الوسم: سارتر
مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي
مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي
مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي
يبقى أن سارتر لم يستطع أو لم يشأ أن يميز الإله الحي عن التصورات الصنمية التي يكونها الإنسان عنه، فرفض الله لكي يوجد الإنسان، أو بعبارة أخرى ليكون الإنسان حراً، إذ أن الحرية والوجود هما في نظر سارتر أمر واحد. رفض الله، بالنسبة لسارتر، يطلق حرية الإنسان، لأنه عند ذاك مرغم أن يخلق ذاته وأن يخلق القيم إذ ليس له ما يستند إليه خارج اختياره. بهذا المعنى قال سارتر: “لقد كتب دوستويفسكي: لو كان الله غير موجود، فكي شيء يكون مسموحاً. هذا هو نقطة انطلاق الوجودية. بالفعل كل شيء مسموح إذا كان الله غير موجود، وإذاً فالإنسان متروك لأنه لا يجد لا في ذاته، ولا خارج ذاته إمكانية التعلق بشيء”.
هكذا فحرية الإنسان هي، بنظر سارتر، المرجع الوحيد لكل شيء لم يعد للإنسان نموذج إلهي يعود إليه في تقييم أموره وفي تحقيق ذاته، إنما صار عليه أن “يخترع” ذاته والقيم، وهكذا بقبوله تلك العزلة يبلغ إلى ملء قامته كإنسان ويحافظ على أثمن ما لديه، على تلك الحرية التي هي مرادفة لوجوده.
ولكن ما هي تلك الحرية التي يجعل فيها سارتر كل كرامة الإنسان؟ إنها فراغ ظهر في ملء الكون. إنها “عدم”، يقول سارتر، ويعني بذلك أنها غير موجودة ولكنها مجرد قوة نفي ورفض، بها ينفصل الإنسان عن أوضاعه ليتجاوزها. ولكن يتجاوزها إلى أين وبالرجوع إلى أية مقاييس؟ ليس للحرية مقاييس بنظر سارتر وليس لها ما يستقطبها. إنها لذاتها المقياس والمرجع والهدف الوحيد. لا مبرر لها ولا غاية. تظهر يوماً إلى حيز الوجود ثم تتلاشى كلياً بالموت دون أن يكون لوجودها أو تلاشيها من معنى: “كل حي يولد دون مبرر ويستمر عن ضعف ويموت صدفة”. وهكذا يكون الإنسان “شهوة لا جدوى لها”. إن حريته تعطي للأشياء معاني ولكنها هو ووجوده لا معنى لهما. لذا فالحرية عبء على الإنسان لأنها فراغ دائم عبثاً يفتش الإنسان فيه عن كيانه ليستريح إليه، الإنسان “محكوم عليه بالحرية”.
تلك هي الحرية التي يعطيها سارتر قيمة مطلقة. ولكن فلنتساءل إذا كان مفهومه هذا للحرية يشكل جواباً مرضياً على مشكلة الإنسان. أمران يبدوان لنا عند ذاك، أولهما أن هذا المفهوم للحرية لا يخلو من متناقضات جوهرية، والثاني أنه تشويه وبتر للحرية الحقة.
1 – المفهوم السارتري للحرية لا يخلو من متناقضات جوهرية
يقول سارتر إن الكون والوجود الإنساني لا معنى لهما ولا مبرر، ولكنه من جهة أخرى يقرر بأن الإنسان في سعي مستمر إلى المعنى وأنه تحديداً كائن يعكي للأشياء ولأعماله معاني. ولكن السؤال الذي يبقى دون جواب في هذا المنظار السارتري هو الآتي: إذا كان الوجود كله، بما فيه الوجود الإنساني، لا معنى له، فمن أين للإنسان ذلك التوق إلى المعنى؟ من أين له تلك الحرية التي همها أن توجد معاني؟ كيف يُعقل وجود تلك الحرية التائقة إلى المعنى وسط عالم لا معنى له بتاتاً؟ من أين أتت تلك الحرية؟ كيف برزت في كون غريب عنها بالكلية؟ هذا ما عبر عنه جان لاكروا بقوله: “إذا كان العالم مجرداً من كل معنى، وإذا كان للإنسان تطلباً للمعنى، فمن أين يأتي هذا التطلب الإنساني، من أين يأتي الإنسان؟”
أضف إلى ذلك أن تقرير اللامعنى في الكون وفي الوضع الإنساني يفترض وجود معنى نحتكم إليه في تقريرنا هذا. فاللامعنى لا يحدد إلا بالنسبة لمعنى يتطلع الإنسان إليه ويصبو. وإلا لقبلنا الوجود على أنه واقع ليس إلا. لكن طالما ان الحرية تنتصب أمام الكون لتحكم عليه بأنه لا معنى، فهذا يفترض أن هناك معنى يستقطبها وإليه تعود في حكمها هذا، وإنها بالتالي لا يمكن أن تكون مجرد فراغ لا مبرر له ولا غاية. هذا ما عبر عنه مثلاً رينه حبشي في مؤلفاته، وقد لخص الدكتور جميل صليبا موقف هذا المفكر فيما يلي: “…. إذا كان الإنسان يدرك ما في وجوده الواقعي من نقص، فمرد ذلك إلى شعوره بالكمال. وإذا كان يدرك المحال المتجلي في حطام الوجود، فمرد ذلك إلى شعوره بإمكان الخروج منه”.
هذا المعنى الذي تسمو به الحرية الإنسانية على الوجود لتقيم بالقياس إليه الوجود لا يمكن أن ينبع إلا من الله، قاعدة الوجود وغايته. لذا فتقرير عبثية الوجود يفترض ضمناً الرجوع إلى ذلك القياس الإلهي الذي تنفيه عبثية سارتر وغيره: تلك هي المفارقة كما بينها مثلاً بول افدوكيموف بقوله: “إن أكبر مفارقة هي أن اليأس في ذروته يعود حتماً إلى المطلق المعلنة استحالته… وفي النهاية غياب الله هو الذي يجعل العالم عبثاً ويائساً، إنه وحده يبرر المواقف القصوى التي تقفها الوجودية… إن الله، ولو سلبياً، يستخدم هنا كمقياس: كل شيء يقيم بالإضافة إلى غياب المعنى الإلهي”.
مجمل الكلام، أن الحرية السارترية بحاجة إلى الله لكي تقرر أن الكون لا معنى له وتنفي بالتالي وجود الله. لذا فالإلحاد السارتري تراوده، شاء أم أبى، فكرة الله، وما تهالكه على نفي الله، كما يتجلى مثلاً في مسرحية “الشيطان والله”، حيث يدوي اسم الله في كل صفحة، سوى محاولة للتخلص من “شبح” ذاك الذي تصور أنه “قتله”.
ثم أن سارتر ينسب للحرية قدرة على أن توجد الإنسان. فالإنسان “ليس في البدء شيئاً. لن يوجد إلا فيما بعد، وعند ذاك يكون كما صنع نفسه… الإنسان هو فقط، ليس كما يتصور نفسه وحسب، بل كما يريد نفسه… ليس الإنسان سوى ما صنع نفسه”. لا شيء إذاً، في هذا المنظار، مفروض على الإنسان. فالحرية تتخطى كل ضغط الأوضاع البيولوجية والاجتماعية والظروف المعيشية، تتخطى ذلك كله لتوجد الإنسان كما يشاء هو أن يكون. فالإنسان صنيعة نفسه، صنيعة حريته وحسب، لا وليد الأوضاع التي وُجد فيها. هذا التأكيد على الحرية الإنسانية، على ما فيه من مبالغة، هو من أنبل مظاهر الفكر السارتري. ولكن التناقض يبدو بين تلك القدرة الخلاقة التي تُنسب إلى الحرية، من جهة، وبين كون تلك الحرية، من المنظار السارتري، مجرد فراغ يبرز لحظة وبلا مبرر في ملء الوجود لكي يتلاشى بالكلية دون أن يكون لوجوده هدف أو غاية. كيف يمكن للفراغ الذي لا معنى له أن يكون خلاقاً وأن يصنع أسمى المعاني وأنبلها؟ إذا كانت الحرية مجرد ثغرة في كثافة الكون، كما يعتبرها سارتر، فأنى لها أن تبدع في الكون وتغير وجه الأرض؟ بالطبع يرفض سارتر الإجابة على هذا السؤال لأن من ورائه سعياً إلى اكتشاف منطق في الوجود، فيما أن الوجود بنظره لا منطق فيه ولا مبرر له. هذا ما يدعوه سارتر في كتابه “الكائن والعدم”، وكأنه يقول: الأمور هكذا لأنها هكذا. ولكن هذا الموقف يشكل انتحاراً للعقل الذي لا بد له أن يفتش عن علة الأشياء. لذا فإذا رأينا أن الحرية تحرر الإنسان من عبودية نواميس الكون وقيوده، وجب علينا أن نفتش عن أصلها خارج الكون وأن نعتبرها مساهمة منحت للإنسان في سيادة سيد الكون ومبدعه. يقول الفيلسوف الوجودي ياسبرز أن من اختبر حقاً حريته وعن تجذره في الله: “عندما نقرر بحرية، ويتخذ كل شيء معناه لنا و…. نمتلك حياتنا، نعي بأننا لسنا مدينين بكياننا لنا وحدنا.
“على قمم الحرية، عندما يبدو لنا عملنا ضرورياً، لا بضغط خارجي صادر عن حتمية طبيعة لا تلين، بل بموافقة كياننا الداخلية… نعي أننا لأنفسنا، في حريتنا، هدية من التعالي. كلما كان الإنسان حقيقة حراً، كلما كان متيقناً من الله. عندما أكون حقيقة حراً، أكون متيقناً بأنني لست هكذا بنفسي”.
وبالمعنى نفسه، وبالاستناد إلى ياسبرز، كتب المفكر الأرثوذكسي بول افدوكيموف: “يجب الاعتراف بعظمة الوجودية التي ركزت كل تفكيرها على الحرية. تلك الحرية، التي هي بداهة أساسية للفكر البشري، تشكل شرط النشاط الإنساني الخلاق. ولكن هذه الوظيفة لا يمكن أن تأتي، إلا، إلا إذا ناقضت نفسها، من العالم، من مجموعات التبعيات والقيود التي تكونه. من البديهي أن الحرية تتعالى على الكون، وأن مصدرها خارج الكون، وأنها تقدم كهبة ملوكية. لذا، ففي فلسفة كارل باسبرز العميقة، الحرية تشير بوضوح إلى الواهب، تشهد بقوة لوجود الله. إن فضل ياسبرز الكبير هو أنه اكتشف في الحرية الإنسانية برهان الوجود الإلهي…”.
الله وحده وطن الحرية الإنسانية. منه تستمد وجودها، ولكنها أيضاً إياه تبتغي لأنها به وبه وحده تحقق ذاتها. الحرية دون الله وهم وسراب. هذا ما بقي علينا أن نوضحه تجاه المفهوم السارتري للحرية.
2 – الحرية السارترية مشوهة، مبتورة
إن المفهوم السارتري للحرية يجعل منها المرجع الوحيد للإنسان، فلا أصل لها تستند إليه ولا غاية تتجه نحوها، إنما تخرج من لا شيء وتذهب إلى لا شيء. وبذلك تفقد تلك الحرية كل معنى، ويفقد الإنسان معها معناه، فيصبح، وهو الذي أراده سارتر موجوداً برفض الله، غير موجود بالحقيقة لأن وجوده لا طائل له ولا هدف. وبذلك تكون تلك الحرية قيداً على الإنسان لأنها أغلقت عليه في عزلة مميتة وحصرته في عدمه ولا معناه.
يجعل سارتر من الحرية قوام الوجود الإنساني، ولكن الصحيح أن أعمق ما في الإنسان هو السعي إلى المعنى، إلى اكتشاف معنى لوجوده ولحريته نفسها. لذا نرى موريس مارلو بونتي، وهو قطب آخر من أقطاب الوجودية الملحدة، يؤكد بأن الإنسان محكوم عليه بالمعنى. ويعلق بول افدوكيموف على هذا التأكيد بقوله: “يقول مارلو بونتي، راداً على سارتر: إن الإنسان ليس محكوماً عليه بالحرية، إنما هو محكوم عليه بالمعنى، وهذا يعني أن محكوم عليه بأن يكتشف معنى الوجود، وقبل كل شيء معنى الحرية نفسها”.
لا حرية حقة إذا كان الإنسان أسير اللامعنى. كيف نسمي حراً ذلك الإنسان الضائع، المبعثر، الذي يحيا دون أن يدرك للحياة معنى؟ إن إنساناً كهذا تائه في صحراء، وهل يُعقل أن نسمي التيه في الصحراء حرية؟ يقول الكاتب الفرنسي الكبير أنطوان دي سان اكسوبري: “هل تدعو حق التيه في الفراغ، حرية؟!”
تلك الحرية الجوفاء وصفها لنا الكاتب نفسه – ولم يكن مؤمناً – كمرض من أمراض الإنسانية المعاصرة. فصورها لنا مثلاً في كتابه الرمزي “الأمير الصغير” بشكل مسافرين يتنقلون في القطار من مكان إلى مكان دون هوادة ودون هدف. فعندما يسأ الأمير الصغير عامل السكة الحديدية عن ركاب قطار مر أمامه: “إنهم مسرعون كثيراً. فإلى ما يسعون؟”، يجيب العامل: “إن رجل القاطرة نفسه يجهل ذلك”. وفي إحدى رسائله كتب سان اكسوبري سنة 1943 واصفاً الإنسانية المعاصرة: “أنا مغتم من أجل جيلي، الفارغ من كل جوهر إنساني… أكره زمني من كل قواي لأن الإنسان يموت فيه عطشاً… هناك مسألة واحدة ليس إلا، مسألة واحدة في العالم، ألا وهي أعادة معنى روحي للناس… لم يعد بوسعنا أن نحيا من البرادات والسياسة والميزانيات والكلمات المتقاطعة… لم يعد بوسعنا أن نعيش دون شعر ولون وحب”. إنه في تلك الرسالة، يلاحظ “اليأس الروحي” الذي ينتاب البشر من جراء فقدان معنى وجودهم و”صحراء الإنسان” التي يتيهون فيها، ويقول: “ليس هناك سوى مسألة، مسألة واحدة: أن يكتشف الإنسان من جديد أن هناك حياة للروح أسمى من حياة الفكر نفسها، وأنها وحدها ترضي الإنسان”.
ضياع معنى الوجود عند الكثيرين في أيامنا يفسر إلى حد ما رواج فلسفة سارتر. لقد بين الطبيب النفسي الشهير رودولف الليرس التجاوب القائم بين تلك الفلسفة من جهة وعجز الكثيرين في أيامنا عن معرفة مكانهم في الوجود، من جهة أخرى، وأضاف: “لم يعد البشر يجدون مكانهم لأنهم لم يعودوا يعرفون ما هم. لا يمكن فهم المحدود إلا بالإضافة إلى اللامحدود. الصورة لا تأخذ معناها إلا كانعكاس الأصل. لكي يفهم الإنسان نفسه، يجب عليه أن يدرك من جديد، وبمجموعة كيانه، إنه مصنوع على صورة خالقه ومثاله”.
إن سارتر يرفض بالضبط أن يكون للإنسان هذا المرجع الإلهي، ولذا فالحرية التي ينادي بها محكوم عليها بأن تخبط خبط عشواء. لا يمكنها أن تستنير بقيم لأنها هي مخترعة القيم. لذا، “فسيّان، يقول سارتر، بين ان يسكر المرء وحده أو أن يقود الشعوب”. نعم لقد حاول سارتر أن يبني مناقبية على تلك الحرية المعتبرة مرجعاً لكل شيء، فقال بوجوب العمل على إقامة نظام سياسي واجتماعي يضمن الحرية للجميع، إذ أن الحرية هي أثمن ما في الإنسان. ولكن أسس تلك المناقبية ضعيفة، إذ ما الذي يمنع الحرية، وهي القيمة المطلقة التي لا مرجع لها سوى ذاتها، من أن تختار تأكيد ذاتها عن طريق التسلط واستعباد الغير. ما الذي يمنعها أن تجد نشوتها، إن شاءت، في تحطيم ومحو ذاتها؟ ما الذي يمنعها أن تعتمد سلوكاً لا إنسانياً طالما هي وحدها ترسم، بقرار منها، الحدود بين ما هو إنساني وما هو غير إنساني؟
تلك الحرية الفاقدة المعنى، السائرة على غير هدى، إنما هي عبء لا يطاق على الإنسان، لا لكونها تنافي ميله إلى الراحة والطمأنينة وحسب، كما يبدو لسارتر الذي يعتبر قذراً كل من رفض الحرية التي يبشر بها، بل لكونها تناقض أعمق ما في إنسانية الإنسان، ألا وهو عطشه إلى معنى يقيّم به وجوده، معنى يكشف له من هو وما هو مكانه في الكون. فلا عجب، والحالة هذه، أن يحاول الإنسان التخلص من عبء تلك الحرية بانضوائه تحت لواء مذهب شمولي يستعبد نفسه له كلياً، وبخضوعه الأعمى لزعيم سياسي مؤله، مفضلاً طغيانه وارهابه على ممارسة حرية لا طائل لها ولا هدف. هذا بعض ما يفسر نجاح النازية والفاشية والستالينية في عصرنا. إن سارتر نفسه لم ينج من تلك التجربة كما بين بول افدوكيموف بقوله: “إن هاوية الحرية تثير، بشكل غريب جداً، الدوار والغثيان. وكأن لا بد من دفع ثمن الخداع. هذا ما توقعه دوستويفسكي عندما قال إن الإنسان لن يستطيع أبداً أن يحتمل نير الحرية وأن الماركسية تقدم أقصى الإمكانية للتجرد من هذه الهبة الملوكية. أن سارتر يقر بذلك: “لا أصل لشيء، لا يمكنني فكري من أن أبني شيئاً، إذاً لم يعد من حل سو الماركسية” (نقد العقل الجدلي).
إن الحرية، تلك “الهبة الملوكية”، عبء، على كل حال على الإنسان لأنه ينزع إلى الطمأنينة الرخيصة، ولكنها تصبح زوراً لا يحتمل إذا جردت من معناها كما هو الحال في المفهوم السارتري لها. (هذا ما يسميه افدوكيموف “ثمن الخداع”). إن هذا المعنى وحده ينقذ الحرية من فراغها ويجعل منها حرية أصيلة، لا قيداً يضاف إلى قيود الإنسان. لقد قال الرب يسوع: “ستعرفون الحق، والحق يحرركم” (يوحنا 8: 32). يقابل بول افدوكيموف تلك الكلمة الإلهية بتأكيد مارلو بونتي على ضرورة المعنى للإنسان، ويقول: “حسب الإنجيل، ما يجعل الإنسان حراً هو الحق أي المعنى”.
هذا المعنى الذي لا بد منه كي تكون الحرية أصيلة، لا يتحقق إلا إذا كانت الحرية تعني تحرير الإنسان من كل أغلاله. أن أكون حراً، هذا يعني، في الأعماق، أن أحطم قيودي وأتخلص من محدوديتي وأحقق ذاتي على أكمل وجه. وإلا لاقتصرت الحرية على اختيار قد يسمح لي بشيء من الشعور بالاستقلال ولكنه يفقد الكثير من معناها إذا بقيت جوهرياً أسير عجزي وفراغي. يقول سان اكسوبري: “ما أسميه حرية هو تحريرك”. أما سارتر، “فالحرية التي يتحدث عنها هي مطلق فارغ، إنها محصورة بالاختيار”.
يقول سارتر إن الحرية مرادفة لجاوز الذات المستمر الذي يتميز به الإنسان. ولكن هذا التجاوز مستقطب، وإلا لما كان. الحرية ليست، كما يتصورها سارتر، مجرد رفض لما هو قائم، هذا هو وجهها السلبي فقط. ولكن الإنسان لا يرفض الوضع الراهن إلا بسبب سعيه إلى الأفضل والأكمل. لا وجود لحرية الإنسان لولا المطلق الذي يستقطبها ويعطي لحركتها المستمرة وقلقها الذي لا ينتهي غاية ومعنى. ولكن ما معنى هذا التجاوز للذات، في مفهومه السارتري، الذي هو أفقي محض وممتد من عدم إلى عدم، من العدم الذي يخرج منه الإنسان إلى العدم الذي ينتهي إليه ويتلاشى فيه؟ ما معنى هذا التجاوز للنفس الذي يبقي الإنسان نهائياً على عزلته وشقائه وشروره وفنائه؟ ما معنى هذا التجاوز طالما الإنسان يبقى أسير ذاته وهزالتها؟
ولكن الإنسان لا ينجو من هزالته إلا بالآخر. هذا ما تثبته لنا الخبرة الإنسانية اليومية. الإنسان يكتمل بالحب، عندما يسلم ذاته لآخر عند ذاك يجد نفسه. الرجل والمرأة يكملان أحدهما الآخر في الحب الزوجي الذي يجمعهما، وكما يقول ميللر “في اللحظة التي يكونان فيها منجذبين خارج ذواتهما إلى أبعد حد، باندفاع الحب، في الحياة الزوجية المشتركة، في تلك اللحظة عينها يحس الرجل والمرأة أنهما يبلغان الحرية الحقة”. كذلك يكتمل الرجل بالأبوة – روحية كان أو جسدية – والمرأة بالأمومة، إذا عاشاها في أصالتها المعطاء. لم ير سارتر في الآخر إلا ذاك الذي يسلبني وجودي، ولم يتصور العلاقة بيني وبينه سوى صراع بين عزلتين. ولكن هذه النظرة القاتمة إلى العلاقات الإنسانية لا تأخذ بعين الاعتبار سوى جزء من الواقع. يقول روبير كوفي: “نعلم أن الإنسان، بالرغم من رغبته، لا يستطيع أبداً أن يتغلب على عزلته بشكل تام، ولكننا نعلم أيضاً بالاختبار أن الشركة ولو كانت محدودة وناقصة، تبقى حقيقة واقعية. نظر الأم يوقظ الحياة والحب. نظر الخطيبة والخطيب والزوج والزوجة والصديق يخلق الآخر… إن سارتر لا يشوه الإنسان وحسب، إنما يبدو جاهلاً للوقائع”. خبرة العلاقات الإنسانية، إن لم نبترها بتحيزنا، تعلمنا أن الآخر ليس هو مجرد تهديد لوجودي، إذ إنني به أوجَد. من هذه الخبرة الإنسانية الأصيلة انطلقت الفلسفة المظهرية الحديثة، لتبين “أن الإنسان لا يكتمل كإنسان إلا في الشركة، إلا في الحياة مع الآخرين. عوض “الأنا” يوجد “النحن”، تجاه “الأنا” يوجد “الأنت” ليعطيه معناه. وهكذا يبدو كيف أن إسلام الذات للآخر هو على خط الشخصية والحرية الحقة”.
هذا صحيح بالأحرى بالنسبة لعلاقة الإنسان بالله، إذا كان الإنسان لا يحقق ذاته إلا الآخر الإنساني، فإنه بالأحرى لا يحقق ذاته إلا بذلك الآخر الإلهي الذي منه يستمد كيانه. رفضه الله يعنى انفصاله عن جذور كيانه وينبوع وجوده. في هذا الانفصال لا يجد إلا العدم وحرية زائفة هي حرية العدم، حرية هي بمثابة انتحار كياني. يقول روبير كوفي: “لقد قتل سارتر الله. النتيجة الطبيعة لذلك هو أنه يؤله الإنسان. إنه يأتي من لا شيء ويذهب إلى لا شيء. إنه ليس سوى ومضة في ليل الأشياء. وفي هذا اللحظة الهزيلة التي تدعى الوجود، عليه أن يمثل أمام الإنسان الذي يقاضيه دون ان يعرفه والذي لا يعرف الرحمة والحب”.
“حرية” الزهرة، لو صح التعبير، ليس بأن تستقل عن الجذع فتذبل، بل أن تتصل به صميمياً، لأنها عند ذاك تحقق ملء وجودها كزهرة. كذلك “حرية” السمكة ليست بأن تخرج من الماء الذي يكتنفها، بل أن تبقى ملازمة له. هكذا، يقول شارل ميللر، فالإنسان “يجد حريته الحقة في عودته إلى القوى التي أعطته الحياة والتي تعطيه إياها باستمرار، في العمق”، ولذا “فالعمل الذي به ينفتح الإنسان إلى النعمة هو بمثابة عمل ذاك الذي بعود فيغطس في الماء المحيي. الزهرة المقطوعة تموت إذا بقيت وحدها، أما إذا غطست من جديد في الماء، فإنها تعد زهرة، تعود إلى أصالتها. العمل الذي يقتبل به الإنسان نعمة الإيمان النوارنية ليس سوى ذلك.” من آمن به، يقول يسوع، تجري من جوفه أنهار ماء حي”.
وجود الإنسان مستمد من آخر، وبعبارة أخرى وجوده نعمة، أي عطية حب، يقول الأب دانيالو: “أنا لست موجوداً إلا لأنني محبوب. ولذا أن أوجد يعني بالنسبة لي أن أحب بدوري، أن أجيب على النعمة بالشكر… منذ البدء أدخلت في دورة الحب، دورة النعمة والشكر. لا يسعني أن أنفصل. لأنني إذا انفصلت أدخل في نطاق…. اللامحدود. إنها لمفارقة جديرة بالاهتمام، إنني بقدر ما أريد الاكتفاء بذاتي أهدم ذاتي، فيما أؤكد ذاتي إذا اعترفت بعد كفايتي”.
على الإنسان إذاً أن يعترف بأنه ليس مصدراً ومحوراً لوجوده وأن يدخل في “دورة الحب” التي ذكرنا. عند ذاك يتقبل الوجود عطية حب من ربه، فيحقق ذاته بذلك الحب المحيي ويبلغ إلى الحرية الحقة. ولكن الإنسان قد يرفض ذلك، لأن “شهوته أن يملك ذاته. إنه يكره… أن يقبل بأن ينال كلياً في كل لحظة من آخر…لهذا السبب فإنه، إذا قاده ثقب نظره الماورائي إلى الاعتراف بأن كل خير آت من الله، يرتضي خطيئته، وبأن كل سعادة آتية من الله، يرتضي شقاءه، وبأن كل كينونة آتية من الله، يرتضي عدمه. لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي لديه لرفض الله، إذا كان كل ما هو كائن آتياً من الله وإذا كان قبول الكينونة اعترافاً بعدم الاستقلال”.
إن سارتر يفضل حرية العدم والفراغ على قبول الوجود من آخر عطية حب مجانية. ولا عجب في ذلك، فمن كان كسارتر لا يرى في الحب البشري سوى العبودية والاستعباد، لا يمكنه أن يفقه شيئاً في سر النعمة، لا يمكنه أن يفهم أن اتجاه الله نحو الإنسان، ذلك الاتجاه الذي شبهه الكتاب، في الأنبياء ونشيد الأنشاد وأمثال الإنجيل ورسائل بولس ورؤيا يوحنا، بالحب الزوجي، إن ذلك الاتجاه يمنح وحده الإنسان الحرية الحقة لأنه وحده يمده بطاقة تمكنه من تحقيق ذاته كلياً.
لقد ميز أوغسطينوس المغبوط بين ما دعاه “الحرية الصغرى”، ألا وهي حرية الاختيار، وما سماه “الحرية الكبرى”، وهي الاتحاد بالله. وقد حدد أحدهم الحرية الحقة بأنها” قدرة على الاختيار في خدمة قدرة على الاكتمال”. ذلك هو المفهوم الكتابي للحرية، تلك الحرية التي أعلنها الكتاب على أنها موهبة الله ودعوته للناس: “فأنتم، أيها الأخوة، إنما دعيتم إلى الحرية” (غلاطبة 5: 13)، “لقد حررنا المسيح لكي ننعم بهذه الحرية: فاثبتوا إذاً فيها ولا تعودوا ترتبطون بنير العبودية” (غلاطية 5: 1). ولكن الحرية، في المنظار الكتابي، لا تتحقق إذا شاءت أن تكتفي بذاتها وتنفصل، بل إذا قبلت بأن تدخل في “دورة الحب” المحيية. الحرية، بنظر الكتاب، لا تنفصل عن حياة الشركة، الشركة مع الله والشركة مع الناس التي تترجم وتحقق الأولى. ولذا فالخطيئة، حسب التعليم الكتابي، عدوة الحرية اللدود، لأنها، تحديداً، تلك الاكتفائية القتالة التي بها يفص الإنسان الشركة ينفصل عن ينبوع وجوده وكيانه، فيجف ويذبل ويصبح أسير عدمه وفراغه.
لذا قال الرب: “إن كل من يعمل الخطيئة هو بعد للخطيئة” (يوحنا 8: 34). لذا أيضاً فبعد أن قال الرسول بولس: “فأنتم أيها الأخوة، إنما دعيتم إلى الحرية”، أضاف: “ولكن لا تجعلوا هذه الحرية قرصة للجسد (أي، في لغة بولس، للإنسان المكتفي بذاته، المنفصل)، بل كونوا بالمحبة خداماً بعضكم لبعض” (غلاطية 5: 13). وكأنه يقول: يجب ألا تقودكم حرية الاختيار (وهي “الحرية الصغرى”) إلى الاكتفائية التي بها تزول حريتكم بالمعنى الكامل لهذا العبارة (وهي “الحرية الكبرى”، تحرر الإنسان من هزالته بدخوله في الشركة الإلهية)، تلك الحرية التي لا تتحقق إلا بالحب. الحرية، في الكتاب، هي ثمر الروح الإلهي الذي به يوجد الإنسان بوبه يتحقق ملء وجوده: “الرب هو الروح، وحيث يكون روح الرب، فهناك الحرية” (2كورنثوس 3: 17).
لذا فرفض الأبوة الإلهية يجعل الإنسان في عزلة وفراغ، أما العلاقة البنوية المعاشة بينه وبين خالق فإنها تمده “بمجد الله” أي بزخم الحياة الإلهية التي بها يتحرر من هزالة وضعف وعزلة وشر وموت. تلك هي الحرية التي حددها الرسول بولس على أنها تحرر من “الخضوع للباطل” ومن “عبودية الفساد”، حرية أبناء الله الذين تحرروا، بتلك البنوة عينها، من المحدودية والشر والموت، فأشاعوا تلك الحرية في الكون كله: “إن الخليقة ستعتق، هي أيضاً، من عبودية الفساد إلى حرية مجد أبناء الله” (رومية 8: 21).
هؤلاء الأبناء متصلون بالله دون أن يكون في ارتباطهم الصميمي به أي أثر للعبودية. ذلك لأن الله ليس كياناً غريباً مفروضاً على كيانهم، بل إنهم به، وبه وحده، يجدون ذواتهم. فالله هو الكائن المتعالي كلياً، ولكنه بآن أقرب إلى الإنسان من ذاته، حتى أن الإنسان لا يقترب من ذاته، الأصيلة، محققاً كل طاقاته، إلا بمقدار اقترابه من الله، من ذاك الذي أشار إليه الشاعر الكبير المعاصر بول كلوديل بقوله: “من هو فيّ أكثر أنا مما أنا”.
الخاتمة
فضل سارتر علينا، في نقده للدين، أنه يساعدنا على التحرر من مواقف دينية زائفة كثيراً ما نخلط بينها وبين الإيمان الأصيل. منها مثلاً ذلك الموقف السلبي في الدين الذي يعطل به الإنسان تفكيره ويتخلى عن كل مبادرة، ادعاء منه بأنه يطيع الله، فيما يكون منقاداً انقياداً أعمى للتقاليد وعوائد بشرية تجنته مشقة تحمل مسؤولياته واتخاذ موقف ملتزم، واع.
منها تلك الجبرية التي بموجبها نستسلم لما ندعي أن الله قد “كتبه” لنا، فنلقي هكذا على الله، أو بالأحرى على صنم نطلق عليه ذلك الاسم المعبود، مسؤولية جبننا وخنوعنا وتخاذلنا. ومنها أيضاً تحويلنا الأخلاق إلى مجموعة من الأوامر والنواهي ننقاد لها بشكل سلبي، أعمى، دون أن نعي ارتباطها الصميمي بمتطلبات كياننا العميقة، فنستعيض عن الضمير الحي، الواعي، الدائم اليقظة والانطلاق، بشريعة ملصقة بنا من الخارج، جامدة، مائتة، خائفة، تجنبنا حرفيتها الضيقة قلق الالتزام الحر وتحمينا من الدخول في مجازفة الحب الذي لا يقف عند حد. ومنها تجنب التفكير في أمور الحقيقة الإلهية (ألا يدعي البعض أن الغوص في شؤون الدين كفر؟)، كأن العقيدة الموحاة وجدت لتعفينا من التفكير، لا لتكون ملهمة ومغذية لفكر حيّ خلاق. ومنها أيضاً تلك الاتكالية التي هي صورة كاريكاتورية عن الثقة بالله والتي يحاول بها الإنسان أن يحمي نفسه من مجابهة الواقع ومن صعوبة وخطر النضال في سبيل تغيير أوضاع تنافي الكرامة الإنسانية.
يقول شارل ميللر بأن هناك نوعا ًمن الاتكال على الله هو طريقة للقبول بمصائب الناس وللحصور على طمأنينة رخيصة، بأن هنا عادة خبيثة تدفعنا إلى تشجيع نفوسنا بقولنا أن كل شيء سيجري على ما يرام، ويضيف: “كل شيء يدعوه سارتر سوء نية، ولكن المسيحي يدعوه خطيئة”. إنه خطيئة لأنه هروب وتخدير ونوم واستكانة أنانية جبانة، فيما تطلب المحبة منا يقظة وشجاعة ومجابهة والتزام: “يسوع في نزاع إلى منتهى الدهر، لذا لا ينبغي أن ننام في هذا الوقت.”
المسيحية، في أصالتها، بعيدة عن الاستكانة بعد السماء عن الأرض. يقول ميللر: “…. إن نعمة الله لا تطالنا (كما يتصور سارتر) بشكل دعوة للاستقالة والانقياد. إنها تدخل فينا بمثابة سيف، تمنعنا من النوم، تلزمنا على يقظة غير منقطة، المسيحي هو الساهر في “ليلة الفصح”، تلك الليلة التي لا ينبغي النوم فيها، إذ يجب ترقب “عبور الرب”.
المسيحية انطلاقاً لا نهاية لها لأنها اندماج الإنسان في الحياة الإلهية التي لا حد لها. من عرف الله حقيقة لا يمكنه أن يقف عند حد، لا يمكنه أن يرضى عن ذاته في حال من الأحوال، بل يحقق ذاته بتجاوز مستمر لذاته. كلما حالو الإنسان الاقتراب من الله، كلما ازداد شعوره ببعده عن ذلك الكائن اللامتناهي الذي يدعوه، وكلما ازداد بالتالي قلقه واشتياقه. هذا ما اختبره بنوع خاص كبار الروحيين: فقد تحدث غريغورس النيصصي مثلاً ذلك الخروج اللامتناهي من الذات نحو غور الله الذي لا يسبر عمقه.
“لقد وصف غريغوروس النيصصي وصفاً بديعاً ذلك اليأس الذي يعتري النفس الساعية إلى الله، التي ترجو في البدء أن تمسكه كله وتغتم لأنها تراه يفلت منها دوماً. ولكن “حجاب الحزن هذا ينزع عنها عندما تتعلم أن التمتع بالمحبوب هو بالضبط في هذا التقدم والارتقاء الدائمين، إذ أن الرغبة تلبى في كل لحظة فتنشئ رغبة بما لم يبلغ بعد” (تعليق على نشيد الأنشاد). هكذا فالنفس التي تنمو في حياة النعمة يملؤها الله دوماً على قدر طاقتها ولكن النعمة المعطاة لها توسع طاقتها وتجعلها قابلة لنعم جديدة. هكذا فالخبرة الصوفية قوامها امتلاك ورغبة بآن… إنها، يقول غريغوريوس، حركة وراحة، بئر مياه حية، ساكنة ومتفجرة بآن”.
يقول النيصصي: “حيث أن الجمال المطلق يكشف ذاته أكثر فأكثر، فعلى قدر التقدم يزداد اكتشاف الألوهة. وبسبب الغزارة الفائقة، غزارة الخيرات التي تكتشفها النفس باستمرار فيما يفوق الطبيعة، يبدو لها أنها لم تزل في أول ارتقائها. لذا يردد الكلمة لتلك التي سبقت فنهضت: “انهضي” ولتلك التي سبقت فأنت: “تعالي”. فإن الذي ينهض حقيقة عليه أن ينهض أبداً، والذي يركض نحو الرب لن يعوزه أبداً الفضاء الواسع ليتابع فيه جريه الإلهي. لأنه ينبغي للمرء أن ينهض دوماً وألا ينقطع أبداً عن الاقتراب ركضاً. لأن الذي يقول: انهض وتعال، يمنح فيك كل مرة نعمة ارتقاء أفضل”، وأيضاً: “والذي يرتقي لا يتوقف أبداً، بل ينطلق من يده إلى بدء، ماراً ببداءات لا تنتهي أبداً”.
الحياة الروحية خروج مستمر، السلاح دائم عن الذات تتحقق به الذات، لأنه انسلاخ عن محدوديتنا، كما أن النمو الطبيعي انفصال مستمر عن الأوضاع القديمة وحدودها لبلوغ حياة أوفر وأكمل. ليست محافظة شحيحة، خائفة، على كياننا، بل هي قبول بأن يضيع هذا الكيان لكي يوجد: “من أراد أن يخلص نفسه أضاعها، ومن أضاع نفسه من أجلي وجدها” (متى 16: 25). إنها خروج دائم للنفس من ذاتها لتجد ذاتها في من هو أعظم من ذاتها، كما قال أوغسطينوس: “لقد أخرجت نفسي، سكبت نفسي خارج ذاتها، إن بقيت نفسي في ذاتها لا تستطيع أن تجد إلا ذاتها”.
إنها فصح دائم، والفصح يعني عبوراً واجتيازاً، يعني اقتبالاً لصليب الانسلاخ الدائم عن “الإنسان القديم” (كولوسي 3: 9 ورومية 6: 6) المكتفي بذاته، المرتاح إلى حدوده (كما كان العبرانيون مرتاحين إلى عبودية فرعون، يحنون إليها) لكي نفسح مجالاً (لجدة الحياة) (رومية 6: 4 تتفجر فينا وتحولنا. هذا ما عناه الأرشمندريت الياس مرقص بقوله: “الحياة الروحية حركة فصحية نحو الله والآخرة” ، وقد كتب أيضاً بهذا الصدد: “نحن نطلب الحياة والحياة لنا هي بالضبط تلك الحركة الاشتياقية اللانهائية حو مصدر الوجود”، وأيضاً: “الله فيّ، في الداخل، في الطبيعة نحن لا محدودون كالله، مخلوقون على صورة لا محدودية الله. ولكن الله غير محدود “فعلاً” أما نحن فبالمصير. الوهتنا أن نتحول، أن نصير الله على الدوام. إن كوننا نتغير – نصير – يعطينا أجنحة على حد قول غريغوريوس النزينزي، وهذا مصدر كياننا. إن الخلق لا يزال جارياً بالنسبة لنا وسيزال إلى الأبد. نحن ننال أنفسنا كل لحظو من الله. “أبي حتى الآن يعمل”…
“…. الخروج من الذات هو بالنتيجة رجوع إلى الذات، إلى الروح العميقة التي في الذات تدعونا إلى الآب…”.
أين هذه الحياة الروحية المتحركة دوماً في تجاوز للذات لا متناه من الاستكانة والنوم اللذين يبدوان لسارتر جوهر التدين. غريب حقاً كون سارتر لم يستطع أن يميز بين الحياة الدينية الأصيلة وانحرافاتها. و”كأنه يقول ميللر، لم يقرأ أبداً نصاً انجيلياً واحداً، كتاباً واحداً لأحد الصوفيين”.
يعتقد سارتر أن نظر الله يسمر الإنسان، يجمده، يحول بينه وبين هذا التجاوز المستمر لذاته الذي هو مرادف لوجوده الإنساني الأصيل. هذا ما يبدو مثلاً في رواية “سبل الحرية” حيث نرى دانيال، وهو منحرف جنسياً، يحاول أن يتخلص من مسؤوليته، فيتجه إلى الله ويتصوره “نظراً محدقاً إليه”، فيقنع نفسه بأنه، كما أن الإنسان بنظره إلى الطاولة يحددها على أنها طاولة، ولا يسعها هي إلا أن تتقبل هذه التحديد، هكذا فالله بنظره إليه يحدده على أنه منحرف، على أن هذه طبيعته، ولم يبق له إذاً سوى تقبل هذا التحديد والعمل بموجبه دون أية مسؤولية. “ولكن المؤمن الأكثر فتورة، يقول ميللر، يعلم جيداً أن “نظر الله” هو نظر حب؛ وأنه، عوض أن يجمدنا، دعوة لنا، ضربة سيف تنفذ إلى مفصل النفس والروح لتعيد إلينا شعورنا بالمسؤولية، لتوقظ فينا حرية ماتت بالخطيئة”. هذا النظر الإلهي تجلت لنا نوعيته في يسوع المسيح.
يروي لنا الإنجيلي مرقص أن إنساناً أتى إلى يسوع سائلاً عما يجب أن يعمله ليرث الحياة الأبدية، “فحدق إليه يسوع، وأحبه؛ وقال له: “أمر واحد ينقصل: امض وبع كل ما لك، وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء؛ ثم تعال اتبعني” (مرقص 10: 20). هكذا كانت نظرة يسوع إلى هذا الشاب؛ نظرة الحب الذي يوقظ المحبوب إلى حياة أوفر وأغنى، ويفتح أمامه آفاقاً لا حد لها، آفاق تحقيق ملء الوجود بتجاوز كل امتلاك، لأن الإنسان مملوك مما يملكه، اسير ممتلكاته وخيراته التي تشده إليها وتحصره فيها وتحول دون تفجر طاقة الحب التي بها، وبها وحدها، يحيا ويحقق ذاته.
قضيتنا مع الله ليست أنه يريد تقييدنا وتجميدنا فيما نحن نثور لندافع عن حريتنا المهددة. الواقع هو العكس تماماً. فهمّ الله أن يوقظنا إلى أبعد حد؛ دعوته الدائمة إلينا أن نتجاوز ذواتنا لانهائياً بتلك الحياة الإلهية، حياته، التي يبثها فينا إن شئنا أن نتقبلها. همه أن يعطينا ذاته لكي نتجاوز كل الحدود ونصبح آلهة، وبذلك نصبح حقيقة أحراراً.
الله طموح بالنسبة إلينا فوق ما نستطيع أن نتصور: “ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه” (1كورنثوس 2: 9). ولكننا نحن نرهب هذا الطموح. ذلك أن الحرية الحقة هي تحرر من محدوديتنا، أما نحن فنطمئن إلى حدودنا، لا نريد أن نتغير جذرياً، لا نريد أن نتجاوز حدود هذا الأنا الضيق المألوف الذي نرتاح إليه، لا نريد أن نتسع إلى اللانهاية.
نرهب الحرية لأنها مقلقة، خطرة، كمن يبقى على الشاطئ لأنه لا يجرؤ على خوض عرض البحر واكتشاف عوالم جديدة. نحن في النهاية نرفض الله أو نستعيض عنه بصنم ندعو باسمه (وهذا أيضاً مظهر من مظاهر الرفض)، لأننا نرفض الحرية التي يدعونا إليها، تلك الحرية التي هي بآن انسلاخ جذري عن الذات. وتحقيق للذات بما يفوق الوصف. نرفض الله لأننا نخاف أن نتحول إلى آلهة. هذا ما عبر عنه الأب جان كاردونيل بقوله:
“الله لا يسلمنا هدية. إنه لا يعطينا شيئاً ما، لأن في ذلك ترفعاً، الله يعطينا شخصاً، وهذا الشخص هو شخصه. الله يعطي ذاته. في الصداقة، لا يعطي المرء شيئاً ما، ولكن شخصاً هو شخصه. كثيراً ما يكون إعطاء شيء تعبيراً عن عجز جذري عن إعطاء الذات. لذا فالله يسعى إلى الحوار معنا. الله يريد آلهة.”
“ولكن كوننا مخلوقات تود أن تبقى هكذا لتكون في اطمئنان، يجعلنا نرهب مصيرنا كآلهة. فنشك في كلية عطاء الله. ننسب لله نية مبينة، فنصور أنه لا يهبنا إلا جزءاً من مجاله ويحتفظ بالقس المفضل من ملكه.”
“الله يريد نفسه صديقاً لنا. يسعى إلى حوار الصداقة، اما نحن، فننتظر بكسل أوامر ننفذها. الله يكلمنا كصديق ونحن نجيبه كرعايا….”
“كثيراً ما يتصور المرء الله كأنه الصانع الأسمى. ولكن الله لا يصنعنا، إنه خالقنا. إنه يخلقنا بعدوى كيانية. ينظر إلينا نظرة صداقة، نظرة طموح. إنه يدعونا لنكون، ولتزداد دوماً كينونتنا.”
“الله لا يسيطر علينا، الله يوقظنا….”
“…. الله هو الرب بمعنى أن الموقظ الأسمى. إن مجده يشع ويسطع بقدر ما يكون الناس أكثر بلوغاً ورشداً. الله هو الله بقدر ما يكون البشر بشراً….”
خلاصة القول إن سارتر كان مصيباً في مطالبته بحرية الإنسان، في دعوته إلى نبذ كل خنوع وتخاذل واستكانة وإلى تحرير الوجود الإنساني من التبعية الطفيلية ليصبح جديراً ببالغ يتعهد مصيره تعهداً مسؤولاً. لقد كان مصيباً في تشهيره لكل مظاهر التدين الزائف التي تتخذ الله ذريعة للتهرب من المسؤولية والاقدام والالتزام.
لكن الالتباس المريع القائم في فكره حول نوعية علاقة الله بالإنسان، والذي غذته بلا شك تلك المظاهر الزائفة للدين التي ذكرناها، قاده إلى رفض الله وبالتالي إلى بتر الحرية نفسها وتشويهها. قد ردها إلى مظهرها السلبي، جعل منها قدرة على الرفض وحسب، وأفرغها من مضمونها، شأنه في ذلك شأن المراهق الذي يعجز عن تجاوز العناصر السلبية في ثورته ليجعل من تلك العناصر مرحلة في بناء نفسه والكون.
إن الحرية السارترية ترفض، تعارض، تنقد، تهدم، ولكنها لا تستطيع أن تبني شيئاً. إنها أسيرة فراغها. الله وحده يحرر الحرية، شرط أن نعرفه على حقيقته، لا كما تتصوره أهواءنا بل كما كشف ذاته لنا في يسوع المسيح، لا طاغية ومستبداً كجوبيتر “الذباب” بل عطاء كلياً وانعطافاً غير متناه، لا ملغياً وجودنا بل مؤكداّ له بإمداده من وجوده، لا مبطلاً حريتنا بل داعياً إيانا إلى الاشتراك في حريته بالتأله.
عند ذاك، إذا عرفنا أبوة الله، لا تبعية خانقة بل علاقة محيية، موقظة، محررة، استطعنا أن نجمع إلى شدة البالغين (“لا تكونوا اطفالاً مضطربين….”، “كونوا رجالاً، تشددوا….” يقول الرسول) تلك الطفولة الروحية التي يدعو إليها الإنجيل (“إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السماوات”) والتي هي موقف تقبل كياني وانفتاح بي وإسلام حر لذاك الذي به وحده نحقق ذواتنا لأنه أقرب إلينا من ذواتنا.
مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي
تعليل الإلحاد السارتري – إلحاد سارتر – كوستي بندلي
تعليل الإلحاد السارتري – إلحاد سارتر – كوستي بندلي
تعليل الإلحاد السارتري – إلحاد سارتر – كوستي بندلي
الاكتفائية وأصنام الله
وقد نتساءل: إذا كان هذا هو إله الاعلان الكتابي، فما الذي دفع سارتر – وقد عاش في وسط مسيحي – أن يعطينا عنه هذه الصورة المشوهة؟
إنني أعتقد شخصاً أن لذلك سببين: أولاً الاكتفائية الكامنة في صميم فكر سارتر، والثاني “أصنام” الله التي حالت بينه وبين إله الإعلان الكتابي.
1 – الاكتفائية السارترية
فمن جهة أولى قبول الله يفترض أن أقبل بأن وجودي عطية من آخر ولو كان لي سلطان بأن أستخدم هذه العطية كما أشاء وأن أحولها، إذا أردت، ضد معطيها. قبولي لله يعني اعترافي بأن لي مقياساً ومرجعاً، ولو أعطيت سلطاناً بأن اضرب بهذا المقياس وبهذا المرجع عرض الحائط. قبولي لله يعني إنني لست مالكاً لذاتي ولو أعطيت سلطة التصرف بذاتي كما أشاء. قبول لله لا ينفي حريتي ولكنه يعني أن هذه الحرية ليس غاية بحد ذاتها. مجمل الكلام أن “كوني مخلوقاً، كما كتب جان دانيالو، لا يعني أن الوجود ينزع مني كما يقول سارتر، إنما ينوع مني امتلاك هذا الوجود.
ما ينزع مني هو إرادتي بالاكتفاء الذاتي”. قبولي لله طعن في الصميم لاكتفائيتي، لإرادتي بأن أكون المقياس والمرجع الوحيد لذاتي. إيماني بالله صليب لهذه “النرجسية الروحية” على حد تعبير أوليفية كليمان، لتلك الشهوة في الإنسان بأن يملك نفسه ويتمتع بأناه المنغلق، المكتفي. صعب على الإنسان أن يقبل بأن وجوده كله نعمة. وهذا صعب بنوع خاص على الإنسان الحديث الذي بدأ منذ عصر النهضة يعتبر نفسه تدريجياً مركز كل شيء ومقياس كل شيء. وبصورة أخص هذا صعب بالنسبة للاتجاه الفردي الكامن في صميم فلسفة سارتر، وأن كان تطوره الفكري قاده إلى أن يخفف نوعاً ما من حدة هذه الفردية. فبالنسية لسارتر وجود الآخر كآخر تهديد لوجودي. لأن وجودي ينزع إلى اتخاذ نفسه محوراً لذاته وللكون كله، بينما يأتي وجود الآخرين ليزعزع هذه المحورية.
نظر الآخر إليّ، بالنسبة لسارتر، خطر عليّ واعتداء على حريتي لأنه يجعلني تحت تصرف الآخر يحكم عليّ ويقيمني كما يشاء فيجمدني ويحصرني في هذه الفكرة التي يكونها عني. الحب نفسه فخ لأن كلاً من المحبين يستخدم الآخر في سبيل تأكيد ذاته. لذلك “فجوهر العلاقات بين الوجدانات، حسب تعبير سارتر، هو الصراع، ومن هنا كلمته الشهيرة في مسرحية Huis-Clos “الجحيم هو الآخرون”. لم يدرك سارتر أن العلاقة بين البشر، وإن كانت في كثير من الأحيان صراعاً كما صورها، يمكنها أن تكون أيضاً شركة وأن “الفردوس هو الآخرون”، على حد تعبير غبريال مارسيل، لأنني بهم، وبهم فقط، أخرج من عزلتي وأنجو من اكتفائيتي القتالة، فأحقق هكذا ملء وجودي.
لم يدرك أن وجود الآخر إلى جانبي فرصة لأجد ذاتي بخروجي من ذاتي في اتجاهه وبانفتاحي لاقتباله ولقائه. إن من اختبر صداقة أو حباً أصيلين، من عاش الأبوة أو الأمومة في أعماقهما، يعرف كم تلك العلاقات بالآخر تغني الإنسان بفيض من الحياة غزير؛ كذلك اعجابنا بمن رأيناه متفوقاً في ميدان ما يفجر فينا طاقات كامنة ويرفعنا، بصورة ما، إلى مستوى من نحن معجبون به. وحتى إذا أقلقنا الآخر بمعارضته وانتقاده، حتى إذا كان حكمه علينا قاسياً ولربما ظالماً، فإن اقلاقه هذا مثمر إذا عرفنا أن نتقبله، فإنه يدفعنا إلى أعادة للنظر خلاقة فيما نحن عليه، إلى تجاوز حدودنا وعيوبنا، إنه ينتزعنا من الاستكانة المخدرة ويدفعنا إلى الأمام في حركة لا تتوقف. لذا كتب مونييه في كتابه “مدخل إلى المذاهب الوجودية”: “لقد لمنا سارتر لكونه لم ير في النظرة سوى النظرة التي تجمد. ولكن النظرة الأعمق هي، بالعكس، نظرة تزعزع.
إذا تقبلت حضور الآخر كشيء ليس تحت تصرفي، فنظرته إليّ لا تجمدني، ولكنها بالعكس تزعجني، تقلقني، تعيد النظر فيّ. نعم إنها تجردني، ولكنها تجردني من نفسي كعدو لنفسي، من مركزية أناي اللاشفافة، … من هذا الحاجز الذي أقيمه بيني وبين نفسي في العزلة. الاختبار يعلمنا كل يوم قيمة الكشف التي لرأي الآخرين بنا عندما يقبلون بأن يفضلوا به إلينا أو لذلك الوعي الذي يوقظونه فينا بمجرد عبء نظرتهم الصامتة. في الوحدة لا نعرف أنفسنا كما يجب ولا نحسن الحكم على أنفسنا. الاغتياب في معظم الأحيان محق أكثر من التأمل الباطني. إذاً لا يحيينا النظر الكريم الصادر من الآخر وحسب، إنما أيضاً نظر العداء أو الحسد أو اللامبالاة، إذا كنت، أنا الذي أتقبله، في حالة انفتاح له. هذا الاختبار يتحقق في الجماعات كما في الأفراد… إن نظرة الالحاد الى الدين، نظرة المعارضة إلى الحكومة، نظرة التلامذة إلى المعلم، هي الباعث الأساسي لحيوية هؤلاء”. أما بالنسبة لسارتر، فعلاقة الإنسان بالآخر هي، في الصميم، علاقة استعباد متبادل (وإن قبل سارتر في تطوره الفكري بإمكانية تعاون خارجي بين البشر من أجل بناء عالم أفضل). هذا المفهوم لعلاقة الإنسان بالآخر مبني، كما بين مونييه في كتابه المذكور أعلاه، على كون تفكير سارتر – إننا نحكم هنا على تفكيره وليس على شخصه، ففي شخصه الكثير من الالتزام الشريف لشؤون الناس تجلى في جهاده من أجل تحرير البشر من الظلم وفي تصريحه لجريدة Le Monde في 18 نيسان 1964: “أمام طفل يموت، لم يعد للغثيان من وزن” – قلنا على كون تفكيره يدور في عالم التملك أو عالم عدم الانفتاح على حد تعبير غبريال مارسيل. وقد حدد مارسيل هذا الموقف بقوله: “عدم الانفتاح هو أن يكون المرء منشغلاً بذاته”. إذا كنت أريد أن أكون مالكاً لذاتي فوجود الآخرين يهدد هذا التملك لأن عليّ أن أحسب حساباً لوجودهم ولما ينتظرونه مني ولوجهة نظرهم فيّ. إذا أغلقت على ذاتي ضمن مركزية أناي، فلا بد أن أرى الآخرين على شاكلتي وأن أرى فيهم بالتالي كائنات منغلقة، منشغلة بذاتها، تتطاحن مع كياني وتهدده بالاستعباد. إذا كنت منشغلاً بذاتي، فلا مكان حقيقي في وجودي للآخر، وبالأحرى لا مكان فيّ لهذا الآخر المطلق الذي هو الله، لأن إن قبلت به تجردت تماماً عن ملكية ذاتي وضربت في الصميم اكتفائي. ولا بد عند ذاك أن أتصور الله، كما أتصور الآخرين، من خلال مركزية أناي، فأراه أنانية هائلة تحاول استعبادي. ولا بد أن يكون رفضي له أعمق بكثير من رفضي للآخرين، لأنني إذا تصورت أن الآخرين يحاولون استعبادي أستطيع أن أرد عليهم بمحاولتي استعبادهم، أما الله، وهو تحديداً من لا أستطيع استعباده، فلا سبيل لي إلا إنكاره للمحافظة على اكتفائيتي. إذا كانت نقطة الانطلاق هي مركزية الأنا، فلا بد أن تبدو لي صورتها منعكسة على الآخرين، فأحس أنهم معتدلون ومستعبدون، ولا بد أن تنعكس صورتها مضخمة على الله، فأراه الطاغية الأكبر الذي يمتص كياني امتصاصاً ويلغي وجودي. لقد كتب إتيان بورن عارضاً وجهة النظر السارترية: “إن حضور الآخر يأتيني ببرهان إضافي على مدى أذى الله، لو كان موجوداً. لأن من هو الله سوى آخر مطلقة حرب بأن يرفع العلاقة الجدلية بين سيد وعبد (التي تربطني بالآخر) إلى أعلى درجة من الحدة عوض أن يحلها؟ لأنه إذا كان الآخر بغيضاً، فالله يكون، والحالة هذه، بغيضاً بصورة مطلقة”. عند ذاك وفي هذا المنظار الذي يصبح فيه حسب تعبير هيغل “كل وجدان يسعى إلى الموت الآخر”، أصبح “موت الله”، على حد تعبير نيتشه وسارتر من بعده، شرطاً لا بد منه لأوجد أنا. أما إذا تحررت من مركزية الأنا وأصبحت “منفتحاً” تحولت علاقتي بالآخر من صراع بين “أنا” و”هو” إلى “مناجاة” بين “الأنا” المنفتح والأنت حسب تعليم غبريال مارسيل. أي أن الآخر يصبح ليس ذلك الغريب “هو” الذي يحد وجودي ويهدده بل ذلك المخاطب، ذلك “الأنت”، شريكي الذي به أكتمل. عندئذ أستطيع أن أرى الله كطاغية غريب ينتزع مني الوجود بل كشريك وحبيب، ذلك، “الأنت المطلق” كما يقول غبريال مارسيل، الذي يوقظني باستمرار إلى وجود أوفر وأغنى.
2 – أصنام الله
أما السبب الثاني الذي حدا سارتر بنظري إلى تبني هذه الصورة المشوهة عن الله، فهو “الأصنام” التي حالت بينه وبين الإله الحقيقي. “الأصنام” هي تلك التصورات التي نكونها عن الله في ضوء ميولنا ورغباتنا فنتعبد لها معتقدين أننا نتعبد لله فيما لا نعبد بالحقيقة سوى أنفسنا. “ليست أفكاري كأفكاركم يقول الله، في نبؤة أشعيا، ولا طرقي كطرقكم لكن كبعد السماء عن الأرض تبعد أفكاري عن أفكاركم وطرقي عن طرقكم” (أشعيا 55: 8، 9)، ومع ذلك فإننا عوض أن نرتقي نحن إلى الله كثيراً ما ننحدر بالله إلى مستوى أفكارنا ورغباتنا. عندما انطلق سارتر من محورية الأنا تصور الله طاغية يمتص وجود الإنسان، كما رأينا، فأوجد هكذا صنماً سماه “الله”. ولكن سارتر عندما فعل ذلك، كان إلى حد بعيد يرجع صدى ما يتصوره الكثيرون من المسيحيين عن الله.
قاله المسيحيين، والحق يقال، ليس دائماً الإله المسيحي، الإله الذي أعلن لنا في يسوع المسيح. إن إله الكثيرين من المسيحيين إله يتصورونه على شاكلتهم، إله هو صورة مضخمة عن نقص المحبة الكامن فيهم. يقول لويس افلي في كتابه المذكور أعلاه: “… إن معظم المسيحيين لا يتمنون أن يكونوا ذلك الإله الذي يتصورونه. لأنهم أفضل منه. لقد قال فولتير كلمة رهيبة: “الله خلق الإنسان على صورته، ولكن الإنسان رد له المثل”. الإنسان صنمي بطبيعته. إنه دون انقطاع يكوّن إلهاً على صورته. كل واحد منا مجرب بأن يتصور إلهاً بعيداً…. مستاء، غير مكترث، لاهياً، حقوداً، متذمراً. لأننا لا نحبه كثيراً، نتصور أنه لا يمكن أن يحبنا كثيراً”. ولكن إله الاعلان الكتابي “أعظم” بما لا يقاس “من قلوبنا” الضيقة (1يوحنا 3: 29). لذا يتابع لويس افلي قائلاً: “الإعلان الإلهي يقول لنا… إن الله ليس مثلنا، وأنه لا ينبغي لنا، إذا شئنا أن نعرف مشاعره نحونا، أن نستند إلى مشاعرنا نحوه… إن الله أحبنا دون أن نحبه، إنه أحبنا أولاً”.
الإله الذي يتصوره المسيحيون كثيراً ما يكون صورة عن أسلوبهم في الحياة، مع أن هذا الأسلوب دائماً ناقص وقد يكون منحرفاً. من قرأ كتاب سارتر الأخير Les Mots (وفيه يروى طفولته)، أو الكاتب المماثل لتلميذه سيمون دي بوفوار، يرى أن كلاهما نشأ في بيئة عائلية أو اجتماعية كان الله يتميز فيها عن الوطن والنظام والأسلوب البورجوازي في العيش وسلطة التقاليد الاجتماعية. تلك التقاليد التي قتلت “زازا” الفتاة المؤمنة والمنتمية إلى عائلة مؤمنة، صديقة سيمون دي بوفوار، لأن تربيتها جعلتها تخضع، ضوعها لله، لإرادة والدة كانت ترفض تزويجها من الرجل الذي أحبته لأن العرف يقضي بان لا تختار الفتاة زوجاً بل يختاره لها والدها.
المسيح رفض تجربة السلطة، رفض أن يكون ملكاً على الأرض، (يوحنا6: 15، 18: 36)، وبذلك أظهر لنا أن سلطة الله تختلف بما لا يقاس عن مفاهيم البشر في السلطة. ومع ذلك فكثيراً ما يتخذ المسيحيون الله مبرراً للنظام الاجتماعي الراهن ولو كان هذا النظام جائراً. لقد تحققت في فولتير مثلاً كلمة المذكورة أعلاه، إذ أنه نادى بفكرة “إله دركي” يكون ضمانة لنظام اجتماعي مبني على تفاوت الثروات، وكان هكذا، وهو ثري، يتخذ الله حجة لضمان احتفاظه بثروته.
ولكن الكثيرين من المسيحيين يجارون في هذا الموقف فولتير الذي لم يكن مسيحياً، فتراهم ينسـبون إلى الله تفاوت الثروات ويتخذونـه وسيلة لتكريس اسـتغلال فئة لفئة أخرى. إن أ. لامبرت، في مقال له، بعد أن بين أن الله لا يمارس في العالم سلطة شبيهة بسلطة الناس، أظهر كيف أن المسيحيين سخّروا ولا يزالون يسخّرون الله لتثبيت تسلط المتسلطين، وأضاف قائلاً: “يتمتع الإنسان بهذا الامتياز الرهيب بأنه يستطيع أن يحمّل إلهاً مسؤولية المركز الذي يشغله والقانون الذي يضعه… هذا هو أحد العوامل الرئيسية لاستبعاد البشر وهذا ما يظهر بأنه بإمكان المرء أن يدوس الصليب لا عن طريق اضطهاده بل عن طريق تملكه”.
إنها بالحقيقة محاولة كفرية يستخدم بها الإنسان الله عوض أن يضع نفسه في خدمته ويحدره إلى مستوى مطامعه عوض أن يرتفع إليه، إنه يصور الله بأخلاقه عوض أن يتصور بأخلاق الله، وهكذا يبرر سلوكه ويتأصل به ويطفئ فيه الإمكانات الخيرة ويصبح تماماً على صورة ذلك الإله الذي تصوره. يقول جوبيتر “الذباب” لايجيست: “لقد قلت لك أنك مصنوع على صورتي. كلانا يعمل ليسود النظام، أنت في أرغوس وأنا في العالم” (الفصل 2 – المنظر 2 – المشهد 5) والصحيح أن “جوبيتر” و”أصنام الله” الشبيهة به صنعت على شيه الطاغية ايجيست وأمثاله. الحق يقال إن المسحيين كثيراً ما تصورا ويتصورون الله على صورة الملوك والحكام وما سمي “بنظامهم” الذي قد يكون تكريساً من الملوك والحكام التخلق بأخلاق الله.
هذا ما أدى إلى التلازم المؤسف، المرير، بين “المذبح” والعرش”، هذا ما قاد الكنيسة الرسمية في كثير من الأحيان إلى الخلط بين قضية الله وقضية الطبقة الحاكمة، هذا ما يفسر، إلى حد ما، إن الحركات التحريرية منذ الثورة الفرنسية كثيراً ما انحرفت في نضالها ضد الاستبداد إلى رفض الله نفسه، لأن الإله الذي وجدته أمامها كان قد صنع على صورة المستبدين.
ولأن المسيحيين تصورا الله على صورة السلطات الأرضية، فقد ناقضوا الإنجيل بشكل رهيب إذ كثيراً ما استخدموا الاكراه في أمور الدين. فقد كتب بردياييف: “في مجرى التاريخ، كثيراً ما اتخذت المسيحية طريق الاكراه وسقطت في التجربة وتخلت عن حرية المسيح. إن الرئاسة الروحية، سواء الكاثوليكية أو الارثوذكسية، كثيراً ما استبدلت الحرية بالإكراه، وسقطت في تجربة المفتش الأكبر”.
هذا الإله الذي كثيراً ما نلصق به صورة المتسلط في المجتمع، قد نراه أيضاً من خلال علاقتنا الطفيلية بوالدينا. إن أول صورة يتحسس المرء من خلالها سر الله هي صورة والديه، إلا أن نموه الإنساني والروحي يجب أن يقوده إلى تجاوز هذه الصورة. ولكن قد تحجب هذه الصورة الطفيلية عن الإنسان رؤية الإله الحقيقي. هذا ما قد يحدث مثلاً إذا كان الوالدان شديدي التسلط أو إذا كانا يخلطان بين سلطة الله وسلطتهما الخاصة ويبنيان تربيتهما الدينية والخلقية على الخوف من الإله الذي “يخنق الأطفال”.
هكذا قد تبقى عالقة في نفس المرء طيلة حياته صورة إله يضخم شراسة الوالدين وتسلطهما، صورة له لا سبيل للوقوف أمامه إلا في موقف الطفل العاجز أمام عملاق يسحقه، صورة إله بعبع لا مجال أمامه إلا للشعور الدائم بالإثم والخوف. تلك صورة “الإله الأب الرهيب” التي وجدها فرويد في بعض التصورات الدينية فلم يعرف أن يميز بينها وبين الإله الحقيقي. إن المشتغلين بعلم النفس كثيراً ما يرون هذه الصورة عن الله، التي يجتمع فيها كل عجز الطفل وذعره، تبرز من كوامن العقل الباطن وتطغي على المعلومات الدينية التي تلقنها الشخص – خاصة إذا كانت سطحية، ناقصة – وتصبغ حياته كلها، فإما تستعبده وتشل فيه كل حيوية وتعذبه دون هوادة بالوساوس والشعور المرضي بالإثم وإما تشعل فيه ثورة تبدو وكأنها موجهة ضد الله فيما هي بالحقيقة محاولة مستميتة للتخلص من صنم استعيض به عن الإله الحقيقي.
تلك العلاقة بين الصورة التي يكونها الطفل عن والديه (والتي ليست هي بالضرورة مطابقة تماماً لشخصها الحقيقي) وبين تصوره، في طفولته وما بعدها، لله، تبدو لنا إذا عدنا إلى طفولة سارتر كما يرويها لنا في مذكراته المذكورة آنفاً وكما رجع لنا تلميذه جانسون صداها في دراسته عن سارتر التي سبق أيضاً ذكرها. أن عبارة في مذكرات سارتر لا بد لها أن تلفت النظر، ألا وهي: “لقد فهم القارئ أنني أكره طفولتي وكل ما بقي منها….”. فما هو الداعي يا ترى لتلك الكراهية؟ لقد توفي والد سارتر فيما كان يبلغ من العمر سنتين، فعاشت أرملته عند والديها مع الطفل مدة عشر سنوات تزوجت بعدها من جديد. هكذا قام جد سارتر بدور الوالد بالنسبة لليتيم. وقد أحاطه بالعناية والاهتمام، فلم ينقصه شيء في الظاهر، إلا أن الطفل كان يحس بأن تلك العناية كلها لم تكن نابعة حقيقة من القلب، إنما كان فيها تكلف وتمثيل.
لم يحس بأن ذلك المنزل كان منزله حقيقة، فقد كانت والدته توشوش في أذنه إذا ضج: “احذر، لسنا في بيتنا”. أحس هذا الطفل المدلل بأنه لم يكن محبوباً من أجل نفسه، إنما كان عليه أن يشترك في تمثيلية، فيتقبل تظاهر جده بالاهتمام به ويجيب على ذلك بأن يلعب دوره، دور الولد المرضي، المهذب، المطيع، الذكي، دون أن يجد الحب لقلبه سبيلا: “لم أكن أحب شيئاً أو أحداً”. كان يشعر بأنه ليس مقبولاً حقيقة وأن لا مبرر لوجوده سوى أرادة جده، تلك الإرادة التي كان عليه ان يستميلها بلعبه، تجاه ذلك الجد المتسلط، دور الكلب الأليف. من الطبيعي، والحالة هذه، أن يكوّن الطفل سارتر صورة عن الأبوة نابعة من علاقته بجده. فقد كانت تلك العلاقة مجردة من الحب: كان الطفل يشعر أن جده لا بحبه حقيقة (“كان مصيري معلقاً به كلياً، فكان يعشق فيّ كرمه”) وإن عطفه عبء عليه لأنه كان مضطراً أن يستجديه بتلبس شخصية زائفة، ذليلة. لذا تصور الأبوة طاغية، ساحقة، وهنأ نفسه لوفاة والده لأنها جعلته حراً: “ليس من أب صالح، تلك هي القاعدة. ولا يعود اللوم في ذلك للبشر بل لرباط الأبوة الذي هو مهترئ. حسن أن يصنع الإنسان أولاداً، ولكن أن يكون له أولاد، يا للظلم.
لو كان عاش أبي، لكان تمدد عليّ بطوله وسحقني. لحس حظي مات عندما كنت صغيراً….”، “لقد كان موت جان باتيست (والده) قضية حياتي الكبرى، فقد…. أعاد لي الحرية”. هكذا نرى أن سارتر بتأثير خبرة طفولته لم يتصور الأبوة إلا بشكل ملكية واستبعاد ساحق. وإذا كانت صورة الأبوة كما يكونها الإنسان في طفولته تطبع إلى حد ما تصوره لله، كما أظهر التحليل النفسي، فلا عجب أن يكون سارتر قد كوّن منذ طفولته عن الله صورة مشوهة، صورة مراقب مخيف تجلت للطفل سارتر في لحظة يرويها لنا من حياته، فرفضها نهائياً: “مرة واحدة، شعرت بأنه موجود. كنت قد لعبت بعيدان كبريت وأحرقت سجادة صغيرة، وفيما كنت أخفي جرمي، أبصرني الله فجأة، شعرت بنظرة داخل رأسي وعلى يديّ؛ قدرت في الحمام وأنا أحس أنني مرئي بشكل فظيع، هدف حي للرماية.
ولكن الاستنكار أنقذني: فقد اغتظت لفضول مبتذل لهذا الحد وجدفت… فلم ينظر إليّ أبداً فيما بعد”. تلك الصورة الرهيبة التي كونها سارتر منذ طفولته عن الله لم يكن ما يقومها، لا في بيئته العائلية، فجده وجدته كانا لا مباليين، وأمه كانت ذات إيمان منطو، ولا في بيئته الاجتماعية التي كانت تدين بدين شكلي لا حياة فيه ولا التزام. فلا عجب أن يكون قد تسلح ضدها بتلك المكابرة التي اتخذها منذ طفولته سلاحاً ضد بيئة عائلية أحس أنها تسلبه وجوده الأصيل، لا عجب أن يكون قد رفضها رفضه لتلك الأبوة التي تبرأ منها مفضلاً عليها عزلة لا جذور لها (“ابن لا أحد، أصبحت علة ذاتي، هذا غاية الكبرياء وغاية الشقاء”، “أصبحت راشداً وحيداً، لا أب لي ولا أم، لا مقر لي، وأكاد أكون بلا اسم”)، تلك الأبوة التي لم يشأ هو أن يمارسها. هكذا كانت طفولة سارتر أحد المصادر الرئيسية لتلك الصورة الصنمية عن الله التر رفضها بشدة غير مميز إياها عن الإله الحي.
هذا ما يظهر ما لنوعية سلوك الوالد من أهمية في تنشئة الموقف الديني عند أولاده. فالوالد صورة عن الله ولكنه صورة ليس إلا. لذا يجب أن يمحي تدريجياً أمام الأصل، كما أمحى المعمدان أمام السيد قائلاً: “ينبغي أن ينمو هو وأن أنقص أنا” (يوحنا 3: 27-30)، يجب أن يكون سلوكه قدر الإمكان صورة لمعطائية الله الذي يغدق من ذاته ولا يستولي. أما إذا شاء الوالد أن يخلط بين سلطته وسلطة الله، وبعبارة أخرى أن يؤله ذاته، إذا كانت أبوته طغياناً وحبه لنفسه وسيلة للاستعباد، فإنه يدفع بأولاده إلى الكفر لا به وحسب بل بالله الذي هو صورته في نفوسهم. هذا صحيح خاصة في أيامنا حيث يقود التمرد على السلطة الوالدية في كل مظاهرها، من عائلية واجتماعية، إلى رفض الأب السماوي. وقد كتب جان لاكروا بهذا الصدد: “إن رفض سلطوية الوالد، بأقوى معانيه، هو أحد دوافع زمننا الرئيسية، والسبب الجوهري لرفض الله”. بالطبع كثيراً ما يتخذ ذلك الرفض للسلطوية الوالدية في أيامنا أشكالاً هوجاء، تتسم بطابع المراهقة، فيخلط بين السلطوية والأبوة ليرفضهما كليهما، ولكن ينبغي أن نرى في أصل ذلك الالتباس تلك الصورة المشوهة التي طالما سادت في العائلة والمجتمع، صورة أبوة مستعبدة، ساحقة، عوض أن تكون محيية، معطاء، صورة ألصقت بالله نفسه واتخذته تكريساً لها وضماناً، فأوجدت صنماً من أبشع أصنام الله.
“أصنام الله، هذه، على حد تعبير القديس غريغوريوس النيصصي، يجب أن يكفر بها. لقد كان الوثنيون يسمون المسيحيين الأولين “ملحدين” لأنهم كانوا يكفرون بتلك الأصنام التي كان يعتقدها عبادها آلهة. ولكن في كل منا لا تزال الوثنية كامنة، وأصنامها المصنوعة على شاكلة تصورات البشر. لذا ينبغي لنا أن نكفر باستمرار بهذه الأصنام التي قد تحجب عنا رؤية الإله الحق. هنا يظهر لنا الدور الإيجابي الذي يمكن لإلحاد سارتر وللإلحاد المعاصر عامة أن يلعبه بالنسبة لإيماننا. لقد كتب الفيلسوف لانيو: “إن الإلحاد هو الملح الذي يمنع الإيمان بالله من الفساد”. المسيحي يعلم أن وجد الآخر إلى جانبه، وإن كان يهدده في طمأنينته الأنانية، إنما هو بالحقيقة دعوه له إلى وجود أوفر وأغنى، لذا يمكن أن نعتبر الإلحاد السارتري مدعاة إلى تطهير إيماننا وتأصيله وتعميقه. إذا عنى أحد بالله ذلك الإله الذي يصوره سارتر فنحن مع سارتر كافرون بهذا الإله – الصنم، باسم الإله الحقيقي، حسب تعبير الراهب المتصوف الألماني الشهير المعلم أكارت (الذي عاش في القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر): “إنني أسأل الله أن ينجيني من الله”، أين إنني أسأل الإله الحقيقي الحي أن ينجيني من الإله الصنم الذي يراود خيالي. الإيمان الحقيقي عملية شاقة مستمرة يلازمها كفر دائم بأصنام الله، حسب وصية الرسول يوحنا: “يا أولادي احفظوا أنفسك من الأصنام” (1يوحنا 5: 21). خطأ سارتر أنه توقف عند الناحية السلبية ولم يتجاوزها. أما نحن فسبيلنا أن نتذكر دائماً بأن الله، حسب تعليم الكتاب المقدس وحسب النهج الذي سار عليه بنوع خاص الآباء الشرقيون في لاهوتهم وحسب اختبار كبار المتصوفين المسيحيين، منزه عن كل تصور بشري، وأنه ينبغي لنا، والحالة هذه، أن ننبذ كل تصوراتنا البشرية عن العظمة والسلطة إذا شئنا أن نعرف عظمته وسلطته. يقول القديس غريغوريوس بالاماس منزهاً الله عن كل ما في الوجود من صفات: “إذا كان الله طبيعة، فكل ما تبقى ليس بطبيعة وإذا كان ما ليس الله طبيعة فالله ليس بطبيعة. وإذا كانت الكائنات الأخرى موجودة فهو ليس بموجود” أي أن وجوده يختلف بما لا يقاس عن وجود الكائنات الأخرى، حتى أننا إذا أطلقنا صفة الوجود عليها، لا يمكننا أن نطلق الصفة نفسها عليه. وهكذا إذا سمينا البشر آباء وحكاماً فالله ليس بأب ولا بحاكم. إما إذا سمينا الله أباً وحاكماً فالبشر ليس بآباء ولا بحكام حسب قول السيد: “لا تدعوا أحداً على الأرض أباً، فإن أباكم واحد وهو الذي في السماوات، ولا يدعكم أحد مدبرين، لأن مدبركم واحد، وهو المسيح” (متى 23: 9، 10).
تعليل الإلحاد السارتري – إلحاد سارتر – كوستي بندلي
إله الإعلان الكتابي – إله الكتاب المقدس – كوستي بندلي
إله الإعلان الكتابي – إله الكتاب المقدس – كوستي بندلي
إله الإعلان الكتابي – إله الكتاب المقدس – كوستي بندلي
في مسرحية الذباب أشار سارتر إلى الألوهة باسم “جوبيتر” وهذا ليس عبثاً، لأن اسم جوبيتر مرتبط بأسطورة بروميتيوس، ذلك الكائن الذي اختلس ناراً من السماء ليوجد منها البشر، فغضب عليه جوبيتر وأنزل به عقاباً أبدياً. تلك الأسطورة تصور العلاقة بين الألوهة والبشر علاقة عداء في الأساس حتى أن وجود الإنسان نتيجة اختلاس للقوة الإلهية. وكأن الإنسان لا يوجد إلا ضد الله. هذا هو بالضبط موقف سارتر. فقد كتب في “الكائن والعدم” إن المخلوق “لا يمكن أن يؤكد ذاته إلا ضد خالقه”.
1 – الله محبة
ولكن جوبيتر الذي نسب إليه الأقدمون – وسارتر من بعدهم – صفات التملك والحسد الكائنة في البشر ليس إله الإعلان الكتابي. إله الكتاب – وقد تجلى لنا تماماً في يسوع المسيح القائل “من رآني فقد رآى الآب” (يوحنا 14: 9) – ليس عنده تسلط وتملك. ذلك لأنه عطاء كله. لقد قال عن نفسه في العهد القديم: “أنا ينبوع الماء الحي”. وهتفت المزامير: “كما يشتاق الأيل إلى ينابيع الماء الحي، هكذا تشتاق نفسي إليك يا رب”، والينبوع فيض مستمر، هبة حياة دائمة. وفي العهد الجديد كتب الرسول يوحنا “الله محبة” (1يوحنا 4: 8 ،16) وكأنه يقول إن المحبة هي أفضل تعريف عنه لأنه في جوهره محبة عطاء. لقد قال جوبيتر “الذباب”: “إنني لا أحب أحداً” أي أنه قابع في عزلة وأنانية أبديتين. ولكن إله الكتاب ليس فقط بحب ولكنه المحبة عينها. إنه محبة منذ الأزل ولذلك فهو ثالوث، لأن علاقة المحبة لكي تقوم تفترض وجود أكثر من شخص واحد. إله الكتاب يظهر لنا علاقة حب تجمع الأقانيم حتى أن الأقنوم الأول لا يعرف عنه إلا بالنسبة للثاني (فالآب ليس آبا إلا بالنسبة للابن) والثاني لا يعرف عنه إلا بالنسبة للأول (فالابن ليس ابناً إلا بالنسبة للآب)، الله يظهر لنا في صميمه عطاء تاماً متبادلاً: “كل ما هو لي فهو لك وكل ما هو لك فهو لي” (يوحنا 17: 10). فالآب يعطي ذاته بالكلية للابن، يعطيه جوهره بكامله، ولذا فالابن صورة تامة عن الآب: “من رآني فقد رأى الآب” (يوحنا 14: 9). ولكنه بإعطائه جوهره أزلياً للابن فإنه يعطيه أن يكون عطاء، ولذا فالابن متجه إلى الآب كلياً. في العهد الجديد عندما يظهر الآب، لا يمجد ذاته إنما يمجد ابنه. فإنه عندما اسمع صوته حين معمودية يسوع وحين تجليه، اسمعه ليمجد ابنه قائلاً: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” (متى 3: 17، 17: 5) وكذلك الابن أتى إلى العالم ليمجد الآب: “انا مجدتك على الأرض” (يوحنا 17: 4).
هذه المحبة التي هي في صميم الله تعين نوع علاقته بالبشر. هذه العلاقة لا يمكنها أن تكون إذاً إلا علاقة حب وعطاء. الآب يجب العالم بالحب ذاته الذي يحب به ابنه: “…. إنك أحببتهم كما أحببتني” (يوحنا 17: 23). هذا ما يتجلى في العهد القديم عندما صور الأنبياء ونشيد الأنشاد علاقة الله بشعبه كعلاقة الزوج بزوجته والحبيب بحبيبته. ولكنه ظهر لنا خاصة في يسوع المسيح. فالحب الذي أظهره يسوع لنا كشف لنا كل عمق حب الآب، لأن الابن صورة الآب. بيسوع خاصة عرفنا أن علاقة الله بالبشر كلها سخاء وبذل. حياة يسوع كانت معطاة لنا كلها، معطاة لنا حتى الموت، معطاة لنا بدون قيد أو شرط، معطاة للخطأة والصديقين، للأشرار والصالحين، ففهمنا هكذا أن الله عطاء غير مشروط: “لا يكاد أحد يموت عن بار، وقد يقدم أحد على الموت عن صالح وأما الله فقد برهن على محبته لنا بأن المسيح قد مات عنا ونحن بعد خطأة” (رومية 5: 7، 8). رأينا يسوع يولد في مزود ويرفض الغنى والسلطة والمجد، رأيناه يغسل أرجل التلاميذ ويؤكد بأنه “لم يأت ليُخدم بل ليَخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين” (متى 20: 28)، رأيناه “طالعاً حتى الموت” (فيليبي 2: 8)، وهكذا في يسوع الذي هو على حد تعبير الرسول بولس “صورة الله غير المنظور” (كولوسي 1: 15) أدركنا أخلاق الله وعرفنا بأن التسلط والتشامخ والتجبر والتملك، تلك الأخلاق التي نسبها سارتر لإلهه، بعيدة عن أخلاق الإله الحي بعد السماء عن الأرض.
بيسوع المصلوب عنا “ليس حب أعظم من هذا أن يضع الإنسان نفسه عن أحبائه” (يوحنا 15: 13) عرفنا أن الله مبذول لنا كله، وبأن طبيعته لا أن يتملك ويحتفظ لنفسه ويطلب ما لنفسه بل أن يعطي ويغدق بدون حساب. أدركنا بيسوع نوعية علاقة الله بخليقته. يقولون إن الله خلق الكائنات لمجده. ولكن ما هو مجد الله؟ “مجد الله، يقول أحد الكتاب المعاصرين الروحيين، ليس أن يأخذ بل أن يعطي. مجد المحبة أن تحب…. مجد الينبوع أن يملأ ويسقي ويروي ويغسل. مجد الشعلة أن تلهب وتضيء وتدفئ، مجد الأب أن ينجب ويربي ويشدد….”.
يقول لويس افلي في كتابه “أبانا….”: “ما هو مجد الله؟ الله يحب. مجده أن يكون الله، أي أن يكون محبة….” (ص 49). وأيضاً: “الله خلق الخليقة حباً، ليعطي وليهب ذاته، ليحيي كائنات أخرى بحياته، ليبهج كائنات أخرى بفرحه” (ص 48).
هذا ما عبر عنه الآباء الأقدمين ايريناوس، عندما كتب في القرن الثاني للميلاد: “مجد إله حياة الإنسان”. وكأنه يرد مسبقاً على تصورات سارتر الذي سمى إلهه جوبيتر “إله الأموات” كما رأينا وقال أنه يسر برؤية الأحياء شبيهين بالأموات، بينما سمعنا الرب يقول: “الله ليس إله الأموات بل إله الأحياء” (لوقا 20: 38)، وسمعناه يكشف لنا مقاصد الله بقوله: “أما أنا فقد أتيت لتكون لهم الحياة وتكون لهم بوفرة” (يوحنا 10: 10).
هكذا يتضح لنا أن هم الله ليس أن يزيل وجودي بل أن يمدني بوجوده، كل ما يريده الله مني هو أن أدعه يحبني ويجعلني في الوجود بحبه، هو أن أقبل بأن أتلقى منه الكينونة والخير. إنه ليس فقط لا يريد إلغاء وجودي بل إنه لا يرتضي لي بوجود ناقص، مبتور، إنه يريد لي كل الوجود، يريد أن يشركني في حياته كلها وأن يغنيني بملئه كله. ليس فقط لا يشاء الله الغاء وجودي، بل يريد أن يدفعني إلى مستوى وجوده، أن يمنحني كل غنى وجوده. وبعبارة أخرى يريد الله تأليهي. هذا ما عبر عنه القديس مكسيموس المعترف في القرن السابع عندما كتب: “الله متعطش إلى تأليه الإنسان”. الله لا يشاء تحقير الإنسان بل، كما أن الجدير بهذا الاسم يسر بأن يصبح ابنه مثله مكتمل الرجولة، هكذا شاء الله أن يجعلنا شركاء لاهوته وأن يعاملنا معاملة المثل للمثل. لذا كتب بطرس الرسول بأننا مدعون إلى أن نكون شركاء الطبيعة الإلهية” (2بطرس 1: 4). وكتب الرسول يوحنا “أيها الأحباء، نحن من الآن أولاد الله، ولم يتبين بعد ماذا سنكون. غير أننا نعلم أننا، إذا ما ظهر، سنكون أمثاله، لأننا سنعاينه كما هو” (1يوحنا 3: 2). ويختتم تيموتي وار مقاله عن “تجلي الجسد” بقوله: “يقول مخطوط عبراني: إن أحد الملوك دخل بستان ليخاطب البستاني، فاختبأ البستاني، فقال له الملك: لماذا تختبئ مني ألست مثلك؟ هكذا سيسير الله مع الصديقين في الفردوس الأرضي وسيرونه وسيرتجفون منه، وسيقول لهم آنذاك، لا تخافوا أنا واحد منكم” (ص 144). في هذا الألفة التي يعتبر فيها الله نفسه واحداً من أحبابه، أين مكان الخوف الذي قال عنه سارتر على لسان جوبيتر الذباب “إن له ريحاً شهية في خياشم الآلهة”؟ وكأن الرسول الحبيب قد رد مسبقاً على سارتر عندما كتب: “لا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تنفي الخوف…. والخائف لم يكتمل في المحبة” (1يوحنا 4: 17، 18).
قد نتساءل والحالة هذه: لماذا سقط آدم أذاً عندما شاء أن يحقق وعد الشيطان “ستصيران آلهة”؟ ألا يعني ذلك أن الله لا يشاء أن يتأله الإنسان؟
ولكن هل كانت خطيئة آدم بأنه أراد أن يتأله؟
فلنز جواب لويس افلي على هذه المسألة: “كل تاريخ البشرية انحرف وتحطم لأن آدم كون لنفسه فكرة خاطئة عن الله. لقد كان يريد أن يصبح مثل الله. أرجوا أنكم لم تعتقدوا لحظة أن خطيئة آدم كانت كامنة في ذلك. أي طموح آخر كان يمكن أن يكون له؟ ألم يكن هذا هو الهدف بالضبط الذي دعاه الله إليه؟ ولكن آدم أخطأ النموذج. فقد اعتقد أن الله كائن مستقل، مكتف بذاته ولذلك تمرد وعصى حتى يصبح مثله.
“ولكن الله عندما كشف ذاته، عندما أراد أن يظهر ما هو بالحقيقة، أظهر ذاته محبة، حناناً، عطاء ذات…. الله أظهر ذاته طائعاً، طائعاً حتى الموت.”
“هكذا عندما اعتقد آدم أنه يصبح مثل الله اختلف بالكلية عن الله. لأنه انفصل واعتزل بينما الله شركة كله”.
هكذا لم يسقط آدم لأنه أراد أن يصير مثل الله، ولكن لأنه لم يتمثل الله حقيقة، أي لم يشأ أن يكون مثله عطاء يقابل عطاء، بل فصم الشركة ورفض “عطية الله” (تلك العطية التي حدث يسوع السامرية عنها قائلاً: “لو كنت تعرفين عطية الله يوحنا 4: 10) أي أنه رفض أن يمتلئ من الوجود الذي كان الله يدفقه فيه وحبس على نفسه في اكتفائية قاتلة.
2 – الله يريد ويحترم حرية الإنسان
ولكن الله يحترم حرية الإنسان حتى عندما يريد الإنسان أن يفصم الشركة. يحترمها إلى حد أنه يسمح للإنسان أن يستخدم ذلك الوجود، الذي وهبه عطية حب، ضد معطيه. يحترمها إلى حد أنه يسمح للإنسان أن يذهب في تمرده إلى أبعد الحدود. هذا هو معنى الجحيم. إنها مظهر من مظاهر احترام الله الكلي لحرية الإنسان. “جهنم هي، كما يقول برناتوس، ألا يحب المرء”. وبعبارة أخرى يرتضي الله بأن يرفض الإنسان حبه، وبأن يرفضه، إذا شاء، إلى الأبد. ولكن الله لا يزال يحب ذلك الإنسان. يمكن للإنسان أن يرفض الله، ولكن لا يمكن لله أن يرفض الإنسان. يمكن للإنسان أن يكتفي بذاته ولكن الله عطاء كله. الله أمين على العهد الذي أقامه مع الإنسان مذ خلقه ولو لم يكن الإنسان أميناً. يقول لويس افلي: “يمكن أن ينكر الله وأن ينسى ولكن الله لا يمكنه أن ينكرنا وأن ينسانا. يمكن للإنسان أن يكون دون الله، ولكن الله لا يمكن أن يكون دون الإنسان. يمكن للإنسان أن يترك البنوة ولكن لا يمكن ألا يكون أباً”. لذا فجهنم ليست انتقاماً رهيباً يجريه إله سادي على إنسان عصى أوامره، ليست امتداداً لانتقام جوبيتر من بروميتيوس، ولكن الإنسان الذي رفض الله جذرياً ونهائياً يعذبه رفضه لأنه مخالف لمتطلبات طبيعته العميقة. جهنم هي أبعد المظاهر لاحترام الله حرية الإنسان وهي انعكاس سلبي لحبه.
احترام الله لحرية الإنسان يعني أن هذه الحرية لا تنتزع من الله عنوة واغتصاباً كما تصور مسرحية “الذباب”، إنما هي هبة من الله للإنسان. جوبيتر “الذباب” يناقض نفسه لأنه من ناحية أعطى الإنسان الحرية ومن ناحية أخرى يحاول أن يعمي الإنسان عن وجودها فيه وأن يخمدها في قلبه. أما إله الإعلان الكتابي فليس عنده هذا التناقض. لقد شاء الإنسان حراً لأنه شاء أن يكون مثله، على صورته. هذا ما علمه الآباء. فقد كتب غريغوريوس النصيصي: “بالحرية الإنسان على شكل الله مقدس، لأن الاستقلال والحرية هما من خصائص القداسة الإلهية” وأيضاً: “الإنسان، إذ خلق على صورة الله، يجب أن يتمتع بكل خيرات سيده. وبين هذه الخيرات، الحرية”. وأيضاً: “إن الحرية هي الشبه مع ذاك الذي هو سيد مطلق لا سيد له، وقد أعطي لنا هذا التشبه، نحن البشر، من الله، في البدء. إن كتاب أعمال الرسل (17: 28) يؤكد الأمر نفسه: “إننا من الذرية الإلهية”.
هذا ما نجد صداه عند مفكرين معاصرين. فقد كتبت سيمون فايل بأن الله شاء من أجل حبه لنا أن يجعل نوعاً من المساواة بيننا وبينه، لذا أعطانا الحرية المطلقة بأن نقبل إليه أو نؤله ذواتنا وهماً ونرفضه، لقد أعطانا سلطة الضياع اللانهائي في الوهم هذه لكي يتسنى لنا أن نتخلى عنها حباً: “الله هو…. الصديق بكل معنى الكلمة. فلكي يكون بينه وبيننا، رغم المسافة اللامتناهية، نوع من المساواة، شاء أن يضع في خلائقه مطلقاً ألا وهو الحرية المطلقة بأن نقبل أو لا بالاتجاه الذي جعله فينا نحوه…. لقد أعطانا سلطة الوهم اللامتناهي هذه لكي نستطيع أن نتخلى عنها حباً”.
وقد كتب غبريال مارسيل من جهته عن الله: “هذه الحقيقة هي نفسها حرة وتزرع بحرية حريات”.
الله يبتهج بحرية الإنسان ولا يرهبها كما يرهبها جوبيتر “الذباب”. يبتهج بها كما يبتهج الوالد ذو الأبوة الأصلية عندما يرى ولده أصبح يحبه لا بتبعية الطفل بل باستقلال البالغ. هذا ما قاله بيغي بعبارات رائعة وكأنه يرد مسبقاً على ذباب” سارتر:
“اسألوا هذا الوالد إن لم تكن أفضل لحظة عنده
تلك اللحظة التي يبدأ فيها أبناؤه يحبونه محبة رجال،
يحبونه كرجل،
بحرية،
مجاناً،
اسألوا هذا الأب الذي يكبر أولاده.
“أسألوا هذا الوالد إن لم تكن هناك ساعة سرية،
لحظة سرية،
وأن لم تكن
عندما يبدأ أبناؤه يصبحون رجالاً،
احراراً.
ويعاملونه هو كرجل،
حر،
ويحبونه كرجل،
حر،
أسألوا هذا الأب الذي يكبر أولاده.
“أسألوا هذا الوالد إن لم يكن هناك اختيار وحيد من نوعه
وإن لم يكن
عندما بالضبط يزول الخضوع وعندما يرى أبناءه وقد أصبحوا رجالاً بحبونه ويعاملونه كخبراء إذا صح التعبير
معاملة الرجل للرجل،
بحرية،
بمجانية….
أسألوا هذا الأب إذا كان لا يعرف إن لا شيئاً يساوي نظرة رجل تلاقي نظرة رجل.
“ولكنني أنا أبوهم، يقول الله، وأعرف وضع الإنسان.
فأنا الذي خلقته.
….. إنني لا أطلب منهم سوى قلبهم….
“خضوع العبيد كلهم، لا يساوي نظرة واحدة جميلة لرجل حر. أو بالأحرى خضوع العبيد كلهم تشمئز له نفسي وإني أهب كل شيء مقابل نظرة جميلة واحدة لرجل حر،
مقابل طاعة وحب وإخلاص جميل واحد صادر عن رجل حر….
“…. في سبيل هذه الحرية، في سبيل هذه المجانية ضحيت بكل شيء، يقول الله
في سبيل ميلي بأن يحبني رجال أحرار،
بحرية،
بمجانية،
رجال حقيقيون، ذوو رجولة، بالغون، أشداء.
شرفاء، رقيقون، ولكنهم ذوو رقة مقرونة بالشدة.
من أجل أن أنال هذه الحرية، هذه المجانية، ضحيت بكل شيء، لكي أخلق هذه الحرية، هذه المجانية،
لكي أفسح المجال لهذه الحرية وهذه المجانية”.
لذا فالحرية ليست فقط حقاً اوتيناه، إنما هي واجب يطالبنا به الله الذي لا يريد أن يقيم علاقة إلا مع بشر أحرار. بهذا المعنى كتب بردياييف: “إن الحرية في الحياة الدينية واجب. الإنسان ملزم بأن يحمل عبء الحرية وليس له الحق بأن يتخلص منه. الله لا يقبل إلا البشر الأحرار، إنه لا يحتاج إلا إلى بشر أحرار. عند دوستويفسكي، المفتش الأكبر، عدو الحرية وعدو المسيح، يوبخ المسيح هكذا:” لقد أردت هذه المحبة الحرة من الإنسان لكي يتبعك بحرية، مجذوباً إليك ومأسوراً منك”…. الدين المسيحي إنما هو الحرية في المسيح الخلاص القسري مستحيل وبدون جدوى”.
ليس صحيحاً ما يدعيه سارتر عندما كتب في كتابه “الوجودية فلسفة إنسانية” بأن علاقة الله بالإنسان شبيهة بعلاقة الصناعي بمقص الورق الذي يصنعه. ليس الإنسان شيئاً بالنسبة لأله الإعلان الكتابي، الله لا يريد “تشيئ” الإنسان. ذلك لأن الله لا يوجد الإنسان كما يوجد الصناعي مقص الورق. علاقته بالإنسان ليست علاقة خارجية كعلاقة الصناعي بالشيء الذي يصنعه. إنما خلق الله للإنسان يعني امداد الإنسان من وجوده، اشراكه في وجود الله، إذاً في حرية الله. يقول شارل ميللر مفنداً ذلك المفهوم السارتري للخلق: “إن هذا المفهوم للخلق يفترض إنه لا يمكن أن تكون للإنسان أية ذرة من الحرية والمبادرة، كما هو وضع مقص الورق الذي هو سلبي تماماً بين يدي من يصنعه أو يستعمله”، “إذا كان الخلق هو صنع أدوات، فلم يعد للإنسان سوى أن يدع نفسه “يُستخدم” من صانعه، في هذا الحال “لم يعد بوسعنا أن نرى…. في العالم سوى أمرين: إما السلبية المخزية، سلبية عبيد يزحفون أما إله طاغية، أو الاكتفائية المتكبرة، اكتفائية كائن يدعي أن لا اب ولا أم له”، ولكن العمل الخلاق ليس عملاً حرفياً، ليس الخلق تقنية… فإذا كان خلق العالم المادي نفسه لي بتقنية، فبالأحرى خلق الإنسان: الله يخلق الإنسان حراً، إنه يصنعه حراً، إنه يخلق الحرية فيه. ليس عمل الخلق “صناعة” حرفية، بل امداداً كيانياً بداعي الحب، إنه هبة الذات، إنه إرادة إشراك كائنات بالكائن. أما بالنسبة للإنسان، فالخلق يعني قصد جعله مساهماً في الطبيعة الإلهية، وذلك، بين أمور أخرى، بالحرية”. هكذا فللمخلوق كيان قائم بذاته مستمد من الله، “فمن هذا الكيان القائم بذاته بالضبط يستمد المخلوق قوة التمدد على الله، فيقبل الله بأن يستخدم المخلوق تلك الحرية التي وهبه إياها، لينقلب عليه، ليكون “إلهاً دون الله”.
قال أوريست لجوبيتر (الذباب): “إنك …. ملك الحجارة والنجوم، ملك أمواج البحر، ولكنك لست ملك البشر”. ولكن إله باغي كان قد أكد قبل ذلك بكثير أن علاقته بالبشر مختلفة بما لا يقاس عن علاقته بالأشياء التي في الكون (فضلاً عن أن علاقة الله بالمخلوقات الجامدة نفسها ليست من باب علاقة الصناعي بمصنوعه، كما أوضح ميللر). يقول إله باغي:
“غبطة عبيد، خلاص عبيد، غبطة عبودية، كيف تريدون أن يهمنى ذلك؟ هل يحب أحد أن يحبه عبيد؟”
“إن كانت القضية قضية إعطاء البرهان عن سلطاني، فسلطاني ليس بحاجة إلى هؤلاء العبيد ليظهر، سلطاني معروف كفاية، معروف كفاية بأنني القادر على كل شيء.”
“سلطاني يتجلى كفاية في كل مادة وفي كل حدث.”
“سلطاني يتجلى كفاية في رمال البحر ونجوم السماء.”
“ليس اعتراض عليه، إنه معروف، إنه يتجلى كفاية في خليقتي الجامدة….”
“ولكنني في خليقتي الحية، يقول الله، أردت ما هو أفضل من ذلك، ما هو أكثر من ذلك.”
“أفضل من ذلك بما لا يقاس. أكثر من ذلك بما لا يقاس. لأنني أردت هذه الحرية.”
“خلقت هذه الحرية عينها…”
“من اختبر مرة واحدة أن يحب بحرية، لا يعود يرى للخضوع طمعاً.”
“من اختبر أن يحبه رجال أحرار، لا يعود يرى معنى لسجدات العبيد”.
ألم يقل الرب: “لا أدعوكم بعد عبيداً…. إنما سميتكم أحباء” (يوحنا 15: 15).
هذا الاحترام الإلهي لحرية الإنسان يحدد بالضبط طبيعة الإيمان. فالإيمان يقين ولكنه يقين حر. ذلك أن الله يريد أن يقبل الإنسان اليه تلقائياً، لا مغلوباً على أمره، لذا فعوض أن يفرض وجوده علينا كما تفرض الحقائق الحسية أو العلمية ذاتها فرضاً، يحتجب لكي يتسنى لنا أن نقبل إليه بحرية الحب. هذا ما عبر عنه بردياييف بقوله: “الإيمان هو كشف الأمور اللامنظورة”، أي أنه عمل حر، عمل اختيار حر. فالأمور اللامنظورة لا تدخل إلينا عنوة، لا تكرهنا اكراهاً شأن الأمور المنظورة. إننا نكشف الأمور اللامنظورة بخطر، بمجازفة، لأننا نحبها وقد اخترناها بحرية…. العلم يختلف عن الإيمان بالضبط من حيث أنه قسري ومضمون، من حيث أنه لا يدع مجالاً للاختيار الحر ولا يحتاج لمثل هذا الاختيار. العلم ليس خطراً، إنه يكشف الأشياء المنظورة، تلك التي تكرهنا. أما في الإيمان فحرية ولذا ففيه شجاعة، ليس في العلم حرية ولذا فليس فيه من بطولة. المسيح الذي هو موضوع إيمان وحب لا يكره، لا يظهر بشكل يقسر الإيمان. إنه يظهر بشكل عبد يموت ميتة شائنة. لذا يلزم اختيار حر وحب مقدام ليرى المرء في صورة المسيح، العبد المهان، القدرة الجليلة التي لابن الله، المساوي للآب في الجوهر…. بنظر ذلك الذي آمن، الذي قام بعمل اختيار حر، المسيح قام من الأموات وبذلك أظهر قدرته الإلهية التي تنير وتخلص العالم. أما بنظر غير المؤمن، الذي لم يقم بالاختيار الحر، الذي لا يعرف إلا الأشياء المنظورة، المكرهة، فالمسيح مات على الصليب وانتهى الأمر. إن معجزة القيامة لا تنكشف إلا للحرية، إنها مغلقة للإكراه”.
3– الله يجعل نفسه رهن حرية الإنسان
الله ليس فقط يحترم الإنسان ولكنه جعل نفسه، على نوع ما، رهن هذه الحرية. الضابط الكل شاء أن يكون، على نوع ما، تحت تصرف الإنسان. لقد كتب لويس افلي: “الله يحبنا. هذا ليس مجرد عبارة…. هذا يعني أن لنا سلطة عليه.
“لنا سلطة على الذين يحبوننا. الأولاد يعرفون ذلك، رغم ضعفهم فيحردون ويرفضون الطعام لأنهم بهذا ينالون من والديهم ما يشاؤون. إنهم بذلك يعطونهم برهاناً معكوساً عن اقتناعهم بأنهم محبوبون، بأنهم هامون. نحن هامون بنظر الذين يحبوننا والله يحبنا.”
“…. أن نحب كائناً يعني لا محالة أننا علقنا مصيرنا بمصيره، يعني أننا أعطيناه سلطة علينا.”
“الله، لأنه شاء أن يحبنا، اختار بأن يعطينا سلطة عليه.”
“على الصحون، في نورمندينا، تقرأ هذه العبارة القاسية: “الأقل حباً، هو دائماً الأقوى”. الذي يقل حباً عن الآخر يستر دائماً عاشقه. الله، أمامنا، هو دائماً الأضعف، لأنه يحب”. أليس هذا المعنى العميق لحادثة صراع يعقوب مع الملاك حيث نرى الله، بشخص ملاكه، يجعل نفسه رهن إرادة الإنسان يعقوب الذي قال له: “لا أتركك إلا إذا باركتني”. ومن هنا اكتسب اسمه “إسرائيل” الذي يعني “القوي ضد الله” (تك 32: 29) الذي ورثناه نحن “إسرائيل الجديد”. أليست قوة الصلاة ناتجة من كون الله شاء أن يربط قوته بطلب الإنسان: “كل ما طلبتموه من الآب باسمي تنالونه” (يوحنا 15: 16). ولذا قال إله باغي، أن “لا سلاح له” أمام صلاة البشر. ألم يقل الرب “إن ملكوت الله يغتصب اغتصاباً” (متى 11: 12)؟ لقد كتب بول افدوكيموف في مقال له: “لقد تبنى سارتر عبارة الفوضوي الروسي باكونين: “إذا كان الله موجوداً، فلست بحر، أنا حر، فالله إذاً غير موجود”. ولكن ما ينبغي أن يقال هو أن الحقيقة أعجب من هذا بما لا يقاس: فإن “الأنا حر” عند الإنسان يفترض أن الله لم يعد حراً. يستطيع الإنسان أن يقول “لا” لله. أما الله فقد التزم إلى حد أنه لن يقول قط فيما بعد “لا” للإنسان. هذا ما يؤكده الرسول بولس: “في الله ليس إلا نعم”.
من دواعي الإلحاد السارتري، كما يبين فرنسيس جانسون تلميذ سارتر، أن محبة الله نفسها للإنسان لا يمكن أن تكون عبودية للإنسان، لأن الله يعطي ولا يأخذ فيما المحبة الأصلية تقتضي التبادل. هذا ما يلمح إليه سارتر على لسان الثائر كارك الذي يخاطب الفلاحين بهذه العبارات (من مسرحية الشيطان والله): “للذي يعطي قبلة أو صفعة أعطوا قبلة أو صفعة، ولكن للذي يعطي دون أن تستطيعوا الرد، أعطوا كل ما في قلبكم من حقد، لأنكم عبيداً وسيستعبدكم، لأنكم كنتم مهانين وسيزيد في اهانتكم” (171).
وقد كتب جانسون بهذا المعنى أيضاً: “من أراد أن يحب البشر، كان عليه أن يضع نفسه أولاً في متناولهم، ويكفي أن يكون وضع نفسه من متناول ضرباتهم”. ولكن إلهنا جعل نفسه في متناول البشر لأنه جعل نفسه بحاجة إليهم وجعل نفسه في يسوع المسيح عرضة ليس فقط لضرباتهم بل لقتلهم أيضاً. لذا دخل معهم في حوار حقيقي لا تفضل فيه ولا استعباد. وقد قال الأب جورج خضر بهذا المعنى في حديثه عن “مصير الله”: “…. إن الله جعل نفسه، بانعطاف منه، بحاجة إلى … خليقة، الله تخلى لنا عن شيء من قدرته عندما فطرنا أحراراً. وإذاً ارتضى أن تكون صورته في الأرض مرئية أو محجوبة، وقبل أن يرى أو أن يغلق عليه.
“الله منذ أن طرح هذا الوجود جعل نفسه في المصير، في تاريخ الوجود، ودل على ذلك بأجلى بيان عندما شلح نفسه في مزود، رهيناً لمريم وبالتالي عندما أضحى هو في قيضة الإنسان يحيا أو يمات…
“والله إذن ليس بمغتصب لا يتسلط إلا على ذاك الذي يسلطه، ولا ينحني إلا عند من يرحب به. الله جعل نفسه مدعو الإنسان ضيفاً على الإنسان الحر الذي يناديه أو الذي يباعده. الله هو الفقير للإنسان. نحن طبعاً بحاجة إلى ربنا ولكن منذ أن تخلى عن مجده في الخلق الأول وفي سر التجسد هو أيضاً صار فقيراً إلى حب الإنسان لأن الله جعل نفسه في حوار. ولا يمكن أن تعني المحاورة شيئاً ما لم تعن كائنين أصيلين يتواجهان بحرية… الله يرتفع عنا…. عندما نحن نطرده. الله طريد الإنسان كما هو ضيف الإنسان…”
“…. أنتم أسياد على الله. أليس هو القائل: “ما جئت لأُخدم بل لأَخدم وأبذل نفسي فدية عن كثيرين”؟ أليس هو راكعاً عند أقدامنا لكي يغسلها كما فعل في علية صهيون؟ أليس المسيح كله بين أيديكم تحيونه أو تميتونه”.
في مقال يعرض فيه بإيجاز بنود الإيمان، كتب الأب فرنسوا فاريون، أن الله، بما أنه محبة، فهو، كما تجلى لنا بالمسيح، فقر وتبعية وتواضع:
“الفقر أولاً، لا الاقتصادي، بل الروحي. المحب يقول للمحبوب: “أنت فرحي”، وهذا يعني: “بدونك أنا مفتقر إلى الفرح”. أو “أنت كل شيء لي”، وهذا يعني: “بدونك لست شيئاً”. الحب هو إرادة المرء بأن يكون بالآخر ومن أجل الآخر…. الأكثر حباً هو إذاً الأفقر. المحب لا نهائياً – الله – فقير لا نهائياً.”
“ثم التبعية، الروحية لا الحقوقية. المحب يقول للمحبوب: “أريد أن أكون تابعاً لك”. الحب وإرادة الاستقلال لا يتفقان إلا سطحياً. الأكثر حباً هو إذاً الأكثر تبعية. المحب لا نهائياً – الله – تابع لا نهائياً….”
“أخيراً التواضع. المحب يقول للمحبوب: “لا يمكن أن أترفع عليك دون أن أخطئ بحق الحب”. إذا كان المحب، بصورة ما، أعظم من المحبوب، فلا يكون حبه حباً إلا بالفعل الذي ينكر به تفوقه ويجعل نفسه مساوياً للمحبوب. الأكثر حباً هو إذاً الأكثر تواضعاً. المحب لا نهائياً – الله – متواضع لا نهائياً. لذا لا يمكن أن يرى الله في حقيقة كيانه إلا بالنظر إلى المسيح الذي يعبر عن التواضع الإلهي بعمل غسل الأرجل.”
“…. الله غني لا نهائياً، ولكنه غني بالحب لا بالامتلاك (والغني بالحب مرادف للفقر)…. الله هو اللامحدودية والقدرة اللامتناهية (ولكن حبه هو اللامحدود والمقتدر كلياً…. المقتدر أن يتنازل إلى حد الامحاء).
“وبعبارة أخرى، أن سر الحب المحتجز عن الإدراك، الذي هو الله في كيانه الأبدي، لا يمكن أن يترجم ويعبر عنه ويعلن إلا بفقر وتبعية وتواضع المسيح”.
ما أبعد جوبيتر “الذباب” وبصورة أعم ما يدعوه سارتر “الله” في كتاباته المختلفة، عن ذاك الذي يرينا إياه سفر الرؤيا في شخص يسوع المسيح يلتمس من الإنسان أن يقبله، لا ليتسلط عليه بل ليجعله مشاطراً حياته وخيراته: “ها أنا واقف على الباب وأقرع، إن فتح لي أحد أدخل وأتعشى معه وهو معي” (رؤيا 3: 20).
