اللوغوس في الروح القدس ، هكذا تظِل وحدِة الثَّالوث القدوس محفوظة ، والكنيسة تكرِز بإله واحِد : الذي هو فوق الجميع وبالجميع وفي الجميع : هو فوق الجميع أباً فهو البداية وهو الأصل ، وبالجميع باللوغوس الكلِمة ، وفي الجميع في الآب لا مبدأ له “ أو حينما يقول ” الروح القدس ينبثِق من الآب ويستقِر في الابن أو أنه روح الابن أو أرسله الابن “ .
ويُؤكِد البابا أثناسيوس أنَّ هذه المقولات غير انعكاسية أي لا يمكن الرجوع فيها ، لأنَّ الاجابة على زعم البعض بأنَّ أقوال القديس تتضمن ولو شُبهِة التدني أو التدرُّج أو المرؤوسيةSubordinationism، هي بالقطع النفي التام للأسباب التالية :
الآب هو مبدأ الابن ( Ẩρχή ) بسبب الاستعلان ، لأنَّ الآب لا بِداية له ، فهو بحسب تعبير القديس أثناسيوس ” آنارخوس آرخي “ (Ẩναρχοσάρχή ) ” أي البدء الذي لا بدء له “ . الابن غير مخلوق أي ” أجنيتوجنيس “ ( Ẩγενητογενήσ ) وهي صِفة يعود استخدامها إلى البابا ألكسندر بطريرك الأسكندرية ألـ 19 ، الذي خَلَفَهُ البابا أثناسيوس الرَّسولي على الكرسي المرقُسي الأسكندري .
ونرى نفس الفِكر مُتعمِقاً في الإبنڤماتولوچيا ( لاهوت الروح القدس ) ، فالروح القدس ليس أقل Inferiorمن الابن لأنه مُرسل من الابن ، أيضاً ليس الابن أقل من الآب لأنه أرسله وفي الحقيقة الروح القدس يُعطى للابن من الآب ، وهو ينبثِق من الآب ليستقر في الابن ، ولكنه ليس أقل من الآب أو الابن ، لأنه يُعلِن الابن ويُعلِن الآب حقاً ، فالروح القدس يُكمِل لاهوت الثَّالوث He Completes the Theology of the Trinity .
وفي رسالِة القديس الأولى إلى سِرابيون الأسقف يقول : ” إذاً يوجد ثالوث قدوس وكامِل ، نعترِف بأنه الله الذي هو الآب والابن والروح القدس ، لا شئ فيه غريب أو خارِج عن طبيعته ، لا يتألَّف من واحِد يخلِق وواحِد مخلوق بل كله خالِق ، جوهره بسيط وغير مُنقسِم وعمله واحِد “ ( Consistent and in nature indivisible and its activity is ONE ) .
فالآب يصنع كل شئ بالابن اللوغوس في الروح القدس ، هكذا تظِل وحدِة الثَّالوث القدوس محفوظة ، والكنيسة تكرِز بإله واحِد : الذي هو فوق الجميع وبالجميع وفي الجميع : هو فوق الجميع أباً فهو البداية وهو الأصل ، وبالجميع باللوغوس الكلِمة ، وفي الجميع في بين سِر اللاهوت Theology والتدبير Economy …..
فالله كائِن بذاته موجود وغير مُتغيِر وغير خاضِع للزمن وغير قابِل للموت أو الفساد ، أمَّا العالم فمخلوق مُستمَدْ من إرادِة الله مُتغيِر ومُعرَّض للفساد ، وكلِمة الله هي عِلِّة الخلق ، وهناك صِفات ذاتية كيانية في الله وهي الصِفات الجوهرية : الآب والابن والروح القدس ، إنه سِر العِبادة الأعظم ( ثلاثة في واحِد ) وهنا يُؤكِد البابا أثناسيوس على علاقِة الثيولوچيا بالتريادولوچيا .
ولاهوت الابن هو لاهوت الآب ، لذلك فهو غير مُنقسِم ، لأنه يوجد إله واحِد ، والأُبوة والبُّنوة في الله ليست مُرتبطة بالمادة ولا بالتصورات الزمنية ولكنها حقيقة دينامية إينارچية ، لها قُدرة وتواجُد معاً ، الابن غير مُفترِق عن الآب ، ولم يكن زمان قط كان فيه الابن غير موجود ، ولكنه دائِماً أبداً صورِة الآب وشُعاعه وله أزليِة الآب .
ويرى البابا أثناسيوس أنَّ من يُؤمِن بالآب يعرِف الابن في الآب ، وهو لا يعرِف الروح القدس بدون الابن ، وذلك يُؤمِن أيضاً بالابن والروح القدس لأنَّ لاهوت الثَّالوث واحِد وقد اُعلِنَ من واحِد ، أي من الآب …. فالإيمان بالثَّالوث يُوحدنا بالله ، لأنَّ المعمودية تتم باسم الثَّالوث ، ويوجد إيمان واحِد في الثَّالوث ، هكذا أيضاً الثَّالوث القدوس مُتساوي مع ذاته ، ومُتحِد بنفسه في وِحدة غير مُتجزِئة ، والإيمان به إيمان واحِد .
وهذه الأقوال الدقيقة الشارِحة للاَّهوت الثَّالوثي تتكرر بمضمونها وإن لم يكن حرفياً في كل أقوال الآباء الذينَ أقامهم الله آباء ورُعاة ومُعلِّمين في الكنيسة المُقدسة بعد نياحِة القديس العظيم الأنبا أثناسيوس الرَّسولي حامي الإيمان .
واللاهوت الثَّالوثي يختلِف تماماً بل ويُضاد ذلك الفِكر اللاهوتي الوحداني الصِرف Monistic Theology ( الفِكْر الأُحادي ) ، مثل بِدعِة السبليانية التي تعتبِر الآب والابن والروح القدس ثلاثة مظاهِر أو أشكال لإله واحِد Modelism أو مِثْل ما يُسمَّى باللاهوت التَّعدُدي الجموعي Pluralistic Theology مثل الفلسفة الهيلينية التي تخلِط بين الله وعناصِر العالم ، فينشأ عن هذا الخلط ” تأليه الكون “ ، وهو مذهب وحدِة الوجود ( أي أنَّ الله والطبيعة شئ واحِد ) .
لكن لاهوتنا الثَّالوثي الذي نُؤمِن به يُقرِّر أنَّ كل اُقنوم من أقانيم الثَّالوث إله كامِل ، والأقانيم الثَّلاثة إله واحِد وليسوا ثلاثة آلِهة ( بل لاهوت واحِد أزلي في الثَّالوث ومجد واحِد للثَّالوث ) (11) . والأقانيم الثَّلاثة مُتميِزة Distinct ومع هذا فإنَّ تمايُزها ليس عائِقاً لوحدانيِة جوهرها .
ويليق بنا أن نعرِض هنا النص التالي بغرض توضيح مفهوم تمايُز الأقانيم الثَّلاثة في الثَّالوث القدوس ، في منظور القديس أثناسيوس اللاهوتي ، وهو نص وَرَدْ في ردُّه الأوَّل على الأريوسيين ، يدحض التثليث الأريوسي المرفوض الذي قام على اعتبارات عقلانية وقياسات منطِقية ( Syllogisms ) :
” إن قُلنا أنَّ اللوغوس كان منذ الأزل مع الآب ، لكنه ليس ابنه ، فإنَّ شُكوك الأريوسيين المزعومة قد تبدو مقبولة بحسب ظاهِرها ، لكن بينما نحن نقول أنه أزلي ، نعترِف أيضاً إنه ابن من الآب فكيف يكون المولود أخاً لمن ولده ؟ ..
ما هذا إلاَّ زعم يهودي المنشأ … لأنَّ الآب والابن لم يُولدا من أصل سابِق الوجود حتى نعتبرهُما أخين ، لكن الآب وَلَدَ الابن ، والآب هو الآب ، والابن هو الابن ليس أخاً بل دُعِيَ ابن الآب الأزلي ، وحقاً قد دُعِيَ كذلك لأنَّ جوهر الآب لم يكن أبداً ناقِصاً ، ليس كما في حالِة ميلاد إنسان من إنسان قد وُلِدَ الابن الوحيد من الآب ، حتى يبدو لاحقاً للآب في الوجود بل هو مولود الآب بالطبيعة منذ الأزل “ (12) .
وهكذا أكَّد القديس أثناسيوس على الثَّالوث الأزلي ( Eternal Trinity ) في مواجهة ذلك الفِكْر الأريوسي الذي يخضع لمقاييس وأبعاد الزمن ، فيصير لاهوتاً ناقِصاً تحكمه معايير التدني والتَّبعية والمرؤوسية (Subordinationist ) (13) .
فأريوس يُعلِّم ويزعُم أنَّ الله في البدء كان واحِداً وحيداً ( موناد Monad ) ، لكنه فيما بعد خلق الابن !! وفيما بعد أيضاً أوجد الروح القدس !! وهكذا تحدَّدت معالِم فِكْر أريوس الهرطوقي والمُبتدِع عن تلك الوحدانية الأنطولوچية الإغريقية .
لكن الله هو الواحِد الغير مخلوق البِدء الأزلي وأصل كل الأشياء الذي لا يتغيَّر ، الأبدي ، ولا صيرورة فيهBecoming .
يزعم أريوس أنه : حينما نقول أنَّ الابن مولود والروح القدس مُنبثِق ، فكإننا نقول أنَّ كيان الله ” يصيرBecomes “ ، والصيرورة دائِماً ما تكون في الزمان وتقبل التغيير ، وعلى هذه المُقدمات المنطِقية العقلانية رفض الأريوسيون تعليم الكنيسة المُستقيم عن الابن الأزلي ، وعن انبثاق الروح القدس الأزلي ، وقد أعاقهم مفهومهم الأفلاطوني الجامِد ( الإستاتيكي ) عن الكيان الإلهي عن رؤيِة أيَّة ” حركِة حياة “ داخل الله ، بمعنى أي سِر شخصس ( Personal mystery ) .
وقد اعتاد القديس أثناسيوس أن يُشكِّل إيمان الكنيسة افتراضاته الفلسفية ويصيغ تعليمه ، فدحض هرطقِة المُبتدِع أريوس ، والتي تتعلَّق بأزليِة الابن ، والتي حصرها أريوس الهرطوقي في بُنوة لها معنى الصيرورة والمخلوقية (14) . ويُحاجج القديس أثناسيوس ليُميِز بين :
الميلاد Generation والخلق Creation
مُستنِداً إلى التعليم الإنجيلي للكتاب المُقدس ، فحال كون الابن مولوداً لا تُساوي على الاطلاق كونهِ مخلوقاً ، فالمولود ميلاداً إلهياً مولود بالطبيعة ، بينما المخلوق خُلِق من عدم ، وميلاد الابن يخُص الطبيعة الإلهية ، ولهذا يختلِف عن أي ميلاد بشري ، فالطبيعة الإلهية أزلية ومن ثمَّ وَجَبْ أن يكون الميلاد الإلهي أزلياً ، أمَّا الميلاد البشري فلا يمكن أن يحدُث إلاَّ في الزمن ، لأنَّ الطبيعة البشرية قد خُلِقت وتوجد في الزمن ، أيضاً الطبيعة البشرية يحكُمها المكان لأنها توجد في المكان ولها مظهر جِسداني محدود..
لكن الكيان الإلهي غير جسداني وبسيط لا يحِدُّه زمان ولا مكان ، وهو غير مُدرك ومن ثمَّ فكيفية الميلاد الأزلي غير مُدركة ، وِدفاع الكنيسة عن الميلاد الأزلي للابن ليس دِفاعاً مبنياً على أُسُس عقلانية كما لو كانت الكنيسة تقدِر أن تُدرِك كيفية هذا الميلاد الإلهي أو تُثبِته ، لكنه دِفاع قد قام في الكنيسة لأنها قد تسلمته من الرب نفسه من خلال رُسُله القديسين ، وقد استُعلِن في الاختبار التاريخي لاستيعاب الكنيسة لحق الاستعلان الإلهي (15) .
وفي ( ضد الريوسيين 2 : 58 ) ، يقول القديس أثناسيوس : ” يُحدِّد الكتاب المُقدس الفارِق بين ميلاد الابن وخلقِة الأشياء ويكشِف أنَّ وحيد ” الآب ” هو ابن لم يبدأ من أي بِدء لكنه أزلي ، لكن الشئ المخلوق ، إذ هو عمل خارجي من أعمال الخارِج ، يبدأ في أن يكون له وجود من لا وجود ، ولهذا فإنَّ القديس يوحنا حينما سلَّمنا التعليم الإلهي اللاهوتي عن الابن – وهو مُدرِك للفارِق في العبارات والمُسميات –
لم يقُل ” في البدء صار ” أو ” خلق ” ، لكنه قال ” في البدء كان اللوغوس “، حتى نفهم ” الميلاد ” بواسطة لفظِة ” كان ” لا بمفهوم وجود مسافة زمنية تفصِل الابن عن الآب لكن حتى نُؤمِن أنَّ الابن كائِن أزلياً وعلى الدوام “ .
وفي ( ضد الأريوسية 2 : 57 ) ، يتحدَّث القديس بطريقة مُماثِلة : ” للأعمال بِداية عند خلقها أو عملها ، وبِدايتها تسبِق صيرورتها ، لكن اللوغوس ليس من الأشياء التي خُلِقت أو صارت بل هو ذاته خالِق كل الأشياء التي لها بِداية ، أيضاً تُقاس كينونِة المخلوقات بمعيار صيرورتها ، لأنَّ الله قد بدأ في خلقها باللوغوس من بدايِة ما حتى نعرِف أنها لم تكن موجودة قبل خلقِها ، لكن اللوغوس لا يستمِد كيانه من بِدء آخر غير الآب ، الذي هو بلا بِداية ومن ثمَّ كينونِة الابن بلا بِداية في الآب ، لأنه وحيده وليس مخلوقه “ .
وبالنسبة للبابا أثناسيوس كان نُكران أريوس الهرطوقي للاهوت الابن يتضمن أيضاً بالتبعية نُكران لاهوت الثَّالوث ، الذي لا يقِل أبداً عن الالحاد ونُكران الله !! لأنَّ لاهوت الثَّالوث هو الحق (16) The Theology of the Trinity is the truth .
وفي رِسالته الأولى إلى سِرابيون الأسقف يقول : ” أنَّ الأريوسيين بنُكرانهم للابن يُنكِرون يُنكِرون الآب وأيضاً هؤلاء المُبتدِعون مُقاوِمو الروح القدس بحديثهم الشِّرِّير عن الروح القدس يتحدَّثون بالشَّر عن الابن ، وقد وزَّع الفريقان فيما بينهما الضَّلالة ضد الحق ، ففريق منهم يُقاوِم الابن والآخر يُقاوِم الروح القدس وصار كلاهما يُجدِّف نفس التجديف ضد الثَّالوث “ .
ثم يستخدِم القديس أثناسيوس لغة قوية فيما بعد : ” ظهر الثَّالوث كامِل وغير منظور ، القدوس الأزلي الواحِد ذو الطبيعة التي لا تتغيَّر ، والإيمان بالثَّالوث الذي سُلِّمَ إلينا يُشرِكنا بالله ، وذاك الذي ينفصِل عن الثَّالوث مُعتمِداً باسم الآب والابن دون الروح القدس لا ينال شيئاً، بل يبقى كما هو خامِلاً بلا مفاعيل هو والذي يُحاكيه …
ومن يفصِل الابن عن الآب أو الذي ينزِل بمستوى الروح القدس إلى الخليقة ، ليس له الابن ولا الآب بل هو مُلحِداً وأسوأ من غير المُؤمِن بل هو شئ آخر غير صِفة ” مسيحي ”، هو بالحق كذلك لأنه كما أنَّ المعمودية المُعطاه في الآب والابن والروح القدس هي معمودية واحِدة ، وكما أنَّ الإيمان في الثَّالوث كما قال بولس الرسول هو إيمان واحِد ، هكذا أيضاً الثَّالوث القدوس حال كونه مُماثِلاً لذاته مُتحِداً بذاته ليس فيه شئ من الذي يخُص المخلوقات ، وهذه هي وحدِة الثَّالوث التي لا تنفصِم ، وهذا هو الإيمان الواحِد “ (17) .
ومن أساسيات تعليم القديس أثناسيوس عن الثَّالوث القدوس ، هو الاعتراف النيقاوي بوحدانِيِة الجوهرỎμοουσιοστώConsubstantiality ، والتي تأكدت أوَّلاً من جهة الابن مع الآب ( خاصة في ضد الأريوسية وكتاب المجامِع De Synodis وكتاب الإيمان (( العقيدة )) De Decretis والأعمال الأخرى ضد الأريوسيين ) ثم من جهة الروح القدس مع الابن ومن ثمَّ مع الآب .
وكان جهاد القديس أثناسيوس الأساسي ضد الأريوسيين ومُقاوِمي الروح القدس Pnevmatomachiansفي دِفاعه عن وحدانِيِة الجوهر homoousion . فاللاهوت الذي يخلِط غير المخلوق بالمخلوق ليس لاهوتاً .. لذلك يرتكِز الدِفاع عن وحدانِيِة الجوهر ( هوموآوسيون ) على الاستعلان الكِتابي ، وخصوصاً على إيكونوميِة المسيح ( تدبيره الخلاصي ).
والمبدأ الذي يحكم استعلان الله في العهد القديم والتدبير المسيحي هو الفِعْل الثُّلاثي الغير مُنقَسِم للثَّالوث القدوس ، ويستعلن التدبير ( الإيكونوميا ) عمل الله الذي بدأ بالآب وتأسَّس بالابن وكَمُل في الروح القدس ، وهذا العمل الواحِد يتطلب ” الجوهر الواحِد “ Ousia ( اُوسيا ) ووحدانِيِة الجوهر .
والتأكيد على وحدِة العمل والجوهر هو تأكيد في غايِة الأهمية إذ يكشِف عن أنَّ اللاهوت لا ينفصِل عن الإيكونوميا ( التدبير الخلاصي ) ، وليس لاهوت الثَّالوث مُطلقاً جامِداً بلا دِيناميكية ، لكنه لاهوت اختباري في عمل الثَّالوث الخلاصي التدبيري نحونا ، وتدبير تجسُّد الله اللوغوس هو الركيزة الحقيقية لهذا اللاهوت التريادولوچي ( الثَّالوثي )، ومن خلال اتحادنا وشَرِكتنا مع المسيح ، نختبِر الثَّالوث ونعرِفه ..
لذلك يُؤكِد القديس أثناسيوس على أنَّ الكنيسة هي المجال الذي فيه يُختبر لاهوت الثَّالوث ويُعرف ، فالكريستولوچيا ( طبيعِة المسيح ) والسوتيريولوچيا ( لاهوت الخلاص ) والتريادولوچيا ( لاهوت الثَّالوث ) لا تُفهم فهماً صحيحاً إلاَّ من خلال الإكلسيولوچيا ( حياة الكنيسة ) .
لذلك نرى القديس أثناسيوس وقد رضع اللاهوت وأحس بكيان الله الواحِد من خلال العِبادة الليتورچية ، وأيضاً من خلال التلمذة Discipline للبابا ألكسندروس وللبابا بطرس خاتِم الشُّهداء الذي اعترف بأنَّ الذي بطبيعته إله صار بطبيعة البشر ، والسيف مُسلطاً على رقبته .
لم يرَ البابا أثناسيوس أنَّ اللاهوت فلسفة عقلانية ومنطِق يخضع للنِقاش والجِدال والتحليل ، لكنه رأى أنَّ اللاهوت تقوى وعِشق الثَّالوث ، لذلك جاهد ضد الأريوسية مُجاهدة النور مع الظُلمة والحياة مع الموت ، حتى سقطت الأريوسية بلاهوتها العقلاني المُلفق ومنهجها الفلسفي ، بعد أن عاش أثناسيوس حياة استشهاد مُتواصِل ، عاش في الحق الذي لا يموت ظلَّ يزرع أشجاراً طوال حياته حتى تستطيع الأجيال القادِمة أن تستظِل تحتها (18) .
اقتنى أثناسيوس حياة الفضيلة ، لأنه كان يربُط بين معرِفة الله ” الثيولوچيا “ وبين الفضيلة ، لذلك قيل أنَّ من يمدح أثناسيوس يمدح الفضيلة ، إنه ذلك الرجل الإلهي الذي عَشَق الإلهيات وعاشها وكلَّمنا ودافع عنها ، مُعتبِراً أنَّ الإلهيات بعيدة عن الأشرار ، لذلك صار هو بحق معيار الأرثوذُكسية الحي ، الذي وجد فيه الروح القدس من سيتنفس لحسابه !! (19) .
إنَّ المنهج اللاهوتي للبابا أثناسيوس الرَّسولي يرتكِز على علاقته الشخصية بالمسيح ، لذلك لُقِب ” فيلوخريستو “ ، فلا يستطيع أن يتكلَّم عن الثيولوچيا إلاَّ من أحب المسيح واشتعل بنار العِشق الإلهي ، وفي ربط لاهوتي حياتي يربُط البابا أثناسيوس بين الثيولوچيا والكريستولوچيا ، مُثبِّتاً نظره على المسيح المُخلِّص الذي لم يُعلِّم الفضيلة فقط بل مارسها كمِثال حي وعملي ..
تعلَّق البابا أثناسيوس بوسائِط النِعمة (20) التي شكِّلِت فكره اللاهوتي ، فاعتبر الإفخارستيا مأكل فائِق سمائي وطعام روحاني به نتحِد بالإلهيات ، ونتناول من جسد الكلِمة نفسه فيكون لنا في أنفسنا الرب الواحِد ، وهنا نلمس رَبْط القديس أثناسيوس بينالثيولوچيا والإكلسيولوچي ، فنحن نتذوق ونعرِف اللاهوت ونتلامس معه في الكنيسة مُستودع النِعمة ، لذلك أخذ القديس على عاتِقه أن لا يُقدِّم المسيح إلاَّ مُتحِداً بكنيسته من الداخِل ، وفي كلمة واحدة كان المسيح هو نفسه الكنيسة .
كان الإنجيل والتأمُّل في كلِمة الله من أهم الأساسات التي تأسَّس عليها لاهوت القديس أثناسيوس ، فكان الإنجيل شهوِته المُفضلة ، مُعتبِراً أنَّ الكُتُب المُقدسة كافية للثيولوچيا والإعلان الإلهي ، وبذلك أمكنه أن يُنقِذ التعليم اللاهوتي من الانحراف وراء الهرطقات أو النظريات الفلسفية واليونانية ، فصارت الأرثوذُكسية الجامِعة مُتجسِدة في شخصه (21) .
رَبَطْ القديس بين الثيولوچيا والذُّكصولوجيا ، لأنَّ النَّفْس التي لها فِكْر المسيح تتوافق مع هذا الفِكْر كتوافُق القِيثارة مع من يُحرِّك أوتارها ، وهكذا النَّفْس حينما لا تصنع الباطِل تُدعى بحق قِيثارة روحية ، التي ينبغي أن تتمثَّل بالسيرافيم والشاروبيم ولا تكُف عن التَّسبيح المُتواصِل ، لأنَّ كل معرِفة ثيولوچية حقة تمتزِج بالتَّسبيح والتَّمجيد .
تمسَّك البابا أثناسيوس في منهجه اللاهوتي بالتقليد الكنسي ، ففهم اللاهوت فهماً كنسياً بعيداً عن التلوث الفلسفي اليوناني الذي أسقط أريوس الهرطوقي وأتباعه .. ، وربط القديس بين الثيولوچيا والباترولوچيامُعتبِراً أنَّ شَطَطْ الهراطِقة كان في عدم حِفظِهِم للمسيحية التقليدية ، أمَّا إيماننا نحن فمستقيم ونابِع من تعليم الإنجيل وكرازِة الرُّسُل وتقليد الآباء ومشهود له من العهدين القديم والجديد .
رَبَطْ القديس دائِماً بين الثيولوچيا والتقوى أي بين المعرِفة اللاهوتية والحياة العملية ، مُعتبِراً أنَّ العقيدة والتقوى أُختان ، فعاش ناسِكاً تقياً ، بعد أن رأى أنَّ من يريد أن يُدرِك فِكْر الناطقين بالإلهيات (Θεολόγων ) يجِب عليه أن يُقدِّم حياته ويُعاشِر القديسين (22).
ومن بين الركائِز الأثناسيانية كانت الاهتمامات المُركزة على التريادولوچيا ( الثَّالوث ) والتي أسماها القديس” اللاهوت الكامِلPerfect Theology “ ، وأيضاً أسماها ” التقوى الوحيدة “ (23) . والنُّصرة في حرب الإيمان ودحض الهرطقات ليست نِزاع ومنطِق كلام بل إيمان وإنجيل وتقليد وتقوى والتزام عملي وسلوكي ، لذلك اعتبر القديس أنَّ الثَّالوث هو اللاهوت الكامِل وأنه التقوى الوحيدة ، بالتأمُّل في الثيولوچيا لا كدِراسة فِكرية نظرية وبُرهانات ، ولكنكممارسة عملية تقوية للفضيلة ولِشَرِكَة الثَّالوث القدوس .
وعِلْم اللاهوت Θεολογία عند البابا أثناسيوس مُرتبِط بحياة القداسة فهو يقوم على قداسِة السيرة مع الالهام والاعلان من الله ، ونقاوِة النَّفْس تُؤهِلها لتتأمَّل في الإلهيات لأنَّ أنقياء القلب يُعاينونه .. وأثناسيوس قَبَلْ أن يكون اللاهوتي البارِع بطل مجمع نيقية وبطريرك الأسكندرية ، هو إنسان يحيا ” الثيولوچيا “ الحياة الإلهية ، هذه هي شهوِته الأولى فربط بين الأسقيطولوچيا والثيولوچيا ، أي النُّسك باللاهوت (24) .
أكَّد القديس على أولويِة الإيمان على العقل ، فتسليم المعرِفةالثيولوچية لا يمكن أن يكون بالبراهين الكلامية بل بالإيمان وأفكار التقوى والوقار ، لذلك لم يترك لنا مُؤلِفات ذات طابِع بُنائي أو تثقيفي لأنَّ حياته كلها كانت جهاد ودِفاع ، وبالرغم من خِصبه الفكري وكثافته اللاهوتية ، إلاَّ أنَّ اُسلُوبه سهل واقعي تلقائي بسيط ، يشرح الحق فقط مُكرراً ممُؤكِداً ، ويُصحِّح أفكار السابقين له ، فكان لاهوته ثابِت الأصول والاتجاه من البِداية إلى النهاية (25) .
ولم يكن لاهوت الثَّالوث الكامِل عنده نتيجة نظرة عقلانية من جانِب الإنسان بل هو عطية الله ، ونِعمة من الله ، فمعرفِة الثَّالوث قائِمة على نِعمِة الثَّالوث ، وكثيراً ما يتحدَّث البابا أثناسيوس عن اللاهوتيين بأنهم ” اللاهوتيون القديسون “ الذينَ علَّمهم الله نفسه اللاهوت الكامِل ، وسجَّله بأقلامهم في الكِتاب المُقدس ، ويتحدَّث أيضاً عن المُعلِّمين المُلهمين من الله ، ويرى أنَّ الذينَ يقرأون الإنجيل قراءة صحيحة تعبُدية يفهمونه فهماً صادِقاً ويشهدون بلاهوت المسيح .
وعلى يد اللاهوتيين الذينَ علَّمهم الله ، وعلى يدي الآباء المُعلِّمين والمُفسرين الذينَ ألهمهم الله تعلَّمنا نحن اللاهوت ، هكذا يرى القديس أثناسيوس الرَّسولي . ففي كِتابه ” ضد الأُمم “ (26) يذكُر القديس بولس الرَّسول كواحِد من هؤلاء اللاهوتيين مُشيراً إلى مقولته الرَّسولية في ( رو 1 : 2 ) أنَّ أمور الله الغير منظورة تُرى بالمخلوقات من خلال تأمُّل العقل منذ تأسيس العالم ، وهذا يُوضِح أنَّ البابا أثناسيوس يقبل مفهوم ”لاهوت الطبيعة Theology of Nature“ .
ويقول أنَّ الحقيقة الأولى التي يُعلِّمها هؤلاء اللاهوتيون هي أنَّ الله هو الخالِق وحافِظ كل الأشياء (27) ، ويتأكد هذا التعليم في مقدمة إنجيل القديس يوحنا اللاهوتي ” كل شيء به كان وبغيرهِ لم يكن شيء مِمَّا كان “ (28) .
فهؤلاء اللاهوتيون يُعلِّموننا إذن أنَّ لوغُوس الله الذي خلق كل الأشياء هو في نفس الوقت حافِظها … وتعليم التدبير والعِناية أو نِعمة العِناية الإلهية هو تعليم مُتلازِم تماماً مع نِعمة الخلق الأولى .
ثم – أنَّ اللاهوتيين يتحدَّثون عن ظهور الله الكلِمة اللوغُوس مُتجسِداً الذي أباد الموت والفساد ، لذلك صار اللاهوتيون هم لاهوتيو المُخلِّص ، الله اللوغُوس الذي يُؤكِد لاهوته وناسوته ، ومن ثمَّ فإنَّ وحدِة أو اتحاد الله بالإنسان تتحقق وتُكتمل فيه إلى الأبد ، ومن الواضِح أنَّ اللاهوتي في رأي البابا أثناسيوس هو الذي يُعلِن ( يكشِف عن ) لوغُوس الله ، لأنَّ هذا اللوغُوس قد استُعلِن أولاً له ، واستعلان اللوغُوس هو نِعمة من اللوغُوس .
وللقديس أثناسيوس الرَّسولي مفهومه ذو الثَّلاثة أبعاد ، فهو يختص :0 بالخلقCreation والتدبيرProvidence والخلق الجديدRenew creation وبمعنى آخر ، يستوعِب تاريخ الخلاص كله منذ بِداياته عند تأسيس العالم وحتى نهايته في قيامِة المسيح وإبادِة الموت والفساد ، أي تأليه الطبيعة ، وهنا مكمن مجد وفخر اللاهوت . واللاهوتي الحقيقي هو الذي يتيقن ويُستعلن في وجوده تلك الأسرار العظيمة الثَّلاثة لعمل الله والاستعلان في آنٍ واحِد ، أعني :
الخلق ، وتدبير الخلق ، وتجديد الخلق أي الكمال
وليس الكِتاب المُقدس غاية لاهوتية !! بل هو فقط وسيلة ، أمَّا الغاية فهي الإنسان ، الشخص Person ، الذي فيه تمَّم الله كل مقاصِده جاعِلاً إياه اللاهوتي في الأيقونة والشَبَه بحسب الله ذاته . والقديس أثناسيوس يجِد الأيقونة في الأنبياء والرُّسُل والقديسين في الكِتاب المُقدس .
أخيراً – يُؤكِد القديس على الطهارة Purity كسابِقة وضرورة للاَّهوت ، ففي كتاب ” تجسُّد الكلِمة “ يقول : ” من أجل تفتيش الكِتاب المُقدس والمعرِفة الحقيقية له نحتاج إلى حياة مُكرَّسة ونفس طاهِرة لأنه بدون فِكْر نقي طاهِر ، وبدون حياة نمتثِل فيها بالقديسين لا يستطيع الإنسان أن يُدرِك ويستوعِب كلام اللاهوتيين ، لأنه إن أراد الإنسان أن يرى نور الشمس ، يمسح عينيهِ ويُنقيهِما مًطهِّراًَ نفسه ، حتى تقدِر العين المُبصِرة أن ترى نور الشمس ..
أو كما لو كان الإنسان يريد أن يرى مدينة أو بلدة يأتي بنفسه إليها ليراها ، هكذا أيضاً الذي يشتاق أن يُدرِك فِكْر اللاهوتيين عليه أن يبدأ يغسِل ويُطهِّر نفسه بسلوكه في حياته ، وأن يقترِب من القديسين أنفسهم بالامتثال بأعمالِهِم ، والاشتراك في سيرِة حياتِهِم ليفهم ما استُعلِن لهم من الله ، وإذ يرتبِط ارتباطاً صميمياً بهم ينجو من هلاك الخُطاة ونارهم في يوم الدينونة “ .
وجاءت هذه المقولة في أُولى أعمال البابا أثناسيوس لتكشِف عن سِر حياته وعَظَمَته ، وإذا أردنا الايجاز فإنَّ القديس يقول إن الإنسان بحاجة إلى تطهير نفسه في حياته ليكون مُستحِقاً للاَّهوت . وإذا نظرنا إلى الأمر من جهة الله ، فاللاهوت نِعمة الثَّالوث ، ومن جهة الإنسان ، فاللاهوت تلمذة غالية ونفيسة . واللاهوت لن يُعلن لنا بإيضاحات كلامية بل بالإيمان ، ولن يُعلن لنا بالعقل إنما بروح التقوى وحاسة الوقار … فالإيمان بالله يسبِق المسير نحو الثيولوچيا ، لأننا في البِداية نُؤمِن وبعد ذلك نعرِف وأخيراً نتكلَّم ونشهد …
إنَّ اللاهوت لا يقوم على فهم شخصي
ولا على مشيئة شخصية
بل هو تعليم إنجيلي وإعلان كِتابي
بحسب الله ذاته . والقديس أثناسيوس يجِد الأيقونة في الأنبياء والرُّسُل والقديسين في الكِتاب المُقدس . أخيراً – يُؤكِد القديس على الطهارة Purity كسابِقة وضرورة للاَّهوت ، ففي كتاب ” تجسُّد الكلِمة “ يقول : ” من أجل تفتيش الكِتاب المُقدس والمعرِفة الحقيقية له نحتاج إلى حياة مُكرَّسة ونفس طاهِرة لأنه بدون فِكْر نقي طاهِر ، وبدون حياة نمتثِل فيها بالقديسين لا يستطيع الإنسان أن يُدرِك ويستوعِب كلام اللاهوتيين ، لأنه إن أراد الإنسان أن يرى نور الشمس ، يمسح عينيهِ ويُنقيهِما مًطهِّراًَ نفسه ، حتى تقدِر العين المُبصِرة أن ترى نور الشمس …
أو كما لو كان الإنسان يريد أن يرى مدينة أو بلدة يأتي بنفسه إليها ليراها ، هكذا أيضاً الذي يشتاق أن يُدرِك فِكْر اللاهوتيين عليه أن يبدأ يغسِل ويُطهِّر نفسه بسلوكه في حياته ، وأن يقترِب من القديسين أنفسهم بالامتثال بأعمالِهِم ، والاشتراك في سيرِة حياتِهِم ليفهم ما استُعلِن لهم من الله ، وإذ يرتبِط ارتباطاً صميمياً بهم ينجو من هلاك الخُطاة ونارهم في يوم الدينونة “ .
وجاءت هذه المقولة في أُولى أعمال البابا أثناسيوس لتكشِف عن سِر حياته وعَظَمَته ، وإذا أردنا الايجاز فإنَّ القديس يقول إن الإنسان بحاجة إلى تطهير نفسه في حياته ليكون مُستحِقاً للاَّهوت . وإذا نظرنا إلى الأمر من جهة الله ، فاللاهوت نِعمة الثَّالوث ، ومن جهة الإنسان ، فاللاهوت تلمذة غالية ونفيسة . واللاهوت لن يُعلن لنا بإيضاحات كلامية بل بالإيمان ، ولن يُعلن لنا بالعقل إنما بروح التقوى وحاسة الوقار … فالإيمان بالله يسبِق المسير نحو الثيولوچيا ، لأننا في البِداية نُؤمِن وبعد ذلك نعرِف وأخيراً نتكلَّم ونشهد …
إنَّ اللاهوت لا يقوم على فهم شخصي
ولا على مشيئة شخصية
بل هو تعليم إنجيلي وإعلان كِتابي
وتسليم رسولي وتقليد كنسي
يوصَّلنا إلى معرِفة لاهوتية صحيحة
هي الأمانة والوديعة
هي قانون الإيمان النيقاوي
ولنُصلِّي جميعاً
بالحقيقة نُؤمِن بإله واحِد ……
+++
مراجِع الفصل
1) Cont., Gen., 1. 2) CAR 1, P.G. 26, 49 A. 3) SER 1, P.G. 26, 596 C. 4) Ibid. 605 (CD). 5) Harnak, History of Dogma of The Spirit & of Trinity. P, 199. 6) Athanas, ad, Serap, 1, 30. 7) Ch. 28. 8) Harnack, Op, Cit, p. 284. 9) Ibid. P. 250. 10) Athanas, Incar, 19. 11) CAR 1, 18. 12) CAR 1, 14. 13) Athanas., C, Ar, IV, 29. 14) F. A. Staudenmeier, cited by Florovsky, Op, Cit, P. 60. 15) Athanas. Contra Arian., 1: 9. 16) Athanas. To Serapion, 11. 5. 17) Ser 1, 30. 18) P.G. 26, 577. 19) Bouyer, L’incarnation et l´Eglise – Corps du Christ dans la Theologie de St. Ath., 1943, P. 22. 20) Quasten, Patrology, vol. III, P. 66. 21) N.P.N.F. 172 & 224. 22) P.G. 26, 656. 23) SER 1, 29.
1) N.P.N.F. 103. 2) P.G. 26, 577 & Quasten, Op. Cit. P. 66. 3) Contra Gen., P.G. 26, 698 C.. 4) Ibid. 84 AB. 5) Ibid. 84 CD.
الشهور العبريية، هو شهر قمري، بمعنى أنه يعتمد في حسابه على ظهور الهلال النحيل لميلاد القمر الجديد. وبذلك تتكون السنة العبرية القمرية من: 354 يوم + 8 ساعات + 48 دقيقة + 38 ثانية>
The Tempel : Its Ministry and Services, P.200
من أجل هذا السبب يتأرجح الشهر العبري – دائماً – بين 29، 30 يوماً لكل شهر. وبناء على ذلك تقل السنة العبرية القمرية عن السنة الشمسية بمقدار 10 أيام + 21 ساعة تقريباً.
Victor Buksbazen, The Gospel in the Feasts of Isrsel, P. 24
ولإحداث التوازن بين التقويمين، اضطروا أن يضعوا ما يُعرف بـ ” السنة الكبيسة ” وهو إضافة الشهر الثالث عشر، وسُميَّ هذا الشهر بـ” آذار الثاني “، وحتى سنة 360 ميلادية، كانت كل: 8 سنوات عبرية قمرية + 3 شهور كبيسة = 8 سنوات شمسية.
ولكن لما غير اليهود تقويمهم سنة 360 م، أصبحت السنة العبرية القمرية أقصر من السنة الشمسية بمقدار 10 أيام فقط، وبذلك صارت كل: 19 سنة قمرية + 7 شهور كبيسة = 19 سنة شمسية. وهذا ما أطلق عليه اليهود بـ ” دورة الفصح الكبرى “، حتى تأتي الأعياد في مواعيدها بالضبط كل سنة.
والكلمة العبرية ” حُ د ش – חדֶשׁ ” تُترجم بالعربية ” شهر “، وهي نفس الكلمة العبرية ل “قمر”. واليوم الأول لكل شهر يُسمى بالعبرية ” ر و ش ح د ش ראשׁ חדֶשׁ” ومعناها : رأس الشهر ، أو ميلاد القمر أو الهلال . وقياس طول الشهر بدورة القمر، يعود لزمن موسى النبي.
وقد أشار داود النبي والملك العظيم إلى ذلك بقوله: ” صنع القمر للمواقيت … ” ( مز 104 : 19 ). ويذكر العهد القديم، التقليد المتبع لتقسيم السنة إلى اثنى عشر شهراً، حيث نقرأ في سفر الملوك الأول 4: 7 ” وكان لسُليمان أثنا عشر وكيلاً على جميع إسرائيل يمتارون (أي يجمعوا الطعام والمؤنة أو يحضروها كضريبة للملك أو للدولة) للملك وبيته. كان على الواحد أن يمتار شهراً في السنة”
أسماء الشهور العبرية ومعانيها وعدد الأيام:
شهر نيسان ניסן Nisan :
وهو أول الشهور العبرية المقدسة، والشهر السابع من السنة المدنية ويقابل شهري مارس وأبريل، ويُسمى أيضاً شهر أبيب ( خروج 13 : 4، 23 : 15، 16 : 1 ). والكلمة تحمل المعاني الآتية: طيران ، راية ، برهان ، معجزة ، هروب . عدد أيامه (30 يوم).
شهر زِيُو זו Ziv:
وهو ثاني الشهور العبرية المقدسة، والشهر الثامن من السنة المدنية ويقابل شهري إبريل ومايو، ويُسمى ايضاً ” آيار ” ( 1ملوك 6: 1 ، 6: 37 )، والكلمة تحمل المعاني الآتية: زهرة ، سطوع ، بهاء ، جمال . عدد أيامه (29 يوم).
شهر سيفان، سِيوَان סיון Sivan:
وهو ثالث الشهور العبرية المقدسة، والشهر التاسع من السنة المدنية ويقابل شهري مايو ويونيو ( أستير 8 : 9 )، والكلمة تحمل المعاني الآتية: غطائهن ، نيّر ، ساطع ، شهر ، قمر ، مُشرق . عدد أيامه (30 يوم).
شهر تموز תמוז Tammuz:
وهو رابع الشهور العبرية المقدسة، والشهر العاشر من السنة المدنية ويقابل شهري يونيو ويوليو. ولم يُذكر في الكتاب المقدس، ولكن وردت إشارة إليه في زكريا 8 : 19، والكلمة تحمل المعاني الآتية: تذبُل، مُعطي الكرمة، مُغادرة، ذوبان، يكتم، انحلال، اسم إله البابليين ( حز 8 : 14 )، عدد أيامه (29 يوم).
شهر آب:
وهو خامس الشهور العبرية المقدسة، والشهر الحادي عشر من السنة المدنية ويقابل شهري يوليو وأغسطس. ولم يُذكر في الكتاب المقدس، ولكن وردت الإشارة إليه في عزرا 7:9 ، عدد أيامه (30 يوم).
شهر أيلول אלול Elul:
وهو سادس الشهور العبرية المقدسة، والشهر الثاني عشر من السنة المدنية ويقابل شهري أغسطس وسبتمبر. ( نح 6: 15 ) والكلمة تحمل المعاني الآتية: عدم ، بكاء ، ضجة ، صراخ ، نداء . عدد أيامه (29 يوم).
شهر أَيْثَانيِم אתנים Ethanim:
وهو سابع الشهور العبرية المقدسة ، والشهر الأول من السنة المدنية ويقابل شهري سبتمبر وأكتوبر ، ويُسمى أيضاً ” تشري “؛ ( 1ملوك 8: 2 )، والكلمة تحمل المعاني الآتية: قوي ، جريء ، تدفق دائم ، مطر دائم ، أقوياء . عدد أيامه (30 يوم).
شهر بُول בולBul:
وهو ثامن الشهور العبرية المقدسة، والشهر الثاني من السنة المدنية ويقابل شهري أكتوبر ونوفمبر. ويُسمى ” هيشفان ” ( 1ملوك 6: 38 )، والكلمة تحمل المعاني الآتية: زيادة ، تغيير ، إنتاج مُتغير ، محصول . عدد أيامه يتراوح ما بين (29 أو 30 يوم).
شهر كَسْلُو כסלו Chislev:
وهو تاسع الشهور العبرية المقدسة، والشهر الثالث من السنة المدنية ويقابل شهري نوفمبر وديسمبر( نحميا 1: 1 )، والكلمة تحمل المعاني الآتية: ثقة ، صياد ، تهوّر ؛عدد أيامه يتراوح ما بين (29 أو 30 يوم).
شهر تيفيت أو طِيبيِت טבת Tebeth:
وهو عاشر الشهور العبرية المقدسة، والشهر الرابع من السنة المدنية ويقابل شهري ديسمبر ويناير ( أستير 2: 16 )، والكلمة تحمل المعاني الآتية: طيب ، صلاح ، شتاء ، جيد .عدد أيامه يتراوح ما بين (29 أو 30 يوم).
شهر شَبَاط שׁבט Shebat:
وهو الحادي عشر من الشهور العبرية المقدسة والشهر الخامس من السنة المدنية ويقابل شهري يناير وفبراير ( زكريا 1: 7 )، والكلمة تحمل المعاني الآتية: راحة ، سبط ، صولجان ، إضْرب . عدد أيامه (30 يوم).
شهر أَذَار אדר Adar:
وهو الثاني عشر من الشهور العبرية المقدسة والشهر السادس من السنة المدنية، ويقابل شهري فبراير ومارس ( عزرا 6: 15 )، والكلمة تحمل المعاني الآتية: مجيد ، مرتفع ، سامٍ ، مُظلم ، ملئ بالسحب ، ملبد بالغيوم .عدد أيامه (29 أو 30 يوم في السنة الكبيسة).
شهر فيادارا أو أَذَار الثاني:
هذا الشهر أدخله اليهود كل ثلاثة سنوات ليجعلوا السنة القمرية تُعادل السنة الشمسية تقريباً.
موضوعنا اليوم هو من ضمن سلسة الموثوقية للعهد القديم و سنتلكم عن توافق احدى البرديات المصرية القديمة مع ما جاء في سفر الخروج
Ipuwer Papyrus اوThe Admonitions of Ipuwer
تم اكتشاف هذه البردية في مصر في القرن 19 و هي حاليا محفوظة في متحف Leiden في هولندا و يعود تاريخها الى القرن 13 قبل الميلاد و يعتقد العلماء ان المخطوطة الاصلية التي نسخت منها هذه البردية يعود تاريخها الى القرن 15 قبل الميلاد
تتكلم البردية عن ظواهر عجيبة ظهرت في مصر في تلك الفترة و بعض هذه الظواهر تتوافق مع الضربات التي ذكرت في سفر الخروج
و النهر هو دم ماء الأنهر و الينابيع لم يكن صالحا للشرب
سفر الخروج 7: 24 وَحَفَرَ جَمِيعُ الْمِصْرِيِّينَ حَوَالَيِ النَّهْرِ لأَجْلِ مَاءٍ لِيَشْرَبُوا، لأَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ مَاءِ النَّهْرِ Men shrink from tasting – human beings, and thirst after water كان الرجال ينكمشون بعد شرب الماء و كانوا يعطشون اكثر بعد شربه
حرائق في كل مكان سفر الخروج 9: 23 فَمَدَّ مُوسَى عَصَاهُ نَحْوَ السَّمَاءِ، فَأَعْطَى الرَّبُّ رُعُودًا وَبَرَدًا، وَجَرَتْ نَارٌ عَلَى الأَرْضِ، وَأَمْطَرَ الرَّبُّ بَرَدًا عَلَى أَرْضِ مِصْرَ. gates, columns and walls are consumed by fire. البوابات و الاعمدة و الجدران اكلتهم النيران
تلف المحاصيل الزراعية و البساتين سفر الخروج 9: 25 فَضَرَبَ الْبَرَدُ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ جَمِيعَ مَا فِي الْحَقْلِ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ. وَضَرَبَ الْبَرَدُ جَمِيعَ عُشْبِ الْحَقْلِ وَكَسَّرَ جَمِيعَ شَجَرِ الْحَقْلِ. Lower Egypt weeps… The entire palace is without its revenues. To it belong [by right] wheat and barley, geese and fish
و ناح الذين يعيشون مصر السفلى و كان المكان كله دون محصول و التي كانت سابقا مليئة بالقمح و الشعير و الاوز و السمك
grain has perished on every side. و تلف القمح في كل الاماكن مرض المواشي
سفر الخروج 9: 3 فَهَا يَدُ الرَّبِّ تَكُونُ عَلَى مَوَاشِيكَ الَّتِي فِي الْحَقْلِ، عَلَى الْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ وَالْجِمَالِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَبَأً ثَقِيلاً جِدًّا All animals, their hearts weep Cattle moan
كل الحيوانات بدء قلبهم ينوح و المواشي تئن
cattle are left to stray, and there is none to gather them together
و فرقت
المواشي عن بعضها البعض و لم يكن يتم جمعهم معا
the fire has mounted up on high. Its burning goes forth against the enemies of the land. و ارتفعت النار في الاعالي و كانت تلتهب و تتجه الى الأعلى ضد أعداء الأرض (اليهود) الى هنا اعانني الرب
MATTHEW 26:52—Is Jesus advocating pacifism and denouncing capital punishment in this passage?
PROBLEM: When the soldiers came to arrest Jesus, Peter took out his sword and cut off the ear of the high priest’s servant. Jesus told Peter to put back the sword because those who take up the sword will die by the sword. Some use this verse to support pacifism and to oppose capital punishment, which the Bible affirms elsewhere (Gen. 9:6).
SOLUTION: Total pacifism is not taught in this Scripture. Indeed, Abraham was blessed by the Most High God (Gen 14:19) after engaging in a war against the unjust aggression of the kings who had captured his nephew Lot. In Luke 3:14, soldiers come to inquire of John the Baptist about what they should do. John never told them to leave the army. Likewise, Cornelius, in Acts 10, was a centurion. He was called a devout man (v. 2), and the Scriptures say that the Lord heard the prayers of Cornelius (v. 4). When Cornelius becomes a Christian, Peter does not tell him to leave the army. Also, in Luke 22:36–38, Christ says that the one who has no sword should sell his robe and buy one. The apostles responded saying that they had two swords. Jesus responded saying that “it was enough.” In other words, they did not need to get rid of their swords. The Apostle Paul accepted the protection of the Roman army to save his life from unjust aggressors (Acts 23). Indeed, he reminded the Roman Christians that God had given the sword to the king who did not bear it in vain (Rom. 13:1–4). When Jesus returns to earth, He will come with the armies of heaven and will war against the kings of the earth (Rev. 19:11–19). So, from the beginning to the end, the Bible is filled with examples of the justification of war against evil aggressors.
What, then, did Jesus mean when He commanded Peter to put away his sword? Peter was making two mistakes in using his sword. First, while the Bible permits the sword by the government for civil purposes (Rom. 13:1–4), it does not endorse its use for spiritual ends. It is to be used by the state, not by the church. Second, Peter’s use was aggressive, not purely defensive. His life was not being unjustly threatened. That is, it was not clearly an act of self-defense (Ex. 22:2). Jesus appears to have endorsed the use of the sword in civil self-defense (Luke 22:36), as did the Apostle Paul (Acts 23).
Likewise, capital punishment is not forbidden in Scripture, but rather was established by God. Genesis 9:6 affirms that whoever sheds man’s blood, the blood of the killer will also be shed. Numbers 35:31 makes a similar statement. In the NT, Jesus recognized that Rome had capital authority and submitted to it (John 19:11). The Apostle Paul informed the Romans that governing authorities are ministers of God and that they still possessed the God-given sword of capital authority (13:1, 4). So Jesus in no way did away with the just use of the sword by civil authorities. He simply noted that those who live lives of aggression often die by the same means.