كتاب الإيمان وتحدي الإلحاد – الأب هنري بولاد اليسوعي PDF
كتاب الإيمان وتحدي الإلحاد – الأب هنري بولاد اليسوعي PDF
كتاب الإيمان وتحدي الإلحاد – الأب هنري بولاد اليسوعي PDF
لتحميل الكتاب
مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي
يبقى أن سارتر لم يستطع أو لم يشأ أن يميز الإله الحي عن التصورات الصنمية التي يكونها الإنسان عنه، فرفض الله لكي يوجد الإنسان، أو بعبارة أخرى ليكون الإنسان حراً، إذ أن الحرية والوجود هما في نظر سارتر أمر واحد. رفض الله، بالنسبة لسارتر، يطلق حرية الإنسان، لأنه عند ذاك مرغم أن يخلق ذاته وأن يخلق القيم إذ ليس له ما يستند إليه خارج اختياره. بهذا المعنى قال سارتر: “لقد كتب دوستويفسكي: لو كان الله غير موجود، فكي شيء يكون مسموحاً. هذا هو نقطة انطلاق الوجودية. بالفعل كل شيء مسموح إذا كان الله غير موجود، وإذاً فالإنسان متروك لأنه لا يجد لا في ذاته، ولا خارج ذاته إمكانية التعلق بشيء”.
هكذا فحرية الإنسان هي، بنظر سارتر، المرجع الوحيد لكل شيء لم يعد للإنسان نموذج إلهي يعود إليه في تقييم أموره وفي تحقيق ذاته، إنما صار عليه أن “يخترع” ذاته والقيم، وهكذا بقبوله تلك العزلة يبلغ إلى ملء قامته كإنسان ويحافظ على أثمن ما لديه، على تلك الحرية التي هي مرادفة لوجوده.
ولكن ما هي تلك الحرية التي يجعل فيها سارتر كل كرامة الإنسان؟ إنها فراغ ظهر في ملء الكون. إنها “عدم”، يقول سارتر، ويعني بذلك أنها غير موجودة ولكنها مجرد قوة نفي ورفض، بها ينفصل الإنسان عن أوضاعه ليتجاوزها. ولكن يتجاوزها إلى أين وبالرجوع إلى أية مقاييس؟ ليس للحرية مقاييس بنظر سارتر وليس لها ما يستقطبها. إنها لذاتها المقياس والمرجع والهدف الوحيد. لا مبرر لها ولا غاية. تظهر يوماً إلى حيز الوجود ثم تتلاشى كلياً بالموت دون أن يكون لوجودها أو تلاشيها من معنى: “كل حي يولد دون مبرر ويستمر عن ضعف ويموت صدفة”. وهكذا يكون الإنسان “شهوة لا جدوى لها”. إن حريته تعطي للأشياء معاني ولكنها هو ووجوده لا معنى لهما. لذا فالحرية عبء على الإنسان لأنها فراغ دائم عبثاً يفتش الإنسان فيه عن كيانه ليستريح إليه، الإنسان “محكوم عليه بالحرية”.
تلك هي الحرية التي يعطيها سارتر قيمة مطلقة. ولكن فلنتساءل إذا كان مفهومه هذا للحرية يشكل جواباً مرضياً على مشكلة الإنسان. أمران يبدوان لنا عند ذاك، أولهما أن هذا المفهوم للحرية لا يخلو من متناقضات جوهرية، والثاني أنه تشويه وبتر للحرية الحقة.
يقول سارتر إن الكون والوجود الإنساني لا معنى لهما ولا مبرر، ولكنه من جهة أخرى يقرر بأن الإنسان في سعي مستمر إلى المعنى وأنه تحديداً كائن يعكي للأشياء ولأعماله معاني. ولكن السؤال الذي يبقى دون جواب في هذا المنظار السارتري هو الآتي: إذا كان الوجود كله، بما فيه الوجود الإنساني، لا معنى له، فمن أين للإنسان ذلك التوق إلى المعنى؟ من أين له تلك الحرية التي همها أن توجد معاني؟ كيف يُعقل وجود تلك الحرية التائقة إلى المعنى وسط عالم لا معنى له بتاتاً؟ من أين أتت تلك الحرية؟ كيف برزت في كون غريب عنها بالكلية؟ هذا ما عبر عنه جان لاكروا بقوله: “إذا كان العالم مجرداً من كل معنى، وإذا كان للإنسان تطلباً للمعنى، فمن أين يأتي هذا التطلب الإنساني، من أين يأتي الإنسان؟”
أضف إلى ذلك أن تقرير اللامعنى في الكون وفي الوضع الإنساني يفترض وجود معنى نحتكم إليه في تقريرنا هذا. فاللامعنى لا يحدد إلا بالنسبة لمعنى يتطلع الإنسان إليه ويصبو. وإلا لقبلنا الوجود على أنه واقع ليس إلا. لكن طالما ان الحرية تنتصب أمام الكون لتحكم عليه بأنه لا معنى، فهذا يفترض أن هناك معنى يستقطبها وإليه تعود في حكمها هذا، وإنها بالتالي لا يمكن أن تكون مجرد فراغ لا مبرر له ولا غاية. هذا ما عبر عنه مثلاً رينه حبشي في مؤلفاته، وقد لخص الدكتور جميل صليبا موقف هذا المفكر فيما يلي: “…. إذا كان الإنسان يدرك ما في وجوده الواقعي من نقص، فمرد ذلك إلى شعوره بالكمال. وإذا كان يدرك المحال المتجلي في حطام الوجود، فمرد ذلك إلى شعوره بإمكان الخروج منه”.
هذا المعنى الذي تسمو به الحرية الإنسانية على الوجود لتقيم بالقياس إليه الوجود لا يمكن أن ينبع إلا من الله، قاعدة الوجود وغايته. لذا فتقرير عبثية الوجود يفترض ضمناً الرجوع إلى ذلك القياس الإلهي الذي تنفيه عبثية سارتر وغيره: تلك هي المفارقة كما بينها مثلاً بول افدوكيموف بقوله: “إن أكبر مفارقة هي أن اليأس في ذروته يعود حتماً إلى المطلق المعلنة استحالته… وفي النهاية غياب الله هو الذي يجعل العالم عبثاً ويائساً، إنه وحده يبرر المواقف القصوى التي تقفها الوجودية… إن الله، ولو سلبياً، يستخدم هنا كمقياس: كل شيء يقيم بالإضافة إلى غياب المعنى الإلهي”.
مجمل الكلام، أن الحرية السارترية بحاجة إلى الله لكي تقرر أن الكون لا معنى له وتنفي بالتالي وجود الله. لذا فالإلحاد السارتري تراوده، شاء أم أبى، فكرة الله، وما تهالكه على نفي الله، كما يتجلى مثلاً في مسرحية “الشيطان والله”، حيث يدوي اسم الله في كل صفحة، سوى محاولة للتخلص من “شبح” ذاك الذي تصور أنه “قتله”.
ثم أن سارتر ينسب للحرية قدرة على أن توجد الإنسان. فالإنسان “ليس في البدء شيئاً. لن يوجد إلا فيما بعد، وعند ذاك يكون كما صنع نفسه… الإنسان هو فقط، ليس كما يتصور نفسه وحسب، بل كما يريد نفسه… ليس الإنسان سوى ما صنع نفسه”. لا شيء إذاً، في هذا المنظار، مفروض على الإنسان. فالحرية تتخطى كل ضغط الأوضاع البيولوجية والاجتماعية والظروف المعيشية، تتخطى ذلك كله لتوجد الإنسان كما يشاء هو أن يكون. فالإنسان صنيعة نفسه، صنيعة حريته وحسب، لا وليد الأوضاع التي وُجد فيها. هذا التأكيد على الحرية الإنسانية، على ما فيه من مبالغة، هو من أنبل مظاهر الفكر السارتري. ولكن التناقض يبدو بين تلك القدرة الخلاقة التي تُنسب إلى الحرية، من جهة، وبين كون تلك الحرية، من المنظار السارتري، مجرد فراغ يبرز لحظة وبلا مبرر في ملء الوجود لكي يتلاشى بالكلية دون أن يكون لوجوده هدف أو غاية. كيف يمكن للفراغ الذي لا معنى له أن يكون خلاقاً وأن يصنع أسمى المعاني وأنبلها؟ إذا كانت الحرية مجرد ثغرة في كثافة الكون، كما يعتبرها سارتر، فأنى لها أن تبدع في الكون وتغير وجه الأرض؟ بالطبع يرفض سارتر الإجابة على هذا السؤال لأن من ورائه سعياً إلى اكتشاف منطق في الوجود، فيما أن الوجود بنظره لا منطق فيه ولا مبرر له. هذا ما يدعوه سارتر في كتابه “الكائن والعدم”، وكأنه يقول: الأمور هكذا لأنها هكذا. ولكن هذا الموقف يشكل انتحاراً للعقل الذي لا بد له أن يفتش عن علة الأشياء. لذا فإذا رأينا أن الحرية تحرر الإنسان من عبودية نواميس الكون وقيوده، وجب علينا أن نفتش عن أصلها خارج الكون وأن نعتبرها مساهمة منحت للإنسان في سيادة سيد الكون ومبدعه. يقول الفيلسوف الوجودي ياسبرز أن من اختبر حقاً حريته وعن تجذره في الله: “عندما نقرر بحرية، ويتخذ كل شيء معناه لنا و…. نمتلك حياتنا، نعي بأننا لسنا مدينين بكياننا لنا وحدنا.
“على قمم الحرية، عندما يبدو لنا عملنا ضرورياً، لا بضغط خارجي صادر عن حتمية طبيعة لا تلين، بل بموافقة كياننا الداخلية… نعي أننا لأنفسنا، في حريتنا، هدية من التعالي. كلما كان الإنسان حقيقة حراً، كلما كان متيقناً من الله. عندما أكون حقيقة حراً، أكون متيقناً بأنني لست هكذا بنفسي”.
وبالمعنى نفسه، وبالاستناد إلى ياسبرز، كتب المفكر الأرثوذكسي بول افدوكيموف: “يجب الاعتراف بعظمة الوجودية التي ركزت كل تفكيرها على الحرية. تلك الحرية، التي هي بداهة أساسية للفكر البشري، تشكل شرط النشاط الإنساني الخلاق. ولكن هذه الوظيفة لا يمكن أن تأتي، إلا، إلا إذا ناقضت نفسها، من العالم، من مجموعات التبعيات والقيود التي تكونه. من البديهي أن الحرية تتعالى على الكون، وأن مصدرها خارج الكون، وأنها تقدم كهبة ملوكية. لذا، ففي فلسفة كارل باسبرز العميقة، الحرية تشير بوضوح إلى الواهب، تشهد بقوة لوجود الله. إن فضل ياسبرز الكبير هو أنه اكتشف في الحرية الإنسانية برهان الوجود الإلهي…”.
الله وحده وطن الحرية الإنسانية. منه تستمد وجودها، ولكنها أيضاً إياه تبتغي لأنها به وبه وحده تحقق ذاتها. الحرية دون الله وهم وسراب. هذا ما بقي علينا أن نوضحه تجاه المفهوم السارتري للحرية.
إن المفهوم السارتري للحرية يجعل منها المرجع الوحيد للإنسان، فلا أصل لها تستند إليه ولا غاية تتجه نحوها، إنما تخرج من لا شيء وتذهب إلى لا شيء. وبذلك تفقد تلك الحرية كل معنى، ويفقد الإنسان معها معناه، فيصبح، وهو الذي أراده سارتر موجوداً برفض الله، غير موجود بالحقيقة لأن وجوده لا طائل له ولا هدف. وبذلك تكون تلك الحرية قيداً على الإنسان لأنها أغلقت عليه في عزلة مميتة وحصرته في عدمه ولا معناه.
يجعل سارتر من الحرية قوام الوجود الإنساني، ولكن الصحيح أن أعمق ما في الإنسان هو السعي إلى المعنى، إلى اكتشاف معنى لوجوده ولحريته نفسها. لذا نرى موريس مارلو بونتي، وهو قطب آخر من أقطاب الوجودية الملحدة، يؤكد بأن الإنسان محكوم عليه بالمعنى. ويعلق بول افدوكيموف على هذا التأكيد بقوله: “يقول مارلو بونتي، راداً على سارتر: إن الإنسان ليس محكوماً عليه بالحرية، إنما هو محكوم عليه بالمعنى، وهذا يعني أن محكوم عليه بأن يكتشف معنى الوجود، وقبل كل شيء معنى الحرية نفسها”.
لا حرية حقة إذا كان الإنسان أسير اللامعنى. كيف نسمي حراً ذلك الإنسان الضائع، المبعثر، الذي يحيا دون أن يدرك للحياة معنى؟ إن إنساناً كهذا تائه في صحراء، وهل يُعقل أن نسمي التيه في الصحراء حرية؟ يقول الكاتب الفرنسي الكبير أنطوان دي سان اكسوبري: “هل تدعو حق التيه في الفراغ، حرية؟!”
تلك الحرية الجوفاء وصفها لنا الكاتب نفسه – ولم يكن مؤمناً – كمرض من أمراض الإنسانية المعاصرة. فصورها لنا مثلاً في كتابه الرمزي “الأمير الصغير” بشكل مسافرين يتنقلون في القطار من مكان إلى مكان دون هوادة ودون هدف. فعندما يسأ الأمير الصغير عامل السكة الحديدية عن ركاب قطار مر أمامه: “إنهم مسرعون كثيراً. فإلى ما يسعون؟”، يجيب العامل: “إن رجل القاطرة نفسه يجهل ذلك”. وفي إحدى رسائله كتب سان اكسوبري سنة 1943 واصفاً الإنسانية المعاصرة: “أنا مغتم من أجل جيلي، الفارغ من كل جوهر إنساني… أكره زمني من كل قواي لأن الإنسان يموت فيه عطشاً… هناك مسألة واحدة ليس إلا، مسألة واحدة في العالم، ألا وهي أعادة معنى روحي للناس… لم يعد بوسعنا أن نحيا من البرادات والسياسة والميزانيات والكلمات المتقاطعة… لم يعد بوسعنا أن نعيش دون شعر ولون وحب”. إنه في تلك الرسالة، يلاحظ “اليأس الروحي” الذي ينتاب البشر من جراء فقدان معنى وجودهم و”صحراء الإنسان” التي يتيهون فيها، ويقول: “ليس هناك سوى مسألة، مسألة واحدة: أن يكتشف الإنسان من جديد أن هناك حياة للروح أسمى من حياة الفكر نفسها، وأنها وحدها ترضي الإنسان”.
ضياع معنى الوجود عند الكثيرين في أيامنا يفسر إلى حد ما رواج فلسفة سارتر. لقد بين الطبيب النفسي الشهير رودولف الليرس التجاوب القائم بين تلك الفلسفة من جهة وعجز الكثيرين في أيامنا عن معرفة مكانهم في الوجود، من جهة أخرى، وأضاف: “لم يعد البشر يجدون مكانهم لأنهم لم يعودوا يعرفون ما هم. لا يمكن فهم المحدود إلا بالإضافة إلى اللامحدود. الصورة لا تأخذ معناها إلا كانعكاس الأصل. لكي يفهم الإنسان نفسه، يجب عليه أن يدرك من جديد، وبمجموعة كيانه، إنه مصنوع على صورة خالقه ومثاله”.
إن سارتر يرفض بالضبط أن يكون للإنسان هذا المرجع الإلهي، ولذا فالحرية التي ينادي بها محكوم عليها بأن تخبط خبط عشواء. لا يمكنها أن تستنير بقيم لأنها هي مخترعة القيم. لذا، “فسيّان، يقول سارتر، بين ان يسكر المرء وحده أو أن يقود الشعوب”. نعم لقد حاول سارتر أن يبني مناقبية على تلك الحرية المعتبرة مرجعاً لكل شيء، فقال بوجوب العمل على إقامة نظام سياسي واجتماعي يضمن الحرية للجميع، إذ أن الحرية هي أثمن ما في الإنسان. ولكن أسس تلك المناقبية ضعيفة، إذ ما الذي يمنع الحرية، وهي القيمة المطلقة التي لا مرجع لها سوى ذاتها، من أن تختار تأكيد ذاتها عن طريق التسلط واستعباد الغير. ما الذي يمنعها أن تجد نشوتها، إن شاءت، في تحطيم ومحو ذاتها؟ ما الذي يمنعها أن تعتمد سلوكاً لا إنسانياً طالما هي وحدها ترسم، بقرار منها، الحدود بين ما هو إنساني وما هو غير إنساني؟
تلك الحرية الفاقدة المعنى، السائرة على غير هدى، إنما هي عبء لا يطاق على الإنسان، لا لكونها تنافي ميله إلى الراحة والطمأنينة وحسب، كما يبدو لسارتر الذي يعتبر قذراً كل من رفض الحرية التي يبشر بها، بل لكونها تناقض أعمق ما في إنسانية الإنسان، ألا وهو عطشه إلى معنى يقيّم به وجوده، معنى يكشف له من هو وما هو مكانه في الكون. فلا عجب، والحالة هذه، أن يحاول الإنسان التخلص من عبء تلك الحرية بانضوائه تحت لواء مذهب شمولي يستعبد نفسه له كلياً، وبخضوعه الأعمى لزعيم سياسي مؤله، مفضلاً طغيانه وارهابه على ممارسة حرية لا طائل لها ولا هدف. هذا بعض ما يفسر نجاح النازية والفاشية والستالينية في عصرنا. إن سارتر نفسه لم ينج من تلك التجربة كما بين بول افدوكيموف بقوله: “إن هاوية الحرية تثير، بشكل غريب جداً، الدوار والغثيان. وكأن لا بد من دفع ثمن الخداع. هذا ما توقعه دوستويفسكي عندما قال إن الإنسان لن يستطيع أبداً أن يحتمل نير الحرية وأن الماركسية تقدم أقصى الإمكانية للتجرد من هذه الهبة الملوكية. أن سارتر يقر بذلك: “لا أصل لشيء، لا يمكنني فكري من أن أبني شيئاً، إذاً لم يعد من حل سو الماركسية” (نقد العقل الجدلي).
إن الحرية، تلك “الهبة الملوكية”، عبء، على كل حال على الإنسان لأنه ينزع إلى الطمأنينة الرخيصة، ولكنها تصبح زوراً لا يحتمل إذا جردت من معناها كما هو الحال في المفهوم السارتري لها. (هذا ما يسميه افدوكيموف “ثمن الخداع”). إن هذا المعنى وحده ينقذ الحرية من فراغها ويجعل منها حرية أصيلة، لا قيداً يضاف إلى قيود الإنسان. لقد قال الرب يسوع: “ستعرفون الحق، والحق يحرركم” (يوحنا 8: 32). يقابل بول افدوكيموف تلك الكلمة الإلهية بتأكيد مارلو بونتي على ضرورة المعنى للإنسان، ويقول: “حسب الإنجيل، ما يجعل الإنسان حراً هو الحق أي المعنى”.
هذا المعنى الذي لا بد منه كي تكون الحرية أصيلة، لا يتحقق إلا إذا كانت الحرية تعني تحرير الإنسان من كل أغلاله. أن أكون حراً، هذا يعني، في الأعماق، أن أحطم قيودي وأتخلص من محدوديتي وأحقق ذاتي على أكمل وجه. وإلا لاقتصرت الحرية على اختيار قد يسمح لي بشيء من الشعور بالاستقلال ولكنه يفقد الكثير من معناها إذا بقيت جوهرياً أسير عجزي وفراغي. يقول سان اكسوبري: “ما أسميه حرية هو تحريرك”. أما سارتر، “فالحرية التي يتحدث عنها هي مطلق فارغ، إنها محصورة بالاختيار”.
يقول سارتر إن الحرية مرادفة لجاوز الذات المستمر الذي يتميز به الإنسان. ولكن هذا التجاوز مستقطب، وإلا لما كان. الحرية ليست، كما يتصورها سارتر، مجرد رفض لما هو قائم، هذا هو وجهها السلبي فقط. ولكن الإنسان لا يرفض الوضع الراهن إلا بسبب سعيه إلى الأفضل والأكمل. لا وجود لحرية الإنسان لولا المطلق الذي يستقطبها ويعطي لحركتها المستمرة وقلقها الذي لا ينتهي غاية ومعنى. ولكن ما معنى هذا التجاوز للذات، في مفهومه السارتري، الذي هو أفقي محض وممتد من عدم إلى عدم، من العدم الذي يخرج منه الإنسان إلى العدم الذي ينتهي إليه ويتلاشى فيه؟ ما معنى هذا التجاوز للنفس الذي يبقي الإنسان نهائياً على عزلته وشقائه وشروره وفنائه؟ ما معنى هذا التجاوز طالما الإنسان يبقى أسير ذاته وهزالتها؟
ولكن الإنسان لا ينجو من هزالته إلا بالآخر. هذا ما تثبته لنا الخبرة الإنسانية اليومية. الإنسان يكتمل بالحب، عندما يسلم ذاته لآخر عند ذاك يجد نفسه. الرجل والمرأة يكملان أحدهما الآخر في الحب الزوجي الذي يجمعهما، وكما يقول ميللر “في اللحظة التي يكونان فيها منجذبين خارج ذواتهما إلى أبعد حد، باندفاع الحب، في الحياة الزوجية المشتركة، في تلك اللحظة عينها يحس الرجل والمرأة أنهما يبلغان الحرية الحقة”. كذلك يكتمل الرجل بالأبوة – روحية كان أو جسدية – والمرأة بالأمومة، إذا عاشاها في أصالتها المعطاء. لم ير سارتر في الآخر إلا ذاك الذي يسلبني وجودي، ولم يتصور العلاقة بيني وبينه سوى صراع بين عزلتين. ولكن هذه النظرة القاتمة إلى العلاقات الإنسانية لا تأخذ بعين الاعتبار سوى جزء من الواقع. يقول روبير كوفي: “نعلم أن الإنسان، بالرغم من رغبته، لا يستطيع أبداً أن يتغلب على عزلته بشكل تام، ولكننا نعلم أيضاً بالاختبار أن الشركة ولو كانت محدودة وناقصة، تبقى حقيقة واقعية. نظر الأم يوقظ الحياة والحب. نظر الخطيبة والخطيب والزوج والزوجة والصديق يخلق الآخر… إن سارتر لا يشوه الإنسان وحسب، إنما يبدو جاهلاً للوقائع”. خبرة العلاقات الإنسانية، إن لم نبترها بتحيزنا، تعلمنا أن الآخر ليس هو مجرد تهديد لوجودي، إذ إنني به أوجَد. من هذه الخبرة الإنسانية الأصيلة انطلقت الفلسفة المظهرية الحديثة، لتبين “أن الإنسان لا يكتمل كإنسان إلا في الشركة، إلا في الحياة مع الآخرين. عوض “الأنا” يوجد “النحن”، تجاه “الأنا” يوجد “الأنت” ليعطيه معناه. وهكذا يبدو كيف أن إسلام الذات للآخر هو على خط الشخصية والحرية الحقة”.
هذا صحيح بالأحرى بالنسبة لعلاقة الإنسان بالله، إذا كان الإنسان لا يحقق ذاته إلا الآخر الإنساني، فإنه بالأحرى لا يحقق ذاته إلا بذلك الآخر الإلهي الذي منه يستمد كيانه. رفضه الله يعنى انفصاله عن جذور كيانه وينبوع وجوده. في هذا الانفصال لا يجد إلا العدم وحرية زائفة هي حرية العدم، حرية هي بمثابة انتحار كياني. يقول روبير كوفي: “لقد قتل سارتر الله. النتيجة الطبيعة لذلك هو أنه يؤله الإنسان. إنه يأتي من لا شيء ويذهب إلى لا شيء. إنه ليس سوى ومضة في ليل الأشياء. وفي هذا اللحظة الهزيلة التي تدعى الوجود، عليه أن يمثل أمام الإنسان الذي يقاضيه دون ان يعرفه والذي لا يعرف الرحمة والحب”.
“حرية” الزهرة، لو صح التعبير، ليس بأن تستقل عن الجذع فتذبل، بل أن تتصل به صميمياً، لأنها عند ذاك تحقق ملء وجودها كزهرة. كذلك “حرية” السمكة ليست بأن تخرج من الماء الذي يكتنفها، بل أن تبقى ملازمة له. هكذا، يقول شارل ميللر، فالإنسان “يجد حريته الحقة في عودته إلى القوى التي أعطته الحياة والتي تعطيه إياها باستمرار، في العمق”، ولذا “فالعمل الذي به ينفتح الإنسان إلى النعمة هو بمثابة عمل ذاك الذي بعود فيغطس في الماء المحيي. الزهرة المقطوعة تموت إذا بقيت وحدها، أما إذا غطست من جديد في الماء، فإنها تعد زهرة، تعود إلى أصالتها. العمل الذي يقتبل به الإنسان نعمة الإيمان النوارنية ليس سوى ذلك.” من آمن به، يقول يسوع، تجري من جوفه أنهار ماء حي”.
وجود الإنسان مستمد من آخر، وبعبارة أخرى وجوده نعمة، أي عطية حب، يقول الأب دانيالو: “أنا لست موجوداً إلا لأنني محبوب. ولذا أن أوجد يعني بالنسبة لي أن أحب بدوري، أن أجيب على النعمة بالشكر… منذ البدء أدخلت في دورة الحب، دورة النعمة والشكر. لا يسعني أن أنفصل. لأنني إذا انفصلت أدخل في نطاق…. اللامحدود. إنها لمفارقة جديرة بالاهتمام، إنني بقدر ما أريد الاكتفاء بذاتي أهدم ذاتي، فيما أؤكد ذاتي إذا اعترفت بعد كفايتي”.
على الإنسان إذاً أن يعترف بأنه ليس مصدراً ومحوراً لوجوده وأن يدخل في “دورة الحب” التي ذكرنا. عند ذاك يتقبل الوجود عطية حب من ربه، فيحقق ذاته بذلك الحب المحيي ويبلغ إلى الحرية الحقة. ولكن الإنسان قد يرفض ذلك، لأن “شهوته أن يملك ذاته. إنه يكره… أن يقبل بأن ينال كلياً في كل لحظة من آخر…لهذا السبب فإنه، إذا قاده ثقب نظره الماورائي إلى الاعتراف بأن كل خير آت من الله، يرتضي خطيئته، وبأن كل سعادة آتية من الله، يرتضي شقاءه، وبأن كل كينونة آتية من الله، يرتضي عدمه. لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي لديه لرفض الله، إذا كان كل ما هو كائن آتياً من الله وإذا كان قبول الكينونة اعترافاً بعدم الاستقلال”.
إن سارتر يفضل حرية العدم والفراغ على قبول الوجود من آخر عطية حب مجانية. ولا عجب في ذلك، فمن كان كسارتر لا يرى في الحب البشري سوى العبودية والاستعباد، لا يمكنه أن يفقه شيئاً في سر النعمة، لا يمكنه أن يفهم أن اتجاه الله نحو الإنسان، ذلك الاتجاه الذي شبهه الكتاب، في الأنبياء ونشيد الأنشاد وأمثال الإنجيل ورسائل بولس ورؤيا يوحنا، بالحب الزوجي، إن ذلك الاتجاه يمنح وحده الإنسان الحرية الحقة لأنه وحده يمده بطاقة تمكنه من تحقيق ذاته كلياً.
لقد ميز أوغسطينوس المغبوط بين ما دعاه “الحرية الصغرى”، ألا وهي حرية الاختيار، وما سماه “الحرية الكبرى”، وهي الاتحاد بالله. وقد حدد أحدهم الحرية الحقة بأنها” قدرة على الاختيار في خدمة قدرة على الاكتمال”. ذلك هو المفهوم الكتابي للحرية، تلك الحرية التي أعلنها الكتاب على أنها موهبة الله ودعوته للناس: “فأنتم، أيها الأخوة، إنما دعيتم إلى الحرية” (غلاطبة 5: 13)، “لقد حررنا المسيح لكي ننعم بهذه الحرية: فاثبتوا إذاً فيها ولا تعودوا ترتبطون بنير العبودية” (غلاطية 5: 1). ولكن الحرية، في المنظار الكتابي، لا تتحقق إذا شاءت أن تكتفي بذاتها وتنفصل، بل إذا قبلت بأن تدخل في “دورة الحب” المحيية. الحرية، بنظر الكتاب، لا تنفصل عن حياة الشركة، الشركة مع الله والشركة مع الناس التي تترجم وتحقق الأولى. ولذا فالخطيئة، حسب التعليم الكتابي، عدوة الحرية اللدود، لأنها، تحديداً، تلك الاكتفائية القتالة التي بها يفص الإنسان الشركة ينفصل عن ينبوع وجوده وكيانه، فيجف ويذبل ويصبح أسير عدمه وفراغه.
لذا قال الرب: “إن كل من يعمل الخطيئة هو بعد للخطيئة” (يوحنا 8: 34). لذا أيضاً فبعد أن قال الرسول بولس: “فأنتم أيها الأخوة، إنما دعيتم إلى الحرية”، أضاف: “ولكن لا تجعلوا هذه الحرية قرصة للجسد (أي، في لغة بولس، للإنسان المكتفي بذاته، المنفصل)، بل كونوا بالمحبة خداماً بعضكم لبعض” (غلاطية 5: 13). وكأنه يقول: يجب ألا تقودكم حرية الاختيار (وهي “الحرية الصغرى”) إلى الاكتفائية التي بها تزول حريتكم بالمعنى الكامل لهذا العبارة (وهي “الحرية الكبرى”، تحرر الإنسان من هزالته بدخوله في الشركة الإلهية)، تلك الحرية التي لا تتحقق إلا بالحب. الحرية، في الكتاب، هي ثمر الروح الإلهي الذي به يوجد الإنسان بوبه يتحقق ملء وجوده: “الرب هو الروح، وحيث يكون روح الرب، فهناك الحرية” (2كورنثوس 3: 17).
لذا فرفض الأبوة الإلهية يجعل الإنسان في عزلة وفراغ، أما العلاقة البنوية المعاشة بينه وبين خالق فإنها تمده “بمجد الله” أي بزخم الحياة الإلهية التي بها يتحرر من هزالة وضعف وعزلة وشر وموت. تلك هي الحرية التي حددها الرسول بولس على أنها تحرر من “الخضوع للباطل” ومن “عبودية الفساد”، حرية أبناء الله الذين تحرروا، بتلك البنوة عينها، من المحدودية والشر والموت، فأشاعوا تلك الحرية في الكون كله: “إن الخليقة ستعتق، هي أيضاً، من عبودية الفساد إلى حرية مجد أبناء الله” (رومية 8: 21).
هؤلاء الأبناء متصلون بالله دون أن يكون في ارتباطهم الصميمي به أي أثر للعبودية. ذلك لأن الله ليس كياناً غريباً مفروضاً على كيانهم، بل إنهم به، وبه وحده، يجدون ذواتهم. فالله هو الكائن المتعالي كلياً، ولكنه بآن أقرب إلى الإنسان من ذاته، حتى أن الإنسان لا يقترب من ذاته، الأصيلة، محققاً كل طاقاته، إلا بمقدار اقترابه من الله، من ذاك الذي أشار إليه الشاعر الكبير المعاصر بول كلوديل بقوله: “من هو فيّ أكثر أنا مما أنا”.
فضل سارتر علينا، في نقده للدين، أنه يساعدنا على التحرر من مواقف دينية زائفة كثيراً ما نخلط بينها وبين الإيمان الأصيل. منها مثلاً ذلك الموقف السلبي في الدين الذي يعطل به الإنسان تفكيره ويتخلى عن كل مبادرة، ادعاء منه بأنه يطيع الله، فيما يكون منقاداً انقياداً أعمى للتقاليد وعوائد بشرية تجنته مشقة تحمل مسؤولياته واتخاذ موقف ملتزم، واع.
منها تلك الجبرية التي بموجبها نستسلم لما ندعي أن الله قد “كتبه” لنا، فنلقي هكذا على الله، أو بالأحرى على صنم نطلق عليه ذلك الاسم المعبود، مسؤولية جبننا وخنوعنا وتخاذلنا. ومنها أيضاً تحويلنا الأخلاق إلى مجموعة من الأوامر والنواهي ننقاد لها بشكل سلبي، أعمى، دون أن نعي ارتباطها الصميمي بمتطلبات كياننا العميقة، فنستعيض عن الضمير الحي، الواعي، الدائم اليقظة والانطلاق، بشريعة ملصقة بنا من الخارج، جامدة، مائتة، خائفة، تجنبنا حرفيتها الضيقة قلق الالتزام الحر وتحمينا من الدخول في مجازفة الحب الذي لا يقف عند حد. ومنها تجنب التفكير في أمور الحقيقة الإلهية (ألا يدعي البعض أن الغوص في شؤون الدين كفر؟)، كأن العقيدة الموحاة وجدت لتعفينا من التفكير، لا لتكون ملهمة ومغذية لفكر حيّ خلاق. ومنها أيضاً تلك الاتكالية التي هي صورة كاريكاتورية عن الثقة بالله والتي يحاول بها الإنسان أن يحمي نفسه من مجابهة الواقع ومن صعوبة وخطر النضال في سبيل تغيير أوضاع تنافي الكرامة الإنسانية.
يقول شارل ميللر بأن هناك نوعا ًمن الاتكال على الله هو طريقة للقبول بمصائب الناس وللحصور على طمأنينة رخيصة، بأن هنا عادة خبيثة تدفعنا إلى تشجيع نفوسنا بقولنا أن كل شيء سيجري على ما يرام، ويضيف: “كل شيء يدعوه سارتر سوء نية، ولكن المسيحي يدعوه خطيئة”. إنه خطيئة لأنه هروب وتخدير ونوم واستكانة أنانية جبانة، فيما تطلب المحبة منا يقظة وشجاعة ومجابهة والتزام: “يسوع في نزاع إلى منتهى الدهر، لذا لا ينبغي أن ننام في هذا الوقت.”
المسيحية، في أصالتها، بعيدة عن الاستكانة بعد السماء عن الأرض. يقول ميللر: “…. إن نعمة الله لا تطالنا (كما يتصور سارتر) بشكل دعوة للاستقالة والانقياد. إنها تدخل فينا بمثابة سيف، تمنعنا من النوم، تلزمنا على يقظة غير منقطة، المسيحي هو الساهر في “ليلة الفصح”، تلك الليلة التي لا ينبغي النوم فيها، إذ يجب ترقب “عبور الرب”.
المسيحية انطلاقاً لا نهاية لها لأنها اندماج الإنسان في الحياة الإلهية التي لا حد لها. من عرف الله حقيقة لا يمكنه أن يقف عند حد، لا يمكنه أن يرضى عن ذاته في حال من الأحوال، بل يحقق ذاته بتجاوز مستمر لذاته. كلما حالو الإنسان الاقتراب من الله، كلما ازداد شعوره ببعده عن ذلك الكائن اللامتناهي الذي يدعوه، وكلما ازداد بالتالي قلقه واشتياقه. هذا ما اختبره بنوع خاص كبار الروحيين: فقد تحدث غريغورس النيصصي مثلاً ذلك الخروج اللامتناهي من الذات نحو غور الله الذي لا يسبر عمقه.
“لقد وصف غريغوروس النيصصي وصفاً بديعاً ذلك اليأس الذي يعتري النفس الساعية إلى الله، التي ترجو في البدء أن تمسكه كله وتغتم لأنها تراه يفلت منها دوماً. ولكن “حجاب الحزن هذا ينزع عنها عندما تتعلم أن التمتع بالمحبوب هو بالضبط في هذا التقدم والارتقاء الدائمين، إذ أن الرغبة تلبى في كل لحظة فتنشئ رغبة بما لم يبلغ بعد” (تعليق على نشيد الأنشاد). هكذا فالنفس التي تنمو في حياة النعمة يملؤها الله دوماً على قدر طاقتها ولكن النعمة المعطاة لها توسع طاقتها وتجعلها قابلة لنعم جديدة. هكذا فالخبرة الصوفية قوامها امتلاك ورغبة بآن… إنها، يقول غريغوريوس، حركة وراحة، بئر مياه حية، ساكنة ومتفجرة بآن”.
يقول النيصصي: “حيث أن الجمال المطلق يكشف ذاته أكثر فأكثر، فعلى قدر التقدم يزداد اكتشاف الألوهة. وبسبب الغزارة الفائقة، غزارة الخيرات التي تكتشفها النفس باستمرار فيما يفوق الطبيعة، يبدو لها أنها لم تزل في أول ارتقائها. لذا يردد الكلمة لتلك التي سبقت فنهضت: “انهضي” ولتلك التي سبقت فأنت: “تعالي”. فإن الذي ينهض حقيقة عليه أن ينهض أبداً، والذي يركض نحو الرب لن يعوزه أبداً الفضاء الواسع ليتابع فيه جريه الإلهي. لأنه ينبغي للمرء أن ينهض دوماً وألا ينقطع أبداً عن الاقتراب ركضاً. لأن الذي يقول: انهض وتعال، يمنح فيك كل مرة نعمة ارتقاء أفضل”، وأيضاً: “والذي يرتقي لا يتوقف أبداً، بل ينطلق من يده إلى بدء، ماراً ببداءات لا تنتهي أبداً”.
الحياة الروحية خروج مستمر، السلاح دائم عن الذات تتحقق به الذات، لأنه انسلاخ عن محدوديتنا، كما أن النمو الطبيعي انفصال مستمر عن الأوضاع القديمة وحدودها لبلوغ حياة أوفر وأكمل. ليست محافظة شحيحة، خائفة، على كياننا، بل هي قبول بأن يضيع هذا الكيان لكي يوجد: “من أراد أن يخلص نفسه أضاعها، ومن أضاع نفسه من أجلي وجدها” (متى 16: 25). إنها خروج دائم للنفس من ذاتها لتجد ذاتها في من هو أعظم من ذاتها، كما قال أوغسطينوس: “لقد أخرجت نفسي، سكبت نفسي خارج ذاتها، إن بقيت نفسي في ذاتها لا تستطيع أن تجد إلا ذاتها”.
إنها فصح دائم، والفصح يعني عبوراً واجتيازاً، يعني اقتبالاً لصليب الانسلاخ الدائم عن “الإنسان القديم” (كولوسي 3: 9 ورومية 6: 6) المكتفي بذاته، المرتاح إلى حدوده (كما كان العبرانيون مرتاحين إلى عبودية فرعون، يحنون إليها) لكي نفسح مجالاً (لجدة الحياة) (رومية 6: 4 تتفجر فينا وتحولنا. هذا ما عناه الأرشمندريت الياس مرقص بقوله: “الحياة الروحية حركة فصحية نحو الله والآخرة” ، وقد كتب أيضاً بهذا الصدد: “نحن نطلب الحياة والحياة لنا هي بالضبط تلك الحركة الاشتياقية اللانهائية حو مصدر الوجود”، وأيضاً: “الله فيّ، في الداخل، في الطبيعة نحن لا محدودون كالله، مخلوقون على صورة لا محدودية الله. ولكن الله غير محدود “فعلاً” أما نحن فبالمصير. الوهتنا أن نتحول، أن نصير الله على الدوام. إن كوننا نتغير – نصير – يعطينا أجنحة على حد قول غريغوريوس النزينزي، وهذا مصدر كياننا. إن الخلق لا يزال جارياً بالنسبة لنا وسيزال إلى الأبد. نحن ننال أنفسنا كل لحظو من الله. “أبي حتى الآن يعمل”…
“…. الخروج من الذات هو بالنتيجة رجوع إلى الذات، إلى الروح العميقة التي في الذات تدعونا إلى الآب…”.
أين هذه الحياة الروحية المتحركة دوماً في تجاوز للذات لا متناه من الاستكانة والنوم اللذين يبدوان لسارتر جوهر التدين. غريب حقاً كون سارتر لم يستطع أن يميز بين الحياة الدينية الأصيلة وانحرافاتها. و”كأنه يقول ميللر، لم يقرأ أبداً نصاً انجيلياً واحداً، كتاباً واحداً لأحد الصوفيين”.
يعتقد سارتر أن نظر الله يسمر الإنسان، يجمده، يحول بينه وبين هذا التجاوز المستمر لذاته الذي هو مرادف لوجوده الإنساني الأصيل. هذا ما يبدو مثلاً في رواية “سبل الحرية” حيث نرى دانيال، وهو منحرف جنسياً، يحاول أن يتخلص من مسؤوليته، فيتجه إلى الله ويتصوره “نظراً محدقاً إليه”، فيقنع نفسه بأنه، كما أن الإنسان بنظره إلى الطاولة يحددها على أنها طاولة، ولا يسعها هي إلا أن تتقبل هذه التحديد، هكذا فالله بنظره إليه يحدده على أنه منحرف، على أن هذه طبيعته، ولم يبق له إذاً سوى تقبل هذا التحديد والعمل بموجبه دون أية مسؤولية. “ولكن المؤمن الأكثر فتورة، يقول ميللر، يعلم جيداً أن “نظر الله” هو نظر حب؛ وأنه، عوض أن يجمدنا، دعوة لنا، ضربة سيف تنفذ إلى مفصل النفس والروح لتعيد إلينا شعورنا بالمسؤولية، لتوقظ فينا حرية ماتت بالخطيئة”. هذا النظر الإلهي تجلت لنا نوعيته في يسوع المسيح.
يروي لنا الإنجيلي مرقص أن إنساناً أتى إلى يسوع سائلاً عما يجب أن يعمله ليرث الحياة الأبدية، “فحدق إليه يسوع، وأحبه؛ وقال له: “أمر واحد ينقصل: امض وبع كل ما لك، وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء؛ ثم تعال اتبعني” (مرقص 10: 20). هكذا كانت نظرة يسوع إلى هذا الشاب؛ نظرة الحب الذي يوقظ المحبوب إلى حياة أوفر وأغنى، ويفتح أمامه آفاقاً لا حد لها، آفاق تحقيق ملء الوجود بتجاوز كل امتلاك، لأن الإنسان مملوك مما يملكه، اسير ممتلكاته وخيراته التي تشده إليها وتحصره فيها وتحول دون تفجر طاقة الحب التي بها، وبها وحدها، يحيا ويحقق ذاته.
قضيتنا مع الله ليست أنه يريد تقييدنا وتجميدنا فيما نحن نثور لندافع عن حريتنا المهددة. الواقع هو العكس تماماً. فهمّ الله أن يوقظنا إلى أبعد حد؛ دعوته الدائمة إلينا أن نتجاوز ذواتنا لانهائياً بتلك الحياة الإلهية، حياته، التي يبثها فينا إن شئنا أن نتقبلها. همه أن يعطينا ذاته لكي نتجاوز كل الحدود ونصبح آلهة، وبذلك نصبح حقيقة أحراراً.
الله طموح بالنسبة إلينا فوق ما نستطيع أن نتصور: “ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه” (1كورنثوس 2: 9). ولكننا نحن نرهب هذا الطموح. ذلك أن الحرية الحقة هي تحرر من محدوديتنا، أما نحن فنطمئن إلى حدودنا، لا نريد أن نتغير جذرياً، لا نريد أن نتجاوز حدود هذا الأنا الضيق المألوف الذي نرتاح إليه، لا نريد أن نتسع إلى اللانهاية.
نرهب الحرية لأنها مقلقة، خطرة، كمن يبقى على الشاطئ لأنه لا يجرؤ على خوض عرض البحر واكتشاف عوالم جديدة. نحن في النهاية نرفض الله أو نستعيض عنه بصنم ندعو باسمه (وهذا أيضاً مظهر من مظاهر الرفض)، لأننا نرفض الحرية التي يدعونا إليها، تلك الحرية التي هي بآن انسلاخ جذري عن الذات. وتحقيق للذات بما يفوق الوصف. نرفض الله لأننا نخاف أن نتحول إلى آلهة. هذا ما عبر عنه الأب جان كاردونيل بقوله:
“الله لا يسلمنا هدية. إنه لا يعطينا شيئاً ما، لأن في ذلك ترفعاً، الله يعطينا شخصاً، وهذا الشخص هو شخصه. الله يعطي ذاته. في الصداقة، لا يعطي المرء شيئاً ما، ولكن شخصاً هو شخصه. كثيراً ما يكون إعطاء شيء تعبيراً عن عجز جذري عن إعطاء الذات. لذا فالله يسعى إلى الحوار معنا. الله يريد آلهة.”
“ولكن كوننا مخلوقات تود أن تبقى هكذا لتكون في اطمئنان، يجعلنا نرهب مصيرنا كآلهة. فنشك في كلية عطاء الله. ننسب لله نية مبينة، فنصور أنه لا يهبنا إلا جزءاً من مجاله ويحتفظ بالقس المفضل من ملكه.”
“الله يريد نفسه صديقاً لنا. يسعى إلى حوار الصداقة، اما نحن، فننتظر بكسل أوامر ننفذها. الله يكلمنا كصديق ونحن نجيبه كرعايا….”
“كثيراً ما يتصور المرء الله كأنه الصانع الأسمى. ولكن الله لا يصنعنا، إنه خالقنا. إنه يخلقنا بعدوى كيانية. ينظر إلينا نظرة صداقة، نظرة طموح. إنه يدعونا لنكون، ولتزداد دوماً كينونتنا.”
“الله لا يسيطر علينا، الله يوقظنا….”
“…. الله هو الرب بمعنى أن الموقظ الأسمى. إن مجده يشع ويسطع بقدر ما يكون الناس أكثر بلوغاً ورشداً. الله هو الله بقدر ما يكون البشر بشراً….”
خلاصة القول إن سارتر كان مصيباً في مطالبته بحرية الإنسان، في دعوته إلى نبذ كل خنوع وتخاذل واستكانة وإلى تحرير الوجود الإنساني من التبعية الطفيلية ليصبح جديراً ببالغ يتعهد مصيره تعهداً مسؤولاً. لقد كان مصيباً في تشهيره لكل مظاهر التدين الزائف التي تتخذ الله ذريعة للتهرب من المسؤولية والاقدام والالتزام.
لكن الالتباس المريع القائم في فكره حول نوعية علاقة الله بالإنسان، والذي غذته بلا شك تلك المظاهر الزائفة للدين التي ذكرناها، قاده إلى رفض الله وبالتالي إلى بتر الحرية نفسها وتشويهها. قد ردها إلى مظهرها السلبي، جعل منها قدرة على الرفض وحسب، وأفرغها من مضمونها، شأنه في ذلك شأن المراهق الذي يعجز عن تجاوز العناصر السلبية في ثورته ليجعل من تلك العناصر مرحلة في بناء نفسه والكون.
إن الحرية السارترية ترفض، تعارض، تنقد، تهدم، ولكنها لا تستطيع أن تبني شيئاً. إنها أسيرة فراغها. الله وحده يحرر الحرية، شرط أن نعرفه على حقيقته، لا كما تتصوره أهواءنا بل كما كشف ذاته لنا في يسوع المسيح، لا طاغية ومستبداً كجوبيتر “الذباب” بل عطاء كلياً وانعطافاً غير متناه، لا ملغياً وجودنا بل مؤكداّ له بإمداده من وجوده، لا مبطلاً حريتنا بل داعياً إيانا إلى الاشتراك في حريته بالتأله.
عند ذاك، إذا عرفنا أبوة الله، لا تبعية خانقة بل علاقة محيية، موقظة، محررة، استطعنا أن نجمع إلى شدة البالغين (“لا تكونوا اطفالاً مضطربين….”، “كونوا رجالاً، تشددوا….” يقول الرسول) تلك الطفولة الروحية التي يدعو إليها الإنجيل (“إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السماوات”) والتي هي موقف تقبل كياني وانفتاح بي وإسلام حر لذاك الذي به وحده نحقق ذواتنا لأنه أقرب إلينا من ذواتنا.
إله الإلحاد المعاصر – توطئة – كوستي بندلي
“الله لم يمت. الله لا يموت، ولكننا نحن نقتله في نفوس الكثيرين من البشر”.
(رويز غيمنين، أستاذ الاقتصاد في جامعة مدريد، في المؤتمر العالمي الثالث لرسالة العلمانيين – روما 1967)
“الله لم يمت. إنه حي الأحياء، ولكن ينبغي أن يموت العديد من الآلهة الكذبة، كي تنقى الطريق إلى قدس الأقداس”.
(إتيان بورن: الله لم يمت، ص15)
“يدعوننا ملحدين، وبالفعل نحن ملحدون بالنسبة لتلك الآلهة المزعومة، ولكننا نؤمن بالإله الحقيقي”.
(القديس يوستينوس الفيلسوف المستشهد نحو 165: الدفاع الأول)
“ألا ينبغي أن نقبل استجواب الالحاد هذا وأن نتبناه إلى حد اكتشاف وجه الصواب في الالحاد، إلى حد اكتشاف أنفسنا ملحدين على نوع ما؟
ملحدين، لأننا نرفض نحن أيضاً، الإله الدركي الإله ملجأ الجهل، إله الفوضى القائمة. وبذلك بالضبط نكتشف أن إلهنا هو الإله الحي، الإله الذي ليس اقتداره سوى… التخلي الكامل عن كل ما يشبه إرادة التسلط، إله تختلف تعاليمه جذرياً عن كل ما يمكن أن نختبره في المستوى الطبيعي. إذ هو تعالي الحب الذي يعطي ذاته كلياً دون رجعة، إله لا يطلب منا أن نرضخ للشر بل تعبر شهادته عن ذاتها على أنها احتجاج ضد الشر وإرادة ملحة بأن تتغير الأوضاع وعطاء ذات كلي حتى التضحية المطلقة في النضال ضد كل ما يسحق الإنسان”.
(ج. تتالسون، في أسبوع المفكرين الكاثوليك 1965)
“لا نبالغ إذا قلنا إن في الأوضاع التاريخية الحالية… الإيمان هو عند ملايين من المسيحيين أساس لإرادتهم في النضال ضد المظالم والاستغلالات. إن الاحتجاج التلقائي ضد عالم ظالم جزء لا يتجزأ من إيمانهم”.
(المفكر الشيوعي روجيه غارودي من الفرز إلى الحوار، ص 116 – 117).
توطئة
من مميزات الإلحاد المعاصر أنه لا يتعرض لوجود الله بحد ذاته بقدر ما يتعرض لعلاقة الله بالإنسان. فوجود الله بحد ذاته أمر لا يهمه كثيراً، لذا نرى الشاعر الألماني هنري هين يتلفظ بتلك العبارات التي رددها فرويد من بعده: “فلنترك السماء للملائكة والعصافير”، والشاعر الفرنسي بريفير يقول: “أبانا الذي في السماوات، ابق فيها”. ما يؤكد الالحاد المعاصر على نفيه هو إذاً علاقة الله بالإنسان، تلك العلاقة التي تجعل للإنسان مرجعاً وغاية غير ذاته. ما يرفضه الالحاد المعاصر بنوع خاص هو أن يستقطب الله وجود الإنسان.
ذلك أنه يعتقد أن الوجود الإنساني يتلاشى ويزول إذا استقطبه وجود آخر، إن الإنسان يضيع في الله. علاقة الله بالإنسان لا يمكن أن تكون، والحالة هذه، سوى علاقة استعباد لا ينجو الإنسان منه إلا بنضال عنيف ضد فكرة الله إلى أن يتسنى له استئصالها من نفسه ومن نفوس الآخرين. لذا فالإلحاد المعاصر هو رفض لله أكثر مما هو نفي لوجوده، إنه موقف إرادي أكثر مما هو عملية عقلية صرفة، ولذا يتخذ شعاراً له تمرد بروميتيوس على جوبيتر كما ترويه الأساطير القديمة.
ويرى الإلحاد المعاصر أن الإنسان، برفضه الله مرجعاً وقطباُ لوجوده، يجد نفسه، لأنه يتحرر من تلك الأوهام التي كانت تحول بينه وبين تحقيق ذاته على أكمل وجه، تلك الأوهام تنبع، يقول الإلحاد المعاصر، عن أهواء الإنسان ومخاوفه، فتتخذ وجهاً إلهياً وتنقلب على الإنسان لتستعبده. لذا فرفض الله يصبح في هذا المنظار انتقالاً من الوهم إلى الحقيقة، من الخوف إلى الاقدام، من الجمود والاستكانة إلى الحركة الخلاقة، من العبودية إلى الحرية، من الأنانية إلى العطاء. كثيراً ما كان الإلحاد القديم يتخذ وسيلة للانفلات الخلقي، أما الالحاد المعاصر فإنه يتخذ طابعاً مناقبياً وينصب نفسه مدافعاً عن القيم الخلقية مدعياً أن الإيمان بالله إنما هو دوس لها.
هاتان الميزتان اللتان يتصف بهما الإلحاد المعاصر، أي طابعه الإرادي وطابعه المناقبي، سوف نجدهما في موقفين يمثلان وجهين هامين من وجوه الإلحاد الحديث، ألا وهما الإلحاد الماركسي والإلحاد الوجودي (وهو الوجه الملحد للوجودية). هذان الموقفان هما موضوع هذه الكتاب الذي ليس هو إذاً بحثاً شاملاً في الماركسية والوجودية، إنما هو تحليل للإلحاد الماركسي من جهة ولإلحاد أحد أقطاب الوجودية (التي لها أيضاً أقطاب مؤمنون) ألا وهو سارتر، من جهة أخرى.
سنحاول بعد عرض موقف كل من هذين الإلحاديين أن نجيب على سؤال وجيه، ألا وهو: هل استطاعا أن يستغنيا عن الألوهة وأن يوجدا الإنسان بمعزل عنها؟
ولسوف نرى أن الماركسية لم ترفض الله إلا لتضفي صبغة الألوهة على المادة والتاريخ، فتجعل منهما صنمين ينقلبان على الإنسان ليحطا من كرامته ويسحقاه؛ فالإنسان الذي يسود المادة بعمله البروميتي ليس هو، ويا للغرابة، في هذا المنظار، سوى وليد مادة مؤلهة، والتاريخ الذي هو من صنع الإنسان وفي خدمته يصبح ساحقاً للإنسان الراهن مستخدماً إياه “كفحم في قاطرته”.
أما الإلحاد السارتري فقط كان أكثر منطقية مع منطلقه إذ ذهب في انكار الله إلى أقصى نتائجه، فأكد بأن الإنسان “شهوة لا جدوى لها” وأن لا مبرر لوجوده، وأن كنزه الوحيد، ألا وهو الحرية، فراغ ولا معنى. ولكنه هو أيضاً، بإضفائه صفة الإطلاق على تلك الحرية الجوفاء، أوجد صنماً يتعبد به الإنسان لفراغه، فيصبح أسير هذا الفراغ. هكذا لم يرفض هذان الإلحادان الله باسم الإنسان إلا ليستعيضا عنه بأصنام تسحق الإنسان، فضلاً عن أنها عاجزة عن الجواب عن السؤال الجذري الذي يطرحه الإنسان على نفسه، وهو سؤال الأسئلة، السؤال عن معنى حياته وموته.
الإلحاد المعاصر “بيت منقسم على نفسه” كما يقول إتيان بورن. ويستلهم المفكر النهج الذي سلكه باسكال في معالجة فلسفتين كانتا تتجاذبان الأفكار في عصره، فيقابل الشطط الكامن في كل من الإلحادين المعاصرين اللذين نحن بددهما بالصواب الكامن في الآخر.
بهذه الروح عينها يمكن القول بأن الماركسية مصيبة في رفضها اللامعنى الذي تنادي به السارترية وبتأكيدها بأن الوجود والتاريخ لهما معنى ويستقطبهما تحقيق مطلق لإنسانية الإنسان: فاللامعنى نفسه لا يحدد إلا بالنسبة لمعنى يستقطبنا ونقيس به الأشياء. ولكن السارترية بدورها مصيبة في تبيانها أننا، إذا شئنا أن نذهب إلى أعماق الأمور، فالوجود الإنساني بدون الله لا معنى له؛ وبالفعل فإن انتصار الإنسانية الذي تتغنى الماركسية به ملحمياً جاعله منه قمة التأريخ وهدفه يفقد معناه طالما أن التاريخ وحده لا يسعه أن يحرر الإنسان من العزلة والشر والموت. هكذا فالإنسان كائن ذو معنى، يسير نحو المطلق (تلك هي حقيقة الماركسية) ولكنه عاجز أن يحقق هذا المعنى بنفسه (تلك هي حقيقة السارترية). وإذا ترجمنا ذلك بلغتنا المسيحية نقول: إن الإنسان مخلوق على صورة الله ومدعو للتأله، ولكنه ليس الله ولا يحقق ذاته إلا الله.
الله وحده قادر إذاً أن يزيل متناقضات الإلحاد المعاصر وأن يجمع ويؤلف ما فيه من حقائق مبعثرة. ذلك أن حقيقة كل من الإلحادين ترد إلى الألوهة التي رأت الماركسية أثرها ولاحظت السارترية غيابها الظاهري في الكون. ولكن شططهما ناتج من كون الماركسية رأت الأثر فوقفت عنده، وبأن السارترية لم تفقه بأن غياب الله الظاهري إنما هو عائد إلى تعاليه وإلى احترامه لاستقلال الكائنات ولحرية الإنسان. حقيقة كل من الالحادين ترد إذاً إلى الله الذي يستقطبهما من حيث لا يدريان وشططهما كامن في رفضهما لله.
هنا يفرض علينا هذا التساؤل؛ من هو الإله الذي رفضه كل من ماركس وسارتر؟ لقد كبت جان بارو، وهو كاهن شاب أتى إلى الإيمان بعد أن ترعرع في بيئة ملحدة، كتب في مذكراته “إيمان وثني” ما يلي: “ذات يوم كنت، كما تسنح الفرصة لي مراراً، أناقش عدة مفكرين ملحدين… كانوا ينكرون الله وأنا أصغي إليهم. ولكنني كنت أحس بشعور غريب، شعوري بأنني اوافقهم كلياً في نكرانهم، ومع ذلك، لم أكن البتة منكراً لإيماني. تركت السهرة تنتهي على هذا المنوال، ولكنني كنت مشغول البال بسبب موقفي هذا: لو لم أزل في عهد المدرسة الاكليريكية، كنت ناضلت، حاججت، ناقشت الأمور نقطة نقطة. فما الذي جرى إذاً؟ لقد أدركت فيما بعد أسباب لامبالاتي: لم يكن إلهي ذلك الإله الذي كانوا يحطمونه أمامي؛ لم يكن إله يسوع المسيح؛ لم يكن سوى صورة كاريكاتورية؛ لم يكن سوى صنم: وكان هذا التقليد لا يطاق بالنسبة لي كما كان بالنسبة لهم! إيماننا كان “آخراً”.
بالفعل إذا تفحصنا صفات ذلك الإله الذي ينكره الإلحاد المعاصر وجدناه إلهاً يذل الإنسان، يقيده، يعميه، يسحقه، يحكم عليه بالسلبية والجمود والخنوع وبطفولية أبدية. إنه إله لا يستمد عظمته إلا من ضعف الإنسان وجهله وذله. ولكن أين هذا الإله من ذاك الذي كشف لنا ذاته في وجه يسوع المسيح، فظهر لنا محبة محيية، محررة، موقظة، مؤلهة؟
بعد تلك المقابلة يتبادر لا محالة إلى ذهننا هذا السؤال: كيف أمكن للإلحاد المعاصر، وقد ظهر في بيئة مسيحية، أن يرى صورة الله مشوهة بهذا المقدار؟ قد يكون لهذا السؤال جوابان.
أولهما أن نزعة الإنسان إلى الاكتفاء بذاته تحدو به إلى رفض كل مرجع وأصل له خارج ذاته، عندئذ لا بد لموقف الرفض هذه أن يصور الله بصورة الطاغية المستبد، كما أن رفضنا لإنسان ما يصور الله بصورة الطاغية المستبد، كما أن رفضنا لإنسان ما يصور لنا هذا الإنسان بأبشع الألوان. ولكن هناك سبباً آخراً قد يكون السبب الجوهري، ألا وهو ان تلك الصورة البشعة التي كونها الإلحاد المعاصر عن الله إنما وجدها في أذهان المسيحيين، فنقلها عنهم ليرفضها، وبعبارة أخرى إننا نحن معشر المسيحيين أوجدنا إلى حد بعيد هذا الصنم الذي يرفضه الملحدون مسمين إياه الله كما نسميه نحن. الحق يقال إن الإله الذي يعبده المسيحيون بعد في كثير من الأحيان وبمقادير مختلفة عن إله يسوع المسيح. هذا ما سيحاول هذا الكتاب أن يبينه.
ولكن ما هو أصل ذلك الصنم أو بالأحرى تلك الأصنام التي كثيراً ما تحتل في تديننا مكان الإله الحي؟ يبدو لي أنه يمكن ردها إلى مصدرين: تصورات الإنسان وأهوائه. فمن جهة لا بد للإنسان أن يتصور الله بالانطلاق من خبرته الإنسانية وعلى ضوئها، هذا أمر طبيعي ومشروع لأن كل ما في الكون إشارة إلى باريه، ولكن الشطط يبدأ عندما يخلط الإنسان بين الإشارة وما تشير إليه، بين الرمز والمرموز إليه، فيؤله تصوراته عوض أن يتجاوزها باستمرار، كما يدعوه الكتاب والتقليد المسيحي كله، في موقف متعبد، خاشع، في صمت الذهول والحب أمام الحضرة الإلهية التي تفوق كل وصف وتصور.
أما التعليل الثاني لأصنام الله فهو كون الإنسان معرضاً دوماً أن يكوّن عن الله صورة ترضي أهواءه وتبررها، فينحدر بالله إلى مستوى أنانيته ومطامعه ومخاوفه عوض أن يتجاوز أهواءه ويصعدها في خط الله. يلاحظ الفيلسوف المسيحي المعاصر كلود تريمونتان أن ما يكرهه الإله القدوس الذي نادى به الأنبياء، ارتكب في التاريخ باسم الله: “إن التقتيل والتعذيب، واستغلال الإنسان للإنسان، والعنصرية، والقومية الصنمية، كل ذلك، كما هو معلوم، غُطي باسم الله…. ليس الاسخريوطي فرداً وحسب. إنه جحفل. فالخيانة بقبلة هي، عبر الأجيال، النصيب الدائم “للحق الوديع المصلوب”…. هذا ما يفسر إلى حد بعيد الاشمئزاز الذي يثيره اسم الله في نفوس أفضل الملحدين وأبرهم”.
هكذا يتضح أن للإلحاد المعاصر وجهاً إيجابياً. حقيقته كامنة في الشهادة النبوية، التي يؤديها من حيث لا يدري، لوحدانية الله، تجاه كل التصورات الصنمية التي تحدره إلى مستوى تصورات الإنسان وأهوائه. أنه برفضه الأصنام يسعى ضمناً نحو المطلق الإلهي، وباحتجاجه ضد كل خيانة للحقيقة والعدالة ترتكب باسم الله يشهد ضمناً لذاك الذي هو الحق والعدل المنزهان عن كل شائبة. مجمل الكلام أن للإلحاد المعاصر دوراً في تنقية الإيمان، لا بل يمكننا القول أنه، كما أن الإيمان الزائف إنها هو إلحاد عمل لأنه يزيح الله باسم الله، هكذا فالإلحاد، بالعكس، يقترب، على قدر أصالته، من الإيمان الحق. بهذا المعنى كتب دوستويفسكي، هذا المؤمن الذي استطاع أن يسبر أعماق الإلحاد: “إن الإلحاد الكامل يقف في أعلى السلم، على الدرجة قبل الأخيرة قبل الإيمان الكامل”.
لذا يجب أن يكون موقفنا من الإلحاد المعاصر موقف اصغاء لنتعلم منه ما التصورات الصنمية التي تركناها، ولا تزال تتسرب إلى إيماننا. علينا أن ننفتح بإخلاص إلى نقده القاسي عله يردنا إلى أصالة الإيمان. ولكن الإيمان يستجوب بدوره الالحاد المعاصر معاتباً إياه على خلطه بين الإله الحق وأصنام الله، داعياً إياه، في تحطيمه للأصنام كلها، ألا يستثني منها ذلك الصنم الرهيب، صنم اكتفائية الإنسان التي تحول بينه وبين اسلام ذاته للمطلق الذي يستقطبه، تلك الاكتفائية الي هي أصل الأصنام كلها سواء جُعلت هذه في السماء أو على الأرض. الإيمان يدعو الإلحاد المعاصر إلى عدم التوقف في منتصف الطريق، إلى تجاوز سلبيته بالاعتراف بهذا الإله الحق الذي، إن رفض الملحدون أصنام الله، فبالقياس إلى صورته الكامنة في أعماقهم. هذان الموقفان المتكاملان: تنقية الإيمان بالإلحاد وتجاوز الإلحاد بالإيمان، هما قطبا هذا الكتاب.
مجمل ما يتهم به الإلحاد المعاصر الإيمان تحقير الخليقة عامة الإنسان بنوع خاص. إن في هذا الاتهام التباساً رهيباً يحمل المؤمنون قسطاً كبيراً من مسؤوليته. فالإلحاد المعاصر هو إلى حد بعيد جواب على هذا الإله القائم في أذهان الكثيرين منهم والذي قال عنه غبريال مارسيل: “هذا الإله المنتصب ضد المخلوق وكأنه محسود من أعماله، ليس في عيني سوى صنم”. لقد كتب الأب كونغار واصفاً هذا الالتباس الذي ذكرناه: “من المعلوم أن الالحاد المعاصر…. كثيراً ما لا يكون انكاراً لله إلى بصورة جانبية، أما مباشرة فهو تأكيد للإنسان، لمتطلبات حريته، لعظمة قصده. إن كل مسيحي واع لما هي المسيحية الحقة لا بد له أن يشتبه بوجود سوء تفاهم هائل ومأساوي كامن وراء هذا الموقف. لا يمكن لأحد أن يطالب بالإنسان ضد الله، أو أن يطالب بالله ضد الإنسان إلا إذا كان يجهل التوراة كلها.
فإن هذه لا تحدثنا أبداً عن الله دون أن تحدثنا عن الإنسان أيضاً: إنها اعلان “تدبير” وعهد، ويبلغ هذا الإعلان ذروته في يسوع المسيح الذي به اتحد الله نهائياً بالإنسانية وبواسطتها بالعالم. ولكنه صحيح أن المسيحيين نسوا أحياناً معن ذلك الذي كانوا يعتقدون به ويعيشونه. فقد قدموا الديانة أحياناً وكأنها تقتصر على عبادة الله دون الاهتمام بما يخص الإنسان والتاريخ والكون. الإلحاد ير على ذلك بتأكيد إنسان وتاريخ وكون دون الله”.
تجاه هذين الصنمين، صنم الإله الذي يلغي الإنسان والصنم الآخر الذي أوجده الإلحاد المعاصر ليقابل به الأول، ألا وهو صنم الإنسان الذي يلغي الله مضفياً صفة الإطلاق على اكتفائيته، تجاه هذين التجريدين الرهيبين، الله دون الإنسان أو الإنسان دون الله، اللذين يمزقان رجاء الإنسانية في الصميم، على حد تعبير الأب غان، نتمسك نحن بديانة الإله المتجسد الذي شاء أن يربط مصيره بهائياً بالإنسان. لذا فجوابنا على الإلحاد المعاصر من جهة، وعلى انحرافات الإيمان من جهة أخرى، يمكن تلخيصه بتلك العبارات الصادرة عن أحد آباء الكنيسة العظام، مكسيموس المعترف الذي عاش في القرن السابع، واحتمل قطع يده ولسانه ومات منفياً لأنه أراد أن يحافظ على عقيدة التجسد كاملة، غير منقوصة، تجاه أباطرة عصره. فقد كتب هذه الشاهد الأمين للإله المتجسد:
“…. الله والإنسان يتخذ كل منهما الآخر نموذجاً، فالله يتأنس من أجل الإنسان، بدافع حبه للإنسان، بقدر ما يتقوى الإنسان ويتحول إلى إله من أجل الله….”
“الإنسان يصبح إلهاً بقدر ما يصبح الله إنساناً، لأن الإنسان يُرفع بارتقاءات إلهية بقدر ما أفرغ الله ذاته بداعي حبه للناس فبلغ دون تحول إلى أقاصي طبيعتنا”.
الالحاد والعلموية scientism
الفيلسوف وليام كريج William Craig يُعرف مصطلح “scientism” وهو الرأي القائل اننا نؤمن فقط بكل ما يمكن ان يتم اثباته علمياً، وبعبارة اخري. ان العلم هو المصدر الوحيد للمعرفة والحكم الوحيد للحقيقة ” (1)
وهذا الامر مصدق عند الغالبية العظمي من الملحدين. (فهؤلاء لا يعرفون الانعكاسات المترتبة على مفهوم scientism بل دون بحث وتمحيص يأخذون كلام من اخرين امثال دوكينز وغيره دون علم) في المناظرة القائمة بين وليام كريج من الطرف المسيحي و Peter Atkins من الطرف الملحد قال بيتر “ان العلم قادر علي كل شيء” ومن خلال هذه المناظرة نجد ان ويليام كريج هدم ومحي هذه الفكرة في ثلاثة دقائق قصيره. (2) تخبرنا عالمة الفيزياء والمتخصصة الدكتورة Nidhal Guessoum ان scientism هو ” غالباً ما ينظر اليه الي مصطلح انتقاصي. وهذا نتيجة لوضع “العلماء على قاعدة تمثال” (3) ما قالته الدكتورة هو ما نعيشه في ثقافتنا. وقال Austin Hughes “الادعاء انه في كثير من الاحيان ان العلم الطبيعي يفعل او يقترب من تشكيل الحقيقة بالكامل. هذا الرأي أصبح منتشر بين العلماء أنفسهم ” (4) انا مندهش تماماً لهذا الامر كون الدارس لا يفهم الحقيقة الفلسفية. ومن امثال هؤلاء دوكينز واتكنز “اللذان كان من المفترض ان يتحلوا بالحكمة والنضج كعلماء “فلا يمكنني الموافقة على كلامهم. فما يثير اندهاشي ان هذه الكلمات تم تروجها على نطاق عالمي فما روج له دوكينز واتكنز للملحدين ان العلم هو مثل الاله وانه يعبد بالنسبة لهم “ومن الامور الواضحة في هذا الفكر ما قاله اتكنز في محاولة اخذ الطابع الالهي وسمة القدرة وصبغها وترويجها على المجال الأكاديمي. فهذا استعمال سئ للعلم لترويج اقوالهم الإلحادية. لذلك عندما نطلب من ملحد اصولي قبول الاعتراف بالقيود العلمية فهذا يتطلب ثمن كبير. ونحن لا نري scientism على اساس كونه علماً فهو يدحض من داخله.
الهجوم على scientism
اود ان اوضح حتى لا يعتقد أحد اننا نهاجم العلم. لا بالطبع. ولكن ما نحتاجه هو فضح من يسئ استخدام العلم من قبل اشخاص سواء ” ملحدين، مؤمنين او غيرهم” قال Jeff McInnis fleshes ما كنت اريد ان اقوله.
“العلم هو عباره عن اداة. فهو مفيد. لكنه مجرد اداة. العديد من الادوات مفيدة. ولكن لا يوجد اداة تستخدم في جميع المواقف. فنحن نحتاج لجميع الادوات. فالعديد من العلماء يعتقدون ان مجال دراستهم هو مثل سكين الجيش السويسري متعدد الاغراض وان كل مهمة مستطاعة وان كل حالة مستطاعة ويمكن تقييمها من خلال اداة واحدة. لكننا عكس هذا فنحن نعرف الافضل “
الدحض من الداخل ل ”scientism“
اولاً من الجملة الاتية ” فقط ما نستطيع معرفته هو من خلال العلم. من حيث الكمية او التجربة او الاختبار فهذا الامر عقلاني جداً” هذه الجملة هي دحض ذاتي للفكرة. فوفقاً للفيلسوف J.P. Moreland ان هذا الكلام نفسه ” ليس كلاماً علمياً. بل هو مجرد تعبيرات فلسفية حول العلم. فكيف يقول التجربة والاختبار والكمية؟ فهذا لا يحدث أي لا نستطيع معرفة كل شيء من خلال الثلاثة امور الواردة في الجملة. فلا يمكن ان تكون الجملة صحيحة او عقلانية (5)
في جوهر هذه الجملة تناقض مثل قولي “انا لا أستطيع الكتابة باللغة الانجليزية ” وايضاً قولي ” حتى الآن انا اكتب باللغة الانجليزية! ف Scientism تفند من بداية نطق وكلام الملحد. ونجد ان العالم كريج ايفانز هو ايضاً لديه وجهة نظر J.P. Moreland عندما قال ” ان Scientism يخبرنا اننا لا نصدق ولا نعتقد باي شيء لا يمكن اثباته علمياً. لكن هل يستطيع أحد اثبات هذا الكلام نفسه علمياً؟ بالطبع لا لذلك لا ينبغي ان نصدق هذا ف scientism تهزم نفسها ” (6)
القيود العلمية والافتراضات
منهجيات العلم لا يمكن التصديق عليها من قبل المنهج العلمي نفسه. التحقق الوحيد منها هو الفلسفة وليس scientism ويوجد نمازج متعددة على هذا.
قال فرانسيس كولينز Francis Collins وهو مسيحي مناصر للتطور “ان العلم هو السبيل الوحيد والمضمون لفهم العالم الطبيعي (لكن) العلم عاجز عن الاجابة عن اسئلة مثل ” ما معني الوجود الانساني …. فنحن نحتاج كل جلب وجهات النظر الروحية او العلمية لنكون على فهم ما يري وما لا يري على حداً سواء ” (7)
المراجع