هل خلال الفترة من القرن الأول الميلادي (زمن السيد المسيح) إلى القرن السابع الميلادي (كتابة القرآن) عاش أناس قديسون أتقياء، آمنوا بالتوراة والإنجيل الصحيحان؟

 316- هل خلال الفترة من القرن الأول الميلادي (زمن السيد المسيح) إلى القرن السابع الميلادي (كتابة القرآن) عاش أناس قديسون أتقياء، آمنوا بالتوراة والإنجيل الصحيحان؟

ج:

1- أشاد القرآن بالمسيحيين أتباع السيد المسيح فقال ” وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين أتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها وما كتبناها عليهم..” (سورة الحديد 27) لقد صار أتباع السيد المسيح ذوي رأفة ورحمة لإيمانهم بكتابهم المقدَّس الصحيح، وظل هذا الوضع ساريًا حتى ظهور الرهبنة في القرن الرابع الميلادي، والتي لم يوافق عليها الإسلام.

2- ذكر القرآن قصة أهل الكهف ” إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا.. ولبثوا في كهفهم ثلاثة مائة سنين وازدادوا تسعًا” (سورة الكهف 10، 25) وقال الأستاذ توفيق الحكيم في قصة أهل الكهف أنهم كانوا مسيحيون، وفعلًا كانوا هكذا، وهم من أهل أفسس (تركيا الآن) عام 450 م. أي في القرن الخامس الميلادي، وقد آمنوا بكتاب صحيح تمامًا.

3- في القرن السادس الميلادي استشهد كثير من مسيحي اليمن وأشاد بهم القرآن فقال ” قُتل أصحاب الأخدود. النار ذات الوقود- إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وما نقموا منهم إلاَّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. الذي له مُلك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد” (سورة البرج 4-9) فكون القرآن يصفهم بالمؤمنين، فهذا دليل قاطع على إيمانهم بكتاب صحيح لم يتعرَّض للتحريف.

أليست هذه أدلة كافية وواضحة وصريحة، وقاطعة وحاسمة على أن التوراة والإنجيل كانا صحيحان تمامًا خلال الفترة من القرن الأول للقرن السابع الميلادي؟!

 

هل خلال الفترة من القرن الأول الميلادي (زمن السيد المسيح) إلى القرن السابع الميلادي (كتابة القرآن) عاش أناس قديسون أتقياء، آمنوا بالتوراة والإنجيل الصحيحان؟

هل كانت التوراة في زمن السيد المسيح له المجد صحيحة؟

 315- هل كانت التوراة في زمن السيد المسيح له المجد صحيحة؟

جطبقًا لما جاء في القرآن نجد أن التوراة صحيحة تمامًا في زمن السيد المسيح بدليل:

1- قول الله “يا يحيى خذ الكتاب بقوة وأتيناه بحكم صبيًا” (مريم 12) فيحيى هو يوحنا المعمدان الذي عاصر السيد المسيح، والمقصود بالكتاب العهد القديم، وكون الله يأمر يوحنا المعمدان بأن يأخذ الكتاب بقوة، فذلك لأن الكتاب صحيح وخالي تمامًا من أي تحريف. أما لو كان الكتاب أصابه التحريف لأمر الله يوحنا بالابتعاد عنه.

2- قال الله ” مريم ابنة عمران.. صدقت بكلمات ربها وكتبه” (التحريم 12) ومريم هي القديسة العذراء مريم أم السيد المسيح له المجد، وقد مدح القرآن مريم لأنها آمنت وصدقت بكلمات الله المدوَّنة في أسفار العهد القديم، ولو كانت العذراء مريم تعتقد بكتب محرَّفه، ما كان القرآن يشيد بها وبتصديقها هذه الكتب.

3- قال القرآن عن السيد المسيح ” ويُعلّمه (الله) الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل” (آل عمران 48) فبحسب هذا النص نجد أن الله يُعلّم السيد المسيح التوراة التي دونها أنبياء العهد القديم. أما لو كانت هذه التوراة قد تعرضت لشيء من التحريف، فأظن أنه الله سيلفظها، ولا يعلمها لأحد قط.

4- صرح السيد المسيح بأن الله صدق على التوراة التي كانت في ذاك الزمان، فجاء في القرآن ” ومُصدّقًا لما بين يديَّ من التوراة” (آل عمران 50).. ” وقفينا على أثارهم بعيسى ابن مريم مُصدّقًا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومًصدّقًا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين.. وإذ علمتك الكتاب والحكمة والإنجيل” (المائدة 46، 110) فلو كانت التوراة في زمن المسيح قد تعرضت للتحريف، فهل كان الله يُصدّق على هذا التحريف؟ ولو صدَّق الله على توراة مُحرَّفة وكلام مغشوش ألا يضل بهذا الناس ويعرضهم للهلاك..؟! حقًا إن الله لا يشاء هلاك الخاطئ، بل يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون.

5- ويعترف الدكتور أحمد حجازي السقا أستاذ مقارنة الأديان بجامعة الأزهر بأن التوراة التي كانت أيام عزرا هي هي الموجودة بين أيدينا اليوم فيقول ” ثم أن التوراة العبرانية -التي كتبها عزرا- تُرجمت إلى اللغة اليونانية في القرن الثالث قبل ميلاد عيسى عليه السلام. وانتشرت التوراة في العالم بجميع اللغات. ولم يحدث تغيير لفظي في توراة موسى، يذكر في ذلك الزمان إلى هذا اليوم(1).

أليست هذه أدلة كافية وواضحة وصريحة، وقاطعة وحاسمة، على أن التوراة في زمن السيد المسيح له المجد كانت صحيحة تمامًا تمامًا تمامًا؟!

_____

(1) نقد التوراة ص 182.

هل كانت التوراة في زمن السيد المسيح له المجد صحيحة؟

هل الكتابة كانت قد عُرفت في زمن موسى النبي؟

 309- هل الكتابة كانت قد عُرفت في زمن موسى النبي؟

ج:

1- سبق الإجابة على هذا السؤال(1) ونود إضافة الآتي:

1- في سنة 1902م تم اكتشاف شريعة حمورابي في موقع ” سوسا ” القديمة محفورة على أحجار، ويرجع تاريخها إلى الفترة من 2000 – 1700 ق.م..

ويقول ” سدني كوللت ” في كتابه(2) “من يزور المتحف البريطاني سيرى بنفسه ألواح ” تل العمارنة ” التي تحتوي على نصوص بكتابة يرجع تاريخها إلى ما قبل زمن موسى بنحو 100 سنة، وليس هذا فقط، بل في المتحف البريطاني أيضًا نسخة (أصلها موجود بمتحف اللوفر بباريس) من حجر أسود ضخم ارتفاعه ثمانية أقدام اكتشفه مستر ” مورجان ” في ” سوسا ” في ديسمبر 1901م، وهي تحتوي على القوانين المكتوبة للملك ” حمورابي ” الذي عاش قبل موسى بنحو 500 سنة، ومن المحتمل أنه كان معاصرًا لإبراهيم. ولعله ” أمرافل ” الذي كان يحكم ” شنعار” (تك 14: 1) بل وهناك أيضًا كتابة قدماء المصريين بالنقش على حجارة مقابرهم ومعابدهم، كما في الأهرامات التي يرجع تاريخها إلى ما قبل إبراهيم بمئات السنين”(3).

وبينما سخر ” فون بوهلن ” من فكرة أن الآباء البطاركة الذي يمثلون جماعة من البدو يعرفون الشرائع فإن دكتور ” درايفر ” يقول ” لا ينكر أحد أن الآباء كانوا يعرفون فن الكتابة”(4).

2- في سنة 1925م تم اكتشاف نحو 4000 لوح مكتوب عليه في منطقة ” نوزي ” بالقرب من نينوى القديمة، ويرجع تاريخ هذه الألواح إلى 1500 – 1400 ق.م.، ولنا عودة لهذه الاكتشافات في الفصل الأول من هذا الكتاب.

3- في سنة 1929م تم اكتشاف ألواح في منطقة ” أوغاريت ” في الساحل السوري الشمالي مدوَّن عليها كتابات بأسلوب شعري يشبه ما سجلته التوراة في ترنيمة مريم (خر 15) وترنيمة دبوره (قض 5) ويرجع زمن تاريخ كتابتها إلى القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد، وقد عُرفت خمسة أشكال للكتابة في بلاد الرافدين، ففي مدينة ” إبلا ” التي تبعد 40 كم عن حلب استعملت الكتابة سنة 2400 ق.م.، ويقول الخوري بولس الفغالي ” أبرزت اكتشافات رأس شمرا (أوغاريت) ورأس ابن هاني على الشاطئ السوري الشمالي كتابات مدوَّنة على خمسة أشكال: المسمارية الآشورية البابلية، المسمارية الأبجدية، الهيروغليفية الحثية، الهيروغليفية المصرية، الكتابة القبرصية المينوية (أو الكريتية) وهذه الكتابات تنقل إلينا لغات: السومرية، الأكادية، الأوغاريتية، الحثية، الحورية، المصرية، القبرصية المنيوية.. تعود هذه الكتابات إلى القرنين الرابع عشر والثالث عشر ق.م.. والكتابة المستعملة لهذه اللغة السامية الغربية هي الأوغاريتية وهي أبجدية مسمارية Cuneiform تتضمن 30 علامة: 28 حرفًا صامتًا و2 حرف مصوَّته (أ، و، ي)”(5).

4- في سنة 1933م تم اكتشاف حفريات في منطقة ” ماري ” في سوريا حيث وجدت آلاف الألواح، مدوَّن عليها بالخط المسماري، ويرجع تاريخها إلى 1700 ق.م.، وفي سنة 1974م تم اكتشاف أكثر من 17 ألف لوح في نفس منطقة ” ماري ” يرجع تاريخها إلى سنة 220 ق.م.، ولنا عودة أيضًا لهذه الاكتشافات في الباب الأول.

5- هناك المسلة المصرية المقامة في ميدان الكونكور بباريس مدوَّن عليها كتابات باللغة الهيروغليفية، وترجع إلى عصر رمسيس الثاني.

6- جاء في جريدة الأخبار(6) نقلًا عن وكالة الأنباء (أ. ش. أ).. ” أكتشف علماء المصريات أثناء اقتفائهم أثر طريق قديم في الصحراء الواقعة غربي نهر النيل نقوشًا على حجر جيري يقولون أنها نماذج للكتابة من الألف بائية – الأبجدية، حيث كان الجنود وحملة الرسائل والتجار يسافرون من طيبة إلى أبيدوس، عبر هذا الطريق، ومن المتوقع أن يساعد الكشف في تحديد زمان ومكان أصل الأبجدية، التي تعد أول تجليات الحضارة، وقد قُدّر تاريخ الكتابة التي حُفرت في صخور غير صلدة بأحرف سامية تحمل تأثيرات مصرية بأنها فيما بين سنة 1900، 1800 ق.م. قبل الاستخدامات المعترف بها سابقًا لأبجدية وليدة بفترة تتراوح بين قرنين وثلاثة قرون، ويقول العلماء أن أول تجارب الأبجدية فيما يبدو، أُجريت على أيدي أناس ساميين يعيشون في أعماق مصر”.

7- لقد عُرفت الكتابة في مصر كما رأينا سابقًا(7) حيث استخدمت اللغة الهيروغليفية وهي لغة تصوّيرية، أي أنها تستخدم الصور للتعبير عن الحروف، وظهر منها الديموطيقية ثم الهيراطيقية، ويقول الخوري بولس الفغالي ” وعادت أول الكتابات في مصر إلى سنة 3150 ق.م. تقريبًا، ومنذ سنة 3080 – 3040 ق.م. نجد 70 نصبًا تحيط بقبر الملك ” جار ” وتشهد على نظام كتابة متطور”(8) كما يقول أيضًا ” فلنا شهادة عن وجود البرديات منذ سنة 3100 ق.م. تقريبًا، وقد استعملت لفائف البردي وأوراقه لكتابات جُمعت في الأرشيف والمكتبات، غير أن الجلد لعب دورًا هامًا، وقد أُستُعمل من أجل كتابات مدعوة إلى أن تدوم وتوضع في مكتبات الهياكل: أن تحتمس الثالث (حوالي 1468 – 1346 ق.م.) قد وضع لفيفة جلدية تروي مآثره في معبد آمون، وذلك بعد انتصاره في مجدو”(9).

8- يقول الخوري بولس الفغالي ” فالتنقيبات الأركيولوجية منذ القرن 19 قد أبرزت مكتبات هامة في بلاد الرافدين (أوروك، إيسين، لارسا، نيفور، بابل، نوزو، ماري، نينوى) وفي الأناضول (بوغازكوي، حنوسا، كوليتبي) في شمال سوريا (إيمامر، ألالخ، أوغاريت، تل مردنح، إبلا) ومصر (تل العمارنة).. وأشهر هذه المكتبات نجدها في بوغازكوي (14 – 13 ق.م.) نيفور، آشور (في أيام تجلت فلاسر الأول) نينوى (في أيام آشور بانيبال، في القرن 7) بابل (في أيام نبونيد في القرن 6) وأن وجود المكتبتين الخاصتين بآشور بانيبال ونبونيد قد وافق قرار هذين الملكين بأن يجمعا في قصريهما كل علوم عصرهما.. في المكتبات الخاصة حفظت اللويحات في جرار أو صناديق خشب أو في سلال مع لويحة تدل على مضمون ما ” في السلة ” أما في المكتبات الملكية، فقد خُصصت حجرة أو حجرات لحفظ هذه اللويحات، حجرات أقفل عليها وخُتمت بالشمع الأحمر لئلا تُسرق أو تتلف، مثلًا الأرشيف الرسمي في تل مرديح، إبلا في سوريا الشمالية (الألف الثالثة ق. م.) يتضمن 17000 لويحة وُجدت في ثلاث حجرات من الحي الإداري، توضع اللويحات بجانب الحائط أو على رفوف من خشب. وكيف نتعرف إلى مضمون اللويحة؟ جعل عليها الكاتب مدوَّنة في الآرامية (رقعة أو أتيكات) كتبها بالحبر أو حفرها بالقصبة”(10).

9- يقول ” زينون كوسيدوفسكي ” الذي طالما هاجم العهد القديم ” غير أن الاكتشاف الذي حققه ” فليندس بيتري ” عام 1905م أوجد فرضية جديدة لا تنفي أن يكون كاتبوا العهد القديم قد عرفوا نوعًا من الكتابة، فعلى جبل سيناء، وفي منجم للنحاس وجد ” بيتري ” نصًا من الحروف منقوشًا على صخرة يعود للقرن الخامس عشر قبل الميلاد، ولم تُفك رموز كتابته بشكل نهائي حتى الآن.. ويُعتقد أن تلك الكتابة قد نُقشت بأيدي العبيد الإسرائيليين الذين أرسلهم المصريون للعمل في المنجم، وهكذا يبدو محتملًا أن يكون سكان أرض كنعان قد بدأوا بكتابة وثائقهم في الآلف الثاني قبل الميلاد. يجب أن نذكر أن فينيقية التي ملكت حدودًا مع أرض كنعان كانت موطن الأحرف الكتابية، فقد وُجد بين وثائق القرن الرابع عشر ق.م. المكتشفة في تل العمارنة مراسلات كبيرة بين أرض كنعان ومصر، وتعطي كل هذه الحقائق أساسًا للافتراض بأن الإسرائيليين قد عرفوا الكتاب قبل عهد موسى أو في عهده على أسوأ الاحتمالات”(11).

10- يقول الأستاذ ” سايس ” Prof. Suyce ” لقد كانت بابل في عصر إبراهيم مملكة مستنيرة بالعلوم والمعارف.. فقد كان الرجال والنساء في جميع أرجاء العالم المتمدين ملمين بالقراءة والكتابة ويتخابرون بالرسائل الكتابية مع بعضهم واكتظت البلاد بالمدارس والمكتبات، ومن الغريب أن النقاد كان يصفون هذا العصر لسنوات قليلة مضت بأنه عصر الجهل والأمية”(12)(13).

11- لو لم تكن الكتابة معروفة في زمن موسى، فكيف يطلب الله من موسى النبي أن يكتب التوراة طبقًا لما جاء في نصوص التوراة، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وطبقًا لما صرح به القرآن ” قال يا موسى إني أصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي.. وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلًا لكل شيء” (سورة الأعراف 144، 145).

_____

(1) راجع مدارس النقد والتشكيك جـ 1 ص 197 – 200 إجابة س 30.

(2)  كتاب الحق ” ص 203، 204.

(3) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 11، 12.

(4) دائرة المعارف الكتابية جـ 1 ص 180.

(5) المدخل إلى الكتاب المقدَّس جـ 1 ص 386، 387.

(6) يوم الثلاثاء الموافق 16/1/1999م طبعة ثانية في الصفحة الأولى.

(7) إجابة س 30.

(8) المدخل إلى الكتاب المقدَّس جـ 1 ص 384، 385.

(9) المرجع السابق ص 401، 402.

(10) المدخل إلى الكتاب المقدَّس جـ 1 ص 400، 401.

(11) ترجمة د. محمد مخلوف – الأسطورة والحقيقة في القصص التوراتية ص 53.

(12) Praf. Sayce in Monument Facts and Higher Critical Fancies PP 35 , 42.

(13) أ. م هودجكن – تعريب حافظ داود – شهادة علم الآثار للكتاب المقدَّس ص 17،  18.

هل الكتابة كانت قد عُرفت في زمن موسى النبي؟

اقتباس كاتب الأسفار من الأساطير

اقتباس كاتب الأسفار من الأساطير

اقتباس كاتب الأسفار من الأساطير

 

 268- هل كاتب الأسفار المقدَّسة ابن عصره اقتبس من معتقدات وأساطير عصره؟ وما هو رأى الكنيسة الكاثوليكية في هذه القضية؟

يعتقد أصحاب اللاهوت الليبرالي (لاهوت التحرُّر) بأن الأنبياء والرسل، بل والسيد المسيح نفسه، تكلم كل منهم بمعتقدات ومعارف عصره، حتى ولو حوت بعض الأخطاء، وقد تأثر كثير من لاهوتي الكنيسة الكاثوليكية بهذا الانحراف، فاعترفوا علانية أن موسى لم يكتب التوراة، وأن كتبة الأسفار المقدَّسة أخذوا من أساطير الأولين، كما أنكروا المعجزات الكتابية.. إلخ.

أما نحن فنؤمن بكل ثقة ويقين كامل أن روح الله صادق في كل ما قاله بفم الأنبياء القديسين والرسل الأطهار، وأن “كل الكتاب مُوحى به من الله” (2تى 3: 16) وقد “تكلَم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (2بط1: 21) فالكتاب المقدَّس كله جملةً وتفصيلًا معصوم عصمةً كاملةً من أي أخطاء أو شائبة، ونرفض من كل قلوبنا النظرية الجزئية للوحي التي تقول أن ما ورد في الكتاب من أمور لاهوتية وعقائدية وروحية وتعليمية، فهو معصوم، وما عدا ذلك من أمور تاريخية وجغرافية وعلمية، فهو غير معصوم، أي يحتمل الصواب أو الخطأ…

ونحن نؤكد ونصر ونعلنها بأعلى صوت أن الكتاب كله مُوحى به من الله، وبالتالي الكتاب كله معصوم عصمة كاملة، فالكاتب هو قيثارة وأداة في يد الروح القدس الذي راح يعزف عليها.. الكاتب هو بوق في يد الروح القدس الذي راح يعلن صوت التعليم والإنذار من خلاله، ولذلك فأقوال الكتاب هي أقوال الله، ولا يصح أن ننسب أقل خطأ لأي جزء في الكتاب، ومن يتجرأ ويفعل هذا فإنه ينسب الخطأ لله ذاته صاحب الكتاب، ومَنْ يعتقد أن الله يمكن أن يخطئ.. كيف يخلص؟!! وقد قمنا بالشرح التفصيلي لهذه القضية وأظهرنا مخاطرها الجسيمة في الجزء الثاني من هذه السلسلة(1).

وللأسف الشديد فإن كثيرين من رجال الكنيسة الكاثوليكية يعتقدون بأن كتبة الأسفار المقدَّسة قد اقتبسوا مما كان سائدًا في عصرهم من أساطير بعد تنقيتها من رائحة الشرك، بل أن البابا لاون الثالث عشر أصدر سنة 1893م رسالة بعنوان Providentissimus” ” جاء فيها “ما أراد الكاتب المُلهَم أن يزود الناس بمعلومات عن أشياء لا تنفع للخلاص، ولهذا لم يقم بأبحاث علمية، بل صوَّر (الكاتب المُلهَم) الأمور بالصوَّر والتشابيه التي عرفها أبناء عصره”(2).

ويضرب الخوري بولس الفغالي مثلًا على ما نقله الكاتب من أفكار وأساطير عصره فيقول “كان الشعب يعتبر أن السماء قبة للأرض تشبه قبة المعابد، وأن المياه النازلة شتاء تأتى من خزانات تقع فوق القبة الزرقاء.. فأخذ الكاتب المُلهَم بهذه الأقوال مُشدّدًا على الفكرة الدينية.. وخلاصة القول أن الكاتب المُلهَم روى لنا قصة الخلق وتنظيم العالم مستعينًا بمعارف أهل زمانه.. ولهذا يجب علينا أن نقرأ الكتاب فنميز بين الحقائق الدينية التي فُوَّض إليه أن ينقلها، والكلمات والصوُّر والتعابير التي لجأ إليها ليوصل إلينا هذه الحقائق”(3).

ويتساءل الخوري بولس الفغالي “وهكذا نجد عناصر مشتركة بين نصوص الكتاب المقدَّس وأساطير الشرق القديم عن أصل العالم المائي، عن نظام الكون والخلق الإنسان من تراب الأرض، وعن الجنة وشجرة المعرفة والكروب وسيف الله، فنقول: أو أن النصوص العبرانية استقت من نصوص أقدم منها عهدًا، كنصوص أشور وبابل، أو أن النصوص العبرانية استقت كما استقت النصوص الفينيقية والأشورية..من ينبوع واحد مشترك.. وسوف نرى كيف أن الكاتب نقى هذه الأساطير من كل الشوائب لئلا تتعارض وإيمانه بقدرة الله الخلاقة ووحدانيته المطلقة”(4) ثم يصرح الخوري بولس الفغالي بأن الشعب العبراني استقى من معين الأساطير، فيقول “إن الشعب العبراني يشترك وبقية الشعوب في المعارف التاريخية والجغرافية والطبيعية، وهو يستقى من معين الأخبار والأساطير التي انتشرت في الشرق كله”(5).

وتصل خطورة الأمر إلى الإدعاء بأن المعارف البشرية التي كانت سائدة لدى الشعوب الوثنية تشبه البشرية للسيد المسيح، التي رغم ما فيها من ضعفات فإنها اتحدت بالطبيعة الإلهية، فيقول الخوري بولس الفغالي “أي ضرر على الوحي والإيمان أن يُصور العبرانيون أن النور كائن مستقل عن الشمس، وأن الحيوانات الداجنة خُلقت داجنة، وأن الإنسان تكوَّن من تراب الأرض؟ بهذه الصوُّر فكَّر العالم السامي القديم والعبرانيون منهم، فلم يجدوا ما يعارض ديانتهم التوحيدية أو يؤثر على حقيقة الإيمان التي يعلن عنها الكتاب، فأخذوا هذه الصوَّر وجعلوها إطارًا لتفكيرهم وإيمانهم. هذا التعبير عن الإيمان بلغة الإنسان نسميه تجسُّد الوحي، فكما أن الأقنوم؟؟ الثاني من الثالوث القدوس اتخذ جسدًا من مريم العذراء، مع ما في هذا الجسد من ضعف، هكذا تتخذ الحقيقة التي يعرفنا إياها الله شكلًا بشريًّا، وكما نميَز في يسوع المسيح بين الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية، نميّز بين الحقيقة الدينية والتعبير عن هذه الحقيقة الدينية، فالحقيقة الدينية وحى من الله، والتعبير عنها عمل بشرى”(6).

عندما يطالع الإنسان مثل هذه الأقوال يتعجب ويندهش، وهل ما قرره الكتاب المقدَّس من خلقة النور في اليوم الأول وأن الشمس أخذت قوتها وتأثيرها في اليوم الرابع يعتبر أسطورة؟! وهل خلقه الإنسان من تراب الأرض يعتبر أسطورة؟!

ويعود الخورى بولس الفغالى ليوضح مقاصده في كتاب آخر بأجلى بيان فيقول “لم يكن الكاتب البيبلي (الكتابي) يعرف أكثر من معاصريه في بلاد الرافدين، أو مصر، أو كنعان. استعمل مُسطرة هذه البلدان ورموزها فذكر الإله الفخاري والجنة العجيبة والشجرة التي تمنع الخلود، والحية التي تتكلم.. تساءل من أين جاء البشر؟ من أين جاء الموت؟ قال أن الحية هي السبب، فذَّل على أنه لا يعرف.. استعمل ما في الحضارات المجاورة من أساطير وأدخلها في نظريته التوحيدية.. تاريخ البدايات هي نظرة لإيمان إلى الكون، لا نظرة علم إلى أمور جهلها الكاتب”(7).

عجبًا، فلو أن كاتب الأسفار المقدسة جهل ما يحيط به من حقائق علمية، فهل جهلها روح الله أيضًا، ألم يفتح الروح القدس ذهن الكاتب، وقد عصمه من الخطأ حتى لا يكتب إلاَّ الحق والحسب؟!!

بل والأمر الأخطر من هذا أن يخلص الخورى بولس الفغالى بنتيجة، وهي أن التوراة قد حوت الأساطير ولذلك شابها الضعف والنقص، فيقول كتاب ثالث “وإذ أراد الكاتب أن يُعبَر عن هذه الحقائق الإلهية السامية، لجأ إلى حضارات الشرق ولاسيما ما وجده في بلاد الرافدين. غير أنه احتاج أن ينقى الصوَّر من كل شرك وتعدد الآلهة، والتوراة بدورها ستحتاج أيضًا إلى تنقية في الإنجيل، فهي ناقصة وقد جاء المسيح يكملها ويصل بها إلى ذروة التعليم، وهكذا نستطيع القول أن التوراة هي خلاصة حضارة الشرق القديم كما أخذتها كلمة الله”(8).

عجبًا قم عجبًا.. ألم يشبه الخورى بولس الفغالى منذ قليل ما اقتبسه العهد القديم من الأساطير بطبيعة السيد المسيح البشرية؟! فعندما ينتهي هنا إلى أن التوراة (التي اقتبست من أساطير عصرها) قد أصابها الوهن والضعف والنقص، فهل هو يقرر بالتبعية أن طبيعة السيد المسيح البشرية طبيعة ناقصة؟!!! كيف يخلص من يعتقد بأن السيد المسيح قدم جسده كفارة ناقصة؟!!!

وما اعتقد به بولس الفغالى اعتقد به الكثيرون من رجال الكنيسة الكاثوليكية، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فمثلًا الأب جورج سابا يقول أن كتَّاب الأسفار المقدَّسة “يذكرون الأشياء بحسب مظاهرها، ومذهب زمانهم، وهم يرون الله في كل شيء، لذا في الكتاب المقدَّس أمور لا توافق مفهومنا العلمي الحالي، مثل صدور ينابيع المياه ونزول الأمطار”(9).. إن كبار العلماء الذين أمضوا أعمارهم في البحث أكدوا التوافق التام بين الكتاب المقدَّس كلمة الله وبين العلم الصحيح، لأن كلاهما من الله، فعجبًا للأب جورج سابا ولمن نسجوا على منواله..!! ألاَّ يدرون أن قولهم أن الكتاب المقدَّس حوى أخطاء علمية = أن الله قد أخطأ!!! ولم يوضح الأب جورج سابا لماذا نرفض أقوال الكتاب المقدَّس عن الينابيع، وعن نزول الأمطار، مع أن الكتاب تفوق على عصره كثيرًا عندما ذكر سفر الجامعة (جا1: 7) دورة المياه في الطبيعة(10).

_____

(1) راجع مدارس النقد والتشكيك ج2 ص100-214.

(2) الخورى بولس الفغالى – سفر التكوين ص56.

(3) الخورى بولس الفغالى – سفر التكوين ص56.

(4) المرجع السابق ص81.

(5) المرجع السابق ص83.

(6) الخورى بولس الفغالى – سفر التكوين ص84.

(7) تعرَّف إلى العهد القديم مع الآباء والأنبياء ص122، 123.

(8) البدايات أو مسيرة الإنسان إلى الله ص27.

(9) على عتبة الكتاب المقدَّس ص153.

(10) راجع كتابنا: أسئلة حول صحة الكتاب المقدَّس ص143 – 160.

اقتباس كاتب الأسفار من الأساطير

ما هي التيارات المختلفة التي تنطوي تحت شعار “لاهوت التحرير”؟ وكيف تفرَّع لاهوت التحرير في اتجاهات مختلفة؟

 139- ما هي التيارات المختلفة التي تنطوي تحت شعار “لاهوت التحرير”؟ وكيف تفرَّع لاهوت التحرير في اتجاهات مختلفة؟

ج: مزج البعض بين لاهوت التحرير والفكر الماركسي مستخدمين العنف للوصول للهدف، بينما رأى البعض الآخر أنه يمكن تحقيق لاهوت التحرير بأسلوب سلمي يختلف عن الأسلوب الشيوعي الذي يقوم على الثورات الدموية، فيقول القس مرزوق حبيب ” فنادوا بالاشتراكية للجميع، ولكن ليس بالمفهوم الماركسي الشيوعي في أسلوبه الثوري الهدام المُخرّب، لكن اشتراكية لاهوت التحرير قائمة على التضامن الاجتماعي، والمحبة المسيحية والوقوف مع الفقير. لذلك كان أسلوبهم أسلوب التغيُّر الاجتماعي للتعمير والبناء والتنمية”(1).

وما أكثر التيارات التي انطوت تحت راية ” لاهوت التحرير ” نذكر منها الآتي:

1 – التيار الروحي الرعوي الذي يلتزم بمبادئ الإنجيل.

2 – التيار المنهجي الذي يعتمد على العلوم الإنسانية مثل علم الاجتماع وعلم الإنسان وعلم الاقتصاد.. إلخ.

3 – التيار الاجتماعي الذي يركز على التحليل الاجتماعي.

4 – التيار التاريخي الذي يدعو لإعادة قراءة تاريخ أمريكا اللاتينية والعلاقة بين النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي والصراع الطبقي والأخذ بالتحليل الماركسي.

5 – التيار السياسي الذي يدعو ليس العلمانيين فقط، بل الكهنة أيضًا لممارسة السياسة.

6 – تيار الكنيسة الشعبية، والذي يعتبر أن كنيسة الشعب هي مصدر الحرية المسيحية.

7 – التيار الكريستولوجي الذي ينظر للسيد المسيح على أنه محرر الإنسان من الظلم والقهر والفقر.

8 – التيار التربوي الذي يركز على التعليم، فيسهل للإنسان المتعلم الحصول على حريته.

9- تيار النقد الذاتي وهو مكوَّن من مجموعة غير متجانسة.

وقد تفرَّع لاهوت التحرير إلى مجالات شتى، فانبثق منه:

لاهوت كوريا – لاهوت أفريقيا – لاهوت السود – لاهوت التحرير الفلسطيني – لاهوت المجاعات – لاهوت المجتمعات المسيحية – لاهوت تحرير عربي إسلامي مسيحي – لاهوت تحرير إسلامي

1- لاهوت كوريا Mingung Theology:

وهو لاهوت خاص بشعب كوريا، فقد اهتم هذا اللاهوت بمعرفة طبيعة الكوريين والمشاكل التي يمرون بها، وكلمة ” Mingung ” تتكون من ” Min ” أي الناس (باللغة الكورية) و” gung ” وتعني الجمهور، فتصبح كلمة ” Mingung ” تعبيرًا عن التطبيق العملي لكلمة الله بواسطة جمهور الشعب، ومن الملاحظ أن جميع الأنواع المنبثقة من لاهوت التحرير تركز على كهنوت كل المؤمنين، فكل مؤمن بالمسيح له حق الصلاة ودراسة كلمة الله وتفسيرها، وفهمها في ضوء المجتمع المعاصر، مع محاولة إيجاد الحلول.

2- لاهوت أفريقيا Africain Theology:

وهو محاولة فهم حقائق الإيمان المسيحي في ضوء ظروف الشعب الأفريقي وما يعيش فيه من فقر ومرض وأوبئة واضطرابات، والعمل على حل هذه المشاكل، ولذلك دُعي بلاهوت التنمية Theology of Development،  فلاهوت التحرير الإفريقي يهدف إلى خلاص الإنسان من فقره الأنثروبولوجي الذي يؤثر على كيان الإنسان فيجرده من شخصيته وتاريخه وجذوره، ويقول الأب وليم سيدهم أن ” موضوع التحرير في أفريقيا لا ينحصر في الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية فحسب، بل يزداد اللاهوتيون الأفارقة حديثًا عما يسمونه بـ{الفقر الأنثروبولوجي} هذا الفقر الجذري الذي يختلف عن الفقر المادي، فالفقر الذي يتحدثون عنه هو الفقر الذي يجرد الكائن البشري لا من ممتلكاته فحسب، بل من كل ما يشكل كيانه وجوهره أيضًا، وبعبارة أخرى يجرّده من شخصيته وتاريخه وجذوره.. من لغته الأصلية وثقافته، من إيمانه وقدرته الخلاَّقة، من كرامته، وطموحاته، وحقه في الكلام”(2).

لقد سعت الثقافة الاستعمارية إلى تجريد الإنسان الأفريقي من إنسانيته، وزرعت فيه النزعة لاحتقار ذاته بسبب لونه الأسود، ولذلك سعى لاهوت التحرير الأفريقي لخلاص الإنسان المقهور، ورفعه للمستوى الذي أراده له الإنجيل، ويقول الأب وليم سيدهم ” تتضمن مشكلة الفقر قبل كل شيء نفي إنسانية الإنسان الأسود بواسطة قوى القهر، فما من فقر أعظم من أن يُجرَّد الإنسان من كيانه.. فإن عملية النفي هذه تشمل الثقافة والاقتصاد والمجتمع في جميع مؤسساته، فالإنسان الأفريقي يجد نفسه غريبًا في أرضه، فاقدًا شخصيته، وثقافته، وبالرغم من أنه يعيش في قارة من أغنى قارات الأرض إلاَّ أنه يُعتبر أفقر إنسان على وجه الأرض. وأخطر من ذلك، فإن الثقافة الاستعمارية لم تُفرِغه من جوهره فحسب، بل علمته كيف يحتقر ذاته، وكيف يهدم ذاته بذاته. وتعاني أحيانًا شعوب أفريقيا المستقلة مواقف أشدَّ مأساوية مما عانته تحت نير الاستعمار. إن الفقر الأنثروبولوجي هُوّة لا قرار لها.. إن إعادة الكرامة والاعتراف بكيان هذا الإنسان المقهور هي فقط السبيل الوحيد لإحداث التغيير المنشود. نستنتج مما سبق أن الفقر الإنثروبولوجي هو نفي الإنسان الذي وصفه الكتاب المقدَّس بأنه مخلوق على صورة الله كمثاله، وأخ ليسوع المسيح ابن الله المتجسد وهيكل الروح القدس”(3).

كما سعت النزعة الاستعمارية إلى طمس معالم الديانات التقليدية في أفريقيا، ولذلك سعى لاهوت التحرير الأفريقي لرد اعتبار هذه الديانات، ويقول الأب ” ديزموند توتو”.. ” ظهر اللاهوت الأفريقي في القارة بعد الاستقلال السياسي كرد اعتبار للديانات التقليدية التي طمسها المستعمر الغربي المسيحي بحجة دونيتها وعدم ملاءمتها للعقائد المسيحية، وقد رفع اللاهوت الأفريقي بعد الاستقلال شعار الأصالة الأفريقية والتحرُّر من التقاليد الغربية التي لا علاقة لها بجوهر الديانة المسيحية. إن اللاهوت الأفريقي هو نقد مباشر للهيمنة اللاهوتية الغربية التي لم تكن تعترف باستقلال الأفارقة وحقهم في تبني لاهوت جديد يتماشى مع حاجات القارة الفعلية. فهذا اللاهوت هو أساسًا تعبير عن الأصالة ورد فعلٍ لنوع من الاستعمار الثقافي”(4).

ويرى الأب ” ديزموند توتو ” أن لاهوت التحرير الأفريقي قد سبق لاهوت التحرير الأمريكي – اللاتيني، وظهرت الكنائس المستقلة مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كثمرة من ثمار لاهوت التحرير الأفريقي، وفي سنة 1956م ظهر أول كتاب وقَّعه كهنة أفارقة، ويدور حول موضوع التحرير باسم ” كهنة سود يتساءلون”، وأيضًا من ضمن الفروق إن الذين نادوا بلاهوت التحرير الأفريقي هم الشعوب المقهورة 0أما الذين نادوا بلاهوت التحرير الأمريكي اللاتيني فهم فئة من المثقفين، وليسوا الشعوب المقهورة من الهنود أصحاب البلاد الأصليين أو العبيد القدماء.

وفي سنة 1994م سقط النظام العنصري في جنوب أفريقيا بعد أربعمائة سنة من سياسة الفصل العنصري، وتولى رئاسة البلاد الرئيس الأفريقي المجاهد ” نيلسون مانديلا”.

3- لاهوت السود Black Theology:

نشأ في الولايات المتحدة الأمريكية، وجنوبي أفريقيا، بهدف التصدي لقضية التفرقة العنصرية بين الأبيض والأسود، وبهدف رفع مستوى السود والمطالبة بحقوقهم في المجتمع أسوة بالبيض، ومن رواد هذه الحركة ” مارتن لوثر كينج ” الذي حصل على جائزة نوبل للسلام عام 1964م، والأب المطران ” ديزموند توتو ” Desmond Mpilo Tutu الذي حصل على جائزة نوبل للسلام أيضًا عام 1984م، وفيما يلي نذكر باختصار قصة ديزموند توتو:

فقد وُلِد ديزموند في 7 أكتوبر 1931م بجنوب أفريقيا غرب جوهانسبرج بـ180 كم، وكان والده معلمًا في مدرسة ابتدائية، وتعمد وهو طفل في كنيسة الميثودست، وفي طفولته كان يستقل دراجته لشراء الجرائد والسجائر لوالده، فكان يتعرض لمعاكسات الصبية من البيض فيدفعونه عن الدراجة ويركلونه بأرجلهم ويدعونه ” الأسود كالفحم ” وفي سنة 1949 صدر قانونًا يُحرّم الزواج المختلط بين البيض والسود، وكان لهذه الأمور وغيرها التأثير النفسي السيء على شخصية ديزموند توتو.

وفي سنة 1962م ذهب ديزموند إلى إنجلترا لاستكمال دراساته اللاهوتية، فحصل على الليسانس والماجستير في العلوم اللاهوتية، وبعد عودته إلى البلاد شارك في الصحوة الكنسية التي تشجب التفرقة العنصرية، ففي سنة 1971م نشر مقالًا بعوان ” هل الله أبيض أم أسود؟ ” وفي سنة 1972م عُيَّن مسئولًا عن ميزانية برنامج التعليم اللاهوتي التابع لمجلس الكنائس العالمي، وفي سنة 1975م عُيَّن كأول عميد أفريقي أسود لكاتدرائية العذراء القديسة مريم في جوهانسبرج، ورفض الإقامة في أماكن البيض، وخصص صلاة أسبوعية كل يوم جمعة من أجل العدالة والمصالحة في جنوب أفريقيا بين البيض والسود، ووجه خطابًا مفتوحًا لفورستر Vorster رئيس الوزراء في مايو 1976م يعلن فيه عن خشيته من تدهور الأمور وانفجار أعمال العنف وسفك الدماء بسبب القهر المتزايد في البلاد. أما فورستر فقد اتهمه بالتخريب السياسي.

ثم عُيَّن ” ديزموند توتو ” رئيسًا لمجلس كنائس جنوب أفريقيا، وأصبح يمثل أكثر من عشرة مليون مسيحي منهم 90 % من السود، وفي سنة 1978م كان لهذا المجلس وقفته الجريئة ضد العنصرية، ويقول الأب وليم سيدهم ” وقد تسببت المواقف الجريئة التي اتخذها مجلس الكنائس في هياج صفوف المناصرين لسياسة الفصل العنصري، في عام 1968م، أدان المجلس بشكل رسمي سياسة الفصل العنصري بصفتها سياسة معادية للديانة المسيحية، ووصفها بالهرطقة وبأنها {إنجيل آخر} فما كان من أعداء المجلس العنصريين إلاَّ واعتبروه {قاعدة انطلاق السلطة السوداء} بما يضمه من ثوار مرتبطين بمجلس الكنائس العالمي، ورأوا أن المجلس في ذلك يمهد الطريق إلى انقضاض الشيوعية على البلاد”(5).

وفي سنة 1979م أعلن ” ديزموند توتر ” قائلًا ” نحن أعضاء مجلس كنائس جنوب أفريقيا، نؤمن أن جنوب أفريقيا كيان واحد غير عنصري، إذ أن لكل إنسان فيها قيمة، لأنه مخلوق على صورة الله، وأن مجلس الكنائس العالمي ليس منظمة سوداء أو منظمة خاصة بالبيض، بل هو منظمة مسيحية تعتني بالمضطهدين والمستغَلين في مجتمعنا، وعليه فإننا -نحن الذين نمثل مكتب المنظمة- نعتبر أنفسنا رمزًا لما يجب أن تكون عليه جنوب أفريقيا الجديدة، فجميع الأجناس في جنوب أفريقيا ممثلة في هذا المكتب، ونحن نقوم بعمل جماعي بإدارة أمين عام وهو بالصدفة أسود”(6).

كما قال أيضًا ” على مثال المسيح سيدنا، نحن مدعوّون إلى العمل من أجل السجناء والفقراء والمقهورين والمعزولين والمحتقرين”(7).

غير إن سياسة ” ديزموند توتو ” التي ترفض العنف لم ترق لكل السود، فيقول الأب وليم سيدهم ” أصبح ديزموند توتو في نهاية السبعينيات من أبرز الوجوه المسيحية المعارضة لسياسة التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا، وعلى الرغم من ذلك، فإنه لم يفُز بإجماع الشباب السود، لأنهم رفضوا سياسة اللاعنف، ولجأوا إلى حمل السلاح بسبب يأسهم من سياسية الحكومة المتشددة في البلاد”(8) وطالب ” ديزموند توتو ” مسيحيو العالم بالصلاة من أجل التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا، والضغط على الحكومات حتى لا تتعاطف مع النظام العنصري في أفريقيا، وفي 16 أكتوبر 1984م حصل ديزموند توتو على جائزة نوبل للسلام، وعاين ثمرة جهاده سنة 1994م عندما سقط نظام التفرقة العنصرية في البلاد.

ويرد أصحاب لاهوت السود على الذين يتساءلون: هل للاهوت لون؟! وهل يمكن أن نقول أن هناك كيمياء أو فيزياء بيضاء أو سوداء ؟!!، فيقولون إن هناك موسيقى فرعونية وفلسفة ألمانية، هكذا يمكن أن يكون هناك لاهوتًا أسودًا يخص السود بهدف رفع المعاناة والاحتقار الذي يتعرضون له من قبل البيض الذين يعتبرون أن كل ما هو ليس أوربيًا لا قيمة له ولا وجود له، ويقول الأب ” ديزموند توتو”.. ” إن صفة {أسود} أو {الجنس الأسود} قد اُختيرت بعناية وعن قصد، للتعريف بفئة من الناس كثيرًا ما عُرفوا بكلمات النفي مثل ” ليسوا هذا، ولا ذاك ” أو بمصطلحات ذات معانٍ وضيعة وحقيرة وغير مقبولة.. أصبح كل من هو {ليس أوربيًا} يعامل على إنه {لا قيمة ولا وجود له}.. وفي رأينا، فإن صفة {أسود} هي تأكيد الإنسان الأسود نفسه وتأكيد وعيه لوجوده ولإنسانيته ولكرامته ولقيمته كإنسان. إذًا أول ما يتناوله لاهوت السود هو هذا الجزء من الإنسانية، من الرجال والنساء الذين استيقظوا من سُباتهم العميق، وأخذوا يَعون إن لهم قيمة خاصة بصفتهم أشخاصًا، وإنهم غير مُجبرين على البحث عما يُبرّر وجودهم يعرضونه على الآخرين”(9).

كما يقول ” ديزموند توتو”.. ” إن لاهوت التحرير جزء لا يتجزأ من كفاح السود لينالوا حريتهم، ويجتهد في مساعدتهم على أن يفخروا بإنسانيتهم، فلا يخجلون من النظر إلى الآخرين في أعينهم بل يتعاملون معهم ندّ لند، ولا يعتبرون أنفسهم مضطرين إلى الاعتذار بسبب إن لون بشرتهم أسود”(10).

وأيضًا يقول الأب ” ديزموند توتو”.. ” أما لاهوت السود فيتناول قضايا أخرى لا تقل أهميتها عن قضية الأصالة. إنه لاهوت وُلِد في رحم الألم والمعاناة التي عاناها سكان جنوب أفريقيا السود على يد طغاة الفصل العنصري، فقضايا الألم والمغفرة، ورفض التفرقة العنصرية تُعتبر أعمدة لاهوت السود الرئيسية”(11).

كم قال ” ديزموند توتو”.. ” هكذا ظهر إلى الوجود {اللاهوت الأسود} والذي نعتبره في أفريقيا لاهوتًا للتحرير بتمام معنى الكلمة، وينمو هذا اللاهوت خصوصًا في جنوب أفريقيا حيث نزعت العنصرية إنسانية السود، حتى أنها حولتهم إلى مخلوقات لا تمت إلى البشر بصلة.. إن اللاهوت الأسود – بصفته لاهوت تحرير – يعتبر من الآن جزءًا لا يتجزأ من معركتنا في سبيل خلاص الشعب، ولهذا السبب، حرَّمت الدول تداول هذا اللاهوت الذي يستلهم الإنجيل والذي يريد أن يوقظ عند الإنسان الأسود معنى كرامته وإنسانيته الفردية كابن الله”(12).

وأول من ذكر مصطلح “اللاهوت الأسود” هو “جيمس كون ” James H. Cone في كتابه ” اللاهوت الأسود والسُلطة السوداء ” الذي أصدره سنة 1969م. ثم دخل هذا المصطلح جنوب أفريقيا سنة 1971م خلال المؤتمر الذي عقدته الطوائف المسيحية في المعهد الكاثوليكي بهاما نسكرال بواسطة ” الحركة المسيحية الجامعية ” وصدر عن هذا المؤتمر بيان باسم ” فكر لاهوتي أسود ” يُعرّف هذا التيار اللاهوتي الجديد.

ويعتبر أصحاب لاهوت السود إن هذا النوع من اللاهوت يسعى لتحرير القاهر الذي يتجرد من إنسانيته، لأنه يجرد الآخرين من إنسانيتهم، وهو أيضًا يسعى لخلاص المقهور ورفع الظلم عنه، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وأيضًا يقول أصحاب لاهوت السود بأنهم لا يشكُّون في وجود الله، ولا في صلاحه، ولا يتساءلون لماذا يوجد الألم في عالم يوجد فيه إله صالح كلي القدرة؟ ولكنهم يتساءلون: لماذا نتألم نحن السود ألمًا مبرحًا..؟ لماذا نتألم أكثر من غيرنا..؟! إنهم يرفضون دعوى البيض بأن أجدادهم هم الذين أرادوا بناء برج بابل فلعنهم الله، أما أجداد البيض فإنهم قاموا ببناء الحضارة المسيحية، ويقول الأب ” ديزموند توتو”.. ” سيرفض السود تمامًا وباشمئزاز الحل الذي يقول لهم إن ما يعانونه الآن من آلام هو جراء ما اقترفوه من كفر.. وربما يتلقى الأفارقة بارتياح أكثر وجهة نظر القديس أغسطينوس في شرح قضية الألم، فهو يرى أن الألم سببه خطأ وقع في طفولة الجنس البشري المبكرة.. ولكن إن كانت وجهة النظر الأوغسطينية أكثر اقترابًا من الحقيقة، فإنها لا تحل معضلة معرفة الأسباب الحقيقية للآلام التي يتكبدها الإنسان الأسود، أكثر من غيره من البشر، بسبب هذا السقوط الأول.. أعتقد إن رجاءنا يتوافق مع نظرة إيريناؤس إلى الله.. إن هذه النظرية الإيريناوية تُعبّر عن المعنى نفسه الذي نجده في نشيد عيد القيامة في الطقس الغربي O Felix culpe أي {أيتها الخطية المباركة} ويؤكد النشيد إنه من خلال الشر والألم أتانا وسأتينا خير عظيم. كما يؤكد إنه من خلال حياة وموت المسيح وقيامته اتخذ الألم صفة جديدة ودورًا جديدًا ووضعًا جديدًا، فالألم جزء لا يتجزأ من قصة الفداء الإلهي {إذا أراد أحد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني} (مر 8: 34) فعلى من يريد أن يكون صديقًا للمسيح أن يتشبه بسمعان القيرواني، هذا الأفريقي الذي ساعد يسوع على حمل صليبه.. الألم بسبب بركة.. وهنا قد تتفق وجهة نظرنا مع ما رآه أحد الشعراء، حين قال {إن العالم هو المكان الذي تُطرق فيه النفس كما يُطرق الحديد ليطوَّع شكله، إذ تكون أنظارنا موجهة -في أثناء التطويع- نحو السماوات الجديدة والأرض الجديدة}”(13).

ويقارن ” ديزموند توتو ” بين لاهوت السود واللاهوت الأفريقي فيقول ” إن لاهوت السود أكثر عدوانية وأكثر جذرية (راديكالية) من اللاهوت الأفريقي.. لأن عليه واجبًا هامًا، وهو أن يُحدث تحولًا عميقًا في قلب الإنسان الأسود، تحوُّلًا يخرجه من غيبوبته ومن قبوله للعبودية وإجلاله للبيض، وعلى عاتق هذا اللاهوت يقع عبء توعية الإنسان الأسود.. وبالمثل يتحرَّق هذا اللاهوت شوقًا إلى إيقاظ مشاعر الإنسان الأبيض ليعي إلى أي درجة من الانحطاط يصل به الأمر حين ينتقص من إنسانية السود، فمهمة لاهوت السود مزدوجة إذًا، فهي تهدف إلى تحرير القاهرة كما تبغي تحرير المقهور..

وبصفتي مواطنًا من جنوب أفريقيا، أزعم أنني أستطيع أن أتحدث باسم السود عن لاهوت السود، وبما أنني مواطن أفريقي أيضًا، أزعم إنه يمكنني أن أتحدث باسم الأفارقة، وأؤكد أن لاهوت السود (الخاص بجنوب أفريقيا) يعتبر الوجه الخارجي الأكثر اتساعًا، وأن اللاهوت الأفريقي هو الدائرة الداخلية الأصغر في سلسلة الدوائر المركزية في داخل هذا اللاهوت.. فإني أعتقد أن لاهوت السود يمكنه أن يضيف الكثير إلى اللاهوت الأفريقي، فيمكن لاهوت السود أن يُذكَّر اللاهوت الأفريقي بدعوته الأساسية، وهي الاهتمام بالفقراء والمقهورين وبجميع الحاجات التي تهم أبناء أفريقيا”(14).

4- لاهوت التحرير الفلسطيني:

أصدر القس نعيم عتيق سنة 1948م كتاب ” الصراع من أجل العدالة ” حيث يقول في معرض حديثه عن لاهوت التحرير الفلسطيني إنه ” لا يخلق لاهوتًا جديدًا وفريدًا ومنفصلًا للمسيحيين الفلسطينيين وإنما هو محاولة من أجل إعادة اكتشاف التحرير الذي قام به السيد المسيح، والذي يجب أن نكون على علم به، ورؤية للسلام العادل مبنية على أساس الإيمان بالله وفي خطى المسيح في أسلوبه اللاعنفي” (لونا فرحات)(15).

كما تقول لونا فرحات ” فكيف يكون الله هو المحبة بينما يقبل بما يجري لهم من مآسي على أيدي اليهود، الذين يستعملون نصوص العهد القديم لدعم الظلم لا العدل. ومما زاد من صعوبة المسألة هو أن الكنيسة وقفت عاجزة عن تقديم إجابات لكل تساؤلات المسيحي الفلسطيني.. كيف يمكن للعهد القديم أن يكون كلمة الله في الوقت الذي استخدمته الصهيونية لتبرير معاناة الفلسطينيين؟ للخروج من هذه المآزق اللاهوتية يؤكد لاهوت التحرير الفلسطيني ضرورة وضع النصوص التوراتية في سياقها التاريخي، وهي تعكس مفهومًا بشريًا لله كان سائدًا في فترة تاريخية معينة وإن هذا المفهوم يساعد المسيحيين الآن لمعرفة كيف كان ينظر الله وكيف تغير هذا المفهوم بمجيء السيد المسيح. فأي حدث يقع في التاريخ يستطيع المسيحي أن يعرف ما إذا كان الله موافق عليه أم لا من خلال سؤال أنفسنا هل هذا الفعل يوافق طبيعة الله التي عرفناها في المسيح”(16).

ويؤكد القس نعيم عتيق إنه لا سلام مع الاضطهاد وغياب العدالة ” إن الصلة بين العدالة والسلام أساسية في العهد القديم، فقد شجب الأنبياء كل سلام كاذب يقوم على الاضطهاد، فالشرط الأساسي لتحقيق السلام هو العدل أولًا ثم يأتي السلام والأمن للجميع” (لونا فرحات)(17).

وأيضًا يؤكد القس نعيم عتيق أن الله هو مخلص المضطهدين، وعلى البشر أن يشتركوا معه في هذا الخلاص ولكن بدون عنف، فتقول ” لونا فرحات”.. ” فلاهوت الأمل الفلسطيني ينبع من إدراكهم أن الله يقف إلى جانب المضطهدين الذين يعملون من أجل يوم أفضل، ويواجهون الذين يضطهدونهم بخطيئتهم على أن يتمسك الجميع بالتقليد المسيحي المتعلق بمقاومة العنف. فالطريق التي يعلنها اللاهوت الفلسطيني لمقاومة الظلم هي طريق اللاعنف التي تمثل أسلوب يسوع وفلسفته القائمة على اللاعنف”(18).

وتقول لونا فرحات ” ولكن الكنيسة اتخذت موقفًا اعتبره القس عتيق موقفًا شجاعًا، وشكَّل تحوُّلًا كبيرًا في موقف الكنيسة تجاه ما يجري من أحداث. وذلك عندما عبَّر رؤساء الطوائف المسيحية في القداس تضامنهم مع الفلسطينيين الذين يقاومون الاحتلال أثناء ذروة الانتفاضة في كانون الثاني من العام 1988م، وأصدروا بيانًا أعلنوا فيه عن وقوفهم مع الحق والعدل وضد كل ظلم وإجحاف”(19).

ودعى لاهوت التحرير الفلسطيني إسرائيل للتخلي عن أطماعها، كما دعى الفلسطينيين إلى محبة الأعداء، فتقول ” لونا فرحات”.. ” والجديد في لاهوت القس عتيق هو خطابه لإسرائيل بالتخلي عن حلمها بإنشاء إسرائيل الكبرى، فهو حلم غير واقعي وخطير، وإذا تحقق فلن يكون إلاَّ بواسطة قوة السلاح، ولن تستطيع العيش إلى الأبد خلف جدران تصنعها لنفسها.. وأخيرًا يوجه القس عتيق نداءًا إلى شعبه أن يحبوا أعداءهم عملًا بقول السيد المسيح أحب عدوك واصفح عنه وذكّره دائمًا بالعدل والحق”(20).

وفي الحقيقة إن مقاومة الهنود وقت الاحتلال لبريطانيا كانت مقاومة سلبية، فتصدى هؤلاء الهنود للقوة الغاشمة ورصاص الإنجليز بأجسادهم، ولم يقاوموا الشر بالشر، بينما لا نستطيع أن ننكر أن الفلسطينيين وصل بهم الحد في مقاومة العنف بالعنف إلى تفجير أنفسهم وسط مدنيين إسرائيليين، وهذا يبين لنا أن لاهوت التحرير الفلسطيني أمر نظري لا ينطبق على الواقع الفلسطيني.

5- لاهوت المجاعات Faminist Theology:

وهو يتصدى للمجاعات التي تتعرض لها شعوب العالم الثالث، والتركيز على كرامة الإنسان كما يرتضيها الله، والمطالبة بتحرير المرأة.

6- لاهوت المجتمعات المسيحية Basic Christian Communities:

ونشأ هذا اللاهوت في المجتمعات المسيحية في فرنسا وإيطاليا وهولندا وأمريكا اللاتينية، وكان الهدف من هذا اللاهوت الخروج عن التقليد الأعمى الموروث حسب تصوُّرهم، والمناداة بكهنوت جميع المؤمنين، والقضاء على سلطة الإكليروس، والاستفادة من مواهب الشعب وطاقاته، والتركيز على أن شعب الله هو الذي يمثل الكنيسة، وتهيئة الفرصة لكل شخص لتكوين علاقة شخصية مع الله، وظهر هذا اللاهوت أيضًا في البرازيل بقيادة ” هيلدر كامارا” و”ليوناردو بوف”.

7 – لاهوت تحرير عربي إسلامي مسيحي:

يطالب الأب وليم سيدهم بالعبور إلى لاهوت مسيحي إسلامي يقاوم الفقر والظلم والقهر فيقول ” في ظل ظروفنا السياسية والاقتصادية والروحية الراهنة، هل نستطيع أن نقوم بقراءة مكانية لخبرتنا التاريخية الخاصة بنا لنبلور لاهوتًا مسيحيًا إسلاميًا، يساعدنا على التحرُّر من حالة التبعية على كل الأصعدة للعالم الغربي، ويفجر طاقاتنا على ضوء إيماننا المسيحي والإسلامي بدور الله المُحرّر”(21).

ويقول ” ميشيل يوسف شفيق ” في مقال له عن لاهوت التحرير تحت عنوان ” لاهوت الأرض والسماء ” مُعلِقًا على كتاب ” كلام في الدين والسياسة ” للأب وليم سيدهم وتقديم الأستاذ جمال البنا(22).. ” وبعد ذلك ينتقل الكاتب (الأب وليم سيدهم) إلى النقطة الرئيسية في الموضوع وهي البحث عن لاهوت تحرير عربي إسلامي من خلال فهم عميق للمجتمع العربي والمصري على وجه الخصوص. في هذا الجزء يعرض قضية بذل الآخر بين مختلف الأديان في مجتمعنا العربي وبالأخص بين المسيحية والإسلام والديانات الأخرى مثل الهندوسية والبوذية ويتعجب الكاتب من ذلك، ولذلك ينصح الكاتب بوجوب مواجهة التعصب بالفهم وهضم الأديان الأخرى حتى نستطيع التعامل معهم داخل إطار المجتمع بشكل صحيح وذلك يبدأ من الأسرة والمدرسة.. ومن الممكن أن يتم ذلك في مصر عن طريق التنسيق بين الدين الإسلامي والدين المسيحي.. دون الدخول في مهاترات الحوار بين الأديان.. ويأمل الكاتب في وجود لغة تواصل بين الديانتين الإسلامية والمسيحية في لاهوت تحرير مشترك نواجه به التعصب والإرهاب وازدواجية المعايير والقهر والظلم”(23).

ويتساءل د. حسن حنفي عن مدى إمكانية إبداع لاهوت تحرير إسلامي مسيحي فيقول ” فهل نستطيع أن نبدع لاهوتًا تحريريًا إسلاميًا مسيحيًا بالتعاون مع أصحاب الديانات الأخرى يتخذ من الروحانية التي تحملها أدياننا ترياقًا ضد الجمود والازدواجية والتعصب..؟ نستطيع في البداية أن نجيب بنعم.. ولاهوت التحرير هو أحد أوجه محاولة الدين أن يرتبط بالواقع وأن يعمل على تغييره وأن يجعل الناس متدينين ومناضلين، ومجددين وحديثين، ولا يتوقف الدين في هذه الحالة عند ما وراء الغيب وما بعد الحياة الدنيا، بل يضيف إلى ذلك الاهتمام بالفقر والحرية وحقوق الإنسان والعدالة والعولمة الأكثر إنسانية، لذلك نحاول الإجابة على تساؤل إمكانية الاستفادة من النماذج الرائدة في المسيحية والإسلام، وتهتم الورقة أكثر بالواقع الإسلامي وتبحث عن بذور لاهوت تحرير في الحركات الإسلامية والطرق الصوفية والاجتهادات الفردية”(24).

ويرى دكتور حسن حنفي أن هناك أسانيد قرآنية للاهوت التحرير تبيح استخدام السلاح للوصول إلى الحرية المنشودة فيقول ” وما أكثر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في {لاهوت التحرير} والتي أُحسن استعمالها في الثورة الإسلامية في إيران {ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} وارتباط الأديان بالله بالأمن ضد الخوف وبالإشباع ضد الخوف {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وأمَّنهم من خوف} وتنهار المجتمعات الإقطاعية عند بناء القصور للأغنياء وتعطيل الآبار للفقراء {وبئر معطلة وقصر مشيَّد} بل يجوز القتال بالسلاح دفاعًا عن النفس ودفعًا للعدوان {أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق} لاهوت التحرير تأويل للثنائيات الدينية التقليدية التي أرست قواعدها المانوية القديمة، الصراع بين النور والظلمة، الخير والشر، الحق والباطل، الصواب والخطأ، والتي استمرت في الثنائيات الدينية المسيحية والإسلامية العالم والله، الدنيا والآخرة، الخير والشر، الجنة والنار، النعيم والعذاب، الثواب والعقاب، الذكر والأنثى، الملاك والشيطان.. إلخ إلى ثنائيات حديثة الصراع بين القاهر والمقهور، الغني والفقير، الظالم والمظلوم، الحاكم والمحكوم، المركز والأطراف.. إلخ.”(32)(25).

هذا بينما يستبعد د. ميلاد حنا الوصول إلى لاهوت عربي مصري فيقول ” وإلى الآن لم تتم صياغة مناسبة تُخرج المجتمع المصري أو العربي من الأزمة، لأن الخلفية الحضارية مختلفة ولا تنجب {لاهوت تحرير} فحتى الكنيسة المصرية الأرثوذكسية.. تدعو إلى الأفكار السلفية السائدة نفسها، ومن ثمَ فإن قيام لاهوت تحرير مصري أو عربي أمر غير وارد.. ولذلك فإن كاثوليك مصر، ممن تذوقوا {لاهوت التحرير} قادرون على تنشيط وتحريك الكتلة المجاورة لهم من {أقباط مصر} وهو بالتبعية وبحكم الجوار الحضاري قادرون على تحريك {شعب مصر} وأختم هذه المقدمة، بأن أعود إلى بدايتها وأقول كيف كنت عضوًا فاعلًا في النطاق الكنسي القبطي، ولكنني تركته لأنه كان جامدًا وسلفيًا. ولذلك طفت بعض الوقت خارج هذا المحيط، فعدت في نهاية العمر إلى نقطة الانطلاق، محاولًا أن أسهم في صياغة ميثاق أو برنامج يناظر لاهوت التحرير ويكون مصريًا عربيًا يناسب الجذور الحضارية في المنطقة”(26).

وخلال الفترة من 3 – 5 سنة 2003 عُقدت ندوة في كينج مريوط عن ” لاهوت التحرير إشكاليات ورؤى ” ضمت بعض المفكرين المسلمين والمسيحيين، وتحدث فيها كل من: د. أنور مغيث – د. حيدر إبراهيم – د. عاصم الدسوقي – الأب كريستيان فان ينسبان – د. محمد السيد سعيد – جمال البنا- ريتا يعقوب – فريدة النقاش – لونا فرحات – الأب وليم سيدهم اليسوعي – د. حسن حنفي – سليمان شفيق – سمير مرقس – د. ماجي عبد المسيح – د. يسري مصطفى.

8- لاهوت تحرير إسلامي:

يرى د. عاصم دسوقي أن النصوص الإسلامية التي تسمح بإقامة لاهوت تحرير إسلامي متوفرة ومتاحة، فيقول ” وقف الفقهاء مؤيدين لخطوات الثورة، واستخدموا من النصوص الدينية ما يؤيد اتجاهات الحرية والعدل والمساواة. بل لقد بدأ البحث في اشتراكية الإسلام وأبرز الأحاديث المناسبة مثل: أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه. الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار.. مقولة أبو ذر الغفاري {عجبت لرجل لا يجد قوت يومه! ولا يخرج على الناس شاهرًا سيفه}”(27).

ويرى الأستاذ جمال البنا أن حركة التحرير في الإسلام تشمل أولًا: تحرير القرآن من أكداس التفاسير، وثانيًا: تحرير الفقه مما لحق به على مدار ألف عام من مباركة السلطة الحاكمة، فيقول ” أخذت حركة التحرير المسيحي اسم {لاهوت التحرير} لأن اللاهوت هو جوهر العقيدة المسيحية والذي تتولاه الكنيسة وترى فيه جوهر اختصاصها، ولكن لما لم يكن في الإسلام لاهوت بهذه الصفة، فإن حركة التحرير تركزت حول إنقاذ أصل الإسلام وهو القرآن من أكداس التفاسير التي ميعت قوته وأصالته، وحفلت صفحاتها بمئات النقول من التوراة أو الاستشهاد بأحاديث ضعيفة أو موضوعة وأبيات شعر منحولة.. إلخ.. ويأتي بعد هذا تحرير الأصول التي قامت عليها قلعة الفقه الإسلامي والتي وُضعت منذ ألف عام دون تغيير، وقد صوَّرت دعوة الأحياء الإسلامي ودورها بالنسبة للقرآن في كتاب {تنوير القرآن} ودورها في تجديد الفقه في مجلد {نحو فقه جديد}”(28).

كما يرى الأستاذ جمال البنا “إن الأديان أضفت على الإنسان كرامة فهو في المسيحية واليهودية على صورة الله، وهو في الإسلام خليفة الله على الأرض. إن دعوة الإحياء الإسلامي ترفض كل النظم والنظريات التي تؤدي إلى قهر الإنسان سواء عن طريق الحكم السياسي أو الاستغلال الاقتصادي مهما تكن الأسباب والمبررات، فمن زاوية الأديان فهي آلهة مزيفة وطواغيت تحل نفسها محل الإله الرحمن الرحيم. إنها ترى في القرآن الوسيلة المثلى للهداية وترفض تقييده بالتفاسير، كما ترى أسوتها الحسنة في الرسول. إنها تؤمن بأن العمل مصداق الإيمان ومعيار الثواب والعقاب”(29).

هذا بينما يرى د. حيدر إبراهيم أن الوقت لم يحن بعد للاهوت تحرير إسلامي، فيقول “ومن هنا كان سؤال إمكانية تأسيس لاهوت تحرير إسلامي ضروريًا ومثيرًا للاهتمام. ولم يشهد العالم الإسلامي التغييرات الدينية التي جربتها أمريكا اللاتينية. أما الدول والجامعات الإسلامية رغم شعارات الإسلام دين ودولة مما يعني وجود الاهتمام بتلك القضايا إلاَّ أن الخطاب الإسلامي لم يصعد إلى مستوى لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية.. ولكن في النهاية نستطيع القول أن الظروف في العالم الإسلامي مازالت غير مواتية لقيام لاهوت تحرير، فالجماهير المتدينة تزداد في الغالب إما تعصبًا أو لا مبالاة”(30).

كما يقول د. حيدر إبراهيم مدللًا على أن الظروف مازالت غير مواتية لإرساء لاهوت إسلامي ” وهنا يفترق الإسلام الرسمي أو الأرثوذكسي Orthodox Islam عن الإسلام الشعبي Popular Islam حيث يحاول الإسلام الرسمي أن يدخل الحياة في النص المقدَّس بينما الإسلام الشعبي يتميز بأنه حي ومتغير -لأنه يفعل العكس- يسعى لكي يتوافق النص مع ممارسات وطريق حياة المتدينين.

إن الإسلام السياسي والمحافظ عمومًا استطاع تجييش الجماهير وتعبئتها خلف شعارات دينية غامضة مثل الإسلام هو الحل أو لا تبديل لشرع الله، وكسبت السلفية الإسلامية الشارع الإسلامي لأنها خاطبت عواطفه واستغلت مناخ الأزمة والعجز في هذه المجتمعات. أما المعسكر الآخر فإنه رغم اجتهاداته وجدة أفكاره ظل معزولًا ومحصورًا بين صفوة قارئة وباحثة لم تستطع أن تكسب الشارع، وهي عرضة باستمرار للاتهامات من القوى المحافظة مما جعلها في حالة دفاع مستمر ومكون من أجل البقاء فقط..

يقدم البعض الدين وكأنه آلهة حرب، إذ يقومون بالإقصاء والقضاء على الآخر غير مهتمين بالحوار والتعايش مع الآخر، فالأصوليات هي السائدة الآن والنظريات القائلة بصراع الحضارات (تقرأ صراع الديانات) هي التي تهيمن على التفكير وعلى السياسيات والعلاقات الدولية على الأقل في الولايات المتحدة الأمريكية، ولأن الحقبة الراهنة تشهد انحسار حركات التحرُّر عمومًا مقابل الهيمنة، لذلك تراجع لاهوت التحرير لأن القوى السياسية والحركات الاجتماعية التقدمية ضعفت مع سقوط النموذج الاشتراكي.. العمل الثقافي والفكري الذي يبغي الحداثة والتحديث مع تحولات ملموسة على مستوى التنمية الاقتصادية الشاملة هو الطريق نحو ربط الدين مع التقدم والتحرُّر، وهذا هو لاهوت التحرير الإسلامي، الذي قد يُمكّن الناس من بناء فردوسهم على هذه الأرض”(31).

_____

(1) مجلة الهدى – عدد 919 يناير 1990م ص 24.

(2) لاهوت التحرير في أفريقيا ص 119، 120.

(3) لاهوت التحرير في أفريقيا ص 130.

(4) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير في أفريقيا ص 98.

(5) لاهوت التحرير في أفريقيا ص 24.

(6) لاهوت التحرير في أفريقيا ص 25.

(7) المرجع السابق ص 25.

(8) المرجع السابق ص 26.

(9) لاهوت التحرير في أفريقيا ص 58.

(10) المرجع السابق ص 115.

(11) المرجع السابق ص 98.

(12) لاهوت التحرير في أفريقيا ص 107.

(13) لاهوت التحرير في أفريقيا ص 78 – 90.

(14) لاهوت التحرير في أفريقيا ص 101 -103.

(15) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 153.

(16) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 154.

(17) المرجع السابق ص 155.

(18) المرجع السابق ص 156.

(19) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 157.

(20) المرجع السابق ص 159.

(21) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 20.

(22) شقيق حسن البنا زعيم الإخوان المسلمين.

(23) جريدة التجمع في 2/11/2003.

(24) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 81، 82.

(25) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 67.

(26) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 14، 15.

(27) المرجع السابق ص 176.

(28) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 53.

(29) المرجع السابق ص 56، 57.

(30) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 84، 85.

(31) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 88 – 97.

(32) وليم سيدهم – لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية ص 27، 81 – الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير في أفريقيا ص 198.

ما هي التيارات المختلفة التي تنطوي تحت شعار “لاهوت التحرير”؟ وكيف تفرَّع لاهوت التحرير في اتجاهات مختلفة؟

 139- ما هي التيارات المختلفة التي تنطوي تحت شعار “لاهوت التحرير”؟ وكيف تفرَّع لاهوت التحرير في اتجاهات مختلفة؟

ج: مزج البعض بين لاهوت التحرير والفكر الماركسي مستخدمين العنف للوصول للهدف، بينما رأى البعض الآخر أنه يمكن تحقيق لاهوت التحرير بأسلوب سلمي يختلف عن الأسلوب الشيوعي الذي يقوم على الثورات الدموية، فيقول القس مرزوق حبيب ” فنادوا بالاشتراكية للجميع، ولكن ليس بالمفهوم الماركسي الشيوعي في أسلوبه الثوري الهدام المُخرّب، لكن اشتراكية لاهوت التحرير قائمة على التضامن الاجتماعي، والمحبة المسيحية والوقوف مع الفقير. لذلك كان أسلوبهم أسلوب التغيُّر الاجتماعي للتعمير والبناء والتنمية”(1).

وما أكثر التيارات التي انطوت تحت راية ” لاهوت التحرير ” نذكر منها الآتي:

1 – التيار الروحي الرعوي الذي يلتزم بمبادئ الإنجيل.

2 – التيار المنهجي الذي يعتمد على العلوم الإنسانية مثل علم الاجتماع وعلم الإنسان وعلم الاقتصاد.. إلخ.

3 – التيار الاجتماعي الذي يركز على التحليل الاجتماعي.

4 – التيار التاريخي الذي يدعو لإعادة قراءة تاريخ أمريكا اللاتينية والعلاقة بين النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي والصراع الطبقي والأخذ بالتحليل الماركسي.

5 – التيار السياسي الذي يدعو ليس العلمانيين فقط، بل الكهنة أيضًا لممارسة السياسة.

6 – تيار الكنيسة الشعبية، والذي يعتبر أن كنيسة الشعب هي مصدر الحرية المسيحية.

7 – التيار الكريستولوجي الذي ينظر للسيد المسيح على أنه محرر الإنسان من الظلم والقهر والفقر.

8 – التيار التربوي الذي يركز على التعليم، فيسهل للإنسان المتعلم الحصول على حريته.

9- تيار النقد الذاتي وهو مكوَّن من مجموعة غير متجانسة.

وقد تفرَّع لاهوت التحرير إلى مجالات شتى، فانبثق منه:

لاهوت كوريا – لاهوت أفريقيا – لاهوت السود – لاهوت التحرير الفلسطيني – لاهوت المجاعات – لاهوت المجتمعات المسيحية – لاهوت تحرير عربي إسلامي مسيحي – لاهوت تحرير إسلامي

1- لاهوت كوريا Mingung Theology:

وهو لاهوت خاص بشعب كوريا، فقد اهتم هذا اللاهوت بمعرفة طبيعة الكوريين والمشاكل التي يمرون بها، وكلمة ” Mingung ” تتكون من ” Min ” أي الناس (باللغة الكورية) و” gung ” وتعني الجمهور، فتصبح كلمة ” Mingung ” تعبيرًا عن التطبيق العملي لكلمة الله بواسطة جمهور الشعب، ومن الملاحظ أن جميع الأنواع المنبثقة من لاهوت التحرير تركز على كهنوت كل المؤمنين، فكل مؤمن بالمسيح له حق الصلاة ودراسة كلمة الله وتفسيرها، وفهمها في ضوء المجتمع المعاصر، مع محاولة إيجاد الحلول.

2- لاهوت أفريقيا Africain Theology:

وهو محاولة فهم حقائق الإيمان المسيحي في ضوء ظروف الشعب الأفريقي وما يعيش فيه من فقر ومرض وأوبئة واضطرابات، والعمل على حل هذه المشاكل، ولذلك دُعي بلاهوت التنمية Theology of Development،  فلاهوت التحرير الإفريقي يهدف إلى خلاص الإنسان من فقره الأنثروبولوجي الذي يؤثر على كيان الإنسان فيجرده من شخصيته وتاريخه وجذوره، ويقول الأب وليم سيدهم أن ” موضوع التحرير في أفريقيا لا ينحصر في الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية فحسب، بل يزداد اللاهوتيون الأفارقة حديثًا عما يسمونه بـ{الفقر الأنثروبولوجي} هذا الفقر الجذري الذي يختلف عن الفقر المادي، فالفقر الذي يتحدثون عنه هو الفقر الذي يجرد الكائن البشري لا من ممتلكاته فحسب، بل من كل ما يشكل كيانه وجوهره أيضًا، وبعبارة أخرى يجرّده من شخصيته وتاريخه وجذوره.. من لغته الأصلية وثقافته، من إيمانه وقدرته الخلاَّقة، من كرامته، وطموحاته، وحقه في الكلام”(2).

لقد سعت الثقافة الاستعمارية إلى تجريد الإنسان الأفريقي من إنسانيته، وزرعت فيه النزعة لاحتقار ذاته بسبب لونه الأسود، ولذلك سعى لاهوت التحرير الأفريقي لخلاص الإنسان المقهور، ورفعه للمستوى الذي أراده له الإنجيل، ويقول الأب وليم سيدهم ” تتضمن مشكلة الفقر قبل كل شيء نفي إنسانية الإنسان الأسود بواسطة قوى القهر، فما من فقر أعظم من أن يُجرَّد الإنسان من كيانه.. فإن عملية النفي هذه تشمل الثقافة والاقتصاد والمجتمع في جميع مؤسساته، فالإنسان الأفريقي يجد نفسه غريبًا في أرضه، فاقدًا شخصيته، وثقافته، وبالرغم من أنه يعيش في قارة من أغنى قارات الأرض إلاَّ أنه يُعتبر أفقر إنسان على وجه الأرض. وأخطر من ذلك، فإن الثقافة الاستعمارية لم تُفرِغه من جوهره فحسب، بل علمته كيف يحتقر ذاته، وكيف يهدم ذاته بذاته. وتعاني أحيانًا شعوب أفريقيا المستقلة مواقف أشدَّ مأساوية مما عانته تحت نير الاستعمار. إن الفقر الأنثروبولوجي هُوّة لا قرار لها.. إن إعادة الكرامة والاعتراف بكيان هذا الإنسان المقهور هي فقط السبيل الوحيد لإحداث التغيير المنشود. نستنتج مما سبق أن الفقر الإنثروبولوجي هو نفي الإنسان الذي وصفه الكتاب المقدَّس بأنه مخلوق على صورة الله كمثاله، وأخ ليسوع المسيح ابن الله المتجسد وهيكل الروح القدس”(3).

كما سعت النزعة الاستعمارية إلى طمس معالم الديانات التقليدية في أفريقيا، ولذلك سعى لاهوت التحرير الأفريقي لرد اعتبار هذه الديانات، ويقول الأب ” ديزموند توتو”.. ” ظهر اللاهوت الأفريقي في القارة بعد الاستقلال السياسي كرد اعتبار للديانات التقليدية التي طمسها المستعمر الغربي المسيحي بحجة دونيتها وعدم ملاءمتها للعقائد المسيحية، وقد رفع اللاهوت الأفريقي بعد الاستقلال شعار الأصالة الأفريقية والتحرُّر من التقاليد الغربية التي لا علاقة لها بجوهر الديانة المسيحية. إن اللاهوت الأفريقي هو نقد مباشر للهيمنة اللاهوتية الغربية التي لم تكن تعترف باستقلال الأفارقة وحقهم في تبني لاهوت جديد يتماشى مع حاجات القارة الفعلية. فهذا اللاهوت هو أساسًا تعبير عن الأصالة ورد فعلٍ لنوع من الاستعمار الثقافي”(4).

ويرى الأب ” ديزموند توتو ” أن لاهوت التحرير الأفريقي قد سبق لاهوت التحرير الأمريكي – اللاتيني، وظهرت الكنائس المستقلة مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كثمرة من ثمار لاهوت التحرير الأفريقي، وفي سنة 1956م ظهر أول كتاب وقَّعه كهنة أفارقة، ويدور حول موضوع التحرير باسم ” كهنة سود يتساءلون”، وأيضًا من ضمن الفروق إن الذين نادوا بلاهوت التحرير الأفريقي هم الشعوب المقهورة 0أما الذين نادوا بلاهوت التحرير الأمريكي اللاتيني فهم فئة من المثقفين، وليسوا الشعوب المقهورة من الهنود أصحاب البلاد الأصليين أو العبيد القدماء.

وفي سنة 1994م سقط النظام العنصري في جنوب أفريقيا بعد أربعمائة سنة من سياسة الفصل العنصري، وتولى رئاسة البلاد الرئيس الأفريقي المجاهد ” نيلسون مانديلا”.

3- لاهوت السود Black Theology:

نشأ في الولايات المتحدة الأمريكية، وجنوبي أفريقيا، بهدف التصدي لقضية التفرقة العنصرية بين الأبيض والأسود، وبهدف رفع مستوى السود والمطالبة بحقوقهم في المجتمع أسوة بالبيض، ومن رواد هذه الحركة ” مارتن لوثر كينج ” الذي حصل على جائزة نوبل للسلام عام 1964م، والأب المطران ” ديزموند توتو ” Desmond Mpilo Tutu الذي حصل على جائزة نوبل للسلام أيضًا عام 1984م، وفيما يلي نذكر باختصار قصة ديزموند توتو:

فقد وُلِد ديزموند في 7 أكتوبر 1931م بجنوب أفريقيا غرب جوهانسبرج بـ180 كم، وكان والده معلمًا في مدرسة ابتدائية، وتعمد وهو طفل في كنيسة الميثودست، وفي طفولته كان يستقل دراجته لشراء الجرائد والسجائر لوالده، فكان يتعرض لمعاكسات الصبية من البيض فيدفعونه عن الدراجة ويركلونه بأرجلهم ويدعونه ” الأسود كالفحم ” وفي سنة 1949 صدر قانونًا يُحرّم الزواج المختلط بين البيض والسود، وكان لهذه الأمور وغيرها التأثير النفسي السيء على شخصية ديزموند توتو.

وفي سنة 1962م ذهب ديزموند إلى إنجلترا لاستكمال دراساته اللاهوتية، فحصل على الليسانس والماجستير في العلوم اللاهوتية، وبعد عودته إلى البلاد شارك في الصحوة الكنسية التي تشجب التفرقة العنصرية، ففي سنة 1971م نشر مقالًا بعوان ” هل الله أبيض أم أسود؟ ” وفي سنة 1972م عُيَّن مسئولًا عن ميزانية برنامج التعليم اللاهوتي التابع لمجلس الكنائس العالمي، وفي سنة 1975م عُيَّن كأول عميد أفريقي أسود لكاتدرائية العذراء القديسة مريم في جوهانسبرج، ورفض الإقامة في أماكن البيض، وخصص صلاة أسبوعية كل يوم جمعة من أجل العدالة والمصالحة في جنوب أفريقيا بين البيض والسود، ووجه خطابًا مفتوحًا لفورستر Vorster رئيس الوزراء في مايو 1976م يعلن فيه عن خشيته من تدهور الأمور وانفجار أعمال العنف وسفك الدماء بسبب القهر المتزايد في البلاد. أما فورستر فقد اتهمه بالتخريب السياسي.

ثم عُيَّن ” ديزموند توتو ” رئيسًا لمجلس كنائس جنوب أفريقيا، وأصبح يمثل أكثر من عشرة مليون مسيحي منهم 90 % من السود، وفي سنة 1978م كان لهذا المجلس وقفته الجريئة ضد العنصرية، ويقول الأب وليم سيدهم ” وقد تسببت المواقف الجريئة التي اتخذها مجلس الكنائس في هياج صفوف المناصرين لسياسة الفصل العنصري، في عام 1968م، أدان المجلس بشكل رسمي سياسة الفصل العنصري بصفتها سياسة معادية للديانة المسيحية، ووصفها بالهرطقة وبأنها {إنجيل آخر} فما كان من أعداء المجلس العنصريين إلاَّ واعتبروه {قاعدة انطلاق السلطة السوداء} بما يضمه من ثوار مرتبطين بمجلس الكنائس العالمي، ورأوا أن المجلس في ذلك يمهد الطريق إلى انقضاض الشيوعية على البلاد”(5).

وفي سنة 1979م أعلن ” ديزموند توتر ” قائلًا ” نحن أعضاء مجلس كنائس جنوب أفريقيا، نؤمن أن جنوب أفريقيا كيان واحد غير عنصري، إذ أن لكل إنسان فيها قيمة، لأنه مخلوق على صورة الله، وأن مجلس الكنائس العالمي ليس منظمة سوداء أو منظمة خاصة بالبيض، بل هو منظمة مسيحية تعتني بالمضطهدين والمستغَلين في مجتمعنا، وعليه فإننا -نحن الذين نمثل مكتب المنظمة- نعتبر أنفسنا رمزًا لما يجب أن تكون عليه جنوب أفريقيا الجديدة، فجميع الأجناس في جنوب أفريقيا ممثلة في هذا المكتب، ونحن نقوم بعمل جماعي بإدارة أمين عام وهو بالصدفة أسود”(6).

كما قال أيضًا ” على مثال المسيح سيدنا، نحن مدعوّون إلى العمل من أجل السجناء والفقراء والمقهورين والمعزولين والمحتقرين”(7).

غير إن سياسة ” ديزموند توتو ” التي ترفض العنف لم ترق لكل السود، فيقول الأب وليم سيدهم ” أصبح ديزموند توتو في نهاية السبعينيات من أبرز الوجوه المسيحية المعارضة لسياسة التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا، وعلى الرغم من ذلك، فإنه لم يفُز بإجماع الشباب السود، لأنهم رفضوا سياسة اللاعنف، ولجأوا إلى حمل السلاح بسبب يأسهم من سياسية الحكومة المتشددة في البلاد”(8) وطالب ” ديزموند توتو ” مسيحيو العالم بالصلاة من أجل التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا، والضغط على الحكومات حتى لا تتعاطف مع النظام العنصري في أفريقيا، وفي 16 أكتوبر 1984م حصل ديزموند توتو على جائزة نوبل للسلام، وعاين ثمرة جهاده سنة 1994م عندما سقط نظام التفرقة العنصرية في البلاد.

ويرد أصحاب لاهوت السود على الذين يتساءلون: هل للاهوت لون؟! وهل يمكن أن نقول أن هناك كيمياء أو فيزياء بيضاء أو سوداء ؟!!، فيقولون إن هناك موسيقى فرعونية وفلسفة ألمانية، هكذا يمكن أن يكون هناك لاهوتًا أسودًا يخص السود بهدف رفع المعاناة والاحتقار الذي يتعرضون له من قبل البيض الذين يعتبرون أن كل ما هو ليس أوربيًا لا قيمة له ولا وجود له، ويقول الأب ” ديزموند توتو”.. ” إن صفة {أسود} أو {الجنس الأسود} قد اُختيرت بعناية وعن قصد، للتعريف بفئة من الناس كثيرًا ما عُرفوا بكلمات النفي مثل ” ليسوا هذا، ولا ذاك ” أو بمصطلحات ذات معانٍ وضيعة وحقيرة وغير مقبولة.. أصبح كل من هو {ليس أوربيًا} يعامل على إنه {لا قيمة ولا وجود له}.. وفي رأينا، فإن صفة {أسود} هي تأكيد الإنسان الأسود نفسه وتأكيد وعيه لوجوده ولإنسانيته ولكرامته ولقيمته كإنسان. إذًا أول ما يتناوله لاهوت السود هو هذا الجزء من الإنسانية، من الرجال والنساء الذين استيقظوا من سُباتهم العميق، وأخذوا يَعون إن لهم قيمة خاصة بصفتهم أشخاصًا، وإنهم غير مُجبرين على البحث عما يُبرّر وجودهم يعرضونه على الآخرين”(9).

كما يقول ” ديزموند توتو”.. ” إن لاهوت التحرير جزء لا يتجزأ من كفاح السود لينالوا حريتهم، ويجتهد في مساعدتهم على أن يفخروا بإنسانيتهم، فلا يخجلون من النظر إلى الآخرين في أعينهم بل يتعاملون معهم ندّ لند، ولا يعتبرون أنفسهم مضطرين إلى الاعتذار بسبب إن لون بشرتهم أسود”(10).

وأيضًا يقول الأب ” ديزموند توتو”.. ” أما لاهوت السود فيتناول قضايا أخرى لا تقل أهميتها عن قضية الأصالة. إنه لاهوت وُلِد في رحم الألم والمعاناة التي عاناها سكان جنوب أفريقيا السود على يد طغاة الفصل العنصري، فقضايا الألم والمغفرة، ورفض التفرقة العنصرية تُعتبر أعمدة لاهوت السود الرئيسية”(11).

كم قال ” ديزموند توتو”.. ” هكذا ظهر إلى الوجود {اللاهوت الأسود} والذي نعتبره في أفريقيا لاهوتًا للتحرير بتمام معنى الكلمة، وينمو هذا اللاهوت خصوصًا في جنوب أفريقيا حيث نزعت العنصرية إنسانية السود، حتى أنها حولتهم إلى مخلوقات لا تمت إلى البشر بصلة.. إن اللاهوت الأسود – بصفته لاهوت تحرير – يعتبر من الآن جزءًا لا يتجزأ من معركتنا في سبيل خلاص الشعب، ولهذا السبب، حرَّمت الدول تداول هذا اللاهوت الذي يستلهم الإنجيل والذي يريد أن يوقظ عند الإنسان الأسود معنى كرامته وإنسانيته الفردية كابن الله”(12).

وأول من ذكر مصطلح “اللاهوت الأسود” هو “جيمس كون ” James H. Cone في كتابه ” اللاهوت الأسود والسُلطة السوداء ” الذي أصدره سنة 1969م. ثم دخل هذا المصطلح جنوب أفريقيا سنة 1971م خلال المؤتمر الذي عقدته الطوائف المسيحية في المعهد الكاثوليكي بهاما نسكرال بواسطة ” الحركة المسيحية الجامعية ” وصدر عن هذا المؤتمر بيان باسم ” فكر لاهوتي أسود ” يُعرّف هذا التيار اللاهوتي الجديد.

ويعتبر أصحاب لاهوت السود إن هذا النوع من اللاهوت يسعى لتحرير القاهر الذي يتجرد من إنسانيته، لأنه يجرد الآخرين من إنسانيتهم، وهو أيضًا يسعى لخلاص المقهور ورفع الظلم عنه، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وأيضًا يقول أصحاب لاهوت السود بأنهم لا يشكُّون في وجود الله، ولا في صلاحه، ولا يتساءلون لماذا يوجد الألم في عالم يوجد فيه إله صالح كلي القدرة؟ ولكنهم يتساءلون: لماذا نتألم نحن السود ألمًا مبرحًا..؟ لماذا نتألم أكثر من غيرنا..؟! إنهم يرفضون دعوى البيض بأن أجدادهم هم الذين أرادوا بناء برج بابل فلعنهم الله، أما أجداد البيض فإنهم قاموا ببناء الحضارة المسيحية، ويقول الأب ” ديزموند توتو”.. ” سيرفض السود تمامًا وباشمئزاز الحل الذي يقول لهم إن ما يعانونه الآن من آلام هو جراء ما اقترفوه من كفر.. وربما يتلقى الأفارقة بارتياح أكثر وجهة نظر القديس أغسطينوس في شرح قضية الألم، فهو يرى أن الألم سببه خطأ وقع في طفولة الجنس البشري المبكرة.. ولكن إن كانت وجهة النظر الأوغسطينية أكثر اقترابًا من الحقيقة، فإنها لا تحل معضلة معرفة الأسباب الحقيقية للآلام التي يتكبدها الإنسان الأسود، أكثر من غيره من البشر، بسبب هذا السقوط الأول.. أعتقد إن رجاءنا يتوافق مع نظرة إيريناؤس إلى الله.. إن هذه النظرية الإيريناوية تُعبّر عن المعنى نفسه الذي نجده في نشيد عيد القيامة في الطقس الغربي O Felix culpe أي {أيتها الخطية المباركة} ويؤكد النشيد إنه من خلال الشر والألم أتانا وسأتينا خير عظيم. كما يؤكد إنه من خلال حياة وموت المسيح وقيامته اتخذ الألم صفة جديدة ودورًا جديدًا ووضعًا جديدًا، فالألم جزء لا يتجزأ من قصة الفداء الإلهي {إذا أراد أحد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني} (مر 8: 34) فعلى من يريد أن يكون صديقًا للمسيح أن يتشبه بسمعان القيرواني، هذا الأفريقي الذي ساعد يسوع على حمل صليبه.. الألم بسبب بركة.. وهنا قد تتفق وجهة نظرنا مع ما رآه أحد الشعراء، حين قال {إن العالم هو المكان الذي تُطرق فيه النفس كما يُطرق الحديد ليطوَّع شكله، إذ تكون أنظارنا موجهة -في أثناء التطويع- نحو السماوات الجديدة والأرض الجديدة}”(13).

ويقارن ” ديزموند توتو ” بين لاهوت السود واللاهوت الأفريقي فيقول ” إن لاهوت السود أكثر عدوانية وأكثر جذرية (راديكالية) من اللاهوت الأفريقي.. لأن عليه واجبًا هامًا، وهو أن يُحدث تحولًا عميقًا في قلب الإنسان الأسود، تحوُّلًا يخرجه من غيبوبته ومن قبوله للعبودية وإجلاله للبيض، وعلى عاتق هذا اللاهوت يقع عبء توعية الإنسان الأسود.. وبالمثل يتحرَّق هذا اللاهوت شوقًا إلى إيقاظ مشاعر الإنسان الأبيض ليعي إلى أي درجة من الانحطاط يصل به الأمر حين ينتقص من إنسانية السود، فمهمة لاهوت السود مزدوجة إذًا، فهي تهدف إلى تحرير القاهرة كما تبغي تحرير المقهور..

وبصفتي مواطنًا من جنوب أفريقيا، أزعم أنني أستطيع أن أتحدث باسم السود عن لاهوت السود، وبما أنني مواطن أفريقي أيضًا، أزعم إنه يمكنني أن أتحدث باسم الأفارقة، وأؤكد أن لاهوت السود (الخاص بجنوب أفريقيا) يعتبر الوجه الخارجي الأكثر اتساعًا، وأن اللاهوت الأفريقي هو الدائرة الداخلية الأصغر في سلسلة الدوائر المركزية في داخل هذا اللاهوت.. فإني أعتقد أن لاهوت السود يمكنه أن يضيف الكثير إلى اللاهوت الأفريقي، فيمكن لاهوت السود أن يُذكَّر اللاهوت الأفريقي بدعوته الأساسية، وهي الاهتمام بالفقراء والمقهورين وبجميع الحاجات التي تهم أبناء أفريقيا”(14).

4- لاهوت التحرير الفلسطيني:

أصدر القس نعيم عتيق سنة 1948م كتاب ” الصراع من أجل العدالة ” حيث يقول في معرض حديثه عن لاهوت التحرير الفلسطيني إنه ” لا يخلق لاهوتًا جديدًا وفريدًا ومنفصلًا للمسيحيين الفلسطينيين وإنما هو محاولة من أجل إعادة اكتشاف التحرير الذي قام به السيد المسيح، والذي يجب أن نكون على علم به، ورؤية للسلام العادل مبنية على أساس الإيمان بالله وفي خطى المسيح في أسلوبه اللاعنفي” (لونا فرحات)(15).

كما تقول لونا فرحات ” فكيف يكون الله هو المحبة بينما يقبل بما يجري لهم من مآسي على أيدي اليهود، الذين يستعملون نصوص العهد القديم لدعم الظلم لا العدل. ومما زاد من صعوبة المسألة هو أن الكنيسة وقفت عاجزة عن تقديم إجابات لكل تساؤلات المسيحي الفلسطيني.. كيف يمكن للعهد القديم أن يكون كلمة الله في الوقت الذي استخدمته الصهيونية لتبرير معاناة الفلسطينيين؟ للخروج من هذه المآزق اللاهوتية يؤكد لاهوت التحرير الفلسطيني ضرورة وضع النصوص التوراتية في سياقها التاريخي، وهي تعكس مفهومًا بشريًا لله كان سائدًا في فترة تاريخية معينة وإن هذا المفهوم يساعد المسيحيين الآن لمعرفة كيف كان ينظر الله وكيف تغير هذا المفهوم بمجيء السيد المسيح. فأي حدث يقع في التاريخ يستطيع المسيحي أن يعرف ما إذا كان الله موافق عليه أم لا من خلال سؤال أنفسنا هل هذا الفعل يوافق طبيعة الله التي عرفناها في المسيح”(16).

ويؤكد القس نعيم عتيق إنه لا سلام مع الاضطهاد وغياب العدالة ” إن الصلة بين العدالة والسلام أساسية في العهد القديم، فقد شجب الأنبياء كل سلام كاذب يقوم على الاضطهاد، فالشرط الأساسي لتحقيق السلام هو العدل أولًا ثم يأتي السلام والأمن للجميع” (لونا فرحات)(17).

وأيضًا يؤكد القس نعيم عتيق أن الله هو مخلص المضطهدين، وعلى البشر أن يشتركوا معه في هذا الخلاص ولكن بدون عنف، فتقول ” لونا فرحات”.. ” فلاهوت الأمل الفلسطيني ينبع من إدراكهم أن الله يقف إلى جانب المضطهدين الذين يعملون من أجل يوم أفضل، ويواجهون الذين يضطهدونهم بخطيئتهم على أن يتمسك الجميع بالتقليد المسيحي المتعلق بمقاومة العنف. فالطريق التي يعلنها اللاهوت الفلسطيني لمقاومة الظلم هي طريق اللاعنف التي تمثل أسلوب يسوع وفلسفته القائمة على اللاعنف”(18).

وتقول لونا فرحات ” ولكن الكنيسة اتخذت موقفًا اعتبره القس عتيق موقفًا شجاعًا، وشكَّل تحوُّلًا كبيرًا في موقف الكنيسة تجاه ما يجري من أحداث. وذلك عندما عبَّر رؤساء الطوائف المسيحية في القداس تضامنهم مع الفلسطينيين الذين يقاومون الاحتلال أثناء ذروة الانتفاضة في كانون الثاني من العام 1988م، وأصدروا بيانًا أعلنوا فيه عن وقوفهم مع الحق والعدل وضد كل ظلم وإجحاف”(19).

ودعى لاهوت التحرير الفلسطيني إسرائيل للتخلي عن أطماعها، كما دعى الفلسطينيين إلى محبة الأعداء، فتقول ” لونا فرحات”.. ” والجديد في لاهوت القس عتيق هو خطابه لإسرائيل بالتخلي عن حلمها بإنشاء إسرائيل الكبرى، فهو حلم غير واقعي وخطير، وإذا تحقق فلن يكون إلاَّ بواسطة قوة السلاح، ولن تستطيع العيش إلى الأبد خلف جدران تصنعها لنفسها.. وأخيرًا يوجه القس عتيق نداءًا إلى شعبه أن يحبوا أعداءهم عملًا بقول السيد المسيح أحب عدوك واصفح عنه وذكّره دائمًا بالعدل والحق”(20).

وفي الحقيقة إن مقاومة الهنود وقت الاحتلال لبريطانيا كانت مقاومة سلبية، فتصدى هؤلاء الهنود للقوة الغاشمة ورصاص الإنجليز بأجسادهم، ولم يقاوموا الشر بالشر، بينما لا نستطيع أن ننكر أن الفلسطينيين وصل بهم الحد في مقاومة العنف بالعنف إلى تفجير أنفسهم وسط مدنيين إسرائيليين، وهذا يبين لنا أن لاهوت التحرير الفلسطيني أمر نظري لا ينطبق على الواقع الفلسطيني.

5- لاهوت المجاعات Faminist Theology:

وهو يتصدى للمجاعات التي تتعرض لها شعوب العالم الثالث، والتركيز على كرامة الإنسان كما يرتضيها الله، والمطالبة بتحرير المرأة.

6- لاهوت المجتمعات المسيحية Basic Christian Communities:

ونشأ هذا اللاهوت في المجتمعات المسيحية في فرنسا وإيطاليا وهولندا وأمريكا اللاتينية، وكان الهدف من هذا اللاهوت الخروج عن التقليد الأعمى الموروث حسب تصوُّرهم، والمناداة بكهنوت جميع المؤمنين، والقضاء على سلطة الإكليروس، والاستفادة من مواهب الشعب وطاقاته، والتركيز على أن شعب الله هو الذي يمثل الكنيسة، وتهيئة الفرصة لكل شخص لتكوين علاقة شخصية مع الله، وظهر هذا اللاهوت أيضًا في البرازيل بقيادة ” هيلدر كامارا” و”ليوناردو بوف”.

7 – لاهوت تحرير عربي إسلامي مسيحي:

يطالب الأب وليم سيدهم بالعبور إلى لاهوت مسيحي إسلامي يقاوم الفقر والظلم والقهر فيقول ” في ظل ظروفنا السياسية والاقتصادية والروحية الراهنة، هل نستطيع أن نقوم بقراءة مكانية لخبرتنا التاريخية الخاصة بنا لنبلور لاهوتًا مسيحيًا إسلاميًا، يساعدنا على التحرُّر من حالة التبعية على كل الأصعدة للعالم الغربي، ويفجر طاقاتنا على ضوء إيماننا المسيحي والإسلامي بدور الله المُحرّر”(21).

ويقول ” ميشيل يوسف شفيق ” في مقال له عن لاهوت التحرير تحت عنوان ” لاهوت الأرض والسماء ” مُعلِقًا على كتاب ” كلام في الدين والسياسة ” للأب وليم سيدهم وتقديم الأستاذ جمال البنا(22).. ” وبعد ذلك ينتقل الكاتب (الأب وليم سيدهم) إلى النقطة الرئيسية في الموضوع وهي البحث عن لاهوت تحرير عربي إسلامي من خلال فهم عميق للمجتمع العربي والمصري على وجه الخصوص. في هذا الجزء يعرض قضية بذل الآخر بين مختلف الأديان في مجتمعنا العربي وبالأخص بين المسيحية والإسلام والديانات الأخرى مثل الهندوسية والبوذية ويتعجب الكاتب من ذلك، ولذلك ينصح الكاتب بوجوب مواجهة التعصب بالفهم وهضم الأديان الأخرى حتى نستطيع التعامل معهم داخل إطار المجتمع بشكل صحيح وذلك يبدأ من الأسرة والمدرسة.. ومن الممكن أن يتم ذلك في مصر عن طريق التنسيق بين الدين الإسلامي والدين المسيحي.. دون الدخول في مهاترات الحوار بين الأديان.. ويأمل الكاتب في وجود لغة تواصل بين الديانتين الإسلامية والمسيحية في لاهوت تحرير مشترك نواجه به التعصب والإرهاب وازدواجية المعايير والقهر والظلم”(23).

ويتساءل د. حسن حنفي عن مدى إمكانية إبداع لاهوت تحرير إسلامي مسيحي فيقول ” فهل نستطيع أن نبدع لاهوتًا تحريريًا إسلاميًا مسيحيًا بالتعاون مع أصحاب الديانات الأخرى يتخذ من الروحانية التي تحملها أدياننا ترياقًا ضد الجمود والازدواجية والتعصب..؟ نستطيع في البداية أن نجيب بنعم.. ولاهوت التحرير هو أحد أوجه محاولة الدين أن يرتبط بالواقع وأن يعمل على تغييره وأن يجعل الناس متدينين ومناضلين، ومجددين وحديثين، ولا يتوقف الدين في هذه الحالة عند ما وراء الغيب وما بعد الحياة الدنيا، بل يضيف إلى ذلك الاهتمام بالفقر والحرية وحقوق الإنسان والعدالة والعولمة الأكثر إنسانية، لذلك نحاول الإجابة على تساؤل إمكانية الاستفادة من النماذج الرائدة في المسيحية والإسلام، وتهتم الورقة أكثر بالواقع الإسلامي وتبحث عن بذور لاهوت تحرير في الحركات الإسلامية والطرق الصوفية والاجتهادات الفردية”(24).

ويرى دكتور حسن حنفي أن هناك أسانيد قرآنية للاهوت التحرير تبيح استخدام السلاح للوصول إلى الحرية المنشودة فيقول ” وما أكثر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في {لاهوت التحرير} والتي أُحسن استعمالها في الثورة الإسلامية في إيران {ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} وارتباط الأديان بالله بالأمن ضد الخوف وبالإشباع ضد الخوف {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وأمَّنهم من خوف} وتنهار المجتمعات الإقطاعية عند بناء القصور للأغنياء وتعطيل الآبار للفقراء {وبئر معطلة وقصر مشيَّد} بل يجوز القتال بالسلاح دفاعًا عن النفس ودفعًا للعدوان {أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق} لاهوت التحرير تأويل للثنائيات الدينية التقليدية التي أرست قواعدها المانوية القديمة، الصراع بين النور والظلمة، الخير والشر، الحق والباطل، الصواب والخطأ، والتي استمرت في الثنائيات الدينية المسيحية والإسلامية العالم والله، الدنيا والآخرة، الخير والشر، الجنة والنار، النعيم والعذاب، الثواب والعقاب، الذكر والأنثى، الملاك والشيطان.. إلخ إلى ثنائيات حديثة الصراع بين القاهر والمقهور، الغني والفقير، الظالم والمظلوم، الحاكم والمحكوم، المركز والأطراف.. إلخ.”(32)(25).

هذا بينما يستبعد د. ميلاد حنا الوصول إلى لاهوت عربي مصري فيقول ” وإلى الآن لم تتم صياغة مناسبة تُخرج المجتمع المصري أو العربي من الأزمة، لأن الخلفية الحضارية مختلفة ولا تنجب {لاهوت تحرير} فحتى الكنيسة المصرية الأرثوذكسية.. تدعو إلى الأفكار السلفية السائدة نفسها، ومن ثمَ فإن قيام لاهوت تحرير مصري أو عربي أمر غير وارد.. ولذلك فإن كاثوليك مصر، ممن تذوقوا {لاهوت التحرير} قادرون على تنشيط وتحريك الكتلة المجاورة لهم من {أقباط مصر} وهو بالتبعية وبحكم الجوار الحضاري قادرون على تحريك {شعب مصر} وأختم هذه المقدمة، بأن أعود إلى بدايتها وأقول كيف كنت عضوًا فاعلًا في النطاق الكنسي القبطي، ولكنني تركته لأنه كان جامدًا وسلفيًا. ولذلك طفت بعض الوقت خارج هذا المحيط، فعدت في نهاية العمر إلى نقطة الانطلاق، محاولًا أن أسهم في صياغة ميثاق أو برنامج يناظر لاهوت التحرير ويكون مصريًا عربيًا يناسب الجذور الحضارية في المنطقة”(26).

وخلال الفترة من 3 – 5 سنة 2003 عُقدت ندوة في كينج مريوط عن ” لاهوت التحرير إشكاليات ورؤى ” ضمت بعض المفكرين المسلمين والمسيحيين، وتحدث فيها كل من: د. أنور مغيث – د. حيدر إبراهيم – د. عاصم الدسوقي – الأب كريستيان فان ينسبان – د. محمد السيد سعيد – جمال البنا- ريتا يعقوب – فريدة النقاش – لونا فرحات – الأب وليم سيدهم اليسوعي – د. حسن حنفي – سليمان شفيق – سمير مرقس – د. ماجي عبد المسيح – د. يسري مصطفى.

8- لاهوت تحرير إسلامي:

يرى د. عاصم دسوقي أن النصوص الإسلامية التي تسمح بإقامة لاهوت تحرير إسلامي متوفرة ومتاحة، فيقول ” وقف الفقهاء مؤيدين لخطوات الثورة، واستخدموا من النصوص الدينية ما يؤيد اتجاهات الحرية والعدل والمساواة. بل لقد بدأ البحث في اشتراكية الإسلام وأبرز الأحاديث المناسبة مثل: أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه. الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار.. مقولة أبو ذر الغفاري {عجبت لرجل لا يجد قوت يومه! ولا يخرج على الناس شاهرًا سيفه}”(27).

ويرى الأستاذ جمال البنا أن حركة التحرير في الإسلام تشمل أولًا: تحرير القرآن من أكداس التفاسير، وثانيًا: تحرير الفقه مما لحق به على مدار ألف عام من مباركة السلطة الحاكمة، فيقول ” أخذت حركة التحرير المسيحي اسم {لاهوت التحرير} لأن اللاهوت هو جوهر العقيدة المسيحية والذي تتولاه الكنيسة وترى فيه جوهر اختصاصها، ولكن لما لم يكن في الإسلام لاهوت بهذه الصفة، فإن حركة التحرير تركزت حول إنقاذ أصل الإسلام وهو القرآن من أكداس التفاسير التي ميعت قوته وأصالته، وحفلت صفحاتها بمئات النقول من التوراة أو الاستشهاد بأحاديث ضعيفة أو موضوعة وأبيات شعر منحولة.. إلخ.. ويأتي بعد هذا تحرير الأصول التي قامت عليها قلعة الفقه الإسلامي والتي وُضعت منذ ألف عام دون تغيير، وقد صوَّرت دعوة الأحياء الإسلامي ودورها بالنسبة للقرآن في كتاب {تنوير القرآن} ودورها في تجديد الفقه في مجلد {نحو فقه جديد}”(28).

كما يرى الأستاذ جمال البنا “إن الأديان أضفت على الإنسان كرامة فهو في المسيحية واليهودية على صورة الله، وهو في الإسلام خليفة الله على الأرض. إن دعوة الإحياء الإسلامي ترفض كل النظم والنظريات التي تؤدي إلى قهر الإنسان سواء عن طريق الحكم السياسي أو الاستغلال الاقتصادي مهما تكن الأسباب والمبررات، فمن زاوية الأديان فهي آلهة مزيفة وطواغيت تحل نفسها محل الإله الرحمن الرحيم. إنها ترى في القرآن الوسيلة المثلى للهداية وترفض تقييده بالتفاسير، كما ترى أسوتها الحسنة في الرسول. إنها تؤمن بأن العمل مصداق الإيمان ومعيار الثواب والعقاب”(29).

هذا بينما يرى د. حيدر إبراهيم أن الوقت لم يحن بعد للاهوت تحرير إسلامي، فيقول “ومن هنا كان سؤال إمكانية تأسيس لاهوت تحرير إسلامي ضروريًا ومثيرًا للاهتمام. ولم يشهد العالم الإسلامي التغييرات الدينية التي جربتها أمريكا اللاتينية. أما الدول والجامعات الإسلامية رغم شعارات الإسلام دين ودولة مما يعني وجود الاهتمام بتلك القضايا إلاَّ أن الخطاب الإسلامي لم يصعد إلى مستوى لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية.. ولكن في النهاية نستطيع القول أن الظروف في العالم الإسلامي مازالت غير مواتية لقيام لاهوت تحرير، فالجماهير المتدينة تزداد في الغالب إما تعصبًا أو لا مبالاة”(30).

كما يقول د. حيدر إبراهيم مدللًا على أن الظروف مازالت غير مواتية لإرساء لاهوت إسلامي ” وهنا يفترق الإسلام الرسمي أو الأرثوذكسي Orthodox Islam عن الإسلام الشعبي Popular Islam حيث يحاول الإسلام الرسمي أن يدخل الحياة في النص المقدَّس بينما الإسلام الشعبي يتميز بأنه حي ومتغير -لأنه يفعل العكس- يسعى لكي يتوافق النص مع ممارسات وطريق حياة المتدينين.

إن الإسلام السياسي والمحافظ عمومًا استطاع تجييش الجماهير وتعبئتها خلف شعارات دينية غامضة مثل الإسلام هو الحل أو لا تبديل لشرع الله، وكسبت السلفية الإسلامية الشارع الإسلامي لأنها خاطبت عواطفه واستغلت مناخ الأزمة والعجز في هذه المجتمعات. أما المعسكر الآخر فإنه رغم اجتهاداته وجدة أفكاره ظل معزولًا ومحصورًا بين صفوة قارئة وباحثة لم تستطع أن تكسب الشارع، وهي عرضة باستمرار للاتهامات من القوى المحافظة مما جعلها في حالة دفاع مستمر ومكون من أجل البقاء فقط..

يقدم البعض الدين وكأنه آلهة حرب، إذ يقومون بالإقصاء والقضاء على الآخر غير مهتمين بالحوار والتعايش مع الآخر، فالأصوليات هي السائدة الآن والنظريات القائلة بصراع الحضارات (تقرأ صراع الديانات) هي التي تهيمن على التفكير وعلى السياسيات والعلاقات الدولية على الأقل في الولايات المتحدة الأمريكية، ولأن الحقبة الراهنة تشهد انحسار حركات التحرُّر عمومًا مقابل الهيمنة، لذلك تراجع لاهوت التحرير لأن القوى السياسية والحركات الاجتماعية التقدمية ضعفت مع سقوط النموذج الاشتراكي.. العمل الثقافي والفكري الذي يبغي الحداثة والتحديث مع تحولات ملموسة على مستوى التنمية الاقتصادية الشاملة هو الطريق نحو ربط الدين مع التقدم والتحرُّر، وهذا هو لاهوت التحرير الإسلامي، الذي قد يُمكّن الناس من بناء فردوسهم على هذه الأرض”(31).

_____

(1) مجلة الهدى – عدد 919 يناير 1990م ص 24.

(2) لاهوت التحرير في أفريقيا ص 119، 120.

(3) لاهوت التحرير في أفريقيا ص 130.

(4) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير في أفريقيا ص 98.

(5) لاهوت التحرير في أفريقيا ص 24.

(6) لاهوت التحرير في أفريقيا ص 25.

(7) المرجع السابق ص 25.

(8) المرجع السابق ص 26.

(9) لاهوت التحرير في أفريقيا ص 58.

(10) المرجع السابق ص 115.

(11) المرجع السابق ص 98.

(12) لاهوت التحرير في أفريقيا ص 107.

(13) لاهوت التحرير في أفريقيا ص 78 – 90.

(14) لاهوت التحرير في أفريقيا ص 101 -103.

(15) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 153.

(16) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 154.

(17) المرجع السابق ص 155.

(18) المرجع السابق ص 156.

(19) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 157.

(20) المرجع السابق ص 159.

(21) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 20.

(22) شقيق حسن البنا زعيم الإخوان المسلمين.

(23) جريدة التجمع في 2/11/2003.

(24) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 81، 82.

(25) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 67.

(26) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 14، 15.

(27) المرجع السابق ص 176.

(28) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 53.

(29) المرجع السابق ص 56، 57.

(30) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 84، 85.

(31) الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير – رؤية عربية إسلامية مسيحية ص 88 – 97.

(32) وليم سيدهم – لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية ص 27، 81 – الأب وليم سيدهم – لاهوت التحرير في أفريقيا ص 198.

ما هي التيارات المختلفة التي تنطوي تحت شعار “لاهوت التحرير”؟ وكيف تفرَّع لاهوت التحرير في اتجاهات مختلفة؟

ما هي نظرية اللاهوت الليبرالي لله، وللسيد المسيح، وللملكوت، وللكتاب المقدَّس، وللإنسان؟

 129- ما هي نظرية اللاهوت الليبرالي لله، وللسيد المسيح، وللملكوت، وللكتاب المقدَّس، وللإنسان؟

ج: لقد كان ومازال للاهوت التحرُّر نظرته لله، وللسيد المسيح، ولملكوت الله، وللكتاب المقدَّس، وللإنسان:

1- نظرة اللاهوت الليبرالي لله:

خلط الليبراليون بين الله والوجود، فيقولون ” اسم الله يُطلَق على هذه العملية العظمى الجبارة التي وجدنا أنفسنا جزءًا منها. هذه العملية العظمى التي تُظهِر نفسها في أصغر الأشياء كالخلية، وفي أعظم الأشياء كالنجوم الجبارة. الله ليس شخصًا متميزًا عنا بل حياتنا جزء منه.. إن الإنسان والله واحد، فحتى خطية الإنسان هي جزء من حياة الله”(1).. يا للهول!!! هل يُعقل أن الله القدوس تصير خطية الإنسان جزءًا من حياته!!!

كما قالوا ” هل تظن أن الله جاء في شخص اسمه يسوع المسيح ؟ وهل تظن في مكان ما شخص اسمه الله.. الله لا يُحد ولا يُحيز.. هذه أفكار بدائية قدمها الكتَّاب في وقت كتابتهم للكتاب المقدَّس، وتتناسب مع طفولتهم وسذاجتهم الفكرية. لكن نحن في عصر ما بعد الحداثة الآن. كيف نقبل هذه الأفكار الآن أن الله فرد شخص علم قائم بذاته. الله هو هذه العملية الجبارة التي أسموها الحياة.. الحياة التي تجعل الزهرة تشق الصخور، وتجعل الخلية تتكاثر وتطبع نفسها، وتجعل النجوم تدور في أفلاكها”(2).

وادَّعى الليبراليون أن معرفة الله أمر ليس له أهمية، فيقولون ” ليس من المهم أن يكون عندك فكرة واضحة عن الله، وليس من المهم أن تصل إلى حقيقة قاطعة من جهة من هو الله. لا تضيع جهدك في محاولة أن تعرف من هو الله. إذ أن في هذا قتل لحياتك الروحية. إن المهم هو أن تشعر بحضوره. أنتم بعقولكم المحدودة تتصوَّرون أنكم تعرفون الله غير المحدود”(3) وبذلك يتحوَّل الله بالنسبة للإنسان من إله كائن إلى فكرة مجردة، متغافلين قول الكتاب المقدَّس:

“لا يفتخرن الحكيم بحكمته. ولا يفتخر الجبار بجبروته. ولا يفتخر الغني بغناه. بل بهذا ليفتخرن المفتخر بأنه يفهم ويعرفني إني أنا الرب الصانع رحمةً وقضاءً وعدلًا في الأرض لأني بهذه أسرُّ يقول الرب” (أر 9: 23، 24).

“بدء الحكمة مخافة الرب ومعرفة القدوس فهم” (أم 9: 10).

2- نظرة اللاهوت الليبرالي للسيد المسيح:

يقول الدكتور القس حنا جرجس الخضري أن المُتحرّرين قد رأوا ” في يسوع إنسانًا حكيمًا ومعلمًا عظيمًا ومصلحًا اجتماعيًا لا يُقارن. ولقد رفعته هذه الحركة إلى درجة لم يرتفع إليها أي إنسان في الوجود من قبله، على أنها لم ترتفع به إلى درجة أعلى من إنسان، فهو إنسان ومازال إنسانًا بالرغم من سموه فوق كل إنسان، فهي لا ترى فيه إلاَّ يسوع المثال الحي للحب والحنان والتضحية، يسوع الذي كان يطوف كل الجليل يعلم ويكرز ببشارة الملكوت.. أما الاتجاهات اللاهوتية المحافظة فقد رأت في يسوع الناصري ما رأته الاتجاهات اللاهوتية المُتحرّرة من أن يسوع الناصري إنسان حكيم ومعلم عظيم ومصلح اجتماعي لا يُقارن، ولكن كل هذه الأوصاف ليست هي كل أوصاف يسوع، كان يسوع الناصري ابن مريم وهو أيضًا وقبل كل شيء ابن الله.. فإن يسوع الناصري لم يرتفع إلى درجة سامية وعالية وعظيمة لم يصل إليها إنسان، لم يرتفع (يسوع) إلى درجة الألوهية أو مُنح صفة إلهية لم تكن من حقه ومن صفاته الطبيعية من قبل، بل قبل أن يكون إنسانًا محبًا، حنونًا، وديعًا، مضحيًا، عظيمًا.. إلخ هو الله، وكل الأعمال التي قام بها يسوع والمعجزات التي عملها قام بها وعملها بصفته الله”(4).

قال الليبراليون عن السيد المسيح ” هو تجلي عظيم للحياة الإلهية. أنت تجلي للحياة الإلهية، وأنا تجلي، والدودة تجلي، والزهرة تجلي. لكن ما أعظم تجلي زهرة المسيح”(5).

وأنكر الليبراليون الميلاد العذراوي للسيد المسيح، كما أنكروا معجزاته وقيامته من الأموات كما رأينا من قبل.

3- نظرة اللاهوت الليبرالي إلى الملكوت:

يقول “ريتشارد نيبوهر” معلقًا على نظرة الليبراليين للملكوت “الإدراك الليبرالي الرومانسي لملكوت الله يقول.. بعدم وجود أزمات، ولا مآسي، أو تضحيات، ولا خسارة لكل شيء، لا صليب ولا قيامة. في الأخلاق وفَّق بين اهتمامات الفرد واهتمامات المجتمع بالثقة في: أخلاق الإنسان الكريم الذي يحب الخير لغيره من الناس، وفي الدين تصالح الله مع الإنسان بتحدي الإنسان وتأنس الله. أصبح المسيح الفادي يسوع المعلم أو النابغة الروحي الذي ارتقت فيه تمامًا الطاقات الدينية لبني الإنسان.. التطوُّر، النمو، التقدم.. وحل امتداد المُثل الإنسانية الخيرية وتقدم المدنية محل الثورة المسيحية.. إله بدون غضب، جاء بأناس بلا خطية، إلى ملكوت بلا دينونة، من خلال خدمات مسيح بلا صليب”(6)(7) ولم يقبل الناس فكر الملكوت كما قدمه اللاهوت الليبرالي، وقالوا أن السيد المسيح لم يقصد أن يكوّن ملكوتًا عبارة عن مجتمع مثالي تصنعه الكنيسة، إنما ملكوت الله هو عمل الله نفسه حينما وحيثما تشاء مسرته، فالملك يدعو المؤمنين ” تعالوا إليَّ يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم” (مت 25: 34) وقد صحح الألماني ” البرت شوتيزر ” Albert Schioeitger في كتابه ” محاولة في معرفة يسوع التاريخي ” The Quest of the Historical Jesus المفهوم المغلوط الذي قدمه الليبراليون عن الملكوت.

4- نظرة اللاهوت الليبرالي للكتاب المقدَّس:

كما رأينا من قبل أن الليبراليّين قد أنكروا عصمة الكتاب المقدَّس المطلقة والوحي الكامل، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وقالوا أن العصمة شملت الأمور اللاهوتية والعقائدية والروحية والتعليمية دون الأمور التاريخية والجغرافية والعلمية، وقالوا أن الكتاب المقدَّس قد أخذ من أساطير الأولين، وأن الكاتب ابن عصره، فهو ينقل فكر وخبرة عصره، وقالوا أن كلمات الكتاب المقدَّس هي كلمات بشرية تتحوَّل إلى كلمات إلهيَّة فقط عندما يستخدمها الروح القدس في تغيير النفوس، فخلطوا بين عمل الروح القدس في الوحي وعمله في الاستنارة، وقالوا أن أخطاء الأنبياء تُسقط عنهم العصمة، ونادوا بفكرة التاريخ المقدس فأنكروا تاريخية وحقيقة كثير من قصص الكتاب، وقالوا أن ما يهمنا هو أن الكتاب المقدَّس حوى الحق الإلهي، ولا نهتم إذا كان موُحى به ومعصوم أم لا، وقالوا أن لوثر أحلَّ عصمة وسلطان الكتاب المقدَّس بدلًا من سلطان كنيسة روما، والآن حان الوقت لإحلال سلطان المسيح بدلًا من سلطان الكتاب المقدَّس، وقالوا عن وحدة الكتاب أن ” العنصر الديني في الكتاب المقدَّس يتجلى في نظرة الكتاب الشاملة للحياة. أن ميزاته الفريدة كأدب وكشهادة للوحي تنبع من كليته، بما في ذلك من شعره الإباحي والكلام البذيء الذي يحتويه”(8).

5- نظرة اللاهوت الليبرالي للإنسان:

اعتقد الليبراليون بصلاح الإنسان، وأنكروا خطية الإنسان، فدعوها بأنها عدم تكيف مع الظروف، وسخروا من فكرة الخطية الجديَّة الموروثة من آدم، وادَّعوا أن فكرة الخطية هي من صياغة رجال الدين، حتى يلجأ إليهم الإنسان طالما يشعر أنه إنسان خاطئ. فالإنسان ليس جانيًا يؤمر من الله بالتوبة بل أن التوبة ليس لها مكانًا في لاهوت التحرر، فالتركيز كل التركيز على قبول النفس، وحب النفس، واكتشاف الذات، وتحقيق الذات، والتكيف مع الظروف، والتشديد على قبول الآخر فيركزون على بعض الآيات مثل ” لا تدينوا لكي لا تدانوا”.

وفي هذا القرن العشرين ظهر أيضًا “لاهوت التحرير” في أمريكا اللاتينية بقصد تحرير الفقراء والمظلومين ومساندة الحركات الثورية، وقد عرَّفه الدكتور ميلاد حنا بأنه نتاج التلقيح الفكري بين الكثلكة والماركسية، ففي لاهوت التحرير نجد صدى الأفكار الماركسية والعنف الدموي، ولذلك حذر الفاتيكان من أفكار لاهوت التحرير لأنه يلجأ إلى العنف الدموي لتحرير الإنسان من الظلم والفقر، وهذا ضد مبادئ الإنجيل، فالحرية المسيحية هي الحرية من الخطية ” إن حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا” (يو 8: 36) وعندما يتحرَّر الإنسان من الخطية سيحب أخيه، ويتعاطف معه لا يظلمه ولا يقهره. وبينما يهتم لاهوت التحرير بفئة واحدة وهي فئة الفقراء المقهورين، فإن الإنجيل يعلمنا الاهتمام بكل الفئات.. وكم من أغنياء ومقهورين بالخطية!!

ويعتبر لاهوت التحرير هو التطبيق العملي للاهوت التحرُّر الذي ينكر العقائد، ولا يعترف بالعصمة المطلقة للكتاب المقدَّس، ولذلك يدافع أصحاب لاهوت التحرُّر عن لاهوت التحرير، ولنا عودة للاهوت التحرير في الفصل السابع عشر من هذا الكتاب.

_____

(1) ورد في تسجيل صوتي ” إلى الشريعة وإلى الشهادة ” ليوسف رياض وماهر صموئيل (يفضح اللاهوت الليبرالي).

(2) المرجع السابق.

(3) ورد في تسجيل صوتي ” إلى الشريعة وإلى الشهادة ” ليوسف رياض وماهر صموئيل (يفضح اللاهوت الليبرالي).

(4) تاريخ الفكر المسيحي جـ 1 ص 162، 163.

(5) ورد في تسجيل صوتي ” إلى الشريعة وإلى الشهادة ” ليوسف رياض، وماهر صموئيل.

(6) Vidler op. Cit P. 213.

(7) أورده د. ق جون لوريمر – ترجمة عزرا مرجان – تاريخ الكنيسة جـ 5 ص 68، 69.

(8) تسجيل صوتي ” إلى الشريعة وإلى الشهادة ” يوسف رياض وماهر صموئيل.

ما هي نظرية اللاهوت الليبرالي لله، وللسيد المسيح، وللملكوت، وللكتاب المقدَّس، وللإنسان؟

من هم أهم فلاسفة القرن السابع عشر الذين أيدوا الفلسفة العقلانية؟ وما هي أهم مبادئهم؟

 122- من هم أهم فلاسفة القرن السابع عشر الذين أيدوا الفلسفة العقلانية؟ وما هي أهم مبادئهم؟

والآن دعنا يا صديقي نتابع الفلسفة العقلانية في القرن السابع عشر من خلال عرض سريع لأفكار ست شخصيات عاشت ذلك العصر، مع إلقاء الضوء على أفكارهم وآرائهم:

رينيه ديكارت – توماس هوبز – تشارلز بلاونت – جون تولاند – جوتفريد ولهلم ليبينتز – جون لوك

1- رينيه ديكارت Rene Descartes (1596 – 1650م):

يُعتبر ديكارت أول عقلاني عصري، وهو فرنسي الجنسية كاثوليكي المذهب عاش في هولندا، وأعتبر الشك هو الطريق الوحيد الذي يصل بنا إلى المعرفة الحقيقية، وشمل الشك الديكارتي:

1- الشك في الحواس لأنها تخدع.

2- الشك في أي حكم إزاء العالم الخارجي

3- الشك في الوجود.

وقال ديكارت علينا أن نطرح المعتقدات السابقة، ونشكُّ في كل شيء موضع شك إلى أن يثبت لنا بالدليل القاطع أن هذا الأمر لا يحتمل الشك، فحينئذ نعترف بأنه حقيقة، وهكذا شكَّ ديكارت في كل شيء باستثناء قدرته على التفكير التي جعلها نقطة البداية في فلسفته، ولذلك قال عبارته الشهيرة “أنا أفكر إذًا أنا موجود”.. ولكن كيف استطاع ديكارت أن يؤمن بوجود الله رغم أنه لا يُدرك بالحواس..؟ قال ديكارت بما أن هناك أفكارًا لا يقدر العقل أن يتصوَّرها إذًا لا بُد أن هناك كائنًا أعظم يغذي العقل بهذه الأفكار، وبذلك أقتنع ديكارت بأن الله الكائن الكامل، كلي المعرفة، كلي القدرة، السرمدي لا بُد أن يكون موجودًا، ويتسحيل على الإنسان أن يكون لديه هذا التصوُّر عن الله لو لم يكن الله موجودًا بالفعل.. لقد ألح ديكارت على فصل العقل عن الحواس، بينما رفض سبينوزا هذا التقسيم معتبرًا أن العقل والحواس هما الشيء الواحد ذاته.

وكان ديكارت من أصحاب مذهب ” التأليه الطبيعي ” فهو يرى أن الطبيعة كتاب مفتوح يشهد بوجود الله، وقد أنكر ديكارت الوحي الإلهي في الكتاب المقدَّس، كما شكَّ في الأمور المعجزية التي وردت في الكتاب مثل المعجزات، والميلاد العذراوي للسيد المسيح من العذراء مريم بدون زرع بشر، وألوهية السيد المسيح.. إلخ لأنه رأى أن هذه الأمور لا تستند على برهان عقلي، وقال أن الله جعل للكون قوانين يسير عليها، وعلى العقل الإنساني أن يكتشف هذه القوانين، وعلى قدر إنجاز العقل يكافئ صاحبه أو يعاقب(1).

ورأى ديكارت أن الفلسفة شجرة تشكل الأمور الميتافيزيقية جذورها، والأمور الفيزيائية جذعها. أما العلوم الأخرى فتشكل فروعها، ووقف ديكارت عند حدود العقل ولم يفسح مجالًا للإيمان، ولذلك رُفضت أفكاره ليس من قِبل الكاثوليك فقط، بل ومن قِبل البروتستانت أيضًا، ووضع الآباء اليسوعيون كتبه على رأس قائمة الكتب الممنوعة، ويقول ايريل كيرنز ” وكان (ديكارت) يجادل بأن العقل الإنساني به مفاهيم معينة مغروسة فيه، مثل الزمن أو الخير أو الفراغ، مما يتيح للعقل أن ينظم المعلومات المتاحة له من خلال الحواس. وعلى الرغم من أن ديكارت كان يؤمن بالثنائية أي بوجود عالم عقلي (فكري) وآخر مادي، إلاَّ أنه آمن أنه يستطيع أن يقبل حقيقة وجود الله ووجود النفس البشرية على أساس العقل وحده، وقد اتجهت أفكاره لتدعيم إيمان الإنسان بقدرته الذاتية على الوصول إلى المعرفة بالمنطق وبالمنهج العلمي للبحث”(2).

2- توماس هوبز Thomas Hobbes (1588 – 1679م):

هو ابن لأحد رجال الدين الأنجليكان، فهو فيلسوف بريطاني عاش في فرنسا، وقال توماس أن كل معرفة إنسانية تبدأ عن طريق الحواس، فالعقل لا يقدر أن يدرك شيئًا بدون الحواس، وقال أن كل فعل لا بد له من فاعل، وكل حركة لا بد لها من مُحرِك، وكل معلول لا بُد له من عِلة، فلا يوجد فعل بدون فاعل، ولا حركة بدون مُحرِك، ولا معول بدون عِلة، فالمُحرِك الأول أو العِلة الأولى هو ما يدعوه الناس باسم ” الله ” وهم يجهلونه، فقال ” قد يعرف الناس طبيعيًا أن الله موجود، وإن كانوا لا يعرفون ماهيته. إن طبيعة الله مُغلقة على الأفهام”(3).

واعتقد هوبز أن الحافز الرئيسي الذي يُحرِك الإنسان هو رغبته في امتلاك القوة، وهذا لا يعتبر شرًا إذا ضُبط بمعرفة حكومة حكيمة، لقد عاش هوبز في عصر ملئ بالاضطرابات والحروب الأهلية بين البروتستانت والكاثوليك، فشعر أن العالم تحوَّل إلى غابة ذئاب، يحتاج إلى حاكم قوي مستبد ليوفر الأمن والاستقرار للمجتمع، وهذا الحاكم يجب أن يضع القوانين التي يخضع لها الجميع ولا يخضع لها هو، ولذلك أيَّد هوبز الحكم الملكي المطلق، وقال أن للملك سلطة ليس على الشعب فقط بل على الكنيسة أيضًا، فبعد أن عاشت أوربا في القرون الوسطى تخضع لسلطة وسطوة الكنيسة الكاثوليكية، جاء هوبز ووضع نظريته في ” العقد الاجتماعي ” التي تفصل بين الكنيسة والدولة، وقال أن الأفراد قد تعهدوا ضمنًا بالتنازل عن حقوقهم للسلطة وهم راضين. تنازلوا للملك الذي يجسد إرادتهم، أما الملك فلم يتعهد بشئ ولن يتنازل عن شيء، لأن تعهُد الأفراد بالتنازل عن حقهم في السلطة للحاكم سابق لوجود هذا الحاكم، فتعهُد الشعب هو الذي خلق هذا الحاكم، وبالتالي فإن الحاكم لا يعتبر طرفًا في نظرية العقد الاجتماعي، ولكن إذا تعدى الحاكم على حياة الأفراد عندئذ يحق لهم مقاومته، فعندما يعتدي الملك على حق الناس في الحياة أو يتقاعس عن تمكينهم من هذا الحق، فلهم أن يثوروا عليه ويقوموا بالدفاع عن أنفسهم بأنفسهم.

لقد جعل هوبز طاعة الملك من طاعة الله، وبهذا جعل الدولة من مملكة الإرادة الإلهيَّة، بينما جعل الكنيسة من مملكة القانون المدني، ولذلك قالوا عن هوبز بأنه عمل على تقديس الدنيوي (الملك الأرضي) ودنيوة المقدَّس (الكنيسة) وتكلم هوبز في كتابه الشهير لوياثان Leuiathan (التنين) عن المادة والصورة، وقصد بالمادة الجانب المادي، والصورة الجانب الروحي، وقال عبارته التي تشرح ما قاله في كتابه لوياثان ” المادة والصورة والسلطة للمجتمع الديني والمدني ” وقلب هوبز الأوضاع عندما وضع المجتمع المدني موضع الصورة فصار هو المقدَّس، بينما وضع الكنيسة موضع المادة فصارت دنيوية.

وعاش هوبز عضوًا في الكنيسة مؤكدًا على ضرورة الإيمان بيسوع المسيح ولكن بطريقة عامة فقط، وأصدر هوبز ثلاثيته الشهيرة:

1- في المواطن De Cive عام 1642 م

2- في الجسد De Corpore عام 1655م

3- الإنسان De Homine عام 1658م

وفي سنة 1651م أنكر توماس هوبز نسبة التوراة لموسى النبي، وأدَّعى أن الأسفار من التكوين وحتى الملوك من وضع عزرا الكاتب في القرن الخامس قبل الميلاد كما رأينا هذا في الجزء الأول من هذه السلسلة.

3- تشارلز بلاونت Charles Blount (1654 – 1693م):

كان تشارلز بلاونت من مؤيدي مذهب الربوبية المؤثرين، وأعتقد بلاونت أن ” كل ما هو ضد الطبيعة فهو ضد العقل، وكل ما هو ضد العقل فهو سخيف ويجب أن يرفض”(4)(5).

4- جون تولاند John Toland (1670 – 1722م):

اعتقد تولاند أن المسيحية ليست ديانة مبهمة غامضة، لكن من الممكن إثباتها وقبولها بالعقل والمنطق، وأن ما لا يمكن إثباته بالعقل والمنطق فإنه يجب رفضه، وقال تولاند ” أن تصديق لاهوت الكتاب المقدَّس أو قبول معنى أي فقرة فيه بدون برهان عقلي وتماسك واضح هو سرعة تسليم تستحق اللوم.. نحن نتمسك بأن العقل هو الأساس الوحيد لكل يقيننا”(6).

5- جوتفريد ولهلم ليبينتز Leibnitz (1646 – 1716م):

وهو ألماني من هانوفر، وكان لوثريًا، آمن بوجود الله المثلث الأقانيم القدوس الخالق صانع المعجزات، وحاول التوفيق بين الكاثوليك والبروتستانت دون جدوى، ويمثل ليبينتز أحد العقلانيين الذين قدموا رأيًا أكثر تفاؤلًا، إذ اعتقد أن الكون كله يشبه ساعة عملاقة تتكون من أجزاء دقيقة، وقد رُتبت هذه الأجزاء بدقة، فصارت تعمل في انسجام كامل، ولم يكن من الممكن أن يكون هذا الكون أفضل بما خلق عليه، لأنه لو كان هناك صورة أفضل لهذا الكون لخلقه الله بالصورة الأفضل.

وإقنع ليبينتز ملك بروسيا لإنشاء الأكاديمية البروسية للعلوم، وفعلًا أُنشئت هذه الأكاديمية وصار ليبينتز رئيسًا لها، ولم يوافق ليبينتز جون لوك رأيه في أن المعرفة يكتسبها الإنسان عن طريق الحواس فقط، وقال أنه لا توجد نظرية متكاملة في المعرفة تنكر الإسهام الذي يقدمه العقل، وكان لهذه الفكرة أثرها على إيمانويل كانط الذي كان متأرجحًا بين التجريبية والعقلانية، ومات ليبينتز سنة 1716م بعد أن ترك وراءه العديد من المؤلفات، وقد أعتبر أن قصص الأناجيل مجرد أساطير رمزية تشبه أساطير أفلاطون.

6- جون لوك John Locke (1632 – 1704م):

وُلد جون لوك يوم 29 أغسطس 1632م في قرية بريطانية وكان والده محاميًا وطنيًا، وماتت والدة جون وهو في مرحلة الطفولة، ومات والده وهو في مرحلة الشباب، ودرس جون الطب في جامعة أوكسفورد ولم يحصل على درجة التخرج، وكان يساعد المرضى وأجرى عمليات جراحية ناجحة.

وخلال الفترة 1684 – 1689م عاش بين فرنسا وهولندا، وتابع كتابات ” ديكارت” (وهو ديالكتيكي) وسبينوزا (القائل بوحدة الوجود) وكان لوك يؤمن بالله وأنه عِلة الوجود، ولم يصدر لوك كتاباته إلاَّ بعد عودته إلى بريطانيا سنة 1689م.

ويُعتبر جون لوك أشهر فيلسوف عصره، ورغم أنه عاش كعضو محافظ في الكنيسة الإنجليكانية إلاَّ أنه كان من أصحاب مذهب التأليه الطبيعي أو الربوبية، ويعتبر جون لوك أول من استهل عصر التنوير في القرن الثامن عشر، ونقطة البداية في فلسفته أن الإنسان ليست لديه معرفة فطرية. بل أن كل ما يعرفه ينتقل إليه عبر الحواس، فيقول ” كل معرفة بما في ذلك فكرتنا عن الله وعن الصواب والخطأ هي مشتقة من خبراتنا وليست جزءًا من التركيب الفطري للعقل”(7). لقد اعتقد لوك بأن جميع معارف الإنسان يكتسبها من خلال التجربة والحواس وعملية التفكير، فالطفل يولد بعقل فارغ مع لوح ناعم جاهز للتدوين عليه، وميَّز لوك بين درجتين من الإدراك أو المعرفة:

1- المعرفة الحدسية؛ 2- المعرفة عبر البرهنة والإثبات.

ويقول إيريل كينز ” ففي المقالة التي كتبها حول الفهم الإنساني في عام 1690م أنكر لوك وجود أفكار ثابتة في فكر الإنسان، مثل الزمن أو الفراغ، بل وقال أن فكر الطفل الرضيع صفحة بيضاء ليس به شيء وأن المعرفة تتراكم لدى ذلك الطفل الرضيع بواسطة ما تقدمه حواسه من مدركات لعقله، وأن عقله عندما يتأمل المدركات الحسية تتولد المعرفة.. وأدى مزج أفكار لوك مع أفكار بيكون إلى تعظيم مكانة ودور المنهج العلمي في البحث على اعتبار أنه الطريق الرئيسي للحصول على المعرفة”(8).

وربط لوك بين الخالق والخليقة، فالخليقة تشهد بوجود الخالق ” فالعلاقات المرئية للحكمة والقوة الخارقتين تظهر واضحة في كل أعمال الخليقة حتى أن أي مخلوق عقلاني يفكر فيها جديًا لن يفوته وجود إله”(9)(10).

واعتمد جون لوك على العقل في قبول كلمة الله فيقول ” إني أجد كل طائفة من الناس يستخدمون العقل بسرور طالما كان يخدمهم حتى إذا خذلهم صرخوا قائلين إنها مسألة إيمان وفوق العقل، إن أي شيء يعلنه الله فهو بالتأكيد حق، ولكن التفكير وفق الشواهد المتاحة هو وحده الذي يستطيع أن يدلنا إن كان أحد الكتب المقدَّسة هو كلمة الله. وأي إقتراح عن الوحي الإلهي لا يمكن قبوله إذا كان مناقضًا لما نعرفه بالبداهة”(11).

ومدح جون لوك الحركة العقلانية قائلًا “هكذا درَّب معلموا القرن السابع عشر العظام.. عقول الناس على البحث عن الحقيقة دون تحيز، ولما حطموا القهر الفكري الذي قيدهم طويلًا، أحلوا محله محبة عميقة للحق، الأمر الذي أحدث انقلابًا في كل دوائر المعرفة، ويمكن أن يغزى إلى ذلك قيام حركة نقدية عظيمة كان من شأنها أن جدَّدت تمامًا كل النواحي التاريخية والعلمية والفكر اللاهوتي كله التي نفذت إلى أظلم المخابئ، محطمة التميز القديم مبددة الأوهام، مستعيدة ترتيب معارفنا مبدلة كل مجال وصفات تعاطفنا. لكن هذا كله كان مستحيلًا لولا انتشار ضوء الروح العقلاني”(12)(13).

ورأى لوك أن العقل وحده هو مصدر المعرفة فيقول “العقل وحده هو مصدر المعرفة، والإعلان الإلهي لا يعدو كونه اعتقادا محتملًا. إلاَّ أن الإعلان الإلهي يمكن أن يقدم الحقائق التي يعجز العقل وحده عن تقديمها”(14).

واعتقد جون لوك أن يسوع المسيح هو معلم الشريعة الأخلاقية، فيقول ” فبعد معرفة الله الواحد -صانع كل الأشياء- كانت البشرية في حاجة إلى معرفة واضحة بواجباتها.. وأي من يجمع كل القواعد الأخلاقية للفلاسفة ويقارنها بالتعاليم الواردة في العهد الجديد سيجد أنها لا ترقى إلى مستوى الأخلاقيات التي سلمها لنا مخلصنا.. وإن مثل هذا الكم من الأخلاقيات قد ثبت أنها هي شريعة الطبيعة المستمدة من مبادئ العقل والتي تغطي كل جوانب الحياة.. وأعتقد شخصيًا أنه لا يستطيع إنسان أن يقول أن العالم قبل مجيء مخلصنا قد عرف مثل هذه التعاليم السامية”(15)(16).

ورأى لوك أن أتباع المسيح هم من قبلوا المبادئ الأخلاقية، فكونوا مجتمعًا أخلاقيًا، وعاش لوك فترة الحروب الدينية المدمرة، فنادى بالتسامح قائلًا “إن كانوا مثل رئيس خلاصنا (يقصد الغيورين على الدين) يبتغون بإخلاص خير النفوس، فعليهم أن يقتفوا آثار خطواته ويتبعوا مثاله الكامل. مثال {رئيس السلام} الذي أرسل جنوده لإخضاع الشعوب وجمعها في كنيسته غير مسلحين بالسيوف لكن مستعدين بإنجيل السلام وبالقداسة المثالية لأحاديثهم.. إن تسامح أولئك الذين يختلفون عن الآخرين في أمور الدين يتفق تمامًا مع إنجيل يسوع المسيح ومع العقل الأصيل للجنس البشري لدرجة يبدو فيها الأمر فظيعًا أن يتعافى الناس عن أن يدركوا بوضوح ضرورة ومنفعة الإنجيل في هذا النور الوضاح”(17).

وكما كان للوك تأثيره الديني كان له تأثيره السياسي أيضًا، فقد أكد على حقوق الإنسان ودافع عن حق الملكية الفردية، فصاغ النظرية الطبيعية الحرة حيث قال أن هذه الملكية هي حق من الحقوق الطبيعية، وغريزة تنشأ مع نشأة الإنسان، فلا يحق لأحد أن يعارض هذه الغريزة، ونادى لوك بالديمقراطية مما أدى لإصلاحات في البرلمان البريطاني، وأقتبس من هذه الإصلاحات قادة الثورة الفرنسية سنة 1789م، وعندما أعلن سكان المستعمرات الأمريكية استقلالهم عن إنجلترا كان ذلك بتأثير من فلسفة جون لوك، ومات جون لوك يوم 28 أكتوبر 1704م تاركًا وراءه 17 مؤلفًا تخص طبيعة الإنسان، والسلطة، والتسامح، والدين، والاقتصاد، وقال بعض المفكرين أن لوك سار على منوال توماس هوبز، فكلاهما ينتميان لدولة واحدة وبيئة سياسية وفكرية واحدة، وشيَّد لوك نظريته في العقد الاجتماعي على ما قال به توماس هوبز.

_____

(1) راجع جون لوريمر – تاريخ الكنيسة جـ 5 ص 32.

(2) ترجمة عاطف سامي برنابا – المسيحية عبر العصور ص 440.

(3) أورده د. ق جون لوريمر – ترجمة عزرا مرجان – تاريخ المسيحية جـ 5 ص 33.

(4) Quoted By Durant , Will and Ariel , Story of Civilization, Vo I. VIII, The age of Louis XIV, Simon and Schuster, New Uork 1963, P. 568.

(5) أورده د. ق جون لوريمر – ترجمة عزرا مرجان – تاريخ الكنيسة جـ 5 ص 33.

(6) أورده د. ق جون لوريمر – ترجمة عزرا مرجان – تاريخ الكنيسة جـ 5 ص 33.

(7) أورده د. ق جون لوريمر – ترجمة عزرا مرجان – تاريخ الكنيسة جـ 5 ص 36.

(8) ترجمة عاطف سامي برنابا – المسيحية عبر العصور ص 440.

(9) Quoted by Paul Johnson , A History of Christianity, P. 336.

(10) أورده د. ق جون لوريمر – ترجمة عزرا مرجان – تاريخ الكنيسة جـ 5 ص 36.

(11) د. ق جون لوريمر – ترجمة عزرا مرجان – تاريخ الكنيسة جـ 5 ص 36، 37.

(12) Quoted by Durant op Cit P. 681.

(13) د. ق جون لوريمر – ترجمة عزرا مرجان – تاريخ الكنيسة جـ 5 ص 39.

(14) د. ق جون لوريمر – ترجمة عزرا مرجان – تاريخ الكنيسة جـ 5 ص 37.

(15) Quoted by Eric G. Joy, op Cit P. 221.

(16) أورده د. ق جون لوريمر – ترجمة عزرا مرجان – تاريخ الكنيسة جـ 5ص 37، 38.

(17) د. ق جون لوريمر – ترجمة عزرا مرجان – تاريخ الكنيسة جـ 5 ص 38، 39.

 122- من هم أهم فلاسفة القرن السابع عشر الذين أيدوا الفلسفة العقلانية؟ وما هي أهم مبادئهم؟

هل يمكن إلقاء الضوء على مدرستي النقد التاريخي (تاريخ الأديان، ونقد الشكل)؟

 112- هل يمكن إلقاء الضوء على مدرستي النقد التاريخي (تاريخ الأديان، ونقد الشكل)؟

ج: مع بدايات القرن العشرين برزت للوجود مدرستان رئيسيتان للنقد التاريخي، وهما مدرسة تاريخ الأديان، ومدرسة نقد الشكل.

أولًا – مدرسة تاريخ الأديان:

من مؤسسي هذه المدرسة ” أدولف فون هارناك ” Adolf Von Harnack (1851 – 1930م) الذي ادعى أن قصص المعجزات الواردة في الأناجيل تعكس خيالات عالم بدائي أكثر من كونها حقائق تاريخية، وقام أصحاب هذه المدرسة بدراسة الديانات الأخرى مثل الديانة المصرية القديمة، والديانات البابلية، والهيلينية (الأغريقية والرومانية) وقالوا أن المسيحية عبارة عن نتاج فكر قديم.

ومن أشهر أصحاب هذه المدرسة ” وليام بوسيه ” Wilhelm Bousset الذي أعلن أنه لا توجد معلومات توضح حياة يسوع الأولى في الجليل. كما أعتقد بوسيه أن إضفاء صفة الألوهية على يسوع جاء نتيجة مؤثرات أجنبية، وأن يسوع لم يكن صاحب عجائب ومعجزات، لذلك أكد ” أن الأفكار الأخروية الكامنة خلف تعبير (المسيا) و(ملكوت الله) كانت مشتقة من أديان أخرى، وقد تتبع اللقب (الرب) وهو باليونانية ” كيريوس ” Kyrias إلى أن وصل إلى أصلها في الديانة الهيلينية، ورأى أن إلصاق الألوهية بيسوع جاءت نتيجة لمؤثرات أجنبية، وأعتقد بوسيه أن التقليد القديم عن حياة يسوع كان خاليًا نسبيًا من الإعجاز، وأن الناس قد نسبوا إلى يسوع روايات كانت تحكي عن صانعي معجزات وعجائب”(1)(2).

وأما ” البرت شفايتزر ” Albert Schweitzer (1875 – 1965م) وهو ” موسيقي، طبيب، ولاهوتي درس اللاهوت والفلسفة في جامعة ستراسبورج، باريس، وبرلين، وحصل على عدد من شهادات الدكتوراه، حصل على جائزة نوبل للسلام عام 1952م، ولم يكن من المدافعين عن وجهات النظر التقليدية المسيحية، وهو مؤلف: البحث عن يسوع التاريخ، وحياتي وأفكاري، وكتب أخرى”(3) ويقول القس أندريه زكي ” قدم شفاتيزر في كتابه (البحث عن يسوع التاريخ سنة 1910م) يسوع على أنه حالم رؤوى، فلقد كان يسوع مقتنعًا بأنه هو المسيا، وأنه جاء ليعلن المجيء القريب لملكوت الله. ومن خلال هذا التوقع أرسل تلاميذه للكرازة ليحققوا مجيء الملكوت، لكنهم رجعوا دون أن يحققوا هذا التوقع لهذا أستنتج يسوع أن موته هو الحل الوحيد لاستحضار الملكوت، لذلك توجه يسوع إلى أورشليم قاصدًا أن يتألم على أيدي السلطات، ومات وهو يعتقد أنه كان يحقق مقاصد الله، مقدمًا حياته للكثيرين المُقدر لهم أن يشاركوا في الملكوت، وعليه فقد كان يسوع بالنسبة لشفاتيزر حالمًا مخدوعًا، يتطلع إلى خاتمة التاريخ في أثناء حياته، ثم يموت في يأس لأن شيئًا من ذلك لم يحدث”(4).

ويرى شفاتيزر أن ” الأهمية الحقيقية ليسوع لا تكمن في تاريخه بل في روحه(5)(21) لقد انتهى شفاتيزر إلى الاهتمام بمسيح الإيمان عن يسوع التاريخ، والاهتمام بروح يسوع أكثر من تاريخه وأوجز دراسته بقوله ” ولكن الحقيقة هي أنه ليس يسوع المعروف تاريخيًا وإنما يسوع الذي ظهر روحيًا بين الناس هو المهم لعصرنا الحالي، ويمكنه أن يساعد جيلنا. ليس يسوع التاريخي وإنما الروح الذي ينطلق منه في أرواح الناس.. يسوع كشخصية تاريخية محددة يظل غريبًا عن وقتنا، ولكن روحه والتي تكمن مستترة في كلماته يمكن التعرف عليها ببساطة وتأثيرها يكون مباشرًا، فكل قول له يتضمن بأسلوبه الخاص يسوع بأكمله”(6)(7).

ويقول جوش مكدويل ” قاد الناقد البرت شفاتيزر البحث المتعلق بيسوع التاريخي وهو يسوع الذي يمكن إثبات وجوده بطريقة صحيحة وموضوعية خارج الكتاب المقدَّس والخبرة المسيحية”(8).

ثانيًا: مدرسة نقد الشكل Form Giticism:

ركز النقد الكتابي في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين على نقد شكل نصوص الأناجيل، وظهرت مدرسة نقد الشكل في ألمانيا كبدايات سنة 1919م في كتابات ” سميدت” و”مارتن ديبليوس ” وفي سنة 1921م في كتابات ” بولتمان ” ونستطيع أن نقول أن ” نقد الشكل ” ظهر عقب الحرب العالمية الأولى، ومن أكبر مؤيديه مارتن دبيليوس، ورودلف بولتمان، وفينست تايلور، وقد اعتقد أصحاب هذه المدرسة أن الأناجيل حينما تداولت شفاهًا قبل أن تدوَّن، جرى عليها بعض الإضافات والزخارف، فمهمة نقد الشكل هو حذف هذه الإضافات والزخارف للوصول إلى الحقائق مجرَّدة ويصبح النص الأصلي خاليًا من الشوائب.

يقولون ” لذلك يحتاج المرء إلى العودة إلى الوراء لإزالة الإضافات الغريبة والزخارف التي زحفت على التقليد (قبل أن يدوّن في الأناجيل) حتى يمكن إستعادة الشكل الأصلي الخالي من الشوائب، وهم يعتقدون أن هذه الأشكال كانت أصلًا مختصرة إنسيابية وغير مزخرفة”(9)(10).

ويقول ” إيريل كيرنز”.. ” وأدَّعى هذا المدخل أن الأناجيل يحتوي على حقائق عن المسيح، يمكن الوصول إليها بعد أن ينزع المرء عنها ما أحاط بها من طبقات التقليد والشكل، والتي تختفي تحتها تلك الحقائق”(11).

واصطلاح ” نقد الشكل ” هو ترجمة للكلمة الألمانية Formgeschichte أي ” تاريخ الشكل”، فمهمة نقد الشكل بدأت بالتحليل الأدبي للنصوص الأنجيلية بهدف الوصول إلى الأصول الشفاهية، ثم انتهت بالتحليل التاريخي للحكم على تاريخية الفقرات التي وردت في الأناجيل، ويُعرّف ” بولتمان ” مدرسة نقد الشكل بأنها المدرسة التي تهتم بدراسة التقليد الشفهي للأناجيل قبل أن يتحوَّل إلى أناجيل مكتوبة، مثل دراسة التقليد الشفاهي Q الذي يسبق إنجيل مرقس ويشرح خدمة يسوع، والذي يعتبر مع إنجيل مرقس المصدر الرئيسي لإنجيلي متى ولوقا. لقد أثار النقد الكتابي التساؤلات حول ترتيب كتابة الأناجيل الإزائية الثلاث Sunoptic Gospeels ومحاولة تحديد أيهما اعتمد على الآخر، أو إذا كانت الأناجيل الثلاث جميعها اعتمدت على مصادر أقدم، ويقول الدكتور القس حنا جرجس الخضري ” ولقد حاول هؤلاء (النُقَّاد) بكتاباتهم أن يبينوا أن إنجيل مرقس هو أقدم الأناجيل الأربعة لدينا، وأن هذا الإنجيل عبارة عن أجزاء متفرقة، يتكلم عن حقبات مختلفة من الزمن. ولقد جُمعت هذه الأجزاء تحت تأثير بعض الأفكار اللاهوتية. وهذا يعني أن قصة مرقس المختصة بحياة يسوع قد مرت ببعض التصحيحات والتكملة. وبناء على ذلك فإن متى ولوقا بل ويوحنا قد استقوا من هذه المعلومات الصحيحة. ولقد كان لهذه الكتابات تأثيرها العميق، فهزت معظم الأوساط العلمية واللاهوتية”(12).

وركز البعض على تطوُّر نظرة المسيحيين الأوائل للسيد المسيح، وضربوا مثلًا على هذا، وهو تطوُّر نظرة متى ولوقا (اللذان كتبا إنجيليهما بعد مرقس) عن نظرة مرقس الإنجيلي الذي كتب أولًا، ويذكر القس أندريه زكي التعديلات التي أدخلها متى ولوقا على ما ذكره مرقس الإنجيلي بقصد تمجيد شخصية يسوع فيقول ” ويمكن تلخيص بعض هذه التعديلات فيما يلي:

1- يميل متى ولوقا إلى تعديل عبارات مرقس غير الدقيقة عن يسوع وهما يفعلان ذلك على ما يبدو لصالح تنمية عقيدة الكنيسة في تمجيد شخص يسوع فمثلًا: يصف مرقس في 6: 5، 6 استقبال يسوع في مدينة موطنه – الناصرة – أنه كان باردًا جدًا، ويستنتج مرقس من هذا أن يسوع ” لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة غير أنه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم. وتعجَّب من عدم إيمانهم “ وفي متى 13: 58 يصبح الوصف ” ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم “ يحذف (متى) بحكمة إشارة مرقس إلى حقيقة أنه ” لم يستطع “ أن يصنع قوات حيث أن هذا يوحي بمحدودية قوة يسوع. كما يحذف (متى) أيضًا كلمات مرقس عن تعجب يسوع حيث أن هذا يتضمن أيضًا تحديدًا لمعرفة يسوع. لكن لماذا فعل متى ذلك؟ الجواب أنه كتب عن الطبيعة الإلهية ليسوع ولم يشأ أن يشير إلى أية محدودية ليسوع أو لمعرفته. وهناك أمثلة أخرى لمثل هذه التعديلات – كما في مرقس 4: 38 بالمقارنة مع متى 8: 25 ولوقا 8: 24.

2- يمكن أيضًا ملاحظة كيف أن متى ولوقا يميلان إلى تعديل عبارات مرقس القاسية إلى التلاميذ، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. ففي (مر 4: 40) قال يسوع لتلاميذه “ما بالكم خائفين هكذا. كيف لا إيمان لكم “ ويحذف كل من متى ولوقا هذه الكلمات فيكتفي لوقا بالسؤال الأقل امتهانًا لهم ” أين إيمانكم” (لو 8: 25) ومثال آخر هو بالمقارنة بين ما جاء في النصوص (مر 9: 6) و(مت 17: 4).

3- قدم كتَّاب الأناجيل المتأخرون كلمات مرقس عن يسوع بشكل أكثر لباقة، وذلك لينسبوا المزيد من المجد إلى يسوع بصفته المسيح، ففي مر 8: 29 تم توسيع الرد ليصبح ” أنت هو المسيح ابن الله الحي “ – والمقارنة بين مرقس 1: 10، متى 3: 16 تعطي مثالًا آخر.

4- كما يمكن أن يظهر أثر الأزمنة المتأخرة على شكل التقليد الأول. فقد قام متى بتخفيف بعض العناصر الصارخة في تعليم يسوع الأخلاقي لكي يجعلها أقرب إلى متناول أعضاء الكنيسة في الوقت الذي صار فيه النظر إلى كلمات يسوع على اعتبار أنها قواعد ثابتة يجب أن تتمشى مع النظام فيقول كل من مرقس ولوقا أن يسوع تكلم كلمات تدل على إصراره على أن قصد الله أن لا يُطلّق زوج امرأته قط (مر 10: 11، لو 16: 18) أما متى فيقرّر أنه في حالة زنى الزوجة فإن للزوج حق الطلاق (متى 19: 9، 5: 32).

من هذه الأمثلة نستطيع أن نستنتج أن الأناجيل تحتوي على معلومات تاريخية معينة عن يسوع، وهذه المعلومات كانت تصاغ طبقًا للمواقف اللاهوتية لكتَّاب الأناجيل.. لكن فكر يسوع الأساسي كان هناك”(13).

ويبدو واضحًا أن القصد من العرض السابق هو إثبات تطوُّر شخصية يسوع وأقواله في نظر المسيحيين الأوائل، فما دام متى ولوقا حاولا إضفاء مجد أكثر على شخصية يسوع من مرقس، فما المانع أن يكون المسيحيون الأوائل قد ضخموا في صورة يسوع، فأظهروه أنه ابن الله صانع المعجزات الذي قام من الأموات، وهو ليس كذلك، وفات على هؤلاء النُقَّاد أن متى كان من التلاميذ الاثني عشر الذين عاصروا جميع الأحداث، ومن ثمَ لم يكن هناك حاجة للنقل من مرقس الإنجيلي، وكذلك لوقا الذي تتبع كل شيء بتدقيق من التلاميذ والعذراء مريم والمسيحيين الأوائل الذين عاصروا الأحداث لم يكن بحاجة للإطلاع على ما كتب مرقس.. لقد قبل هؤلاء النُقَّاد هذا الفكر بسهولة لأنهم أنكروا عمل الوحي الإلهي الذي كان يرشد الكتَّاب فيما يكتبون.

ويعتبر هؤلاء النقَّاد أن نقد الشكل ” منهج ” لدراسة مرحلة ما قبل التدوين، حيث كانت الأناجيل تتداول شفاهًا على شكل قصص وتعاليم وأمثال منفصلة، عبارة عن وحدات صغيرة منفردة، وقد حُفظت هذه الوحدات على أساس احتياجات الجماعة المسيحية الأولى، بمعنى أنه عندما كانت تقابل هذه الجماعة مشكلة ما، كانت تُبرِز من حياة السيد المسيح وأقواله وتعاليمه وأمثاله ما يعالج هذه المشكلة، وأن الذين حرَّروا الأناجيل جمعوا هذه الوحدات الصغيرة المتناثرة وربطوها معًا ببعض أدوات الربط مثل ” في الحال” و”مرة أخرى ” و” بعد أيام قليلة” و”بينما” و”بعد ذلك ” فهذه العبارات ليست تعبيرات تاريخية (من وجهة نظر هؤلاء النقاد) إنما هي تعبر عن إطار زائف وضعه محرروا الأناجيل لربط الأحداث معًا. وقال ” بولتمان ” أن أقوال وقصص يسوع الشفاهية أخذت قيمتها من الجماعة المسيحية الأولى التي استخدمتها لتوضيح معنى الحياة المسيحية، والعبادة، والرد على المعترضين من اليهود وغيرهم، وأن ” هذا التقليد الشفاهي الذي كان كوحدات مستقلة بدأ يتجمع تدريجيًا إلى مجموعات وكتل ومتتابعات وأخيرًا أناجيل”(14)(15).

وقال ” ج. أ. لادد”.. ” نحن لا نملك في الحقيقة سجل حياة أو {سيرة حياة} يسوع ولكن فقط مجموعة من الحكايات والتعاليم المنفصلة التي تم ربطها معًا بأسلوب غير تاريخي وسطحي”(16)(17) وهذا ما ركز عليه أصحاب مدرسة نقد الشكل، أقصد صعوبة الوصول إلى ” يسوع التاريخ ” The Historical Jesus من خلال الأناجيل، وقال أن كل ما هو متوفر لنا ” مسيح الإيمان ” The Christ of Faith،  وضرب بولتمان مثلًا على هذا فقال أن اعتراف بطرس بالوهية السيد المسيح عندما قال ” أنت هو المسيح ابن الله الحي “ لم يحدث، لكنه كان من اختراع الكنيسة الأولى لكي تؤكد على ألوهية السيد المسيح. بينما أكد النُقَّاد المحافظون على أن الإنجيليين لم يخترعوا ولم يطوروا الأحداث عند تسجيلها، ولكنهم فهموا الأحداث بطريقة أكمل وأفضل بعد القيامة، فالقيامة صارت نافذة استطاع التلاميذ أن يروا القصة من خلالها كاملة، وأن يشيدوا مفهومًا أوضح عن يسوع وخدمته(18).

لقد سعى نُقَّاد الشكل للوصول إلى الأصول التي تمثل حياة يسوع وتلاميذه، وقالوا أنهم إذا نجحوا في الوصول لهذه الأصول عندئذ يمكنهم اكتشاف الإضافات والزخارف التي أضافتها الكنيسة الأولى، وما هي المشاكل والاحتياجات التي قابلت هذه الكنيسة المبكرة مما جعلها تضيف هذه الإضافات، ويذكر ” فينسنت تايلور ” الخطوات التي تتخذ في نقد الشكل وهي:

” 1- تصنيف المادة تصنيفًا شكليًا.

2- استرجاع الشكل الأصلي.

3- البحث عن المواقف الحياتية”(19)(20).

_____

(1) Green & Mcknight, dictionary of Jesus and the Gaspels, IV P. 1992 P. 333.

(2) القس أندريه زكي – المسيح والنقد التاريخي ص 17.

(3) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 607، 608.

(4) المسيح والنقد التاريخي ص 18.

(5) Hugh Anderson, Jesus and Christian Origins, 1964. P. 20.

(6) Schweitzer , QUJ , 401.

(7) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 497.

(8) المرجع السابق ص 483.

(9) Green of Mchnighc, Dictionary of Jesus and the Gaspel IVP , 1922 P. 243.

(10) القس أندريه زكي – المسيح والنقد التاريخي ص 20.

(11) ترجمة عاطف سامي برنابا – المسيحية عبر العصور ص 487.

(12) تاريخ الفكر المسيحي جـ 1 ص 159.

(13) المسيح والنقد التاريخي ص 51 – 53.

(14) Bultmann FC 9.

(15) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 475.

(16) Ladd NTC, 145.

(17) المرجع السابق ص 474.

(18) راجع القس أندريه زكي – المسيح والنقد التاريخي ص 54 – 60.

(19) Tayler , FCT , 22.

(20) جوش مكدويل – برهان يتطلب قرارًا ص 476.

(21) المرجع السابق ص 18.

 112- هل يمكن إلقاء الضوء على مدرستي النقد التاريخي (تاريخ الأديان، ونقد الشكل)؟

ما علاقة عبادتنا في العهد الجديد بالعهد القديم؟

105- ما علاقة عبادتنا في العهد الجديد بالعهد القديم؟

رابعًا: عبادة الكنيسة ومجامعها مبنية على ترابط العهدين

ج:

أقرَّت الكنيسة من خلال ليتورجياتها وحدة العهدين، إذ تخلل العهدان صلواتها. بل أن الكنيسة الأولى اعتمدت في عبادتها على أسفار العهد القديم قبل تدوين العهد الجديد، فكانت تصلي بالمزامير، ومازالت الكنيسة لليوم تصلي بالأجبية (صلوات السواعي) فالعبادة هي نسيج واحد من العهدين، وبالتالي فإن إلغاء العهد القديم لا بُد أن يشوه حتمًا العبادة المسيحية التي نُسجت من العهدين، ومن أمثلة ذلك:

1- ارتبطت تسبحة نصف الليل بالعهد القديم، فالهوس الأول يحدثنا عن عبور بني إٍسرائيل البحر الأحمر (خر 15) والهوس الثاني هو عبارة عن المزمور 135، والهوس الثالث يحدثنا عن تسبحة الفتية الثلاث في أتون النار من تتمة سفر دانيال، ويذكر مجمع القديسين أسماء الكثيرين من رجال العهد القديم، والهوس الرابع يشمل المزامير 148 – 150، وتربط الثيؤطوكيات بين التجسد ورموزه وإشاراته في العهد القديم، وبين العذراء مريم ورموزها في العهد القديم أيضًا.. إلخ.

2- يحكي القداس الإلهي قصة الإنسان فيذكر خلقته، وسقوطه، وتعهد الله له بالناموس والأنبياء.. إلخ وما أجمل عبارات القداس الإلهي الغريغوري التي يتغنى بها الإنسان ” خلقتني إنسانًا كمحب للبشر.. من أجل تعطفاتك الجزيلة كونتني إذ لم أكن. أقمت السماء لي سقفًا. وثبتَّ لي الأرض لأمشي عليها. من أجلي ألجمت البحر. من أجلي أظهرت طبيعة الحيوان. أخضعت كل شيء تحت قدمي. لم تدعني معوزًا شيئًا من أعمال كرامتك.. فتحت لي الفردوس لأتنعم. وأعطيتني علم معرفتك. أظهرت لي شجرة الحياة وعرفتني شوكة الموت. غُرس واحد نهيتني أن أكل منه.

هذا الذي قلت لي لا تأكل منه وحده. فأكلت بإرادتي. وتركت عني ناموسك برأيي. وتكاسلت عن وصاياك. أنا اختطفت لي قضية الموت.. أنت يا سيدي حوَّلت لي العقوبة خلاصًا. كراع صالح سعيت في طلب الضال. كأب حقيقي تعبت معي أنا الذي سقطت. ربطني بكل الأدوية المؤدية إلى الحياة. أنت الذي أرسلت لي الأنبياء من أجلي أنا المريض. أعطيتني الناموس عونًا. أنت الذي خدمت لي الخلاص لما خالفت ناموسك. كنور حقيقي أشرقت للضالين وغير العارفين.. ” عجبًا.. من يتذوق هذه العبادة الحقة ويرفض العهد القديم؟!!

3- في الليتورجيات نلتقي بالعهد القديم، فنصلي بالمزامير (الأجبية) وقبل قراءة الإنجيل يقرأ جزء من المزامير، وما أكثر النبوءات التي تقرأ في قداسات الصوم الكبير، وفي الأسبوع الأخير يقرأ سفر طوبيا بالكامل، أما قراءات أسبوع الآلام فتكاد تشمل العهد القديم كله، وفي ليلة أبو غلمسيس تقرأ الكنيسة كل الصلوات التي جاءت في العهد القديم بالإضافة إلى قصة سوسنة العفيفة.

4- في السنكسار نذكر كثير من تذكارات رجال العهد القديم.

5- في قداس اللقان تقرأ الكنيسة قراءات من العهد القديم، وكذلك في طقس تدشن الكنائس.. إلخ.

وقد أقرت الكنيسة من خلال مجامعها المحلية والمسكونية قانونية العهدين، ودمجتهما في كتاب واحد عاشت ومازالت تعيش به، فالكنيسة هي حاضنة للكتاب بعهديه، وهي التي حكمت بقانونية أسفاره، والكتاب المقدَّس هو سفر الكنيسة الذي حفظته في أحضانها وتعاملت معه بقدسية، وليس كما تعامل معه أصحاب مدرسة النقد، ويقول الأب منيف حمصيي ” في الواقع ليس من السهل الفصل بين الكنيسة والكتاب، فهو يجسّد حياتها، وهي على نور أصالة حياتها، تحكم فيه، لأنه قد خرج منها، ولأنها بدورها خرجت من جنب السيد. من هنا نأتي إلى أمر بسيط، فعادة أن العلماء يتعاملون مع الكتاب كموضوع بحث ودراسة، بينما الكنيسة تتعامل معه كنبع حياة”(1).

لقد تصدت الكنيسة لبدعة إلغاء العهد القديم، ومن أشهر رجالها الذين تصدوا لهذه البدعة إيريناؤس، وترتليان، ويوستين، وأكد أباء الكنيسة على أن العهد الجديد لم يلغِ العهد القديم، كما أوضح هذا إيريناؤس في كتابه ” برهان الكرازة الرسولية ” ويوسابيوس القيصري في كتابه ” البرهان ” وأغسطينوس في كتابه ” مدنية الله ” وكيرلس السكندري في كتابه ” العبادة بالروح والحق”.. إن العهد القديم يمثل مسيرة الإنسان نحو الله، والعهد الجديد يمثل مسيرة الله نحو الإنسان.

وفي حوار الشهيد يوستين مع تريفو ركز على السيد المسيح في العهد القديم، وربط بين العهدين من خلال التفسير التيبولوجي، ودافع القديس إيريناؤس عن العهد القديم ضد الغنوسية مؤكدًا ” إن الإعلان في العهد القديم أخذ في الإزدياد والتقدم في تعليم الإنسان، للارتقاء به وجعله قادرًا على تقبل الإعلانات الأسمى التي للعهد الجديد (إيريناؤس ضد الهرطقات 4: 13: 3، 4: 20: 8، 4: 21: 3) فليس هناك إنفصال بين العهدين.

وإنما يوجد تواصل بينهما عن طريق التقدم والارتقاء من القديم إلى الجديد”(2). وإستشهد القديس أكليمنضس الروماني في رسالته الأولى لأهل كورنثوس بأمثلة من العهد القديم مثل قايين وعيسو ويونان وأخنوخ وإبراهيم ولوط. كما استخدم المعنى الرمزي التيبولوجي في إستخراج تطبيقات من العهد القديم تناسب احتياجات المسيحيين فقال إن الخيط القرمزي يشير لدم المسيح، وقد توسعت رسالة برنابا (بين سنة 70، وسنة 100 م.) في التفسير التيبولوجي للعهد القديم(3).

أما العلامة أوريجانوس فقد كتب في كتابه ” المبادي، المقدمة 8 ” عن روحانية العهد القديم وقال ” لأن محتويات الأسفار هي الأشكال الخارجية لأسرار معينة وصور أمور إلهية”(4) وشبه أوريجانوس العهدين بقيثارة الله الواحدة الكاملة المتناسقة، فكل سفر له نغمته التي لا تتشابه مع النغمات الأخرى، ولكن في النهاية جميعها تكوّن سيمفونية رائعة، فيقول ” فقد يعتبرها الشخص غير الموسيقي الذي لا يفهم نظرية التوافق الموسيقي أنها غير منسجمة.

كذلك أيضًا الذين يعرفون كيف يسمعون إتفاق ألحان (هارمونية) الله في كتبه المقدَّسة يظنون أنه يوجد خلاف بين القديم والجديد، أو بين الأنبياء والناموس، أو بين الأناجيل المختلفة، أو إن الرسول (بولس) غير منسجم إما مع الأناجيل أو مع نفسه أو مع الرسل الآخرين، ولكن عندما يصل الإنسان المتدرب في موسيقى الله.. سيقدم صوت موسيقى الله، عارفًا من فنه كيف يضرب الأوتار في الوقت، تارة أوتار الناموس، وتارة بإنسجام معها أوتار الإنجيل، وتارة أوتار النبوة، وعندما تدعو الضرورة الأوتار الرسولية التي تنسجم معها، أو بالمثل مع الإنجيل، لأنه يعرف إن الكتاب كله كلمة الله الواحدة الكاملة المضبوطة الأنغام، فيخرج من نغماتها المختلفة صوتًا واحدًا للخلاص لأولئك الراغبين أن يتعلموا..”(5)(6).

وقال العلامة أوريجانوس أيضًا “أتمسَّك بأن كل حرف عجيب مكتوب في أقوال الله له مفاعيله، لا يوجد حرف ” يوضه” (أصغر الحروف اليونانية) واحد، أو نقطة مكتوبة في الكتاب، عند أولئك الذين يعرفون كيف يستخدمون قوة الكتاب، لا تصنع عملها المناسب. إنها مثل حالة الأعشاب، كل واحد له قوته، سواء لصحة الجسد أو لغرض ما آخر.. الإنسان القديس هو من قبل خبير الأعشاب الروحي ينتقي من الأسفار المقدَّسة كل ” يوضه ” وكل إتفاق حرف، مكتشفًا قوة الحرف والغرض الذي من أجله هو مستعمل.. وإن كنتَ لستَ خبير أعشاب للكتاب، ولا مُشرّحًا للغة النبويَّة، فلا تفكر في أي شيء في الكتاب هو بلا هدف.

ولكن إلقِ بالملامة على نفسك بالحري، لا على الكتب المقدَّسة، إذا فشلت في اكتشاف معنى ما هو مكتوب”(7)(8) وفي سنة 1941م تم اكتشاف برديات يونانية بالقرب من دير القديس أرسانيوس بطره بضواحي القاهرة، وهذه البرديات كانت كتابات لأوريجانوس وتفاسير أسفار التكوين وأيوب وزكريا للقديس ديديموس (313 – 398م) الذي وضع تفاسير عديدة لأسفار العهد القديم.

وقد وضع البابا كيرلس الكبير في القرن الخامس تفسيرات عديدة للعهد القديم، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وهو من أعظم الشخصيات في الأدب المسيحي المبكر. كما دافع عن وحدة العهدين كثير من الآباء مثل القديس كيرلس الأورشليمي في محاضراته للموعوظين (4: 33، 6: 16، 27، 16: 6) والقديس يوحنا ذهبي الفم في عظاته على إنجيل متى، وترتليانوس في كتابه ضد ماركيون، وقال القديس أوغسطينوس ” يختفي العهد الجديد في العهد القديم، وفي العهد الجديد يتجلى العهد القديم”(9).

وتفسر الكنيسة في عبادتها الكتاب المقدَّس بعهديه، فشرح الآباء كل آياته، ومن أنواع التفسير التي تربط بين العهدين التفسير التيبولوجي الذي يهتم بكشف التدبير الإلهي من خلال الزمن والتاريخ، فيجمع بين قصتين متشابهتين أو حدثين متشابهين أو شخصين متشابهين أحدهما من العهد القديم والآخر من العهد الجديد، مثل يونان النبي والسيد المسيح، أو عبور البحر الأحمر والمعمودية، أو المن والأفخارستيا، أو الصخرة والمسيح.

وعُرف التفسير التيبولوجي بالتفسير بالثيؤريا، وكلمة ” ثيؤريا ” كلمة يونانية تعني ” معاينة الله ” فالهدف من التفسير بالثيؤريا هو إنارة قلوب المؤمنين. كما يربط التفسير التيبولوجي بين النبوءات وتحقيقها مثلما قرأ السيد المسيح نبوءة إشعياء في مجمع الناصرة، ثم قال لهم ” إنه اليوم قد تمَّ هذا المكتوب في مسامعكم” (لو 4: 21) فالتفسير التيبولوجي يكشف عن عمل الله في صميم التاريخ، لا يهمل الحدث أو المعنى الحرفي له، ولا يهمل أيضًا المعنى الروحي، لأن الكتاب المقدَّس ليس هو حرفًا فقط ولا هو روحًا فقط، إنما هو حروف روحيَّة، وأحداث ذات معاني روحيَّة، وبذلك ننظر إلى العهد القديم على أنه تحت نور التدبير الإلهي، أما العهد الجديد فهو نور المسيح النور الإلهي.

 

ونعود ونقول لقد أقرَّت الكنيسة من خلال مجامعها وآبائها قانونية الكتاب المقدّس، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

1- مجمع اللاذقية المحلي:

جاء في القانون (59) من قوانين هذا المجمع ” لا يجوز أن تقرأ في الكنيسة مزامير نظمها بعض الأفراد أو أية قطعة من الكتب غير القانونية. بل كل ما يقرأ يجب أن يُختار من الكتب القانونية في العهدين القديم والجديد”(10) وجاء في القانون (60) لهذا المجمع ” وهذه هي كتب العهد القديم التي أجيزت قراءتها كتاب التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، تثنية الاشتراع، يشوع بن نون، القضاة، راعوث، أستير، الملوك الأول والثاني (صموئيل الأول والثاني)، الملوك الثالث والرابع (ملوك الأول والثاني)، أخبار الأيام الأول والثاني، عزرا الأول والثاني (عزرا ونحميا)، المزامير، أمثال سليمان، الجامعة، نشيد الأناشيد، أيوب، الأنبياء الاثني عشر (الأنبياء الصغار) إشعياء، أرميا، باروخ، مراثي أرميا والرسالة، حزقيال، دانيال.

وأما كتب العهد الجديد فهي الأناجيل الأربعة – متى ومرقس ولوقا ويوحنا – وأعمال الرسل والرسائل السبع الجامعة – واحدة ليعقوب الرسول وإثنتان لبطرس وثلاث ليوحنا وواحدة ليهوذا – ورسائل بولس الأربع عشرة. واحدة لأهل رومية، واثنتان لأهل كورنثوس، ولغلاطية، ولأهل أفسس، ولأهل فيليبي، ولأهل كولوسي، وإثنان لأهل تسالونيكي، وللعبرانيين، وإثنتان لتيموثاوس، وواحدة لتيطس، ولفليمون”(11).

2- مجمع تروللو (الخامس والسادس):

جاء في القانون (68) ” لا يجوز لأحد أن يُفسّر أو أن يُمزّق أحد أسفار العهد القديم أو العهد الجديد أو أحد مؤلفات آبائنا القديسين أو أن يعطيها لتجار الكتب أو الذين يعدون الطيوب أو أن يسلمها لأي شخص لإتلافها إلاَّ إذا تأكد له أنها أمست غير صالحة من تأثير الرطوبة أو فعل العث أو غير ذلك. وكل من عُرف عنه بعد الآن الإقدام على ذلك فليقطع لمدة سنة، وليقطع مثله الذي يشتري هذه الكتب لإساءة استعمالها”(12).

3- مجمع قرطاجنة:

جاء في القانون (24) ” أما أسفار العهد القديم فهي تكوين، خروج، الأخبار، العدد، التثنية، يشوع، قضاة، راعوث، الملوك (1، 2، 3، 4) أخبار الأيام، أيوب، المزامير، الحكمة، الأنبياء الصغار (12) إشعياء، أرميا، حزقيال، دانيال، طوبيت، يهوديت، أستير، عزرا، ثم أورد أسفار العهد الجديد بالكامل”(13).

4- القديس أثناسيوس:

في خلاصة الرسالة التاسعة والثلاثين قال ” بما أن المبتدعين يستشهدون بكتابات غير قانونية وبدأ ذلك حتى في العصر الذي كتب فيه القديس لوقا بشارته لذلك رأيت أنه يحسن أن أعدد الأسفار التي استلمناها حسب التقليد الشريف. إنها الكتب القانونية التي نؤمن أنها كُتبت بوحي إلهي. ففي العهد القديم اثنان وعشرون سفرًا (بعدد حروف الهجاء العبرية) وهي:

1- التكوين 2- الخروج 3- اللاويين (الأحبار) 4- العدد 5- تثنية الاشتراع 6- يشوع بن نون 7- القضاة 8- راعوث 9- الملوك الأول والثاني (أو سفري صموئيل الأول والثاني عند العبرانيين) 10- الملوك الثالث والرابع (أو الملوك الأول والثاني عند العبرانيين) 11- أخبار الأيام الأول والثاني 12- سفر عزرا الأول والثاني (عزرا ونحميا) 13- المزامير 14- الأمثال 15- الجامعة 16- نشيد الإنشاد 17- سفر أيوب 18- أسفار الأنبياء الاثني عشر الصغار 19- إشعياء 20- أرميا مع المراثي وسفر باروخ ورسالة باروخ 21- حزقيال 22- دانيال.

وهذه هي أسفار العهد الجديد (ويعددها خاتمًا إياها بسفر الرؤيا ليوحنا) هذه هي ينابيع الخلاص ومن يعطش يستطيع أن يرتوي بما فيها من بلاغة، وفي هذه الأسفار وحدها بشارة الخلاص وعقيدة حسن العبادة، فلا يتطاولن أحد فيضيف إليها أو يطرح منها شيئًا.

ولزيادة التدقيق أقول أنه توجد أيضًا بضعة كتب لم تُذكر في نطاق هذا القانون، وقد أوصى الآباء بأن يطالعها المنضمون حديثًا إلى الكنيسة والراغبون في أن يتدربوا في حسن العبادة وهي حكمة سليمان وحكمة سيراخ وأسفار أستير ويهوديت وطوبيا وتعليم الرسل والراعي. أما كتب المبتدعين غير القانونية فلا تجوز قراءة شيء منها”(14).

5- القديس غريغوريوس اللاهوتي:

جاء في قصيدته عن كتب العهدين القديم والجديد ” لا تحد عن الكتب الأخرى مداركك فقد ظهرت كتب مزورة كثيرة، أما الكتب التاريخية في العهد القديم فهي اثنا عشر وهي التكوين، والخروج، واللاويين، والعدد، وتثنية الاشتراع، ويشوع بن نون، والقضاة، وراعوث، ثم الملوك الأول والثاني، ثم أخبار الأيام، وعزرا. والكتب الشعرية خمسة أولها أيوب، ثم مزامير داود، فكتب سليمان الثلاثة الجامعة والأمثال ونشيد الإنشاد.

ثم الكتب النبوية وهي خمسة أيضًا أولها مؤلف من إثنتي عشرة نبوءة للأنبياء هوشع وعاموس وميخا ويوئيل ويونان وعوبديا وناحوم وحبقوق وصفنيا وحجي وزكريا وملاخي، وثانيها إشعياء، وثالثها أرميا، ورابعها حزقيال، وخامسها دانيال، وهكذا فكتب العهد القديم كلها هي بعدد حروف اللغة العبرانية أي اثنان وعشرون سفرًا.

أما أسفار العهد الجديد فهي متى الذي كتب عن عجائب المسيح للعبرانيين، ومرقس الذي كتب عنها لإيطاليه، ولوقا وضعها لأهل أخائيه (اليونان) ويوحنا الذي زار السماء كتب بشارته للجميع. ثم كتاب أعمال الرسل فرسائل بولس الأربع عشرة، فالرسائل الجامعة السبع فإذا عثرت على كتب غيرها فلا تُعد من الكتب القانونية”(15).

6- خلاصة قصيدة القديس امفيلوخبوس في الكتب المقدَّسة القانونية:

“يجب أن تعلم أن ليس كل كتاب دُعي كتابًا مقدَّسًا يجب علينا قبوله واعتباره دليلًا أمينًا صادقًا، فبعض الكتب متوسط في الاعتبار على نسبة ما يحويه من الحقائق، والبعض الآخر مزور ومضلل للقراء بدرجات متفاوتة، ولذلك فإني مُعدّد فيما يلي ما كُتب بوحي إلهي. فأسفار العهد القديم هي الأسفار الخمسة التكوين، والخروج، واللاويين، والعدد، وتثنية الاشتراع ثم سفر يشوع، فالقضاة، فراعوث، وكتب الملوك الأربعة يتلوها كتابا أخبار الأيام ثم عزرا الأول والثاني، فالكتب الشعرية الخمسة: أيوب، والمزامير، وأسفار سليمان الثلاثة الأمثال والجامعة ونشيد الإنشاد، فالأنبياء الاثني عشر هوشع وعاموس وميخا ويوئيل وعوبديا ويونان وناحوم وحبقوق وصفنيا وحجي وزكريا وملاخي، ثم الأنبياء الأربعة الكبار إشعياء وأرميا وحزقيال ودانيال ويضيف البعض إلى ما تقدم سفر أستير”(16).

وإن كان هناك اختلافًا في عدد الأسفار القانونية التي ذكرتها المجامع فإن هذا يدعونا للمزيد من الدراسة، لكن علينا أن نؤكد أن جميع القوانين اتفقت على قدسية الأسفار المقدَّسة وأهميتها.

_____

(1) هل يُلغى العهد القديم ص 36.

(2) د. إميل ماهر إسحق – الكتاب المقدَّس – أسلوب تفسيره السليم وفقًا لرأي الآباء القويم ص 71.

(3) راجع د. إميل ماهر إسحق – الكتاب المقدَّس – أسلوب تفسيره السليم وفقًا لرأي الآباء القويم ص 69.

(4) د. إميل ماهر إسحق – الكتاب المقدَّس – أسلوب تفسيره السليم وفقًا لرأي الآباء القويم ص 63.

(5) أوريجانوس تفسير متى 2، الفيلو كاليا 6.

(6) د. إميل ماهر إسحق – الكتاب المقدَّس – أسلوب تفسيره السليم وفقًا لرأي الآباء القويم ص 78.

(7) أوريجانوس على أرميا عظة 39، الفيلوكاليا 10.

(8) د. إميل ماهر إسحق – الكتاب المقدَّس – أسلوب تفسيره السليم وفقًا لرأي الآباء القويم ص 79.

(9) المرجع السابق ص 63.

(10) الأرشمندريت حنانيا الياس كساب – مجموعة الشرع الكنسي ص 238.

(11) الأرشمندريت حنانيا الياس كساب – مجموعة الشرع الكنسي ص 239.

(12) الأرشمندريت حنانيا الياس كساب – مجموعة الشرع الكنسي ص 590.

(13) الأب منيف حمصيي – هل يُلغى العهد القديم؟ ص 91.

(14) الأرشمندريت حنانيا إلياس كساب – مجموعة الشرع الكنسي ص 882، 883.

(15) الأرشمندريت حنانيا إلياس كساب – مجموعة الشرع الكنسي ص 905.

(16) الأرشمندريت حنانيا إلياس كساب – مجموعة الشرع الكنسي ص 906.

105- ما علاقة عبادتنا في العهد الجديد بالعهد القديم؟

Exit mobile version