الوسم: المجتمع
مجتمع الله الجديد : طبيعة المجتمع الجديد
مجتمع الله الجديد : طبيعة المجتمع الجديد
مجتمع الله الجديد : طبيعة المجتمع الجديد
تحدثنا حتى الآن عن مجيء يسوع في إطار مجتمع جديد كان المعاصرون له يتوقعون حدوثه. وكانوا يتوقعونه على أنه الوقت الذي تتحقق فيه – وبشكل مثير – وعود العهد القديم فيما يتعلق بوضع إسرائيل في خطط الله وطرد الرومانيين من أرضهم إلى غير رجعة.
وليس من عجب إذاً أنه حين ظهر يسوع كنبي متجول بعد عماده وبعد التجربة في البرية[1]، وأعلن أنه “قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله” أن الناس باختلاف اتجاهاتهم أظهروا اهتماماً كبيراً لما قاله. فهذا هو ما كانوا ينتظرونه: مملكة جديدة لله تسحق إلى غير رجعة مملكة الرومان العتيقة. وأنهم كانوا يتوقعون تماماً (أي الشعب اليهودي) أنه سيكون لهم دور هام في هذه المملكة الآتية تحت قيادة مسيحهم (المسيا).
ملكوت الله
ولكن ما الذي عناه يسوع حين تكلم عن “ملكوت الله”؟ وما الذي نقصده نحن بهذا التعبير؟ إن القاموس الخاص بي يحدد “المملكة بأنها “الدولة أو الأرض التي تحكم بواسطة ملك”. وعلى هذا فلعل معاصري يسوع لم يكونوا قد أخطأوا على أي حال فيما ذهبوا إليه: فالله سيقيم دولة جديدة يحكمها بنفسه.
فهل هذا هو ما قصده يسوع حقاً؟ هل تحدث عن دولة جديدة أم مجتمع جديد؟ والفرق واضح تماماً، فإذا كان يسوع يتكلم عن دولة جديدة، فلا بد أنه نظر إلى نفسه كوكيل ملكية سياسية جديدة، أي أنه كان من طائفة الغيورين. أما إذا كان يتحدث عن مجتمع جديد، فلا بد والحال هذه أن يكون قد اعتبر أن عمله يهتم بصفة أساسية بنوعية الحياة التي يتمتع بها شعبه. والدولة الجديدة سيكون من شأنها ببساطة أن تستبدل النظام الاستبدادي العتيق بنظام استبدادي جديد. أما المجتمع الجديد فلسوف يعطي الشعب حقيقة جديدة ولذيذة عن الحرية والعدل ووجود الله في حياتهم.
وعلى هذا، فما الذي كان يتحدث عنه يسوع حقاً؟ اعتقد كثيرون من المسيحيين أنه كان مهتماً بصفة رئيسية ببدء مجتمع يحكمه الله، وذلك كمجتمع مميز عن الدول السياسية التي يحكمها رجال ونساء. وعلى سبيل المثال، كثيرون من رجال الكنيسة في العصور الوسطى، اتبعوا نهج القديس أوغسطينوس في الاعتقاد بأن ملكوت الله الذي كان يتحدث عنه يسوع هو المجتمع المنظم الذي نسميه نحن الكنيسة. وحتى في يومنا هذا، نجد الوعاظ المسيحيين يتكلمون في كثير من الأحيان كما لو أن “الملكوت” هو مجرد كلمة أخرى يقصد بها الكنيسة، وآخرون يتحدثون عن ملكوت الله كما لو كان نوعاً جديداً من إعلان سياسي. غير أنه هناك اعتراف على نطاق واسع الآن يسود أوساط الذين يدرسون العهد الجديد، بأنه أياً كان ما قصده يسوع بتعبير “ملكوت الله” فإنه لم يكن أياً من هذه الأشياء.
الملكوت والمجتمع الجديد
هناك إشارة إلى ما قصده يسوع حقاً بمقدورنا أن نجدها في اللغة التي تحدث بها. وعلى الرغم من أن يسوع ربما كان بالفعل يستطيع أن يتكلم لغتين أو ثلاثة، فمن المرجح أنه كان في معظم الأحيان يتكلم باللغة الآرامية وهي اللغة التي كان معظم الناس في فلسطين يعرفونها على نحو أفضل. ولقد كتبت الأناجيل باللغة اليونانية، مثل بقية العهد الجديد بالطبع، ولذلك ليس لدينا أي مستند مباشر للكلمات التي نطق بها يسوع بالفعل باللغة الآرامية، غير أنه حتى الكلمة اليونانية التي ترجمت “ملكوت Basilea” تعني بالأكثر نشاط الملك وليس الأرض التي يحكمها. والكلمة الآرامية التي يعتقد الباحثون أن يسوع نفسه استعملها وهي “Malkutha” من المؤكد أنه كان لها نفس المعنى. ولذلك نجد أنه لدينا من الأسباب ما يحملنا على افتراض أن يسوع كان يتكلم عما يمكن أن نطلق عليه “حكومة الله الملكية” وليس “ملكوته”.
هذا هو السبب الذي حملنا على التفكير في رسالته هنا في إطار “المجتمع الجديد”. لأن يسوع كان مهتماً – وبأكثر من أي شيء آخر – بنوعية الحياة الإنسانية، وعلاقة الإنسان بالله، وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان.
ويساعد هذا على تفسير بعض الأمور الأكثر صعوبة التي قالها يسوع، وعلى سبيل المثال، قال للفريسيين: “لا يأتي ملكوت الله بمراقبة… ها ملكوت الله داخلكم”[2]. وفي مناسبة أخرى قال لتلاميذه: “من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله”[3]. ومن الواضح أن الأراضي السياسية لا يمكن أن تكون جزءًا من حياة الناس كأفراد، فهم لا يستطيعون “أن يكونوا” دولة بل لا يمكن أن تكون “داخلهم”. لكن يسوع كان يقول إنه منذ اللحظة التي يملك فيها الله حياة شخص ما، يكون المجتمع الجديد قد أقبل بالفعل. كان يمكن أن يقول إن ملكوت الله داخل سامعيه، لأنه هو نفسه كان هناك، وكان الله يسيطر تماماً على حياته.
ومن المفيد أن “البروفسور و. ج. كوميل Professor W. G. Dummel” يلفت الانتباه إلى الطريقة التي قال بها يسوع إن “دخول الملكوت” معناه “دخول الحياة”. وهؤلاء الناس الذين يرثون الملكوت يرثون أيضاً “الحياة الأبدية”، والبوابة التي تؤدي إلى الملكوت هو “الطريق الذي يؤدي إلى الحياة”. والقصة الشهيرة عن الابن الضال الذي هرب من البيت تؤكد أيضاً حقيقة أنه كي تكون عضواً في الملكوت معناه أن تشارك في حياة الله، وتعرفه كأب. وكذلك يذكر بولس قراءه المسيحيين في كورنثوس بأن “ملكوت الله ليس بكلام بل بقوة” – قوة الله العاملة في حياة أولئك الذين سلموا أنفسهم لتوجيه الله بإرشاده.
وفي ذات الوقت، سنكون على خطأ إذا ما وضعنا التركيز كله على المجتمع الجديد على أنه جزء من علاقة شخصية بيننا وبين الله. وهناك أقوال كثيرة في الأناجيل تبين أن يسوع كان ينظر إلى ملكوت الله كمجتمع حقيقي ملموس، كما كان ينظر إليه أيضاً كحكم الله الداخلي في حياة أتباعه. فقد قال – على سبيل المثال – إن الناس “يأتون من المشارق ومن المغارب ومن الشمال والجنوب ويتكئون في ملكوت الله”[4]. وفي العشاء الأخير قال يسوع لتلاميذه: “إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتي ملكوت الله”. ويسجل لنا متى قوله إن أتباعه سيرثون “الملكوت المعد لهم منذ تأسيس العالم”[5]. لذلك يبدو أن المجتمع الجديد في مفهوم يسوع كان يتضمن أمرين. من ناحية، إنه حكم الله على حياة الناس الذين يسلمون له أنفسهم. ومن ناحية أخرى، فإنه شيء يمكن بل وسوف يظهر للعالم كله[6].
وكل من هذين المفهومين كان انعكاساً صادقاً لتوقعات العهد القديم. ومن المهم أن نتذكر أنه ليس كل كتبة العهد القديم أدركوا تدخل الله المستقبلي في شؤون البشر في إطار نزعة تتسم بالأنانية والقومية كما كان يفعل البعض من معاصري يسوع. وإنها لحقيقة أنه في بعض أجزاء العهد القديم نجد إدراكاً طاغياً أن سيادة الله على البشر ستظهر في شكل ملكوت منظم سيحل محل إمبراطوريات العالم.
وهذه بصفة خاصة، نظرة الأقسام الرؤوية في العهد القديم. ففي سفر دانيال – على سبيل المثال – أن قديسي “العلى” الذين يمثلهم “مثل ابن الإنسان”[7] تسلموا ملكوت الله وتملكوه إلى الأبد. وهذه نوعية من التطلعات ازدادت وتم تضخيمها ألف ضعف بواسطة آخرين. بمعرفة كتاب رؤويين في وقت لاحق، وكان البعض منهم من معاصرين يسوع. وكانت تطلعات عبر عنها بعض أتباع يسوع حين أرادوا أن يقيموه ملكاً عليهم بعد معجزة إطعام خمسة آلاف شخص[8]. وكان هذا موقفاً وُجد حتى بين التلاميذ. فحين طلب يعقوب ويوحنا أن تكون لهما المراكز الأولى بأن يجلس واحد عن يمين يسوع والآخر عن يساره في مجده، فإنهما كانا يفكران في إطار سياسي خالص[9].
وعلى الرغم من أن يسوع وبخهما حين قالا ذلك[10]، إلا أنه لم يفكر إطلاقاً أن ملكوت الله سوف يؤثر بطريقة ما في المجتمع بالمعنى السياسي، بل أنه في بعض الأحيان كان يقول إن ذلك سيتم بطرق غير مثيرة نسبياً[11]، كما تعمل الخميرة في الخبز، أو مثل حبة الخردل التي تنمو في هدوء إلى شجرة كبيرة، إلا أنه كان أيضاً على قناعة تامة أن الله سوف يعمل بحسم وبصفة مباشرة[12]، ليس في حياة الأفراد فحسب، بل وأيضاً في حياة الأمم السياسية والاقتصادية.
هذا التوتر، أو ما يبدو وكأنه تناقض بين حكم مجتمع الله الجديد في حياة الأفراد والتعبير الخارجي عنه في قوى سياسية ملموسة[13]، كان موجوداً في أيام العهد القديم. فقد كان ينظر إلى الله على أنه “ملك” إسرائيل منذ عصر القضاة، وربما حتى قبل ذلك. والمزامير عامرة بالتعبيرات التي تؤكد سيادة الله على مجرى التاريخ[14].
وكثيرون من الربيين – في زمن يسوع – كانوا يؤكدون على أن سيادة مملكة الله على إسرائيل كانت موجودة بالفعل، حتى أيام الحكم الروماني، وأن الله كان يعمل من خلال الشريعة. وأحياناً كان معلمو اليهود يشيرون إلى أناس “يتثقلون بقيام ملكوت الله” وهم يقصدون بهذا أنهم يقبلون التوراة ويطيعونها كأداة لحكم الله على شعبه.
وإذا تفحصنا بإمعان أجزاء أخرى من العهد الجديد نستطيع أن نلمس أن هذا التوتر موجود دائماً بين ما يستطيع الله أن يفعله الآن في أولئك الذين يقبلون حكمه على حياتهم، وما سيفعله أساساً من خلالهم في المجتمع بصفة عامة. وعلى سبيل المثال، يقول بولس: “لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً. بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس”[15]. وبالنظر إلى أن هذه أمور يمتلكها المسيحيون بالفعل، فأن تكون جزءًا من ملكوت الله، يعني أن نسمح لله بأن يمارس سيادته المطلقة على حياتنا.
وفي ذات الوقت، نجد أن بولس، على الرغم من ذلك يربط بين وصول ملكوت الله والأحداث المرتبطة بنهاية العالم: “وبعد ذلك النهاية متى سلم الملك لله الآب متى أبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة”[16]. فقد توقع بكل وضوح أن الله سيدخل التاريخ ويغير مجراه – وهذا كان من ناحية ما مرتبطاً بمجيء مجتمع الله الجديد “الملكوت”. وهذا تم توضيحه تماماً في سفر الرؤيا حيث “صارت ممالك العالم لربنا ومسيحه فسيملك إلى أبد الآبدين”[17] وهذا أيضاً عنصر هام في تعليم يسوع نفسه.
الأخرويات والمجتمع الجديد
موضوعات مختلفة نشير إليها حين نتكلم عن مجتمع الله الجديد يسمى “الأخرويات”. وكلمة “الأخرويات” مأخوذة عن عبارة يونانية ترجمتها “أفكار عن النهاية”. ولكن الأخرويات لا تتعلق فقط بما قد يحدث عند نهاية العالم. بل أنها بالضرورة تتعلق بملكوت الله، حيث يكون الله ملكاً، وبكل السبل المختلفة التي تجعل مجتمع الله الجديد نفسه محسوماً بواسطتها، سواء في حياة الناس كأفراد، أو في المجتمع، أو في النهاية الأخيرة للأمور.
في حوالي السبعين سنة الأخيرة، قدمت اقتراحات تدور حول المعنى الحقيقي لتعليم يسوع عن المجتمع الجديد أو “ملكوت الله”.
الأخرويات المستقبلية
أول هذه الآراء أن تعليم يسوع كجزء من “الأخرويات المستقبلية”. فنحن نقصد بها المستقبل من وجهة نظر الوقت الحاضر. فهناك مسيحيون كثيرون اليوم ممن يأخذون “الأخرويات المستقبلية” بمعنى أنهم يتوقعون مجيء ملكوت الله في شكل محسوس في وقت لا يزال في علم المستقبل. وكثيراً ما يعرّفون مجيء ملكوت الله بهذه الطريقة على أنه “المجيء الثاني (parousia) ليسوع نفسه. إلا أنه حين يتكلم المفسرون عن تقاليد الإنجيل، فإنهم يحجزون تعبير “المستقبلي” لتوقعات يسوع نفسه عن المجتمع الجديد، وليس لتوقعات المسيحين المعاصرين.
وكان “ألبرت شويتزر” المفكر اللاهوتي الألماني، والذي أصبح المرسل الطبي في إفريقيا – هو أول من أضفى الشعبية على الفكرة القائلة إن ليسوع توقعات خاصة بالأخرويات المستقبلية. وكان يعني بهذا أن يسوع يتبنى توقعات مماثلة لتوقعات الكثيرين من الكتاب الرؤويين اليهود الذين كانوا معاصرين له. وقد أشار إلى أن يسوع اعتقد أن الله كان على وشك أن يتدخل، وبشكل عاجل ومثير في شؤون البشر، وأن عمل حياته هو أن تكون الذروة الحاسمة للتاريخ – وهي ذروة سوف تأتي لذلك أثناء حياة يسوع على الأرض – وهذا، كما قال شويتزر هو ما قصده يسوع حين أعلن أن ملكوت الله قريب.
وقد صور يسوع نفسه على أنه المسيا المعين، الذي ستكون له السلطة الكاملة عند مجيء الملكوت، ولكنه مثل كثيرين من الرائيين، سواء قبله أو بعده، وجد أن حقيقة الحياة مختلفة عن هذه الأحلام المثالية. وتدريجياً بينما تواصل الحياة مسيرتها يبدو كما لو أن الحلم ليس سوى وهم. وفي وقت مبكر من مجرى عمله – كما يقول شويتزر – كان يسوع واثقاً بما فيه الكفاية ليقول لتلاميذه إن ابن الإنسان على وشك أن يظهر في مجد، وسيكون ذلك سريعاً حتى إنه بمقدروهم أن يتوقعوا وصوله خلال أيام قليلة (متى 1: 23). ولكن ذلك لم يحدث إطلاقاً، ومن ثم قرر يسوع أن يرغم الله وذلك بالذهاب إلى أورشليم والإلحاح على السلطات هناك فيما يتعلق بهذا الموضوع. وكان من نتيجة ذلك أنه تم القبض على يسوع وحوكم، وبطريقة مأساوية حكم عليه بالموت. وحتى عمل الإيمان المدهش هذا لم يأت بالنتيجة المرجوة. وعوضاً عن ذلك انتهى بهزيمة وبصرخة يأس على الصليب حيث أدرك يسوع أن الذي يخدمه قد تخلى عنه. وكما قال شويتزر في هذا الخصوص: “عجلة القدر لن تدور، ولذلك طرح يسوع نفسه عليها وترك حيث ما زال معلقاً هناك.
ومع ذلك، وبرغم أن آمال يسوع انتهت إلى الفشل إلا أن شويتزر يدعي أن قوة عظيمة قد نتجت عن هذا العمل الذي لا يصدق في الثقة التي لم تكن في محلها إلا أن تأثيرها أعظم مما كان سيحدث لو أن الملكوت الرؤوي كان قد جاء بالفعل. لأن يسوع كمثال لا يزال بمقدوره أن يترك تأثيراً أخلاقياً روحياً كبيراً بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في أن يكونوا مضيفين.
ومن المؤكد أن شويتزر نفسه وضع الدروس التي رآها هنا موضع التطبيق. وليس معنى هذا أنه أخذ تعليم يسوع الفعلي بجدية بالغة، لأنه كان ينظر حتى إلى الموعظة على الجبل على أنها “أخلاقيات فترة فاصلة، لم يقصد لها أن تطبق إلى لفترة وجيزة للغاية أثناء فترة خدمة يسوع. وبدلاً من ذلك كان يولي أهمية عظمى لأمانة يسوع لمعتقداته. ولقد قال إن هذا شيء لا بد وأن يكون له تأثيره على كل من يأخذه بجدية.
ولقد نشرت آراء شويتزر في كتاب رائع ظهر لأول مرة في إنجلترا سنة 1909 تحت عنوان “ضالة يسوع التاريخ المنشودة”. ما زال يعد كواحد من أعظم الكلاسيكيات اللاهوتية. وكثير من بنود حجة شويتزر ما يزال ينظر إليها على أنها صحيحة حتى إلى يومنا هذا. ومن الصعوبة أن نجد من لا يتفق مع رأيه بأن تعليم المسيح عن المجتمع الجديد لا بد وأنه ظهر مماثلاً جداً للتوقعات الرؤوية للشعب في أيامه. ومن المؤكد أنه يشترك في كثير من الأمور مع توقعاتهم بأكثر مما يتفق مع الأفكار التي قال بها رجال الكنيسة في العصور الوسطى فيما يختص بالملكوت والكنيسة، أو مع أنصار اللاهوت المتحرر في العصر الحديث.
ومما لا شك فيه أن شويتزر كان على حق أيضاً في رؤيته أن عمل حياة يسوع، ولا سيما موته، كان بالضرورة جزءًا ضرورياً من تدخل الله في حياة الناس العاديين. ومع ذلك، هناك مصاعب كثيرة تكتنف قبول هذا كتفسير لحياة المسحي كلها وتعليمه. وذلك لسبب واحد وهو أن شويتزر دأب على تجاهل الأقوال التي لا ريب أن يسوع قالها عن أهميته، وأنه اقتصر بشكل يكاد يكون تاماً على أقول يسوع عن ملكوت الله. وسبق أن رأينا أن هذين الجزئيين من تعليم يسوع يجب أن يفهما معاً. ومن المستحيل فهم ما قصده بالنسبة لمجتمع الله الجديد دون أن نأخذ في اعتبارنا تماماً قوله بأن له علاقة خاصة بالله نفسه.
وما لم نكن على استعداد لإنكار كل المصداقية التاريخية لقصص الإنجيل، يكون يسوع كان هو مجيء العهد الجديد بدلاً من الصعوبة الاعتقاد بأن يسوع لم يدرك أهمية موته في أورشليم إلا بعد فشل كل جهوده السابقة لإقامة المجتمع الجديد. بل ولسنا في حاجة لأن نشارك شويتزر اعتقاده أن موت يسوع أخفق أيضاً في غايته المرجوة، ولم ينتج عنه سوى تأثير روحي طفيف على حياة أولئك الذين بذلوا الوقت في التفكير فيه.
وقد استغل شويتزر الكثير من أقوال يسوع لتلاميذه كتلك التي أدلى بها قبل تجليه “إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يرون ملكوت الله قد أتى بقوة” (مرقص 9: 1). وطبقاً لنظرية شويتزر فإن هذا لم يحدث إطلاقاً. ولكنه لم يصل إلى هذا الاستنتاج إلا بسبب موقفه المتشكك في دليل العهد الجديد. لأن كل اعتقاد الكنيسة الأولى هو أن الله قد تدخل حقاً في شؤون البشر بطريقة قوية ومثيرة بقيامة يسوع وعطية الروح القدس لأتباعه، وأن كلاُ من هذين الأمرين كان من النتائج المباشرة لموت يسوع على الصليب، وحين نتذكر أن الكثير من الكتاب المقدس “كتب في أقل من جيل بعد وقوع هذه الأحداث، يكون من الواضح أن الدليل المستمد منه لا يمكن دحضه تماماً وبالسهولة التي تخيلها شويتزر.
الأخرويات التي تحققت
على النقيض تماماً من نظرية شويتزر جاءت فكرة البروفسور “دود” بأن يسوع كان لديه ما نسميه “أخرويات. تحققت”، وطبقاً لما قاله “دود” المجتمع الجديد قد جاء بالفعل في شخصه. ومن ثم بوسعنا القول إن مجيء يسوع هو نفسه مجيء حكم الله. ومع أن المجتمع الجديد قد يحتاج إلى أن ينمو ويتطور، إلا أن العمل الأساسي والحاسم قد تم بالفعل، وهذا رأي له جاذبيته، ولا سيما بالنسبة لمن ينتمون إلى عصر علمي حديث. ونماذج الفكر المألوفة للرؤويين اليهود في القرن الأول تعد غريبة بالنسبة لنا فمعظمنا يجد أنه من الأسهل أن يعتقد أن مجيء يسوع كان هو مجيء العهد الجديد بلاً من الإغراق في التخمينات الغريبة التي لا فائدة منها والخاصة بالمستقبل، والتي حتى يومنا هذا ما تزال تشغل اهتمام بعض الجماعات المسيحية ذات الآراء الغريبة.
وفكرة أن يسوع رأى حياته وعمله على أنها مجيء مجتمع الله الجديد تساعدنا أيضاً على أن نفهم بمزيد من الوضوح طبيعة الأحداث التي سجلتها الأناجيل على نحو من الدقة. فالمعجزات، على سبيل المثال، من الممكن فهمها بشكل أيسر إذا ما اعتبرناها علامات ودلائل على أن الله كان يعمل بالفعل في خلق مجتمع جديد. مما لو كنا ننظر إليها بالطريقة التقليدية على أنها أدلة تثبت لاهوت المسيح.
وبالطبع يدرك “دود” أنه ليس من الممكن فهم كل مواد الإنجيل بسهولة في إطار أخرويات تحققت. فما الذي يمكن أن نفهمه على سبيل المثال، من الصور والأمثلة التي يبدو أنها الدينونة الأخيرة، مثل قصص العذارى العشر أو الخراف والجداء (متى 25: 1-13، 31-46)؟ ويفسر “دود” هذه القصص على أنها صور وليست دينونة أخيرة ستحل في نهاية العالم، بل هي نوع من أنواع التحدي الذي يقابل جميع الناس حينما تقابلهم الرسالة المتعلقة بيسوع والمجتمع الجديد.
ومن المؤكد أنه يوجد دليل كاف على أن يسوع اعتبر إعلان رسالته من ناحية ما كدينونة بالنسبة لأولئك الذين سمعوها ولم يستجيبوا لها. والإطار الذي أدان فيه يسوع الفريسيين يظهر في كثير من الأحيان أنهم أبعد ما يكونوا عن أن يخلصوا (مرقص 3: 28-30؛ متى 23)، وكاتب الإنجيل الرابع من المؤكد انه يعرض بشكل دقيق على الأقل جزءًا من رسالة يوسع حين يعلق قائلاً: “الذي يؤمن به لا يدان والذي لا يؤمن به قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد وهذه هي الدينونة، أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة” (يو 3: 18-19). وعلى ذلك فإنه ليس من الصعب أن تجد فقرات في تعليم يسوع يمكن أن تدعم إلى حد ما نظرية “دود”. غير أنه ليس بمقدور النظرية أن تشرح كل تفصيلة من تفصيلات البرهان. وهناك عائقان كبيران يتمثلان في الآتي:
ç على الرغم من أنه توجد فقرات كثيرة في تعليم يسوع تساند النظرية، إلا أن هناك فقرات كثيرة لا تساندها. وفي كثير من الحالات يشير يسوع إلى ابن الإنسان “آتياً على سحاب السماء” وكل نظرية مصطبغة بلا ريب بنوعية التشبيهات المجازية الرؤوية التي لفت إليها شويتزر الانتباه بطريقة رائعة.
ç علينا أن نضع في الاعتبار أيضاً ما تقوله لنا بقية أجزاء العهد الجديد عن معتقدات المسيحيين الأوائل. ولسوف نجد بها خليطاً من الأخرويات “المستقبلية”، والأخرويات التي تحققت.
وفي الرسالة التي كتبها بولس إلى الكنيسة التي في مدينة تسالونيكي اليونانية في مطلع الخمسينات في القرن الأول، نجد تأكيداً كبيراً على توقعات المسيحيين الأولين بأن يسوع سيجيء ثانية في مجده، ومن الواضح أن بولس نفسه كان يشاركهم هذه التوقعات. ولو أن ذلك ليس بالطريقة المتطرفة مثل التسالونيكيين (1تس 4: 13 – 5: 11؛ 2تس 2: 1-12). وعلى صعيد آخر نجد أن بولس قابل في كورنثوس بعض الناس الذين كانوا يعتقدون أن الأوصاف التقليدية لنهاية الأشياء يجب أن تؤخذ كرموز لاختبارهم الروحي – وقد أكد لهم بولس ثانية اعتقاده أن يسوع سيأتي ثانية في المستقبل (1كو 15: 3-57). ولم يكن بولس متحيزاً تماماً في الموضوع، لأنه في رسالة غلاطية، التي ربما تكون أول رسالاته، اقترح وبمعنى حقيقي جداً أن مجتمع الله قد أتى، وهو يعمل بالفعل في المسيحيين.
وهكذا فإنه إذا كانت نظرية “دود” صحيحة تماماً، وأن يسوع كان يعتقد بالفعل أن المجتمع الجديد قد وصل بالفعل إلى صيغته النهائية، فإنه يكون من الصعب أن نفهم كيف ولماذا نسى المسيحيون الأوائل هذا التأكيد على هذا النحو من السرعة، وتحولوا بدلاً من ذلك إلى تخمينات عن المستقبل. وهذا بصفة خاصة يعد سؤالاً هاماً للغاية لأن كثيرين من هؤلاء المسيحيين لم يكونوا من اليهود، ومن الطبيعي أنهم لا يفكرون في المستقبل في إطار رؤوي يهودي. كما أنه يتعين علينا أن نتذكر أن تقاليد الإنجيل نفسها حفظت في الكنائس من أجل أن نستخدمها، ومن المؤكد أنه من غير المحتمل أن عدم التناغم الواضح بين تعليم يسوع والمعتقدات الفعلية للكنيسة لم يلاحظه أحد.
أخرويات بدأت بالفعل
بسبب الصعاب المتضمنة في كل من الأخرويات المستقبلية، والأخرويات التي تحققت، حسبما يرى يسوع، فإنه يوجد اليوم تأييد كبير لرأي يحاول أن يأخذ أفضل ما في النوعيتين. وهذا الرأي يدرك أنه من ناحية ما قد جاء المجتمع الجديد بالفعل في شخص يسوع لكن اكتماله تماماً لم تتم رؤيته بعد، ولكنه حاضر في شخص يسوع وتعليمه. ولهذا سميت بالأخرويات التمهيدية، وهذا يبدو لي أفضل تفسير للموضوع. وإنه لمن الضروري أن ندرك مع شويتزر أن خلفية يسوع كانت مكونة من يهودية القرن الأول، وأن تعليمه تضمن وجهة نظر كاملة لمجرى الأحداث في المستقبل بما في ذلك الدينونة الأخيرة، والقيامة النهائية كجزء من إتمام مجتمع الله الجديد. وإنه لمن المهم أيضاً أن نعرف أن ما قاله يسوع من ناحية أن المجتمع الجديد قد أتى بالفعل في شخصه، يوجب على الناس جميعاً أن يستجيبوا لمتطلبات الله منهم.
وربما يكون بوسعنا أن نوجز هذا الموضوع الذي يبدو معقداً إلى حد ما، بالقول إنه توجد نقاط هامة لفهم ما تعين على يسوع أن يقوله عن مجيء المجتمع الجديد:
ç من المؤكد أن يسوع استخدم لغة عصره وشارك آراء الذين كانوا يتوقعون المجيء الوشيك للمجتمع الجديد من خلال تدخل الله المباشر في شؤون الناس.
ç اعتقد يسوع أن الطبيعة الأساسية للمجتمع الجديد “أعلنت في حياته وعمله – وواضح في الأناجيل أن توقعاته مختلفة تماماً عن توقعات معظم اليهود، فهو لم يعلن عن مجتمع القوة السياسية المستبدة التي تحل محل روما، بل كشف عن مجتمع محب يتكون من الذين ولاؤهم لله نفسه.
تدخل الله المباشر يرى ليس فقط في حياة يسوع وتعليمه، بل يرى أيضاً في موته، وفي قيامته، وفي عطية الروح القدس لكنيسته. بل ولعله أيضاً في هذه الأحداث التي تحققت فيها بعض تنبؤات يسوع عن الأمور الأخيرة – على سبيل المثال – القول إن بعض تلاميذه سوف يرون المجتمع الجديد آتياً بقوة قبل أن يموتوا (مر 9: 1).
هنا تنوع كبير في اللغة التي استخدمها يسوع في وصف المجتمع الجديد حتى إنه من المستحيل فهمها إلا من خلال النظرة الأكثر شمولاً. فالملكوت يجيء سراً مثل الخميرة التي تعمل في العجين (مت 13: 23)، أو يمكن أن تأتي بظهور مفاجئ للمسيح في مجد مثل المجيء الثاني المتوقع (مرقص 13).
ملكوت الله وملكوت السماوات
من بين السمات البارزة في إنجيل متى أنه يداوم على استخدام تعبير “ملكوت السماوات” ليصف موضوع تعليم يسوع والاستثناءات الوحيدة لهذا نجدها في (متى 12: 28؛ 19: 24؛ 21: 31، 43) حيث نجد فيها تعبير “ملكوت الله” وهو التعبير الذي استخدم بصفة دائمة في إنجيلي مرقص ولوقا.
وعلى أساس هذا الفرق اعتقد البعض أنهم يستطيعون أن يميزوا بين مرحلتين منفصلتين تماماً في تعليم يسوع، وأنه ليس هناك شك في أن التعبيرين يشيران إلى الشيء نفسه. وهذا ما يمكن توضيحه بسهولة تامة بمقارنة نفس الأقوال في إنجيل متى والإنجيلين المتشابهين الآخرين. وعلى سبيل المثال – حيث يلخص مرقص رسالة يسوع فيقول: “اقترب ملكوت الله فتوبوا” (مرقص 1: 15) نجد في متى: “توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات” (متى 4: 17).
والعبارتان وردتا في نفس السياق تماماً (بداية خدمة يسوع التعليمية)، ومن الواضح أنه توجد نسخ مختلفة لنفس هذه العبارة. وهناك أمثلة أخرى كثيرة لنفس هذا التناول في بقية الأناجيل.
وتفسير هذا الاختلاف في التعبير يرجع إلى أن متى كان يكتب لقرائه من اليهود، في حين أن مرقص ولوقا كانا يكتبان لغالبية غير يهودية. ولم يكن اليهود يحبون أبداً استخدام اسم “الله” خوفاً من أن يجدوا أنفسهم قد كسروا دون قصد الوصية القائلة: “لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً” (خروج 20: 7)، ولذلك كانوا يستخدمون كثيراً تعبيرات أخرى بديلة. وكلمة “السماء” كانت بديلاً مفضلاً. ولذلك كان متى يتحدث عن “ملكوت السماوات” كي يتجنب مضايقة قرائه. ولكن غير اليهود ليس لديهم هذا التحفظ وتعبير “ملكوت السماوات” كان سيشكل لهم تعقيداً ليس له أية ضرورة، ما لم يعتبرونه بلا معنى على وجه الإجمال. ولهذا يستخدم مرقص ولوقا عوض ذلك تعبير “ملكوت الله”.
ربما يخطر على فكر البعض بأنه نظراً لأن تعبير “ملكوت السماوات” كان التعبير اليهودي، فلا بد أنه التعبير الأساسي الذي استخدمه يسوع نفسه، ثم اقتبسه مرقص ولوقا في وقت لاحق لاستخدامه للقراء من غير اليهود. إلا أن الاحتمال الأرجح أن يسوع كان يستخدم تعبير “ملكوت الله”، وأن متى هو الذي استخدم بدلاً منه تعبير “ملكوت السماوات” لأسباب ترجع إليه. وهناك سببان لهذا الاعتقاد:
ç لم يُظهر يسوع إطلاقاً أي تحفظ عند الحديث عن الله، وأنه لم يقل إنه يعرف الله بطريقة وثيقة وشخصية فحسب، بل وتجرأ وقال إنه “أبوه”.
ç كما سبق ورأينا، أنه توجد أربعة أمثلة في إنجيل متى استخدم فيها تعبير “ملكوت الله”. وهذا يمكن فهمه بسهولة إذا افترضنا أن متى تغاضى عن ورود الكلمة هذه المرات الأربع، غير أنه من غير الممكن أن نعتقد أنه في هذه الحالات الأربع غيّر عبارة أصلية “ملكوت السماوات” إلى “ملكوت الله” من أجل فائدة قرائه اليهود.
ولعل التشكيلة المحيرة التي وصف بها المجتمع الجديد كان تستهدف تعليمنا درساً مهماً للغاية عنه، وهو أن ما يستطيع الله أن يعلمه بين الناس بواسطة يسوع المسيح هو شيء أعظم بكثير مما يقدر أي واحد منا أن يستوعبه تماماً. فحين يعمل الله فهو يفعل ذلك بطريقة بارزة وهو يعمل ذلك أيضاً بطريقة بسيطة حتى يكون بمقدور كل واحد أن يفهم عنه ما فيه الكفاية لكي يستطيع أن يتجاوب مع الدعوة. وهذا هو السبب الذي حمل يسوع أن يقدم الكثير من تعليمه في شكل أمثال أو صور بسيطة. ولكي نذهب إلى أكثر من ذلك في سبيل فهم مجتمع الله الجديد، علينا أولاً أن نتأمل بعضها.
[1] مرقص 1: 15.
[2] لوقا 17: 20-21.
[3] مرقص 10: 15.
[4] لوقا 13: 29.
[5] لوقا 22: 18.
[6] متى 25: 34.
[7] دانيال 7: 13-18.
[8] يوحنا 6: 15.
[9] مرقص 10: 35-45.
[10] متى 13: 33.
[11] متى 13: 31-32.
[12] مرقص 13.
[13] قضاة 8: 22-23.
[14] مزمور 96: 10؛ 99: 1؛ 146: 10.
[15] رومية 14: 17.
[16] 1كورنثوس 15: 24.
[17] رؤيا 11: 15.
البرية والمجتمع فى حياة الأنبا شنودة رئيس المتوحدين – د. سعيد حكيم
البرية والمجتمع فى حياة الأنبا شنودة رئيس المتوحدين – د. سعيد حكيم
البرية والمجتمع فى حياة الأنبا شنودة رئيس المتوحدين – د. سعيد حكيم
مقدمة
إن تاريخ الرهبنة المصرية كان ولا يزال ساحة واسعة للبحث والدراسة اللاهوتية فى العالم كله. فلقد شكَّل مجتمع الصحراء مجالاً لهذا البحث، ورأى الباحثين فى حياة هؤلاء الرهبان المتجردين عن كل شئ صورة حقيقية لإنكار الذات ومحبة حقيقية تعكس التعاليم الكتابية.
فقاموا بدراسة الدوافع والأسباب التى دفعت لظهور الرهبنة، ومراحلها وأهدافها، وعلاقتها بالكنيسة والمجتمع و البرية، كما بحثوا نُظم وقوانين الرهبنة وأفكار مؤسسيها فيما يخص طبيعة الحياة الرهبانية وطرق معيشتها، أيضًا بحثوا رؤية آباء البرية الرهبان لمفهوم القداسة ومكانة التقليد الكتابى فى الحياة الرهبانية، ثم بحثوا البعد الاجتماعى للحياة الرهبانية.
لقد سلك آباء البرية طريقًا قاد إلى مجتمع جديد يستند فى قوانينه إلى الحياة الروحية الحقيقية كما يعلمها التقليد الكتابى. إن حياة هذا المجتمع المسيحى المثالى تتطلب تجاوز الزمن والدخول فى الأبدية ويقول عنها Rol. Walls: [ تمامًا مثل يوحنا المعمدان الذى عاش منعزلاً بعيدًا عن عادات الناس لكى يُهيئ لمملكة، لم تكن امتدادًا أو تكميلاً لأى مملكة أخرى للناس، لكنها كانت تعنى انفصالاً جذريًا عن النظام والسلطة الزمنية. هكذا فإن الراهب هو شاهد لهذا الاختلاف الأساسى لملكوت الله عن الممالك الأخرى ][1].
وأيضًا يقول البروفيسور D. Ts£mej [ بالروح القدس يستطيع الراهب الناسك أن يتذوق من الآن وبأسلوب اسخاتولوجى خيرات ملكوت الله ][2].
ويؤكد القديس غريغوريوس اللاهوتى على أن [ الرحيل إلى الصحراء هو امتداد طبيعى لتلك الرغبة القوية للهدوء والاختلاء] .
إن الرغبة الصادقة والملحة فى طلب الكمال والاشتياق لسكنى المحبة فى نفوس الناس ومحاولة صنع جسور بين الحياة السمائية والحياة الأرضية، دفعت هؤلاء الرهبان للرحيل للصحراء و البرية وتأسيس مجتمع البرية الجديد الذي يسوده الحب وإنكار الذات .
الأنبا شنودة وثقافة عصره :
لقد كان الأنبا شنودة من بين هؤلاء النساك الذين سعوا إلى تأصيل هذه المفاهيم الروحية العميقة فى نفوس رهبانه، ولم يكن الأنبا شنودة ناسكًا في البرية مدققًا ومجاهدًا روحيًا عظيمًا، ومعلمًا واعيًا وراعيًا أمينًا لأبنائه فقط، بل كان أيضًا وبنفس القدر الأب الواعي بقضايا كنيسته وقضايا وطنه .
فلقد تثقف بثقافة عصره بطريقة عميقة، وكان قارئًا مدققًا للفلسفة بما له من دراية كاملة باللغة اليونانية وقواعدها وأصولها، كما سنرى لاحقًا، مما مكنه من قراءة كثير من كتب الفلاسفة والشعراء اليونانيين، ونقد منها ما استحق النقد وأثنى على ما استحق الثناء . فنجده يرفض نظرية أفلاطون عن النفس حيث يقول أفلاطون إن النفس سقطت وعندما سقطت حُبست فى الجسد، وصاغ رفضه فى النقاط التالية:
1 ـ أين أخطأت النفوس قبل أن تُحبس فى الجسد؟
2 ـ من أى جزء دخلت النفوس إلى الأجساد؟
3 ـ هل الأجساد وجدت بدون نفوس والنفوس بدون أجساد؟
4 ـ هل من المقبول والمعقول أن تخطأ الأجساد بدون نفوس والنفوس بدون أجساد؟
5 ـ الإنسان الكامل هل هو نفس بلا خطية؟
6ـ كيف يمكن أن تخطئ النفوس قبل أن تأتى داخل الجسد؟
7 ـ كيف يمكن للنفوس أن تتجنب الخطية قبل أن تدخل فى الجسد؟
8 ـ لو أن الإنسان من وقت ميلاده وحتى وفاته هو خاطئ (بسبب أن نفسه حُبست فى الجسد)، فكيف يحدث أن البعض هم أشرار والبعض أبرار؟
9 ـ لو أن النفوس أخطأت فى مكان ما، كيف يمكن أن تصير نقية فى العالم المملوء بالشرور؟
ولهذا فقد استطاع برؤيته اللاهوتية المتميزة أن يستخدم بعضًا من الفكر الفلسفى لكى يكشف عمق الحقيقة . فنجده فى وصفه للنفس ـ بالرأى والمعرفة ـ يقترب من الرؤية الأفلاطونية فى وصف النفس بذات التعبير ـ الرأى والمعرفة ـ وهو فى هذا لم يبتعد عن خط آباء الكنيسة فى وصف النفس .
فقد قال كليمنضس الأسكندرى [… أن المعرفة هى خاصية النفس التى تتحقق عن طريق التدريب الذهنى ..] [3]. ويضيف [ هناك جانبان لقدرات النفس هما المعرفة والإقدام]. ويسجل فى موضع آخر [النفس تنمو بالإيمان والمعرفة ] [4].
ويؤكد مكسيموس المعترف على أن [ نور النفس هو المعرفة ][5]. ويضيف [ إن كمال النشاط الذهنى للنفس هو المعرفة الحقيقية][6].
لكن يُعتبر الأنبا شنودة هو الوحيد من آباء الكنيسة الذى أضاف إلى وصف النفس بالمعرفة تعبير “الرأى” وهو الوصف الذى أعطى للنفس أيضًا من قبل الفلسفة الأفلاطونية [7].
وهكذا يؤكد اطلاعه الواسع على الفلسفة اليونانية وقد أكد Herbert Thomson أن الأنبا شنودة كان يعرف اليونانية مُشيرًا إلى الرسالة التى وجهها البابا ديوسقورس بطريرك الأسكندرية آنذاك إلى الأنبا شنودة ـ لأن لغة الرسالة كانت اليونانية ـ وكما يبين محتوى الرسالة أنها تُرجمت منه هو نفسه أو من شخص آخر تحت إشرافه المباشر[8].
وأيضًا يقول Adolf Erman فى مقاله ” شنودة وأريستوفانيس” إن الأنبا شنودة كان لديه معرفة كبيرة باللغة اليونانية وهذا واضح من النقد الذى وجهه إلى أريستوفانيس عن روايته “الطيور” ـ معتبرًا أن استخدام لغة الطيور وعنوان الرواية Orinqej أى ” الطيور” يشكلان أسوأ نموذج للأدب اليونانى [9].
أما العالم الألمانى Leipoldt فقد قدم الأنبا شنودة بهذا الوصف [ أنه أكثر ثقافة من كثيرين من أبناء وطنه ولا أعرف إن كان قد درس فى مدرسة يونانية أم لا، لكنه من وقت لآخر يُظهر لنا ويوضح الأسلوب اليونانى الشيق ومواطن الجمال فى معنى الكلمات بأسلوب لا يقل عن أسلوب يوسابيوس القيصرى وباسيليوس الكبير] [10].
ويقول H. F. Weiss: [ يجب أن نقبل أن شنودة قد عرف الثقافة اليونانية واللغة اليونانية جيدًا ولهذا فقد توفر لديه القواعد الأساسية التى تمكنه من أن يكون مطلعًا على المشكلات اللاهوتية لعصره ][11].
ومع كل هذه المعرفة للغة اليونانية ودرايته الكاملة بها فقد رفض استخدامها فى أديرته وتبنى استخدام اللغة القبطية كلغة حديث ولغة كتابة، وكان لهذا الحدث بُعد قومى أيضًا لأن اللغة تمثل أسلوب تواصل بين الناس. إذ أن رفض استخدام اللغة الأوسع انتشارًا فى هذا العصر كان يعنى وبشكل مباشر رفض التواصل مع العنصر الأجبنى المحتل لوطنه والذى مارس كثيرًا من المظالم ضد أبناء هذا الوطن. فنشاطه الاجتماعى كان له بُعد قومى.
وتوجهه القومى كان له نتائج اجتماعية متعددة. كان الأنبا شنودة ينتمى إلى عائلة لها علاقة وثيقة بالرهبنة، فقد كان خاله الأنبا بيجول هو مؤسس دير أتريب وعندما وصل عدد رهبانه إلى ثلاثين راهبًا حدد لهم أعمالاً ووضع لهم قوانينًا، وإن كانت أكثر شدة من القوانين الخاصة بجماعات رهبانية تعيش بنظام الشركة التى كانت توجد فى نفس المنطقة.
انضمامه للرهبنة ورئاسته للدير الأبيض:
وفى سن تسع سنوات انضم إلى دير خاله وهناك تعلّم المبادئ الصحيحة للإيمان المسيحى. ولقد ساعدت إقامته الطويلة بالدير وعلاقته المباشرة بحياة الرهبان اليومية والتزامه بحفظ قوانين الدير على أن ينمو ويتقدم فى الحياة النُسكية.
غير أنه لا توجد لدينا معلومات كثيرة عن والديه، ربما تكون والدته قد تنيحت فى سن مبكرة، وبعدها انضم والده إلى أحد الأديرة الخاضعة لإشراف الأنبا شنودة حيث صار إيغومينوس.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن والدىّ الأنبا شنودة كانا مصريين أصليين وهذا واضح من أسمائهما، فاسم والده ” أبجوش ” ويعنى بالمصرى القديم ” الراعى “، واسم والدته ” داروبة ” وتعنى ” آلهة الحصاد “.
قد ظل الأنبا شنودة ـ لفترة طويلة ـ تلميذًا لخاله الأنبا بيجول. تعلم خلالها الكثير عن الحياة النُسكية، ثم بعد ذلك شارك بفاعلية فى إدارة الدير الأبيض اعتبارًا من سنة 383ـ385 ، كما يتضح من الرسائل المتبادلة مع بابا الأسكندرية آنذاك (البابا تيموثاوس).
وظل فى رئاسته للدير في البرية حتى تنيح سنة 451 عن عمر يناهز 118 عام وساهم خلال هذه الفترة فى إذكاء روح جديدة فى الحياة الرهبانية، إذ رأى أن الدير له دور اجتماعي هام ولهذا عمل على ازدياد نشاط الدير الاجتماعي والروحي من أجل خدمة المظلومين والفقراء والمحرومين ومقاومة الهرطقات والوثنية.
ولهذا فقد ارتفع عدد رهبان الدير إلى 2200 راهبًا و1800 راهبة. وبطبيعة الحال كل هذا تطلب جهاد طويل على المستوى الروحى والاجتماعى والقومى، الأمر الذى جعل المؤرخون ينظرون إلى القديس الأنبا شنودة، كأول من ساهم فى تحرير وطنه من التواجد الأجنبى.
لقد كان الأنبا شنودة رئيس المتوحدين نموذجًا لكاهن الله المتنوع المواهب ـ أب روحى مختبر يقود بحكمة روحية جموع المؤمنين وراعٍ يقدم خدماته للمجتمع الذى ينتمى إليه. وفى هذا الأمر يقول البروفيسور D. Ts£mej [ إن كاهن الله هو الراعى الذى يقود النفوس نحو الله، ولكى ينجح فى عمله الصعب يجب أن يمتلك بالإضافة إلى إيمانه العميق ودعوته من الله جوانب أخرى؛ أن يكون له علاقة شخصية مع المؤمنين ليساعدهم فى حل مشاكلهم. ولهذا يجب أن يكون هو أيضًا ـ على قدر الإمكان ـ شخصًا يعرف كيف يتعامل مع الآخرين، وأن يقدم لهم تعليمًا مناسبًا ومفيدًا ] [12].
لم يكن اهتمام الأنبا شنودة منصبًا على الاهتمامات الروحية لأبنائه داخل الأديرة وخارجها فقط، بل إنه اهتم أيضًا بقضايا وطنه وكذلك بقضايا كنيسته العقائدية، وكانت له كتابات لاهوتية عميقة ساهم بها مع آباء كنيستنا العظام فى مواجهة الهرطقات التى هددت حياة الكنيسة وسلام المؤمنين، مثل:
1ـ أزلية الله الكلمة.
2 ـ سر تأنس كلمة الله من العذراء.
3 ـ دقة مصطلح والدة الإله (ضد نسطور).
4 ـ حقيقة تحول الخبز والخمر (ضد الأوريجانيون).
ولقد اعتمد فى كتابة موضوعاته هذه على نصوص الكتاب المقدس مفسرًا إياها تفسيرًا صحيحًا، وأيضًا على كتابات آباء الكنيسة وخاصة كتابات القديس أثناسيوس والقديس كيرلس الكبير.
ويقول LEFORT أن هذه الموضوعات كشفت عن جانب هام للأنبا شنودة كمفسر دقيق للكتاب المقدس من خلال اختياره للنصوص بعناية وبشكل أساسى من خلال الربط الدقيق بين مقدمة إنجيل يوحنا والإصحاحات الأولى من سفر التكوين. وفى هذا يكون سابقًا للشراح المعاصرين الذين يرون فى مقدمة إنجيل يوحنا شرح لهذا الجزء من سفر التكوين [13].
ويؤكد LEFORT أن هذه الكتابات تُكذّب تلك المقولة التى تَدّعى أن الأنبا شنودة ـ فى اهتمامه بالحياة العملية والاجتماعية ـ لم يهتم بالتفاصيل اللاهوتية التى تخص الموضوعات الخريستولوجية.
وبسبب العلاقات الوثيقة بين الأنبا شنودة والقديس كيرلس الكبير، فقد استعان ببعض ردود القديس كيرلس على نسطور، وهذا واضح من استخدامه لنفس المصادر التى استخدمها القديس كيرلس فيما يتعلق بموضوع أزلية الابن.
ولقد احتل اهتمامه باستقامة الإيمان ونقاوة العقيدة، مكانة أساسية فى عظاته، وكان يؤكد باستمرار على أن هؤلاء الذين يفكرون بأسلوب غير مستقيم، هم أشر من أولئك الذين يجهلون الله.
تُظهر كتاباته أيضًا اهتمامه الكبير بمشاكل المجتمع كما أشرنا، وارتبط جهاده فى الدفاع عن حقوق الفقراء بشكل مباشر بجهاده ضد الوثنيين، لأنه فى ذلك الوقت كانت الطبقات اليونانية والرومانية الغنية فى مصر هى السند القوى للديانات القديمة.
وبسبب ممارسات القهر والعنف من قِبل الحكام الأجانب فقد رفض استقبال غير المصريين فى أديرته وهو الأمر الذى يشرح غياب المعلومات الخاصة بالمراكز الرهبانية للقديس أنبا شنودة من المصادر اليونانية، ولذلك ظلت أعماله مجهولة لفترة طويلة فى العالمين اليونانى والرومانى.
اهتمامه بقضايا مجتمعه :
وخلال القرنين الرابع والخامس تزايد التواجد العسكرى للإمبراطورية الرومانية فى منطقة جنوب مصر، ولذا انحصر الإنتاج الزراعى وزادت الضرائب، مما أدى إلى زيادة الأعباء على جموع المواطنين الفقراء. هذا الوضع، مع انتشار العبادات الوثنية وظهور الهرطقات كان سببًا فى إثارة حالة من القلق والتشكيك بين المؤمنين.
فى هذا المناخ كانت أديرة الأنبا شنودة تمثل الرجاء لتغيير اجتماعى، وهذا التغيير كان تغييرًا نوعيًا للمجتمع كله، إذ كان من ثمار خدمة الرهبان الروحية للمجتمع بكل طبقاته. هذا البعد الاجتماعى للرهبنة، خلق آمالاً جديدة لحياة أفضل ليس فقط فى الدهر الآتى ولكن أيضًا فى الحياة الحاضرة.
فمن البداية وبسبب عوامل أثرت فى بنية المجتمع مثل الاضطهادات والهرطقات والعبادات الوثنية وفرض الضرائب وازدياد حالة الفقر، أدرك الأنبا شنودة ضرورة خروج الرهبنة إلى المجتمع لتشاركه مشكلاته وتساهم فى تقديم حلول لها. لأن الديانات القديمة حتى ذلك الحين إما أنها كانت تبرر عدم المساواة، إما أنها كانت لا تبالى بعدم المساواة.
لذلك كانت نشاطات وخدمات أديرة الأنبا شنودة هامة جدًا، حيث لم تكن مشاكل المجتمع فقط سببًا فى إضعاف المناخ الروحى والأخلاقى للمجتمع بل أيضًا وضعت حياة الناس أنفسهم فى خطر. لهذا فإن القديس الأنبا شنودة أعطى للدير بُعدًا آخر تجاوز ما وضعه من نظم تهدف لتتميم القوانين الروحية الخاصة بالرهبان.
فلقد أحس بالدور الاجتماعى للأديرة واهتم برعاية الفقراء والمحرومين والأيتام ورأى فى الدير ملجأ لكل هؤلاء.
كتب R. Walls [ الراهب يعيش بمفرده ولكنه ليس وحده، بل يسعى نحو جميع المتألمين والخطاة واليائسين، كما يسعى نحو المبتهجين ونحو الإنسانية التى تهمس بصلواته السرية][14].
ويخبرنا تاريخ الرهبنة المصرية أن آباء البرية لم يهملوا قط رعاية الفقراء والاهتمام بهم وكانوا باستمرار يرسلون قمح وملابس لفقراء الأسكندرية، فقد [ كان أمرًا نادرًا أن نرى فقير يعيش بجوار الأديرة] وهذا يعكس المستوى الروحى والإنسانى، ويظهر الدور الذى لعبته الرهبنة فى هذا المجال .
ويؤكد المؤرخون على أن مؤسسات الخدمة الإنسانية للعالم المسيحى كانت لفترات طويلة موجودة داخل الأديرة. لقد كانت خدمة المجتمع من قِبل الأنبا شنودة تنبع من إيمانه العميق ورغبته الأكيدة لتتميم الوصية الإنجيلية نحو محبة القريب.
لقد أشار Tim Vivian إلى أن [ الحياة الروحية للرهبنة أدركت أن التأمل والعمل هو ثوب واحد ينسجه الراهب من حياته الخاصة ] [15].
إن الهدوء الروحى لم يكن حلاً بديلاً عن العمل والخدمة، لكنه كان أفضل سند للخدمة والعمل، بمعنى خدمة الآخرين وتغطية احتياجاتهم. وهكذا استطاع الدير الأبيض أن يحقق هذا الحضور المتوازن بين الحياة الروحية والحياة الاجتماعية. فتح أبوابه لإطعام الشعب وتسديد احتياجاته ، وكانت لديه الإمكانية لرعاية 20 ألف شخص، وصار ملجأً لكل المظلومين والضعفاء وللذين هم بلا مورد.
من هذا الدور الاجتماعى لأديرة الأنبا شنودة يستطيع المرء أن يستنتج أن القديس الأنبا شنودة سعى نحو حضور اجتماعى فعّال ومنتج، حتى يستطيع مواجهة التأثيرات اليونانية والرومانية على سكان المنطقة، وأيضًا مواجهة المشكلات التى خلقها النظام الإدارى الرومانى بسبب سياسة التمييز العنصرى بين طبقات الشعب.
وفى نفس الوقت فقد مارس نشاطه الروحى لتأمين الشعب من خطر التعاليم المُضلة، حيث إن هذه المنطقة كانت مركزًا للعبادات الوثنية القديمة، وكانت المعابد الوثنية منتشرة فى كل مكان، وممارسة هذه العبادة كانت علانية مما كان له تأثير على الإنسان المسيحى غير الحَذِر والبسيط فى إيمانه مما جعلت حياته الروحية فى خطر. وبسبب عدم النضج اللاهوتى لدى الشعب وجد آباء الأديرة لزامًا عليهم تكثيف الخدمة الروحية لحماية المؤمنين البسطاء من هذه الأخطار.
هكذا تنوع النشاط الروحى للأنبا شنودة فاهتم بأمور الكنيسة وأمور الرهبان والراهبات، وكتب رسائل روحية، منها رسالة للبابا تيموثاوس ورسالة للإمبراطور ثيؤدوسيوس والبعض الآخر لعلمانيين والبعض لإكليروس . مجموعة كبيرة من عظاته كانت ضد الوثنيين ، عظات أخرى كانت فى مجال العقيدة والإيمان والأخلاق. اهتم أن ينقى اللغة القبطية والأدب الدينى من التأثيرات اليونانية.
ونمت اللغة القبطية والأدب القبطى فى عصره، ورغم هذا فإننا لا نستطيع أن نتحدث بنفس القدر عن نمو الشعور القومى ولكن نستطيع أن نؤكد على بداية استعلان الضمير القومى. ولهذا فإن الأنبا شنودة لم يكن فقط الأب الروحى الساهر على رعاية أبنائه ولكنه أيضًا كان وطنيًا صميمًا، هاجم كل أشكال الظلم التى كانت تقع على أبناء وطنه.
اهتمامه بالراهبات ودورهن فى الخدمة :
وبقدر اهتمامه بأديرة الرهبان فقد اهتم أيضًا بأديرة الراهبات وخدمتهن الروحية والاجتماعية. إن إحساس الراهبات بأن الحياة الرهبانية تتطلب تكريس كامل لله، قاد كثيرات منهن نحو هذه الحياة الصعبة . وبحثهن عن الكمال الروحى والرغبة فى النُسك لم يقف عند حدود القرى لكن تمامًا ـ مثلما فعل الرهبان ـ ذهبوا إلى عمق الصحراء دون خوف من قسوة الطبيعة أو هجمات للإنسان أو للشيطان.
لقد قالت الأم سارة لبعض الرهبان : [ .. أنا امرأة بحسب الجسد وليس بحسب الفكر ] .
وبصفة عامة يتحدث القديس غريغوريوس النيسى عن طبيعة المرأة وجهادها الروحى مشيرًا إلى حياة ماكرينا البارة : [ لا أعرف إن كانت طبيعتها تعطينا الحق أن ندعوها امرأة تلك التى هزمت طبيعتها الخاصة].
ومن المبادئ الأساسية عند القديس الأنبا شنودة هى مبدأ، المساواة بين الرجال والنساء وهذا واضح من أن كثير من الأمور الخاصة بالجماعات الرهبانية النسائية لم تختلف عن تلك الخاصة بأديرة الرهبان. ولذلك كانت القوانين المُطبقة فى أديرة الرجال هى ذاتها المُطبقة فى أديرة النساء، وكانت فترة الاختبار واحدة للرجال والنساء. وعندما تكتمل فترة الاختبار كان يجب على طالبى الرهبنة أن يتمموا مطلبين آخرين لكى يصيروا بشكل رسمى مقبولين بالدير:
1 ـ هجرة ثرواتهم وتقديم قَسم الطاعة أمام المائدة المقدسة معلنين بهذا الخضوع للقوانين التى وضعها الأنبا شنودة لكل الأديرة التى تحت قيادته ورعايته.
2 ـ أن يحفظوا أجسادهم عفيفة وأن يتجنبوا السرقات والكذب.
وقد أعطى الأنبا شنودة دورًا أساسيًا لرئيسة الدير فى توجيه أمور الدير، وكان يطلب منها أن تزورـ بشكل منتظم ـ التجمعات الرهبانية النسائية لتعرف احتياجاتها، كما كانت منوطة أيضًا بحفظ النظام فى هذه التجمعات بالاشتراك مع الأب المعيّن من قِبل الأنبا شنودة لرعاية هذه التجمعات الرهبانية روحيًا. وأكد مرارًا فى عظاته على مساواة الرجل والمرأة فيما يتعلق بخلاص النفس والتمتع بخيرات ملكوت الله. وأيضًا أن وراثة الملكوت ليس امتيازًا فقط، ولكنه ثمار جهاد روحى طويل يستطيع الجميع أن يخرجوا منه منتصرين رجالاً ونساءً وأولادًا.
طريقة إدارته لأديرته في البرية :
بعض الباحثين قد أشاروا إلى أن الأنبا شنودة كان يتسم بالشدة فى معاملة رهبانه وراهباته وأن قوانينه كانت تشبه قوانين العقوبات. وفى الواقع هذا الرأى ينافى الحقيقة، لأنه كان مُحبًا للجميع وراعيًا أمينًا لكل أبنائه، وكان يسعى باستمرار لتسديد احتياجات الكل. وفى نفس الوقت كان يتسم بالجدية ـ لأنه كان يريد أن يحفظ النظام فى أديرته التى كانت تضم هذا العدد الكبير من الرهبان والراهبات (2200 راهب و1800 راهبة)، هذا الكم يتطلب رعاية خاصة ونظام خاص من أجل قيادة روحية أفضل، وأن يُؤّمن معاملة متساوية تجاه الجميع ، رهبانًا وراهبات .
وجدير بالذكر أن كثير من آباء الكنيسة وآباء البرية الرهبان وضعوا قوانين شديدة ، لا بهدف عقاب الجسد ولكن لخلاص النفس.
وهكذا نجد القانون رقم 18 من قوانين القديس باسيليوس يشير إلى أنه [ يعاقب أى نقض لنذر العذراوية من قِبل أى راهبة، وذلك لأنها تعتبر إناء قد كُرّس للرب ] .
والقانون رقم 19 يؤكد على أنه [ يُفضل أخذ الوعد واضحًا من هؤلاء الذين ينذرون حياتهم لله، فلو أنهم عادوا لحب الجسد وحياة الشهوة يوقع عليهم عقوبة الزنا ] [16].
هكذا أيضًا وضع الأنبا شنودة قوانينه لتنظيم الحياة الرهبانية وتأمين مسيرتها من أى انحراف، ومن أجل قيادة روحية منضبطة وصحيحة. ولهذا كان قاسٍ فيما يتعلق بالخطايا الروحية مثل عدم الطاعة والكذب والمجد الباطل أكثر من قسوته فيما يخص الخطايا الجسدية.
ولقد أكَّد الأب أفلوجيوس على هذا البعد قائلاً [ إن لم تُنقوا أولاً داخلكم لن تستطيعوا أن تقتربوا من نعمة الله ] [17].
وهناك إشارة لمثل هذه المخالفات وهى عدم الطاعة من قبل رئيسة إحدى التجمعات الرهبانية وتدعى الأم تاخوم والتى تجاهلت وجود الأب الشيخ الذى كان يقيم هناك لرعاية شئون الراهبات واحتياجاتهم وقيادتهم الروحية وممارسة الأسرار. وقد أرسل لها الأنبا شنودة الرسالة رقم 7 والتى قال فيها: [ عندما لا تُظهر الايغومانى (الأم الرئيسة) طاعة للأب الشيخ المنوط به أعمال كثيرة هناك ستوجد راهبات ليس لديهم نية الخضوع والطاعة لكِ ] [18].
وكان للكتاب المقدس مكانة أساسية فى الحياة الروحية لرهبنة الأنبا شنودة تمامًا مثل بقية الأنظمة الرهبانية، لأن قوانين الرهبنة كانت تُلزم كل من يريد أن يدخل الحياة البرية الرهبانية أن يعرف القراءة وإن لم يعرفها كان عليه أن يتعلمها.
الكتاب المقدس والحياة الديرية في البرية :
وكان على الراهب أن يحفظ ويردد أجزاء مختلفة من الكتاب المقدس، وكان على الراهب الجديد أن يحفظ 20 مزمورًا ورسالتين من العهد الجديد[19].
وقد أكد D. Burton على أن [ القداسة فى البرية قد أُختبرت من خلال الأسلوب الذى به يسمح الراهب لنفسه أن تؤثر فيه كلمات الكتاب المقدس بعمق ] [20].
إن اهتمام آباء البرية بأهمية ومكانة الكتاب المقدس فى الحياة اليومية للرهبان والتأثير الذى يمكن أن يمارسه النص المكتوب على حياتهم الروحية، قاد إلى ظهور ما يسمى “مختصرات الكتاب المقدس” التى كانت تحوى أجزاء مختلفة من الكتاب المقدس. وهذه المختصرات قد ساهمت بشكل فعال فى دراسة وفهم الكتاب المقدس.
وبسبب صغر حجمها (15×11سم ، 7×5سم) كان لها انتشارًا واسعًا بين الرهبان، وكان يسهل حملها معهم سواء فى الكنيسة أو القلاية أو فى العمل.
لقد كان الكتاب المقدس بالنسبة للأنبا شنودة هو المصدر الدائم الذى استقى منه تعاليمه. ولقد أشار W.E. Crum إلى أن [ الدارسون للعهد الجديد سيجدون فى إشارات الأنبا شنودة التى لا تنتهى من العهد الجديد، شهادة لا تقدر بثمن والتى لا زالت خارج نطاق البحث..][21].
واستخدام الأنبا شنودة للكتاب المقدس وطرق تفسيره، يرجع إلى تفضيله نمطًا للتعليم له علاقة مباشرة بالحياة اليومية للإنسان داخل أو خارج الدير.
ولقد اختبر آباء البرية ما نسميه اليوم بالإنجيل المُعاش، إذ لدينا شهادة من القرن الخامس يقول فيها القديس مرقس الناسك [ إن أهمية الكتاب المقدس توجد فى التطبيق العملى لمحتواه][22].
ووفقًا لذلك نجد الأنبا باخوميوس، على الرغم من أنه كان الأب الروحى لمؤسسة رهبانية كبيرة، نجده ينتقل إلى أسقفية دندرة ويتجاوب مع رغبة أسقفها لبناء كنيسة لأبناء هذه المنطقة، ويذهب إلى هناك كل سبت وأحد ويخدم كقارئ بسيط للإنجيل حتى يتم رسامة كاهن لها.
فعندما تقدم بعض الرهبان إلى الأنبا أنطونيوس وقالوا له: ” قل لنا كيف نخلص”، أجابهم: [ اسمعوا الكتاب المقدس وهذا يكفيكم ] [23].
ولهذا يقول البروفيسور D. Tsamhj [ إن أعمال وأقوال آباء البرية تبين أن كلمة الله يمكن أن يُعبر عنها، وأن تُعاش داخل مشاكل وتفصيلات الحياة اليومية. وهكذا يُستعلن ملكوت الله ليس بشكل مجرد ونظرى، ولكن داخل مكان وزمان محدد ] [24].
وهكذا استطاع الأنبا شنودة أن يحقق التوازن بين العمل الروحى وتتميم القوانين الرهبانية، وبين العمل الاجتماعى والاهتمام بقضايا الوطن .
لقد كانت حياة آباء البرية صدى لتعاليم المسيحية الحقيقية التى تحمل روح الرغبة فى التغيير من أجل حياة أفضل، والبرية كانت ساحة لهذا الروح الذى لم يخبو نوره حتى الآن. إن الحاجة ماسة لهذه القلوب الطيبة الوديعة والثائرة على الظلم والقهر الاجتماعى ومصادرة حق الإنسان فى الحياة . هذه الخبرات هى أفضل ما يُقدم اليوم على موائد الأحداث الأسرية والاجتماعية والعملية والعلمية . هى الرائحة الطيبة والنغم المريح لكل الناس.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[1] Roland. Walls “THE BIBLICAL BACKGROUND TO THE SOLITARY LIFE” Solitude and communion, papers on the Hermit Life, Oxford 1975.
[2] D. Tsamhj, “Eisagwgh Sth Skeyh Twn Paterwn” Qessa\on…kh 1992, p. 221.
[3] Strwmateij, P.G. 9, 289C.
[4] Strwmateij, P.G. 8, 1132A.
[5] Maximoj o Omologht»j, P.G. 91, 1432D.
[6] Maximoj o Omologht»j, P.G. 91, 625A.
[7] Megalh Ellhnkh Egkuklopaideia, vol. 20, p. 309.
[8] Her. Thomsn “DIOSCORUS AND SHENOUTE”, Bibliotheque de l’Ecole Hautes Etudes, vol.234, 422, P.367-376.
[9] AD. Erman “SCHENUTE UND ARISTOPHANES” 1894, Z.A.SA, P. 134-135.
[10] “Dictionnaire De Spiritualite Ascetique et Mystique”, vol. XIV, Paris. 1990, P. 801.
[11] H.F.Weiss “CHRISTOLOGIE DES SCHENUTE VON ATRIPE” B.S.A.C, vol.20, 1969-1970, P.177-204.
[12] D. Tsamhj, “Eisagwgh Sth Skeyh Twn Paterwn” Qessa\on…kh 1992, p. 249.
[13] L.TH. Lefort “CATECHESE CHRISTOLOGIQUE DE CHENOUTE” Z.A.S, 80, 1955, 40-45.
[14] R. Walls “BIBLICAL BACKGROUND TO THE SOLITARY LIFE” Oxford, 1975, P.53.
[15] Tim vivan “PAPHNUTIUS HISTORIES OF THE MONKS OF UPPER EGYPT” Kalama 200- Michigan, 1993, P. 32
[16] Agapˆou kai Nikod¾mou Monacën, Phdalion, Qessalonˆkh, 1998, p. 602-603.
[17] Istoria Twn Monacwn Thj Aiguptou, Aq¾nas 1992, p. 102.
[18] Susanna Elm, “Virgins of God” Oxford, 1994, p. 307-310.
[19] W.H. Macken, “Christian Monasticism in Egypt” London 1922, p. 97-98.
[20] Douglas Burton “THE WORD IN THE DESERT” Oxford, 1993, P. 97-98.
[21] W.E. Crum “A STUDY IN THE HISTORY OF EGYPTION MONASTICISM” J.T.S, 1905, P.129-133.
[22] Peri Nomou Pneumatikwn, p. 101.
[23] Eˆpe Gerwn, Aq¾na, 1983, p. 13.
[24] D. Tsamhj, “To Gerontikon Tou Sina” 1991, p. 19.
البرية والمجتمع فى حياة الأنبا شنودة رئيس المتوحدين – د. سعيد حكيم
انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان
هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!
عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث
عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث
