الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

“المحبة تستطيع أن تحتمل، والمحبة تستطيع أن تغفر… لكن المحبة لا تستطيع أبداً أن تتصالح مع شيء بغيض… لذلك لا يستطيع الله مطلقاً أن يتصالح مع خطيئتك، لأن الخطية نفسها غير قابلة للتغيير، ولكن الله يمكنه أن يتصالح معك كشخص، لأن الشخص يمكن استرداده وتجديده.”

تراهيرن

Traherne. Centuries of Meditation.

إن أي تفكير في صلاح الله ينذرنا على الفور بالمعضلة التالية. فمن ناحية، إذا كان الله أحكم منا فإن حكمه لا بد أن يختلف عن حكمنا في الكثير من الأمور، وليس بأقلها في الخير والشر. فما يبدو بالنسبة لنا خيراً قد لا يكون خيراً في عينيه، وما يبدو بالنسبة لنا شراً قد لا يكون شراً.

من الناحية الأخرى، إذا كان حكم الله الأدبي الأخلاقي يختلف عن حكمنا بحيث أن ما نعتبره “أسود” قد يكون بالنسبة لله “أبيض”، فليس هناك أي معنى أن ندعو الله صالحاً؛ لأننا عندما نقول إن “الله صالح”، بينما نؤكد أن صلاحه يختلف بالكامل عن صلاحنا، فهذا معناه الحقيقي فقط أن نقول، “إننا لا نعرف ماهية الله”. وصفة غير معروفة على الإطلاق في الله لا تستطيع أن تعطينا أسساً أخلاقية لكي نحبه ونطيعه. فإذا لم يكن الله (بحسب مفهومنا) “صالح” فإننا سنطيعه، إن كنا سنطيعه من الأساس، فقط من خلال الخوف – وعندها يجب أن نكون مستعدين بالمثل أن نطيع شيطاناً كلي القدرة. عندما نستنتج من عقيدة “الفساد الكلي” Total Depravity – أنه حيث أننا فاسدون كلية فإن فكرتنا عن الخير ببساطة لا تساوي شيئاً – فإن هذا قد يحول المسيحية بالتالي إلى شكل من أشكال عبادة الشيطان.

لذلك يعتمد الهروب من هذه المعضلة على ملاحظة ما يحدث في العلاقات الإنسانية، عندما يدخل إنسان ذو معايير أدبية أخلاقية دنيا إلى مجتمع يتكون من أولئك الذين هم أفضل وأحكم منه ويتعلم تدريجياً أن يقبل “معاييرهم”، وهي عمليه، إذ تحدث، يمكنني أن أصفها بدقة شديدة، حيث أنني قد اختبرتها بصفة شخصية، فعندما ذهبت أول مرة إلى الجامعة كنت تقريباً بدون ضمير أخلاقي هو نوع من النفور الضئيل من القسوة ومن الدناءة بشأن المال، أما العفة، والصدق، والتضحية بالنفس فقد كنت أفكر فيها مثلما يفكر قرد البابون في الموسيقا الكلاسيكية.

لكن برحمة الله وقعت بين مجموعة من الشباب (وبالمناسبة، ليس من بينهم مسيحيون) كانوا قريبين مني في الفكر والخيال بما يكفي بحيث مثلوا بالنسبة لي مصدر علاقة حميمية مني في الفكر والخيال بما يكفي بحيث مثلوا بالنسبة لي مصدر علاقة حميمية مباشرة، ولكنهم أيضاً عرفوا، وحاولوا أن يطيعوا، القانون الأخلاقي. وبالتالي فإن حكمهم على الخير والشر كان مختلفاً جداً عن حكمي.

ما يحدث في مثل هذه الحالة لا يشبه في أقل تقدير أن يتم سؤالك أن تعامل ما كان يطلق عليه حتى ذلك الحين “أسود”، باعتباره “أبيض”. فالأحكام الأخلاقية الجديدة لا تدخل العقل أبداً كمجرد انعكاسات Reversals للأحكام السابقة (رغم انها تقوم بالفعل بعكسها)، بل “كأسياد متوقعين بكل تأكيد”. فلا يمكن أن يكون لديك أدنى شك في الاتجاه الذي ستتحرك فهي؛ إذ ان هذه الأحكام الجديدة تشبه “الخير” أكثر من ذرات الخير التي كانت لديك بالفعل، ولكنها تكون من ناحية ما مستمرة معها (يعني الكاتب أن كل إنسان في داخله بعض الإدراك لما هو خير وصالح، وبداخله أيضاً بعض القدر من ذرات الصلاح، حتى وإن كانت أفعاله شريرة، وعندما يتعرف هذا الإنسان على الخير والصلاح فإنه يجد أن في داخله تعرف وإدراك مسبق لهذا الصلاح – المحرر).

لكن الاختبار العظيم هنا هو أن إدراك المعايير الجديدة يصحبه شعور بالخزي والذنب؛ إذ يعي الإنسان أنه قد أخطأ بفداحة داخل مجتمع هو غير مؤهل له. وهكذا، في ضوء مثل هذه الخبرات لا بد لنا أن نفكر في صلاح الله.

دون أدنى شك، فكرة الله عن “الصلاح” تختلف عن فكرتنا؛ لكنك لا تحتاج أن تخاف من أنك إذ تقترب من فكرته سيطلب منك ببساطة أن تعكس Reverse أو تناقض معاييرك الأخلاقية؛ فعندما يظهر لك الفارق المقصود بين الأخلاقيات الإلهية وأخلاقياتك الشخصية، لن يكون لديك في الحقيقة أدنى شك في أن التغيير المطلوب منك هو في الاتجاه الذي تستطيع بالفعل أن تدعوه “أفضل”.

يختلف “الصلاح” الإلهي عن صلاحنا، لكنه “لا يختلف جوهرياً” عنه؛ إنه لا يختلف عنه مثل اختلاف الأبيض عن الأسود، بل مثل اختلاف الدائرة الكاملة المتقنة عن أول محاولة يقوم بها طفل للاسم دائرة عجلة. لكن عندما يتعلم الطفل أن يرسم، سيعرف عندئذ أن الدائرة التي رسمها في النهاية هي ما كان يحاول أن يرسمه منذ البداية. (يقصد الكاتب أن صلاح الله لا يختلف عن صلاحنا في جوهره أي لا يناقضه بصورة مطلقة بل إنه يختلف عنه في جودته وكماله وإتقانه – المرجم.)

هذا التعليم مفترض مسبقاً في الكتاب المقدس. فالمسيح يدعو البشر إلى التوبة – وهي دعوة كانت ستصبح بلا معنى لو أن معايير الله تخلف جوهرياً عن المعايير التي عرفها البشر بالفعل وفشلوا في ممارستها. فالله يناشد حكمنا الأخلاقي الموجود بالفعل، إذ يقول، لماذا لا تحكمون في أنفسكم بما هو حق؟ (لوقا 12: 57) كان الله في العهد القديم يوبخ البشر على أساس مفاهيمهم الشخصية عن الامتنان والإخلاص والعدل؛ ويضع نفسه كما لو أنه في محاكمة مع مخلوقاته التي صنعها. “ماذا وجد فيّ آباؤكم من جور حتى ابتعدوا عني؟” (إرميا 2: 5).

بعد هذه المقدمات، أرجو أن يكون من الآمن أن أفترض أن بعض المفاهيم الخاصة بالصلاح الإلهي التي تميل إلى أن تسود تفكيرنا، رغم أنه يندر التعبير عنها بكلمات كثيرة، هي الآن عرضة للنقد.

في أيامنا هذه نحن نقصد بصلاح لله حصرياً تقريباً، محبته؛ وقد نكون على حق في ذلك. في هذا السياق، معظمنا يعني بالحب، اللطف والحنان، أو الرغبة في رؤية الآخرين أكثر سعادة من النفس؛ ليس أن نراهم سعداء بهذه الطريقة أو تلك، بل فقط سعداء. فالذي يمكن أن يرضينا حقاً هو إله يقول على أي شيء نحب أن نفعله. “ماذا يهم، طالما أنهم راضون وقانعون؟” إننا في الحقيقة لا نريد “أباً” في السماء قد ما نريد “جداً” في السماء، شيخاً عجوزاً محسناً، الذي كما يقولون “يحب أن يرى الشباب يستمتعون”، والذي خطته لأجل الكون هي ببساطة أن يقال فعلياً في نهاية كل يوم، “لقد استمتع الجميع بوقت طيب”.

إنني أعترف أنه ليس كل الناس يقومون بصياغة لاهوت بمثل هذه المصطلحات بالتحديد؛ لكن هناك مفهوم لا يختلف كثيراً عن هذا يقبع في الخلفية الذهنية للكثيرين. أنا لا أزعم أنني استثناء، لذلك: كنت أرغب كثيراً في أن أعيش في عالم تحكمه مثل هذه الأفكار الخاطئة. لكن حيث أنه من الواضح بشدة أنني لا أستطيع ذلك، وحيث أن لدي سبب لكي أعتقد، رغم ذلك، أن الله محبة، فإنني أستنتج أن مفهومي عن الحب يحتاج إلى تصحيح.

ربما قد تعلمت بالفعل، حتى من الشعراء، أن الحب هو شيء أكثر صرامة وقوة وروعة من مجرد اللطف؛ وأن حتى الحب بين الجنسين، هو كما في دانتي Dante، “سيد ذو مظهر رهيب” ” A Lord of Terrible Aspect”. نعم هناك لطف في الحب؛ لكن الحب واللطف ليسا متزامنين ومتماثلين Coterminous، وعندما ينفصل اللطف (بحسب المعنى المقدم أعلاه) عن العناصر الأخرى من الحب، فإنه يتضمن نوعاً معيناً من اللامبالاة الجوهرية بالشيء موضوع اهتمامه، بل حتى ما يشبه احتقاره.

إذ يوافق اللطف بسهولة جداً على القضاء على الشيء موضوع اهتمامه، فقد التقينا جميعاً بأناس يقودهم لطفهم تجاه الحيوانات باستمرار إلى قتلها حتى لا تتألم. لذلك فاللطف، كمجرد لطف، لا يهتم ما إذا أصبح موضوع اهتمامه جيداً أو سيئاً، طالما أنه يهرب من الألم. لكن كما يشير الكتاب المقدس، النغول هم الذين يتركون دون تهذيب؛ أما الأبناء الشرعيون، الذين عليهم أن يحملوا ويواصلوا تقليد العائلة، فيتم تأديبهم.

فالناس الذين لا يعنينا شيء من أمرهم هم الذين نطلب لهم السعادة بأية شروط، أما أصدقائنا، وأحبائنا، وأبنائنا، فإننا نكون صارمين، ونفضل حتى أن نراهم يتألمون كثيراً عن أن يكونوا سعداء بطرق حقيرة وجافية. فإذا كان الله محبة، فإنه بحسب تعريف المحبة، يكون أكثر من مجرد لطف. ويبدو من كل السجلات، أنه على الرغم من أن الله يوبخنا كثيراً ويديننا، إلا أنه لا ينظر إلينا أبداً باحتقار وازدراء.

فقد أعطانا الله عطية الحب التي لا يمكن استيعابها أو التعبير عنها، وبرهم لنا هذا الحب بأعمق المعاني وبأكثر الطرق المأساوية التي لا تنسى (هذا التعبير هو تجسد الله في المسيح وموته الكفاري – المحرر).

بالطبع، العلاقة بين الخالق والمخلوق هي علاقة متفردة، ولا يمكن مقارنتها بأية علاقة أخرى بين مخلوق وغيره. فالله أسمى وأبعد عنا وفي نفس الوقت أقرب إلينا، من أي كائن آخر. فهو أبعد عنا لأن الفارق المطلق بين ذاك الذي يحمل في ذاته مبدأ وجوده وذلك المخلوق الذي يتواصل معه، يمكن مقارنته بالفارق بين رئيس الملائكة ودودة حقيرة.

فالله هو الذي يخلق، ونحن المخلوقون؛ هو الأصل، ونحن المشتقون منه. لكن في نفس الوقت، ولنفس السبب، فإن العلاقة الحميمة بين الله وبين حتى أدنى المخلوقات هي أقرب من أية علاقة يمكن الوصول إليها بين مخلوق وآخر.

إن حياتنا، في كل لحظة منها، مستمدة من الله؛ فالقوة المعجزية الضئيلة المتمثلة في إرادتنا الحرة تعمل فقط في أجساد تقوم طاقته المستمرة بحفظها في الوجود، بل أن مجرد قدرتنا نفسها على التفكير هي قدرته المنقولة إلينا، مثل هذه العلاقة الفريدة يمكن إدراكها فقط بواسطة التشبيهات؛ فمن خلال مختلف أنواع الحب المعروفة بين المخلوقات، نصل إلى مفهوم غير كاف، ولكنه مفيد، عن محبة الله للإنسان.

أدنى أنواع الحب، النوع الذي لا يُعتبر “حباً” على الإطلاق إلا فقط كامتداد للكلمة، هو الذي يشعر به الفنان تجاه عمل فني. تتم تصوير علاقة الله بالإنسان بهذه الطريقة في رؤية إرميا للفخاري والوعاء الذي كان يصنعه من الطين، أو عندما يتكلم القديس بطرس عن الكنيسة بأكملها باعتبارها بناء يعمل فيه الله، وعن الأعضاء الأفراد باعتبارهم حجارة. لكن تتمثل محدودية هذه التشبيه بالطبع في أنه في هذا الرمز لا يعتبر المتألم حياً، وأن هناك قضايا معينة تختص العدالة والرحمة تنشأ عندما تكون “الحجارة” بالفعل “حية”.

وبالتالي تظل هذه القضايا غير ممثلة في هذا التشبيه. لكنه تشبيه مهم على قدر ما يذهب إليه. فنحن، ليس مجازياً بل بالحقيقة، تحفة فنية إلهية، شيء يصنعه الله، وبالتالي لن يرضى إلا عندما يكون له شخصية وكفاءة معينة. هنا، مرة أخرى، نلتقي بما أطلق عليه “الثناء الذي لا يُعبر عنه” Intolerable Compliment (بمعنى ان اهتمام الله وتعلقه بالإنسان لا يمكن استيعابه او التعبير عنه. إنه نوع من الحب غير مدرك المعاني أو المفردات بالنسبة للإنسان الذي هو مثل الدودة الصغيرة الحقيرة – المحرر).

قد لا يشعر الفنان بانزعاج كبير بشأن لوحة قد رسمها دون اهتمام لإسعاد طفل؛ قد يرضى بأن يتركها كما هي رغم أنها قد لا تكون بالضبط كما قصدها أن تكون، لكنه بالنسبة للصورة العظيمة لحياته، العمل الذي يحبه، رغم أنه على نحو مختلف، في مثل القوة التي يحب بها رجل امرأة أو أم طفلها – سيتحمل مصاعب لا نهاية لها – وبالتالي سيعطي بلا شك اهتماماً لا حد له للصورة لو كانت حية. يمكن للإنسان أن يتخيل صورة حية، بعد أن يتم حكها وكشطها وإعادة رسمها للمرة العاشرة، تتمنى تلك الصورة لو أنها كانت فقط مجرد رسم مصغر يتم الانتهاء منه في دقيقة. نفس الطريقة، من الطبيعي بالنسبة لنا أن نتمنى لو أن الله كان قد صمم لنا مصيراً أقل مجداً وبالتالي أقل شقاءً؛ لكننا عندها نكون راغبين ليس في حب أكثر بل في حب أقل.

هناك نوع آخر من الحب وهو محبة إنسان لحيوان، وهي علاقة تستخدم باستمرار في الكتاب المقدس لكي ترمز إلى العلاقة بين الله والبشر؛ فنحن قطيعه، “شعبه وغنم مرعاه”. هذا من بعض النواحي تشبيه أفضل من السابق، لأن الطرف الأدنى كائن حي، ولكنه مع ذلك أدنى بلا أي شك من الطرف الآخر. لكن هذا المقياس لا يزال أقل من جيد، حيث أن الإنسان لم يخلق الحيوان ولا يفهمه بالكامل.

ومع ذلك تكمن القيمة العظيمة في التشبيه في حقيقة أن الرابط (يمكن أن نقول مثلاً) بين إنسان وكلب هي في الأساس لأجل خاطر الإنسان: فالإنسان يروض الكلب في الأساس لكي يحب الكلب، وليس لكي يحبه الكلب، ولكي يقوم الكلب بخدمته، وليس لكي يقوم الإنسان بخدمة الكلب. لكن في نفس الوقت، لا يتم التضحية باهتمامات الكلب لأجل اهتمامات الإنسان. فالغاية الواحدة (أن يحب الإنسان الكلب) لا يمكن الوصول إليها بالكامل إلا إذا قام الكلب أيضاً، بطريقته، بمحبة الإنسان، ولا يستطيع الكلب أن يخدم الإنسان إلا إذا قام الإنسان، بطريقة مختلفة، بخدمة الكلب.

فقط لأن الكلب بحسب المقاييس البشرية هو واحد من “أفضل” المخلوقات غير العاقلة، وموضوع مناسب لمحبة الإنسان – بالطبع بدرجة ونوع المحبة التي تناسب مثل هذا الكائن، وليس بدرجة المبالغات السخيفة بتشبيه الكلب بالإنسان – يتدخل الإنسان في حياة الكلب ولجعله محبوباً أكثر مما هو عليه في الطبيعة. ففي حالته كما هو بالطبيعة يكون للكلب رائحة منفرة، وعادات تحبط محبة الإنسان: لذلك يقوم الإنسان بغسل جسم كلبه، وتدريبه في البيت، وتعليمه ألا يسرق؛ وبذلك يستطيع الإنسان أن يحبه بالكامل. بالنسبة إلى الجرو، لو كان عالماً لاهوتياً، لكانت ستبدو له العملية كلها وكأنها تلقي بشكوك خطيرة على “صلاح” الإنسان؛ لكن الكلب كامل النضج وتام التدريب، والأكبر حجماً، والأكثر صحة، والذي يعيش حياة أطول من الكلب البري. والذي يمنح الدخول، كما لو كان بالنعمة، إلى عالم كامل من الميول والولاءات والاهتمامات ووسائل الراحة أبعد بكثير من مصيره الحيواني. لن تكون له مثل هذه الشكوك.

ستلاحظ أن الإنسان (إنني أتكلم خلال كل ذلك عن إنسان صالح) يتحمل كل هذه المشقات والآلام مع الكلب، ويسبب للكلب كل هذه الآلام، فقط لأنه حيوان في مستوى عال – لأنه محبوب بطريقة حميمة حتى أنه يستحق مشقة جعله محبوباً بالكامل. فالإنسان لا يقوم بتدريب حشرة “أبو مقص” في المنزل. أو يقوم بغسل جسم حشرة “أم أربعة وأربعين”. قد نرغب بالفعل لو كنا بمثل هذا الشأن الدنيء لدى الله حتى يتركنا لشأننا لكي نتبع دوافعنا الطبيعية – أن يتخلى عن محاولاته لتدريبنا على شيء يختلف كثيراً عن ذواتنا الطبيعية؛ لكن مرة أخرى، عندها لن نكون ساعين إلى مزيد من الحب، بل إلى القليل منه. (يريد الكاتب أن يقول إن محبه الله لنا تجعله يتحمل ألم تدريبنا وتشكيلنا وتجعلنا نجتاز في آلام مختلفة لأننا نمثل قيمة عظيمة بالنسبة له، لأننا لو كنا ذوي قيمة ضئيلة لما تحمل تلك التكلفة وهذه المشقة الباهظة. والمحبة الحقيقية الحميمة تستلزم التهذيب الذي يكون بلا شك مؤلماً – المترجم.)

هناك تشبه آخر أكثر نبلاً، والذي أقره الاتجاه المستمر لتعليم ربنا، وهو تشبيه محبة الله للإنسان بمحبة الأب لابنه. إلا أنه كلما يتم استخدام هذه التشبيه (أي كلما نصلي الصلاة الربية)، لا بد أن نتذكر أن المخلص استخدمه في وقت ومكان حيث كانت السلطة الأبوية تحتل مكانة أسمى بكثير مما هي عليها الآن في إنجلترا الحديثة. حين يكون الأب الآن نصف آسف لأنه أتى بابنه إلى العالم، خائفاً من كبحه لئلا ينشئ حواجز بينهما بل خائفاً حتى من تعليمه وإرشاده لئلا يتداخل في استقلالية فكره، وبالتالي يمثل ذلك رمزاً شديد التضليل للأبوة الإلهية.

إنني لا أناقش هنا ما إذا كانت سلطة الآباء، في حدودها القديمة، شيئاً جيداً أم سيئاً؛ بل إنني أشرح فقط ماذا كان يعني مفهوم الأبوة بالنسبة إلى أول من استمعوا إلى ربنا، وبالتأكيد لمن خلفوهم على مدى عدة قرون. سيصبح هذا أكثر وضوحاً إذا فكرنا كيف كان ربنا ينظر إلى بنوته الشخصية للآب، ويخضع إرادته بالكامل للإرادة الأبوية ولا يسمح حتى لنفسه بأن يدعى “صالحاً” لأن “الصالح” هو اسم الآب (رغم أن المسيح بحسب عقيدتنا، هو واحد مع أبيه وهو شريك سرمدي معه.

وهذا ما لا يوجد بين أي ابن أرضي لأب أرضي). فالحب بين الآب والابن، في هذا الرمز، يعني في الأساس الحب السلطوي من جانب، والحب الطائع من الجانب الآخر. فالأب يستخدم سلطته لكي يجعل الابن في صورة الكيان البشري الذي، عن حق في حكمته الفائقة، يريده أن يكون. حتى في أيامنا هذه، مهما كان يمكن للإنسان أن يقول، فليس هناك أي معنى أن يقول، “إنني أحب ابني ولكني لا أعباً بمدى بشاعة بذاءته طالما أنه يقضي وقتاً ممتعاً.”

أخيراً نأتي إلى تشبيه مليء بالأخطار، وذي تطبيق أكثر محدودية، والذي يتصادف مع ذلك أن يكون أكثر التشبيهات المفيدة لهدفنا الخاص في تلك اللحظة، وأعني بذلك، القياس بين محبة الله للإنسان ومحبة رجل لامرأة. ويستخدم هذا القياس بحرية في الكتاب المقدس. فإسرائيل زوجة خائنة، ولكن زوجها السماوي لا يستطيع أن ينسى الأيام السعيدة التي قضاها معها: “قد ذكرت لك غير صباك محبة خطبتك ذهابك ورائي في البرية في أرض غير مزروعة” (إرميا 2: 2) إسرائيل هو العروس الفقيرة اللقيطة التي وجدها حبيبها مطروحة على قارعة الطريق، فألبسها وزينها وجعلها جميلة ومع ذلك خانته. يدعونا القديس يعقوب “زناة وزواني”، لأننا ابتعدنا عن الله واتجهنا إلى “محبة العالم”، بينما الله “الروح الذي حل فينا يشتاق إلى الحب”.

هكذا أيضاً الكنيسة هي عروس الرب التي يحبها كثيراً حتى أنه لا يطيق أن يوجد فيها أي عيب أو غضن. لذلك فإن الحق الذي يعمل هذا التشبيه على تأكيده هو أن الحب، بحسب طبيعته الخاصة، يتطلب تكميل المحبوب Love In Its Own Nature , Demands The Perfecting Of The Beloved؛ وأن مجرد “اللطف” الذي يحتمل أي شيء سوى الألم لأجل الشيء أو الشخص موضوع الاهتمام هو، من هذه الناحية، في القطب المضاد للحب. فعندما نقع في حب امرأة، هل نتوقف عن الاهتمام بما إذا كانت نظيفة أم قذرة، جميلة أم كريهة؟ بل ألسنا بالأحرى نبدأ في الاهتمام بها؟ هل تعتبر أية امرأة أنها علامة على الحب في الرجل أنه لا يعرف ولا يهتم كيف يبدو مظهرها؟ يكن للمحب، بالتأكيد، أن يحب محبوبته عندما تفقد جمالها؛ ولكن ليس لأنه فقد.

يمكن للمحب أن يفغر كل العيوب والنقائص ويظل يحب على الرغم من كل هذه؛ لكن المحب لا يمكن أن يتوقف عن الرغبة في إزالة هذه العيوب. الحب أكثر حساسية من الكراهية نفسها لك عيب في المحبوب: “فمشاعره أكثر رقة وحساسية من القرون الرقيقة لقوقع الكوكل البحري.” أنه يغفر أكثر من كل القوى؛ ولكنه أقلها في التغاضي عن الأخطاء؛ إنه يرضى بالقليل، ولكنه يطلب الكل.

لذلك عندما تقول المسيحية أن الله يحب الإنسان، فإنها تعني أن الله “يحب” الإنسان بالحقيقة؛ وليس أن لديه نوع من الاهتمام الفاتر بمصلحتنا، لأنه فعلياً غير مبال أو مهتم، بل أن الحقيقة المهيبة والمدهشة، هي أننا نحن موضوع محبة الله. لقد طلبت إلهاً محباً: وها أنت لديك هذا الإله. إن الروح العظيمة التي استحضرها باستخفاف شديد، “السيد ذو المظهر الرهيب” حاضرة: وهو ليس شيخاً خيّراً يرغب وهو في حالة النعاس في أن تكون سعيداً بطريقتك الخاصة، ولا يقدم إحساناً بارداً كما من حالم ذي ضمير متيقظ، ولا مجرد رعاية كالمضيف الذي يشعر بالمسؤولية عن راحة ضيوفه، ولكن الله يحب لكونه هو نفسه ناراً آكلة، الحب الذي خلق العوالم، حب ثابت مستمر مثل حب الفنان لعمله الفني، وملح مثل محبة الإنسان لكلبه، وحكيم بعيد النظر وجليل مثل حب الأب لابنه، وغيور، يتعذر تغييره وكثير المطالب مثل الحب بين الجنسين.

كيف يمكن أن يكون هذا، لا أعرف؛ إنه حب يتخطى العقل لكي يفسر لماذا يجب لأية مخلوقات، فما بالك مخلوقات مثلنا، أن يكون لها مثل هذه القيمة المدهشة للغاية في عيني خالقها. إنه بالتأكيد ثقل مجد ليس فقط أبعد من استحقاقنا بل أيضاً، فيما عدا لحظات نادرة من النعمة، أبعد من رغبتنا؛ فنحن نميل، مثل العذارى في المسرحية القديمة، إلى أن ننتقص من محبة زيوس Zeus. لكن هذه الحقيقة تبدو غير قابلة للشك.

فالله الذي هو غير خاضع للألم Impassible يتكلم كما لو أنه يعاني من الحب والعشق، وذاك الذي يحوي في ذاته سبب سعادته وسعادة الجميع يتكلم كما لو أنه يمكن أن يكون في احتياج وشوق. “هل أفرايم ابن عزيز لدي أو ولد مُسر؟ لأني كلما تكلمت به أذكره بعد ذكراً. من أجل ذلك حنت أحشائي أليه” (إرميا 31: 20)، “كيف أتركك يا أفرايم؟ كيف أتخلى عنك يا إسرائيل… قد انقلب عليّ قلبي. اضطرمت مراحمي جميعاً” (هوشع 11: 8)، “يا أورشليم يا أورشليم، كم مرة أردت أن أجمعك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا” (متى 23: 37).

إن مشكلة التوفيق بين الألم البشري ووجود إله يحب، تصبح فقط غير قابلة للحل طالما أننا ننسب معنى تافهاً لكلمة “الحب”، وننظر إلى الأشياء كما لو أن الإنسان هو محورها. ليس الإنسان هو المركز. فالله لا يوجد لأجل الإنسان، كما أن الإنسان لا يوجد لأجل نفسه. “لأنك أنت (يا الله) خلقت كل الأشياء، وهي بإرادتك كائنة وخلقت.” (رؤيا 4: 11) فنحن لم نخلق أساساً لكي نحب الله (رغم أننا خلقنا لأجل ذلك أيضاً) بل لكي يحبنا الله، حتى نصبح موضوع محبته إذ “يُسر” الحب الإلهي بأن يستقر فينا.

لذلك أن نطلب أن محبة الله يحب أن ترضى بنا كما نحن، هذا معناه أننا نريد أن يتوقف الله عن أن يكون هو الله؛ فحيث أن الله هو كينونة وماهيته، فلا بد أن تٌعاق وتٌرفض محبته، بطبيعة الأمور، بواسطة موانع معينة في شخصياتنا الحالية. وحيث أنه بالفعل يحبنا فلا بد أن يجاهد ويتعب لكي يجعلنا محبوبين. إننا لا يمكن حتى أن نتخيل، في أفضل حالاتنا، أنه يمكن لله أن يصالح نفسه مع نجاساتنا الحالية. كما لم تستطع الفتاة المتسولة أن تتخيل أن يرضى الملك كوفيتوا King Cophetua يخرقها البالية وقذارتها، أو أن يتخيل كلب، بعد أن يكون قد تعلم أن يحب إنساناً، أن هذا الإنسان سوف يتحمل في بيته ذلك المخلوق القذر، الذي يعض وينهش، ويلوث المكان، في حالته البرية دون ترويض.

إن ما نطلق عليه هنا والآن “سعادتنا” ليس هو الغاية في الأساس في نظر الله. لكننا عندما نكون مثل ذلك الكيان الذي يستطيع الله أن يحبه بدون عوائق، عندئذ سنكون حقاً سعداء.

يمكنني أن أتوقع بوضوح أن مسار حجتي هذا قد يثير اعتراضاً. فقد وعدت أننا عندما نأتي إلى فهم الصلاح الإلهي يجب ألا يطلب منا قبول مجرد انعكاس Reversal لأخلاقنا الشخصية في الاتجاه المضاد. لكن قد يتم الاعتراض بأن هذا الانعكاس هو بالتحديد ما يطلب منا قبوله. ربما يٌقال إن نوع الحب الذي أنسبه إلى الله هو بالضبط النوع الذي نصنفه في البشر بأنه الحب “الأناني” Selfish أو “الاستحواذي” Possessive، وهو يتناقض بصورة غير مواتية مع نوع آخر يسعى أولاً إلى سعادة المحبوب وليس إلى رضا المحب.

لكني غير واثق من أن هذا هو بالضبط ما أشعر به حتى تجاه الحب البشري. فأنا لا أعتقد أنني يجب أن أعتبر محبة صديق ذات قيمة عظيمة إذا كان كل ما يهتم به فقط هو سعادتي، ولا يعترض إذا أصبحت مثلاً غير أمين. ومع ذلك، فالاعتراض هو موضع ترحيب، والإجابة عليه سوف تلتقي على الموضوع ضوءً جديداً، وتصحح ما كان ذو جانب واحد في نقاشنا.

الحقيقة هي أن هذا التناقض بين الحب الأناني Egoistic والحب الغيري Altruistic لا يمكن تطبيقـه بطريقة لا لبس فيها على محبـة الله لمخلوقاتـه. فتضارب الاهتمامات، وبالتـالي الفرص إما بسـبب الأنانية أو غير الأنانية، يحدث فقط بين الكائنات التي تسـكن عالماً مشتركاً A Common World؛ فلا يمكن لله أن يكون في منافسه مع مخلوق، كما لا يمكن لشكسبير Shakespeare أن يكون في منافسة مع آلة الكمان. وعندما صار الله إنساناً وعاش كمخلوق بين مخلوقاته في فلسطين، عندها بالحقيقة كان حياته حياة التضحية الفائقة بالنفس والتي أدت إلى الجلجثة.

قال أحد الفلاسفة الوجوديين المحدثين، “عندما يقع المطلق The Absolute داخل البحر فإنه يصبح سمكة”؛ بنفس الطريقة، يمكننا نحن المسيحيون أن نشير إلى التجسد Incarnation ونقول إنه عندما يُخلي الله نفسه من مجده ويخضع إلى تلك الظروف التي فيها فقط يكون للأنانية والغيرية معنى واضحاً، فإننا نراه غيرياً بالكامل. لكن الله في سموه – الله باعتباره الأساس غير المشروط لكل الظروف – لا يمكن بسهولة التفكير فيه بنفس الطريقة. إننا ندعو الحب البشري أنانياً عندما يُشبع احتياجاته الشخصية على حساب احتياجات الآخر موضوع المحبة – كما عندما يُبقي الأب أبناءه معه في المنزل، الذين يجب لأجل مصلحتهم الشخصية ان يخرجوا إلى العالم، لأنه لا يحتمل أن يتخلى عن رفقتهم له.

يتضمن هذا الموقف احتياجاً أو عاطفة من جانب المحب، واحتياجاً متضارباً من جانب المحبوب، وتجاهل المحب، أو جهله الملوم لاحتياج المحبوب. لكن لا توجد أي من هذه الحالات في علاقة الله بالإنسان. فالله ليس لديه احتياجات. الحب البشري، كما يعلمنا أفلاطون Plato، هو ابن الفقر، ابن الاحتياج او النقص؛ فسببه هو خير وصلاح حقيقي أو مفترض في محبوبه، والذي يحتاجه المحب ويرغب فيه. لكن محبة الله، إذ تبعد كثيراً عن أن تكون بسبب خير أو صلاح في الإنسان موضوع المحبة، هي التي تسبب كل خير وصلاح لدى ذلك الإنسان، فهي التي أحبته منذ البداية حتى أنها أتت به إلى الوجود ثم بعد ذلك جعلته يصبح جديراً حقاً بالحب، رغم أن تلك الجدارة مشتقة من الله.

فالله هو الخير والصلاح الخالص. يستطيع الله أن يعطي الخير، ولكنه لا يستطيع أن يحتاجه أو يحصل عليه. بهذا المعنى فإن كل حب الله، إذا جاز التعبير، غيري متفان إلى أقصى حد بحكم تعريفه الحقيقي؛ فالله لديه كل شيء لكي يعطيه، ولا شيء ليأخذه. من هنا، إذا كان الله في بعض الأحيان يتكلم كما لو أن الإله الذي هو غير خاضع للألم Impassible يمكن أن يتألم من العاطفة. وكما لو أن الملء الأبدي يمكن أن يكون في احتياج إلى تلك الكائنات التي يغدق عليها كل شيء بدية من مجرد وجودها وحتى كل شيء آخر فصاعداً.

فإن هذا يمكن فقط أن يعني، إن كان يعني أي شيء مفهوم بالنسبة لنا، أن الله بمجرد معجزة قد جعل نفسه قادراً أن يجوع، وخلق في نفسه ذلك الشيء الذي يمكننا نحن أن نشبعه. لذلك فإذا كان الله يحتاجنا، فإن احتياجه ذلك هو باختياره الشخصي. وإذا كان القلب الثابت غير القابل للتغير يمكن أن يحزن بسبب دمى من صنعه الخاص، فإن هذا القلب هو الإله كلي القدرة؛ وليس غيره، والذي أخضع قلبه بهذه الطريقة، وبكامل حريته، وباتضاع يفوق الفهم. إذا كان العالم يوجد ليس أساساً لكي نحب نحن الله بل لكي يحبنا الله، فإن تلك الحقيقة نفسها، على مستوى أعمق، هي كذلك لأجلنا نحن، إذا كان الشخص الذي في ذاته لا يمكن أن يحتاج إلينا أحد.

إن قبل ووراء كل علاقات الله بالإنسان، كما نعرفها نحن الآن من المسيحية، يقبع منجم وخزان لا محدود من فعل إلهي للعطاء الخالص – والذي يتمثل في اختار الإنسان، من اللاوجود Nonentity، لكي يكون محبوب الله، وبالتالي (من ناحية ما) يحتاجه الله ويرغب فيه – الله الذي لا يحتاج أو يرغب في شيء سوى هذا الفعل، حيث أن لديه سرمدياً كل الخير والصلاح، بل أنه هو نفسه، كل الخير والصلاح. هذا الفعل هو لأجلنا نحن، فمن الخير لنا أن نعرف الحب؛ والأفضل لنا أن نعرف محبة من هو أفضل موضوع للحب، الله نفسه.

لكن إذا قلنا إننا نعرف هذا الحب كحب كنا نحن فيه المبادرين المتوددين بالحب في البداية والله هو المحبوب، الحب الذي فيه نحن الذي سعينا إلى الله وهو الذي وجد، والذي فيه يتوافق الله مع احتياجاتنا، ولسنا نحن الذين نتوافق مع احتياجاته، أي أن حبنا نحن هو الذي يأتي أولاً، فهذا معناه أننا نعرف الحب بصورة مزيفة لطبيعة الأشياء نفسها. فحيث أننا مجرد مخلوقات فقط؛ لا بد أني يكون دورنا دائماً هو دور التابع تجاه القوة، دور الأنثى تجاه الذكر، دور المرآة تجاه النور، دور الصدى تجاه الصوت.

أقصى نشاط لنا لا بد أن يكون هو الاستجابة، وليس المبادرة. لذلك عندما نختبر محبة الله بصورة حقيقية وليست خيالية وهمية، فهذا معناه أنا نختبرها كتسليم لمطلبه، واتفاق مع رغبته؛ لكن أن نختبرها بطريقة عكسية، إذا جاز التعبير، فهذا خطأ نحوي ضد قواعد لغة الوجود.

إنني لا أنكر، بالطبع، أنه على مستوى معين قد يحق لنا أن نتحدث عن بحث النفس عن الله، وعن الله كمتلقي لمحبة النفس؛ لكن على المدى الطويل، بحث النفس عن الله يمكن فقط أن يكون صيغة، أو مظهر (Erscheinung) لبحث الله عنها، حيث أن الكل يأتي من الله، وحيث أن إمكانية حبنا نفسها هي عطية منه لنا، وحيث أن حريتنا هي فقط حرية للاستجابة سواء للأفضل أو للأسوأ. ومن هنا اعتقد أنه لا يوجد شيء يميز التوحيد الوثني عن المسيحية بصورة حادة قدر مبدأ أرسطو Aristotle بأن الله يحرك الكون، لكنه هو نفسه غير متحرك، كما يحرك المحبوب المحب. اما بالنسبة للمسيحية، “هذه هي المحبة، ليس أننا نحن أحببنا الله بل أنه هو أحبنا” (1يو 4: 10).

الحالة الأولى إذاً لما يُسمى الحب الأناني بين البشر، منعدمة بالنسبة لله. فالله ليس لديه ضرورات طبيعة، ولا هوى أو شهوة، لكي تتنافس مع رغبته في خير المحبوب؛ أو إذا كان فيه شيء يجب أن نتخيله فيما يشبه الهوى، أو الاحتياج، فإنه فيه بحسب مشيئته الخاصة ولأجل صالحنا نحن. كما أن الحالة الثانية أيضاً منعدمة بالنسبة لله. قد تختلف المصالح الحقيقية لطفل ما عما تتطلبه عواطف الأب بالغريزة، لأن الطفل هو كائن منفصل عن أبيه ذو طبيعة لها احتياجاتها الخاصة والتي لا تتواجد فقط لأجل الأب كما أنها لا تجد اكتمالها التام في أن تشعر بالحب من جانبه. ولا الأب نفسه يفهمها فهماً كاملاً. لكن المخلوقات ليس منفصلة هكذا عن خالقها، ولا يستطيع الخالق أن يخطئ فهمها.

فالمكان الذي صممها لأجله في نظام الأشياء هو المكان المصنوعة لأجله. لذلك عندما تصل إليه تُشبع طبيعتها وتتحقق سعادتها: هناك عظام مكسورة في الكون قد تم جبرها. فانتهى الألم والمعاناة. لذلك عندما نريد أن نكون شيئاً غير الشيء الذي يريدنا الله أن نكون، فلا بد أننا نرغب فيما هو، في الحقيقة، لن يجعلنا سعداء. إن تلك المطالب الإلهية التي تبدو لآذاننا الطبيعية مثل مطالب حاكم مستبد أكثر منها مطالب محب، هي في الحقيقة ترشدنا إلى حيث يجب أن نرغب في الذهاب لو كنا نعرف ما نريد. يطلب الله عبادتنا، وطاعتنا، وسجودنا. فهل نفترض أن هذه الأمور يمكن أن تصنع لله أية فائدة.

أو أن يكون هناك خوف، مثلما تقول الجوقة في ميلتونMilton، من أن عدم المهابة البشرية يمكن أن يأتي “بنقصان لمجده”؟ كلا على الإطلاق؛ لا يمكن لأنسان أن ينقص من مجد الله برفضه لعبادته، كما لا يمكن لمجنون أن يطفئ الشمس بأن يخربش كلمة “ظلمة” على جدران غرفته. الله يريد خيرنا، وخيرنا هو أن نحبه (بتلك المحبة المستجيبة التي تتناسب مع مخلوقات) ولكي نحبه لا بد ان نعرفه؛ وإذا عرفناه، فإننا في الحقيقة سوف نسقط على وجوهنا رهبة.

فإذا لم نفعل، فهذا يُظهر فقط أن ما نحاول أن نحبه ليس هو الله بعد – رغم أنه قد يكون أقرب تقريب لله يمكن لفكرنا وخيالنا أن يصل إليه. إلا أن الدعوة ليست فقط لكي نسجد ونرتعب؛ بل إلى ما نعكس الحياة الإلهية، فتصبح مخلوقات مشاركة في الصفات الإلهية التي هي أبعد بما لا يقاس عن رغباتنا الحاضرة. إننا مدعوون إلى أن “نلبس المسيح”، وأن نصبح مثل الله، وهذا يعني، سواء أحببنا ذلك أم لا، أن الله ينوي أن يعطينا ما نحتاجه، وليس ما نعتقد الآن أننا نريده. ومرة أخرى، نشعر بالخجل بسبب “الثناء الذي لا يعبر عنه” Intolerable Compliment لله بنا. بسبب محبة الله الكثيرة للغاية، وليست الضئيلة للغاية.

ومع ذلك ربما حتى هذه النظرة تقصر عن الحقيقة. ليس الأمر ببساطة أن الله قد خلقنا بتعسف بحيث يكون هو فقط خيرنا الوحيد. بل أن الله هو الخير الوحيد لجميع المخلوقات؛ وبالضرورة، كل منها لا بد أن يجد خيره في ذلك النوع والدرجة من الشبع والاستمتاع بالله الذي يلائم طبيعته. قد يختلف النوع والدرجة بحسب طبيعة المخلوق؛ لكن إمكانية أن يكون هناك على الإطلاق أي خير آخر، هو حلم إلحادي. في مقطع لا أستطيع أن أبحث فيه الآن. يمثل جورج ماكدونالد George Macdonald الله وكأنه يقول للبشر: “لا بد أن تكونوا أقوياء بقوتي ومباركين بنعيمي Blessedness، لأنه ليس لدي شيء آخر أعطيه لكم.”

هذا هو ختام الأمر كله. الله يعطي ما لديه، لا ما ليس لديه؛ إنه يعطي السعادة الموجودة، ليس السعادة غير الموجودة. فإما أن تكون الله – أو أنت تكون مثل الله وتشاركه صلاحه باستجابة المخلوق – أو أن تكون شقياً بائساً. هذه هي البدائل الثلاث الوحيدة المتاحة. فإذا لم نتعلم أن نأكل الطعام الوحيد الذي ينبته الكون (ما لدى الله) – الطعام الوحيد الذي يمكن لأي كون ممكنPossible Universe أن يُنبته على الإطلاق – فإننا لابد أن نتضور جوعاً إلى الأبد.

الصلاح الإلهي – صلاح الله المطلق – سي إس لويس

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز لي ستروبل

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز – لي ستروبل

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز لي ستروبل

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز – لي ستروبل

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز – لي ستروبل

بينما نتفحص كل الأدلة، تثار بقوة فكرة أن هناك قوة فائقة للطبيعة لا بد وأن تكون قد تدخلت. هل من الممكن أننا فجأة وبدون قصد، عثرنا بالصدفة على دليل علمي على وجود كائن فائق؟ هل الله هو الذي بدأ وصمم بعناية إلهية هذا الكون لفائدتنا؟

الفلكي جورج جرينشتاين[1]

إن الفلك يقودنا إلى حدث فريد من نوعه؛ إلى كون خُلق من العدم، كون يتمتع بأقصى توازن دقيق مطلوب لتوفير الشروط التي تسمح بوجود حياة، وكون له خطة كامنة (أو كما يقول واحد) “فائقة للطبيعة”.

أرنو بنزيا – حاصل على جائزة نوبل[2]

لا يوجد شيء غير عادي عن الأرض. أنها صخرة متوسطة بسيطة تدور بتلقائية حول نجم غير مميز في مجرة غير مميزة – “بقعة منعزلة في هذا الظلام الكوني الرهيب” كما قال الرحل كارل ساجان[3].

إن حقيقة أن الحياة تزدهر على كوكبنا ليست استثنائية. يقال لنا إن المخلوقات على أنواعها تتكاثر بلا شك في مواقع لا حصر لها بنا العشرة تريليون بليون نجماً في الكون. وقد قدر بعض العلماء أن هناك ما يصل إلى 10 تريليون حضارة متقدمة[4]. ووصل ساجان لرقم مليون بالنسبة لمجرتنا الطريق اللبني لوحدها.

وبالإجمال، فإن قوى الطبيعة أوتوماتيكية جداً حتى أنه من المؤكد أن الحياة قد ظهرت حيثما وُجد الماء. ولهذا عندما يثير العلماء فكراً جديداً عن الماء السائل كونه موجوداً على جسم سماوي آخر، فإن العوالم السرية لقمري كوكب المشتري المتجمدان يوروبا Europa، وجانيميد Ganymede هما حالياً الأمثلة الحية – ثم إن الادعاء الأوتوماتيكي هو أن الكائنات الحية لا بد بالضرورة أن تتبع ذلك.

إن كان بإمكان الحياة أن تظهر من اللا حياة بسرعة وبكفاءة كبيرة على كوكب عادي ككوكبنا كما يعتقدون، فلماذا لا يحدث هذا إذاً عبر مئات بلايين المجرات؟ بالنسبة لهم، تشبه الحياة مزيجاً من الحساء: أضف الماء فحسب![5]

إن عنوان كتاب الفلكي البيولوجي ديفيد دارلنج الذي صدر حديثاً يلخص بأناقة هذه الفلسفة المتفائلة؛ وهو “الحياة في كل مكان Life Everywhere”[6] إنه متحمس بخصوص التأكيدات القائلة بأن “الحياة قد تظهر بطريقة محتومة حيثما يتلاقى معاً مصدر طاقة مناسب، ومخزون مركز من المادة العضوية (المعتمدة على الكربون) والماء”. وقال إن هذه المكونات “تبدأ في أن تبدون موجودة في كل مكان في الفضاء”[7]. ونتيجة هذا، يعتقد ان الحياة الميكروبية على الأقل “منتشرة”[8].

باختصار، فإن الأرض ليس لها حالة مميزة. فالعالم البولندي نيكولاس كوبرنيكوس قلل من ذاتنا المبالغ فيها بوضعنا في مكاننا منذ زمن بعيد – فالكون لا يدور حولنا؛ ولكن بدلاً من ذلك، نحن اللذين نعيش في قرية رتيبة بعيداً جداً في ضاحية يصعب وصفها من مجرد الطريق اللبني الواسعة. ليس لدينا دوراً عظيماً، ولا معنى، ولا أهمية، ولا سبب لنكون أكثر من مجرد …. كائنات.

قال ريتشارد داوكنز من أكسفورد: “إن الكون الذي نلاحظه يتمتع بدقة بالخواص التي يجب أن نتوقعها إن كان هناك لا تصميم، ولا هدف، ولا شر أو خير، ولا شيء سوى اللامبالاة القاتلة والرهيبة”.

وهذا هو جوهر ما تعلمته عندما درست العلوم. فبالطبع دعمت هذه الاستنتاجات قيمي الإلحادية. وتمكنت بشكل ما أن أتجنب الاكتئاب الشديد بالتضمينات الشخصية لكل هذا، ومن الغريب أنني وجدت الرجاء والإلهام في الاعتقاد بأننا لسنا وحدنا في الكون. فحتى إن كان الله غير موجود، فعلى الأقل كانت هناك ملايين من الحضارات المتقدمة الأخرى[9].

رسائل لاسلكية إلى هرقل

منذ أن شاهدت للمرة الأولى الفيلم الكلاسيكي The Day the Earth Stood Still، وأنا طفل، أسرت بالصور الخيالية عن الحياة المتكاثرة داخل المجرات المصورة بالخيال العلمي. وبالطبع كان فيلمي Star Trek، وStar Wars سخيفان، لكن فكرة المخلوقات الغريبة الأخرى التي تعيش في زوايا وأركان الكون كانت ملفتة وحتى مريحة دائماً بالنسبة لي.

وبعد ذلك انبهرت بمعادلة Drake؛ وهي محاولة من الفلكي فرانك دريك لحساب عدد الحضارات التي قد توجد في مجرتنا. وعوامل المعادلة في مثل هذه المتغيرات مثل كم نجماً يمكنه أن يشبه شمسنا من بين الـ 200 – 300 بليون نجم في الطريق اللبني، ونسبة النجوم التي قد تكون بها كواكب في مناطق مسكونة، إلخ.

ومع أن الأرقام المحددة التي وضعها العلماء فيما بعد في معادلة دريك قد بلغت في مجملها تخمينات متأثرة بتحيزاتها الشخصية، اعترف عالم أنها كانت “طريقة لضغط كمية كبيرة من الجهل في فراغ صغير.”[10] – وهذا ما أعطى نوعاً من التأكيد العلمي لقضية تثير الكثير من التفكير.

ثم ابتهجت في منتصف السبعينات عندما أرسل دريك وساجان رسالة تهنئة للمجموعة الكونية العظيمة M13؛ والتي هي تركيز لربع مليون نجم في مجموعة نجوم هرقل، وفيما عرفت أنه لم يكن هناك الكثير من العلم العملي المتضمن في هذه المكالمة التليفونية عبر المجرات – فالأمر سيأخذ أكثر من 22000 سنة لوصول هذه الرسالة إلى مكانها المقصود – ومع ذلك كان هناك شيء رومانسي وجريء بخصوص محاولة الاتصال بالحضارات التي من المرجح جداً أنها سكنت تلك النجوم البعيدة.

كل هذا ساعد في تشكيل منظوري فيما كنت أتأمل عبر السنوات النجوم المتلألئة في السماوات المظلمة. أما الآن فقد تغير اتجاهي. فبعد دراسة آخر دليل من وجهات نظر علمية مختلفة – من الفلك إلى علم الكونيات إلى الجيولوجيا إلى علم المحيطات إلى الميكروبيولوجي – اتجهت استنتاجاتي إلى الاتجاه المعاكس.

يتضح أن الأرض يمكن أن تكون أي شيء سوى أن تكون شيئاً عادياً، وأن شمسنا أبعد من أن تكون متوسطة، بل وحتى موقع كوكبنا في المجرة موقع محظوظ بدرجة عجيبة. إن فكرة أن الكون هو مكان مزدهر لحضارات متقدمة تٌقوض الآن بالاستكشافات العلمية الجديدة المذهلة وبالتفكير الحديث.

وباختصار، فإن بالاستكشافات الجديدة تقول بأننا متميزين. فهناك أعداد متزايدة من العلماء يدرسون الالتقاء المذهل لنقاط “التزامنات” التي تجعل الحياة الذكية ممكنة على الأرض، ومستنتجين أن هذا لا يمكن أن يكون صدفة. إنهم يرون علامات تصميم، ونوعاً من تعديل حياة يشبه تعديل الفيزياء الذي استكشفناه في الفصل السابق.

في الواقع، قال باحث لامع: “إن الأدلة الحديثة التي استطاعت بقوة تفنيد فرضية [التصميم] انتهى بها الحال بتأكيدها”[11]. ومرة أخرى نجد أن دليل العلم يشير إلى خالق.

وبدلاً من أن تكون حياتنا بلا هدف، يقوم العلماء للمرة الأولى بالكشف عن أدلة ملموسة تقترح غرضاً مذهلاً واحداً على الأقل خلقنا من أجله؛ وهو أن نكتشف ونتعلم عما يحيط بنا في المكان الذي وضعنا فيه.

وبمعنى آخر، كما سنرى في هذا الفصل، أن هدفاً واحداً صُممنا لأجله هو أن نقوم بالعلم نفسه.

المكان الصحيح والزمان الصحيح

مع بزوغ فجر الألفية الجديدة، نشر الجيولوجي بيتر وورد، والفلكي دونالد براونلي[12] – وهما أستاذان بجامعة واشطن في سياتك – كتاباً ناجحاً ومثيراً للجدل أثار هذا السؤال المزعج بخصوص الأرض: “ماذا إن كانت فريدة تماماً: الكوكب الوحيد الذي به حيوانات في هذه المجرة أو حتى في الكون المرئي…. ؟”

وكتابهما “الأرض النادرة Rare Earth” ينظم الأدلة من مدى عريض من الفروع العلمية لبناء دفاعه بأن “ليس فقط الحياة الذكية، بل أيضاً أبسط مظاهر الحياة الحيوانية نادرة للغاية في مجرتنا، وفي الكون”[13]. وتوصلوا إلى الاستنتاج “الذي لا يمكن الهروب منه” بأن “الأرض مكان نادر حقاً”[14].

ومع أن وورد، وبراونلي يؤمنان بأن الحياة الميكروبية ربما تكون أكثر سيطرة؛ وهي رؤية يستخلصانها من الطريقة التي بد فيها أن الحياة قد تطورت على الأرض دون أدنى مجهود “بقدر ما سمحت الظروف البيئية ببقاءها”[15]، فإن اقتناعهما بأن وجود حياة معقدة أمر “نادر بطريقة استثنائية” هو اقتناع مدعم ببيانات مقنعة منفصلة عن أي إطار لاهوتي.

أطلق دون جوهانسون – مدير معهد الأصول الإنسانية في جامعة ولاية أريزونا – على كتابهما “عقلاني بحرص وماكر علمياً”، وقال: “رغم تفكيرنا التواق، ربما لن يظهر موزارت أو مونيه آخر”.[16] وأضاف ديفيد ليفي الذي أطلق اسمه على المذنب Shoemaker-Levy* “إن الحياة المعقدة كما نعلم قد تكون نادرة جداً، وثمينة جداً”[17] وقالت جريدة Times of London: “إن كانا على حق، فربما آن أوان عكس عملية كانت مستمرة منذ كوبرنيكوس”[18].

يلاحظ علماء متزايدون الطرق المدهشة التي يتمكن بها كوكبنا – على خلاف كل الشواذ – من تحقيق عدداً كبيراً من المعايير جيدة الاتزان الحاسمة تماماً لتدعيم موطناً مناسباً للبشرية.

قال معلما العلم جيمي ديفيز وهنري بو: “أهم من كونه كوكباً واحداً من بلايين الكواكب، فإن كوكب الأرض يبدو الآن الأرض الاستثنائية. فالبيانات تتضمن أن الأرض ربما تكون الكوكب الوحيد “في المكان المناسب في الزمان المناسب”[19].

تأكيـد جـريء

إن موقع الأرض، وحجمها، وتركيبها، وبنيتها، وجوها، ودرجة حرارتها، وحركاتها الداخلية، ودوائرها المعقدة الضرورية للحياة – دورة الكربون، ودورة الأوكسجين، ودورة النيتروجين، ودورة الفوسفور، ودورة الكبريت، ودورة الكالسيوم، ودورة الصوديوم، إلخ – تشهد بأن كوكبنا متزن بإتقان[20].

إنهما يذكران كيف أن جو الأرض يُزيل الأشعة فوق البنفسجية الضارة بينما يعلم مع المحيطات ليجعل المناخ معتدلاً من خلال تخزين وإعادة توزيع الطاقة الشمسية، وكيف أن الأرض من الكبر بمكان حتى إن جاذبيتها تحتفظ بالغلاف الجوي، ومع ذلك فهي من الصغر بمكان حتى إنها لا يمكنها الاحتفاظ بالكثير من الغازات الضارة. ثم يصفان داخل الأرض هكذا[21]….

…. محرك حراري ضخم، لكنه متزن بدقة يحفزه النشاط الإشعاعي…. إن كانت تسير ببطء أكثر… لما كانت القارات تشكلت على وضعها الحالي…. ولما انصهر الحديد ووصل لمرحلة السائل، ولما تطور المجال المغناطيسي… وإن كان هناك مزيد من وقود النشاط الإشعاعي، ومن ثم محرك دائر، لغطى الغبار البركاني الشمس، وصار الغلاف الجوي أكثر كثافة، وتحطم السطح بزلازل يومية وانفجارات بركانية[22].

هذا النوع من العلميات الجيولوجية عالية التنسيق – وهناك الكثير منها – يثير تفكري بقوة إزاء الطرق المذهلة التي يتهيأ بها مجالنا الحيوي بدقة للحياة. ومع ذلك، فإن الأكثر إثارة هو لماذا يحدث هذا. ما تفسير كل هذه “التزامنات” المدهشة؟

بينما كان بريس وسايفر مندهشان من أن الأرض “مكان خاص جداً”، إلا أنهما لا يؤكدان إمكانية التصميم.[23] أما وورد وبراونلي فيتجنبان القضية في كتاب “الأرض النادرة Rare Earth”، مفضلين بدلاً من هذا عادة أن يذكروا كلمات من قبيل “حظ تام”، و”صدفة نادرة تحدث”[24] وقد قال وورد في مؤتمر: “نحن محظوظون جداً. فشخص ما كان عليه أن يربح اليانصيب، وكنا نحن الرابحون”.

ولكن هل يفسر الحظ فعلاً لماذا تتمتع الأرض بهذا التقارب المذهل للظروف غير المحتملة تماماً التي سمحت بازدهار الكائنات الحية؟ بالعودة إلى الماضي، توصل المسيحيون إلى استنتاج مختلف تماماً: أن الله خلق الأرض كالمسرح الذي تجري عليه الدراما الإنسانية. والمثير في العلم الحديث – بما فيه الاكتشافات الحديثة في السنوات الأخيرة – هو أن رؤية الكون هذه تبدون مدعمة اليوم بشكل أفضل بكثير من الماضي.

فكر في استنتاج مايكل دينتون زميل بحث كبير في الجينات الجزيئية الإنسانية في جامعة أوتاجو في نيوزيلانده، في كتابه “مصير الطبيعة Nature’s Destiny” في العام 1998:

لم يتصور إنسان ان نظرية أو فكرة أخرى على الإطلاق يمكنها أن تتعادل في جراءتها وقوتها هذا التأكيد القوي… إن كل السماوات المرصعة بالنجوم، وأن كل أنواع الحياة، وأن كل خاصية من الواقع موجودة [كي تخلق موطناً مناسباً] للبشرية… ولكن اللافت للنظر جداً، هو أنه بافتراض جراءتها، إلا أنها تأكيد بعيد جداً عن أسطورة غير علمية مشكوك فيها. وفي الواقع، لم تتمكن أية ملاحظة من إثبات خطأ الافتراض. واليوم، بعد أربعة قرون من الثورة العلمية، بدأت هذه الفكرة تظهر من جديد. وفي هذه العقود الأخيرة من القرن العشرين تدعمت مصداقيتها باكتشافات في فروع عديدة من العلم الجوهري[25].

ما مدى صدق هذه الكلمات؟ هل الشروط الخاصة التي تسمح بالحياة على الأرض تتطلب مصمماً؟ للبحث عن إجابات دقيقة، رتبت لقاء في مطار أوهير O’Hare الجوي في شيكاغو مع خبيرين اشتركا في تأليف كتاب حديث الأسلوب عن هذا الموضوع. وستكون هذه فرصة رائعة لاستكشاف التفرد المذهل لكوكبنا.

[1] George Greenstein, The Symbiotic Unverse (New York: William Morrow, 1988), 27.

[2] Henry Margenau and Roy Abraham Varghese, editors, Cosmos, Bios, and Theos (LaSalle, III.: Open Court, 1992), 83.

[3] Carl Sagan, Pale Blue Dot (New York: Ballantine, 1994), 7.

[4] See: Peter D. Ward and Donald Brownlee, Rare Earth (New York: Coper-nicus, 2000), xxiv.

[5] Ibid., xiv.

[6] David Darling Life Everywhere (New York: Basic Books, 2002).

[7] Ibid., xii.

[8] Ibid., xi.

[9] Science 277 (1997), 892.

[10]Bernard Oliver quoted in Steven ,I, Dick, Life on Other Wolds (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), 217.

[11] Michael J. Denton, Nature’s Destiny (New York: The Free Pres, 1998), 389.

[12] Peter D. Ward and Donald Brownlee, Rare Earth, xxiv.

[13] Ibid,. xiv.

[14] Ibid,.33.

[15] Ibid,. xix.

[16] Ibid, .back cover.

* مذنب اصطدم بالمشتري في العام 1994.

[17]Ibid.

[18] The Times of London (January 26, 2002), quoted in: David Darling, Life Everwhere, 91.

[19] Jimmy H. Davis and Harry L. Poe, Designer Universe Nashville: Broadman & Holman, 2002), 107.

[20] See: Michael Denton, Nature’s Destiny (New York: The Free Press, 1998), 88-89.

[21] Frank Press and Raymond Siever, Earth (New York: W. H. Freeman, 1986),3.

[22] Ibid., 4.

[23] Ibid., 3.

[24] Peter D. Ward and Donald Brownlee, Rare Earth, 37, 229.

[25] Michael J. Denton, Nature’s Destiny, 3-4.

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز لي ستروبل

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

تُعنى الدفاعيات بإقناع الناس بأن المسيحية تخلق للحياة معنى، حتى إن “سي.إس.لويس” الذي قد يُعتبر أعظم مدافع مسيحي في القرن العشرين يصف قدرة الإيمان المسيحي على خلق معنى للأشياء بفصاحة بليغة وبإيجاز قاطع قائلاً: “إني أؤمن بالمسيحية كما أؤمن بأن الشمس قد أشرقت، لا لأني أراها فحسب، ولكن لأني أرى كل الأشياء الأخرى بواستطها.”[1] وما يقوله “لويس” أساسي في الدفاعيات المسيحية: فالمسيحية لها معنى في حد ذاتها وهي قادرة على إضفاء المعنى على سائر الأشياء أيضًا.

ويعرض “لويس” في كل أعماله، حتى الخالي منها، نظرة المسيحية للأمور باعتبارها نظرة منطقية، ومقنعة، ومتصلة بحياة البشر. فما أن ننظر للعالم من منظار مسيحي حتى يتضح قصور وجهات النظر الأخرى. وقد أشار أحد زملاء “لويس” في جامعة أكسفورد، وهو اللاهوتي وأستاذ العهد الجديد “أوستين فارِر” Austin Farrer   إلي أن تفوق “لويس” في الدفاعيات يرجع إلى قدرته على إظهار الإيمان بالله منطقي وطبيعي.

لم تكمن قوة “لويس” الحقيقية في البرهان، بل في التصوير. فقد سكن في كتاباته عالَمٌ مسيحي يمكن للقارئ أن يفكر فيه ويشعر به. وكان يشعر في هذا العالم بارتياح تام، وقد تمكن من نقل الشعور ذاته لقرائه. كان يقدم القضايا الأخلاقية بمنتهى الوضوح ويبين ارتباطها بالإرادة الإلهية، وعندما يتمكن المرء من رؤيتها على هذا النحو، لا يمكنه أن يراها غير ذلك أبدًا.[2]

يُعتبر الاتساع الفكري الذي يتميز به الإيمان المسيحي من أعظم نقاط قوته، ويمكن استخدامه بكل قوة في الدفاعيات كما سنرى في هذا الفصل. وعندما اقول إن المسيحية قادرة على خلق معنى أعمق للواقع أكثر من غيرها لا أقصد أن وجهات النظر الأخرى غير منطقية.

فمعظم أشكال الإلحاد مثلاً لها منطقها الذي يفترض بعض الملحدين مثل “ريتشارد دوكينز” Richard Dawkins  وكذلك “كرستوفر هيتشنز” Christopher Hitchens  أنه الشكل الوحيد للعقلانية، وهو افتراض طفولي ساذج. إلا أن المسيحية تتفوق على غيرها من حيث قدرتها على إضفاء معنى أكثر عمقًا ومنطقية على الأمور، كما يرى معظم المدافعين.

والروائي الإنجليزي “إفيلين وُه” Evelyn Waugh  (1903-1966) الذي اشتهر بروايته ” العودة إلى برايدزهد” Brideshead Revisited  (1945) يشير إلى نقطة مشابهة. فبعد أن آمن بالمسيحية سنة 1930 كتب لأحد أصدقائه يشرح له كيف مَكًنه إيمانه الجديد من رؤية الأشياء بوضوح لأول مرة.

الاهتداء إلى الإيمان  يشبه الخروج من عالم “أليس في بلاد العجائب”، حيث يبدو كل شيء كاريكاتيريًا وعبثيًا، والدخول إلى العالم الحقيقي الذي صنعه الله، ثم تبدأ بعد ذلك رحلةٌ بهيجة لا نهائية لاستكشاف هذا العالم.[3]

فقبل الإيمان لم يرَ “وُه” إلا عالمًا مشوهًا وهميًا، ولكنه بعد إيمانه رأى الأمور على حقيقتها. وبدأ رحلة اكتشاف هذا العالم الجديد تملؤه مشاعر الحماس والدهشة والإثارة كما يتضح من كتاباته بعد الإيمان.

فكيف نفهم منطقية الإيمان؟ يمكن توضح منطقية الإيمان المسيحي بطريقتين مختلفتين، ولكنهما تكملان بعضهما البعض:

  1. بإظهار القاعدة القوية من الحجج والأدلة المؤيِّدة للعقائد الجوهرية في المسيحية: يتضمن هذا المنهج بناء حجج عقلانية تثبت وجود الله، أو حجج تاريخية تثبت قيامة يسوع الناصري. في هذا المنهج يتم الدفاع بشكل مباشر عن مصداقية العناصر الأساسية للأمان المسيحي.
  2. بإظهار أنه إذا كان الإيمان المسيحي صحيحًا، فهو يخلق للواقع معنى أعمق وأكثر منطقية من البدائل الأخرى: تتفوق المسيحية على البدائل الاخرى من حيث توافقها مع ملاحظاتنا وخبرتنا على نحو أكثر منطقية. وهي بذلك تشبه اختبار النظريات العلمية للتأكد من اتساقها مع الملاحظات أو قدرتها على تفسير هذه الملاحظات.

هذان المنهجان لا يلغي أحدهما الآخر، بل يمكن استخدامها معًا في الدفاعيات. سنتناول الآن بعض الأفكار والخطوط المنهجية التي تمثل قيمة محورية في الدفاعيات بوصفها أداة تُظهر لثقافتنا ما يتميز به الإيمان المسيحي من عقلانية ومنطقية.

وسنبدأ دراستنا بالنظر إلى طبيعة الإيمان.
طبيعة الإيمان:

أدى صعود تيار”الإلحاد الجديد” سنة 2006 إلى خلق اهتمام جديد بطبيعة الإيمان، وأصبح السؤال المطروح: لماذا نؤمن بالله إن كنا لا نستطيع إثبات هذا الإيمان بيقين مطلق؟ ومن أشد انتقادات الإلحاد الجديد وأكثرها شيوعًا هو القول بأن “الإمان بالله غير منطقي”، حتى إن “ريتشارد دوكينز”، ذلك الملحد الذي يعتمد أسلوب المواجهات في دعم قضاياه ، يرى أن الإيمان هروب من الأدلة بدفن الرؤوس في الرمال، ورفض التفكير.

وبالرغم من أن الكثير من المراقبين الإعلاميين أظهروا نوعًا من القبول لهذه الانتقادات في بادئ الأمر، فقد أظهر الفحص الدقيق مدى ضحالتها، لأن هذا الإلحاد الجديد نفسه له معتقداته وتعاليمه غير المثبَتة، وغير القابلة للإثبات، مثل غيره من الأفكار.

يقول نقاد حركة التنوير من الفلاسفة، مثل “ألاسدير ماكينتاير” Alasdair Maclntyre  أو “جون جري” John Gray  إن محاولة حركة التنوير أن تضع أساسًا ومعيارًا واحدًا وشاملاً للمعرفة قد ضعُف حتى انهار تمامًا تحت وطأة كمية ضخمة من الأدلة المضادة.[4] فالنظرة القائلة بوجود عقل وحيد شامل لا يمكن الدفاع عنها ولا يمكن تحقيقها. وذلك، لأننا باعتبارنا بشرًا محدودين ليس أمامنا خيار سوى أن ندرك أننا لابد أن نعيش في غياب بعض الحقائق العقلانية الصرفة، الواضحة، المطلقة التي لا تتحمل أي لبس.

فمؤكد طبعًا أنه علينا أن نضع معايير تثبت صحة معتقداتنا، وعلينا أن ندافع عن هذه المعايير، ولكننا في الوقت نفسه لابد أن ندرك أن تلك المعتقدات قد تستعصي على الإثبات. إلا أنها، على حد التعبير الذي أطلقه “وليم جيمز” William James  أحد علماء النفس بجامعة “هارفارد” Harvard ، وتُفهم على أنها “فرضيات مقبولة” ” Working hypotheses”.[5]

وسوف أضرب مثالاً لتوضيح هذه النقطة. بعض العبارات الأخلاقية مثل “الاغتصاب فعل خاطئ” لا يمكن إثباتها لا بالمنطق ولا بالعِلم، وهو ما ينطبق على بعض العبارات السياسية أيضًا، مثل “الديمقراطية أفضل من الفاشية.” ولكن هذا لا يمنعنا من الإيمان بهذه المعتقدات السياسية والأخلاقية والتصرف وفقًا لها. ولا يقتصر ذلك على الأخلاقيات الشخصية والآراء السياسية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى المعتقدات الاجتماعية، وأهمها العدالة. فما من أمة أو مجتمع يمكنه أن يبقى على قيد الحياة دون أن يكون عنده مفهوم للعدالة. ومع ذلك، لا يمكننا أن نثبت بالمنطق البشري المحض صحة مفهوم بعينه من مفاهيم العدالة.

ومؤخرًا أكد “مايكل ساندل” Michael Sandel  أستاذ الحكومة في جامعة “هارفارد” أن أي فكرة للعدالة تقوم على مفهوم ما للحياة الطيبة بما يتضمنه من شبكة معتقدات عن الطبيعة البشرية وقيمها وغرضها.[6] وقد أشار إلى أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، وهو محق في ذلك. صحيح أن بعض مفكري عصر التنوير، تلك الفترة العظيمة في الثقافة الغربية التي قالت بالمرجعية العليا للعقل البشري، آمنوا بأن العقل قادر على تقديم إجابات قاطعة لهذه الأسئلة.

فلا يمكن العثور على إجابات ذات معنى للأسئلة المتعلقة بالعدالة دون الاعتماد على معتقدات لا يمكن إثباتها بشكل نهائي. وقد تلاشى حلم التنوير بتأسيس العدالة على المنطق البحت، لأن فكرة “المنطق الخالص” هي فكرة خيالية، لأن مفاهيم العقلانية تتشكل وفقًا للبيئة الثقافية، كما أشار “ستيفن تولمين” Stephen Toulmin  في ملاحظة صائبة قائلاً:

إن ممارسة الحكم العقلاني في حد ذاتها تتم في إطار معين وتعتمد عليه في الأساس، والحجج التي نواجهها توجد في زمان معين وفي طروف معينة، وعندما نُقَيٍّمها لابد أن نحكم عليها في ظل هذه الخلفية.[7]

يبدو أن الكثير من مفكري التنوير نجوا من هذه الحقيقة التي تقوض بناءهم الفكري، وذلك بفضل محدودياتهم الأكاديمية التي كانت شديدة الارتباط آنذاك بالتقليد الغربي الكلاسيكي، ولكن هذا الوهم قد تلاشى، حتى إن “ألاسدير ماكينتاير” يختم تحليله العبقري للتناول العقلاني لكلٍّ من المعرفة والأخلاق بأن التنوع الكبير في طريق التناول “العقلاني” للعدالة والأخلاق لابد أن يؤادي للاستنتاج بأن “الإرث الذي خَلَّفته حركة التنوير هو نموذج مثالي للتفسير العقلاني الذي ثبتت استحالة تحقيقه.”[8]

فالعقل يعد بالكثير ولكنه يعجز عن الوفاء بكل ما يعد به.

ويمكننا في هذا الصدد أن نسوق الكثير من الأمثلة التي تصل جميعها إلى الاستنتاج ذاته الذي أشار إليه منذ عدة سنوات فيلسوف أكسفورد العظيم والمؤرخ الفذ السير “أيزيا برلين”” Sir Isaiah Berlin  (1909 – 1997 ) عندما قال بأن القناعات البشرية يمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات:

  1. قناعات يمكن إثباتها بالملاحظة التجريبية.
  2. قناعات يمكن إثباتها بالاستنباط المنطقي.
  3. قناعات لا يمكن إثباتها بأي من الطريقتين السابقتين.[9]

تتمثل الفئتان الأولى والثانية فيما يمكن التحقق منه بالعلوم الطبيعية، وما يمكن إثباته بالمنطق والرياضيات. وبذالك، ينحصر”البرهان” في نوعية محدودة من العبارات التقريرية، مثل:
2+2= 4
الكل أكبر من الجزء.
التركيبة الكيميائية للماء هي H₂O.

العبارة الأولى والعبارة الثانية يمكن إثباتهما منطقيًا، والأخيرة يمكن إثباتهما علميًا. أما الفئة الثالثة فهي التي تضم القيم والأفكار التي تشكل الثقافة البشرية وتُعَرِّف الوجود الإنساني، أي أنها المعتقدات التي تعطي للحياة الإنسانية سببًا، واتجاهًا، وغرضًا، ولا يمكن إثباتها بالمنطق أو العلم.

ما الذي يندرج تحت هذه الفئة؟ سنة 1948 أكدت الأمم المتحدة “إيمانـ]ها[ بحقوق الإنسان الأساسية.” ورغم أهمية هذا المعتقد، فبنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يمكن إثباتها منطقيًا ولا علميًا، كما لا يمكن إثبات الاعتقاد بأن الظلم شر أو أن الاغتصاب خطأ. فهذه أمور مستحيلة الإثبات. ومع ذلك يتخذ الناس منها عملاً لهم طيلة حياتهم انطلاقًا من اعتقادهم بأنها، أولاً صحيحة، وثانيًا مهمة.

وقد أشار الناقد الأدبي البريطاني “تِري إيجلتون” Terry Eagleton  في نقد قوي لكتاب “وهم الإله” the God Delusion  لمؤلفه “ريتشارد دوكينز” قائلاً: “إننا نؤمن بالكثير من المعتقدات التي ليس لها مبرر عقلاني يفوق مستوى الشبهات، ومع ذلك هذه المعتقدات منطقية إلى الدرجة التي تجبرنا على أخذها بعين الاعتبار.”[10] والإيمان بالله واحد من هذه المعتقدات.

وقد أكد الفيلسوف “ألفين بلانتيجا” Alvin Plabtinga  هذه النقطة منذ سنوات بالإشارة إلى مشكلة دائمة وهي مشكلة “العقول الأخرى”[11] التي تقول بأنه لا يمكنك أن تبرهن برهانًا مطلقًا على أن اللآخرين عندهم عقول. ومع ذلك لم يشغل أحد نفسه بهذا الأمر، لأنه افتراض مقبول ويتفق مع طبيعة الأمور. ثم يقول “بلانتينجا” بوجود توازٍ بين إثبات وجود “عقول أخرى” وإثبات وجود الله.

ويستطرد قائلاً إنه لا يمكن إثبات أي منهما، ويمكن تقديم حججٍ قوية ضد كلٍّ منهما، ولكن مؤيدي هاتين النظرتين يرون أنهما منطقيتان جدًا.

إن “ريتشارد رورتي” Richard Rorty  (1931- 2007 ) الذي قد يُعتبر أعظم فيلسوف أمريكي في القرن العشرين عرض نقطة مشابهة في خطابه الرئاسي أمام “الجمعية الفلسفية الأمريكية” American Philosophical Society  منذ عدة سنوات أشار إلى أنه

إذا كان أي شخص يؤمن بالفعل أن قيمة أي نظرية تتوقف على أساسها الفلسفي، عندئذٍ لابد أن يشك في أشياء مثل الفيزياء والديمقراطية إلى أن نتغلب على نسبية النظريات الفلسفية، ونجعل منها نظريات مطلقة. ولكن من حسن الحظ أنه ما من أحد يؤمن بشيء كهذا.[12]

ماذا يقصد “رورتي” بهذا الكلام؟ يقصد أننا يمكن أن نؤمن بالمفاهيم الجوهرية في عصرنا دون أن يتوفر لدينا إثبات مطلق.

إن الكل يؤمن منطقيًا بصحة معتقدات معينة رغم إدراكه أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، بالمعنى الضيق لكلمة إثبات. ألا أن نقاد العقائد الدينية غالبًا ما يرجحون أن “الإيمان” نوع من المرض العقلي لا يصيب إلا المتدينين. ولكن هذا خطأ لأن الإيمان جزء من إنسانيتنا.

وقد عبَّرت الفيلسوفة “جوليا كريستفا”  Julia Kristeva عن ذلك مؤخرًا بالقول: “سواءً أكنت أنتمي إلى دين، أو كنت لاأدرية، أو ملحدة، فعندما أقول “أنا أؤمن” فهذا يعني أني أقول “أنا أعتبر ]ما أؤمن به [ صحيحًا.”[13] فالإيمان بالله، وبالعدالة، وبحقوق الإنسان تعاني جميعًا من هذه المشكلة المزعومة، وهذه ليست إلا ثلاثة أمثلة، ولكن القائمة تطول.

وعادةً ما يعجز الكُتاب الملحدون عن أن يأخذوا في الاعتبار محدودية العقل البشري، ويرون أن قناعتهم تتميز بالصلابة والمصداقية والقدرة على التحدي. وهم يقولون إنهم لا يؤمنون بأي شئ، ويقتصرون على ما هو صواب، حتى إن المدافع الملحد “كريستوفر هيتشنز” أعلن بكل جرأة أن الملحدين الجدد من أمثاله لا يأخذون العقائد في حسبانهم قائلاً إن “عقيدتنا هي اللاعقيدة.”[14]

هذا خطأ، وأخشى أن “هيتشنز” يضلل نفسه، لأنه يتضح أن تحليله للدين يقوم على معتقدات جوهرية معينة لا يمكن إثباتها، حيث إن نقده العنيف للدين يقوم على قيم أخلاقية معينة (كما في القول بأن “الدين شر” أو ” الله غير صالح” لا يمكن إثباتها، وهو ما يمثل في النهاية نوعًا من التسليم القائم على مجرد  شعور بالثقة في في صحة هذه الأفكار. ومادام تقييم “هيتشنز” للدين أخلاقيًا في المقام الأول، فهو مجبر على افتراض قيم أخلاقية معينة لا يمكنه إثباتها. وكل القيم الأخلاقية تقوم في النهاية على معتقدات.

ونقد”هيتشنز” للمسيحية يقوم في نهاية الأمر على معتقداته ويُعبر عنها، أي أنه يقوم على ما يعتقد أنه صواب ويفترض أن أناسًا أخرين يعتقدون أنه صواب، ولكنه لا يستطيع إثباته فعليًا لا بالمنطق ولا بالعلم.

إلا أن مفهوم الإيمان في المسيحية أعمق بكثير من مجرد الاعتقاد بصحة بعض الأفكار. لأن الإيمان عند المسيحيين ليس معرفيًا (“أنا أعتقد أنا هذا صواب”) فحسب، ولكنه في الوقت نفسه يحمل بعدًا علاقتيًا ووجوديًا (“أنا اثق في هذا الشخص”). فالأمر لا يتوقف عند الاعتقاد بوجود الله، بل يمتد إلى أكتشاف حكمة هذا الإله ومحبته وصلاحه، مما ينتج عنه قرار إرادي بتسليم الحياة لهذا الإله. وهو ما عبَّر عنه “سي.إس.لويس” عندما قال إنك لا تواجه “حجة تطالبك بأن توافق عليها، بل شخصًا يطالبك بأن تثق فيه.”[15]

ولذا، فالإيمان يعني الثقة في شخص، وليس مجرد الاعتقاد في وجوده. وقد أشار الكاتب الدنماركي “سورن كيركجارد” Soren Kierkegaard  (1813 – 1855) إلى هذه الفكرة عندما أكد أن الايمان الحقيقي بالله هو “قفزة نوعية” من وجود إلى وجود مختلف. فالايمان المسيحي ليس مجرد إضافة بند الايمان بالله لما نختزنه من أفكار عن العالم. ولكنه يعني إدراك واعتناق “النظام الوجودي” mode of existence” ” الجديد الذي تتيحه هذه الثقة.

وتجدر الإشارة إلى أن الفيلسوف النمساوي “لودفيج فيتجنشتاين” Ludwig Wittgenstein  الذي يُعتبر عند الأغلبية من عباقرة القرن العشرين العظماء، كان يعاني من شكوك مضنية في فكرة “إثبات” وجود الله. وقد صرح بأنه لم يلتقِ بشخص واحد آمن بالله نتيجةً للحجة العقلية!

وقد تنبأ “جوناثان إدواردز” Jonathan Edwards  (1703- 1785 ) عالمِ اللاهوت البيوريتاني الأمريكي العظيم بهذا الموضوع في كتاباته حيث رأى أن الحجة العقلية لها قيمتها وأهميتها في الدفاعيات المسيحية، ولكنها قد تؤدي إلى مجرد الايمان بوجود الله دون أي تأثير يغير الحياة. وكما يشير ” إدوردز”، البعض “يخضع لحق الديانة المسيحية بناءً على البراهين أو الحجج العقلية التي تثبت صحته.”[16] إلا أن هذا لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير الحياة أو “الإيمان الحقيقي.”

وما يقصده “إدواردز” أن الشخص قد يؤمن بوجود إله دون أن يؤمن بهذا الإله. وهو موقف معروف من العهد الجديد. “أَنتَ تُؤمِنُ أَنَّ الله وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤمِنُونَ وَيَقشَعِرُّونَ!” (يع19:2). فالفرق شاسع بين القبول العقلاني والتغير الشخصي. ويصرح “إدواردز” بأن ما يغير الناس ليس الحجة بل “إدراك” مجد الله، أي التقدير الواعي لهذا المجد، أو لقاء مباشر أو اختبار شخصي مع الله.

قد تلعب [الحجج] دورًا فعالاً في تنبيه غير المؤمنين وحثهم على التفكير بجدية، وفي تثبيت إيمان القديسين الحقيقيين. ولكنها لا تتمتع بالأهمية ذاتها في خلق الإيمان الخلاصي لدي الأشخاص. فالاقتناع الروحي لا ينتج عن الحكم العقلاني، بل من إدراك مجد الأمور الإلهية وجمالها الروحي.[17]

ولكن قيادة الناس للتحول إلى الإيمان هي في النهاية مهمة الكرازة. فالدفاعيات تمهد الطريق لهذا التحول بإظهار أن الإيمان بالله منطقي. إنها تزيل الأحجار والركام من طريق الكرازة. وقد لا يمكننا أن نثبت وجود الله بالمعنى الجامد والمطلق لكلمة إثبات. ولكن مؤكد أنه يمكننا أن نبين أن الإيمان بوجود هذا الإله منطقي تمامًا من حيث أنه يعطي معنى أعمق للحياة وللتاريخ وللخبرة الإنسانية على نحو يتفوق على غيره من البدائل، وبعدها يمكننا أن ندعو الشخص ليتجاوب مع هذا الإله المحب ويثق في مواعيده.

 ما أهمية منطقية الإيمان المسيحي؟

لماذا تمثل هذه النقطة أهمية كبرى؟ لماذا يجب علينا أن نظهر أن العقيدة المسيحية منطقية؟ لماذا لا نكتفي بإعلان هذه الفكرة وحسب؟ من النقاط الدفاعية التي يجب تأكيدها هنا أنه من الصعب أن ندافع عن الأفكار التي تسير في اتجاه مضاد لطريق التفكير السائدة في الثقافة.

وقد أشار “أوستين فارر” إلى أن نجاح “سي. إس. لويس” المبهر في عمله بالدفاعيات يرجع في جانب منه لقدرته على “عرض قوة الأفكار المسيحية على المستوى الأخلاقي، والخيالي، والعقلاني عرضًا إيجابيًا.”[18] ويرى “فارر” أن منهج “لويس” في الدفاعيات أظهر أن المسيحية تعطي معنى لأعمق انطباعات العقل البشري والقلب والخيال.

إلا أن “فارر” كان معنيًا بوجه خاص بتأكيد أهمية إظهار منطقية الإيمان. ولكنه لم يقصد بذلك أن المنطق يخلق الإيمان، أو أن الناس يؤمنون بالله بفضل الحجج العقلانية. إلا أنه أراد أن يؤكد مدى صعوبة الدفاع عن الايمان المسيحي علنًا إن كان المجتمع يراه غير منطقي. ولذلك، فإن أعظم إنجاازات “لويس”، من وجهة نظر “فارر”، أنه أظهر منطقية الإيمان بشكل يَسَّر قبوله  على المستوى الثقافي.

رغم أن الحجة لا تخلق قناعة، غيابها يضرب الإيمان في مقتل. فما يُثبَت، قد لا يُعتنق، ولكن ما لا يستطيع أحد أن يدافع عنه سرعان ما يتخلى الناس عنه. وإن كانت الحجة العقلانية لا تخلق الإيمان، فهي تحفظ على مناخ ملائم يسمح له بالنمو.[19]

وإظهار منطقية الإيمان لا يعني إثبات كل عنصر فيه، بل يعني القدرة على إظهار أن الاعتقاد في مصداقية هذه العناصر وصحتها يقف على أسس سليمة. ومثال ذلك تبيان أن الإيمان المسيحي يعطي معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ومن ثم، يمكن تشبيهه بعدسة تضع كل شئ في البؤرة، أو بضوء يسمح لنا بالرؤية على مسافات أبعد وبشكل أوضح مما تتيحه لنا قدرتنا العادية.

وقد أكدت هذه الفكرة الفيلسوفية والناشطة الاجتماعية الفرنسية “سيمون فيّ”  Simone Weil ، وهي مفكرة يهودية آمنت بالمسيحية في شبابها. فقد استخلصت بعد إمعان النظر فيها يتضمنه إيمانها الجديد من معانٍ أن الإيمان بالله ينير الواقع على نحو أفضل من البدائل العلمانية الأخرى بكثير. وإن كانت طريقة تفكير بعينها قادرة على وضع الأشياء في البؤرة أو إنارة ما هو مظلم وملتبس، فهذا يعد دليلاً على مصداقيتها.

إن أنرتُ كشافًا كهربائيًا في شارع مظلم، لن أحكم على قوته بالنظر إلى المصباح الموجود بداخله، بل بعدد الأشياء التي يسلطه على الأجسام المظلمة. وقيمة أي منهج ديني، أو روحي، بوجه عام، تقَيَّم بكمية النور الذي يُسلِّطه على ما في هذا العالم من أمور.[20]

إن قدرة النظرية على إنارة الواقع ووضعه في بؤرة التركيز تُعتبر في حد ذاتها مقياسًا مهمًا لمصداقيتها. وهنا ترى موضوعًا جوهريًا في الدفاعيات المسيحية، ألا وهو أن الإيمان بصحة المسيحية له أسباب وجيهة، ومنها مدى قدرته على خلق معنى منطقي لما نراه حولنا وبداخلنا. وقد علًّق “برايان لفتو” Brian Leftow  الفيلسوف بجامعة أكسفورد على اختباره المسيحي الذي مكنه من رؤية الأشياء على حقيقتها قائلاً: “إن كنت ترى الأشياء على حقيقتها من الموقع الذي تقف فيه، فأنت في المكان الصحيح.”[21]

فماذا عن العلوم؟ إن “جون بولكينجهورن” John Polkinghorne  (المولود سنة 1930 ) الفيزيائي الذي ترك المجال العلمي وتخصص في اللاهوت يثير نقطة وثيقة الصلة بموضوع هذا الفصل:

إن البحث عن الحق مهما كان شكله لا يمكنه الوصول إلى استنتاجات يقينية مطلقة. ولكن الشخص الواقعي في تطلعاته هو من يطمح إلى الوصول لأفضل شرح ممكن للظواهر المعقدة، وهو هدف يمكن تحقيقه بالبحث عن فهم شامل مدفوع بدوافع طيبة ليوفر أساسًا للقبول العقلاني. فلا العلم ولا الدين يمكنه أن يأمل في بناء برهان قاطع تجبر منطقيتُه علي قبوله حتى إنه لا ينكره إلا الحمقى.[22]

إن كلاً من العلم والعقيدة المسيحية ملتزمان بإيجاد أفضل تفسير مدعوم بالدليل لما نلاحظه ونواجهه فعليًا في هذا العالم. ومن وجهة نظر المسيحي، تمثل الدفاعيات في جزء منها تأكيدًا للتوافق المفاهيمي بين الإطار النظري للمسيحية والأنظمة العميقة للعالم كما تكشفها العلوم الطبيعية.

فهل الإيمان بالله منطقي؟ أم أنه مجرد وهم، ونموذج أليم للتفكير الرغبوي عند بشر يعانون مشاعر الوحدة والتعطش؟ لقد قال “لويس” نفسه معلِّقًا على معتقداته الإلحادية قبل الإيمان” “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[23] لقد اكتسبَت هذه القضية أهمية في الآونة الأخيرة نتيجةً للمناقشات السائدة حاليًا في ثقافتنا.

وبالرغم من أن الإلحاد الجديد الذي انفجر سنة 2006 فقدَ الكثير من الجاذبية التي تكسو أي شيء جديد، فالأسئلة التي يطرحها مازالت موضع مناقشة، ومنها هل الإيمان بالله يُعبر عن حالة من التجاوب العقلاني مع الواقع، أم أنه ضلالة قديمة الطراز تتفشى بين الجماهير بفعل فيروسات عقلية تعيش على منطق هش ساذج وتفرضها مؤسسات وأفراد سلطويون؟

وهنالك طبعًا نظرة أكثر تشددًا تقول: إن المحاولات البشرية لتكوين معنى أو تأسيس قيم تتساوى في أنها جمعيًا ضلالات سواءً أكانت تؤمن بوجود الله أم كانت إلحادية. وهي نظرة للواقع شديد التشاؤم وتنعكس بكثرة في كتابات “ريتشارد دوكينز” كما في تصريحه الشهير بأن “خواص هذا الكون الذي نراه هي ذات الخواص التي يمكن أن نتوقعها في كون هو أساسًا بلا تصميم ولا غرض ولا شر ولا خير، ولا أي شيء سوى حالة من الحياد القاسي الأعمى حيث يكون كل شيء عاديًا، لا هو بالجيد ولا بالرديء.”[24]

وترى هذه النظرية أننا نفرض معنى وقيمة على عالم بلا معنى، فيصبح المعنى مخترعًا، وليس شيئًا أصيلاً يكتشفه الإنسان. وهذه الفكرة على قدرة اتساقها، إلا أنها شديدة القسوة على نحو يجعل الكثيرين يرونها لا تطاق.

ونحن في هذا الفصل نبحث قدرة الإيمان المسيحي على إضفاء معنى على الأشياء.
وتركيزي على مسألة منطقيته لا يعني اختزال المسيحية إلى تفسير عقلاني للأمور، ولا يعني أنه القيمة العليا في اللاهوت المسيحي. ولكن الغرض من ذلك توضيح أن المحيط الثقافي الحالي تَشَكَّل بصعود تيارات عدائية يؤكد أن الإيمان في الأساس غير عقلاني، ومن ثم وجب الرد على هذه الادعاءات بشكل واعٍ ومحسوب.

وقد شهد القرن العشرين طاقة فكرية جديدة تم حقنها في الدراسات الفلسفية للأدلة العقلية والتجريبية التي تتعلق بالله، وكان ظهور تفاسير علمية جديدة لنشأة الكون من العوامل التي حفزت هذه الطاقة الجديدة. وقد أكد فلاسفة الأديان مثل “ألفين بلانتينجا” وكذلك “ريتشارد سوينبرن” Richard Swinburne  مجددًا على منطقية الإيمان وأحيوا الحجج القديمة التي تشرح اساب الإيمان بالله، وهنالك تزيد في الاتفاق على أن الإيمان بالله عقلاني تمامًا، إلا إذا عرَّفت “العقلانية” على نحو يتعمد إقصاء هذا الإيمان.[25]

والأمر الذي يزداد وضوحًا أن العقلانية يمكنها فعليًا أن تسجن البشرية في نظرة جامدة متحجرة تحصر الواقع فيما يمكن إثباته عقلانيًا وحسب. وكما أشار “أيزيا برلين” أنه من اللافت للانتباه أن التيار السائد في الثقافة الغربية منذ أواخر القرن التاسع عشر وما بعده يتمثل في “رفض العقل والنظام باعتبارهما سجنًا للروح.”[26] فحصر الإنسان لنفسه فيما يمكن إثباته بالعقل والعِلم هو عبارة عن الأخذ بالقشرة السطحية للواقع والعجز عن اكتشاف ما يمكن تحتها من أعماق.

أما الكتُاب المسيحيون يرون أن الإيمان الديني ليس تمردًا على العقل بل ثورة على سَجن البشرية بين جدران الجمود العقلاني الباردة. فالمنطق والحقائق لا يمكنهما إلا أن “يصلا بنا إلى نقطة معينة في الرحلة، بعدها يجب علينا أن نكمل المسيرة حتى نصل للإيمان.”[27]

فقد يكون المنطق البشري كافيًا على المستوى العقلاني ولكنه قاصر على المستوى الوجودي. والإيمان يعلن عما هو أعمق من العقل، ولا يتعارض معه، بل يفوقه. فالإيمان يستخلص الموافقة العقلانية، ويدعو إليها، ولكنه لا يفرضها، وهو يصل إلى حيث يصل العقل ولكنه لا يحد نفسه عند نقطة تَوقُّف العقل بل يتجاوزها.

فلسفة العلوم باعتبارها أحد الموارد التي تعتمد عليها الدفاعيات:

يوضح “سي.إس.لويس” في روايته لقصة إيمانه بالمسيحية في كتاب “مندهش من الفرح” أن إيمانه بالله لم يأتِ نتيجةً لحجة استدلالية، بل نتيجةً لإمعان التأمل في خبرته، وهو ما يبين أنه يمكننا الاستفادة من منهجيات العلوم الطبيعية في الدفاعيات.

إن العلم يعتمد على الاستدلال inference  لا على استنباط براهين رياضية deduction of mathematical proof ، ويتم ذلك بتراكم سلسلة من الملاحظات التي تطرح السؤال الأعمق: كيف نقدم تفسيرًا حقيقيًا صحيحًا لما نلاحظه؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع ما نلاحظه فعليًا في خبرتنا الواقعية؟ وقد استخدم العالم والفيلسوف الأمريكي “تشارلز إس.بيرس” Charles S. Peirce مصطلح “الاستدلال الاحتمالي” “abduction“ للإشارة إلى الطريقة التي يتبعها العلماء لتوليد النظريات التي من شأنها تقديم أفضل تفسير للأشياء.

إلا أن هذه الطريقة أصبح يشار إليها الآن باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” “inference to the best explanation”. وهنالك اتفاق عام الآن على أن هذا الأسلوب هو الفلسفة المميِّزة للعلوم الطبيعية في تقصيها للعالم. فكيف تتم؟

يُعبر “بيرس” عن عملية التفكير التي تؤدي إلى تكوين نظريات علمية جديدة أو طرق تفكير في الواقع كما يلي:

  1. لاحظنا واقعة مفاجئة سنرمز لها بالرمز (ج).
  2. ولكن إذا كانت الواقعة (أ) حقيقية يمكن أن تكون الواقعة (ج) متوقعة.
  3. إذَن هناك سبب يدعو إلى الشك في أن الواقعة (أ) حقيقية.[28]

فالاستدلال الاحتمالي هو عملية ملاحظة أشياء معينة ومحاولة اكتشاف الإطار الفكري الذي يمكن أن يفسرها. وقد كان “شرلوك هولمز” Sherlock Holmes ، المخبر الشهر بطل الروايات البوليسية، يستخدم هذه الطريقة رغم أنه كان يطلق عليها خطأ مصطلح “الاستنباط.” ويرجح “بيرس” أن الاستدلال الاحتمالي أحيانًا ما “يعبر بعقولنا كومضة خاطفة سريعة كأنه “فعل استبصار”.”[29] ولكنه أحيانًا ما يحدث عن طريق عملية بطيئة من التفكير المنهجي العميق أثنا محاولتنا لتوليد كل الاحتمالات التي من شأنها تفسير ما نلاحظه.

وقد فحص “بيرس” بدقة كيفية تكوين العلماء لأفكارهم، وهو يعتبر أن هذه العملية هي التي تكمن وراء المنهج العلمي. فالعلم يبدأ بجمع سلسلة من الملاحظات ثم يبحث عن إطار تفسيري يقدم أفضل شرح لهذه الملاحظات. وقد يكون هذا الإطار نظرية موروثة من عصر سابق، وقد يكون أسلوب تفكير جديد تمامًا.

والسؤال الذي يتطلب إجابه هنا هو: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟ وغالبًا ما يُستخدم مصطلح “الاتساق التجريبي” “empirical fit” للإشارة إلى هذا التوافق بين ما يُرى في العالم وما تقدمه النظرية.

خذ مثلاً حركة الكواكب التي خضعت للملاحظة على مدى آلاف السنين. ما أفضل تفسير لها؟ في العصور الوسطى كان يُعتقد أن أفضل تفسير لهذه الملاحظات هو النظام “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تام مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا أن العالم في حاجة لأسلوب جيد.

وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus  ويوهانس كِبلر Johannes Kepler  إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في السماء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علاقة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.

ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة.  ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ماهي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.

وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة، والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينتطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟

للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation ، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيراتexplanation  unificatory. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلٍّ منها في الدفاعيات.

  • التفسير بتحديد المسببات:

أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي شيوعًا. ويقول بأن (أ) تفسر (ب) إن تمكنَّا من إثبات أن (أ) تسبب (ب).[30] فهل هذا يعني أن المسيحيين يؤمنون أن الله يجول في الطبيعة ويخبط التفاح برفق ليسقط من الشجر فيجذبه إلى الأرض؟ لا. ولكن الله يفوض فاعلاً مسببًا في هذا النظام المخلوق.

وقد قال توما الأكويني Thomas Aquinas  بفكرة “السببية الثانوية” “secondary causality” باعتبارها امتدادًا للسببية الأولية primary causality  أي الله نفسه وليست بديلاً لها. أي أن ما يتم من أحداث في النظام المخلوق يتم عن طريق علاقات سببية معقدة دون أي إخلال باعتمادها النهائي على الله باعتباره العلة النهائية.[31]

والنقطة الجوهرية التي يجب إدراكها أن النظام المخلوق إذَن يعكس علاقات سببية يمكن للعلوم الطبيعية أن تبحث فيها. وتلك العلاقات السببية يمكن تقصيها وربطها معًا على هيئة “قوانين الطبيعية” مثلاً دون أن يعني ذلك مطلقًا أو يستلزم تبني نظرة إلحادية. ولتبسيط هذه الفكرة قدر المستطاع نقول: إن الله خلق العالم بأنظمة وعمليات خاصة تُسيره.

ولكن ماذا عن نشأة الكون؟ ظهر ميل بين العلماء في أواخر القرن التاسع عشر نحو الاعتقاد بأن الكون موجود أزلاً. إلا أنه في القرن العشرين بات واضحًا أن الكون دخل حيز الوجود بفعل انفجار ضخم يُعرف عادةً باسم “الانفجار الكبير” “the big bang”.[32] ومنذ أدرك العلماء أن الكون له بداية سعت فلسفة العلوم لإيجاد تفسير لكيفية وجود شيء من العدم. فكيف نقول إن العدم سبَّب شيئًا؟ ولكن انتشار فكرة أن الكون نشأ في الزمن وأنه ليس ازليًا أحدث تحولاً كبيرًا لصالح الاعتقاد في وجود “علة أولى” “first cause” وصانع عاقل intelligent designer.

فما الذي تسبب في ظهور الكون؟ محتمل أنه خلق نفسه، أو أنه وُجد بالصدفة، أو أنه خُلق بفعل فاعل، وليكن الله مثلاً. وإن كان هذا طبعًا لا يُثبت شيئًا بالمعنى المنطقي الجامد للكلمة، إلا أنه يعطي مصداقية جديدة لحجة من أشهر الحجج التقليدية المختصة بوجود الله التي يمكن التعبير عنها كما يلي:

  • كل ما يظهر إلى الوجود له سبب.
  • العالم ظهر إلى الوجود.
  • إذَن العالم له سبب.

 

  • البحث عن أفضل تفسير:

منذ حوالي سنة 1970 تكوَّن شبه اتفاق على أن الفلسفة الأساسية للعلوم الطبيعية تتمثل في النهج المعروف عمومًا باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات.”[33] “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تامٍ مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا ان العالم في حاجة لأسلوب جديد.

وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus  ويوهانس كِبلرJohannes Kepler  إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في المساء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علامة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.

ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة. ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ما هي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.

وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة،
والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟

للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيرات unificatory explanation. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلًّ منها في الدفاعيات.

  • التفسير بتحديد المسببات:

أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي ويتلخص أساسًا في طرح السؤال: أي النظريات تقدم أفضل تفسير لما نلاحظه فعليًا في الطبيعة؟ وتطرح الكتابات الفلسفية الكثير من الآراء المهمة حول كيفية تحديد أفضل تفسير: هل هو الأبسط؟ أم الأفخم؟ أم الأكثر قدرة على توليد أفكار جديدة؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع الأدلة؟ والطريقة التي اعتمدها “تشارلز داروين”  Charles Darwinفي  وضع نظرية “الانتخاب الطبيعي” “natural selection” تُعتبر حاليًا نموذجًا لهذا المنهج.

وتبرز هنا نقطتان في غاية الأهمية. الأولى، أن هذا المنهج يدرك أنه لا يمكن أن نثبت أي تفسير يُعتبر الأفضل، فهي مسألة تتوقف على حالة من الثقة والارتياح، أو القدرة على التمييز لدى أفراد المجتمع العلمي. وهذا ما نراه فيما يدور حاليًا من جدل حول “الأكوان المتعددة” “multiverse” حيث نجد تفسيرين مختلفين اختلافًا جذريًا للملاحظات نفسها، ومع ذلك نجح كلٌ منهما في حشد التأييد اللازم من المجتمع العلمي. ولكن لا أحد يعرف على وجه الدقة أيهما صحيح.

لذلك، فأنت تختار ما يعتقد في صحته على أساس الأدلة المتاحة، مع الأخذ في الاعتبار أن الأدلة ليست قاطعة بما يكفي لإثبات تفسير دون الأخر. (وقد يكون هذا المنهج غير مريح ولكنه على الأقل يضمن لك أن تعامل خصومك بالحسنى بدلاً من أن تتهمهم بأنهم مضلَّلون).

والنقطة الثانية أن “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” يدرك احتمالية وجود تفاسير عديدة للأشياء، ويحاول أن يتوصل لإطار يؤدي إلى حل النزاع بين الآراء المتصارعة، ونادرًا ما يمكن إثبات صحة نظرية، ولكن هذا ليس ضروريًا، لأن المهم أن نتأكد أن نظريةً ما أفضل من منافساتها، بمعنى أن الكثير من النظريات العلمية لها ما يدعمها أو يبررها (أي أنها تستند على أدلة قوية) دون أن يعني ذلك أنها مثبَتة.

ومسألة الله تتلاءم تمامًا مع هذا المنهج، حتى إن “ريتشارد سوينبرن” فيلسوف الأديان بجامعة أكسفورد يقول إن الإيمان بالله يقدم أفضل تفسير لمجموعة ضخمة من الأشياء التي نلاحظها في العالم.[34] ويشير الفيزيائي “جون بولكينجهورن” في ذات الصدد إلى أن الإيمان بالله يقدم تفسيرًا لأسئلة “ما وراء النظرية” “metatheoretical” التي تبحث في أساس النظرية، وهي المعتقدات التي ينبغي على العلم أن يعتمد عليها رغم أنه لا يستطيع أن يثبت صحتها.

  • التفسير بتجميع عناصر رؤيتنا للواقع:

منذ حوالي عام 1990 ازداد الاهتمام في مجال فلسفة العلوم بفكرة “التجميع التفسيري”  “explanatory unification” وقد نشأ هذا الأسلوب في التفسير العلمي إبان السبعينات من القرن العشرين، وهو يحاول تكوين إطار مشترك يجمع الأحداث التي كان يُنظر إليها باعتبارها لا تمت بصلة بعضها لبعض.[35] ومنذ ذلك الحين تطور هذا الأسلوب تطورًا كبيرًا واستُخدم لتفسير بعض السمات الجوهرية في تكوين المنهج العلمي الحديث.[36] وموضوعه الأساسي بسيط يتلخص في ضرورة إيجاد إطار يتسع لأكبر عدد ممكن من العناصر.

ويقوم هذا الأسلوب في فهم التفسير العلمي على فكرة أن أَوجُه الواقع التي كان يُعتقد أنها تتطلب تفسيرات مختلفة يمكن أن تدخل ضمن إطار تفسيري واحد. ويُعَد التفسير الشهير الذي قدمه “جيمز كلرك ماكسويل” James Clerk Maxwell للترابط بين الكهرباء والمغناطيسية  مثالا واضحًا على هذا المنهج الذي كان له الفضل في اعتبار الكهرباء والمغناطيسية وجهين لعملة واحدة بعد أن كان  يُظن أنهما متمايزتان تمامًا.

وهكذا يعني تفسير الشيء، وفقًا لهذا المنهج، أن يوضع في إطار أكبر يسمح بفهم علاقاته المتداخلة مع أوجه الواقع الأخرى. ويصبح السؤال هو: أي شبكة من الأفكار توفر أقصى درجة ممكنة من الترابط بين مختلف المجالات والنظريات العلمية؟

ولا يصعب علينا أن نرى التوافق الكبير بين هذا الفكر وأحد الموضوعات الجوهرية في الإيمان المسيحي. فقد رأى القديس أغسطينوس أن الله مثل شمس فكرية تنير أرض الواقع وتتيح لنا رؤية أعمق أنظمته واكتشاف مكاننا فيها. وكتابات “سي. إس. لويس” تشير إلى معانٍ مشابهة.

معنى الأشياء: دراسة حالة:

لمزيد من التعمق في هذا الأمر سنتناول مدى فاعلية النظرة المسيحية للأشياء في إضفاء معنى على ما نلاحظه. وسنحاول أن نجيب على سؤال: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟

كيف يمكننا إذَن أن نفهم معنى التاريخ والخصائص المميِّزة للثقافة البشرية؟ قد تم طرح عدد من القصص التفسيرية لشرح هذه الأمر. تقول إحداها، وهي المفضلة لدى الإلحاد الجديد، بحدوث تطور تقدمي للوضع البشري نتيجةً لتآكل خرافة الدين، وتحرر البشرية من كل المحرَّمات والقيود الاعتباطية.

إلا أنه أصبح من الصعب الاستمرار في اعتناق هذه القصة في الغرب نظرًا لما مُنيت به اللبرالية الغربية من إخفاقات واضحة. ومن اللافت للانتباه أن هذه القصة التفسيرية الكبرى تمثل واحدًا من الموضوعات الرئيسية التي يستهدفها “إيجلتون” بتحليله الذي أجراه مؤخرًا للإلحاد الجديد الذي يواجه فيه انتقادات عنيفة لهذا الفكر.

فهو يصف “حلم التقدم البشري الذي لا يقف أمامه عائق” بأنه “خرافة متجسدة”، قصة خيالية من قصص الجنيات تفتقرِ لأي نوع من الأدلة. “إن وُجِدَت أسطورة دينية وخرافة ساذجة، فإنها ذلك الاعتقاد الليبرالي العقلاني بأننا نسير قدمًا على الطريق إلى عالم أفضل، باستثناء بعض الانتكاسات القلية.”[37] ومن اللافت للنظر أن “كريستوفر هيتشنز” ينهي هجومه على الدين بدعوة للرجوع إلى فكر التنوير ولاسيما للشكل الذي اتخذه في القرن الثامن عشر.

وهكذا يبدو أن أسطورة العصر الذهبي المفقود لا تزال قائمة في هذا الفكر بعيد المنال. ولكن لا شك أننا مدعوون لفحص الخيالات المتعلقة بكلٍّ من الفرد والمجتمع حتى لو كانت هذه الخيالات متأصلة في العقل الغربي العلماني.

وتتحدث القصة الشاملة (أو القصة الكبرى) للإلحاد الجديد عما عانته البشرية من عبودية للخرافات البدائية. ولكن تطبيق المنطق والعلم تطبيقًا ذكيًا في القرون الأخيرة مَكنَّها أن تتحرر من هذا القهر الطويل وتدخل عالمًا جديدًا مشرقًا بالحرية والاستنارة. عالم جديد مشرق يواجه حاليًا خطر عودة ما يشار إليه باسم “الخرافة” وباسم “اللاعقلانية.” فالدين عاد لمكانته وكانت عودته متوقعة ولكن غير مرغوب فيها. لذلك لابد من إنقاذ الموقف قبل فوات الأوان!

وكأي قصة جديدة، تتميز هذه القصة بالبساطة، ولكنها سرعان ما تفقد قيمتها عندما يثبت عجزها عن شمول التاريخ ككل، وليس فقط مجرد بضعة مقتطفات منتقاة بعناية. ووفقًا لهذه القصة يُفرض أن يكون الدين قد مات في الغرب منذ سنوات، ففي الستينات من القرن العشرين تنبأ علماء الاجتماع الأوربيون بقرب حلول نظام عالمي علماني وكانوا واثقين من ذلك كثافة الجيل السابق من المُنَظِّرين السياسيين السوفييت عندما أعلنوا أن سيادة الماركسية – اللينينية حتمية تاريخية.

وقد أجمع “أكبر علماء الاجتماع والأنثروبولوجي وعلم النفس” أن “أبناءهم، وإن لم يكن فأحفادهم، سيشهدون بزوغ عصر جديد تنضج فيه البشرية فتتخلى عن أوهام الدين الطفولية على حد تعبير “فرويد”.”[38]

إلا أن الدين لم يختفِ، بل إن الكثيرين الآن يقولون إنه أصبح أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى، بالرغم مما يُفرض من ضوابط اجتماعية للحج من تأثيره الاجتماعي في الكثير من بلدان أوروبا الغربية. فالاتحاد السوفيتي انهار، وعلمانيته التي كانت تُفرض بالقوة حلَّت مكانها حالة من النشاط والحماس الدينيين اللذين اجتاحا الأمم التي كانت تحت سيطرته. وهذا ما يخيف الملحدين الجدد لأن قصتهم الكبرى تواجه تحديًا خطيرًا، مما يبين أنها غير صالحة للاستخدام.

والقصة الكبرى لعصر التنوير تعجز عن تفسير أي شئ ذي قيمة. وكما أشار “ريتشارد شودَر” Richard Shweder  مؤخرًا أن “قدرتها التنبؤية تكاد تساوي صِفرًا.”[39] وهو يقول في ملاحظة فكاهية إن الدين قد يتضح في نهاية الأمر أنه ضلالة، ولكنه ضلالة لها مستقبل. “إن شعبية الهجوم على الدين حاليًا تخفي وراءها حالة من القلق الشديد الذي عاد مجددًا للمجتمع العلماني لا لأن قصة الدين وهمية بل لأن قصة التنوير هي الوهمية.”[40]

والقصة التي يتبناها التنوير ويعتمد عليها الإلحاد الجديد اعتمادًا كبيرًا لا تحمل ذرة واحدة من الواقع، وهي تشبه في ذلك تأكيد الماركسية على الحتمية التاريخية لسيادة الاشتراكية. فالصحوة الدينية في الكثير من مناطق العالم التي تم قمع الدين فيها على يد الحكومات الإلحادية مؤشر واضح على ضعف هذه القصة وهشاشتها. وفي كل الأحوال تُعَد فكرة “الحتمية التاريخية” حكمًا يصدره علم الاجتماع. ومن ثم، فهو لا يتصل كثيرًا بالصواب والخطأ من الناحية الفكرية أو الأخلاقية.[41]

فسواءً أكان أحد التطورات الاجتماعية “حتميًا” أم لا ، فهذا لا يعني صحته أوخطأه. وأحد التطورات الثقافية أو التاريخية قد يكون حتميًا بوصفه مرحلة تاريخية عابرة وليس تطورًا مستديمًا.

غالبًا ما يتهم الإلحاد الجديد من يؤمنون بالله بأنهم يتمسكون “بعقائد بلا دليل” عكس حقائق الملحدين “المستنيرين” التي لها إثباتات قوية. ولكن هل ينطبق هذا الكلام على اعتقاد الإلحاد الجديد بالتقدم البشري؟ يرى “إيجلتون” أن هذه الأسطورة ليست جديرة بأي اهتمام لأنها كالعمل الفني المزيَّف وأنها مثال صارخ على “الإيمان الأعمى.”[42]

فهل من شخص عاقل يقبل أسطورة علمانية كهذه تتعامل مع الكوارث التي صنعها البشر مثل هيروشيما، وأوشفتز Auschwitz  أكبر معسكرات الاعتقال النازية، والتفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا باعتبارها “بضع انتكاسات محلية بسيطة” لا تنفي التقدم المستمر للتاريخ ولا تعطله على الإطلاق؟ إن الفرق بين المسيحية والإلحاد الجديد يكمن في اختيارهما لما يطلق عليه المعتقدات التي لا تقوم على دليل والأساطير الكبرى الشاملة، ورغم أن كليهما غير قابل للإثبات، فهذا لا يمنعنا من تمييز أيهما أكثر مصداقية وجاذبية.

فماذا عن القراءة المسيحية للثقافة والتاريخ؟ يحكم هذه القضية موضوعان أساسيان أولهما أن الإنسان مخلوق على “صورة الله”، وثانيهما أنه خاطئ. وبالرغم من اختلاف اللاهوتيين والمدارس الفكرية الدينية فيما يولونه من أهمية لهذين العنصرين في الفهم المسيحي للطبيعة البشرية، فهما القطبان التوأمان اللذان يُكونان أي محاولة مسيحية لفهم لغز السلوك البشري على مستوى الأفراد والمجتمعات وحل طلاسمه.

ووفقًا لهذه النظرية فإننا نمتلئ حماسًا وإلهامًا بفضل رؤيتنا لله التي تجذبنا لأعلى، ولكننا في الوقت نفسه ننجذب لأسفل بسبب ضعف الطبيعة البشرية وسقوطها. وهو مأزق مألوف عَبَّر عنه بولس في إحدى فقرات الكتاب المقدس الشهيرة قائلاً: “لَستُ أَفعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَستُ أُرِيدُهُ فَإِيَاهُ أَفعَلُ.” (رو 19:7).

ومن هنا يتضح أننا من وجهة النظر المسيحية ندرك أن البشرية تتمتع بتطلعات وقدرات تفوق بكثير ما تسمح به معظم الأنظمة السياسية أو الفلسفية، وندرك في الوقت نفسه أنها تملكُ قدرة متساوية على العجز عن تحقيق هذه التطلعات.

وتساعدنا هذه النظرة على وضع إطار للصورة المعقدة للثقافة والتاريخ التي تتسم بالتطلع نحو العظمة والصلاح من ناحية، والظلم والعنف من ناحية أخرى. وقد علق الكثيرون على الغموض الرهيب الذي يكتنف التاريخ وتفنيده للنظريات الساذجة التي تقول بصلاح البشرية. وقد أشار الكثيرون أمثال “تِري إيجلتون” مؤخرًا إلى الجانب المظلم في الثقافة والتاريخ المعاصرين.

إن البشر باعتبارهم من المخلوقات يتمتعون بقدرة على فعل الصلاح، ولكن هذه القدرة تعادلها قدرة أخرى على فعل الشر. وإدراك هذا الغموض الشديد هو ما يساعدنا على التخلص من احلام المدينة الفاضلة المثالية في المجالات السياسية والاجتماعية التي تقوم على أحكام قيمية أيدولوجية ساذجة لم تخضع للتجربة. فالنظرة الساذجة للبشرية تُوَلد يوتوبيا سياسية حيث يفضي “التقدم” إلى كارثة، “ج.ر.ر. تولكين” J.R.R Tolkien  في نظرة ثاقبة للمستقبل سنة 1931 ليلة صعود النازية:

لن أسير مع عصوركم التقدمية

مع المغرورين والحكماء الذين يقودهم تقدمهم

إلى هوة مظلمة سحيقة تفتح فمها لاستقبالهم.[43]

خطوة للأمام:

درسنا في هذا الفصل أهمية إظهار “منطقية” الإيمان في العمل بالدفاعيات. فما من أحد يحب أن يعتنق إيمانًا غير منطقي. إلا أن بعض المسيحيين يرجحون أنه مادام بولس يتحدث عن الإنجيل باعتباره نوعًا من “الجهالة” التي تخزي معرفة العالَم وحكمته (كما في 1كو 18:1 مثلاً) فلا داعي لاستخدام الوسائل العقلانية للدفاع عن الإنجيل. إلا أنه من الواضح أن هذه النظرة تعكس خطأً في قراءة ما يشغل بولس في كنيسة كورنثوس من ناحية، وفهمهِ لدور “العقل” في الحياة المسيحية من ناحية أخرى.

لقد كانت المسائل التي تشغل بولس في كنيسة كورنثوس معقدة.[44] فالكنيسة كانت عرضة للتأثر بأشكال سابقة من الغنوصية التي كانت تقول بأن الأفراد يخلصون عن طريق معرفة سرية باطنية لا تتاح إلا للقلة. وكان البعض في كورنثوس يمجدون التحزلق الفكري ولم يكونوا مستعدين لقبول أي شئ يخلو منه أو أي نوع آخر من المعرفة الثقافية.

وبولس يرفض هذه الأفكار تمامًا ويصر أن الإنجيل لابد أن يؤخذ كما هو حتى لو كان يتعارض مع الفكر الثقافي السائد والمقبول في كورنثوس. فهو هنا يتحدى النظرية العلمانية للحكمة ولكنه لا يدعو للتخلي عن المنطق البشري.

وبولس يؤكد أننا نحن المسيحيين “لَنَا فِكرُ المَسِيحِ” “have the mind of Christ” (1كو 16:2) مميزًا بينه وبين غيره من منهجيات الحكمة التي سادت كورنثوس قبل دخول المسيحية. ويُعتبر “العقل المسيحي” “Christian mind” تركيبة عقلية متميزة من حيث إنه طريقة تفكير تتشكل وتزدهر بالإيمان المسيحي. فهو ليس سعيًا نحو الوصول إلى معرفة غريبة أو باطنية، ولا حالة من الغرور الإكاديمي، ولا انتكاسًا إلى عقلانية حركة التنوير التي سادت القرن الثامن عشر وفقدت مصداقيتها.

ولكنه السماح لنور المسيح أن يشرق على عقولنا حتى تتمكن قوة الله المغَيرة أن تجدد أذهاننا كما تجدد أرواحنا. إنه النتيجة التي يستحثها الله ويبغيها ونحن نسعى لخدمته في هذا العالم.

فكيف يعطي الإنجيل معنى للأشياء؟ كيف نفهم خطابه العميق الموجَّه لعقولنا ومشاعرنا وخيالنا وبحثنا عن المعنى وكيف نطبقه؟ سنستعرض في الفصل القادم ثمانية اتجاهات رئيسية في الدفاعيات يسهم كلٌّ منها بدور خاص في إفساح مجال للإنجيل في الثقافة المعاصرة.

لمزيد من الاطلاع:

Evans, C .Stephen. Natural Signs and Knowledge of God: A New Look at Theistic Arguments. New York: Oxford University Press, 2010

McGrathm, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville, Westminster John Knox, 2011

Morris, Thomas V., ed. God and the Philosophers: The Reconciliation of Faith and Reason. Oxford University Press, 1994.

Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: Harper San Francisco, 2006.

[1] C. S. Lewis, “Is Theology Poetry?” C. S. Lewis: Essay Collection (London: Harper-Collins, 2000), 21.

[2] Austin Farrer, “In His Image,” Remembering C. S. Lewis, ed. James T. Como (San Francisco: Ignatius Press, 2005), 344-45.

[3] Letter of 1949 to Edward Sackville-West, cited in Michael de-la-Noy, Eddy: The Life of Edward Sackville-West (London: Bodley Head, 1988), 237.

[4] See, for example, Alasdair MacIntyre, Whose Justice? Which Rationality? (London: Duckworth, 1988); Stephan Toulmin, Cosmopolis: The Hidden Agenda of Modernity New York: Free Press, 1990); John Gray, Enlightenment’s Wake: Politics and Culture at the Close of the Modern Age (London: Routledge, 1995).

[5] William James, “The Sentiment of Rationality,” The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy (New York: Longmans, Green, and Co., 1897), 63-110.

[6] See Michael J. Sandel, Justice: What’s the Right Thing to Do? New York: Farrer, Straus and Giroux, 2010).

[7] Stephan Toulmin, The Uses of Argument (Cambridge: Cambridge University Press, 1958), 183.

[8] MacIntyre, Whose Justice?, 6.

[9] Isaiah Berlin, Concepts and Categories: Philosophical Essays New York: Viking Press, 1979), 2-5, 161-62.

[10] Terry Eagleton, “Lunging Flailing, Mispunching: A Review of Richard Dawkins’s The God Delusion,” London Review of Books, October 19, 2006.

[11] Alvin Plantinga, God and Other Minds: A Study of the Rational Justification of Belief in God (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1990).

[12] Richard Rorty, “Pragmatism, Relativism, and Irrationalism,” Proceedings and Addresses of the American Philosophical Association 53 (1980): 719-38, quote at 730.

[13] Julia Kristeva, The Incredible Need to Believe (New York: Columbia University Press, 2009), 3.

[14] Christopher Hitchens, God Is Not Great: How Religion Poisons Everything (New York: Twelve, 2007), 5. For criticism of this approach, see Aloster McGrath, Why God Won’t Go Away: Is the New Atheism Running on Empty? Nashville: Thomas Nelson, 2011).

[15] C. S. Lewis, “On Obstinancy in Belief,” C. S. Essay Collection (London: Harper-

[16] Collins, 2000), 213-14. Jonathan Edwards, The Works of Jonathan Edwards, vol. (Edinburgh: Banner of Truth Trust, 1974), 290.

[17] Ibid.

[18] Austin Farrer, “The Christian Apologist,” Light on C. S. Lewis, ed. Jocelyn Gibb (London: Geoffrey Bles, 1965), 26.

[19] Ibid.

[20] Simone Weil, First and Last Notebooks London: Oxford University Press, 1970), 147.

[21] Brian Leftow, “From Jerusalem to Athens,” God and the Philosophers, ed. Thomas V. Morris (Oxford: Oxford University Press, 1994), 191.

[22] John Polkinghorne, Theology in the Context of Science (London: SPCK, 2008), 85-86.

[23] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 197.

[24] Richard Dawkins, River out Eden: A Darwinian View of Life London: Phoenix, 1995), 133.

[25] See, for example, Alvin Plantinga, “Reason and Belief in God,” Faith and Philosophy: Reason and Belief in God, ed. Alvin Plantinga and Nicholas Wolterstorff (Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1983), 16-93.

[26] Isaiah Berlin, The Cooked Timber of Humanity: Chapters in the History of Ideas (London: Pimkico, 2003), 208-13. The curious title of this important collection of essays reflect a famous dictum of Immanuel Kant: “Nothing straight was ever made out of the crooked timber of humanity.”

[27] See M. Neil Browne and Stuart M. Keeley, Asking the Right Questions: A Guide to Critical Thinking, 8th ed. (Upper Saddle River, NJ: Pearson Prentice Hall, 2007), 196.

[28] Charles S. Peirce, Collected Papers, vol. 5, ed. Charles Hartshome and Paul Weiss (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1960), 189. I reflect further on the importance of this approach in Alister E. McGrath, Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things (Louisville: Westminster John Knox), 2011.

[29] Ibid.

[30] The best studies are Paul Humphreys, The Chances of Explanation: Casual Explanation in the Social, Medical, and Physical Sciences (Princeton: Princeton University Press, 1989); and James Woodward, Making Things Happen: A Theory of Casual Explanation (Oxford: Oxford University Press, 2003).

[31] For a good discussion of Aquinas of this point, see William E. Carroll, “Divine Agency, Contemporary Physics, and the Autonomy of Nature,” Heythrop Journal 49 (2008): 582-602.

[32] Helge S. Kragh, Conceptions of Cosmos: From Myths to the Accelerating Universe: A History of Cosmology (Oxford: Oxford University Press, 2006).

[33] See especially Peter Lipton, Inference to the Best Explanation, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).

[34] Routledge, 2004). Richard Swinburne, The Existence of God, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).

[35] Michael Friedman, “Explanation and Scientific Understanding,” Journal of Philosophy 71 (1974): 5-19; Paul Kitcher, “Explanatory Unification and the Causal Structure of the World,” Scientific Explanation, ed. P. Kitcher and W. Salmon (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989), 410-505.

[36] For example, Margaret Morrison, Unifying Scientific Theories: Physical Concepts and Mathematical Structures (Cambridge: Cambridge University Press, 2000).

[37] Terry Eagleton, Reason, Faith, and Revolution: Reflections on the God Debate (New Haven: Yale University Press, 2009), 28.

[38] William S. Bainbridge and Rodney Stark, The Future of Religion: Secularization, Revival, and Cult Formation (Berkeley: University of California Press, 1985), 1.

[39] Richard Shweder, “Atheists Agonistes,” New York Times. November 27, 2006.

[40] Ibid.

[41] A point famously emphasized by Karl R. Popper, The Poverty of Historicism (London: Routledge & Kegan Paul, 1957).

[42] Eagleton, Reason, Faith, and Revolution, 87-98.

[43] J. R. R. Tolkien, “Mythopoeia,” Tree and Leaf (London: HarperCollins, 1992), 85-90; quote at p. 89.

[44] See especially Walter Schmithals, The Theology of the First Christians (Louisville: Westminster John Knox, 1997), 122-23, 146-51. See further Raymond Pickett, The Cross in Corinth: The Social Significance of the Death of Jesus (Sheffield, England: Sheffield Academic Press, 1997), 213-16; and Edward Adams and David G. Horrell, esd., Christianity at Corinth: The Quest for the Pauline Church (Louisville: Westminster John Knox, 2004).

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

لماذا يختبئ الله ولا يتكلم معي؟ James Bishop

لماذا يختبئ الله ولا يتكلم معي؟ James Bishop

لماذا يختبئ الله ولا يتكلم معي

يطرح الناس هذا السؤال لان الله لم يظهر لهم بالطريقة التي تناسب فكرهم .او بالمعني الصحيح التي يجب عليه ان يُظهر ذاته لهم بناءاً علي متطلباتهم .فلا يتساءل هؤلاء هذا السؤال لماذا ” ؟لماذا يتوجب علي الله الظهور لاي شخص بالطريقة التي يريدها الشخص نفسه؟ فهل الامر هو حقاً واجب علي الله ظهوره للناس بحسب الطلب والهوي؟ وهل الله لم يضع الكون ليشهد عن وجوده بشكل كافي .فكما يذكر الكتاب المقدس وضع العالم ليشهد عن الله ؟ فالاجابة علي هذا السؤال نقول نعم .فالامر ايضاً يتطلب ايمان ولا ينبغي ان نتجنب الناحية الايمانية ونتجاهلها .يوضح الكاتب والمبشر رافي زكرياس الاتي .

” جعل الرب العالم بشكل كافي لندركه ولنؤمن به وهو الشئ الاكثر منطقية . و تَرَك منه ما يجعل الحياة بالمنطق المُجرّد أو المُلاحظة وحدها مُستحيلاً.” (1)

فيسوع نفسه تكلم عن الشق الايماني في مرقس 10 : 52 , متي 17 : 20 . وكان يحزن حينما يجد القلوب الفاتره لديها نقص ايماني كما جاء في مرقس 6 : 5 . ويتكلم بولس الرسول ايضاً عن الايمان ويؤكد عليه رومية 1 : 17 . وايضاً يتكلم في موضع اخر بما قام به الله لنا من خلال يسوع .في رومية 10 : 10 .ففي الواقع لا يمكن فصل الايمان في الاعتقاد بالله . فبدون ايمان لا يمكن ارضاؤه كما جاء في عبرانين 11 : 6 .هذا هو السبب في لماذا الله لا يظهر ذاته لأولئك الذين يرغبون في ذلك . فالايمان هو السعي الي الله والدخول في علاقة حقيقية معه .

ثانياً الله غير مختفي بالفعل .هو يبدوا انه مخفي في الطريق الذي نتوقع منه وجوده .وعلينا ان نتذكر اننا نطرح هذا السؤال لان الانسان انفصل عن الله كما يخبرنا التكوين 3 : 17 وهذا نتيجة السقوط ومع ذلك كشف الله لنا عن نفسه من خلال يسوع الناصري .فيسوع يقف في قلب التاريخ ليراه الجميع .ففي الواقع خدمة يسوع تخضع للاستكشاف التاريخي والحقيق وهي لب ومنبع حقيقة المسيحية .يفسر لنا المؤرخ Jaroslav Pelikan هذا قائلاً :-

“بغض النظر عن أي شخص قد نعتقد او نفكر فيه .كان يسوع الشخصية الاكثر بروزاً في تاريخ الثقافة الغربية لما يقرب من عشرين قرناً .وايضاً التقويم وبجوار اسمة يلعنه كثيرين وبجواء اسمة يصلي ايضاً كثيرين “

وانا لا اعتقد ان هذا الامر ليس صدفة .فالله بالفعل وضع بصمته في التاريخ لنراه .واعتقد ان المرء قبل ان يذهب الي انكار الله ان يذهب ليري بصمت الله في التاريخ من خلال يسوع المسيح .

فالله منظور لنا في العالم المادي .كما جاء في رومية 1 : 20 لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات، قدرته السرمدية ولاهوته، حتى إنهم بلا عذر. كتب Fred Hoyle عالم الفلك الانجليزي الشهير ذات مره “

“A common sense interpretation of the facts suggests that a superintellect has monkeyed with physics, as well as with chemistry and biology, and that there are no blind forces worth speaking about in nature. The numbers one calculates from the facts seem to me so overwhelming as to put this conclusion almost beyond question”

“الحس السليم في شرح الوقائع يشير الي ان superintellect عله تتحكم بقوانين بالفيزياء بالتوازي مع الكمياء بالتوازي مع الاحياء.وانه لا توجد قوي عمياء تستحق ان نتحدث عنها في الطبيعة.الارقام والحسابات من ضمن الحقائق الهائله التي تجعل هذا الاستنتاج غير قابل للشك ” (2)أأيسيسييسي

 

فلم يكن هناك قوه عمياء تتحكم في الطبيعة واسفرت عن وجود هذا التصميم .ولا يوجد بديل لله ليفعل ..!َ

وبولس يخبرنا ان الله كشف لنا عن ذاته من خلال ضمائرنا كما جاء في رومية 2 : 15 الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبا في قلوبهم، شاهدا أيضا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة،ونحن نعلم جميعاً ان الضمير هو الاحساس الاخلاقي تجاه ما هو شر وما هو خير لذلك يعرف ب moral realism الواقعية الاخلاقية .علي الرغم ان بعض الناس تحاول ان تقتل ضمائرهم لانه في وجهة نظرهم يضعفهم في العالم.لكن ايضاً صورة الله انطبعت داخلنا لاننا علي صورته كما جاء في تكوين 1 : 17 ويوضح الفيلسوف ويليام كريج . ” انه في حاله عدم وجود الله لم يكون هناك معايير موضوعية للحق والباطل (3)

وتكلم الرب مع انبياءه بشكل واضح فلم تكن الصوره المادية هي المرجوه فقد تعامل الله مع شعب بني اسرائيل بما هو مادي فما ان تاخر موسي صنعوا العجل ليعبدوه ..! فليس المقياس الصوره المادية .

فيتسائل البعض لماذا لا يتكلم الله بصوت مسموع اليوم ؟

ذلك لان الله تحدث بالفعل عن طريق الوحي الكتابي فلدينا كلمات الله .والوحي قد اكتمل الآن ووصل الي ما وصل اليه .لكن هل لا يزال الله يتكلم ايضاً بعيداً عن الكتاب المقدس ؟ بالطبع يستطيع ان يحدث الينا من خلال روحة القدوس . واشهد انا علي هذه الحقيقة وساكتب عليها فيما بعد .وعلي اي الاحوال متي اراد الله واين اراد الله ان يتكلم هو امر يخص مشيئته.وايضاً الخطية لها دور مهم في هذا الموضوع فالشخص الغير تائب الواقع في الخطية لا يري الله فتكرار الخطايا تصيبة بالصمم وتبعد الانسان عن علاقة حقيقية مع الله .

وفي الختام نقول

ان الله تحدث من خلال وسائط متعدده الي البشرية في ملئها .” الكون المادي , الكتاب المقدس , الضمير الاخلاقي ” واكثر هذه الوسائل حسماً هو يسوع التاريخي .فعندما نشعر انه غير موجود وانه لا يهتم حينما نصلي بصدق له هذا استنتاج .لكن هو قريب فكما جاء في ارميا 29 : 13 وتطلبونني فتجدونني إذ تطلبونني بكل قلبكم .فالرب يتمم ما هو صالح حسب مشيئته. فالانسان يري الظلمة ولا يري النور في اوقات الاحتياج

واختم بمقوله فرانسوا فاريون

“اثنان يتميزان بالخساسة عندما يعطي الله فنمدحه وعندما يحجب الله فنسخط عليه “

المراجع

  1. Ravi Zacharias. 2004. The True Face of Atheism. p. 115.

  2. Hoyle, F. 1981. ‘The Universe: Past and Present Reflections’ in Engineering and Science. p. 8–12,
  3. Craig, W. Can We Be Good Without God
  4. Pelikan, J. Jesus through the Centuries.

GENESIS 1:1—How can the universe have a “beginning” when modern science says energy is eternal?

GENESIS 1:1—How can the universe have a “beginning” when modern science says energy is eternal?

PROBLEM: According to the First Law of Thermodynamics, “Energy can neither be created nor destroyed.” If this is so, then the universe must be eternal, since it is made of indestructible energy. However, the Bible indicates that the universe had a “beginning” and did not exist before God “created” it (Gen. 1:1). Is this not a contradiction between the Bible and science?

SOLUTION: There is a conflict of opinion here, but no real factual contradiction. The factual evidence indicates that the universe is not eternal, but that it did have a beginning just as the Bible says. Several observations are relevant here.
First of all, the First Law of Thermodynamics is often misstated to the effect that energy “cannot be created.” However, science is based on observation, and statements such as “can” or “cannot” are not based on observation, but are dogmatic pronouncements. The First Law should be stated like this: “[So far as we can observe] the amount of actual energy in the universe remains constant.” That is, as far as we know, the actual amount of energy in the universe is not decreasing or increasing. Stated this way, the First Law makes no pronouncement whatsoever about where energy came from, or how long it has been here. Thus, it does not contradict the Genesis declaration that God created the universe.
Second, another well-established scientific law is the Second Law of Thermodynamics. It states that “the amount of usable energy in the universe is decreasing.” According to this Law, the universe is running down. Its energy is being transformed into unusable heat. If this is so, then the universe is not eternal, since it would have run out of usable energy a long time ago. Or, to put it another way, if the universe is unwinding, then it was wound up. If it had an infinite amount of energy it would never run down. Therefore, the universe had a beginning, just as Genesis 1:1 says it did.

Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (27). Wheaton, Ill.: Victor Books.

How can the universe have a “beginning” when modern science

 

 

How can the universe have a “beginning” when modern science

says energy is eternal?

 

PROBLEM: According to the First Law of Thermodynamics, “Energy can neither be

created nor destroyed.” If this is so, then the universe must be eternal, since it is made

of indestructible energy. However, the Bible indicates that the universe had a

“beginning” and did not exist before God “created” it ( Gen. 1:1 ). Is this not a

contradiction between the Bible and science?

SOLUTION: There is a conflict of opinion here, but no real factual contradiction. The

factual evidence indicates that the universe is not eternal, but that it did have a

beginning just as the Bible says. Several observations are relevant here.

First of all, the First Law of Thermodynamics is often misstated to the effect that

energy “cannot be created.” However, science is based on observation, and statements

such as “can” or “cannot” are not based on observation, but are dogmatic

pronouncements. The First Law should be stated like this: “[So far as we can observe]

the amount of actual energy in the universe remains constant.” That is, as far as we

know, the actual amount of energy in the universe is not decreasing or increasing.

Stated this way, the First Law makes no pronouncement whatsoever about where

energy came from, or how long it has been here. Thus, it does not contradict the

Genesis declaration that God created the universe.

Second, another well-established scientific law is the Second Law of

Thermodynamics. It states that “the amount of usable energy in the universe is

decreasing.” According to this Law, the universe is running down. Its energy is being

transformed into unusable heat. If this is so, then the universe is not eternal, since it

would have run out of usable energy a long time ago. Or, to put it another way, if the

universe is unwinding, then it was wound up. If it had an infinite amount of energy it

would never run down. Therefore, the universe had a beginning, just as Genesis 1:1

says it did.

 

 

How Can One God Be Three?

How Can One God Be Three?

Speaking through the prophet Isaiah, God said, “My thoughts are not your thoughts, / Nor are your ways My ways … / For as the heavens are higher than the earth, / So are My ways higher than your ways, / And My thoughts than your thoughts” (Isa. 55:8–9). God is infinite, man is finite, so there are mysteries about God that man cannot fully understand. One of these mysteries is the Trinity, the tri-personality of God. According to Christian orthodoxy, God is one God in essence, power, and authority, and also eternally exists as three distinct co-equal persons. These three persons are the Father, the Son (Jesus), and the Holy Spirit. This does not mean that Christians believe in three gods (polytheism). Rather, the doctrine of the Trinity is that there is only one God who exists in three distinct persons, and all three share the exact same divine nature or essence.

Understanding this fully is beyond human comprehension and has no human parallels, although various analogies have been offered. One of these analogies is the three physical states of water. Water is not only a liquid but also a solid (ice) and a gas (vapor), yet its chemical composition (substance) never changes in all three forms (two parts hydrogen and one part oxygen—H2O). Although such analogies help us visualize the concept of the Trinity, they all fall short in some way. In the case of the water analogy, although the molecule H2O can be liquid, solid, or gas, it is never all three at one time. The Trinity, on the other hand, is all three persons as one God.

The word Trinity is not used in Scripture, but it has been adopted by theologians to summarize the biblical concept of God. Difficult as it is to understand, the Bible explicitly teaches the doctrine of the Trinity, and it deserves to be explained as clearly as possible, especially to non-Christians who find the concept a stumbling-block to belief. So let’s dig into this topic by addressing four key questions.

IS THE DOCTRINE OF THE TRINITY IRRATIONAL?

The doctrine of the Trinity is certainly a mystery but that doesn’t mean it’s irrational. The concept cannot be known by human reason apart from divine revelation, and, as we’ll soon see, the Bible definitely supports the idea of the Trinity. But for now, I want to demonstrate that the doctrine of the Trinity, although beyond human comprehension, is nevertheless rational. Our acceptance of it is congruous with how we respond to other data about the known world.

There are many things about the universe we don’t understand today and yet accept at face value simply because of the preponderance of evidence supporting their existence. The scientific method demands that empirical evidence be accepted whether or not science understands why it exists or how it operates. The scientific method does not require that all data be explained before it is accepted.

Contemporary physics, for instance, has discovered an apparent paradox in the nature of light. Depending on what kind of test one applies (both of them “equally sound”), light appears as either undulatory (wave-like) or corpuscular (particle-like). This is a problem. Light particles have mass, while light waves do not. How can light have mass and not have it, apparently at the same time? Scientists can’t yet explain this phenomenon, but neither do they reject one form of light in favor of the other, nor do they reject that light exists at all. Instead, they accept what they’ve found based on the evidence and press on.

Like physicists, we are no more able to explain the mechanics of the Trinity than they can explain the apparent paradox in the nature of light. In both cases, the evidence is clear that each exists and harbors mystery. So we must simply accept the facts and move on. Just because we cannot explain the Trinity, how it can exist, or how it operates does not mean that the doctrine must be rejected, so long as sufficient evidence exists for its reality. So let’s now explore this evidence.

HOW DOES THE BIBLE PRESENT THE DOCTRINE OF THE TRINITY?

THE OLD TESTAMENT

Although the doctrine of the Trinity is fully revealed in the New Testament, its roots can be found in the Old Testament.

In several places, God refers to Himself in plural terms. For example, “Then God said, ‘Let Us make man in Our image’” (Gen. 1:26; see 3:22; 11:7; Isa. 6:8).

The Messiah was prophesied in the Old Testament as being divine. Isaiah 9:6 states that the Messiah will be called “Mighty God,” a term applied in the Old Testament specifically to Yahweh (see Mic. 5:2).

Isaiah 48:16 refers to all three members of the Godhead: “Come near to Me, listen to this: From the first I have not spoken in secret, from the time it took place, I was there. And now the Lord God [Father] has sent Me [Jesus], and His Spirit [the Holy Spirit]” (nasv).

The Old Testament also makes numerous references to the Holy Spirit in contexts conveying His deity (Gen. 1:2; Neh. 9:20; Ps. 139:7; Isa. 63:10–14).

THE NEW TESTAMENT

The New Testament provides the most extensive and clear material on the Trinity. Here are just a few of the texts that mention all three members of the Godhead and imply their co-equal status.

•     Matthew 28:19, the baptismal formula: “Go therefore and make disciples of all the nations, baptizing them in the name [not ‘names’] of the Father and of the Son and of the Holy Spirit.”

•     Matthew 3:16, at the baptism of Christ in the Jordan: “And after being baptized, Jesus went up immediately from the water; and behold, the heavens were opened, and He saw the Spirit [Holy Spirit] of God [Father] descending as a dove, and coming upon Him [Jesus]” (nasv).

•     Luke 1:35, the prophetic announcement to Mary of Jesus’ birth: “And the angel answered and said to her, ‘The Holy Spirit will come upon you, and the power of the Highest [Father] will overshadow you; therefore, also, that Holy One who is to be born will be called the Son of God [Jesus].’”

•     The trinitarian formula is also found in 1 Peter 1:2, 2 Corinthians 13:14, and 1 Corinthians 12:4–6.

DIGGING DEEPER

To explain the doctrine of the Trinity, I will take an inductive (scientific) approach. By this I mean I will accumulate general facts in Scripture that lead to a specific conclusion—that the nature of God is triune. The argument will go like this:

1. The Bible teaches that God is one (monotheism) and that He possesses certain attributes that only God can have.

2. Yet when we study the attributes of the Father, the Son, and the Holy Spirit, we discover that all three possess the identical attributes of deity.

3. Thus we can conclude that there is one God eternally existing as three distinct persons.

God Is One (Monotheism)

The Hebrew Shema of the Old Testament is “Hear, O Israel: The Lord our God, the Lord is one!” (Deut. 6:4; see Isa. 43:10; 44:6; 46:9). Some people have argued that this passage actually refutes the concept of the triune nature of God because it states that God is one. But the Hebrew word for “one” in this text is echod, which carries the meaning of unity in plurality. It is the same word used to describe Adam and Eve becoming “one flesh” (Gen. 2:24). Scripture is not affirming that Adam and Eve literally become one person upon marriage. Rather, they are distinct persons who unite in a permanent relationship.

The New Testament confirms the teaching of the Old: “You believe that God is one. You do well; the demons also believe, and shudder” (James 2:19, nasv; see 1 Tim. 2:5; 1 Cor. 8:4; Eph. 4:4–6).

God Has a Certain Nature

Both the Old and New Testaments list the attributes of God. We won’t consider all of them here, but what follows are some of the clearest expressions of what constitutes deity.

•     God is omnipresent (present everywhere at once): Psalm 139:7–10; Jeremiah 23:23–24.

•     God is omniscient (possesses infinite knowledge): Psalms 139:1–4; 147:4–5; Hebrews 4:13; 1 John 3:20.

•     God is omnipotent (all-powerful): Psalm 139:13–18; Jeremiah 32:17; Matthew 19:26.

The Father Is God

To the Jews, who do not accept the Trinity, God is Yahweh. In the Old Testament, Yahweh is to the Hebrews what Father is in the New Testament and to Christians. The attributes of God (Yahweh) listed above are the same for Yahweh and Father because both names apply to the one God. Although the concept of God as Father is not as explicit in the Old Testament as it is in the New, nevertheless, it has its roots in the Old (see Pss. 89:26; 68:5; 103:13; Prov. 3:12).

In the New Testament, the concept of the Father as a distinct person in the Godhead becomes clear (Mark 14:36; 1 Cor. 8:6; Gal. 1:1; Phil. 2:11; 1 Pet. 1:2; 2 Pet. 1:17). God is viewed as Father over creation (Acts 17:24–29), the nation of Israel (Rom. 9:4; see Exod. 4:22), the Lord Jesus Christ (Matt. 3:17), and all who believe in Jesus as Lord and Savior (Gal. 3:26).

The Son Is God

Like the Father, Jesus possesses the attributes of God. He is omnipresent (Matt. 18:20; 28:20). He is also omniscient: He knows people’s thoughts (Matt. 12:25), their secrets (John 4:29), the future (Matt. 24:24–25), indeed all things (John 16:30; 21:17). His omnipotence is also taught. He has all power over creation (John 1:3; Col. 1:16), death (John 5:25–29; 6:39), nature (Mark 4:41; Matt. 21:19), demons (Mark 5:11–15), and diseases (Luke 4:38–41).

In addition to these characteristics, Jesus exhibits other attributes that the Bible acknowledges as belonging only to God. For example, He preexisted with the Father from all eternity (John 1:1–2), accepted worship (Matt. 14:33), forgave sins (Matt. 9:2), and was sinless (John 8:46).

The Holy Spirit Is God

The Holy Spirit is also omnipresent (Ps. 139:7–10), omniscient (1 Cor. 2:10), and omnipotent (Luke 1:35; Job 33:4).

Like Jesus, the Holy Spirit exhibits other divine attributes that the Bible ascribes to God. For instance, He was involved in creation (Gen. 1:2; Ps. 104:30), inspired the authorship of the Bible (2 Pet. 1:21), raised people from the dead (Rom. 8:11), and is called God (Acts 5:3–4).

The upshot of all this is that God is triune. In a formal argument, we can put it this way:

Major Premise:

Only God is omnipresent, omniscient, and omnipotent.

Minor Premise:

The Father, the Son, and the Holy Spirit are omnipresent, omniscient, and omnipotent.

Conclusion:

Therefore, God is triune as Father, Son, and Holy Spirit.

THE TRINITY

HOW DOES JESUS TEACH THE DOCTRINE OF THE TRINITY?

In the Bible, Jesus claims to be God and then demonstrates this claim by displaying the attributes of God and by raising Himself from the dead. So what Jesus has to say about God must be true. And Jesus clearly teaches that God is triune.

Jesus Is Equal with the Father and Holy Spirit

In Matthew 28:19, Jesus tells His followers to “make disciples of all the nations, baptizing them in the name of the Father and of the Son and of the Holy Spirit.” He uses the singular word name but associates it with three persons. The implication is that the one God is eternally three co-equal persons—Father, Son, and Holy Spirit.

Jesus Is One with the Father

In John 14:7 and 9, Jesus identifies Himself with the Father by saying to His disciples, “If you had known Me, you would have known My Father also; and from now on you know Him and have seen Him … He who has seen Me has seen the Father” (see John 5:18). Jesus is not claiming to be the Father; rather, He is saying that He is one with the Father in essence.

Jesus Is One with the Holy Spirit

Continuing in John 14, Jesus tells His disciples that, after He is gone, He will send them “another Helper” who will be with them forever and will indwell them (vv. 16–17). The “Helper” is the Holy Spirit. The trinitarian implication lies with the word another. The apostle John, as he wrote this passage, could have chosen one of two Greek words for another. Heteros denotes “another of a different kind,” while allos denotes “another of the same kind as myself.” The word chosen by John was allos, clearly linking Jesus in substance with the Holy Spirit, just as He is linked in substance with the Father in verses 7 and 9. In other words, the coming Holy Spirit will be a different person than Jesus, but He will be the same with Him in divine essence just as Jesus and the Father are different persons but one in their essential nature. Thus, in this passage, Jesus teaches the doctrine of the Trinity.

So far we have seen that the authors of Scripture and Jesus Christ teach the triune nature of God. Therefore, the only way the doctrine of the Trinity can be rejected is if one refuses to accept the biblical evidence. Some groups, such as the Jehovah’s Witnesses, do this by reinterpreting and altering Scripture. Others, such as the Unitarians (who claim that Jesus is just a man), arbitrarily and without any evidence deny anything supernatural or miraculous in the Bible. Both the Jehovah’s Witnesses and the Unitarians are guilty of the very same thing of which they accuse Christians—irrationality. They refuse to accept the evidence for the Trinity regardless of how legitimate it is. This is unscientific and irrational. If one approaches Scripture without bias, he will clearly discover what the church has maintained for centuries: God is triune—one God in essence but eternally existing in three persons as Father, Son, and Holy Spirit.

A COMMON OBJECTION

Perhaps you’ve wondered or heard someone say, “If Jesus is one in essence with the Father, an equal member of the triune Godhead, why does He say, ‘the Father is greater than I’” (John 14:28)? This question actually moves away from the doctrine of the Trinity and launches us into the doctrine of the incarnation, the process whereby Jesus, as the eternal Son of God, came to earth as man. Nevertheless, because this question is frequently raised as an objection, it needs to be answered.

Numerous passages in Scripture teach that Jesus, although fully God, is also fully man (John 1:14; Rom. 8:3; Col. 2:9; 1 Tim. 3:16). However, Philippians 2:5–8 states that, in the process of taking on humanity, Jesus did not give up any of His divine attributes. Rather, He gave up His divine glory (see John 17:5) and voluntarily chose to withhold or restrain the full use of His divine attributes. There are numerous instances in Scripture where Jesus, although in human form, exhibits the attributes of deity. If Jesus had surrendered any of His divine attributes when He came to earth, He would not have been fully God and thus could not have revealed the Father as He claimed to do (John 14:7, 9).

The key to understanding passages such as John 14:28 is that Jesus, like the Father and the Holy Spirit, has a particular position in the triune Godhead. Jesus is called the Son of God, not as an expression of physical birth, but as an expression of His position in relationship to the Father and Holy Spirit. This in no way distracts from His equality with the Father and the Holy Spirit or with His membership in the Godhead. As man, Jesus submits to the Father and acts in accordance to the Father’s will (see John 5:19, 30; 6:38; 8:28). So when we read passages such as Mark 14:36 where Jesus submits to the Father’s will, His submission has nothing to do with His divine essence, power, or authority, only with His position as the Incarnate Son.

Perhaps an illustration will help to explain this. Three people decide to pool their money equally and start a corporation. Each are equal owners of the corporation, but one owner becomes president, another vice-president, and the third secretary/treasurer. Each are completely equal so far as ownership, yet each has his own particular function to perform within the corporation. The president is the corporate head, and the vice-president and secretary/treasurer are submissive to his authority and carry out his bidding.

So when Jesus the God-man submits to the Father’s will or states that the Father is greater than He or that certain facts are known only by the Father (e.g., Matt. 24:36), it does not mean that He is less than the other members of the Godhead but that in His incarnate state He did and knew only that which was according to the Father’s will. The Father did not will that Jesus have certain knowledge while in human form. Because Jesus voluntarily restrained the full use of His divine attributes, He was submissive to the Father’s will.

Why did Jesus choose to hold back from fully using His divine powers? For our sake. God willed that Jesus feel the full weight of man’s sin and its consequences. Because Jesus was fully man, He could fulfill the requirements of an acceptable sacrifice for our sins. Only a man could die for the sins of mankind. Only a sinless man could be an acceptable sacrifice to God. And it is only because Jesus is an equal member of the triune Godhead, and thus fully God, that He was able to raise Himself from the dead after dying on the cross and thereby guarantee our eternal life.

When all the evidence is accounted for and the verdict read, the Bible clearly teaches that the Father, the Son, and the Holy Spirit are three distinct, co-equal, co-eternal members of the Godhead, yet one in essence, power, and authority. All three are one God. Were this not the case, if the Trinity were not a reality, there would be no Christianity.

[1]

 

 

[1]Story, D. (1997). Defending your faith. Originally published: Nashville : T. Nelson, c1992. (99). Grand Rapids, MI: Kregel Publications.

Using Inference to the Best Explantion: What Caused the Birth of Christology?

Using Inference to the Best Explantion: What Caused the Birth of Christology?

Using Inference to the Best Explantion: What Caused the Birth of Christology?
 
Anyone who studies historical method is familiar with what is called historical causation. Historians seek out the causes of a certain events. As historian Paul Barnett says, “The birth of Christianity and the birth of Christology are inseparable both as to time and essence.” (1) One thing for sure: the birth of Christology was very early and not something that was invented much later in Church history.

We must not forget that within Judaism there is a term called “avodah zara” which is defined as the formal recognition or worship as God of an entity that is in fact not God i.e., idolatry. In other words, the acceptance of a non-divine entity as your deity is a form of avodah zara. (2) As of today, traditional or Orthodox Judaism still upholds the position that Jewish people are forbidden to pray and worship anyone other than the God of Israel (Ex. 20:1–5; Deut. 5:6–9).

Paul’s Letters are the earliest records we have for the life of Jesus. We know that from about AD 48 until his death (60 to 65 AD) Paul wrote at least 13 of the New Testament’s books. They are also the earliest letters we have for the Christology of Jesus. To read any objections to Paul’s Letters, see here.

As pointed out by Richard Bauckham in his work on this topic, Paul believed that Jesus was God by attributing attributes to him that were distinctly reserved for God. And he did so in a distinctly Jewish manner while also preserving monotheism. There were three attributes that first century Jews uniquely assigned to God:

1. God is the Sole Ruler of all things

2. God is the Sole Creator of all things

3. God is the only being deserving of worship

So let’s look at how Paul matches up the data here:

1. Jesus participates in God’s sole rule over all things

Phil: 3:20-21: “For our citizenship is in heaven, from which also we eagerly wait for a Savior, the Lord Jesus Christ; who will transform the body of our humble state into conformity with the body of His glory, by the exertion of the power that He has even to subject all things to Himself.”

Eph. 1:21-22: Paul speaks of Jesus being ”far above all rule and authority and power and dominion, and every name that is named, not only in this age but also in the one to come. And He put all things in subjection under His feet…”

Here, Jesus is clearly given the authority to rule above every one of God’s created beings.

2. Jesus as the Creator of all things

Jesus is clearly thought by Paul to have been the creator of the universe. This attribute is reserved only to God in Second Temple Judaism. Paul makes it clear that Jesus created all things.

Col. 1:15-16: “He is the image of the invisible God, the firstborn over all creation. For by him all things were created: things in heaven and on earth, visible and invisible, whether thrones or powers or rulers or authorities; all things were created by him and for him.”

3. Jesus as worthy of worship

As discussed above, only God was worthy of worship in Second Temple Judaism. Nevertheless, Paul discusses the worship of Jesus. Since God is the sole Creator and Ruler of all things He alone should be worshiped. Even within the Roman Empire, Jews worshiped God alone. No other entity was worthy of worship. Here is one of the earliest Christological texts:

Philippians 2:6-11: “Who, being in very nature God, did not consider equality with God something to be grasped, but made himself nothing, taking the very nature of a servant, being made in human likeness. And being found in appearance as a man, he humbled himself and became obedient to death even death on a cross! Therefore God exalted him to the highest place and gave him the name that is above every name, that at the name of Jesus every knee should bow, in heaven and on earth and under the earth, and every tongue confess that Jesus Christ is Lord, to the glory of God the Father.”

In their book The Jesus Legend, The: A Case for the Historical Reliability of the Synoptic Jesus Tradition, Gregory Boyd and Paul Eddy say,

“During the reign of Pilate and Herod, when Caiaphas was high priest, we find a Jewish movement arising that worships a recent contemporary alongside and in a similar manner as Yahweh-God. To call this development “novel” is a significant understatement. In truth, it constitutes nothing less than a massive paradigm shift in the first century Palestinian Jewish religious worldview.” (3)

Explanations try to show how something happened. That is, what is the cause for something that has happened. So let’s weight the options on the table and see if we can come up with an explanation that explains the data at hand:

#1: Religious Syncretism

While there were various Jewish sects during the time of Jesus, religious syncretism is a form of idolatry. First, the Jewish Scriptures forbids worshiping anyone other than the God of Israel (Ex. 20:1–5; Deut. 5:6–9). Following the exile and subsequent intertestamental struggles, it can asked whether Jews still fell prey to physical idolatry. Some skeptics assert that since Israel always had problems with idolatry in their early formation, it would not be a challenge to assert they could fall into idolatry again by worshiping one of their own countrymen as God. But this is problematic; To assert that Israel’s previous problems with idolatry which would lead to further into idolatry in the Second Temple period leads me to cry “anachronism.” Remember, idolatry is rarely mentioned in the Gospels. But there are warnings about idolatry in other portions of the New Testament( 1 Cor. 6:9-10 ; Gal 5:20 ; Eph. 5:5 ; Col 3:5 ; 1 Peter 4:3 ; Rev 21:8). Paul instructs believers not to associate with idolaters ( 1 Cor .5:11 ; 10:14 ) and even commends the Thessalonian for their turning from the service of idols “to serve the living and true God” ( 1 Thess1:9) (see Walter A. Elwell’s Baker’s Evangelical Dictionary of Biblical Theology, pgs 364-365). So I guess my question is the following: Why would Paul or the early disciples commit an idolatrous act (by saying Jesus is divine) and but then later speak against idolatry? It seems rather inconsistent.

#2 Hellenism or Polytheism?

The syncretism objection is related to the Hellenism/Polytheism possibility. The first followers of Jesus were exclusively Jews. The book of Acts gives a reference to the early followers of Jesus as “the sect of Nazarenes” (Acts 24:5). However, it is asserted that as the Christian faith spread, it became a predominately Gentile based religion. By the time of Jesus, Jews had encountered the impact of Hellenistic culture for three hundred years. The word “Hellenistic” was given to describe the period of history that started with the death of Alexander the Great in 323 B.C. and ended when Rome conquered Alexander’s empire in 30 B.C .It is also safe to say that several forms of Jewish culture during the Roman period were somewhat Hellenized. This is why it is often argued that the incarnation grew out of Hellenistic presuppositions. But as Paul Eddy points out in his articleWas Christianity Corrupted by Hellenism? from the middle of the third century BC, while Jewish Palestine had already experienced the effects of Hellenism we need to remember that Hellenism did not tend to infiltrate and ‘corrupt’ the local religious traditions of the ancient world. Rather, people maintained their religious traditions in spite of Hellenistic influence in other areas of their lives. Also, there are also references to the negative views of gentile polytheism (Acts 17: 22-23; 1 Cor 8:5). Gentiles were regarded as both sinful (Gal 2:5) and idolatrous (Rom 1:23).

#3: The Deity of Jesus is Legend?

As I already said, the earliest documents for the Christology of Jesus are Paul’s Letters. In them, we have one of the earliest confessions of the deity of Jesus in 1 Corinthians 8: 5-6:

“For though there are things that are called gods, whether in the heavens or on earth; as there are many gods and many lords; yet to us there is one God, the Father, of whom are all things, and we for him; and one Lord, Jesus Christ, through whom are all things, and we live through him.”

Here is a distinct echo of the Shema, a creed that every Jew would have memorized from a very early age. When we read Deuteronomy 6:4-9, which says, “Hear O Israel! The Lord our God is our God, the Lord is one,” Paul ends up doing something extremely significant in the history of Judaism.

A glance at the entire context of the passage in 1 Corinthians 8:5-6 shows that according to Paul’s inspired understanding, Jesus receives the “name above all names,” the name God revealed as his own, the name of the Lord. In giving a reformulation of the Shema, Paul still affirms the existence of the one God, but what is unique is that somehow this one God now includes the one Lord, Jesus the Messiah. Therefore, Paul’s understanding of this passage begets no indication of abandoning Jewish monotheism in place of paganism.

For a Jewish person, when the title “Lord” (Heb. Adonai) was used in place of the divine name YHWH, this was the highest designation a Jewish person could use for deity. Furthermore, it would have been no problem to confess Jesus as prophet, priest, or king since these offices already existed in the Hebrew Bible. After all, these titles were used for a human being. There was nothing divine about them.

#4: The Christology of Jesus can be explained by the disciples experience with Jesus before the resurrection and the post-resurrection appearances

I have already pointed out that the resurrection of Jesus is the best explanation for many historical issues within the New Testament.. So at this point, I would have to assume that skeptics can only say that the birth of Christology is simply false because of their metaphysical starting points (e.g., Jesus can’t be divine because the natural world is all there is, etc).

For those that are still hung up on the reliability of the New Testament, see our resource page.

Sources:
1. 1. Paul Barnett, The Birth of Christianity: The First Twenty Years (Grand Rapids: Wm. B. Eerdmans Publishing Co. 2005), 8.

2. David Berger, The Rebbe, The Messiah And The Scandal Of Orthodox Difference, 160-174.

3. Gregory A. Boyd and Paul R. Eddy, The Jesus Legend: A Case For The Historical Reliability of the Synoptic Tradition (Grand Rapids: MI: Baker Books, 2007), 132.

Exit mobile version