أعمال الشهداء الأولى – بحث مفصل

أعمال الشهداء الأولى – بحث مفصل

أعمال الشهداء الأولى – بحث مفصل

أعمال الشهداء الأولى – بحث مفصل

من أقيم مصادر المعلومات التي لدينا عن عصر الاضطهاد هي تلك الروايات التي تتحدث عن الآلام التي جازها الشهداء؛ والتي كانت تُقرأ للجماعات المسيحية في أثناء الخدمة الليتورجية التي تقام في الذكرى السنوية لاستشهاد الشهيد. وتنقسم تلك الروايات من وجهة النظر التاريخية إلى ثلاث مجموعات:

  1. المجموعة الأولى: وتتكون من محاضر المحاكمات الرسمية وهي لا تحتوي على أي شيء سوى الأسئلة التي واجهتها السُلطات إلى الشهداء، وإجاباتهم عليها كما سجلت بواسطة الموثقين القانونيين أو كُتاب المحكمة، وكذلك الأحكام التي نُطقت ضدهم. وقد كانت هذه الوثائق تحفظ في الأرشيف العام، وأحياناً كان المسيحيون ينجحون في الحصول على نسخ منها. ويجب أن يكون العنوان “أعمال الشهداء” مقصوراً على هذه المجموعة لا غيرها، لأنه هنا فقط توجد مصادر تاريخية مباشرة وموثوق منها، وترد المعلومات ببساطة وبتجرد.
  2. المجموعة الثانية: وتضم شهادات شهود العيان أو المعاصرين، ويُطلق على هذه الروايات عنوان “روايات الآلام” (Passiones) أو “روايات الاستشهاد” (Martyria).
  3. المجموعة الثالثة: وتحتوي على الأساطير التي تدور حول الشهداء والتي أُلفت لغرض تهذيبي وتعليمي بعد وقت طويل من حادثة الاستشهاد. وفي بعض الأحيان تكون هذه الأساطير عبارة عن خليط رائع من بعض الحقائق ومحتوى أسطوري صرف، والبعض الآخر ما هو إلا خيال بدون أي أساس تاريخي.

أولاً: ينتمي إلى المجموعة الأولى[1] كل من التالي:

  1. أعمال القديس يوستينوس ورفقائه: ولهذه الأعمال قيمة كبيرة، لأنها تحتوي على محضر جلسة المحكمة الرسمية التي أقيمت ضد أهم المدافعين اليونانيين، الفيلسوف يوستينوس الشهير. وكان يوستينوس قد ألقي في السجن ومعه ستة مسيحيين آخرين بأمر من الحاكم الروماني (Q. Junius Rusticus) في عهد الإمبراطور “ماركوس أوريليوس أنطونينوس” الفيلسوف الرواقي. وتتكون “أعمال يوستينوس ورفقائه” من مقدمة مختصرة جداً، يتبعها التحقيق مع الشهيد ورفقائه ثم الحكم الذي حكم به عليهم، ثم خاتمة قصيرة. ولقد كان منطوق الحكم الذي نطق به الوالي الروماني هو التالي: “ليُجلد هؤلاء الذين لا يضحون للآلهة ولا ينصاعون لأمر الإمبراطور، وليُساقوا لتقطع رؤوسهم وفقاً للقانون”. وقد استشهد القديس يوستينوس ورفقاؤه في مدينة روما عام 165م على أرجح الأقوال.
  2. أعمال شهداء سيليوم[2] في أفريقيا: وهي تشكل أقدم وثيقة في تاريخ الكنيسة الأفريقية، وهي في الوقت نفسه أقدم وثيقة مسيحية لدينا باللغة اللاتينية من شمال أفريقيا. أما من حيث المحتوى، فهي عبارة عن المحضر الرسمي لجلسة مُحاكمة كل من “نامفانو الذي من مادورا” (Namphano of Madaura) و”ميجن” (Miggin) و”سانام” (Sanam) وستة مسيحيين آخرين من “نوميديا”[3] (Nuimidi)، حُكم عليهم بالموت بواسطة القُنصل “ساتورنينوس” (Saturninus)، وقُطعت رؤوسهم بتاريخ 17 يوليو عام 180م. وبالإضافة إلى الأصل اللاتيني، لدينا ترجمة يونانية لهذه الأعمال.
  3. الأعمال الحكومية للقديس كبريانوس أسقف قرطاج: الذي استشهد يوم 14 سبتمبر 258م. وهي تعتمد على تقارير رسمية رُبطت معا بعبارات قليلة من قلم المحرر. وهي تتكون من ثلاث وثائق منفصلة تحتوي على: (1) المحاكمة الأولى التي حكمت بنفي كبريانوس إلى (Curubis). (2) القبض عليه والمحاكمة الثانية، ثم (3) عملية الإعدام. ولقد كانت شهادة القديس كبريانوس في عهد الإمبراطورين “فاليريان” (Valerian) و “جالينوس” (Gallienus).

ثانياً: ينتمي إلى المجموعة الثانية[4] كل من التالي:

  1. شهادة بوليكاريوس: وهي تعود إلى سنة 156م.
  2. رسالة كنائس فيينا وليون إلى كنائس آسيا وفريجية: وتعطي تلك الرسالة تقريراً مؤثراً عن آلام الشهداء الذين ماتوا في الاضطهاد العنيف الذي وقع على كنيسة ليون عام 177م أو 178م، والذي سجله يوسابيوس القيصري في (Hist. eccl. 51: 1-28). وتُعد تلك الرسالة واحدة من أكثر الوثائق التي تتكلم عن الاضطهادات إثارة للاهتمام، وهي لا تخفي أمر ارتداد بعض أعضاء الجماعة. ونجد من ضمن الشهداء الشجعان الأسقف “فوتينوس” (Photinus)، وذاك الذي “كان يتنفس بصعوبة لكونه تجاوز التسعين من عمره ومريضاً جداً، لكنه قد تقوى بحماس الروح الذي استمده من رغبته الملتهبة في الاستشهاد”؛ و”بلاندينا” (Blandina) الجديرة بالإعجاب، والتي كانت جارية ضعيفة ورقيقة عززت من شجاعة إخوتها بمثالها وكلامها؛ و”ماتوروس” (Maturus)، الذي كان مؤمناً جديداً ذا شجاعة مذهلة؛ و”سانكتوس” (Sanctus) الشماس من فيينا؛ و”أليكساندر” (Alexander) الطبيب؛ و”بونتيكوس” (Ponticus) الذي كان صبياً في الخامسة عشرة من العمر.

وتقول الرسالة عن بلاندينا: “إن المباركة بلاندينا، التي كانت آخرهم جميعاً، وشجعت أولادها مثل أم نبيلة وأرستلهم قبلها إلى الملك متوجين بالمجد، قد عادت لتخوض بنفسها كل المعارك التي خاضها أولادها، مسرعة إليهم، مبتهجة ومنتصرة في رحيلها كما لو كانت مدعوة إلى عشاء عرس لا إلى الطرح للوحوش المفترسة. وبعد الجلد، وبعد الجلد، وبعد الوحوش المفترسة، وبعد الحريق، طُرحت أخيراً في شبكة وأُلقيت أمام ثور. وبعد أن ظل الوحش يتقاذفها لوقت طويل وهي غير مدركة لما يحدث بسبب رجائها، وتمسكها بما تؤمن به، وشركتها مع المسيح، فاضت روحها أيضاً. إن الوثنيين أنفسهم يعترفون أنهم لم يروا قط امرأة تحملت آلاماً كثيرة هكذا أو عظمية هكذا”.

  1. آلام بيريتوا وفيليسيتاس: ويروي هذا العمل قصة استشهاد ثلاثة موعوظين هم: “ساتوروس” (Saturus)، و”ساتورنينوس” (Saturninus)، و”ريفوكاتوس” (Revocatus)، وشابتين هما: “فيبيا بيريتوا” (Vibia perpetua) ذات الاثنين والعشرين عاماً، والتي كانت “ذات نسب عريق، متعلمة جيداً، متزوجة زيجة كريمة، لديها أب وأم وأخان واحد منهما موعوظ مثلها، وابن رضيع على ثديها”، وجاريتها “فيليسيتاس” (Filicitas) التي كانت حبلى وقت القبض عليها ثم ولدت بنتاً قبل أن تموت في حلبة المصارعين بوقت قصير. وقد استشهدوا جميعاً في يوم 7 مارس 202م بمدينة قرطاج.

وتعد هذه الرواية واحدة من أجمل قطع الأدب المسيحي المبكر، كما أنها فريدة من حيث تأليفها، ذلك لأن الجزء الأكبر من الرواية (من الفصل 3 إلى الفصل 10) هو من مذكرات بيربتوا اليومية: “من الآن فلاحقاً ستروي هي نفسها قصة استشهادها وفقاً لما تركته هي مكتوباً بخط يدها وبحسب أفكارها”. (فصل 2) وكتب ستاوروس (أو ستافروس) الفصول من 11 إلى 13.

وهناك سبب يجعلنا نصدق أن كاتب الفصول الأخرى ومحرر العمل كله لم يكن إلا ترتليانوس الذي كان معاصراً لبيريتوا وأعظم كاتب في الكنيسة الأفريقية في ذلك الوقت، فتشابه العبارات وبناء الجُمل والكلمات بين عملي ترتليانوس: (Ad Martyres) و(De Patientia)، وآلام بيربتوا وفيليسيتاس” مُلفت للنظر. وقد كان الناس في زمن القديس أغسطينوس لا يزالوا يكنون احتراماً كبيراً لهذا العمل، حتى إن أغسطينوس كان مضطراً لتحذير مستمعيه ألا يضعوا هذا الكتاب على قدم المساواة مع الأسفار القانونية.

والعمل موجود في نص يوناني وآخر لاتيني، ويبدو أن النص اللاتيني هو الأصلي، لأنه يوحد بالنص اليوناني فقرات محُرفة وخاتمة مشوهة. ويعتقد (C. Van Beek) أن المؤلف الذي حرر قصة الآلام في اللاتينية هو نفسه الذي حررها في اليونانية، ولك الفقرات (21: 2) و(16: 3) تثبت أنه لا بد من أن يكون النص اللاتيني هو الأصلي، وأن النص اليوناني ما هو إلا ترجمة لاحقة له، لأن اللعب بالكلمات الموجود في هذه الفقرات لا يمكن فهمه إلا في اللاتينية.

ولمحتوى هذا العمل أهمية كبيرة في تاريخ الفكر المسيحي، خاصة أن الرؤى التي رأتها بيربتوا أثناء فترة سجنها ودونتها لها قيمة كبيرة في معرفة الأفكار الإسخاتولوجية التي اعتقد بها المسيحيون الأوائل، وتضرب رؤيا “دينوكراتس” (Dinocrates)، ورؤيا “السلم والتنين” أمثلة مدهشة على ذلك، وقد أطلق هذا العمل على الاستشهاد اسم “المعمودية الثانية” مرتين (18: 3 و21: 2)، وكذلك تظهر طقوس التناول في الرؤيا التي رأتها بيربتوا عن الراعي الصالح.

4 – أعمال القديسين كربوس وبابيلوس وأغاثونيس: وهي رواية أصيلة من قلم شاهد عيان على استشهاد “كربوس” (Carpus) و”بابيلوس” (Papylus) اللذين ماتا مشدودين إلى وتد في مسرح مدينة برغامس المدرج، واستشهاد أغاثونيس (Agathonice) التي كانت امرأة مسيحية ألقت بنفسها في النار. ويبدو أن العمل في صورته الحالية غير كامل، فالجزء الذي ذكر فيه صدور الحكم على أغاثونيس – كالشخصين الآخرين – مفقود، وذلك جعل أغاثونيس تبدو كما لو كانت قد ماتت منتحرة. وقد استشهد الثلاثة في عهد الإمبراطورين “ماركوس أوريليوس” و”لوسيوس فيروس” (161-169م). وقد كان هذا العمل لا يزال متداولاً في زمن يوسابيوس القيصري”[5].

5 – أعمال أبوللونيوس: ويعطي يوسابيوس القيصري في كتابه (Eccl. Hist. 5: 21: 2-5) ملخصاً لهذا الكتاب الذي ذكره ضمن ما جمعه من روايات الاستشهاد القديمة. وقد كان أبوللونيوس (Apollonius) فيلسوفاً متعلماً حوكم بواسطة بيرينيس (Perennis) حاكم دار الولاية بروما وقطعت رأسه في عهد الإمبراطور كومودوس (Commodus) (180-185م).

وتشبه الخُطب التي دافع بها أبوللونيوس عن إيمانه أمام بيرينيس كتابات المُدافعين في الحجج التي توردها، وهي في الغالب تعتمد على الإجابات التي أعطاها الفيلسوف في أعمال الولاية الرسمية. ويطلق (A. Harnack) على هذه الخطب “أبرز دفاع عن المسيحية وصلنا من العصور القديمة”.

وقد نشرت ترجمتان لهذا العمل، واحدة أرمينية نشرها كونيبير (Conybeare) عام 1893م، والثانية يونانية نشرها البولانديستيون[6] (The Bollandists) عام 1895م.

ثالثاً: ينتمي إلى المجموعة الثالثة كل من التالي:

  1. أعمال الشهداء الرومانيين: القديسة أجنس (Agnes)، والقديسه سيسيليا (Cecilia)، والقديسة فيليسيتاس (Filicitas) وأولادها السبع، والقديس هيبوليتس، والقديس لورانس (Lorandce)، والقديس سيكتوس، والقديس سباستيان (Sebastian)، والقديسون يوحنا، وبولس، وكوزماس (Cosma)، ودميان (Damian)؛ وأيضاً استشهاد القديس كليمندس واستشهاد القديس إغناطيوس. ولكن هذه الأعمال لا تُثبت بأي شكل من الأشكال وجود هؤلاء الشهداء من عدمه، لكنها تعني فقط أن هذه الوثائق لا يمكن استخدامها كمصادر تاريخية.
  2. المجموعات: لقد جمع يوسابيوس مجموعة من أعمال الشهداء في كتابه المعنون بـ “حول الشهداء القدامى” (On the Ancient Martyrs)، وقد فقد هذا المرجع المهم للأسف، لكن يوسابيوس لخص معظم هذه الأعمال في كتابه “تاريخ الكنيسة”. ومن ناحية أخرى، لدينا مقالته عن شهداء فلسطين، وهو تقرير عن ضحايا الاضطهادات التي وقعت بداية من سنة 303م إلى 311م، تلك التي كان شاهداً عليها باعتباره أسقفاً لقيصرية.
  3. جمع كاتب مجهول أعمال الشهداء الفرس الذين قتلوا في عهد سابور الثاني (Sabor II) (339-379م)، وهي موجودة لدينا باللغة السريانية التي كُتبت بها. ولقد وردت المحاكمات ومحاضر التحقيقات هنا بطريقة تشبه تقارير أعمال الشهداء الأصلية، أما “الأعمال السريانية لشهداء إديسا” فعبارة عن أساطير.

[1] هي التي تحتوي على محاضر وأحكام المحاكمات الرسمية للشهداء كما سجلت بواسطة الموثقين القانونيين.

[2] قرية صغيرة في نواحي قرطاج بشمال أفريقيا (المراجع)

[3] تقع شمال الجزائر الحالية (المراجع)

[4] وهي المجموعة التي تحتوي على شهادات شهود العيان أو المعاصرين.

[5] Hist. eccl. 4, 15, 48.

[6] البولانديستيون هم مجموعة من الرهبان اليسوعيين المقيمين في بلجيكا، وقد سموا باسم قائدهم “جان بولاند”، وهو راهب يسوعي عاش في القرن السابع عشر. وقد كلف الكرسي الرسولي البولانديستيين بمهمة جمع وتأليف مؤلف رسمي معتمد يضم سير القديسين، وهو ذلك المسمى بـ “Acta Sanctorum” (المراجع).

أعمال الشهداء الأولى – بحث مفصل

نظام الشركة الباخومية وسبب انتشار الرهبنة في مصر – أمجد بشارة

نظام الشركة الباخومية وسبب انتشار الرهبنة في مصر – أمجد بشارة

نظام الشركة الباخومية وسبب انتشار الرهبنة في مصر

نظام الشركة الباخومية وسبب انتشار الرهبنة في مصر – أمجد بشارة

+ نظام الشركة الباخومية:
 
القديس الأنبا باخوميوس المُلقب بأب الشركة، هو جندي مصري كان في الجيش الروماني، وترك الجندية عام 314 تقريبًا واتجه للصحرا لانه احب حياة الاعتزال.
 
وفكر انه يجمع رفاق الدرب سويًا ويعيشوا في حياة الشركة، حياة نسكية جماعية، واستخدم باخوميوس خبرته العسكرية في وضع نظام دقيق للعمل داخل الدير. بندين بالفضل لسوزمين المؤرخ الكنسي من القرن السادس عن كل معرفتنا بنظام الأديرة الباخومية في حديثه الطوييل عنها في كتابه (تاريخ الكنيسة 3: 41).
 
وكان باخوميوس تقريباً معاصراً لأنطونيوس ولكن يبتعد عنه جنوباً في طيبة، أسس باخوميوس جماعة من النساك بجوار النيل في منطقة التبانيسي، حيث شرع عدد كبير في ممارسة الأعمال اليدوية الشاقة تحت نظام حازم، فالطاعة في نظام باخوميوس كانت طاعة عسكرية وتامة. وكان هناك توتر بين فكرة نموذج المتوحد وبين وفكرة الاعتقاد بأن الحياة الرهبانية حياة شركة تحكمها قوانين تستلزم طاعة الرئيس كمبدأ أساسي. في الواقع، كان هناك العديد من النساك ليسوا متوحدين ولا ملتحقين بكينوبيون (حياة الشركة)، بل سائحين من مكان إلى مكان، ولكن كان الناس يعتبروهم غير مسئولين وعناصر مزعجة.
+سبب انتشار الحركة الرهبانية في مصر:
قال يوحنا ذهبي الفم:
“هلموا إلى برية مصر، لتروها أفضل من كل فردوس.
ربوات الطغمات الملائكية في شكلٍ بشريٍ، وشعوب من الشهداء، وجماعات من البتوليين… لقد تهدم طغيان الشيطان، وأشرق ملكوت المسيح ببهائه!
مصر هي أم الشعراء والحكماء والسحرة… حصنت نفسها بالصليب!
لم تفعل هذه الأمور الصالحة (الحياة مع المسيح) في المدن فحسب، بل وفي البراري أكثر من المدن! أينما حللت في هذا البلد تشاهد معسكر المسيح، القطيع الملوكي، ودولة القوات العلوية!
لا نجد هذا بين الرجال فحسب، بل وبين النساء أيضًا. فقد مارسن طلب الحكمة في صورة لا تقل عن الرجال، ليس مثل قضاة اليونانيين وفلاسفتهم الذين يتسلحون بأتراسٍ وركوب الخيل، إنما يخضن معارك أشد ضراوة… السماء بكل خوارس كواكبها ليست في بهاء برية مصر الممتلئة من قلالى النساك ”
(In Matt. hom 8:6).
الطبيعة الجغرافية لمصر أدت إلى نمو المسلك الرهباني ده، فبنلاقي مثلاً العالم المصري الدكتور جمال حمدان، في كتابه: (شخصية مصر، دراسة في عبقرية المكان، ج2، ص 437) بيقول:

لقد خرج كثير من المصريين من الوادي إلى أطراف الصحراء أو إلى عمق هذه الصحراء بحثًا عن عزلة جغرافية يلجأون إليها من الإضطهاد الديني، ويحافظون فيها على عقيدتهم، ولعل طبيعة مصر الجغرافية حيث يتجاور المعمور والصحراء، وحيث تتوافر العزلة الهامشية لكن دون موت تام، مكنت لهذا النمط من الحياة، فالصحراء في مصر قريبة للغاية من الجميع، وعند أطراف أصابع كل من يريد اعتزال العالم، ولهذا نجد الأديرة في مصر اليوم إما على أطراف الوادي القصوى، ترصعه من سيناء حتى مصر القديمة، وإما في زوايا وأركان الصحراء بعيدًا عن طرق الحركة الأساسية ابتداءً من قلعة جنوب سيناء الجبلية الوعرة وأعماق الصحراء الشرقيةالجبلية السحيقةغير بعيد عن البحر الأحمرإلى أطراف الصحراء الغربية ومشارف مريوط.

– فالحياة الرهبانية المصرية أثرت في كل رهبانيات العالم القديم والحديث، ففي الحديث نجد ان الرهبنة البندكتية تأثرت بنمط الحياة الرهبانية في مصر، ده بحسب قول دافيس history of medieval Europe.
– بداية التأثير الرهباني في أوروبا كان على إيد الأسقف السكندري أثناسيوس، لإنه في خلال سبع سنوات من عام 339: 346 كان بيتنقل بين إيطاليا وفرنسا أو المعروفة وقتها ببلاد الغال، اللي من خلالها شاف الرهبان وضع اثناسيوس وزميله أمون، ومسلكهم وحياتهم وزهدهم، وأكيد وقتها اتبعهم نفر ولو قليل من اوروبا..
 
– وتاني العوامل المؤثرة للمنهج الرهباني المصري على أوروبا هو الكتاب اللي وضعه اثناسيوس عن حياة أنطونيوس العظيم. بيشرح أثناسيوس من خلال الكتاب نشأة انطوني وتوجهه للصحراء ووطرائق حياته وعبادته، واللي بدأها كمتوحد، وان التلاميذ اللي اتجمعوا حواليه وصنعوا قلالي دي كانت هي بداية النقله بين حياة التوحد الكامل، والحياة الديرانية اللي بنشوفها بشكلها الحالي..
– ومن اللافت للنظر المقدمة اللي وضعها اثناسيوس في بداية الكتاب، واللي بيقول فيها انه كتب السيرة دي بناء على طلب الاخوة في الأرجاء الأجنبية. وبيكتب في المقدمة:

نظرًا لأنكم قد طلبتم مني أن أعطيكم وصفًا لطريقة حياة أنطوني المُباركة، ولأنكم تريدون أن تعرفوا كيف بدأ نسكه، وأي إنسان كان، وكيف أنتهت به الحياة، وعن مدى الصدق فيما سمعتموه عن سيرته، لكي يكون نموذجًا يُحتذى، وبه تقتدون، ومن ثم سرنيي جدًا أن أُحقق رغبتكم، وانا اعرف أنكم عندما تسمعون فإنكم، وقد امتلأتم بالرجل إعجابًا، سوف تحاولون الاقتضداء بمسلكه، وسوف ترون في حياته مثالاً كافيًا للزهد والرهبانية.

– في الحقيقة احنا منعرفش اثناسيوس كان يقصد مين تحديدًا بالإخوة في الأرجاء الأجنبية، لكن أغلب الظن إنه بعد انتشار الآريوسية بحماية من قسطنطين على الجانب الشرقي من الامبراطورية، فالغرب لثقافتهم اللاتينية مكانوش فاهمين لاهوت آريوس من الأساس، وكانوا من أكبر الحلفاء لأثناسيوس، مع الدليل اللي بيقولوا هو شخصيًا في المقدمة انه كتب النص على عجل لإن ده وقت ابحار السفن ولازم يخلص السيرة ويبعتها لهم على وجه السرعة لانه هيتحرك من عندهم، وده معناه انه غالبًا الأرجاء الأجنبية دي هي ايطاليا وبلاد الغال.
 
بيدعم الرأي ده علماء زي فازيليف (Alexander A. Vasiliev, History of the Byzantine Empire) وستانلي (Dean Stanley, Lectures on History of the Eastern church).
إقرأ أيضاً:

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز لي ستروبل

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز – لي ستروبل

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز لي ستروبل

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز – لي ستروبل

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز – لي ستروبل

بينما نتفحص كل الأدلة، تثار بقوة فكرة أن هناك قوة فائقة للطبيعة لا بد وأن تكون قد تدخلت. هل من الممكن أننا فجأة وبدون قصد، عثرنا بالصدفة على دليل علمي على وجود كائن فائق؟ هل الله هو الذي بدأ وصمم بعناية إلهية هذا الكون لفائدتنا؟

الفلكي جورج جرينشتاين[1]

إن الفلك يقودنا إلى حدث فريد من نوعه؛ إلى كون خُلق من العدم، كون يتمتع بأقصى توازن دقيق مطلوب لتوفير الشروط التي تسمح بوجود حياة، وكون له خطة كامنة (أو كما يقول واحد) “فائقة للطبيعة”.

أرنو بنزيا – حاصل على جائزة نوبل[2]

لا يوجد شيء غير عادي عن الأرض. أنها صخرة متوسطة بسيطة تدور بتلقائية حول نجم غير مميز في مجرة غير مميزة – “بقعة منعزلة في هذا الظلام الكوني الرهيب” كما قال الرحل كارل ساجان[3].

إن حقيقة أن الحياة تزدهر على كوكبنا ليست استثنائية. يقال لنا إن المخلوقات على أنواعها تتكاثر بلا شك في مواقع لا حصر لها بنا العشرة تريليون بليون نجماً في الكون. وقد قدر بعض العلماء أن هناك ما يصل إلى 10 تريليون حضارة متقدمة[4]. ووصل ساجان لرقم مليون بالنسبة لمجرتنا الطريق اللبني لوحدها.

وبالإجمال، فإن قوى الطبيعة أوتوماتيكية جداً حتى أنه من المؤكد أن الحياة قد ظهرت حيثما وُجد الماء. ولهذا عندما يثير العلماء فكراً جديداً عن الماء السائل كونه موجوداً على جسم سماوي آخر، فإن العوالم السرية لقمري كوكب المشتري المتجمدان يوروبا Europa، وجانيميد Ganymede هما حالياً الأمثلة الحية – ثم إن الادعاء الأوتوماتيكي هو أن الكائنات الحية لا بد بالضرورة أن تتبع ذلك.

إن كان بإمكان الحياة أن تظهر من اللا حياة بسرعة وبكفاءة كبيرة على كوكب عادي ككوكبنا كما يعتقدون، فلماذا لا يحدث هذا إذاً عبر مئات بلايين المجرات؟ بالنسبة لهم، تشبه الحياة مزيجاً من الحساء: أضف الماء فحسب![5]

إن عنوان كتاب الفلكي البيولوجي ديفيد دارلنج الذي صدر حديثاً يلخص بأناقة هذه الفلسفة المتفائلة؛ وهو “الحياة في كل مكان Life Everywhere”[6] إنه متحمس بخصوص التأكيدات القائلة بأن “الحياة قد تظهر بطريقة محتومة حيثما يتلاقى معاً مصدر طاقة مناسب، ومخزون مركز من المادة العضوية (المعتمدة على الكربون) والماء”. وقال إن هذه المكونات “تبدأ في أن تبدون موجودة في كل مكان في الفضاء”[7]. ونتيجة هذا، يعتقد ان الحياة الميكروبية على الأقل “منتشرة”[8].

باختصار، فإن الأرض ليس لها حالة مميزة. فالعالم البولندي نيكولاس كوبرنيكوس قلل من ذاتنا المبالغ فيها بوضعنا في مكاننا منذ زمن بعيد – فالكون لا يدور حولنا؛ ولكن بدلاً من ذلك، نحن اللذين نعيش في قرية رتيبة بعيداً جداً في ضاحية يصعب وصفها من مجرد الطريق اللبني الواسعة. ليس لدينا دوراً عظيماً، ولا معنى، ولا أهمية، ولا سبب لنكون أكثر من مجرد …. كائنات.

قال ريتشارد داوكنز من أكسفورد: “إن الكون الذي نلاحظه يتمتع بدقة بالخواص التي يجب أن نتوقعها إن كان هناك لا تصميم، ولا هدف، ولا شر أو خير، ولا شيء سوى اللامبالاة القاتلة والرهيبة”.

وهذا هو جوهر ما تعلمته عندما درست العلوم. فبالطبع دعمت هذه الاستنتاجات قيمي الإلحادية. وتمكنت بشكل ما أن أتجنب الاكتئاب الشديد بالتضمينات الشخصية لكل هذا، ومن الغريب أنني وجدت الرجاء والإلهام في الاعتقاد بأننا لسنا وحدنا في الكون. فحتى إن كان الله غير موجود، فعلى الأقل كانت هناك ملايين من الحضارات المتقدمة الأخرى[9].

رسائل لاسلكية إلى هرقل

منذ أن شاهدت للمرة الأولى الفيلم الكلاسيكي The Day the Earth Stood Still، وأنا طفل، أسرت بالصور الخيالية عن الحياة المتكاثرة داخل المجرات المصورة بالخيال العلمي. وبالطبع كان فيلمي Star Trek، وStar Wars سخيفان، لكن فكرة المخلوقات الغريبة الأخرى التي تعيش في زوايا وأركان الكون كانت ملفتة وحتى مريحة دائماً بالنسبة لي.

وبعد ذلك انبهرت بمعادلة Drake؛ وهي محاولة من الفلكي فرانك دريك لحساب عدد الحضارات التي قد توجد في مجرتنا. وعوامل المعادلة في مثل هذه المتغيرات مثل كم نجماً يمكنه أن يشبه شمسنا من بين الـ 200 – 300 بليون نجم في الطريق اللبني، ونسبة النجوم التي قد تكون بها كواكب في مناطق مسكونة، إلخ.

ومع أن الأرقام المحددة التي وضعها العلماء فيما بعد في معادلة دريك قد بلغت في مجملها تخمينات متأثرة بتحيزاتها الشخصية، اعترف عالم أنها كانت “طريقة لضغط كمية كبيرة من الجهل في فراغ صغير.”[10] – وهذا ما أعطى نوعاً من التأكيد العلمي لقضية تثير الكثير من التفكير.

ثم ابتهجت في منتصف السبعينات عندما أرسل دريك وساجان رسالة تهنئة للمجموعة الكونية العظيمة M13؛ والتي هي تركيز لربع مليون نجم في مجموعة نجوم هرقل، وفيما عرفت أنه لم يكن هناك الكثير من العلم العملي المتضمن في هذه المكالمة التليفونية عبر المجرات – فالأمر سيأخذ أكثر من 22000 سنة لوصول هذه الرسالة إلى مكانها المقصود – ومع ذلك كان هناك شيء رومانسي وجريء بخصوص محاولة الاتصال بالحضارات التي من المرجح جداً أنها سكنت تلك النجوم البعيدة.

كل هذا ساعد في تشكيل منظوري فيما كنت أتأمل عبر السنوات النجوم المتلألئة في السماوات المظلمة. أما الآن فقد تغير اتجاهي. فبعد دراسة آخر دليل من وجهات نظر علمية مختلفة – من الفلك إلى علم الكونيات إلى الجيولوجيا إلى علم المحيطات إلى الميكروبيولوجي – اتجهت استنتاجاتي إلى الاتجاه المعاكس.

يتضح أن الأرض يمكن أن تكون أي شيء سوى أن تكون شيئاً عادياً، وأن شمسنا أبعد من أن تكون متوسطة، بل وحتى موقع كوكبنا في المجرة موقع محظوظ بدرجة عجيبة. إن فكرة أن الكون هو مكان مزدهر لحضارات متقدمة تٌقوض الآن بالاستكشافات العلمية الجديدة المذهلة وبالتفكير الحديث.

وباختصار، فإن بالاستكشافات الجديدة تقول بأننا متميزين. فهناك أعداد متزايدة من العلماء يدرسون الالتقاء المذهل لنقاط “التزامنات” التي تجعل الحياة الذكية ممكنة على الأرض، ومستنتجين أن هذا لا يمكن أن يكون صدفة. إنهم يرون علامات تصميم، ونوعاً من تعديل حياة يشبه تعديل الفيزياء الذي استكشفناه في الفصل السابق.

في الواقع، قال باحث لامع: “إن الأدلة الحديثة التي استطاعت بقوة تفنيد فرضية [التصميم] انتهى بها الحال بتأكيدها”[11]. ومرة أخرى نجد أن دليل العلم يشير إلى خالق.

وبدلاً من أن تكون حياتنا بلا هدف، يقوم العلماء للمرة الأولى بالكشف عن أدلة ملموسة تقترح غرضاً مذهلاً واحداً على الأقل خلقنا من أجله؛ وهو أن نكتشف ونتعلم عما يحيط بنا في المكان الذي وضعنا فيه.

وبمعنى آخر، كما سنرى في هذا الفصل، أن هدفاً واحداً صُممنا لأجله هو أن نقوم بالعلم نفسه.

المكان الصحيح والزمان الصحيح

مع بزوغ فجر الألفية الجديدة، نشر الجيولوجي بيتر وورد، والفلكي دونالد براونلي[12] – وهما أستاذان بجامعة واشطن في سياتك – كتاباً ناجحاً ومثيراً للجدل أثار هذا السؤال المزعج بخصوص الأرض: “ماذا إن كانت فريدة تماماً: الكوكب الوحيد الذي به حيوانات في هذه المجرة أو حتى في الكون المرئي…. ؟”

وكتابهما “الأرض النادرة Rare Earth” ينظم الأدلة من مدى عريض من الفروع العلمية لبناء دفاعه بأن “ليس فقط الحياة الذكية، بل أيضاً أبسط مظاهر الحياة الحيوانية نادرة للغاية في مجرتنا، وفي الكون”[13]. وتوصلوا إلى الاستنتاج “الذي لا يمكن الهروب منه” بأن “الأرض مكان نادر حقاً”[14].

ومع أن وورد، وبراونلي يؤمنان بأن الحياة الميكروبية ربما تكون أكثر سيطرة؛ وهي رؤية يستخلصانها من الطريقة التي بد فيها أن الحياة قد تطورت على الأرض دون أدنى مجهود “بقدر ما سمحت الظروف البيئية ببقاءها”[15]، فإن اقتناعهما بأن وجود حياة معقدة أمر “نادر بطريقة استثنائية” هو اقتناع مدعم ببيانات مقنعة منفصلة عن أي إطار لاهوتي.

أطلق دون جوهانسون – مدير معهد الأصول الإنسانية في جامعة ولاية أريزونا – على كتابهما “عقلاني بحرص وماكر علمياً”، وقال: “رغم تفكيرنا التواق، ربما لن يظهر موزارت أو مونيه آخر”.[16] وأضاف ديفيد ليفي الذي أطلق اسمه على المذنب Shoemaker-Levy* “إن الحياة المعقدة كما نعلم قد تكون نادرة جداً، وثمينة جداً”[17] وقالت جريدة Times of London: “إن كانا على حق، فربما آن أوان عكس عملية كانت مستمرة منذ كوبرنيكوس”[18].

يلاحظ علماء متزايدون الطرق المدهشة التي يتمكن بها كوكبنا – على خلاف كل الشواذ – من تحقيق عدداً كبيراً من المعايير جيدة الاتزان الحاسمة تماماً لتدعيم موطناً مناسباً للبشرية.

قال معلما العلم جيمي ديفيز وهنري بو: “أهم من كونه كوكباً واحداً من بلايين الكواكب، فإن كوكب الأرض يبدو الآن الأرض الاستثنائية. فالبيانات تتضمن أن الأرض ربما تكون الكوكب الوحيد “في المكان المناسب في الزمان المناسب”[19].

تأكيـد جـريء

إن موقع الأرض، وحجمها، وتركيبها، وبنيتها، وجوها، ودرجة حرارتها، وحركاتها الداخلية، ودوائرها المعقدة الضرورية للحياة – دورة الكربون، ودورة الأوكسجين، ودورة النيتروجين، ودورة الفوسفور، ودورة الكبريت، ودورة الكالسيوم، ودورة الصوديوم، إلخ – تشهد بأن كوكبنا متزن بإتقان[20].

إنهما يذكران كيف أن جو الأرض يُزيل الأشعة فوق البنفسجية الضارة بينما يعلم مع المحيطات ليجعل المناخ معتدلاً من خلال تخزين وإعادة توزيع الطاقة الشمسية، وكيف أن الأرض من الكبر بمكان حتى إن جاذبيتها تحتفظ بالغلاف الجوي، ومع ذلك فهي من الصغر بمكان حتى إنها لا يمكنها الاحتفاظ بالكثير من الغازات الضارة. ثم يصفان داخل الأرض هكذا[21]….

…. محرك حراري ضخم، لكنه متزن بدقة يحفزه النشاط الإشعاعي…. إن كانت تسير ببطء أكثر… لما كانت القارات تشكلت على وضعها الحالي…. ولما انصهر الحديد ووصل لمرحلة السائل، ولما تطور المجال المغناطيسي… وإن كان هناك مزيد من وقود النشاط الإشعاعي، ومن ثم محرك دائر، لغطى الغبار البركاني الشمس، وصار الغلاف الجوي أكثر كثافة، وتحطم السطح بزلازل يومية وانفجارات بركانية[22].

هذا النوع من العلميات الجيولوجية عالية التنسيق – وهناك الكثير منها – يثير تفكري بقوة إزاء الطرق المذهلة التي يتهيأ بها مجالنا الحيوي بدقة للحياة. ومع ذلك، فإن الأكثر إثارة هو لماذا يحدث هذا. ما تفسير كل هذه “التزامنات” المدهشة؟

بينما كان بريس وسايفر مندهشان من أن الأرض “مكان خاص جداً”، إلا أنهما لا يؤكدان إمكانية التصميم.[23] أما وورد وبراونلي فيتجنبان القضية في كتاب “الأرض النادرة Rare Earth”، مفضلين بدلاً من هذا عادة أن يذكروا كلمات من قبيل “حظ تام”، و”صدفة نادرة تحدث”[24] وقد قال وورد في مؤتمر: “نحن محظوظون جداً. فشخص ما كان عليه أن يربح اليانصيب، وكنا نحن الرابحون”.

ولكن هل يفسر الحظ فعلاً لماذا تتمتع الأرض بهذا التقارب المذهل للظروف غير المحتملة تماماً التي سمحت بازدهار الكائنات الحية؟ بالعودة إلى الماضي، توصل المسيحيون إلى استنتاج مختلف تماماً: أن الله خلق الأرض كالمسرح الذي تجري عليه الدراما الإنسانية. والمثير في العلم الحديث – بما فيه الاكتشافات الحديثة في السنوات الأخيرة – هو أن رؤية الكون هذه تبدون مدعمة اليوم بشكل أفضل بكثير من الماضي.

فكر في استنتاج مايكل دينتون زميل بحث كبير في الجينات الجزيئية الإنسانية في جامعة أوتاجو في نيوزيلانده، في كتابه “مصير الطبيعة Nature’s Destiny” في العام 1998:

لم يتصور إنسان ان نظرية أو فكرة أخرى على الإطلاق يمكنها أن تتعادل في جراءتها وقوتها هذا التأكيد القوي… إن كل السماوات المرصعة بالنجوم، وأن كل أنواع الحياة، وأن كل خاصية من الواقع موجودة [كي تخلق موطناً مناسباً] للبشرية… ولكن اللافت للنظر جداً، هو أنه بافتراض جراءتها، إلا أنها تأكيد بعيد جداً عن أسطورة غير علمية مشكوك فيها. وفي الواقع، لم تتمكن أية ملاحظة من إثبات خطأ الافتراض. واليوم، بعد أربعة قرون من الثورة العلمية، بدأت هذه الفكرة تظهر من جديد. وفي هذه العقود الأخيرة من القرن العشرين تدعمت مصداقيتها باكتشافات في فروع عديدة من العلم الجوهري[25].

ما مدى صدق هذه الكلمات؟ هل الشروط الخاصة التي تسمح بالحياة على الأرض تتطلب مصمماً؟ للبحث عن إجابات دقيقة، رتبت لقاء في مطار أوهير O’Hare الجوي في شيكاغو مع خبيرين اشتركا في تأليف كتاب حديث الأسلوب عن هذا الموضوع. وستكون هذه فرصة رائعة لاستكشاف التفرد المذهل لكوكبنا.

[1] George Greenstein, The Symbiotic Unverse (New York: William Morrow, 1988), 27.

[2] Henry Margenau and Roy Abraham Varghese, editors, Cosmos, Bios, and Theos (LaSalle, III.: Open Court, 1992), 83.

[3] Carl Sagan, Pale Blue Dot (New York: Ballantine, 1994), 7.

[4] See: Peter D. Ward and Donald Brownlee, Rare Earth (New York: Coper-nicus, 2000), xxiv.

[5] Ibid., xiv.

[6] David Darling Life Everywhere (New York: Basic Books, 2002).

[7] Ibid., xii.

[8] Ibid., xi.

[9] Science 277 (1997), 892.

[10]Bernard Oliver quoted in Steven ,I, Dick, Life on Other Wolds (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), 217.

[11] Michael J. Denton, Nature’s Destiny (New York: The Free Pres, 1998), 389.

[12] Peter D. Ward and Donald Brownlee, Rare Earth, xxiv.

[13] Ibid,. xiv.

[14] Ibid,.33.

[15] Ibid,. xix.

[16] Ibid, .back cover.

* مذنب اصطدم بالمشتري في العام 1994.

[17]Ibid.

[18] The Times of London (January 26, 2002), quoted in: David Darling, Life Everwhere, 91.

[19] Jimmy H. Davis and Harry L. Poe, Designer Universe Nashville: Broadman & Holman, 2002), 107.

[20] See: Michael Denton, Nature’s Destiny (New York: The Free Press, 1998), 88-89.

[21] Frank Press and Raymond Siever, Earth (New York: W. H. Freeman, 1986),3.

[22] Ibid., 4.

[23] Ibid., 3.

[24] Peter D. Ward and Donald Brownlee, Rare Earth, 37, 229.

[25] Michael J. Denton, Nature’s Destiny, 3-4.

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز لي ستروبل

اللوجوس عند فيلو الفيلسوف اليهودي – القمص عبد المسيح بسيط

اللوجوس عند فيلو الفيلسوف اليهودي – القمص عبد المسيح بسيط

اللوجوس عند فيلو الفيلسوف اليهودي – القمص عبد المسيح بسيط

اللوجوس عند فيلو الفيلسوف اليهودي – القمص عبد المسيح بسيط

منذ عهد بطليموس الأول (323-285ق.) كان هناك يهود يعيشون بكثرة في مصر. وكانت الإسكندرية مركزهم الرئيسي ولقد دعت الحاجة إلى ترجمة العهد القديم من اللغة العبرية إلى اللغة اليونانية، وهى التي تعرف بالترجمة السبعينية. وقد أدى هذا إلى الربط بين الثقافة الغربية واليهودية، وبين إيمان العهد القديم والفلسفة اليونانية.

وكان الفكر اليهودي في الإسكندرية يميل إلى تفسير العهد القديم تفسيرا رمزيا، وحول علماؤهم الحقائق الكتابية إلى رموز لمبادئ عقلية، وزعموا أن الفلاسفة اليونانيين قد اخذوا فلسفتهم أصلاً عن كتابات موسى النبي. وأشار ارسطوبولس (150ق. م) لوجود هذه الترجمة اليونانية المعروفة بالسبعينية والتي يقول التقليد اليهودي أنها ترجمت فيما بين (280 – 150 ق م). ونظرا لوجود معظم المدارس الفلسفية اليونانية بالإسكندرية، فقد تأثر بها اليهود وكانوا يفضلون المدرسة الأفلاطونية، وكان فيلو الفيلسوف اليهودي المعاصر للمسيح (20 ق م – المتوفى فيما بين 40 – 50م) متأثراً بهذه المدارس الفلسفة خاصة الأفلاطونية والأرسطوطالية والرواقية وغيرها. ومن ثم فقد خلط بين أفكار كل هذه المدارس بالفكر اليهودي، ولأن اعتقد مثل يهود عصره ومدينته أن هذه الفلسفات ترجع في أصولها إلى كتابات موسى النبي، لذا فقد جمع بين الفكر الكتابي اليهودي والفكر اليوناني، وهكذا تشكل مفهومه عن اللوجوس، الذي هو في مفهومه وكيل الله ” والوسيط بين الأبدي والزائل، واللوجوس الذي، من وجهة نظره، يعكس نوراً من مظاهر لا تحصى “(34).

ولأن فيلو اليهودي جمع ما بين فكر العهد القديم والتقليد اليهودي والفلسفة اليونانية إلى جانب بعض العناصر الشرقية، لذا فكان فكره وعقيدته خليط بين اليهودية والفلسفة اليونانية. فكيهودي آمن بالله كما هو في العهد القديم، ونظرا لأن الفلسفة اليونانية ترى أن المادة أزلية مثل الله وأنها شر، وأن الله لا يتصل بهذه المادة التي هي شر، لذا فصل فيلو بين الله والعالم تماماً، وجعل الله بدون أي صلة بالعالم، وقال أنه لا توجد أي صلة بين الروح المحض (الله) والعالم المحسوس. ونظرا لأن هذا الفكر أوجد فجوة وهوة لا قرار لها بين اللاهوت السامي والفائق وغير المدرك وبين العالم المادي المحسوس، لذا فكر فيلو في إيجاد كوبري، وسيط، يعبر هذه الفجوة أو الهوة، وسيط يربط بين الله والمادة، ولكن لا بحسب الكتاب المقدس أو التقليد اليهودي بل بحسب فكرة القوات الوسيطة والمُثل الأفلاطونية. ونتيجة لذلك فقد قدم فكرة مصغرة لهذه القوات الفاعلة هي اللوجوس (Logos). هذا المصطلح الذي يحتمل أنه أخذه من العهد القديم ولكن بمحتوى وأسلوب وفكر غنوسي يوناني كما هو في فكر أفلاطون في الُمثل وفكر الرواقيين عن الأسباب والقوات.

ومن ثم يعني اللوجوس عند فيلو ويشير للمثال الأولي، الفكرة الأولية، التي تتفق مع عقل الله، العقل الملازم لله، وأيضاً مبدأ الإعلان في الطبيعة الإلهية. ويعتبر اللوجوس عنده هو العقل الجوهري الذي يوصل الفكر الغير منطوق به في الإنسان، هذا اللوجوس فائق وغير مدرك مثل الله نفسه، ولكن في وجهه الآخر فهو القوة والنشاط وموصل للفكر المنطوق به في الإنسان. اللوجوس هو وسيط الله الذاتي الذي يكشف به الله عن نفسه وعن عنايته الإلهية. هذا اللوجوس أو الكلمة المنطوقة هو الخالق الذي خلق به الله العالم وهو العامل في الكون باستمرار والفاعل فيه دائماً، وفيه توجد كل الحكمة الإلهية والخير الإلهي، بل هو الابن البكر لله، الملاك الأعلى والإله الثاني في الكون(35).

يقول في كتابه: ” De Plant Noe “: ” لأن أولئك الذين لا يستطيعون أن ينظروا للابن نفسه، ينظرونه في نوره المنعكس، حتى لو باعتباره صورة الله، الذي هو ملاكه، فاللوجوس (logos- Memra) كالله (Elohim) نفسه “.

ويقول في كتابه ” On The Confusion Of Tongues p. 247 “(36): ” حتى لو لم يكن هناك من هو مستحق ليسمى بابن الله، ومع ذلك فهو يعمل بلا كلل ليكون مزيناً بحسب كلمته البكر [Logos]، أقدم ملائكته، كرئيس الملائكة العظيم ذو الأسماء الكثيرة؛ لأنه يدعى ذو السيادة واسم الله والكلمة [Logos]، وإنسان بحسب صورة الله والذي يرى إسرائيل “.

ويقول في كتابه ” Allegorical Interpretation, III. “(37): ” ظل الله هو كلمته [Logos] الذي استخدمه كوسيلة عندما خلق العالم. وهذا الظل، وكما كان، نموذجاً، النموذج الأولي للأشياء الأخرى، لأنه كما أن الله نفسه النموذج لهذه الصورة الذي يدعى الآن الظل، هكذا أيضاً هذه الصورة هو النموذج للأشياء الأخرى. وكما بين عندما أوصى معطيا الناموس للإسرائيليين، وقال: ” وعمل الله الإنسان على صورة الله (تك1 :26)، لأن الصورة كانت على نموذج الله، ولأن الإنسان كان على نموذج الصورة التي أُخذت، هكذا، قوة وصورة النموذج “. 

كما قال في كتاب: ” On Dreams, 1, “(38): ” لأنه يوجد، كما يبدو، هيكلان لله؛ واحد هو العالم، الذي فيه الكاهن الأعلى الذي هو الكلمة الإلهي [Logos]، ابنه البكر ..”.

وقال في كتاب ” On The Migration Of Abraham. P. 253 “(39): ” كيف نتوقع الكلمة [Logos]، الذي هو أقدم من كل الأشياء التي كانت موضوعات الخليقة، وبأي وسيلة هو حاكم الكون ..”(40).

ولكن النقطة التي لم يتفق فيها الدرسون هي؛ هل كان اللوجوس عنده، كشخص، منفصل تماما عن الله أم لا؟

وعموما فقد شكل اللوجوس بالنسبة له محورا جوهريا حيث استخدمه في كتاباته أكثر من 300 مرة، وأن كان بمعاني متناقضة ومتعارضة!! ويرى البعض أنه أخذه عن المفهوم الكتابي اليهودي ومن ثم فهو بالنسبة له هو ” كلمة الله “، وقال البعض الآخر أنه تأثر بلوجوس الرواقيينlo,goj qeou/ وبنفس معنى ” العقل الإلهي ” مثال الحكمة الإلهية(41). وقد لخص لنا بعض الدارسين أفكاره كالآتي:

1 – أن الله هو الموجود المطلق ” الذي يكون “. وهو وحده الموجود بذاته، بدون خليط وبدون تعدد، الواحد والكل. وليس هناك اسم يمكن أن يناسبه وهو الموجود المطلق، أو ببساطة ” يكون “. وهو غير معروف في طبيعته.

وتقول دائرة المعارف اليهودية نقلا عن كتاباته أنه فيما يختص بعقيدته في الله فهو يتكلم في اتجاهين؛ سلبي وإيجابي، فمن الناحية السلبية يحاول أن يحدد طبيعة الله بالتضاد مع العالم. فهو، فيلو، يمكن أن يأخذ من العهد القديم نظرات محددة فيما يختص بسمو الله على العالم ” لأن أفكاري ليست أفكاركم ولا طرقكم طرقي يقول الرب. لأنه كما علت السموات عن الأرض هكذا علت طرقي عن طرقكم وأفكاري عن أفكاركم ” (اش55 :8و9)، وعدم استطاعة الإنسان رؤية الله ” لأن الإنسان لا يراني ويعيش ” (خر33 :20). ولكن بحسب المفهوم السائد في العهد القديم فالله يعمل باستمرار في العالم، ومليء بالغيرة ويتحرك بالتوبة ويأتي لمساعدة شعبه؛ ولذا فهو مختلف كلية عن الإله الذي يقدمه فيلو. وفيلو لا يعتبر أن الله مثيل بالسماء ولا بالعالم ولا بالإنسان؛ فالله بالنسبة له لا يوجد لا في الزمان ولا في الفراغ؛ وليس له صفات إنسانية ولا عواطف. حقا فهو بدون صفات وبالتالي فلا اسم له ولهذا السبب لا يمكن أن يدركه الإنسان، وهو لا يمكن أن يتغير ودائما على نفس حاله، ولا يحتاج لكائن آخر، ومكتف بنفسه، ولا يمكن أن يزول وهو ببساطة الموجود، وليس له أي علاقة مع أي كائن آخر(42).

2 – وخارج الله توجد المادة وهى لا شكل لها، في حالة لا تكون، وجوهرها شر. ولا يمكن لله الكائن الكامل أن يوجد في صلة مباشر مع الفساد وعدم الإحساس، مع المادة التي لا شكل لها ولذلك فهو لم يخلق العالم بشكل مباشر.

ومن هنا جاءت فكرة المبدأ المتوسط بين الله والمادة – العقل الإلهي، اللوجوس الذي تتضمن فيه كل الأشياء المحدودة، والذي خلق العالم المحسوس بأن جعل هذه الأفكار تتخلل المادة وتنفذ فيها. 

وتقول دائرة المعارف اليهودية: ” ولأن فيلو وصف المادة والعالم المادي كشر فقد وضع الله خارج العالم. ومن هنا أضطر أن يفصل من الكائن الإلهي الأنشطة التي كان من الواجب أن تكون في العالم وحولها إلى قوات إلهية، هذه القوات كان يقال أنها داخل الله وفي أحيان أخرى يقال أنها خارج الله. هذا الفكر تشكل من العناصر المختلفة التي للفلسفة اليونانية والمفاهيم الكتابية بل النظرات الوثنية إلى جانب اليهودية المتأخرة. وكان فيلو قد استعار من الفلسفة الأفلاطونية مُثل القوات الإلهية والتي عُرفت كأنماط أو نماذج لأشياء حقيقة (المُثل الأولية)، كما أخذ بعض أفكار الفلسفة الرواقية مثل القوات التي اعُتبرت كالأسباب الضرورية والتي لا تمثل النماذج فقط بل تنتجها وتأتي بها أيضاً. فقد ملئت هذه القوات كل العالم وفي داخلهم أحتوى كل كائن وكل الأشياء المتفردة.

وحاول فيلو أن يعمل تناغم وانسجام بين هذه المفاهيم والكتاب المقدس بتوصيفه هذه القوات كملائكة. كما تأثر فيلو بما جاء في أسفار الأنبياء وكتابات ما بين العهدين الرؤوية بما فيها من ظهورات لله جالسا على العرش وحوله الكاروبيم، قوات الله الجوهرية.

وقد اعتبر فيلو هذه القوات في مجموعها أيضاً وعاملها ككائن مفرد مستقل وصفه باللوجوس. وكان مفهوم فيلو عن اللوجوس متأثرا بهذه المدارس الفلسفية، فقد استعار من هيراقليطس مفهوم ” اللوجوس الإلهي ” الذي يدعو كل المواضيع المختلفة للوجود وذلك بمزج المتضادات. واستعار من الرواقيين وصف اللوجوس كالقوة الفاعلة والحيوية، واستعار من العناصر الأفلاطونية ” مثال المثُل Idea of Ideas ” والفكرة الأولية.

وذلك إلى جانب العناصر الكتابية حيث توجد فقرات كتابية فيها كلمة يهوه التي تعمل كقوة مستقلة وموجودة بذاتها مثل ” هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي. لا ترجع إليّ فارغة بل تعمل ما سررت به وتنجح فيما أرسلتها له ” (اش55 :11)، ومثل هذه الآياتكشفت عن عقيدة الكلمة الإلهي خالق الكون، كما بينا أعلاه. كما استعار فيلو من الأسفار النبوية الرؤوية صورة العرش الإلهي ومركباته والبهاء والمجد الإلهي والشاروبيم واسم الله وأسماء الملائكة أيضاً، وذلك في تفصيل وإحكام عقيدته في اللوجوس. ومن ثم فقد دعى اللوجوس بـ “رئيس الملائكة ذو الأسماء الكثيرة “، والقائد، و ” اسم الله ” أيضاً، و “أدم السمائي ” والإنسان، وكلمة الإله الأبدي. كما وصف اللوجوس أيضاً بـ ” الكاهن الأعلى ” وذلك في إشارة إلى المكانة العالية التي كان يحتلها رئيس الكهنة بعد السبي كالمركز الحقيقي للولاية اليهودية. فاللوجوس عنده مثل رئيس الكهنة، مكفر الخطايا والوسيط والمدافع.

ولكي يربط فيلو عقيدته هذه بأسفار العهد القديم فقد بني فكره أولياً على ما جاء في (تك1 :27) ” فخلق الله الإنسان على صورته.على صورة الله خلقه “، ليصور العلاقة بين الله واللوجوس. وقد ترجم هذه الآية كالآتي: ” فعمل الإنسان على صورة الله “. مستنتجا من ذلك أن لله صورة موجودة، وقال أن صورة الله هي نموذج لكل الأشياء الأخرى ” الفكرة الأولية – لأفلاطون “، ختم طبع على كل الأشياء. وقال أن اللوجوس نوع من الظل منبعث بواسطة الله، له كل الخطوط العريضة ولكن ليس النور المحتجب للكائن الإلهي(43).

وتلخص لنا الدكتورة أميرة حلمي جوهر تعليمه كالآتي: أن يهوه اله اليهود الذي امن به فيلو هو الإله المفارق للعالم المحسوس وهو الإله المتعالي اللامتناهى في صفات الكمال التي لا يمكن أن تحدد أو تحصر في عدد معين، لذلك فهو لا يمكن وصفه إلا بالسلب. غير أنه لفرط علوه عن العالم ولعظم الهوة التي تفصله عنه، لا يؤثر مباشرة في العالم، بل يؤثر عن طريق وسائط أو قوى إلهية. هذه الوسائط يختلف بعضها عن بعض بحسب الأعمال التي تقوم بها ولها أنواع أربعة، أولها وأهمها هي: الكلمة أو ” اللوجوس “(44).

كما يوضح لنا البير ريفو فكره أيضا بقوله: أن الله واحد، وأنه قادر تام القدرة، وأنه لا نهاية له، وأنه الموجد لجميع الخلائق، وعنه تصدر بنوع من الإشعاع المنتشر في الكون، السلسة الهائلة الشاملة لشتى الخلائق، من ملائكة وجن وبشر وحيوان ونبات. وفيه نفسه المبدأ الأول لكل حياة، وبه يرتبط برباط الضرورة، كل ما هو كائن. والابتعاد عنه أنما هو ذهاب نحو العدم والموت. والاقتراب منه معناه الفوز بالحياة والوجود والكمال. وفي كل شيء جزئي خاص يوجد، حينئذ، شبه شرارة صغيرة أو كبيرة من مركز الضوء الإلهي. ومجموع هذه الأضواء الجزئية المنتشرة في الكون هي العقل أو ” اللوجوس ” التي تكون تحت مرتبة الله شبكة متشعبة معقدة من الإدراك الواضح ومن الحياة(45).

أي أنه إلى جانب الله فقد تحدث فيلو عن وجود وسيط بين الله والعالم هو العقل الإلهي أو اللوجوس الذي يحتوى على مثل أو أفكار الأشياء المحدودة. وقال أن الله المطلق محاط بقواته (dunamies) كما يحاط الملك بحاشيته. هذه القوات في لغة أفلاطون هي ” المُثل “، وفي لغة اليهود هي ” الملائكة “، ولكن جميعها في جوهرها واحد، ووحدتها من حيث هي توجد في الله وجميعها تصدر عنه، وهى تنتشر في العالم، ويعبر عنها باللوجوس. وعلى ذلك، فاللوجوس يبدو على وجهين:

1 – من حيث هو عقل الله الباطن، ويحوى في داخله مثال العالم، وهو – بينما لا وجود خارجي له – يشبه العقل الباطن في الإنسان، ويدعوه فيلو Logos endiathetos.

2 – من حيث هو الكلمة المقولة الصادرة عن الله وتظهر في العالم، وذلك عندما خرج اللوجوس من الله في خلقه العالم، ويدعوه فيلو Logos prophorikos أي اللوجوس المنطوق أو المسموع، كما هو الحال عند الإنسان، فأن الكلمة المقولة هي إظهار الفكر.

وبالنسبة للوجه الأول للوجوس، فأن اللوجوس يكون واحدا مع الكيان الإلهي غير المرئي. وبالنسبة للوجه الثاني، فأن اللوجوس يحيط بكل أعمال وإعلانات الله في العالم، ويقدم من نفسه الأفكار والقوى التي بها تمت صياغة العالم وتدعيمه. وهو الذي يملأ جميع الأشياء بالنور الإلهي والحياة، ويحكم الأشياء بالحكمة والمحبة والعدالة. أنه بداية الخليفة وهو الابن الأكبر للآب الأزلي (والعالم هو الابن الأصغر). هو صورة الله والوسيط بين الله والعالم، وهو الملاك الأعلى والإله الثاني.

وعلى ذلك فأن فكرة فيلو عن اللوجوس، تتبلور في أن اللوجوس هو الممارسة الحرة للقوة الإلهية جميعها. وهكذا فأن الله، إلى هذا الحد الذي يكشف فيه عن نفسه، يسمى ” لوجوس ” ثم أن اللوجوس، إلى هذا الحد الذي يعبر فيه عن الله، يسمى الله.

ونظرا لغموض فكر فيلو هذا فقد تناول كثير من الباحثين شرح مفهوم اللوجوس عنده، مع محاولة تحديد المصدر الذي يمكن أن يرد إليه فكر فيلو هذا عن اللوجوس، فمنهم من التمس المصدر عند هيراقليطس ومنهم من رده إلى أصول فيثاغورية أو رواقية أو أفلاطونية.

ومن دراسة الدارسين لفكر فيلو أتضح لهم أنه من المحال أن تكوّن أقواله هذه مذهبا منسجما، لأنها زئبقية لا ثبات فيها ولا استقرار، على ما فيها من جفاء وجدب، وعلى الخصوص مسألة اللوجوس التي تظهر في مجموعة من المناظر المختلفة التي تتعارض مع عقلنا: فتارة تبدو وكأنها شخصية متمايزة وكـ ” ابن ” الله، وتارة تبدو كأنها مجموعة من العقول الخاصة، وتارة تنطبق على الحكمة الإلهية التي تفيض عنه. وأيضاً مسالة الله عند فيلو، فهو مرة يصوره، لنا مساويا للمبدأ الخالد الذي لا يدنو منه شيء ولا يحاكيه في علمه شيء، ومرة يصوره لنا مساويا للرحمة السامية، وأخرى مساويا للخالق اللامتناهى القدرة. أنها أقوال مجردة من كل نظرة شاملة ومن كل تلخيص محدد. أنها أراء متوالية متفككة تثير الضجر، يتخللها بين الحين والحين برق خاطف من العاطفة والتقوى(46).

ويمكن أن نخرج من فكر فيلو بما يلي:

U أن اللوجوس أشبه بمثل أفلاطون إذ هو النموذج الذي يخلق الله العالم على مثاله. ويصفه بكل صفات الكمال من حق وخير وجمال.

U أما عن صلته بالله، فهو واسطة إلى الخلق ورسول إلى الناس، وهو أيضاً الذي ينقل إليه تضرعاتهم، فهو ابن الله ورسوله، وهو وسيلة في خلق العالم.

U أما الوسائط الأخرى التي تصورها فيلو بين الله والعالم إلى جانب اللوجوس، فهي القوى الإلهية: قوة الخير في الله التي يتم بها إيجاد العالم. وقوة القدرة التي يسيطر بها على العالم فهي قوة خيرة خلاقة، وهى أيضاً قوة حاكمة تنزل العقاب لتحقيق سيادة الله على خلقة، وهى أيضاً الحكمة التي يتحد بها الله لينتج عن اتحاده بها العالم. وكثيرا ما يرمز لهذه الحكمة الإلهية بأنها أم العالم، وقد تتصف بأنها زوج الإله.

ومن هذه الوسائط أيضاً الملائكة، وهى فكرة أخذها فيلو من اليهودية. وكذلك الجن والأرواح، فمنها النارية والأثيرية، وكلها تنفذ أوامر الله.

(34) Vencent,s Word Studies Of The New Testament. Vol.ii. pp.24-30.

Kittel Theological Dictionary Of The New Testament. Vol. iv. Pp88-90.

(35) George B. Stevens. The Johannine Theology. P. 83, 84.

(36) http://www.earlyjewishwritings.com/text/philo/book16.html

(37) http://www.earlyjewishwritings.com/text/philo/book4.html

(38) http://www.earlyjewishwritings.com/text/philo/book21.html

(39) http://www.earlyjewishwritings.com/text/philo/book16.html

(40) http://www.thevineone.org/download/rico/The_Memra_of_YHVH_English.ppt

(41) Kittel vol. iv. Pp. 88-89.

(42) Jewish Encyclopedia, Philo Judaeus.

(43) Jewish Encyclopedia. Philo Judaeus.

(44) د. موريس تاوضروس، اللوجوس ص 72.

(45) المرجع السابق.

(46) د. موريس تاوضروس، اللوجوس، والفلسفة اليونانية، أصولها وتطوراتها – ترجمة الدكتور عبد الحليم محمود وأبو بكر زكرى ص 259، 260.

اللوجوس عند فيلو الفيلسوف اليهودي – القمص عبد المسيح بسيط

المسيح في الفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

المسيح في الفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

المسيح في الفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

المسيح في الفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

  المسيح في الفكر الغنوسي يعتمد بالدرجة الأولى على الفكر الدوسيتي، فما هو الفكر الدوسيتي؟ والفكر الدوسيتي جاء من التعبير ” dokesis ” و ” dokeo ” والذي يعني ” يبدو “، ” يظهر “، ” يُرى “، ويعني الخيالي phantastic . فقد آمنوا أن المسيح كان مجرد خيال وشبح (phantom)، وأنه أحد الآلهة العلوية وقد نزل على الأرض في جسد خيالي وليس فيزيائي، مادي، حقيقي، أنه روح إلهي ليس له لحم ولا دم ولا عظام، لأنه لم يكن من الممكن، من وجهة نظرهم، أن يتخذ جسدا من المادة التي هي شر في نظرهم !

لذا قالوا أنه نزل في صورة وشبه إنسان وهيئة بشر دون أن يكون كذلك، جاء في شكل إنسان دون أن يكون له مكونات الإنسان من لحم ودم وعظام، جاء في ” شبه جسد ” و ” هيئة الإنسان “، وقالوا أنه لم يكن يجوع أو يعطش أو ينام، ولم يكن في حاجة للأكل أو الشرب … الخ وأنه كان يأكل ويشرب وينام متظاهرا بذلك تحت هيئة بشرية غير حقيقية. وشبهوا جسده بالنور أو شعاع الشمس، فأن النور وشعاع الشمس يمكن لهما أن يخترقا لوحا من الزجاج دون أن يكسرا هذا اللوح “. كان مجرد خيال(12).

  وجاء في أحد كتبهم والذي يسمى بـ ” أعمال يوحنا “(13)، أن المسيح عندما كان يسير على الأرض لم يكن يترك أثرا لأقدامه وعندما كان يوحنا يحاول الإمساك به كانت يده تخترق جسده بلا أي مقاومة حيث لم يكن له جسد حقيقي. وكانت طبيعة جسده متغيرة عند اللمس، فتارة يكون ليناً وأخرى جامداً ومرة يكون خالياً تماماً. كان بالنسبة لهم مجرد شبح وحياته على الأرض خيال. وكان يظهر بأشكال متعددة ويغير شكله كما يشاء وقتما يشاء !! أي كان روحاً إلهياً وليس إنساناً فيزيقياً(14).

+ وقال بعضهم أنه اتخذ جسدا نفسيا Psychic، عقليا، وليس ماديا.

+ وقال بعض آخر أنه اتخذ جسداً نجمياً Sidereal.

+ وقال آخرون أنه اتخذ جسدا ولكنه لم يولد حقيقة من امرأة(15).

  وجميعهم لم يقبلوا فكرة أنه تألم ومات حقيقة، بل قالوا أنه بدا وكأنه يتألم وظهر في الجلجثة كمجرد رؤيا. وقد أشار إليهم القديس أغناطيوس الإنطاكي (35 – 107) تلميذ القديس بطرس الرسول وحذر المؤمنين من أفكارهم الوثنية قائلا: ” إذا كان يسوع المسيح – كما زعم الملحدون الذين بلا إله – لم يتألم إلا في الظاهر، وهم أنفسهم ليسو سوى خيالات (بلا وجود حقيقي) فلماذا أنا مكبل بالحديد “(16)،  ” وهو إنما أحتمل الآلام لأجلنا لكي ننال الخلاص، تألم حقا وقام حقا، وآلامه لم تكن خيالا، كما أدعى بعض غير المؤمنيين، الذين ليسوا سوى خيالات “(17)، ” لو أن ربنا صنع ما صنعه

في الخيال لا غير لكانت قيودي أيضا خيالا “(18).

(4) كما كان لهذه الجماعات، أيضا، اعتقادات أخرى في المسيح، فقالوا أن المسيح الإله نزل على يسوع الإنسان وقت العماد وفارقه على الصليب، وقالوا أيضا أن المسيح الإله والحكمة الإله نزلا على يسوع واتحدا به وفارقاه أيضا عند الصليب !! أي أن الذي صلب، من وجهة نظرهم هو المسيح الإنسان وليس المسيح الإله !!! وهؤلاء يؤمنون أن المسيح هو في ذاته كيان إنساني، كانت نفسه عبارة عن كيان إلهي وليست مجرد شرارة إلهية داخله، بل كيانا إلهياً خاصاً، جاء من أعلى وسكن مؤقتاً في يسوع الناصري ليكشف من خلاله الحقائق الضرورية لأتباعه المقربين(18).

(12) Irenaseus Ag. Her. 1:24.

(13) See NT Apocrypha  Vol. 2.

(14) Robert Jonse Heresies & Schisms In Early Church .

(15) Catholic Enc. Docetism.

(16) رسالته إلى ترالس 10 : 1.

(17) رسالته إلى أزمير (سميرنا) 2.

(18) السابق 4 : 2.

(18) ) Christianity Turned on Its Head: The Alternative Vision Of The Gospel Of Judas. P.88.

المسيح في الفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

الغنوسية والفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

الغنوسية والفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

الغنوسية والفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

الغنوسية والفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

الغنوسية ” gnosis ” وتعني ” حب المعرفة ” ومنها ” Gnostic – غنوسي – محب المعرفة “. وهي عبارة عن مدارس وشيع عديدة كانت تؤمن بمجموعات عديدة من الآلهة، وهذا ما نجده واضحاً في هذا الإنجيل المنحول(3). وكانت أفكارهم ثيوصوفية سرية غامضة جداً نتيجة لخلطها لأفكار عديدة من فلسفات وديانات عديدة. وهي في الأصل حركة وثنية امتزجت بأفكار مسيحية وترجع جذورها إلى ما قبل المسيحية بعدة قرون.

وكان أتباعها يخلطون بين الفكر الإغريقي – الهيلينتسي – والمصري القديم مع التقاليد الكلدانية والبابلية والفارسية (خاصة الزردشتية التي أسسها الحكيم الفارسي ذردشت (630-553 ق م) وكذلك اليهودية، خاصة فكر جماعة الأسينيين (الأتقياء) وما جاء في كتابهم ” الحرب بين أبناء النور وأبناء الظلام “، والفلسفات والأسرار والديانات الثيوصوفية(4).

وذلك إلى جانب ما سمي بالأفلاطونية الحديثة، التي كانت منتشرة في دول حوض البحر المتوسط في القرن الأول. وكان الفيلسوف اليهودي فيلو من أكثر مناصريها، فقد أعتقد أن الله غير مدرك ولا يتصل بالمادة، وأن هناك قوة سامية ” اللوجوس ” التي خلقت العالم المادي، وهو كلمة الله أو عقل الله “. وأن البشر يصارعون من أجل التحرر من سجن الجسد، وانه يمكن إعادة التجسد (التناسخ – أي تعود الروح في أجساد أخرى أكثر من مرة – Reincarnation) لأولئك الذين لم يتحرروا بالموت. بل ويرى بعض العلماء أن كل أصول الغنوسية موجودة عند أفلاطون (5) لذا يقول العلامة ترتليان ” أنا أسف من كل قلبي لأن أفلاطون صار منطلق كل الهراطقة “(6).

وكانت الفرق الغنوسية تنظر للمادة على أنها شر! وآمنت بمجموعة كبيرة من الآلهة، فقالت أنه في البدء كان الإله السامي غير المعروف وغير المدرك الذي هو روح مطلق، ولم تكن هناك المادة، هذا الإله السامي والصالح أخرج، انبثق منه، أخرج من ذاته، عدداً من القوات الروحية ذات الأنظمة المختلفة التي أسموها بالأيونات (Aeons)، قالت أكثر فرقهم أنه بثق من ذاته 365 أيونا وكل أيون بثق من ذاته 365 أيوناً وهكذا إلى ما لا نهاية!! هذه القوات المنبثقة من الإله السامي كان لها أنظمة مختلفة وأسماء مختلفة وتصنيفات وأوصاف مختلفة (7).

وتكون هذه الأيونات مع الإله السامي البليروما (Pleroma)، أو الملء الكامل، دائرة الملء الإلهي. وأن هذا الإله السامي الذي أخرج العالم الروحي من ذاته لم يخلق شيئاً، فهو ليس خالق الكون المادي، بل الذي خلق الكون المادي إله أقل من الإله السامي غير المدرك. وقد بثق، الإله السامي، من ذاته الابن، الوحيد الجنس، ثم مجموعة من الأيونات (العوالم الروحية = الحكام الروحيين = آلهة + سماوات روحية وعوالم روحية).

ومن هذه الأيونات قامت الحكمة، صوفيا (Sophia)، التي بثقت، أخرجت، من ذاتها كائناً واعياً، هو الذي خلق المادة والعوالم الفيزيقية، وخلق كل شيء على صورته، هذا الكائن لم يعرف شيئاً عن أصوله فتصور أنه الإله الوحيد والمطلق، ثم أتخذ الجوهر الإلهي الموجود وشكله في أشكال عديدة، لذا يدعى أيضا بالديميورج (Demiurge)، الصانع ونصف الخالق. فالخليقة مكونة من نصف روحي لا يعرفه هذا الديميورج، نصف الخالق، ولا حكامه (8).

ومن هنا فقد آمنوا أن الإنسان مكون من عنصرين عنصر إلهي المنبثق من الجوهر الإلهي للإله السامي ويشيرون إليه رمزيا بالشرارة الإلهية، وعنصر مادي طبيعي فاني. ويقولون أن البشرية بصفة عامة تجهل الشرارة الإلهية التي بداخلها بسبب الإله الخالق الشرير وارخوناته (حكامه). وعند الموت تتحرر الشرارة الإلهية بالمعرفة، ولكن أن لم يكن هناك عمل جوهري من المعرفة تندفع الروح، أو هذه الشرارة الإلهية، عائدة في أجساد أخرى داخل الآلام وعبودية العالم (9).

وأعتقد بعضهم بالثنائية (Dualism) الإلهية أي بوجود إلهين متساويين في القوة في هذا الكون؟ إله الخير، الذي خلق كل الكائنات الروحية السمائية، وإله الشر الذي خلق العالم وكل الأشياء المادية!! وربطوا بين إله الشر وإله العهد القديم!! وقالوا أن المعركة بين الخير والشر هي معركة بين مملكة النور ضد مملكة الظلمة!!

وأعتقد بعضهم أن إله الخير خلق الروح وقد وضعها إله الشر في مستوى أدني في سجن الجسد المادي الشرير. وهكذا فأن هدف البشرية هو الهروب من سجن الجسد المادي الشرير والعودة إلى اللاهوت أو التوحد مع إله الخير!! وقد فهموا خطأ قول القديس بولس بالروح ” إذا أن كنتم قد متم مع المسيح عن أركان العالم فلماذا كأنكم عائشون في العالم تفرض عليكم فرائض لا تمسّ ولا تذق ولا تجس. التي هي جميعها للفناء في الاستعمال حسب وصايا وتعاليم الناس. التي لها حكاية حكمة بعبادة نافلة وتواضع وقهر الجسد ليس بقيمة ما من جهة إشباع البشرية ” (كو20:2-23).

وتكمل أسطورة الخلق الغنوسية، وذلك من خلال ما جاء في كتبهم الأبوكريفية، والمكتشفة في نجع حمادي سنة 1947م، وما كتبه آباء الكنيسة في القرون الثلاثة الأولى، وخاصة ما كتبه معاصرهم القديس إيريناؤس أسقف ليون سنة 180م. والتي أخذوها كلية، كما يقول العلماء، من أسطورة الخلق Timaeus لأفلاطون مع مزجها بما جاء في سفر التكوين.

وتتحدث عن المسيح (أو الممسوح)؛ والذي تصفه بالكائن الميتافيزيقي، الآتي من عالم ما وراء الطبيعة وظهر في هيئة إنسان أو شكل جسد نجمي أو أثيري ولم يتخذ الجسد المادي لأنه شر، وقال عدد قليل منهم أن المسيح إله نزل من السماء وتوحد مع يسوع الناصري. وعن وجود ما يسمى بالمنيرين الأربعة؛ هارموزيل (Harmozel) وأورويائيل (Oroieal) وداوإيثاي (Daueithai) وإيليليث (Eleleth).

وهم أيونات وكائنات روحية. وكعوالم روحية فهم الأماكن التي تقطنها النماذج الرئيسية (Geradama) أو آداماس، أي آدم السمائي؛ شيث الذي هو النموذج السمائي لابن آدم؛ الذرية السمائية لشيث ونماذج الكنيسة الغنوسية. ثم تتحدث، أسطورة الخلق، عن خليقة الكون المادي؛ بعد اكتمال انبثاق الكون الروحي ولكي تستمر الخليقة فوق كل حدود الوجود الروحي وجد الصانع، (الديميورج -Demiurge ). ثم يقولون أنه، صانع العالم، ويسمونه أيضاً يالدابوس، ويقولون أنه صنع كوناً مركباً من أيونات (عوالم) مادية، أي كواكب ونجوم وسلاطين وقوات وأرواح وملائكة … الخ.

هذا الصانع للكون الذي يصفونه بأنه منقوص بالجهل والأنانية شعر بجاذبية طبيعية تجاه العوالم الروحية، ويقولون أن هذه الجاذبية أيضاً أختبرها كجهل وأنانية ورغبة شهوانية لامتلاك اللاهوت ليفسده(10). ووصفوا يالدابوس هذا وأتباعه من السمائيين ” الحكام” بأنهم متملكون ومتعجرفون يحاولون السيادة على كل الأمور البشرية، وتقودهم رغبتهم للسيادة لخلق الشهوة الجنسية وقيد القدر (سيطرة النجوم) التي عن طريقها يريدون استعباد البشرية.

وتصف خليقة آدم وحواء وأبنائهم بقولها أن الحكمة التي كانت تؤيدها الأيونات العليا للكون الروحي لتستعيد القوة المسروقة التي صارت مشتتة بعد خليقة آدم في الأجيال المتعاقبة, التي استعبدها نسل يلدابوث بخلق المقدر وروح الخداع البغيض. وتقول الأسطورة أن قوة اللاهوت المسروقة والمشتتة استقرت في نسل شيث ابن آدم إلى هذا اليوم.

وبحسب فكر هؤلاء الغنوسيين يصل الفصل النهائي للدراما عندما يُرسل المخلص السمائي، بل وتصل هذه الدراما غايتها في المجيء النهائي للمخلص، المسيح، في شكل إنسان وأن كان يظهر في أشكال كثيرة، بدون تفصيلات تاريخية. ” ليوقظ ” الإنسانية وليحرر نفوس البشر من المقدر ومن رباطات (عبودية) الجسد بالمعرفة، وهؤلاء المحررون هم الغنوسيون، محبو المعرفة. ويقولون أن كل نفس تستجيب وتكسب معرفة تتحرر من الجسد, أو أنها تهرب وتعود إلى الحق أو تصبح متجسدة في جسد آخر؛ خاص ” عقاب أبدى ” محفوظ للمرتدين عن الفرقة.

كما يؤمنون بأن الخلاص لا يتم إلا بالمعرفة والتي يسمونها بالمعرفة المؤدية للخلاص، وهذه المعرفة تعني ثلاثة أمور؛ (1) معرفة الإله الحقيقي غير المدرك ولا اسم له، (2) ومعرفة أن الإله الذي خلق العالم ليس هو الإله الحقيقي بل أنه إله أقل وشرير، (3) ومعرفة أن الإنسان، أو بمعنى أدق الغنوسي، المحب للمعرفة، ليس من هذا العالم بل أنه أصلا شرارة إلهية وطنه هو العالم الروحي الذي جاء منه ولابد أن يعود إليه، ويرى معظم الغنوسيين أنهم محبوسون هنا في هذا العالم في أجسادهم المادية التي وضعهم فيها الإله الخالق.

ويرون أن هذه المعرفة لا تتم إلا عن طريق المسيح الذي يقدم هذه المعرفة السرية من فوق ويكشفها لأتباعه المقربين، والذي يرى إنجيل يهوذا المنحول أن يهوذا وحده من دون التلاميذ هو الذي كان مقربا من المسيح وأنه هو وحدة الذي كان مستحقا لنوال هذه المعرفة ومن بعده الغنوسيون محبو المعرفة، أما بقية البشر ومنهم بقية تلاميذ المسيح ورسله وجميع المسيحيين من غير الغنوسيين فليسو مستحقين ولا مؤهلين لهذه المعرفة، فهم من جيل غير الجيل المقدس الذي استحق يهوذا أن يكون منه (11)!!

وكان الغنوسيون يرفضون بصورة مطلقة نقدهم لأنهم كانوا يؤمنون أنهم، وهم وحدهم دون بقية الخلق، الذين لديهم المعرفة الحقيقية التي كشفها لهم المسيح لأنهم، هم وحدهم، الذين كانوا مؤهلين لذلك. وقد كشف آباء الكنيسة كذب ادعاءاتهم وخرافاتهم وهرطقاتهم وأكاذيبهم وفكرهم الوثني.

 

(3) منحول أي مزيف ومنسوب زورا لمن هو منسوب إليه. وعندما نقول إنجيل يهوذا المنحول أي المزيف والمنسوب زرواً ليهوذا.

(4) See Pre-Christian Gnosticism Edwin M. Yamac chi pp. 21-27 & The Secret Books of the Egy. Gmo. Jeam Doresse.

(5) A Comprehensive Study of Heretical Beliefs Spaning 2000 Years History (From 33-200AD ) .

(6) Tertullian A Treatise On The Soul.

(7) A Comprehensive Study of Heretical Beliefs Spaning 2000 Years History (From 33-200AD).

(8) The Gnostic World View , A Brief Summary of Gnosticism.

(9) Ibid.

(10) See Reality do Rules , 89,18.

(11) Christianity Turned on Its Head: The Alternative Vision Of The Gospel Of Judas. P.85.

الغنوسية والفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

قائمة كيرلس الأورشليمي وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط (350م)

قائمة كيرلس الأورشليمي وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط (350م)

قائمة كيرلس الأورشليمي وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط (350م)

  العمل الوحيد الباقي للقديس كيرلس أسقف أورشليم (315 – 386م)[1] هو محاضراته الحوارية عن العماد، والتي شرح في حواره الرابع أو العظة الرابعة قانون العهد الجديد، وكان قد سبق وقدم في الحوار السابق له قانون العهد القديم. وفيما يلي قانون العهد الجديد كما يقدمه في عظته الرابعة:

” ويحتوي العهد الجديد على أربعة أناجيل فقط، والبقية لها عناوين مزورة وضارة. فقد كتب المانويون أيضا إنجيلاً ” بحسب توما “، أطلقوا عليه اسم الرسول لإفساد نفوس البسطاء. فتقبّل أعمال الرسل الأثنى عشر ومعها الرسائل الجامعة السبع، التي ليعقوب، وبطرس، ويوحنا ويهوذا؛ وكختم فوقها كلها وكأخر أعمال التلاميذ، هناك أربعة عشرة رسالة لبولس. لكن ضع البقية كلها في مرتبة ثانوية. وأية كتب لا تُقرأ في الكنائس، لا تقرأها أيضا حتى لنفسك، كما سمعت بالفعل (أنا أقصد أبوكريفا العهد القديم) “[2].

ويُعلق العلامة بروس ميتزجر قائلاً[3]: ” العمل الرئيسي الباقي لكيرلس الأورشليمي (315-386م) هو محاضراته اللاهوتية التي هي تعليمات للمتنصرين كإعداد صيامي قبل التعميد في السبت المقدس. في حوالي عام 350م تم تسليمها غالبا في كنيسة القبر المقدس التي بناها قسطنطين وتم نشرها في مذكرات بخط اليد كتبها أحد أعضاء المجمع.

ليس من الغريب أن تحتوى هذه المحاضرات الموجهة كما هي لتمثل ملخصاً شاملاً للعقائد والممارسات المسيحية على قائمة أسفار العهد القديم والجديد. وبعد ذكر عدد أسفار العهد القديم يوضح القديس كيرلس أن العهد الجديد به أربعة أناجيل فقط ويحذر سامعيه من الأناجيل المزورة والضارة الأخرى. بعد الأربعة أناجيل تأتى أعمال الرسل الأثنى عشر والرسائل الجامعة السبعة التي ليعقوب، بطرس، يوحنا ويهوذا ويستخلص القديس كيرلس ” كختم فوقها كلها ” رسائل بولس الأربع عشرة. وضع البقية كلها في مرتبة ثانوية. وأي كتب لا تُقرأ في الكنائس، لا تقرأها حتى لنفسك “.

  والسؤال هنا هو: لماذا لم يذكر القديس كيرلس الأورشليمي سفر الرؤيا في قانون العهد الجديد؟

  يقول مايكل مارلو (Michael Marlowe)[4]: ” أن حذف سفر الرؤيا من قائمة كيرلس أسقف أورشليم يرجع الى رد الفعل العام ضد هذا الكتاب في الشرق نتيجة الاستخدام المفرط له بواسطة طائفة المونتانيين “.

  ويؤكد ذلك ايضا سام شامون (Sam Shamoun)[5]، ويقول: ” أن كيرلس قد قبل 26 سفراً من السبعة والعشرين كأسفار قانونية. الكتاب الوحيد الذي لم يذكره هو سفر الرؤيا. ويبدو أن السبب في حذف سفر الرؤيا هو الاستخدام المفرط له من قبل طائفة المونتانيين. وكان هذا هو السبب أيضاً وراء رفض الآباء الآخرين للرؤيا “.

  ويخمن الفورد (Alford)[6] ” أن كيرلس في وقت ما قد غير نظرته للسفر فقد اشار كيرلس الى السفر في كتاباته وهذه الاشارات من سفر الرؤيا كانت زلة من الذاكرة فقد احتفظ بالتعبير الكتابي الذي يرجع الى نظرته السابقة للسفر وليست اللاحقة “.

[1] http://www.ntcanon.org/Cyril.canon.shtml

[2] كيرلس الأورشليمي، العظات 36، ترجمة الآب جورج نصور، ص 47.

[3] B. M. Metzger, P. 209-210.

[4] http://www.bible-researcher.com/

[5] Rebuttal to Johnny Bravo: Christian Scholars refuting the status of the NT as an inspired scripture, Part 9.

[6] Robert Jamieson, A. R. Fausset and David Brown Commentary Critical and Explanatory on the Whole Bible (1871).

قوائم أسفار العهد الجديد القانونية وآباء الكنيسة في القرن الرابع

قائمة كيرلس الأورشليمي وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط (350م)

قائمة أغسطينوس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط (397 م)

قائمة أغسطينوس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط (397 م)

قائمة أغسطينوس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط (397 م)

كان القديس أغسطينوس أسقفاً لهيبو على ساحل الشمال الغربي لأفريقيا. وكان مثل القديس جيروم يرى أن الأسفار المقدسة جزء من الإيمان والعقيدة المسيحية، ويقدم لنا قائمة باللغة اللاتينية[1] لقانونية أسفار الكتاب المقدس بعهديه، في كتابه، في العقيدة المسيحية، الكتاب الثاني الفصل الثامن حوالي عام 397م. نأخذ منها هنا القانون الخاص بالعهد الجديد:

بعدما سرد أسفار العهد القديم، يتكلم عن أسفار العهد الجديد قائلاً: ” العهد الجديد يحتوى على التالي: الأربعة أناجيل بحسب متى، بحسب مرقس، بحسب لوقا، وبحسب يوحنا. الأربع عشرة رسالة لبولس، واحدة للرومان وأثنتين لكورنثوس وواحدة لكل من غلاطية وأفسس وفيلبي وأثنتين لتسالونيكي وكولوسي وأثنتين لتيموثاوس وواحدة لتيطس وواحدة لفليمون وواحدة للعبرانيين. أثنتين لبطرس وثلاث ليوحنا وواحدة ليهوذا وواحدة ليعقوب. كتاب واحد لأعمال الرسل وكتاب واحد لرؤيا يوحنا[2] “[3].

مما سبق يتضح لنا أن القديس أغسطينوس قد وضع جميع أسفار قانون العهد الجديد كما كانت معروفة في عصره وزمنه وكما هي بين أيدينا الآن. و نلخص ما سرده اباء الكنيسة عن الاسفار في قانون العهد الجديد كالآتي:

(11) قائمة قوانين الرسل (380م):

هذه القائمة هي سلسلة من الإضافات التي حررها المحرر النهائي للكتاب السيرياني عن الترتيبات الكنسية والمسمى ” بقوانين الرسل “. وترجع قيمة هذا الكتاب في اعلامنا بأنه يعبر عن رأي جزء من الكنائس السريانية بالقرب من نهاية القرن الرابع. وتذكر قائمة الأسفار القانونية في القانون رقم 85 والذي اضيف حوالي سنة 380م. وفيما يلي نص القانون:

“قانون 85: فلتدع الأسفار التالية مكرمة ومقدسة من الكل، سواء من رجال الدين أو العلمانيين (قائمة أسفار العهد القديم) وأسفارنا المقدسة التي للعهد الجديد وهى أربعة أناجيل لمتى، مرقس، لوقا ويوحنا والأربع عشرة رسالة لبولس، رسالتين لبطرس، ثلاث ليوحنا، واحدة ليعقوب وواحدة ليهوذا ورسالتين لأكليمندس والدساتير المهداة إليكم، الأساقفة، من قبلي أنا أكليمندس في ثمانية كتب والتي ليس من المناسب أن تكون علانية أمام الكل بسبب الأسرار التي بها؛ وأعمالنا نحن الرسل “.

ويُعلق بروس ميتزجر قائلا:

“علاوة على ذلك، فان مخطوطات للنسخة العربية من دساتير الرسل (محتمل أن تكون كتبت في مصر) تختلف من حيث قائمة الكتب القانونية. ثلاث مخطوطات من القرنين الثالث والرابع عشر لا تذكر رسالتي أكليمندس. وفي مخطوطات أخرى، بعد ذكر رؤيا يوحنا، القائمة تحتوى رسالتي أكليمندس في سفر واحد “[4].

قوائم أسفار العهد الجديد القانونية وآباء الكنيسة في القرن الرابع

 

[1] On Christian Doctrine, B. ii, ch. 8.

[2] N. and P. N. F. second series, edited by Philip Schaff, vol. 2.

[3] On Christian Doctrine 2: 8.

[4] P. 225.

قائمة أغسطينوس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط (397 م)

هيبوليتوس الروماني وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

هيبوليتوس الروماني وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

هيبوليتوس الروماني – من هو القديس هيبوليتوس الروماني؟

هيبوليتوس الروماني وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

هيبوليتوس (170- 235م):

وُلد القديس هيبوليتوس حوالي سنة 170م وكان كاهناً بروما، يقول القديس جيروم أنه كان أسقفاً[1]. ولكن التقليد الغربي يقول أنه كان قساً، وكتب العديد من الكتب في تفاسير الكتاب المقدس والعلوم الكنسية ومن أشهرها عن الفصح. وكان صديقاً للعلامة أوريجانوس، وكان يزور الإسكندرية كثيراً، وكان أوريجانوس يتبادل معه الزيارات، وقام بزيارته في روما عام 215م، واستمع إلى عظة له عن ” تكريم المخلص “.

ويرى الباحثون أن كتابات هيبوليتوس قد تأثرت بتعاليم كنيسة الإسكندرية، كما تأثر هيبوليتوس بالقديس إيريناؤس أسقف ليون، بل ويعتبر احد مؤلفاته امتداداً لكتاب القديس إيريناؤس ” ضد الهرطقات ” والذي كتبه سنة 180 ميلادية[2].

ويذكر كل من يوسابيوس وجيروم أهم مؤلفاته التي وصلت إليهم في أيامهم؛ ” في ستة أيام الخليقة، وعن الخروج، وعن نشيد الأنشاد، وعن التكوين، وعن زكريا وعن المزامير، وعن اشعياء، وعن دانيال، وعن سفر الرؤيا، وعن الأمثال، وعن الجامعة، وعن الروح، وعن المحبة، وفيما بعد المسيح، وعن الاضطهاد، وضد ماركيون، وعن الفصح، وضد كل الهرطقات، وتحذير عن قيامة المسيح، والخلاص “[3].

هذه الكتب تبقى لنا منها عدداً قليلاً أهمهما كتبه ” ضد الهرطقات “، والتي كانت مكونة من عشرة كتب، وصلنا منها ثمانية وضاع الكتابان الثاني والثالث. وتبقى أيضاً كتابه ” ضد المسيح ” وهو كتاب في العقيدة شرح فيه كيفية مجيء ضد المسيح، ومن هو ومتى يأتي؟ وشذرات ليست بكثيرة من قليل من الكتب الأخرى، من جزء من تفسيره لسفر دانيال، والتي استشهد بها واقتبس فيها من اسفار العهد الجديد وتكلم صراحة عن وجود عهدين العهد القديم والعهد الجديد والإنجيل الرباعي. بل وينسب إليه البعض كتابة الوثيقة الموراتورية[4].

ولم يترك لنا هيبوليتوس قائمة بأسفار العهد الجديد مثل إيريناؤس وغيره، ولكنه استشهد واقتبس من جميع أسفار العهد الجديد السبع وعشرين. وساوى بين الأنبياء ورسل المسيح، ووضع قانونية ووحي وموثوقية أسفار العهد الجديد على قدر المساواة مع أسفار العهد القديم. كما اقتبس من بعض كتابات الآباء الرسوليين مثل راعيهرماس والديداكية ورسالة برنابا، ولكن ليس كأسفار قانونية[5].

وقد اقتبس واستشهد بأسفار العهد الجديد أكثر من 1300 مرة، وأشار إلى قراءتها فى الاجتماعات العبادية العامة[6] كما أشار إلى قداستها ووحيها وكونها كلمة الله[7]. فقد استشهد بالإنجيل للقديس متى أكثر من 80 مرة، والإنجيل للقديس مرقس 10 مرات، والإنجيل للقديس لوقا 45 مرة، والإنجيل للقديس يوحنا أكثر من 70 مرة، وسفر أعمال الرسل 18 مرة، والرسالة إلى رومية 17 مرة، والرسالة الأولى إلى كورنثوس 25 مرة، والرسالة الثانية 6 مرات، والرسالة إلى غلاطية 14 مرة، والرسالة إلى أفسس 15 مرة، والرسالة إلى فيلبي 9 مرات، والرسالة إلى كولوسي 13 مرة، والرسالة الأولى إلى تسالونيكي مرتين، والرسالة الثانية 4 مرات، وتيموثاوس الأولى 7 مرات، والثانية ثلاث مرات، والرسالة إلى تيطس مرة واحدة، والرسالة إلى العبرانيين 5 مرات، ورسالة يعقوب مرة واحدة، ورسالة بطرس الأولى 4 مرات، والثانية حوالي 11 مرة، ورسالة يوحنا الأولى 4 مرات، ورسالة يهوذا مرة واحدة، وسفر الرؤيا 23 مرة[8].

وقد يتصور البعض أن هيبوليتوس لم يعترف بالرسالة إلى العبرانيين أو رسائل يعقوب وبطرس الثانية ويهوذا، لذا نؤكد أنه اقتبس أو استشهد بنصوصها حوالي 19 مرة باعتبارها أسفار قانونية موحى بها. وعلى سبيل المثال فقد استشهد بالرسالة إلى العبرانيين في قوله: ” ويحمل كل الأشياء في يده، الذي تألم وهو يشفي المتألمين، الذي ضُرب مشيراً إلى لطمه أثناء تحريره للعبيد وأنعم بالحرية على العالم “[9]. وهذا جوهر ومضمون الآية التالية في العبرانيين: ” وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا ” (عب1 :3)، والآية التالية: ” لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ ” (عب2 :18).

وأيضاً: ” أقسم (الآب) للواحد الصالح (الابن)، كما هو مكتوب: اقسم الرب ولن يندم “[10]. وهي اقتباس مباشر مما جاء في العبرانيين، خاصة الجزء الثاني من الآية: ” وَأَمَّا هذَا (المسيح) فَبِقَسَمٍ مِنَ الْقَائِلِ لَهُ: أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ ” (عب 7 : 21).

وفي شرحه لوجود يسوع وقوته على الإنسانية يقول بالحرف الواحد: ” الرب إلهنا نار آكلة “[11]. وهذا النص مأخوذ حرفياً من الرسالة إلى العبرانيين في قوله: ” لأَنّ إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ ” (عب12 :29).

ويقتبس من الرسالة إلى يعقوب قائلاً: ” طلبت رحمة منذ زمن طويل، ولكن مصابيحكم مظلمة بسبب صلابة قلوبكم، أبعدوا عني، لأن الدينونة بدون رحمة للذين لم يعملوا الرحمة “[12]. وهو نص أقرب للاقتباس الحرفي لقوله: ” لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحْمَةً ” (يع2 :13).

كما يستشهد أيضاً برسالة بطرس الثانية، بقوله: ” وستكون شريك الطبيعة الإلهية مع المسيح، ولا تكن مستعبداً للشهوات والأهواء، ولا تضيع ثانية بالأمراض، لأنك صرت إلها “[13]. وهذا جوهر ما جاء في رسالة بطرس الثانية: ” لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ ” (2بط1 :4).

وأيضاً قوله: ” والآن يسيطر كلمة الله (Logos) على كل هذه، بكر الله، صوت الفجر الذي يسبق كوكب الصبح “[14]. والجزء الثاني من الاقتباس يستشهد بالجزء الأخير من قول القديس بطرس في رسالته الثانية: ” إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ ” (2بط1 :19).

وأيضاً قوله: ” سيأتي في الأيام الأخيرة مستهزئون، سالكين بحسب شهواتهم. وسيكون هناك معلمون كذبة بينكم الذين سيدسون بشكل سري بدع لعينة “[15]. وهنا يستشهد بشكل مباشر في نصف الفقرة الأول بما جاء في بطرس الثانية: ” عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي آخِرِ الأَيَّامِ قَوْمٌ مُسْتَهْزِئُونَ، سَالِكِينَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ ” (2بط3 :3)، وفي النصف الثاني بقول الرسالة: ” كَمَا سَيَكُونُ فِيكُمْ أيضاً مُعَلِّمُونَ كَذَبَةٌ، الَّذِينَ يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلاَكٍ ” (2بط2 :1).

كما استشهد أيضاً بما جاء في رسالة يهوذا في قوله: ” سيكون هناك اولئك المعتزلون بأنفسهم بلا خوف “[16]. وهي تستشهد، في مضمونها، بما جاء يهوذا 19: ” هؤُلاَءِ هُمُ الْمُعْتَزِلُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، نَفْسَانِيُّونَ لاَ رُوحَ لَهُمْ “.

أي اقتبس من جميع أسفار العهد الجديد فيما عدا رسالتي يوحنا الثانية والثالثة، ربما لأن مضمونهما موجود في الرسالة الأولى والإنجيل للقديس يوحنا الذي استشهد به أكثر من 70 مرة. ولم يقتبس من كتب الآباء الرسوليين، كراعي هرماس، ككتب قانونية ومحى بها، أو من الكتب الأبوكريفية، كأعمال بولس وغيرها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش: 

[1] مشاهير الرجال 74.

[2] هيبوليتوس الروماني إعداد د. جورج عوض إبراهيم.

[3] جيروم مشاهير الرجال 74، ويوسابيوس ك 6 ف 20 :1.

[4] Wood, D. R. W., & Marshall, I. H. New Bible dictionary (3rd ed.) P.172–173.

[5] F. F. Bruce, P. 178.

[6] ANF Vol. 5:251.

[7] Ag. One Noe. 9-14.

[8] PNF, Vol. 686 – 685.

[9] The Discourse on the Holy Theophany, Fragment, 8 :9.

[10] The Justinian Heresy Unfolded in the ” Book of Baruch “.

[11] The Refutation of All Heredies, B. 6 , 27.

[12] Treatise in the Anti Christ, ch. 47.

[13] The Author’s Concluding Address.

[14] The Refutation of All Heredies, Vol. 10 , 19.

[15] ANF Vol. V, 244.

[16] ANF Vol. V, 244.

هيبوليتوس الروماني وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

ترتليان وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

ترتليان وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

ترتليان

ترتليان وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

العلامة ترتليان (145 -220م):

  العلامة ترتليان، من قرطاجة (تونس)، بشمال أفريقيا، تلقي تعليمًا جديًا منذ نشأته. فدرس اللغة اللاتينيّة وتعلم الخطابة, كما درس اللغة اليونانيّة وأتقنها كلاماً وكتابةً. وتعلّم فنون الفلسفة والطب والقانون خاصة وربّما مارس مهنة المحاماة. قال عنه القديس جيروم  أنه ” ترتليان الكاهن والذي من بعد فيكتور وأبولنيوس يعتبر رائداً للكتبة اللاتين … وهو رجل من طراز معين ذو همة وحذق … عاش رائداً إلى عهد الإمبراطور ساويرس وأنطونيوس كاراكالا وكتب عدة كتب “[1].

  ويقول عنه يوسابيوس القيصري: ” هو رجل خبير بقوانين الرومانيين، وذو شهرة عظيمة في نواح أخرى، وأحد الرجال الأفذاذ في روما “[2]. وكان والده سسيناتوراً رومانيا، وقيل قائد مئة، وقد كتب احتجاجاً للوثنيين دافع فيه عن المسيحية والمسيحيين ضد الاضطهادات المريرة التي وجهت لهم: ” كان ترتليان شاهداً أميناً لهذه الأمور. ففي كتابه ” الاحتجاج من أجل الإيمان “، الذي وجهه للإمبراطور الروماني، السابق الإشارة إليه “[3].

  ويُعتبر ترتليان أول لاهوتي عظيم كتب باللغة اللاتينية. وقد بدأ نشاطه وكتاباته فيما بين (196 – 212م) في قرطاجة، التي صارت وقتذاك من أهم مراكز الكتابات المسيحية، والمركز الأكثر قوة وإزدهارًا من روما. وقد كان معاصراً تقريبًا لأكليمندس الإسكندري، وإيريناؤس أسقف ليون وكذلك هيبوليتوس الذي كتب في روما.

  وحوالي سنة 210م ترك الإيمان الأرثوذكسي وتحول إلى المونتانية (Montanism)  والتي كانت هرطقة وحركة نبوية ظهرت في القرن الثاني قام بها شخص فريجي أدعى النبوة يدعى مونتانوس[4] وانتشرت في آسيا الصغرى. يقول جيروم: ” أنه كان كاهنا للكنيسة إلى منتصف عمره ولكنه أنزلق إلى تعاليم مونتانوس وذكر النبوة الجديدة في كتبه وذلك بعد فترة إذ أنه كان مسوقا بالحسد وكذلك التعسف من قبل إكليروس الكنيسة الرومانية “[5].

  ولا يعني انضمام ترتليان للمونتانية عدم المصداقية في اتخاذه كشاهد على قانونية العهد الجديد؛ أولاً لأن المونتانية كانت تؤمن بجميع أسفار العهد الجديد وبنفس العقيدة المسيحية كما نؤمن بها، ولكنها اعتبرت أن النبوة ظلت ممتدة في مونتانوس، ثانياً فقد كان هو عالماً عظيماً في عصره وجيله من جهة ثقافته العالية ودراسته الواسعة للمسيحية ولكل أسفار الكتاب المقدس، خاصة قبل انضمامه للمونتانية.  

  هذا الرجل العلامة اقتبس من معظم أسفار العهد الجديد واستشهد بأكثر من 7000 اقتباسٍ، منها 3.800 اقتباس من الأناجيل. ووصف رسل الرب يسوع المسيح بالمعلمين فى مدرسة المسيح: ” كيف نعرف الآن جوهر الأسفار المقدسة أفضل من مدرسة المسيح ذاتها؟ الأشخاص الذين اختارهم الرب نفسه كعلماء، حقاً، ليكونوا متعلمين تماماً فى كل شيء وتعينوا لنا ليعلمونا فى كل الأمور الأساسية، إذ كشف لهم ما هو محتجب فى لغته … لبطرس ويوحنا ويعقوب وبعد ذلك لبولس “[6].

  ويقول عن وحى أسفار العهد الجديد: ” الأسفار المقدسة مرتبة بإرادة الله بمثل هذه الطريقة “[7]. ويقول عن قراءتها فى الكنائس ” ونحن نتقابل سوياً كاجتماع وجماعة مصلين … ونحن نجتمع لنقرأ أسفارنا المقدسة “[8].

  وقد أكد لنا صحة وحي وقانونية الأناجيل الأربعة، واقتبس من جميع أسفار العهد الجديد وكان مضمون رسائل؛ يعقوب وبطرس الثانية ويوحنا الثانية والثالثة، في عقله وفكره وقد انعكست نصوصها على الكثير من كتاباته، مع ملاحظة أن عدم الاقتباس كثيراً أو نهائياً من سفر ما بشكل مباشر لا يعني عدم الإيمان بقانونيته، بل ربما يكون ذلك بسبب عدم الحاجة لآيات ونصوص مباشرة من هذا السفر في الموضوع الذي يكتبه. كما اعتبر أعمال بولس كسفر هرطوقي.

  وأكد أن الأناجيل وسائل إنجيلية وأن كتابها هم الرسل أو تلاميذ الرسل[9]، بتأكيده أن كُتاب العهد الإنجيلي هم الرسل الذين عينهم الرب نفسه لنشر الإنجيل إلى جانب الرجال الرسوليين الذين ظهروا مع الرسل وبعد الرسل. فيوحنا ومتى اللذان غرسا الإيمان داخلنا، ولوقا ومرقس اللذان جدداه لنا بعد ذلك، حيث يقول: ” نضع الآن كمهمتنا الأولى أن العهد الإنجيلي له الرسل الذين دونوه، هؤلاء الذين عينهم الرب نفسه لنشر الإنجيل، كما يوجد أيضاً رجال رسوليين (رفقاء الرسل ومساعديهم في تدوين الإنجيل، وهو يقصد القديسين لوقا ومرقس بالدرجة الأولى)، فلم يكونوا وحدهم، بل ظهروا مع الرسل وبعد الرسل حتى تكون كرازة الرسل مؤكدة بمصاحبتهم لهم ويكون سلطان الرسل الذي هو سلطان المسيح نفسه في مجد، لأن هذا هو الذي جعل الرسل سادتهم. لأن يوحنا ومتى هما اللذان غرسا الإيمان فينا أولاً، بينما جدده الرجال الرسوليين، لوقا ومرقس بعد ذلك. وقد بدأ هؤلاء جميعا بنفس مبادئ الإيمان الذي يرجع للإله الواحد الخالق ومسيحه. كيف ولد من العذراء وكيف جاء لكي يتمم الناموس والأنبياء. ولا تهتموا إذا وجدتم خلافات في تسلسل الروايات لأنه يوجد أتفاق في جوهر موضوع الإيمان “[10].

  فعن اقتباسه من سفر أعمال الرسل يقول بروس متزجر: ” في دفاعه ضد ماركيون يوبخه ترتليان لعدم قبوله لسفر أعمال الرسل، وبذلك يحرم نفسه مما يختص بالرسول بولس من معلومات “[11].

  وعن شهادته لرسائل القديس بولس ينقل بروس متزجر فكره ويقول: ” أن ترتليان يدافع عن الرسائل البولسية واحدة واحدة معبرا عن دهشته من رفض ماركيون للرسالتين إلى تيموثاوس والرسالة إلى تيطس. وكان هدفه، كما أرى، هو عملية الاقحام التي قام بها حتى لعدد رسائل بولس “[12].

  أما بالنسبة للثلاث رسائل الرعوية فيعني ترتليان أن ماركيون لم يشوه نص رسائل القديس بولس، بل عددها أيضاً برفضه للثلاث.

  وعن الرسالة إلى العبرانيين يقول متزجر: ” وفي بحث آخر يستشهد ترتليان بفقرة من الرسالة إلى العبرانيين (6 :4 – 8) والتي ينسبها لبرنابا كالمؤلف؛ كرجل مفوض من الله بدرجة كافية، لكون بولس وضعه التالي بعده هو نفسه “[13].

   ويقتبس ترتليان من رسالة بطرس الأولى فقرات عديدة دون أن يعرف بالرسالة

بوضوح[14]. كما يقتبس من رسالة يوحنا الأولى (4 :1 -3) وينطلق إلى مناقشة طويلة عن ضد المسيح[15]. ويقتبس من رسالة يهوذا العدد 14 مشيرا إلى كتاب أخنوخ الأبوكريفي[16]. ويشير إلى سفر الرؤيا مرات كثيرة بطريقة تبرهن على أنها، بالنسبة لترتليان، لا يوجد رؤيا غيرها للقديس يوحنا[17].

  أما عن رأي ترتليان في راعي هرماس فقد تغير على مدى السنوات، ففي كتاباته الأولى يتكلم عنه بشكل إيجابي[18]، ولكن بعد تحوله إلى المونتانية يعلن أن المجامع في كل العصور الأولى قد حكمت على الكتاب بأنه مزيف وأبوكريفي[19].

  وعن أولئك النسوة اللواتي استعن بكتاب أعمال بولس المزيف، مثل أعمال تكلا، ليدافعوا عن حقوق المرأة في أن تعلم وتعمد فليعلموا أن الشيخ في آسيا الذي كتب هذه الوثيقة كنوع من التكريم وتقديمه لبولس، حرم من وظيفته بعد ثبوت التهمة عليه واعترافه بأنه فعل ذلك بسبب حبه في بولس “[20].

  وهكذا يشهد العلامة ترتليان لصحة وحي وقانونية جميع أسفار العهد الجديد، ويؤكد أن كتابها الذين دونوها بالروح القدس هم تلاميذ المسيح ورسله الذي يسميهم العلماء الذين تخرجوا من مدرسة المسيح ومساعديهم الذين يسميهم الرجال الرسوليين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش: 

[1]  مشاهير الرجال ف 66 .

[2] يوسابيوس ك 2 ف 2 :4.

[3] يوسابيوس ك 5 ف 5 :5. أنظر ك2 ف 2 :4.

[4] أنظر الفصل الثاني.

[5] مشاهير الرجال 66.

[6] Ag. Marcion 4:2Imps. And Can. 240.

[7] On prescr. Ag. Her. 9.

[8] Apol. 39.

[9] Ag. Marcion, 4.2.

[10] Ag. Marcion 4:2 .

[11] Bruce M. Metzger p. 159.  & Ag. Marcion, 5.1.

[12] Bruce M. Metzger  p. 159. & Adg. Marcion, 5.2-21.

[13] Bruce M. Metzger, p. 159. & De pudic. 20.

[14] Bruce M. Metzger, p. 159. & Scorp. 12.

[15] Bruce M. Metzger, p. 159. & Ag. Marcionem. 5.16.

[16] Bruce M. Metzger, p. 159. & De cultu feminarum. 1.3.

[17] Bruce M. Metzger, p. 159. & Ag. Marc 4.5; De fuga in persecutione 1; De pudic. 20.

[18] Bruce M. Metzger p. 159-160. & De oratione 16.

[19] De pudic. 10.

[20] De Baptismo 17.

ترتليان وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

Exit mobile version