الأدلة الدامغة على ضلال مدرسة الإلحاديين

الأدلة الدامغة على ضلال مدرسة الإلحاديين

الأدلة الدامغة على ضلال مدرسة الإلحاديين

 

6- ما هي الأدلة الدامغة على ضلال مدرسة الإلحاديّين؟

ج: كثيرة هي الأدلة الدامغة على ضلال الإلحاد ومدرسته، فالكون يشهد بوجود الله، وكذلك الإنسان في تكوينه، والمادة ليست أزلية، ووجود الحياة والموت والعقل والضمير والخيال والعواطف يكذّب أن الإنسان مجرد مجموعة مواد لا غير، وعدم إدراك الله بالحواس لا يعنى عدم وجوده، بل إن هناك شعورًا خفيًا بوجود الله، ووجود الله لا يلغى وجود ولا كرامة الإنسان، أما الكتاب المقدَّس فهو كتاب الله المُوحى به من أجل حياة أفضل للإنسان والذين يؤمنون به تؤيدهم السماء بالمعجزات. فهم أعظم شاهد عملي لوجود الله:

أ- الكون يشهد بوجود الله
ب- تكوين الإنسان يشهد بوجود الله
ج- المادة ليست أزلية
د- كيف تفسر الحياة والموت والعقل والضمير والخيال والغرائز والعواطف وما بعد الموت؟
ه- عدم إدراك الله بالحواس لا يعني عدم وجوده
و- الشعور الداخلى بوجود الله
ز- وجود الله لا يلغى وجود ولا كرامة الإنسان
ح- الكتاب المقدس
ط- وصايا الإنجيل
ى- صلابة الإيمان

أ- الكون يشهد بوجود الله:

لكل صنعة صانع، ولكل جبلة جابل، ولكل خلقة خالق، ولكل متحرّك مُحرّك، ولكل معلول علة، فمن هو خالق هذا الكون العجيب بهذه الدقة المتناهية؟ وقال أفلاطون “إن كل حادث له سبب أحدثه ولا يُعقَل حدوث شيء بلا سبب، ومن المعلوم بالضرورة أن العالم (المحسوس) حادث.. وكل ما هو محسوس يمكن إدراكه بواسطة الحواس فهو حادث ومصنوع، أما الذي أحدث هذا العالم فلابد أن يكون كائناَّ عالي العظمة فائق الَجبروت سامي الحكمة.. ذا قوة لا تضعف وإرادة مطلقة وحكمة لا تستقصى”(1)، وإن كان لكل متحرّك مُحرّك، فعند تتبع الحركة لن نصل إلى ما لا نهاية، إنما سنتوقف عند مُحرّك أو ثابت لا يحركه أحد، وهذا هو الله، وإن كان لكل معلول علة، فعند تتبع التسلسل لن نصل إلى ما لا نهاية، إنما سنتوقف عند العلة الأولى، والعلة الأولى هي الله.

وإن كان من المستحيل أن نجد عمارة ضخمة وليدة الصدفة، لأنه لا بد من وجود مهندس قام بالتصميم، وآخر قام بالإشراف على التنفيذ، مع عدد ليس بقليل من العمال المهرة ذوي التخصصات المختلفة قد قاموا بأعمال الأساسات، والخرسانات، والمباني، والكهرباء، والسباكة، والسيراميك، والنجارة، والطلاء، والديكورات، والتأثيث… إلخ.، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وأيضًا من المستحيل أن ترى طائرة تسبح في الهواء فنقول أنها وليدة الصدفة، وإن كنا من الممكن أن نتعرف على الفنان من خلال أعماله الفنية، فهكذا ندرك بسهولة ويسر وجود الله من خلال مخلوقاته، فالطبيعة الخلابة والكون الفسيح والفضاء الشاسع ونظامه العجيب في الربط بين الشموس والكواكب والنجوم، مع العدد الضخم من المجرات.. كل هذا ألا يخبرنا عن الله الخالق ضابط الكل..؟!! حقًا قال الكتاب لمن يعقلون وليس لمن طمس الشيطان بصيرتهم “السموات تحدث بمجد الله. والفلك يخبر بعمل يديه” (مز 19: 1). ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم “لو كان الله أعلمنا ذاته من خلال كتب وحروف فقط، لصار الذين يعرفونه هم المثقفون فقط، ولكنه أعلمنا ذاته من خلال الطبيعة أيضًا، ليعرفه الجميع”(2). وقال أحد الفلاسفة إن الكون هو كتاب اللاهوت الذي قرأه الفلاسفة فكان لهم إنجيلًا، وهو مرآة الله التي نظروا بها صورته الجميلة(31). ولذلك كان الآباء يُدرّسون علم الفلك في الكليات اللاهوتية، لأنه دليل قوي على وجود الخالق ضابط الكل.

حقًا إن الكون العجيب الذي نعيش فيه يخبرنا بدقة عن وجود الله، فالأرض التي تدور حول محورها بسرعة 1000 ميل/ ساعة لو انخفضت سرعتها إلى 100 ميل/ ساعة لأصبح الليل والنهار عشرة أضعاف، أي لصار النهار 240 ساعة وكذلك الليل، ويترتب على هذا احتراق النباتات التي تتعرض للشمس طوال هذا الوقت، وتجمد الكائنات التي تجوز هذا الليل الطويل. أما لو اقتربت الشمس التي تصل حرارتها إلى 12000 درجة إلى الأرض أكثر من هذا لاحترقت كل الخلائق التي تدب على الأرض والنباتات وتلاشت الحياة تمامًا، ولو بعدت الشمس عن الأرض أكثر من هذا لغطى الجليد سطح الأرض ولاستحالت الحياة. وإذا اقترب القمر منا حتى صارت المسافة 50 ألف ميل لغرقت أرضنا مرتين كل يوم بفعل المد والجذر، ولو انحرفت الأرض والقمر عن الشمس لأدى ذلك لارتفاع درجات الحرارة حتى إن جزءًا من الأرض قد يحترق، وآخر يغرق، وثالث يتجمد، ولو إن المحيطات كانت أعمق من مستواها الحالي لامتصت ثاني أكسيد الكربون والأكسجين، وهلم جرا.. أليس هذا دليل فيه الكفاية على وجود مهندس الكون الأعظم؟!

ويقول نيافة المتنيح الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي “نظرة أخرى إلى النجوم والكواكب والأقمار بل وإلى المجرات في السماء والتي تجمع ملايين الملايين من النجوم في كون مهول جبار.. من الصانع لهذا كله..؟! وهل يمكن لعقل بشري أن يتصوَّر أن هذا صنع نفسه من غير صانع..؟ أو قد صنعته الصدفة العمياء؟ هل يمكن لعقل أن يتصوَّر شيئًا من هذا القبيل ولو كان حلمًا من أحلام الخيال. لقد صدق القديس أغسطينوس إذ قال في اعترافاته “سألتُ الأرض فقالت لي: لستُ إلهك، وكذلك أجابني كل حي على سطحها، سألت البحر وأغواره والكائنات الحيَّة التي تسرح فيه وتمرح، فأجابتني: لسنا نحن إلهك، فاسأل عنه ما فوقنا، وسألتُ الرياح العاتية.. سألتُ السماء والشمس والقمر والنجوم فأجابت كلها: لسنا نحن أيضًا الإله الذي تبحث عنه. إذ ذاك قلتُ للكائنات كلها التي تحيط بأبواب حواسي: حدثيني عن إلهي طالما لستِ إلهي. قولي لي شيئًا عنه، فهتفت جميعها بصوت عالٍ: هو الذي خلقنا”(3).

وعندما قال “جاجارين ” أول عالم فضاء روسي هبط على سطح القمر إنني جلت في الفضاء بحثًا عن الله فلم أجده، في الحقيقة هو لم يعمل فكره، بينما عالم الفضاء الأمريكي “نل هارمسترونج” أول رائد فضاء هبط على سطح القمر قال لقد رأيت الله من خلال مصنوعاته، وكان العالم الشهير “نيوتن ” يسير حاسر الرأس، وعندما سألوه عن السبب قال: إجلالًا وتوقيرًا لخالق الطبيعة.. حقًا قال أيوب الصديق في القديم “فاسأل البهائم فتعلمك وطيور السماء فتخبرك. أو كلّم الأرض فتعلمك ويحدثك سمك البحر. من لا يعلم من كل هؤلاء أن يد الرب صنعت هذا؟!! الذي بيده نفس كل حي وروح كل بشر” (أي 12: 7- 10). وقال معلمنا بولس الرسول “لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مُدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذر. لأنهم لما عرفوا الله لم يمجّدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم واظلم قلبهم الغبيُّ. وبينما هم يزعمون إنهم حكماء صاروا جهلاء” (رو 1: 20- 22).

وقال إسحق نيوتن “إني رأيت الله في أعمال ونواميس الطبيعة التي تؤكد وجود حكمة وقوة لا تختلط بالمادة”(4). كما قال أيضًا “لا تشكُّوا في الخالق، فإنه مما لا يُعقل أن تكون الضرورة وحدها هي قاعدة الوجود. لأن ضرورة عمياء متجانسة في كل مكان وزمان، لا يُعقل أن يصدر عنها هذا التنوع في الكائنات ولا في الوجود كله، بما فيه من ترتيب أجزاءه وتناسبها مع تغييرات الأزمنة والأمكنة. بل إن كل هذا لا يُعقل إن كان لا يصدر إلاّ من كائن لما له من حكمة وإرادة”(5).

والعالم الأمريكي “إديسون ” Edison (1847- 1931م) الذي اخترع المصباح الكهربائي عندما زار المهندس الفرنسي “إيفل” Eiffel الذي صمم برج إيفل بباريس كتب في السجل الذهبي يقول “إلى السيد إيفل، من إديسون الذي يكن أعمق احترام وإعجاب للمهندسين جميعًا، وعلى رأسهم المهندس الأعظم (الله)”(6).

والعالم الإيطالي “ماركوني” Marconi (1874- 1937م) مخترع اللاسلكي يقول “إن كل رجل علم يعلم تمامًا أن هناك أسرارًا لا تقبل الحل، والإيمان بوجود كائن أسمى يقف منه موقف الطاعة والاحترام، إنما هو وحده الذي يحفزنا إلى دراسة أسرار الحياة بقوة وشجاعة”(7).

والعالم الألماني “أينشتين ” Einstein (1879- 1955م) الذي وضع نظرية النسبية ونظرية المغناطيسية الكهربائية قال “إن العقل البشري مهما بلغ من عظيم التدريب وسمو التفكير عاجز عن الإحاطة بالكون، فنحن أشبه الأشياء بطفل دخل مكتبة كبيرة ارتفعت كتبها حتى السقف، فغطت جدرانها. وهي مكتوبة بلغات كثيرة، فالطفل يعلم أنه لا بد أن يكون هناك شخص قد كتب تلك الكتب، ولكنه لا يعرف من كتبها، ولا كيف كانت كتابته لها، وهو لا يفهم اللغات التي كُتبت بها. ثم إن الطفل يلاحظ أن هناك طريقة معينة في ترتيب الكتب ونظامًا خفيًا لا يدركه هو، ولكنه يعلم بوجود علمًا مبهمًا، وهذا على ما أرى موقف العقل الإنساني من الله مهما بلغ ذلك العقل من السمو والعظمة والتثقيف العالي”(8).

والعالم الإنجليزي “أدينجتون” Eddington الذي درس أحوال النجوم قال “إنني لأعلم حق العلم إن الله موجود، كما أعلم تمامًا إن أصدقائي موجودون. فلست بحاجة إلى إثبات وجوده بقدر ما أنا في غير حاجة إلى إثبات وجودهم”(9).

وعالم الحيوان “فابر ” Fabre قال “إن ثمة عقلًا لا متناهيًا يحكم العالم، وكلما أمعنت النظر، استطعت أن أبصر ذلك العقل الذي يشع خلف أسرار الأشياء. إنني أعلم أن البعض قد يجد في هذا القول مدعاة للسخرية، ولكن هذا لا يعنيني في كثير أو قليل.. لن تستطيعوا أن تنزعوا من عقلي إيماني بالله، استغفر الله، فإنني لا أؤمن بالله بل أنا أراه”(10).

وكان المسيحيون في رومانيا الشيوعية يتحدثون عن وجود الله بطريقة بسيطة فيقولون “لنفرض أنك دُعيت إلى وليمة تحتوي على جميع أنواع الأطعمة اللذيذة، فهل تصدق أنه لم يوجد أي طاه لهذه الأطعمة؟ فالطبيعة هي وليمة هُيئت لأجلنا.. فمن هو الذي هيأ كل هذه الأشياء للناس؟ فالطبيعة عمياء، وإن كنت لا تؤمن بوجود الله، فكيف نستطيع إذًا أن تفسر أن الطبيعة العمياء قد نجحت في تهيئة جميع ما نحتاجه نحن من هذه الأشياء المتعددة المتنوعة”(11). وفي إحدى المرات مرّ أحد المسيحيين مع شخص ملحد على الطبيعة الخلابة من نهر وأشجار وحيوانات، فسأل المسيحي: من خلق كل هذا؟

الملحد: لا تضايقني بحديثك السخيف عن الله.. إنها وليدة الصدفة.

وبعد عدة أيام زار الأخ الملحد صديقه المسيحي، وإذ رأى لوحة فنية أعجبته سأل: من رسم هذا اللوحة؟

المسيحي: أتريد أن تدخلني في حديث ديني سخيف.. إنها وليدة الصدفة، فالصدفة هي التي جاءت باللوحة وأسستها بالبطانة، وأحضرت مواد التلوين، ورسمتها، وأيضًا وضعتها على الجدار.

فتضايق الملحد، فقال له صديقه المسيحي: إن كنت تعتقد أن الطبيعة الخلابة التي تفوق هذا “التابلوه” آلاف المرات هي وليدة الصدفة، فلماذا لا تصدق أن تكون هذا اللوحة أيضًا وليدة الصدفة..؟! حقًا صدق أفلاطون عندما قال “إن العالم آية فنية غاية في الجمال ولا يمكن أن يكون ما فيه من نظام نتيجة الصدفة. بل لا بد من وجود عقل كامل ومهندس أزلي صنع كل شيء ورتبه بقصد”(12).

ب- تكوين الإنسان يشهد بوجود الله:

الإنسان هو عالم صغير، وأجهزة الجسم تشهد بقوة على وجود خالق قدير قوي حكيم عظيم، ولذلك فإن علم التشريح يعطي فرصة للإنسان للتلامس مع مقدرة الله وحكمته وقال أحد الفلاسفة “كلما تقدم علم التشريح إزداد الإنسان إيمانًا بالله”(13). وأفقر إنسان في الوجود يمتلك نحو 45 مليونًا من الدولارات الأمريكية، هي قيمة أعضاء جسده التي وهبها الله له. بل إن إبهام اليد يشهد بوجود الخالق وعظمته، فبصمة الإنسان التي تختلف عن بصمات الملايين من البشر تحدثنا عن قدرة الله الغير محدودة.

ويقول نيافة الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي “لو أنه (الإنسان) تأمل ذاته، ونظر إلى أي عضو من أعضاء جسده، ونظر إلى تركيبه وعمله ووظيفته لهاله الأمر، وأدركه الذهول من روعة التركيب وحكمته. أنظر إلى عين الإنسان وتركيبها من مقلة تحميها، ومن قزحية وقرنية وعدسة وشبكية وعصب بصري.. إلى غير ذلك من أجزاء وجزيئات وما بها من أهداب وشعيرات وشرايين وأوردة فضلًا عن العضلات والأنسجة والغدد.. ولكل جزء منها وظيفة وعمل واختصاص، وتتعاون كلها ويكمل بعضها عمل بعض بصورة عجيبة..

وما نقوله عن العين نقوله عن القلب، هذا العضو العجيب الذي يعمل بلا توقف ليلًا ونهارًا، وينبض سبعين مرة في الدقيقة الواحدة، ولا يستريح لحظة واحدة عن العمل المتواصل.. أرني آلة صنعها الإنسان يمكن أن تعمل بلا توقف وبلا راحة كما يعمل القلب، وهو يحمل عبء الجسم كله.. ولا يقتصر عمله على بيولوجيا الجسم بل إنه أيضًا مركز العواطف من حب وكراهية، ومركز الانفعالات السارة والحزينة من فرح إلى حزن وهم إلى خوف وخجل وحماس ويأس.. وما قلناه عن العين والقلب نقوله عن المخ، هذا العضو العجيب حقًا الذي يتقبل إشارات

ويرسل إشارات غيرها، يستقبل ويصدر، ويحكم جميع أجهزة الجسم وعلى رأسها الجهاز العصبي.. ثم هو يتقبل المعارف والخبرات ويرتبها ويصنفها ويحتجزها للانتفاع بها في مستقبل الأيام. فكيف يختزن المعرفة على تنوعها في كافة ميادين العلم وتشعباته وفروعه؟! وكيف يحتفظ باللغات ومفرداتها وقواعدها وأساليبها..؟ وكيف لا تختلط هذه المعلومات ببعضها؟ وكيف يخرجها عند الاقتضاء واضحة متميزة مستقلة عن بعضها؟ وكيف مع ذلك يمكنه أن يقارن بينها ويوازن بينها ويوفق بينها ويعارض بينها وينقدها ويفحصها ويحكم على صدقها أو على زيفها؟ فكيف عند اللزوم يجمع بينها حين يحاضر أو يتحدث أو يكتب كتابًا أو يحرر مقالًا أو بحثًا مستعينًا بها كما يشاء مثله في ذلك مثل الطباخ الذي يجمع ما يلزمه من مواد مختلفة ليصنع من مجموعها معًا، وبمقاييس مضبوطة، طبخة شهية! ما هذه الآلة العجيبة التي تسمى المخ؟ ومنْ من العلماء يمكنه أن يصنع مثلها أو يركِّب نظيرها؟

فإذا قالوا لقد صنع الإنسان العقل الإلكتروني، قلنا أولًا إن العقل الإلكتروني ليس على نظير المخ البشري أنه آلة حاسبة تعمل بشرط أن تقدم لها مادة أو مجموعة مواد.. ثم هذا الحاسب الإلكتروني لم يصنع نفسه، وإنما صنعه صانع وهو الإنسان. وهذا دليل على أنه حتى الحاسب الإلكتروني لا بد أن يكون له صانع عقل، فكم وكم يجب أن يكون للمخ البشري صانع، والمخ البشري معجزة لا يُقاس بإزائها الحاسب الإلكتروني..

زد على ذلك سر الحياة نفسها وسر النمو والتكيف والتغذية وتمثيل الغذاء واحتراقه.. وبالإجمال كل شيء في الإنسان جسمًا ونفسًا وعقلًا وروحًا ينطق بأدلة صارخة على وجود الله.. وإذا قلنا هذا عن الإنسان فنقول مثله بالنسبة للحيوان، خذ مثلًا البيضة المُلَقحة التي يخرج منها بعد قليل كتكوت صغير يتحرك بالحياة وينبض بالوجود. كيف لبيضة بها صفار وبياض يخرج منها كائن حي هو الكتكوت له عينان وأذنان وجناحان ورجلان ومنقار وعضلات وغضاريف وغدد، وله معدة وكبد وأمعاء، وله جهاز عصبي وغيره عضلي وغدّي ودموي وتنفسي وبولي وتناسلي..؟ وكيف له ريش متنوع وملون بحسب صنفه وجنسه ونوعه تبعًا لقوانين الوراثة وقوانين البيئة؟ هل لو اجتمع كل المهندسين في العالم وكل الرسامين وكل الأطباء بتخصصاتهم وكل الكيميائيين وكل الصنَّاع وكل علماء الجمال وكل أصحاب الحرف والمهن والزخرفة.. لو اجتمع هؤلاء جميعًا، هل ينجحون في صنع كتكوت حي واحد كهذا الذي تخرجه الطبيعة في كل يوم بالعشرات والمئات والآلاف والملايين؟!”(14).

ج- المادة ليست أزلية:

لو كانت المادة أزلية لا بداية لها، ولا يوجد خالق لها، فمن ذا الذي وضع قوانين الطبيعة التي تحكم الكون كله في انسجام يفوق الإدراك..؟! وكيف تلاحمت عناصر المادة رغم اختلاف الطبائع فالتراب ضد الهواء والماء ضد النار؟! ومن الذي حفظ للخلائق توازنها، فبالرغم من أن نسبة توالد الذئاب إلى الحملان 10: 1 فإن الحملان وبقية الحيوانات المستأنسة مازالت موجودة، والوحوش الضارية لم تختف من الوجود.

وتعبير أن المادة أزلية هو تعبير غير منطقي لأن المادة قابلة للتغيير، وليس من المعقول أن المتغير يكون أزليًا، والمادة تحمل في طياتها عنصر الضعف، وليس من المعقول أن الضعيف يكون أزليًا وقال أحد علماء اللاهوت “هذا العالم إما أن يكون أزليًا أو محدثًا، ولا يمكن أن يكون أزليًا لأنه متغير.. والتغير صورة من صور الاضمحلال، والاضمحلال يدل على الحدوث، وحيث إن هذا العالم مُحدَث، فلا بد له يكون له مُحدِث أحدثه”(15). ومن المعروف أن الشمس ككتلة ملتهبة تستنزف مادتها إذ تتحول المادة إلى طاقة، فلو كانت هذه الشمس أزلية لاستنزفت بالكامل ولم يعد هناك شمس ولا أرض ولا حياة ولا كواكب، ومن المعروف أيضًا أن الهيدروجين يتحول بمرور الزمن إلى هيليوم، فلو كان الهيدروجين منذ الأزل لتحول كله إلى هيليوم، وهلم جرا.. ويقول العالم “إدوارد لوثر كيل ” Edward Luther Kiel أستاذ علم الأحياء “أننا نستطيع أن نستنتج أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليًا، وإلّا لاستهلكت طاقته منذ زمن وتوقف كل نشاط في الوجود، وهكذا توصلت العلوم دون قصد إلى أن لهذا الكون بداية، وهي بذلك تثبت وجود الله لأن ما له بداية لا يمكن أن يكون قد بدأ بنفسه، ولا بد من مبتدئ أو من محرك أول أو من خالق وهو الله”(16).

كما أن تعبير أن المادة أوجدت نفسها تعبيرًا غير منطقي، إذ كيف تُوجِد المادة نفسها وهي أصلًا غير موجودة؟!

وعندما قال ماركس “أن المادة ديالكتيكية لها قوة قادرة على الفعل، رد عليه “بردياييف ” الملحد بعد عودته للإيمان فقال إن عبارة ماركس هذه بها تناقض لفظي، لأنه كيف يمكن للمادة الصلدة الجامدة أن يكون لها قوة قادرة على الفعل؟! ويقول “د.جورج ايريل دافيز ” George Earl عالم الطبيعة “فالمنطق الذي نستطيع أن نأخذ به، والذي لا يمكن أن يتطرق إليه الشك هو أنه ليس هناك شيء مادي يستطيع أن يخلق نفسه، وإذا سلمنا بقدرة الكون على خلق نفسه فإننا بذلك نصف الكون بالألوهية، ومعنى ذلك إننا نعترف بوجود إله”(17).

وردًا على القائلين بأن الصدفة أوجدت الحياة التي تطورت وصارت كما نراها، نقول لهم إن كانت الصدفة والارتقاء نجحا في إيجاد رجل بكل تركيباته العجيبة وأجهزته التي تفوق الخيال، فهل يمكن أن الصدفة والارتقاء ينجحا في إيجاد كائن مماثل للرجل ومخالف له في الجهاز التناسلي وهو المرأة، حتى تستمر الحياة على وجه الأرض؟!.

وعندما قالوا إن الكتكوت يخرج من البيضة التي ليس بها حياة، كان هذا مغالطة، لأن ليس كل بيضة يخرج منها كتكوت. إنما يخرج الكتكوت من البيضة المُلقحة فقط بعد أن دخلت إليها الحياة عن طريق التلقيح. كما إن البكتريا التي يحملها الهواء إلى اللحوم المتعفنة هي التي تمثل بذرة الحياة، ومنها تخرج الديدان لأنها وجدت البيئة المناسبة، وأيضًا تعبير أن المادة وُجِدت بالصدفة تعبير غير منطقي وغير علمي، فالصدفة لا تُوجِد كائنات حية، ويقول “د. توماس دافبر باركس ” أستاذ الكيمياء “إنني أقر النظام والتصميم في كل ما يحيط بي من العالم غير العضوي ولا أستطيع أن أُسلم بأن يكون كل ذلك قد تم بمحض الصدفة العمياء التي جعلت ذرات هذا الكون تتآلف بهذه الصورة العجيبة. إن هذا التصميم يحتاج إلى مبدع، ونحن نطلق على هذا المبدع الله”(18). كما يقول “د. جون وليامز كلونس ” عالم الوراثة “إن هذا العالم الذي نعيش فيه قد بلغ من الإتقان والتعقيد درجة تجعل من المحال أن يكون قد نشأ بمحض الصدفة.. ومن التعقيدات الطريفة في هذا الكون ما نشاهده من العلاقات التوافقية الاضطرارية بين الأشياء أحيانًا، ومن أمثلتها العلاقة بين فراشة “اليوكاو” ونبات “اليوكا” وكذلك العلاقة بين نبات التين ومجموعة من الزنابير الصغيرة، وهناك كثير من الأزهار تسجن الحشرات داخلها وإن النبات بعد أن يتم التلقيح لا يهتم بخروج الحشرة من الزهرة المؤنثة لأنها تكون قد أدت رسالتها، أما عند دخول الحشرة إلى زهرة مذكرة فإنه يُسمح لها بالخروج لأنها لا تكون قد أدت رسالتها. أفلا تدل كل هذه الشواهد على وجود الله؟ إن من الصعب على عقولنا أن نتصوَّر أن كل هذا التوافق العجيب قد تم بمحض الصدفة. أنه لا بد أن يكون نتيجة توجيه لحكم احتياج إلى قدرة وتدبير”(19).

وإن قال فيلسوفهم “هلباخ ” أن المادة في حركة دائبة مستمرة، نقول له إن الحركة في الجماد تختلف عنها في الكائنات الحية، فالحركة في الجماد لا يمكن للإنسان أن يوقفها، بينما يمكن للإنسان التحكم في حركة الكائنات الحية، وأيضًا الكائنات الحية عندما تتعرض للموت تكف عن الحركة فالمادة الصلدة لا تموت، وأخيرًا نقول للذين يؤلّهون المادة: هل عندما يعبث الإنسان بالمادة يعبث بإلهكم؟!!

ومن الأمور الطريفة إن أحد الملحدين ألقى محاضرة على عدد كبير من العمال وأخذ يدلل فيها على إن الإنسان ما هو إلّا مادة، فاستأذن أحد العمال لإبداء رأيه وما أن سُمح له حتى رفع الكرسي وألقى به على الأرض، ثم توجه إلى المحاضر وصفعه على وجهه، فهاج المحاضر وماج وطالب رفاقه الشيوعيين اعتقال هذا العامل وهو يصرخ في وجهه: كيف تجرؤ على صفعي؟ وما هو السبب؟ فأجابه العامل المؤمن “لقد أثبت لنا على أنك كاذب يا أستاذ. فقد قلت أن كل شيء في الوجود هو مادة لا أكثر ولا أقل، لقد رفعت الكرسي ورميت به أرضًا، لكنه لم

يغضب حيث أنه مادة بالفعل. ولكنني لما صفعتك على خدك لم تفعل أنت ما فعله الكرسي، فقد اختلف رد فعلك عنه، فالمادة لا تغضب ولم تحنق كما فعلت أنت. لذلك أيها الأستاذ الرفيق، إنك على خطأ جسيم، فالإنسان هو أكثر من المادة. نحن شخصيات روحية”(20).

أما نظرية الملحد “تشارلز روبرت دارون ” الخاصة بالنشوء والارتقاء، فقد كان لهذه النظرية أثرها البالغ على المفاهيم الفلسفية والسياسية والعلاقات السائدة بين البشر، وترتب على نظرية “الانتخاب الطبيعي ” ظهور فلسفة الاعتداء والعنف والاغتصاب التي تحمس لها الألماني “نيتشه” وأدخلت هذه النظرية البشرية في حروب طويلة، فكلِ يريد أن يثبت أنه الأقوى والأصلح، وتمخضت هذه النظرية عن شعار سيادة الجنس الآري على جميع الأجناس الأخرى مما تسبب في حرب السبعين عامًا، بل في الحرب العالمية الأولى والثاني، وتم نقد نظرية دارون، فقال العلماء:

1-أغلبية التغييرات التي طرأت على الكائنات الحية هي تغييرات جسيمة ضئيلة وضعيفة، ولا تؤدي بالضرورة إلى استمرار نوع من الحياة وانقراض نوع آخر.

2-التنازع على البقاء، أو تغذي حيوان كالأسد على حيوان آخر كالغزال لم يؤدي لانقراض النوع الأخير.

3-هذه النظرية لا تفسر كيفية اختفاء الزواحف الضخمة مثل الديناصورات في العصر الترياسي حقب الحياة الوسطى.

4-تعجز النظرية عن تفسير الظهور الفجائي للصفات(32).

5-أثبت علماء الجيولوجيا أن الكائنات منذ وجودها على الأرض لم تشوش ولم تختلط، فكل كائن حافظ على جنسه ونوعه، وتحقق القول الإلهي في النباتات “فأخرجت الأرض عُشبًا وبقلًا يبذر بذرًا كجنسه وشجرًا يعمل ثمرًا بذره فيه كجنسه” (تك 1: 12) ، وبالنسبة للطيور “وكل طائر ذي جناح كجنسه” (تك 1: 21) ، والحيوانات “فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها والبهائم كأجناسها وجميع دبابات الأرض كأجناسها” (تك 1: 25). أما الإنسان فقد جُبل على صورة الله ومثاله “وقال لهم أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض” (تك 1: 28) وإن كان الإنسان قد نجح في تزاوج الحصان مع الحمار لتقاربهما ونتج عنهما البغل، إلّا أن البغل ليس له إمكانية التناسل.

6-الحيوانات الدنيئة ما زالت هكذا منذ خلقتها لم يحدث لها أي ارتقاء.

7-لو كانت النباتات قد ارتقت في زمن ما إلى الحيوانات، والحيوانات إلى الإنسان، فليس من المعقول أن يكون هذا الارتقاء قد تم فجأة. بل لا بد أنه مرَّ بمراحل متوسطة، ولم تعثر الحفريات قط على صورة هذه المراحل المتوسطة، فلا يوجد مثلًا كائنًا به جزء من النبات وبقيته من الحيوان، أو كائنًا نصفه حيوان ونصفه إنسان، فمثل هذه الصور لا وجود لها على الإطلاق إلّا في الخيال المريض.

8-قال “الدارونيون” إن الخلية الأولى استغرقت عدة ملايين من السنين حتى ظهرت منها هذه الكائنات بأنواعها المختلفة، والحقيقة إن علماء الجيولوجيا قالوا أنه منذ زمن لا يزيد عن ربع مليون سنة كانت الأرض كتلة غازية ملتهبة، تستحيل الحياة عليها.. فأين إذًا نشأت الخلية الأولى؟ هل في كوكب آخر..؟! إن النشوء من العدم شيء محال، ونشوء الحياة الحيوانية من الحياة النباتية، أو نشوء الحياة البشرية من الحياة الحيوانية ما هو إلّا ضرب من الخيال.

9-وردًا على الذين قالوا إن الإنسان نشأ وتطور عن القردة، وإن الإنسان أصله قردًا، وأخذوا يدللون على قولهم

هذا بأدلة واهية. تقف أمامهم عقبات كثيرة مثل:

أ- هناك تفاوت كبير بين دماغ القردة ودماغ الإنسان، فدماغ الغوريلا وهي أعظم القردة (30,5 قيراط- 500 سم3) يبلغ ثلث دماغ سكان أستراليا الأصليين وهم أقل جميع البشر (3/1 99 قيراط- 1500 سم3).

ب- للإنسان إمكانية الابتكار والارتقاء، وتشهد بهذا الثورة العلمية الرهيبة التي نعيشها الآن وهي أشبه بمعجزة عظيمة جدًا يصعب تصديقها لمن عاش على أرضنا هذه منذ مائة عام فقط، بينما الحيوان عاجز تمامًا عن هذا الارتقاء والابتكار.

ج- يقد الإنسان أن يربط الظواهر بالأسباب لأنه يعقل الأمور ويتفهمها فهو قادر على التعليل، والتمييز، والنطق.. إلخ بينما يعجز الحيوان في هذا.

د- لدى الإنسان الميل الطبيعي والشعور الخفي للبحث عن الخالق وعبادته، لأن الله كتب فيه صورته. أما الحيوان فلا يشعر بمثل هذا الاحتياج.

ه- سفه العلماء هذا الرأي واعتبروه ضربًا من الجنون، فقال العالم الألماني “فون باير” إن الرأي القائل بأن النوع الإنساني متولد من القردة هو بلا شك ضرب من الجنون، حيث ينثل إلى أخلاقنا جميع الحماقات الإنسانية مطبوعة بطابع جديد، كما إنه لا يوجد دليل على هذا الرأي المضحك من جهة الاستكشافات الحفرية. وقال أستاذ علم الأنثروبولوجيا “فيركو ” يجب عليَّ أن أُعلن بأن جميع الترقيات الجسيمة التي حدثت في علم الأنثربولوجيا السابقة على التاريخ تجعل القرابة المزعومة بين الإنسان والقردة تبعد عن الاحتمال بعدًا كاملًا. فإذا درسنا الإنسان الحفري في العهد الرابع فهو الذي يجب أن يكون الإنسان الأقرب إلى أسلافه، نجده إنسانًا مشابه لنا كل الشبه، فإن جماجم جميع الرجال الحفريين تثبت بطريقة لا تقبل المنازعة أنهم كانوا يؤلفون مجتمعًا محترمًا للغاية، وكان حجم الرأس فيهم على درجة يعتبر الكثير من معاصرينا أنفسهم سعداء إذا ما كان لهم رأس مثله. والعلامة “فيفرت” قال “إن مذهب دارون لا يمكن تأييده. إنه رأي من آراء الصبيان”(33).

د- كيف تفسر الحياة والموت والعقل والضمير والخيال والغرائز والعواطف وما بعد الموت؟

الإلحاديون الذين يدَّعون إن الإنسان ما هو إلّا حفنة من المواد يعجزون عن الإجابة على السؤال السابق، فغير الحي لا يخلق حيًّا.. كيف تهب المادة الصلدة الجامدة روحًا وحياة للكائنات الحيَّة؟ من أين أتت الحياة للمادة؟ وإن قالوا إنها أتت من الخلية الأولى التي وجدت بالصدفة منذ ملايين السنين، فإننا نقول لهم كيف عاشت الخلية الأولى بينما كانت الأرض في صورتها الأولى منذ ملايين السنين عبارة عن ذوبان ناري تتراوح حرارتها بين 1500- 3000 درجة. ثم إن العلم عجز حتى الآن وسيعجز للأبد عن خلق هذه الخلية الأولى.. فمن أين أتت؟ ولو أن الخلية الأولى هي مصدر الحياة، وبالتطور وصلت إلى ما وصلت عليه الآن، فكيف تطورت في شكل الإنسان الذي يشمل على 80 تريليون خلية، وبالمخ 10 بليون خلية؟ كيف تجمعت كل هذه الخلايا لتكون الإنسان بوظائفه الحيوية؟ هل بمجرد الصدفة العمياء، وهل ظهر كائن قبل الإنسان أقل تطورًا فكان مثلًا نصفه إنسان والنصف الآخر حيوان؟ ولماذا لم يظهر كائن آخر أكثر تطورًا من الإنسان الذي يعيش على الأرض منذ خلقته؟! وهل يمكن أن يكون وضع الجينات المتناهية الصغر في الإنسان محض الصدفة..؟! إن دراسة علم الوراثة يكشف لنا عن عظمة الخالق. قال أحد الملحدين بعد أن اهتدى للإيمان “إنني لم أكن أعرف الله، وما كنت أؤمن بوجوده بل كنت أسخر من الإيمان وأكرز بالكفر، وكنت ألقي محاضرات ضد وجود الله، ولكنني التقيت بالله في الحياة.. ومن الحياة تعلمت أن هناك الله”(21). وغير العاقل لا يخلق إنسانًا عاقلًا له ضمير ومشيئة.. كيف تهب المادة غير العاقلة عقلًا للكائنات الحيَّة؟! ومن ذا الذي وضع في الإنسان قوة التفكير والتدبير والتخيل. قال بردياييف “إن الماركسيين لم يحاولوا أبدًا أن يفسروا كيف يمكن للوجود المادي أن يتحول إلى تفكير ووجدان؟!”(22) ، وأيضًا كيف تُخرج لنا المادة الصماء البكماء إنسانًا ناطقًا؟!

ومن وضع في الإنسان والحيوان الغرائز الطبيعية..؟ فلولا غريزة الجوع، وغريزة الخوف، وغريزة حب البقاء لهلك الإنسان والحيوان.. من علم الطيور المهاجرة والثعابين النيلية مسلكها في الهجرة والعودة عبر آلاف الأميال؟!.

وأيضًا فشل الإلحاديون في تفسير ظاهرة الموت، بل وقفوا أمامها مرتعبين، فماركس رغم غزارة إنتاجه الأدبي إلّا أنه لم يتكلم عن الموت إلّا بسبب موت ابنه فقال “يبدو أن الموت انتصر انتصارًا قاسيًا”(23). كما قال “إن موت ولدي آلمني كثيرًا حتى إنني أشعر بمرارة فقده كما في اليوم الأول”(34)(24). وارتعب يا روسلاتسكي أمام الموت قائلًا “احرقوا كل كتبي. انظروا أنه هنا ينتظرني. احرقوا كل مؤلفاتي”(25).

وبينما فشل الإلحاديون في الإجابة عما بعد الموت فإن مسيحيِّ رومانيا الشيوعية كانوا يثبتون لهم الحياة بعد الموت بطريقة بسيطة، فيقولون “لنفرض أنك استطعت أن تخاطب جنينًا في رحم أمه، وأن تقول له أن حياة الجنين هي لمدة قصيرة فقط، تليها حياة حقيقية طويلة الآن، فماذا يكون جواب الجنين؟ أنه يجيب بمثل ما تجيبوننا تمامًا أنتم الملحدين عندما نتحدث إليكم عن السماء وجهنم، فيقول الجنين أن الحياة في رحم أمه هي الحياة الوحيدة، وكل شيء آخر فهو حماقة دينية، ولكن لو استطاع الجنين أن يفكر لقال لنفسه: ينمو لي هنا ذراعان لست بحاجة إليهما، كما إني لا أقدر أن أمدهما، فلماذا تنمو إذًا؟ ربما كان ذلك لحقبة قصيرة من الزمن في مستقبل حياتي حين يجب أن أشتغل بهما. كما إن رجلي تنموان أيضًا. لكن عليَّ أن أبقيهما منحنيتين نحو صدري، فلماذا تنموان؟ ربما سنلحق الحياة في عالم واسع وعليَّ أن أنسى آنذاك. كذلك العينان تتكونان أيضًا، ولكن حيث أنني محاط بظلمة شاملة فليس لي حاجة إليهما. فلماذا تنمو لي عينان؟ ربما سيخلف فيما بعد عالم نور وألوان.. وهكذا، فلو استطاع الجنين أن يتأمل نموه لعرف عن حياة خارج رحم أمه دون أن يراها. وهذا هو حالنا نحن أيضًا، فما دمنا صغار السن فلنا حيوية، إنما بلا عقل، لاستخدامها بصورة صحيحة، ولكن عندما ننمو في المعرفة والحكمة على مر السنين، ينتظرنا النعش ليوصلنا إلى القبر. فلماذا كان ضروريًا لنا أن ننمو في المعرفة والحكمة اللتين لا نستطيع استخدامها فيما بعد؟! ولماذا تنمو للجنين ذراعان ورجلان وعينان؟!

الجواب هو: تحضيرًا لما سيأتي! وهكذا هو حالنا نحن أيضًا هنا على الأرض. فنحن ننمو هنا في الخبرة، والمعرفة والحكمة استعدادا لما سيأتي في المستقبل، فنحن نتهيأ لخدمة أسمى بعد الوفاة”(26).

ه-عدم إدراك الله بالحواس لا يعني عدم وجوده:

عقل الإنسان المحدود يعجز عن إدراك الله الغير محدود، وإن كان عقل الإنسان المحدود ما زال عاجزًا عن إدراك أسرار وعجائب الطبيعة، فهل نطلب منه أن يدرك ويحوي ويحد الله؟ ولذلك قال الفيلسوف توما الأكويني “إن الله ليس كما نتصورّه أو نفهمه بمداركنا العاجزة، فإذا عرفنا أن الله بمفهومنا يكُف عن أن يكون إلهًا. فالعقل البشري أضيق من أن يحد اللامحدود، ولكننا نستطيع أن نعرفه فقط، لا أن نصل إلى إدراكه”(27). وقال الفيلسوف الهندي مانو “الإله هو الكائن الذي لا يمكن أن تحويه الحواس المادية، وليس بمقدور العقل أن يدركه على ما هو عليه. وذلك لاستحالة الكائن الجزئي أن يحوي الكائن الكلي”(28).

ويقول نيافة الأنبا موسى الأسقف العام “العقل والإيمان، إن العقل ليس ضد الإيمان، ولا الإيمان ضد العقل!! الإيمان لا يصادر العقل أو يلغيه، ولكنه يؤكد على محدودية العقل، ثم يكمل هو -أي الإيمان- المشوار معنا. تمامًا مثل التلسكوب، والعين المجردة. فالعين المجردة محدودة في إبصارها، ترى حتى مسافة معينة، ولا تستطيع أن تدرك تفاصيل الأمور البعيدة، مثل القمر مثلًا، العين تراه قرصًا جميلًا طالما تغزَّل فيه الشعراء، أما التلسكوب فيستطيع أن يُقرب الأمور البعيدة، ويجعلنا نرى الكثير من التفاصيل والتضاريس في هذا القمر، الأمر الذي تعجز عنه العين المجردة المحدودة. العقل مثل العين المجردة.. محدود، والإيمان مثل التلسكوب.. يُكمل لنا المشوار، ويقرب لنا الحقائق البعيدة وغير المحدودة، مثل الله والأبدية، لهذا يقول معلمنا بولس الرسول “بالإيمان نفهم أن العالمين أُتقنت بكلمة الله” (عب 11: 3) أي إن الإيمان يشرح لنا ما لا يستطيع العقل إدراكه، فالعقل محدود، والله غير محدود، وهيهات للمحدود أن يحتوي غير المحدود. هكذا يكون المنطق!..

إذًا فنحن نعرف الله بالروح بعد أن يتأمل العقل في أمور كثيرة، ويجد أنه محدود، وإنها أبعد منه وفوقه، فيسلم القيادة للروح، التي تسلم بدورها القيادة لروح الله، وهنا يدرك العقل محدوديته، ويسجد أمام اللامحدود واللانهائي.. أي أمام الله!

اللانهاية.. حقيقة منطقية. لا شك إن العقل محدود، بينما الأرقام غير محدودة، وأقصد رقم “اللانهاية ” فإذا ما حلقنا بالفكر في أفاق المستقبل لنحصي سنوات ما بعد سنة 2003 سوف نقول 2004 ثم 2005 ثم 2006 لنصل إلى “مستقبل لا نهائي غير محدود ” هو “الأبدية ” إذ يستحيل أن نجد حدودًا للأرقام، أو نهاية لها. فإذا ما رجعنا بفكرنا إلى الأعوام الماضية فسوف نقول 2002 ثم 2001 ثم 2000.. وسوف نصل أيضًا إلى ماضي سحيق لا نهائي.. هو “الأزلية ” إذًا هناك كائن أزلي (لا بداية له) أبدي (لا نهاية له) وهذا الكائن اللانهائي هو الله، مهندس الكون الأعظم، واجب الوجود، الحياة المانحة للحياة، والخالق الذي خلق الكل.. بالله الأصل، علة كل المعلولات، وأساس كل الموجودات.. الوجود الأول، واجب الوجود، وخالق الجميع”(29).

ورغم أن العقل عاجز عن إدراك الله لكن المسيحية لا تحتقر هذا العقل ولم تلغه كما فعلت الشيوعية، فقد سأل أحد مؤمني رومانيا أسيرًا روسيًا مهندسًا: هل تؤمن بالله؟ فأجابه “ليس لدي أمر عسكري بهذا الشأن لأؤمن، فلو كان لي أمر لأمنت”(30).

وكم من الأمور التي لا يراها الإنسان بالحواس الجسدية، ولكنه يشعر بتأثيرها ويؤمن بوجودها؟ وأكبر مثل على هذا القوة المغناطيسية والكهربائية والموجات الصوتية.. إلخ، فبالرغم إننا لا نرى الكهرباء لكننا نراها في المصباح المضيء، ونحس بها في حرارة المدفأة، ونشعر بها في حركة الموتور، وكم من كائنات دقيقة لا نراها بالعين المجردة ولكننا نراها تحت المجهر، وكم من أصوات خافتة لا نسمعها بالأذن المجردة ولكن نستطيع أن نستمع إليها من خلال الأجهزة المتخصصة، فعين النسر ترى ما لا نراه نحن إذ ترى الفريسة على بعد ثلاثة أميال، وأذن الغزال تلتقط حركة الزلزال قبل حدوثه بعشرين دقيقة. بل إن هناك فرقًا بين عالم الحقيقة وعالم الظواهر، فالسراب هو من عالم الظواهر وليس بحقيقة، والملعقة في كوب الماء نراها وكأنها مكسورة وهي ليست كذلك، ونرى للسماء لونًا وهي ليست كذلك.. إلخ.

فعدم رؤيتنا لله لا يعني عدم وجوده، ومن الطرائف التي تُذكر أن أحد الفلاسفة الملحدين في إحدى محاضراته لمجموعة من البسطاء قال إننا نرى أمورًا كثيرة، ولكننا لا نرى الله.. لماذا؟ لأن كل شيء موجود نراه، أما الله فلأنه غير موجود فلا نراه. فقال له أحد البسطاء: هل ذهبت إلى اليابان؟

أجابه الملحد: لا.

المؤمن البسيط: إذًا أنت لم ترَ اليابان، ولكنك تؤمن بوجودها ووجود اليابانيين لأنك ترى صنائعهم.

الملحد: نعم.

المؤمن البسيط: هكذا إن كنا لا نرى الله بالعين الجسدية، لكننا ندرك وجوده من خلال مصنوعاته.

وفي إحدى المرات أرادت مُدرسة أن تلقن البنات الصغار درسًا لا ينسونه عن إنكار وجود الله، فسألت إحدى البنات: ماذا ترين هناك؟

أجابت الصغيرة: شجرة.

المعلمة: كلنا نرى شجرة.. إذًا الشجرة موجودة.

وكرَّرت المعلمة السؤال عدة مرات عن أمور أخرى مثل الماء، والعصفورة والمنزل.. إلخ ثم سألت الفتاة الصغيرة: هل ترين الله؟

فقالت الفتاة: لا أراه.

المعلمة: نعم إننا لا نرى الله، لأن الله غير موجود، ولا يوجد شيء اسمه الله.

فتصدت لها فتاة أخرى صغيرة السن عظيمة الإيمان، واستأذنت أن توجه هي الأسئلة لصديقتها الصغيرة، فسألتها عن الشجرة والعصفورة والماء.. إلخ. ثم سألتها: هل ترين عقل المدرسة؟ فأجابتها: لا أرى عقل المدرسة، فقالت: إننا لا نرى عقل المدرسة، فهل معنى هذا إن المدرسة بلا عقل؟! وضحكت الفتيات، وعقبت هذه الفتاة المؤمنة: نحن لا نرى عقل المدرسة ولكننا نصدق أن لها عقلًا، وهكذا مع إننا لا نرى الله بأعيننا المادية، فإننا نؤمن بوجوده.

و- الشعور الداخلى بوجود الله:

عندما خلق الله الإنسان على صورته ومثاله وضع بداخله حقيقة وجوده، ولذلك تجد الإنسان يسعى دائمًا نحو الله، وما الديانات القديمة إلا هي محاولات بحث الإنسان عن الله، ولو تجولت في ربوع التاريخ فقد تجد أمورًا أساسية عاش الإنسان بدونها مثل المسكن المستقر، وعملات التعامل، والمدارس والمستشفيات والمحاكم. إلخ. ولكنه لم يستغن قط عن دور العبادة ولو في أبسط صورها.. حقًا قال الكتاب المقدَّس ” جعل الأبدية في قلبهم التي بلاها لا يدرك الإنسان العمل الذي يعمله الله من البداية إلى النهاية” (جا 3: 11) وقال القديس أوغسطينوس ” إن الله نصب في داخل الإنسان ديونًا جعل العقل قاضيًا، والضمير مدعيًا، والفكر شاهدًا، وكتب بإصبعه آيات وجوده، ووحدانيته، وأزليته، وعنايته بالعالم(35) وقال الفيلسوف ديكارت ” تتبع فكرة اله نبعًا طبيعيًا في النفس كأنها علامة الصانع على صنعه(36) وقال الفيلسوف الألماني ” كانت ” عن هذا الشعور الباطني إن هناك ” شيئان يملأن نفسي روعة وإعجابًا لا يفتآن يتجددان وهما السماء ذات النجوم فوق رؤوسنا، والشريعة الأدبية في داخلنا(37) فالإنسان جمع بداخله ما هو زمني بما هو أبدى، وما هو أبدى في الإنسان يسعى نحو الله الأبدي، والإحساس بوجود الله يعطى الإنسان ضبطًا لنفسه، فلا يملك مثل الأبقوريين الذين قالوا ” لنأكل ونشرب فإننا غذًا نموت ” ويقول ديستوفسكى ” إن لم يكن الله موجودًا فكل شيء مباح”(38).

صلى شاب ملحد قائلًا ” أللهم، أنا متأكد أنك غير موجود ولكن إن شاءت الأقدار أنك موجود، مع إننى أتحداها، فليس من واجبى عندئذ أن أعتقد بك، إنه من واجبك أنت أن تعلن ذاتك لي”(39) ورغم إلحاد ” لينين ” رئيس وزراء الإتحاد السوفيتي، فإنه عند تفاقم المشاكل أمامه أخذ يصلى لله، وعندما إلتقى ريشار وورمبراند مع مقدم روسي وضابطة روسية ملحدان في أحد الحوانيت، ولأن صاحب الحانوت لا يعرف الروسية فقد تفضل ريشار بالقيام بدور المترجم، ثم دعاهما للغذاء في بيته، وعندما جلسوا إلى المائدة قال لهما ” أنتما في بيت مسيحي، وقد اعتدنا أن نصلى على المائدة وبعد الصلاة انهمكا في الحديث عن الله والكتاب المقدَّس حتى آمنا قبل أن يتناولا طعامهما(40) وكان المسيحي إبان الحكم الشيوعي يثبت حقيقة شخصية السيد المسيح ببساطة فيقول ” فمن أين جاء عام 1970م؟ هل جاء من شخص لم يعش أو لم يلعب دورًا هامًا في التاريخ؟ فأنت تقول إن يسوع المسيح لم يعش، ولكنك تعد السنين من يوم ولادته! طبعًا كان الوقت موجودًا قبله، ولكنه لما جاء إلى العالم بدا الناس وكأن كل ما سبقه لم يكن له أي قيمة وإن الوقت الحقيقي بدأ عند ولادته. فصحيفتك الشيوعية هذه لهى الدليل الأعظم على إن المسيح عاش حقًا وإنه لم يكن خيالًا(41). حقًا قال القديس أغسطينوس ” يا إلهي سيظل القلب مضطربًا، ولن يجد راحته إلا فيك”(42)(43).

ز- وجود الله لا يلغى وجود ولا كرامة الإنسان:

ح- الكتاب المقدس:

ليس الكتاب المقدَّس مؤلف أسطوري كما قال أهل الإلحاد، إنما هو كتاب الحياة الموحى به من الروح القدس، ويحمل علامات صدقه داخله، فما حواه من نبوءات تحقق معظمها، والآخر في طريقه للتحقق لهو أعظم شاهد على صحة الكتاب المقدَّس، فقد حوى هذا الكتاب العجيب ليس نبوة أو بعض نبوءات، إنما حوى مئات النبوءات العجيبة والتي كان يصعب تصديقها لحظة النطق بها، وهناك فقط نحو ثلثمائة نبوءة نطق بها أنبياء مختلفين، ذوى ثقافات مختلفة، وأعمال وأعمار متباينة، وفي عصور متتالية، وفي عدة أماكن وجميعها تتعلق بشخص السيد المسيح، وقد تحقق معظمها، حتى إنه خلال الأربعة والعشرين ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض تحقق نحو ثلاثين نبؤة، ويقول ” د. بيتر سوفر ” أحد علماء الرياضيات في إحدى جامعات أمريكا إن احتمال تحقق 48 نبوءة على شخص واحد هو احتمال ضئيل جدًا جدًا، ولو حسب بلغة الأرقام فإنه يساوى 1:10(17)، أي واحد إلى واحد على يمينه 18 صفرًا، ولتقريب المعنى قال لو غطينا أرض تكساس بالكامل بدولارات فضية بسمك 60 سم، وفي كل هذا الكم الهائل وضعنا علامة على دولار واحد، فإن الفرصة عثورنا على هذا الدولار لأول مرة نبحث عنه هي فرصة ضئيلة جدًا جدًا وتساوى 1:10(17).

كما إن الآثار تثبت يومًا فيومًا صحة كل ما جاء في الكتاب المقدَّس(55). أما تأثير الكتاب العجيب في تغيير النفوس فهو شاهد عظيم على سماوية هذا الكتاب، فعندما قام ” تشارلز داروين ” صاحب نظرية ” النشوء والارتقاء ” بجولة حول العالم وعرف تاريخ الأمم، كتب في جرناله (يومياته)(56) يقول إنه لم يكن هناك بلدًا أسوا من نيوزيلاند قبل إيمانها، وعندما عاد إلى إنجلترا وجدهم يفتقدون بشدة المبشرين ما قد صار في نيوزيلاندا من إلغاء الذبائح البشرية التي تقدم تحت سيطرة كهنوت وثنى لم ير العالم مثيلًا له في الشر، ومنع (الإيمان بالمسيح) قتل الأطفال، وأنهى الحروب الدموية التي لم تكن تشفق على طفل ولا على امرأة، وقلل الغش والسكر والفحشاء، وذلك بإدخال المسيحية فيها، ولو ارتطمت سفينة على جزيرة غير معروفة لصلى الإنسان صلاة حارة وتمنى أن يكون أهلها قد سمعوا بتبشير المبشرين حتى يطمئن على حياته..

إن عمل المبشر هو بمثابة عصا الراقي، فترى البيوت تبنى والحقول تحرث والأشجار تغرس بأيادي نفس النيوزيلانديين. إن التحسن المطرد الناتج عن انتشار الإنجيل في جزر البحر الهادي لهى من النوادر في التاريخ(57).

وأيضًا المعجزات التي تصاحب المؤمنين بالكتاب المقدس من جيل إلى جيل هي شاهد عيان على حقيقة وجود الله وصحة كتابه المقدس، ومهما أنكر الإلحاديون المعجزات فلم ولن ينجحوا في هذا، وعندما أراد أحد أساتذة الشيوعيين أن يعطى مثلًا عمليًا في أحد الاجتماعات على تكذيب معجزة قانا الجليل، أحضر ماء، ووضع فيه مسحوق أحمر فتحول الماء إلى اللون الأحمر وقال ” هذه هي المعجزة بكاملها، فقد خبأ يسوع في كمه مسحوقًا من هذا النوع، وادعى أنه حول الماء إلى خمر بتلك الصورة العجيبة! ولكنني أستطيع أن أفوق عمل يسوع، فأنا أقدر أن أعيد هذا الخمر إلى ماء مرة أخرى(58) ثم وضع مسحوقًا آخر فعاد الماء إلى اللون الأبيض، ثم عاد ووضع من المسحوق الأول فتحول اللون إلى الأحمر ثانية.. فقال له أحد المؤمنين: حقًا لقد أدهشتنا أيها الأستاذ الرفيق بما استطعت أن تفعله، ونحن نسألك الآن أن تفعل شيئًا واحدًا فقط، ألا وهو أن نشرب جرعة واحدة من خمرك.

الأستاذ: هذا ما لا قبل لي أن أفعله لكون المسحوق مادة سامة.

المؤمن: هذا هو الفرق الشاسع بينك وبين يسوع، فقد وهبنا يسوع بخمره رمز الفرح السماوي لمدة ألفى سنة تقريبًا، فيما حاولت أنت أن تسممنا بخمرك، فألقى القبض على هذا الشاهد الشجاع وطرح في غياهب السجن.

ودائما وأبدًا كان الكتاب المقدَّس هو العدة والسلاح في الحرب ضد الإلحاد.. انظر ما كتبه ريشار وورمبرلد وهو يلتمس من مسيحي أوربا أن يرسلوا إلى الدول الشيوعية الكتاب المقدَّس كلمة الله، فيقول ” لا تتخلوا عنا! لا تنسونا! لا تهملونا! قدموا لنا العدة التي نحتاج إليها! لأننا مستعدون أن ندفع ثمن استعمالها.. إنني أتكلم باسم الكنيسة التي خنق صوتها. الكنيسة الخفية الخرساء، التي لا صوت لها كي تتكلم. اسمعوا أصوات إخوانكم وأخواتكم في بلاد شيوعية! إنهم لا ينشدون الهرب، أو يطلبون حماية أو حياة سهلة، إنهم يطلبون العتاد فقط لكيما يحموا شباب الجيل القادم من سم الإلحادية. إنهم يطلبون الكتب المقدسة لكي ينشروا كلمة الله، فكيف يمكنهم أن ينشروها إن لم تكن في حوزتهم.

تشبه الكنيسة السرية جراحًا كان يسافر في قطار، فاصطدم القطار بقطار آخر، وترك وراءه مئات الجرحى على الأرض بحالة رضوض وكسور وموت، فأخذ هذا الجراح يتعثر بين هؤلاء المصابين وهو يصرخ آه، لو كانت عدتي معي!.. آه، لو كانت عدتي معي!.. فلو عدته معه لاستطاع هذا الطبيب أن ينقذ حياة كثيرين، لأنه كان مستعدًا أن يقوم بالعمل، ولكن.. لكن نقصته عدة الطبابة. لذلك بقى مكتوف اليدين. هذا هو واقع الكنيسة الخفية، فهي مستعدة أن تضحى بكل ما تملك! وهي مستعدة بالتالي أن تستشهد في سبيل المسيح، وهي مستعدة أن تجازف بحياة سنين طويلة في سجون شيوعية! ولكن.. لكن جميع استعداداتها لا تأتى بنتيجة إن لم تملك عدة العمل. فتوسل الأمناء والشجعان في الكنيسة السرية إليكم أنتم الأحرار هو هذا: قدموا لنا العدة من كتب مقدسة، بشائر وكتب مسيحية أخرى(59)..

ووصل إلى ريشار كتب مقدسة مهربة عبر الأسوار المنيعة، وفي أحد الأيام جاء إليه رجلان قادمين من إحدى القرى للعمل في المدينة لاكتناز بعض المال بغية شراء كتاب مقدس قديم، ولم يصدقا أعينهم عندما قدم لهم ريشار كتابًا جديدًا ومجانًا، وبعد أيام قليلة استلم ريشار رسالة شكر حارة موقع عليها من ثلاثين شخصًا قسموا الكتاب المقدَّس إلى ثلاثين جزءًا استبدلوها فيما بينهم، فأن الشخص في الدول الملحدة كان مستعدًا أن يتنازل عن بقرته التي تمثل كل ثروته مقابل الحصول على كتاب مقدس، وأحد الأشخاص استبدل خاتم زواجه بعهد جديد(60).

ط- وصايا الإنجيل:

تنفيذ وصايا الإنجيل في الظروف القاسية دليل قوى على صحة هذا الإنجيل، ويقول ريشار وورمبرلد ” ومع إنني أمقت النظام الشيوعي مقتًا شديدًا، فأنا أحب الشيوعيين أنفسهم. أجل، إنني أحبهم من كل قلبي، ومع إن الشيوعيين يستطيعون أن يفتكوا بالمسيحيين، غير أنهم ليس بإمكانهم أن يقتلوا محبتهم نحو قاتليهم، فليست لدى أية مرارة أو ضيق نحو الشيوعيين أو نحو الذي عذبوني(61) كما يقول “قابلت مؤمنين حقيقيين في سجون شيوعية مثقلة أرجلهم بسلاسل حديدية يزيد وزنها على خمسة وعشرين كيلو غرامًا، معذبين بأسياخ حديدية محماة بالنار، مرغمين على ابتلاع كميات من الملح دون أن يقدم لهم الماء فيما بعد، جياعًا مجلودين ومتألمين من البرد، ولكن بذات الوقت كانوا يصلون بحرارة من أجل معذبيهم الشيوعيين. هذا ما لا يمكن للعقل البشرى أن يفسره، فهو محبة المسيح التي انسكبت في قلوبنا بالروح القدس(62).

وعندما سمح لأحد المحكوم عليهم بالإعدام بمقابلة زوجته قبل تنفيذ الحكم قال لها “عليك أن تعرفي يا زوجتي العزيزة إنني أحب قاتلي، فهم لا يعلمون ماذا يفعلون، وطلبي إليك هو أن تجيبهم أنت أيضًا. لا تسمحي للمرارة أن تستقر في قلبك ضدهم باعتبارهم سفاحي زوجك المحبوب”(63).

ومقابل ما تحمله المسيحيون من جلاديهم، قدموا لهم الخير، وأهم ما قدموه لهم هو كلمة الله، فكان ريشار وورمبراند يرسل ابنه الصبي “ميهاى” مع بعض رفاقه يحملون في السر أجزاء من الكتب المقدسة للجنود الروس المنتشرين في شوارع وحدائق رومانيا، وهؤلاء الجنود الذين طالما حرموا من أولادهم لسنين طويلة بسبب انشغالهم بالحروب، كانوا يفرحون بهؤلاء الأولاد ويأخذون منهم البشائر ويقدمون لهم الحلوى، وبواسطة كلمة الله عرف عدد كبير من الجنود الملحدين لله وآمنوا به، وفي عيد استشهاد بطرس وبولس الرسولين شق ريشار طريقه إلى المعسكر الروسي بحجة شراء بعض الساعات من الجنود الروس، فالتف حوله بعض الجنود يعرضون ما معهم من ساعات، فأخذ يتعلل: هذه باهظة الثمن وهذه صغيرة وتلك كبيرة. ثم سألهم بنوع من المزاح: من منكم اسمه بطرس أو بولس؟ فوجد منهم من تسمى بهذا الاسم أو ذاك، فقال لهم: هل تعلمون من هو بطرس أو بولس؟ فأجابوه بالنفي، فأخذ يقص عليهم ” فقال أحدهم: أنت لم تأت من أجل الساعات بل من أجل البشارة بالمسيح، وهؤلاء الجنود محل ثقة، فاستمر في حديثك، وإذا أقبل أحد الجنود غير الموثوق فيهم سأضع يدي على ركبتي فتحدث عن الساعات، حتى إذا ذهب هذا الشخص ورفعت يدي، يمكنك أن تستكمل حديثك، وتكررت اللقاءات حتى آمنوا.

ورغم إنه كان غالبًا عضوًا من كل أسرة من أهل رومانيا يلقى في غياهب السجون يلاقى الأهوال، ولا يعرفون عنه شيئًا، ورغم ضيق اليد للمؤمنين الذين حافظوا على إيمانهم سرًا، فإن الكارزين بالمسيح كانوا يقفون في الشوارع يرنمون ويعظون، وقبل أن تصلهم الشرطة إليهم كانوا يختفون عن الأنظار، وكان البعض يجاهر بإيمانه متحملًا تبعة ذلك من عذابات تصل إلى حد الموت، ففي إحدى المرات اندفع شخصان نحو رئيس الحكومة “جورجيو ديج” وشهدا أمامه عن المسيح فأمر بالزج بهما في السجن، ولكن شهادتهما أثمرت لأن جورجيو وهو في نهاية حياته طريح الفراش عاد إلى الإيمان بالمسيح، وكان المؤمنون يطيعون النبذات التي تحمل صور كارل ماركس، وتحت عنوان ” الدين أفيون الشعوب ” وعلى الصفحات الأولى اقتباسات عن ماركس ولينين وستالين، ثم تحمل الصفحات التالية رسالة الخلاص، وطالما قاموا ببيع هذه النبذات وسط المظاهرات الشيوعية، واختفوا عن الأنظار قبل القبض عليهم.

ى- صلابة الإيمان:

لقد فعل الشيطان وجنوده وأعوانه كل ما يستطيعون أن يفعلوه بأبناء الله الأمناء، فيكفى اعتراف الإنسان بأنه مسيحي ليزج به في سجون سيبيريا حيث يلاقى الأهوال حتى الموت، أما إذا كان صاحب شخصية مرموقة فإنهم يكتفون بنفية خارج البلاد، وقصص الشهداء والمعترفين في الدول الملحدة التي لا حد لها تسيل الدموع وتدمى القلوب، وإذ أجدني مدفوعًا بقوة لا تقاوم أقدم لك يا صديقي أمثلة قليلة مشرفة من هؤلاء الأبطال الذين دفعوا ثمن الإيمان بالعذاب والعرق والدم والموت، وإليهم يرجع الفضل في القضاء على الإمبراطورية الشيوعية، كما قضى آباؤهم في الإيمان منذ القديم على الإمبراطورية الرومانية الوثنية.

لقد أغلق الشيوعيون الملحدون عددًا كبيرًا من الكنائس، وتركوا القليل كنوافذ للضبط والمراقبة للمؤمنين، وكان معظم رعاة هذه الكنائس من عملاء البوليس السري يتعاونون مع الشيطان ضد أبنائهم، ولكن قليل من هؤلاء الرعاة كانوا أمناء لدرجة الموت، ففي إحدى المرات ذهب ضابط ليقابل قسًا في هنغاريا بمفرده، فلما اقتاده هذا القس إلى غرفة وأغلق الباب، التفت الضابط للصليب المعلق على الجدار، وقال للقس محتدًا “إنك تعلم أن هذا الصليب هو كذب وبهتان، فهو ليس أكثر من مجرد خدعة تستخدمونها أنتم أيها القسوس لتغشوا هذا الشعب المسكين.. اعترف لي إنك لم تؤمن يومًا أن يسوع المسيح هو ابن الله الحي.

فابتسم القس وقال: أنا أؤمن بأن يسوع المسيح هو ابن الله الحي أيها الشاب المسكين، فهذه هي الحقيقة، وصرخ الضابط وقد صوب مسدسه نحو القس قائلًا: إن لم تعترف لي أن هذا كذب لسوف أطلق النار عليك.

القس: أنا لا أستطيع أن أعترف بذلك لأنه غير صحيح، فربنا يسوع المسيح هو ابن الله بالحق والصدق.

فألقى الضابط بمسدسه على الأرض واحتضن القس والدموع تترقرق في عينيه قائلًا ” هذا هو عين الحق والصواب. هذا هو الصدق، فأنا أيضًا أؤمن بذلك، ولكنني متشككًا فيما إذا كان الناس مستعدين أن يستشهدوا في سبيل إيمانهم هذا، إلى أن تحققت من ذلك بنفسي. آه، إنني لشاكر لك، فقد قويت إيماني، والآن فأنا أستطيع أن أموت من أجل المسيح، فقد أريتني كيف يمكن أن يكون ذلك(64).

ويصف ريشار وومبراند شيئًا من العذابات التي تعرض لها أبطال الإيمان في البلاد الملحدة فيقول ” عذب ” فلورسكو ” أحد قسوس الكنيسة بواسطة أسياخ حديدية محماة بالنار وبالسكاكين أيضًا، وقد عذبوه بضراوة، ثم أطلقوا جرذانًا جائعة بواسطة أنبوب حديدي إلى غرفة سجنه، فلم يستطع النوم بتاتًا إذ حاول أن يدافع عن نفسه بطردها عنه، ومتى توقف قليلًا كانت الجرذان تهاجمه وتنهش جسمه، ولقد اضطر أن يقف على رجليه لمدة أسبوعين كاملين.. لمدة أسبوعين كاملين ليلًا ونهارًا، فقد أراد الشيوعيون أن يرغموه على تسليم إخوانه في الإيمان، ولكنه قاوم تعذيبهم بشدة وصبر.

وفي النهاية أحضروا ابنه الذي كان له من العمر أربع عشرة سنة فقط، وأخذوا يجلدونه أمامه بسياطهم قائلين له إنهم سيستمرون بضربه إلى أن يعترف لهم بما أرادوه منه، فكاد الرجل المسكين أن يجن، وقد تحمل قدر استطاعته، ولكنه لما عجز عن الاحتمال نظر إلى المتألم وقال له (يا ولدى أسكندر، على أن أعترف لهم بما يريدونه، فلا أستطيع أن أراهم يضربونك فيما بعد) فأجابه ابنه (يا والدي لا تظلمني بجعل نفسك والدًا خائنًا. أثبت يا والدي، فإن قتلوني فسأموت على شفتي الكلمات يا يسوع ومسقط رأسي) وعلى إثر ذلك جن جنون الشيوعيين وانهالوا يكيلون للابن الضربات القاسية إلى أن أزهقوا روحة الطاهرة، والدم يتناثر على جدران الغرفة في السجن. لقد مات وهو يحمد الله (أيها الفتى إسكندر أطلب من أجل ضعفي).

لقد كبلوا أيدينا بقيود حديدية ذات أسنان حادة من الداخل، فهي لا تؤثر علينا إن لم نأت بحركة، ولكن عندما كانت غرفنا باردة وارتعدنا من البرد القاسي، نهشت تلك الأسنان أيدينا إلى أن مزقت جلودنا.

وقد علق بعض المؤمنين الآخرين بحبال رأسًا على عقب، وضربوا بوحشية ضارية مما جعل جسمهم يتأرجح ذات اليمين وذات الشمال بسبب عنف الضربات، ووُضِعَ مؤمنون آخرون في صناديق للثلج وقد غشاها الجليد من الداخل، وقد وضعوني أنا أيضًا في إحداها بثياب رقيقة جدًا، وكان أطباء السجون يراقبون السجناء داخلها من خلال ثقوب صغيرة في جوانبها، وما أن لاحظوا مظاهر التجلد المميت علينا حتى نادوا الحراس لكي يخرجونا منها بسرعة ويدفئوننا مرة أخرى، حتى إذا ما نلنا قسطًا من الدفء أعادونا إليها ثانية لتجليدنا، وقد أعادوا الكرة مرارًا وتكرارًا.. وهذا ما يجعلني أخشى اليوم أن أفتح ثلاجة الطعام.

وضعونا نحن المؤمنين في صناديق خشبية أكبر من حجمنا بشيء زهيد جدًا، مما لم يترك لنا مجالًا للحراك أبدًا، وقد دقوا في هذه الصناديق من كل جهاته عشرات المسامير تبلغ رؤوسها من الداخل حدة الموس. كان الأمر سهلًا إذا وقفنا بسكون تام، ولكنهم أرغمونا على الوقوف في هذه الصناديق لمدة عدة ساعات طويلة، وعندما شعرنا بالتعب والإعياء وألقينا جسمنا على جوانب الصندوق طلبًا للراحة غرزت هذه المسامير في أجسادنا.. فما صنعه الشيوعيون بالمؤمنين يفوق وصف العقل البشرى وإدراكه. شاهدت الشيوعيين يعذبون المؤمنين وقد تألقت وجوههم بالبهجة، وكانوا يصرخون في وجوههم وهم يعذبونهم “نحن الأبالسة!”. إننا لا نحارب مع لحم أو دم، بل مع الرياسات والسلاطين وقوات الشر الجهنمية(65)..

وإحدى الفتيات كانت توزع بعض البشائر وتعلم الأولاد عن المسيح سرًا، فقرروا اعتقالها، ولكنهم أجلوا الاعتقال إلى يوم زفافها، وفي يوم زفافها هرع البوليس السري إلى داخل بيتها فمدت يديها ليكبلوها بالقيود، وهي تقبل السلاسل وتقول “أشكر عريسي السماوي يسوع من أجل هذه الدرة التي قدمها لي في يوم زفافي. أشكره لأنه حسبني أهلًا أن أتألم من أجله، بينما الأهل يولولون والعريس يتحسر لوعة، فهم يعرفون أهوال سجن الإلحاد، وبعد خمس سنوات أفرج عنها وكأنها أكبر من سنها بثلاثين عامًا، وكان عريسها في انتظارها، وهي تقول له إن ذلك كان أقل ما يمكنها أن تفعله من أجل المسيح(66).

ويقول ريشار وورمبراند أنه أثناء التحقيق معه ” استمر التعذيب والوحشية دون هوادة، وعندما فقدت وعيي وأصبحت كالثمل بحيث لم أستطع أن أقدم لمعذبي أية اعترافات، اقتادوني إلى غرفتي مرة ثانية. وهناك تركوني ملقى على الأرض دون عناية وشبه ميت، إلى أن استعدت بعض قواي ونشاطي ليعودوا إلى مرة أخرى للاستجواب. لقد قضى كثيرون نحبهم عند هذا الحد، ولكن قوتي عادت إلى بصورة غريبة، وفي الأعوام التي تلت، والتي قضيتها في سجون عديدة، كسروا أربع فقرات من عمودي الفقري وعظامًا أخرى كثيرة، وقد نقروا في جسمي اثنتي عشرة نقرة بالسكاكين وفتحوا فيه ثماني عشرة ثغرة آخرة كيًا بالنار.. فقد ضربوني بوحشية ولكموني بقسوة ضارية! هانوني واستهزأوا بى! أجاعوني، ضغطوا على واستجوبوني(67) وبعد ثماني سنوات ونصف أفرجوا عنه سنة 1965م لمدة أسبوعين ألقى خلالها عظتين مثبقًا للمؤمنين حاملًا في جسده سمات الرب يسوع، ثم عادوا وقبضوا عليه ليقضى ثلاث سنوات أخرى في ظروف أصعب وأشد ضراوة، وبلغ إجمالي ما قضاه في سجن الإلحاد أربعة عشر عامًا. أما زوجته فقد قبض عليها وذاقت الأهوال حتى أكلت العشب كالثيران، وترك ابنه “ميهاى” بدون عائل، وكانت مساعدة عائلات الشهداء والمساجين تعتبر جريمة، فعندما قدمت سيدتان المعونة للصبي الصغير ميهاى تعرضتنا للضرب المبرح حتى أصيبنا بالشلل الدائم، وعندما استضافت سيدة أخرى ميهاى ضربت حتى تساقطت جميع أسنانها، وعندما اهتز إيمان الصبي ميهاي، وهو في سن الحادية عشر من عمره، وعمل كعامل صغير لكيما يجد لقمة العيش، وإذ سمح له بمقابله أمه من وراء القضبان الحديدية وظهرت في حالة يرثى لها نحيلة ومتسخة وهي ترتدي ملابس السجن البالية ويديها خشنتين من قسوة العمل، فتعرف عليها بصعوبة بالغة، وكانت أول كلماتها لابنها ” آمن بيسوع يا ميهاى ” ولم يسمح لها الحراس بأكثر من هذا، إذ جذبوها بوحشية وجروها بعيدًا عن ابنها الذي راح يبكى، ومن هذه اللحظة اشتد إيمانه بالله قائلًا ” لنفرض أنه لا توجد للمسيحية أية حجج سوى تلك التي ملكتها أمي فهذا الأمر يكفيني(68).

وكانوا يعذبون المساجين بالجوع الشديد، فيقدمون لهم قطعة خبر كل أسبوع حتى صاروا أشبة بهياكل عظمية، وصاروا كالمعتوهين، حتى إن ريشار لم يقو على تلاوة الصلاة الربانية، فكانت صلاته عبارة عن كلمتين فقط هما ” أحبك يا يسوع ” والأمر المدهش أن هؤلاء المساجين كانوا يقدمون العشور من ضروراتهم.. كيف؟ كان يتخلون عن قطعة الخبز الخاصة بهم في الأسبوع العاشر لمن هو أضعف منهم.

حقًا إن هؤلاء الأبطال لم يحبوا حياتهم حتى الموت، فالشاب “ماتشيفي” في سجن “تيرجو أوكتا” الذي كان له من العمر ثمانية عشر عامًا وقد أصيب بمرض السل بسبب التعذيب وصعوبة السجن، وعندما علمت أسرته أرسلت له العلاج، فأعلمه ضابط السجن وطلب منه مقابل تسليمه الدواء الذي سينقذ حياته أن يعطيه بعض المعلومات عن زملائه المؤمنين، فقال له تبرغوا أنني لا أريد أن أبقى حيًا فاستحى برؤية وجه خائن في مرآة. فأنا لا أستطيع أن أقبل هذا الشرط. أنني أفضل الموت على ذلك، ومات تبرعوا بطلًا شهيدًا.

وعندما تسلمت ” كولموندة ” جثة زوجها الذي قتل في السجن وترك لها أربعة أطفال صغار، لاحظت علامات الاصفاد التي كبلت يديه، والحروق التي لحقت بيداه وأصابعه والأقسام السفلى من رجليه، ووخز السكاكين على القسم الأسفل من معدته، وانتفاخ رجله اليمنى، وعلامات الضرب التي برزت على رجليه الاثنين، فقد كانت الجثة كلها مشوهة بسبب الضرب، وتجمع المؤمنون نحو 1500 شخصًا في مسيرة ضخمة لتوديعه وكل منهم يعلم أن نهايته ربما تكون هي نهاية هذا الشهيد، وأكثر من هذا أنهم حملوا لافتات كتب عليها ” لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح” (في 1: 21).. ” لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها” (مت 10: 28).. “رأيت تحت المذبح نفوس الذين قتلوا من أجل كلمة الله” (رؤ 6: 9).

ويقول ريشار وورمبراند ” والنساء المسيحيات يلاقين عذابًا يفوق عذاب الرجال في السجن، فقد اغتصبت الفتيات من حراس وحشيين، والسخرية، بالإضافة إلى المناظر القبيحة، لهو أمر مرعب، وقد أجبروا النساء على العمل الشاق في حفر القنوات، وكان عليهن أن يقمن بالعمل كالرجال.. وقد أقاموا عليهن بعض المراقبات الساقطات الزانيات، فتسابقن في تعذيب المؤمنات، وقد أكلت زوجتي العشب كالثيران لتبقى حية. وكذلك أكل السجناء الجرذان والحيات عند حفر قناة ليبقوا أحياء، وكان من أبهج تسليات الحرس أيام الآحاد هي أن يلقوا النساء في نهر الدانوب ليخرجن من الماء مرة أخرى فيسخرون بهن بنظرهم إلى أجسامهن المبتلة. وقد أعادوا الكرة مرارًا وتكرارًا، وهكذا فعلوا بزوجتي أيضًا(69).

وأشارت الصحف الروسية في إحدى المرات إلى القبض على اثنين وثمانون مؤمنًا بالمسيح ووضعهم في مستشفى الأمراض العقلية، وتحت وطأة العذاب مات أربعة وعشرون منهم فأشارت الصحف الروسية أن هؤلاء ماتوا بسبب الصلوات الطويلة.. فهل لنا أن نتصور ما عاناه هؤلاء الشهداء؟!، وأشارت صحيفة “سوجتسكايس روسيا” في 4 يونيو 1963م إلى سيدة مؤمنة عدم ليس الطليعة الحمراء(70).

وكان القبض على مؤمن في بلاد الإلحاد يعنى تجويع أسرته فيقول ريشار وورمبراند “فما أن يعتقل أحد أعضاء الكنيسة السرية، حتى تلسع عائلته دراما مؤلمة، فيصبح إعانتها ممنوعة قانونيًا منعًا باتًا. هذا هو مخطط الشيوعيين المدروس لكي يضيفوا إلى آلام الزوجة المنكوبة وأولادها الذين تركهم الزوج خلفه، وعندما يساق المؤمن إلى السجن وغالبا إلى العذاب والموت لا تكون الآلام إل في طورها البدائي، أما عائلته فتتعذب إلى ما لا نهاية، وأقول لكم الحق أنه لولا المؤمنون العاديون في البلدان الحرة والذين أرسلوا لي ولعائلتي المعونات المتنوعة، ما أمكننا أن نعيش لنكون بينكم ونسجل هذه الأسطر!

هناك في هذا الوقت بالذات (1966م) موجة اعتقال شاملة ضد المؤمنين في روسيا وغيرها أيضًا في البلدان الشيوعية، ويتصاعد عدد الشهداء يومًا بعد آخر. ومع أنهم يمضون إلى قبورهم، وبالتالي إلى مكافأتهم السماوية، غير أن عائلاتهم تعيش في أحوال يرثى لها، فنحن نستطيع، بل ويجب علينا، أن نساعدهم..

عندما ضربوني على باطن قدمي صرخ لساني، ولماذا صرخ لساني؟ فهو لم يضرب! صرخت لأن اللسان والرجلين جزء لا يتجزأ من الجسم الكامل، وأنتم أيها المؤمنون الأحرار، أنتم جزء من ذات جسد المسيح الذي يتألم الآن في السجون الشيوعية، والذي يستشهد من أجل المسيح.. لقد برزت إلى الوجود مرة أخرى الكنيسة الأولى بكل جمالها، تضحيتها، وتكريسها في البلدان الشيوعية.. أخوتنا هناك، لوحدهم وبدون أية معونة، يخوضون أعظم معركة عرفها القرن العشرون، تضاهى في بطولتها الكنيسة الأولى وتكريسها(71).

وكان ثمن كرازة السجين لزملائه الضرب المبرح، وفرح الكارزون السجناء بالكرازة، وفرح الشيوعيون بضربهم، فكانت صفقة بين الطرفين، فأحد الأشخاص ضبطوه يكرز لزملائه فلم يدعوه يستكمل جملته، وحملوه إلى غرفة الضرب، ثم أعادوه مرضضًا داميًا، وما أن استعاد قدرته على الكلام حتى أكمل جملته وحديثه لزملائه الذي التفوا حوله، ورأوا فيه صلابة الإيمان بالمسيح.

وتحول المؤمنون الأحرار إلى كارزين في الخفاء ” تعترف الصحف الشيوعية أن الجزارين يضعون النشرات المسيحية ضمن الأوراق التي يلفون بها للحوم المباعة (للمؤمنين) وكذلك تعترف الصحافة الروسية بأن المؤمنين العاملين في دور النشر الشيوعية، يعودون إلى مطابعهم في الليل لطبع ألوف النشرات المسيحية، ثم يغلقونها مرة أخرى قبل شروق الشمس، وتعترف الصحافة الروسية أيضًا أن بعض الأولاد قد حصلوا على أجزاء من الإنجيل.. ووضعوها في جيوب معاطف أساتذتهم المعلقة في غرف المعاطف في المدرسة، فجميع أعضاء الكنيسة من رجال ونساء وأولادهم هم قوة إرسالية عظيمة، أشداء، نشيطون ورابحون للنفوس في كل بلد شيوعي(72).

وهكذا كانت الكنيسة قوية في هذه الظروف الرهيبة، فيقول ريشار وورمبراند “ومع أن الكنيسة السرية في البلاد الشيوعية فقيرة ومتألمة، ولكنها لا تضم أعضاء فاترين. وإن اجتماعًا دينيًا فيها لأشبه باجتماع في تاريخ الكنيسة في القرن الأول، فالواعظ لا يجيد العلوم اللاهوتية.. الآيات الكتابية غير معروفة كما يجب في البلدان الشيوعية، لأنك قل ما تجد كتابًا مقدسًا فيها. أضف إلى هذا كلمة، فقد يكون الواعظ رجلًا قضى سنين عديدة في السجن بلا كتاب مقدس(73) وكانوا يصلون في الغابات المنعزلة “لقد استبدلت زقزقة الطيور الجميلة موسيقى الأرغن، وكان شذا الورود العطرة بخورًا لنا.. وكانت شموعنًا متمثلة بالقمر والنجوم التي أضاءتها الملائكة. إنني أعجز عن وصف هذه الكنيسة وجمالها، وكم من مرة ألقى القبض على المؤمنين بعد اجتماع سرى وزجوا في السجن! وهنا يتقلد المؤمنون السلاسل الحديدية على أعناقهم بسرور كما تتقلد العروس حليها الجميلة والمقدمة لها من حبيبها. كما إنك تحصل في السجن على قبلات يسوع وعناقه، فلا تستبدل مكانك بقصور الملوك، والحق يقال فأنا لم أجد مؤمنين سعداء بالحق إلا في الكتاب المقدَّس وفي الكنيسة السرية وفي السجون الشيوعية(74).

وانتصر الإيمان بالمسيح على كل تحديات الشيطان، وكم نحن سعداء إذ أبصرنا صرح الشيوعية ينهار على يد ميخائيل جربتشوف، وعاد نور الإيمان يشع من جديد في كل بلاد الإلحاد.

_____

(1) القمص بولس عطية- دراسات في علم اللاهوت ص 12.

(2) أورده القس انجيلوس جرجس- وجود الله وصور الإلحاد ص 30.

(3) نيافة الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي- الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 38.

(4) القمص بولس عطية- دراسات في علم اللاهوت ص 15.

(5) القمص بولس عطية- دراسات في علم اللاهوت ص 23، 24.

(6) الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 60.

(7) المرجع السابق ص 60.

(8) الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 61.

(9) المرجع السابق ص 62.

(10) المرجع السابق ص 62.

(11) ريشار وورمبلاند- العذاب الأحمر ص 123، 124.

(12) القمص بولس عطية- دراسات في علم اللاهوت ص 15.

(13) نيافة الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي- الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 37.

(14) الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 33- 37.

(15) القمص بولس عطية- دراسات في علم اللاهوت ص 11.

(16) الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي- الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 67.

(17) الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي- الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 64.

(18) الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي- الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 66.

(19) المرجع السابق ص 66، 67.

(20) العذاب الأحمر ص 133- 134.

(21) نيافة الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي- الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 33.

(22) القس انجيلوس جرجس- وجود الله وصور الإلحاد ص 48.

(23) المرجع السابق ص 80.

(24) أورده القمص تادرس يعقوب- تفسير سفر التكوين ص 54.

(25) القس انجيلوس جرجس- وجود الله وصور الإلحاد ص 79.

(26) ريشار وورمبلاند- العذاب الأحمر ص 124، 125.

(27) القس انجيلوس جرجس- وجود الله وصور الإلحاد ص 38، 39.

(28) المرجع السابق ص 38.

(29) جريدة وطني 27/4/2003 القيامة والعلم (1) ص 4.

(30) ريشار وورمبلاند- العذاب الأحمر ص 12.

(31) راجع القمص بولس عطية- دراسات في علم اللاهوت ص 58.

(32) راجع علم الأحياء للثانوية العامة 2002/ 2003 ص 284- 286.

(33) راجع القمص بولس عطية- دراسات في علم اللاهوت ص 28، 29.

(34) كوستي بندلي- الإله الإلحاد المعاصر ص 51.

(35) أورده القس انجيلوس جرجس – وجود الله وصور الإلحاد ص 30.

(36) المرجع السابق ص 30.

(37) القمص بولس عطية – دراسات في علم اللاهوت ص 29.

(38) القس انجيلوس جرجس – وجود الله وصور الإلحاد ص 78.

(39) ريشار وورمبرلد – العذاب الأحمر ص 90.

(40) ريشار وورمبرلد – العذاب الأحمر ص 19.

(41) المرجع السابق ص 125.

(42) الاعترافات كتاب 1 فصل 1.

(43) الإلحاد المعاصر وكيف تجابهه ص 27.

(44) القس انجيلوس جرجس-وجود الله وصور الإلحاد ص 97.

(45) المرجع السابق ص 96، 97.

(46) القس انجيلوس جرجس-وجود الله وصور الإلحاد ص 76.

(47) المرجع السابق ص 99.

(48) ريشار وورمبرلد – العذاب الأحمر ص 118.

(49) المرجع السابق ص 127.

(50) المرجع السابق ص 126.

(51) أريل البردويل – صوت من الأنقاض ص 74، 75.

(52) القص انجيلوس جرجس – وجود الله وصور الإلحاد ص 76.

(53) العذاب الأحمر ص 138.

(54) المرجع السابق ص 76.

(55) راجع كتابنا: أسئلة حول صحة الكتاب المقدس – طبعة ثانية ص 194 – 199.

(56) ص 404، 425.

(57) ابريل البردويل – صوت من الأنقاض ص 54.

(58) ريشار وورمبرلد – العذاب الأحمر ص 132.

(59) العذاب الأحمر ص 183، 184.

(60) العذاب الأحمر ص 187، 188.

(61) العذاب الأحمر ص 69.

(62) المرجع السابق ص 72.

(63) العذاب الأحمر ص 55.

(64) ريشار وورمبراند – العذاب الأحمر ص 140.

(65) العذاب الأحمر ص 41-43.

(66) راجع العذاب الأحمر ص 46، 47.

(67) العذاب الأحمر ص 49، 50.

(68) المرجع السابق ص 60.

(69) العذاب الأحمر ص 58، 59.

(70) العذاب الأحمر ص 170، 171.

(71) العذاب الأحمر ص191-194.

(72) العذاب الأحمر ص 146، 147.

(73) المرجع السابق ص 107.

(74) المرجع السابق ص 121، 122.

 

الأدلة الدامغة على ضلال مدرسة الإلحاديين

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

يبقى أن سارتر لم يستطع أو لم يشأ أن يميز الإله الحي عن التصورات الصنمية التي يكونها الإنسان عنه، فرفض الله لكي يوجد الإنسان، أو بعبارة أخرى ليكون الإنسان حراً، إذ أن الحرية والوجود هما في نظر سارتر أمر واحد. رفض الله، بالنسبة لسارتر، يطلق حرية الإنسان، لأنه عند ذاك مرغم أن يخلق ذاته وأن يخلق القيم إذ ليس له ما يستند إليه خارج اختياره. بهذا المعنى قال سارتر: “لقد كتب دوستويفسكي: لو كان الله غير موجود، فكي شيء يكون مسموحاً. هذا هو نقطة انطلاق الوجودية. بالفعل كل شيء مسموح إذا كان الله غير موجود، وإذاً فالإنسان متروك لأنه لا يجد لا في ذاته، ولا خارج ذاته إمكانية التعلق بشيء”.

هكذا فحرية الإنسان هي، بنظر سارتر، المرجع الوحيد لكل شيء لم يعد للإنسان نموذج إلهي يعود إليه في تقييم أموره وفي تحقيق ذاته، إنما صار عليه أن “يخترع” ذاته والقيم، وهكذا بقبوله تلك العزلة يبلغ إلى ملء قامته كإنسان ويحافظ على أثمن ما لديه، على تلك الحرية التي هي مرادفة لوجوده.

ولكن ما هي تلك الحرية التي يجعل فيها سارتر كل كرامة الإنسان؟ إنها فراغ ظهر في ملء الكون. إنها “عدم”، يقول سارتر، ويعني بذلك أنها غير موجودة ولكنها مجرد قوة نفي ورفض، بها ينفصل الإنسان عن أوضاعه ليتجاوزها. ولكن يتجاوزها إلى أين وبالرجوع إلى أية مقاييس؟ ليس للحرية مقاييس بنظر سارتر وليس لها ما يستقطبها. إنها لذاتها المقياس والمرجع والهدف الوحيد. لا مبرر لها ولا غاية. تظهر يوماً إلى حيز الوجود ثم تتلاشى كلياً بالموت دون أن يكون لوجودها أو تلاشيها من معنى: “كل حي يولد دون مبرر ويستمر عن ضعف ويموت صدفة”. وهكذا يكون الإنسان “شهوة لا جدوى لها”. إن حريته تعطي للأشياء معاني ولكنها هو ووجوده لا معنى لهما. لذا فالحرية عبء على الإنسان لأنها فراغ دائم عبثاً يفتش الإنسان فيه عن كيانه ليستريح إليه، الإنسان “محكوم عليه بالحرية”.

تلك هي الحرية التي يعطيها سارتر قيمة مطلقة. ولكن فلنتساءل إذا كان مفهومه هذا للحرية يشكل جواباً مرضياً على مشكلة الإنسان. أمران يبدوان لنا عند ذاك، أولهما أن هذا المفهوم للحرية لا يخلو من متناقضات جوهرية، والثاني أنه تشويه وبتر للحرية الحقة.

1 – المفهوم السارتري للحرية لا يخلو من متناقضات جوهرية

 يقول سارتر إن الكون والوجود الإنساني لا معنى لهما ولا مبرر، ولكنه من جهة أخرى يقرر بأن الإنسان في سعي مستمر إلى المعنى وأنه تحديداً كائن يعكي للأشياء ولأعماله معاني. ولكن السؤال الذي يبقى دون جواب في هذا المنظار السارتري هو الآتي: إذا كان الوجود كله، بما فيه الوجود الإنساني، لا معنى له، فمن أين للإنسان ذلك التوق إلى المعنى؟ من أين له تلك الحرية التي همها أن توجد معاني؟ كيف يُعقل وجود تلك الحرية التائقة إلى المعنى وسط عالم لا معنى له بتاتاً؟ من أين أتت تلك الحرية؟ كيف برزت في كون غريب عنها بالكلية؟ هذا ما عبر عنه جان لاكروا بقوله: “إذا كان العالم مجرداً من كل معنى، وإذا كان للإنسان تطلباً للمعنى، فمن أين يأتي هذا التطلب الإنساني، من أين يأتي الإنسان؟”

أضف إلى ذلك أن تقرير اللامعنى في الكون وفي الوضع الإنساني يفترض وجود معنى نحتكم إليه في تقريرنا هذا. فاللامعنى لا يحدد إلا بالنسبة لمعنى يتطلع الإنسان إليه ويصبو. وإلا لقبلنا الوجود على أنه واقع ليس إلا. لكن طالما ان الحرية تنتصب أمام الكون لتحكم عليه بأنه لا معنى، فهذا يفترض أن هناك معنى يستقطبها وإليه تعود في حكمها هذا، وإنها بالتالي لا يمكن أن تكون مجرد فراغ لا مبرر له ولا غاية. هذا ما عبر عنه مثلاً رينه حبشي في مؤلفاته، وقد لخص الدكتور جميل صليبا موقف هذا المفكر فيما يلي: “…. إذا كان الإنسان يدرك ما في وجوده الواقعي من نقص، فمرد ذلك إلى شعوره بالكمال. وإذا كان يدرك المحال المتجلي في حطام الوجود، فمرد ذلك إلى شعوره بإمكان الخروج منه”.

هذا المعنى الذي تسمو به الحرية الإنسانية على الوجود لتقيم بالقياس إليه الوجود لا يمكن أن ينبع إلا من الله، قاعدة الوجود وغايته. لذا فتقرير عبثية الوجود يفترض ضمناً الرجوع إلى ذلك القياس الإلهي الذي تنفيه عبثية سارتر وغيره: تلك هي المفارقة كما بينها مثلاً بول افدوكيموف بقوله: “إن أكبر مفارقة هي أن اليأس في ذروته يعود حتماً إلى المطلق المعلنة استحالته… وفي النهاية غياب الله هو الذي يجعل العالم عبثاً ويائساً، إنه وحده يبرر المواقف القصوى التي تقفها الوجودية… إن الله، ولو سلبياً، يستخدم هنا كمقياس: كل شيء يقيم بالإضافة إلى غياب المعنى الإلهي”.

مجمل الكلام، أن الحرية السارترية بحاجة إلى الله لكي تقرر أن الكون لا معنى له وتنفي بالتالي وجود الله. لذا فالإلحاد السارتري تراوده، شاء أم أبى، فكرة الله، وما تهالكه على نفي الله، كما يتجلى مثلاً في مسرحية “الشيطان والله”، حيث يدوي اسم الله في كل صفحة، سوى محاولة للتخلص من “شبح” ذاك الذي تصور أنه “قتله”.

ثم أن سارتر ينسب للحرية قدرة على أن توجد الإنسان. فالإنسان “ليس في البدء شيئاً. لن يوجد إلا فيما بعد، وعند ذاك يكون كما صنع نفسه… الإنسان هو فقط، ليس كما يتصور نفسه وحسب، بل كما يريد نفسه… ليس الإنسان سوى ما صنع نفسه”. لا شيء إذاً، في هذا المنظار، مفروض على الإنسان. فالحرية تتخطى كل ضغط الأوضاع البيولوجية والاجتماعية والظروف المعيشية، تتخطى ذلك كله لتوجد الإنسان كما يشاء هو أن يكون. فالإنسان صنيعة نفسه، صنيعة حريته وحسب، لا وليد الأوضاع التي وُجد فيها. هذا التأكيد على الحرية الإنسانية، على ما فيه من مبالغة، هو من أنبل مظاهر الفكر السارتري. ولكن التناقض يبدو بين تلك القدرة الخلاقة التي تُنسب إلى الحرية، من جهة، وبين كون تلك الحرية، من المنظار السارتري، مجرد فراغ يبرز لحظة وبلا مبرر في ملء الوجود لكي يتلاشى بالكلية دون أن يكون لوجوده هدف أو غاية. كيف يمكن للفراغ الذي لا معنى له أن يكون خلاقاً وأن يصنع أسمى المعاني وأنبلها؟ إذا كانت الحرية مجرد ثغرة في كثافة الكون، كما يعتبرها سارتر، فأنى لها أن تبدع في الكون وتغير وجه الأرض؟ بالطبع يرفض سارتر الإجابة على هذا السؤال لأن من ورائه سعياً إلى اكتشاف منطق في الوجود، فيما أن الوجود بنظره لا منطق فيه ولا مبرر له. هذا ما يدعوه سارتر في كتابه “الكائن والعدم”، وكأنه يقول: الأمور هكذا لأنها هكذا. ولكن هذا الموقف يشكل انتحاراً للعقل الذي لا بد له أن يفتش عن علة الأشياء. لذا فإذا رأينا أن الحرية تحرر الإنسان من عبودية نواميس الكون وقيوده، وجب علينا أن نفتش عن أصلها خارج الكون وأن نعتبرها مساهمة منحت للإنسان في سيادة سيد الكون ومبدعه. يقول الفيلسوف الوجودي ياسبرز أن من اختبر حقاً حريته وعن تجذره في الله: “عندما نقرر بحرية، ويتخذ كل شيء معناه لنا و…. نمتلك حياتنا، نعي بأننا لسنا مدينين بكياننا لنا وحدنا.

“على قمم الحرية، عندما يبدو لنا عملنا ضرورياً، لا بضغط خارجي صادر عن حتمية طبيعة لا تلين، بل بموافقة كياننا الداخلية… نعي أننا لأنفسنا، في حريتنا، هدية من التعالي. كلما كان الإنسان حقيقة حراً، كلما كان متيقناً من الله. عندما أكون حقيقة حراً، أكون متيقناً بأنني لست هكذا بنفسي”.

وبالمعنى نفسه، وبالاستناد إلى ياسبرز، كتب المفكر الأرثوذكسي بول افدوكيموف: “يجب الاعتراف بعظمة الوجودية التي ركزت كل تفكيرها على الحرية. تلك الحرية، التي هي بداهة أساسية للفكر البشري، تشكل شرط النشاط الإنساني الخلاق. ولكن هذه الوظيفة لا يمكن أن تأتي، إلا، إلا إذا ناقضت نفسها، من العالم، من مجموعات التبعيات والقيود التي تكونه. من البديهي أن الحرية تتعالى على الكون، وأن مصدرها خارج الكون، وأنها تقدم كهبة ملوكية. لذا، ففي فلسفة كارل باسبرز العميقة، الحرية تشير بوضوح إلى الواهب، تشهد بقوة لوجود الله. إن فضل ياسبرز الكبير هو أنه اكتشف في الحرية الإنسانية برهان الوجود الإلهي…”.

الله وحده وطن الحرية الإنسانية. منه تستمد وجودها، ولكنها أيضاً إياه تبتغي لأنها به وبه وحده تحقق ذاتها. الحرية دون الله وهم وسراب. هذا ما بقي علينا أن نوضحه تجاه المفهوم السارتري للحرية.

2 – الحرية السارترية مشوهة، مبتورة

إن المفهوم السارتري للحرية يجعل منها المرجع الوحيد للإنسان، فلا أصل لها تستند إليه ولا غاية تتجه نحوها، إنما تخرج من لا شيء وتذهب إلى لا شيء. وبذلك تفقد تلك الحرية كل معنى، ويفقد الإنسان معها معناه، فيصبح، وهو الذي أراده سارتر موجوداً برفض الله، غير موجود بالحقيقة لأن وجوده لا طائل له ولا هدف. وبذلك تكون تلك الحرية قيداً على الإنسان لأنها أغلقت عليه في عزلة مميتة وحصرته في عدمه ولا معناه.

يجعل سارتر من الحرية قوام الوجود الإنساني، ولكن الصحيح أن أعمق ما في الإنسان هو السعي إلى المعنى، إلى اكتشاف معنى لوجوده ولحريته نفسها. لذا نرى موريس مارلو بونتي، وهو قطب آخر من أقطاب الوجودية الملحدة، يؤكد بأن الإنسان محكوم عليه بالمعنى. ويعلق بول افدوكيموف على هذا التأكيد بقوله: “يقول مارلو بونتي، راداً على سارتر: إن الإنسان ليس محكوماً عليه بالحرية، إنما هو محكوم عليه بالمعنى، وهذا يعني أن محكوم عليه بأن يكتشف معنى الوجود، وقبل كل شيء معنى الحرية نفسها”.

لا حرية حقة إذا كان الإنسان أسير اللامعنى. كيف نسمي حراً ذلك الإنسان الضائع، المبعثر، الذي يحيا دون أن يدرك للحياة معنى؟ إن إنساناً كهذا تائه في صحراء، وهل يُعقل أن نسمي التيه في الصحراء حرية؟ يقول الكاتب الفرنسي الكبير أنطوان دي سان اكسوبري: “هل تدعو حق التيه في الفراغ، حرية؟!”

تلك الحرية الجوفاء وصفها لنا الكاتب نفسه – ولم يكن مؤمناً – كمرض من أمراض الإنسانية المعاصرة. فصورها لنا مثلاً في كتابه الرمزي “الأمير الصغير” بشكل مسافرين يتنقلون في القطار من مكان إلى مكان دون هوادة ودون هدف. فعندما يسأ الأمير الصغير عامل السكة الحديدية عن ركاب قطار مر أمامه: “إنهم مسرعون كثيراً. فإلى ما يسعون؟”، يجيب العامل: “إن رجل القاطرة نفسه يجهل ذلك”. وفي إحدى رسائله كتب سان اكسوبري سنة 1943 واصفاً الإنسانية المعاصرة: “أنا مغتم من أجل جيلي، الفارغ من كل جوهر إنساني… أكره زمني من كل قواي لأن الإنسان يموت فيه عطشاً… هناك مسألة واحدة ليس إلا، مسألة واحدة في العالم، ألا وهي أعادة معنى روحي للناس… لم يعد بوسعنا أن نحيا من البرادات والسياسة والميزانيات والكلمات المتقاطعة… لم يعد بوسعنا أن نعيش دون شعر ولون وحب”. إنه في تلك الرسالة، يلاحظ “اليأس الروحي” الذي ينتاب البشر من جراء فقدان معنى وجودهم و”صحراء الإنسان” التي يتيهون فيها، ويقول: “ليس هناك سوى مسألة، مسألة واحدة: أن يكتشف الإنسان من جديد أن هناك حياة للروح أسمى من حياة الفكر نفسها، وأنها وحدها ترضي الإنسان”.

ضياع معنى الوجود عند الكثيرين في أيامنا يفسر إلى حد ما رواج فلسفة سارتر. لقد بين الطبيب النفسي الشهير رودولف الليرس التجاوب القائم بين تلك الفلسفة من جهة وعجز الكثيرين في أيامنا عن معرفة مكانهم في الوجود، من جهة أخرى، وأضاف: “لم يعد البشر يجدون مكانهم لأنهم لم يعودوا يعرفون ما هم. لا يمكن فهم المحدود إلا بالإضافة إلى اللامحدود. الصورة لا تأخذ معناها إلا كانعكاس الأصل. لكي يفهم الإنسان نفسه، يجب عليه أن يدرك من جديد، وبمجموعة كيانه، إنه مصنوع على صورة خالقه ومثاله”.

إن سارتر يرفض بالضبط أن يكون للإنسان هذا المرجع الإلهي، ولذا فالحرية التي ينادي بها محكوم عليها بأن تخبط خبط عشواء. لا يمكنها أن تستنير بقيم لأنها هي مخترعة القيم. لذا، “فسيّان، يقول سارتر، بين ان يسكر المرء وحده أو أن يقود الشعوب”. نعم لقد حاول سارتر أن يبني مناقبية على تلك الحرية المعتبرة مرجعاً لكل شيء، فقال بوجوب العمل على إقامة نظام سياسي واجتماعي يضمن الحرية للجميع، إذ أن الحرية هي أثمن ما في الإنسان. ولكن أسس تلك المناقبية ضعيفة، إذ ما الذي يمنع الحرية، وهي القيمة المطلقة التي لا مرجع لها سوى ذاتها، من أن تختار تأكيد ذاتها عن طريق التسلط واستعباد الغير. ما الذي يمنعها أن تجد نشوتها، إن شاءت، في تحطيم ومحو ذاتها؟ ما الذي يمنعها أن تعتمد سلوكاً لا إنسانياً طالما هي وحدها ترسم، بقرار منها، الحدود بين ما هو إنساني وما هو غير إنساني؟

تلك الحرية الفاقدة المعنى، السائرة على غير هدى، إنما هي عبء لا يطاق على الإنسان، لا لكونها تنافي ميله إلى الراحة والطمأنينة وحسب، كما يبدو لسارتر الذي يعتبر قذراً كل من رفض الحرية التي يبشر بها، بل لكونها تناقض أعمق ما في إنسانية الإنسان، ألا وهو عطشه إلى معنى يقيّم به وجوده، معنى يكشف له من هو وما هو مكانه في الكون. فلا عجب، والحالة هذه، أن يحاول الإنسان التخلص من عبء تلك الحرية بانضوائه تحت لواء مذهب شمولي يستعبد نفسه له كلياً، وبخضوعه الأعمى لزعيم سياسي مؤله، مفضلاً طغيانه وارهابه على ممارسة حرية لا طائل لها ولا هدف. هذا بعض ما يفسر نجاح النازية والفاشية والستالينية في عصرنا. إن سارتر نفسه لم ينج من تلك التجربة كما بين بول افدوكيموف بقوله: “إن هاوية الحرية تثير، بشكل غريب جداً، الدوار والغثيان. وكأن لا بد من دفع ثمن الخداع. هذا ما توقعه دوستويفسكي عندما قال إن الإنسان لن يستطيع أبداً أن يحتمل نير الحرية وأن الماركسية تقدم أقصى الإمكانية للتجرد من هذه الهبة الملوكية. أن سارتر يقر بذلك: “لا أصل لشيء، لا يمكنني فكري من أن أبني شيئاً، إذاً لم يعد من حل سو الماركسية” (نقد العقل الجدلي).

إن الحرية، تلك “الهبة الملوكية”، عبء، على كل حال على الإنسان لأنه ينزع إلى الطمأنينة الرخيصة، ولكنها تصبح زوراً لا يحتمل إذا جردت من معناها كما هو الحال في المفهوم السارتري لها. (هذا ما يسميه افدوكيموف “ثمن الخداع”). إن هذا المعنى وحده ينقذ الحرية من فراغها ويجعل منها حرية أصيلة، لا قيداً يضاف إلى قيود الإنسان. لقد قال الرب يسوع: “ستعرفون الحق، والحق يحرركم” (يوحنا 8: 32). يقابل بول افدوكيموف تلك الكلمة الإلهية بتأكيد مارلو بونتي على ضرورة المعنى للإنسان، ويقول: “حسب الإنجيل، ما يجعل الإنسان حراً هو الحق أي المعنى”.

هذا المعنى الذي لا بد منه كي تكون الحرية أصيلة، لا يتحقق إلا إذا كانت الحرية تعني تحرير الإنسان من كل أغلاله. أن أكون حراً، هذا يعني، في الأعماق، أن أحطم قيودي وأتخلص من محدوديتي وأحقق ذاتي على أكمل وجه. وإلا لاقتصرت الحرية على اختيار قد يسمح لي بشيء من الشعور بالاستقلال ولكنه يفقد الكثير من معناها إذا بقيت جوهرياً أسير عجزي وفراغي. يقول سان اكسوبري: “ما أسميه حرية هو تحريرك”. أما سارتر، “فالحرية التي يتحدث عنها هي مطلق فارغ، إنها محصورة بالاختيار”.

يقول سارتر إن الحرية مرادفة لجاوز الذات المستمر الذي يتميز به الإنسان. ولكن هذا التجاوز مستقطب، وإلا لما كان. الحرية ليست، كما يتصورها سارتر، مجرد رفض لما هو قائم، هذا هو وجهها السلبي فقط. ولكن الإنسان لا يرفض الوضع الراهن إلا بسبب سعيه إلى الأفضل والأكمل. لا وجود لحرية الإنسان لولا المطلق الذي يستقطبها ويعطي لحركتها المستمرة وقلقها الذي لا ينتهي غاية ومعنى. ولكن ما معنى هذا التجاوز للذات، في مفهومه السارتري، الذي هو أفقي محض وممتد من عدم إلى عدم، من العدم الذي يخرج منه الإنسان إلى العدم الذي ينتهي إليه ويتلاشى فيه؟ ما معنى هذا التجاوز للنفس الذي يبقي الإنسان نهائياً على عزلته وشقائه وشروره وفنائه؟ ما معنى هذا التجاوز طالما الإنسان يبقى أسير ذاته وهزالتها؟

ولكن الإنسان لا ينجو من هزالته إلا بالآخر. هذا ما تثبته لنا الخبرة الإنسانية اليومية. الإنسان يكتمل بالحب، عندما يسلم ذاته لآخر عند ذاك يجد نفسه. الرجل والمرأة يكملان أحدهما الآخر في الحب الزوجي الذي يجمعهما، وكما يقول ميللر “في اللحظة التي يكونان فيها منجذبين خارج ذواتهما إلى أبعد حد، باندفاع الحب، في الحياة الزوجية المشتركة، في تلك اللحظة عينها يحس الرجل والمرأة أنهما يبلغان الحرية الحقة”. كذلك يكتمل الرجل بالأبوة – روحية كان أو جسدية – والمرأة بالأمومة، إذا عاشاها في أصالتها المعطاء. لم ير سارتر في الآخر إلا ذاك الذي يسلبني وجودي، ولم يتصور العلاقة بيني وبينه سوى صراع بين عزلتين. ولكن هذه النظرة القاتمة إلى العلاقات الإنسانية لا تأخذ بعين الاعتبار سوى جزء من الواقع. يقول روبير كوفي: “نعلم أن الإنسان، بالرغم من رغبته، لا يستطيع أبداً أن يتغلب على عزلته بشكل تام، ولكننا نعلم أيضاً بالاختبار أن الشركة ولو كانت محدودة وناقصة، تبقى حقيقة واقعية. نظر الأم يوقظ الحياة والحب. نظر الخطيبة والخطيب والزوج والزوجة والصديق يخلق الآخر… إن سارتر لا يشوه الإنسان وحسب، إنما يبدو جاهلاً للوقائع”. خبرة العلاقات الإنسانية، إن لم نبترها بتحيزنا، تعلمنا أن الآخر ليس هو مجرد تهديد لوجودي، إذ إنني به أوجَد. من هذه الخبرة الإنسانية الأصيلة انطلقت الفلسفة المظهرية الحديثة، لتبين “أن الإنسان لا يكتمل كإنسان إلا في الشركة، إلا في الحياة مع الآخرين. عوض “الأنا” يوجد “النحن”، تجاه “الأنا” يوجد “الأنت” ليعطيه معناه. وهكذا يبدو كيف أن إسلام الذات للآخر هو على خط الشخصية والحرية الحقة”.

هذا صحيح بالأحرى بالنسبة لعلاقة الإنسان بالله، إذا كان الإنسان لا يحقق ذاته إلا الآخر الإنساني، فإنه بالأحرى لا يحقق ذاته إلا بذلك الآخر الإلهي الذي منه يستمد كيانه. رفضه الله يعنى انفصاله عن جذور كيانه وينبوع وجوده. في هذا الانفصال لا يجد إلا العدم وحرية زائفة هي حرية العدم، حرية هي بمثابة انتحار كياني. يقول روبير كوفي: “لقد قتل سارتر الله. النتيجة الطبيعة لذلك هو أنه يؤله الإنسان. إنه يأتي من لا شيء ويذهب إلى لا شيء. إنه ليس سوى ومضة في ليل الأشياء. وفي هذا اللحظة الهزيلة التي تدعى الوجود، عليه أن يمثل أمام الإنسان الذي يقاضيه دون ان يعرفه والذي لا يعرف الرحمة والحب”.

“حرية” الزهرة، لو صح التعبير، ليس بأن تستقل عن الجذع فتذبل، بل أن تتصل به صميمياً، لأنها عند ذاك تحقق ملء وجودها كزهرة. كذلك “حرية” السمكة ليست بأن تخرج من الماء الذي يكتنفها، بل أن تبقى ملازمة له. هكذا، يقول شارل ميللر، فالإنسان “يجد حريته الحقة في عودته إلى القوى التي أعطته الحياة والتي تعطيه إياها باستمرار، في العمق”، ولذا “فالعمل الذي به ينفتح الإنسان إلى النعمة هو بمثابة عمل ذاك الذي بعود فيغطس في الماء المحيي. الزهرة المقطوعة تموت إذا بقيت وحدها، أما إذا غطست من جديد في الماء، فإنها تعد زهرة، تعود إلى أصالتها. العمل الذي يقتبل به الإنسان نعمة الإيمان النوارنية ليس سوى ذلك.” من آمن به، يقول يسوع، تجري من جوفه أنهار ماء حي”.

وجود الإنسان مستمد من آخر، وبعبارة أخرى وجوده نعمة، أي عطية حب، يقول الأب دانيالو: “أنا لست موجوداً إلا لأنني محبوب. ولذا أن أوجد يعني بالنسبة لي أن أحب بدوري، أن أجيب على النعمة بالشكر… منذ البدء أدخلت في دورة الحب، دورة النعمة والشكر. لا يسعني أن أنفصل. لأنني إذا انفصلت أدخل في نطاق…. اللامحدود. إنها لمفارقة جديرة بالاهتمام، إنني بقدر ما أريد الاكتفاء بذاتي أهدم ذاتي، فيما أؤكد ذاتي إذا اعترفت بعد كفايتي”.

على الإنسان إذاً أن يعترف بأنه ليس مصدراً ومحوراً لوجوده وأن يدخل في “دورة الحب” التي ذكرنا. عند ذاك يتقبل الوجود عطية حب من ربه، فيحقق ذاته بذلك الحب المحيي ويبلغ إلى الحرية الحقة. ولكن الإنسان قد يرفض ذلك، لأن “شهوته أن يملك ذاته. إنه يكره… أن يقبل بأن ينال كلياً في كل لحظة من آخر…لهذا السبب فإنه، إذا قاده ثقب نظره الماورائي إلى الاعتراف بأن كل خير آت من الله، يرتضي خطيئته، وبأن كل سعادة آتية من الله، يرتضي شقاءه، وبأن كل كينونة آتية من الله، يرتضي عدمه. لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي لديه لرفض الله، إذا كان كل ما هو كائن آتياً من الله وإذا كان قبول الكينونة اعترافاً بعدم الاستقلال”.

إن سارتر يفضل حرية العدم والفراغ على قبول الوجود من آخر عطية حب مجانية. ولا عجب في ذلك، فمن كان كسارتر لا يرى في الحب البشري سوى العبودية والاستعباد، لا يمكنه أن يفقه شيئاً في سر النعمة، لا يمكنه أن يفهم أن اتجاه الله نحو الإنسان، ذلك الاتجاه الذي شبهه الكتاب، في الأنبياء ونشيد الأنشاد وأمثال الإنجيل ورسائل بولس ورؤيا يوحنا، بالحب الزوجي، إن ذلك الاتجاه يمنح وحده الإنسان الحرية الحقة لأنه وحده يمده بطاقة تمكنه من تحقيق ذاته كلياً.

لقد ميز أوغسطينوس المغبوط بين ما دعاه “الحرية الصغرى”، ألا وهي حرية الاختيار، وما سماه “الحرية الكبرى”، وهي الاتحاد بالله. وقد حدد أحدهم الحرية الحقة بأنها” قدرة على الاختيار في خدمة قدرة على الاكتمال”. ذلك هو المفهوم الكتابي للحرية، تلك الحرية التي أعلنها الكتاب على أنها موهبة الله ودعوته للناس: “فأنتم، أيها الأخوة، إنما دعيتم إلى الحرية” (غلاطبة 5: 13)، “لقد حررنا المسيح لكي ننعم بهذه الحرية: فاثبتوا إذاً فيها ولا تعودوا ترتبطون بنير العبودية” (غلاطية 5: 1). ولكن الحرية، في المنظار الكتابي، لا تتحقق إذا شاءت أن تكتفي بذاتها وتنفصل، بل إذا قبلت بأن تدخل في “دورة الحب” المحيية. الحرية، بنظر الكتاب، لا تنفصل عن حياة الشركة، الشركة مع الله والشركة مع الناس التي تترجم وتحقق الأولى. ولذا فالخطيئة، حسب التعليم الكتابي، عدوة الحرية اللدود، لأنها، تحديداً، تلك الاكتفائية القتالة التي بها يفص الإنسان الشركة ينفصل عن ينبوع وجوده وكيانه، فيجف ويذبل ويصبح أسير عدمه وفراغه.

لذا قال الرب: “إن كل من يعمل الخطيئة هو بعد للخطيئة” (يوحنا 8: 34). لذا أيضاً فبعد أن قال الرسول بولس: “فأنتم أيها الأخوة، إنما دعيتم إلى الحرية”، أضاف: “ولكن لا تجعلوا هذه الحرية قرصة للجسد (أي، في لغة بولس، للإنسان المكتفي بذاته، المنفصل)، بل كونوا بالمحبة خداماً بعضكم لبعض” (غلاطية 5: 13). وكأنه يقول: يجب ألا تقودكم حرية الاختيار (وهي “الحرية الصغرى”) إلى الاكتفائية التي بها تزول حريتكم بالمعنى الكامل لهذا العبارة (وهي “الحرية الكبرى”، تحرر الإنسان من هزالته بدخوله في الشركة الإلهية)، تلك الحرية التي لا تتحقق إلا بالحب. الحرية، في الكتاب، هي ثمر الروح الإلهي الذي به يوجد الإنسان بوبه يتحقق ملء وجوده: “الرب هو الروح، وحيث يكون روح الرب، فهناك الحرية” (2كورنثوس 3: 17).

لذا فرفض الأبوة الإلهية يجعل الإنسان في عزلة وفراغ، أما العلاقة البنوية المعاشة بينه وبين خالق فإنها تمده “بمجد الله” أي بزخم الحياة الإلهية التي بها يتحرر من هزالة وضعف وعزلة وشر وموت. تلك هي الحرية التي حددها الرسول بولس على أنها تحرر من “الخضوع للباطل” ومن “عبودية الفساد”، حرية أبناء الله الذين تحرروا، بتلك البنوة عينها، من المحدودية والشر والموت، فأشاعوا تلك الحرية في الكون كله: “إن الخليقة ستعتق، هي أيضاً، من عبودية الفساد إلى حرية مجد أبناء الله” (رومية 8: 21).

هؤلاء الأبناء متصلون بالله دون أن يكون في ارتباطهم الصميمي به أي أثر للعبودية. ذلك لأن الله ليس كياناً غريباً مفروضاً على كيانهم، بل إنهم به، وبه وحده، يجدون ذواتهم. فالله هو الكائن المتعالي كلياً، ولكنه بآن أقرب إلى الإنسان من ذاته، حتى أن الإنسان لا يقترب من ذاته، الأصيلة، محققاً كل طاقاته، إلا بمقدار اقترابه من الله، من ذاك الذي أشار إليه الشاعر الكبير المعاصر بول كلوديل بقوله: “من هو فيّ أكثر أنا مما أنا”.

الخاتمة

فضل سارتر علينا، في نقده للدين، أنه يساعدنا على التحرر من مواقف دينية زائفة كثيراً ما نخلط بينها وبين الإيمان الأصيل. منها مثلاً ذلك الموقف السلبي في الدين الذي يعطل به الإنسان تفكيره ويتخلى عن كل مبادرة، ادعاء منه بأنه يطيع الله، فيما يكون منقاداً انقياداً أعمى للتقاليد وعوائد بشرية تجنته مشقة تحمل مسؤولياته واتخاذ موقف ملتزم، واع.

منها تلك الجبرية التي بموجبها نستسلم لما ندعي أن الله قد “كتبه” لنا، فنلقي هكذا على الله، أو بالأحرى على صنم نطلق عليه ذلك الاسم المعبود، مسؤولية جبننا وخنوعنا وتخاذلنا. ومنها أيضاً تحويلنا الأخلاق إلى مجموعة من الأوامر والنواهي ننقاد لها بشكل سلبي، أعمى، دون أن نعي ارتباطها الصميمي بمتطلبات كياننا العميقة، فنستعيض عن الضمير الحي، الواعي، الدائم اليقظة والانطلاق، بشريعة ملصقة بنا من الخارج، جامدة، مائتة، خائفة، تجنبنا حرفيتها الضيقة قلق الالتزام الحر وتحمينا من الدخول في مجازفة الحب الذي لا يقف عند حد. ومنها تجنب التفكير في أمور الحقيقة الإلهية (ألا يدعي البعض أن الغوص في شؤون الدين كفر؟)، كأن العقيدة الموحاة وجدت لتعفينا من التفكير، لا لتكون ملهمة ومغذية لفكر حيّ خلاق. ومنها أيضاً تلك الاتكالية التي هي صورة كاريكاتورية عن الثقة بالله والتي يحاول بها الإنسان أن يحمي نفسه من مجابهة الواقع ومن صعوبة وخطر النضال في سبيل تغيير أوضاع تنافي الكرامة الإنسانية.

يقول شارل ميللر بأن هناك نوعا ًمن الاتكال على الله هو طريقة للقبول بمصائب الناس وللحصور على طمأنينة رخيصة، بأن هنا عادة خبيثة تدفعنا إلى تشجيع نفوسنا بقولنا أن كل شيء سيجري على ما يرام، ويضيف: “كل شيء يدعوه سارتر سوء نية، ولكن المسيحي يدعوه خطيئة”. إنه خطيئة لأنه هروب وتخدير ونوم واستكانة أنانية جبانة، فيما تطلب المحبة منا يقظة وشجاعة ومجابهة والتزام: “يسوع في نزاع إلى منتهى الدهر، لذا لا ينبغي أن ننام في هذا الوقت.”

المسيحية، في أصالتها، بعيدة عن الاستكانة بعد السماء عن الأرض. يقول ميللر: “…. إن نعمة الله لا تطالنا (كما يتصور سارتر) بشكل دعوة للاستقالة والانقياد. إنها تدخل فينا بمثابة سيف، تمنعنا من النوم، تلزمنا على يقظة غير منقطة، المسيحي هو الساهر في “ليلة الفصح”، تلك الليلة التي لا ينبغي النوم فيها، إذ يجب ترقب “عبور الرب”.

المسيحية انطلاقاً لا نهاية لها لأنها اندماج الإنسان في الحياة الإلهية التي لا حد لها. من عرف الله حقيقة لا يمكنه أن يقف عند حد، لا يمكنه أن يرضى عن ذاته في حال من الأحوال، بل يحقق ذاته بتجاوز مستمر لذاته. كلما حالو الإنسان الاقتراب من الله، كلما ازداد شعوره ببعده عن ذلك الكائن اللامتناهي الذي يدعوه، وكلما ازداد بالتالي قلقه واشتياقه. هذا ما اختبره بنوع خاص كبار الروحيين: فقد تحدث غريغورس النيصصي مثلاً ذلك الخروج اللامتناهي من الذات نحو غور الله الذي لا يسبر عمقه.

“لقد وصف غريغوروس النيصصي وصفاً بديعاً ذلك اليأس الذي يعتري النفس الساعية إلى الله، التي ترجو في البدء أن تمسكه كله وتغتم لأنها تراه يفلت منها دوماً. ولكن “حجاب الحزن هذا ينزع عنها عندما تتعلم أن التمتع بالمحبوب هو بالضبط في هذا التقدم والارتقاء الدائمين، إذ أن الرغبة تلبى في كل لحظة فتنشئ رغبة بما لم يبلغ بعد” (تعليق على نشيد الأنشاد). هكذا فالنفس التي تنمو في حياة النعمة يملؤها الله دوماً على قدر طاقتها ولكن النعمة المعطاة لها توسع طاقتها وتجعلها قابلة لنعم جديدة. هكذا فالخبرة الصوفية قوامها امتلاك ورغبة بآن… إنها، يقول غريغوريوس، حركة وراحة، بئر مياه حية، ساكنة ومتفجرة بآن”.

يقول النيصصي: “حيث أن الجمال المطلق يكشف ذاته أكثر فأكثر، فعلى قدر التقدم يزداد اكتشاف الألوهة. وبسبب الغزارة الفائقة، غزارة الخيرات التي تكتشفها النفس باستمرار فيما يفوق الطبيعة، يبدو لها أنها لم تزل في أول ارتقائها. لذا يردد الكلمة لتلك التي سبقت فنهضت: “انهضي” ولتلك التي سبقت فأنت: “تعالي”. فإن الذي ينهض حقيقة عليه أن ينهض أبداً، والذي يركض نحو الرب لن يعوزه أبداً الفضاء الواسع ليتابع فيه جريه الإلهي. لأنه ينبغي للمرء أن ينهض دوماً وألا ينقطع أبداً عن الاقتراب ركضاً. لأن الذي يقول: انهض وتعال، يمنح فيك كل مرة نعمة ارتقاء أفضل”، وأيضاً: “والذي يرتقي لا يتوقف أبداً، بل ينطلق من يده إلى بدء، ماراً ببداءات لا تنتهي أبداً”.

الحياة الروحية خروج مستمر، السلاح دائم عن الذات تتحقق به الذات، لأنه انسلاخ عن محدوديتنا، كما أن النمو الطبيعي انفصال مستمر عن الأوضاع القديمة وحدودها لبلوغ حياة أوفر وأكمل. ليست محافظة شحيحة، خائفة، على كياننا، بل هي قبول بأن يضيع هذا الكيان لكي يوجد: “من أراد أن يخلص نفسه أضاعها، ومن أضاع نفسه من أجلي وجدها” (متى 16: 25). إنها خروج دائم للنفس من ذاتها لتجد ذاتها في من هو أعظم من ذاتها، كما قال أوغسطينوس: “لقد أخرجت نفسي، سكبت نفسي خارج ذاتها، إن بقيت نفسي في ذاتها لا تستطيع أن تجد إلا ذاتها”.

إنها فصح دائم، والفصح يعني عبوراً واجتيازاً، يعني اقتبالاً لصليب الانسلاخ الدائم عن “الإنسان القديم” (كولوسي 3: 9 ورومية 6: 6) المكتفي بذاته، المرتاح إلى حدوده (كما كان العبرانيون مرتاحين إلى عبودية فرعون، يحنون إليها) لكي نفسح مجالاً (لجدة الحياة) (رومية 6: 4 تتفجر فينا وتحولنا. هذا ما عناه الأرشمندريت الياس مرقص بقوله: “الحياة الروحية حركة فصحية نحو الله والآخرة” ، وقد كتب أيضاً بهذا الصدد: “نحن نطلب الحياة والحياة لنا هي بالضبط تلك الحركة الاشتياقية اللانهائية حو مصدر الوجود”، وأيضاً: “الله فيّ، في الداخل، في الطبيعة نحن لا محدودون كالله، مخلوقون على صورة لا محدودية الله. ولكن الله غير محدود “فعلاً” أما نحن فبالمصير. الوهتنا أن نتحول، أن نصير الله على الدوام. إن كوننا نتغير – نصير – يعطينا أجنحة على حد قول غريغوريوس النزينزي، وهذا مصدر كياننا. إن الخلق لا يزال جارياً بالنسبة لنا وسيزال إلى الأبد. نحن ننال أنفسنا كل لحظو من الله. “أبي حتى الآن يعمل”…

“…. الخروج من الذات هو بالنتيجة رجوع إلى الذات، إلى الروح العميقة التي في الذات تدعونا إلى الآب…”.

أين هذه الحياة الروحية المتحركة دوماً في تجاوز للذات لا متناه من الاستكانة والنوم اللذين يبدوان لسارتر جوهر التدين. غريب حقاً كون سارتر لم يستطع أن يميز بين الحياة الدينية الأصيلة وانحرافاتها. و”كأنه يقول ميللر، لم يقرأ أبداً نصاً انجيلياً واحداً، كتاباً واحداً لأحد الصوفيين”.

يعتقد سارتر أن نظر الله يسمر الإنسان، يجمده، يحول بينه وبين هذا التجاوز المستمر لذاته الذي هو مرادف لوجوده الإنساني الأصيل. هذا ما يبدو مثلاً في رواية “سبل الحرية” حيث نرى دانيال، وهو منحرف جنسياً، يحاول أن يتخلص من مسؤوليته، فيتجه إلى الله ويتصوره “نظراً محدقاً إليه”، فيقنع نفسه بأنه، كما أن الإنسان بنظره إلى الطاولة يحددها على أنها طاولة، ولا يسعها هي إلا أن تتقبل هذه التحديد، هكذا فالله بنظره إليه يحدده على أنه منحرف، على أن هذه طبيعته، ولم يبق له إذاً سوى تقبل هذا التحديد والعمل بموجبه دون أية مسؤولية. “ولكن المؤمن الأكثر فتورة، يقول ميللر، يعلم جيداً أن “نظر الله” هو نظر حب؛ وأنه، عوض أن يجمدنا، دعوة لنا، ضربة سيف تنفذ إلى مفصل النفس والروح لتعيد إلينا شعورنا بالمسؤولية، لتوقظ فينا حرية ماتت بالخطيئة”. هذا النظر الإلهي تجلت لنا نوعيته في يسوع المسيح.

يروي لنا الإنجيلي مرقص أن إنساناً أتى إلى يسوع سائلاً عما يجب أن يعمله ليرث الحياة الأبدية، “فحدق إليه يسوع، وأحبه؛ وقال له: “أمر واحد ينقصل: امض وبع كل ما لك، وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء؛ ثم تعال اتبعني” (مرقص 10: 20). هكذا كانت نظرة يسوع إلى هذا الشاب؛ نظرة الحب الذي يوقظ المحبوب إلى حياة أوفر وأغنى، ويفتح أمامه آفاقاً لا حد لها، آفاق تحقيق ملء الوجود بتجاوز كل امتلاك، لأن الإنسان مملوك مما يملكه، اسير ممتلكاته وخيراته التي تشده إليها وتحصره فيها وتحول دون تفجر طاقة الحب التي بها، وبها وحدها، يحيا ويحقق ذاته.

قضيتنا مع الله ليست أنه يريد تقييدنا وتجميدنا فيما نحن نثور لندافع عن حريتنا المهددة. الواقع هو العكس تماماً. فهمّ الله أن يوقظنا إلى أبعد حد؛ دعوته الدائمة إلينا أن نتجاوز ذواتنا لانهائياً بتلك الحياة الإلهية، حياته، التي يبثها فينا إن شئنا أن نتقبلها. همه أن يعطينا ذاته لكي نتجاوز كل الحدود ونصبح آلهة، وبذلك نصبح حقيقة أحراراً.

الله طموح بالنسبة إلينا فوق ما نستطيع أن نتصور: “ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه” (1كورنثوس 2: 9). ولكننا نحن نرهب هذا الطموح. ذلك أن الحرية الحقة هي تحرر من محدوديتنا، أما نحن فنطمئن إلى حدودنا، لا نريد أن نتغير جذرياً، لا نريد أن نتجاوز حدود هذا الأنا الضيق المألوف الذي نرتاح إليه، لا نريد أن نتسع إلى اللانهاية.

نرهب الحرية لأنها مقلقة، خطرة، كمن يبقى على الشاطئ لأنه لا يجرؤ على خوض عرض البحر واكتشاف عوالم جديدة. نحن في النهاية نرفض الله أو نستعيض عنه بصنم ندعو باسمه (وهذا أيضاً مظهر من مظاهر الرفض)، لأننا نرفض الحرية التي يدعونا إليها، تلك الحرية التي هي بآن انسلاخ جذري عن الذات. وتحقيق للذات بما يفوق الوصف. نرفض الله لأننا نخاف أن نتحول إلى آلهة. هذا ما عبر عنه الأب جان كاردونيل بقوله:

“الله لا يسلمنا هدية. إنه لا يعطينا شيئاً ما، لأن في ذلك ترفعاً، الله يعطينا شخصاً، وهذا الشخص هو شخصه. الله يعطي ذاته. في الصداقة، لا يعطي المرء شيئاً ما، ولكن شخصاً هو شخصه. كثيراً ما يكون إعطاء شيء تعبيراً عن عجز جذري عن إعطاء الذات. لذا فالله يسعى إلى الحوار معنا. الله يريد آلهة.”

“ولكن كوننا مخلوقات تود أن تبقى هكذا لتكون في اطمئنان، يجعلنا نرهب مصيرنا كآلهة. فنشك في كلية عطاء الله. ننسب لله نية مبينة، فنصور أنه لا يهبنا إلا جزءاً من مجاله ويحتفظ بالقس المفضل من ملكه.”

“الله يريد نفسه صديقاً لنا. يسعى إلى حوار الصداقة، اما نحن، فننتظر بكسل أوامر ننفذها. الله يكلمنا كصديق ونحن نجيبه كرعايا….”

“كثيراً ما يتصور المرء الله كأنه الصانع الأسمى. ولكن الله لا يصنعنا، إنه خالقنا. إنه يخلقنا بعدوى كيانية. ينظر إلينا نظرة صداقة، نظرة طموح. إنه يدعونا لنكون، ولتزداد دوماً كينونتنا.”

“الله لا يسيطر علينا، الله يوقظنا….”

“…. الله هو الرب بمعنى أن الموقظ الأسمى. إن مجده يشع ويسطع بقدر ما يكون الناس أكثر بلوغاً ورشداً. الله هو الله بقدر ما يكون البشر بشراً….”

خلاصة القول إن سارتر كان مصيباً في مطالبته بحرية الإنسان، في دعوته إلى نبذ كل خنوع وتخاذل واستكانة وإلى تحرير الوجود الإنساني من التبعية الطفيلية ليصبح جديراً ببالغ يتعهد مصيره تعهداً مسؤولاً. لقد كان مصيباً في تشهيره لكل مظاهر التدين الزائف التي تتخذ الله ذريعة للتهرب من المسؤولية والاقدام والالتزام.

لكن الالتباس المريع القائم في فكره حول نوعية علاقة الله بالإنسان، والذي غذته بلا شك تلك المظاهر الزائفة للدين التي ذكرناها، قاده إلى رفض الله وبالتالي إلى بتر الحرية نفسها وتشويهها. قد ردها إلى مظهرها السلبي، جعل منها قدرة على الرفض وحسب، وأفرغها من مضمونها، شأنه في ذلك شأن المراهق الذي يعجز عن تجاوز العناصر السلبية في ثورته ليجعل من تلك العناصر مرحلة في بناء نفسه والكون.

إن الحرية السارترية ترفض، تعارض، تنقد، تهدم، ولكنها لا تستطيع أن تبني شيئاً. إنها أسيرة فراغها. الله وحده يحرر الحرية، شرط أن نعرفه على حقيقته، لا كما تتصوره أهواءنا بل كما كشف ذاته لنا في يسوع المسيح، لا طاغية ومستبداً كجوبيتر “الذباب” بل عطاء كلياً وانعطافاً غير متناه، لا ملغياً وجودنا بل مؤكداّ له بإمداده من وجوده، لا مبطلاً حريتنا بل داعياً إيانا إلى الاشتراك في حريته بالتأله.

عند ذاك، إذا عرفنا أبوة الله، لا تبعية خانقة بل علاقة محيية، موقظة، محررة، استطعنا أن نجمع إلى شدة البالغين (“لا تكونوا اطفالاً مضطربين….”، “كونوا رجالاً، تشددوا….” يقول الرسول) تلك الطفولة الروحية التي يدعو إليها الإنجيل (“إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السماوات”) والتي هي موقف تقبل كياني وانفتاح بي وإسلام حر لذاك الذي به وحده نحقق ذواتنا لأنه أقرب إلينا من ذواتنا.

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

تعليل الإلحاد السارتري – إلحاد سارتر – كوستي بندلي

تعليل الإلحاد السارتري – إلحاد سارتر – كوستي بندلي

تعليل الإلحاد السارتري – إلحاد سارتر – كوستي بندلي

تعليل الإلحاد السارتري – إلحاد سارتر – كوستي بندلي

الاكتفائية وأصنام الله

وقد نتساءل: إذا كان هذا هو إله الاعلان الكتابي، فما الذي دفع سارتر – وقد عاش في وسط مسيحي – أن يعطينا عنه هذه الصورة المشوهة؟

إنني أعتقد شخصاً أن لذلك سببين: أولاً الاكتفائية الكامنة في صميم فكر سارتر، والثاني “أصنام” الله التي حالت بينه وبين إله الإعلان الكتابي.

1 – الاكتفائية السارترية

فمن جهة أولى قبول الله يفترض أن أقبل بأن وجودي عطية من آخر ولو كان لي سلطان بأن أستخدم هذه العطية كما أشاء وأن أحولها، إذا أردت، ضد معطيها. قبولي لله يعني اعترافي بأن لي مقياساً ومرجعاً، ولو أعطيت سلطاناً بأن اضرب بهذا المقياس وبهذا المرجع عرض الحائط. قبولي لله يعني إنني لست مالكاً لذاتي ولو أعطيت سلطة التصرف بذاتي كما أشاء. قبول لله لا ينفي حريتي ولكنه يعني أن هذه الحرية ليس غاية بحد ذاتها. مجمل الكلام أن “كوني مخلوقاً، كما كتب جان دانيالو، لا يعني أن الوجود ينزع مني كما يقول سارتر، إنما ينوع مني امتلاك هذا الوجود.

ما ينزع مني هو إرادتي بالاكتفاء الذاتي”. قبولي لله طعن في الصميم لاكتفائيتي، لإرادتي بأن أكون المقياس والمرجع الوحيد لذاتي. إيماني بالله صليب لهذه “النرجسية الروحية” على حد تعبير أوليفية كليمان، لتلك الشهوة في الإنسان بأن يملك نفسه ويتمتع بأناه المنغلق، المكتفي. صعب على الإنسان أن يقبل بأن وجوده كله نعمة. وهذا صعب بنوع خاص على الإنسان الحديث الذي بدأ منذ عصر النهضة يعتبر نفسه تدريجياً مركز كل شيء ومقياس كل شيء. وبصورة أخص هذا صعب بالنسبة للاتجاه الفردي الكامن في صميم فلسفة سارتر، وأن كان تطوره الفكري قاده إلى أن يخفف نوعاً ما من حدة هذه الفردية. فبالنسية لسارتر وجود الآخر كآخر تهديد لوجودي. لأن وجودي ينزع إلى اتخاذ نفسه محوراً لذاته وللكون كله، بينما يأتي وجود الآخرين ليزعزع هذه المحورية.

نظر الآخر إليّ، بالنسبة لسارتر، خطر عليّ واعتداء على حريتي لأنه يجعلني تحت تصرف الآخر يحكم عليّ ويقيمني كما يشاء فيجمدني ويحصرني في هذه الفكرة التي يكونها عني. الحب نفسه فخ لأن كلاً من المحبين يستخدم الآخر في سبيل تأكيد ذاته. لذلك “فجوهر العلاقات بين الوجدانات، حسب تعبير سارتر، هو الصراع، ومن هنا كلمته الشهيرة في مسرحية Huis-Clos “الجحيم هو الآخرون”. لم يدرك سارتر أن العلاقة بين البشر، وإن كانت في كثير من الأحيان صراعاً كما صورها، يمكنها أن تكون أيضاً شركة وأن “الفردوس هو الآخرون”، على حد تعبير غبريال مارسيل، لأنني بهم، وبهم فقط، أخرج من عزلتي وأنجو من اكتفائيتي القتالة، فأحقق هكذا ملء وجودي.

لم يدرك أن وجود الآخر إلى جانبي فرصة لأجد ذاتي بخروجي من ذاتي في اتجاهه وبانفتاحي لاقتباله ولقائه. إن من اختبر صداقة أو حباً أصيلين، من عاش الأبوة أو الأمومة في أعماقهما، يعرف كم تلك العلاقات بالآخر تغني الإنسان بفيض من الحياة غزير؛ كذلك اعجابنا بمن رأيناه متفوقاً في ميدان ما يفجر فينا طاقات كامنة ويرفعنا، بصورة ما، إلى مستوى من نحن معجبون به. وحتى إذا أقلقنا الآخر بمعارضته وانتقاده، حتى إذا كان حكمه علينا قاسياً ولربما ظالماً، فإن اقلاقه هذا مثمر إذا عرفنا أن نتقبله، فإنه يدفعنا إلى أعادة للنظر خلاقة فيما نحن عليه، إلى تجاوز حدودنا وعيوبنا، إنه ينتزعنا من الاستكانة المخدرة ويدفعنا إلى الأمام في حركة لا تتوقف. لذا كتب مونييه في كتابه “مدخل إلى المذاهب الوجودية”: “لقد لمنا سارتر لكونه لم ير في النظرة سوى النظرة التي تجمد. ولكن النظرة الأعمق هي، بالعكس، نظرة تزعزع.

إذا تقبلت حضور الآخر كشيء ليس تحت تصرفي، فنظرته إليّ لا تجمدني، ولكنها بالعكس تزعجني، تقلقني، تعيد النظر فيّ. نعم إنها تجردني، ولكنها تجردني من نفسي كعدو لنفسي، من مركزية أناي اللاشفافة، … من هذا الحاجز الذي أقيمه بيني وبين نفسي في العزلة. الاختبار يعلمنا كل يوم قيمة الكشف التي لرأي الآخرين بنا عندما يقبلون بأن يفضلوا به إلينا أو لذلك الوعي الذي يوقظونه فينا بمجرد عبء نظرتهم الصامتة. في الوحدة لا نعرف أنفسنا كما يجب ولا نحسن الحكم على أنفسنا. الاغتياب في معظم الأحيان محق أكثر من التأمل الباطني. إذاً لا يحيينا النظر الكريم الصادر من الآخر وحسب، إنما أيضاً نظر العداء أو الحسد أو اللامبالاة، إذا كنت، أنا الذي أتقبله، في حالة انفتاح له. هذا الاختبار يتحقق في الجماعات كما في الأفراد… إن نظرة الالحاد الى الدين، نظرة المعارضة إلى الحكومة، نظرة التلامذة إلى المعلم، هي الباعث الأساسي لحيوية هؤلاء”. أما بالنسبة لسارتر، فعلاقة الإنسان بالآخر هي، في الصميم، علاقة استعباد متبادل (وإن قبل سارتر في تطوره الفكري بإمكانية تعاون خارجي بين البشر من أجل بناء عالم أفضل). هذا المفهوم لعلاقة الإنسان بالآخر مبني، كما بين مونييه في كتابه المذكور أعلاه، على كون تفكير سارتر – إننا نحكم هنا على تفكيره وليس على شخصه، ففي شخصه الكثير من الالتزام الشريف لشؤون الناس تجلى في جهاده من أجل تحرير البشر من الظلم وفي تصريحه لجريدة Le Monde في 18 نيسان 1964: “أمام طفل يموت، لم يعد للغثيان من وزن” – قلنا على كون تفكيره يدور في عالم التملك أو عالم عدم الانفتاح على حد تعبير غبريال مارسيل. وقد حدد مارسيل هذا الموقف بقوله: “عدم الانفتاح هو أن يكون المرء منشغلاً بذاته”. إذا كنت أريد أن أكون مالكاً لذاتي فوجود الآخرين يهدد هذا التملك لأن عليّ أن أحسب حساباً لوجودهم ولما ينتظرونه مني ولوجهة نظرهم فيّ. إذا أغلقت على ذاتي ضمن مركزية أناي، فلا بد أن أرى الآخرين على شاكلتي وأن أرى فيهم بالتالي كائنات منغلقة، منشغلة بذاتها، تتطاحن مع كياني وتهدده بالاستعباد. إذا كنت منشغلاً بذاتي، فلا مكان حقيقي في وجودي للآخر، وبالأحرى لا مكان فيّ لهذا الآخر المطلق الذي هو الله، لأن إن قبلت به تجردت تماماً عن ملكية ذاتي وضربت في الصميم اكتفائي. ولا بد عند ذاك أن أتصور الله، كما أتصور الآخرين، من خلال مركزية أناي، فأراه أنانية هائلة تحاول استعبادي. ولا بد أن يكون رفضي له أعمق بكثير من رفضي للآخرين، لأنني إذا تصورت أن الآخرين يحاولون استعبادي أستطيع أن أرد عليهم بمحاولتي استعبادهم، أما الله، وهو تحديداً من لا أستطيع استعباده، فلا سبيل لي إلا إنكاره للمحافظة على اكتفائيتي. إذا كانت نقطة الانطلاق هي مركزية الأنا، فلا بد أن تبدو لي صورتها منعكسة على الآخرين، فأحس أنهم معتدلون ومستعبدون، ولا بد أن تنعكس صورتها مضخمة على الله، فأراه الطاغية الأكبر الذي يمتص كياني امتصاصاً ويلغي وجودي. لقد كتب إتيان بورن عارضاً وجهة النظر السارترية: “إن حضور الآخر يأتيني ببرهان إضافي على مدى أذى الله، لو كان موجوداً. لأن من هو الله سوى آخر مطلقة حرب بأن يرفع العلاقة الجدلية بين سيد وعبد (التي تربطني بالآخر) إلى أعلى درجة من الحدة عوض أن يحلها؟ لأنه إذا كان الآخر بغيضاً، فالله يكون، والحالة هذه، بغيضاً بصورة مطلقة”. عند ذاك وفي هذا المنظار الذي يصبح فيه حسب تعبير هيغل “كل وجدان يسعى إلى الموت الآخر”، أصبح “موت الله”، على حد تعبير نيتشه وسارتر من بعده، شرطاً لا بد منه لأوجد أنا. أما إذا تحررت من مركزية الأنا وأصبحت “منفتحاً” تحولت علاقتي بالآخر من صراع بين “أنا” و”هو” إلى “مناجاة” بين “الأنا” المنفتح والأنت حسب تعليم غبريال مارسيل. أي أن الآخر يصبح ليس ذلك الغريب “هو” الذي يحد وجودي ويهدده بل ذلك المخاطب، ذلك “الأنت”، شريكي الذي به أكتمل. عندئذ أستطيع أن أرى الله كطاغية غريب ينتزع مني الوجود بل كشريك وحبيب، ذلك، “الأنت المطلق” كما يقول غبريال مارسيل، الذي يوقظني باستمرار إلى وجود أوفر وأغنى.

2 – أصنام الله

أما السبب الثاني الذي حدا سارتر بنظري إلى تبني هذه الصورة المشوهة عن الله، فهو “الأصنام” التي حالت بينه وبين الإله الحقيقي. “الأصنام” هي تلك التصورات التي نكونها عن الله في ضوء ميولنا ورغباتنا فنتعبد لها معتقدين أننا نتعبد لله فيما لا نعبد بالحقيقة سوى أنفسنا. “ليست أفكاري كأفكاركم يقول الله، في نبؤة أشعيا، ولا طرقي كطرقكم لكن كبعد السماء عن الأرض تبعد أفكاري عن أفكاركم وطرقي عن طرقكم” (أشعيا 55: 8، 9)، ومع ذلك فإننا عوض أن نرتقي نحن إلى الله كثيراً ما ننحدر بالله إلى مستوى أفكارنا ورغباتنا. عندما انطلق سارتر من محورية الأنا تصور الله طاغية يمتص وجود الإنسان، كما رأينا، فأوجد هكذا صنماً سماه “الله”. ولكن سارتر عندما فعل ذلك، كان إلى حد بعيد يرجع صدى ما يتصوره الكثيرون من المسيحيين عن الله.

قاله المسيحيين، والحق يقال، ليس دائماً الإله المسيحي، الإله الذي أعلن لنا في يسوع المسيح. إن إله الكثيرين من المسيحيين إله يتصورونه على شاكلتهم، إله هو صورة مضخمة عن نقص المحبة الكامن فيهم. يقول لويس افلي في كتابه المذكور أعلاه: “… إن معظم المسيحيين لا يتمنون أن يكونوا ذلك الإله الذي يتصورونه. لأنهم أفضل منه. لقد قال فولتير كلمة رهيبة: “الله خلق الإنسان على صورته، ولكن الإنسان رد له المثل”. الإنسان صنمي بطبيعته. إنه دون انقطاع يكوّن إلهاً على صورته. كل واحد منا مجرب بأن يتصور إلهاً بعيداً…. مستاء، غير مكترث، لاهياً، حقوداً، متذمراً. لأننا لا نحبه كثيراً، نتصور أنه لا يمكن أن يحبنا كثيراً”. ولكن إله الاعلان الكتابي “أعظم” بما لا يقاس “من قلوبنا” الضيقة (1يوحنا 3: 29). لذا يتابع لويس افلي قائلاً: “الإعلان الإلهي يقول لنا… إن الله ليس مثلنا، وأنه لا ينبغي لنا، إذا شئنا أن نعرف مشاعره نحونا، أن نستند إلى مشاعرنا نحوه… إن الله أحبنا دون أن نحبه، إنه أحبنا أولاً”.

الإله الذي يتصوره المسيحيون كثيراً ما يكون صورة عن أسلوبهم في الحياة، مع أن هذا الأسلوب دائماً ناقص وقد يكون منحرفاً. من قرأ كتاب سارتر الأخير Les Mots (وفيه يروى طفولته)، أو الكاتب المماثل لتلميذه سيمون دي بوفوار، يرى أن كلاهما نشأ في بيئة عائلية أو اجتماعية كان الله يتميز فيها عن الوطن والنظام والأسلوب البورجوازي في العيش وسلطة التقاليد الاجتماعية. تلك التقاليد التي قتلت “زازا” الفتاة المؤمنة والمنتمية إلى عائلة مؤمنة، صديقة سيمون دي بوفوار، لأن تربيتها جعلتها تخضع، ضوعها لله، لإرادة والدة كانت ترفض تزويجها من الرجل الذي أحبته لأن العرف يقضي بان لا تختار الفتاة زوجاً بل يختاره لها والدها.

المسيح رفض تجربة السلطة، رفض أن يكون ملكاً على الأرض، (يوحنا6: 15، 18: 36)، وبذلك أظهر لنا أن سلطة الله تختلف بما لا يقاس عن مفاهيم البشر في السلطة. ومع ذلك فكثيراً ما يتخذ المسيحيون الله مبرراً للنظام الاجتماعي الراهن ولو كان هذا النظام جائراً. لقد تحققت في فولتير مثلاً كلمة المذكورة أعلاه، إذ أنه نادى بفكرة “إله دركي” يكون ضمانة لنظام اجتماعي مبني على تفاوت الثروات، وكان هكذا، وهو ثري، يتخذ الله حجة لضمان احتفاظه بثروته.

ولكن الكثيرين من المسيحيين يجارون في هذا الموقف فولتير الذي لم يكن مسيحياً، فتراهم ينسـبون إلى الله تفاوت الثروات ويتخذونـه وسيلة لتكريس اسـتغلال فئة لفئة أخرى. إن أ. لامبرت، في مقال له، بعد أن بين أن الله لا يمارس في العالم سلطة شبيهة بسلطة الناس، أظهر كيف أن المسيحيين سخّروا ولا يزالون يسخّرون الله لتثبيت تسلط المتسلطين، وأضاف قائلاً: “يتمتع الإنسان بهذا الامتياز الرهيب بأنه يستطيع أن يحمّل إلهاً مسؤولية المركز الذي يشغله والقانون الذي يضعه… هذا هو أحد العوامل الرئيسية لاستبعاد البشر وهذا ما يظهر بأنه بإمكان المرء أن يدوس الصليب لا عن طريق اضطهاده بل عن طريق تملكه”.

إنها بالحقيقة محاولة كفرية يستخدم بها الإنسان الله عوض أن يضع نفسه في خدمته ويحدره إلى مستوى مطامعه عوض أن يرتفع إليه، إنه يصور الله بأخلاقه عوض أن يتصور بأخلاق الله، وهكذا يبرر سلوكه ويتأصل به ويطفئ فيه الإمكانات الخيرة ويصبح تماماً على صورة ذلك الإله الذي تصوره. يقول جوبيتر “الذباب” لايجيست: “لقد قلت لك أنك مصنوع على صورتي. كلانا يعمل ليسود النظام، أنت في أرغوس وأنا في العالم” (الفصل 2 – المنظر 2 – المشهد 5) والصحيح أن “جوبيتر” و”أصنام الله” الشبيهة به صنعت على شيه الطاغية ايجيست وأمثاله. الحق يقال إن المسحيين كثيراً ما تصورا ويتصورون الله على صورة الملوك والحكام وما سمي “بنظامهم” الذي قد يكون تكريساً من الملوك والحكام التخلق بأخلاق الله.

هذا ما أدى إلى التلازم المؤسف، المرير، بين “المذبح” والعرش”، هذا ما قاد الكنيسة الرسمية في كثير من الأحيان إلى الخلط بين قضية الله وقضية الطبقة الحاكمة، هذا ما يفسر، إلى حد ما، إن الحركات التحريرية منذ الثورة الفرنسية كثيراً ما انحرفت في نضالها ضد الاستبداد إلى رفض الله نفسه، لأن الإله الذي وجدته أمامها كان قد صنع على صورة المستبدين.

ولأن المسيحيين تصورا الله على صورة السلطات الأرضية، فقد ناقضوا الإنجيل بشكل رهيب إذ كثيراً ما استخدموا الاكراه في أمور الدين. فقد كتب بردياييف: “في مجرى التاريخ، كثيراً ما اتخذت المسيحية طريق الاكراه وسقطت في التجربة وتخلت عن حرية المسيح. إن الرئاسة الروحية، سواء الكاثوليكية أو الارثوذكسية، كثيراً ما استبدلت الحرية بالإكراه، وسقطت في تجربة المفتش الأكبر”.

هذا الإله الذي كثيراً ما نلصق به صورة المتسلط في المجتمع، قد نراه أيضاً من خلال علاقتنا الطفيلية بوالدينا. إن أول صورة يتحسس المرء من خلالها سر الله هي صورة والديه، إلا أن نموه الإنساني والروحي يجب أن يقوده إلى تجاوز هذه الصورة. ولكن قد تحجب هذه الصورة الطفيلية عن الإنسان رؤية الإله الحقيقي. هذا ما قد يحدث مثلاً إذا كان الوالدان شديدي التسلط أو إذا كانا يخلطان بين سلطة الله وسلطتهما الخاصة ويبنيان تربيتهما الدينية والخلقية على الخوف من الإله الذي “يخنق الأطفال”.

هكذا قد تبقى عالقة في نفس المرء طيلة حياته صورة إله يضخم شراسة الوالدين وتسلطهما، صورة له لا سبيل للوقوف أمامه إلا في موقف الطفل العاجز أمام عملاق يسحقه، صورة إله بعبع لا مجال أمامه إلا للشعور الدائم بالإثم والخوف. تلك صورة “الإله الأب الرهيب” التي وجدها فرويد في بعض التصورات الدينية فلم يعرف أن يميز بينها وبين الإله الحقيقي. إن المشتغلين بعلم النفس كثيراً ما يرون هذه الصورة عن الله، التي يجتمع فيها كل عجز الطفل وذعره، تبرز من كوامن العقل الباطن وتطغي على المعلومات الدينية التي تلقنها الشخص – خاصة إذا كانت سطحية، ناقصة – وتصبغ حياته كلها، فإما تستعبده وتشل فيه كل حيوية وتعذبه دون هوادة بالوساوس والشعور المرضي بالإثم وإما تشعل فيه ثورة تبدو وكأنها موجهة ضد الله فيما هي بالحقيقة محاولة مستميتة للتخلص من صنم استعيض به عن الإله الحقيقي.

تلك العلاقة بين الصورة التي يكونها الطفل عن والديه (والتي ليست هي بالضرورة مطابقة تماماً لشخصها الحقيقي) وبين تصوره، في طفولته وما بعدها، لله، تبدو لنا إذا عدنا إلى طفولة سارتر كما يرويها لنا في مذكراته المذكورة آنفاً وكما رجع لنا تلميذه جانسون صداها في دراسته عن سارتر التي سبق أيضاً ذكرها. أن عبارة في مذكرات سارتر لا بد لها أن تلفت النظر، ألا وهي: “لقد فهم القارئ أنني أكره طفولتي وكل ما بقي منها….”. فما هو الداعي يا ترى لتلك الكراهية؟ لقد توفي والد سارتر فيما كان يبلغ من العمر سنتين، فعاشت أرملته عند والديها مع الطفل مدة عشر سنوات تزوجت بعدها من جديد. هكذا قام جد سارتر بدور الوالد بالنسبة لليتيم. وقد أحاطه بالعناية والاهتمام، فلم ينقصه شيء في الظاهر، إلا أن الطفل كان يحس بأن تلك العناية كلها لم تكن نابعة حقيقة من القلب، إنما كان فيها تكلف وتمثيل.

لم يحس بأن ذلك المنزل كان منزله حقيقة، فقد كانت والدته توشوش في أذنه إذا ضج: “احذر، لسنا في بيتنا”. أحس هذا الطفل المدلل بأنه لم يكن محبوباً من أجل نفسه، إنما كان عليه أن يشترك في تمثيلية، فيتقبل تظاهر جده بالاهتمام به ويجيب على ذلك بأن يلعب دوره، دور الولد المرضي، المهذب، المطيع، الذكي، دون أن يجد الحب لقلبه سبيلا: “لم أكن أحب شيئاً أو أحداً”. كان يشعر بأنه ليس مقبولاً حقيقة وأن لا مبرر لوجوده سوى أرادة جده، تلك الإرادة التي كان عليه ان يستميلها بلعبه، تجاه ذلك الجد المتسلط، دور الكلب الأليف. من الطبيعي، والحالة هذه، أن يكوّن الطفل سارتر صورة عن الأبوة نابعة من علاقته بجده. فقد كانت تلك العلاقة مجردة من الحب: كان الطفل يشعر أن جده لا بحبه حقيقة (“كان مصيري معلقاً به كلياً، فكان يعشق فيّ كرمه”) وإن عطفه عبء عليه لأنه كان مضطراً أن يستجديه بتلبس شخصية زائفة، ذليلة. لذا تصور الأبوة طاغية، ساحقة، وهنأ نفسه لوفاة والده لأنها جعلته حراً: “ليس من أب صالح، تلك هي القاعدة. ولا يعود اللوم في ذلك للبشر بل لرباط الأبوة الذي هو مهترئ. حسن أن يصنع الإنسان أولاداً، ولكن أن يكون له أولاد، يا للظلم.

لو كان عاش أبي، لكان تمدد عليّ بطوله وسحقني. لحس حظي مات عندما كنت صغيراً….”، “لقد كان موت جان باتيست (والده) قضية حياتي الكبرى، فقد…. أعاد لي الحرية”. هكذا نرى أن سارتر بتأثير خبرة طفولته لم يتصور الأبوة إلا بشكل ملكية واستبعاد ساحق. وإذا كانت صورة الأبوة كما يكونها الإنسان في طفولته تطبع إلى حد ما تصوره لله، كما أظهر التحليل النفسي، فلا عجب أن يكون سارتر قد كوّن منذ طفولته عن الله صورة مشوهة، صورة مراقب مخيف تجلت للطفل سارتر في لحظة يرويها لنا من حياته، فرفضها نهائياً: “مرة واحدة، شعرت بأنه موجود. كنت قد لعبت بعيدان كبريت وأحرقت سجادة صغيرة، وفيما كنت أخفي جرمي، أبصرني الله فجأة، شعرت بنظرة داخل رأسي وعلى يديّ؛ قدرت في الحمام وأنا أحس أنني مرئي بشكل فظيع، هدف حي للرماية.

ولكن الاستنكار أنقذني: فقد اغتظت لفضول مبتذل لهذا الحد وجدفت… فلم ينظر إليّ أبداً فيما بعد”. تلك الصورة الرهيبة التي كونها سارتر منذ طفولته عن الله لم يكن ما يقومها، لا في بيئته العائلية، فجده وجدته كانا لا مباليين، وأمه كانت ذات إيمان منطو، ولا في بيئته الاجتماعية التي كانت تدين بدين شكلي لا حياة فيه ولا التزام. فلا عجب أن يكون قد تسلح ضدها بتلك المكابرة التي اتخذها منذ طفولته سلاحاً ضد بيئة عائلية أحس أنها تسلبه وجوده الأصيل، لا عجب أن يكون قد رفضها رفضه لتلك الأبوة التي تبرأ منها مفضلاً عليها عزلة لا جذور لها (“ابن لا أحد، أصبحت علة ذاتي، هذا غاية الكبرياء وغاية الشقاء”، “أصبحت راشداً وحيداً، لا أب لي ولا أم، لا مقر لي، وأكاد أكون بلا اسم”)، تلك الأبوة التي لم يشأ هو أن يمارسها. هكذا كانت طفولة سارتر أحد المصادر الرئيسية لتلك الصورة الصنمية عن الله التر رفضها بشدة غير مميز إياها عن الإله الحي.

هذا ما يظهر ما لنوعية سلوك الوالد من أهمية في تنشئة الموقف الديني عند أولاده. فالوالد صورة عن الله ولكنه صورة ليس إلا. لذا يجب أن يمحي تدريجياً أمام الأصل، كما أمحى المعمدان أمام السيد قائلاً: “ينبغي أن ينمو هو وأن أنقص أنا” (يوحنا 3: 27-30)، يجب أن يكون سلوكه قدر الإمكان صورة لمعطائية الله الذي يغدق من ذاته ولا يستولي. أما إذا شاء الوالد أن يخلط بين سلطته وسلطة الله، وبعبارة أخرى أن يؤله ذاته، إذا كانت أبوته طغياناً وحبه لنفسه وسيلة للاستعباد، فإنه يدفع بأولاده إلى الكفر لا به وحسب بل بالله الذي هو صورته في نفوسهم. هذا صحيح خاصة في أيامنا حيث يقود التمرد على السلطة الوالدية في كل مظاهرها، من عائلية واجتماعية، إلى رفض الأب السماوي. وقد كتب جان لاكروا بهذا الصدد: “إن رفض سلطوية الوالد، بأقوى معانيه، هو أحد دوافع زمننا الرئيسية، والسبب الجوهري لرفض الله”. بالطبع كثيراً ما يتخذ ذلك الرفض للسلطوية الوالدية في أيامنا أشكالاً هوجاء، تتسم بطابع المراهقة، فيخلط بين السلطوية والأبوة ليرفضهما كليهما، ولكن ينبغي أن نرى في أصل ذلك الالتباس تلك الصورة المشوهة التي طالما سادت في العائلة والمجتمع، صورة أبوة مستعبدة، ساحقة، عوض أن تكون محيية، معطاء، صورة ألصقت بالله نفسه واتخذته تكريساً لها وضماناً، فأوجدت صنماً من أبشع أصنام الله.

“أصنام الله، هذه، على حد تعبير القديس غريغوريوس النيصصي، يجب أن يكفر بها. لقد كان الوثنيون يسمون المسيحيين الأولين “ملحدين” لأنهم كانوا يكفرون بتلك الأصنام التي كان يعتقدها عبادها آلهة. ولكن في كل منا لا تزال الوثنية كامنة، وأصنامها المصنوعة على شاكلة تصورات البشر. لذا ينبغي لنا أن نكفر باستمرار بهذه الأصنام التي قد تحجب عنا رؤية الإله الحق. هنا يظهر لنا الدور الإيجابي الذي يمكن لإلحاد سارتر وللإلحاد المعاصر عامة أن يلعبه بالنسبة لإيماننا. لقد كتب الفيلسوف لانيو: “إن الإلحاد هو الملح الذي يمنع الإيمان بالله من الفساد”. المسيحي يعلم أن وجد الآخر إلى جانبه، وإن كان يهدده في طمأنينته الأنانية، إنما هو بالحقيقة دعوه له إلى وجود أوفر وأغنى، لذا يمكن أن نعتبر الإلحاد السارتري مدعاة إلى تطهير إيماننا وتأصيله وتعميقه. إذا عنى أحد بالله ذلك الإله الذي يصوره سارتر فنحن مع سارتر كافرون بهذا الإله – الصنم، باسم الإله الحقيقي، حسب تعبير الراهب المتصوف الألماني الشهير المعلم أكارت (الذي عاش في القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر): “إنني أسأل الله أن ينجيني من الله”، أين إنني أسأل الإله الحقيقي الحي أن ينجيني من الإله الصنم الذي يراود خيالي. الإيمان الحقيقي عملية شاقة مستمرة يلازمها كفر دائم بأصنام الله، حسب وصية الرسول يوحنا: “يا أولادي احفظوا أنفسك من الأصنام” (1يوحنا 5: 21). خطأ سارتر أنه توقف عند الناحية السلبية ولم يتجاوزها. أما نحن فسبيلنا أن نتذكر دائماً بأن الله، حسب تعليم الكتاب المقدس وحسب النهج الذي سار عليه بنوع خاص الآباء الشرقيون في لاهوتهم وحسب اختبار كبار المتصوفين المسيحيين، منزه عن كل تصور بشري، وأنه ينبغي لنا، والحالة هذه، أن ننبذ كل تصوراتنا البشرية عن العظمة والسلطة إذا شئنا أن نعرف عظمته وسلطته. يقول القديس غريغوريوس بالاماس منزهاً الله عن كل ما في الوجود من صفات: “إذا كان الله طبيعة، فكل ما تبقى ليس بطبيعة وإذا كان ما ليس الله طبيعة فالله ليس بطبيعة. وإذا كانت الكائنات الأخرى موجودة فهو ليس بموجود” أي أن وجوده يختلف بما لا يقاس عن وجود الكائنات الأخرى، حتى أننا إذا أطلقنا صفة الوجود عليها، لا يمكننا أن نطلق الصفة نفسها عليه. وهكذا إذا سمينا البشر آباء وحكاماً فالله ليس بأب ولا بحاكم. إما إذا سمينا الله أباً وحاكماً فالبشر ليس بآباء ولا بحكام حسب قول السيد: “لا تدعوا أحداً على الأرض أباً، فإن أباكم واحد وهو الذي في السماوات، ولا يدعكم أحد مدبرين، لأن مدبركم واحد، وهو المسيح” (متى 23: 9، 10).

تعليل الإلحاد السارتري – إلحاد سارتر – كوستي بندلي

إله الإعلان الكتابي – إله الكتاب المقدس – كوستي بندلي

إله الإعلان الكتابي – إله الكتاب المقدس – كوستي بندلي

إله الإعلان الكتابي – إله الكتاب المقدس – كوستي بندلي

إله الإعلان الكتابي – إله الكتاب المقدس – كوستي بندلي

في مسرحية الذباب أشار سارتر إلى الألوهة باسم “جوبيتر” وهذا ليس عبثاً، لأن اسم جوبيتر مرتبط بأسطورة بروميتيوس، ذلك الكائن الذي اختلس ناراً من السماء ليوجد منها البشر، فغضب عليه جوبيتر وأنزل به عقاباً أبدياً. تلك الأسطورة تصور العلاقة بين الألوهة والبشر علاقة عداء في الأساس حتى أن وجود الإنسان نتيجة اختلاس للقوة الإلهية. وكأن الإنسان لا يوجد إلا ضد الله. هذا هو بالضبط موقف سارتر. فقد كتب في “الكائن والعدم” إن المخلوق “لا يمكن أن يؤكد ذاته إلا ضد خالقه”.

1 – الله محبة

ولكن جوبيتر الذي نسب إليه الأقدمون – وسارتر من بعدهم – صفات التملك والحسد الكائنة في البشر ليس إله الإعلان الكتابي. إله الكتاب – وقد تجلى لنا تماماً في يسوع المسيح القائل “من رآني فقد رآى الآب” (يوحنا 14: 9) – ليس عنده تسلط وتملك. ذلك لأنه عطاء كله. لقد قال عن نفسه في العهد القديم: “أنا ينبوع الماء الحي”. وهتفت المزامير: “كما يشتاق الأيل إلى ينابيع الماء الحي، هكذا تشتاق نفسي إليك يا رب”، والينبوع فيض مستمر، هبة حياة دائمة. وفي العهد الجديد كتب الرسول يوحنا “الله محبة” (1يوحنا 4: 8 ،16) وكأنه يقول إن المحبة هي أفضل تعريف عنه لأنه في جوهره محبة عطاء. لقد قال جوبيتر “الذباب”: “إنني لا أحب أحداً” أي أنه قابع في عزلة وأنانية أبديتين. ولكن إله الكتاب ليس فقط بحب ولكنه المحبة عينها. إنه محبة منذ الأزل ولذلك فهو ثالوث، لأن علاقة المحبة لكي تقوم تفترض وجود أكثر من شخص واحد. إله الكتاب يظهر لنا علاقة حب تجمع الأقانيم حتى أن الأقنوم الأول لا يعرف عنه إلا بالنسبة للثاني (فالآب ليس آبا إلا بالنسبة للابن) والثاني لا يعرف عنه إلا بالنسبة للأول (فالابن ليس ابناً إلا بالنسبة للآب)، الله يظهر لنا في صميمه عطاء تاماً متبادلاً: “كل ما هو لي فهو لك وكل ما هو لك فهو لي” (يوحنا 17: 10). فالآب يعطي ذاته بالكلية للابن، يعطيه جوهره بكامله، ولذا فالابن صورة تامة عن الآب: “من رآني فقد رأى الآب” (يوحنا 14: 9). ولكنه بإعطائه جوهره أزلياً للابن فإنه يعطيه أن يكون عطاء، ولذا فالابن متجه إلى الآب كلياً. في العهد الجديد عندما يظهر الآب، لا يمجد ذاته إنما يمجد ابنه. فإنه عندما اسمع صوته حين معمودية يسوع وحين تجليه، اسمعه ليمجد ابنه قائلاً: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” (متى 3: 17، 17: 5) وكذلك الابن أتى إلى العالم ليمجد الآب: “انا مجدتك على الأرض” (يوحنا 17: 4).

هذه المحبة التي هي في صميم الله تعين نوع علاقته بالبشر. هذه العلاقة لا يمكنها أن تكون إذاً إلا علاقة حب وعطاء. الآب يجب العالم بالحب ذاته الذي يحب به ابنه: “…. إنك أحببتهم كما أحببتني” (يوحنا 17: 23). هذا ما يتجلى في العهد القديم عندما صور الأنبياء ونشيد الأنشاد علاقة الله بشعبه كعلاقة الزوج بزوجته والحبيب بحبيبته. ولكنه ظهر لنا خاصة في يسوع المسيح. فالحب الذي أظهره يسوع لنا كشف لنا كل عمق حب الآب، لأن الابن صورة الآب. بيسوع خاصة عرفنا أن علاقة الله بالبشر كلها سخاء وبذل. حياة يسوع كانت معطاة لنا كلها، معطاة لنا حتى الموت، معطاة لنا بدون قيد أو شرط، معطاة للخطأة والصديقين، للأشرار والصالحين، ففهمنا هكذا أن الله عطاء غير مشروط: “لا يكاد أحد يموت عن بار، وقد يقدم أحد على الموت عن صالح وأما الله فقد برهن على محبته لنا بأن المسيح قد مات عنا ونحن بعد خطأة” (رومية 5: 7، 8). رأينا يسوع يولد في مزود ويرفض الغنى والسلطة والمجد، رأيناه يغسل أرجل التلاميذ ويؤكد بأنه “لم يأت ليُخدم بل ليَخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين” (متى 20: 28)، رأيناه “طالعاً حتى الموت” (فيليبي 2: 8)، وهكذا في يسوع الذي هو على حد تعبير الرسول بولس “صورة الله غير المنظور” (كولوسي 1: 15) أدركنا أخلاق الله وعرفنا بأن التسلط والتشامخ والتجبر والتملك، تلك الأخلاق التي نسبها سارتر لإلهه، بعيدة عن أخلاق الإله الحي بعد السماء عن الأرض.

بيسوع المصلوب عنا “ليس حب أعظم من هذا أن يضع الإنسان نفسه عن أحبائه” (يوحنا 15: 13) عرفنا أن الله مبذول لنا كله، وبأن طبيعته لا أن يتملك ويحتفظ لنفسه ويطلب ما لنفسه بل أن يعطي ويغدق بدون حساب. أدركنا بيسوع نوعية علاقة الله بخليقته. يقولون إن الله خلق الكائنات لمجده. ولكن ما هو مجد الله؟ “مجد الله، يقول أحد الكتاب المعاصرين الروحيين، ليس أن يأخذ بل أن يعطي. مجد المحبة أن تحب…. مجد الينبوع أن يملأ ويسقي ويروي ويغسل. مجد الشعلة أن تلهب وتضيء وتدفئ، مجد الأب أن ينجب ويربي ويشدد….”.

يقول لويس افلي في كتابه “أبانا….”: “ما هو مجد الله؟ الله يحب. مجده أن يكون الله، أي أن يكون محبة….” (ص 49). وأيضاً: “الله خلق الخليقة حباً، ليعطي وليهب ذاته، ليحيي كائنات أخرى بحياته، ليبهج كائنات أخرى بفرحه” (ص 48).

هذا ما عبر عنه الآباء الأقدمين ايريناوس، عندما كتب في القرن الثاني للميلاد: “مجد إله حياة الإنسان”. وكأنه يرد مسبقاً على تصورات سارتر الذي سمى إلهه جوبيتر “إله الأموات” كما رأينا وقال أنه يسر برؤية الأحياء شبيهين بالأموات، بينما سمعنا الرب يقول: “الله ليس إله الأموات بل إله الأحياء” (لوقا 20: 38)، وسمعناه يكشف لنا مقاصد الله بقوله: “أما أنا فقد أتيت لتكون لهم الحياة وتكون لهم بوفرة” (يوحنا 10: 10).

هكذا يتضح لنا أن هم الله ليس أن يزيل وجودي بل أن يمدني بوجوده، كل ما يريده الله مني هو أن أدعه يحبني ويجعلني في الوجود بحبه، هو أن أقبل بأن أتلقى منه الكينونة والخير. إنه ليس فقط لا يريد إلغاء وجودي بل إنه لا يرتضي لي بوجود ناقص، مبتور، إنه يريد لي كل الوجود، يريد أن يشركني في حياته كلها وأن يغنيني بملئه كله. ليس فقط لا يشاء الله الغاء وجودي، بل يريد أن يدفعني إلى مستوى وجوده، أن يمنحني كل غنى وجوده. وبعبارة أخرى يريد الله تأليهي. هذا ما عبر عنه القديس مكسيموس المعترف في القرن السابع عندما كتب: “الله متعطش إلى تأليه الإنسان”. الله لا يشاء تحقير الإنسان بل، كما أن الجدير بهذا الاسم يسر بأن يصبح ابنه مثله مكتمل الرجولة، هكذا شاء الله أن يجعلنا شركاء لاهوته وأن يعاملنا معاملة المثل للمثل. لذا كتب بطرس الرسول بأننا مدعون إلى أن نكون شركاء الطبيعة الإلهية” (2بطرس 1: 4). وكتب الرسول يوحنا “أيها الأحباء، نحن من الآن أولاد الله، ولم يتبين بعد ماذا سنكون. غير أننا نعلم أننا، إذا ما ظهر، سنكون أمثاله، لأننا سنعاينه كما هو” (1يوحنا 3: 2). ويختتم تيموتي وار مقاله عن “تجلي الجسد” بقوله: “يقول مخطوط عبراني: إن أحد الملوك دخل بستان ليخاطب البستاني، فاختبأ البستاني، فقال له الملك: لماذا تختبئ مني ألست مثلك؟ هكذا سيسير الله مع الصديقين في الفردوس الأرضي وسيرونه وسيرتجفون منه، وسيقول لهم آنذاك، لا تخافوا أنا واحد منكم” (ص 144). في هذا الألفة التي يعتبر فيها الله نفسه واحداً من أحبابه، أين مكان الخوف الذي قال عنه سارتر على لسان جوبيتر الذباب “إن له ريحاً شهية في خياشم الآلهة”؟ وكأن الرسول الحبيب قد رد مسبقاً على سارتر عندما كتب: “لا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تنفي الخوف…. والخائف لم يكتمل في المحبة” (1يوحنا 4: 17، 18).

قد نتساءل والحالة هذه: لماذا سقط آدم أذاً عندما شاء أن يحقق وعد الشيطان “ستصيران آلهة”؟ ألا يعني ذلك أن الله لا يشاء أن يتأله الإنسان؟

ولكن هل كانت خطيئة آدم بأنه أراد أن يتأله؟

فلنز جواب لويس افلي على هذه المسألة: “كل تاريخ البشرية انحرف وتحطم لأن آدم كون لنفسه فكرة خاطئة عن الله. لقد كان يريد أن يصبح مثل الله. أرجوا أنكم لم تعتقدوا لحظة أن خطيئة آدم كانت كامنة في ذلك. أي طموح آخر كان يمكن أن يكون له؟ ألم يكن هذا هو الهدف بالضبط الذي دعاه الله إليه؟ ولكن آدم أخطأ النموذج. فقد اعتقد أن الله كائن مستقل، مكتف بذاته ولذلك تمرد وعصى حتى يصبح مثله.

“ولكن الله عندما كشف ذاته، عندما أراد أن يظهر ما هو بالحقيقة، أظهر ذاته محبة، حناناً، عطاء ذات…. الله أظهر ذاته طائعاً، طائعاً حتى الموت.”

“هكذا عندما اعتقد آدم أنه يصبح مثل الله اختلف بالكلية عن الله. لأنه انفصل واعتزل بينما الله شركة كله”.

هكذا لم يسقط آدم لأنه أراد أن يصير مثل الله، ولكن لأنه لم يتمثل الله حقيقة، أي لم يشأ أن يكون مثله عطاء يقابل عطاء، بل فصم الشركة ورفض “عطية الله” (تلك العطية التي حدث يسوع السامرية عنها قائلاً: “لو كنت تعرفين عطية الله يوحنا 4: 10) أي أنه رفض أن يمتلئ من الوجود الذي كان الله يدفقه فيه وحبس على نفسه في اكتفائية قاتلة.

2 – الله يريد ويحترم حرية الإنسان

ولكن الله يحترم حرية الإنسان حتى عندما يريد الإنسان أن يفصم الشركة. يحترمها إلى حد أنه يسمح للإنسان أن يستخدم ذلك الوجود، الذي وهبه عطية حب، ضد معطيه. يحترمها إلى حد أنه يسمح للإنسان أن يذهب في تمرده إلى أبعد الحدود. هذا هو معنى الجحيم. إنها مظهر من مظاهر احترام الله الكلي لحرية الإنسان. “جهنم هي، كما يقول برناتوس، ألا يحب المرء”. وبعبارة أخرى يرتضي الله بأن يرفض الإنسان حبه، وبأن يرفضه، إذا شاء، إلى الأبد. ولكن الله لا يزال يحب ذلك الإنسان. يمكن للإنسان أن يرفض الله، ولكن لا يمكن لله أن يرفض الإنسان. يمكن للإنسان أن يكتفي بذاته ولكن الله عطاء كله. الله أمين على العهد الذي أقامه مع الإنسان مذ خلقه ولو لم يكن الإنسان أميناً. يقول لويس افلي: “يمكن أن ينكر الله وأن ينسى ولكن الله لا يمكنه أن ينكرنا وأن ينسانا. يمكن للإنسان أن يكون دون الله، ولكن الله لا يمكن أن يكون دون الإنسان. يمكن للإنسان أن يترك البنوة ولكن لا يمكن ألا يكون أباً”. لذا فجهنم ليست انتقاماً رهيباً يجريه إله سادي على إنسان عصى أوامره، ليست امتداداً لانتقام جوبيتر من بروميتيوس، ولكن الإنسان الذي رفض الله جذرياً ونهائياً يعذبه رفضه لأنه مخالف لمتطلبات طبيعته العميقة. جهنم هي أبعد المظاهر لاحترام الله حرية الإنسان وهي انعكاس سلبي لحبه.

احترام الله لحرية الإنسان يعني أن هذه الحرية لا تنتزع من الله عنوة واغتصاباً كما تصور مسرحية “الذباب”، إنما هي هبة من الله للإنسان. جوبيتر “الذباب” يناقض نفسه لأنه من ناحية أعطى الإنسان الحرية ومن ناحية أخرى يحاول أن يعمي الإنسان عن وجودها فيه وأن يخمدها في قلبه. أما إله الإعلان الكتابي فليس عنده هذا التناقض. لقد شاء الإنسان حراً لأنه شاء أن يكون مثله، على صورته. هذا ما علمه الآباء. فقد كتب غريغوريوس النصيصي: “بالحرية الإنسان على شكل الله مقدس، لأن الاستقلال والحرية هما من خصائص القداسة الإلهية” وأيضاً: “الإنسان، إذ خلق على صورة الله، يجب أن يتمتع بكل خيرات سيده. وبين هذه الخيرات، الحرية”. وأيضاً: “إن الحرية هي الشبه مع ذاك الذي هو سيد مطلق لا سيد له، وقد أعطي لنا هذا التشبه، نحن البشر، من الله، في البدء. إن كتاب أعمال الرسل (17: 28) يؤكد الأمر نفسه: “إننا من الذرية الإلهية”.

هذا ما نجد صداه عند مفكرين معاصرين. فقد كتبت سيمون فايل بأن الله شاء من أجل حبه لنا أن يجعل نوعاً من المساواة بيننا وبينه، لذا أعطانا الحرية المطلقة بأن نقبل إليه أو نؤله ذواتنا وهماً ونرفضه، لقد أعطانا سلطة الضياع اللانهائي في الوهم هذه لكي يتسنى لنا أن نتخلى عنها حباً: “الله هو…. الصديق بكل معنى الكلمة. فلكي يكون بينه وبيننا، رغم المسافة اللامتناهية، نوع من المساواة، شاء أن يضع في خلائقه مطلقاً ألا وهو الحرية المطلقة بأن نقبل أو لا بالاتجاه الذي جعله فينا نحوه…. لقد أعطانا سلطة الوهم اللامتناهي هذه لكي نستطيع أن نتخلى عنها حباً”.

وقد كتب غبريال مارسيل من جهته عن الله: “هذه الحقيقة هي نفسها حرة وتزرع بحرية حريات”.

الله يبتهج بحرية الإنسان ولا يرهبها كما يرهبها جوبيتر “الذباب”. يبتهج بها كما يبتهج الوالد ذو الأبوة الأصلية عندما يرى ولده أصبح يحبه لا بتبعية الطفل بل باستقلال البالغ. هذا ما قاله بيغي بعبارات رائعة وكأنه يرد مسبقاً على ذباب” سارتر:

“اسألوا هذا الوالد إن لم تكن أفضل لحظة عنده

تلك اللحظة التي يبدأ فيها أبناؤه يحبونه محبة رجال،

يحبونه كرجل،

بحرية،

مجاناً،

اسألوا هذا الأب الذي يكبر أولاده.

“أسألوا هذا الوالد إن لم تكن هناك ساعة سرية،

لحظة سرية،

وأن لم تكن

عندما يبدأ أبناؤه يصبحون رجالاً،

احراراً.

ويعاملونه هو كرجل،

حر،

ويحبونه كرجل،

حر،

أسألوا هذا الأب الذي يكبر أولاده.

“أسألوا هذا الوالد إن لم يكن هناك اختيار وحيد من نوعه

وإن لم يكن

عندما بالضبط يزول الخضوع وعندما يرى أبناءه وقد أصبحوا رجالاً بحبونه ويعاملونه كخبراء إذا صح التعبير

معاملة الرجل للرجل،

بحرية،

بمجانية….

أسألوا هذا الأب إذا كان لا يعرف إن لا شيئاً يساوي نظرة رجل تلاقي نظرة رجل.

“ولكنني أنا أبوهم، يقول الله، وأعرف وضع الإنسان.

فأنا الذي خلقته.

….. إنني لا أطلب منهم سوى قلبهم….

“خضوع العبيد كلهم، لا يساوي نظرة واحدة جميلة لرجل حر. أو بالأحرى خضوع العبيد كلهم تشمئز له نفسي وإني أهب كل شيء مقابل نظرة جميلة واحدة لرجل حر،

مقابل طاعة وحب وإخلاص جميل واحد صادر عن رجل حر….

“…. في سبيل هذه الحرية، في سبيل هذه المجانية ضحيت بكل شيء، يقول الله

في سبيل ميلي بأن يحبني رجال أحرار،

بحرية،

بمجانية،

رجال حقيقيون، ذوو رجولة، بالغون، أشداء.

شرفاء، رقيقون، ولكنهم ذوو رقة مقرونة بالشدة.

من أجل أن أنال هذه الحرية، هذه المجانية، ضحيت بكل شيء، لكي أخلق هذه الحرية، هذه المجانية،

لكي أفسح المجال لهذه الحرية وهذه المجانية”.

لذا فالحرية ليست فقط حقاً اوتيناه، إنما هي واجب يطالبنا به الله الذي لا يريد أن يقيم علاقة إلا مع بشر أحرار. بهذا المعنى كتب بردياييف: “إن الحرية في الحياة الدينية واجب. الإنسان ملزم بأن يحمل عبء الحرية وليس له الحق بأن يتخلص منه. الله لا يقبل إلا البشر الأحرار، إنه لا يحتاج إلا إلى بشر أحرار. عند دوستويفسكي، المفتش الأكبر، عدو الحرية وعدو المسيح، يوبخ المسيح هكذا:” لقد أردت هذه المحبة الحرة من الإنسان لكي يتبعك بحرية، مجذوباً إليك ومأسوراً منك”…. الدين المسيحي إنما هو الحرية في المسيح الخلاص القسري مستحيل وبدون جدوى”.

ليس صحيحاً ما يدعيه سارتر عندما كتب في كتابه “الوجودية فلسفة إنسانية” بأن علاقة الله بالإنسان شبيهة بعلاقة الصناعي بمقص الورق الذي يصنعه. ليس الإنسان شيئاً بالنسبة لأله الإعلان الكتابي، الله لا يريد “تشيئ” الإنسان. ذلك لأن الله لا يوجد الإنسان كما يوجد الصناعي مقص الورق. علاقته بالإنسان ليست علاقة خارجية كعلاقة الصناعي بالشيء الذي يصنعه. إنما خلق الله للإنسان يعني امداد الإنسان من وجوده، اشراكه في وجود الله، إذاً في حرية الله. يقول شارل ميللر مفنداً ذلك المفهوم السارتري للخلق: “إن هذا المفهوم للخلق يفترض إنه لا يمكن أن تكون للإنسان أية ذرة من الحرية والمبادرة، كما هو وضع مقص الورق الذي هو سلبي تماماً بين يدي من يصنعه أو يستعمله”، “إذا كان الخلق هو صنع أدوات، فلم يعد للإنسان سوى أن يدع نفسه “يُستخدم” من صانعه، في هذا الحال “لم يعد بوسعنا أن نرى…. في العالم سوى أمرين: إما السلبية المخزية، سلبية عبيد يزحفون أما إله طاغية، أو الاكتفائية المتكبرة، اكتفائية كائن يدعي أن لا اب ولا أم له”، ولكن العمل الخلاق ليس عملاً حرفياً، ليس الخلق تقنية… فإذا كان خلق العالم المادي نفسه لي بتقنية، فبالأحرى خلق الإنسان: الله يخلق الإنسان حراً، إنه يصنعه حراً، إنه يخلق الحرية فيه. ليس عمل الخلق “صناعة” حرفية، بل امداداً كيانياً بداعي الحب، إنه هبة الذات، إنه إرادة إشراك كائنات بالكائن. أما بالنسبة للإنسان، فالخلق يعني قصد جعله مساهماً في الطبيعة الإلهية، وذلك، بين أمور أخرى، بالحرية”. هكذا فللمخلوق كيان قائم بذاته مستمد من الله، “فمن هذا الكيان القائم بذاته بالضبط يستمد المخلوق قوة التمدد على الله، فيقبل الله بأن يستخدم المخلوق تلك الحرية التي وهبه إياها، لينقلب عليه، ليكون “إلهاً دون الله”.

قال أوريست لجوبيتر (الذباب): “إنك …. ملك الحجارة والنجوم، ملك أمواج البحر، ولكنك لست ملك البشر”. ولكن إله باغي كان قد أكد قبل ذلك بكثير أن علاقته بالبشر مختلفة بما لا يقاس عن علاقته بالأشياء التي في الكون (فضلاً عن أن علاقة الله بالمخلوقات الجامدة نفسها ليست من باب علاقة الصناعي بمصنوعه، كما أوضح ميللر). يقول إله باغي:

“غبطة عبيد، خلاص عبيد، غبطة عبودية، كيف تريدون أن يهمنى ذلك؟ هل يحب أحد أن يحبه عبيد؟”

“إن كانت القضية قضية إعطاء البرهان عن سلطاني، فسلطاني ليس بحاجة إلى هؤلاء العبيد ليظهر، سلطاني معروف كفاية، معروف كفاية بأنني القادر على كل شيء.”

“سلطاني يتجلى كفاية في كل مادة وفي كل حدث.”

“سلطاني يتجلى كفاية في رمال البحر ونجوم السماء.”

“ليس اعتراض عليه، إنه معروف، إنه يتجلى كفاية في خليقتي الجامدة….”

“ولكنني في خليقتي الحية، يقول الله، أردت ما هو أفضل من ذلك، ما هو أكثر من ذلك.”

“أفضل من ذلك بما لا يقاس. أكثر من ذلك بما لا يقاس. لأنني أردت هذه الحرية.”

“خلقت هذه الحرية عينها…”

“من اختبر مرة واحدة أن يحب بحرية، لا يعود يرى للخضوع طمعاً.”

“من اختبر أن يحبه رجال أحرار، لا يعود يرى معنى لسجدات العبيد”.

ألم يقل الرب: “لا أدعوكم بعد عبيداً…. إنما سميتكم أحباء” (يوحنا 15: 15).

هذا الاحترام الإلهي لحرية الإنسان يحدد بالضبط طبيعة الإيمان. فالإيمان يقين ولكنه يقين حر. ذلك أن الله يريد أن يقبل الإنسان اليه تلقائياً، لا مغلوباً على أمره، لذا فعوض أن يفرض وجوده علينا كما تفرض الحقائق الحسية أو العلمية ذاتها فرضاً، يحتجب لكي يتسنى لنا أن نقبل إليه بحرية الحب. هذا ما عبر عنه بردياييف بقوله: “الإيمان هو كشف الأمور اللامنظورة”، أي أنه عمل حر، عمل اختيار حر. فالأمور اللامنظورة لا تدخل إلينا عنوة، لا تكرهنا اكراهاً شأن الأمور المنظورة. إننا نكشف الأمور اللامنظورة بخطر، بمجازفة، لأننا نحبها وقد اخترناها بحرية…. العلم يختلف عن الإيمان بالضبط من حيث أنه قسري ومضمون، من حيث أنه لا يدع مجالاً للاختيار الحر ولا يحتاج لمثل هذا الاختيار. العلم ليس خطراً، إنه يكشف الأشياء المنظورة، تلك التي تكرهنا. أما في الإيمان فحرية ولذا ففيه شجاعة، ليس في العلم حرية ولذا فليس فيه من بطولة. المسيح الذي هو موضوع إيمان وحب لا يكره، لا يظهر بشكل يقسر الإيمان. إنه يظهر بشكل عبد يموت ميتة شائنة. لذا يلزم اختيار حر وحب مقدام ليرى المرء في صورة المسيح، العبد المهان، القدرة الجليلة التي لابن الله، المساوي للآب في الجوهر…. بنظر ذلك الذي آمن، الذي قام بعمل اختيار حر، المسيح قام من الأموات وبذلك أظهر قدرته الإلهية التي تنير وتخلص العالم. أما بنظر غير المؤمن، الذي لم يقم بالاختيار الحر، الذي لا يعرف إلا الأشياء المنظورة، المكرهة، فالمسيح مات على الصليب وانتهى الأمر. إن معجزة القيامة لا تنكشف إلا للحرية، إنها مغلقة للإكراه”.

3– الله يجعل نفسه رهن حرية الإنسان

الله ليس فقط يحترم الإنسان ولكنه جعل نفسه، على نوع ما، رهن هذه الحرية. الضابط الكل شاء أن يكون، على نوع ما، تحت تصرف الإنسان. لقد كتب لويس افلي: “الله يحبنا. هذا ليس مجرد عبارة…. هذا يعني أن لنا سلطة عليه.

“لنا سلطة على الذين يحبوننا. الأولاد يعرفون ذلك، رغم ضعفهم فيحردون ويرفضون الطعام لأنهم بهذا ينالون من والديهم ما يشاؤون. إنهم بذلك يعطونهم برهاناً معكوساً عن اقتناعهم بأنهم محبوبون، بأنهم هامون. نحن هامون بنظر الذين يحبوننا والله يحبنا.”

“…. أن نحب كائناً يعني لا محالة أننا علقنا مصيرنا بمصيره، يعني أننا أعطيناه سلطة علينا.”

“الله، لأنه شاء أن يحبنا، اختار بأن يعطينا سلطة عليه.”

“على الصحون، في نورمندينا، تقرأ هذه العبارة القاسية: “الأقل حباً، هو دائماً الأقوى”. الذي يقل حباً عن الآخر يستر دائماً عاشقه. الله، أمامنا، هو دائماً الأضعف، لأنه يحب”. أليس هذا المعنى العميق لحادثة صراع يعقوب مع الملاك حيث نرى الله، بشخص ملاكه، يجعل نفسه رهن إرادة الإنسان يعقوب الذي قال له: “لا أتركك إلا إذا باركتني”. ومن هنا اكتسب اسمه “إسرائيل” الذي يعني “القوي ضد الله” (تك 32: 29) الذي ورثناه نحن “إسرائيل الجديد”. أليست قوة الصلاة ناتجة من كون الله شاء أن يربط قوته بطلب الإنسان: “كل ما طلبتموه من الآب باسمي تنالونه” (يوحنا 15: 16). ولذا قال إله باغي، أن “لا سلاح له” أمام صلاة البشر. ألم يقل الرب “إن ملكوت الله يغتصب اغتصاباً” (متى 11: 12)؟ لقد كتب بول افدوكيموف في مقال له: “لقد تبنى سارتر عبارة الفوضوي الروسي باكونين: “إذا كان الله موجوداً، فلست بحر، أنا حر، فالله إذاً غير موجود”. ولكن ما ينبغي أن يقال هو أن الحقيقة أعجب من هذا بما لا يقاس: فإن “الأنا حر” عند الإنسان يفترض أن الله لم يعد حراً. يستطيع الإنسان أن يقول “لا” لله. أما الله فقد التزم إلى حد أنه لن يقول قط فيما بعد “لا” للإنسان. هذا ما يؤكده الرسول بولس: “في الله ليس إلا نعم”.

من دواعي الإلحاد السارتري، كما يبين فرنسيس جانسون تلميذ سارتر، أن محبة الله نفسها للإنسان لا يمكن أن تكون عبودية للإنسان، لأن الله يعطي ولا يأخذ فيما المحبة الأصلية تقتضي التبادل. هذا ما يلمح إليه سارتر على لسان الثائر كارك الذي يخاطب الفلاحين بهذه العبارات (من مسرحية الشيطان والله): “للذي يعطي قبلة أو صفعة أعطوا قبلة أو صفعة، ولكن للذي يعطي دون أن تستطيعوا الرد، أعطوا كل ما في قلبكم من حقد، لأنكم عبيداً وسيستعبدكم، لأنكم كنتم مهانين وسيزيد في اهانتكم” (171).

وقد كتب جانسون بهذا المعنى أيضاً: “من أراد أن يحب البشر، كان عليه أن يضع نفسه أولاً في متناولهم، ويكفي أن يكون وضع نفسه من متناول ضرباتهم”. ولكن إلهنا جعل نفسه في متناول البشر لأنه جعل نفسه بحاجة إليهم وجعل نفسه في يسوع المسيح عرضة ليس فقط لضرباتهم بل لقتلهم أيضاً. لذا دخل معهم في حوار حقيقي لا تفضل فيه ولا استعباد. وقد قال الأب جورج خضر بهذا المعنى في حديثه عن “مصير الله”: “…. إن الله جعل نفسه، بانعطاف منه، بحاجة إلى … خليقة، الله تخلى لنا عن شيء من قدرته عندما فطرنا أحراراً. وإذاً ارتضى أن تكون صورته في الأرض مرئية أو محجوبة، وقبل أن يرى أو أن يغلق عليه.

“الله منذ أن طرح هذا الوجود جعل نفسه في المصير، في تاريخ الوجود، ودل على ذلك بأجلى بيان عندما شلح نفسه في مزود، رهيناً لمريم وبالتالي عندما أضحى هو في قيضة الإنسان يحيا أو يمات…

“والله إذن ليس بمغتصب لا يتسلط إلا على ذاك الذي يسلطه، ولا ينحني إلا عند من يرحب به. الله جعل نفسه مدعو الإنسان ضيفاً على الإنسان الحر الذي يناديه أو الذي يباعده. الله هو الفقير للإنسان. نحن طبعاً بحاجة إلى ربنا ولكن منذ أن تخلى عن مجده في الخلق الأول وفي سر التجسد هو أيضاً صار فقيراً إلى حب الإنسان لأن الله جعل نفسه في حوار. ولا يمكن أن تعني المحاورة شيئاً ما لم تعن كائنين أصيلين يتواجهان بحرية… الله يرتفع عنا…. عندما نحن نطرده. الله طريد الإنسان كما هو ضيف الإنسان…”

“…. أنتم أسياد على الله. أليس هو القائل: “ما جئت لأُخدم بل لأَخدم وأبذل نفسي فدية عن كثيرين”؟ أليس هو راكعاً عند أقدامنا لكي يغسلها كما فعل في علية صهيون؟ أليس المسيح كله بين أيديكم تحيونه أو تميتونه”.

في مقال يعرض فيه بإيجاز بنود الإيمان، كتب الأب فرنسوا فاريون، أن الله، بما أنه محبة، فهو، كما تجلى لنا بالمسيح، فقر وتبعية وتواضع:

“الفقر أولاً، لا الاقتصادي، بل الروحي. المحب يقول للمحبوب: “أنت فرحي”، وهذا يعني: “بدونك أنا مفتقر إلى الفرح”. أو “أنت كل شيء لي”، وهذا يعني: “بدونك لست شيئاً”. الحب هو إرادة المرء بأن يكون بالآخر ومن أجل الآخر…. الأكثر حباً هو إذاً الأفقر. المحب لا نهائياً – الله – فقير لا نهائياً.”

“ثم التبعية، الروحية لا الحقوقية. المحب يقول للمحبوب: “أريد أن أكون تابعاً لك”. الحب وإرادة الاستقلال لا يتفقان إلا سطحياً. الأكثر حباً هو إذاً الأكثر تبعية. المحب لا نهائياً – الله – تابع لا نهائياً….”

“أخيراً التواضع. المحب يقول للمحبوب: “لا يمكن أن أترفع عليك دون أن أخطئ بحق الحب”. إذا كان المحب، بصورة ما، أعظم من المحبوب، فلا يكون حبه حباً إلا بالفعل الذي ينكر به تفوقه ويجعل نفسه مساوياً للمحبوب. الأكثر حباً هو إذاً الأكثر تواضعاً. المحب لا نهائياً – الله – متواضع لا نهائياً. لذا لا يمكن أن يرى الله في حقيقة كيانه إلا بالنظر إلى المسيح الذي يعبر عن التواضع الإلهي بعمل غسل الأرجل.”

“…. الله غني لا نهائياً، ولكنه غني بالحب لا بالامتلاك (والغني بالحب مرادف للفقر)…. الله هو اللامحدودية والقدرة اللامتناهية (ولكن حبه هو اللامحدود والمقتدر كلياً…. المقتدر أن يتنازل إلى حد الامحاء).

“وبعبارة أخرى، أن سر الحب المحتجز عن الإدراك، الذي هو الله في كيانه الأبدي، لا يمكن أن يترجم ويعبر عنه ويعلن إلا بفقر وتبعية وتواضع المسيح”.

ما أبعد جوبيتر “الذباب” وبصورة أعم ما يدعوه سارتر “الله” في كتاباته المختلفة، عن ذاك الذي يرينا إياه سفر الرؤيا في شخص يسوع المسيح يلتمس من الإنسان أن يقبله، لا ليتسلط عليه بل ليجعله مشاطراً حياته وخيراته: “ها أنا واقف على الباب وأقرع، إن فتح لي أحد أدخل وأتعشى معه وهو معي” (رؤيا 3: 20).

كتاب إله غير صامت – فرانسيس شيفر

كتاب إله غير صامت – فرانسيس شيفر

كتاب إله غير صامت – فرانسيس شيفر

كتاب إله غير صامت – فرانسيس شيفر

للتحميل إضغط هنا

كتاب إله غير صامت – فرانسيس شيفر

الأدلة الظرفية هل هناك أي حقائق مساندة تُشير إلى القيامة؟ – لي ستروبل

الأدلة الظرفية هل هناك أي حقائق مساندة تُشير إلى القيامة؟ – لي ستروبل

الأدلة الظرفية هل هناك أي حقائق مساندة تُشير إلى القيامة؟ – لي ستروبل

الأدلة الظرفية هل هناك أي حقائق مساندة تُشير إلى القيامة؟ – لي ستروبل

 

 لم يكن هناك أى شهود شاهدوا تيموثي ماك فيي وهو يعبئ حمولة طنين من المتفجرات المصنوعة من الأسمدة على عربة نقل ريدر مستأجرة. ولم يراه أحد وهو يقود العربة إلى واجهة المبنى الفيدرالى فى مدينة اوكلاهوما ثم يفجر القنبلة، فيقتل 168 شخص. ولم تلتقط أى كاميرا فيديو صورته وهو يهرب من المكان الحادث.

ومع ذلك، فقد إستطاعت هيئة محلفين أن يستنجوا بما لا يدع مجالاً للشك أن ماك فيي كان مذنباً بإرتكاب أسوأ عمل إرهابى محلي في تاريخ الولايات المتحدة. لماذا؟ لأنه بمساعدة حقيقة بعد حقيقة، ومستند بعد مستند، وشاهد بعد شاهد، إستخدم المّدعين الأدلة الظرفية لكي يقيموا قضية محكمة ضده.

بينما لا أحد من الـ137 شخصاً الذين تم إستدعاؤهم للوقوف على منصة الشهود قد رأى ماك فيي وهو يرتكب الجريمة فإن شهادتهم قدمت أدلة غيرمباشرة تثبت إدانته. رجل أعمال قال أن ماك فيي إستأجر سيارة نقل رايدر، وأحداًمن أصدقاؤه قال أن ماك تحدث عن تفجير المبنى ليُعبر عن غضبه ضد الحكومة، واحد العلماء قال أن ملابس ماكفيي كانت تحتوى على بقايا متفجرات عندما قبض عليه.

أسند المدّعون هذابما يزيد على سبعمائة مستند، تتراوح من إيصالات فندق، وإيصالات سيارة أجرة، وتسجيلات تليفونية إلى مفتاح العربة النقل، إلى فاتورة من مطعم صيني. وعلى مدى ثمانية عشر يوماً نسجوا بمهارة نسيجاً مقنعاً من الأدلة التي يتمكن ماك فيي بشكل يائس أن يفلت منها.

فشهادة العيان تُسمى دليلاً مباشرإلا أن الناس يصفون تحت القسم أنهم رأوا المدعى عليه شخصياً وهو يرتكب الجريمة. وبينما هذه الأدلة من شاهد عيان في أغلب الأحيان تعتبر ملزمة، فقد تتعرض أحياناً لضعب الذاكرة، والتحيز، أو حتى التلفيق المباشر. وفي المقابل نجد أن الأدلة الظرفية تتكون من حقائق غير مباشرة يمكن إستخلاصها بطريقة منطقية(1).

وإن تاثيرها المؤكد يمكن أن يصبح بنفس قوة وفي حالات كثيرة أقوى- من أقوال شاهد العيان.

إسال ثيموثي ماك فيي. لربما كان يظن إنه إرتكب الجريمة الكاملة بتجنب شهود العيان، لكنه مع ذلك حصل على حكم الإعدام بسبب الحقائق الظرفية التي أشارت إليه وبطريقة مدمرة كأى شهادة من شاهد عيان

بعد أن درسنا من قبل الأدلة المقنعة للقبر الفارغ، وروايات شهود العيان عن يسوع الذي أقيم من الموت، حان الوقت الآن للبحث عن أيِ أدلة ظرفية التي قد تدعم قضية القيامة. وكنت أعرف ان حدثاً غير عادى مثل قيامة يسوع لو كان حدث فعلاً، فإن التاريخ سيكون قد تناثرت فيه آدلة غبر مباشرة تدعمه.

وقد أخذني هذا البحث مرة اخرى إلى جنوب كاليفورنيا، وفي هذه المرة إلى مكتب أستاذ يجمع بطريقة بارعة بين الإطلاع في التاريخ، والفلسفة، والعلوم

  • المقابلة الثالثة عشرة: جي. بي. مورلاند، دكتوراه فلسفة

جي. بي. مورلاند، ذو الشعر الرمادي القاتم، والشوارب الفضية، والنظارة ذات الإطار الذهبي التي تجعله يبدو أكبر من عمره الذي يبلغ الخمسون عاماً. ومع ذلك ممتلئ بالنشاط. وكان يتكلم بنغمة حماسية مفعمه بالحيوية، وكثيرا ما يميل للأمام في كرسيه الدوار لتاكيد نقاطه التي يشرحها، وأحياناً يقفز فجأة كأنه سيثب فوقي ويختفي بحججه. قال هذا أثناء فترة إستراحة قصيرة أثناء محادثتنا عندما ذكر النقاط الواضحة.

وإن عقل مورلاند المنظم للغاية، يعمل بطريقة نظامية ومنطقية، لدرجة انه يبدو قادراً أن يوضح قضيته بلا مجهود بجمل كاملة وفقرات شاملة، بدون إستخدام كلمات ضائعة أو إفكار غير عادية، كلها معدة إستعداداً للمراجعة والطبع. وعندما يتوقف جهاز التسجيل الخاص بي يسكت ليعطي الوقت الكافي لوضع شريط جديد، ثم يبدأ بالظبط من حيث توقف دون أن تفوقه نقطة.

وبينما يعتبر مورلاند فيلسوفاً مشهوراً (حاصل على دكتوراه من جامعة جنوب كاليفورنيا) ويبحر مستريحاً في دنيا مفاهيم كانت وكيركجارد، ولكنه لا بتبحر في الأفكار التجريدية المعنوية. وخلفيته في العلوم 0 حاصل على كيمياء من جامعة ميسورى وإتقانه للتاريخ (كما يظهر بوضوح في كتابه الممتاز)

يثبته في عالم الحياة اليومية وتمنعه من أن يطفو عالياً في طبقات التفكير السماوي الأثيري النقي.

ومورلاند الحاصل أيضاًعلى ماجسيتير في اللاهوت من مدرسة دالاس اللاهوتية، حيث يقوم بالتدريس في برنامج الماجيستير في الفلسفة وعلم الأخلاق

نُشرت مقالاته في أكثر من ثلاثون مجلة متخصصة، وقد ألف او إشترك في تأليف أو نشر إثنا عشر كتاباً من بينها (المسيحية وطبيعة العلم Chris
tianity and the Nature of Science) هل الله موجود؟ ((Does God Exist?

(مناظرة مع كاى نيلسون) ومناظرة بين الحياة والموت ((The Life and Death Debate وفرضية الخلق(The (Creation  وما بعد الموت     yond Death(تاشh Debateموت (لإاث (Beyond Death)   استكشاف أدلة  الخلود ( Exploring  the Evidence For Immortality ( والمسيح تحت النار((Jesus under Fire  أحب إلهك من كل فكرك (love Your God With All  Your Mind )

وعندما جلست مع مورلاند في مكتبه الصغير لكن البسيط، علمت أن الأدلة الظرفية تعتبر جمع وليست مفرد. وبعبارة أخرى ثابت يمكن أن تبنى عليه النتائج بكل ثقة وإطمئنان

وهكذا بدأت مقابلتنا بتحدي صريح: نصت مورلاند بإهتمام شديد لسؤالي، فسألني فأومأت برأسي موافقاً. وعندئذ دفع كرسيه للخلف بعيداً عن مكتبه وإستهل بدليله الأول: الحياة المتغيرة للتلاميذ وإستعدادهم للموت في سبيل إعتقادهم بأن يسوع قد قام من الأموات

 وإستعدادهم للموت في سبيل إعتقادهم بأن يسوع قد قام من الأموات

  1. العرض الأول: التلاميذ ماتوا في سبيل إعتقادهم

وبدأ مورلاند حديثه قائلاً ثم بعد فترة زمنية قصيرة، نجدهم يتخلون عن وظائفهم، ثم يتجمعون من جديد، ويكرسون أنفسهم لنشر رسالة خاصة جداً بأن يسوع المسيح كان هو المسيا المُرسل من الله والذي مات على الصليب ثم عاد إلى الحياة وشوهد حياً من قبلهم وأنهم مستعدون أن يقضوا بقية حياتهم في إعلان هذا، دون إنتظار آجر من أى إنسان ولم يكن هناك قصر ينتظرهم على البحر الأبيض المتوسط. وكانوا يواجهون حياة الضيق والمشقة. وكانوا كثيراً يقضون يومهم بلا طعام وينامون في العراء معرضين لعناصر الطبيعة. وكانوا يتعرضون للسخرية والضرب والحبس في السجون. وأخيراً، كان معظمهم يعدمون بطريقة وحشية مليئة بالعذاب لماذا؟ أمن أجل أهداف مفيدة؟ كلا، بل لأنهم كانوا مقتنعين بما لا يدع مجالاً للشك بأنهم رأوا يسوع حياً بعد أن قام من الموت. ما الذي لا تستطيع أن تفسره هو كيف أن هذه المجموعة من الرجال بالذات تواصلوا إلى هذا الإيمان المتميز دون أن يمروا بتجربة رؤية المسيح بعد قيامته. ليس هناك تفسير كافي آخر

فقاطعته بقولى (نعم، ولكن….) عندى إعتراض، نعم أوافق إنهم كانوا مستعدين لأن يموتوا في سبيل معتقداتهم. وكذلك أيضاً المسلمون، والمورمون، وأتباع جيم جونز، وديفيد كوريس. وهذا يُرينا بأنهم كانوا متعصبون، لكن دعنا نواجه المسألة: هذا لا ثبت كلتا قدميه على الأرض المسلمون قد يكونون راغبين بالموت في سبيل إيمانهم بأن الله آعلن نفسه لمحمد، ولكن هذا الرؤيا لم تتم بطريقة يلاحظها الجميع علناً، لذا فقد يكونون مخطئن في هذا الأمر. وقد يظنون بإخلاص أنها حقيقة ولكن لا يستطيعون أن يعرفوا هذا كحقيقية واقعة لأنهم لم يشهدوها بأنفسهم ومع ذلك فالرسل كانوا مستعدين للموت من أجل شئ شاهدوه بأعينهم ولمسوه بأيديهم. فقد كانوا في موقف فريد ليس فقط ليؤمنوا أن يسوع قام من الأموات لكن بسبب المعرفة المؤكدة. فلو كان لديك أحد عشر شخصاً موثوق بهم وليس لديهم أى دوافع خفية، وليسٍ أمامهم سيكسبونه بل أشياء كثيرة سيخسرونها، وأنهم جميعاً لآحظوا شيئاً شاهدوه بأعينهم، والآن ستجد بعض الصعوبة في تكذيبها بهذه الطريقة  وهنا إبتسمت لأني كنت بدور المدافع عن الشيطان بإثارة هذا الإعتراض. ففي الواقع كنت أعرف انه على حق. ففي الحقيقة إن هذا الفرق الحاسم كان الأهمية في رحلتي الروحية ولقد شرح لي بهذه الطريقة: الناس مستعدين للموت في سبيل معتقداتهم الدينية لو آمنوا بإخلاص انها صادقة، ولكن الناس ليسوا مستعدين للموت في سبيل معتقداتهم الدينية لو عرفوا أن معتقداتهم باطلة وزائفة وبينما معظم الناس يمكن أن يكون لديهم إيمان بأن معتقداتهم صحيحة فقط، إلا إن التلاميذ كانوا في موقف للمعرفة بلا شك فيما إذا كان يسوع قد قام من الموت ام لا. وإدعوا أنهم رأوا، وتحدثوا معه، وأكلوا معه. فلو لم يكونوا متأكدين تماماً، لما كانوا قد سمحوا لأنفسهم ان يعذبوا حتى الموت لإعلانهم أن القيامة قد حدثت(2)

فقلت له حسناً. لقد إقتنعت بتلك النقطة. لكن هل لديك شيء آخر؟

  1. العرض الثاني: تحول المشتككين إلى مؤمنين

إستمر مورلاند مثال آخر من الأدلة الظرفية، أنه كان هناك متشككون قساة القلوب الذين لم يؤمنوا بيسوع قبل صلبه -وكانوا على حد معادين للمسيحية- والذين تحولوا وأقروا بالإيمان بالمسيحية بعد موت يسوع. فليس هناك سبب وجيه لهذا إلا انهم إكتشفوا المسيح الذي قام من الأموات فقلت له من الواضح أنك تتحدث عن يعقوب – أخو يسوع- وشاول الطرسوسي الذي أصبح بولس الرسول، ولكن هل لديك أى دليل يُمكن تصديقه بأن يعقوب قد كان متشككاً بيسوع؟.  فقال مورلاند نعم، عندي. فالأناجيل تخبرنا أن عائلة يسوع، ضمن ذلك يعقوب، كانوا متحيرين بما كان يدعيه أن يكون. ولم يؤمنوا به، بل تحدوه. وفي الديانة اليهودية القديمة كان من المحرج جداً لعائلة حاخام ألا يعترفوا به. بذلك فإن كُتّاب الأناجيل لم يكن لديهم أى حافز لتلفيق التشكك إذا لم يكن صحيحاً وفيما بعد يخبرنا يوسيفوس المؤرخ أن يعقوب- أخو يسوع-  الذي كان رئيساً لكنيس
ة أورشليم، رُجم حتى الموت بسبب إيمانه بأخيه. لماذا تغيرت حياة يعقوب؟ يُخبرنا بولس بأن يسوع الذي قام من الأموات ظهر له. وليس هناك أى تفسير آخر وهان لم تقفز إلى ذهنى أى إعتراضات أخرى. فسألته وشاول الطرسوسى؟ فاجابني قائلاً؟ عن شاول كفريسي، كان يكره أى شئ يعارض تعاليم اليهودي. فبالنسبة له كانت هذه الحركة المعادية لليهودية، والتي تدعى المسيحية، تعتبر قمة الولاء لليهودية. وفي الواقع أنه حقق شعوره بالإحباط بإعدام المسيحيين حين اُتيحت له الفرصة.  وفجأة نجده لم يتساهل مع المسيحيين فقط بل وإنضم إلى حركتهم كيف حدث هذا؟ حسناً، كل الناس متفقين أن بولس هو الذي كتب الرسالة إلى أهل غلاطية، وهو يخبرنا بنفسه في هذه الرسالة بما دفعه للإنعطاف متحولاً180 درجة ويصبح أهم مناصرة للعقيدة المسيحية. وبقلمه الذي كتب به الرسالة يقول إنه رأى يسوع الذي قام وسمع يسوع يعنيه ليكون أحد أتباعه ولقد كنت أنتظر مورلاند أن يذكر هذه النقطة حتى أتمكن تحديه بإعتراض من ناقد المسيحية مايكل مارتن. فقد قال مارتن أنه إذا إعتبرت تحول بولس دليلاً على صدق القيامة، فلابد أن تعتبر تحول محمد إلى الاسلام كدليل على صدق أن يسوع لم يقم من الموت لأن المسلمون ينكرون قيامة المسيح! فقلت لمورلاند غنه أساساً يقول أن القيم الإثباتية لتحول بولس وتحول محمد يلغيان أحدهما الآخر. بصراحة، وتبدو هذه كنقطة جيدة. ألا تعترف أن مارتن على حق؟

 لكن مورلاند لو يأكل أطعم بل قال بصوت ملئ بالثقة دعنا نلقي نظرة على تحول محمد. لا أحد يعرف شيئاً عن هذا التحول. محمد يدعي أنه دخل كهفاً وحدثت له تجربة دينية كشف له الله فيها القرآن. ولا يوجد شاهد عيان آخر ليؤكد صحة هذا الكلام. ومحمد لم يقدم أي علامات إعجازية ليؤكد أي شئ. ومن السهل لأي شخص أن حوافز خفية ليصبح من أتباع محمد لأنه في سنوات الإسلام أساساً بالفتوحات وإن أتباع محمد إكتسبوا نفوذاً سياساً وسيطرة على البلاد التي فتحوها وحولوها على الإسلام بحد السيف قارن هذا بإدعاءات أتباع يسوع الأوائل بمن فيهم بولس. فقد إدعوا أنهم رأوا أحداث عامة رآها أناس آخرين أيضاً. وهذه كانت أشياء حدثت خارج عقولهم وليس داخل عقولهم فقط علاوة على ذلك، عندما كتب بولس رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس- التي لا يشك أحد بأنه كتبها – ذكر أهل كورنثوس أنه صنع معجزات عندما كان بيهم  في وقت سابق. وبالتأكيد كان سيعتبر غبياً لو ذكر هذه العبارة لو عرفوا أنه لم يصنع معجزات فسألته وماهي النقلة التي تريد أن تثبتها؟ فقال تذكر أنها ليست مجرد الحقيقة البسيطة أن بولس قد غير آرائه. لابد أن تفسر يف حدث له هذا التغيير في معتقداته بالذات- وهو التغيير الذي يتناقض مع تربيته. وكيف رأى يسوع الذي قام في حدث عام شهده آخرون- حتى لو كانوا لم يفهموه- وكيف صنع معجزات ليدعم إدعائه بأنه رسول فقلت له حسنأً، حسناً. فهمت النقطة التي تريد إثباتها وسوف أسلم بأنها نقطة جيدة. وبهذا أشرت إليه ان ينتقل إلى دليله التالي

 الهامش (1)

 يبدو أن مورلاند يختزل بدايات نزول الوحي على محمد (ص)، وهو ما قد يقدم صورة باهتة لطبيعة التجربة النبوية لرسول الإسلام. ويعلم جميع قُراء العربية بطبيعة هذه التجربة بمراحلها: نزول الوحي بغار حراء، شهادات عائشة بالوحي النبوي على الرسول، تأكيدات نبوة الرسول.  وحلو هذه التفاصيل برجاء الرجوع إلى: السيرة النبوية لإبن هشام، محمد للدكتور محمد حسنين هيكل والباب الخاص ببدء نزول الوحي بصحيح البخاري، وكذا صحيح مسلم

  1. العرض الثالث: تغييرات في العادات الإجتماعية الأساسية

لكي يوضح صنفه التالي للبرهان الظرفي، إضطر مورلاند أن يمدني ببعض المعلومات الهامة حول الثقافة اليهودية فبدا يشرح قائلاً في زمن يسوع، كان اليهود مضطهدين لمدة سبعمائة عام من قبل البابليين، والآشوريين، والفرس، وحينها من قبل اليونايين والرومانيين.  فتشتت الكثر من اليهود وعاشوا كأسرى فى هذه البلاد الأخرى ومع ذلك، فما زلنا نرى اليهود اليوم، بينما نحن لا نرى الحيثيين، والبيرزيين، والعمونيين، والآشوريين، والفرس، والبابليين، والشعوب الأخرى التي كانت في ذلك الوقت. لماذا؟ لأن هذه الشعوب وقعوا أسرى عند أمم اخرى، حيث تزاوجوا، وفقدواهويتهم القومية لكن، لَم لم يحدث هذا اليهود؟ لأن الأشياء التي جعلت اليهود يهوداً، هي تلك التركيبات الهيكلية الإجتماعية التي أعطتهم هويتهم القومية، هي تلك التركيبات الهيكلية الإجتماعية لأبنائهم، ويحتفلون بها في إجتماعات المعبد اليهودي كل سبت، ويعززوها بطقوسهم، لأنهم كانوا يعرفون أنهم إن لم يفعلون ذلك فإنه سريعاً لن يكون هناك يهود إطلاقاً. وسوف يتدمجون في ثقافات الأمم التي تأسرهم وهناك سبب آخر يبين لماذا كانت هذه المؤسسات الإجتماعية مهمة جداً: فقد كانوا يؤمنون أن هذه المؤسسات قد سُلمت لهم من الله. وكانوا يؤمنون أنهم لو تخلوا عن هذه المؤسسات فسوف يخاطرون بأرواحهم التي ستُعلن إلى جهنم بعد الموت. ولآن نجد حاخام يدعى يسوع يظهر من منطقة من مناطق الطبقة الدنيا. ويقوم بالتعليم لمدة ثلاث سنوات، ويجمع حوله أتباعاً من الطبقة الدنيا والمتوسطة، ثم يقع في متاعب ومشاكل مع السلطات، ثم يصلب
مع ثلاثين الفاً رجل يهودي آخرين الذين تم إعدامهم في تلك الفترة ولكن بعد صلبه بخمسة أسابيع، آكثر من عشرة آلاف يهودي صاروا من أتباعه إدعوا أنه مؤسس ديانة جديدة. ويصبحون بذلك: أنهم مستعدون أن يتخلوا عن أو يعدلوا خمسة من العادات الإجتماعية التي كانوا قد تعلموها منذ الطفول بأن لها مثل هذه الأهمية إجتماعياً ولاهوتياً فقلت له وهكذا فالمعنى المتضمن هو أن شيئاً ضخماً كاد يحدث فصاح مورلاند قائلاً إن شيئاً ضخماً جداً كان يحدث!

إحداث ثورة في الحياة اليهودية

 دعوت مورلاند للمرور بهذه الهياكل الإجتماعية الخمسة ويوضح كيف أن أتباع يسوع قد غيروها أو تخلوا عناه

فقال: أولاً لقد علموهم منذ ايام إبراهيم أيام إبراهيم وموسى أنهم لابد أن يقدموا ضحية حيوانية كل سنة ليكفروا عن خطاياهم. والله سينقل خطاياهم إلى ذلك الحيوان، وأن خطاياهم ستغفرلهم حتى يكونوا فى صلح مع الله. ولكن فجأة بعد موت النجار الناصري، لم يعد هؤلاء اليهود يقدمون الأضاحي.

ثانيا، شدد اليهود على إطاعة الوصايا التى إتمنهم عليها الله من خلال موسى. وفي رأيهم، أن هذه الوصايا هي التي تميزهم عن الأمم الوثنية. ومع ذلك، فبعد موت يسوع بفترة قصيرة، بدأ هؤلاء اليهود يقولون إنك لن تصبح عضواً لمجرد محافظتك على شريعة موسى (الوصايا العشر) ثالثاً، حافظ اليهود على راحة السبت بدقة، بعدم القيام بأى عمل ماعدا الطقوس الدينية كل سبت. وبهذه الطريقة يستطيعون الحصول على المكانة الصالحة عند الله، ويضمنون خلاص عائلتهم ويكونون فى المكانة الصالحة مع الأمة. ومع ذلك، بعد موت هذا النجار الناصرى، هذا التقليد الذي دام ألف وخمسائة عام تغير فجأة. فهؤلاء المسيحيون الذين كانوا يهوداً يعبدون يوم الأحد لماذا؟ لأنه اليوم الذي قام فيه يسوع من الأموات رابعاً، كانوا يؤمنون بالتوحيد المجرد. فيما يُعلّم المسيحين يعلمون بشكل آخر للتوحيد، فهم يقولن إن الآب والإبن والروح القدس هم إله واحد. وهذا يختلف إختلافاً جذرياً

 عما آمن به اليهود. وكانوا يعتبرونه من أعلى درجات الهرطقة أن نقول أن شخصاً يمكنه أن يكون إله وإنسان في ذات الوقت. ومع ذلك يبدأ اليهود بعبادة يسوع كإله منذ العقد للديانة المسيحية.

خامساً صوّر هؤلاء المسيحيين المسيا كشخص تألم ومات من أجل خطايا العالم، بينما اليهود دُرَبوا على أن يؤمنوا بأن المسيا سيكون زعيماً سياسياً سيحطم الجيوش الرومانية بذلك السياق، أسس مورلاند للضربة الحاسمة، وهو يرمقن بنظرات حادة متفرسة ثم قال بالنسبة لي، كيف أن تفسر لماذا في فترة قصيرة من الزمن، ليس فقط يهودي واحد بل جماعة كاملة مكونة مما لا يقل عن عشر آلاف يهودي، كانوا مستعدين للتخلي عن ممارسة هذه الممارسات الخمسة التي ظلت تلائمهم إجتماعياً ولاهوتياً، لقرون كثيرة؟ إن تفسيري بسيط: لأنهم شاهدوا يسوع الذي قام من الأموات بينما هذه الأيام نجد الناس عندهم مرونة في إيمانهم، فهم يتنقلون بين المسيحيون ومعتقدات العصر الحديث. فهم يمارسون البوذية كهواية، ويخلطون ويقارنون ويبتكرون الحياة الروحية الخاصة بهم. وبالنسبة لهم إن أحداث نوع التغييرات التي ذكرتها لا تبدو بذات أهمية كبرى أومأ كورلاند برأسه موافقاً، ويبدو أنه قد سمع هذا الإعتراض من قبل ثم قال سأسأل شخصاً هكذا ماهو أعز وأحب شئ تؤمن به؟ أن كان والديك صالحين؟ أو أن القتل لا أخلاقي؟ فكر كيف سيكون الأمر جوهرياً أن أجعلك تغير أو تتخلى عن هذا الإيمان الذي تعتز به إلى هذا الحد. الآن بدأنا نتفاهم

تذكر أن هذا هو مجتمع كامل من الناس يتخلون عن إعتقادات عزيزة عليهم والتي نُقَلت إليهم عبر قرون، وإعتقدوا بأنها من الله نفسه. وهم يفعلون ذلك مع أنهم يعرضون سعادتهم للخطر، كما انهم كانوا يعتقدون أنهم يجازفون بالحكم على أرواحهم بأن تلقى فى جهنم، لو كانوا مخطئين في هذا التغيبر.

والأكثر من ذلك أنهم لم يفعلوا ذلك لأنهم قد أكتشفوا أفكار أفضل. فقد كانوا مقتنعين جداً بالتقاليد القديمة. لكنهم تخلوا عنها لأنهم رأوا معجزات لم يستطيعوا تفسيرها والتي أجبرتهم أن ينظروا إلى الدنيا بطريقة أخرى نحن الغربيين فرديين، نؤمن بأن مصالح الفرد فوق كل إعتبار، ونحب التغيرات التكنولوجية والإجتماعية. فالعادات والتقاليد ليست ذات أهمية كبرى عندنا فأجاب مورلاند سأسم بهذا. ولكن هؤلاء الناس كانوا يقدرون قيمة العادات والتقاليد. وقد عاشوا في عصر كان فيه- كلما كان الشئ أقدم- كلما كان أفضل.وفي الواقع أنه بالنسبة لهم كلما تراجعوا إلى الوراء أبعد ليتمكنوا من تتبع فكرة كلما كان من المحتمل أن تكون صحيحة، وهكذا فالإنتقال إلى أفكار جديدة كان مناقضاً لما نحن ليه اليوم ثم إختتم حديثه قائلاً صدقنى إن هذه التغييرات في الهياكل الإجتماعية لم تكن مجرد تعديلات بسيطة أجريت بطريقة عرضية غير رسمية. إنما كانت ضخمة وهامة جداً. إنها لم تكن أقل من زلزال إجتماعي. والزلازل لا تحدث بدون سبب أشار مورلاند إلى ظهور الطقوس الدينية من الشركة والمعمودية في الكنيسة الأولى كأدلة ظرفية أخرى تثبت أن القيام حقيقة ولكني كان لديَّ بعض الشكوك فسألته أليس من
الطبيعي فقط أن الديانات التي تبتكر طقوسها وممارستها؟ فلدى كل الديانات طقوسها وممارستها. لذا، كيف تقول أن هذا يثبت شياً عن القيامة؟ فأجبني آه؟، لكن دعنا ندرس التناول (الشركة) لحظة الشئ الغريب أن هؤلاء الأتباع ليسوع لم يجتمعوا معاً لكي يمجدوا تعاليمه او يذكروا كم كان رائعاً. بل كانوا يجتمعون بإنتظام ليتناولوا وليمة إحتفالية لسبب واحد: أن يتذكروا أن يسوع قد قُتل علناً بطريقة غريبة ومشينة فكر في هذا بحسب الظروف العصرية الحديثة. لو كان مجموعة من الناس يحبون جون إف كيندي، وأنهم يجتمعون بإنتظام لتذكر مجابهته لروسيا، وتعزيزه للحقوق المدنية، وشخصيته الساحرة ولكنهم سوف لا يحتفلوا أن لي هارفي ولد قد قتله! ومع ذلك، فهذا يعتبر مماثل لما كان المسيحون الأوائل يفعلونه. كيف كيف ستفسرذلك؟ سأشرحه بهذه الطريقة: لقد أدركوا أن لم يكن الكلمة الأخيرة، إنما الكلمة الأخيرة كانت أنه هزم الموت من أجلنا بقيامته من الأموات. فكانوا يحتفلون بإعدامه لأنهم كانوا مقتنعين إنهم قد رأوه حياً من القبر فسألته وماذا عن المعمودية؟ فأجاب تبنت الكنيسة الولى إقتبسوا شكلاً من أشكال العماد يسمي عماد البروزلايت (أى المهتدي حديثاً إلى اليهودية) إقتبسوه من تربيتهم وتنشئتهم اليهودية. وعندما كانت الأمم (غير اليهود) يريدون إتباع شريعة موسى، كان اليهود يعمدونهم بشهادة إله إسرائيل. ولكن في العهد الجديد كان الناس يعتدون بإسم الله الآب والله الإبن والله الروح القدس، بمعنى أنهم رفعوا يسوع إلى منزلة الله الكاملة وليس هذا فقط، بل أن المعمودية كانت بمثابة إحتفال بموت يسوع تماماً مثل التناول. فبالنزول تحت الماء فأنت تحتفل بموته وبإخراجك من الماء تحتفل بحقيقة أن يسوع قد أقيم إلى حياة جديدة فقطاعته قائلاً إنك تفترض أن هذه الأسرار المقدسة لم تكن فقط مقتبسة من الديانات السرية فأجاب مورلاند لأسباب وجيهة أولاً، ليس هناك دليل قوي أن أي ديانة سرية كانت تؤمن بموت الله وقيامته حتى بعد فترة العهد الجديد. ولذلك، فلو كانت هناك أي إستعارة فإنهم هم الذين إستعارو من المسيحية

ثانياً، ممارسة المعمودية مُستمدة من العادات اليهودية، وكان اليهود يعارضون جداً السماح لأفكار الأمم أو اليونانيين أن تؤثر على طقوس عبادتهم وثالثاً، هذين الطقسين المقدسين يمكن أن يرجع تاريخهما إلى أول جماعة مسيحية وهذا تاريخ مبكر جداً بحيث لا يمكن لتأثير أي ديانات أخرى للزحف إلى فهمهم لمعنى موت يسوع

العرض الخامس: ظهور الكنيسة

مهد مورلاند لهذه النقلة بقوله عندما يحث تغير ثقافي هام، فإن المؤرخون يبحثون دائماً عن الأحداث التي يمكن أن تفسيرها فقلت له نعم ذا كلام معقول فقال حسنا. دعنا نفكر عن بداية الكنيسة المسيحية. ما من شك إنها بدءت بعد موت يسوع بقليل وإنتشرت بسرعة كبيرة لدرجة أنها خلال فترة حوالي عشرين عاماً كانت قد وصلت حتى إلى قصر القيصر في روما. وليس هذا فقط بل إن هذه الحركة إنتصرت على عدد كبير من المذاهب الفكري المنافسة، وفي النهاية إكتسحت الإمبراطورية الرومانية كلها.

والآن لو فرضنا أنك من سكان المريخ ونظرت إلى أسفل إلى القرن الأول، فهل كنت تظن أن المسيحية أو الإمبراطورية الرومانية ستبقيان على قيد الحياة؟ من المحتمل إنك لن تضع نقودك أو ركز املك على مجموعة من عامة الشعب، ورسالتهم الأساسية كانت أن نجاراً مصلوبا من قرة غامضة قد أنتصر على القبر. ومع ذلك، فقد كانت المسيحية منتصرة لدرجة أننا اليوم نسمى كلابنا قيصر ونيرون! لقد أعجبتني الطريقة التي إستخدامها سي. إف. دي. مول، عالم العهد الجديد، بجامعة كامبردج، للتعبير عن إنتصار المسيحية حيث قال لو كان ظهور النصارى، يعتبر ظاهرة ثبت صدقها بواسطة العهد الجديد بشكل لم يمكن إنكاره، قد أحدثت حفرة كبيرة في التاريخ، حفرة في حجم وشكل القيامة، فماذا يقترح المؤرخ العلماني من وسائل لكي يسدها؟ (3)

 وبينما لم تكن النقطة هي أقوى نقاط مورلاند، لأن هناك حركات دينية آُخرى ظهرت وإنتشرت أيضاً، فإن الأدلة الظرفية لا تعتمد على قوة حقيقة واحدة فقط. بل بالحري على الوزن المتراكم لعدة حقائق مع بعضهل التى تُرجَح كفة الميزان نحو النتيجة. وبالنسبة لمورلاند نجد أن النتيجة واضحة ثم قال مورلاند أُنظر، لو أراد شخص أن يدرس هذه الدلة الظرفية ووصل إلى الحكم بإن يسوع لم يقم من الأموات، فمن العدل تقديم تفسير بديل يكون معقولاً لكل من هذه الحقائق تذكر، ليس هناك شك أن هذه الحقائق صادقة، والمشكلة هي كيف تفسيرها. وأنا آجد تفسيراً أحسن من القيامة أما أنا، فقد آعدت شريط الأدلة الظرفية في ذهني إستعداد التلاميذ للموت في سبيل ما عرفوه بالتجربة، وحياة المتشككين التي حدث فيها إنقلاب مثل يعقوب وبولس؛ والتغيرات الجذرية في العادات الإجتماعية التي ظل اليهود متعلقين بها على مر القرون والظهور المفاجئ لأسرار التناول والمعمودية، والظهور ثم النمو المذهل للكنيسة فبعد حصولي على كل هذه الحقائق التي لاخلاف عليها، إضطررت على موافقة مورلاند بأن القيامة، والقيامة وحدها هي التي تجعل هذه الحقائق كلها معقولة. لا يوجد تفسير آخر يجاريها. وهذه هى الدلة الغير مباشرة فقط. فلو أضفت إليها البرهان الفعّال لقبر يسوع الفارغ، والأدلة المقنعة الخاصة بظهورات يسو
ع بعد القيامة، تعتبر القضية منتهية. كان هذا أيضاً هو تقييم ليونيل لوكهو، المحامي الذكي البارع الذي حصل على 245حكم براءة متالية ومذهلة من جرائم قتل مما أكسبته بموسوعة جينيس للأرقام القياسية العالمية كأفضل محامي ناجح في العالم(4) ومنحته الملكة إليزابيث لقب فارس مرتين، هذا القاضي والدبلوماسي السابق، أخضع الحقائق التاريخية عن القيامة للتحليل الدقيق لعدة سنوات قبل أن يعلن لكن إنتظر هناك المزيد.

إتخاذ الخطوة الناهئية

بعد أن إنتهيت محادثتنا-بدأت أنا مورلاند نتمازج حول كرة القدم بينما فصلت جهاز التسجيل وبدأت ألملم مذكراتي. ومع إني كنت في عجلة من أمري لك] ألحق برحلة الطائرة للعودة إلى شيكاغو، قال لى شيئا دفعني للتمهل

ثم قال ملاحظاً فراجعت مقابلتنا في ذهني ثم قلت له فقال إنه اللقاء المستمر مع المسيح المُقام والذي يحدث في جميع أنحاء العالم، وفي كل الثقافات، مع أشخاص من جميع أنواع الخلفيات والشخصيات، من المتعلمين جيداً وغير المتعلمين الأغنياء والفقراء المفكرين ومحبي الاستطلاع من الرجال والنساء. جميعهم سيشهدون بأنه أكثر من أي شئ آخر في حياتهم أن يسوع المسيح قد غيرهم وإنحنى مورلاند للأمام ليؤكد كلامه  فقلت له   فقال مورلاند في سنة 1968 م كنت كميائياً متشككاً حيث كنت أعمل في جامعة ميسورى  عندما وآجهتني حقيقة انني لو فحصت إدعاءات يسوع المسيح بطريقة إنتقادية لكن بعقلية متفتفحة لوجدت أكثر من دليل كافي لتصديقها لذا، إتخذت خطوة الإيمان في نفس إتجاه الذي يشير إليه الدليل، بإستقبال يسوع كغفار ذنوبي وقائدي، وبدأت أقص عليه- للمسيح الذي قام- بطريقة واقعية ومتطورة  وفي خلال ثلاثين عاماً مئلت الإجابات والإستجابات الدقيقة لصلواتي ولقد وجدت أشياء لا يمكن تفسيرها ببساطة بالتفسيرات ببساطة بالتفسيرات الطبيعية، وقد شعرت أن حياتي تغيرت بطريقة أكثر مما كنت أتخيل ولكني إعترضت وقلت له أن الناس يحدث لحياتهم تغيير في الديانات الأخرى التي معتقداتهم تتناقض مع المسيحية فسألته أليس من الخطير أن تبنى قراراتك على تجارب شخصية؟ فقال دعني أوضح لك شيئين : أولاً، أنا لا اقول لك أن تثق في تجارك فقط، لكني أقول إستخدم عقلك بهدوء وقدّر، وزن الأدلة، ثم دع التجربة تكون دليلاً مؤكداً ثانايا لذا كان هذا الدليل يشير إلى شئ صادق، أي فإن الدليل نفسه يحتاج إلى إختبار عن طريق التجربة  فقلت له حدد كلامك فقال الإختبار عن طريق التجربة يكون كالآتي إنه مازال حياً ويمكني أن أكتشف ذلك بأن أحكي له لو كنت واحداً من المحلفين وسمعت أدلة كافية تقنعك بأن شخصاً يعتبر مذنباً، فليس من العقول أن توقف الخطوة الهائية لإدانته وبالنسبة للناس أن يقبلوا دليل قيامة يسوع، ولا يتخذ الخطوة النهائية بإختباره عن طريق التجربة فسيفوتهم معرفة إلى أين يشير الدليل في النهاية فقلت له إذن لو أن الدليل بقوة إلى هذا الإتجاه، فإنه من المعقول والمنطقي أن يتتبعوه إلى عالم التجربة فأومأ برأسه موافقاً ثم قال هذا صحيح تمامً فهو التأكيد النهائي للدليل في الواقع إني أقول هذا إن الأدلة تصرخ لتطالب بالإختبار عن طرق التجربة    

 مشاورات

  1. كان التلاميذ في موقف فريد يمكنهم معرفة مؤكدة إن كان يسوع قد قام من الأموات، وكانوا مستعدين للموت في سبيل إعتقادهم أنه قام هل تستطيع أن تفكر أي شخص في التاريخ- بمعرفته وبإرادته- مات من أجل أكذوبة؟ ماهي درجة التأكد التي تحتاجها قبل أن تكون مستعداً لأن تضحي بحياتك من أجل عقيدة تؤمن بها؟ وإلى أي حد من الدقة تود أن تبحث في مسألة لو كنت ستبني حياتك عليها؟
  2. ماهي أعز معتقداتك؟ وما الذي يجعلك تتخلي عن هذه الآراء العزيزة او تعيد التفكير فيها خاصة لو كنت تعتقد بصدق أنك تجازف بحلول اللعنة على روحك لو كنت مخطئاً؟ كيف تشير إجابتك عن الحقيقة التاريخية بأن آلاف من اليهود قد تخلوا فجأة عن خمسة عادات إجتماعية ودينية كبري بعد صلب يسوع بقليل؟
  3. بخلاف قيامة يسوع، هل تستطيع أن تفكر في أي تفسير يستطيع أن يعلل جميع الخمسة أصناف من الأدلة التي ناقشها مورلاند في نفس الوقت؟ كيف تظن أن شخصاً مثله سيرد على إفتراضك
  4. مورلاند أنهى حديثه بالتحدث عن الإختبار المبني على التجربة؟ ما الذي يجب قبل أن تكون مستعداً لإتخاذ هذه الخطوة بنفسك؟

لمزيد من الأدلة – مصادر أخرى حول هذا الموضوع

 Green Micael. Christ Is Risen :So What? KentEngland: Sovereign World1995

McDowell. Josh.The Resurrection Factor. 105-20 San Bernardino.Calif: Here(**) Life. 1981

Moreland; J. P. Scaling the Secular City. Grand Rapids:  Baker. 1987

Moule. C. F. D. ThePhenomenon of the New Testa- ment. London: Scm press.1967

  1. 1. Black Black’s Law dictionary, 221.
  2. See Josh McDowell, More Than a carpenter (Wheaton, 111: Living Books, 1977), 60-71.
  3. C .F
    .D. Module, The phenomenon of the New Testament (London: SCM press, 1967) .3.
  4. Donald McFarlan, ed The Guinness Book of world Record (New York: Bantam, 1991), 547.
  5. Clifford, The case for the empty Tomb, 112.

الملحد السابق بيتر هيتشنز يعود للإيمان المسيحي

الملحد السابق بيتر هيتشنز يعود للإيمان المسيحي

الملحد السابق بيتر هيتشنز يعود للإيمان المسيحي

الملحد السابق بيتر هيتشنز يعود للإيمان المسيحي

بيتر هيتشنز الملحد السابق يتحول للإيمان المسيحي وهو صحفي وكاتب معروف في انجلترا، إذ يكتب في الصحف يوم الأحد، وقد نشر 6 كتب وهو أيضاً مؤلّف الكتاب الواسع الانتشار “الثورة على الله”، وهو شقيق المناضل الملحد كريستوفر هيتشنز. ونقلا عن هيتشنز الذي صرّح: “لقد قمت بحرق كتابي المقدس على المسرح في مدرسة كامبردج الداخلية في إحدى أمسيات الربيع المزهرة من عام 1976 حيث كنت أبلغ من العمر الخامسة عشرة عاماً.

 لكنه لم يحترق كاملاً كما كنت قد تمنيت.” وقد اختصر هيتشنز حياته السابقة والتي لا تبدو موضع افتخار بالنسبة لأسرته، إذ تضمنت سيرة حياته شجارات مع السلطات المحلية وانخراط بالمخدرات حيث تم القبض عليه من قبل، بالإضافة إلى امتلاكه لبعض الأسلحة التي كاد أن يقتل بها أحد الأشخاص وحتى نفسه إحدى المرات.

 وقد شملت حياته السابقة كما تحدّث عنها هيتشنز العديد من الصفات السلبية الأخرى مثل الخيانة، عدم الامتنان، عدم الولاء وعدم التقدير، وعدم الوفاء بالوعود وتحقيق الآمال وكسر العهود والجبن مع الأنانية الصارخة. وقد قال إنه لا يمكن أن يفعل أي شيء حتى يكفّر عن مثل هذه الصفات. ويتحدث هيتشنز عن نقطة التحول في مسار حياته حيث يتحدث في إحدى الليالي عن تسلله إلى احتفال موسيقي في عيد الميلاد حيث كان حريصاً ألا يراه أحد.

 لقد علم تماماً في داخله أنه استمتع بهذا الاحتفال بالرغم من عدم رغبته للإعلان عن ذلك. في نفس الوقت بدأ يفقد إيمانه بالسياسة وكل ما كان يشغل باله في ذلك الوقت حيث توّصل في داخله أنه يحتاج إلى اختبار جديد يبني عليه ما تبقّى من حياته. تابعونا على الفيسبوك: ويختتم هيتشنز كلامة بالحادثة التي تمكن من التواصل فيها مع أخيه الذي كان يزداد في مشاعر إلحاده يوماً بعد، إذ في إحدى الليالي تفاجأ بأنّ أخيه كان قد أعدّ عشاء له، وجلس الاثنان يناقشان أمور متعلّقة بالإيمان واللإلحاد، حيث عبّر بيتر لأخيه عمّا كان قد توّصل إليه أنّ وجود الله ليس خطأ في هذا العالم وأن وجود ديانة في حياة الإنسان لا تسمّم كل شيء من حوله. ويقتبس بيتر من الكاتب المعروف تي. أس. ايليوت أنّه على المرء أن يعود إلى بداياته حتى يعرف أنه يوجد أساس وبداية لكل شيء.

كتاب الإيمان في عصر التشكيك (16) لا يمكننا الإعتماد على الكتاب المقدس تاريخياً!

كتاب الإيمان في عصر التشكيك (16) لا يمكننا الإعتماد على الكتاب المقدس تاريخياً!

نقد مختصر لكتاب د.ستينجر : الله الفرضية الفاشلة

نقد مختصر لكتاب د.ستينجر : الله الفرضية الفاشلة

نقد مختصر لكتاب د.ستينجر : الله الفرضية الفاشلة

نقد مختصر لكتاب د.ستينجر : الله الفرضية الفاشلة

 

 

هذا نقد مختصر لكتاب د.ستينجر “الله ,الفرضية الفاشلة” , بقلم أحد علماء الفيزياء إدكار أندروز في كتابه “من خلق الله؟”

المرجع : من خلق الله؟ البحث في نظرية كل شيء –إدكار أندروز ,ترجمة ومراجعة :هدى بهيج سامي ر.مورغان, مركز مورغان للنشر والإعلام –ط1 (2014),صـ69-82

 

باحثون وأفكار مغلوطة 

“لقد طارد داروين الله وأخرجه من الوساوس القديمة لعمل الأحياء , وهرع بحثاً عن الأمان في حُجر الفيزياء .فأُخبرنا أن قوانين وثوابت الكون شديدة الصلاح بحيث إنها من المستحيل أن تكون حقيقية :فالنظام قد تناغم بشكل حاذق لكي يسمح بالتطور الذي أنتج الحياة .كان الأمرُ يحتاجُ إلى فيزيائي جيد لكي يُظهر لنا الخطأ ….لكن فيكتور ستينجر دفع بحشدٍ من القوارض النشطة أسفل آخر ثقب ترباس رئيسي ,وهكذا لم يجد الله ملجأ يحتمي به”.

ريتشارد داوكنز ,في مدح الله على الغلاف الخلفي لكتاب The failed hypothesis,بقلم فيكتور ستينجر.

 

 

في الفصل السادس سنتمكن من السيطرة على المهمة الخطرة الخاصة بتعريف “الله”.لكن دعونا أولاً أن نقوم بتغيير ممتع ,بالحديث عن القوارض والمغالطات .القوارض هم اختراع خيالي لريتشارد داوكينز في المقطع سالف الذكر .لكن المغالطات تأتي من فكتور ستينجر ,مؤلف كتاب

God: the failed hypothesis: how science shows that God does not exist [1]

 

دعني أوضح أمراً ما –هو أنني لم أؤلف كتابي هذا رداً على شخص آخر . فبينما الكُتب المؤلفة للرد على كُتب أُخرى لها وظيفة مُهمة ,فقد كنت أشعر دائماً أنها ترد مؤلفيها على أعقابهم . فالفرضية القوية ,مهما كانت صارخة,تبدو دائماً أنها تربح فرضيتها النقيضة المدروسة –ربما لأن التأكيد الايجابي تكون له “جاذبية جنسية” أعظم من الرد السلبي.ومع ذلك لئلا يتم اتهامي بتجاهل القضية المضادة لفرضيتي ,فسأقوم باستثناء ,وسأخصص هذا الفصل للرد على تأكيد فيكتور ستينجر بأن العلم يثبت عدم وجود الله. حتى ريتشارد داوكينز لم يذهب إلى مثل هذا الأمر –وشعر أنه مجبر على جمع كل أنواع الحجج الأخلاقية ,والفلسفية ,والتاريخية ,والاجتماعية في سعيه لإثبات أن الله مجرد “وهم”. فلماذا كان عليه أن يفعل ذلك إذا كان يعتقد أن العلم يمكنه القيام بهذه المهمة الهدامة بمفرده تماماً؟

 

تسلق جبال إفرست

قبل أن نبحث بالتفصيل افتراض د.ستينجر ,يجب ذكر بعض المُلاحظات القليلة العامة .لقد أشرنا بالفعل في الفصل السابق إلى أن عالم الحفريات ,ستيفن جي جولد ,الذي كان له وزنه في شرح العلوم لجماهير العامة ,استبعد فكرة أن العلم “يظهر أن الله غير موجود”-أو أن العلم يمكنه القيام بذلك على الإطلاق ,وكان جولد لا أدرياً يميل إلى الإلحاد .وأنني أشعر أن د.ستينجر ربما يكون مثل رجل يتسلق قمة جبال إفرست .-بشجاعة لكن بمفرده نوعاً ما .والحقيقة أنه حتى الأكاديمية الأمريكية الوطنية للعلوم ذات المقام الرفيع قد سجلت هذا التصريح التالي :”العلمُ هو وسيلة للمعرفة عن العالم الطبيعي.وهو قاصر على تفسير العالم الطبيعي من خلال الأسباب الطبيعية.لذلك لا يمكن للعلم أن يقول أي شيء عما هو فوق طبيعي .فمسألة وجود الله أو عدم وجوده هي أمر يقف العلم تجاهه على الحياد “[2].ولا بدّ أن ستينجر يختلف مع هذا التصريح ,ولكن اختلافه هنا هو مع المجتمع العلمي بأكمله, أكثر منه مع أولئك الذين يؤمنون بالله.

لذلك,مرة أخرى,إذا كان العلم يثبت عدم وجود الله ,فكيف لم يتمكن معظم العلماء الرواد على مدى المئتي العام الماضية من ملاحظة ذلك أبداً؟ يتراوح هؤلاء العلماء ما بين مسيحيين يؤمنون بالكتاب المقدس –مثل مايكل فارادي (1791-1867),وجيمس كليرك ماكسويل (1831-1879),وأرنو بينزياس (قبل 1933)-وحتى عدد لا حصر له من العلماء الذين يؤيدون مفهوم ما من التسامي .ومن ضمن هؤلاء الأخيرين كان ألبرت اينشتاين (1879-1955) الذي رغم رفضه لفكرة وجود إله شخصي ,ويمكن وصفه بأنه من القائلين بوحدة الوجود ,إلا أنه يشكو قائلاً,”بالنظر إلى مثل هذا التجانس والانسجام الموجود في الكون ,الذي يمكنني أنا بعقلي البشري المحدود أن أدركه ,لا يزال يوجد أناس يقولون إنه لا يوجد إله .لكن ما يغضبني حقاً هو أنهم يقتبسون من كلامي لتدعيم آرائهم هذه”[3]

 

جيمس جول (1818-1889),الذي طرح أول قانون للديناميكا الحرارية (عن حفظ الطاقة) وقام بإسهامات مهمة في النظرية الحركية للغازات ,لم يكن لديه شك في هذا الأمر :”من الواضح أن التعرف على القوانين الطبيعية لا يعني أقل من التعرف على فكر الله الذي يتم التعبير عنه فيها”.

كما أن ستيفن هاوكينج قبل (قبل 1942),في فصله الأخير من كتاب A brief history of time,يستخدم كلمة الله ثماني مرات في أربع صفحات من النص .وبينما لا يعلن عن نفسه بأنه يؤيد مسألة وجود الله ,فإنه يعترف بوضوح بإمكانية هذا الأمر ,وفي كل مرة يستخدم اسم الله بطريقة جادة.

ويعلن مارتن ريس (الذي أصبح رئيساً للجمعية الملكية عام 2005),”دعون أقول إنني لا أرى أي تعارض بين العلم والدين “.ويضيف,”إنني أذهب إلى الكنيسة مثل الكثيرين غيري من العلماء ,كما أشترك مع أكثر الأشخاص تديناً في الشعور بالغموض والرهبة من الكون ,وأريد أن أشارك في الطقوس والممارسات الدينية لأنها شيء يمكن لكل البشر أن يشتركوا فيه “[4].ليس الهدف هو أن مارتن ريس يذهب إلى الكنيسة , أو حتى أنه يؤمن بالله ,بل المقصود هو أنه لا يرى تعارضاً بين العلم والإيمان .ومثلُ هذا الصراع كان لا بُدّ من وجوده لو كان العلم يثبت عدم وجود الله .الحقيقة هي أن ستينجر لا يبذل إلا محاولات ضئيلة لإثبات أن الله غير موجود ,إلا أنّ جدله الفعلي هو أن العلم لا يستطع أن يثبت أن الله موجود –وهذا أمر مختلف تماماً .فيبدو أن هناك خلطاً واضحاً في ذهنه بين هذين الزعمين.

 

المغالطة الأولى: كل الفرضيات علمية

يبدأ د.ستينجر فرضية كتابه بما يبدو للوهلة الأولى أمر واضح بشكل يثير للإعجاب .فيقول , “سأبني تحليلي على الجدل بأن الله يجب أن يكون قابل للفحص بواسطة الوسائل العلمية ,بسبب حقيقة أنه من المفترض أن يلعب مثل هذا الدور المحوري في تسيير الكون وحياة البشر .إن النماذج العلمية الموجودة لا يوجد بها مكان يشمل الله كمكوّن ,لكي نتمكن من وصف ملاحظاتنا عنه لذلك فإذا كان الله موجوداً فلا بدّ أن يظهر في مكان ما داخل فجوات أو أخطاء النماذج العلمية.”[5]

ويقول أيضاً :”بقدر ما يمكننا أن نفهم من خلال المعرفة العلمية الحالية ,يمكن وصف الكون الذي نلاحظه بحواسنا وبالأدوات العلمية من ناحية المادة والعمليات المادية وحدها.”[6]

ومع ذلك, يقول مرة أخرى, “فرضية هذا الكتاب هي أن الفرضية فوق الطبيعية بوجود الله هي قابلة للفحص والاختبار ,وقابلة للتحقق من صحتها أو بطلانها بواسطة الوسائل العلمية المؤكدة”.[7]

لكن الوضوح الظاهر  لهذه العبارات وهمي , وهذا لأن هناك انتقالات ماكرة بين هذه التصريحات الثلاثة .فهو يوحي بالتالي بأن الله يجب أن يكون قابلاً للفحص والتحقق: (1) بواسطة “النماذج” العلمية ؛ (2) بواسطة المقاييس العلمية ,أي بواسطة “حواسنا وأدواتنا العلمية ” ؛ و (3) بواسطة “وسائلنا ” العلمية. هذه ثلاثة مزاعم مختلفة تماماً- مرتبطة نسبياً بالنماذج ,والمقاييس ,والوسائل – وبالانتقال بسرعة بين هذه وهو يطوّر جدله , يقوم د.ستينجر (ربما عن غير قصد) بخداع القارئ الغافل .في الأوساط الأقل احتراماً ,يطلق على هذا خدعة البطاقات الثلاثة.

ولكنه قد يعترض بالطبع بأنه يتبنى ببساطة كل عناصر العلم في تحليله , لكن هذا لا يكون صحيحاً إذا كانت النماذج والمقاييس والوسائل هي جميعها اعتبارات مستثناة من الله.وعندها سنصل إلى نفس النتيجة التي وصلت إليها الأكاديمية الأمريكية للعلوم –وهي أن العلم ليس لديه ما يقوله عن الله .ومع ذلك ,تماماً كما هو الحال في خدعة البطاقات الثلاثة ,حيث تكون هناك بطاقة واحدة هي المميزة ,هكذا أيضاً نجد في جدل ستينجر أن وسائل العلم تختلف عن نماذجه ومقاييسه .فوسائل العلم , كما يؤكد , تسمح لله بالدخول إلى ردهاته المقدسة , بينما نماذجه ومقاييسه تستبعده.

وهذا يجعله يكسب الأمر من ناحيتين ؛فالله يجب ان يكون قابلاً للفحص بواسطة العلم بسبب وسائله , ولكنه يفشل بفضل نماذجه ومقاييسه .أبعد من أن يكون الله هو الذي يسعى عن عمد لطلب ملجأ في جحر العلم ,فإن ستينجر نفسه(يتبع داوكينز) هو الذي يحاول أن يقحم الله في حفرة العلم منهجياً .ثم يقوم بعد ذلك بإغلاق كل المخارج الأخرى , ويقوم ببحث دقيق في الحفرة , وعندما لا يتمكن من العثور على الإله ,يعلن أنه غير موجود .لكن لو تكبد د.ستينجر عناء أن ينظر فوق كتفه قليلاً , ربما تمكن من رؤية صاحب الأرض (الذي يُدعى الله) يقف هناك.

دعونا نعود إلى تصريحات ستينجر الثلاثة .الأول , أبعد من أن يكون دليلاً على عدم وجود الله , يقول ببساطة إن العلماء اليوم يختارون ألا يذكروا الله  عندما يبنون نماذج علمية للكون المادي. وهذا أمر لا يثير الدهشة ,لأن الله ليس كياناً مادياً خاضعاً لبنية النموذج . إن النموذج الحسابي للنظام الشّمسي لا يذكر , ومع ذلك , عندما جوهانز كيبلر (1571-1630) القوانين الحسابية لحركة الكواكب, يقال أنه صرخ :”آه يا إلهي ,إنني أفكر مثلك!”. لا يوجد يمثل الله في معادلات كيبلر , لكن هذا لم يوقفه أن ينسب القوانين نفسها إلى الفكر الإلهي[8] . فكّر معي في ذلك , لا تحوي قوانين كيبلر أية رموز “للحب” أو حتى “للكراهية” , لكن ذلك لا يعني أن الحب والكراهية غير موجودين.

أما تصريح ستينجر الثاني , فهو لا يرتبط بالنماذج العلمية , بل بالمقاييس أو البيانات العلمية .فهو يقول أن حواسنا المادية , حتى بمساعدة الأدوات العلمية , هي غير قادرة على رؤية الله أو تفحصه – مما يعني ضمنياً أنه إذا كان الله لا يمكن الكشف عنه أو فحصه فهو بذلك غير موجود. لكن لماذا يجب على حواسنا المادية أن تكون قادرة على رؤية الله . إذا كان يسوع قد أعلن ,”الله روح , والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا “؟[9] فحواسنا المادية الخمس , مهما كانت مزودة بالوسائل العلمية ,تظل مادية- مهيأة لاكتشاف المواد والعمليات المادية ,وليس الروحية. فعندما نتخلى عن وجود كينونات روحية لأنها لا تظهر على شاشات راداراتنا ,فإن هذا يشبه إنكار وجود الجمال, لأنه لا يوجد شيء بهذا الوصف ينتج بالتحليل الكيميائي لماسة مقطوعة .يعلن الرسول بولس أنه “أَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌو وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ”[10] هذه مفاهيم مجردة وتجارب ذاتية . يمكننا أن نميّز آثار هذه المفاهيم على السلوك البشري , لكن المفاهيم الروحية نفسها لا يمكن الوصول إليها لا بحواسنا ولا بأدواتنا العلمية, ولكنها حقيقية دون أدنى شك.

 

في النقطة (3) من فرضيته ,ينقل د.ستينجر قائمتي المرمى مرة أخرى .فبينما كان الزعم (1) تحدث عن النماذج العلمية, والزعم (2) يتحدث عن المقاييس ,فإن الزعم (3) يتحدث بالكامل عن الوسائل العلمية .وهو لا يعني بكلمة “وسائل” استخدام الميكروسكوب ,أو التيليسكوب ,أو مفتتات الذرة ,بل يعني المنهجية التي ناقشناها في الفصل السابق ,التي تستتبع الملاحظة ,والفرضية ,والاختبار –والتي تقود إما إلى التحقق من صحة الأمر أو إثبات خطئه .

إلا أن الفارق بين المقاييس (أو البيانات) العلمية وبين منهجية العلم هو أمر مهم .يعنّف ستينجر بشدة الأكاديمية الأمريكية للعلوم نفسها بسبب ذكرها أن”العلم …مقصور على تفسير العالم الطبيعي من خلال العلل الطبيعية .العلم لا يمكنه أن يقول شيئاً بخصوص ما هو فوق طبيعي.[11]”من الواضح إذاً أن الاكاديمية الوطنية للعلوم تتحدث هنا عن مكتشفات أو بيانات العلم- مشيرة إلى أنها ترتبط فقط بالعالم الطبيعي .إلا أن ستينجر يختلف معها في ذلك , فيزعم في التصريح (2) أن البيانات العلمية يجب أن تكشف عن الله لو كان موجوداً .لكنه بعد ذلك في بقية الكتاب ينقل أرضية مزاعمه إلى التصريح (3) ,أي إلى منهجية العلم التي يمكن تطبيقها على الله.

والآن ,كما رأينا في الفصل الرابع عندما ناقشنا فرضية “بريدي المفقود” , هذه المنهجية مقصورة بالكامل على العلم ,ولكنها مكملة لعمليات تفكيرنا المنطقية .إن فرضياتي الثلاث الخاصة ببريدي المفقود لم تكن فرضيات “علمية” ,كما أن نتائجي يصعب أن تكون مقبولة كبيانات علمية – لو فقط أن الخلل في وصول بريد صباح أحد الأيام لم يكن إحصائياً .لكن ولا واحدة من هذه الحقائق تبطل من صلاحية الفرضيات أو تجعل نتائجها غير صحيحة.

إن مغالطة ستينجر الأولى مكشوفة الآن أمام أعيننا , فقد بدأ (بشكل صحيح تماماً)  بالقول إن وجود الله يمكن التعامل معه باستخدام منهج الفرضية .ثم قام بعد ذلك بتصنيف هذا المنهج بأنه “علمي” لأنه يستخدم بصفة عامة بواسطة العلم – متناسياً أنه أيضاً منهجية تنطبق على الحياة بصفة عامة.وهكذا بزعمه أن كل فرضية هي “علمية” ,أمكنه أن يؤكد أن فرضية وجود الله لا بدّ وأن تكون فرضية علمية. أخيراً يستنتج أن الله غير موجود لأنه لا يمكن أن يوجد بين البيانات العلمية التي يتم جمعها بالميكروسكوب أو التيليسكوب أو مفتتات الذرة.

دعونا نلخص ذلك مرة أخرى .تسير سلسلة جدل ستينجر كآلاتي:

  • المنهج الافتراضي ينطبق على الله
  • المنهج الافتراضي هو جزء لا يتجزأ من العلم.
  • لذلك فكل الفرضيات هي فرضيات علمية
  • لذلك ففرضية وجود الله هي فرضية علمية
  • وبالتالي ففرضية وجود الله يمكن فحصها بواسطة التجارب العلمية
  • البيانات التي يتم جمعها بواسطة التجارب العلمية لا تكشف عن وجود الله
  • وبالتالي الله غير موجود.

 

التصريحات المغلوطة أعلاه مكتوبة بالخط الثقيل المائل . وفيما بعد سوف أناقش أيضاً بتفصيل أكثر التصريح السادس في علاقته بقوانين الطبيعة ,لكن في الوقت الحالي ,فإن أربعة تصريحات مغلوطة في فرضية تكفي لكي نستمر في الجدل.

عندما يختبر مؤمن مسيحي (والذي قد يتصادف أن يكون عالماً ) “محبة الله في قلبه”[12] ,فإنه لا يقوم بعمل بحث علمي عنه ويقدمه إلى مجلة الفيزياء التطبيقية ,أو إلى محاضر الجمعية الملكية .وهذا لأن اختباره ببساطة لا يشكّل بيانات علمية .لكن عقله المدرّب علمياً قد يقوم بالفعل بعملية جدل افتراضي – ويستنتج منها أن الله حقيقي وواقعي.

 

المغالطة الثانية: خصومي جهلاء

متى يمكن أن نطلق على خيال المآتة أنها باطلة أو مغالطة ؟ الإجابة :عندما يعتقد الباني أن خيال المآتة هذا إنسان حقيقي .عندما يكون مذنباً بالخداع أكثر منه بالمغالطة .يمكننا أن نقول أن د.ستينجر هو دون كيشوت الإلحاد,فيقوم بحماسة (وربما بسذاجة)بمحاربة طواحين الهواء وامتطاء خيال المآتة .فيما يلي بعض الأمثلة القليلة على ذلك:

إن سجل الحفريات,ووجود أنواع انتقالية,والملاحظة الفعلية للتطور في المعمل ,تبطل فرضية وجود الله الذي خلق “أنواعاً” مستقلة ومنفصلة من أشكال الحياة في وقت ما من التاريخ ,ثم تركها من دون تغيير منذ ذلك الحين[13].

بترك القضايا الخلافية للأنواع الانتقالية ,وتحديد نوع “التطور” الذي يمكن ملاحظته في المعمل ,فإن خيال مآتة ستينجر هنا هو الزعم بأن المسيحيين يؤمنون بأن الأنواع مخلوقة في سفر التكوين : (أ) كانت أنواعاً كما يتم تعريفها اليوم ؛ و (ب) بأنها ظلت غير متغيرة منذ ذلك الوقت. لكن حتى بين أكثر المتحمسين لنظرية الخلق , لا أعرف شخصاً يعتنق أيةً من هاتين النظرتين .ففي كتابه الذي ألفته عام 1978 بعنوان From nothing to nature[14],افترضت مثلاً أن كل أنواع ذوي الناب (الذئب الكلب ,الثعلب ,وغيرها )ربما تكون قد انحدرت من نوع واحد مذكور في الكتاب المقدس .كما أشرت أيضاً إلى أنه بتتبع كل أجناس البشر حتى نصل إلى الزوج الأصلي الأول ,نجد أن الكتاب المقدس نفسه يظهر تغييرات وتنوعات عظيمة يمكن أن تحدث داخل النوع بمرور الزمن إن ما ينكره أنصار الخلق ليس حدوث طفرات وانتقاء طبيعي , ولا قدرتها على توليد التغيير ,لكن القوة المطلقة لمثل هذه العمليات العشوائية التصادفية على تصنيع الحياة الزاخرة لكوكب الأرض ,بداية بنوع الحساء البدائي ,أو الشرارة الابتدائية للحياة.

لكن عندما يأتي الأمر إلى صنع خيال مآتة ,من الصعب التغلب على تصريح د.ستينجر الشامل على صفحة 48,الذي يقول الآتي :

قبل عصر العلم , كان الاعتقاد الديني مبنياً على إلايمان , والتقليد الثقافي , وعلى الثقة في الحق المعلن في الكتب المقدسة وفي تعاليم القديسين والقديسات الذي اختارهم الله ,لكن إذا بدأ في إضعاف هذه المعتقدات بإظهار أن الكثير من التعاليم التقليدية كانت خاطئة , مثل القائلة بأن الأرض مسطحة وأنها تستقر في مركز سماء النجوم والكواكب ,بدأ الناس في النظر إلى العلم نفسه بحثاً عن دليل لوجود كائن متسامٍ ,لا يعتمد على أي افتراض من الحق الحرفي للكتاب المقدس أو الإعلان الإلهي .

هذه الفرضية لتاريخ الفكر الغربي موجزة بصورة تستحق الثناء ,لكنها كذلك خاطئة بالكامل.

أولاً ولم يتعرض الاعتقاد الديني إلى التغيير منذ حلول “عصر العلم” :فهو لا يزال مبنياً على الإيمان والتقليد والإعلان,الأمور التي تحتفظ جميعها بصلاحيتها وصحتها القوية حتى يومنا هذا .ثانياً ,لقد أثبت العلم عدم تأثيره في إضعاف بشكل ملحوظ في إضعاف “هذه المعتقدات” لأسباب مذكورة بالفعل في كتابات ستيفن جي جولد والأكاديمية الوطنية للعلوم .على العكس من ذلك , تظل هذه المعتقدات عناصر راسخة في الحضارة البشرية(وإلا فلماذا شعر ستينجر بالحاجة إلى تأليف هذا الكتاب).ثالثاً ,”التعاليم التقليدية” الوحيدة التي تقول إن الأرض مسطحة وأنها “تستقر في مركز سماء النجوم والكواكب ” كانت تعاليم الصين القديمة – فعلوم الفلك الغريبة والشرق أوسطية لم تضم هذين العنصرين أبداً.

رابعاً ,هل كان المتدينون يؤمنون حقاً بأن الأرض مسطحة قبل حلول عصر العلم ؟ لم يحدث ذلك منذ عرض أرسطو الدليل على كروية الأرض عام 330 ق.م.,[15]عندما لاحظ أن المسافرين جنوباً يرون نجوماً جنوبية ترتفع لأعلى فوق الأفق[16] .كما أشار أيضاً إلى أن ظل الأرض على القمر دائماً ما يكون دائرياً ,وأن الأرض الكروية وحدها التي يمكن أن تلقي بظل دائري على كل المراحل القمرية .بل أنه في عام 240 ق.م ., قام ايراتوستينس بحساب قطر الأرض الكروية[17] .ففي دراسته بعنوان The reckoning of time ,فسّر “بيدي” (672-735) الزمن المتغير لضوء النهار  من حيث “كروية الأرض” ,وقال, “لأنه ليس دون سبب يقال كرة الأرض” على صفحات الكتب المقدسة والأعمال الأدبية العادية .فهي في الحقيقة موضوعة مثل كرة في منتصف الكون كله “[18].وأي شيء كتبه “بيدي” كان يتطلب قراءة الكهنة في أيامه.

صحيح أن الدارسين في العصور الوسطى عادوا إلى الزعم بمعتقد أن الأرض مسطحة ,لكن جيفري روسيل (أستاذ التاريخ بجامعة كاليفورنيا,سانتا باربارا ) يبرهن في كتابه ,Inventing the flat earth :colombus and modern historians ,أن نظرية الأرض المسطحة ليست أكثر من مجرد خرافة تم استخدامها لتشويه سمعة الحضارة الأوروبية السابقة للحداثة.

أما مركزية الأرض فهي أمر مختلف . فكما يشير الاقتباس من بيدي, د.ستينجر محق في أن يقول أن القدماء كانوا يعتقدون بأن الأرض هي مركز الكون.لكن هاهي الحقيقة التي هدمت بيته الورقي – وهي أن هذا النظام القائل بمركزية الأرض كان نتاج ,ليس الإيمان الديني,بل العلم اليوناني! فقد علّم أناكسيمندر (القرن السادس ق.م) أن الأرض عبارة عن اسطوانة موضوعة في مركز الكون . وقد جادل الفيثاغوريون بشأن مركزية الأرض , معتقدين أنها تتحرك حول نار غير مرئية ,لكن افلاطون (القرن الخامس ق.م) كان يعتقد أن الأرض هي جسم كروي ثابت في محور الكون وأن النجوم والكواكب تدور حولها. إلا أن علم الفلك اليوناني في النهاية استقر على مركزية الأرض “النظام البطلمي”-الذي افترضه كلوديوس بطليموس خلال القرن الثاني الميلادي ,وقبله الجميع دون استثناء حتى “الثورة الكوبرنيقية” في القرن السادس عشر ,عندما استقرت مركزية الأرض أخيراً . لكن عندها كان العنوان :”علم القرن السادس عشر يبطل علم القرن الثاني !” ألا يشبه هذا أيضاً العنوان :”علم القرن السادس عشر يبطل المعتقدات الدينية!”

في 175 ,يكتب ستينجر هذه العبارة غير المعقولة :”في كل أنحاء الكتاب المقدس ,يشار إلى الكون بأنه “سماء ” موضوعة فوق أرض مسطحة لا تتحرك .” بل أنه أيضاً يقدم شواهد كتابية في محاولة لإثبات وجهة نظره ,زاعماً أنه قد رجع إلى ترجمة كل من “كينج جيمس والنسخة القياسية المنقحة”.وربما كان يجب عليه أيضاً أن يرجع إلى المعجم العبري ,لأنه بنى قضيته على فهم خاطئ تماماً للكلمتين العبريتين المذكورتين في العهد القديم .الكلمة الأولى التي شوّه معناها هي السماء (firmament), وهي تعبير عام يعني “مدى واسع ” أو قبة زرقاء (بالعبرية raqia).وتكوين 1 لا يستخدم هذه الكلمة ليعني بها “الكون” ,بل فقط “السماء”- أي القبة الزرقاء الواسعة حيث تطير الطيور (ع20), والتي تفصل المياه التي تحت السماء عن السحاب (المياه التي فوق السماء؛الأعداد 6-8).لذلك عندما يصف تكوين 1 الشمس والقمر باعتبارهما نورَين في كبد السماء “فإنه يستخدم مجرد تعبير ظواهري –بأن هذين الجسمين مرئيان في السماء

(نفس الأمر ينطبق على الأعداد الثلاثة الأخرى في الكتاب المقدس التي تستخدم كلمة “سماء” كمكان للنجوم)

منذ عام 1957 ,قدم السير باتريك مور سلسلته الطويلة من البرامج في البي بي سي عن علم الفلك الشعبي بعنوان The sky at night.لكن لم يعترض أحد أبداً بأن البرنامج يجب أن يطلق عليه The universe at night- أو أن مور يعلّم أن الطيور والنجوم تعيش بنفس الفضاء الكوني .فمعظم الناس لديهم الفطرة السليمة لكي يدركوا أن التعبيرات الظواهرية ملائمة بالنسبة لبرنامج علمي شعبي , وأن الكون مرئي هو ما نراه عندما ننظر إلى السماء .

الكلمة الثانية التي لم يتحقق ستينجر من معناها بشكل سليم هي كلمة “circle”.فهو يذكر اشعياء 22:40 حيث يقول أن الأرض هي “دائرة”(أو كرة في الترجمة العربية).لاحظ أن “الدائرة مسطحة”(ص189,الملاحظة الثانية).لكن الحقيقة أن هذه الآية لا تقول ذلك على الإطلاق – إنها تقول إن الله جالس على “كرة الأرض”.مما يعني أن الأرض لها “دائرة”.وليس أنها عبارة عن “دائرة”. يذكّرنا ستينجر أن الدائرة مسطحة,لكنه يحذف ذكر أن لها أيضاً ثقباً في المنتصف (فاحذر من المكان الذي ستقف فيه!).إني أشك أن اشعياء كان سيرى غرابة  في دعوة الأرض دائرة (أو كرة)بينما كان في استطاعته أن يدعوها قرصاً (لو كان يؤمن حقاً أن الأرض مسطحة).

ومع ذلك, على الرغم من أن هذا يظهر طريقة ستينجر المستهترة في فهمه للكلمات ,فإن مشكلته الحقيقية هي أن الكلمة العبرية chug-المترجمة في الانجليزية “circle” أو “circuit” في كتبنا المقدسة الانجليزية –يمكن أن تعني “دائرة ,قوس ,قبة السماء , أو نطاق” .مثل الكلمة المبهمة round , التي يمكن ان تستخدم للإشارة إلى كل من الأجسام ذات البُعدين أو ذات الثلاثة أبعاد.وفي الأغلب كان أشعياء يعني “قبة السماء” وكان يشير بها ليس إلى الكرة الأرضية بل إلى السماء.فلو كان لدى د.ستينجر الصبر لكي يقرأ العدد بأكمله لكان قد عرف أن الله الذي يجلس على قبة السماء في الكرة الأرضية (بمعنى أنه أعلى من السماء ) هو أيضاً الذي “ينشر السموات كسرادق ويبسطها كخيمة للسكن” .فنحن نقرأ هنا لغة شعرية ظواهرية .وليس علوم اليونان القديمة!

إن أي انسان يجهل الكتاب المقدس , عندما يقرأ كتاب ستينجر سيستنتج أن الكتاب المقدس يعلّم أن “الأرض مسطحة وتقع في مركز سماء من النجوم والكواكب” . لكن هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة . كما لو أن ستينجر ينجب طفلاً يتيماً (من العلم اليوناني النابع من الأساطير الصينية),ويرفضه ,ثم يتركه على عتبة الكتاب المقدس بريء تماماً من مثل هذه التعاليم – فهو لا يناقش في أي مكان منه شكل الأرض أو يزعم أنها توجد في مركز الكون. بل هو يصف مرات كثيرة الكون كما تتم ملاحظته من الأرض (ألا نفعل جميعنا ذلك؟) , ولكنه يفعل ذلك دون إشارة إلى وجهة النظر الخاصة بمركزية الأرضية.

 

 

المغالطة الثالثة: البساطة تلد التعقيد

 

الفصل الذي عنونه د.ستينجر “وهم التصميم” , يشبه كثيراً كتب ديكنز –أقصد بذلك كتاب The old curiosity shop.فهو يخصص النصف الأول من فصل واحد في استبعاد الخلق , والتصميم العاقل الذكي للكون , والتعقيد غير القابل للاختزال , ومعلومات الوسائط ,بل وحتى التعريف السليم للعلم.فكيف استطاع أن يغطي كل هذه الموضوعات في ثلاث عشرة صفحة فقط؟ تم هذا بقيامه بعمل تأكيدات بدلاً من تطوير نقاشه الجدلي .فهو يعلن ببساطة أن كل خصومه (ومعظم أصدقائه) على خطأ , بينما يقوم بنقل قرائه كقطع الشطرنج إلى كتابات أخرى لكي يجد البراهين التي تُبنى عليها مزاعمه.بالطبع, لا أحد أن يغطي كل الأسس في كتاب واحد , لكي تذكّر أن هذا الكتاب المحدد يزعم أنه يثبت عدم وجود الله .لذلك فمن حقنا أن نرى أدلة وإثباتات وليس تأكيدات.

إن أقرب ما يصل إليه ستينجر من نقاش معقول على هذه الصفحات يرتبط بجدل مايكل بيها حول “التعقيد غير قابل للاختزال”, والذي بموجبه لا تستطيع الأنظمة البيولوجية معقدة الوظيفة أن تتطور بواسطة الانتقاء الطبيعي .يدعونا “بيها” لأن نفكر في مصيدة فئران تقليدية. فلكي تقوم المصيدة بأداء وظيفتها ,يجب أن تحوي مجموعة منتقاة من المكونات غير القابلة للاختزال –أي قاعدة ,وزنبرك,و”مطرقة”, وذراع حاجز , ونظام للإفراج عن الصيد . فلو فقدت أيّة من هذه المكونات , أو حتى لم تتلائم مع بقية المكونات الأخرى, لن تعمل مصيدة الفئران بشكل سليم.يشبه هذا الكثير من الأنظمة البيولوجية –فلكي تعمل وتفيد مالكها ,تحتاج إلى وجود وتفاعل العديد من المكونات التي لا يمكن الاستغناء عنها أو اختزالها .فهل يمكن لمثل هذا النظام أن يُبنى,قليلاً قليلاً ,تحت تأثير الانتقاء الطبيعي؟ كلا,يقول “بيها”,لأن الانتقاء الطبيعي لا يمكن أن يعمل في نظام بيولوجي يؤدي وظيفة لا ترتبط بالبقاء –لأنه في هذه الحالة لا يتم “انتقاؤه”. فمصيدة الفئران التي لها قاعدة , ومطرقة ونظام للإفراج عن الصيد , ولكن ليس بها بعد زنبرك , لا يمكن أن تعمل , وليس لها  قيمة بالنسبة لمالك مخزن الحبوب.

شاهدت ذات مرة حيوان القاقم يطارد أرنباً ويقتله – وهذا هو نفس نوع ” الضغط الانتقائي” الذي (بحسب مبادئ داروين) يجب أن يسبب نشوء قبيلة من الأرانب المتفوقة التي تستطيع أن تهرب من القاقم .لا توجد مشكلة في ذلك .لكن الانتقاء الطبيعي لن يقوم أبداً بمنح الكرنب سرعة التفاف تكفي لكي تجعله يهرب من الأرانب التي تلتهمه ,لأن الكرنب لا يمكنه أن يتحرك في المقام الأول .

 

فالانتقاء الطبيعي يمكنه أن يعمل فقط عن طريق الحفاظ على أو “انتقاء” تحسينات طارئة أو غير متوقعة في بعض النواحي الوظيفية للكائن الحي .فمثلاً ,إذا ساعدت طفرات عشوائية بعض الأرانب على الجري أسرع من غيرها , فإن هذه الأرانب ستنال فرصة أفضل في البقاء وبذلك تزيد فرصتها في التوالد.إذاً فالوحدة الوراثية(الجينة) للأرنب السريع يمكنها بذلك أن تنتشر عبر مستعمرة الأرانب كلها وتصبح سائدة .لكن على العكس , الطفرة العشوائية التي أنتجت كرنباً بحركة سريعة منعكسة لن تكون خاضعة للانتقاء الطبيعي لأن هذه الخاصية الجديدة لن يكون لها قيمة وظيفية في الخضروات الثابتة .فالأنظمة الوظيفية وحدها (أي تلك التي تؤثر على البقاء وأو التوالد ) هي التي يمكن تعديلها بواسطة الانتقاء الطبيعي.

ما يهدف إليه “”بيها” هو أن الأنظمة البيولوجية المعقدة لا يمكن أن تتطور خطوة بعد خطوة ,كما علّم ذلك أتباع الداروينية الجديدة ,لأنه إلى أن تصبح أنظمة وظيفية فإنها لا تؤدي أي غرض,ولا يمكن للانتقاء الطبيعي أن يسري عليها . وبالسؤال عن كيفية نشوء نظام معقد غير قابل للاختزال ,فإننا لا نسأل كيف يمكن أن تتطور الأرانب السريعة من غيرها من الحيوانات الراكضة , بل عن كيفية نمو أرجل الكرنب.

وهكذا يتلخّص دحض ستينجر لجدل بيها حول التعقيد غير القابل للاختزال ,لكي يؤكد أن الأجزاء المكونة للأنظمة البيولوجية التي يوضح بها بيها قضيته ,تخدم أغراضاً لا تختص بذلك (يقدم فرانسيس كولينز نفس التفسير في The language of God)[19].فإذا كانت كل الأجزاء موجودة بالفعل في الكائن الحي ,فكل ما عليها فعله هو أن تتحد معاً لخلق كيان جديد عامل .فهل يمكن للأنظمة المعقدة غير القابلة للاختزال – مثل النظام الذي يدفع السوط البكتيري ,ذا المحرك الخارجي , متعدد المكونات ,كيمائي الوقود ,-هل يمكن أن ينشأ عشوائياً؟!

ليس هذا جدلاً على الإطلاق ! يبدو أن ستينجر لم يشترِ أبداً شقة معبأة بالأثاث. يمكنني أن أؤكد له عن اختبار شخصي أن وجود كل المكونات معاً في مكان واحد وتحريكها عشوائياً ممن غير المرجح على الإطلاق أن يجمع أو يركب أي شيء يمكن أن يعمل .فكل مكوّن معبأ مهيأ بالفعل خصيصاً لكي يناسب “التصميم الكبير”, ولكن لا يزال الأمر يتطلب أدوات وتعليمات ذكاء لتجميع هذه القطع لتصل إلى كيان عامل .وتذكّر أن الانتقاء الطبيعي لا يمكنه أن يصلح ,لأنه لا يسري إلا على نظام عامل بالفعل.

أو فكّر في ذلك .قام السير فريد هويل ,عالم الفيزياء الفلكية, بربط فرص نشوء الحياة بشكل عشوائي( من السلائف الجزيئية الموجودة)باحتمالية أن تقوم زوبعة في ساحة للخردة بتجميع طائرة بوينج 747[20].كان جدله هذا سهلاً للغاية ,لكن دعوني على الأقل استعير هذا القياس . حتى لو كانت كل المكونات موجودة ولكنها كانت منشغلة بالقيان بأدوار مختلفة ,فإن احتمالية أن يتم تجميع وتركيب نظام بيولوجي معقد غير قابل للاختزال بشكل عشوائي ,يمكن مقارنتها بفرصة نجاح الزوبعة في تركيب طائرة بوينج 747. كل قطع المكونات موجودة بالفعل ,لكن الأمر يتطلب شيئاً أكثر ذكاءً من الزوبعة لكي يتم تجميع هذه القطع معاً بشكل سليم . وإذا لم تنطوِ هذه العملية التجميعية على غاية أو هدف, فلماذا تحدث على الإطلاق؟

يؤكد د. ستينجر أن تجميع الأنظمة البيولوجية المعقدة لنفسها هو أمر شائع – ثم يقوم بعد ذلك بهدم قضيته بأن يذكر ,كدليله الوحيد , الأنماط المتكررة الموجودة بكثرة في الطبيعة أو التي تولدها أجهزة الكمبيوتر .يعتمد الأمر بالطبع على ما تعنيه بكلمة”معقد” ,لكني أعتقد أن معظم الناس يتفقون على أن الأنماط المتكررة هي شيء بسيط , وليس معقداً – لأن مثل هذه الأنماط يمكن إنتاجها بتطبيق قواني بسيطة . فيمكنني أن أوجّه جهاز الكمبيوتر لكي يكرر, بعدد لا حصر له ,الثلاثة حروف الأبجدية الأولى ,وسيقوم بكل بساطة بإنتاج نموذج متكرر لطيف على الشاشة ,ولا يحتاج الأمر إلا إلى ابسط التعليمات لتحقيق ذلك. لكني إذا طلبت من الكمبيوتر أن ينهي هذا الفصل نيابة عني , بينما أقول أنا بتناول الغداء , فستكون تلك المهمة شديدة التعقيد للغاية حتى يتعامل معها .فجوهر التعقيد لا يكمن في الأنماط والنماذج المتكررة , بل في الطريقة التي ينحرف بها النظام عن مثل هذه النماذج .لنأخذ مثالاً آخر , الموجات الكهربائية البسيطة هي أنماط متكررة من الصعود والهبوط والتي يمكن نقلها كموجات الراديو .لكني إذا أردت تلك الإشارة الإذاعية أن تحمل معلومات معقدة-أغنية مثلاً-فلا بدّ أن أعدّل أو أحرّف تلك الموجات بطريقة معقدة غير متكررة .بمعنى أن المعلومات يمكن فقط إرسالها باستخدام تلك الموجات بواسطة أن يتم فرض , على تلك البساطة , سلسلة شديدة التعقيد من الانخفاضات والتغييرات التي تشفّر صوت الموسيقى.

ملحوظة أخيرة , ألا تتناقض فكرة د.ستينجر ,بأن البساطة تلد التعقيد ,ألا تتناقض تماماً مع جدل ريتشارد داوكينز بأن الله إذ خلق كوناً شديد التعقيد, لا بدّ وأن  يكون هو أكثر تعقيداً منه , وبالتالي يكون وجوده أكثر استحالة (انظر الفصل 1)؟ أما بحسب ستينجر فإن الإله البسيط (وبذلك ذو احتمالية عالية) يمكنه أن يخلق عالماً معقداً .لكن على أية حال ,لم يكن التوافق والاتساق هدفاً أساسياً من أهداف الإلحاد!

 

مغالطات كثيرة

على الرغم من أننا بالكاد في منتصف عرض ستينجر , فإننا نحتاج أن نتركه عند هذه النقطة في الوقت الحالي .

المراجع كما وردت في الكتاب.

 

[1]Stenger ,God the failed hypothesis

[2] كالمرجع السابق,ص.28

[3]ألبرت اينشتاين بحسب شهادة الأمير هامبرتس من لوينستين ؛كما تم الاقتباس بواسطة رونالد دبليو كلارك, Einstein :The Life and Times (World Publishing company ,New York,19710,p.425)

[4] Martin Rees ,interviewed in the Sunday Times (London),18 Dec.2005

[5] Stenger ,God the failed hypothesis,p.13

[6]كالمرجع السابق ,ص.16

[7]كالمرجع السابق ,ص.29

[8] Johannes Kepler, Gesammelte Werke,ed.Max Caspar (Munich:C.H. Beck ,1937-38),vol.6,p,223

[9]يوحنا 24:4

[10]غلاطية 22:5-23

[11] Stenger ,God the failed hypothesis,p.28

[12]رومية 5:5

[13] Stenger ,God the failed hypothesis,pp.51-52

[14]Edgar Andrews, From nothing to nature (Evangelical Press, Darlington,1978),p.51

[15] Didier De Fontaine, “Flat worlds :today and in antiquity “.Memorie della Societa Astronomica italiana, special issue (2002) 1(3):257-62

[16]Anaximander, Fairbanks(editor and translator), Arthur, “Fragments and commentary “,The Hanover Historical Texts Project, http://history.hanover.edutextspresocanaximan.htm(plut.,strom.2,Dox.579)

[17] Aristotle,De caelo,297b31-298a10

[18]The venerable Bede ,De temorum ratione,32

[19]Francis Collins, The language of God (Simon&Schuster,London,2007),p.192

[20]Fred Hoyle, The intelligent Universe (Michael Joseph ,London ,1983),pp.18-19

Exit mobile version