كتاب مع تساؤلات المرشدين – قضايا وحالات تربوية PDF – كوستي بندلي

كتاب مع تساؤلات المرشدين – قضايا وحالات تربوية PDF – كوستي بندلي

كتاب مع تساؤلات المرشدين، قضايا وحالات تربوية PDF – كوستي بندلي

كتاب مع تساؤلات المرشدين – قضايا وحالات تربوية PDF – كوستي بندلي

تحميل الكتاب PDF

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

يبقى أن سارتر لم يستطع أو لم يشأ أن يميز الإله الحي عن التصورات الصنمية التي يكونها الإنسان عنه، فرفض الله لكي يوجد الإنسان، أو بعبارة أخرى ليكون الإنسان حراً، إذ أن الحرية والوجود هما في نظر سارتر أمر واحد. رفض الله، بالنسبة لسارتر، يطلق حرية الإنسان، لأنه عند ذاك مرغم أن يخلق ذاته وأن يخلق القيم إذ ليس له ما يستند إليه خارج اختياره. بهذا المعنى قال سارتر: “لقد كتب دوستويفسكي: لو كان الله غير موجود، فكي شيء يكون مسموحاً. هذا هو نقطة انطلاق الوجودية. بالفعل كل شيء مسموح إذا كان الله غير موجود، وإذاً فالإنسان متروك لأنه لا يجد لا في ذاته، ولا خارج ذاته إمكانية التعلق بشيء”.

هكذا فحرية الإنسان هي، بنظر سارتر، المرجع الوحيد لكل شيء لم يعد للإنسان نموذج إلهي يعود إليه في تقييم أموره وفي تحقيق ذاته، إنما صار عليه أن “يخترع” ذاته والقيم، وهكذا بقبوله تلك العزلة يبلغ إلى ملء قامته كإنسان ويحافظ على أثمن ما لديه، على تلك الحرية التي هي مرادفة لوجوده.

ولكن ما هي تلك الحرية التي يجعل فيها سارتر كل كرامة الإنسان؟ إنها فراغ ظهر في ملء الكون. إنها “عدم”، يقول سارتر، ويعني بذلك أنها غير موجودة ولكنها مجرد قوة نفي ورفض، بها ينفصل الإنسان عن أوضاعه ليتجاوزها. ولكن يتجاوزها إلى أين وبالرجوع إلى أية مقاييس؟ ليس للحرية مقاييس بنظر سارتر وليس لها ما يستقطبها. إنها لذاتها المقياس والمرجع والهدف الوحيد. لا مبرر لها ولا غاية. تظهر يوماً إلى حيز الوجود ثم تتلاشى كلياً بالموت دون أن يكون لوجودها أو تلاشيها من معنى: “كل حي يولد دون مبرر ويستمر عن ضعف ويموت صدفة”. وهكذا يكون الإنسان “شهوة لا جدوى لها”. إن حريته تعطي للأشياء معاني ولكنها هو ووجوده لا معنى لهما. لذا فالحرية عبء على الإنسان لأنها فراغ دائم عبثاً يفتش الإنسان فيه عن كيانه ليستريح إليه، الإنسان “محكوم عليه بالحرية”.

تلك هي الحرية التي يعطيها سارتر قيمة مطلقة. ولكن فلنتساءل إذا كان مفهومه هذا للحرية يشكل جواباً مرضياً على مشكلة الإنسان. أمران يبدوان لنا عند ذاك، أولهما أن هذا المفهوم للحرية لا يخلو من متناقضات جوهرية، والثاني أنه تشويه وبتر للحرية الحقة.

1 – المفهوم السارتري للحرية لا يخلو من متناقضات جوهرية

 يقول سارتر إن الكون والوجود الإنساني لا معنى لهما ولا مبرر، ولكنه من جهة أخرى يقرر بأن الإنسان في سعي مستمر إلى المعنى وأنه تحديداً كائن يعكي للأشياء ولأعماله معاني. ولكن السؤال الذي يبقى دون جواب في هذا المنظار السارتري هو الآتي: إذا كان الوجود كله، بما فيه الوجود الإنساني، لا معنى له، فمن أين للإنسان ذلك التوق إلى المعنى؟ من أين له تلك الحرية التي همها أن توجد معاني؟ كيف يُعقل وجود تلك الحرية التائقة إلى المعنى وسط عالم لا معنى له بتاتاً؟ من أين أتت تلك الحرية؟ كيف برزت في كون غريب عنها بالكلية؟ هذا ما عبر عنه جان لاكروا بقوله: “إذا كان العالم مجرداً من كل معنى، وإذا كان للإنسان تطلباً للمعنى، فمن أين يأتي هذا التطلب الإنساني، من أين يأتي الإنسان؟”

أضف إلى ذلك أن تقرير اللامعنى في الكون وفي الوضع الإنساني يفترض وجود معنى نحتكم إليه في تقريرنا هذا. فاللامعنى لا يحدد إلا بالنسبة لمعنى يتطلع الإنسان إليه ويصبو. وإلا لقبلنا الوجود على أنه واقع ليس إلا. لكن طالما ان الحرية تنتصب أمام الكون لتحكم عليه بأنه لا معنى، فهذا يفترض أن هناك معنى يستقطبها وإليه تعود في حكمها هذا، وإنها بالتالي لا يمكن أن تكون مجرد فراغ لا مبرر له ولا غاية. هذا ما عبر عنه مثلاً رينه حبشي في مؤلفاته، وقد لخص الدكتور جميل صليبا موقف هذا المفكر فيما يلي: “…. إذا كان الإنسان يدرك ما في وجوده الواقعي من نقص، فمرد ذلك إلى شعوره بالكمال. وإذا كان يدرك المحال المتجلي في حطام الوجود، فمرد ذلك إلى شعوره بإمكان الخروج منه”.

هذا المعنى الذي تسمو به الحرية الإنسانية على الوجود لتقيم بالقياس إليه الوجود لا يمكن أن ينبع إلا من الله، قاعدة الوجود وغايته. لذا فتقرير عبثية الوجود يفترض ضمناً الرجوع إلى ذلك القياس الإلهي الذي تنفيه عبثية سارتر وغيره: تلك هي المفارقة كما بينها مثلاً بول افدوكيموف بقوله: “إن أكبر مفارقة هي أن اليأس في ذروته يعود حتماً إلى المطلق المعلنة استحالته… وفي النهاية غياب الله هو الذي يجعل العالم عبثاً ويائساً، إنه وحده يبرر المواقف القصوى التي تقفها الوجودية… إن الله، ولو سلبياً، يستخدم هنا كمقياس: كل شيء يقيم بالإضافة إلى غياب المعنى الإلهي”.

مجمل الكلام، أن الحرية السارترية بحاجة إلى الله لكي تقرر أن الكون لا معنى له وتنفي بالتالي وجود الله. لذا فالإلحاد السارتري تراوده، شاء أم أبى، فكرة الله، وما تهالكه على نفي الله، كما يتجلى مثلاً في مسرحية “الشيطان والله”، حيث يدوي اسم الله في كل صفحة، سوى محاولة للتخلص من “شبح” ذاك الذي تصور أنه “قتله”.

ثم أن سارتر ينسب للحرية قدرة على أن توجد الإنسان. فالإنسان “ليس في البدء شيئاً. لن يوجد إلا فيما بعد، وعند ذاك يكون كما صنع نفسه… الإنسان هو فقط، ليس كما يتصور نفسه وحسب، بل كما يريد نفسه… ليس الإنسان سوى ما صنع نفسه”. لا شيء إذاً، في هذا المنظار، مفروض على الإنسان. فالحرية تتخطى كل ضغط الأوضاع البيولوجية والاجتماعية والظروف المعيشية، تتخطى ذلك كله لتوجد الإنسان كما يشاء هو أن يكون. فالإنسان صنيعة نفسه، صنيعة حريته وحسب، لا وليد الأوضاع التي وُجد فيها. هذا التأكيد على الحرية الإنسانية، على ما فيه من مبالغة، هو من أنبل مظاهر الفكر السارتري. ولكن التناقض يبدو بين تلك القدرة الخلاقة التي تُنسب إلى الحرية، من جهة، وبين كون تلك الحرية، من المنظار السارتري، مجرد فراغ يبرز لحظة وبلا مبرر في ملء الوجود لكي يتلاشى بالكلية دون أن يكون لوجوده هدف أو غاية. كيف يمكن للفراغ الذي لا معنى له أن يكون خلاقاً وأن يصنع أسمى المعاني وأنبلها؟ إذا كانت الحرية مجرد ثغرة في كثافة الكون، كما يعتبرها سارتر، فأنى لها أن تبدع في الكون وتغير وجه الأرض؟ بالطبع يرفض سارتر الإجابة على هذا السؤال لأن من ورائه سعياً إلى اكتشاف منطق في الوجود، فيما أن الوجود بنظره لا منطق فيه ولا مبرر له. هذا ما يدعوه سارتر في كتابه “الكائن والعدم”، وكأنه يقول: الأمور هكذا لأنها هكذا. ولكن هذا الموقف يشكل انتحاراً للعقل الذي لا بد له أن يفتش عن علة الأشياء. لذا فإذا رأينا أن الحرية تحرر الإنسان من عبودية نواميس الكون وقيوده، وجب علينا أن نفتش عن أصلها خارج الكون وأن نعتبرها مساهمة منحت للإنسان في سيادة سيد الكون ومبدعه. يقول الفيلسوف الوجودي ياسبرز أن من اختبر حقاً حريته وعن تجذره في الله: “عندما نقرر بحرية، ويتخذ كل شيء معناه لنا و…. نمتلك حياتنا، نعي بأننا لسنا مدينين بكياننا لنا وحدنا.

“على قمم الحرية، عندما يبدو لنا عملنا ضرورياً، لا بضغط خارجي صادر عن حتمية طبيعة لا تلين، بل بموافقة كياننا الداخلية… نعي أننا لأنفسنا، في حريتنا، هدية من التعالي. كلما كان الإنسان حقيقة حراً، كلما كان متيقناً من الله. عندما أكون حقيقة حراً، أكون متيقناً بأنني لست هكذا بنفسي”.

وبالمعنى نفسه، وبالاستناد إلى ياسبرز، كتب المفكر الأرثوذكسي بول افدوكيموف: “يجب الاعتراف بعظمة الوجودية التي ركزت كل تفكيرها على الحرية. تلك الحرية، التي هي بداهة أساسية للفكر البشري، تشكل شرط النشاط الإنساني الخلاق. ولكن هذه الوظيفة لا يمكن أن تأتي، إلا، إلا إذا ناقضت نفسها، من العالم، من مجموعات التبعيات والقيود التي تكونه. من البديهي أن الحرية تتعالى على الكون، وأن مصدرها خارج الكون، وأنها تقدم كهبة ملوكية. لذا، ففي فلسفة كارل باسبرز العميقة، الحرية تشير بوضوح إلى الواهب، تشهد بقوة لوجود الله. إن فضل ياسبرز الكبير هو أنه اكتشف في الحرية الإنسانية برهان الوجود الإلهي…”.

الله وحده وطن الحرية الإنسانية. منه تستمد وجودها، ولكنها أيضاً إياه تبتغي لأنها به وبه وحده تحقق ذاتها. الحرية دون الله وهم وسراب. هذا ما بقي علينا أن نوضحه تجاه المفهوم السارتري للحرية.

2 – الحرية السارترية مشوهة، مبتورة

إن المفهوم السارتري للحرية يجعل منها المرجع الوحيد للإنسان، فلا أصل لها تستند إليه ولا غاية تتجه نحوها، إنما تخرج من لا شيء وتذهب إلى لا شيء. وبذلك تفقد تلك الحرية كل معنى، ويفقد الإنسان معها معناه، فيصبح، وهو الذي أراده سارتر موجوداً برفض الله، غير موجود بالحقيقة لأن وجوده لا طائل له ولا هدف. وبذلك تكون تلك الحرية قيداً على الإنسان لأنها أغلقت عليه في عزلة مميتة وحصرته في عدمه ولا معناه.

يجعل سارتر من الحرية قوام الوجود الإنساني، ولكن الصحيح أن أعمق ما في الإنسان هو السعي إلى المعنى، إلى اكتشاف معنى لوجوده ولحريته نفسها. لذا نرى موريس مارلو بونتي، وهو قطب آخر من أقطاب الوجودية الملحدة، يؤكد بأن الإنسان محكوم عليه بالمعنى. ويعلق بول افدوكيموف على هذا التأكيد بقوله: “يقول مارلو بونتي، راداً على سارتر: إن الإنسان ليس محكوماً عليه بالحرية، إنما هو محكوم عليه بالمعنى، وهذا يعني أن محكوم عليه بأن يكتشف معنى الوجود، وقبل كل شيء معنى الحرية نفسها”.

لا حرية حقة إذا كان الإنسان أسير اللامعنى. كيف نسمي حراً ذلك الإنسان الضائع، المبعثر، الذي يحيا دون أن يدرك للحياة معنى؟ إن إنساناً كهذا تائه في صحراء، وهل يُعقل أن نسمي التيه في الصحراء حرية؟ يقول الكاتب الفرنسي الكبير أنطوان دي سان اكسوبري: “هل تدعو حق التيه في الفراغ، حرية؟!”

تلك الحرية الجوفاء وصفها لنا الكاتب نفسه – ولم يكن مؤمناً – كمرض من أمراض الإنسانية المعاصرة. فصورها لنا مثلاً في كتابه الرمزي “الأمير الصغير” بشكل مسافرين يتنقلون في القطار من مكان إلى مكان دون هوادة ودون هدف. فعندما يسأ الأمير الصغير عامل السكة الحديدية عن ركاب قطار مر أمامه: “إنهم مسرعون كثيراً. فإلى ما يسعون؟”، يجيب العامل: “إن رجل القاطرة نفسه يجهل ذلك”. وفي إحدى رسائله كتب سان اكسوبري سنة 1943 واصفاً الإنسانية المعاصرة: “أنا مغتم من أجل جيلي، الفارغ من كل جوهر إنساني… أكره زمني من كل قواي لأن الإنسان يموت فيه عطشاً… هناك مسألة واحدة ليس إلا، مسألة واحدة في العالم، ألا وهي أعادة معنى روحي للناس… لم يعد بوسعنا أن نحيا من البرادات والسياسة والميزانيات والكلمات المتقاطعة… لم يعد بوسعنا أن نعيش دون شعر ولون وحب”. إنه في تلك الرسالة، يلاحظ “اليأس الروحي” الذي ينتاب البشر من جراء فقدان معنى وجودهم و”صحراء الإنسان” التي يتيهون فيها، ويقول: “ليس هناك سوى مسألة، مسألة واحدة: أن يكتشف الإنسان من جديد أن هناك حياة للروح أسمى من حياة الفكر نفسها، وأنها وحدها ترضي الإنسان”.

ضياع معنى الوجود عند الكثيرين في أيامنا يفسر إلى حد ما رواج فلسفة سارتر. لقد بين الطبيب النفسي الشهير رودولف الليرس التجاوب القائم بين تلك الفلسفة من جهة وعجز الكثيرين في أيامنا عن معرفة مكانهم في الوجود، من جهة أخرى، وأضاف: “لم يعد البشر يجدون مكانهم لأنهم لم يعودوا يعرفون ما هم. لا يمكن فهم المحدود إلا بالإضافة إلى اللامحدود. الصورة لا تأخذ معناها إلا كانعكاس الأصل. لكي يفهم الإنسان نفسه، يجب عليه أن يدرك من جديد، وبمجموعة كيانه، إنه مصنوع على صورة خالقه ومثاله”.

إن سارتر يرفض بالضبط أن يكون للإنسان هذا المرجع الإلهي، ولذا فالحرية التي ينادي بها محكوم عليها بأن تخبط خبط عشواء. لا يمكنها أن تستنير بقيم لأنها هي مخترعة القيم. لذا، “فسيّان، يقول سارتر، بين ان يسكر المرء وحده أو أن يقود الشعوب”. نعم لقد حاول سارتر أن يبني مناقبية على تلك الحرية المعتبرة مرجعاً لكل شيء، فقال بوجوب العمل على إقامة نظام سياسي واجتماعي يضمن الحرية للجميع، إذ أن الحرية هي أثمن ما في الإنسان. ولكن أسس تلك المناقبية ضعيفة، إذ ما الذي يمنع الحرية، وهي القيمة المطلقة التي لا مرجع لها سوى ذاتها، من أن تختار تأكيد ذاتها عن طريق التسلط واستعباد الغير. ما الذي يمنعها أن تجد نشوتها، إن شاءت، في تحطيم ومحو ذاتها؟ ما الذي يمنعها أن تعتمد سلوكاً لا إنسانياً طالما هي وحدها ترسم، بقرار منها، الحدود بين ما هو إنساني وما هو غير إنساني؟

تلك الحرية الفاقدة المعنى، السائرة على غير هدى، إنما هي عبء لا يطاق على الإنسان، لا لكونها تنافي ميله إلى الراحة والطمأنينة وحسب، كما يبدو لسارتر الذي يعتبر قذراً كل من رفض الحرية التي يبشر بها، بل لكونها تناقض أعمق ما في إنسانية الإنسان، ألا وهو عطشه إلى معنى يقيّم به وجوده، معنى يكشف له من هو وما هو مكانه في الكون. فلا عجب، والحالة هذه، أن يحاول الإنسان التخلص من عبء تلك الحرية بانضوائه تحت لواء مذهب شمولي يستعبد نفسه له كلياً، وبخضوعه الأعمى لزعيم سياسي مؤله، مفضلاً طغيانه وارهابه على ممارسة حرية لا طائل لها ولا هدف. هذا بعض ما يفسر نجاح النازية والفاشية والستالينية في عصرنا. إن سارتر نفسه لم ينج من تلك التجربة كما بين بول افدوكيموف بقوله: “إن هاوية الحرية تثير، بشكل غريب جداً، الدوار والغثيان. وكأن لا بد من دفع ثمن الخداع. هذا ما توقعه دوستويفسكي عندما قال إن الإنسان لن يستطيع أبداً أن يحتمل نير الحرية وأن الماركسية تقدم أقصى الإمكانية للتجرد من هذه الهبة الملوكية. أن سارتر يقر بذلك: “لا أصل لشيء، لا يمكنني فكري من أن أبني شيئاً، إذاً لم يعد من حل سو الماركسية” (نقد العقل الجدلي).

إن الحرية، تلك “الهبة الملوكية”، عبء، على كل حال على الإنسان لأنه ينزع إلى الطمأنينة الرخيصة، ولكنها تصبح زوراً لا يحتمل إذا جردت من معناها كما هو الحال في المفهوم السارتري لها. (هذا ما يسميه افدوكيموف “ثمن الخداع”). إن هذا المعنى وحده ينقذ الحرية من فراغها ويجعل منها حرية أصيلة، لا قيداً يضاف إلى قيود الإنسان. لقد قال الرب يسوع: “ستعرفون الحق، والحق يحرركم” (يوحنا 8: 32). يقابل بول افدوكيموف تلك الكلمة الإلهية بتأكيد مارلو بونتي على ضرورة المعنى للإنسان، ويقول: “حسب الإنجيل، ما يجعل الإنسان حراً هو الحق أي المعنى”.

هذا المعنى الذي لا بد منه كي تكون الحرية أصيلة، لا يتحقق إلا إذا كانت الحرية تعني تحرير الإنسان من كل أغلاله. أن أكون حراً، هذا يعني، في الأعماق، أن أحطم قيودي وأتخلص من محدوديتي وأحقق ذاتي على أكمل وجه. وإلا لاقتصرت الحرية على اختيار قد يسمح لي بشيء من الشعور بالاستقلال ولكنه يفقد الكثير من معناها إذا بقيت جوهرياً أسير عجزي وفراغي. يقول سان اكسوبري: “ما أسميه حرية هو تحريرك”. أما سارتر، “فالحرية التي يتحدث عنها هي مطلق فارغ، إنها محصورة بالاختيار”.

يقول سارتر إن الحرية مرادفة لجاوز الذات المستمر الذي يتميز به الإنسان. ولكن هذا التجاوز مستقطب، وإلا لما كان. الحرية ليست، كما يتصورها سارتر، مجرد رفض لما هو قائم، هذا هو وجهها السلبي فقط. ولكن الإنسان لا يرفض الوضع الراهن إلا بسبب سعيه إلى الأفضل والأكمل. لا وجود لحرية الإنسان لولا المطلق الذي يستقطبها ويعطي لحركتها المستمرة وقلقها الذي لا ينتهي غاية ومعنى. ولكن ما معنى هذا التجاوز للذات، في مفهومه السارتري، الذي هو أفقي محض وممتد من عدم إلى عدم، من العدم الذي يخرج منه الإنسان إلى العدم الذي ينتهي إليه ويتلاشى فيه؟ ما معنى هذا التجاوز للنفس الذي يبقي الإنسان نهائياً على عزلته وشقائه وشروره وفنائه؟ ما معنى هذا التجاوز طالما الإنسان يبقى أسير ذاته وهزالتها؟

ولكن الإنسان لا ينجو من هزالته إلا بالآخر. هذا ما تثبته لنا الخبرة الإنسانية اليومية. الإنسان يكتمل بالحب، عندما يسلم ذاته لآخر عند ذاك يجد نفسه. الرجل والمرأة يكملان أحدهما الآخر في الحب الزوجي الذي يجمعهما، وكما يقول ميللر “في اللحظة التي يكونان فيها منجذبين خارج ذواتهما إلى أبعد حد، باندفاع الحب، في الحياة الزوجية المشتركة، في تلك اللحظة عينها يحس الرجل والمرأة أنهما يبلغان الحرية الحقة”. كذلك يكتمل الرجل بالأبوة – روحية كان أو جسدية – والمرأة بالأمومة، إذا عاشاها في أصالتها المعطاء. لم ير سارتر في الآخر إلا ذاك الذي يسلبني وجودي، ولم يتصور العلاقة بيني وبينه سوى صراع بين عزلتين. ولكن هذه النظرة القاتمة إلى العلاقات الإنسانية لا تأخذ بعين الاعتبار سوى جزء من الواقع. يقول روبير كوفي: “نعلم أن الإنسان، بالرغم من رغبته، لا يستطيع أبداً أن يتغلب على عزلته بشكل تام، ولكننا نعلم أيضاً بالاختبار أن الشركة ولو كانت محدودة وناقصة، تبقى حقيقة واقعية. نظر الأم يوقظ الحياة والحب. نظر الخطيبة والخطيب والزوج والزوجة والصديق يخلق الآخر… إن سارتر لا يشوه الإنسان وحسب، إنما يبدو جاهلاً للوقائع”. خبرة العلاقات الإنسانية، إن لم نبترها بتحيزنا، تعلمنا أن الآخر ليس هو مجرد تهديد لوجودي، إذ إنني به أوجَد. من هذه الخبرة الإنسانية الأصيلة انطلقت الفلسفة المظهرية الحديثة، لتبين “أن الإنسان لا يكتمل كإنسان إلا في الشركة، إلا في الحياة مع الآخرين. عوض “الأنا” يوجد “النحن”، تجاه “الأنا” يوجد “الأنت” ليعطيه معناه. وهكذا يبدو كيف أن إسلام الذات للآخر هو على خط الشخصية والحرية الحقة”.

هذا صحيح بالأحرى بالنسبة لعلاقة الإنسان بالله، إذا كان الإنسان لا يحقق ذاته إلا الآخر الإنساني، فإنه بالأحرى لا يحقق ذاته إلا بذلك الآخر الإلهي الذي منه يستمد كيانه. رفضه الله يعنى انفصاله عن جذور كيانه وينبوع وجوده. في هذا الانفصال لا يجد إلا العدم وحرية زائفة هي حرية العدم، حرية هي بمثابة انتحار كياني. يقول روبير كوفي: “لقد قتل سارتر الله. النتيجة الطبيعة لذلك هو أنه يؤله الإنسان. إنه يأتي من لا شيء ويذهب إلى لا شيء. إنه ليس سوى ومضة في ليل الأشياء. وفي هذا اللحظة الهزيلة التي تدعى الوجود، عليه أن يمثل أمام الإنسان الذي يقاضيه دون ان يعرفه والذي لا يعرف الرحمة والحب”.

“حرية” الزهرة، لو صح التعبير، ليس بأن تستقل عن الجذع فتذبل، بل أن تتصل به صميمياً، لأنها عند ذاك تحقق ملء وجودها كزهرة. كذلك “حرية” السمكة ليست بأن تخرج من الماء الذي يكتنفها، بل أن تبقى ملازمة له. هكذا، يقول شارل ميللر، فالإنسان “يجد حريته الحقة في عودته إلى القوى التي أعطته الحياة والتي تعطيه إياها باستمرار، في العمق”، ولذا “فالعمل الذي به ينفتح الإنسان إلى النعمة هو بمثابة عمل ذاك الذي بعود فيغطس في الماء المحيي. الزهرة المقطوعة تموت إذا بقيت وحدها، أما إذا غطست من جديد في الماء، فإنها تعد زهرة، تعود إلى أصالتها. العمل الذي يقتبل به الإنسان نعمة الإيمان النوارنية ليس سوى ذلك.” من آمن به، يقول يسوع، تجري من جوفه أنهار ماء حي”.

وجود الإنسان مستمد من آخر، وبعبارة أخرى وجوده نعمة، أي عطية حب، يقول الأب دانيالو: “أنا لست موجوداً إلا لأنني محبوب. ولذا أن أوجد يعني بالنسبة لي أن أحب بدوري، أن أجيب على النعمة بالشكر… منذ البدء أدخلت في دورة الحب، دورة النعمة والشكر. لا يسعني أن أنفصل. لأنني إذا انفصلت أدخل في نطاق…. اللامحدود. إنها لمفارقة جديرة بالاهتمام، إنني بقدر ما أريد الاكتفاء بذاتي أهدم ذاتي، فيما أؤكد ذاتي إذا اعترفت بعد كفايتي”.

على الإنسان إذاً أن يعترف بأنه ليس مصدراً ومحوراً لوجوده وأن يدخل في “دورة الحب” التي ذكرنا. عند ذاك يتقبل الوجود عطية حب من ربه، فيحقق ذاته بذلك الحب المحيي ويبلغ إلى الحرية الحقة. ولكن الإنسان قد يرفض ذلك، لأن “شهوته أن يملك ذاته. إنه يكره… أن يقبل بأن ينال كلياً في كل لحظة من آخر…لهذا السبب فإنه، إذا قاده ثقب نظره الماورائي إلى الاعتراف بأن كل خير آت من الله، يرتضي خطيئته، وبأن كل سعادة آتية من الله، يرتضي شقاءه، وبأن كل كينونة آتية من الله، يرتضي عدمه. لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي لديه لرفض الله، إذا كان كل ما هو كائن آتياً من الله وإذا كان قبول الكينونة اعترافاً بعدم الاستقلال”.

إن سارتر يفضل حرية العدم والفراغ على قبول الوجود من آخر عطية حب مجانية. ولا عجب في ذلك، فمن كان كسارتر لا يرى في الحب البشري سوى العبودية والاستعباد، لا يمكنه أن يفقه شيئاً في سر النعمة، لا يمكنه أن يفهم أن اتجاه الله نحو الإنسان، ذلك الاتجاه الذي شبهه الكتاب، في الأنبياء ونشيد الأنشاد وأمثال الإنجيل ورسائل بولس ورؤيا يوحنا، بالحب الزوجي، إن ذلك الاتجاه يمنح وحده الإنسان الحرية الحقة لأنه وحده يمده بطاقة تمكنه من تحقيق ذاته كلياً.

لقد ميز أوغسطينوس المغبوط بين ما دعاه “الحرية الصغرى”، ألا وهي حرية الاختيار، وما سماه “الحرية الكبرى”، وهي الاتحاد بالله. وقد حدد أحدهم الحرية الحقة بأنها” قدرة على الاختيار في خدمة قدرة على الاكتمال”. ذلك هو المفهوم الكتابي للحرية، تلك الحرية التي أعلنها الكتاب على أنها موهبة الله ودعوته للناس: “فأنتم، أيها الأخوة، إنما دعيتم إلى الحرية” (غلاطبة 5: 13)، “لقد حررنا المسيح لكي ننعم بهذه الحرية: فاثبتوا إذاً فيها ولا تعودوا ترتبطون بنير العبودية” (غلاطية 5: 1). ولكن الحرية، في المنظار الكتابي، لا تتحقق إذا شاءت أن تكتفي بذاتها وتنفصل، بل إذا قبلت بأن تدخل في “دورة الحب” المحيية. الحرية، بنظر الكتاب، لا تنفصل عن حياة الشركة، الشركة مع الله والشركة مع الناس التي تترجم وتحقق الأولى. ولذا فالخطيئة، حسب التعليم الكتابي، عدوة الحرية اللدود، لأنها، تحديداً، تلك الاكتفائية القتالة التي بها يفص الإنسان الشركة ينفصل عن ينبوع وجوده وكيانه، فيجف ويذبل ويصبح أسير عدمه وفراغه.

لذا قال الرب: “إن كل من يعمل الخطيئة هو بعد للخطيئة” (يوحنا 8: 34). لذا أيضاً فبعد أن قال الرسول بولس: “فأنتم أيها الأخوة، إنما دعيتم إلى الحرية”، أضاف: “ولكن لا تجعلوا هذه الحرية قرصة للجسد (أي، في لغة بولس، للإنسان المكتفي بذاته، المنفصل)، بل كونوا بالمحبة خداماً بعضكم لبعض” (غلاطية 5: 13). وكأنه يقول: يجب ألا تقودكم حرية الاختيار (وهي “الحرية الصغرى”) إلى الاكتفائية التي بها تزول حريتكم بالمعنى الكامل لهذا العبارة (وهي “الحرية الكبرى”، تحرر الإنسان من هزالته بدخوله في الشركة الإلهية)، تلك الحرية التي لا تتحقق إلا بالحب. الحرية، في الكتاب، هي ثمر الروح الإلهي الذي به يوجد الإنسان بوبه يتحقق ملء وجوده: “الرب هو الروح، وحيث يكون روح الرب، فهناك الحرية” (2كورنثوس 3: 17).

لذا فرفض الأبوة الإلهية يجعل الإنسان في عزلة وفراغ، أما العلاقة البنوية المعاشة بينه وبين خالق فإنها تمده “بمجد الله” أي بزخم الحياة الإلهية التي بها يتحرر من هزالة وضعف وعزلة وشر وموت. تلك هي الحرية التي حددها الرسول بولس على أنها تحرر من “الخضوع للباطل” ومن “عبودية الفساد”، حرية أبناء الله الذين تحرروا، بتلك البنوة عينها، من المحدودية والشر والموت، فأشاعوا تلك الحرية في الكون كله: “إن الخليقة ستعتق، هي أيضاً، من عبودية الفساد إلى حرية مجد أبناء الله” (رومية 8: 21).

هؤلاء الأبناء متصلون بالله دون أن يكون في ارتباطهم الصميمي به أي أثر للعبودية. ذلك لأن الله ليس كياناً غريباً مفروضاً على كيانهم، بل إنهم به، وبه وحده، يجدون ذواتهم. فالله هو الكائن المتعالي كلياً، ولكنه بآن أقرب إلى الإنسان من ذاته، حتى أن الإنسان لا يقترب من ذاته، الأصيلة، محققاً كل طاقاته، إلا بمقدار اقترابه من الله، من ذاك الذي أشار إليه الشاعر الكبير المعاصر بول كلوديل بقوله: “من هو فيّ أكثر أنا مما أنا”.

الخاتمة

فضل سارتر علينا، في نقده للدين، أنه يساعدنا على التحرر من مواقف دينية زائفة كثيراً ما نخلط بينها وبين الإيمان الأصيل. منها مثلاً ذلك الموقف السلبي في الدين الذي يعطل به الإنسان تفكيره ويتخلى عن كل مبادرة، ادعاء منه بأنه يطيع الله، فيما يكون منقاداً انقياداً أعمى للتقاليد وعوائد بشرية تجنته مشقة تحمل مسؤولياته واتخاذ موقف ملتزم، واع.

منها تلك الجبرية التي بموجبها نستسلم لما ندعي أن الله قد “كتبه” لنا، فنلقي هكذا على الله، أو بالأحرى على صنم نطلق عليه ذلك الاسم المعبود، مسؤولية جبننا وخنوعنا وتخاذلنا. ومنها أيضاً تحويلنا الأخلاق إلى مجموعة من الأوامر والنواهي ننقاد لها بشكل سلبي، أعمى، دون أن نعي ارتباطها الصميمي بمتطلبات كياننا العميقة، فنستعيض عن الضمير الحي، الواعي، الدائم اليقظة والانطلاق، بشريعة ملصقة بنا من الخارج، جامدة، مائتة، خائفة، تجنبنا حرفيتها الضيقة قلق الالتزام الحر وتحمينا من الدخول في مجازفة الحب الذي لا يقف عند حد. ومنها تجنب التفكير في أمور الحقيقة الإلهية (ألا يدعي البعض أن الغوص في شؤون الدين كفر؟)، كأن العقيدة الموحاة وجدت لتعفينا من التفكير، لا لتكون ملهمة ومغذية لفكر حيّ خلاق. ومنها أيضاً تلك الاتكالية التي هي صورة كاريكاتورية عن الثقة بالله والتي يحاول بها الإنسان أن يحمي نفسه من مجابهة الواقع ومن صعوبة وخطر النضال في سبيل تغيير أوضاع تنافي الكرامة الإنسانية.

يقول شارل ميللر بأن هناك نوعا ًمن الاتكال على الله هو طريقة للقبول بمصائب الناس وللحصور على طمأنينة رخيصة، بأن هنا عادة خبيثة تدفعنا إلى تشجيع نفوسنا بقولنا أن كل شيء سيجري على ما يرام، ويضيف: “كل شيء يدعوه سارتر سوء نية، ولكن المسيحي يدعوه خطيئة”. إنه خطيئة لأنه هروب وتخدير ونوم واستكانة أنانية جبانة، فيما تطلب المحبة منا يقظة وشجاعة ومجابهة والتزام: “يسوع في نزاع إلى منتهى الدهر، لذا لا ينبغي أن ننام في هذا الوقت.”

المسيحية، في أصالتها، بعيدة عن الاستكانة بعد السماء عن الأرض. يقول ميللر: “…. إن نعمة الله لا تطالنا (كما يتصور سارتر) بشكل دعوة للاستقالة والانقياد. إنها تدخل فينا بمثابة سيف، تمنعنا من النوم، تلزمنا على يقظة غير منقطة، المسيحي هو الساهر في “ليلة الفصح”، تلك الليلة التي لا ينبغي النوم فيها، إذ يجب ترقب “عبور الرب”.

المسيحية انطلاقاً لا نهاية لها لأنها اندماج الإنسان في الحياة الإلهية التي لا حد لها. من عرف الله حقيقة لا يمكنه أن يقف عند حد، لا يمكنه أن يرضى عن ذاته في حال من الأحوال، بل يحقق ذاته بتجاوز مستمر لذاته. كلما حالو الإنسان الاقتراب من الله، كلما ازداد شعوره ببعده عن ذلك الكائن اللامتناهي الذي يدعوه، وكلما ازداد بالتالي قلقه واشتياقه. هذا ما اختبره بنوع خاص كبار الروحيين: فقد تحدث غريغورس النيصصي مثلاً ذلك الخروج اللامتناهي من الذات نحو غور الله الذي لا يسبر عمقه.

“لقد وصف غريغوروس النيصصي وصفاً بديعاً ذلك اليأس الذي يعتري النفس الساعية إلى الله، التي ترجو في البدء أن تمسكه كله وتغتم لأنها تراه يفلت منها دوماً. ولكن “حجاب الحزن هذا ينزع عنها عندما تتعلم أن التمتع بالمحبوب هو بالضبط في هذا التقدم والارتقاء الدائمين، إذ أن الرغبة تلبى في كل لحظة فتنشئ رغبة بما لم يبلغ بعد” (تعليق على نشيد الأنشاد). هكذا فالنفس التي تنمو في حياة النعمة يملؤها الله دوماً على قدر طاقتها ولكن النعمة المعطاة لها توسع طاقتها وتجعلها قابلة لنعم جديدة. هكذا فالخبرة الصوفية قوامها امتلاك ورغبة بآن… إنها، يقول غريغوريوس، حركة وراحة، بئر مياه حية، ساكنة ومتفجرة بآن”.

يقول النيصصي: “حيث أن الجمال المطلق يكشف ذاته أكثر فأكثر، فعلى قدر التقدم يزداد اكتشاف الألوهة. وبسبب الغزارة الفائقة، غزارة الخيرات التي تكتشفها النفس باستمرار فيما يفوق الطبيعة، يبدو لها أنها لم تزل في أول ارتقائها. لذا يردد الكلمة لتلك التي سبقت فنهضت: “انهضي” ولتلك التي سبقت فأنت: “تعالي”. فإن الذي ينهض حقيقة عليه أن ينهض أبداً، والذي يركض نحو الرب لن يعوزه أبداً الفضاء الواسع ليتابع فيه جريه الإلهي. لأنه ينبغي للمرء أن ينهض دوماً وألا ينقطع أبداً عن الاقتراب ركضاً. لأن الذي يقول: انهض وتعال، يمنح فيك كل مرة نعمة ارتقاء أفضل”، وأيضاً: “والذي يرتقي لا يتوقف أبداً، بل ينطلق من يده إلى بدء، ماراً ببداءات لا تنتهي أبداً”.

الحياة الروحية خروج مستمر، السلاح دائم عن الذات تتحقق به الذات، لأنه انسلاخ عن محدوديتنا، كما أن النمو الطبيعي انفصال مستمر عن الأوضاع القديمة وحدودها لبلوغ حياة أوفر وأكمل. ليست محافظة شحيحة، خائفة، على كياننا، بل هي قبول بأن يضيع هذا الكيان لكي يوجد: “من أراد أن يخلص نفسه أضاعها، ومن أضاع نفسه من أجلي وجدها” (متى 16: 25). إنها خروج دائم للنفس من ذاتها لتجد ذاتها في من هو أعظم من ذاتها، كما قال أوغسطينوس: “لقد أخرجت نفسي، سكبت نفسي خارج ذاتها، إن بقيت نفسي في ذاتها لا تستطيع أن تجد إلا ذاتها”.

إنها فصح دائم، والفصح يعني عبوراً واجتيازاً، يعني اقتبالاً لصليب الانسلاخ الدائم عن “الإنسان القديم” (كولوسي 3: 9 ورومية 6: 6) المكتفي بذاته، المرتاح إلى حدوده (كما كان العبرانيون مرتاحين إلى عبودية فرعون، يحنون إليها) لكي نفسح مجالاً (لجدة الحياة) (رومية 6: 4 تتفجر فينا وتحولنا. هذا ما عناه الأرشمندريت الياس مرقص بقوله: “الحياة الروحية حركة فصحية نحو الله والآخرة” ، وقد كتب أيضاً بهذا الصدد: “نحن نطلب الحياة والحياة لنا هي بالضبط تلك الحركة الاشتياقية اللانهائية حو مصدر الوجود”، وأيضاً: “الله فيّ، في الداخل، في الطبيعة نحن لا محدودون كالله، مخلوقون على صورة لا محدودية الله. ولكن الله غير محدود “فعلاً” أما نحن فبالمصير. الوهتنا أن نتحول، أن نصير الله على الدوام. إن كوننا نتغير – نصير – يعطينا أجنحة على حد قول غريغوريوس النزينزي، وهذا مصدر كياننا. إن الخلق لا يزال جارياً بالنسبة لنا وسيزال إلى الأبد. نحن ننال أنفسنا كل لحظو من الله. “أبي حتى الآن يعمل”…

“…. الخروج من الذات هو بالنتيجة رجوع إلى الذات، إلى الروح العميقة التي في الذات تدعونا إلى الآب…”.

أين هذه الحياة الروحية المتحركة دوماً في تجاوز للذات لا متناه من الاستكانة والنوم اللذين يبدوان لسارتر جوهر التدين. غريب حقاً كون سارتر لم يستطع أن يميز بين الحياة الدينية الأصيلة وانحرافاتها. و”كأنه يقول ميللر، لم يقرأ أبداً نصاً انجيلياً واحداً، كتاباً واحداً لأحد الصوفيين”.

يعتقد سارتر أن نظر الله يسمر الإنسان، يجمده، يحول بينه وبين هذا التجاوز المستمر لذاته الذي هو مرادف لوجوده الإنساني الأصيل. هذا ما يبدو مثلاً في رواية “سبل الحرية” حيث نرى دانيال، وهو منحرف جنسياً، يحاول أن يتخلص من مسؤوليته، فيتجه إلى الله ويتصوره “نظراً محدقاً إليه”، فيقنع نفسه بأنه، كما أن الإنسان بنظره إلى الطاولة يحددها على أنها طاولة، ولا يسعها هي إلا أن تتقبل هذه التحديد، هكذا فالله بنظره إليه يحدده على أنه منحرف، على أن هذه طبيعته، ولم يبق له إذاً سوى تقبل هذا التحديد والعمل بموجبه دون أية مسؤولية. “ولكن المؤمن الأكثر فتورة، يقول ميللر، يعلم جيداً أن “نظر الله” هو نظر حب؛ وأنه، عوض أن يجمدنا، دعوة لنا، ضربة سيف تنفذ إلى مفصل النفس والروح لتعيد إلينا شعورنا بالمسؤولية، لتوقظ فينا حرية ماتت بالخطيئة”. هذا النظر الإلهي تجلت لنا نوعيته في يسوع المسيح.

يروي لنا الإنجيلي مرقص أن إنساناً أتى إلى يسوع سائلاً عما يجب أن يعمله ليرث الحياة الأبدية، “فحدق إليه يسوع، وأحبه؛ وقال له: “أمر واحد ينقصل: امض وبع كل ما لك، وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء؛ ثم تعال اتبعني” (مرقص 10: 20). هكذا كانت نظرة يسوع إلى هذا الشاب؛ نظرة الحب الذي يوقظ المحبوب إلى حياة أوفر وأغنى، ويفتح أمامه آفاقاً لا حد لها، آفاق تحقيق ملء الوجود بتجاوز كل امتلاك، لأن الإنسان مملوك مما يملكه، اسير ممتلكاته وخيراته التي تشده إليها وتحصره فيها وتحول دون تفجر طاقة الحب التي بها، وبها وحدها، يحيا ويحقق ذاته.

قضيتنا مع الله ليست أنه يريد تقييدنا وتجميدنا فيما نحن نثور لندافع عن حريتنا المهددة. الواقع هو العكس تماماً. فهمّ الله أن يوقظنا إلى أبعد حد؛ دعوته الدائمة إلينا أن نتجاوز ذواتنا لانهائياً بتلك الحياة الإلهية، حياته، التي يبثها فينا إن شئنا أن نتقبلها. همه أن يعطينا ذاته لكي نتجاوز كل الحدود ونصبح آلهة، وبذلك نصبح حقيقة أحراراً.

الله طموح بالنسبة إلينا فوق ما نستطيع أن نتصور: “ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه” (1كورنثوس 2: 9). ولكننا نحن نرهب هذا الطموح. ذلك أن الحرية الحقة هي تحرر من محدوديتنا، أما نحن فنطمئن إلى حدودنا، لا نريد أن نتغير جذرياً، لا نريد أن نتجاوز حدود هذا الأنا الضيق المألوف الذي نرتاح إليه، لا نريد أن نتسع إلى اللانهاية.

نرهب الحرية لأنها مقلقة، خطرة، كمن يبقى على الشاطئ لأنه لا يجرؤ على خوض عرض البحر واكتشاف عوالم جديدة. نحن في النهاية نرفض الله أو نستعيض عنه بصنم ندعو باسمه (وهذا أيضاً مظهر من مظاهر الرفض)، لأننا نرفض الحرية التي يدعونا إليها، تلك الحرية التي هي بآن انسلاخ جذري عن الذات. وتحقيق للذات بما يفوق الوصف. نرفض الله لأننا نخاف أن نتحول إلى آلهة. هذا ما عبر عنه الأب جان كاردونيل بقوله:

“الله لا يسلمنا هدية. إنه لا يعطينا شيئاً ما، لأن في ذلك ترفعاً، الله يعطينا شخصاً، وهذا الشخص هو شخصه. الله يعطي ذاته. في الصداقة، لا يعطي المرء شيئاً ما، ولكن شخصاً هو شخصه. كثيراً ما يكون إعطاء شيء تعبيراً عن عجز جذري عن إعطاء الذات. لذا فالله يسعى إلى الحوار معنا. الله يريد آلهة.”

“ولكن كوننا مخلوقات تود أن تبقى هكذا لتكون في اطمئنان، يجعلنا نرهب مصيرنا كآلهة. فنشك في كلية عطاء الله. ننسب لله نية مبينة، فنصور أنه لا يهبنا إلا جزءاً من مجاله ويحتفظ بالقس المفضل من ملكه.”

“الله يريد نفسه صديقاً لنا. يسعى إلى حوار الصداقة، اما نحن، فننتظر بكسل أوامر ننفذها. الله يكلمنا كصديق ونحن نجيبه كرعايا….”

“كثيراً ما يتصور المرء الله كأنه الصانع الأسمى. ولكن الله لا يصنعنا، إنه خالقنا. إنه يخلقنا بعدوى كيانية. ينظر إلينا نظرة صداقة، نظرة طموح. إنه يدعونا لنكون، ولتزداد دوماً كينونتنا.”

“الله لا يسيطر علينا، الله يوقظنا….”

“…. الله هو الرب بمعنى أن الموقظ الأسمى. إن مجده يشع ويسطع بقدر ما يكون الناس أكثر بلوغاً ورشداً. الله هو الله بقدر ما يكون البشر بشراً….”

خلاصة القول إن سارتر كان مصيباً في مطالبته بحرية الإنسان، في دعوته إلى نبذ كل خنوع وتخاذل واستكانة وإلى تحرير الوجود الإنساني من التبعية الطفيلية ليصبح جديراً ببالغ يتعهد مصيره تعهداً مسؤولاً. لقد كان مصيباً في تشهيره لكل مظاهر التدين الزائف التي تتخذ الله ذريعة للتهرب من المسؤولية والاقدام والالتزام.

لكن الالتباس المريع القائم في فكره حول نوعية علاقة الله بالإنسان، والذي غذته بلا شك تلك المظاهر الزائفة للدين التي ذكرناها، قاده إلى رفض الله وبالتالي إلى بتر الحرية نفسها وتشويهها. قد ردها إلى مظهرها السلبي، جعل منها قدرة على الرفض وحسب، وأفرغها من مضمونها، شأنه في ذلك شأن المراهق الذي يعجز عن تجاوز العناصر السلبية في ثورته ليجعل من تلك العناصر مرحلة في بناء نفسه والكون.

إن الحرية السارترية ترفض، تعارض، تنقد، تهدم، ولكنها لا تستطيع أن تبني شيئاً. إنها أسيرة فراغها. الله وحده يحرر الحرية، شرط أن نعرفه على حقيقته، لا كما تتصوره أهواءنا بل كما كشف ذاته لنا في يسوع المسيح، لا طاغية ومستبداً كجوبيتر “الذباب” بل عطاء كلياً وانعطافاً غير متناه، لا ملغياً وجودنا بل مؤكداّ له بإمداده من وجوده، لا مبطلاً حريتنا بل داعياً إيانا إلى الاشتراك في حريته بالتأله.

عند ذاك، إذا عرفنا أبوة الله، لا تبعية خانقة بل علاقة محيية، موقظة، محررة، استطعنا أن نجمع إلى شدة البالغين (“لا تكونوا اطفالاً مضطربين….”، “كونوا رجالاً، تشددوا….” يقول الرسول) تلك الطفولة الروحية التي يدعو إليها الإنجيل (“إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السماوات”) والتي هي موقف تقبل كياني وانفتاح بي وإسلام حر لذاك الذي به وحده نحقق ذواتنا لأنه أقرب إلينا من ذواتنا.

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

إله الإعلان الكتابي – إله الكتاب المقدس – كوستي بندلي

إله الإعلان الكتابي – إله الكتاب المقدس – كوستي بندلي

إله الإعلان الكتابي – إله الكتاب المقدس – كوستي بندلي

إله الإعلان الكتابي – إله الكتاب المقدس – كوستي بندلي

في مسرحية الذباب أشار سارتر إلى الألوهة باسم “جوبيتر” وهذا ليس عبثاً، لأن اسم جوبيتر مرتبط بأسطورة بروميتيوس، ذلك الكائن الذي اختلس ناراً من السماء ليوجد منها البشر، فغضب عليه جوبيتر وأنزل به عقاباً أبدياً. تلك الأسطورة تصور العلاقة بين الألوهة والبشر علاقة عداء في الأساس حتى أن وجود الإنسان نتيجة اختلاس للقوة الإلهية. وكأن الإنسان لا يوجد إلا ضد الله. هذا هو بالضبط موقف سارتر. فقد كتب في “الكائن والعدم” إن المخلوق “لا يمكن أن يؤكد ذاته إلا ضد خالقه”.

1 – الله محبة

ولكن جوبيتر الذي نسب إليه الأقدمون – وسارتر من بعدهم – صفات التملك والحسد الكائنة في البشر ليس إله الإعلان الكتابي. إله الكتاب – وقد تجلى لنا تماماً في يسوع المسيح القائل “من رآني فقد رآى الآب” (يوحنا 14: 9) – ليس عنده تسلط وتملك. ذلك لأنه عطاء كله. لقد قال عن نفسه في العهد القديم: “أنا ينبوع الماء الحي”. وهتفت المزامير: “كما يشتاق الأيل إلى ينابيع الماء الحي، هكذا تشتاق نفسي إليك يا رب”، والينبوع فيض مستمر، هبة حياة دائمة. وفي العهد الجديد كتب الرسول يوحنا “الله محبة” (1يوحنا 4: 8 ،16) وكأنه يقول إن المحبة هي أفضل تعريف عنه لأنه في جوهره محبة عطاء. لقد قال جوبيتر “الذباب”: “إنني لا أحب أحداً” أي أنه قابع في عزلة وأنانية أبديتين. ولكن إله الكتاب ليس فقط بحب ولكنه المحبة عينها. إنه محبة منذ الأزل ولذلك فهو ثالوث، لأن علاقة المحبة لكي تقوم تفترض وجود أكثر من شخص واحد. إله الكتاب يظهر لنا علاقة حب تجمع الأقانيم حتى أن الأقنوم الأول لا يعرف عنه إلا بالنسبة للثاني (فالآب ليس آبا إلا بالنسبة للابن) والثاني لا يعرف عنه إلا بالنسبة للأول (فالابن ليس ابناً إلا بالنسبة للآب)، الله يظهر لنا في صميمه عطاء تاماً متبادلاً: “كل ما هو لي فهو لك وكل ما هو لك فهو لي” (يوحنا 17: 10). فالآب يعطي ذاته بالكلية للابن، يعطيه جوهره بكامله، ولذا فالابن صورة تامة عن الآب: “من رآني فقد رأى الآب” (يوحنا 14: 9). ولكنه بإعطائه جوهره أزلياً للابن فإنه يعطيه أن يكون عطاء، ولذا فالابن متجه إلى الآب كلياً. في العهد الجديد عندما يظهر الآب، لا يمجد ذاته إنما يمجد ابنه. فإنه عندما اسمع صوته حين معمودية يسوع وحين تجليه، اسمعه ليمجد ابنه قائلاً: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” (متى 3: 17، 17: 5) وكذلك الابن أتى إلى العالم ليمجد الآب: “انا مجدتك على الأرض” (يوحنا 17: 4).

هذه المحبة التي هي في صميم الله تعين نوع علاقته بالبشر. هذه العلاقة لا يمكنها أن تكون إذاً إلا علاقة حب وعطاء. الآب يجب العالم بالحب ذاته الذي يحب به ابنه: “…. إنك أحببتهم كما أحببتني” (يوحنا 17: 23). هذا ما يتجلى في العهد القديم عندما صور الأنبياء ونشيد الأنشاد علاقة الله بشعبه كعلاقة الزوج بزوجته والحبيب بحبيبته. ولكنه ظهر لنا خاصة في يسوع المسيح. فالحب الذي أظهره يسوع لنا كشف لنا كل عمق حب الآب، لأن الابن صورة الآب. بيسوع خاصة عرفنا أن علاقة الله بالبشر كلها سخاء وبذل. حياة يسوع كانت معطاة لنا كلها، معطاة لنا حتى الموت، معطاة لنا بدون قيد أو شرط، معطاة للخطأة والصديقين، للأشرار والصالحين، ففهمنا هكذا أن الله عطاء غير مشروط: “لا يكاد أحد يموت عن بار، وقد يقدم أحد على الموت عن صالح وأما الله فقد برهن على محبته لنا بأن المسيح قد مات عنا ونحن بعد خطأة” (رومية 5: 7، 8). رأينا يسوع يولد في مزود ويرفض الغنى والسلطة والمجد، رأيناه يغسل أرجل التلاميذ ويؤكد بأنه “لم يأت ليُخدم بل ليَخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين” (متى 20: 28)، رأيناه “طالعاً حتى الموت” (فيليبي 2: 8)، وهكذا في يسوع الذي هو على حد تعبير الرسول بولس “صورة الله غير المنظور” (كولوسي 1: 15) أدركنا أخلاق الله وعرفنا بأن التسلط والتشامخ والتجبر والتملك، تلك الأخلاق التي نسبها سارتر لإلهه، بعيدة عن أخلاق الإله الحي بعد السماء عن الأرض.

بيسوع المصلوب عنا “ليس حب أعظم من هذا أن يضع الإنسان نفسه عن أحبائه” (يوحنا 15: 13) عرفنا أن الله مبذول لنا كله، وبأن طبيعته لا أن يتملك ويحتفظ لنفسه ويطلب ما لنفسه بل أن يعطي ويغدق بدون حساب. أدركنا بيسوع نوعية علاقة الله بخليقته. يقولون إن الله خلق الكائنات لمجده. ولكن ما هو مجد الله؟ “مجد الله، يقول أحد الكتاب المعاصرين الروحيين، ليس أن يأخذ بل أن يعطي. مجد المحبة أن تحب…. مجد الينبوع أن يملأ ويسقي ويروي ويغسل. مجد الشعلة أن تلهب وتضيء وتدفئ، مجد الأب أن ينجب ويربي ويشدد….”.

يقول لويس افلي في كتابه “أبانا….”: “ما هو مجد الله؟ الله يحب. مجده أن يكون الله، أي أن يكون محبة….” (ص 49). وأيضاً: “الله خلق الخليقة حباً، ليعطي وليهب ذاته، ليحيي كائنات أخرى بحياته، ليبهج كائنات أخرى بفرحه” (ص 48).

هذا ما عبر عنه الآباء الأقدمين ايريناوس، عندما كتب في القرن الثاني للميلاد: “مجد إله حياة الإنسان”. وكأنه يرد مسبقاً على تصورات سارتر الذي سمى إلهه جوبيتر “إله الأموات” كما رأينا وقال أنه يسر برؤية الأحياء شبيهين بالأموات، بينما سمعنا الرب يقول: “الله ليس إله الأموات بل إله الأحياء” (لوقا 20: 38)، وسمعناه يكشف لنا مقاصد الله بقوله: “أما أنا فقد أتيت لتكون لهم الحياة وتكون لهم بوفرة” (يوحنا 10: 10).

هكذا يتضح لنا أن هم الله ليس أن يزيل وجودي بل أن يمدني بوجوده، كل ما يريده الله مني هو أن أدعه يحبني ويجعلني في الوجود بحبه، هو أن أقبل بأن أتلقى منه الكينونة والخير. إنه ليس فقط لا يريد إلغاء وجودي بل إنه لا يرتضي لي بوجود ناقص، مبتور، إنه يريد لي كل الوجود، يريد أن يشركني في حياته كلها وأن يغنيني بملئه كله. ليس فقط لا يشاء الله الغاء وجودي، بل يريد أن يدفعني إلى مستوى وجوده، أن يمنحني كل غنى وجوده. وبعبارة أخرى يريد الله تأليهي. هذا ما عبر عنه القديس مكسيموس المعترف في القرن السابع عندما كتب: “الله متعطش إلى تأليه الإنسان”. الله لا يشاء تحقير الإنسان بل، كما أن الجدير بهذا الاسم يسر بأن يصبح ابنه مثله مكتمل الرجولة، هكذا شاء الله أن يجعلنا شركاء لاهوته وأن يعاملنا معاملة المثل للمثل. لذا كتب بطرس الرسول بأننا مدعون إلى أن نكون شركاء الطبيعة الإلهية” (2بطرس 1: 4). وكتب الرسول يوحنا “أيها الأحباء، نحن من الآن أولاد الله، ولم يتبين بعد ماذا سنكون. غير أننا نعلم أننا، إذا ما ظهر، سنكون أمثاله، لأننا سنعاينه كما هو” (1يوحنا 3: 2). ويختتم تيموتي وار مقاله عن “تجلي الجسد” بقوله: “يقول مخطوط عبراني: إن أحد الملوك دخل بستان ليخاطب البستاني، فاختبأ البستاني، فقال له الملك: لماذا تختبئ مني ألست مثلك؟ هكذا سيسير الله مع الصديقين في الفردوس الأرضي وسيرونه وسيرتجفون منه، وسيقول لهم آنذاك، لا تخافوا أنا واحد منكم” (ص 144). في هذا الألفة التي يعتبر فيها الله نفسه واحداً من أحبابه، أين مكان الخوف الذي قال عنه سارتر على لسان جوبيتر الذباب “إن له ريحاً شهية في خياشم الآلهة”؟ وكأن الرسول الحبيب قد رد مسبقاً على سارتر عندما كتب: “لا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تنفي الخوف…. والخائف لم يكتمل في المحبة” (1يوحنا 4: 17، 18).

قد نتساءل والحالة هذه: لماذا سقط آدم أذاً عندما شاء أن يحقق وعد الشيطان “ستصيران آلهة”؟ ألا يعني ذلك أن الله لا يشاء أن يتأله الإنسان؟

ولكن هل كانت خطيئة آدم بأنه أراد أن يتأله؟

فلنز جواب لويس افلي على هذه المسألة: “كل تاريخ البشرية انحرف وتحطم لأن آدم كون لنفسه فكرة خاطئة عن الله. لقد كان يريد أن يصبح مثل الله. أرجوا أنكم لم تعتقدوا لحظة أن خطيئة آدم كانت كامنة في ذلك. أي طموح آخر كان يمكن أن يكون له؟ ألم يكن هذا هو الهدف بالضبط الذي دعاه الله إليه؟ ولكن آدم أخطأ النموذج. فقد اعتقد أن الله كائن مستقل، مكتف بذاته ولذلك تمرد وعصى حتى يصبح مثله.

“ولكن الله عندما كشف ذاته، عندما أراد أن يظهر ما هو بالحقيقة، أظهر ذاته محبة، حناناً، عطاء ذات…. الله أظهر ذاته طائعاً، طائعاً حتى الموت.”

“هكذا عندما اعتقد آدم أنه يصبح مثل الله اختلف بالكلية عن الله. لأنه انفصل واعتزل بينما الله شركة كله”.

هكذا لم يسقط آدم لأنه أراد أن يصير مثل الله، ولكن لأنه لم يتمثل الله حقيقة، أي لم يشأ أن يكون مثله عطاء يقابل عطاء، بل فصم الشركة ورفض “عطية الله” (تلك العطية التي حدث يسوع السامرية عنها قائلاً: “لو كنت تعرفين عطية الله يوحنا 4: 10) أي أنه رفض أن يمتلئ من الوجود الذي كان الله يدفقه فيه وحبس على نفسه في اكتفائية قاتلة.

2 – الله يريد ويحترم حرية الإنسان

ولكن الله يحترم حرية الإنسان حتى عندما يريد الإنسان أن يفصم الشركة. يحترمها إلى حد أنه يسمح للإنسان أن يستخدم ذلك الوجود، الذي وهبه عطية حب، ضد معطيه. يحترمها إلى حد أنه يسمح للإنسان أن يذهب في تمرده إلى أبعد الحدود. هذا هو معنى الجحيم. إنها مظهر من مظاهر احترام الله الكلي لحرية الإنسان. “جهنم هي، كما يقول برناتوس، ألا يحب المرء”. وبعبارة أخرى يرتضي الله بأن يرفض الإنسان حبه، وبأن يرفضه، إذا شاء، إلى الأبد. ولكن الله لا يزال يحب ذلك الإنسان. يمكن للإنسان أن يرفض الله، ولكن لا يمكن لله أن يرفض الإنسان. يمكن للإنسان أن يكتفي بذاته ولكن الله عطاء كله. الله أمين على العهد الذي أقامه مع الإنسان مذ خلقه ولو لم يكن الإنسان أميناً. يقول لويس افلي: “يمكن أن ينكر الله وأن ينسى ولكن الله لا يمكنه أن ينكرنا وأن ينسانا. يمكن للإنسان أن يكون دون الله، ولكن الله لا يمكن أن يكون دون الإنسان. يمكن للإنسان أن يترك البنوة ولكن لا يمكن ألا يكون أباً”. لذا فجهنم ليست انتقاماً رهيباً يجريه إله سادي على إنسان عصى أوامره، ليست امتداداً لانتقام جوبيتر من بروميتيوس، ولكن الإنسان الذي رفض الله جذرياً ونهائياً يعذبه رفضه لأنه مخالف لمتطلبات طبيعته العميقة. جهنم هي أبعد المظاهر لاحترام الله حرية الإنسان وهي انعكاس سلبي لحبه.

احترام الله لحرية الإنسان يعني أن هذه الحرية لا تنتزع من الله عنوة واغتصاباً كما تصور مسرحية “الذباب”، إنما هي هبة من الله للإنسان. جوبيتر “الذباب” يناقض نفسه لأنه من ناحية أعطى الإنسان الحرية ومن ناحية أخرى يحاول أن يعمي الإنسان عن وجودها فيه وأن يخمدها في قلبه. أما إله الإعلان الكتابي فليس عنده هذا التناقض. لقد شاء الإنسان حراً لأنه شاء أن يكون مثله، على صورته. هذا ما علمه الآباء. فقد كتب غريغوريوس النصيصي: “بالحرية الإنسان على شكل الله مقدس، لأن الاستقلال والحرية هما من خصائص القداسة الإلهية” وأيضاً: “الإنسان، إذ خلق على صورة الله، يجب أن يتمتع بكل خيرات سيده. وبين هذه الخيرات، الحرية”. وأيضاً: “إن الحرية هي الشبه مع ذاك الذي هو سيد مطلق لا سيد له، وقد أعطي لنا هذا التشبه، نحن البشر، من الله، في البدء. إن كتاب أعمال الرسل (17: 28) يؤكد الأمر نفسه: “إننا من الذرية الإلهية”.

هذا ما نجد صداه عند مفكرين معاصرين. فقد كتبت سيمون فايل بأن الله شاء من أجل حبه لنا أن يجعل نوعاً من المساواة بيننا وبينه، لذا أعطانا الحرية المطلقة بأن نقبل إليه أو نؤله ذواتنا وهماً ونرفضه، لقد أعطانا سلطة الضياع اللانهائي في الوهم هذه لكي يتسنى لنا أن نتخلى عنها حباً: “الله هو…. الصديق بكل معنى الكلمة. فلكي يكون بينه وبيننا، رغم المسافة اللامتناهية، نوع من المساواة، شاء أن يضع في خلائقه مطلقاً ألا وهو الحرية المطلقة بأن نقبل أو لا بالاتجاه الذي جعله فينا نحوه…. لقد أعطانا سلطة الوهم اللامتناهي هذه لكي نستطيع أن نتخلى عنها حباً”.

وقد كتب غبريال مارسيل من جهته عن الله: “هذه الحقيقة هي نفسها حرة وتزرع بحرية حريات”.

الله يبتهج بحرية الإنسان ولا يرهبها كما يرهبها جوبيتر “الذباب”. يبتهج بها كما يبتهج الوالد ذو الأبوة الأصلية عندما يرى ولده أصبح يحبه لا بتبعية الطفل بل باستقلال البالغ. هذا ما قاله بيغي بعبارات رائعة وكأنه يرد مسبقاً على ذباب” سارتر:

“اسألوا هذا الوالد إن لم تكن أفضل لحظة عنده

تلك اللحظة التي يبدأ فيها أبناؤه يحبونه محبة رجال،

يحبونه كرجل،

بحرية،

مجاناً،

اسألوا هذا الأب الذي يكبر أولاده.

“أسألوا هذا الوالد إن لم تكن هناك ساعة سرية،

لحظة سرية،

وأن لم تكن

عندما يبدأ أبناؤه يصبحون رجالاً،

احراراً.

ويعاملونه هو كرجل،

حر،

ويحبونه كرجل،

حر،

أسألوا هذا الأب الذي يكبر أولاده.

“أسألوا هذا الوالد إن لم يكن هناك اختيار وحيد من نوعه

وإن لم يكن

عندما بالضبط يزول الخضوع وعندما يرى أبناءه وقد أصبحوا رجالاً بحبونه ويعاملونه كخبراء إذا صح التعبير

معاملة الرجل للرجل،

بحرية،

بمجانية….

أسألوا هذا الأب إذا كان لا يعرف إن لا شيئاً يساوي نظرة رجل تلاقي نظرة رجل.

“ولكنني أنا أبوهم، يقول الله، وأعرف وضع الإنسان.

فأنا الذي خلقته.

….. إنني لا أطلب منهم سوى قلبهم….

“خضوع العبيد كلهم، لا يساوي نظرة واحدة جميلة لرجل حر. أو بالأحرى خضوع العبيد كلهم تشمئز له نفسي وإني أهب كل شيء مقابل نظرة جميلة واحدة لرجل حر،

مقابل طاعة وحب وإخلاص جميل واحد صادر عن رجل حر….

“…. في سبيل هذه الحرية، في سبيل هذه المجانية ضحيت بكل شيء، يقول الله

في سبيل ميلي بأن يحبني رجال أحرار،

بحرية،

بمجانية،

رجال حقيقيون، ذوو رجولة، بالغون، أشداء.

شرفاء، رقيقون، ولكنهم ذوو رقة مقرونة بالشدة.

من أجل أن أنال هذه الحرية، هذه المجانية، ضحيت بكل شيء، لكي أخلق هذه الحرية، هذه المجانية،

لكي أفسح المجال لهذه الحرية وهذه المجانية”.

لذا فالحرية ليست فقط حقاً اوتيناه، إنما هي واجب يطالبنا به الله الذي لا يريد أن يقيم علاقة إلا مع بشر أحرار. بهذا المعنى كتب بردياييف: “إن الحرية في الحياة الدينية واجب. الإنسان ملزم بأن يحمل عبء الحرية وليس له الحق بأن يتخلص منه. الله لا يقبل إلا البشر الأحرار، إنه لا يحتاج إلا إلى بشر أحرار. عند دوستويفسكي، المفتش الأكبر، عدو الحرية وعدو المسيح، يوبخ المسيح هكذا:” لقد أردت هذه المحبة الحرة من الإنسان لكي يتبعك بحرية، مجذوباً إليك ومأسوراً منك”…. الدين المسيحي إنما هو الحرية في المسيح الخلاص القسري مستحيل وبدون جدوى”.

ليس صحيحاً ما يدعيه سارتر عندما كتب في كتابه “الوجودية فلسفة إنسانية” بأن علاقة الله بالإنسان شبيهة بعلاقة الصناعي بمقص الورق الذي يصنعه. ليس الإنسان شيئاً بالنسبة لأله الإعلان الكتابي، الله لا يريد “تشيئ” الإنسان. ذلك لأن الله لا يوجد الإنسان كما يوجد الصناعي مقص الورق. علاقته بالإنسان ليست علاقة خارجية كعلاقة الصناعي بالشيء الذي يصنعه. إنما خلق الله للإنسان يعني امداد الإنسان من وجوده، اشراكه في وجود الله، إذاً في حرية الله. يقول شارل ميللر مفنداً ذلك المفهوم السارتري للخلق: “إن هذا المفهوم للخلق يفترض إنه لا يمكن أن تكون للإنسان أية ذرة من الحرية والمبادرة، كما هو وضع مقص الورق الذي هو سلبي تماماً بين يدي من يصنعه أو يستعمله”، “إذا كان الخلق هو صنع أدوات، فلم يعد للإنسان سوى أن يدع نفسه “يُستخدم” من صانعه، في هذا الحال “لم يعد بوسعنا أن نرى…. في العالم سوى أمرين: إما السلبية المخزية، سلبية عبيد يزحفون أما إله طاغية، أو الاكتفائية المتكبرة، اكتفائية كائن يدعي أن لا اب ولا أم له”، ولكن العمل الخلاق ليس عملاً حرفياً، ليس الخلق تقنية… فإذا كان خلق العالم المادي نفسه لي بتقنية، فبالأحرى خلق الإنسان: الله يخلق الإنسان حراً، إنه يصنعه حراً، إنه يخلق الحرية فيه. ليس عمل الخلق “صناعة” حرفية، بل امداداً كيانياً بداعي الحب، إنه هبة الذات، إنه إرادة إشراك كائنات بالكائن. أما بالنسبة للإنسان، فالخلق يعني قصد جعله مساهماً في الطبيعة الإلهية، وذلك، بين أمور أخرى، بالحرية”. هكذا فللمخلوق كيان قائم بذاته مستمد من الله، “فمن هذا الكيان القائم بذاته بالضبط يستمد المخلوق قوة التمدد على الله، فيقبل الله بأن يستخدم المخلوق تلك الحرية التي وهبه إياها، لينقلب عليه، ليكون “إلهاً دون الله”.

قال أوريست لجوبيتر (الذباب): “إنك …. ملك الحجارة والنجوم، ملك أمواج البحر، ولكنك لست ملك البشر”. ولكن إله باغي كان قد أكد قبل ذلك بكثير أن علاقته بالبشر مختلفة بما لا يقاس عن علاقته بالأشياء التي في الكون (فضلاً عن أن علاقة الله بالمخلوقات الجامدة نفسها ليست من باب علاقة الصناعي بمصنوعه، كما أوضح ميللر). يقول إله باغي:

“غبطة عبيد، خلاص عبيد، غبطة عبودية، كيف تريدون أن يهمنى ذلك؟ هل يحب أحد أن يحبه عبيد؟”

“إن كانت القضية قضية إعطاء البرهان عن سلطاني، فسلطاني ليس بحاجة إلى هؤلاء العبيد ليظهر، سلطاني معروف كفاية، معروف كفاية بأنني القادر على كل شيء.”

“سلطاني يتجلى كفاية في كل مادة وفي كل حدث.”

“سلطاني يتجلى كفاية في رمال البحر ونجوم السماء.”

“ليس اعتراض عليه، إنه معروف، إنه يتجلى كفاية في خليقتي الجامدة….”

“ولكنني في خليقتي الحية، يقول الله، أردت ما هو أفضل من ذلك، ما هو أكثر من ذلك.”

“أفضل من ذلك بما لا يقاس. أكثر من ذلك بما لا يقاس. لأنني أردت هذه الحرية.”

“خلقت هذه الحرية عينها…”

“من اختبر مرة واحدة أن يحب بحرية، لا يعود يرى للخضوع طمعاً.”

“من اختبر أن يحبه رجال أحرار، لا يعود يرى معنى لسجدات العبيد”.

ألم يقل الرب: “لا أدعوكم بعد عبيداً…. إنما سميتكم أحباء” (يوحنا 15: 15).

هذا الاحترام الإلهي لحرية الإنسان يحدد بالضبط طبيعة الإيمان. فالإيمان يقين ولكنه يقين حر. ذلك أن الله يريد أن يقبل الإنسان اليه تلقائياً، لا مغلوباً على أمره، لذا فعوض أن يفرض وجوده علينا كما تفرض الحقائق الحسية أو العلمية ذاتها فرضاً، يحتجب لكي يتسنى لنا أن نقبل إليه بحرية الحب. هذا ما عبر عنه بردياييف بقوله: “الإيمان هو كشف الأمور اللامنظورة”، أي أنه عمل حر، عمل اختيار حر. فالأمور اللامنظورة لا تدخل إلينا عنوة، لا تكرهنا اكراهاً شأن الأمور المنظورة. إننا نكشف الأمور اللامنظورة بخطر، بمجازفة، لأننا نحبها وقد اخترناها بحرية…. العلم يختلف عن الإيمان بالضبط من حيث أنه قسري ومضمون، من حيث أنه لا يدع مجالاً للاختيار الحر ولا يحتاج لمثل هذا الاختيار. العلم ليس خطراً، إنه يكشف الأشياء المنظورة، تلك التي تكرهنا. أما في الإيمان فحرية ولذا ففيه شجاعة، ليس في العلم حرية ولذا فليس فيه من بطولة. المسيح الذي هو موضوع إيمان وحب لا يكره، لا يظهر بشكل يقسر الإيمان. إنه يظهر بشكل عبد يموت ميتة شائنة. لذا يلزم اختيار حر وحب مقدام ليرى المرء في صورة المسيح، العبد المهان، القدرة الجليلة التي لابن الله، المساوي للآب في الجوهر…. بنظر ذلك الذي آمن، الذي قام بعمل اختيار حر، المسيح قام من الأموات وبذلك أظهر قدرته الإلهية التي تنير وتخلص العالم. أما بنظر غير المؤمن، الذي لم يقم بالاختيار الحر، الذي لا يعرف إلا الأشياء المنظورة، المكرهة، فالمسيح مات على الصليب وانتهى الأمر. إن معجزة القيامة لا تنكشف إلا للحرية، إنها مغلقة للإكراه”.

3– الله يجعل نفسه رهن حرية الإنسان

الله ليس فقط يحترم الإنسان ولكنه جعل نفسه، على نوع ما، رهن هذه الحرية. الضابط الكل شاء أن يكون، على نوع ما، تحت تصرف الإنسان. لقد كتب لويس افلي: “الله يحبنا. هذا ليس مجرد عبارة…. هذا يعني أن لنا سلطة عليه.

“لنا سلطة على الذين يحبوننا. الأولاد يعرفون ذلك، رغم ضعفهم فيحردون ويرفضون الطعام لأنهم بهذا ينالون من والديهم ما يشاؤون. إنهم بذلك يعطونهم برهاناً معكوساً عن اقتناعهم بأنهم محبوبون، بأنهم هامون. نحن هامون بنظر الذين يحبوننا والله يحبنا.”

“…. أن نحب كائناً يعني لا محالة أننا علقنا مصيرنا بمصيره، يعني أننا أعطيناه سلطة علينا.”

“الله، لأنه شاء أن يحبنا، اختار بأن يعطينا سلطة عليه.”

“على الصحون، في نورمندينا، تقرأ هذه العبارة القاسية: “الأقل حباً، هو دائماً الأقوى”. الذي يقل حباً عن الآخر يستر دائماً عاشقه. الله، أمامنا، هو دائماً الأضعف، لأنه يحب”. أليس هذا المعنى العميق لحادثة صراع يعقوب مع الملاك حيث نرى الله، بشخص ملاكه، يجعل نفسه رهن إرادة الإنسان يعقوب الذي قال له: “لا أتركك إلا إذا باركتني”. ومن هنا اكتسب اسمه “إسرائيل” الذي يعني “القوي ضد الله” (تك 32: 29) الذي ورثناه نحن “إسرائيل الجديد”. أليست قوة الصلاة ناتجة من كون الله شاء أن يربط قوته بطلب الإنسان: “كل ما طلبتموه من الآب باسمي تنالونه” (يوحنا 15: 16). ولذا قال إله باغي، أن “لا سلاح له” أمام صلاة البشر. ألم يقل الرب “إن ملكوت الله يغتصب اغتصاباً” (متى 11: 12)؟ لقد كتب بول افدوكيموف في مقال له: “لقد تبنى سارتر عبارة الفوضوي الروسي باكونين: “إذا كان الله موجوداً، فلست بحر، أنا حر، فالله إذاً غير موجود”. ولكن ما ينبغي أن يقال هو أن الحقيقة أعجب من هذا بما لا يقاس: فإن “الأنا حر” عند الإنسان يفترض أن الله لم يعد حراً. يستطيع الإنسان أن يقول “لا” لله. أما الله فقد التزم إلى حد أنه لن يقول قط فيما بعد “لا” للإنسان. هذا ما يؤكده الرسول بولس: “في الله ليس إلا نعم”.

من دواعي الإلحاد السارتري، كما يبين فرنسيس جانسون تلميذ سارتر، أن محبة الله نفسها للإنسان لا يمكن أن تكون عبودية للإنسان، لأن الله يعطي ولا يأخذ فيما المحبة الأصلية تقتضي التبادل. هذا ما يلمح إليه سارتر على لسان الثائر كارك الذي يخاطب الفلاحين بهذه العبارات (من مسرحية الشيطان والله): “للذي يعطي قبلة أو صفعة أعطوا قبلة أو صفعة، ولكن للذي يعطي دون أن تستطيعوا الرد، أعطوا كل ما في قلبكم من حقد، لأنكم عبيداً وسيستعبدكم، لأنكم كنتم مهانين وسيزيد في اهانتكم” (171).

وقد كتب جانسون بهذا المعنى أيضاً: “من أراد أن يحب البشر، كان عليه أن يضع نفسه أولاً في متناولهم، ويكفي أن يكون وضع نفسه من متناول ضرباتهم”. ولكن إلهنا جعل نفسه في متناول البشر لأنه جعل نفسه بحاجة إليهم وجعل نفسه في يسوع المسيح عرضة ليس فقط لضرباتهم بل لقتلهم أيضاً. لذا دخل معهم في حوار حقيقي لا تفضل فيه ولا استعباد. وقد قال الأب جورج خضر بهذا المعنى في حديثه عن “مصير الله”: “…. إن الله جعل نفسه، بانعطاف منه، بحاجة إلى … خليقة، الله تخلى لنا عن شيء من قدرته عندما فطرنا أحراراً. وإذاً ارتضى أن تكون صورته في الأرض مرئية أو محجوبة، وقبل أن يرى أو أن يغلق عليه.

“الله منذ أن طرح هذا الوجود جعل نفسه في المصير، في تاريخ الوجود، ودل على ذلك بأجلى بيان عندما شلح نفسه في مزود، رهيناً لمريم وبالتالي عندما أضحى هو في قيضة الإنسان يحيا أو يمات…

“والله إذن ليس بمغتصب لا يتسلط إلا على ذاك الذي يسلطه، ولا ينحني إلا عند من يرحب به. الله جعل نفسه مدعو الإنسان ضيفاً على الإنسان الحر الذي يناديه أو الذي يباعده. الله هو الفقير للإنسان. نحن طبعاً بحاجة إلى ربنا ولكن منذ أن تخلى عن مجده في الخلق الأول وفي سر التجسد هو أيضاً صار فقيراً إلى حب الإنسان لأن الله جعل نفسه في حوار. ولا يمكن أن تعني المحاورة شيئاً ما لم تعن كائنين أصيلين يتواجهان بحرية… الله يرتفع عنا…. عندما نحن نطرده. الله طريد الإنسان كما هو ضيف الإنسان…”

“…. أنتم أسياد على الله. أليس هو القائل: “ما جئت لأُخدم بل لأَخدم وأبذل نفسي فدية عن كثيرين”؟ أليس هو راكعاً عند أقدامنا لكي يغسلها كما فعل في علية صهيون؟ أليس المسيح كله بين أيديكم تحيونه أو تميتونه”.

في مقال يعرض فيه بإيجاز بنود الإيمان، كتب الأب فرنسوا فاريون، أن الله، بما أنه محبة، فهو، كما تجلى لنا بالمسيح، فقر وتبعية وتواضع:

“الفقر أولاً، لا الاقتصادي، بل الروحي. المحب يقول للمحبوب: “أنت فرحي”، وهذا يعني: “بدونك أنا مفتقر إلى الفرح”. أو “أنت كل شيء لي”، وهذا يعني: “بدونك لست شيئاً”. الحب هو إرادة المرء بأن يكون بالآخر ومن أجل الآخر…. الأكثر حباً هو إذاً الأفقر. المحب لا نهائياً – الله – فقير لا نهائياً.”

“ثم التبعية، الروحية لا الحقوقية. المحب يقول للمحبوب: “أريد أن أكون تابعاً لك”. الحب وإرادة الاستقلال لا يتفقان إلا سطحياً. الأكثر حباً هو إذاً الأكثر تبعية. المحب لا نهائياً – الله – تابع لا نهائياً….”

“أخيراً التواضع. المحب يقول للمحبوب: “لا يمكن أن أترفع عليك دون أن أخطئ بحق الحب”. إذا كان المحب، بصورة ما، أعظم من المحبوب، فلا يكون حبه حباً إلا بالفعل الذي ينكر به تفوقه ويجعل نفسه مساوياً للمحبوب. الأكثر حباً هو إذاً الأكثر تواضعاً. المحب لا نهائياً – الله – متواضع لا نهائياً. لذا لا يمكن أن يرى الله في حقيقة كيانه إلا بالنظر إلى المسيح الذي يعبر عن التواضع الإلهي بعمل غسل الأرجل.”

“…. الله غني لا نهائياً، ولكنه غني بالحب لا بالامتلاك (والغني بالحب مرادف للفقر)…. الله هو اللامحدودية والقدرة اللامتناهية (ولكن حبه هو اللامحدود والمقتدر كلياً…. المقتدر أن يتنازل إلى حد الامحاء).

“وبعبارة أخرى، أن سر الحب المحتجز عن الإدراك، الذي هو الله في كيانه الأبدي، لا يمكن أن يترجم ويعبر عنه ويعلن إلا بفقر وتبعية وتواضع المسيح”.

ما أبعد جوبيتر “الذباب” وبصورة أعم ما يدعوه سارتر “الله” في كتاباته المختلفة، عن ذاك الذي يرينا إياه سفر الرؤيا في شخص يسوع المسيح يلتمس من الإنسان أن يقبله، لا ليتسلط عليه بل ليجعله مشاطراً حياته وخيراته: “ها أنا واقف على الباب وأقرع، إن فتح لي أحد أدخل وأتعشى معه وهو معي” (رؤيا 3: 20).

معنى الإلحاد الماركسي – الخاتمة – كوستي بندلي

معنى الإلحاد الماركسي – الخاتمة – كوستي بندلي

معنى الإلحاد الماركسي – الخاتمة – كوستي بندلي

معنى الإلحاد الماركسي – الخاتمة

بقي لنا، بعد أن حاولنا مجابهة الإلحاد الماركسي بالإيمان المسيحي الأصيل من جهة، وبالتصورات التي كثيراً ما يكوّنها المسيحيون عن إيمانهم من جهة أخرى، أن نصل إلى نتيجة قد تمهد للحوار بين الماركسيون وبيننا.

من مآخذنا على الماركسية ذلك التمييز الجذري ذو الطابع المانوي الذي تجعله بين عالم الخير – ألا وهو بنظرها البروليتاريا – وعالم الشر، الذي هو بنظرها البورجوازية وكل ما توحد، بقرار منها، بين البورجوازية وبينه من دين وفلسفة وعلم وفن…. إننا، معشر المسيحيون، كثيراً ما نسقط في المانوية عينها فننسب الإيمان لأنفسنا والإلحاد لغيرنا، ولكن هذا الموقف ليس صادراً عن أصالة الإيمان. فالإيمان يعلمنا أن الحد الفاصل بينه وبين الإلحاد لا يمر بين فئة وفئة من الناس، إنما يمر في صميم القلب البشري. فالمؤمن في صراع مستمر ضد عدم الإيمان الكامن في نفسه لأنه مجرب في كل لحظو أن يخلط عوض أن يحول تلك التصورات والرغائب بنور الله تصوراته ورغائبه الذاتية عوض أن يحول تلك التصورات والرغائب بنور الله وقوته، لذا فالمؤمن إذا لم يكن سطحياً يردد دائماً مع أبي الصبي المريض في الإنجيل: “أؤمن يا رب، فأعن عدم إيماني”. لقد كتب غبريال مارسيل: “إننا في آن واحد نؤمن ولا نؤمن، نحب ولا نحب، نوجد ولا نوجد، ولكن ذلك ناتج عن كوننا سائرين نحو هدف نراه ولا نراه”. أما الملحد فغالباً ما لا يكون ملحداً إلى النهاية لأن رفضه لله غالباً ما يكون سعياً إلى إله حقيقي مجهول من خلال رفض تصورات صنمية زائفة. لذا كتب الفيلسوف المعاصر هـ. دومري: “كثيراً ما لا يرفض المرء هذا أو ذاك التصور عن الله إلا بتأكيده ضمناً أن الله يبقى متجاوزاً كل تصور. لذا أن يجد الإنسان الله لن يعني أبداً سوى أن يتابع السعي إليه متجاوزاً ما وجده. هكذا فحوار الملحد والمؤمن بالله حوار لا نهاية له…. قد يعبد الله إنسان يتعبد بالحقيقة لذاته. وقد يرفض الله إنسان يتجاوز بالفعل ذاته إليه دون كلل….”

هذا يعني أن الحوار بين المؤمن والملحد، إن عنى شيئاً، فإنه يعني أن يعيد كل منهما النظر في موقفه الكياني على ضوء موقف الآخر. فالمؤمن من جهته عليه أن يقبل تحدي الملحد ليمحص على ضوء هذا التحدي نوعية إيمانه فينقيه باستمرار من التصورات البشرية التي تشوبه وتحجب الله لتقيم عوضه أصناماً. المؤمن يتعلم من الملحد أن يرفض الأصنام، ولو سميت باسم الله، ليعود إلى أصالة إيمانه حسب تعليم الرسول يوحنا: “يا أولادي احفظوا أنفسكم من الأصنام” (1يوحنا 5: 21).

إنه يأخذ عن الملحد كل ما هو إيجابي في إلحاده، لأن الإيمان الأصيل يفترض إلحاداً، إلحاداً بالأصنام التي توجدها أهواء الإنسان دون انقطاع، لأن الإنسان، وهو بطبيعته متجه إلى المطلق، تلك هي عظمته، مجرب دوماً بأن يلصق بهذا المطلق صور أهوائه، هذا هو ضعفه. الإنسان يحس بتعالي الله فيرتاع ويجزع وكثيراً ما يؤول به هذا الجزع إلى أن يحاول إزالة الفارق الشاسع بين الله وبينه وذلك بإحدار الله إلى مستوى تصورات وأهواء الإنسان. هذا ما نراه صراحة عند الأقدمين إذ أن إلههم ديونيسيوس كان سكيراً وإلههم جوبيتر زانياً. تجاه ذلك الموقف الوثني، كان لا بد للبشارة المسيحية أن تبدو إلحاداً لأن مناداتها بالإله الواحد كانت تعني في الصميم مناداة بالإله الوحيد أي الذي لا شبيه له ولا مثيل، الذي ليس على شبه البشر، على حد قوله تعالى في أشعيا: “بمن تشبهونني وتعادلونني وبمن تمثلونني فنتشابه” (أشعيا 46: 5)، ولكنه بالعكس يدعوهم لمحبته إلى التشبه به. وقد قبلت المسيحية آنذاك تهمة الإلحاد ولكنها أعطتها معناها الإيجابي، فكتب الفيلسوف الشهيد يوستينوس في القرن الثاني في دفاعه عن المسيحية: “إنهم يدعوننا ملحدين. نعم، نحن نقر بذلك. إننا ملحدون بتلك الآلهة المزعومة، ولكننا نؤمن بالإله الحقيقي”.

مسيحيو اليوم، إن شاءوا أن يكونوا هم أيضاً أمناء للإله الحقيقي الحي وليس لتصوراتهم وأهوائهم، عليهم أن يأخذوا عن ماركس إلحاده بالإله الطاغية، بالإله الذي يضمن الظلم، بالإله الذي يدعو الناس إلى الجبن والهروب، بالإله الذي يسر بعجز الإنسان وجهله؛ تلك الآلهة لا بد أن نرفضها كما رفضنا ديونيسيوس وجوبيتر وأفروديت، كما رفضنا إله الحرب مارس وإله السرقة مركور.

ولكن الحوار يفترض أيضاً أن يعيد الملحد النظر في موقفه، فيقلع عن الخلط بين الإله المتعالي عن كل تصور وبين نظرتنا البشرية إليه التي وإن تنقت على ضوء الإعلان الإلهي والحياة الروحية، تبقى ناقصة ونسبية. يقول مثل ألماني “لا يجب أن يلقى بالطفل مع الماء الذي غسل به”. هكذا يمكن للملحد، إذا شاء، أن يميز تلك الشعلة الإلهية التي قد تختفي إلى حد ما وراء تصورات دينية زائفة. يقول الأب دي لوباك في هذا الموضوع: “إن الترداد الآلي والرياء والخرافات والمواقف الصبيانية والرتابة قد تؤلف ثلاثة أرباع أو أكثر مما يقوله الناس أو يفكرون به عن الله، في عبادتهم وصلاتهم. ولكن ينبغي أن نحترس من أحكام الازدراء التي أشد ما تعينا، فإن هذه النفاية الهائلة لا يجب أن تخفي عنا البريق الصغير الذي يلمع في عمق النفس… والذي نراه أحياناً يرتفع شعلة مستقيمة، نقية”.

لذا فكما أن المؤمن عليه أن يقبل تحدي الملحد ليفحص على ضوئه إذا كان بالفعل يعبد الله “بالروح والحق” (يوحنا 4: 23، 24)، ينبغي على الملحد أن يقبل تحدي المؤمن، المؤمن الذي يحاول أن يكون أصيلاً في إيمانه، ليتساءل إذا كان إلحاده خالياً من خطر الكسل الروحي والتفتيش عن الراحة الرخيصة، إذا لم يكن وراء انغلاق دون كل ما يتجاوز الإنسان، إن لم يكن فيه شيء من التعبد الصنمي للإنسان.

ولكن المطلوب منا، نحن المسيحين، هو ليس أن نفحص قلوب الملحدين، بل قلوبنا نحن ونقر بمسؤولية المسيحية التاريخية ومسؤوليتنا نحن في الحاد الآخرين. يقول بردياييف: “على المسيحيين أن يقروا بقسطهم من المسؤولية في تقلص المسيحية في العالم. لقد اتخذت مسيحيتهم أشكالاً كان لا بد لها أن تثير المعارضة. لقد أخذ الناس ينبذون القيم الروحية ويستعيضون عنها بغيرها لأن تلك القيم كثيراً ما استعملت لتبرير الظلم والعبودية… إن الحقيقة المسيحية هي بأن نأخذ على أنفسنا مسؤولية عذابات البشر. إن الإلحاد السائد في العالم ليس فقط موضوع عثرة ودينونة من قبل المسيحيين، إنه أيضاً وبالأحرى ظرف جيد لنتوب عن خطيئتنا. قد يكون أحياناً الإلحاد المتألم مرضياً في نظر الله أكثر من عبادة كلها اكتفائية يؤديها عبيد”.

ولكن التوبة بمعناها المسيحي تقتضي ليس فقط الأسف على بدر منا فيما مضى لكن وبالأحرى تغيير ذهنيتنا كلها حسب مدلول العبارة اليونانية metanoia التي وردت في الإنجيل للدلالة على التوبة. إنها تعني اتخاذ مواقف جديدة، مواقف لا بد لها أن تترجم إلى عمل حسب قول الإنجيل: “اصنعوا أثماراً تليق بالتوبة” (متى 3: 8). ومن تلك المواقف الجديدة التي لا بد منها لنعيش المسيحية في أصالتها، موقف ضروري إذا شئنا أن نجعل الحوار ممكناً مع الماركسيين، وهو الذي عبر عنه بردياييف بقوله إن على المسيحية أن تصبح، في آن واحد وبمعنيين مختلفين، أقل جماعة اجتماعية وأكثر اجتماعية، فقد كتب بهذا الموضوع: “إن اتخاذ الدين شكل المجتمع الراهن، كان أحد أسباب الإلحاد في العالم. إن تكيف المسيحية مع البنية الاجتماعية والقوى المسيطرة فيها كان، في مجرى التاريخ، مشوهاً لها مثيراً للحقد عليها. نتيجة أن تصبح المسيحية أقل اجتماعية بالمعنى السيء لهذه العبارة أي أن تتحرر أكثر حتى لا يعود بالإمكان أن تحدد بالنسبة إلى بيئة اجتماعية معينة. ولكن هناك مظهر آخر. فالمسيحية يجب أن تصبح أكثر اجتماعية أي أن تعلن، أكثر مما فعلت، الحقيقة التي عندها عن المجتمع البشـري….”.

إنه لمخز فعلاً كون تصرفات صادرة عن المسيحيين قد أدت إلى محاربة المسيحية باسم كرامة الإنسان والحرية والعدالة والاخاء وهي قيم أدخلتها المسيحية إلى العالم، بإقرار الماركسيين أنفسهم. لقد ذكرنا آنفاً قول بردياييف: “إن فكرة إخاء البشر والشعوب فكرة ملازمة للمسيحية في شكلها النقي. إن الحركات الاشتراكية والشيوعية أخذت عن المسيحية فكرة مجتمع أخوي. ولكن المسيحية، في مجرى التاريخ، تلوثت بمصالح الطبقات المسيطرة، فاتخذت لون المجتمعات الاقطاعية أو البورجوازية وقدست أبغض الأيديولوجيات القومية…”.

وهكذا حُولت، وهي الموقظ الأكبر، إلى ذلك “الأفيون للشعب” الذي رآه فيها ماركس. والجدير بالذكر أن ذلك الحكم المرير لم يصدر عن ماركس وحده أو عن غيره من الملحدين كنيتشه، ولكنه صدر عن مسيحي مخلص كان معاصراً لماركس. إن المفكر الملحد هنري لوغير يخبرنا أن أحد معاصري ماركس، وهو شارلس كينغسلاي، كاهن الملكة فيكتوريا وأحد كبار الاكليريكيين الانكليكان، خاطب الاكليروس الإنكليزي بعبارات لا تقل شدة عن عبارة ماركس، قائلاً لهم: “لقد استخدمنا التوارة كأنها كتاب الدركي، كأنها جرعة أفيون تعطى للبهائم حتى لا تكبو فيما تحمل فوق طاقتها، كمجرد أداة لجعل الفقراء يستكينون”. لذا فعلى المسيحيين أن يعودوا فيتبنون، على الصعيد الاجتماعي، تلك القيم النابعة عن إيمانهم: “ليس شأن المسيحية أن تخاف الحركات الاجتماعية في العالم وأن تحاربها محاربة عقيمة، بل أت تلهم تلك الحركات وأن تحاول انقاذها من السموم التي تتسرب إليها، من سم الحقد”. هذا الموقف الإيجابي، البناء، هو بنظر بردياييف الموقف المسيحي الأصيل تجاه الشيوعية التي يعتبرها الحدث الأهم في العالم المعاصر. يعتقد بردياييف أن اتخاذ المسيحيين موقفاً سلبياً محضاً تجاه الشيوعية من شأنه فقط أن يخدم الفاشية وهي بنظره مضادة للمسيحية أكثر من الشيوعية بكثير. ويضيف قائلاً: “يجب الاتجاه نحو تحويل داخلي للشيوعية. هذا التحويل ممكن، إنه يتم تدريجياً…”.

ولكن كيف يمكن للمسيحين أن يسعوا إلى ذلك التحويل؟ إذا التزموا قضايا الأرض والتفاني اللذين يقتضيهما إيمانهم. يقول الفيلسوف المسيحي المعاصر جاو لاكروا: “تخدير الضمير بالرثاء للوضع العمالي، ومحاربة الشيوعية مادياً مع الاكتفاء بحكم معنوي على الرأسمالية، هذا هو تحديد الفريسية اليوم”. ولكن الكثيرين من المسيحيين اليوم قد نبذوا تلك الفريسية وتجاوزوها، وذلك بالعودة إلى الإنجيل، فالتزموا قضية الإنسان إلى أبعد الحدود وتصدوا للظلم أياً كان شكله. والأمثلة على ذلك كثيرة وبليغة، أكتفي بذكر بعضها. ففي فرنسا كان المسيحيون في طليعة من قاوم الحرب الاستعمارية في الجزائر واحتج على الظلم والتعذيب اللذين ألحقا بالجزائريين. ويقف الأساقفة الفرنسيون مواقف صريحة جريئة إلى جانب حقوق الطبقة العاملة حتى أنه في مطلع 1966 شوهد مطران طولون سائراً في طليعة المظاهرة التي قام بها نحو 2800 عامل بحري كانوا مهددين بالتسريح. ومن منا لا يعرف جهود الأب لوبريه، مؤسس الايرفد، ذلك الكاهن الذي كان في طليعة من ساهموا، بأبحاثهم الاقتصادية والاجتماعية، في رفع مستوى المعيشة في البلاد التي في طور النمو، حتى أن جريدة “الأنوار” اللبنانية كتبت أن بوفاته انطفأت شعلة من أجمل الشعل التي أنارت حتى الآن عدداً كبيراً من البلاد والشعوب دون تمييز في العرق أو الدين. وفي الولايات المتحدة نرى المسيحيين من كافة الكنائس يلتزمون قضية المساواة العنصرية برصانة كلية، فيشترك رجال الاكليروس الآتون من خمسين ولاية أمريكية بسير الزنوج على مونغومري عاصمة ولاية الاباما، وتشترك الراهبات في المظاهرة بوفرة ويتعرضن لشتائم قذرة. ويغتال في الولاية نفسها كاهن أبيض من الكنيسة الأسقفية ويجرح إلى جانبه كاهن آخر كاثوليكي بعد أن سجنا لاشتراكهما في مظاهرات للمطالبة بالمساواة العنصري. ويقتل قسيس بروتستانتي في مدينة كليفلند فيما كان يحاول إيقاف جرافة كانت تمهد لناء مدرسة مخصصة للبيض وحدهم. وفي افريقيا الجنوبية يعارض رجال من الاكليروس المسيحي بجرأة التفريق العنصري الذي يكرسه دستور تلك البلاد، كما فعل مثلاً رئيس أساقفة دوربان الكاثوليكي. ويطرد بعضهم من البلاد بسبب شهادتهم هذه. وفي اسبانيا يجاهد أعضاء الحركات العمالية المسيحية في سبيل العدالة الاجتماعية وحرية النقابات متعرضين لمقاومة الأوساط الرسمية وأصحاب العمل. وفي البرازيل أوقف مطران ناتال بناء كاتدرائية لتخصص نفقاتها لبناء مدينة عمالية، مطبقاً هكذا وصية يوحنا الذهبي الفم: “فلا تزين الكنائس إن كان ذلك لإهمال أخيل في الشدة. هذا الهيكل أكثر جلال من ذاك” (العظة الخامسة على إنجيل متى). وفي تلك البلاد عينها التزام مسيحي واسع وعميق لقضية العدالة الاجتماعية. فحركة التربية الأساسية M. E. B.، هي حركة مسيحية، قامت بنشاط مرموق لا في مكافحة الأمية وحسب بل في التوعية الاجتماعية في أوساط الشعب حتى أن كراسها “الحياة نضال” أثار ضجة كبرى وحورب من الحاكمين بالنظر لمواقفه التقدمية.  ويقف عدد من الأساقفة، خاصة في المنطقة الشمالية الشرقية من البلاد وهي منطقة بائسة محرومة، موقفاً جريئاً جداً من القضايا الاجتماعية، وفي طليعتهم أسقف ريسيف، هيلدر كامارا. وقد حملت الصحف لنا نباً اصطدام هذا الأسقف وغير بالسلطات العسكرية لأنهم يصرحون بان “بعض مظاهر النظام القائم تشكل أعمال عنف حقيقية لا يمكن للكنيسة أن تبقى صامتة أمامها”. وإلى جانب الأساقفة تقف الحركات المسيحية للعلمانيين هناك مواقف ملتزمة، وقد صرح هربرت جوزيه دي سوزا رئيس الشبيبة الجامعية الكاثوليكية في البرازيل: “لا يسعنا أن نقبل بالنظرية التي تفصل الطاهرين والمختارين عن الذين يعيشون في “عالم” الشر والفساد. هذا الموقف يفترض انعزال الصالحين للمحافظة على نقاوتهم. العالم هو المجازفة التي يجب على الصالحين، وعليهم بنوع خاص، أن يدخلوا فيها. لا يخرج المرء من العالم دون أن يخون البشر. لذا كان جوابنا الالتزام. نحن لا نؤمن بأن السعادة الأبدية تتحقق في المدينة الزمنية لأننا سوف لا نجدها إلا في رؤية المطلق، ولكننا سنعمل كل ما بوسعنا حتى يكون هذا العالم أداة لإسعاد كل الناس. لا داعي للهرب من الاقتصاد، ومن العلوم الطبيعية، من الحملات الانتخابية، من الثورات. إننا نتجنب امتناع الصالحين لأننا نعلم أننا مسؤولون عن حياة اخوتنا”.

إن وقائع كهذه من شأنها أن تبين للماركسيين أن المسيحية في أصالتها ليس تخديراً وخنوعاً وهروباً. وأن إلهها ليس مبررً للرقاد والاستكانة بل داعياً إلى يقظة دائمة وجهاد لا حد له. إن الماركسيين، وهم يحتكمون إلى التاريخ، قد بنوا موقفهم من الدين من خلال مواقف تاريخية خان بها المسيحيون مقتضيات إيمانهم، ولهذا فالمواقف التاريخية التي ذكرنا نماذج عنها أعلاه من شأنها أن تدعوهم إلى أعادة النظر في مفهومهم للدين. أضف إليها ما يجري في البلاد ذات الحكم الشيوعي من ثبات المؤمنين في إيمانهم مع اخلاصهم للنظام وعملهم على بناء المجتمع الاشتراكي بنشاط، ولنا مثل على ذلك فيما نشرته الصحيفة الشيوعية كومسومو لسكايا برافدا في 9 كانون الأول 1961، إذ يصف لنا مندوب هذه الصحيفة في إحدى مدن سيبيريا عالمة في الباطون تنتج مائة وستين بالمائة مما عينه التصميم كمعدل انتاج ولكنها تذهب إلى الكنيسة البعيدة عشرة كيلومترات عن مكان سكنها، وقد أضافت الصحيفة أن لا أحداً يضايقها على ممارستها الدينية هذه بسبب عملها النموذجي.

قلنا إن كل ذلك من شأنه أن يحدو بالماركسيين إلى تبديل نظرتهم إلى الدين. ولكن هل هذا التبديل حاصل بالفعل؟ إننا لم نر له أثراً ذا شان في البلاد ذات الحكم الشيوعي، ولكننا نرى بوادره تتجلى بشكل واضح في الأحزاب الشيوعية القائمة في أوروبا الغربية. فقد انتقدت هذه الأحزاب بشدة تقرير ايليتشيف. وصرح الزعيم السابق للحزب الشيوعي الإيطالي بالمير توغلياتي في خطاب ألقاه في برغام: “فيما يتعلق بنمو الوجدان الديني، لا نقبل بالنظرية الساذجة والمغلوطة التي بموجبها يكفي تقدم المعرفة وتبديل البنية الاجتماعية لإحداث تغييرات جذرية في ذاك الوجدان. إن هذه النظرية الناتجة عن فلسفة الأنوار ومادية القرن الثامن عشر لم تصمد أمام تجربة التاريخ. إن جذور الدين أعمق”. وقد صرح الأستاذ روجيه غارودي، أحد النظرين الكبار في الحزب الشيوعي الفرنسي، أن التعليم الماركسي القائل بأن الدين حاجز دون تقدم البشرية يجب إعادة النظر به. ويقول المفكر نفسه، إن الشيوعيين اضطروا “أن يطرحوا بروح عصرنا مشكلة طبيعة الواقع الديني ودوره، وذلك بتأثير “التغييرات التي حدثت في الوجدان المسيحي في زمننا”، تلك التغييرات التي أظهر المجمع الفاتيكاني الثاني مداها، وبتأثير “الدور الذي لعبه الدين، وخاصة الدين الإسلامين في حركات التحرر الوطني”. وقد ذهب أحد قادة الحزب الشيوعي الإيطالي، سلفاتوري دي ماركو، من باليرمو، إلى أبعد من هذا. فإنه صرح في كتاب عنوانه Dialogo alla prova ضم مقالات لخمس من الكاثوليك وخمس من الماركسيين، أنه ينبغي تجاوز النظرة الماركسية إلى الدين كفقدان الإنسان لذاته لصالح جوهر وهمي. ويعتقد دي ماركو أن على الماركسية أن تكون فكرة جديدة عن التعالي، وأن تدرك أنه إذا كان لموقفها من القضية الدينية ما يبرره أثناء الصراع من أجل بناء الاشتراكية، إلا أنه في اليوم الذي سيحرر المجتمع الاشتراكي الإنسان، ستطرح مسألة الحياة الداخلية في الإنسان، وبالتالي مسألة الإيمان الديني، بكل أهميتها وببعدها الأصيل. إن موقفاً كهذا، الذي ينفرد به اليوم دي ماركو، بادرة طيبة تبشر بإمكانية حوار مع الماركسيين.

هذا الحوار أمر تظهر ضرورته بحدة اليوم، حيث إنسانية الإنسان مهددة بالضياع في عالم تجتاحه غرباً وشرقاً سيطرة التكنولوجيا، في “مجتمع استهلاك” يسوده ويخنقه حب الرفاهية. كان هذا الخطر الذي يهدد الإنسانية محور اهتمام اللقاء الذي تم بين ماركسيين ومسيحيين في الربيع الماضي في جنيف، وقد كتب الأب جورج خضر أحد المشتركين في هذا اللقاء: “كان هاجس المؤتمر البحث عن التعاون العملي الممكن بين الفريقين لتكون وسائل الإنتاج والتقنية أكثر إنسانية. هل تضخم العمل وسيطرة التكنولوجيا يأخذان من إنسانية الإنسان؟ الهم المشترك ألا يفنى الإنسان فيما يصنع، إن يبقى على صورة الله، أو، في لغة أخرى، أن يحقق إنسانيته”.

بعض الماركسيين أخذوا يرون اليوم أن المسيحية في أصالتها ضمانة لحفظ المعنى الإنساني للوجود. هذا ما شهد به الأستاذ جورج كازاليس، الأستاذ في كلية اللاهوت البروتستنتية في باريس، وهو أحد المهتمين بالحوار مع الماركسيين. قال: “هناك تمييز يدركه عدد متكاثر من الملحدين الواعين، وينبغي للمسيحيين أن يساعدوهم على اقامته. هذا التمييز يمكن تلخيصه بهذا العنوان لبردياييف: “كرامة المسيحية وعدم جدارة المسيحيين”. إن ألد أعداء المسيحية التاريخية يعرفون إن في المسيحية حقيقةً وعمقاً. إنهم يفتشون، هم أيضاً، عن تلك الحقيقة وذلك العمق.

“عندما يجدون مسيحيين مجردين من عناصر السلطة ومن شهوة التسلط، كما هي حال عدد من المسيحيين في كل أنحاء عالم اليوم، يرغبون بأن يدخلوا في حوار معهم لأنهم يفتشون هم أيضاً عن مبررات وجود أفضل من الحياة نفسها”.

“إن عدداً من المسيحيين يمكنهم أن يشهدوا عن أحاديث طويلة جرت بينهم وبين ماركسيين كانوا يريدون أن يعرفوا ويفهموا خاصة ما المعنى الوجودي، أي الحاضر، لغفران الخطايا، أو ماذا يعني، وجودياً أيضاً، رجاء الحياة بعد الموت. كيف يمكن التحرر من الشعور بالإثم في الوجود؟ كيف يمكنني أن أحيا وأعمل دون أن تشلني فكرة الموت؟”

“يمكنني أن أستشهد بالكلمات التي قالها لي شيوعي تشيكي شديد الوعي لأخطار الانتقال من المجتمع الثوري إلى مجتمع الاستهلاك: “في النهاية، أنتم ونحن لنا ذات الأعداد، وهم الأناس الذين تسحرهم الرفاهية المادية… أحياناً تتوصل دعايتنا إلى فصل امرئ من الكنيسة. ولكنه، في أحسن الحالات، يتمركز في هذا البين بين الأيديولوجي حيث يتسابق الناس نحو التقدم المادي. لقد كان الأفضل له أن يبقى عندكم، لأنه كان احتفظ إذ ذاك بمبرر لوجوده….”.

لقد خلطت الماركسية بين الإله الحقيقي وبين صنم رهيب هو من صنع تصورات البشر وأهوائهم، فرفضت الله باسم الإنسان، ولكن رفضها هذا جعل جهادها المرير، والبطولي أحياناً، من أجل الإنسان، مشوباً باحتقار وبتر للإنسان. لقد كان لماركس الفضل العظيم باكتشاف البعد الاقتصادي في الإنسان ومدى تأثيره على النشاطات الإنسانية قاطبة. إنه لفت انتباهنا “إلى كون الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها جماهير من البشر، اخوتنا، تحول دون بلوغ حياة لائقة بجوهرهم كأشخاص إنسانيين، وأن محبة القريب تفرض علينا بالتالي أن نعمل كل ما بوسعنا لتأمين الشروط التي تجعل ممارسة الحرية ممكنة لك أحد”.

وقد كتب الأب جورج خضر بهذا الصدد: “كان فضل ماركس علينا أنه كشف لنا الإنسان الاقتصادي وذكرنا، بالتالي، بقول بولس إن الإنسان الحيواني كان أولاً ثم الروحاني. أحياناً نتغنى بقول السيد “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان” تغنياً فريسياً. هذا كان جواب جهاد رفض به المعلم أن يخضع لخداع الشهوة. هذه جملة يتدرب الإنسان عليها لكي يتخطى دائماً الجسد والمنظورات جميعاً. ولكن إذا كانت قضية الخبز مادية عندما أريد الخبر لنفسي، فهي قضية روحية إذا تعاطيتها من أجل الآخرين. الإنسان الاقتصادي أولاً، لا في سلم القيم بالطبع، بل من حيث رعاية البشر. أما كان هذا نهج المسيح عندما رفع عينيه بقرب من بحر طبرية ورأى جمعاً كثيراً مقبلاً إليه، فقال لفيلبس: “من أين نبتاع خبزاً ليأكل هؤلاء؟” (يوحنا 6: 4، 5). هذا الذي لم تكن مملكته من هذا العالم، كان مدركاً أن هذا العالم وذال لا يقومان إلا على المحبة. بعدها يأتي التعليم، ويأتي قاسياً، ولذلك، بعد أن شبعوا من الخبز الذي أعطوه قال لهم: “اعملوا لا للطعام الفاني بل للطعام الباقي، للحياة الأبدية” (يوحنا 6: 27)”. ولكن رفض ماركس لله جعله يحصر الإنسان في بعده الاقتصادي ويحرمه من ذلك البعد الروحي الذي هو وحده أساس كرامة الإنسان الفائقة ودعوته الفريدة. لذا ليس بإمكان الثورة الماركسية أن تبلغ ملء الهدف الذي من أجله قامت، ألا وهو تحقيق ملء إنسانية الإنسان. لا بل نذهب إلى أبعد من ذلك ونقول: لا شيء في الماركسية يضمن أن تحافظ الثورة على انطلاقتها الأولى والهامها الأصلي، “ويمكن للثورة أن تتبرجز…. وهذا يبدو لأول وهلة أمراً محتوماً إذا اعتبرنا أن النزعة إلى بذل أقل مجهود ممكن ناموس شامل، وأن ناموس فقدان الطاقة ليس صحيحاً على مستوى العلوم الفيزيائية وحسب… إن الثورة كلمة: فإذا شاءت أن تكون ثورية بالحقيقة وباستمرار، يجب أن تكون دائمة وأن تجدد بلا انقطاع قفزتها. لذا ينبغي لنا أن نتجذر في مبدأ يفوق الإنسان اطلاقاً، فالإنسان، بصورة طبيعية، أي بداعي طبيعيته، يتعب، ينهار، يتبرجز، يخدر ضميره، يرى أن كل شيء على ما يرام لأنه هو على ما يرام”. إن الثورة الشيوعية لم تنج من خطر البرجزة هذا، والستالينية مثلاً شاهد كبير على ذلك. وقد ذكر ثلاثة من المفكرين المسيحين زملاء هم الماركسيين بتلك الحقيقة في الأسبوع السادس للفكر الماركسي الذي نظم في باريس سنة 1967. فقد تصدى القس جورج كازاليس، الأستاذ في كلية اللاهوت البروتستنتية في باريس والسيد جورج مونتارون مدير جريدة Ternoignage Chretien والسيد روبير دي مونفالون، مدير مجلة Terre entiere، لبعض مظاهر الشيوعية الحالية باسم المبادئ الإنسانية التي قامت الثورة عليها، فنددوا بالطابع المحافظ الذي تتصف به بعض الأنظمة الشيوعية وباضطهاد تلك الأنظمة للمفكرين وخاصة بالممالأة القائمة بين البلاد المتقدمة تقنياً من شيوعية ورأسمالية على حساب العالم الثالث. وقد أثير موضوع الأخطار التي تهدد الثورة في لقاء جنيف المذكور آنفاً بين ماركسيين ومسيحيين حيث أدرك جميع المؤتمرين أن “الحكم مفسد عادة” وأن “الثوريين ليس قديسين” وتساءلوا “كيف يمكن ألا يهترئ الحكم، ألا يهبط أخلاقياً”. وقد اتضح نتيجة للبحث أن “الإنسان لا يضمن نجاح ثورة أو قداستها”. إن الماركسية، برفضها الله، ترفض ذاك الذي هو الينبوع الحقيقي لكل ما هو عدل وحق وخير في كل انتفاضة ثورية، لذاك الذي يستمد منه الثوري، من حيث يدري أو لا يدري، كل ما في انطلاقته من اقدام وجدّة، وتحرر واخلاص وحب. من الله يستمد الإنسان القدرة على تحطيم كل قيد، ليس القيود الخارجية وحسب، إنما القيود الداخلية التي هي في الأعماق مصدر كل عبودية. الله إذاً ينبوع الثورة الحقيقية الشاملة الدائمة اليت لا تزعزع الأوضاع الجائرة فحسب، إنما تقتلع من القلب جذور تلك الأوضاع. لذا فرفض الماركسية لله يعني بتر الثورة بفصلها عن مصدرها الحقيقي وبالتالي تعريضها للهبوط والانحراف. بهذا المعنى كتب الأب جورج خضر: “الأساسي في خلافنا مع الماركسية ليس أنها ثورية، بل على العكس، لأنها ليس ثورية كفاية. التبدل البشري العميق هو في ظهور الخليقة الجديدة التي تحدث عنها الكتاب العزيز…. على هدى هذا التعليم فقط لا يتحول الثوري إلى بيروقراطي أو انتهازي أو بورجوازي من نوع جديد. المشكلة ليست في أن نحذر الثورة الاجتماعية، ولكننا نخشى سطحيتها بتحويلها إلى بورجوازية يكون لها الطابع الاستثماري للبورجوازية البائدة…”.

أما المسيحية، التي زرعت في التاريخ بذور الثورة على كل ظلم واستعباد، فهي قادرة أن تعطي للثورة كل أبعادها لأنها تنادي بالله عاملاً مع الإنسان في التاريخ ليتجلى هذا التاريخ وينعتق الإنسان لا من العبودية الاقتصادية والاجتماعية وحسب بل من عبودية الشر العزلة والموت. بهذا المعنى يقول مونييه أن المسيحية “رجاء الثورة”. ولكن هذا يعني أن يتحرر المسيحيون من تصوراتهم الصنمية عن الله وأن يعودوا إلى الإله الحي فينالون منه طاقة الخلق وشجاعة المجازفة. هذا يعني، بالنسبة للمسيحية، كما كتب مونيية سنة 1944، “أن ترفع الشراع الكبير على السارية الكبرى وأن تخرج من المرافئ التي استكانت فيها، متجهة نحو أبعد النجوم، في آبهة الليل الذي يحيط بها”.

 

معنى الإلحاد الماركسي – الخاتمة – كوستي بندلي

معنى الإلحاد الماركسي – إله الإعلان المسيح وأصنام الله – كوستي بندلي

معنى الإلحاد الماركسي – إله الإعلان المسيح وأصنام الله – كوستي بندلي

معنى الإلحاد الماركسي – إله الإعلان المسيح وأصنام الله – كوستي بندلي

معنى الإلحاد الماركسي – إله الإعلان المسيح وأصنام الله

ولكن حان لنا الآن أن نتساءل هل إن هذا الإله رفضه ماركس كصورة وسبب لاستبعاد الإنسان هو إله الإعلان المسيحي؟ هل إن إلهنا هو زفس المنعزل، المتجبر، الذي يسر بإذلال الإنسان واستعباده؟ هل أن إلهنا يفقر الإنسان ويفرغه من إنسانيته؟ كلا! لا يوجد شبه بين الإله الذي أعلن ذاته لنا وبين هذا الإله المخيف. إلهنا ليس بمنعزل ولا بمتجبر لأنه، منذ الأزل، في ثالوثه، حركة حب وعطاء تجمع الأقانيم في وحدة الجوهر وتتجه إلى الإنسان عند خلقه لتدعوه إلى الاشتراك في ملء الحياة الإلهية. إلهنا لا يفقر الإنسان بل بالحري افتقر هو عند التجسد، مفرغاً ذاته، لكي يملأ الإنسان من غنى الحياة الإلهية. لقد ردد انغلز فكرة ماركس وفوورباخ عندما كتب: “إن الدين هو العمل الذي يفرغ به الإنسان ذاته من ذاته”.

ولكن إيريناوس أسقف ليون في القرن الثاني كان قد أجاب مسبقاً على هذا الادعاء عندما كتب تلك العبارة التي رددها الآباء الشرقيون من بعده: “لقد صار الإله إنساناً ليصير الإنسان إلهاً”. تأليه الإنسان هذا، الذي يتعطش الله إليه حسب تعبير مكسيموس المعترف، “في حبه الجنوني” للإنسان (نقولا كاباسيلاس)، تأليه الإنسان هذا ليس معداً لما بعد الموت وحسب، إنها هو حقيقة تبدأ منذ الآن، حتى أننا نرى القديسين، وهم الذين اتجهوا بكليتهم إلى الله – فلنذكر الرسول مثلاً – تتأجج انسانيتهم بالنور والحرار والقوة، نراهم لا يفقدون إنسانيتهم بل يرتفعون فوق المستوى الإنساني العام فيبدعون ويشعرون ويغيرون وجه الأرض.

هؤلاء الذي أسلموا ذواتهم لله إلى أبعد الحدود لم تفتقر إنسانيتهم بل بلغت ذروتها. ألم يقل عنهم برغسون – وقد كان “وجودهم له دعوة” وهديا في السعي الذي قاده في آخر المطاف إلى الإيمان المسيحي: “…. إن تياراً هائلاً من الحياة أخذهم. انبعثت من حيويتهم المزدادة طاقات عجيبة من القوة والجرأة والقدرة على التصميم والتحقيق” ألم يميز فيهم “صحة عقلية راسخة نادرة… تتجلى في رغبة العمل وقدرة التكيف المستمر مع الظروف والحزم المزدوج بالمرونة والتمييز النبوي لما هو ممكن وغير ممكن وروح بساطة تتغلب على التعقيدات وأخيراً في إدراك متفوق”؟

إذا كان إلهنا هكذا، فكيف إذاً صوره ماركس ساحقاً ومشوهاً إنسانية الإنسان؟ بالطبع نجد في الإلحاد الماركسي – وفي الإلحاد المعاصر عامة – صدى للتجربة القديمة التي أتت على لسان الحية في الفردوس: “ستصيران آلهة”، فيه اكتفائية روحية ترفض بأن يكون للإنسان مرجع غر نفسه. إلهنا لا يفرغ الإنسان من وجوده إنما يفرغه من الامتلاك النرجسي لهذا الوجود. المؤمن بالله يعرف أن ملء الوجود له، إنه وارث الله كما يعلم الرسول بولس، ولكنه يقبل بأن يكون هذا الوجود هبة حب ممنوحة له، يقبل بأن ينعم به عليه وبأن لا يكون متملكاً له، مستولياً عليه. المؤمن ينعم بالقوة كل القوة، ولكنه ينسبها بشكر إلى مصدرها ويردد مع الرسول: “إنني أستطيع كل شيء بالذي يقويني” (فيلبي 4: 13). ولكن الإنسان، وبنوع خاص الإنسان المعاصر، يريد أن يملك ذاته وأن يكتفي بذاته. فإذا وجدت مثل هذه كونه إلهاً أي للإله أن يظهر للإنسان طاغية، أيا كان هذا الإله ولمجرد الإرادة، لا بد مرجعاً مطلقاً لخليقته.

ولكن الاكتفاء بهذا التعليل يعني القاء مسؤولية الحادهم على الماركسيين وحدهم، وهذا تبسيط ساذج للقضية إن لم يكن محاولة، واعية أو غير واعية، لتبرير ذواتنا مهما كلف الأمر بإلقاء العبء كله على الآخرين. الحقيقة أدق وأوسع مما يفترضه هذا الموقف. فإن شئنا أن نحيط بها بكاملها، وجب علينا أن نطرح على أنفسنا السؤال الآتي: لقد نشأت الماركسية في بيئة مسيحية، وسط التصورات الدينية التي كانت شائعة في هذه البيئة المسيحية. إنها كونت موقفها من الله من خلال هذه التصورات.

فإذا كانت قد حاربت وتحارب بضراوة الإيمان بالله، وبنوع خاص الإيمان المسيحي به، أليست صور الله التي وجدتها وتجدها أمامها في البيئة المسيحية مسؤولة إلى حد ما عن هذا الموقف العدائي؟ إذا كانت فلسفة ارادت تحرير الإنسان رفضت الله لأنها اعتقدته عقبة أمام هذا التحرير، ألا يعني ذلك، إلى حد ما، أن “الأفكار التي يكونها الجمهور عن الله”، على حد تعبير ماركس، تكل الأفكار التي يقول إن فلسفته ترفضها، كانت عبارة عن “مفهوم لله لا إنساني، مضاد للإنسانية” على حد تعبير بردياييف، مفهوم كان لا بد للإنسان أن يرفضه ليحافظ على أفضل عناصر إنسانيته، مفهوم يبرر كلام المفكرة الاشتراكي برودون: “الإنسان يصبح ملحداً عندما يشعر بنفسه بأنه أفضل من إلهه”.

وبعبارة أخرى ألا يكون رفض الماركسية لله، إلى حد ما، رفضاً لا للإله الحقيقي بل لأصنام استعاض بها الناس عنه فتطبق عليه كلمات الفيلسوف ديمري: أليس الإلحاد نفسه، إذا كان ذكياً وصادقاً، تكريماً على طريقته للإله الحقيقي؟ لا يرفض الإنسان المطلق إلا باسم مطلق أفضل؟”

هذا ما يقودنا أولاً إلى توضيح فكرة “أصنام الله”. فلننطلق من مثل بشري يعطيه المفكر المعاصر مارك أوريزون: “إذا وجدت في مكتب شخص ما، أثناء غيابه، أستطيع بلا شك أن أعرفه نوعاً ما: أعرف أنه موجود، أكتشف أي نوع من الدخان يدخن، أية كتب يقرأ، ما هي اهتماماته وأذواقه… ولكنني لا أعرفه معرفة حقة طالما لم يدخل الغرفة ولم يوجه إليّ الكلام، داخلاً هكذا في حوار….”

إذاً يمكنني بالاستناد إلى آثار شخص آخر أن أعرف بعض الأشياء عنه ولكنني لن أعرفه هو إلا إذا خاطبني ودخل معي في حوار. أما إذا اكتفيت بتفكيري لأتعرف إليه فإني سوف أرسم عنه حتماً صورة مطابقة لأفكاري وأهوائي ولكنها لا تمت إلا بصلة بعيدة إلى شخصه الحقيقي الحي. هذا صحيح إذا كان هذا الآخر إنساناً مثلي. فالناس غالباً متباعدون لأنهم ولو تعايشوا العمر كله لا يدخلون في حوار حقيقي، إذ أن كلاً منهم يكتفي بأن يلصق بالآخر تصوراته الخاصة عوض أن يصغي إليه وينفتح إلى سره.

ولكن ما هو صحيح بالنسبة لعلاقتي بالآخر صحيح بالأحرى إذا كان هذا الآخر هو الله الذي هو متميز ومتعال بالكلية عن أفكاري. لذا لم يدعني الله أضيع في متاهات أفكاري وتخيلاتي عنه، إنما كلمني هو عن نفسه، كلمني بالأنبياء أولاً وبحوادث العهد القديم ثم كلمني بابنه الذي هو صورته الكاملة، بكلمات ابنه وبحوادث حياته الأرضية. ولكن الله لا يستطيع أن يخاطبني إلا بكلمات وحوادث بشرية، لذا فالخطر الذي يهددني هو أن أفهمها بشرياً فأشوهها.

فكما إنني في حواري مع شخص مثلي، يتوجب عليّ، إذا شئت أن أفهمه حقاً وفي العمق، أن أتجاوز دوماً صيغة الكلام لأنفذ، بمشاركتي الحبية، إلى داخل الشخص الآخر. إلى المصدر الذي منه يأخذ الكلام معناه، هكذا، فبالأحرى كثيراً، عليّ باتحادي مع الله أن أتجاوز صيغة الإعلان الإلهي لأفهمه على طريقة الله لا على طريقتي البشرية. هذا هو أصل ما يسمى “اللاهوت السلبي” الذي اعتمدته الكنسية المسيحية وبنوع أخص الآباء الشرقيون. هذا اللاهوت ينفي عن الله ما يؤكده من جهة أخرى. فإن الله أب ولكن لا بمعنى أبوة الأرض لأن المسيح قال بأننا إذا دعونا الله أباً فلا يمكننا أن ندعو آباء الأرض آباء: “لا تدعوا لكم أباً على الأرض لأن أباكم واحد وهو الذي في السماوات” (متى 23: 9).

والله سيد وقد تجلت سيادته في المسيح القائل: “إنكم تدعونني معلماً وسيداً وحسناً تفعلون، لأن هكذا” (يوحنا 13: 13). ولكن ليس كأسياد الأرض: “ها أنا بينكم كالخادم” (لوقا 22: 27)، “إن ابن البشر لم يأت ليُخدم بل ليَخدم” (متى 20: 28). والله عادل ولكن لا على طريقة عدالة الأرض، فإنه يعطي عامل الساعة الحادية عشر كعامل الساعة الأولى (متى 20: 1-16). والله ملك ولكن لا على شاكلة ملوك الأرض، لذا قال المسيح لبيلاطس: “لقد قلت. إني ملك” (يوحنا 18: 37) ولكنه أوضح: “مملكتي ليست من هذا العالم (متى 18: 36).

وهكذا لا بد لنا أن نستند على صور بشرية عن الله، تلك الصور التي قدمها لنا الإعلان الإلهي، ولكن هذا الإعلان عينه علمنا بأن نتجاوز دوماً هذه الصور إلى الإله الحي الذي لا تحده صورة، متجهين إليه في حركة حب مستمرة ليكشف لنا ذاته كشفاً يتجاوز كل نطق بشري. هذا ما عبر عنه القديس غريغوريوس النيسي عندما كتب: “الأفكار تنشئ أصناماً لله، الذهول وحده يدرك شيئاً”.

ولكن الإنسان صنمي بطبيعته. فإنه معرض دوماً لأن ينحدر بالله إلى مستوى أفكاره والأهواء الكامنة وراء هذه الأفكار عوض أن يتجاوز أفكاره ليقتبل كشف الله. “المسيحي معرض لأن يكون صنمي الصورة والعبارة. الله، في كثير من الأحيان، ليس بالنسبة إليه سوى إنسان متفوق، إنسان قادر على كل شيء بلا شك، ولكنه ما زال إنساناً من عالمنا مع أنه معتبر كساكن فوق العالم”.

بالانطلاق من هذه الاعتبارات يمكننا الآن أن نتفحص عن كثب صور ذلك الإله الذي رفضه ماركس، فنرى فيها “أصناماً لله” لا تمت إلى الله الحي بصلة مع أنها لسوء الحظ اتخذت، ولا تزال، اسمه عندنا نحن المسيحيين:

1– الإله عدو الحريـة:

لقد جعل ماركس إلحاده تحت شعار بروميثيوس بطل حرية الإنسان تجاه الطاغية رفس، كأن قدرة الله الكلية تعني حتماً الطغيان. ولكن قدرة إله الإعلان المسيحي ليست كقدرة البشر التي كلما ازدادت هددت الآخرين بالاستعباد. لقد بيّن كير كغارد أن قدرة الإنسان جزئية لأنه غير قادر أن يتخلى عن قدرته، فيستعبد بالتالي بها الغير. أما الله فيتجلى كمال اقتداره بالضبط لكونه يمكنه أن يسيطر على قدرته. يستخدمها لإيجاد المخلوق ويتخلى عنها في آن واحد ليهب المخلوق وجوداً ذاتياً وحرية: “إن القدرة الكلية وحدها يمكنها أن تنسحب فيما تعطي، هذا ما يكوّن استقلال الكائن الذي يأخذ”. عندما أوجد الله الإنسان تخلى تجاهه عن شيء من قدرته لأنه أعطاه وجوداً ذاتياً يقابل وجوده. فالخليقة إذاً هي على نوع ما عملية “افراغ لذاته” على حد تعبير أوليفيه كليمان، قام بها الله لصالح الإنسان. “إن القدرة الإلهية الكلية تتحقق بتجاوزها مفهومنا للقدرة الكلية، أي بأن تحد ذاتها…”.

لقد علم الآباء الشرقيون والفلاسفة الدينيون الروس أن الله، عندما خلق الإنسان، قبل أن يدخل في مجازفة، قبل أن تنتصب حرية تجاه حريته، وأن تحد من حريته وأن ترفضه إذا شاءت إلى أبعد حدود الرفض، إلى الصليب. لقد كتب أوليفيه كليمان بهذا المعنى: “الحرية هي “انسحاب” الله ليكون الآخر. الآخر، يعني إمكانية الحب ولكن أيضاً إمكانية الرفض والتمرد والحقد”. وقد استشهد بهذه العبارات الرائعة التي خطها لا هوتي أرثوذكسي كبير عاش في القرن الرابع عشر: “الله يتقدم ويعلن عن حبه ويرجو أن يجاب عليه… فإذا رُفض، انتظر على الباب… مقابل كل الخير الذي صنعه لنا، لا يطلب إلا حبنا، ولقاء هذا الحب يعتقنا من كل دين”.

مجمل الكلام أن اقتدار الله يتجاوز كل تفكير بشري في الاقتدار لأنه اقتدار يتخلى عن ذاته محبة بمخلوقاته. ولكن الإله الذي وجده ماركس في أذهان المسيحيين فرفضه، كان إلى حد بعيد مجرد صورة مضخمة عن الاقتدار البشري. وقد لعبت عوامل تاريخية دورها في تكوين وتدعيم هذه الفكرة الصنمية عن القدرة الإلهية. لقد بيّن أوليفيه كليمان كيف أن الله، في المسيحية الغربية خاصة أصبح شيئاً فشيئاً “إلهاً مفروضاً”. هذا بدأ بعد تنصر قسطنطين الكبير، عندما تنصرت شعوب بكاملها، لا بالاهتداء الشخصي كما كانت الحال في القرون الأولى، بل بأمر سادتها أو بقوة السيف. وقد اختلطت في كل مكان صورة الله بصورة الامبراطور أو الملك الأرضي.

في الغرب حاولت البابوية أن تغتصب سلطات الامبراطور وأن تقيم ذاتها دولة فوق الدول وذهبت في الخلط بين مملكة قيصر ومملكة الله إلى حد تنظيم حروب دينية أدت أحياناً إلى افناء شعور برمتها كما كانت الحال في حرب الالبيجواه، وإقامة محاكم التفتيش الرهيبة. وقد دخلت الأرثوذكسية متأخرة في هذا المجال الكفري إذ أصبحت مرتبطة بالدولة في روسيا إلى أبعد الحدود واضطهدت من خالفها في الرأي “كالمؤمنين القدامى” مثلاً. هذا كله قاد إلى ظاهرة مريعة، ألا وهي أن حركة التحرر التي قادت إلى العالم الحديث، تلك الحركة ذات الجذور المسيحية، انقلبت على الكنيسة وسارت نحو الإلحاد، نحو إنكار إله مفروض لم يكن بالواقع سوى صنم لله.

فقد أظهر المؤرخ الشهير توينبي كيف أن اللادينية الحديثة بدأت تبرز، في أواخر القرن السابع عشر، أمام فضيحة “المناولات الإلزامية” واضطهاد البروتستانت والجانسينيين في فرنسا على عهد لويس الرابع عشر.

اليوم زال في معظم بلاد العالم هذا التلازم بين المسيحية وسلطات هذا الدهر. فقد فصلت الكنيسة عن الدولة أو اضطهدت منها ولم يعد بالتالي من مجال للخلط بين الله وحكم قيصر، فتنقت فكرة الله وصفا الإيمان به. أما في بلادنا فالنظام الطائفي القائم يكرس الالتباس بين الزمنيات والروحيات ويخلد صنم الإله المفروض على البشر.

2– الإله المدافع عن النظم القائمة:

لقد أصدر ماركس احكاماً قاسية على المبادئ الاجتماعية المسيحية. ومما قاله: “إن المبادئ الاجتماعية المسيحية تبشر بضرورة طبقة مسيطرة وطبقة مظلومة وتكتفي بالتمني التقوي بأن تكون الأولى محسنة للثانية. إن المبادئ الاجتماعية المسيحية تجعل في السماء التعويض عن كل المخازي وتبرر بذلك استبقاءها على الأرض. إن المبادئ الاجتماعية المسيحية تفسر كل النذالات التي ينزلها الظالمون بالمظلومين إما كعقاب عادل على الخطيئة الجدية، إما كتجارب تفرضها على المختارين حكمة الرب….”

لا شك أن هذه السطور تظهر عند ماركس جهلاً او تجاهلاً للمسيحية الأصيلة. فالإعلان الإلهي يندد بشدة باستغلال الإنسان للإنسان. إن أصوات الأنبياء في العهد القديم دوت معلنة بأن ما يلحق البائسين من ظلم نفض للعهد المقام بين الله وشعبه، ومنذرة الظالمين بعقاب سريع. اكتفي بذكر التهديد الجريء الذي وجهه ارميا باسم الله لملوك بلاده: “هكذا قال الرب اجروا الحكم والعدل وأنقذوا المسلوب من يد الظالم ولا تعسفوا الغريب واليتم والارملة ولا تجوروا عليهم ولا تسفكوا الدم النقي في هذا الموضع. فإنكم إن عملتم بهذا الكلام فملوك جالسون لداود على عرشه… وإن لم تسمعوا لهذا الكلام فبنفسي أقسمت يقول الرب أن هذا البيت يكون خراباً”.

والرب يسوع وحد نفسه مع المساكين وقال إن كل ما يوجه إليهم إنما يوجه إليه، وقال: “ويل للأغنياء”…. و”إنه ليعسر على الغني أن يدخل ملكوت السماوات، بل أقول لكم: إنه لأسهل أن يدخل جمل في ثقب ابرة من أن يدخل غني في ملكوت السماوات”. وكتب يعقوب متوعداً الأغنياء المستغلين: “هلم الآن أيها الأغنياء ابكوا وولولوا للشقاوات التي ستنتابكم. إن ثراءكم قد عفن، وثيابكم اكلها العث. ذهبكم وفضتكم قد صدئا، وصدأهما سيشهد عليكم ويأكل لحومكم كالنار… ها إن أجرة العملة الذي حصدوا حقولكم، تلك التي قد بخستموهم إياها، تصرخ! وصراخ أولئك الحصادين قد بلغ إلى أذني رب الصباؤوت”. أما آباء الكنيسة وخاصة الشرقيون منهم فقد علموا عن الملكية تعاليم ثورية تذهلنا جرأتها خاصة إذا قسناها بالعصر الذي ألقيت فيه، تعاليم قرنوها بنضالهم في سبيل البائسين وقد نشرت مقتطفات من أقوالهم في مجلة النور.

لذلك اكتفي هنا بذكر بعض ما يقوله بردياييف عنهم: “لقد اعتبر القديس باسيليوس الكبير أن الملكية المشتركة هي الحالة الطبيعية لكل الكائنات التي خلقها الله…. القديس أمبروسيوس أسقف ميلان يقول إن الطبيعة أوجدت الحق المشترك وأن الاغتصاب وحده أوجد الحق الخاص… القديس يوحنا الذهبي الفم كان يرى في الاشتراكية الكاملة النظام الاقتصادي الوحيد الملائم لإرادة الله…. كان القديس يوحنا الذهبي الفم بطريرك القسطنطينية يعتبر نفسه ممثل بروليتارية هذه المدينة”. أي احتجاج ضد المظالم الاجتماعية تتجاوز حدته تلك العبارات التي كان الذهبي الفم يخاطب بها أغنياء عصره:

“بينما كلبك متخم، يهلك المسيح جوعاً”.

“إنك تحترم هذا المذبح حينما ينزل إليه جسم المسيح، ولكنك تهمل وتبقى غير مبال حينما يفنى ذاك الذي هو جسم المسيح”.

“ماذا ينفع تزيين مائدة المسيح بأوان ذهبية إذا كان هو نفسه يموت جوعاً؟ فأشبعه أولاً حينما يكون جائعاً، وتنظر فيما بعد أمر تجميل مائدته بالنوافل….”.

أو تلك التي يصفع بها باسيليوس الكبير كل استئثار بالملكية معتبراً إياه سرقة:

“وأنت ما من تلف خيراتك بين طيات بخل لا يرتوي أتعتبر إنك لا تبخس احداً حقه بحرمانك عديد المساكين؟ ما البخيل؟ هو من لا يكتفي بالضروري. ما السارق؟ هو من يسلب مال كل إنسان. وتقول إنك لست بخيلاً؟ ولست سارقاً؟ الخيرات التي دفعت إليك لتتعهدها، استوليت عليها. إن من يجرد رجلاً من ثيابه يدعى نهاباً، ومن لا يكسو عري المسكين، وهو يستطيع ذلك، هل يستحق اسماً آخر؟

“الخبز الذي تخبئ هو ملك الجائع، وملك العريان ذاك المعطف يتدلى من خزائنك. لحافي القدمين يعود الحذاء الذي يهترئ في بيتك، وللموز النقود التي تدخر…”

وأيضاً: “يقول البخيل: من يتضرر مني إذا حفظت ما هو لي! ولكن قل لي ما هي الخيرات التي لك؟ من أين جئت بها؟ إنك تشبه إنساناً إذا ذهب إلى المسرح يريد أن يمنع الناس من الدخول ويرغب في التمتع وحده بالمشهد الذي للجميع الحق فيه. هؤلاء هم الأغنياء، الخيرات العامة التي جمعوها يقررن إنهم سادتها لأنهم أول محتليها…”

إذا كان هذا هو جوهر التعليم الاجتماعي المسيحي، فكيف كون ماركس عنه تلك الصورة المشوهة؟ الجواب هو أن كلماته القاسية تنطبق على موقف الكثيرين من المسيحيين في عصره وقد تنطبق على موقفنا نحن اليوم. هنا أيضاً نرى صنماً من أصنام الله رآه ماركس في أذهان مسيحيي عصره فحجب عنه رؤية إله الإعلان المسيحي، صنماً قد يراه اليوم الماركسيون في أذهاننا. ذلك أننا نستخدم الله “لنضمن ما نسميه حقوقنا، لنبقي على نظام اجتماعي نعتقده الأفضل لأنه بمصلحتنا”. فيصبح الله هكذا ضمانة النظام القائم مهما كان جائراً، ويغيب الإله ولكن “إذا كان الله ضمانة لحقوقنا المزعومة ومحامياً عن النظام القائم، فكيف يسعنا أن ننصله من التهم الموجهة بحق إلى هذه الحقوق وهذا النظام؟ كيف لا يعتبر الله سلطة مستعبدة إذا كان هذا النظام نفسه استعباداً؟”

هذا الصنم، صنم الإله المدافع عن النظم الجائرة، قد تراءى لماركس ولغيره من خلال المواقف التاريخية التي طالما اتخذها المسيحيون. وهذا ما يفسر إلى حد بعيد هذه المأساة ألا وهي أن حركة المطالبة بالعدالة الاجتماعية والاخاء بين الناس، تلك الحركة ذات الأصول المسيحية هي أيضاً، قد انقلبت على المسيحية ونادت بالإلحاد. لقد كتب بردياييف في هذا الموضوع: “إن فكرة إخاء البشر والشعوب هي من صلب المسيحية في شكلها النقي. لقد أخذت الحركات الاشتراكية والشيوعية عن المسيحية فكرة مجتمع أخوي. ولكن المسيحية في التاريخ، تلوثت بمصالح الطبقات المسيطرة، فاتخذت صبغة المجتمعات الاقطاعية أو البورجوازية وقدست أبغض الأيديولوجيات القومية…”

وفي الموضوع نفسه كتب جان ماري دومناك مدير مجلة اسبري وهو مسيحي مؤمن: “الحقيقة أن الكنيسة، منذ أجيال، كانت أغلب الأحيان من جهة المضطهدين، تدعي هؤلاء المضطهدون هراطقة… أو زنوجاً أو عمالاً… تلك الكنيسة التي كانت ترفع صلوات الشكر على هزيمة الثورات العمالية… والتي كانت تبارك موسوليني وفرانكو وبافليتش. حوالي سنة 1840 أعلو رئيس أساقفة باريس من على منبر نوتردام: “يسوع المسيح لم يكن فقط ابن الله، ولكنه كان من عائلة عريقة من جهة أمه، وهناك أسباب وجيهة لاعتباره الوريث الشرعي لعرش يهوذا…”، وكأن هذا الأسقف المسيحي ضاع عن باله التمييز الإنجيلي الجذري بين سيادة الله والسيادة البشرية فلم يجد بداً من اقران عظمة الله المتجسد بعظمة ملوك الأرض التي رفضها المسيح لنفسه بالكلية.

في القرن التاسع عشر، عندما كانت أوروبا تغلي بالحركات المطالبة بتحرير الإنسان وبالعدالة الاجتماعية، كان المسيحيون، في الغرب، يتبنون في أغلب الأحيان هذه الفكرة التي نبذها ماركس والمخالفة لتعليم الكتاب وتعليم الآباء الصريحين، ألا وهي أن الله يريد أن يكون هناك أغنياء وفقراء، مترفون ومحرومون (وقد سمعت بنفسي عندما كنت ولداً، كاهناً كاثوليكياً يفسر كلمة المسيح “المساكين معكم في كل حين” على أنها حكم بأن الفقر لا يمكن أن يزال عن وجه الأرض!) من هنا نشأت تلك النزعة عند المسيحيين، التي وصمها ماركس، إلى تبرير هذه الأوضاع الجائرة والتبشير بالرضوخ لها رضوخاً دون قيد أو شرط.

هذا ما نرى صداه مثلاً في روزنامة نشرت في القرن الماضي بين الطبقات الشعبية وهي تقول: “إن المجتمع ليس فاسداً بمقدار ما يدعي أصحاب الأوهام (أي المطالبون بالعدالة والاخاء!)، لأن طبيعة الأشياء كونته على هذا الوجه… ويمكن القول أن الله نفسه قد قسم الخيرات (عندما كنت ولداً كنت أسمع هذه العبارة تردد عن الله “يا مقسم الأرزاق”!)…. فهل بوسع الجمهوريين واتباع سان سيمون (الاشتراكيون)…. أن يغيروا مقررات العناية الإلهية؟”. وفي مكان آخر: “إن اكتفاء المخلوق بما قسم له ليس مصدر سعادة له وحسب بل واجباً عليه. هذا الاكتفاء هو الفلسفة الشعبية الحقيقية. لماذا تحدثون الشعب عن حقوق مزعومة…. علموه الهدوء والاعتدال والقناعة، حذروه من التجارب الباطلة والحاجات المصطنعة.

رددوا على مسامعه أن مصير الإنسان في هذه الدنيا طريق محن وممارسة طويلة للصبر يا من دعاكم المنظم الإلهي لمصائر البشر إلى حياة وضيعة وشاقة….”. ما يثير الاستنكار في هذا النص هو استخدام الله نفسه للدفاع عن نظام جائر اتخذ الله ضمانة وحارساً له.

ذلك الواقع المؤلم، واقع تكريس المسيحية التاريخية لأوضاع اجتماعية جائرة باسم الإيمان المسيحي عينه، يثبته اليوم مفكرون مسيحيون وملحدون على السواء.

وقد كتب كاهن مسيحي وهو الأب جوزيه غوميز كافارينا في مجلة “العقل والإيمان” في كانون الأول 1964: “إنها لمفارقة مؤلمة أن تكون المسيحية، ديانة الحب، قد استخدمت في التاريخ لتغطية أسوأ الأنانيات”.

هذا الموقف لم يكتف المسيحيون في الغرب باتخاذه افرادياً، إنما انعكس في التعليم اللاهوتي نفسه. ففي الكثلكة، أعطيت الملكية البورجوازية أساساً لاهوتياً، فيما كان المفكرون الدينيون الروسيون بوحي من أرثوذكسيتهم، يرفضون كل لاهوت من هذا النوع لاعتقادهم بأولية الشركة ويطالبون بإصلاحات اجتماعية ذات طابع اشتراكي. ولكن جهودهم هم أيضاً كان يعقمها إلى حد بعيد ذلك الوضع، الذي كانوا يطالبون بإلغائه، وضع كنيسة مرتبطة بالدولة ارتباطاً وثيقاً حتى بدت خارجياً وكأنها أداة لها.

في هذا الإطار يفهم موقف ماركس من إله اختلطت صورته إلى هذا الحد بنظام جائر عديم الإنسانية، وتفهم مأساة الاشتراكية التي بعد أن كانت في أول عهدها ذات وحي ديني في كثير من الأحيان ارتبطت منذ 1848 بفلسفة مادية إلحادية. أمام هذا الصنم الذي نصب باسم الله، نفهم معنى كلمة Proudhon القاسية: “من يحدثني عن الله يبغي سلب مالي أو حياتي”.

3 – الإله المتخذ حجة للتهرب من التزام شؤون الأرض:

ثم إن الإله الذي يرفضه ماركس هو ذاك الإله الذي يتخذه الإنسان وسيلة للتهرب من مجابهة مشاكل الحياة وذريعة ليعرض عن الجهاد في كثافة الكون من أجل بناء عالم أفضل.

لقد كتب رينه حبشي في هذا الشأن: “لقد قيل أن ماركس كان فيلسوفاً ضعيفاً ولكنه عالم اجتماعي عبقري. إن إلحاده عرضه للانتقاد، ولكن ضياع الإنسان في الدين الذي وصفه وصفاً حياً هو واقع اجتماعي يحققه كل الذين يخدمون إلهاً زائفاً يرفع عنهم عبء مسؤوليتهم كبشر. هذه الصورة المشوهة لله في الضمائر، يشهرها ماركس، كعالم اجتماعي، نهائياً.

هذا الإله بالطبع صنم نصنعه على شاكلة تقاعسنا وتخاذلنا لنتخذه تبريراً لطمأنينة زائفة وراحة شبيهة بالموت، ولكنه غريب عن الإله الحي الذي لا يرضى بأحبائه نياماً بل واقفين، منتصبين، يقظين، أحياء: “حي هو الرب الذي أنا واقف أمامه” (إيليا النبي). التجربة الكبيرة التي تهددنا دوماً نحن المسيحيين هي أن نتخذ السماء ذريعة للهروب من الأرض ومشاكلها، بأن نرضخ لكل الأوضاع الشاذة، المؤلمة، على الأرض، خاصة إذا كان غيرنا ضحية هذه الأوضاع، لأننا ننتظر حياة أخرى. تجربتنا أن نكتفي، أمام الذي يئن تحت وطأة الجوع والفقر، يلفت أنظاره إلى العالم الآخر. قد لا نلتزم بإخلاص تام في شؤون العالم ولسان حالنا يقول: ما الفائدة من بذل الجهد في بناء هذا العالم، طالما أنه سيزول.

قد نستعمل الصلاة استعمالاً زائفاً، فنصلي من أجل هذا أو ذاك من الناس الأشقياء لنجنب أنفسنا مشقة مساعدتهم المباشرة. ويغيب عنا أننا عن ذاك، من حيث لا ندري، قد أزلنا الإله الحقيقي الحي من قلوبنا لنستبدله بصنم هو بالواقع “أفيون الشعب” وأفيوننا.

الإلحاد الماركسي، والإلحاد المعاصر عامة، شاهد الله من خلال هذا الصنم الذي رأى صورته الرهيبة في تصرفات المسيحيين. فهل نتعجب إذا كان رفض إلهاً كهذا باسم قضية الإنسان؟ لقد كتب فريدريك هر وهو فيلسوف كاثوليكي واستاذ في جامعة فيينا، يقول: “إن الإلحاد الأوربي يبطن تحرك إرادة قوية… إرادة متابعة وتطوير الصراع المشترك الذي يخوضه الناس جميعهم ضد الموت، واللامعنى، والقسوة والشقاء والجوع، تلك الجبهة التي انسحب منها الكثيرون من المسيحيين الذي تخلوا عن قضية الإنسان المقدسة…. واختبئوا وراء صور إلههم ليستروا بها هربهم”.

وبالمعنى نفسه قال السيد هولاي رئيس أساقفة درين: “لقد دفعنا ثمن اهمالنا، ثم لامبالاتنا بالمشاكل الإنسانية والاجتماعية الكبرى. كثيراً ما بقينا جالسين برخاء في مقعدنا الوثير المسيحي، نخلص نفوس أقلية منتخبة وراضية عن ذاتها. الأصوات النبوية التي كانت تصرخ في البرية لم تكن أصواتنا، ولكنها كانت أصوات اخوتنا اللا أدريين وغير المؤمنين الذين وعوا أكثر منا بكثير الجوع الذي يعانيه البشر إلى الخلاص والتحرر”.

بينما كان أنبياء الله وآباء الكنيسة يوبخون الظالمين دون وجل، كما انتصب إيليا أمام الملك آخاب وايزابل امرأته عندما اغتالت هذه الأخيرة نابوت لتستولي على كرمه، نرى هرب المسيحيين كثيراً عليه سنة 1949 في محاضرة له دعاهم فيها إلى نبذ المساومات والصمت الديبلوماسي وإلى الحكم على المظالم أياً كان مصدرها: “فليتكلم المسيحيون عالياً بوضوح دون أن يدعوا المجال لأي التباس، فلينددوا بإرهاب فرانكو كما ينددون بالحكم على “مطران يوغسلافي، بمعاملة الزنوج في أميركا كما بمعسكرات الاعتقال في روسيا. فليشترك المسيحيون في التجمع ضد الصمت ولا يدعونا وحدنا في وسط الجلادين”.

ليس إله الإعلان المسيحي ذريعة للتخاذل والخنوع. إنه دينونة رهيبة لكل ظلم لأنه وحد نفسه في شخص يسوع مع كل معذبي الأرض، فكل ظلم يصيبهم يصيب الله في الصميم: “كل ما فعلتموه بأحد اخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه” (متى 25: 40)، ولكن كل سكوت عن الظلم، كل تقاعس عن مكافحته يصيبه أيضاً: “كل ما لم تفعلوه بأحد اخوتي هؤلاء الصغار فبي لم تفعلوه” (متى 25: 45). في معذبي الأرض نشاهد إذاً دوماً يسوع الجريح، المصلوب، وعند ذاك تنطبق علينا كلمة باسكال الشهيرة: “إن يسوع في نزاع إلى منتهى الدهر، فكيف يسعنا أن ننام؟”

لقد كتب الأب جورج خضر في هذا الموضوع: “إن سر التمرد الاجتماعي في العهد الجديد يكمن، فوق كل نص وشرح، في صورة هذا الذي كان جسده المبارك معلقاً بين الأرض والسماء وذراعاه ممدودتين إلى أقاصي الأرض، وكأن كل تنهد المقيدين اختلط بأنينه وكل من شرد في المسكونة وتمزق انضم إلى جراحه”.

لقد قال أحد البوذيين لصديق له مسيحي: “لن أعتنق المسيحية لأنني إن أصبحت مسيحياً، فلن أستطيع بعد ذلك أن أنام”. هذا كان قد فهم جوهر المسيحية الذي طالما نخونه نحن المسيحيين لأننا ننحدر بالله إلى مستوى راحتنا ورخائنا. من اعتنق المسيحية، لم يعد بوسعه أن يهرب من العالم لأن الله زج نفسه بالتجسد في صميم العالم وأصبحت البشرية كلها جسد المسيح وأصبحت آلامها آلام المسيح. ليست المسيحية أفلاطونية تتوق إلى الهروب من العالم هذا للتحقيق في عالم المثل، إنما هي ديانة الإله المتجسد، ديانة الكلمة الذي صار لحماً. ليست المسيحية ديانة “ما ورائيات” لأن ملكوت الله ليس “ما وراء” التاريخ.

سوف يتحقق بملئه عند نهاية التاريخ ولكنه منذ الآن حاضر: “إنها ستأتي ساعة، وهي الآن حاضرة”. ليس على هامش التاريخ البشري ولكنه ملقى في صميم التاريخ ليتجلى التاريخ به، لذا شبهه الرب بخمير ألقي في الدقيق، فيه وليس إلى جانبه. لا يسعنا أن نهرب من العالم (أما قال الرب: “لا أسأل أن ترفعهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير” يوحنا 17: 15)، لأنه المكان الذي ينمو فيه الملكوت.

هذا الملكوت ملكوت محبة. فمن رفض أن يعيش المحبة بكل أبعادها فقد رفض الملكوت. لا لقاء لنا بالله إلا من خلال لقائنا بالناس والتزام قضاياهم كلها إلى أبعد الحدود. في حوار جرى السنة الماضية بين مسيحيين وماركسيين في سالزبورغ، قال اللاهوتي الكاثوليكي الأب كارك راهنر الأستاذ في جامعة ميونيخ: “إن المسيحيين يقيمون علاقاتهم بالله من خلال محبة القريب”، وبهذا كان يرجع صدى كلمة الرسول يوحنا: “من لا يحب أخاه الذي يراه فكيف يحب الذي لا يراه” (1يوحنا 4: 20).

ولكن هذا الحب ليس على صعيد العاطفة بل على صعيد العمل الملتزم وبذل الذات: “بهذا قد عرفنا المحبة: أن ذاك قد بذل نفسه لأجلنا، فيجب علينا، نحن أيضاً، أن نبذل نفوسنا لأجل الأخوة. فمن كانت ل خبرات هذا العالم، ورأي أخاه في فاقة فحبس عنه أحشاءه، فكيف تثبت فيه محبة الله؟ فلا نحبن… بالكلام وباللسان بل بالعمل وحقاً. فبذلك نعرف أننا من الحق…. ” (1يوحنا 3: 16 -19).

عندما بشر المسيح بالملكوت الذي أتى يؤسسه على الأرض، لم يكتف بإعلان قيامه في المستقبل لكنه بدأ يحققه في الحاضر، لا على صعيد النفوس فقط بل على صعيد الأجساد أيضاً. “فكان يشفي كل ألم وكل سقم في الشعب” (متى 4: 23) مقدماً بذلك بواكير الملكوت. ولذا عندما أرسل إليه يوحنا يسأله “هل أنت هو الآتي…”، أجاب يسوع الموفدين إليه: “انطلقوا واعلموا يوحنا بما تسمعون وترون: العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون والصم يسمعون والموتى ينهضون….” (متى 11: 4 ،5).

هكذا فملكوت الله عتق للناس شامل ألقى المسيح بذاره في التاريخ إلى أن يكتمل في نهاية التاريخ. لذا فالمسيحيون، وقد أخذوا حياة المسيح فيهم، مدعون إلى أن يمدوا المسيح في التاريخ بجهادهم في سبيل تحرير الناس. إن انتظارهم لمجيء ربهم ثانية لا يمكن أن يعني هرباً من مجابهة الواقع لأن هذا الانتظار، إن عنى شيئاً، فإنما يعني الامتداد إلى الملكوت والتحرك نحوه وبالتالي العمل على تحقيق بواكيره في التاريخ. نهاية العالم لا تعني زوال العالم بل زوال شكله الحاضر: “إن شكل هذا العالم يزول”.

إنها ستكون انفجار حضور الله في العالم كما سطع النور على وجه المسيح المتجلي. لقد كتب الفيلسوف الشخصاني المسيحي مونييه بهذا الموضوع: “بالنسبة للمسيحي… ليس من نهاية للعالم، ولكن نهاية العالم هي نهاية هذا العالم، أي بعبارة مختصرة، نهاية شقائنا”. وقال في مكان آخر من كتابه: “هذا العالم الذي نحبه، هذه الأعمال وهذه الأتعاب، هذه المشاهد الطبيعية وهذه التحقيقات، لن تباد كما في الكتب الرؤيوية الهندوسية أو الأفلاطونية الحديثة، ولكنها ستتجلى ما وراء الموت”.

نهاية العالم قد دعاها المسيح تجديداً وكذلك الرسول بطرس من بعده (انظر متى 19: 28، أع 3-21) والرسول بولس قال: “إن الخليقة ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أبناء الله” (رومية 8: 21)، ويضيف الرسول نفسه قائلاً: “فنحن نعلم أن الخليقة كلها معاً تئن حتى الآن وتتمخض” (رومية 8: 22) المسيحي في صميم هذا الأنين وهذا المخاض يتعهده بروح المسيح ويساهم بعمله وجهاده المقرونين بالصلاة بتعجيل قدوم الملكوت المرجو حسب تعبير الرسول بطرس (2بطرس 3: 12).

المسيحي يحمل سرياً في ذاته منذ الآن، بنعمة الناهض من الموت، ذلك التجديد الذي سنفجر في الكون في اليوم الأخير: “إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة” (2كورنثوس 5: 17)، لذا لا بد له أن يبثه في الأرض حسبما كتب الأب جورج خضر: “هذه الخليقة التي أخضعت للباطل ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أبناء الله. في تعهدنا إياها نجعلها قرباناً لأننا حملة الفردوس الذي كان الله يخاطب فيه آدم. ومن جعل الفردوس في نفسه يقذفه في الأرض قاطبة”.

موقف المسيحيين هذا الذي هو لا هرب بل التزام عميق، قد عبر عنه المفكر المسيحي جوزيف غولدبرونر بصورة شبيهة بصور الكتاب، يقول: “لقد اخبرت خطيبة أن خطيبها عائد إلى وطنه، فتجلى في عينيها كل ما يحيط بها. لقد أصبحت ترى وتعيش بصورة مختلفة ما يحيط بها، لأنها هي قد تحولت. وكأن كل شيء أصبح يحدثها عن مجيئه القريب. لقد تجدد شبابها وامتلأت قوى جديدة، فأصبحت تتفوق على الصعوبات بسهولة ولم تعد تهتم للأمور التافهة لأن لم يعد بوسع هذه الأمور أن تطالها في الصميم. كل شيء فيها ممتد إلى ذاك اليوم الذي يقترب. ولكن رغم هذا التفكير بالمستقبل هي تعيش في الحاضر: تتمم بعناية كل مهماتها حتى ترضي أعمالها كلها نظر ذاك الذي سوف يأتي. إنها في انتظار. لقد تحول شعورها بالزمن: إنها تعيش للمستقبل ولكنها باقية في الحاضر. لقد اندمج المستقبل بالحاضر. أصبحت حياتها انتظاراً”.

هكذا يتضح أن انتظار الملكوت لا يعني الهرب من الحاضر إنما يقضي تجلي الحاضر. من كان انتظار الملكوت يملأ قلبه لا بد له أن يحاول عكس صورته في العالم الذي يعيش فيه وكأنه بذلك يعجل قيامه. لدينا نموذج تاريخي عن التصرف المسيحي الأصيل في انتظار الملكوت، وهو ما حدث في الدنيا المسيحية الغربية حوالي السنة الألف للميلاد. فقد شاع في تلك الفترة المضطربة بالحروب والقلاقل والويلات أن العالم أوشك أن ينتهي وأن المجيء الثاني أوشك أن يحضر. فما كان يا ترى تصرف المسيحين تجاه ذلك الحدث الذي اعتقدوه وشيكاً؟ هل تركوا العالم وشأنه وأهملوا الأرض وما يجري عليها؟ لقد بين لنا عمانوئيل مونييه بالاستناد إلى مؤرخي ذلك العصر أن ما حصل هو العكس تماماً، فكأن لسان حالهم عند ذاك كان: “ملكوت الله يقترب؟ فلنكن جديرين به منذ الآن أو بالأحرى فلنستبق قدومه…”.

لذا نراهم يحاولون أن يقيموا في عالمهم المضطرب شيئاً من سلام الله المنتظر قدومه. فقد أخذ المؤمنون يعقدون اجتماعات للمسألة، وفي هذه الفترة بالذات تأسس ما سمي بسلم الله وهدنة الله وهي فترات كان ينقطع فيها المقاتلون عن القتال تعبداً لله. وهناك أكثر من ذلك، لقد ازداد النشاط الحضاري عند هؤلاء البشر في ذلك الزمن الذي كانوا ينتظرون فيه نهاية العالم. فنما عدد السكان وازدهرت الحياة الاقتصادية وفي الآن نفسه أخذت الكنائس تشيد بكثرة، وكأن المسيحيين حاولوا أن يهيأوا لله عالماً جديراً بقدومه القريب.

ويضيف مونييه بعد استعادته لتلك الوقائع التاريخية: “هكذا يتضح أن الرجاء المسيحي الحقيقي ليس هروباً. إن ترجي الآخرة يوقظ حالاً إرادة تنظيم الدنيا. كل أمثال الكتاب، مثل العذارى الجاهلات والعذارى العاقلات، مثل المدعو إلى العرس الذي لم يرتد ثوب العرس، مثل الوزنات، وغيرها كثيرة، تؤول إلى هذا: إما أن تكون الأخرى منذ الآن حاضرة بينكم وبواسطتكم وإما لن تكون بالنسبة لكم”. ويستطرد قائلاً: “تذكرون أنه عندما كان الرسل، بعد أن رأوا المسيح منطلقاً في السحب، لا يزالون واقعين بذهول رؤوسهم نحو السماء، اقترب منهم رجلان بثياب بيضاء وقالا لهم ما معناه: ما بالكم لا تزالون واقفين تتطلون في الفضاء؟ إن الذي ذهب سوف يعود. فمهمتك إذاً هي عند أقدامكم”.

تلك المهمة هي أساساً مهمة لن الملكوت، كما قلنا، ملكوت محبة. والمحبة، إذا عيشت “لا بالكلام واللسان بل بالعمل وحقاً” كما يوصي الرسول (1يوحنا 3: 18)، تدفع إلى بناء حضارة تؤمن للإنسان شروط حياة كريمة. لقد رأى برغسون في بحص فلسفي محض له أن الروحيات الكاملة ليس روحانية الاغريق أو الهند الي هي إلى حد بعيد هروب من العالم وآلامه. إنما هي الروحانية التي تجلت عند الأنبياء اليهود واكتملت في المسيحية، لأن تلك الروحانية تحضن العالم بحب خلاق هو اشتراك في حب الله لخليقته.

يقول برغسون عن الروحاني المسيحية: “إن الحب الذي يلهبه لم يعد مجرد حب إنسا لله، إنما هو حب الله للبشر كلهم. إنه من خلال الله وبالله يحب البشرية كلها حباً إلهياً”. هذا الاتجاه الحبي إلى العالم الذي تتميز به الروحانية المسيحية قد ترك في التاريخ طابعه لأنه بطبيعته حب خلاق، كما كتب برغسون مبيناً أنه اشتراك في حب الله لخليقته، هذا الحب الذي أوجد كل شيء، وإنه “يرد” بعون الله، أن يكمل خلق الجنس البشري”. إنه أمر يستدعي الانتباه أن تكون الحضارة التقنية قد نشأت وترعرعت في الدنيا المسيحية بالذات. ما هو سر هذه المطابقة التي لا يمكن التغاضي عنها؟ سأذكر هنا عاملين يساعدان على فهمها.

أولهما أن المسيحية أوجدت أصول السعي التقني إذ زرعت في البشرية إرادة تحرير الإنسان في العالم القديم الاغريقي والروماني قطع الفكر البشري شوطاً بعيداً وظهر عباقرة كثيرون برعوا في العلوم والفنون المختلفة وشيدت حضارة لا تزال إلى الآن تثير اعجابنا أما جبروت الفكر الذي أوجدها. ولكن هذا العالم الغني بفكره وحضارته كان فقيراً بالنسبة للاختراعات التقنية. ويرى الباحثون أن سبباً رئيسياً من أسباب هذه التأخر التقني كان اعتماد العالم الاغريقي والروماني في إنجازاته العملية على جمهور من العبيد كانوا يشكلون يداً عاملة رخيصة وغزيرة.

هذا الاعتماد كان يغني المجتمع الاغريقي والروماني عن الاختراعات التقنية، لأن الاختراعات وليدة الحاجة إلى حد بعيد، والحاجة هذه كان يقضيها العبيد. فقد كان الاغريق مثلاً يعرفون مبدأ الآلة البخارية ولكنهم لم يفكروا باستخدام هذا المبدأ في انجازاتهم العملية إنما اكتفوا بإيجاد لعبة مستوحاة منه. وعندما ظهرت المسيحية، نادت بمساوات الناس أجمعين: “لا عبد ولا حر…” (غلاطية 3: 28)، هكذا فإنها، وإن لم تلغ العبودية في الحال، نسفت مبدأها من الأساس وقوضت أركانها في النفوس.

لذا اقتضى البحث عن مصدر للطاقة غير الإنسان المستعبد، وكانت المسيحية هكذا موحية للسعي التقني الذي أدرى إلى الاستغناء عن العبيد. لقد كتب لويس أرمان في هذا الموضوع: “طيلة زمن طويل وفي كل مكان تقريباً، كان الإنسان المستعبد المصدر الرئيسي للطاقة… لقد كان تدخل المسيحية حاسماً دون أي شك. فإنها بتأكيدها المساواة الأساسية بين البشر وبإقناع الناس بها، انتزعت من المجتمع أساسه التقني. لذا أمكن أن نفهم أكثر المرحلة اللاحقة إذا أدركنا أنه اقتضى فيها إيجاد نظام انتاج ينشئ طاقة معادلة لتلك التي كان يقدمها العبيد سابقاً، دون الإبقاء على العبودية أو على الرق الأرضي الذي كان صورة مخففة عنها”.

أما العامل الثاني الذي يفسر تلك المطابقة التاريخية بين الدنيا المسيحية والحضارة التقنية، فقد أوضحه برغون في كتابه “مصدرا الأخلاق والدين”. لقد بين هذا الفيلسوف أن الروحانية المسيحية، بما أنها في جوهرها حب فاعل ونشيط، تبغي أن تشرك البشر أجمعين في خبرتها الفريدة لله. ولكن كيف يمكن للبشر أن يتجهوا حقيقة إلى الله ويتوقوا إلى الاتحاد به إذا كانوا رازحين تحت عبء الحاجات المعيشية؟ لذا كان لا بد للروحانية المسيحية أن توجد هاجس السعي التقني حتى إذا أعتق البشر باختراعاته من عبودية الحاجات الترابية استطاعوا أن يرفعوا قلوبهم إلى فوق.

تلك هي المجازفة الحبية التي خاضتها الروحانية المسيحية، أقول مجازفة لأن التقنية التي كانت غايتها الأصلية تحرير الإنسان من الحاجات المادية كانت معرضة أيضاً إلى إغراقه في تلك الحاجات (وهذا ما قد حصل بالفعل كما نرى وكما بين برغسون) ولكن هذا الانحراف لا يمكنه أن يخفي الدافع الروحي الذي عبر عنه برغسون بقوله: “إن الروحانية الحقيقية، الكاملة، الفاعلة، تتوق إلى الانتشار بدافع تلك المحبة التي هي جوهرها… ولكن أنى لها أن تنتشر في إنسانية غارقة في الخوف من الجوع؟ إن الإنسان لن يرتقي فوق الأرض إلا إذا كان لديه أدوات قوية يستند عليها. يجب أن يسود المادة إذا شاء أن يتحرر منها. وبعبارة أخرى الروحانية تستدعي الآلية.

وقد قال باغي بالمعنى نفسه: “من كان في عوز مفرط إلى الخبز اليومي يُفقد فيه كل تذوق للخبز الأبدي”.

هذا يفسر لنا كيف أن الرهبان، وهم بدعوتهم بشر متجهون بكليتهم إلى الله، كانوا يتركون الأديرة ليحملوا مشعل الحضارة إلى البرابرة بعد انهيار الامبراطورية الرومانية، ملقنين إياهم مبادئ الزراعة والحرف، بانين المجتمع الجديد قرية قرية. ذلك لأنهم فهموا في حبهم للناس المستقى من تأصلهم في الله ما قاله بولس عن أن الإنسان الحيواني يأتي أولاً ثم الروحاني (1كورنثوس 15: 46)، وأن بث الحياة الروحية يقتضي مساعدة الناس على تخطي حاجاتهم المادية بالتقنية.

هذا كله، إن عنى شيئاً، فإنه يعني أن الهرب من مجابهة العالم ومشاكله بحجة التطلع إلى الآخرة ليس من المسيحية بشيء، وإن الإله الذي نتخذه حجة لهذا التهرب، ذلك الإله الذي ترفضه الماركسية، ليس إله الاعلان المسيحي، إنما هو صنم صنع على شاكلة جبننا وأنانيتنا وكسلنا. إنه ليس بحال من الأحوال ذلك الإله الذي تعهد الكون بأسره. لقد كتب مونييه في هذا الموضوع: “لا يمكن أن يكون حس الأرض حساً معلوناً بنظر دين مركز على التجسد. إن الذين يلعنونه باسم المسيحية لا يزالون يحملون في ذواتهم، من حيث لا يدروه، رواسب اتتهم من أعماق التاريخ، رواسب روحانيات الهروب التي كانت حيلة الإنسان الداخلي الوحيدة قبل أن يضع الله قدميه على الأرض ويزرع شجرة القيامة في قلب الحضارات”.

هكذا يتضح ان المسيحيين لا يسعهم إلا أن يكونوا “ملتزمين مشاكل الأرض لدوافع من فوق” على حد تعبير فرنسوا مورياك. نعم إن المسيحي، خلافاً للماركسي، يعلم أنه ليس من تحقيق مطلق قبل انتهاء التاريخ. ولكن هذا التفاوت بين ما يراه ويحققه من جهة وبين ما يصبوا إليه من جهة أخرى لا يمكنه أن يكون، في حال من الأحوال، مدعاة إلى التخاذل، إنما ينبغي أن يكون مصدر قلق خلاق ويقظة وجهاد. لقد كتب مونييه في هذا الموضوع: “إذا كانت المسيحية المنسجمة مع نفسها تفرض علينا أن نكون في طليعة الجهاد من أجل العدالة الاجتماعية، فإنها تؤكد لنا أيضاً أنه، حتى نهاية الأزمنة، ستبقى حياة الإنسان الذي يريد أن يكون مسيحياً تناقضاً وصراعاً، وأنه لا يسعها في أي وقت من الأوقات أن تستكين في انسجام يدوم”.

ولكن المسيحي، في وسط قلقه هذا، متسلح بيقين يشدد عزائمه ويعطي لجهاده معنى، ألا وهو يقينه بأنه في جهاده هذا مساهم في قيامة المسيح أي في انتصاره النهائي على “الموت” بمعناه الكتابي أي على كل أشكال الضعف والعبودية والشر والشقاء والاضمحلال. لقد كتب الأب جان كردونيل بهاذ الصدد: “من بنود إيماننا أن المسيح انحدر إلى الجحيم، إلى هناك حيث لم يعد للبشر شكل البشر، بل أصبحوا أشباحاً بشرية. لقد اجتاز الموت كله. اجتاز كل أشكال الظلم، كل أشكال الموت.

فإذا كان قد ذهب إلى آخر كل ظلم، من كل جحيم، من كل موت”. إن الإيمان الأصيل بالقيامة لا يمكن بحال من الأحوال أن يحول المسيحي عن الجهاد في سبيل تحرير البشر، لأن يلزمه بأن يعمل على مد القيامة في التاريخ: “من قال إنه يؤمن بالمسيح قاهر الموت، ولا يجاهد، بشكل أو آخر، ضد كل أشكال الموت من عبودية وبغاء وبروليتاريا وإخضاع شعوب لأخرى بالقوة، هذا يكون كاذباً”. المؤمن حقاً بالقيامة لا يمكن أن يستريح لعتاقة الماضي، إما دأبه أن يندفع ويدفع معه البشرية المتسكعة في “ظلال الموت” نحو “جدة الحياة” التي أعدها للناس المسيح الظافر، فإنه “لا يمكننا أن نكون بآن أناس ماض تحافظ عليه ومؤمنين بالمسيح الناهض من الأموات، مستقبل العالم. المسيح أمامنا، في أقصى طليعة الإنسانية”.

الماركسيون أيضاً يتوقون بملء جوارحهم نحو المستقبل ولكن جهادهم البطولي في كثير من الأحيان، في سبيل غد أفضل، يفقد الكثير من معناه بسبب رفضهم لله وللقيامة. فما هو يا ترى المعنى النهائي لتضحية تبذل في سبيل بشرية يتآكلها الفناء فرداً بعد فرد وجيلاً بعد جيل؟ أما المسيحي فيعلم أن الموت بكل أشكاله قد ضرب في أساسه ضربة قاضية بالقيامة، وأن النصر في متناولنا إذا شئنا أن ندخل في مغامرة الحب الكبرى من أجل تحرير البشر من كل القيود.

4 – الإله الذي لا يقوم إلا على عجز الإنسان:

ثم إذا تأملنا الإلحاد الماركسي، نرى أن الإله الذي يرفضه إنما هو إله يستمد قدرته وعلمه من ضعف الإنسان وجهله، وكأن قوة هذا الإله لا تقوم إلا على عجز الإنسان، فإذا اكتشف هذا الأخير اقتداره لم يبق له إلا أن يرفض ذلك الإله الذي كان صورة لصغره وضعفه. هذا ما يلقي الضوء على بعض الحجج التي يستخدمها الإلحاد الماركسي في أيامنا لينكر الله، كأن يعلن رائد الفضاء تيتوف مثلاً بأن الله غير موجود لأنه لم يجده عندما غزا الفضاء بصاروخه أو كأن يعلن اليتشيف في تقريره المذكور أعلاه بأن الكيمياء الحديثة تؤكد الإلحاد لأن الإنسان قد توصل أن يوجد أجساماً جديدة.

إن هذا الحجج تبدو واهية، صبيانية، في نظر الإيمان الواعي، ولكنها مع ذلك تقلق الكثيرين. لماذا؟ لأن الكثيرين قد استعاضوا عن الإله الحقيقي بصورة كاريكاتورية عنه، فتصورا سيداً يسر بعجز عبيده لأن هذا العجز يضمن سيطرته عليهم، ولم يدروا أنهم هكذا صنعوا صنماً على صورة أهواء البشر وأن هذا الصنم ليس من الإله الحقيقي بشيء.

أما إذا نظرنا إلى الإله الحقيقي الذي أعلن ذاته لنا، فإننا نراه يقيم الإنسان سيداً على الخليقة، وكأنه فيها “خليفة الله” على حد تعبير الأب جورج خضر. يروي لنا سفر التكوين أن الله خاطب الجدين الأولين قائلاً لهما: “إنميا وأكثرا واملآ الأرض وتسلطا عليها…” (تكوين 1: 28). والمزامير تهتف مرددة صدى هذه الوصية ومعلنة كرامة الإنسان الفائقة: “بالمجد والكرامة كللته وعلى أعمال يديك أقمته. كلا أخضعت تحت قدميه…” (مزمور 8: 6، 7). تلك السلطة نابعة من كون الإنسان وحده بين المخلوقات قد خلق على صورة الله، لذا كان سلطانه على الخلائق نتيجة تفوقه عليها لكونه جعل على صورة سيدها ومبدعها.

غزو الفضاء اعتبر تحدياً لله ولكن غريغوريوس النيصصي، في القرن الرابع، كان يقول إن السماء والقمر والشمس ليست بشيء أمام عظمة الإنسان المخلوق على صورة الله: “أيها الإنسان تأمل في كرامتك الملوكية. إن السماء لم تصنع صورة لله مثلك ولا القمر ولا الشمس ولا شيء مما يرى في الخليقة… أنظر! لا شيء في الموجودات يستطيع أن يسع عظمتك!”.

تلك الصورة الإلهية، وإن شوهت بالخطيئة، إلا أنها لم تمحي. هذا ما لم تزل تعلمه أقدم الكنائس المسيحية. ولذا لم يزل الإنسان، بعد أن دخل الشقاء والموت إليه بالخطيئة، يحمل الطابع الإلهي، إلى أن تجسد ابن الله “لينهض الصورة التي سقطت منذ القديم” (خدمة تقدمة عيد الميلاد) ويعيد إلى الإنسان بهاء عنصره الأول، فزرع في الطبيعة البشرية طاقة لا حد لها، طاقة الألوهة التي حملها في الجسد.

فإذا كانت هذه كرامة الإنسان الفائقة في عيني إله الاعلان المسيحي، من أين أتت إذاً تلك التصورات التي أعطت الملحدين شعوراً بأن عظمة الله لا تستمد إلا من فقر الإنسان وعجزه وأن وجود الله يفترض تحقير الإنسان؟ إن عدة عوامل أدت إلى هذا الانحراف. منها ذلك الاعتقاد الذي شاع منذ القرون الوسطى بأن الله قابع في سمائه يسوس الخليقة من فوق دون أن يكون هناك تماس بينها وبينه.

هكذا صبغ الله بتصورات بشرية وجعل تعاليه وكأنه تعال جغرافي فيما هو تعالي كياني، وأصبح الله “منفياً في السماء” على حد تعبير أوليفييه كليمان، بينما قال الرسول عنه “إنه قريب من كل واحد منا، لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد” (أعمال 17: 27، 28)، وأصبحت علاقة الله بالإنسان علاقة سيد يراقب عبيده “من فوق” ويتمتع بالسؤدد عليهم، فيما قال الله في النبي “سأسكن فيهم وأسير فيما بينهم” (لاويين 26: 11، 12؛ 2كورنثوس 6: 16).

ذلك التصور البشري عن تعالي الله، سكبه الغرب المسيحي، في عهد الفلسفة المدرسية، في قالب لاهوتي، فجعل الله محصوراً في جوهره الذي لا يدنا منه يسيّر الخليقة ويقود الإنسان دون أن يكون أي اتصال صميمي بينه وبينهما. هذا الموقف كان مخالفاُ صراحة لتعليم الكتاب ولتقليد الآباء الذي بلوره في القرن الرابع عشر القديس غريغوريوس بالاماس أسقف تسالونيكية. ففي هذا المنظار الذي يعتبر بحق المنظار المسيحي الأصيل، ليس الله محصوراً في جوهره الذي لا يدنا منه، إنما هو متصل اتصالاً صميمياً بالكون بقواه، أي بحضوره المحيي في الخليقة وبنوع خاص في الإنسان.

ذلك الحضور الإلهي الذي يحمل غنى الحياة الإلهية، والذي دعاه الكتاب “مجد الله” أو “بهاء الله”، ينفذ إلى صميم الخليقة المادية، وهو وحده يفسر في النهاية تلك الحركة التطورية التي تتجه بموجبها نحو تحقيق أشكال أرقى فأرقى دون أن يتدخل الله “من الخارج” عند كل مرحلة هامة من مراحل هذا التطور، فيصبح هذا التدخل المفهوم على شكل تدخل الإنسان حلاً كسولاً لسد ثغرات المعرفة البشرية، ويحدر بالله إلى مستوى تغطية الجهل البشري. ليس دور الله أن يقوم مقام نواميس الطبيعة ولكن حضوره في الطبيعة أبعد وأعمق من تلك النواميس التي إن هي في ترتيبها العقلي إلا انعكاس لهذا الحضور الإلهي.

تعالى الله، إذا فهمناه على حقيقته، يعني بالضبط أن عمل الله لا يضاف، من حين إلى آخر، إلى العوامل الطبيعية لإيجاد مخلوق جديد، كالخلية الحية الأولى مثلاً أو الإنسان. فإننا أن أخذنا بتلك النظرة جعلنا عمل الله في مستوى عوامل الطبيعة وبذلك أبطلنا تعاليه. هذا التعالي يعني إذاً أن عمل الله لا يضاف إلى العوامل الطبيعية وإنما تلك العوامل كلها مستندة إليه في فعلها الطبيعي، مستمدة منه باستمرار وجودها وتنسيقها البديع.

لذا فللعلم أن يكتشف إلى ما لا نهاية هذا التنسيق على مستوى الطبيعية وحدها، له أن يسعى بوسائله الخاصة إلى سد جميع الثغرات التي لا تزال تحول دون تفسير شامل لتطور الكون، له أن يفتش في الطبيعة نفسها عن كل الحلقات المفقودة في خط التطور. ولكنه بسعيه هذا لا ينافس الله ولا يبطل وجوده إنما يؤكد هذا الوجود، لأنه بقدر ما يبدو ارتباط العوامل الطبيعية منسقاً، محكماً، لا ثغرة فيه، بقدر ذلك يزداد التساؤل حدة حول ما يفسر كون تلك العوامل الطبيعية الغاشمة قد تناسقت بذلك الشكل الغائي البديع فأوجدت الكون في خط تصاعدي يمتد من غيوم ذرات الهيدروجين والهيلوم الأولى إلى الجزيئات فإلى الجزيئات الضخمة إلى الخلية الحية كوحدة مركزة، مستقلة، فريدة، فإلى تجمعات عضوية من الخلايا الحية أكثر فأكثر تعقيداً وتركيزاً واستقلالاً ووعياً، فإلى الإنسان القادر على وعي ذلك التطور كله وإلى تعهده ومتابعته في خط إنساني حر، خلاق.

النواميس الطبيعية في تنسيقها التصاعدي البديع تفسر التطور ولكن تنسيقها هذا بحاجة إلى تفسير، فيرى فيه المؤمن قوة الله عاملة لا بالإضافة إلى عوامل الطبيعة بل فيها ومن خلالها في عملية خلق مستمرة حسب قول السيد: “أبي حتى الآن يعمل وأنا أعمل” (يوحنا 5: 17).

هذا المعنى الديني للخليقة الذي ضاع في أذهان الكثيرين من المسيحين طيلة قرون، ترجمه في الغرب إلى لغة العلم المعاصر ذلك العالم والمؤمن العظيم الأب تيار دي شاردين، ولكنه لم يزل من مقومات التراث المسيحي الشرقي. لذا كتب اللاهوتي الأرثوذكسي المعاصر أوليفيه كليمان: “إن ما يغمر الكون هو مجد الله وما يكسو الفتيات جمالاً هو الروح القدس”. وكن هذا المجد الإلهي قد اتخذ الإنسان مسكناً خاصاً له. لذا كتب الرسول: “أنتم هياكل الله الحي كما قال الله….” (2كورنثوس 6: 16)، أي أن الله ليس متربعاً فوق الإنسان حسب تصورات البشر ولكنه في تعاليه الذي هو تعالي المحبة شاء أن يكون ضيف الإنسان، وأقرب إليه من ذاته” (أوغسطينوس) وأن يجعل منه لا عبداً بل مشاركاً في حياة خالقه.

هذا تصميم الله منذ البدء بالنسبة للإنسان، وهذا ما شاء الله أن يحققه إلى أبعد الحدود بالتجسد والفداء. ولكن مفهوم الفداء نفسه قد شوه، فقد طغت عليه في الغرب خاصة فكرة حقوقية، فكرة وفاء الدين المتوجب على الإنسان تجاه العدالة الإلهية، ولذا حُصر الاهتمام بالخطيئة وبمحو الخطيئة وطمس ذلك البعد الأساسي من أبعاد التجسد ألا وهو أن الإله تجسد ومات وقام وصعد إلى السماء ليهب الإنسان الساقط الجريح ملء الحياة الإلهية جاعلاً إياه “مشاركاً للطبيعة الإلهية” على حد تعبير الرسول بطرس (2 بطرس 1: 4). إن فكرة تكفير الخطايا حجبت عن الكثيرين الغلبة التي جاء المسيح ليمنحها لنا على جذور الخطيئة فينا وعلى قوى الموت التي تتآكلنا والتأليه الذي نادى به الآباء مذ كتب إيريناوس عبارته المذكورة آنفاً “لقد صار الإله إنساناً ليصير الإنسان إلهاً”.

هذا الانحراف الذي كثيراً من شوه تصور المسيحيين لعلاقة الله بالإنسان قد حدا بهم – ولا يزال – إلى اتخاذ مواقف فكرية مؤسفة لا تليق بالله ولا بالإنسان. منها ما دعاه مونييه بالسادية اللاهوتية، وقد وصفها بأنها “إرادة اذلال الوضع البشري”، “كأن الإنسانية لا تحقق تماماً مقصد الله إلا إذا تعثرت بشكل مضحك في أعمالها، وكأن الله فاشل يغتبط اغتباطاً رهيباً بإكثار عدد الفاشلين حوله”، ويرى مونييه في هذا الموقف تشويهاً نابعاً من نفوس مريرة، بخيلة، مضعضعة، ناقمة على كل فرح لأنه لم يتوفر لها وملصقة بالتالي بخلها ومرارتها بالله.

ومنها ذلك الموقف الشعوري السلبي الذي كثيراً ما اتخذه المسيحيون تجاه العمل الإنساني إذ رأوا فيه فقط لعنة ومشقة نتجا عن معصية الإنسان ونسوا من جهة أنه في جوهره، ذلك الجوهر الذي لم تزله المعصية، اشتراك في الخلق، ومن جهة أخرى أنه افتدي كما افتدي الإنسان كله بتجسد ابن الله وموته، وأن قوى القيامة قد زرعت فيه. لقد كتب مونييه في هذا الموضوع: “إن عمل البشر لا يزال مجذوباً بين الشريعة القديمة والجديدة، إنه يمزج إلى المياه العكرة، مياه الخطيئة الأصلية، المياه الظافرة، مياه القيامة. إن التشديد على روحانية العمل القصاصية قد أخفى روحانيته…. المجيدة”.

ومن هذه المواقف المنحرفة أيضاً ذلك الخوف من كل تقدم يحرزه الفكر البشري في اكتشاف أسرار الطبيعة وكأنه بذلك، في نظر عدد من المسيحيين، يتعدى على حقوق الله ويسلب معرفة لا حق له بها لأنها ملك إله يحتفظ بها ببخل لنفسه. ولكن هذا الإله البخيل، المستأثر، الحسود، الذي يشاء الإنسان قابعاً في الجهل، هل هو إله الإعلان المسيحي؟ يقول مونييه في هذا الموضوع: “إن أسطورة بروميتوس القديمة تبرز من جديد عندئذ تحت الروحانية المسيحية، كأن تلك الأسطورة التي تعبر عن أنانية آلهة الأولمب لها مكانها في عالم أتى فيه الله نفسه ليحمل إلى الإنسان نار ألوهته المقدسة”.

تلك المواقف والتصورات تفسر لنا تلك التهمة التي يوجهها الإلحاد الماركسي للمسيحية، تهمة إذلال الإنسان وتغريبه عن ذاته، تلك التهمة التي عبر عنها من جهته باكونين، أحد رواد المذهب الفوضوي في القرن الماضي، بقوله: “إن الدين هو افقار الإنسانية وإبادتها واستعبادها، بشكل مركز ومطلق، لصالح الألوهة”، وأيضاً: “لم يبق سوى الاختيار بين موقفين: الله موجود، إذاً الإنسان عبد. الإنسان ذكي، عادل، حر، إذاً الله غير موجود”. ولكن هذه التهمة لا تطال إلا تصورات دينية مشوهة بعيدة كل البعد عن الإعلان المسيحي الأصيل.

“فالمسيحية، كما يقول مونييه، تعطي حقيقة للإنسان كل قامته، وأكثر من قامته الإنسانية. إنها تدعوه إلى أن يكون إلهاً…”. إن إله الإعلان المسيحي يدعو الإنسان إلى التأله بالاشتراك في الحياة الإلهية وإلى تأليه الطبيعة معه. لقد كتب مونييه: “إن كل لاهوت الآباء هو بالفعل…. مديح طويل للبشرية…. إن القديس غريغوريوس النيصصي يرى في الإنسان صورة الله الكاملة والواسطة التي بها يثرو حق العالم المادي كله ويتحد بالله…. إن الإنسان لا يؤنس الطبيعة وحسب، كما يعلم ماركس، ولكنه يؤلهها بتقبله هو الاشتراك في اللاهوت”.

 كم يبتعد هذا الإعلان المسيحي الأصيل عن التصورات الماركسية عن الدين! لقد كتب انغلز: “إن الدين من حيث جوهره يفرغ الإنسان والطبيعة من كل محتواها وينقل هذا المحتوى إلى شبح إله ما ورائي ينعم بدروه على البشر والطبيعة بجزء من كمالياته”. هذا الإله البخيل الذي يتحدث عنه انغلز، هو بالضبط “شبح” على صورة بخل الإنسان، ولكنه غريب عن الإله الحقيقي الحي الذي لا يكتفي بإلقاء فتات من خيراته على الخليقة ولكنه يدعو الإنسان، والطبيعة من خلال الإنسان إلى مشاركة لاهوته مشاركة حقيقية، صميمية، لا بل نراه، في يسوع المسيح، يفتقر لكي يغني الإنسان، كما علم الرسول بولس: “أنتم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح، كيف أنه، وهو الغني، قد افتقر من أجلكم لكي تستغنوا أنتم بفقره” (2كورنثوس 8: 9).

لذا فالتقدم العلمي والتقني ليس هو بحد ذاته تحدياً لله، إنما هو تعبير عن مقصد الله بالنسبة للإنسان. إنه تعبير عن صورة الله التي تجعل من الإنسان “عاملاً مع الله” على حد تعبير الرسول بولس (1كورنثوس 3: 9)، وكأن الله لم يجعل الخليقة كاملة منذ البدء ليترك للإنسان مجال المساهمة معه في خلقه. ولكن هذا التقدم العلمي والتقني هو أيضاً، في مقاصد الله، مساهمة في الفداء الذي بين القديس يوستينوس الشهيد، في القرن الثاني، إنه يشمل الجنس البشري قاطبة ويمتد إلى الأزمنة البائدة والتاريخ الآتي وليس فقط إلى فريق المؤمنين الحاضرين أو المستقبلين. إن الإنسان مدعو، بالتقدم العلمي والتقني، إن يساهم سرياً في بناء السماء الجديدة والأرض الجديدة ماداً قوة القيامة في الكون.

هذا الموقف المسيحي الأصيل من التقدم العلمي والتقني، وإن غاب عن بال كثيرين من المسيحين، إلا أن عدداً غفيراً من العلماء المسيحيين عاشه أو يعيشه. ففي القرون الوسطى نفسها، حيث أهملت الدينا المسيحية إلى حد ما شؤون الأرض، ظهر علماء مسيحيون وضعوا بأبحاثهم وتجاربهم مقدمات العلم الحديث، أذكر منهم الأسقف البير الكبير والراهب ريمون لول والراهب روجيه باكسون الذي أسس العلم التجريبي ثلاثة قرون قبل الباكون الثاني.

وعندما انطلق العلم الحديث ابتداء من عصر النهضة، كان كل رواده في الآن نفسه مفكرين مسيحيين، أذكر منهم فينشي وغاليلي (رغم خلافه مع الكنيسة الرسمية) والراهب كوبرنيك وديكارت وباسكال والراهب ماريوت وليبنيز (الذي إلى جانب اكتشافاته في الرياضيات عمل من أجل وحدة الكنائس) ونيوتن. وبصورة أعم، إذا استعرضنا تاريخ العلم في القرون الثلاثة الماضية، نرى أن ثلاثة أرباع العلماء في مختلف الفروع كانوا مؤمنين، نذكر منهم في حقل الرياضيات كوشي ونيوتن، وفي حقل علم الفلك كوبرنيك وكيبلر ولهنيرية وهرثل، وفي الفيزياء لورد كلفين وفرينيل وفولتا وأورستد وأمبير وفاراداي وبرانلي وماركوني، وفي الكيمياء لافوازييه وأفوغلادر ودالتون، وفي العلوم الطبيعية لينه ومانديل (مكتشف النظريات الحديثة في علم الوراثة، الذي كان راهباً) وفاير وكلود بارنارد، وفي علم طبقات الأرض تيرميبه، وفي علم آثار الحياة بوري (الذي كان كاهناً)….

هذا الإيمان المسيحي الذي ترجمه بناة العلم الحديث مجهوداً جباراً لاستغلال الأرض وتحرير الإنسان، لا يزال يوجه جهود الكثيرين من علماء اليوم. اكتفي بذكر العالم الفيزيائي ماكس بلانك أبا نظرية الـ quanta والفلكي الشهير أد ينغتون والاختصاصي الكبير في الأشعة الكونية لويس لوبرنس رينغيه، وفون براون مطلق الصواريخ الفضائية والكاهن جورج لوميتر أحد أصحاب نظرية تمدد الكون وبنوع خاص الأب بيار تيار دي شاردين ذلك المفكر الذي استقطب الفكر المعاصر كله فانكب على دراسته المؤمنون والماركسيون الذي جمع طيلة حياته إلى إيمانه العميق تنقيباً علمياً قاده إلى اكتشاف الـ sinanthrope إحدى حلقات التطور الإنساني، ذلك العالم الذي ضم في شخصه، إلى أن مات في فصح 1955 كما كان يتمنى أن يموت، في ذكرى القيامة، “الإيمان بالله والإيمان بالعالم” على حد تعبيره، إيمانين كانا دوماً يغذيان أحدهما الآخر.

وفي الاتحاد السوفياتي نفسه لدينا المثال الرائع الذي قدمه الأسقف لوقا المتوفي سنة 1961 والذي دخل الكهنوت سنة 1921، أي بعد الثورة الشيوعية، فيما كان استاذاً في كلية الطب في مدينة تاشقند، ثم سيم أسقفاً سنة 1923.

ولم يزل يمارس الطب إلى جانب رعايته الأسقفية، فبرع في الجراحة حتى أنه ذكر في الموسوعة الطبية السوفياتية الكبرى وحاز على جائزة ستالين. وكان في الحرب الأخيرة يدير في الآن نفسه أبرشية كراسنويارسك  ومستشفيات المدينة. وفي سنة 1946 نقل إلى إبرشية سيمفاروبول وكانت عظاته مشهورة ولم ينقطع حتى موته عن خدمة البشر، ساهراً على صحتي النفس والجسد.

هكذا نرى أن الإيمان في أصالته ليس ضعفاً وخنوعاً إنما هو اكتشاف للطاقة الهائلة التي وضعها الله في الإنسان بالخلق والتجسد. نعم، “كلما اقترب الإنسان من الأبعاد الإلهية لدعوته، هدده الكبرياء أو الاكتفائية الشيطانيان. ولكن الكبرياء ليس في جرأة العمل، إنها في موقف الذي يحقق هذا العمل. إذا كان ينقل الجبال، فالقديس ينقل جبلاً بقلب بسيط بينما الإنسان المتباهي يزهو حتى في مشيته”. الطاقة الخلاقة التي يتميز بها الإنسان نورانية بطبيعتها لأن الله مصدرها، فإذا سطت عليها قوى شيطانية وحولتها إلى كبرياء واكتفائية فلا عجب في ذلك لأن الشيطان، كما علمنا الرسول، من شيمته أن يستخدم النور ليغوي به البشر، “متخذاً شكل ملاك نور” (2كورنثوس 11: 14).

أما الموقف المسيحي الأصيل فليس هروباً ولا اكتفائية، ولكنه موقف “شكري” أي إنه ذلك الموقف الذي تعيشه الكنيسة كلما أقامت سر الشكر، إذ ترفع إلى الله الآب، من خلال الخبز والخمر المقربين، كل طاقات الطبيعة وكل عبقرية البشر، قائلة له: “التي لك مما لك نقدمها لك على كل شيء”، فيتقبل الآب التقدمة محمولة إلى جسد ودم ابنه الذي بتجسد جعل الله من الطبيعة ومن البشر “جسده الكوني”.

هذا الموقف لا ذل فيه ولا انتفاخ، إنه وعي لحضور الله الخلاق في الكون وبنوع أخص في الإنسان الذي جعل سيد الكون ومؤلهه، ولكنه ليس محاولة استئثار بهذا الحضور بنهم وكبرياء يحكمان على الإنسان بعزلة قتالة، بل اتجاه حي إلى مصدر هذا الحضور في حركة عطاء ذات تلقائي لمن اعطانا أن نساهم في حياته الإلهية. لذا قابل رئيس أساقفة باريس السابق الكاردينال سوهار بي “الروحية الوضعية التي تريد أن تملك العالم دون أن تقدمه، والتزمت الجانسيني الذي يود أن يشجب الصعيد الزمني والنزعة إلى ابراز الإنسان على أنهما خطيئة ويكتفي في القداس بأن يقدم دون أن يملك” من جهة، و”الواقعية المسيحية” من جهة أخرى، تلك الواقعية التي تخالف كلاً من الموقفين السابقين و”تتخذ شعاراً لها: أن أملك لكي أقدم”.

هذا الوعي المزدوج بأن كل شيء لنا وبأننا نحن لله، قد عبر عنه الرسول بولس بقوله الرائع في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: “لن كل شيء هو لكم، بولس كان أم أبلس، أما صفا، أم العالم، أم الحياة، أما الموت، أم الحاضر، أم المستقبل، كل شيء هو لكم، أما أنتم فللمسيح، والمسيح لله” (1كورنثوس 3: 21-23).

 

معنى الإلحاد الماركسي – إله الإعلان المسيح وأصنام الله – كوستي بندلي

نقد النقد الماركسي للدين – كوستي بندلي

نقد النقد الماركسي للدين – كوستي بندلي

نقد النقد الماركسي للدين

نقد النقد الماركسي للدين – كوستي بندلي

هذا النقد الماركسي للدين قد يبدو لأول وهلة متماسكاً ومقنعاً ولكن إذا تفحصناه عن كثب اتضحت لنا نواحي الضعف فيه، تلك النواحي التي سنجتهد أولاً بأن نبينها منتقلين بعد ذلك إلى إظهار التناقضات والمآزق التي قاد الماركسية إليها رفضها لله، مبينين أخيراً عجزها عن حل مشكلة الإنسان بمعزل عن الله:

1 – نواحي الضعف في النقد الماركسي للدين:

لنا مأخذان أساسيان على النقد الماركسي للدين:

أ – لم يتوصل ماركس إلى تعليل الموقف الديني تعليلاً وافياً:

 لأول وهلة يبدو التفسير الماركسي لنشوء فكرة الله تفسيراً مرضياً. ذلك لأنه سهل وواضح. ولكن هل هو تفسير بالفعل؟ لقد بين لنا ماركس بأية مناسبة، بأية ظروف تنشأ في الإنسان فكرة الله. ولكن المناسبة شيء والسبب شيء آخر. لا شك أن الرجاء بالله مرتبط إلى حد ما بخبرة الإنسان لشقائه.

إنه في أغلب الأحيان يتجه إلى الله لأنه اختبر عجزه وفقره (مع أن هذا ليس دائماً صحيحاً، فقد يندفع الإنسان نحو الله في غمرة من الفرح أو الحماس…). هذا أمر طبيعي: فلو كان الإنسان حاصلاً على كل ما يتمناه، لما كان ترجى شيئاً. يتجه الإنسان إلى الآخر من خلال اختبار حاجته إليه، يكتشف الطفل أمه تدريجياً من خلال حاجته إليها. هكذا يكتشف الإنسان الله من خلال فقره إليه.

ولكن ماركس إذ بين لنا المناسبة التي تنشأ فيها فكرة الله لم يبين لنا سبب هذه الفكرة. لقد أجاب على سؤال هام ألا وهو: كيف تنشأ فكرة الله؟ ولكنه لم يجب على السؤال الأهم ألا وهو: لماذا تظهر هذه الفكرة في الإنسان؟ الإنسان يختبر شقاءه وعبوديته ويجد نفسه غير راض عن حاله: هذه نقطة الانطلاق. في وضع كهذا ينتظر من الإنسان أن تكون له ردود فعل بشرية، طبيعية: مثلاً أن يثور على الظالم، أو أن يرضخ لواقعه ويحاول التكيف معه للتحرر أو مناسبة لتحسين حاله. ولكن الأمر الغريب هو أن الإنسان يضيف حلاً رابعاً إلى الحلول البشرية المبينة أعلاه: إنه يتجه نحو الله.

فما هو مصدر هذا الحل الغريب؟ ما هو سر قفزة الإنسان هذه فوق كل اختبار بشري باتجاه عالم الله؟ هذا السؤال لا يجيب عليه ماركس وليس من إلحاد يستطيع الإجابة عليه. يقول الأب دو لوباك: “يقال لنا أن الإنسان قد أله السماء. فليكن! ولكن من أين أخذ الإنسان فكرة الألوهة ليطلقها على السماء؟ لماذا هذه الحركة العقوبة التي تلاحظ في النوع البشري في كل مكان؟ لماذا حركة التأليه هذه؟ أكان تأليه السماء أو تأليه أي شيء آخر؟”

قد يرتعد الإنسان البدائي أمام العاصفة الهوجاء فيؤله الرعد والريح. ولكن عالم الأديان الشهير Mircea Eliade أظهر أن الوثنين عندما كانوا يتعبدون لعناصر الطبيعة كالشمس والعاصفة لم يكونوا في كثير من الأحيان يتعبدون لقوى مادية بل كانوا يعتبرونها ظهورات لقوى سرية تتجلى من خلالها، ولهذه القوة كانوا يتعبدون من خلال ظهوراتها.

إن حوادث الطبيعة كان إذاً بالنسبة إليهم، على الأقل جزئياً، كشفاً للألوهة. وهذا ما يعيدنا إلى السؤال الذي طرحناه آنفاً: من أين أتتهم فكرة الألوهة؟

فكرة الألوهة هي مرادفة لفكرة المطلق. فمن أين للإنسان فكرة كهذه؟ لماذا لا يكتفي الإنسان بما هو ناقص ونسبي فيه وحوله بل يتجه إلى كائن كامل ومطلق؟ إن ماركس يبين لنا المناسبة التي تتبلور فيها هذه الفكرة في الإنسان وتصبح عنده واعية ولكنه لم يبين لنا هو أو غيره من الملحدين ما هو مصدرها العميق في الكيان البشري.

الجواب على هذا السؤال هو أن الله موجود بالفعل وأنه خلق الإنسان متجهاً إليه في الصميم وجعل فيه هذا الشوق الذي لا يرتوي إلا بلقاء الإله الذي يناديه من خلال ظروف الحياة وحوادث الكون، حسبما كتب أوغسطينوس المغبوط: “يا رب لقد خلقتنا متجهين إليك، ولذلك لن تجد قلوبنا راحة إلا إذا استقرت فيك”.

لقد بين Mircea Eliade أن فكرة الله ليس مرجعها الظروف التي تظهر فيها هذه الفكرة إلى حيز الوجود، منطلقاً من التشبيه الآتي: لقد ظهر علم الهندسة تاريخياً بمناسبة الأعمال التي قام بها المصريون لحفر أقنية في دلتا النيل. ولكن لا ينكر أحد صحة القواعد الهندسية متعللاً بأن اكتشافها نتج عن حاجة المصريين إلى أقنية.

هكذا يكتشف الإنسان الله – كما يبين ماركس – من خلال شقائه ولكن الله ليس وليد هذا الشقاء. لقد كتب المستشرق الكبير ماسينيون بحق: “الله اكتشاف وليس اختراع”. يدعي ماركس بأن الإنسان خلق الله على صورة أمانيه. ولكنه لم يوضح لنا من أين للإنسان المحدود هذه الأماني اللامحدودة؟

من أين له مثلاً – وهذه ناحية يطمسها ماركس بنوع خاص – هذا العطش إلى الأبدية والخلود وهو الكائن الذي يتآكله الزمن ويرى حوله كل حي يموت؟ هل نقول إن غريزة الإنسان تجعله يصبو إلى بقاء لاحد له؟ ولكن الغرائز التي نراها في الطبيعة لها كلها غاية معقولة تصبو إليها. فالغريزة التي يسعى بموجبها الحيوان إلى الطعام أو إلى المأوى أو إلى التناسل لها ما يفي بغرضها.

فكيف يمكن للغريزة أن تسعى إلى خلود لا نرى له أثراً في الطبيعة؟ ألا يعني ذلك أننا هنا تجاوزنا صعيد الغرائز التي تسعى إلى النسبي والمحدود ودخلنا في عالم المطلق الذي يستقطب الإنسان دون سائر الخليقة؟ كلا لم يخلق الإنسان الله على صورة أمانيه ولكن أماني الإنسان اللامحدودة هي في الإنسان صورة الله غير المحدود الذي يدعه إلى مشاركته حياته.

يردد انغلز بعد فوورباخ: “إن الجوهر الذي يعبده الإنسان ويؤلهه كجوهر غريب هو بالحقيقة جوهره الخاص”. ولكن السؤال الأساسي هو هذا: لماذا هذا التفاوت الدائم بين الإنسان وجوهره، بين الإنسان ونفسه؟ أقول إن هذا التفاوت دائم وليس عرضياً، عائداً للظروف وحسب. ذلك لأن الإنسان كلما تقدم في الكمال ازداد شعوره بنقصه.

فنصف المتعلم قد يرضى عن معلومات ويتباهى بها أما العالم الحقيقي فإنه يدرك أكثر من أي شخص آخر محدودية علمه. كذلك قد يرى الإنسان الاعتيادي في تحفة فنية آية الفن والجمال، أما الفنان نفسه منتج هذه التحفة، فإنه لشعوره المرهف بالجمال يدرك بألم تقصيره عما كان يصبو إلى تحقيقه. الإنسان الذي لم يزل على عتبة الفضيلة قد ينتفخ بصلاحه، أما الذي سار شوطاً بعيداً في طريق الخير، فيزداد شعوره بإثمه وخطيئته.

وهكذا فالأمر الغريب الذي يبدو أن ماركس وأنغلز، وفوورباخ من قبلهما، لم يفطنوا إليه هو أن الإنسان كلما اغتنى ازداد شعوره بالفقر. ولكن هذا الشعور بالفقر لا مجال لوجوده إلا بالقياس إلى ذلك الملء الذي يصبو الإنسان إليه. الإنسان لا يدرك ذاته محدوداً إلا بالنسبة للامحدود الذي يستقطب سعيه. لذا فشقاء الإنسان يشير إلى العظمة التي دعي إليها، إنه “شقاء سيد كبير” على حد تعبير باسكال.

هكذا فاغتناء الإنسان يشعره بفقره ولكنه لا يشعر بفقره إلا بالنسبة إلى هذا الغنى الذي يتوق إليه. هذا هو التناقض الإنساني العميق الذي أهمله ماركس والذي جعل باسكال يقول عن الإنسان إنه كائن غريب لا يفهم هذا التناقض الذي هو في آن واحد مصدر جزع الإنسان وحافز له على الخلق لا يمكن أن يفسر بصورة نهائية على الصعيد الطبيعي البحت الذي شاءت الماركسية أن تكتفي به.

السر الإيماني وحده يلقي ضوءً عليه، ذلك السر الذي قيل إنه لا يدرك ولكنه يتيح لنا أن ندرك الأشياء كلها. لا بد لنا، كما قال الكاتب الملحد كامو، أن نختار بين اللا معنى والسر. إن المسيحي يختار السر ويعلم على ضوء إيمانه أن الإنسان على صورة الله وأنه يتحرك دائماً نحو الله المطلق واللامحدود بالطاقة التي وضعتها هذه الصورة فيه (وهذا هو سر عطشه العميق إلى اللامتناهي) ولكنه ليس الله بل هو متغرب عن الله (وهذا هو سر فقره ونقصه).

هذه الحقائق يمكننا التوصل إليها انطلاقاً من النظرة الماركسية إلى التاريخ ذاتها. في تلك النظرة يبدو الإنسان متجاوزاً أبداً لذاته نحو أوضاع أفضل. ولكن هلا تساءلنا لماذا لا يمكن للإنسان أن يكتفي بوضع تاريخي معين؟ أليس ذلك لأنه يقيسه بمطلق يسعى دائماً إليه؟ ولكن من أين له هذا المطلق وهو في وضع تاريخي ناقص ومحدود؟

ألا يعني ذلك أن في الإنسان حضوراً يفوق التاريخ ويمكنه بالتالي من صنع التاريخ، وهو حضور الله نفسه الذي يدعو الإنسان إلى تحقيق ملء وجوده؟ هذا ما قاله لاهوتيون مسيحيون كالأب راهتر والأب ماس والأب كوتيه لمفكرين ماركسيين دخلوا معهم في حوار، وقد كتب الأب كوتيه مثلاً في مقال له بعنوان “الماركسية والدين”: “أليس وعي الإنسان لعدم اكتماله… علامة انفتاحه إلى لا نهاية كيانية متعالية؟”.

يعرض المفكر الماركسي روجيه غارودي، وهو من أقطاب الحوار الماركسي – المسيحي، تلك الآراء باحترام واستقامة نادرين في كتابه “من الفرز إلى الحوار”.

ويبين الاختلاف بين التفسير الماركسي والتفسير المسيحي في هذا المجال. يقول إن الماركسية “لا تسقط في تجربة تأكيد وجود كائن وراء عمل تجاوز الإنسان لنفسه، كائن يكون مصدر هذا التجاوز. فعطشي لا يبرهن عن وجود الينبوع. اللانهاية هي في نظر الماركسي غياب وتطلب، ولكنها في نظر المسيحي وعد وحضور… التعالي هو بالنسبة للمسيحي عمل الله الذي يأتي إليه ويدعوه، إنه بالنسبة للماركسي بعد من أبعاد فعل الإنسان الذي يتجاوز نفسه نحو كيانه البعيد…

إذا كنا نرفض اسم الله، فذلك لأن هذه الاسم يفترض حضوراً، واقعاً، بينما لا نعيش إلا تطلباً، تطلباً لا يشبع أبداً للكامل والمطلق، لاقتدار كلي على الطبيعة وتداخل حبي كامل بين الوجدانات… إذا شئنا أن نطلق على هذا التطلب اسماً فلن يكون اسم الله، لأنه لا يمكن تصور إله في تكوين وولادة مستمرين. الاسم الأجمل والأعلى الذي يمكننا أن نطلق على هذا التطلب هو اسم الإنسان… لأن الإنسان هو بالضبط ذاك الذي ليس بموجود. هذا التطلب في الإنسان هو، على ما أعتقد، جسد إلهكم. إننا بلا شك نعيش، مسيحيين وماركسيين، نطلب اللامتناهي الواحد، ولكنه عندكم حضور وعندنا غياب”.

لا بد لنا من بعض التعليقات على هذا النص الجميل، الجدير بكل اهتما. يقول غارودي بأن في الإنسان “تطلباً لا يشبع أبداً للكمال والمطلق”. ولكن كيف يفسر وجود تطلب كهذا في كائن محدود؟ ألا يعني وجوده بأن الإنسان، من خلال خبرته، المحدودة والنسبية أبداً، يسمع نداء مطلق موجود؟

هذا النداء الذي يرتفع في أعماق كيان الإنسان يفسر وحده شعور هذا الأخير الدائم بعدم الارتياح واحساسه بأن “الحياة الحقيقية غائبة” على حد تعبير الشاعر رامبو. هكذا يبدو الغياب نفسه وكأنه الوجه السلبي لحضور يدعو الإنسان ويغذي فيه شعوراً لا ينقطع بعد الرضى. هذا ما عبر عنه الشاعر كلوديل بقوله مخاطباً الله: “لو لم يكن العالم يحدث عنك بهذا المقدار، لما كنت أعاني سأماً هذا مقداره”.

بهذا المعنى يمكننا أن نقول، خلافاً لرأي غارودي، إن العطش يبرهن بالفعل عن وجود الينبوع، لأن نداء هذا الينبوع الإلهي هو الذي يوجد عطش الإنسان ويغذيه. هذا ما عبر عنه باسكال مردداً بعد أوغسطينوس الغبوط: “لو لم تكن قد وجدتني لما كنت سعيت إليّ”. على كل، وإذا شئنا التمسك بتلك الصورة التي أعطاها غارودي عن العطش والينبوع، نرى أنه، على الصعيد الطبيعي نفسه، العطش البيولوجي لا يفهم إلا بالنسبة لوجود ماء في الطبيعة من جهة وماء في جسدي من جهة أخرى، وما العطش سوى تلك النزعة التي تدفعني إلى إتمام الماء الذي في جسدي بالماء الموجود في الطبيعة، فكل حاجة هي، كما بين الفيلسوف برادين، توق نحو الشيء المتمم. هكذا فالعطش البيولوجي يفترض الماء وهو صورة عن عطش الإنسان إلى المطلق الذي يفترض بدوره وجود هذا المطلق بحد ذاته ووجوداً جزئياً له فيّ.

ومن جهة أخرى ينبغي أن نتساءل كيف يفسر تجاوز الإنسان ذاته “نحو كيانه البعيد”، ذلك التجاوز الذي يتحدث عنه غارودي. فلو كان المطلق مجرد فراغ وغياب، فأنى للإنسان أن يستمد قوة تجاوز ذاته نحوه؟ لو كان الإنسان “ذاك الذي لي هو بموجود” وحسب، فمن أين له القدرة على أن يكتسب دوماً المزيد من الوجود؟ أباستطاعة الفراغ أن يوجد الملء واللاوجود أن ينشئ الوجود؟ إذا شئنا أن نرد المطلق إلى ذلك “الفعل” الذي به يتجاوز الإنسان نفسه نحوه، جعلنا هذا الفعل بالذات غير مفهوم. ما كان باستطاعة الإنسان أن يتحرك نحو “كيانه البعيد” لو لم يكن هذا الكيان معطى له، على نوع ما، كطاقة زاخرة بالإمكانات. ولكن هذا يعني أن الإنسان، رغم حدودهن يساهم منذ الآن في المطلق الذي يتجاوز من كل صوب، ويستمد من هذه المساهمة القوة المحركة التي تلزمه ليتجاوز ذاته دون انقطاع. لا يمكن للإنسان أن يتجه نحو المطلق إلا لأن المطلق حاضر منذ الآن فيه بصورة ما: “تأتي ساعة وهي الآن حاضرة”، يقول الرب في إنجيل يوحنا. ليس الإنسان إلهاً “في تكوين وولادة مستمرين” إلا لأنه يساهم في الله الكائن. “الإنسان يتجاوز الإنسان لا نهائياً” على حد تعبير باسكال، لأن كيانه المحدود متجذر في اللانهاية. التعالي الأفقي (أي تجاوز الإنسان لذاته) يفترض تعالياً عمودياً. إنما الأول رسم الثاني في التاريخ. بهذا المعنى نوافق قول غارودي بأن تطلب التجاوز الإنساني الدائم هو “جسد إلهنا”. لأنه بالفعل علامة حضور خاص في الإنسان المخلوق على صورة الله. للقوة الإلهية غير المخلوقة نفسها، لفيض الحياة الإلهية الذي يتدفق في البشر ليجعل منهم آلهة: “أن قلت: إنك آلهة…” (مزامير 82: 6 ويوحنا 10: 34). التجسد، في نظر المسيحي، حقق ملء اندماجنا بالمطلق، فأصبح الإنسان به حرفياً “جسد إلهنا”: “لأننا أعضاء جسده، من لحمه ومن عظامه” (افسس 5: 30).

ب – ليس الدين مجرد صورة عن الأوضاع التاريخية الراهنة:

وقد حاولت الماركسية أن تجعل من الدين وليداً للظروف التاريخية يتغير بتغير أشكالها. ولكنها بذلك أخذت بعين الاعتبار أبعاد الدين التاريخية وأهملت جوهره. مما لا شك فيه أن ما يتصوره الإنسان عن الله نسبي دائماً ينطبع بطابع العصر ويتأثر بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها. هذا صحيح خاصة خارج خط الوحي الإلهي وحتى في هذا الخط: ألم يقل الرسول بولس نفسه أن رؤيتنا لله في هذه الحياة نسبية وناقصة “الآن أرى في مرآة، في لغز… الآن أعرف بعض المعرفة”. في تدين الإنسان عنصران ميزهما الفيلسوف المعاصر جان لاكروا: الاتجاه نحو المطلق هو عنصر ثابت، دائم في الإنسان، وتصوره لها المطلق هو دائماً نسبي يتأثر بأوضاع الإنسان المختلفة. أما الماركسيون فقد حجبت عنهم نسبية التصورات الدينية أصالة الاتجاه الإنساني إلى المطلق، فنتج عن ذلك عجزهم عن تفسير وقائع هامة جداً في تاريخ الأديان. أذكر منها واقع الدين اليهودي ونشوء الدين الإسلامي.

الدين اليهودي:

فلو كان الله مجرد صورة للأوضاع الاجتماعية التي يمر بها الإنسان، كيف يفسر كون الشعب اليهودي، وقد كان شعباً ذا حضارة بدائية إذا قسناها بحضارات الشعوب الأخرى المعاصرة والمجاورة، وقد توصل إلى تكوين فكرة عن الله أنقى وأسمى من كل التصورات الدينية السائدة؟ كيف أمكن هذا الشعب الذي لم تكن له فلسفة ولم تكن له ثقافة تجاري حتى من بعيد ثقافة المصريين أن يتوصل إلى أرفع فكرة عن تعالي الله وعلاقته بالكون؟ ثم كيف أمكن لهذا الشعب الصغير أن يعتقد بإله واحد سيد الكون قاطبة والأمم بأسرها بينما كان الامبراطوريات الكبيرة حوله من أشورية ومصرية وغيرها تدين بتعدد الآلهة، وأن يحافظ على هذا الاعتقاد في مراحل تاريخه المختلفة، في البداوة والحضر، في أسره في مصر ونفيه إلى بابل، في ظل حكم ملوكه وتحت نير الاستعمار الروماني، دون أن تحوله عن إيمانه هذا الاعتقادات الوثنية السائدة عند جيرانه الذي كان يتأثر بهم؟

ثم هل يقال عنه أنه اخترع السماء لينجو من الأرض، ليعوض عن الذل والشقاء اللذين طالما صادفهما في تاريخه؟ هذا غير وارد لأن الشعب اليهودي لم يؤمن بالحياة الأخرى قبل القرن الثاني قبل الميلاد. لقد بقي إيمانه بالله قرون دون أن يرجو ثواباً أبدياً. فكيف تنطبق على دين هذا الشعب الصورة الماركسية عن نشوء الدين؟

نشوء الدين الإسلامي: كذلك واقع نشوء الدين الإسلامي يعارض النظرية الماركسية في الأديان. فبموجب هذه النظرية ينتقل الناس من الاعتقاد بتعدد الآلهة إلى الاعتقاد بإله واحد عندما تتوحد القبائل والمدن، ويكون هكذا توحيد الألوهة مجرد صورة عن توحيد المجموعات البشرية. ولك العكس تماماً جرى عند نشوء الإسلام. لقد كانت قبائل الجزيرة العربية مبعثرة متفرقة، ولم تؤمن بالتوحيد عندما اجتمعت وإنما الإيمان بإله واحد وحدها وجمع شملها. فهل يكون الدين مجرد انعكاس للظروف التاريخية إذا كان فاعلاً في تلك الظروف بهذه القوة؟

2– التناقضات والمآزق الناتجة عن رفض الماركسية لله:

هكذا لم تتوصل الماركسية إلى إظهار بطلان فكرة الله. ولكنها بالإضافة إلى هذا انقادت، بدافع من رفضها لله، إلى تناقضات ومآزق سنجتهد الآن بأن نبينها.

لقد رفضت الماركسية الله ولكنها لم تذهب في رفضها هذا إلى أبعد حدوده، كما هي فلسفة سارتر مثلاً، إذ لم تجدر الكون عن كل عنصر إلهي ولم تعتبره لا معنى كلياً كما فعل سارتر، بل احتفظت بالعناصر الإلهية ونسبتها للكون نفسه، فألهت هكذا المادة والتاريخ، الذي هو بنظرها تاريخ المادة في الأساس، ووقعت بالتالي في تناقضات لا مفر منها وأوجدت أصناماً ارتدت على الإنسان لتسحقه.

أ – تأليه المادة:

لقد اعتبر الماركسيون المادة أصل كل شيء وسببه واعتبروا أنهم بذلك قد أوجدوا فلسفة موضوعية، علمية. ولكن هذا مادة التي ينادي بها الماركسيون هو نفس مادة العلماء؟ مادة العلماء عبارة عن قوة آلية، عمياء، غاشمة. ولكن مادة الماركسيين مادة “ديالكتيكية” كما يسمونها، أي أنها مادة قادرة بحد ذاتها أن تنقض أوضاعها السابقة وتتجاوزها إلى أوضاع أرقى فأرقى. صفة “الديالكتيكية” هذه أخذها ماركس عن هيغل ولكن هيغل كان ينسبها للفكر فنسبها ماركس للمادة. ولكن هذه المادة التي أعطيت صفة النشاط الخلاق والتطور الموجه لم تعد المادة بمعناها المعروف ولم تعد مادة العلم وإن أطلقت عليها، عن غير حق، التسمية ذاتها: “إن مادة العلماء ليست ديالكتيكية ولكنها آلية”. لذا فتصور الماركسيين للمادة ليس تصور علمياً كما يقولون لوكنه كما أظهر إتيان بورن نكوص إلى تصورات سبقت ظهور العلم الحديث وتقهقر إلى الوثنية.

لقد جردت المسيحية الكون المادي عن الصفات الإلهية التي نسبت إليه فمهدت هكذا الطريق للعمل الحديث، أما الماركسيون فباعتبارهم المادة “حيواناً إلهياً” على حد تعبير إتيان بورن، ضربوا بمكاسب الفكر الإنساني هذه عرض الحائط. وقد قال الفيلسوف نفسه متحدثاً عن المفهوم الماركسي للمادة: “إن مادة كهذه هي مطلق إلهي. وهكذا تصبح الماركسية أقل المذاهب اللاهوتية إقناعاً”. “عبارة (المادية الديالكتيكية) تشكل تناقضاً لفظياً” كما يقول الفيلسوف نقولا بردياييف ولكنها كما أظهر بردياييف الذي مر بالماركسية قبل أن يصبح من أقطاب الوجودية المسيحية وليب الذي أعتنق الماركسية مدة سنين طوال وعلم فلسفتها قبل أن يصبح كاهناً مسيحياً، عبارة ممتازة للدعاية لأن الناس يطمئنون للمادة وصلابتها وحقيقتها الراهنة ولا يرون في كثير من الأحيان أن العبارة يستعملها الماركسيون بعد أن أفرغت من معناها المعروف. وهكذا “فالمادة نفسها التي يستند عليها الماركسيون لم تعد مادية بالمعنى الصحيح”.

عن هذه المادة يصدر الفكر، يقول الماركسيون: إنهم من جهة يقرون بأصالة الفكر واختلافه النوعي عن الطبيعة المادية (وهذا ما يميزهم عن الماديين القدامى) ولكنهم إلى جانب ذلك يعتبرونه وليد المادة. ولكن كيف يخرج الأعلى من الأدنى، كيف يخرج الأكثر من الأقل؟ هذا لم يحاول الماركسيون ان يبينوه. كما كتب بردياييف “لم يحاولوا أبداً أن يفسروا كيف يمكن للوجود المادي أن يتحول إلى وجدان وتفكير”. إن عبارة أنغلز: “الفكر عذاب المادة”، كأن المادة تتمخض لتلد الفكر، عبارة شعرية جميلة ولكن لا قيمة لها على الصعيد المنطقي. لقد كتب الاختصاصي الشهير في الجهاز العصبي شيرينغتن سنة 1950: “كان أرسطو، منذ ألفي سنة، يتساءل كيف يرتبط الفكر بالجسد ولا نزال نحن نطرح هذا السؤال على أنفسنا”.

أما ماركس فقد حاول أن يجيب على هذا السؤال العويص بقوله: “أرى أن حركة الفكر ليست سوى انعكاس الحركة الواقعية (أي المادية)، منقولة ومحولة في دماغ الإنسان”. ولكن – كما أوضح كامو – كل الصعوبة تكمن في تحديد هذا “التحول” وهذا ما لم يحاوله ماركس. وقد كتب الدكتور سليم عابو في محاضرة له: “كيف يستطيع الفكر أن يبرز من المادة؟ تلك هي، كما هو معلوم، “العظمة” التي لم تستطع نظرية ماركس أن تكسرها. ولكن ماركس كان يعتبر أن العمل والمهمة الراهنة ملحان بدرجة لا يجد معها الإنسان الوقت ليخوض في البحث عن مصدر الأشياء…”. ولكن التناقض هنا أن يدعي المرء اتخاذ موقف علمي من مصدر الأشياء فيما يكون موقفه بعيداً كل البعد عن التعليل العلمي.

الفكر انعكاس للمادة، تلك هي النظر الماركسية. ولكن هذا الفكر خلاق، كما يقر الماركسيون، يعمل في المادة ويطورها. ولكن كيف يعمل في المادة إن لم يكن سوى انعكاس لها؟ يقول المفكر المعاصر Igor Caruso: “إن الانعكاس لا يمكنه أن يعطي أكثر مما يعكسه. لو كان الوجدان انعكاساً لكان مجرد صورة فوتوغرافية عن الطبيعة، ولما كان والحالة هذه خميرتها…”. وقد كتب بردياييف بالمعنى نفسه: “إذا لم يكن الإنسان سوى نتاج البيئة الاجتماعية والطبيعة… إن لم يكن فيه أي عنصر يرفعه فوق الطبيعة والمجتمع، فلا يفقه من أين تأتيه القدرة الخلاقة التي تمكنه من السيطرة على القوى الطبيعية والاجتماعية ومن خلق الجديد… إن لم يكن الإنسان سوى جزء من المادة، إن لم يكن ما يجري فيه سوى تحولات لهذه المادة، فالخلق الحقيقي والحياة الجديدة يكونان مستحيلين”.

ولكن الماركسية فكر ثوري يؤمن بقدرة الإنسان على قلب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وعلى خلق أوضاع أخرى جديدة، الإنسان بنظرها لا ينتظر مكتوف الأيدي تطور الأوضاع الذي يقود بصورة محتومة من الرأسمالية إلى الاشتراكية مثلاً، إنما يساهم في تعجيل هذا التطور بنشاطه الثوري. لا بل يستطيع الإنسان، بنظرها، أن يقيم الاشتراكية في أوضاع غير مؤآتية بحد ذاتها بالكلية لقيامها، متغلباً بفكره وإرادته على الحتمية الطبيعية نفسها. هذا ما أثبته تاريخ الشيوعية نفسه. فالناموس الطبيعي الذي أوضحه ماركس يقضي بأن لا تقوم الاشتراكية في بلد ما إذا لم يجتز هذا البلد المرحلة الرأسمالية ومتناقضاتها. بناء عليه كان يعتقد أن الثورة الاشتراكية ستقوم أولاً في البلاد المتصنعة تماماً وأولها بريطانيا. فكان أن انتصرت الشيوعية أولاً في روسيا فيما لم تكن روسيا إلا على عتبة المرحلة الرأسمالية والصناعية.

وقد تكرر الأمر نفسه عندما انتصرت الشيوعية في الصين. فإذا كان الإنسان فاعلاً هكذا في التاريخ إلى حد تجاوز الحتمية الاقتصادية بإرادته، فهل يعقل أن يكون وليد المادة وحسب إلا إذا جعلنا في المادة طاقة روحية فأصبحت هكذا اسماً لغير مسمى؟ هكذا فطابع الماركسية الثوري ينقلب ضد ماديتها لأن “المادية، كما يقول بردياييف، فلسفة غير خلاقة، سلبية، وفي النهاية رجعية”. ولذا نرى خلافاً في صفوف الماركسيين أنفسهم. فكلهم ينادون بالمادية الديالكتيكية ولكن البعض منهم يضعون النبرة على “المادية” فيما البعض الآخر وهم الذين يحاولون أن يتعقوا الماركسية من رواسب العصر الذي نشأت فيه، مثل فوجرولاس ولافايفر يضعون النبرة على “الديالكتيكية” التي وحدها تحفظ للإنسان طابعه الخلاق. هذا الخلاف يُظهر لنا التناقض القائم في الفكر الماركسي نفسه من جراء تأليه المادة.

ولكن هذا التناقض ليس خطأ منطقياً وحسب. إنه، كما بين إتيان بورن، طعن في الصميم للعنصر الإيجابي الذي أتت به الماركسية. لقد شاء ماركس، وهذا ما جعله أحد قادة العصور الحديثة، ابراز الإنسان، إيجاد فلسفة مركزة عليه، وبالفعل عظم الإنسان إذ أظهره متجاوزاً بعمله الطبيعة رغم تجذره فيها، متفوقاً عليها ومتحرراً من ضغطها. وإذا به من جهة أخرى يجعل من سيد الطبيعة هذا، من هذا البروميتيوس المتعالي على المادة، مجرد نتيجة وانعكاس للمادة. وإذا بتلك الفلسفة المركزة على الطبيعة تتنكر لما أراده ماركس من بناء فلسفة مركزة على الإنسان. لذا كتب بورن بحق: “إن البروز البروميتي للإنسان، الذي وصفه ماركس، والذي نجد فيه روح العصور الحديثة، لا يتفق ومذهب المادية الطبيعية الذي يقود لا محالة إلى ضياع بروميتيوس”.

ب – تأليه التاريخ:

وما يقال عن المادة يقال عن التاريخ الذي هو في جوهره، بنظر الماركسي، تاريخ مادي، جوهر تطور الأوضاع الاقتصادية التي توجد بدورها نظماً اجتماعية وسياسية وحقوقاً وفنوناً وفلسفات وأدياناً. وهذا ما يدعى بالمادية التاريخية. هذا التاريخ المادي، يقول الماركسيون أن له بحد ذاته معنى وأنه يسير في اتجاه يقوده من حالة إلى حالة أرقى في تقدم مستمر. ولكن من أين للتاريخ هذا المعنى وهذا الاتجاه إذا كان مجرد مجموعة تفاعلات مادية؟ فكرة معنى التاريخ فكرة ادخلتها إلى العالم اليهودية والمسيحية من بعدها وقد وصلت إلى ماركس من خلال هيغل الذي أعطى للتاريخ معنى بالنسبة إلى الفكر الذي يتحقق به تدريجياً. ولكن ماركس جعل هذا المعنى في الأشياء نفسها كأن هناك معنى خارج الفكر. في النظرة اليهودية والمسيحية إلى التاريخ، يتخذ التاريخ معنى لأنه تاريخ مقاصد الله، تاريخ نواياه الخلاصية بالنسبة للكون والإنسان.

ولكن ماركس، وقد رفض الله، لم يعد بوسعه إلا أن يؤله التاريخ، أن يعطي هذا التاريخ المادي معنى بحد ذاته وأن يجعل له غاية ومقصداً، وهذا تناقض صارخ إذ أنى للمادة الغاشمة أن يكون لها بحد ذاتها غاية ومقصد. لقد كتب بردياييف: “إن تناقض الماركسية الأكبر قد يكون أنها تنسب للتاريخ غاية وطابعاً عقلياً ومعنى سوف يتحقق في المجتمع المستقبل. من الواضح أن هذا النظرية استمدت من هيغل ولكنها كان تبرر عنده باعتباره أن التاريخ مؤسس على فكر شامل، على عقل. ولكن لا يمكن تبريرها بأي شكل في تفسير مادي للتاريخ. لماذا يجب أن تقود المادة… إلى انتصار المعنى وليس إلى انتصار اللا معنى؟ على ما يستند هذا التفاؤل؟ إن نظرية كهذه لا تجد لها مكاناً في الماركسية إلى لأن هذه الأخيرة تنسب للمادة عقلاً ومعنى وحرية ونشاطاً خلاقاً. ولكن ذلك يعني أن الفلسفة الماركسية ليس مادية وأن تسميتها مادية هو بداهة اغتصاب للألفاظ…”.

ويقول الفيلسوف نفسه في مكان آخر: “إن التفاؤل التاريخي الماركسي هو شكل معلمن للإيمان المسياني”.

ولكن تأليه التاريخ في الماركسية لا يتجلى بإعطاء التاريخ معنى وغاية بحد ذاته وحسب ولكنه يتعدى ذلك إلى إضفاء صفة الإطلاق على التاريخ. فالتاريخ بنظر الماركسيين مطلق كالله بنظر المؤمن، ولذا فكل شيء يسخر له ويضحى على مذبحه، مما قد أدى إلى تناقضات ومآزق خطيرة.

تسخير الأخلاق للتاريخ:

في العالم القديم، إذا استثنينا الفلسفة الرواقية، كان المبادئ الأخلاقية تطبق ضمن مجتمع محصور ولا تتعداه إلى سائر العلاقات البشرية. هذا ما دعاه برغسون “الأخلاق المغلقة”. فقد كان أرسطو وأفلاطون أنفسهما يعتقدان مثلاً أن العبد يعامل غير معاملة الحر. ولكن المسيحية أعلنت في العالم شمول المبادئ الأخلاقية بتعليمها أن البشر كلهم أخوة في آب واحد وأن كل إنسان، أياً كانت قوميته أو فئته الاجتماعية أو عقيدته، يحمل في ذاته صورة الله: “لا يهودي ولا يوناني، لا عبد ولا حر، لا بربري ولا اسكيتي إلخ….” وأن محبة الأعداء أنفسهم واجبة. ومع أن المسيحيين كثيراً ما ناقضوا بتصرفهم هذه الأسس، فاضطهدوا من لم يشاركهم في العقيدة، إلا أن مبدأ الشمول الأخلاقي الذي نادت به المسيحية طبع الحضارة والفكر. لقد بين برغسون كيف نشأت هكذا فكرة “جمهورية شاملة تجمع الناس قاطبة عوض تلك التي كانت تقف عند حدود المدينة ولا تمتد في المدينة نفسها إلا إلى الرجال الأحرار” وأضاف قائلاً: “يبدو لنا أن… هذا الانتقال من المنغلق إلى المنفتح نتج عن المسيحية…”.

لقد بينت الماركسية بحف رياء البورجوازية الرأسمالية تجاه مبدأ الشمول الأخلاقي هذا. فمن جهة تنادي به ومن جهة أخرى لا تعمل به إلا ضمن حدود مصالحها الطبقية. فمثلاً تنصب نفسها مدافعة عن الحرية العامة ولكنها لا تتمسك بالفعل إلا بحرية استغلالها للكادحين. تنادي بشمول خلقي ولكنها تمارس أخلاقاً طبقية وهكذ1ا تستعمل مبدأ الشمول الخلقي كحيلة لتخدير الذين تستغلهم وتحويلهم عن النضال في سبيل حقوقهم. ترفض الماركسية هذا الرياء وتجاهر بما تمارسه البورجوازية دون مجاهرة به: إي يرفض الشمول الخلقي، في المرحلة الحاضرة من التاريخ، وتبني أخلاق طبقية.

ولكن رفض الماركسية هذا للشمول الخلقي مرتبط ارتباطاً وثيقاً برفضها لله. لم يعد الإنسان بنظرها كائناً على صورة الله بل أصبح وليد الظروف الاقتصادية والاجتماعية. لذا لم ترد أن ترى الإنسان وراء الطبقة فنادت بأخلاق طبقية. لقد أصبح العالم بنظرها وكأنه مقسوم إلى عالمين: عالم الشر وهو البورجوازية وعالم الخير وهو عالم الكادحين، لذا اعتبرت اخلاقياً كل ما يخدم الطبقة العاملة في نضالها ويؤول إلى تحطيم “الشيطان” البورجوازي: فالخداع والتعذيب و”الإرهاب الثوري”، مثلاً أسلحة يجب استعمالها في النضال. لقد كتب لينين صراحة في هذا الموضوع: “في نظر الشيوعي، يعتبر أخلاقياً كل ما هو في مصلحة الثورة العمالية، وغير أخلاقي كل ما يعارضها… إن أخلاقنا خاضعة تماماً لمصالح حرب الطبقات التي يخوضها البروليتاريا…”

وبعبارة أخرى، فالأخلاق هي ما يسير في مجرى التاريخ، هذا التاريخ الذي غايته بناء المجتمع الشيوعي. التاريخ وحده مقياس الأخلاق. لقد كتب لينين أيضاً: “يجب أن نكون مستعدين لكل التضحيات، يجب، إذا اقتضى الأمر، أن نستخدم كل الخداعات، والحيلة والوسائل غير الشرعية، يجب أن نكون مصممي على إخفاء الحقيقة، كل ذلك في سبيل التسريب إلى النفايات والبقاء فيها وتتميم المهمة الشيوعية فيها رغم كل شيء”.

إذا كان التاريخ هو المرجع المطلق لكل شيء، فالأخلاق نسبية أساساً ولا يحكم عليها إلا بمقدار مجاراتها للتاريخ الذي يقضي بزوال الرأسمالية وقيام الشيوعية. ولكن الماركسية، هنا أيضاً، لا تنجو من التناقض كما بين بردياييف. ذلك أن ماركس عندما يحكم على النظام الرأسمالي لا يحكم عليه فقط من وجهة نظر التاريخ، أي من جهة كونه نظاماً محكوماً عليه بالزوال. إنه يشجبه بشدة لأنه يستغل الإنسان ويحوله إلى شيء، لقد اعتبر ماركس أن استغلال الإنسان للإنسان وطبقة لطبقة هو الخطيئة الأصلية. وقد جاء الماركسيون من بعده فوبخوا الرأسمالية بشدة لاستغلالها للإنسان. ولكن ذلك إن عنى شيئاً فإنه يعني أن استغلال الإنسان شر خلقي بغض النظر عن التاريخ وسير التاريخ، وأن ماركس يعود من حيث لا يدري إلى الشمول الخلقي الذي أراد تصفيته.

تسخير الحقيقة العلمية للتاريخ:

تدعي الماركسية أنها نظرية علمية مئة بالمئة. ولكن العلم الصحيح يقتضي حرية البحث. أما الماركسية فلكونها جعلت التاريخ المرجع المطلق لكل شيء، فقد جعلته أيضاً مقياس الحقيقة العلمية نفسها. وبما أن الفلسفة الماركسية، والحزب الشيوعي المسؤول عن تفسيرها، يعينان مجرى التاريخ، وجب أن تخضع الحقيقة العلمية للفلسفة الماركسية ولتفسير الحزب لها، هذا التفسير الذي قد يتغير من آونة إلى أخرى. لذا اتخذ الماركسيون مواقف معادية لعدة نظريات علمة حديثة باسم مبادئهم الفلسفية: ففي الفيزياء عارضوا نظرية Max Planak quanta ونظريات أنشتاين في النسبية ونظرية هيزنبرغ في اللا حتمية وفي علم الفلك عارضوا نظرية تمدد الكون ونظريات فيزياء الفلك عن عمر النجوم لأنها قد تشير إلى ابتداء وانتهاء الكون، وفي علم البيولوجيا تجند ليسنكو ليعارض نظريات مندل في الوراثة لأنها حسب تعبيره “تجعل غير معقولة النظرية المادية في تطور الحياة”، فحاربها ليس بموجب وقائع علمية بل بموجب الخط العسكري الذي رسمه الحزب وبالاستناد إلى سلطة الحزب توصل إلى تصفية أخصامه من العلماء السوفياتيين مما يفسر ما قاله كامو: “…. من أجل جعل الماركسية علمية وتثبيت هذا الوهم الذي يفيدنا في عصر العلم، اقتضى أولاً جعل العلم ماركسياً، بالإرهاب”. وفي علم النفس رفضت الماركسية علم التحليل النفسي الذي وضعته عبقرية فرويد معتبرة إياه بورجوازياً ورجعياً لأنه يؤكد على ذاتية الإنسان.

تخير الإنسان للتاريخ:

ثم أن الماركسية بإضفائها صفة الاطلاق على التاريخ جعلت من الإنسان، فرداً وجماعة، أداة في سبيل تحقيق معنى التاريخ. طالما الإنسان وليد المادة وليس على صورة الله، فمن الطبيعي إذاً أن يعتبر مجرد أداة لتطور المادة الذي يكون التاريخ. هذا ما يتجلى صراحة في مواقف ماركسية مختلفة:

فمثلاً يعتقد الماركسيون أن من الطبيعي لا بل من المشروع أن يسحق التاريخ في تطوره جماعات بشرية بكاملها. لقد كتب أنغلز متوقعاً الحرب العالمية الأولى: “إن الحرب العالمية القادة سوف تزيل عن سطح الأرض لا طبقات وسلالات ملكية رجعية وحسب بل شعوباً رجعية بكاملها. هذا أيضاً جزء من التقدم”.

ولكن الماركسيين لا يبررون سحق التاريخ للرجعيين وحسب، أكانوا سادة أم شعوباً، بل وسحقه للعمال أيضاً. فقد برروا قيام النظام الرأسمالي رغم مظالمه لأنه بنظرهم مرحلة لا بد منها في سير التاريخ ونسبوا له “حقاً تاريخياً”. فقد دافع ماركس عن ريكاردو، الاقتصادي الرأسمالي الإنكليزي، ضد الذين اتهموه بأنه اتخذ الإنتاج غاية بحد ذاته دون الاكتراث بالبشر. وقال انه محق بموقفه هذا وإن هذا هو فضله. وكأنه يقول “ما الأهمية في أن يضحي البشر إذا كان هذا يفيد الإنسانية”. هذا هو القاسم المشترك بين ماركس هيغل: اهمال الإنسان الراهن الذي يحيا ويشقى ويموت في سبيل “الإنسانية”.

لذا برز ماركس باسم التاريخ استلام البورجوازية للحكم، وطلب من الماركسيين أن يساعدوها على الاستيلاء عليه كلما سنحت الفرصة. ولم يتردد ماركس نفسه سنة 1848 بأن يتحالف مع البورجوازية في مقاطعة رينانيا الألمانية ضد العمال والمفكرين اليساريين الذين كانوا يريدون استلام الحكم.

وقد عارض الماركسيون لأول وهلة في روسيا سنة 1917 أن يستلم العمال الحكم، إلى أن بدل لينين رأيه واعتقد ان المرحلة الرأسمالية يمكن تجاوزها في السير نحو الشيوعية. أما في سنة 1905 فكان قد كتب: “إنه رأي رجعي أن يُسعى إلى خلاص الطبقة العاملة عن غير طريق نمو ضخم للرأسمالية”.

وبالمنظار نفسه، لا يعتبر الماركسيون أن التحسن المباشر لأوضاع الطبقة العاملة أمر يستحق الاهتمام بحد ذاته، ذلك “لأن صراع البروليتاريا، بنظرهم، مرحلة في نمو التاريخ الشامل، غايته إقامة شكل جديد وأرقى للمجتمع”. ويعتبرون شراً أن ينال العمال – كما هو حاصل في البلاد السكندينافية مثلاً – شروط حياة مرضية، لأن ذلك يوقف مجرة التطور التاريخي الذي هو بنظرهم القيمة المطلقة.

هذا هو تسخير الإنسان للتاريخ في المرحلة التي تسبق استلام الشيوعيين زمام الحكم. ولكن هذا التسخير يبلغ أوجه في فترة الحكم الشيوعي، في الفترة التي يدعوها الماركسيون “ديكتاتورية البروليتاريا”، ذلك أن الحزب الشيوعي هو بنظر الماركسيين تجسيم معنى التاريخ. لذلك فباسم التاريخ يقرر الحزب ما هو صالح، وما هو حقيقي، ويفرض مفاهيمه في الخير والحق بشتى الوسائل. فإذا استلم هذا الحزب الحكم أصبح الإنسان كلياً تحت رحمته، يتصرف به كما يشاء باسم التاريخ وباسم “الإنسانية”. فالإنسان، وقد نزعت عنه صورة الله، لم يعد له، في نظر الماركسيين، كرامة بحد ذاته. إنما كرامته تأتيه من انسجامه مع خط الحزب الذي هو خط التاريخ. فالمنضون تحت لواء الحزب يستحقون الاحترام اللائق بالإنسان. “أما الذين عن مصلحة أو عن جهل، أو بحكم التاريخ، أو لأسباب فلسفية ودينية، لم ينضموا إلى معسكر الثورة الماركسية”، هؤلاء لا يجوز لهم أن يطالبوا بكرامتهم الإنسانية إذا حوكموا أمام “محكمة الشعب”. فالوسائل الإرهابية التي تعتبر شرً إذا استعملها النازيون أو الفاشيون تعتبر مشروعة إذا اقتضاها بناء أو تدعيم المجتمع الاشتراكي. لقد كتب بيغو في هذا الموضوع: “حسبما تكون في خط الحزب أو لا تكون، أنت مجرم أو بريء، تستحق الحكم عليك أو لا تستحقه. الإنسان الذي هو خصم الحزب، الإنسان الذي لم يضع نفسه في خط الحزب المعين، هذا الإنسان ليس له أي حق من الحقوق. إنه شيء وليس ذات”.

لقد كتب المفكر الفرنسي البير بيفين: “إن الإرهاب المفروض باسم الإنسان هو الأقسى. إنه الإرهاب الحقيقي، ذاك الذي يضحي بالحياة من أجل فكرة مجردة، وبعد أن يعطي تحديداً للإنسان، أياً كان هذا التحديد (تحديد غوبلز مثلاً أو تحديد ماركس)، ينكر على البشر الذين لا ينطبق عليهم تحديده الصفة الإنسانية”.

ولكن تسخير الإنسان هذا من قبيل الحزب الحاكم لا يشمل فقط أعداء الشيوعية، أياً كانت نواياهم، إنما يشمل أيضاً جماهير الكادحين وأعضاء الحزب أنفسهم.

فمن جهة جماهير الكادحين، لا يتراجع الحزب الحاكم عن اخضاع هؤلاء لشروط حياة جائرة من أجل تعجيل بناء الاشتراكية. إنه يضحي بعمال اليوم من أجل الاشتراكية الغد. هذا ما جرى مثلاً عندما أراد الحزب الشيوعي في روسيا أن يبني الاشتراكية في بلاد لم تزل زراعية في الأساس: “لقد أوجدت هذه الضرورة التاريخية أمراً لا يفقه على الصعيد النظري ألا وهو أن دولة شيوعية وجدت ذاتها مضطرة إلى أن تخضع العمال، وهو نظرياً سادة المجتمع الوحيدون” إلى نظام استغلال ومجاعة واشغال شاقة اضطرارية لا يقل بشيء عن أسوأ ظلم رأسمالي في بداية القرن التاسع عشر”. والحزب يفرض على العمال، لأنه يجسم معنى التاريخ، ما يجب أن يسعوا إليه، حسب قول ماركس: “ما يتصوره هذا أو ذاك من العمال، وحتى البروليتاريا قاطبة، إنه هدفه، لا أهمية له”.

أم عضو الحزب فعليه أن يخضع خضوعاً أعمى للحزب لأن الحزب يجسم معنى التاريخ. هذا يعني أن عليه أن يرضخ دون اعتراض للتفسير الرسمي الذي يعطيه الحزب للماركسية مع أن هذا التفسير يتغير من زمن إلى آخر، فقد كان مثلاً ماركسياً – لينينياً ثم أصبح ماركسياً – لينينياً – ستالينياً – ثم عاد بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي ماركسياً – لينيناً فقط وهي في الصين ماركسي – لينين – ماوتسي تونغي. ويقبل الماركسي عادة أن يتخلى عن تفكيره الخاص وأن يسكت احتجاج عقله وضميره ليخضع كلياً لخط الحزب. وإن أبى إلا أن يبدي معارضته، اعتبر منحرفاً وأقصي عن الحزب، كما جرى لـ Lefebore وهو من ألمع المفكرين الشيوعيين المعاصرين، وفي العهد الستاليني لم يكن يكتفي بإقصائه بل كان يحاكم كخائن وعميل ويعدم، مهما كان اخلاصه للشيوعية، لأنه “موضوعياً” خائن بانحرافه عن خط الحزب.

وكان يطلب منه عند ذاك أن يقر بخيانته ويعترف ليس فقط بأعماله بل وحتى بأفكاره المعتبرة مجرمة. وكان الكثيرون ينزلون عند هذا الطلب بتأثير الضغط البوليسي عليهم من جهة ومن جهة أخرى لاقتناعهم أنهم مجرمون “موضوعياً” لمخالفتهم خط الحزب. هكذا صفى ستالين، من سنة 1936 إلى سنة 1938 خاصة، مؤسسي الشيوعية الروسية ورفاق لينين كزينوفييف وكامينتف والمارشال توكاتشيفسكي قائد الجيش الأحمر وريكوف وبوخارين وغيرهم وأرسل من اغتال تروتسكي بعدما نفاه من روسيا، إلى أن أظهر المؤتمر العشرون تعسفه ومظالمه، فبدل الشيوعيون موقفهم منه بقرار من الحزب واعتبروه طاغية بعد أن كان المؤتمر الثامن عشر قد حيا باقتراح من جدانوف “عبقرية ودماغ وقلب الحزب البولشفيكي والشعب السوفياتي قاطبة ولك الإنسانية التقدمية، ستاليننا”. وبعد أن كان بتوجيه الحزب يسمى “أبا الشعوب العبقري” ويعتبر قطباً ليس في السياسة وحسب بل وفي شؤون الحرب وفي الفلسفة وحتى في علم اللغات.

لدينا شهادة سوفياتية مؤثرة عن ذلك العهد الرهيب نشرت ترجمتها مؤخرً باللغة الفرنسية، وهي لعضوة في الحزب الشيوعي أعيد لها الاعتبار في عهد خروتشوف بعد ما عانت بسبب “حملات التطهير الستالينية سبعة عشر عاماً من السجون الرهيبة والأشغال الشاقة في سبيريا.

ورب قائل يقول إن تلك الأوضاع اللاإنسانية نشأت عن الظروف الدقيقة التي كان يمر بها الاتحاد السوفياتي، على الصعيدين الداخلي والخارجي، ولكن هذا الاعتبار، فضلاً عن أنه لا يكفي اطلاقاً لتبرير ما حدث يصطدم بواقع اشتداد الدكتاتورية الستالينية بعد الانتصار على النازية. ويقال أيضاً أن تلك الدكتاتورية كان مجرد انحراف وقتي، وهذا صحيح إلى حد ما، غير أن انحرافاً كهذا كان نتيجة قصوى، ولكنها منطقية، لنظرية لا تقيم وزناً للشخص الإنساني إلا بقدر انسجامه مع الحزب، مفسر سير التاريخ وقائده، وبالتالي مع من يدعي تمثيل ذلك الحزب.

وهكذا “فكل اختلاف في الرأي، في أي المجالات، بين عضو الحزب ونظرية الحزب الرسمية، يعتبر خيانة حقيقية”. زد على ذلك أن فشل عضو الحزب في مهمة ما يعتبر ذنباً: “إذا فشل ماركسي في السياسة أو التقنية أو الفن، فهذا يعني…. إنه مذنب. لقد اتهم أحد كبار الضباط في الاتحاد السوفيتي بالانحراف المنشفي وحكم عليه، فقط لأنه كان قد أبدى رأيه لصالح نوع من الطائرات ظهر عند التجربة أدنى من نوع آخر”. وهكذا أصبح الحزب الذي وجد في الأساس لخدمة الإنسان صنماً يسحق الإنسان باسم التاريخ. لقد تناست الماركسية حسب قول الكاتب اندره مالرو: “إن الأحزاب وجدت من أجل الناس، لا الناس من أجل الأحزاب”.

لقد ادعى ماركس أنه يريد تحرير الإنسان من عبودية الله. ولكن الماركسية بطردها الله “أعطت ذاتها سيداً أقسى من سيد التاريخ وهو التاريخ نفسه”. لم يعد الإنسان في هذا المنظار “سوى فحم يلقى في قاطرة التاريخ”، سوى حلقة في الصيرورة التاريخية وأداة لها. لقد ضاعت حرية الإنسان في عبودية التاريخ.

إن الحرية كتعبير عن استقلال الإنسان تجاه تسلط المجتمع والدولة لم تكن قد اكتشفت بكل عمقها في العالم الاغريقي والروماني. فالناس كانوا عند ذاك على دين قبيلتهم أو أمتهم أو دولتهم. “إن حرية الفكر هي في الأساس مكسب يدين به العالم للشهداء المسيحيين الذي رفضوا أن يقدموا الاكرام الإلهي لقيصر”. ولذا كان الإعلان حق الإنسان بحرية الفكر عند الثورة الفرنسية مصدر مسيحي.

فضل المسيحية هذا في إطلاق حرية الإنسان من قيود مجتمع وكون كان يؤلهما الأقدمون، بينه أيضاً المفكر الماركسي الفرنسي المعاصر غارودي إذ كتب:

“في المفهوم الاغريقي الكلاسيكي للإنسان كان…. الإنسان مندمجاً في الطبيعة والمجتمع كأنه أحد أعضائهما أو أجزائهما. بالمسيحية… ظهر موقف جديد للإنسان تجاه الكون، موقفاً يختلف جذرياً عن الموقف الاغريقي: وجود الإنسان لم يعد يعني أن يتخذ مكانه في الكون كأنه أحد أجزائه، إنه بالعكس، أن يتحرر الإنسان من طبيعته ومن ماضيه بالنعمة الإلهية المعلنة بالمسيح، أن يتحرر من أجل حياة مكونة من قرارات حرة….”.

إلا أن الحرية التي كشفتها المسيحية للإنسان “لقد اشتريتم بثمن، فلا تصيروا عبيداً للناس” لها بعد أخوي، جماعي، لأنها حرية الحب: “يجب ألا يسعى الإنسان إلى الحرية من أجل ذاته وحسب. الحرية من أجل الذات، أحبها كل طغاة العالم. على الإنسان أن يسعى إلى الحرية من أجل الآخرين، من أجل اخوته البشر”.

إن المجتمع الرأسمالي خان المفهوم المسيحي للحرية إذ أعطاها معنى فردياً وطبقياً. فقد نادى بالحرية ولكنها بالفعل حرية طبقة دون أخرى. فما معنى الحرية بالنسبة للعامل إذا كان تحت رحمة المستثمر ولم يكن بمأمن من العوز والجوع، في ظرف كهذا “العامل حر ولكنه لا يستطيع أن يحقق حريته، أن يستفيد منها، فتبقى شكلية… في الديموقراطيات الرأسمالية، تكون الحرية أحياناً وهمية بالنسبة لطبقة كاملة من المجتمع”.

المشكلة كما رآها بردياييف هي مشكلة “جمع الخبز والحرية. كيف يمكن اطعام الناس دون انتزاع الحرية منهم؟ في النظام الرأسمالي، تؤكد الديموقراطيات حرية شكلية ولكنها لا تعطي خبزاً. ومن جهة أخرى نجد تجربة المفتش الأكبر عند دوستويفسكي: إعطاء الخبز للإنسان مع انتزاع الحرية منه”.

لقد تصدى الشيوعيون بحق للحرية الزائفة التي وجدوها في العالم الرأسمالي ولكنهم سقطوا في التجربة المعاكسة محققين نبوءة دوستويفسكي. لأنه نزعوا عن الإنسان صورة الله واستعبدوه للتاريخ، اعتقدوا أنه بوسعهم أن ينتزعوا في الحاضر من الإنسان حريته لكي يحققوا فيما بعد حرية الإنسانية. لقد كتب كامو بهذا الخصوص أن الشيوعية “في أعمق مبادئها تهدف إلى تحرير كل البشر باستعبادهم كلهم وقتياً”. وأيضاً: “يجب قتل كل حرية لامتلاك التسلط وهذا التسلط سيصبح يوماً الحرية”. “قتل كل حرية”: هذا هو الأمر الخطير. إن الحريات السياسية والاقتصادية ثانوية وقد شوهت في المجتمعات الرأسمالية، لذا قد يقضي الأمر ايقافها أحياناً من أجل بناء مجتمع عادل، ولكن حرية الفكر جوهرية لأنها من العناصر الأساسية في إنسانية الإنسان المخلوق على صورة الله. يقول بردياييف: “إن دكتاتورية سياسية وخاصة اقتصادية، هي أحياناً أهون الشرين وقد تصبح لا بد منها. ولكن مالا يمكن تبريره في حال من الأحوال، هو ديكتاتورية روحية وفكرية، دكتاتورية على الفكر والمعتقدات….”.

هذه الدكتاتورية تشكل كما بين أتيان بورن، نكوصاً إلى الأوضاع القديمة التي تجاوزها التاريخ بتأثير الخميرة المسيحية، تلك الأوضاع الذي كان فيها الإنسان الفرد مستعبداً لمجتمع مؤله. إنها باستعبادها الضمائر لعقيدة معينة، هي عقيدة الحزب، تشكل تراجعاً عن مبداً علمنة الدولة، هذا المكسب الحضاري الذي أوجدته المسيحية بتمييزها بين ملكوت الله وملكوت قيصر، بنزعها عن المجتمع صفة المقياس المطلق للحقيقة لتجعلها في الله وحده.

رأينا الماركسية تستوحي في الأساس دعوة بروميتوس التحررية. ولكن ماذا كان مصير بروميتيوس الجديد هذا؟ إن كامو يوضح لنا بصور معبرة في كتابه “الإنسان المتمرد”. يقول: “حول بروميتيوس وجهه بازدراء عن زفس، هاتفاً بحقده على الآلهة وحبه للإنسان، ثم اتى نحو البشر ليقودهم إلى غزو السماء.  ولكن البشر ضعفاء وجبناء، يقتضي تنظيمهم…. وهكذا أصبح بروميتيوس بدوره سيداً فعلم أولاً ثم أمر. ولكن الصراع طال أمده وأصبح مرهقاً. فشك البشر بأن يصلوا إلى مدينة الشمس وحتى بوجود هذه المدينة.

فاقتضى انقاذهم من أنفسهم. فقال لهم البطل عند ذاك أنه يعرف المدينة، وأنه يعرفها وحده. فالذين شكوا بذلك أُلقوا في الصحراء، سُمروا على صخرة، قُدموا طعاماً للطيور الكاسرة. أما الباقون فقد ساروا في الظلمات وراء السيد المنفرد، السابح في أفكاره. لقد أصبح بروميتيوس وحده ألهاً يملك على عزلة الناس. ولكنه لم يأخذ من زفس سوى عزلته وقسوته، لم يعد بروميتيوس، إنما هو قيصر”. لقد كتب بردياييف بهذا الموضوع: “لقد خنق الإنسان باسم الإنسان وحصرت إمكاناته الحيوية… هذا يعود لكون الحاضر يعتبر فقط وسيلة لخلق المستقبل. القيمة الذاتية للحياة الإنسانية الحاضرة أنكرت”.

كيف استعبد هكذا الإنسان باسم الإنسان؟ من الجائز أن تنسب مسؤولية ذلك إلى الماركسية وحدها. لقد كتب كامو: “إن نبتة كهذه لم يكن ممكناً أن تبرز إلى على أديم كثيف من المظالم المتراكمة. لقد نشأت الماركسية من مشهد جرائم الرأسمالية، من إذلالها للإنسان، من الشقاء المرير الذي أوجدته، من الأزمات والحروب التي قادت إليها، من عنفها المتستر وراء الشرعية. لقد كتب الشيوعي الفرنسي غارودي بحق: “الرأسمالية هي مصدر العنف، بشقاء البطالة وظلم الأزمات التي تنشئها الفوضى الاقتصادية، بالفاشية التي تهيؤها والحروب التي تثيرها”. مما لا شك فيه أن الرأسمالية شوهت صورة الإنسان. لقد كتب بردياييف بهذا المعنى: “إن الرأسمالية، بواسطة قوة المال الهائلة والمغفلة، تسحق الإنسان وتتخذ منه وسيلة لغايات لا إنسانية. إنها لا تسحق الطبقات الكادحة وحسب بل الطبقات السائدة أيضاً لأنها تشوه فيها صورة الإنسان”.

لقد وجدت الماركسية لتعيد إلى الإنسان إنسانيته. فكيف إذاً، إلى جانب مكاسب إنسانية حققتها بلا ريب، شوهت من جهة أخرى صورة الإنسان؟ لماذا هذا القاسم المشترك بينها وبين الرأسمالية رغم نيتها الشريفة بمحاربة الرأسمالية لتحرير الإنسان؟ السبب العميق لهذا القاسم المشترك هو في نظري موقفهما كليهما من الله. فالرأسمالية نبذت الله فعلياً، وإن لم تجاهر بذلك، لأنها ألّهت المال والإنتاج. أم الماركسية فقد أرادت بدورها أن تبني الإنسان ضد الله، على حد تعبير ماركس: “إن الإلحاد هو إبراز الإنسان بواسطة إلغاء الدين…”. ولكن رفض الله هذا انقلب على الإنسان، إذ أقيم عوض الله صنم هو التاريخ سحق الإنسان سحقاً باسم الدين. هذه مأساة الماركسية خاصة، والعلم الحديث عامة. لقد نادى نيتشه بموت الله، ولكن الكاتب الملحد أندره مالرو بين أن موت الله تبعه موت الإنسان، لقد قال بردياييف بحق: “إن كرامة الإنسان تفترض وجود الله” وأيضاً “إن إنكار الله يجر معه إنكار الإنسان”.

إن إرادة الإنسان الحديث الاكتفاء بذاته دون الله، تنقلب عليه. ولذا كتب بورن بحق: “إن الماركسية تتمم، إذا شئتم، مركزية الإنسان الحديثة بجعلها من الإنسانية نوعاً من الجسد السري بدون الله يبرر التضحيات كلها، ولكنها عكس مركزية الإنسان لأنها تحدر الشخص إلى منزلة أداة ووسيلة”.

3 – الماركسية عاجزة عن حل مشكلة الإنسان بمعزل عن الله:

ولكن إن تغاضينا عن استهتار الماركسية بالإنسان الحاضر ونظرنا إلى إنسان المستقبل الذي تتجه الماركسية بكل أبصارها وبك قواها إليه، فهل يا ترى نراها تؤمن له هذا التحقيق الكلية لذاته الذي جعلت الماركسية رفض الله شرطاً من شروط الوصول إليه؟ هذا التحقيق الكلي للذات الذي يقول عنه ماركس أنه “الاستملاك الحقيقي للجوهر الإنساني من قبل الإنسان ومن أجل الإنسان”.

لقد بين بردياييف أن النظام الاجتماعي الأمثل الذي تسعى إليه الماركسية قادر أن يزيل العناصر الخارجية من المأساة الإنسانية لا أن يزيل عناصرها الداخلية لا بل إنه يزيد هذه العناصر حدة: “ليست الماركسية مثالية خيالية على الصعيد الاجتماعي، لأن خبرة تحقيق الماركسية في الحياة الاجتماعية ممكنة. ولكن الماركسية مثالية خيالية على الصعيد الروحي… تدعي أنها تلبي حاجات النفس البشرية لأنها تعتقد أن بوسعها أن تتغلب على مأساة الحياة الإنسانية… بالتنظيم الاجتماعي الخارجي…

“ولكن الواقع أن عكس ما يؤكده الماركسيون وما ينتظرونه هو الصحيح. إن نظاماً اجتماعياً أعدل وأكمل من شانه أن يزيد من حدة مأساة الحياة الإنسانية، لا على الصعيد الخارجي بل على الصعيد الداخلي. في الماضي كان أزمات مأساوية تنتج عن الفقر وفقدان موارد العيش، عن الأهواء الطبقية، عن النظام الاجتماعي الظالم والذل، عن فقدان الحرية…. إن المصادر الخارجية للمآسي يمكن أن تزال بفضل زوال الأهواء الاجتماعية السالفة. ولكن الإنسان سوف يكتشف، عند ذاك بالضبط، مأساة الحياة بشكلها الخالص”، تلك المأساة الداخلية الملازمة لوجود الإنسان التي كانت العوامل الخارجية تخفيها حتى ذلك الحين. إننا نرى بوادر ذلك في بلاد عم فيها الرخاء كل طبقات الشعب وهي البلاد السكندنافية.

أن السأم واليأس منتشران في تلك البلاد الي كان المفروض فيها أن تكون فردوساً أرضياً. منذ أمد غير بعيد نشرة الصحف خبراً مفاده أن الشبان في السويد أخذوا يستعملون بعض المواد الصيدلية كمخدرات، حتى أنه اقتضى حظر بيعها. والمعروف أن مدينة كوبنهاغن تبلغ رقماً قياسياً في الانتحارات. بنظر بردياييف “سوف يشتد كثيراً، في ظل نظام اشتراكي، طابع المأساة الذي تتصف به الحياة الإنسانية” ذلك لأن الصراع الاجتماعي الذي يحول الإنسان عن التفكير في مصيره وفي معنى وجوده يكون قد خمد، فلا بد عند ذاك للإنسان أن يجابه مأساة الموت، مأساة محدودية كل شيء في هذا الوجود”.

سيجد الإنسان نفسه أمام الموت، هذا ما كان يراود فكر أندره مالرو في المرحلة التي كان فيها متحمساً للشيوعية متعاوناً معها إلى أبعد الحدود. ففي تصريح له لمجلة Monde في 18 تشرين الأول 1930، قال: “طبيعي أنه يجب الانتصار أولاً. ولكن يبقى هذا التساؤل: ألن يجد الإنسان نفسه بعد النصر أمام موته وما هو ربما أشد خطورة، أمام الموت الذين يحبهم”. والموت عدو الإنسان الأكبر لأنه إذا عنى الفناء – كما يعني للماركسيين – فإنه لا يضع حداً لحياة الإنسان وحسب بل يحكم عليها كلها باللا معنى.

لأن كل لحظة من لحظات حياتي، حتى أكثفها وأغناها، إنا هي “ظل ومنام” إن كان محكوماً عليها أن تصب في العدم. هذا ما أدركه الفكر الحديث بحدة وخاصة الوجودي منه. فقد حدد الفيلسوف الوجودي هيدجر الوجود الإنساني بأنه “وجود من أجل الموت”. وقد كتبت سيمون دي بوفوار: “لكي تكون الحياة جديرة بالاهتمام، ينبغي كل عتبة موجودة فقط لتقود إلى العتبة التالية… أما إذا انهار كل شيء عندما يصل المرء إلى القمة، فيصبح الكل لا معنى له منذ المنطلق”.

وكتب غبريال مارسيل في الموضوع عينه:

“الزمن كمنفذ إلى الموت – إلى موتي – إلى هلاكي.

الزمن – الهاوية؛ دوار يعتريني أمام هذا الزمن الذي يجثم موتي في أعماقه ويجذبني إليه”.

وهناك خبرة قد تكون أعمق وأقسى من الجزع أما فكرة الموت الشخصي (الذي لا يمكن للإنسان أن يتصوره حقيقة)، ألا وهي خبرة موت المحبوب، تلك الخبرة التي تناقض في الصميم جوهر الحب الذي أوضحه غبريال مارسيل بقوله: “أن نحب كائناً هو أن نقول: أنت لن تموت”. لذا كتب هذا الفيلسوف: “كيف يمكن أن نجابه عثرة موت الكائن المحبوب؟ إلا إذا بنينا عالماً تسوده التقنية وتنفى منه العلاقات بين شخص وشخص”.

ولنا في احدى رسائل ماركس شهادة بأنه عانى هذه الخبرة بألم مرير: “عندما فقد ماركس، في الثلاث سنين الأولى التي قضاها في لندن، ثلاثة من أولاده كتب لانغلز ضابطاً مشاعره:

“يقول باكون أن الناس المهمين بالفعل لهم مع الطبيعة والكون علاقات كثيرة بهذا المقدار…. حتى أنهم يتعزون بسهولة عن أية خسارة اعترتهم. لست من هؤلاء الناس المهمين. إن موت ولدي ألم بي عميقاً بهذا المقدار حتى إنني لا أزال أشعر بمرارة فقده كما في اليوم الأول”.

مشكلة الموت هي في صميم جزع الإنسان الحديث وما التهافت النهم على أحاسيس الجسد سوى وسيلة فاشلة في الصميم لدره هذا الجزع وابعاد شبح الموت.

بالطبع لقد وجدت هذه المشكلة مع وجود الإنسان. إلا انها اتخذت في عصرنا حدة خاصة. هذا يعود أولاً لكون الإنسان الحديث اثبت انتصاره على الطبيعة ولذا يبدو له الموت ناقضاً لا يحتمل لهذا الانتصار: “لقد قهرنا الفضاء وبدت مملكتنا لا حدود لها. بقي الضياع في الزمن، لا يطاق بمقدار ما هو باق وحده”.

أما السبب الثاني فهو أن الإنسان الحديث، بقدر رفضه لله، أصبح وحيداً لا رجاء له أمام الموت، كما كتب مالرو: “من أجل افناء الله وبعد افنائه، أباد الفكر الأوروبي كل ما كان من شأنه أن يعارض الإنسان. ولكنه في غاية جهوده… لم يجد سوى الموت”.

أما الماركسية فإنها تتجاهل المشكلة. بنظرها يكفي لإعطاء حياة الإنسان معنى كونه يعمل من أجل الإنسانية. ولكن “الإنسانية” بحد ذاتها فكرة مجردة. لا وجود “للإنسانية” خارج البشر الإفراد. “الإنسانية” يحملها الإنسان الراهن ويحققها فيه. لا خلاص “للإنسانية” إذا كان البشر الذين يؤلفونها يموتون كلهم. في كل إنسان تموت “الإنسانية”. هذا ما تعبر عنه بشكل مؤثر رسالة كتبها فيزيائي شاب غير مسيحي في أيار 1963 قال: “سوف يخيل إنني طيلة حيات جاهدت من أجل “خلاص العالم”. ولكنني أكون بالواقع قد شغلت نفسي وحاولت أن أملأ الفراغ. لا خلاص للعالم بدون خلاص الفرد، لا خلاص للفرد دون التغلب على الموت”.

لم يتعرض ماركس لمشكلة الموت إلا مرة واحده في انتاجه الضخم، فكتب: “يبدو الموت انتصاراً قاسياً للنوع على الفرد، فكأنه يناقض الوحدة بينهما، ولكن فرداً معيناً ليس سوى جزء معين من النوع وبهذه الصفة هو مائت”. إن الخفة الغريبة التي يعالج بها ماركس هذا الموضوع الأساسي تخفي ارتباكاً أمام هذه المشكلة التي لا قدرة للماركسية على حلها. لقد بشر ماركس بمصالحة الإنسان والطبيعة. لكن الموت ينفي كل مصالحة من هذا النوع. الموت يعني سحق الطبيعة للإنسان، يعني أن الانحلال العضوي قد قضى على فكر الإنسان وقدرته. إنه يعني في النهاية أن الماركسية ليست تمجيداً للإنسان بل للطبيعة التي توجد الإنسان ثم تبيد بإفنائه زهرتها الفضلى، على حد تعبير أنغلز. هذا يعني أن الماركسية ليس في النهاية فلسفة إنسانية كما أرادها ماركس بل فلسفة طبيعية.

هذا ما يقر به بعض الماركسيين، Naville مثلاً الذي يقول إن الماركسيين في الأساس لا يهتمون بالإنسان على قدر اهتمامهم “بالطبيعة الشاملة” وأنهم “يعيدون دمج الإنسان بالطبيعة”. بهذا المعنى يقول نافيل “الماركسية فلسفة طبيعية أكثر مما هي فلسفة إنسانية”. بعبارة أخرى “لا يهمهم الإنسان من حيث هو بل من حيث هو مرحلة معينة من مراحل النمو الشامل”.

هكذا فهذه الفلسفة التي أرادت ابراز الإنسان أضاعت الإنسان وأغرقته في الطبيعة، ذلك أن الإنسان لا يتعالى عن الطبيعة إلا بارتباطه برب الطبيعة ذاك الذي رفضته الماركسية بحجة تحرير الإنسان. ولكن تجاهل الماركسية لمشكلة الموت لا يمكنه أن يدوم، ذلك لأن معنى الموت يعين إلى حد بعيد معنى الحياة. ولذلك اخذت التساؤلات حول هذا الموضوع الشائك تبرز في الأوساط الماركسية نفسها وفي صميم البلاد ذات النظام الشيوعي. فقد كتب جان اونيموس: “في روسيا، من المعلوم منذ زمن بعيد أن “فكرة الموت رجعية” لأنها ترد الفرد إلى ذاته… لكن هنا أيضاً، كان الموت أقوى، ففي المجلة الماركسية الفكر، في كانون الثاني – شباط 1962، لاحظ معلق عودة الجزع الشخصي والأسئلة المحرمة عند الشباب”.

ومن أبرز الدلائل على هذا التحول ما جرى في اللقاء الذي جمع مدة أربعة أيام نحن مائتين مفكر من ماركسيين ومسيحيين في أيار 1967 في مدينة مارينباد في تشيكوسلوفاكيا. فقد خصص أحد الماركسيين التشيكوسلوفاكيين جزءاً كبيراً من كلمته لبحث مشكلة الموت واعترف بأن التفاسير التي تعطي عنها في الماركسية غير مرضية.

وفي حديث أجرته مجلة “الإنباء الكاثوليكية العالمية” مع بعض الشخصيات المسيحية. أدل فرنسوا هوتار بالشهادة التالية: “عندما يتاج للمرء أن تكون له أحاديث شخصية مع غير مؤمنين، مع ماركسيين، فالسؤال المطروح دائماً في النهاية هو قضية معنى الحياة والموت”.

وليس الموت المظهر الوحيد للمأساة الداخلية الملازمة لوجود الإنسان. لو افترضنا أن البشر توصلوا أخيراً إلى التغلب على الموت (هذا مثلاً موضوع مسرحية للمفكر الفرنسي غوستاف تيبون بعنوان “ستصيرون آلهة”)، فمشكلة الإنسان تبقى مع ذلك غير محلولة. ذلك أن “الأبدية” التي يتوق إليها الإنسان ليست استمراراً زمنياً لا نهاية له، إنها التحقيق الكامل لإنسانية الإنسان والتلبية الشافية لتوقه إلى المطلق. لا بل إذا استمرت حياة الإنسان بلا نهاية بما هي عليه من النقص الكياني، تعقدت المشكلة بشكل رهيب عوض أن تحل، لأن الإنسان يبقى، والحالة هذه، في فراغ لا ينتهي يولد فيه سأماً لا يحتمل.

هذا ما بينه المفكر الأرثوذكسي المعاصر بول أفدوكيموف، مستشهداً بأقوال وجودية ملحدة، سيمون دي بوفوار، ووجودي مسحيي، بردياييف: “إن سيمون دي بوفوار، في كتابها كل البشر مائتون، تلتقي ببردياييف وتعبر عن حدس مصيب إذ ترى أن امتداد الحياة البيولوجية إلى ما لا نهاية له لا بد له أن يقود إلى سأم لا متناهي. يمكن الإضافة بأن فظاعة الجحيم كامنة بالضبط في سأم كهذا مخلد. ويرى آباء الكنيسة أن الحياة دون نهاية في الأوضاع الأرضية لا يمكن أن تكون سوى كابوس شيطاني، وإن محبة الله لخليقته تحول دون تخليد هذا الوضع الحياتي الذي ليس هو سوى موت مؤجل”.

فهناك أيضاً مأساة العزلة. إذا ازيلت الحواجز الاجتماعية المصطنعة التي تفصل بين البشر، حينئذ سيكشف الإنسان أن الحاجز الأساسي الفاصل بينه وبين الآخر قائم في قلبه وأن الحواجز الخارجية كانت، إلى حد بعيد، تعبيراً عن هذا الحاجز الروحي. عند ذاك ستنكشف مثلاً، كما بين بردياييف، مأساة الحب بوجهها الخالص. إن الحواجز الاجتماعية قضت على حب روميو وجوليت. هذه الحواجز يمكن إزالتها ويجب أن تزول، ولكن الصراع سوف ينتقل عند ذاك إلى صميم الحب نفسه، إلى الازدواجية الممزقة القائمة فيه بين الانعطاف والهوى، بين التملك والعطاء. ولكم رأينا هذا الصراع يقضي على اتحاد بين رجل وامرأة قام على حب ملتهب كان يبدو لأول وهلة أنه سوف يكون أبدياً. مأساة العزلة هذه يجابهها الإنسان وسوف يجابهها ليس في الحب وحده بل في علاقاته الإنسانية كلها وحتى في علاقاته مع أقرب الناس إليه. وهذا مثل على ذلك.

في تشرين الثاني سنة 1963، قدم أحد أقطاب الحزب الشيوعي الروسي وهو اليتشيف تقريراً شهيراً عرف باسمه يطالب فيه بمضاعفة محاربة الدين ويرسم خطوطاً جديدة لهذه المحاربة. وقد لفت نظري عند قراءتي للتقرير المذكور حدث ذو معنى يرويه اليتشيف، يقول: “إن الذي بنى سابقاً مدينة ليتكارينو قرب موسكو، كتب لاصدقائه الذين شاركوه العمل: لقد تقاعدت منذ ثلاث سنوات. عندما كانت صحتي لم تزل جيدة وكنت أستطيع المشي، كنت اتردد على الشركة Trust… ولكنني منذ بضعة أشهر، انقطعت عن المجيء إليكم ولم يتساءل أحدكم لماذا انقطعت عن المجيء، لم يكترث أحدكم لمعرفة ما أصابني. هذا رغم كوننا عملنا معاً نحو ربع قرن… إنه أمر مرير أن ينسى الإنسان رفاقه في أيام شيخوخته. لقد أفضيت بأفكاري لشيوخ آخرين فأجابوني: الله وحده لا يترك الإنسان ولا يخونه. تعال معنا إلى الكنيسة ولن تبقى وحيداً…”.

هذا الحدث أن عنى شيئاً فإنه يعنى أن تغيير النظم لا يكفي وحده لتغيير قلت الإنسان وإزالة سر الشر منه، هذا السر الذي هو عنه، في الأساس سر الأنانية المنغلقة على ذاتها الرافضة للآخر، المتغربة الطامعة في استعباده. إن استعباد الإنسان لأخيه ممكن حدوثه في ظل أي نظام اجتماعي (وإن شجب الماركسيين للطغيان الستاليني يعني اعترافهم الضمني بأن ذلك الاستعباد يمكن أن يقوم في المجتمع الشيوعي نفسه). ذلك أن ضياع الجوهر الإنساني في الإنسان المستعبِد والمستعَبد، ذلك الضياع الذي شهره ماركس، لا يمكن رده إلى الظروف الاقتصادية وحسب، ولكنه يتجذر في صلب الكيان الإنساني: “الإنسان هو ذاك الكائن المنقسم على نفسه… إن الرغبة التي تدفعه نحو الآخر تحوي دون تمييز الاستعباد وعطاء الذات. هذه الحقيقة المأساوية… تلقي ضوءً…. على الأشكال المتعددة التي يتخذها ضياع الجوهر الإنساني في الإنسان وتشملها”.

النظام الاجتماعي، ولم كان مثالياً، لا يكفي وحده لمنع الإنسان من أن يكون ذئباً للإنسان. ولنا في هذا المجال حادثة ذكرتها الصحف وقد جرت في السنوات الأخيرة في بل من أرقى البلدان اجتماعياً في العالم، ألا وهو أسوج. وهذه هي الحادثة التي روتها جريدة “الأوريان” اللبنانية: “كان جمهور ثائر، في ستوكهولم، يصرخ: “اقفز، اقفز، اقفز” لشاب يائس كان عازماً على القاء نفسه من على جسر للسكة الحديدية يبلغ ارتفاعه 38 متراً. قال الشاب للرجال الشرطة الذي اقبلوا لنجدته: “لا أستطيع الآن أن أتراجع. اصغوا إليهم. إنهم يريدون أن أقفز”. استطاع أحد رجال الإطفائية أن يقترب من اليائس وأن يمسك به. إلا أنه استطاع التملص منه وقفز على سطح دكان بائع للأزهار. وقد نقل إلى المستشفى مصاباً بجراح بالغة الخطورة”.

إن الله وحده – ذلك الذي ترفضه الماركسية – قادر أن يشفي عزلة الإنسان وأن يوحد بين الإنسان والإنسان.

لقد كتب بردياييف: “إن ماركس لم يشأ أن يرى مأساة الإنسان الداخلية، لأنه كان منشغلاً بالكلية لا بمشكلة الإنسان بل بمشكلة المجتمع. لم يكن ملتفتاً إلى حياة الإنسان الداخلية بل إلى حياة الجماهير البشرية”.

قد ينشغل الإنسان عن مأساته الداخلية لانهماكه بالسعي وراء اللقمة أو لنضاله في سبيل مجتمع أفضل، ولكن إذا حققت في المجتمع – ويجب أن تحقق – شروط حياة كريمة واطمأن الإنسان على الخبز والعدالة له ولغيره، فعند ذاك لا مفر له م مجابهة ذاته. في ذلك الحين يحشر بين حلين لا ثالث لهما: فإما يخدر وجدانه الذاتي يغرقه في ترف العيش او اندماجه الكلي في الآلة الاجتماعية. هذا كان هدف “المفتش الأكبر” الذي رمز به دوستويفسكي، فيما رمز، إلى الاشتراكية الملحدة، ألا وهو “قيادة البشر… نحو الموت والفناء وخداعهم طول الطريق حتى يكون هؤلاء العميان الذين يستحقون الرثاء سعداء في الطريق على الأقل”. ولكن هذا الحل مرادف لانتحال روحي.

أما الحل الثاني، فهو الجزع، ذلك الجزع الذي لا جواب للماركسية عليه لأنها رفضت العنصر الوحيد للجواب. في تصريح مالرو سنة 1930 المذكور آنفاً، قال: “إذا كان الشعور بالعزلة الإنسانية والمأساة مطموساً عند الشيوعيين الروس، فذلك عائد لكون روسيا، منذ سنة 1918، بلد مجند يدافع عن نفسه”. ولكنه كان يعرف أن مجابهة المأساة لا بد لها بعد النصر وأن “الثورة لا يمكنها أن تنجي الإنسان من جزع الحياة والموت”. وبالفعل، الآن إذ بلغت روسيا قسطاً كبيراً من الاستقرار ومن التحقيقات الاشتراكية، ألا نرى بوادر الجزع تبدو فيها، تتسرب إلى تقرير ايليتشيف وتتجلى في تساؤلات الشباب التي يشبهها الزوار الأجانب بتساؤلات أبطال دوستويفسكي ذلك الكاتب القلق الذي صور مأساة الإنسان في كل اعماقها وأعطاها أبعادها الروحية كلها؟ أليس حدثاً ذا معنى أن تكون “أول طبعة كاملة لمؤلفات دوستويفسكي بعد الثورة قد نفدت في فترة بعد ظهر يوم واحد”.

ضرورة مجابهة جزع الحياة والموت بدت تظهر الآن لبعض المفكرين الماركسيين. هذا تجلى مثلاً في لقاء مارينباد المذكور آنفاً حيث تحدث الأستاذ ماشوفيك من جامعة براغ، ومما قاله: “إن الماركسية، كما هي اليوم لم تحل قضية معنى الحياة الإنسانية”. “وأخذ على الماركسيين استغراقهم في “الأساليب الاقتصادية الصرف” وتقيدهم “بكلمات السر السياسية”. وتابع كلامه يقول: إن مشكلة معنى الحياة الإنسانية لهي المشكلة الرئيسية في ماركسية المستقبل… الماركسية، بعد أن تركها الله، سوف تتقبل، آجلاً أم عاجلاً، ميراث السر الإنساني”.

ولا يزول الجزع في الحالة الأولى التي افترضناها ألا وهي تخدير الحاسة المصيرية عن الإنسان. كل ما هنالك أنه يتحول عن موضوعه الحقيقي، ألا وهو عزلة الإنسان والعدم الذي يتأكل وجوده، فيتبعثر في اهتمامات شتى غير جوهرية. هذا ما صوره باسكال عندما وصف حركة الهروب التي بها يحاول الإنسان أن يغرق ذاته في هموم تلهيه عن مجابهة مأساته الكيانية، وهذا ما صوره هيدغر في عصرنا عندما بين كيف يستعيض الإنسان عن الجزع الأصيل النابع عن عزلته في الكون بمبالغة في القلق حول أمور عرضية، سطحية، فيضيع وجوده الشخصي في وجود مغفل، رتيب، وما أكثر الوسائل التي يجدها الإنسان في العالم الحديث ليهرب من القلق العميق إلى القلق الزائف، فقد يتحرق مثلاً إلى اقتناء سيارة ثم إلى استبدالها بسيارة من نمط أرفع، وقد يقض مضجعه – إذا كان يسكن مدينة كبرى – أمر تدبير مكان يصف فيه سيارته.

لقد صور لنا غبريال مارسيل في كتابه L’Homme problematique الأشكال التي يتخذها هذا الهرب الفاشل من الجزع في كل من الحضارتين الأمريكية والماركسية. ففي الأولى يرتمي الإنسان في حركة دائمة يحاول بها أن ينسى نفسه، وفي الموسيقا الصاخبة وفي تسليم ذاته للمحلل النفسي كما يسلم سيارته للميكانيكي. (ويمكن أن نضيف: في ادمان المخدرات التي تحدثنا الصحف في تلك الآونة عن انتشاره الرهيب في الولايات المتحدة، وفي أعمال العنف التي يقلق انفجارها المسؤولين والمفكرين). وفي الثانية يتحول المرء إلى سلسلة وظائف وكأن قلقه ينحصر في النقد الذاتي الذي يمارسه حول تأديته لدوره كدولاب في آلة التصميم. لقد اتهمت الماركسية الدين بأنه هرب الإنسان أمام مجابهة صعوبات الحياة. هذا صحيح إلى حد ما بالنسبة لبعض الأشكال التي يتخذها التدين. ولكن أليست محاولة طمس الجزع المصيري الذي هو – كما بينت الوجودية المعاصرة – بعد أساسي من أبعاد الإنسان، هي بدورها هرباً وتخديراً؟

هذا الجزع الذي فيه يتجلى في آن واحد شقاء الإنسان وعظمته يعود في النهاية إلى ذلك الصراع في الإنسان بين محدوديته وتوقه إلى اللامحدود. الماركسية بتحقيقاتها الزمنية حرية بأن تبلور هذا الجزع عوض أن تزيله، وليس لإلحادها جواب عليه. الجواب الوحيد كما يقول بردياييف هو بالإيمان المسيحي بالقيامة، ذلك الإيمان بالله وبالقيامة هو قبول السر، ولكن السر وحده يعطي للحياة الإنسانية معنى. هنا نعود إلى رأي الكاتب الملحد البير كامو الذي ذكرناه آنفاً بأن الإنسان لا يسعه إلا أن يختار بين السر واللا معنى.

نقد النقد الماركسي للدين – كوستي بندلي

إله ماركس وإله المسيحيين – النقد الماركسي للدين – كوستي بندلي

إله ماركس وإله المسيحيين – النقد الماركسي للدين – كوستي بندلي

إله ماركس وإله المسيحيين – النقد الماركسي للدين – كوستي بندلي

إله ماركس وإله المسيحيين – كوستي بندلي

مقدمة

الإلحاد الماركسي هو بلا شك أهم مظاهر الألحاد المعاصر. وذلك أولاً بالنظر لامتداده. فإن ثلث الإنسانية، وهي العالم الشيوعي، تنتمي رسمياً إليه، إذ أنه في تلك البلاد “دين الدولة” إذا صح التعبير. ومن الصعب على أي إنسان يحيا هناك أن يكون له مركز هام إن يجاهر بإلحاده. ومن جهة ثانية تعود خطورة الإلحاد الماركسي إلى طابعه “التبشيري”. ففي العالم الشيوعي تقام الشعائر الدينية ولكنها تعتبر مظاهر فولكلورية يتغاضى عن وجودها ريما تزول مع الزمن ولا يسمح للأديان بأي تبشير فيما يسخر التعليم والصحافة والراديو والسينما والتلفزيون في بث الإلحاد، وفيما تقدم اكتشافات العلم وتحقيقاته على أنها ثمار الإلحاد. أما الناحية الثالثة في خطورة الإلحاد الماركسي فهي في كونه يقدم على أنه جزء لا يتجزأ من عقيدة جاهد أصحابها ولا يزالون وبذلوا التضحيات الجمة في سبيل تحرير الإنسان من الاستغلال والاستبداد، لذا فالتجربة الكبرى التي قد تهدد أفضل الناس وأكثرهم مثالية واستعداد للبذل والتضحية هي أن لا يميزوا في الماركسية بين إلحادها من جهة ودعوتها إلى العدالة من جهة أخرى، فيعتنقون الإلحاد لأنه قدم لهم على أنه ملازم لما استهواهم في الماركسية من قيم إنسانية أصيلة.

لن نبحث في هذه الدراسة في الماركسية عامة. إنما سنتوقف عند الإلحاد الذي تدين وتنادي به. سترى أولاً ما هو مفهوم ماركس لله والدين. ثم ننتقل إلى نقد النقد الماركسي للدين محاولين تبيان التناقضات والمآزق التي يقود إليها رفض الله في الماركسية. وأخيراً سوف نتساءل إذا كان الإله الذي رفضه ماركس هو إله الإعلان المسيحي وإذا كان إلحاد ماركس لا يعود، إلى حد ما، إلى تشويه صورة الله في ذهن المسيحيين أنفسهم.

إله ماركس – النقد الماركسي للدين

إن الإلحاد ليس مظهراً جانبياً من مظاهر الماركسية، مظهراً يمكن للمرء أن يتبناه أو يرفضه ويبقى ماركسياً، إنه عنصر أساسي في هذه العقيدة لا بل هو دعامتها كما صرح ماركس نفسه عندما كتب: “إن نقد الدين هو الشرط الأولي لكل نقد….”[1].

ثم أن هذا الإلحاد هو في الأساس رفض الله أكثر مما هو مجرد إنكار لوجوده. هذه صفة مميزة للإلحاد المعاصر الذي قيل عنه أنه ضد الألوهة أكثر مما هو إلحاد. فبينما كان إلحاد القرن الثامن عشر مثلاً ينكر الله لاعتباره وهماً يبدده العقل نرى الإلحاد المعاصر ينبع أساساً عن تصميم في الإرادة، تصميم يقضي بإبعاد الله لكي يوجد الإنسان. لسان حال الإلحاد المعاصر هو: “إذا كان الإنسان إلهاً، فلا يحق لله أن يوجد”. ويصف الفيلسوف المعاصر إتيان بورن هذا النوع من الإلحاد بقوله: “إنه مبدأ أولي أو بالأحرى تصميم أولي، إنه يقول: يجب ألا يكون الله لكي يوجد الإنسان”. نعم إن هذا الإلحاد يحاول بعدئذ أن يتذرع بحجج تؤكد موقفه ولكن من الواضح أن دور هذه الحجج إنما هو تأكيد موقف كياني، حياتي تلعب الإرادة والشعور فيه دوراً أساسياً.

هذا النوع من الإلحاد يبدو لنا في مؤلفات ماركس كتمرد على الله من أجل تأليه الإنسان. إنه واضح بنوع خاص في مؤلفات شبابه. فقد كتب مثلاً سنة 1841 في رسالة الدكتوراه التي حررها في موضوع ديموقريت وأبيقور: “إن الفلسفة، طالما وجدت قطرة دم ينبض بها قلبها المنتصر على الكون، الحر من كل قيد، ستقول لأعدائها مع أبيقور: ليس الكافر من يحتقر آلهة الجمهور، ولكن ذاك الذي يتبنى الأفكار التي يكونها الجمهور عن الآلهة. الفلسفة لا تخفي موقفها هذا. إن إعلان بروميتيوس: مجمل الكلام، إنني أكره كل الآلهة… هو إعلانها، هو خطابها أبداً ضد كل آلهة السماء والأرض الذين لا يعترفون بالوجدان الإنساني كالألوهة لا تقبل بمنافس…”

ويضيف قائلاً: “إن بروميتيوس هو أول قديس وأول شهيد في الروزنامة الفلسفية”.

وإذا تذكرنا أن بروميتيوس هو في الأسطورة اليونانية ذاك الذي اختلس نار الألوهة ليوجد بها الإنسان، وجدنا أن إلحاد ماركس هو في الأساس رفض لإله يتعالى على الإنسان، إنه محاولة لانتزاع الألوهة من الله لوضعها في الإنسان. وهكذا يبقى ماركس متعبداً للألوهة ولكن لا لألوهة مستقلة عن الإنسان (هذا ما يدعوه: الأفكار التي يكونها الجمهور عن الآلهة) بل لألوهة كامنة في الإنسان نفسه. وبعبارة أخرى يرفض ماركس الله لكي يؤله الإنسان.

هذا ما يتضح أيضاً من نصوص أخرى. لقد استوحى ماركس إلحاده جزئياً من الفيلسوف فوورباخ (1804 – 1872). كان هذا الفيلسوف الذي سوف نعود إلى أفكاره بعد قليل قد كتب في مؤلفه “جوهر المسيحية”: “إن نقطة التحول الكبرى في التاريخ ستكون اللحظة التي سيعي فيها الإنسان إن الإله الوحيد هو الإنسان نفسه: (الإنسان هو إله الإنسان)”. أما ماركس فإنه ردد صدى هذا التفكير عندما كتب: “إن نقد الدين يقود إلى هذه العقيدة وهي أن الإنسان هو للإنسان الكائن الأسمى”. وقد عبر ماركس عن الفكرة ذاتها بصور أخرى. فقد قال في الكتاب نفسه أن رفض الدين يجعل محور الإنسان وجذور الإنسان في ذاته عوض أن تكون خارجة عنه: “إن نقد الدين ينقذ الإنسان من الوهم… حتى يتاح له أن يتحرك حول ذاته”. وأيضاً: “الجذرية هي أن يأخذ الإنسان الأشياء من جذورها. ولكن، بالنسبة للإنسان، الجذور هي الإنسان نفسه. إن ما يثبت بداهة جذرية النظرية الألمانية… هو كونها تنطلق من الإلغاء المطلق للدين”.

وفي مكان آخر يعلن ماركس كيف أن رفض الله – في مفهومه شرط ليتحرر الإنسان من كل مرجع لذاته غير ذاته: “أي كائن كان لا يعتبر نفسه مستقلاً إلا إذا كان سيداً لنفسه ولا يكون سيد نفسه إلا إذا كان مديناً لذاته بوجوده.

“إن إنساناً يعيش بنعمة آخر يعتبر نفسه كائناً تابعاً. ولكنني أعيش كلياً بنعمة آخر عندما لا أكون مديناً له باستمرار حياتي وحسب ولكنه أيضاً خالق حياتي وينبوعها. إن حياتي لها بالضرورة أساس كهذا خارج عنها إن لم تكن خلقي أنا”.

هنا يضع ماركس قارئه أمام أحد أمرين، فإن وجود الله بنظره يعني عدم وجود الإنسان، أما عدم وجود الله فيعني وجد الإنسان. ولذا أضاف ماركس: “إن الإلحاد هو إنكار الله وبهذا الإنكار يؤكد وجود الإنسان”.

وهكذا فالإلحاد بالنسبة لماركس شرط للتحرر من التبعية والحصول على الحرية والكرامة اللذين لا وجود إنساني أصيل بدونهما. لذا تحدث ماركس بحماس عن بروميتوس الذي بعد أن قيده زفس على صخرة عقاباً له استمر في تحديه للآلهة، وكتب ما ركس موحداً بينه وبين هذه البطل الأسطوري: “إنني أفضل أن أكون مقيداً بهذه الصخرة على أن أكون خادماً لزفس الأب”.

وإذا تذكرنا، على ضوء تحليل فرويد، أن موقف الإنسان من الله يتأثر بشكل غير واع بموقفه من والده، وأن التمرد على الله في العصر الحديث مرتبط إلى حد ما بالتمرد على سلطة الوالد، قد نرى في تمرد ماركس هذا ضد “زفس الأب” بعض الجذور في النقمة التي قد تكون ساورته على والد يهودي اعتنق المسيحية سعياً دون جدوى وراء مصلحته المادية.

هذا الرفض الكياني لله الذي بدأ منذ شباب ماركس، فيما كان لا يزال معتنقاً المذهب المثالي وقبل أن يصبح مادياً وشيوعياً، حاول هذا الأخير أن يدعمه فيما بعد بنقد فلسفي للدين. لم يشأ في نقده هذه أن يتناول الدين مباشرة بل حاول أن يبين أن للدين جذوراً إنسانية بحتة وأنه إذاً من صنع الإنسان. الدين بالنسبة له مرض. والمرض يداوى بمعالجة أسبابه. لذا حاول ماركس أن يفتش عن الأسباب العميقة لظهور الدين حتى يمكن الإنسان من إزالتها فيزول هكذا الدين بزوالها.

وقد سار في سعيه هذا على نهج الفيلسوف الألماني فوورباخ الذي كان مثله تلميذاً لهيغل. ولكنه حاول أن يذهب في تحليله أبعد من فوورباخ بدراسته الإنسان ليس بحد ذاته بل في الأوضاع الحياتية التي يعيشها من اقتصادية واجتماعية.

لقد علم فوورباخ أن الدين نشأ من كون الإنسان، عندما أخذ يعي العظمة الكامنة فيه، قذف في سماء وهمية صورة هذه العظمة وسماها الله وأخذ يتعبد لها غير عارف أنها مجدر صورة لجوهره الإنساني. وهكذا أفقر الإنسان نفسه من قواها وميزاتها لينسبها إلى إله من صنع خياله، فلم يعد بوسعه أن يحقق الطاقات الكامنة فيه لأنه اعتبرها خارجة عنه، محققة في كائن وهمي. يقول فوورباخ بهذا المعنى: “إن الآلهة هم تحقيق أماني الإنسان” وأيضاً “إن ميزات الجوهر الإلهي هي ميزات الجوهر الإنسان” وأيضاً “ما هو جوهري في تحديد طبيعة الله مستمدة من طبيعة الإنسان. إن الإنسان يجرد من كل ما يعطى لله. يجب أن يفقر الإنسان لكي يغنى الله… يؤكد الإنسان في الله ما ينكره في ذاته”.

وقد تبنى ماركس موقف فوورباخ هذا واعتبر ان الدين هو الشكل الجذري لما دعاه بعد هيغل وفوورباخ “تغرب الإنسان عن ذاته” إذ أن الإنسان يفقد سلطانه ليفيد به فكرة الله وبخضوعه لسلطان إلهي مزعوم يخضع بالواقع لصورة مثالية عن نفسه. ولكن ماركس اعتبر أن تحليل فوورباخ ناقص، مبتور، لأن هذا الأخير اعتبر الإنسان كائناً مجرداً ولم ينظر إليه في واقعه الاجتماعي. فقد قال ماركس بهذا المعنى: “لم ير فوورباخ أن الشعور الذين نفسه هو من نتاج المجتمع وأن الفرد المجرد الذي يحلله ينتمي إلى شكل اجتماعي معين”.

وفي مكان آخر كتب: “إن أساس النقد الديني هو هذا: يصنع الإنسان الدين ولا يصنع الدين الإنسان. الدين هو بالحقيقة شعور الإنسان الذي إما لم يجد نفسه بعد إما فقد نفسه. ولكن الإنسان ليس كائناً مجرداً، خارجاً عن العالم الواقعي. الإنسان هو عالم الإنسان، الدولة، المجتمع. هذه الدولة، هذا المجتمع ينتجان الدين، الذي هو وعي زائف للكون، لأنهما يشكلان عالماً زائفاً…”.

ولذا لم يكتف ماركس بترداد نقد فوورباخ للدين إنما اجتهد أن يظهر أن تغرب الإنسان عن ذاته أو فقده لذاته على الصعيد الديني إنما له جذور في فقده لذاته على الصعيد الاقتصادي.

لن نتوسع هنا في وصف ماركس لفقدان الإنسان لذاته على الصعيد الاقتصادي، وهو وصف يستحق الإعجاب بلا شك. فقد بين أن العامل في المجتمع الرأسمالي ليس حر التصرف بعمله لأنه مرغم، كي يعيش، أن يبيعه للرأسمالي الذي يتصرف به كما يشاء فيعين على هواه مدة العمل وشروطه الآلية والصحية وأجرته. وكذلك ليس العامل في مجتمع كهذا حر التصرف بنتاج عمله لأن كل ملكية لهذا الإنتاج تنزع منه، فيحرم من ثمرة جهوده فيما يستفيد منها أو يغتني صاحب العمل. هكذا يصبح العامل عبداً وإن لم تكن عبوديته مفضوحة كما كانت عند الأقدمين. إنه سلعة يُتاجر بها. إنه يفقد ميزاته الإنسانية ويتحول إلى شيء. هذا الوضع، وضع العبودية الذي يكرسه قيام مجتمع طبقي مبني على الاستغلال وقيام دولة تساند المستغلين وتحافظ على امتيازاتهم، هذا الوضع يعبر عن ذاته، بنظر ماركس، في الدين.

ذلك الإنسان الذي أضاع ذاته اقتصادياً واجتماعياً، سواء أكان عبداً أو رقيقاً أرضياً، كما في الماضي أو كادحاً مستغلاً كما هي الحال في الحاضر، هذا الإنسان شقي. كيف يمكنه إذاً أن ينجو من شقائه؟ لن ينجو إلا بإضاعة ذاته على صعيد آخر، على صعيد الدين. “هذا المظلوم الشقي سوف يحلم بكائن مثلي يتحلى بكل الصفات التي يملكها، هو الإنسان، ولكنهه لا يستطيع أن يحققها بسبب عبوديته. كل ذلك الغنى الذي يحسه في ذاته من عدل وحنان وحب وعلم وحكمة وحرية وابداع، كل تلك الكنوز التي لا يستطيع أن يحققها لأنه مظلوم ومستعبد لآخر، كل تلك الكنوز يقذفها الإنسان في كائن يسميه الله. ويتمنى أن يشركه هذه الكائن يوماً في هذه الصفات فيتضرع إليه. وبما أنه شقي في هذه الحياة يحلم بحياة أخرى حيث سيكون سعيداً لأنه أخيراً سيحقق ملء ذاته….

“وهكذا فالأديان كلها، بنظر ماركس، أوهام…. لأنها تقدم لإعجاب الإنسان كائناً يتحلى بصفات هي بالفعل خاصة الإنسان… إنها فقدان الإنسان لذاته، إذ أن الإنسان يجعل نفسه طائعاً وخادماً لأله ليس إلا كائناً من صنع خياله…. إن يجعل نفسه عبداً لشيء غير موجود…. يتعبد لأله هو عدل وحنان وحب والواقع انه هو الإنسان عدل وحب وحنان. بتعبده لله يتعبد الإنسان لذاته دون أن يدري، لأنه أفرغ ذاته من جوهره الخاص لصالح إله خيالي. إنه يتألم في سعيه إلى السماء ليحاول أن ينال، بعد الموت، فيما هي فيه. هذا السعي لا جدوى له بل هو مضر لأنه يمنع الإنسان أن يحقق ذاته. على الإنسان أن يجد هذه الكنوز فيه وليس خارجاً عنه”

هكذا يفهم نص ماركس الشهير: “إن الشقاء الديني هو من جهة التعبير عن الشقاء الواقعي ومن جهة أخرى الاحتجاج ضد الشقاء الواقعي. الدين هو تنهد المخلوق الرازح، هو قلب عالم لا قلب له كما أنه فكر زمن لا فكر له. إنه أفيون الشعب”.

الدين إذاً بالنسبة لماركس ملجأ للإنسان يحتمي به من مظالم المجتمع “قلب مجتمع لا قلب له”. إنه احتجاج ضد الشقاء وعلى نوع ما، دواء له. ولكن هذا الدواء أسوأ من الداء لأنه يخدر الإنسان “أفيون الشعب”)، يغرقه في الوهم، يبقيه في العبودية، يحول دون خروجه من واقعه المؤلم.

ولكن الدين أيضاً “فكر زمن لا فكر له”، أي أنه تفسير للكون والحياة والتاريخ يخترعه زمن لا يعترف بعد على التفسير العلمي للأشياء. أما التقدم العلمي فإنه يلغي هذه الفكر الزائف لأنه يكفي لتفسير الكون ولتحقيق الفردوس على الأرض.

هذا الدين الذي اعتبره ماركس مخدراً للمظلومين يمارسه أيضاً السادة الظالمون. ولكن معناه يتحول بين أيديهم إذ يصبح عندهم وسيلة للحيلولة دون ثورة العبيد، لإبقائه في حالة الرضوخ لواقعه. وهكذا فالدين الذي اخترعه المظلوم ليخرج من شقائه يصبح بين يدي الظالم وسيلة لاستعباده. لذا اعتاد الماركسيون أن يربطوا الدين بالطبقة الحاكمة وأن يظهروه أداة للظلم والاستعباد.

يلخص لينين هذا الموقف الماركسي من الدين بقوله: “إن الدين مظهر من مظاهر الظلم الروحي الذي تنوء تحته من كل مكان وزمان الطبقات الشعبية الرازحة تحت وطأة العمل الدائم لصالح الغير وتحت عبء الشقاء والعزلة. إن الإيمان بحياة أخرى ينشأ بشكل محتوم عن عجز الطبقات المستغلة المجاهدة ضد مستغليها كما ينشأ الإيمان بالآلهة والشياطين والمعجزات إلخ… من عجز الإنسان البدائي في صراعه ضد الطبيعة. إن الدين يخدر الذي يتعب كل حياته في الشقاء بأمل مكافأة سماوية فيعلمه الصبر والرضوخ. أما الذين يعيشون من تعب الغير فإنه يعلمهم أن يمارسوا الإحسان في هذه الدنيا، مقدماً لهم هكذا تبريراً رخيصاً لكل حياتهم كمستغلين، بائعاً إياهم بثمن بخس بطاقات اشتراك في السعادة السماوية. الدين هو أفيون الشعب. إنه نوع مبتذلك من الفودكا الروحية يغرق بها عبيد الرأسمال كيانهم البشري ومطالبتهم بحياة لائقة نوعاً ما بالإنسان”.

وفي مكان آخر يقول: “الدين أفيون الشعب. تلك الجملة الماركسية هي حجر الزاوية لكل المفهوم الماركسي للدين. إن الماركسية تعتبر الديانات والكنائس الحديثة والمنظمات الدينية على أنواعها، على أنها أدوات للرجعية البورجوازية في سبيل الدفاع عن الاستغلال وطمس عقول الطبقة العاملة” وأيضاً: “الله، في التاريخ وفي الحياة، هو قبل كل شيء مجموعة أفكار… تخدر حرب الطبقات” وأيضاً: “إن كل دفاع عن فكرة الله، مهما كان دقيقاً ومهما طابت نيته، او كل تبرير لهذه الفكرة، هو بمثابة تبرير الرجعية”.

ولكن يدعم ماركس مفهومه للدين على أنه صورة لواقع اجتماعي على حد قوله: “العالم الديني هو انعكاس للعالم الواقعي”، اجتهد بأن يظهر العلاقة القائمة بين الدين وحضارة البشر الذين يعتنقون هذه الدين. وقد توصل الماركسيون هنا إلى نتائج وصل إليها أيضاً غيرهم من مؤمنين وغير مؤمنين ألا وهي أن الدين يتأثر بالوضع الاجتماعي والاقتصادي. فالدين يتخذ أشكالاً مختلفة إذا كان الإنسان صياداً أو مزارعاً أو راعياً، وكذلك تختلف المعتقدات تبعاً لاتساع الجماعة البشرية من القبيلة إلى الأمة إلى الامبراطورية. ولكن تفسير الماركسية لهذا الواقع هو أن الدين وليد الظروف الاجتماعية التي مردها بدورها الظروف الاقتصادية. أن أنغلز توسع في محاولة تطبيق المادية الماركسية على تاريخ الأديان. وقد حاول في كتابه Ludwig Feuerbach أن يبين أن الاعتقاد بإله واحد في المسيحية الذي خلف الاعتقاد بتعدد الآلهة كان نتيجة توحيد الأمم المختلفة في الامبراطورية الرومانية وأن الكثلكة كانت تعبيراً عن المجتمع الاقطاعي والبروتستانتية عن بروز البورجوازية الخ…

وإذا كان الدين في مفهوم ماركس انعكاساً وهمياً لواقع اقتصادي واجتماعي جائر، يكون زواله إذاً رهناً بزوال هذا الواقع. إذا أبطل الوضع الجائر فلا حاجة بعد للوهم الديني للخلاص منه. يقول ماركس: “إن تهديم الدين بصفته سعادة وهمية للشعب إنما هو من مقتضيات سعادته الحقيقية. إن المطالبة بتخليه عن أوهامه حول وضعه يعني المطالبة بالتخلي عن وضع يحتاج إلى الوهم. إن نقد الدين هو إذاً مقدمة لنقد وادي الدموع الذي يشكل الدين هالته”. إذاً يكفي أن يلغي الجور الاقتصادي والاجتماعي إي ان يجعل الإنسان حراً وسعيداً، لكي ينهار كل دين. إذا حول المجتمع وحرر الإنسان فلن يعود من داع للإيمان بالله. لقد كتب ماركس بهذا الخصوص: “إن الدين فارغ بحد ذاته. إنه من الأرض يعيش لا من السماء. فإذا انحل الواقع الغاشم الذي يشكل الدين نظريته، سينهار الدين من ذاته”. وأيضاً: “إننا لا نزعم أن على المواطنين أن يلغوا عبوديتهم الدينية ليتحرروا من عبوديتهم العالمية. لكننا نؤكد أنهم يلغون عبوديتهم الدينية فور الغائهم عبوديتهم العالمية”.

يفترض والحالة هذه أن الماركسية لن تحارب الدين مباشرة بل تنتظر زواله بزوال الأوضاع الاجتماعية التي أوجدته، ولكن ماركس يعتبر أن هناك تفاعلاً بين الدين والوضع الجائر الذي أوجده، كما أن هناك تفاعلاً بصورة عامة، في نظره، بين الأسس الاقتصادية وبين ما ينبثق عنها من مبادئ ونظم وأفكار. إذا كانت المظالم الاجتماعية أوجدت الدين، فالدين بدوره يثبت هذه المظالم إذ يعطي أسلحة للظالم ويضعف مقاومة المظلوم. لذا يطلب ماركس محاربة الدين والمظالم الاجتماعية في آن واحد. وقد كتب لينين في هذا الموضوع: “يجب أن نحارب الدين. هذا هو الالفباء لكل المادية وبالتالي للماركسية. ولكن الماركسية ليست مادية تقف عند الألفباء. الماركسية تذهب إلى أبعد من هذا. إنها تقول: يجب أن “نعرف” كيف نحارب الدين. هذا يعني أنه يجب أن يفسر، من المنظار المادي، مصدر الإيمان ودين الجماهير. يجب ألا تنحصر محاربة الدين في تبشير إيديولوجي مجرد… يجب أن تربط هذه المحاربة بممارسة راهنة لحركة الطبقات بغية إزالة جذور الدين الاجتماعية”. ولكن المعروف أن محاربة الدين في البلاد الشيوعية تجاوز توصيات لينين المعتدلة، إذ استعمل الاضطهاد السافر ووسائل الضغط الإداري من إغلاق كنائس وأديرة ومدارس إكليريكية ومراقبة الأهل الذين يعمدون أطفالهم وما شاكل ذلك، مما يظهر أن تحسين الأوضاع الاجتماعية واستخدام الوسائل المدعوة “علمية” في الدعاية اللادينية لم يبدوا كافيين لإزالة الدين.

[1] ماركس: نقد فلسفة الحقوق عند هيغل.

إله ماركس وإله المسيحيين – النقد الماركسي للدين – كوستي بندلي

إله الإلحاد المعاصر – توطئة – كوستي بندلي

إله الإلحاد المعاصر – توطئة – كوستي بندلي

إله الإلحاد المعاصر – توطئة – كوستي بندلي

إله الإلحاد المعاصر – توطئة – كوستي بندلي

“الله لم يمت. الله لا يموت، ولكننا نحن نقتله في نفوس الكثيرين من البشر”.

(رويز غيمنين، أستاذ الاقتصاد في جامعة مدريد، في المؤتمر العالمي الثالث لرسالة العلمانيين – روما 1967)

“الله لم يمت. إنه حي الأحياء، ولكن ينبغي أن يموت العديد من الآلهة الكذبة، كي تنقى الطريق إلى قدس الأقداس”.

(إتيان بورن: الله لم يمت، ص15)

“يدعوننا ملحدين، وبالفعل نحن ملحدون بالنسبة لتلك الآلهة المزعومة، ولكننا نؤمن بالإله الحقيقي”.

(القديس يوستينوس الفيلسوف المستشهد نحو 165: الدفاع الأول)

“ألا ينبغي أن نقبل استجواب الالحاد هذا وأن نتبناه إلى حد اكتشاف وجه الصواب في الالحاد، إلى حد اكتشاف أنفسنا ملحدين على نوع ما؟

ملحدين، لأننا نرفض نحن أيضاً، الإله الدركي الإله ملجأ الجهل، إله الفوضى القائمة. وبذلك بالضبط نكتشف أن إلهنا هو الإله الحي، الإله الذي ليس اقتداره سوى… التخلي الكامل عن كل ما يشبه إرادة التسلط، إله تختلف تعاليمه جذرياً عن كل ما يمكن أن نختبره في المستوى الطبيعي. إذ هو تعالي الحب الذي يعطي ذاته كلياً دون رجعة، إله لا يطلب منا أن نرضخ للشر بل تعبر شهادته عن ذاتها على أنها احتجاج ضد الشر وإرادة ملحة بأن تتغير الأوضاع وعطاء ذات كلي حتى التضحية المطلقة في النضال ضد كل ما يسحق الإنسان”.

(ج. تتالسون، في أسبوع المفكرين الكاثوليك 1965)

“لا نبالغ إذا قلنا إن في الأوضاع التاريخية الحالية… الإيمان هو عند ملايين من المسيحيين أساس لإرادتهم في النضال ضد المظالم والاستغلالات. إن الاحتجاج التلقائي ضد عالم ظالم جزء لا يتجزأ من إيمانهم”.

(المفكر الشيوعي روجيه غارودي من الفرز إلى الحوار، ص 116 – 117).

توطئة

من مميزات الإلحاد المعاصر أنه لا يتعرض لوجود الله بحد ذاته بقدر ما يتعرض لعلاقة الله بالإنسان. فوجود الله بحد ذاته أمر لا يهمه كثيراً، لذا نرى الشاعر الألماني هنري هين يتلفظ بتلك العبارات التي رددها فرويد من بعده: “فلنترك السماء للملائكة والعصافير”، والشاعر الفرنسي بريفير يقول: “أبانا الذي في السماوات، ابق فيها”. ما يؤكد الالحاد المعاصر على نفيه هو إذاً علاقة الله بالإنسان، تلك العلاقة التي تجعل للإنسان مرجعاً وغاية غير ذاته. ما يرفضه الالحاد المعاصر بنوع خاص هو أن يستقطب الله وجود الإنسان.

ذلك أنه يعتقد أن الوجود الإنساني يتلاشى ويزول إذا استقطبه وجود آخر، إن الإنسان يضيع في الله. علاقة الله بالإنسان لا يمكن أن تكون، والحالة هذه، سوى علاقة استعباد لا ينجو الإنسان منه إلا بنضال عنيف ضد فكرة الله إلى أن يتسنى له استئصالها من نفسه ومن نفوس الآخرين. لذا فالإلحاد المعاصر هو رفض لله أكثر مما هو نفي لوجوده، إنه موقف إرادي أكثر مما هو عملية عقلية صرفة، ولذا يتخذ شعاراً له تمرد بروميتيوس على جوبيتر كما ترويه الأساطير القديمة.

ويرى الإلحاد المعاصر أن الإنسان، برفضه الله مرجعاً وقطباُ لوجوده، يجد نفسه، لأنه يتحرر من تلك الأوهام التي كانت تحول بينه وبين تحقيق ذاته على أكمل وجه، تلك الأوهام تنبع، يقول الإلحاد المعاصر، عن أهواء الإنسان ومخاوفه، فتتخذ وجهاً إلهياً وتنقلب على الإنسان لتستعبده. لذا فرفض الله يصبح في هذا المنظار انتقالاً من الوهم إلى الحقيقة، من الخوف إلى الاقدام، من الجمود والاستكانة إلى الحركة الخلاقة، من العبودية إلى الحرية، من الأنانية إلى العطاء. كثيراً ما كان الإلحاد القديم يتخذ وسيلة للانفلات الخلقي، أما الالحاد المعاصر فإنه يتخذ طابعاً مناقبياً وينصب نفسه مدافعاً عن القيم الخلقية مدعياً أن الإيمان بالله إنما هو دوس لها.

هاتان الميزتان اللتان يتصف بهما الإلحاد المعاصر، أي طابعه الإرادي وطابعه المناقبي، سوف نجدهما في موقفين يمثلان وجهين هامين من وجوه الإلحاد الحديث، ألا وهما الإلحاد الماركسي والإلحاد الوجودي (وهو الوجه الملحد للوجودية). هذان الموقفان هما موضوع هذه الكتاب الذي ليس هو إذاً بحثاً شاملاً في الماركسية والوجودية، إنما هو تحليل للإلحاد الماركسي من جهة ولإلحاد أحد أقطاب الوجودية (التي لها أيضاً أقطاب مؤمنون) ألا وهو سارتر، من جهة أخرى.

سنحاول بعد عرض موقف كل من هذين الإلحاديين أن نجيب على سؤال وجيه، ألا وهو: هل استطاعا أن يستغنيا عن الألوهة وأن يوجدا الإنسان بمعزل عنها؟

ولسوف نرى أن الماركسية لم ترفض الله إلا لتضفي صبغة الألوهة على المادة والتاريخ، فتجعل منهما صنمين ينقلبان على الإنسان ليحطا من كرامته ويسحقاه؛ فالإنسان الذي يسود المادة بعمله البروميتي ليس هو، ويا للغرابة، في هذا المنظار، سوى وليد مادة مؤلهة، والتاريخ الذي هو من صنع الإنسان وفي خدمته يصبح ساحقاً للإنسان الراهن مستخدماً إياه “كفحم في قاطرته”.

أما الإلحاد السارتري فقط كان أكثر منطقية مع منطلقه إذ ذهب في انكار الله إلى أقصى نتائجه، فأكد بأن الإنسان “شهوة لا جدوى لها” وأن لا مبرر لوجوده، وأن كنزه الوحيد، ألا وهو الحرية، فراغ ولا معنى. ولكنه هو أيضاً، بإضفائه صفة الإطلاق على تلك الحرية الجوفاء، أوجد صنماً يتعبد به الإنسان لفراغه، فيصبح أسير هذا الفراغ. هكذا لم يرفض هذان الإلحادان الله باسم الإنسان إلا ليستعيضا عنه بأصنام تسحق الإنسان، فضلاً عن أنها عاجزة عن الجواب عن السؤال الجذري الذي يطرحه الإنسان على نفسه، وهو سؤال الأسئلة، السؤال عن معنى حياته وموته.

الإلحاد المعاصر “بيت منقسم على نفسه” كما يقول إتيان بورن. ويستلهم المفكر النهج الذي سلكه باسكال في معالجة فلسفتين كانتا تتجاذبان الأفكار في عصره، فيقابل الشطط الكامن في كل من الإلحادين المعاصرين اللذين نحن بددهما بالصواب الكامن في الآخر.

بهذه الروح عينها يمكن القول بأن الماركسية مصيبة في رفضها اللامعنى الذي تنادي به السارترية وبتأكيدها بأن الوجود والتاريخ لهما معنى ويستقطبهما تحقيق مطلق لإنسانية الإنسان: فاللامعنى نفسه لا يحدد إلا بالنسبة لمعنى يستقطبنا ونقيس به الأشياء. ولكن السارترية بدورها مصيبة في تبيانها أننا، إذا شئنا أن نذهب إلى أعماق الأمور، فالوجود الإنساني بدون الله لا معنى له؛ وبالفعل فإن انتصار الإنسانية الذي تتغنى الماركسية به ملحمياً جاعله منه قمة التأريخ وهدفه يفقد معناه طالما أن التاريخ وحده لا يسعه أن يحرر الإنسان من العزلة والشر والموت. هكذا فالإنسان كائن ذو معنى، يسير نحو المطلق (تلك هي حقيقة الماركسية) ولكنه عاجز أن يحقق هذا المعنى بنفسه (تلك هي حقيقة السارترية). وإذا ترجمنا ذلك بلغتنا المسيحية نقول: إن الإنسان مخلوق على صورة الله ومدعو للتأله، ولكنه ليس الله ولا يحقق ذاته إلا الله.

الله وحده قادر إذاً أن يزيل متناقضات الإلحاد المعاصر وأن يجمع ويؤلف ما فيه من حقائق مبعثرة. ذلك أن حقيقة كل من الإلحادين ترد إلى الألوهة التي رأت الماركسية أثرها ولاحظت السارترية غيابها الظاهري في الكون. ولكن شططهما ناتج من كون الماركسية رأت الأثر فوقفت عنده، وبأن السارترية لم تفقه بأن غياب الله الظاهري إنما هو عائد إلى تعاليه وإلى احترامه لاستقلال الكائنات ولحرية الإنسان. حقيقة كل من الالحادين ترد إذاً إلى الله الذي يستقطبهما من حيث لا يدريان وشططهما كامن في رفضهما لله.

هنا يفرض علينا هذا التساؤل؛ من هو الإله الذي رفضه كل من ماركس وسارتر؟ لقد كبت جان بارو، وهو كاهن شاب أتى إلى الإيمان بعد أن ترعرع في بيئة ملحدة، كتب في مذكراته “إيمان وثني” ما يلي: “ذات يوم كنت، كما تسنح الفرصة لي مراراً، أناقش عدة مفكرين ملحدين… كانوا ينكرون الله وأنا أصغي إليهم. ولكنني كنت أحس بشعور غريب، شعوري بأنني اوافقهم كلياً في نكرانهم، ومع ذلك، لم أكن البتة منكراً لإيماني. تركت السهرة تنتهي على هذا المنوال، ولكنني كنت مشغول البال بسبب موقفي هذا: لو لم أزل في عهد المدرسة الاكليريكية، كنت ناضلت، حاججت، ناقشت الأمور نقطة نقطة. فما الذي جرى إذاً؟ لقد أدركت فيما بعد أسباب لامبالاتي: لم يكن إلهي ذلك الإله الذي كانوا يحطمونه أمامي؛ لم يكن إله يسوع المسيح؛ لم يكن سوى صورة كاريكاتورية؛ لم يكن سوى صنم: وكان هذا التقليد لا يطاق بالنسبة لي كما كان بالنسبة لهم! إيماننا كان “آخراً”.

بالفعل إذا تفحصنا صفات ذلك الإله الذي ينكره الإلحاد المعاصر وجدناه إلهاً يذل الإنسان، يقيده، يعميه، يسحقه، يحكم عليه بالسلبية والجمود والخنوع وبطفولية أبدية. إنه إله لا يستمد عظمته إلا من ضعف الإنسان وجهله وذله. ولكن أين هذا الإله من ذاك الذي كشف لنا ذاته في وجه يسوع المسيح، فظهر لنا محبة محيية، محررة، موقظة، مؤلهة؟

بعد تلك المقابلة يتبادر لا محالة إلى ذهننا هذا السؤال: كيف أمكن للإلحاد المعاصر، وقد ظهر في بيئة مسيحية، أن يرى صورة الله مشوهة بهذا المقدار؟ قد يكون لهذا السؤال جوابان.

أولهما أن نزعة الإنسان إلى الاكتفاء بذاته تحدو به إلى رفض كل مرجع وأصل له خارج ذاته، عندئذ لا بد لموقف الرفض هذه أن يصور الله بصورة الطاغية المستبد، كما أن رفضنا لإنسان ما يصور الله بصورة الطاغية المستبد، كما أن رفضنا لإنسان ما يصور لنا هذا الإنسان بأبشع الألوان. ولكن هناك سبباً آخراً قد يكون السبب الجوهري، ألا وهو ان تلك الصورة البشعة التي كونها الإلحاد المعاصر عن الله إنما وجدها في أذهان المسيحيين، فنقلها عنهم ليرفضها، وبعبارة أخرى إننا نحن معشر المسيحيين أوجدنا إلى حد بعيد هذا الصنم الذي يرفضه الملحدون مسمين إياه الله كما نسميه نحن. الحق يقال إن الإله الذي يعبده المسيحيون بعد في كثير من الأحيان وبمقادير مختلفة عن إله يسوع المسيح. هذا ما سيحاول هذا الكتاب أن يبينه.

ولكن ما هو أصل ذلك الصنم أو بالأحرى تلك الأصنام التي كثيراً ما تحتل في تديننا مكان الإله الحي؟ يبدو لي أنه يمكن ردها إلى مصدرين: تصورات الإنسان وأهوائه. فمن جهة لا بد للإنسان أن يتصور الله بالانطلاق من خبرته الإنسانية وعلى ضوئها، هذا أمر طبيعي ومشروع لأن كل ما في الكون إشارة إلى باريه، ولكن الشطط يبدأ عندما يخلط الإنسان بين الإشارة وما تشير إليه، بين الرمز والمرموز إليه، فيؤله تصوراته عوض أن يتجاوزها باستمرار، كما يدعوه الكتاب والتقليد المسيحي كله، في موقف متعبد، خاشع، في صمت الذهول والحب أمام الحضرة الإلهية التي تفوق كل وصف وتصور.

أما التعليل الثاني لأصنام الله فهو كون الإنسان معرضاً دوماً أن يكوّن عن الله صورة ترضي أهواءه وتبررها، فينحدر بالله إلى مستوى أنانيته ومطامعه ومخاوفه عوض أن يتجاوز أهواءه ويصعدها في خط الله. يلاحظ الفيلسوف المسيحي المعاصر كلود تريمونتان أن ما يكرهه الإله القدوس الذي نادى به الأنبياء، ارتكب في التاريخ باسم الله: “إن التقتيل والتعذيب، واستغلال الإنسان للإنسان، والعنصرية، والقومية الصنمية، كل ذلك، كما هو معلوم، غُطي باسم الله…. ليس الاسخريوطي فرداً وحسب. إنه جحفل. فالخيانة بقبلة هي، عبر الأجيال، النصيب الدائم “للحق الوديع المصلوب”…. هذا ما يفسر إلى حد بعيد الاشمئزاز الذي يثيره اسم الله في نفوس أفضل الملحدين وأبرهم”.

هكذا يتضح أن للإلحاد المعاصر وجهاً إيجابياً. حقيقته كامنة في الشهادة النبوية، التي يؤديها من حيث لا يدري، لوحدانية الله، تجاه كل التصورات الصنمية التي تحدره إلى مستوى تصورات الإنسان وأهوائه. أنه برفضه الأصنام يسعى ضمناً نحو المطلق الإلهي، وباحتجاجه ضد كل خيانة للحقيقة والعدالة ترتكب باسم الله يشهد ضمناً لذاك الذي هو الحق والعدل المنزهان عن كل شائبة. مجمل الكلام أن للإلحاد المعاصر دوراً في تنقية الإيمان، لا بل يمكننا القول أنه، كما أن الإيمان الزائف إنها هو إلحاد عمل لأنه يزيح الله باسم الله، هكذا فالإلحاد، بالعكس، يقترب، على قدر أصالته، من الإيمان الحق. بهذا المعنى كتب دوستويفسكي، هذا المؤمن الذي استطاع أن يسبر أعماق الإلحاد: “إن الإلحاد الكامل يقف في أعلى السلم، على الدرجة قبل الأخيرة قبل الإيمان الكامل”.

لذا يجب أن يكون موقفنا من الإلحاد المعاصر موقف اصغاء لنتعلم منه ما التصورات الصنمية التي تركناها، ولا تزال تتسرب إلى إيماننا. علينا أن ننفتح بإخلاص إلى نقده القاسي عله يردنا إلى أصالة الإيمان. ولكن الإيمان يستجوب بدوره الالحاد المعاصر معاتباً إياه على خلطه بين الإله الحق وأصنام الله، داعياً إياه، في تحطيمه للأصنام كلها، ألا يستثني منها ذلك الصنم الرهيب، صنم اكتفائية الإنسان التي تحول بينه وبين اسلام ذاته للمطلق الذي يستقطبه، تلك الاكتفائية الي هي أصل الأصنام كلها سواء جُعلت هذه في السماء أو على الأرض. الإيمان يدعو الإلحاد المعاصر إلى عدم التوقف في منتصف الطريق، إلى تجاوز سلبيته بالاعتراف بهذا الإله الحق الذي، إن رفض الملحدون أصنام الله، فبالقياس إلى صورته الكامنة في أعماقهم. هذان الموقفان المتكاملان: تنقية الإيمان بالإلحاد وتجاوز الإلحاد بالإيمان، هما قطبا هذا الكتاب.

مجمل ما يتهم به الإلحاد المعاصر الإيمان تحقير الخليقة عامة الإنسان بنوع خاص. إن في هذا الاتهام التباساً رهيباً يحمل المؤمنون قسطاً كبيراً من مسؤوليته. فالإلحاد المعاصر هو إلى حد بعيد جواب على هذا الإله القائم في أذهان الكثيرين منهم والذي قال عنه غبريال مارسيل: “هذا الإله المنتصب ضد المخلوق وكأنه محسود من أعماله، ليس في عيني سوى صنم”. لقد كتب الأب كونغار واصفاً هذا الالتباس الذي ذكرناه: “من المعلوم أن الالحاد المعاصر…. كثيراً ما لا يكون انكاراً لله إلى بصورة جانبية، أما مباشرة فهو تأكيد للإنسان، لمتطلبات حريته، لعظمة قصده. إن كل مسيحي واع لما هي المسيحية الحقة لا بد له أن يشتبه بوجود سوء تفاهم هائل ومأساوي كامن وراء هذا الموقف. لا يمكن لأحد أن يطالب بالإنسان ضد الله، أو أن يطالب بالله ضد الإنسان إلا إذا كان يجهل التوراة كلها.

فإن هذه لا تحدثنا أبداً عن الله دون أن تحدثنا عن الإنسان أيضاً: إنها اعلان “تدبير” وعهد، ويبلغ هذا الإعلان ذروته في يسوع المسيح الذي به اتحد الله نهائياً بالإنسانية وبواسطتها بالعالم. ولكنه صحيح أن المسيحيين نسوا أحياناً معن ذلك الذي كانوا يعتقدون به ويعيشونه. فقد قدموا الديانة أحياناً وكأنها تقتصر على عبادة الله دون الاهتمام بما يخص الإنسان والتاريخ والكون. الإلحاد ير على ذلك بتأكيد إنسان وتاريخ وكون دون الله”.

تجاه هذين الصنمين، صنم الإله الذي يلغي الإنسان والصنم الآخر الذي أوجده الإلحاد المعاصر ليقابل به الأول، ألا وهو صنم الإنسان الذي يلغي الله مضفياً صفة الإطلاق على اكتفائيته، تجاه هذين التجريدين الرهيبين، الله دون الإنسان أو الإنسان دون الله، اللذين يمزقان رجاء الإنسانية في الصميم، على حد تعبير الأب غان، نتمسك نحن بديانة الإله المتجسد الذي شاء أن يربط مصيره بهائياً بالإنسان. لذا فجوابنا على الإلحاد المعاصر من جهة، وعلى انحرافات الإيمان من جهة أخرى، يمكن تلخيصه بتلك العبارات الصادرة عن أحد آباء الكنيسة العظام، مكسيموس المعترف الذي عاش في القرن السابع، واحتمل قطع يده ولسانه ومات منفياً لأنه أراد أن يحافظ على عقيدة التجسد كاملة، غير منقوصة، تجاه أباطرة عصره. فقد كتب هذه الشاهد الأمين للإله المتجسد:

“…. الله والإنسان يتخذ كل منهما الآخر نموذجاً، فالله يتأنس من أجل الإنسان، بدافع حبه للإنسان، بقدر ما يتقوى الإنسان ويتحول إلى إله من أجل الله….”

“الإنسان يصبح إلهاً بقدر ما يصبح الله إنساناً، لأن الإنسان يُرفع بارتقاءات إلهية بقدر ما أفرغ الله ذاته بداعي حبه للناس فبلغ دون تحول إلى أقاصي طبيعتنا”.

 

إله الإلحاد المعاصر – توطئة – كوستي بندلي

كيف نفهم اليوم قصة ادم وحواء PDF – كوستي بندلي

كيف نفهم اليوم قصة ادم وحواء PDF – كوستي بندلي

كيف نفهم اليوم قصة ادم وحواء PDF – كوستي بندلي

كيف نفهم اليوم قصة ادم وحواء PDF – كوستي بندلي

للتحميل اضغط هنا

كتاب الله والشر والمصير PDF – كوستي بندلي

كتاب الله والشر والمصير PDF – كوستي بندلي

كتاب الله والشر والمصير PDF – كوستي بندلي

كتاب الله والشر والمصير PDF – كوستي بندلي

يركز هذا الكتاب على التعرّض لصورة شائعة بين الناس، تشوّه بنظرنا وجه الله تشويهًا فادحًا. إنها صورة إله تُنسب إليه الشرور الطبيعية كالأمراض والمصائب والكوارث، سواء أتمّت هذه النسبة بصورة فظّة كما في التعبير الشعبي الذي يتردد على الألسنة بشكل تمنٍّ: “الله لا يضرّك” (مما يفترض أن الله كائن يُخشى ضرره وأذاه)، أو بالصيغة الملطّفة التي يستخدمها المتنوّرون وهي أن الله “يسمح” بهذه الشرور،

وكأنه يتنصّل منها ويغضّ النظر عنها بآن (وكأن هؤلاء، كما أشار أحد اللاهوتيين، يجعلون من موقف الله موقفًا شبيهًا بموقف بيلاطس البنطيّ عندما “غسل يديه” متنصلاً من موت يسوع الذي كان قادرًا أن يمنعه لو شاء)، هذا بالنسبة للشر الطبيعي. أما الشرّ الخلقي، أي الخطيئة، فموقف الله منها، على حدّ الرأي الشائع الذي نحن بصدده، أشبه ما يكون بموقف أحدنا إذا ما لحقته إهانة. فهو يتربص لمرتكبي الخطيئة ويصبّ عليهم جام غضبه وينزل بهم أشد الويلات، ويميتهم “تأديبًا”، وإذا ما أصرّوا على عصيانه “يرسلهم” بعد موتهم إلى جهنم ويعذبهم بالنار بلا رحمة إلى أبد الآبدين.

محتويات الكتاب
طبيعة الشر
الارواح الشريرة
هل من وجود فعلي للشيطان؟
هل بامكان الارواح ان تسيطر على الانسان؟
تحديد الخطيئة وانواعها
هل تتساوى الخطايا؟
مفهوم الخطيئة الجدية
الخطيئة والتوبة والاعتراف
لماذا الاعتراف امام الكاهن؟
احياء سر الاعتراف
موقف الله من الخطيئة
اهو موقف غضب وانتقام؟
هل يغضب الله على الانسان؟
هل يقتل الله في سبيل التاديب؟
ما معنى الفداء اذا؟
الدينونة والمصير
بين الرقاد واليوم الاخير
ما حاله الروح بين الرقاد واليوم الاخير؟
لماذا الديتوته النهائية مؤجله؟
صلاتنا ومصير الراقدين
طبيعة اليوم الاخير فناء ام اكتمال؟

 

Exit mobile version