الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

“العلم بلا دين أعرج، والدين بلا علم أعمى”

“ألبرت أينشتاين” Albert Einstein

 

حقائق “مزعجة”

كان العام 1916 ولم يكن “ألبرت أينشتاين” Albert Einstein  سعيداً بما قادته إليه حساباته. لأنه إن كانت نظريته في النسبية العامة General Relativity  صحيحية، فهي تعني أن الكون ليس أزليًا بل له بداية. وكانت حسابات “أينشتاين” تكشف فعليًا بداية محددة للزمن كله، وللمادة كلها، وللفضاء كله. وهو ما ضرب بعرض الحائط اعتقاده في استاتيكية (أي ثبات) الكون وأزليته.

وقد وصف “أينشتاين” اكتشافه فيما بعد بالاكتشاف “المزعج”، لأنه أراد للكون أن يكون ذاتي الوجود – لا يعتمد على أي مسبب خارجي – ولكن ظهر أن الكون هو أثر عملاق. والحقيقة أن “أينشتاين” ضاق جدًا بتداعيات النسبية العامة، وهى نظرية ثبتت دقتها بدرجة لخمسة أرقام عشرية (واحد من مائة الف)، حتى إنه أدخل ثابتًا كونيًا (أطلق عليه البعض من ذلك الحين “مُعامِل التصحيح” “fudge factor”) في معادلاته ليبيَن أن الكون استاتيكيًا

 وليتجنب فكرة البداية المحددة.

إلا أن معامل تصحيح “أينشتاين” لم يصحِّح طويلاً. ففي عام 1919 أجرى عالم الكون البريطاني “آرثر إدينتون” Arthur Eddington تجربة أثناء كسوف شمسي أكدت فعليًا صحة النسبية العامة، فالكون ليس استاتيكيًا بل له بداية. ولم يسعد “إدينتون” كما لم يسعد “أينشتاين” بالتداعيات. فقد كتب فيما بعد: “من الناحية الفلسفية، أرى أن وجود بداية لنظام الطبيعة الحالي فكرة مُنَفِّرة لي شخصيًا… أتمنى أن أعثر على ثغرة حقيقية”!

وفي سنة 1922 أثبت عالم الرياضيات الروسي “ألكسندر فريدمَن” Alexander Friedman  رسميًا أن معامل تصحيح “أينشتاين” خاطىء وفقًا لقواعد علم الجبر. (الغريب أن “أينشتاين” بكل نبوغه، في محاولاته للهروب من البداية’ قَسَمَ على صفر، وهو ما يعرف حتى تلاميذ المدارس أنه لا يجوز مطلقًا!) وفي الوقت نفسه اكتشف عالِم الفَلَك الهولندي “فيلِم دي سيتَر” Willem de Sitter  أن النسبية العامة تستلزم تمدد الكون. وسنة 1927 لاحظ عالم الفلك “إدوين هَبِل” Edwin Hubble  (الذي سُمِّي التلسكوب الفلكي “هَبِل” باسمه) تمدُّد الكون فعليًا.

فعندما نظر “هَبِل” من التلسكوب البالغ قطره 254 سنتيمترًا الكائن في “مرصد ماونت ويلسون” Mount Wilson Observatory بولاية كاليفورنيا، اكتشف “انزياحًا نحو الأحمر” “red shifty”  في الضوء في كل المجرات التي يمكن ملاحظتها، مما يعني أن تلك المجرات تتحرك بعيدًا عنا. أي أن النسبية العامة تأكَّدت مرة أخرى، ويبدو أن الكون يتمدد من نقطة معينة في الماضي السحيق.[1]

وسنة 1929 شدَّ “أينشتاين” الرِّحال إلى “ماونت ويلسون” لينظر في تلسكوب “هَبِل” بنفسه. وما رآه كان شيئًا لا يقبل الجدل. فالدليل المبني على الملاحظة بيَّن أن الكون يتمدَّد فعلاً كما تنبأَّتْ النسبية العامة.

والآن بعد أن انسحق ثابته الكون نهائيًا تحت وطأة الدليل المضاد، لم يتمكن “اينشتاين” منذ تلك اللحظة أن يدعم أمله في أزلية الكون. ومن ثم، وَصَفَ الثابت الكوني بأنه “أكبر خطأ محرج في حياتي”، وأعاد توجيه جهوده نحو العثور على سطح علبة لغز الحياة. وقال “أينشتاين” إني أريد “أن أعرف كيف خَلَقَ الله العالم. ولا تهمني هذه الظاهرة أو تلك، ولستُ مهتمًا بمدى هذا العنصر أو ذاك. ولكني أريد أن أعرف فِكرَه، أما الباقي تفاصيل”.

ورغم أن “أينشتاين” قال إنه يؤمن بوحدة الوجود (الله والكون واحد)، فتعليقاته التي يعترف فيها بالخلق والفكر الإلهي هي أقرب للإيمان بالإله الخالق الحافظ. ورغم ما تسببه نظريته في النسبية العامة من “إزعاج”، فهي تقف اليوم بوصفها من أقوى الأدلة على وجود إله خالق حافظ. والحقيقة أن النسبية العامة تؤيد واحدة من أقدم الحجج الرسمية على وجود الإله الخالق الحافظ، ألا وهي الحجة الكونية.

الحجة الكونية: بدايةُ نهايةِ الإلحاد

لا تخف من هذا الاسم الاصطلاحي: فكلمة “كوني” “cosmological” مشتقة من الكلمة اليونانية cosmos التي تعني “العالم” أو “الكون”. أي أن الحجة الكونية Argument  Cosmological  هي الحجة المبنية على بداية الكون. فإن كان للكون بداية، إذَن للكون مسبب. وفي القالب المنطقي تظهر الحجة هكذا:

  • كل ما لديه بداية له مسبِّب.
  • الكون له بداية.
  • إذَن الكون له مسبَّب.

وكما بينَّنا في الفصل السابق، لكي تكون الحجة صحيحة، لا بد أن تكون مقبولة منطقيًا، ولا بد أن تكون فرضياتها صحيحة. هذه الحجة مقبولة منطقيًا، ولكن هل المقدمات صحيحة؟ فلنلقِ نظرة على فرضياتها.

فرضية 1: كل ما له بداية له مسبَّب. هذا هو قانون السببية الذي يمثِّل المبدأ الأساسي للعلم. فلولا قانون السببية، لكان العلم مستحيلاً. وقد قال “فرانسيس بيكون” Francis Bacon (أبو العلم الحديث): ” المعرفة الحقيقية هي معرفة المسبِّبات. أي أن العلم هو بحث عن المسببات. وهذا ما يفعله العلماء؛ يحاولون أن يكتشفوا مسببات الأشياء.

وإن كنا قد لاحظنا أي شيء عن الكون، فما لاحظناه هو أن الأشياء لا تحدث بلا مسبب. فعندما يقود رَجُل سيارته في الطريق لا يمكن أن تظهر أمامه سيارة من مكان لا وجود له، بلا سائق، أو بلا مسبب. صحيح نحن نعلم أن الكثيرين من رجال الشرطة يسمعون ذلك، ولكنه ليس صحيحًا. فدائمًا ما يكون هناك سائق أو أي مسبب آخر وراء تلك السيارة التي ظهرت.

وحتى المتشكك العظيم “ديفيد هيوم” لم يقدر أن يذكر قانون السببية. وقد كتب: “لم أؤكد مطلقًا هذه الفرضية شديدة السخافة: أن شيئًا يمكن أن يحدث دون مسبب”.

والحقيقة أن إنكار قانون السببية يعني إنكار العقلانية، لأن عملية التفكير العقلاني نفسها تتطلب منا أن نجمع معًا الأفكار (المسببات) التي تؤدي إلى النتائج (الآثار). فإن قال لك أحد إنه لا يؤمن بقانون السببية، تسأله: “ما السبب الذي وصل بك إلى هذه النتيجة؟”

وبما أن قانون السببية ثابت ومؤكَّد ولا يمكن إنكاره، إذَن الفرضية رقم 1 صحيحة. ماذا عن الفرضية رقم 2؟ هل للكون بداية؟ إن لم يكن كذلك، إذَن لا حاجة لمسبِّب. ولكن إن كان كذلك، إذَن لا بد أن يكون للكون مسبب.

حتى زمن “أينشتاين” تقريبًا، كان الملحدون مستكينين للاعتقاد بأن الكون أزلي، ومن ثم لا يحتاج لمسبب. ولكن منذ ذلك الحين، اكتُشِفَت خمسة فروع من الأدلة العلمية تُثْبِت بما لا يقبل الشك المنطقي أن الكون له بداية بالفعل. وتلك البداية هي ما يُطلِق عليه العلماء حاليًا “الانفجار الكبير”  “The Big Bang”. وأدلة الأنفجار الكبير يمكن تذكرها بسهولة بكلمة SURGE.[2]

في البدء كان الإنفجار الكبير

كل عدة سنوات أو نحو ذلك، تنشر كبرى المجلات الإخبارية، مثل مجلة “تايم” “Time”  ومجلة “نيوزويك” “Newsweek”  وغيرهما، موضوع غلاف عن أصل الكون ومصيره. ومن الأسئلة التي تبحثها هذه المقالات: “متى بدأ الكون؟” “ومتى سينتهي؟” ولكن فكرة أن الكون له بداية وأنه سيموت في النهاية لا تُطرح للمناقشة في هذه الموضوعات. لماذا؟ لأن العلماء اليوم يعلمون أنه لا بد من وجود بداية ونهاية للكون بناءً على واحد من أكثر القوانين الطبيعية المؤكَّدة ألا وهو القانون الثاني في الديناميكا الحرارية.

القانون الثاني في الديناميكا الحرارية (S)

القانون الثاني في الديناميكا الحرارية Second Law of Thermodynamics هو ما سنشير إليه بحرف S في كلمة SURGE. والديناميكا الحرارية هي العلم الذي يدرس المادة والطاقة، ومن الأشياء التي ينص عليها القانون الثاني أن الكون يفقد الطاقة القابلة للاستخدام. فكل لحظة يتناقص مقدار الطاقة القابلة للاستخدام في الكون، مما يؤدي بالعلماء إلى النتيجة الواضحة من أنه يومًا ما كل الطاقة ستنفذ والكون سيموت. فالكون مثل السيارة المنطلقة على الطريق، لا بد أن تفرغ من البنزين.

تقول: “وَلَوْ! كيف يُثْبِت ذلك بداية الكون؟” لتنظر إلى الأمر هكذا: القانون الأول في الديناميكا الحرارية يقول إن أجمالي كمية الطاقة في الكون ثابت.[3] أي أن الكون لا يملك إلا مقدارًا محددًا من الطاقة (مثل سيارتك التي لا تملك إلا مقدارًا محدودًا من الوقود). والآن، إن كانت سيارتك بها مقدار محدود من الوقود (القانون الأول)، وكلما تسير تستهلك الوقود باستمرار (القانون الثاني)، فهل يمكن لسيارتك أن تتحرك الآن لو كنت قد أدرتها منذ الأزل؟ لا، بالطبع لا.

كان وقودها سينتهي. وهكذا لو كان الكون يعمل منذ الأزل، لكان الآن قد فقد كل طاقته. ولكنه مازال يعمل. إذَن لا بد أنه بدأ في وقت ما في الماضي المحدود. أي أن الكون ليس أزليًا، ولكن له بداية.

يمكنك أيضًا أن تتخيل الكون مثل كشاف كهربائي. إن تركت الكشاف الكهربائي مضاء طوال الليل، فكيف ستكون قوة الضوء في الصباح؟ سيكون خافتًا لأن البطاريات استهلكت معظم طاقتها. إن الكون مثل كشاف كهربائي يخفت ضوءه. وهو لا يملك إلا قدرًا محدَّدًا من الطاقة المتبقية المتاحة للاستهلاك. ولكن بما أن بطارية الكون مازال فيها قدر من الطاقة (لم تَمُتْ تمامًا)، إذَن يستحيل أن يكون أزليًا. بل لابد أن له بداية لأنه لو كان أزليًا لكانت البطارية قد فرغت تمامًا من الطاقة.

ويُعرف القانون الثاني أيضًا باسم قانون الإنثروبي Law of Entropy وهو عبارة عن طريقة معقَّدة للتعبير عن ميل الطبيعة لإشاعة حالة من الفوضى. أي أن الأشياء تتهالك بمرور الزمن. فسيارتك تتهالك، وبيتك يتهالك، وجسمك يتهالك. (الحقيقة أن القانون الثاني هو السبب في أننا عندما نشيخ نمشي على ثلاثة بعد أن كنا نمشي على اثنتين!) ولكن إن كان النظام يقل في الكون، فمِن أين أتى النظام الأصلي؟ عالم الفلك “روبرت جاسترو” Robert Jastrow يُشَبِّه الكون بساعة تُدار يدويًا. إن كانت هذه الساعة تعمل، لا بد أن شخصًا أدارها.

وهذا الجانب أيضًا في القانون الثاني يعَرِّفنا أن الكون له بداية. فبما أنه ما زال شيء من النظام متبقيًا عندنا، تمامًا كما أنه عندنا قدر من الطاقة القابلة للاستخدام، إذَن لا يمكن أن يكون الكون أزليًا، لأنه إن كان كذلك لكُّنا الآن قد وصلنا إلى فوضى كاملة (إنتروبي).

منذ عدة سنوات، دعاني (“أنا نورم”) أحد الطلاب الذين يشاركون في خدمة مسيحية في إحدى جامعات رابطة أيفي ليج Ivy League لأتحدث هناك عن موضوع مشابه. وفي المحاضرة التي قدمتها للطلاب كان موضوعي الأساسي ما كتبناه هنا، ولكن بمزيد من التفاصيل الكثيرة. وبعد المحاضرة طلب مني الطالب الذي دعاني أن أتناول الغداء معه ومع الأستاذ الذي يُدَرِّسه الفيزياء.

وعندما جلسنا للأكل، أوضح الأستاذ أنه متشكك في حجتي التي مفادها أن القانون الثاني يستلزم بداية للكون. وقال إنه يؤمن بالفلسفة المادية التي تقول إنه لا يوجد إلا المادة، وإنها موجودة منذ الأزل.

فسألته: “إن كانت المادة أزلية، فماذا تفعل بالقانون الثاني؟”

أجاب: “لكل قاعدة استثناء. وهذا هو استثنائي”.

كان يمكنني أن أسأله إن كان هذا الافتراض علميًا. فهذا الكلام ليس علميًا، بل قد يكون متناقضًا ويفند نفسه. فهو يفند نفسه إن سالت: “هل القاعدة التي تقول “لكل قاعدة استثناء” لها استثناءات؟” إن كان لها إي استثناء، فقد يكون القانون الثاني استثناء من القانون الذي يقول إن كل قاعدة لها استثناءات.

ولكني لم أتخذ هذا النهج لأني لم أُرِدْ أن أحرجه. ولكني وضعت القانون الثاني جانبًا بشكل مؤقت وقررت أن أسأله عن المادية.

فسالته: “إن كانت كل الأشياء مادية، إذَن ما هي النظرية العلمية؟ فمهما كان، النظريات عن كل الأشياء المادية ليست مادية، فالنظرية لا تتكون من جزيئات”.

ودون أن يتردد لحظة واحدة، أجاب بِرَدّ عبقري قائلاً: “النظرية سِحْر”.

فكررت ما قال لأني لم أصدق أذني: “سحر؟ على أي أساس تقول ذلك؟”

فأجاب مسرعًا: “الإيمان”.

ففكرت في نفسي: “الإيمان بالسحر؟ لست أصدق أذني! إن كان الإيمان بالسحر أفضل ما يمكن لدعاة الفلسفة المادية تقديمه، إذَن لست أملك الإيمان الكافي لاعتناق المادية!”

وعندما استرجعتُ الموقف بدا لي أن هذا الأستاذ عاش لحظة وجيزة من الصدق التام؛ فقد عرف أنه لا يستطيع الرد على الأدلة الكاسحة التي تؤيد القانون الثاني. ولذلك، اعترف أن موقفه لا يقوم على أي دليل أو منطق سليم. وبذلك، قَدَّم مثالاً آخر على رفض الإرادة أن تُصَدِّق ما يقبله العقل باعتباره الحق، وهو أيضًا مثال يبيِّن أن موقف الملحد يقوم على إيمان مَحض.

لقد أصاب الأستاذ في شيء واحد، ألا وهو أن عنده إيمانًا. والحقيقة أنه كان يحتاجُ قفزة إيمانية حتى يتجاهل إراديًا أكثر القوانين المؤكَّدة في الطبيعة برمتها. وقد وصف “آرثر إدينتون” القانون الثاني منذ أكثر من ثمانين عامًا قائلاً:

القانون الذي يقول بزيادة الأنتروبي، وهو القانون الثاني في الديناميكا الحرارية، أظن أنه يحتل المكانة العليا بين قوانين الطبيعة. فإن أخبرك أحدهم أن نظريتك المفضلة عن الكون تتعارض مع معادلات “ماكسويل” Maxwell، يمكن ان تُنَّحي معادلات “ماكسويل” جانبًا.

وإن وُجدَت متعارضة مع الملاحظة، لا يهم، فالتجارب أحيانًا ما تفسد الأمور. ولكن أن وُجِدَت نظريتك متعارضة مع القانون الثاني في الديناميكا الحرارية فلا أستطيع أن أعطيك أي أمل، لأنه ليس أمامها إلا أن تهوي إلى أعماق الخزي.

وبما أني أدركت أن البرفسور لم يكن مهتمًا بقبول الحق، لم أسأله أي أسئلة أخرى محرجة. ولكن لأننا لم نتمكن من تجاهل تأثير القانون الثاني على أجسامنا، “طَلَب كلانا الحلوى بعد الغداء. ولم يُرِدْ أي منا أن ينكر أننا نحتاج أن نعوض الطاقة التي فقدناها لتونا!

تمدد الكون (U) The Universe Is Expanding

إن النظريات العلمية الجيدة هي التي تستطيع أن تتنبأ بالظواهر التي لم تخضع للملاحظة بعد. فكما رأينا النسبية العامة تنبأت بأن الكون يتمدد. ولكن العلماء لم يؤكدوا أن الكون يتمدد وأنه يتمدد من نقطة واحدة إلا بعد أكثر من عشر سنوات عندما نظر أسطورة علم الفلك “إدوين هَبِل” في تلسكوبه. (منذ عام 1913 كان عالم الفلك “فستو ملفين سليفَر” Festo Melvin Slipher  على وشك أن يكتشف تمدد الكون، ولكن “هَبِل” هو من وَضَع أجزاء الصورة معًا حتى اكتملت في أواخر العشرينيات). وهذا الكون المتمدد هو الفرع الثاني من الأدلة العلمية على بداية الكون.

كيف يُثْبِت تمدُّد الكون أن له بداية؟ فكِّر فيها هكذا: تَخيَّل أننا نشاهد تسجيلاً بالفيديو لتاريخ الكون ولكن بالعكس، سنرى أن كل مادة الكون تنهار حتى تصل إلى نقطة، ليست في حجم كرة السلة، ولا في حجم كرة الجولف، ولا حتى في حجم رأس الدبوس، ولكنها رياضيًا ومنطقيًا نقطة عبارة عن لا شيء (لا مكان، ولا زمان، ولا مادة). أي أنه كان هناك عدم ثم، انفجار، صار هناك شيء، انفجر الكون كله إلى الوجود! وهو ما شاعت تسميته طبعًا باسم “الانفجار الكبير”.

ومهم أن نفهم أن الكون لا يتمدد في فضاء فارغ، ولكن الفضاء نفسه يتمدد، فلم يكن هناك فضاء قبل الانفجار الكبير. ومهم أيضًا أن نفهم أن الكون لم ينبثق من مادة موجودة، ولكن من لا شيء، فقبل الانفجار الكبير لم يكن هناك مادة. بل الحقيقة أنه من الناحية الزمنية لم يكن هناك “قبل” الانفجار الكبير لأنه بدون الزمن ليس هناك “قبل”، ولم يكن هناك زمن حتى حدوث الانفجار الكبير.[4]

وهذه الحقائق تسبِّب الكثير من الاضطراب للملحدين، كما حدث في ليلة مطيرة في ولاية جورجيا من شهر نيسان/أبريل سنة 1998. في تلك الليلة حضرتُ (أنا “فرانك”) مناظرة في مدينة “أتلانتا” حول سؤال: “هلِ الله موجود؟” وقد اتخذ “وليم لين كريج” William Lane Craig المؤقف المؤيّد، واتخذ “بيترآتكينز” Peter Atkins الموقف المعارض.

وكانت المناظرة حيوية جدًا، بل فكاهية أحيانًا، وهو ما كان يرجع جزئيًا لحَكَم المناظرة “وليم ف. بَكلي” الابن Jr. William F. Buckley (لم يُخفِ “بَكلي” انحيازه لموقف “كريج” المؤيِّد لله، فبعد أن قدَّم “كريج” ومؤهلاته المبهرة، بدأ تقديم “آتكينز” بتعبير فكاهي، فقال: “ومعنا الدكتور “بيتر آتكينز” في صف الشيطان!”).

وكانت الحجة الكونية واحدة من الحجج الخمس التي طرحها “كريج” لإثبات وجودِ الله مؤيَّدةً بدليل الانفجار الكبير الذي تناولناه هنا. وقد أشار إلى أن الكون: كل الزمان، وكل المادة، وكل المكان انفجر من لا شيء، وهي حقيقة اعترف بها “آتكينز” في كتابه وأكدها ثانية فيما بعد تلك المناظرة.

بما أن “كريج” تحدَّث أولاً فقد أخبر الحضور عن محاولة “آتكينز” أن يفسر الكون من منظور إلحادي قائلاً: “يبذل الدكتور “آتكينز” قصارى جهده في كتابه “مراجعة الخليقة” The Creation Revisited ليفسِّر كيفية ظهور الكون إلى الوجود، بلا مسبب ومن العدم. ولكنه في النهاية يجد نفسه وقد سقط في التناقض. فهو ]يكتب[: “والآن نعود بالزمن إلى ما قبل لحظة الخلق عندما لم يكن هناك زمان، وحيث لم يكن هناك مكان”. وفي هذا الزمان الذي قبل الزمان يتخيل ترابًا من النقاط الرياضية التي تتحرك في دوامات وتتصل مرارًا وتكرارًا وأخيرًا عن طريق المحاولة والخطأ تشكل كوننا بزمانه ومكانه.

ثم أشار “كريج” إلى أن موقف “آتكينز” ليس نظرية علمية ولكنه في الواقع ميتافيزيقا شعبية متناقضة. وهو ميتافيزيقا شعبية لأنها تفسير مُفَبرَك، فليس هناك دليل علمي على الإطلاق يؤيده. وهو متناقض لأنه يفترض الزمان والمكان قبل أن يكون هناك زمان ومكان.

وحيث أن “كريج” لم يحصل على فرصة ليتحاور مع “آتكينز” مباشرةً حول هذه النقطة وقفت أنا وكذلك “رافي زكراياس” في صف الأسئلة قرب نهاية المناظرة لنسأل “آتكينز” عن موقفه. ولكن للأسف الوقت انتهى قبل أن يتمكن أيٌّ منا من طرح سؤاله. لذلك ذهبنا إلى “آتكينز” على انفراد بعد المناظرة.

وبدأ “رافي” الحديث قائلاً: “دكتور “آتكينز”، إنك تعترف أن الكون انفجر من لا شيء، ولكن تفسيرك لبدايته يتلاعب بمعنى “اللاشيء”. وذلك لأن النقاط الرياضية التي تتحرك في دوامات ليست لا شيء. ولكنها شيء. كيف تبرر ذلك؟”

وبدلاً من أن يرد “آتكينز” على هذه القضية استسلم حرفيًا للقانون الثاني من الديناميكا الحرارية، وقال: “الحقيقة أنا متعَب جدًا ولا يمكنني أن أجيب عن المزيد من الأسئلة الآن”.

أي أن انخفاض طاقته أثبت أن القانون الثاني سارٍ. والحقيقة ان “آتكينز” لم يكن لديه فعليًا أي شيء يقوله.

وفقاً للأدلة الكونية الحديثة، لم يكن هناك فعليًا أي شيْ انبثق منه الكون. ولكن عندما حاول “آتكينز” أن يقدم تفسيرًا إلحاديًا لذلك لم يبدأ باللاشيء، بل بنقاط رياضية وزمان. وبالطبع لا يستطيع المرء على أي حال أن يتخيل كيف يمكن لمجرد نقاط رياضية وزمان أن يُسَبِّبا الكون. إلا أننا أردنا أن نؤكد أن الملحدين أمثال “آتكينز” عليهم أن يجدوا طريقة ليفسروا كيفية بدء الكون من لا شيء أصلاً.

ما هو اللاشيء؟ قدَّم أرسطو تعريفًا جيدًا حين قال: اللاشيء هو ما تحلم به الصخور! إن اللاشيء الذي نشأ منه الكون ليس “نقاطًا رياضية” كما يرجح “آتكينز”، ولا “طاقة إيجابية وسلبية” كما كتب ذات مرة إسحاق أزيموف” Isaac Asimov ، وهو أيضًا ملحد. اللاشيء هو حرفيًا لا شيء، إنه ما تحلم به الصخور.

وقد وصف الكاتب البريطاني “أنتوني كني”  Anthony Kenny بأمانة المأزق الذي يجد نفسه فيه بصفته ملحدًا في ضوء الأدلة على الانفجار الكبير. فكتب: “وفقًا لنظرية الانفجار الكبير، كل مادة الكون ظهرت في الوجود في وقت معين في الماضي السحيق. ومؤيد هذه النظرية، على الأقل إن كان ملحدًا، لا بد أن يؤمن أن مادة الكون أتت من لا شيء وبواسطة لا شيء”.

الإشعاع المنبعث من الانفجار الكبير (R ) Radiation from the Big Bang

الفرع الثالث من الأدلة العلمية على أن للكون بداية اكتُشِفَ بالصدفة سنة 1965. وكان ذلك عندما التقط كلٌّ من “آرنو بنزياس” Arno Penzias وزميله “روبرت ويلسون” Robert Wilson  إشعاعًا غريبًا على هوائي “مَعامل بل” Bell Labs” في “هولمدل” Holmdel بولاية نيو جيرسي. وحتى عندما أدارا الهوائي في كل الاتجاهات ظل هذا الإشعاع الغامض موجودًا. وفي البداية ظنًا أنه يمكن أن يكون نتيجة تراكم فضلات الحمام المعشش من شاطيء نيو جيرسي على الهوائي. فطلبا إبعاد الحمام وإزالة فضلاته. ولكنهما عندما دخلا ثانية وجدا أن الإشعاع ظل باقيًا، وظل يأتي من كل الاتجاهات.

وما رصده “بنزياس” وزميله “ويلسون” أصبح من أكثر الاكتشافات المدهشة في القرن الماضي، حتى إنه كان سببًا في فوزهما بجائزة نوبل. لقد اكتشف عالِما “مَعامل بل” الشعاع التابع لانفجار كرة النار الكبير!.

وهذا الشعاع التابع للانفجار الذي يُعرف اصطلاحًا باسم إشعاع الخلفية الكونية cosmic background radiation هو فعليًا عبارة عن ضوء وحرارة من الانفجار الأصلي. إلا أن هذا الضوء لم يعُد منظورًا لأن طوله الموجي تَمَدَّد بفعل التمدُّد الكوني حتى وصل إلى أطوال موجية أقصر قليلاً من الموجات الصادرة من فرن الميكروويف. ولكننا مازلنا قادرين على رصد الحرارة المنبعثة.

ومنذ سنة 1948 تنبأ ثلاثة علماء أن الانفجار الكبير، إن كان حقيقيًا، فلا بد أن يوجد إشعاع كهذا. ولكن لسببٍ ما، لم يحاول أحد ان يرصده قبل أن يتعثر فيه “بنزياس” وزميله “ويلسون” بالصدفة بعد ما يقرب من عشرين عامًا. وعندما تأكد الاكتشاف أسكت كل الاقتراحات التي تُلِحّ على أن يكون في حالة أزلية ثابتة. وهو ما عَبَّرَ عنه عالم الفلك اللاأدري “روبرت جاسترو” بهذه الكلمات:

لم يُكتَشَف لإشعاع كرة النار إلا الانفجار الكبير. والفيصل الذي أقنع تقريبًا آخر توما شكاك هو أن الإشعاع الذي اكتشفه “بنزياس” و”ويلسون” له نفس نمط الأطوال الموجية المتوقَّعة للضوء والحرارة الناتجين عن انفجار ضخم. وقد حاول مؤيدو نظرية الحالة الثابتة steady state theory  محاولات مستميتة أن يجدوا تفسيرًا بديلاً. ولكنهم فشلوا. وفي الوقت الحالي، نظرية الانفجار الكبير تقف بلا منافس.

والواقع أن اكتشاف إشعاع كرة النار أحرق أي أمل في الحالة الثابتة. إلا أنه لم يكن آخِر الاكتشافات. وفيما يلي مزيد من أدلة الانفجار الكبير. والحقيقة أنه لو كان عِلم الكون مبارة كرة قدم أمريكية، لَطُلِب من المؤمنين بالانفجار الكبير أن “يقفزوا” فوق لاعبي الفريق المنافس مع ظهور هذا الاكتشاف التالي.

بذور المجرة العظيمة (G) Great Galaxy Seeds

بعد اكتشاف تمدُّد الكون الذي تنبأت به النظريات، والإشعاع التابع للانفجار الكبير، وَجَّهَ العلماء انتباههم لتنبوء آخر من شأنه تأكيد الانفجار الكبير. فإن كان الانفجار الكبير قد حدث بالفعل، رأى العلماء أنه لابد أن نرى تنوعات طفيفة (أو حركات موجية دائرية صغيرة) في درجة حرارة الإشعاع الخلفي الكوني الذي اكتشفه “بنزياس” و”ويلسون”. وهذه الحركات الموجية الدائرية من درجة الحرارة مَكَّنَت المادة من التجمع بفعل الجاذبية في هيئة مجرات. وإن وُجِدَت، ستُشَكِّل الفرع الرابع من الأدلة العلمية على بداية الكون.

وسنة 1989 تَكَثَّف البحث عن هذه الحركات الموجية عندما أطلقت ناسا القمر الصناعي الذي تعادل قيمته 200 مليون دولار، والذي اختير له اسم مناسب جدًا هو “مستكشف الخلفية الكونية” Cosmic Background Explorer  واختصاره “كوب” COBE. وقد تَمَّكَن “كوب” بما حمله من أجهزة شديدة الحساسية أن يرى ما إذا كانت هذه الحركات الموجية الدائرية الصغيرة موجودة بالفعل في الإشعاع الخلفي ومدى دقتها.

وعندما أعلن عالم الفلك “جورج سموت” George Smoot، قائد المشروع، نتائجَ “كوب” سنة 1992 نشرت صحف العالم وصفَه الصادم. فقد قال: “إن كنتَ متدينًا، فالأمر يشبه النظر إلى الله”. ولم يكن “مايكل ترنر” Michael Turner عالم الفيزياء الفلكية بجامعة شيكاغو أقل حماسًا، إذ زعم قائلاً: “إن قيمة هذا ]الاكتشاف[ أعظم من أن توصف.

لقد وجدوا قدس أقداس الكونيات”. وقد اتفق معهما أيضًا “ستيفن هوكينج” عالم الفلك بجامعة  كامبريدج، ووصف النتائج بأنها “أهم اكتشاف في القرن، إن لم يكن في التاريخ كله”. فما الذي اكتشفه “كوب” حتى يستحق كل هذه الأوصاف الرنانة؟

إن “كوب” لم يجد الحركات الموجية الدائرية فحسب، ولكن العلماء ذُهِلوا من دقتها. فالحركات الموجية تُبَيِّن أن انفجار الكون وتمدُّده ضُبِطَا بدقة تتيح إنتاج المادة بكمية تكفي لتَجَمُّعها معًا بما يسمح بتكوين المجرات، ولكنها لا تكفي لتجعل الكون ينهار مرة أخرى على نفسه. ولو حدث تغيير طفيف بأي شكل من الشكال لن يكون أيُّ منَّا حتى يخبر به. وفي الحقيقة الحركات الموجية الدائرية الصغيرة في منتهى الدقة (تصل دقتها إلى جزء من مائة ألف) حتى إن “سموت” أطلق عليها “آثار آلةِ خلق الكون”، ووَصَفَها أيضًا بأنها ” بصمات الخالق”.

ولكن هذه الحركات الموجية الدائرية لدرجة الحرارة ليست مجرد نقط على رسم بياني لأحد العلماء في مكانٍ ما. ولكن “كوب” التقط صورًا تحت الحمراء للحركات الموجية. تَذَكَّر أن ملاحظة الفضاء هي في الواقع ملاحظة للماضي، نظرًا لطول الزمن الذي يستغرقه الضوء القادم من أجسام بعيدة جدًا حتى يصل إلينا. لذا، صور “كوب” هي فعليًا صور من الماضي. أي أن الصور تحت الحمراء التي التقطها “كوب” تشير إلى وجود مادة من الكون الأولي تُشَكِّل في النهاية المجرات والعناقيد المجرِّية.

وقد أطلق “سموت” على هذه المادة “بذور” المجرات كما توجد اليوم (يمكن الاطلاع على هذه الصور على الموقع الإليكتروني للقمر “كوب”: http://imbda.gsfc.nasa.gov)). وهذه “البذور” هي أكبر بِنَى تم رصدها على الإطلاق، وأكبرها يمتد بعرض ثُلث الكون المعروف. وهو ما يعادل 10 مليار سنة ضوئية أو 95 مليار تريليون (95 يتبعها 21 صفر) كيلومتر.

والأن تستطيع أن تفهم سبب الأوصاف المهيبة التي أطلقها بعض العلماء على الاكتشاف. إنه شيء آخر تنبّأت به نظرية الانفجار الكبير، والآن تم اكتشافه، وكان ذلك الشيء عظيم الكِبرَ وشديد الدقة حتى إنه أحدث انفجارًا كبيرًا عند العلماء!

نظرية أينشتاين في النسبية العامة (E) Einstein’s Theory of General Relativity

حرف E  في كلمة SURGE  يشير إلى “أينشتاين” Einstein. وتمثِّل نظريته في النسبية العامة الفرع الخامس في الأدلة العلمية على بداية الكون، وكان اكتشافها بداية النهاية لفكرة أزلية الكون. والنظرية نفسها التي تم التحقُّق من دقتها للرقم العشري الخامس (أي بنسبة واحد من مائة ألف)، تستلزم بداية محددة للزمن، والمكان، والمادة. وهي تبين أن الزمان، والمكان، والمادة ملازِمة لبعضها البعض. أي أنها علاقة تكافيلية، لا يمكن أن يوجد عنصر واحد دون العنصرين الآخَرين.

ومن نظرية النسبية العامة، تنبأ العلماء بتمدد الكون، والشعاع المنبعث عقب الانفجار، وبذور المجرة العظيمة التي ضُبِطَت بدقة تسمح للكون أن يتخد شكله الحالي، ثم اكتشفوا كل هذه الحقائق. أضف هذه الاكتشافات إلى القانون الثاني في الديناميكا الحرارية. وبذلك تتكون لدينا خمسة فروع من الأدلة العلمية القوية على أن الكون له بداية. بداية، إن جاز لنا التعبير، أتت في انفجار كبير أشرنا إلى أدلته بلفظ SURGE.

الله وعلماء الفلك

إذَن الكون له بداية. ماذا يعني ذلك لمسألة وجوِد الله؟ العالِم الذي يشغل حاليًا كرسي “إدوين هَبِل” في “مرصد ماونت ويلسون” يخبرنا ببعض الأمور عن هذا الموضوع. واسمه “روبرت جاسترو”، وهو عالم فلك اقتبسنا من أقواله في هذا الفصل. وهو مدير “مرصد ماونت ويلسون”، ومؤسس “معهد جودار لدراسات الفضاء التابع لناسا” NASA’s Goddard Institute of Space Studies.

ومن الواضح أن مؤهلاته لا تشوبها شائبة. وهو ما جعل لكتابه “الله وعلماء الفلك” God and the Astronomers تأثيرًا كبيرًا على من يبحثون في تداعيات الانفجار الكبير، أي من يطرحون سؤال: “هل الانفجار الكبير يشير إلى الله؟”

ويكشف “جاسترو” في افتتاحية الفصل الول أنه لا يتبنى أي آراء دينية يود إقناع القارئ بها. فهو يقول: “عندما يكتب عالِم فَلَك عنِ الله، يفترض زملاؤه إما أنه شاخ وخَرِف، أو أنه أصيب بالجنون. ولكني أرجو أن يُفْهَم من البداية أني لاأدري في الأمور الدينية”.

في ضوء لاأدرية “جاستو”، تظهر أقواله التي تتعلق بالإيمان بالله الخالق أكثر إثارةً. فبعد أن شرح بعض أدلة الانفجار الكبير التي استعرضناها توًا، كتب: “يمكننا الآن أن نرى أن الأدلة الفلكية تؤدي إلى منظور كتابي[5] لأصل العالم. ورغم اختلاف تفاصيل الرواية الفلكية عن الرواية الكتابية الواردة في سفر التكوين؛ فالعناصر الأساسية في الروايتين واحدة: سلسلة الأحداث التي تؤدي إلى ظهور الإنسان بدأت بداية مفاجئة واضحة في لحظة محدَّدة في الزمن، في ومضة من الضوء والطاقة”.

والأدلة المذهلة على الانفجار الكبير وتوافقها مع الرواية الكتابية في سفر التكوين دفعا “جاسترو” أن يقول في حوار أُجري معه: “يرى علماء الفلك اليوم أنهم وضعوا أنفسهم في مزنق؛ لأنهم أثبتوا بطُرُقِهم العلمية أن العالم بدأ فجأة بفِعْلِ خَلْقٍ يمْكِنك أن تعزي له كل بذور كل نجم، وكل كوكب، وكل كائن حي في هذا الكون وعلى الأرض. وقد وجدوا أن كل هذا حدث نتاجًا لقوى لا يمكنهم حتى أن يحلموا باكتشافها…إني أعتقد أن وجود ما أُطْلِقُ عليه، أنا أو غيري، قوى فوق طبيعية عاملة أصبح الآن حقيقة ثابتة علميًا”.

وإذ يثير “جاسترو” فكرة فوق الطبيعي، يردد الخلاصة التي توصل إليها “آرثر إدينتون” الذي عاصر “أينشتاين”. فكما ذكرنا فيما سبق، أنه رغم أن “إدينتون” وجدها فكرة “منفِّرة”، فقد اعترف أن “البداية يبدو أنها تطرح صعوبات مستعصية إلا إذا اتفقنا أن ننظر إليها بصفتها فوق طبيعية على نحو صريح”.

ولكن لماذا يعترف “جاسترو” وكذلك “إدينتون” بوجود قوى “فوق طبيعية” عاملة؟ ما المانع أن يكون الكون نتاجَ قوى طبيعية؟ لأن هؤلاء العلماء يعلمون، مثلما يعلم أي شخص آخر، أن القوى الطبيعية، بل الطبيعة برمتها، خُلِقَت في الانفجار الكبير. أي أن الانفجار الكبير كان نقطة البداية للكون المادي كله. فالزمان والمكان والمادة أتت إلى الوجود عند تلك النقطة. وقبل الانفجار الكبير لم يكن هناك عالم طبيعي ولا قانون طبيعي.

وبما أن المسبِّب لا يمكن أن يَعْقُب الأثر، إذَن القوى الطبيعية لا يمكن أن تفسِّر الانفجار الكبير. ومن ثم لا بد من وجود شيء خارج الطبيعة يقوم بهذه الوظيفة. وهذا هو بالظبط ما يعنيه تعبير فوق طبيعي.

و”روبرت ويلسون” و”آرنو بنزياس”، مكتشِفا الشعاع التابع للانفجار، لم يكونا من معلمي الكتاب المقدس المتحمسين له. بل كان كلاهما في البداية يؤمن بنظرية الحالة الثابتة. ولكنهما نظرًا لتزايد الأدلة، غيَّرا موقفهما واعترفا بحقائق تتفق مع الكتاب المقدس. ويعترف “بنزياس” قائلاً: “لقد اتضح أن نظرية الحالة الثابتة في منتهى البشاعة حتى إن الناس لفظوها. وأسهل وسيلة لتوفيق الملاحظات على أقل عدد من المعايير تتمثل في تأكيد أن الكون خُلِقَ من لا شيء، في لحظة، وأنه مازال يتمدد”.

وقد قال “ويلسون” الذي درس على يد “فْرِد هويل” Fred Hoyle (الذي روَّج لنظرية الحالة الثابتة ونشرها على نطاق واسع سنة 1984): “لقد أُعجِبْتُ بنظرية الحالة الثابتة من الناحية الفلسفية. ولكن واضح أنه كان لا بد أن أتخلى عنها”. وعندما سأله الكاتب العلمي “فْرِد هيرِن” Fred Heeren عما إذا كانت أدلة الانفجار الكبير تشير إلى وجود خالق، أجاب “ويلسون” قائلاً: “مؤكد أن شيئًا ما أطلق هذه العملية برمتها.

ومؤكد، إن كنتَ متدينًا، أنه لا يمكنني أن أجد نظرية أفضل منها عن أصل الكون تتناسب مع سفر التكوين”. وقد أكد “جورج سموت” تقييم “ويلسون” حينما قال: “لا شك أن هناك تشابهًا بين الانفجار الكبير بصفته حدثًا والفكرة المسيحية المختصة بالخلق من عدم”.

“الإمبراطورية تعيد الضربات”[6] (ولكنها تتلاشى)

ما قول الملحدين في ذلك؟ لقد رأينا ما في تفسيرات “آتكينز” و”إسحق أزيموف” من قصور، فهي تنطلق من شيء وليس من عدم فعلي. فهل هناك أي تفسيرات إلحادية أخرى مقبولة منطقيًا؟ لم نرَ للملحدين تفسيرات مقبولة حتى اللآن. فقد خرجوا بنظريات أخرى، ولكنها جميعًا مشوبة بأخطاء فادحة. فلنلق نظرة سريعة على القليل منها.

نظرية الارتداد الكوني The Cosmic Rebound Theory: ترجِّح هذه النظرية أن الكون كان يتمدَّد وينكمش منذ الأزل. وهو ما يساعد مؤيديها على الهروب من البداية المحدَّدة. ولكن هذه النظرية محاطة بمشكلات عديدة، مما أدى إلى رفضها.

وأول هذه المشكلات وأوضحها هو عدم توافر دليل على وجود عدد لانهائي من الانفجارات (فمهما كان النظرية ليست نظرية الانفجار، الانفجار، الانفجار، الانفجار…الكبير!) بل يظهر أن الكون انفجر مرة واحدة من العدم، وليس مرارًا من مادة موجودة.

ثانيًا، الكون لا يحوي مادة كافية لسحب كل الأشياء معًا مرة أخرى. فيبدو أن الكون محكوم بشكل يجعله يستمر في التمدد إلى ما لانهاية. وهو ما أكَّده سنة 2003 “تشارلز بِنِت” Charles Bennett أحد علماء “مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا” NASA’s Goddard Space Flight Center. فبعد أن فحص قراءات من أحدث مسبار فضائي لوكالة ناسا قال: “الكون سيستمر في التمدد إلى الأبد. فهو لن يرتد على نفسه وينهار محدثًا دويًا عظيمًا” والحقيقة أن علماء الفلك يكتشفون حاليًا أن سرعة تمدّد الكون تتزايد بالفعل، مما يستبعد أيضًا احتمالية الانهيار.

ثالثًا، حتى وإن كانت هناك مادة كافية لجعل الكون ينكمش ثم “ينفجر” ثانيةً، فنظرية الارتداد الكوني تتناقض مع القانون الثاني في الديناميكا الحرارية لأن النظرية تفترض، خطأً، أنه لن يُفقَد أي قدر من الطاقة في كل انكماش وانفجار. إن الكون الذي “ينفجر” مرارًا كثيرة لا بد أن يضعف ويتلاشى كما تضعف الكرة الساقطة. فلو كان الكون يتمدد وينكمش منذ الأزل، لكان قد تلاشى.

وأخيرًا، كان من المستحيل أن نصل إلى يومنا هذا لو كان الكون يتمدد وينكمش منذ الأزل. فحدوث عدد لانهائي من الانفجارات الكبيرة هو استحالة حقيقية (وسوف نتناول ذلك بالتفصيل بعد بضع صفحات). وحتى لو كان هناك عدد نهائي من الانفجارات، فالنظرية لا تستطيع أن تشرح ما سَبَّبَ أول انفجار. فلم يكن هناك شيئ “ينفجر” قبل الانفجار الأول!

الزمن التخيلي Imaginary Time:

أما المحاولات الإلحادية الأخرى التي تحاول تفسير كيفية انفجار الكون إلى الوجود من عدم هي أيضًا محاولات معيبة. فمثلاً في محاولةً لتجنب بداية محددة للكون، طرح “ستيفن هوكينج” Stephen Hawking نظرية تستخدم “الزمن التخيلي”. ويمكننا نحن أيضًا أن نسميها “نظرية تخيلية” لأن “هوكينج” نفسه يعترف أن نظريته “مجرد مقترح ]ميتافيزيقي[” لا يستطيع أن يفسِّر ما حدث في الزمن الحقيقي.

فهو يعترف أنه “في الزمن الحقيقي الكون له بداية…والواقع أن “هوكينج” يرى أن “الجميع تقريبًا اليوم يؤمنون أن الكون والزمن نفسه بدآ في الانفجار الكبير”. ومن ثم، باعتراف “هوكينج” نفسه، نظريته التخيلية تتلاشى عندما تُطَبَّق على العالم الحقيقي. فالزمن التخيلي محض خيال.

انعدام اليقين Uncertainty:

نظرًا لقوة الأدلة على بداية الكون، فإن بعض الملحدين يشكَّكون في الفرضية المنطقية الأولى في الحجة الكونية، ألا وهي قانون السببية. إلا أن هذا التشكيك يمثّل خطورة كبيرة على الملحدين الذين عادة ما يفخرون بأنهم أبطال العقل والعلم. وكما اشرنا آنفًا، قانون السببية هو أساس العلم برمته. فالعلم هو بحث عن المسببات. فإن دَمَّرتَ قانون السببية، دَمَّرتَ العلم نفسه.

ولكن الملحدون يحاولون التشكيك في قانون السببية باللجوء إلى الفيزياء الكمية، وتحديدًا مبدأ عدم اليقين عند هايزنبرج Heisenberg’s Uncertainty Principle. ويصف هذا المبدأ عجزنا عن التنبوء في آن واحد بموقع وسرعة الجسميات الموجودة في الذرة subatomic particles (أي الإلكترونيات). والملحدون هنا مقتنعون بأنه: إن كانت السببية غير ضرورية في عالم الذرة الداخلي، إذَن ربما سببية الكون برمته غير ضرورية أيضًا.

ولكن من حسن حظ العلم ان هذه المحاولة الإلحادية للتشكيك في قانون السببية تبوء بالفشل. لماذا؟ لأنها تخلط بين السببية وإمكانية التنبوء. فمبدأ عدم اليقين عند هايزنبرج لا يُثبت أن حركة الإلكترونات بلا مسبب، ولكنه يصف فقط عجزنا عن التنبؤء بموقعها وسرعتها في وقت بعينه، فعدم قدرتنا على التنبوء بشيء لا يعني أن هذا الشيء بلا مسبب.

والحقيقة أن واضعي نظريات الكم يعترفون أنه قد لا نستطيع التنبوء بسرعة الإلكترونات وموقعها في آن، لأن محاولتنا لملاحظتها هي السبب في تحركاتها التي لا يمكن التنبوء بها! فكما يضع مربي النحل رأسه في خلية النحل، علينا أن نستثيرها حتى نلاحظها. ومن ثم قد تكون الحركة الحادثة هي عبارة عن عالِم يرى رموشه في الميكروسكوب.

وفي النهاية يتضح أنه ليست هناك نظرية إلحادية تُفَنِّد أيًا من فرضيات الحجة الكونية بكفاءة. فللكون بداية، ومن ثم يحتاج إلى مسبب.

ديانة العلم

فلماذا إذَن لا يقبل كل العلماء هذه النتيجة بدلاً من أن يحاولوا تجنب الحقائق ومضامينها بتفسيرات معيبة وغير مقبولة منطقيًا؟ وتعليقات “جاسترو” ثاقبة في هذا الصدد أيضًا (تَذكَّر أن “جاسترو” لاأدري). فهو يقول:

اللاهوتيون عمومًا سعداء بالبرهان على بداية الكون، ولكن الغريب أن الفلكيين متضايقون. وردود أفعالهم تُعَبِّر تعبيرًا مثيرًا عن استجابة العقل العلمي، الذي يُفتَرَض أنه عقل موضوعي جدًا، عندما تؤدّي الأدلة التي كشفها العلم نفسه إلى صدام مع بنود الإيمان في مهنتنا. وينتهي المطاف بالعالِم إلى أن يتصرف كما نفعل جميعًا عندما تصطدم معتقداتنا بالأدلة. فإما أننا ننزعج، أو نتظاهر بعدم وجود صدام، أو نخفيه بعبارات لا معنى لها.

والعبارات التي رأينا “آتكينز” و”أزيموف” يستخدمانها لتفسير بداية الكون مثل “النقاط الرياضية”، و”الطاقة الأيجابية والسلبية” على الترتيب تبدو لنا بالتأكيد بلا معنى. وهي في الواقع لا تفسِّر شيئًا.

أما بخصوص مشاعر “أينشتاين” “المزعجة” تجاه النسبية العامة وتمدد الكون، يقول “جاسترو”: “إنها لغة عاطفية غريبة لا تناسب مناقشة الصيغ الرياضية. ولكني أظن أن فكرة البداية الزمنية ضايقت “أينشتاين” لما لها من مضامين لاهوتية”.

إن الجميع يعلمون أن المؤمنين بالله الخالق لديهم معتقدات لاهوتية. ولكن الحقيقة المهملة غالبًا هي أن العلماء الملحدين والمؤمنين بوحدة الوجود لديهم أيضًا معتقدات لاهوتية. وكما أشرنا آنفًا، يُطْلِق “جاسترو” على بعض هذه المعتقدات “بنود الإيمان في مهنتنا” وهو يؤكد أن بعض هذه المعتقدات تشكل “الديانة العلمية”. فهو يكتب قائلاً:

هناك نوع من الديانة العلمية…كل أثر لا بد أن يكون له مسبب، فليس هناك مسبب أولي…ولكن هذا الإيمان الديني عند العالِم يتأذى باكتشاف أن العالَم له بداية شروطها تُبطل قوانين الفيزياء المعروفة، وأنه نتاجُ قوى أو ظروف لا يمكننا اكتشافها. وعندما يحدثُ ذلك يفقد العالم السيطرة. ولو فَحَصَ مضامين هذه الاكتشافات فحصًا حقيقيًا، لأُصيب بصدمة. وكالعادة عندما يواجه العقل صدمة يكون رد فعله أنه يتجاهل مضامينها، وهو ما يُعرف في العلم باسم “رفض توقع النتائج المتضمنّة”، أو التهوين من أصل العالَم بتسميته الانفجار الكبير، وكأن الكون لعبة نارية.

وسواء كان العلماء مصدومين أم لا، عليهم أن يدركوا ما تنطوي عليه أدلة الانفجار الكبير من مضامين. فقد لا تعجبهم الأدلة أو مضامينها، إلا أن هذا لا يغير الحقائق. وحيث إن الأدلة تبين أن الزمان والمكان والمادة خُلِقَت في الانفجار الكبير، فالخلاصة العلمية الأكثر احتمالاً هي أن الكون سُبِّبَ بفعل شيء خارج الزمان والمكان والمادة (أي مسبب أزلي). وعندما يقصر العلماء عن مواجهة تلك الخلاصة بإخفائها “بعبارات لا معنى لها” أو “برفض توقع النتائج المتضمنة”، يبدو أنهم ببساطة يرفضون قبول الحقائق والخلاصات الأكثر منطقية المترتبة عليها. وهو رفض إرادي، لا عقلي. فالأدلة موضوعية، ولكن العلماء الذين لا يصدقونها غير موضوعيين.

ماذا لو كانت نظرية الانفجار الكبير خاطئة؟

لقد استعرضنا حتى الآن أدلة علمية متينة ( (SURGEعلى حقيقة بداية الكون. ولكن هَبْ أن العلماء استيقظوا ذات يوم واكتشفوا أن كل حساباتهم خاطئة، وأنه لم يكن هناك انفجار كبير. ولكننا إن أخذنا في الاعتبار الأدلة العديدة المتنوعة وقدرة النظرية على التنبوء تنبؤات صحيحة بكمً كبير من الظواهر القابلة للملاحظة، يصبح رفض نظرية الانفجار الكبير أمرًا مستبعدًا تمامًا.

وهو ما يعترف به حتى الملحدين أنفسهم. فمثلاً “فيكتور ستنجر” Victor Stenger، وهو فيزيائي كان يُدَرِّس في “جامعة هاواي” University of Hawaii كتب أن “الكون انفجر من العدم”. واعترف “ستنجر” مؤخَّرًا أن الانفجار الكبير يبدو دائمًا أكثر احتمالاً. وقد قال: “علينا أن نترك المجال مفتوحًا لاحتمالية خطأ ]الانفجار الكبير[، لكننا…كل سنة نكتشف أن البيانات الفلكية المتراكمة تزداد توافقًا على الأقل مع الصورة العامة للانفجار الكبير”.

والواقع أنه في سنة 2003 ظهرت المزيد من الأدلة على صحة الانفجار الكبير. فالقمر الصناعي المسمى “مسبار ويلكينسون لقياس اختلاف الراديوية” (WMAP Wilkinson Microwave Anisotropy Probe) التابع لناسا أكد اكتشافات سابقة “كوب” وأنتج صورًا أوضح خمسًا وثلاثين مرة من صور “كوب” للحركات الموجية الدائرية لإشعاع الخلفية الكونية.

والحقيقة أن ملاحظات الفضاء تؤيِّد، يومًا بعد يوم، المنظور الإيماني حتى إن “جورج ويل” George Will يعلق عليها قائلاً: “الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية”Union American Civil Liberties ، أو “أناس من أجل النهج الأمريكي” people for the American Way، أو غيرهما من الفصائل العلمانية المُحِبَّة للتقاضي سترفع دعاوي قضائية قريبًا على ناسا متهمة إياها بأن تلسكوب هَبِل الفضائي ينحاز لذوي الميول الدينية بما يخالف الدستور”.

ومع ذلك دعونا نلعب دور محامي الشيطان للحظات. فلنفترض أنه في نقطة ما في المستقبل اعتُبِرَت نظرية الانفجار الكبير خاطئة. فهل هذا سيعني أن الكون أزلي؟ لا، لعدة أسباب.

أولاً، القانون الثاني في الديناميكا الحرارية (المشار إليه بحرف S  في كلمة SURGE) يؤيّد الانفجار الكبير ولكنه لا يعتمد عليه. فحقيقة أن الكون يستنفذ الطاقة القابلة للاستخدام ويتجه نحو حالة من الفوضى هي حقيقة لا جدال عليها. وهو ما عبَّر عنه “إدينتون” قائلاً إن القانون الثاني “يحتل المكانة العليا بين قوانين الطبيعة”. فهو قانون صحيح حتى إن لم يكن الانفجار الكبير صحيحًا.

ثانيًا، ينطبق هذا الكلام نفسه على نظرية “أينشتاين” في النسبية العامة (المشار إليها بحرف  E في كلمة SURGE). فهذه النظرية، التي تم التحقق منها جيدًا بالملاحظة، تستلزم وجود بداية للمكان، والمادة، والزمان سواء أكان كل هذا قد بدأ بانفجار أم لا.

ثالثًا، هناك أيضًا أدلة علمية جيولوجية تؤكّد أن للكون بداية. وكما دَرَسَ الكثير منا في مادة الكيمياء في المدرسة الثانوية، العناصر المشعة تضمحل بمرور الوقت متحولة إلى عناصر أخرى. فمثلاً اليورانيوم المشع يتحول في النهاية إلى رصاص. وهو ما يعني أنه لو كانت كل ذرات اليورانيوم أزلية، لكانت قد تحولت جميعها إلى رصاص، ولكن ذلك لم يحدث. إذَن لا يمكن أن تكون الأرض أزلية.

أخيرًا، هناك فرع فلسفي من الأدلة على بداية الكون. وهذا الفرع من الدلة منطقي جدًا، على نحو لا يمَكِّننا من التملص منه، حتى إن البعض يعتبرونه أقوى الحجج جميعًا. ويطلق عليه الحجة الكونية من علم الكلام Kalam Cosmological Argument، وهي تقول:

  1. العدد اللانهائي من الأيام لا نهاية له.
  2. ولكن اليومَ هو اليومُ النهائي في التاريخ (التاريخ باعتباره مجموعة من كل الأيام).
  3. إذَن لم يكن هناك عدد لانهائي من الأيام قبل اليوم (أي أن الزمان له بداية).

ولفهم هذه الحجة، انظر الخط الزمني أدناه، وهو مقسَّم إلى أجزاء تمثل أيامًا (شكل 3-1). وكلما تتحرك يسارًا، تتجه تاريخيًا إلى الماضي. والآن تخيَّل لِلَحظة أن هذا الخط يمتد يسارًا إلى ما لانهاية، بحيث لا ترى إن كانت له بداية أصلاً. ولكنك عندما تنظر إلى اليمين ترى نهاية الخط لأن آخر جزء في الخط يمثل اليوم. والغَدّ لم يأتِ بعد، ولكنه عندما يأتي سنضيف جزءًا آخر (أي يومًا) على الطرف الأيمن من الخط.

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

ولنشرح  الآن كيف يُثْبت ذلك أن الزمان له بداية: بما أنه من المؤكَّد أن الخط ينتهي على اليمين، فلا يمكن أن يكون الخط الزمني لانهائيًا لأن اللانهائي ليس له نهاية. علاوة على ذلك، لا يمكنك أن تضيف أي شيء إلى اللانهائي، ولكننا غدًا سنضيف يومًا آخر إلى خطنا الزمني. إذَن لا نستطيع أن ننكر أن خطنا الزمني محدود.

ولننظر إلى هذه الحجة من زاوية مختلفة. لو كان هناك عدد لانهائي من الأيام قبل اليوم، إذَن اليوم لن يأتي أبدًا. ولكنه أتى! إذَن لا بد أنه لم يكن هناك إلا عدد نهائي من الأيام قبل اليوم. أي أننا حتى وإن كنا لا نستطيع أن نرى بداية الخط عندما ننظر يسارًا فنحن نعلم أنه لابد أن يكون قد بدأ عند نقطةٍ ما، لأنه لا بد أن تنقضي مدة نهائية من الزمن حتى يأتي هذا اليوم الحاضر. فلا يمكن لعدد لانهائي من الأيام أن ينقضي. إذَن لا بد أن الزمان له بداية.

وقد يقول البعض إن الأعداد اللانهائية موجودة، فما المانع أن يكون هناك عدد لانهائي من الأيام؟ لأن هناك فرقًا بين سلسلة لانهائية مجردّة وسلسلة محسوسة. فالأولى نظريةٌ بحتة، والثانية فعلية. فمن الناحية الرياضية يمكننا أن ندرك عددًا لانهائيًا من الأيام، ولكن من الناحية الفعلية يستحيل أن نَعُدّ أو نعيش عددًا لانهائيًا من الأيام. يمكنك أن تدرك عددًا لانهائيًا من النقاط الرياضية بين طرفي رف من رفوف المكتبة، ولكنك لا تستطيع أن تضع بينهما عددًا لانهائيًا من الكتب.

وهذا هو الفرق بين المجرد والمحسوس. فالأرقام مجردة. أما الأيام محسوسة. (وبالمناسبة ينسحب هذا الكلام على إجابتنا المذكورة آنفًا عن سبب استحالة وجود عدد لانهائي من الانفجارات في تاريخ الكون. فمن المستحيل وجود عدد لانهائي من الأحداث الفعلية).

إن ما نقصده هنا هو ان الكون، سواء أكان الانفجار الكبير صحيحًا أم لا، له بداية. أي أن الحجة الكونية صحيحة لأن فرضيتييّ الحجة كلتيهما صحيحتان: كل ما يأتي للوجود له مسبِّبن والكون اتى للوجود. بما أن الكون له بداية،لا بد ان له بادئ.

مَنْ صَنَعَ الله؟

في ضوء كل الأدلة على وجود بداية للكون المحدود بالزمكان Space-time universe، لا بد أن يكون البادئ خارجَ كونِ الزمكان. وعندما نقترح أن الله هو البادئ، ينبري الملحدون يسألون السؤال القديم قِدَم التاريخ: “إذَن مَنْ صَنَعَ الله؟ إن كان كل شيء يحتاج لمسبب، فالله أيضًا يحتاج لمسبب!”

كما رأينا قانون السببية هو أساس العلم. فالعلم بحث عن المسببات، وذلك البحث يقوم على ملاحظتنا التي تبين دائمًا أن كل ما له بداية له مسبب. والحقيقة أن سؤال “مَنْ صَنَعَ الله؟” يشير إلى احترامنا لقانون السببية. فإنه من المُسَلَّم به أن كل شيء تقريبًا يحتاج لمسبب.

فلماذا إذَن لا يحتاجُ الله لمسبب؟ لأن قناعات الملحد تسيء فهم قانون السببية. فقانون السببية لا يقول إن كل شيء يحتاج لمسبب. ولكنه يقول إن كل شيء يأتي إلى الوجود يحتاج لمسبب. والله لم يأتِ إلى الوجود. فالله لم يصنعه أحد. إنه غير مصنوع. والله بصفته كائنًا أزليًا لا بداية له، إذَن فهو لا يحتاج لمسبّب.

إلا أن الملحد سيَحتَجّ قائلً: “ولكن مهلاً، إن كان عندك إله أزاي، إذَن يمكن أن يكون عندي كون أزلي! وإن كان الكون أزليًا، إذَن لا يكون له مسبب”. نعم، من الممكن منطقيًا أن يكون الكون أزليًا ومن ثم لا يكون له مسبب. والواقع أن هذا الاحتمال هو واحد من اثنين: إما أن الكون أزلي، أو شيء خارج الكون هو الأزلي. (بما أنه لا شك أن شيئًا ما يوجد اليوم، إذَن لا بد أن شيئًا آخر وُجِدَ أزلاً. وليس أمامنا إلا خياران: الكون، أو شيء سبَّبَ الكون).

ولكن المشكلة التي تواجه الملحد هي أنه رغم أنه ممكن من الناحية المنطقية أن يكون الكون أزليًا، يبدو أنه ليس ممكنًا من الناحية الواقعية. وذلك لأن كل الأدلة العلمية والفلسفية)  (SURGE، واضمحلال النشاط الإشعاعي، والحجة الكونية من علم الكلام) تخبرنا أن الكون يستحيل أن يكون أزليًاز وعليه، باستبعاد أحد الخيارين، ليس أمامنا إلا الخيار الآخر: شيء خارج الكون هو الأزلي.

وعندما تنتبه للأمر جديًا، لا تجد إلا احتمالين لأي شيء موجود: إما أنه (1) موجود أزلاً ومن ثم لا مسبب له، أو (2) له بداية وقد سبَّبَه شيء آخر (لا يمكن أن يكون سبَّبَ نفسه، لأنه في هذه الحالة لا بد أن يكون موجودًا من الأصل حتى يسبّب أي شيء). ووفقًا للأدلة الهائلة، الكون له بداية، إذَن لا بد أن شيئًا آخر سبَّبَه، شيء خارجه. لاحظ أن هذا الاستنتاج يتوافق مع الأديان التي تؤمن بالله الخالق، ولكنه لا يقوم على تلك الأديان، بل يقوم على منطق سليم ودليل صلب.

فما صفات هذا المسبب الأولي؟ قد يظن المرء أنه لا بد أن يعتمد على الكتاب المقدس أو غيره مما يطلق عليه وحي ديني للإجابة عن ذلك السؤال، ولكننا لا نحتاج هنا أيضًا لأي نص مقدس حتى نستنتج صفات ذلك المسبب الأولي. فقد أصاب “أينشتاين” حين قال: “العلم بلا دين أعرج، والدين بلا علم أعمى”. العلم يؤكد الدين ويُطَعِّمه بالمعارف، وهو ما تفعله الحجة الكونية مثلاً. اي أنه يمكننا أن نكتشف بعض سمات المسبب الأولي من الأدلة التي تناولناها في هذا الفصل فحسب. ومن تلك الأدلة فقط نعرف أن المسبب الأولي لا بد أن يكون:

  • ذاتي الوجود، سرمدي غير محدود بزمان، غير محدود بمكان، غير مادي (بما أن المسبب الأولي خلق الزمان، والمكان، والمادة، إذَن لا بد أن يكون المسبب الأولي خارج الزمان، والمكان، والمادة). أي أنه غير محدود أو لانهائي.
  • قويًا بشكل يفوق الخيال، مادام قادرًا على خلق الكون برمته من العدم.
  • ذكيًا ذكاءً فائقًا، مادام قادرًا على تصميم الكون بهذه الدقة المذهلة (سنرى المزيد في هذا الموضوع في الفصل القادم).
  • شخص، مادام قادرًا أن يختار أن يُحَوِّل حالة العدم إلى كون من الزمان والمكان والمادة (القوة اللاشخصية لا تقدر على الاختيار).

سمات المسبب الأولي هذه هي بالضبط السمات التي ينسبها المؤمنون بالله الخالق إلى الله. ونكرِّر إن هذه السمات لا تقوم على ديانة شخصٍ ما أو على خبرة ذاتية. ولكنها مأخوذة من الأدلة العلمية التي استعرضناها توًا، وهي تساعدنا على رؤية جزء جوهري من سطح علبة هذا اللغز الذي نسميه الحياة.

الخلاصة: إن لم يكنِ الله موجودًا، فلماذا يوجد شيء بدلاً من العدم؟

منذ سنوات ناظرتُ (“أنا نورم”) أحد الملحدين في “جامعة ميامي” University of Miami حول سؤال “هلِ الله موجود؟” وبعد أن قَدَّمتُ الكثير من الأدلة التي استعرضناها في هذا الفصل، أتيحت لي الفرصة أن اسأل خصمي بعض السئلة. وأليك ما سألت:

” سيدي، عندي لك بعض الأسئلة: أولاً “إن لم يكنِ الله موجودًا، لماذا أصلاً يوجد شيء بدلاً من العدم؟” ثم سألته بضعة أسئلة أخرى معتقدًا أنه سيجيب عنها بالترتيب.

عادة عندما تناظر شخصًا تحاول أن تقنع الجمهور. ولكنك لا تتوقع أن تجعل خصمك يعترف بأنه مخطئ. فقد استثمر الكثير والكثير في الموقف الذي يتبناه، ومعظم المناظرين لا تسمح لهم كبرياؤهم أن يعترفوا بالخطأ. ولكن هذا الرجل كان مختلفًا. فقد فاجأني بالقول: “السؤال الأول سؤال وجيه. إنه حقًا سؤال وجيه”. ودون أن يضيف أي تعليق آخر انتقل إلى إجابة سؤالي الثاني.

فبعد أن سمع هذا المُناظر الأدلة على وجودِ الله بدأ يشك في معتقداته. بل إنه حضر اجتماع متابعة عقب المناظرة وعبَّر عن أنه يشك في الإلحاد. لقد بدأ إيمانه بالإلحاد يهتز بالفعل.

“أن لم يكنِ الله موجودًا، فلماذا اصلاً يوجد شيء بدلاً من العدم؟” سؤال علينا جميعًا أن نجيبه. وفي ضوء الأدلة ليس أمامنا إلا خياران: إما أنه لا أحدَ خلق شيئًا من العدم، أو أن شخصًا ما خلق شيئًا من العدم. أيّ المنظورين أكثر منطقية؟ العدم خلق شيئًا؟ لا. حتى “جولي أندروز” Julie Andrews  عرفت الإجابة عندما غنَّت قائلة: ” لا شيء يأتي من العدم. لا شيء أبدًا أتى من العدم!” وإن كنت لا تستطيع أن تصدق أن العدم سبَّبَ شيئًا، إذَن أنت لا تملك الإيمان الكافي للإلحاد!

إن المنظور الأكثر منطقية هو الله. وهو مارجحه “روبرت جاسترو” عندما ختم كتابه “الله وعلماء الفلك” بهذه الكلمات الكلاسيكية: “بالنسبة للعالِم الذي عاش على إيمانه بقوة العقل، تنتهي القصة كحُلْم مزعج. لقد تسلق جبال الجهل، وكان على وشك أن يغزو أعلى قممها، وبينما يجذب جسمه على آخر صخرة، يصادف مجموعة من اللاهوتيين يحيّونه وقد جلسوا هناك منذ قرون”.

 

[1] كل المجرات تتجه بعيداً عنا‘ ولكن هذا لا يعني أننا في مركز الكون. ولكي ترسم صورة في ذهنك لهذه الفكرة، تَخَيل بالونة عليها نقط سوداء. وعندما تنفخ البلونة، تنفصل كل النقط عن بعضها البعض سواء أكانت قريبة من المركز ام لا. والنقط التي على جانبي البلونة (الأبعد عن بعضها البعض) تنفصل أسرع من النقط المتجاورة. والحقيقة أن “هَبِل” اكتشف علاقة طردية بين المسافة والسرعة، أظهرت أن مجرة تبعد عنا ضعف المسافة التي تبعدها مجرة أخرى، تسير عنا بمقدار ضعف السرعة. وهو ما عُرِف باسم “قانون هَبِل”.

 تعني زيادة مفاجئة، أو ارتفاع مفاجئ، أو تدفق قوي مفاجئ. (المترجمة)surge الطريف أن كلمة [2]  

[3]  ربما أنك سمعت القانون الأول في الديناميكا الحرارية مصاغًا على هذا النحو: “الطاقة لا تُخلق ولا تُدَمَّر” أو الطاقة لا تفنى ولا تَّستحدث من عدم”. هذه عبارة فلسفية، وليست ملاحظة تجريبية. فكيف لنا أن نعرف أن الطاقة لم تُخلَق لم تستحدث من عدم)؟

لم يكم هناك ملاحظون ليتحققوا من هذا الأفتراض. ولكن التعريف الأدق للقانون الأول بقدر ما تتيحه الملاحظة هو أن “إجمالي كمية الطاقة في الكون (اي الطاقة القابلة للاستخدام وغير القابلة للاستخدام) تظل ثابتة”. لذلك بينما تُستهلك الطاقة القابلة للاستخدام، تتحول إلى طاقة غير قابلة للاستخدام، ولكن مجموع الاثنتين يبقى كما هو. كل ما يتغير هو نسبة الطاقة القابلة للاستخدام إلى الطاقة غير القابلة للاستخدام.

[4]  كلمات مثل “يسبق” و”قبل” عادة ما تنطوي على زمن. ولكننا لا نقصدها بذلك المعنى، لأنه لم يكن هناك زمن “قبل” الانفجار الكبير. لأنه يستحيل أن يكون هناك زمن قبل بدء الزمن. فما الذي يمكن أن يوجد إذَن قبل الزمن؟ الإجابة بمنتهى البساطة هي: الأزلي! أي المسبب الأزلي الذي أوجد الزمان، والمكان، والمادة.

[5]  كلمة “كتابّي” في الفهم المسيحي تعني: وفقًا للكتاب المقدس. (المترجمة)

[6]  الإشارة إلى الجزء الخامس من فيلم “حرب النجوم” Star Wars ، وعنوانه بالإنجليزية The Empire Strikes Back. (المترجمة)

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

يبقى أن سارتر لم يستطع أو لم يشأ أن يميز الإله الحي عن التصورات الصنمية التي يكونها الإنسان عنه، فرفض الله لكي يوجد الإنسان، أو بعبارة أخرى ليكون الإنسان حراً، إذ أن الحرية والوجود هما في نظر سارتر أمر واحد. رفض الله، بالنسبة لسارتر، يطلق حرية الإنسان، لأنه عند ذاك مرغم أن يخلق ذاته وأن يخلق القيم إذ ليس له ما يستند إليه خارج اختياره. بهذا المعنى قال سارتر: “لقد كتب دوستويفسكي: لو كان الله غير موجود، فكي شيء يكون مسموحاً. هذا هو نقطة انطلاق الوجودية. بالفعل كل شيء مسموح إذا كان الله غير موجود، وإذاً فالإنسان متروك لأنه لا يجد لا في ذاته، ولا خارج ذاته إمكانية التعلق بشيء”.

هكذا فحرية الإنسان هي، بنظر سارتر، المرجع الوحيد لكل شيء لم يعد للإنسان نموذج إلهي يعود إليه في تقييم أموره وفي تحقيق ذاته، إنما صار عليه أن “يخترع” ذاته والقيم، وهكذا بقبوله تلك العزلة يبلغ إلى ملء قامته كإنسان ويحافظ على أثمن ما لديه، على تلك الحرية التي هي مرادفة لوجوده.

ولكن ما هي تلك الحرية التي يجعل فيها سارتر كل كرامة الإنسان؟ إنها فراغ ظهر في ملء الكون. إنها “عدم”، يقول سارتر، ويعني بذلك أنها غير موجودة ولكنها مجرد قوة نفي ورفض، بها ينفصل الإنسان عن أوضاعه ليتجاوزها. ولكن يتجاوزها إلى أين وبالرجوع إلى أية مقاييس؟ ليس للحرية مقاييس بنظر سارتر وليس لها ما يستقطبها. إنها لذاتها المقياس والمرجع والهدف الوحيد. لا مبرر لها ولا غاية. تظهر يوماً إلى حيز الوجود ثم تتلاشى كلياً بالموت دون أن يكون لوجودها أو تلاشيها من معنى: “كل حي يولد دون مبرر ويستمر عن ضعف ويموت صدفة”. وهكذا يكون الإنسان “شهوة لا جدوى لها”. إن حريته تعطي للأشياء معاني ولكنها هو ووجوده لا معنى لهما. لذا فالحرية عبء على الإنسان لأنها فراغ دائم عبثاً يفتش الإنسان فيه عن كيانه ليستريح إليه، الإنسان “محكوم عليه بالحرية”.

تلك هي الحرية التي يعطيها سارتر قيمة مطلقة. ولكن فلنتساءل إذا كان مفهومه هذا للحرية يشكل جواباً مرضياً على مشكلة الإنسان. أمران يبدوان لنا عند ذاك، أولهما أن هذا المفهوم للحرية لا يخلو من متناقضات جوهرية، والثاني أنه تشويه وبتر للحرية الحقة.

1 – المفهوم السارتري للحرية لا يخلو من متناقضات جوهرية

 يقول سارتر إن الكون والوجود الإنساني لا معنى لهما ولا مبرر، ولكنه من جهة أخرى يقرر بأن الإنسان في سعي مستمر إلى المعنى وأنه تحديداً كائن يعكي للأشياء ولأعماله معاني. ولكن السؤال الذي يبقى دون جواب في هذا المنظار السارتري هو الآتي: إذا كان الوجود كله، بما فيه الوجود الإنساني، لا معنى له، فمن أين للإنسان ذلك التوق إلى المعنى؟ من أين له تلك الحرية التي همها أن توجد معاني؟ كيف يُعقل وجود تلك الحرية التائقة إلى المعنى وسط عالم لا معنى له بتاتاً؟ من أين أتت تلك الحرية؟ كيف برزت في كون غريب عنها بالكلية؟ هذا ما عبر عنه جان لاكروا بقوله: “إذا كان العالم مجرداً من كل معنى، وإذا كان للإنسان تطلباً للمعنى، فمن أين يأتي هذا التطلب الإنساني، من أين يأتي الإنسان؟”

أضف إلى ذلك أن تقرير اللامعنى في الكون وفي الوضع الإنساني يفترض وجود معنى نحتكم إليه في تقريرنا هذا. فاللامعنى لا يحدد إلا بالنسبة لمعنى يتطلع الإنسان إليه ويصبو. وإلا لقبلنا الوجود على أنه واقع ليس إلا. لكن طالما ان الحرية تنتصب أمام الكون لتحكم عليه بأنه لا معنى، فهذا يفترض أن هناك معنى يستقطبها وإليه تعود في حكمها هذا، وإنها بالتالي لا يمكن أن تكون مجرد فراغ لا مبرر له ولا غاية. هذا ما عبر عنه مثلاً رينه حبشي في مؤلفاته، وقد لخص الدكتور جميل صليبا موقف هذا المفكر فيما يلي: “…. إذا كان الإنسان يدرك ما في وجوده الواقعي من نقص، فمرد ذلك إلى شعوره بالكمال. وإذا كان يدرك المحال المتجلي في حطام الوجود، فمرد ذلك إلى شعوره بإمكان الخروج منه”.

هذا المعنى الذي تسمو به الحرية الإنسانية على الوجود لتقيم بالقياس إليه الوجود لا يمكن أن ينبع إلا من الله، قاعدة الوجود وغايته. لذا فتقرير عبثية الوجود يفترض ضمناً الرجوع إلى ذلك القياس الإلهي الذي تنفيه عبثية سارتر وغيره: تلك هي المفارقة كما بينها مثلاً بول افدوكيموف بقوله: “إن أكبر مفارقة هي أن اليأس في ذروته يعود حتماً إلى المطلق المعلنة استحالته… وفي النهاية غياب الله هو الذي يجعل العالم عبثاً ويائساً، إنه وحده يبرر المواقف القصوى التي تقفها الوجودية… إن الله، ولو سلبياً، يستخدم هنا كمقياس: كل شيء يقيم بالإضافة إلى غياب المعنى الإلهي”.

مجمل الكلام، أن الحرية السارترية بحاجة إلى الله لكي تقرر أن الكون لا معنى له وتنفي بالتالي وجود الله. لذا فالإلحاد السارتري تراوده، شاء أم أبى، فكرة الله، وما تهالكه على نفي الله، كما يتجلى مثلاً في مسرحية “الشيطان والله”، حيث يدوي اسم الله في كل صفحة، سوى محاولة للتخلص من “شبح” ذاك الذي تصور أنه “قتله”.

ثم أن سارتر ينسب للحرية قدرة على أن توجد الإنسان. فالإنسان “ليس في البدء شيئاً. لن يوجد إلا فيما بعد، وعند ذاك يكون كما صنع نفسه… الإنسان هو فقط، ليس كما يتصور نفسه وحسب، بل كما يريد نفسه… ليس الإنسان سوى ما صنع نفسه”. لا شيء إذاً، في هذا المنظار، مفروض على الإنسان. فالحرية تتخطى كل ضغط الأوضاع البيولوجية والاجتماعية والظروف المعيشية، تتخطى ذلك كله لتوجد الإنسان كما يشاء هو أن يكون. فالإنسان صنيعة نفسه، صنيعة حريته وحسب، لا وليد الأوضاع التي وُجد فيها. هذا التأكيد على الحرية الإنسانية، على ما فيه من مبالغة، هو من أنبل مظاهر الفكر السارتري. ولكن التناقض يبدو بين تلك القدرة الخلاقة التي تُنسب إلى الحرية، من جهة، وبين كون تلك الحرية، من المنظار السارتري، مجرد فراغ يبرز لحظة وبلا مبرر في ملء الوجود لكي يتلاشى بالكلية دون أن يكون لوجوده هدف أو غاية. كيف يمكن للفراغ الذي لا معنى له أن يكون خلاقاً وأن يصنع أسمى المعاني وأنبلها؟ إذا كانت الحرية مجرد ثغرة في كثافة الكون، كما يعتبرها سارتر، فأنى لها أن تبدع في الكون وتغير وجه الأرض؟ بالطبع يرفض سارتر الإجابة على هذا السؤال لأن من ورائه سعياً إلى اكتشاف منطق في الوجود، فيما أن الوجود بنظره لا منطق فيه ولا مبرر له. هذا ما يدعوه سارتر في كتابه “الكائن والعدم”، وكأنه يقول: الأمور هكذا لأنها هكذا. ولكن هذا الموقف يشكل انتحاراً للعقل الذي لا بد له أن يفتش عن علة الأشياء. لذا فإذا رأينا أن الحرية تحرر الإنسان من عبودية نواميس الكون وقيوده، وجب علينا أن نفتش عن أصلها خارج الكون وأن نعتبرها مساهمة منحت للإنسان في سيادة سيد الكون ومبدعه. يقول الفيلسوف الوجودي ياسبرز أن من اختبر حقاً حريته وعن تجذره في الله: “عندما نقرر بحرية، ويتخذ كل شيء معناه لنا و…. نمتلك حياتنا، نعي بأننا لسنا مدينين بكياننا لنا وحدنا.

“على قمم الحرية، عندما يبدو لنا عملنا ضرورياً، لا بضغط خارجي صادر عن حتمية طبيعة لا تلين، بل بموافقة كياننا الداخلية… نعي أننا لأنفسنا، في حريتنا، هدية من التعالي. كلما كان الإنسان حقيقة حراً، كلما كان متيقناً من الله. عندما أكون حقيقة حراً، أكون متيقناً بأنني لست هكذا بنفسي”.

وبالمعنى نفسه، وبالاستناد إلى ياسبرز، كتب المفكر الأرثوذكسي بول افدوكيموف: “يجب الاعتراف بعظمة الوجودية التي ركزت كل تفكيرها على الحرية. تلك الحرية، التي هي بداهة أساسية للفكر البشري، تشكل شرط النشاط الإنساني الخلاق. ولكن هذه الوظيفة لا يمكن أن تأتي، إلا، إلا إذا ناقضت نفسها، من العالم، من مجموعات التبعيات والقيود التي تكونه. من البديهي أن الحرية تتعالى على الكون، وأن مصدرها خارج الكون، وأنها تقدم كهبة ملوكية. لذا، ففي فلسفة كارل باسبرز العميقة، الحرية تشير بوضوح إلى الواهب، تشهد بقوة لوجود الله. إن فضل ياسبرز الكبير هو أنه اكتشف في الحرية الإنسانية برهان الوجود الإلهي…”.

الله وحده وطن الحرية الإنسانية. منه تستمد وجودها، ولكنها أيضاً إياه تبتغي لأنها به وبه وحده تحقق ذاتها. الحرية دون الله وهم وسراب. هذا ما بقي علينا أن نوضحه تجاه المفهوم السارتري للحرية.

2 – الحرية السارترية مشوهة، مبتورة

إن المفهوم السارتري للحرية يجعل منها المرجع الوحيد للإنسان، فلا أصل لها تستند إليه ولا غاية تتجه نحوها، إنما تخرج من لا شيء وتذهب إلى لا شيء. وبذلك تفقد تلك الحرية كل معنى، ويفقد الإنسان معها معناه، فيصبح، وهو الذي أراده سارتر موجوداً برفض الله، غير موجود بالحقيقة لأن وجوده لا طائل له ولا هدف. وبذلك تكون تلك الحرية قيداً على الإنسان لأنها أغلقت عليه في عزلة مميتة وحصرته في عدمه ولا معناه.

يجعل سارتر من الحرية قوام الوجود الإنساني، ولكن الصحيح أن أعمق ما في الإنسان هو السعي إلى المعنى، إلى اكتشاف معنى لوجوده ولحريته نفسها. لذا نرى موريس مارلو بونتي، وهو قطب آخر من أقطاب الوجودية الملحدة، يؤكد بأن الإنسان محكوم عليه بالمعنى. ويعلق بول افدوكيموف على هذا التأكيد بقوله: “يقول مارلو بونتي، راداً على سارتر: إن الإنسان ليس محكوماً عليه بالحرية، إنما هو محكوم عليه بالمعنى، وهذا يعني أن محكوم عليه بأن يكتشف معنى الوجود، وقبل كل شيء معنى الحرية نفسها”.

لا حرية حقة إذا كان الإنسان أسير اللامعنى. كيف نسمي حراً ذلك الإنسان الضائع، المبعثر، الذي يحيا دون أن يدرك للحياة معنى؟ إن إنساناً كهذا تائه في صحراء، وهل يُعقل أن نسمي التيه في الصحراء حرية؟ يقول الكاتب الفرنسي الكبير أنطوان دي سان اكسوبري: “هل تدعو حق التيه في الفراغ، حرية؟!”

تلك الحرية الجوفاء وصفها لنا الكاتب نفسه – ولم يكن مؤمناً – كمرض من أمراض الإنسانية المعاصرة. فصورها لنا مثلاً في كتابه الرمزي “الأمير الصغير” بشكل مسافرين يتنقلون في القطار من مكان إلى مكان دون هوادة ودون هدف. فعندما يسأ الأمير الصغير عامل السكة الحديدية عن ركاب قطار مر أمامه: “إنهم مسرعون كثيراً. فإلى ما يسعون؟”، يجيب العامل: “إن رجل القاطرة نفسه يجهل ذلك”. وفي إحدى رسائله كتب سان اكسوبري سنة 1943 واصفاً الإنسانية المعاصرة: “أنا مغتم من أجل جيلي، الفارغ من كل جوهر إنساني… أكره زمني من كل قواي لأن الإنسان يموت فيه عطشاً… هناك مسألة واحدة ليس إلا، مسألة واحدة في العالم، ألا وهي أعادة معنى روحي للناس… لم يعد بوسعنا أن نحيا من البرادات والسياسة والميزانيات والكلمات المتقاطعة… لم يعد بوسعنا أن نعيش دون شعر ولون وحب”. إنه في تلك الرسالة، يلاحظ “اليأس الروحي” الذي ينتاب البشر من جراء فقدان معنى وجودهم و”صحراء الإنسان” التي يتيهون فيها، ويقول: “ليس هناك سوى مسألة، مسألة واحدة: أن يكتشف الإنسان من جديد أن هناك حياة للروح أسمى من حياة الفكر نفسها، وأنها وحدها ترضي الإنسان”.

ضياع معنى الوجود عند الكثيرين في أيامنا يفسر إلى حد ما رواج فلسفة سارتر. لقد بين الطبيب النفسي الشهير رودولف الليرس التجاوب القائم بين تلك الفلسفة من جهة وعجز الكثيرين في أيامنا عن معرفة مكانهم في الوجود، من جهة أخرى، وأضاف: “لم يعد البشر يجدون مكانهم لأنهم لم يعودوا يعرفون ما هم. لا يمكن فهم المحدود إلا بالإضافة إلى اللامحدود. الصورة لا تأخذ معناها إلا كانعكاس الأصل. لكي يفهم الإنسان نفسه، يجب عليه أن يدرك من جديد، وبمجموعة كيانه، إنه مصنوع على صورة خالقه ومثاله”.

إن سارتر يرفض بالضبط أن يكون للإنسان هذا المرجع الإلهي، ولذا فالحرية التي ينادي بها محكوم عليها بأن تخبط خبط عشواء. لا يمكنها أن تستنير بقيم لأنها هي مخترعة القيم. لذا، “فسيّان، يقول سارتر، بين ان يسكر المرء وحده أو أن يقود الشعوب”. نعم لقد حاول سارتر أن يبني مناقبية على تلك الحرية المعتبرة مرجعاً لكل شيء، فقال بوجوب العمل على إقامة نظام سياسي واجتماعي يضمن الحرية للجميع، إذ أن الحرية هي أثمن ما في الإنسان. ولكن أسس تلك المناقبية ضعيفة، إذ ما الذي يمنع الحرية، وهي القيمة المطلقة التي لا مرجع لها سوى ذاتها، من أن تختار تأكيد ذاتها عن طريق التسلط واستعباد الغير. ما الذي يمنعها أن تجد نشوتها، إن شاءت، في تحطيم ومحو ذاتها؟ ما الذي يمنعها أن تعتمد سلوكاً لا إنسانياً طالما هي وحدها ترسم، بقرار منها، الحدود بين ما هو إنساني وما هو غير إنساني؟

تلك الحرية الفاقدة المعنى، السائرة على غير هدى، إنما هي عبء لا يطاق على الإنسان، لا لكونها تنافي ميله إلى الراحة والطمأنينة وحسب، كما يبدو لسارتر الذي يعتبر قذراً كل من رفض الحرية التي يبشر بها، بل لكونها تناقض أعمق ما في إنسانية الإنسان، ألا وهو عطشه إلى معنى يقيّم به وجوده، معنى يكشف له من هو وما هو مكانه في الكون. فلا عجب، والحالة هذه، أن يحاول الإنسان التخلص من عبء تلك الحرية بانضوائه تحت لواء مذهب شمولي يستعبد نفسه له كلياً، وبخضوعه الأعمى لزعيم سياسي مؤله، مفضلاً طغيانه وارهابه على ممارسة حرية لا طائل لها ولا هدف. هذا بعض ما يفسر نجاح النازية والفاشية والستالينية في عصرنا. إن سارتر نفسه لم ينج من تلك التجربة كما بين بول افدوكيموف بقوله: “إن هاوية الحرية تثير، بشكل غريب جداً، الدوار والغثيان. وكأن لا بد من دفع ثمن الخداع. هذا ما توقعه دوستويفسكي عندما قال إن الإنسان لن يستطيع أبداً أن يحتمل نير الحرية وأن الماركسية تقدم أقصى الإمكانية للتجرد من هذه الهبة الملوكية. أن سارتر يقر بذلك: “لا أصل لشيء، لا يمكنني فكري من أن أبني شيئاً، إذاً لم يعد من حل سو الماركسية” (نقد العقل الجدلي).

إن الحرية، تلك “الهبة الملوكية”، عبء، على كل حال على الإنسان لأنه ينزع إلى الطمأنينة الرخيصة، ولكنها تصبح زوراً لا يحتمل إذا جردت من معناها كما هو الحال في المفهوم السارتري لها. (هذا ما يسميه افدوكيموف “ثمن الخداع”). إن هذا المعنى وحده ينقذ الحرية من فراغها ويجعل منها حرية أصيلة، لا قيداً يضاف إلى قيود الإنسان. لقد قال الرب يسوع: “ستعرفون الحق، والحق يحرركم” (يوحنا 8: 32). يقابل بول افدوكيموف تلك الكلمة الإلهية بتأكيد مارلو بونتي على ضرورة المعنى للإنسان، ويقول: “حسب الإنجيل، ما يجعل الإنسان حراً هو الحق أي المعنى”.

هذا المعنى الذي لا بد منه كي تكون الحرية أصيلة، لا يتحقق إلا إذا كانت الحرية تعني تحرير الإنسان من كل أغلاله. أن أكون حراً، هذا يعني، في الأعماق، أن أحطم قيودي وأتخلص من محدوديتي وأحقق ذاتي على أكمل وجه. وإلا لاقتصرت الحرية على اختيار قد يسمح لي بشيء من الشعور بالاستقلال ولكنه يفقد الكثير من معناها إذا بقيت جوهرياً أسير عجزي وفراغي. يقول سان اكسوبري: “ما أسميه حرية هو تحريرك”. أما سارتر، “فالحرية التي يتحدث عنها هي مطلق فارغ، إنها محصورة بالاختيار”.

يقول سارتر إن الحرية مرادفة لجاوز الذات المستمر الذي يتميز به الإنسان. ولكن هذا التجاوز مستقطب، وإلا لما كان. الحرية ليست، كما يتصورها سارتر، مجرد رفض لما هو قائم، هذا هو وجهها السلبي فقط. ولكن الإنسان لا يرفض الوضع الراهن إلا بسبب سعيه إلى الأفضل والأكمل. لا وجود لحرية الإنسان لولا المطلق الذي يستقطبها ويعطي لحركتها المستمرة وقلقها الذي لا ينتهي غاية ومعنى. ولكن ما معنى هذا التجاوز للذات، في مفهومه السارتري، الذي هو أفقي محض وممتد من عدم إلى عدم، من العدم الذي يخرج منه الإنسان إلى العدم الذي ينتهي إليه ويتلاشى فيه؟ ما معنى هذا التجاوز للنفس الذي يبقي الإنسان نهائياً على عزلته وشقائه وشروره وفنائه؟ ما معنى هذا التجاوز طالما الإنسان يبقى أسير ذاته وهزالتها؟

ولكن الإنسان لا ينجو من هزالته إلا بالآخر. هذا ما تثبته لنا الخبرة الإنسانية اليومية. الإنسان يكتمل بالحب، عندما يسلم ذاته لآخر عند ذاك يجد نفسه. الرجل والمرأة يكملان أحدهما الآخر في الحب الزوجي الذي يجمعهما، وكما يقول ميللر “في اللحظة التي يكونان فيها منجذبين خارج ذواتهما إلى أبعد حد، باندفاع الحب، في الحياة الزوجية المشتركة، في تلك اللحظة عينها يحس الرجل والمرأة أنهما يبلغان الحرية الحقة”. كذلك يكتمل الرجل بالأبوة – روحية كان أو جسدية – والمرأة بالأمومة، إذا عاشاها في أصالتها المعطاء. لم ير سارتر في الآخر إلا ذاك الذي يسلبني وجودي، ولم يتصور العلاقة بيني وبينه سوى صراع بين عزلتين. ولكن هذه النظرة القاتمة إلى العلاقات الإنسانية لا تأخذ بعين الاعتبار سوى جزء من الواقع. يقول روبير كوفي: “نعلم أن الإنسان، بالرغم من رغبته، لا يستطيع أبداً أن يتغلب على عزلته بشكل تام، ولكننا نعلم أيضاً بالاختبار أن الشركة ولو كانت محدودة وناقصة، تبقى حقيقة واقعية. نظر الأم يوقظ الحياة والحب. نظر الخطيبة والخطيب والزوج والزوجة والصديق يخلق الآخر… إن سارتر لا يشوه الإنسان وحسب، إنما يبدو جاهلاً للوقائع”. خبرة العلاقات الإنسانية، إن لم نبترها بتحيزنا، تعلمنا أن الآخر ليس هو مجرد تهديد لوجودي، إذ إنني به أوجَد. من هذه الخبرة الإنسانية الأصيلة انطلقت الفلسفة المظهرية الحديثة، لتبين “أن الإنسان لا يكتمل كإنسان إلا في الشركة، إلا في الحياة مع الآخرين. عوض “الأنا” يوجد “النحن”، تجاه “الأنا” يوجد “الأنت” ليعطيه معناه. وهكذا يبدو كيف أن إسلام الذات للآخر هو على خط الشخصية والحرية الحقة”.

هذا صحيح بالأحرى بالنسبة لعلاقة الإنسان بالله، إذا كان الإنسان لا يحقق ذاته إلا الآخر الإنساني، فإنه بالأحرى لا يحقق ذاته إلا بذلك الآخر الإلهي الذي منه يستمد كيانه. رفضه الله يعنى انفصاله عن جذور كيانه وينبوع وجوده. في هذا الانفصال لا يجد إلا العدم وحرية زائفة هي حرية العدم، حرية هي بمثابة انتحار كياني. يقول روبير كوفي: “لقد قتل سارتر الله. النتيجة الطبيعة لذلك هو أنه يؤله الإنسان. إنه يأتي من لا شيء ويذهب إلى لا شيء. إنه ليس سوى ومضة في ليل الأشياء. وفي هذا اللحظة الهزيلة التي تدعى الوجود، عليه أن يمثل أمام الإنسان الذي يقاضيه دون ان يعرفه والذي لا يعرف الرحمة والحب”.

“حرية” الزهرة، لو صح التعبير، ليس بأن تستقل عن الجذع فتذبل، بل أن تتصل به صميمياً، لأنها عند ذاك تحقق ملء وجودها كزهرة. كذلك “حرية” السمكة ليست بأن تخرج من الماء الذي يكتنفها، بل أن تبقى ملازمة له. هكذا، يقول شارل ميللر، فالإنسان “يجد حريته الحقة في عودته إلى القوى التي أعطته الحياة والتي تعطيه إياها باستمرار، في العمق”، ولذا “فالعمل الذي به ينفتح الإنسان إلى النعمة هو بمثابة عمل ذاك الذي بعود فيغطس في الماء المحيي. الزهرة المقطوعة تموت إذا بقيت وحدها، أما إذا غطست من جديد في الماء، فإنها تعد زهرة، تعود إلى أصالتها. العمل الذي يقتبل به الإنسان نعمة الإيمان النوارنية ليس سوى ذلك.” من آمن به، يقول يسوع، تجري من جوفه أنهار ماء حي”.

وجود الإنسان مستمد من آخر، وبعبارة أخرى وجوده نعمة، أي عطية حب، يقول الأب دانيالو: “أنا لست موجوداً إلا لأنني محبوب. ولذا أن أوجد يعني بالنسبة لي أن أحب بدوري، أن أجيب على النعمة بالشكر… منذ البدء أدخلت في دورة الحب، دورة النعمة والشكر. لا يسعني أن أنفصل. لأنني إذا انفصلت أدخل في نطاق…. اللامحدود. إنها لمفارقة جديرة بالاهتمام، إنني بقدر ما أريد الاكتفاء بذاتي أهدم ذاتي، فيما أؤكد ذاتي إذا اعترفت بعد كفايتي”.

على الإنسان إذاً أن يعترف بأنه ليس مصدراً ومحوراً لوجوده وأن يدخل في “دورة الحب” التي ذكرنا. عند ذاك يتقبل الوجود عطية حب من ربه، فيحقق ذاته بذلك الحب المحيي ويبلغ إلى الحرية الحقة. ولكن الإنسان قد يرفض ذلك، لأن “شهوته أن يملك ذاته. إنه يكره… أن يقبل بأن ينال كلياً في كل لحظة من آخر…لهذا السبب فإنه، إذا قاده ثقب نظره الماورائي إلى الاعتراف بأن كل خير آت من الله، يرتضي خطيئته، وبأن كل سعادة آتية من الله، يرتضي شقاءه، وبأن كل كينونة آتية من الله، يرتضي عدمه. لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي لديه لرفض الله، إذا كان كل ما هو كائن آتياً من الله وإذا كان قبول الكينونة اعترافاً بعدم الاستقلال”.

إن سارتر يفضل حرية العدم والفراغ على قبول الوجود من آخر عطية حب مجانية. ولا عجب في ذلك، فمن كان كسارتر لا يرى في الحب البشري سوى العبودية والاستعباد، لا يمكنه أن يفقه شيئاً في سر النعمة، لا يمكنه أن يفهم أن اتجاه الله نحو الإنسان، ذلك الاتجاه الذي شبهه الكتاب، في الأنبياء ونشيد الأنشاد وأمثال الإنجيل ورسائل بولس ورؤيا يوحنا، بالحب الزوجي، إن ذلك الاتجاه يمنح وحده الإنسان الحرية الحقة لأنه وحده يمده بطاقة تمكنه من تحقيق ذاته كلياً.

لقد ميز أوغسطينوس المغبوط بين ما دعاه “الحرية الصغرى”، ألا وهي حرية الاختيار، وما سماه “الحرية الكبرى”، وهي الاتحاد بالله. وقد حدد أحدهم الحرية الحقة بأنها” قدرة على الاختيار في خدمة قدرة على الاكتمال”. ذلك هو المفهوم الكتابي للحرية، تلك الحرية التي أعلنها الكتاب على أنها موهبة الله ودعوته للناس: “فأنتم، أيها الأخوة، إنما دعيتم إلى الحرية” (غلاطبة 5: 13)، “لقد حررنا المسيح لكي ننعم بهذه الحرية: فاثبتوا إذاً فيها ولا تعودوا ترتبطون بنير العبودية” (غلاطية 5: 1). ولكن الحرية، في المنظار الكتابي، لا تتحقق إذا شاءت أن تكتفي بذاتها وتنفصل، بل إذا قبلت بأن تدخل في “دورة الحب” المحيية. الحرية، بنظر الكتاب، لا تنفصل عن حياة الشركة، الشركة مع الله والشركة مع الناس التي تترجم وتحقق الأولى. ولذا فالخطيئة، حسب التعليم الكتابي، عدوة الحرية اللدود، لأنها، تحديداً، تلك الاكتفائية القتالة التي بها يفص الإنسان الشركة ينفصل عن ينبوع وجوده وكيانه، فيجف ويذبل ويصبح أسير عدمه وفراغه.

لذا قال الرب: “إن كل من يعمل الخطيئة هو بعد للخطيئة” (يوحنا 8: 34). لذا أيضاً فبعد أن قال الرسول بولس: “فأنتم أيها الأخوة، إنما دعيتم إلى الحرية”، أضاف: “ولكن لا تجعلوا هذه الحرية قرصة للجسد (أي، في لغة بولس، للإنسان المكتفي بذاته، المنفصل)، بل كونوا بالمحبة خداماً بعضكم لبعض” (غلاطية 5: 13). وكأنه يقول: يجب ألا تقودكم حرية الاختيار (وهي “الحرية الصغرى”) إلى الاكتفائية التي بها تزول حريتكم بالمعنى الكامل لهذا العبارة (وهي “الحرية الكبرى”، تحرر الإنسان من هزالته بدخوله في الشركة الإلهية)، تلك الحرية التي لا تتحقق إلا بالحب. الحرية، في الكتاب، هي ثمر الروح الإلهي الذي به يوجد الإنسان بوبه يتحقق ملء وجوده: “الرب هو الروح، وحيث يكون روح الرب، فهناك الحرية” (2كورنثوس 3: 17).

لذا فرفض الأبوة الإلهية يجعل الإنسان في عزلة وفراغ، أما العلاقة البنوية المعاشة بينه وبين خالق فإنها تمده “بمجد الله” أي بزخم الحياة الإلهية التي بها يتحرر من هزالة وضعف وعزلة وشر وموت. تلك هي الحرية التي حددها الرسول بولس على أنها تحرر من “الخضوع للباطل” ومن “عبودية الفساد”، حرية أبناء الله الذين تحرروا، بتلك البنوة عينها، من المحدودية والشر والموت، فأشاعوا تلك الحرية في الكون كله: “إن الخليقة ستعتق، هي أيضاً، من عبودية الفساد إلى حرية مجد أبناء الله” (رومية 8: 21).

هؤلاء الأبناء متصلون بالله دون أن يكون في ارتباطهم الصميمي به أي أثر للعبودية. ذلك لأن الله ليس كياناً غريباً مفروضاً على كيانهم، بل إنهم به، وبه وحده، يجدون ذواتهم. فالله هو الكائن المتعالي كلياً، ولكنه بآن أقرب إلى الإنسان من ذاته، حتى أن الإنسان لا يقترب من ذاته، الأصيلة، محققاً كل طاقاته، إلا بمقدار اقترابه من الله، من ذاك الذي أشار إليه الشاعر الكبير المعاصر بول كلوديل بقوله: “من هو فيّ أكثر أنا مما أنا”.

الخاتمة

فضل سارتر علينا، في نقده للدين، أنه يساعدنا على التحرر من مواقف دينية زائفة كثيراً ما نخلط بينها وبين الإيمان الأصيل. منها مثلاً ذلك الموقف السلبي في الدين الذي يعطل به الإنسان تفكيره ويتخلى عن كل مبادرة، ادعاء منه بأنه يطيع الله، فيما يكون منقاداً انقياداً أعمى للتقاليد وعوائد بشرية تجنته مشقة تحمل مسؤولياته واتخاذ موقف ملتزم، واع.

منها تلك الجبرية التي بموجبها نستسلم لما ندعي أن الله قد “كتبه” لنا، فنلقي هكذا على الله، أو بالأحرى على صنم نطلق عليه ذلك الاسم المعبود، مسؤولية جبننا وخنوعنا وتخاذلنا. ومنها أيضاً تحويلنا الأخلاق إلى مجموعة من الأوامر والنواهي ننقاد لها بشكل سلبي، أعمى، دون أن نعي ارتباطها الصميمي بمتطلبات كياننا العميقة، فنستعيض عن الضمير الحي، الواعي، الدائم اليقظة والانطلاق، بشريعة ملصقة بنا من الخارج، جامدة، مائتة، خائفة، تجنبنا حرفيتها الضيقة قلق الالتزام الحر وتحمينا من الدخول في مجازفة الحب الذي لا يقف عند حد. ومنها تجنب التفكير في أمور الحقيقة الإلهية (ألا يدعي البعض أن الغوص في شؤون الدين كفر؟)، كأن العقيدة الموحاة وجدت لتعفينا من التفكير، لا لتكون ملهمة ومغذية لفكر حيّ خلاق. ومنها أيضاً تلك الاتكالية التي هي صورة كاريكاتورية عن الثقة بالله والتي يحاول بها الإنسان أن يحمي نفسه من مجابهة الواقع ومن صعوبة وخطر النضال في سبيل تغيير أوضاع تنافي الكرامة الإنسانية.

يقول شارل ميللر بأن هناك نوعا ًمن الاتكال على الله هو طريقة للقبول بمصائب الناس وللحصور على طمأنينة رخيصة، بأن هنا عادة خبيثة تدفعنا إلى تشجيع نفوسنا بقولنا أن كل شيء سيجري على ما يرام، ويضيف: “كل شيء يدعوه سارتر سوء نية، ولكن المسيحي يدعوه خطيئة”. إنه خطيئة لأنه هروب وتخدير ونوم واستكانة أنانية جبانة، فيما تطلب المحبة منا يقظة وشجاعة ومجابهة والتزام: “يسوع في نزاع إلى منتهى الدهر، لذا لا ينبغي أن ننام في هذا الوقت.”

المسيحية، في أصالتها، بعيدة عن الاستكانة بعد السماء عن الأرض. يقول ميللر: “…. إن نعمة الله لا تطالنا (كما يتصور سارتر) بشكل دعوة للاستقالة والانقياد. إنها تدخل فينا بمثابة سيف، تمنعنا من النوم، تلزمنا على يقظة غير منقطة، المسيحي هو الساهر في “ليلة الفصح”، تلك الليلة التي لا ينبغي النوم فيها، إذ يجب ترقب “عبور الرب”.

المسيحية انطلاقاً لا نهاية لها لأنها اندماج الإنسان في الحياة الإلهية التي لا حد لها. من عرف الله حقيقة لا يمكنه أن يقف عند حد، لا يمكنه أن يرضى عن ذاته في حال من الأحوال، بل يحقق ذاته بتجاوز مستمر لذاته. كلما حالو الإنسان الاقتراب من الله، كلما ازداد شعوره ببعده عن ذلك الكائن اللامتناهي الذي يدعوه، وكلما ازداد بالتالي قلقه واشتياقه. هذا ما اختبره بنوع خاص كبار الروحيين: فقد تحدث غريغورس النيصصي مثلاً ذلك الخروج اللامتناهي من الذات نحو غور الله الذي لا يسبر عمقه.

“لقد وصف غريغوروس النيصصي وصفاً بديعاً ذلك اليأس الذي يعتري النفس الساعية إلى الله، التي ترجو في البدء أن تمسكه كله وتغتم لأنها تراه يفلت منها دوماً. ولكن “حجاب الحزن هذا ينزع عنها عندما تتعلم أن التمتع بالمحبوب هو بالضبط في هذا التقدم والارتقاء الدائمين، إذ أن الرغبة تلبى في كل لحظة فتنشئ رغبة بما لم يبلغ بعد” (تعليق على نشيد الأنشاد). هكذا فالنفس التي تنمو في حياة النعمة يملؤها الله دوماً على قدر طاقتها ولكن النعمة المعطاة لها توسع طاقتها وتجعلها قابلة لنعم جديدة. هكذا فالخبرة الصوفية قوامها امتلاك ورغبة بآن… إنها، يقول غريغوريوس، حركة وراحة، بئر مياه حية، ساكنة ومتفجرة بآن”.

يقول النيصصي: “حيث أن الجمال المطلق يكشف ذاته أكثر فأكثر، فعلى قدر التقدم يزداد اكتشاف الألوهة. وبسبب الغزارة الفائقة، غزارة الخيرات التي تكتشفها النفس باستمرار فيما يفوق الطبيعة، يبدو لها أنها لم تزل في أول ارتقائها. لذا يردد الكلمة لتلك التي سبقت فنهضت: “انهضي” ولتلك التي سبقت فأنت: “تعالي”. فإن الذي ينهض حقيقة عليه أن ينهض أبداً، والذي يركض نحو الرب لن يعوزه أبداً الفضاء الواسع ليتابع فيه جريه الإلهي. لأنه ينبغي للمرء أن ينهض دوماً وألا ينقطع أبداً عن الاقتراب ركضاً. لأن الذي يقول: انهض وتعال، يمنح فيك كل مرة نعمة ارتقاء أفضل”، وأيضاً: “والذي يرتقي لا يتوقف أبداً، بل ينطلق من يده إلى بدء، ماراً ببداءات لا تنتهي أبداً”.

الحياة الروحية خروج مستمر، السلاح دائم عن الذات تتحقق به الذات، لأنه انسلاخ عن محدوديتنا، كما أن النمو الطبيعي انفصال مستمر عن الأوضاع القديمة وحدودها لبلوغ حياة أوفر وأكمل. ليست محافظة شحيحة، خائفة، على كياننا، بل هي قبول بأن يضيع هذا الكيان لكي يوجد: “من أراد أن يخلص نفسه أضاعها، ومن أضاع نفسه من أجلي وجدها” (متى 16: 25). إنها خروج دائم للنفس من ذاتها لتجد ذاتها في من هو أعظم من ذاتها، كما قال أوغسطينوس: “لقد أخرجت نفسي، سكبت نفسي خارج ذاتها، إن بقيت نفسي في ذاتها لا تستطيع أن تجد إلا ذاتها”.

إنها فصح دائم، والفصح يعني عبوراً واجتيازاً، يعني اقتبالاً لصليب الانسلاخ الدائم عن “الإنسان القديم” (كولوسي 3: 9 ورومية 6: 6) المكتفي بذاته، المرتاح إلى حدوده (كما كان العبرانيون مرتاحين إلى عبودية فرعون، يحنون إليها) لكي نفسح مجالاً (لجدة الحياة) (رومية 6: 4 تتفجر فينا وتحولنا. هذا ما عناه الأرشمندريت الياس مرقص بقوله: “الحياة الروحية حركة فصحية نحو الله والآخرة” ، وقد كتب أيضاً بهذا الصدد: “نحن نطلب الحياة والحياة لنا هي بالضبط تلك الحركة الاشتياقية اللانهائية حو مصدر الوجود”، وأيضاً: “الله فيّ، في الداخل، في الطبيعة نحن لا محدودون كالله، مخلوقون على صورة لا محدودية الله. ولكن الله غير محدود “فعلاً” أما نحن فبالمصير. الوهتنا أن نتحول، أن نصير الله على الدوام. إن كوننا نتغير – نصير – يعطينا أجنحة على حد قول غريغوريوس النزينزي، وهذا مصدر كياننا. إن الخلق لا يزال جارياً بالنسبة لنا وسيزال إلى الأبد. نحن ننال أنفسنا كل لحظو من الله. “أبي حتى الآن يعمل”…

“…. الخروج من الذات هو بالنتيجة رجوع إلى الذات، إلى الروح العميقة التي في الذات تدعونا إلى الآب…”.

أين هذه الحياة الروحية المتحركة دوماً في تجاوز للذات لا متناه من الاستكانة والنوم اللذين يبدوان لسارتر جوهر التدين. غريب حقاً كون سارتر لم يستطع أن يميز بين الحياة الدينية الأصيلة وانحرافاتها. و”كأنه يقول ميللر، لم يقرأ أبداً نصاً انجيلياً واحداً، كتاباً واحداً لأحد الصوفيين”.

يعتقد سارتر أن نظر الله يسمر الإنسان، يجمده، يحول بينه وبين هذا التجاوز المستمر لذاته الذي هو مرادف لوجوده الإنساني الأصيل. هذا ما يبدو مثلاً في رواية “سبل الحرية” حيث نرى دانيال، وهو منحرف جنسياً، يحاول أن يتخلص من مسؤوليته، فيتجه إلى الله ويتصوره “نظراً محدقاً إليه”، فيقنع نفسه بأنه، كما أن الإنسان بنظره إلى الطاولة يحددها على أنها طاولة، ولا يسعها هي إلا أن تتقبل هذه التحديد، هكذا فالله بنظره إليه يحدده على أنه منحرف، على أن هذه طبيعته، ولم يبق له إذاً سوى تقبل هذا التحديد والعمل بموجبه دون أية مسؤولية. “ولكن المؤمن الأكثر فتورة، يقول ميللر، يعلم جيداً أن “نظر الله” هو نظر حب؛ وأنه، عوض أن يجمدنا، دعوة لنا، ضربة سيف تنفذ إلى مفصل النفس والروح لتعيد إلينا شعورنا بالمسؤولية، لتوقظ فينا حرية ماتت بالخطيئة”. هذا النظر الإلهي تجلت لنا نوعيته في يسوع المسيح.

يروي لنا الإنجيلي مرقص أن إنساناً أتى إلى يسوع سائلاً عما يجب أن يعمله ليرث الحياة الأبدية، “فحدق إليه يسوع، وأحبه؛ وقال له: “أمر واحد ينقصل: امض وبع كل ما لك، وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء؛ ثم تعال اتبعني” (مرقص 10: 20). هكذا كانت نظرة يسوع إلى هذا الشاب؛ نظرة الحب الذي يوقظ المحبوب إلى حياة أوفر وأغنى، ويفتح أمامه آفاقاً لا حد لها، آفاق تحقيق ملء الوجود بتجاوز كل امتلاك، لأن الإنسان مملوك مما يملكه، اسير ممتلكاته وخيراته التي تشده إليها وتحصره فيها وتحول دون تفجر طاقة الحب التي بها، وبها وحدها، يحيا ويحقق ذاته.

قضيتنا مع الله ليست أنه يريد تقييدنا وتجميدنا فيما نحن نثور لندافع عن حريتنا المهددة. الواقع هو العكس تماماً. فهمّ الله أن يوقظنا إلى أبعد حد؛ دعوته الدائمة إلينا أن نتجاوز ذواتنا لانهائياً بتلك الحياة الإلهية، حياته، التي يبثها فينا إن شئنا أن نتقبلها. همه أن يعطينا ذاته لكي نتجاوز كل الحدود ونصبح آلهة، وبذلك نصبح حقيقة أحراراً.

الله طموح بالنسبة إلينا فوق ما نستطيع أن نتصور: “ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه” (1كورنثوس 2: 9). ولكننا نحن نرهب هذا الطموح. ذلك أن الحرية الحقة هي تحرر من محدوديتنا، أما نحن فنطمئن إلى حدودنا، لا نريد أن نتغير جذرياً، لا نريد أن نتجاوز حدود هذا الأنا الضيق المألوف الذي نرتاح إليه، لا نريد أن نتسع إلى اللانهاية.

نرهب الحرية لأنها مقلقة، خطرة، كمن يبقى على الشاطئ لأنه لا يجرؤ على خوض عرض البحر واكتشاف عوالم جديدة. نحن في النهاية نرفض الله أو نستعيض عنه بصنم ندعو باسمه (وهذا أيضاً مظهر من مظاهر الرفض)، لأننا نرفض الحرية التي يدعونا إليها، تلك الحرية التي هي بآن انسلاخ جذري عن الذات. وتحقيق للذات بما يفوق الوصف. نرفض الله لأننا نخاف أن نتحول إلى آلهة. هذا ما عبر عنه الأب جان كاردونيل بقوله:

“الله لا يسلمنا هدية. إنه لا يعطينا شيئاً ما، لأن في ذلك ترفعاً، الله يعطينا شخصاً، وهذا الشخص هو شخصه. الله يعطي ذاته. في الصداقة، لا يعطي المرء شيئاً ما، ولكن شخصاً هو شخصه. كثيراً ما يكون إعطاء شيء تعبيراً عن عجز جذري عن إعطاء الذات. لذا فالله يسعى إلى الحوار معنا. الله يريد آلهة.”

“ولكن كوننا مخلوقات تود أن تبقى هكذا لتكون في اطمئنان، يجعلنا نرهب مصيرنا كآلهة. فنشك في كلية عطاء الله. ننسب لله نية مبينة، فنصور أنه لا يهبنا إلا جزءاً من مجاله ويحتفظ بالقس المفضل من ملكه.”

“الله يريد نفسه صديقاً لنا. يسعى إلى حوار الصداقة، اما نحن، فننتظر بكسل أوامر ننفذها. الله يكلمنا كصديق ونحن نجيبه كرعايا….”

“كثيراً ما يتصور المرء الله كأنه الصانع الأسمى. ولكن الله لا يصنعنا، إنه خالقنا. إنه يخلقنا بعدوى كيانية. ينظر إلينا نظرة صداقة، نظرة طموح. إنه يدعونا لنكون، ولتزداد دوماً كينونتنا.”

“الله لا يسيطر علينا، الله يوقظنا….”

“…. الله هو الرب بمعنى أن الموقظ الأسمى. إن مجده يشع ويسطع بقدر ما يكون الناس أكثر بلوغاً ورشداً. الله هو الله بقدر ما يكون البشر بشراً….”

خلاصة القول إن سارتر كان مصيباً في مطالبته بحرية الإنسان، في دعوته إلى نبذ كل خنوع وتخاذل واستكانة وإلى تحرير الوجود الإنساني من التبعية الطفيلية ليصبح جديراً ببالغ يتعهد مصيره تعهداً مسؤولاً. لقد كان مصيباً في تشهيره لكل مظاهر التدين الزائف التي تتخذ الله ذريعة للتهرب من المسؤولية والاقدام والالتزام.

لكن الالتباس المريع القائم في فكره حول نوعية علاقة الله بالإنسان، والذي غذته بلا شك تلك المظاهر الزائفة للدين التي ذكرناها، قاده إلى رفض الله وبالتالي إلى بتر الحرية نفسها وتشويهها. قد ردها إلى مظهرها السلبي، جعل منها قدرة على الرفض وحسب، وأفرغها من مضمونها، شأنه في ذلك شأن المراهق الذي يعجز عن تجاوز العناصر السلبية في ثورته ليجعل من تلك العناصر مرحلة في بناء نفسه والكون.

إن الحرية السارترية ترفض، تعارض، تنقد، تهدم، ولكنها لا تستطيع أن تبني شيئاً. إنها أسيرة فراغها. الله وحده يحرر الحرية، شرط أن نعرفه على حقيقته، لا كما تتصوره أهواءنا بل كما كشف ذاته لنا في يسوع المسيح، لا طاغية ومستبداً كجوبيتر “الذباب” بل عطاء كلياً وانعطافاً غير متناه، لا ملغياً وجودنا بل مؤكداّ له بإمداده من وجوده، لا مبطلاً حريتنا بل داعياً إيانا إلى الاشتراك في حريته بالتأله.

عند ذاك، إذا عرفنا أبوة الله، لا تبعية خانقة بل علاقة محيية، موقظة، محررة، استطعنا أن نجمع إلى شدة البالغين (“لا تكونوا اطفالاً مضطربين….”، “كونوا رجالاً، تشددوا….” يقول الرسول) تلك الطفولة الروحية التي يدعو إليها الإنجيل (“إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السماوات”) والتي هي موقف تقبل كياني وانفتاح بي وإسلام حر لذاك الذي به وحده نحقق ذواتنا لأنه أقرب إلينا من ذواتنا.

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

Exit mobile version