الخطية الكبيرة – سي إس لويس

الخطية الكبيرة – سي إس لويس

 

الخطية الكبيرة – سي إس لويس

الخطية الكبيرة – سي إس لويس

وصلت الآن إلى ذلك الجزء من الأخلاق المسيحية الذي فيه تختلف اختلافاً حاداً عن جميع المفاهيم الأخلاقية الأخرى. فثمة رذيلة ليس من إنسان في الدنيا براءً منها. وكل إنسان في الدنيا يعافها عندما يراها في أحد سواه، ولا يكاد قوم يتصورون أنهم مُذنبون بها، ما عدا المسيحيين حقا. وقد سمعت أشخاصاً يعترفون بأنهم سيئو الطباع، أو أنهم لا يستطيعون تمالك أنفسهم حيال النساء والشراب، أو أنهم جبناء أيضاً. إنما لا أظن أني سمعت يوماً شخصاً غير مسيحي أبدى رحمة تجاهها في الآخرين. وليس من نقيصة أخرى تجعل الإنسان أقل شعبية، ولا نقيصة أخرى نحن أكثر سهواً عنها في أنفسنا. وكلما تفاقمت لدينا نحن، كرهناها لدى الآخرين.

هذه الرذيلة التي أشير أليها هي الكبرياء أو الغرور. أما الفضيلة المعاكسة لها، في الأخلاق المسيحية، فتدعى التواضع. ولعلك تذكر أنني في معرض حديثي عن الأخلاق المتعلقة بالجنس نبهتك إلى أن النقطة المركزية في الأخلاق المسيحية ليس الجنس. وها نحن الآن قد وصلنا إلى المركز. ففي رأي المعلمين المسيحيين أن الرذيلة الأساسية، أو الشر الأقصى، هي الكبرياء. وما عدمُ العفة والغضب والجشع والسُّكر، وما شابهها، سوى قرصات براغيث مقارنة بها: فبالكبرياء صار إبليسُ إبليسَ، والكبرياء تُفضي إلى كل رذيلة أخرى، وهي التوجه الذهني المُعادي لله.

أيبدو هذا لك مُبالغاً فيه؟ إن كان هكذا، فأعد النظر في الأمر. لقد ذكرتُ قبل قليل أنه كلما تفاقمت الكبرياء لدى المرء كره الكبرياء لدى الآخرين. فبالحقيقة إذا أردت أن تعرف مدى كبريائك فأسهل طريقة أن تسأل نفسك: “كم لا يروقني الأمر حين يهملني الآخرون بازدراء، أو يرفضون إعارتي أي انتباه، أو يُملون عليّ آراءهم، أو يتعالون عليّ، أو يتبجحون ويتباهون؟” بيت القصيد أن كبرياء كل إنسان تُنافس كبرياء كل إنسان سواه. فلأني أردت أن أكون محطّ الأنظار في الحفلة انزعجت كثيرً من كون شخص آخر محط الأنظار. واثنان من أهل مهنة واحدة لا يتفقان أبداً.

فما ينبغي أن يتوضح لديك هو أن الكبرياء تنافسية في جوهرها، أي بطبيعتها، في حين أن باقي الرذائل تنافُسية عرضاً فقط، إن صح التعبير. فالكبرياء لا تنال لذة من حصولها على شيء، بل فقط من حصول المرء على مقدار منها يفوق ما لدى الإنسان الآخر. ونحن نقول إن الناس متكبّرون لكونهم أغنياء، أو أذكياء، أو وسماء، غير أنهم ليسوا كذلك. إنهم متكبرون لكونهم أغنى من الآخرين أو أذكى أو أجمل منظراً. فلو صار الجميع أغنياء أو أذكياء أو وُسماء، لما كان من داع إلى الكبرياء. ذلك أن المقارنة هي ما يجعلك متكبراً، إذ تُشعرك بلذّة كونك فوق الآخرين.

وما إن يزول عنصر التنافس، حتى تزول الكبرياء. لذلك أقول إن الكبرياء تنافسية في جوهرها، على خلاف باقي الرذائل. فإن الحافز الجنسي قد يُفضي برجُلين إلى التنافس إذا كانا يريدان المرأة عينها. ولكن ذلك ناشئ عن العرض فحسب، إذ كان يمكن كذلك تماماً أن يريدا امرأتين مختلفتين، ولكن رجلاً متكبراً من شأنه أن ينتزع منك فتاتك، لا لأنه يريدها، بل فقط كي يبرهن لنفسه أنه رجلٌ أفضل منك. وقد يدفع الجشع الناس إلى التنافس إذا شحّت الموارد؛ غير أن الإنسان المتكبر، حتى لو حصل على أكثر مما قد يحتاج إليه، سيحاول أن يحصل على المزيد بعدُ فقط كي يؤكد نفوذه. وتكاد جميع الشرور المنتشرة في العالم والتي يوجزها الناس بكونها من قبيل الجشع أو الأنانية أن تكون بالأحرى نتيجة للكبرياء.

ولننظر إلى هذا الأمر من زاوية المال، فالجشع سيدفع الإنسان حتماً لأن يطلب المال، لأجل بيت أفضل، وعطلات أمتع، ومأكل ومشرب أفخر. لكن ذلك يبقى ضمن حدود معينة. فماذا يجعل رجُلاً مدخوله السنوي عشرة آلاف جنيه تواقاً لتحصيل عشرين ألف جنيه في السنة؟ طبعاً، ليس الدافع هو الجشع لمزيد من المسرات. فالعشرة آلاف جنيه توفر للمرء كل تنعُّم يمكن أن يتمتع به فعلاً. إنما الكبرياء هي الدافع: الرغبة في أن يكون المرء أغنى من شخص آخر غنيّ، وأيضاً (أكثر من ذلك بعد) أن يكون ذا نفوذ. وذلك لأن النفوذ أو السلطان هو ما تستمتع به الكبرياء حقاً.

فليس ما يُشعر الإنسان بأنه أعلى مقاماً من الآخرين بكثير مثل قدرته على تحريكهم كما لو كانوا جنوداً دُمى. وماذا يجعل الحسناء تبثُ البؤس أينما ذهبت، حاشدة حولها المعجبين؟ طبعاً ليس الدافع غريزتها الجنسية، إذ أن امرأة من هذا النوع غالباً ما تكون باردة جنسياً. إنما هو الكبرياء! وماذا يجعل قائداً سياسياً، أو شعباً بكامله، يمضي قُدماً مُطالباً بالمزيد؟ هي الكبرياء أيضاً! فإن الكبرياء تنافسية بطبيعتها في ذاتها، ولذلك تمضي قدماً بغير حدود بادية. وإذا كنتُ إنساناً متكبراً، فما دام في العالم إنسان واحد أقوى منى، أو أغنى أو أذكى، يكون ذلك مُنافسي وخصمي.

إن المسيحيين على حق: فهي الكبرياء ما زالت علّة الشقاء الرئيسية في كل أمّة وكل عائلة منذ بدء العالم. فالرذائل الأخرى قد تقرّب الناس بعضهم من بعض أحياناً: إذ ربما وجدت صداقة طيبة وتنكيتاً ومودة مؤنسين بين السكارة أو غير الأعفاء. غير أن الكبرياء دائماً تعني العداوة، بل هي العداوة، ولي فقد العداوة بين الإنسان والإنسان، بل العداوة لله أيضاً.

وتجد في الله ما هو متفوق عليك تفوقاً لا حدود له من كل ناحية. وما لم تعرف الله بهذه الصفة (ومن ثم تعرف نفسك باعتبارك لا شيئاً مقارنة به) فلن تعرفه أبداً. فما دمت متكبراً، فلا يمكنك أن تعرف الله. ذلك أن المتكبر ينظر دائماً باستعلاء إلى الأشياء والأشخاص. وما دمت تنظر دائماً إلى تحت، فلا يمكنك أن ترى ما هو فوقك.

وهذا يُثير سؤالاً رهيباً: كيف يُعقل أن أناساً تنهشهم الكبرياء على نحو واضح يقولون إنهم يؤمنون بالله ويَبدون في نظر أنفسهم متدينين جداً؟ أخشى أن يكون هؤلاء متعبدين لإله من نسج خيالهم. فهم يعترفون نظرياً بأنهم لا شيء في حضرة هذا الإله الوهمي. ولكنهم في الواقع يتصورون كل حين كيف هو راض عليهم ومعتبر إياهم أفضل من الناس العاديين. ذلك أنهم يؤدون له قيراطاً من التواضع يستثمرونه في رطل من الكبرياء تجاه إخوانهم البشر.

وأظن أن مثل هؤلاء القوم كانوا في فكر المسيح لما قال إن بعضاً سيُبشرون به ويطردون شياطين باسمه إنما كي يسمعوا في آخر الدهر أنه لم يعرفهم قط. وأي واحد منا قد يكون في أي وقت عالقاً في شرك الموت هذا. إنما من الخير أن لدينا اختباراً: كلما تبين لنا أن حياتنا الدينية تجعلنا نشعر بأننا صالحون (وفي المقام الأول أننا أصلح من شخص آخر سوانا)، أعتقد أنه يمكننا أن نتيقن بأننا قد خُدعنا لا من قِبَل الله طبعاً، بل من قِبَل إبليس. فالاختبار الحقيقي لكوننا في حضرة الله هو أنك إما أن تنسى أمر نفسك كلياً وإما أن ترى نفسك هباءة صغيرة قذرة. والأفضل أن تنسى أمر نفسك كلياً.

إنه لأمر رهيب أن أسوء رذيلة على الإطلاق قد تنسل إلى قلب حياتنا الدينية بالذات. ولكن في وسعك أن تدرك السبب. ذلك أن الرذائل الأخرى، الأقل سوءً، تنتج من عمل الشيطان للتأثير فينا بواسطة طبيعتنا الحيوانية. ولكن هذه الرذيلة لا تنتج من طبعتنا الحيوانية أبداً. إنها تأتينا من جهنم مباشرة فهي روحية محض، ولذلك هي أدهى وأفتك بكثير. وللسبب عينه قد تُستخدم الكبرياء أحياناً لدحر رذائل أبسط. فالمعلمون، في الواقع، غالباً ما يركنون إلى كبريا الولد، أو كما يسمّونها: احترامه لذاته، كي يحملوه على التصرف بحُسن سلوك.

وما أكثر الرجال الذين تغلبوا على الجبن أو الشهوة أو حدة الطبع بتعلمهم أن يعتبروها مُهينة لكرامتهم، أي الكبرياء. ثم أن إبليس يضحك. فهو مبتهج تماماً بأن يراك تصير عفيفاً وشجاعاً وضابطاً لنفسك، على أن يُنصب في داخلك كل حين دكتاتورية الكبرياء. تمامً كما يسره أن يراك قد شفيت من مرض بسيط إذا سُمح له، مقابل ذلك، أن يُصيبك بالسرطان. ذلك أن الكبرياء سرطان روحيّ؛ إذ تنهش حتى إمكانية المحبة أو القناعة أو الفطرة السليمة أيضاً.

وقبل اختتام هذا الموضوع، ينبغي لي أن أُنبه إلى وجوب الاحتراس من بضع إساءات فهم محتملة:

1- إن سرور المرء بامتداحه ليس كبرياء. فالولد الذي تُربت كتفه لإبلائه حسناً في دروسه، والمرأة التي يمتدح حبيبها بجمالها، والنفس المخلصة التي يقول لها المسيح “نعِماً” جميعهم يُسرون، وينبغي لهم ذلك. إذ أن المسرة هنا لا تكمن في هويتك بل في حقيقة كونك جلبت سرور لشخص أردت أن تسرّه (وإرادتك لهذا في محلها). إنما تبدأ المشكلة حين تنتقل من التفكير: “لقد جلبت له السرور وكل شيء بخير”، إلى التفكير: “يا لي من شخص رائع إذ فعلت هذا! فكلما زادت مسرتك بنفسك وقل سرورك بالمدح، تصير أسوأ حالاً.

وعندما تبتهج كلياً بنفسك ولا تكترث للامتداح أبداً، تكون قد بلغت الدرك الأسفل. لذلك كان الغرور، مع أنه نوع من الكبرياء الذي يظهر أكثر الكل على السطح، هو بالحقيقة أقل أنواعها سوءاً وأكثرها قابلية للاغتفار. فالشخص المغرور يطلب الامتداح والإطراء والإعجاب طلباً يفوق الحدّ، ونجده كل حين يحتال للحصول عليها. وهذه غلطة، لكنها غلطة صبيانية، بل أيضاً متواضعة بطريقة غريبة. فهي تبين أنك غير راض كلياً بعد عن إعجابك الشخصي. فأنت تُقدر الآخرين تقديراً كافياً بحيث تريد منهم أن يتطلعوا إليك.

وهكذا ما تزال في الواقع بشرياً. إنما الكبرياء الشيطانية السوداء حقاً تحصل حين تنظر باستعلاء إلى الآخرين بحيث لا يهمك ما يفكرون فيك. طبعاً، صحيح جداً، وغالباً ما يكون من واجبنا، ألا نهتم بما يفكره الناس فينا، إذا فعلنا ذلك بدافع من السبب الصحيح، أي لأننا نهتم أكثر على نحو لا نظير له بما يراه الله فينا. غير أن الإنسان المتكبر يحدوه سبب مختلف على ألا يهتم.

فهو يقول: “لماذا يهمني استحسان أولئك الرعاع كما لو كان رأيهم لا يستحق أي التفات؟ حتى لو كانت آراؤهم ذات قيمة، أفأنا ذلك الرجل الذي يتورد خداه سروراً لدى إطراءة توجّه إليه، كما لو كنت فتاة خجلة ترقص رقصتها الأولى؟ كلا، فأنا شخص راشد مكتمل! فكل ما فعلته إنما فعلته لإرضاء مُثلي العليا الخاصة (أو ضميري الفني، أو تقاليد أسرتي)، أو بكلمة وجيزة: لأني فتى كريم ماجد! فإن راق الرعاع ذلك، كان به. إنهم لا شيء في نظري”. بهذه الطريقة قد تقوم الكبرياء الخالصة الحقيقية بدور كابح للغرور، لأن إبليس، كما قلت منذ هُنيهة، يحب أن “يشفي” علّة يسيرة بإعطائك علّة خطيرة. فيجب علينا أن نحاول ألا نكون مغرورين، إنما يجب ألا نستدعي كبرياءنا البتة كي تشفينا من غرورنا.

2- ينبغي التميز بين الفخر والكبرياء. فقد نقول إن المرء فخور بابنه أو أبيه، أو مدرسته أو فوجه. وربما نسأل: هل الفخر في هذا النطاق خطية؟ أعتقد ان الأمر يتعلق تحديداً بما نعنيه بالفخر. فغالباً ما يُستعمل الفخر هنا بمعنى الإعجاب القلبي الشديد. ومثل هذا الإعجاب بالطبع أبعد ما يكون عن كونه خطيّة.

إلا أنه قد يعني أن ذلك الشخص يصطنع الكِبَر على أساس أبيه الممتاز، أو لأنه ينتمي إلى فوجٍ شهير. فواضح أن هذا عيب. ومع ذلك، فمن شأنه أن يكون أفضل من كون المرء فخوراً بنفسه فحسب. فإن يروقك ويُعجبك أي شيء خارج نفسك هو أن تخطو خطوة واحدة بعيداً عن الخراب الروحي؛ مع أننا لن نكون بخير ما دام يرقنا ويعجبنا أي شيء أكثر مما نحب الله ونعجب به.

3- يجب ألا نحسب الكبرياء شيئاً يحظره الله لأنه يستاء منه، أو أن التواضع شيء يطلبه كواجب يؤدّى لجلالته، وكأن الله نفسه متكبر. فهو غير قلق البتة على كرامته. إنما بيت القصيد أنه يريد لك أن تعرفه، يُريد أن يُعطيك ذاته. وأنت وهو كائنان من نوعين مميّزين بحيث أنك إذا دخلت حقاً في أي تماس معه فلا بد أن تكون بالحقيقة متواضعاً، متواضعاً على نحو مبهج، شاعراً بالراحة اللامحدودة الناجمة عن التخلص نهائياً من كل ذلك الهراء التافه عن كرامتك بعدما أقض مضجعك وسبّب لك الشقاوة طوال حياتك.

فهو تعالى يسعى لأن يصيرك متواضعاً كي يجعل هذه اللحظة ميسورة؛ يسعى لأن يجردنا من كثير من الملابس التنكرية القبيحة التافهة التي لبسناها كلنا ورحنا نجول فيها متضايقين ونحن نبدو على حقيقتنا…. حمقى صغاراً. وأتمنى لو أنني أنا شخصياً تقدمت أكثر في مجال التواضع. فلو كان ذلك قد حصل لي، لربما أمكنني أن أكشف لك المزيد عن الراحة والفرج الناجمين عن خلع تلك الملابس التنكرية، أعني التخلص من الذات الزائفة بكل ادعاءاتها: “انظروا إليَّ!”، “ألست أنا فتى رائعاً؟” وكل استعراضها وموقفها وتوجّهها. ألا إن مجرد الاقتراب من ذلك، ولو قليلاً وإلى لحظة، أشبه بشربة ماء بارد لأنسان في صحراء!

لا تتصور أنه إذا قابلت إنساناً متواضعاً حقاً فسيكون ما يدعوه معظم الناس “متواضعاً” هذه الأيام: فلن يكون شخصاً من ذلك النوع الزلق المُتمسكن الذي لا ينفك بالطبع يقول لك أنه نكرة. وربما كان كل ما فكرت فيه من جهته أنه سيبدو شخصاً فطيناً مُستبشراً يهتم فعلاً بما تقوله أنت له. وإن كرهته فعلاً، فسيكون ذلك لأنك تشعر بشي من الحسد تجاه أمرئ يبدو أنه يتمتع بالحياة بمثل تلك السهولة. وهو لن يكون مفكراً في التواضع. بل إنه لن يكون مفكراً في نفسه البتة.

وإذا ودّ أحد أن يكتسب التواضع، فأظن أن في وسعي اطلاعه على الخطوة الأولى. فأول خطوة هي أن يدرك أنه متكبر. وهي خطوة كبيرة نسبياً أيضاً. فعلى الأقل، لا شيء على الإطلاق يمكن القيام به قبلها. وإن حسبت أنك غير مغرور، فذلك يعني أنك بالحقيقة مغرور جداً.

الخطية الكبيرة – سي إس لويس

الإيمان – سي إس لويس

الإيمان – سي إس لويس

الإيمان – سي إس لويس

الإيمان – سي إس لويس

ينبغي أن أتكلم في هذا الفصل عما يدعوه المسيحيون “الإيمان”. فعلى وجه التقريب، يبدو أن المسيحيين يستخدمون كلمة “الإيمان” بمعنيين أو على مستويين، وسأتطرق إليهما على التوالي. فبالمعنى الأول، تعني كلمة مجرد التصديق: أي قبول تعاليم المسيحية على أنها حقّ. وهذا بسيط إلى أبعد حدّ. إلا أن ما يربك الناس (أو على الأقل كان يُربكني) هو أن المسيحيين يعدّون الإيمان، بهذا المعنى، فضيلة.

فطالما سألتُ: كيف يُعقل أن يكون هذا فضيلة، وما هو الأخلاقي في تصديق جملة من التصريحات أو غير الأخلاقي في عدم تصديقها؟ وكنت أقول، على نحو واضح، إن الإنسان العاقل إما يقبل أي تصريح وإما يرفضه، لا لأنه يريد ذلك أو لا يريده، بل لأن البيّنات تبدو له إما جيدة وإما سيئة. فإذا أخطأ بشأن جودة البيّنات أو سوئها، فلا يعني ذلك أنه إنسان سيئ، بل إنه فقط محدود الذكاء. وإذا اعتقد أن البيّنات سيئة ولكنه أرغم نفسه على التصديق رغم ذلك، يكون ذلك بلاهةً خالصة.

حسناً، أعتقد أني ما زلت على رأيي ذلك. ولكن ما لم أُدركه آنذاك (وكثيرون جداً مازالوا لا يدركونه) هو هذا: إنني كنت أفترض بديهياً أنه ما إن يقبل العقل البشري أمراً باعتباره صحيحاً، حتى يستمر تلقائياً في حسبانه صحيحاً، إلى أن يطرأ داع حقيقي إلى إعادة النظر فيه. وبالحقيقة أنن كنت أفترض بداهة أن العقل البشري يحكمه المنطق. غير أن الواقع ليس هكذا. فمثلاً، عقلي مقتنع تماماً على أساس البيّنات الجيدة أن أدوية التخدير لن تقضي عليّ وأن الجراحين المدربين حسناً لا يباشرون العملية الجراحية قبل دخولي حالة اللاوعي.

ولكن هذا لا يُبدل حقيقة كوني سأشعر بذعر صبياني محض يثور في داخلي عندما أُمدد على طاولة الجراحة ويوضع على وجهي قناع التخدير. فإني أبدأ بالتفكير في أنني سأختنق، وأخشى أن يبضعني الجراح قبل فقداني الوعي تماماً. وبعبارة أخرى، أفقد إيماني بأدوية التخدير. فليس العقل هو الذي ينزع مني الإيمان، بل على العكس: إيماني مؤسس على العقل، ولكن العلة في خيالي وعواطفي. وعليه فالمعركة هي بين الإيمان والعقل من جهة، والعواطف والخيال من جهة أخرى.

وعندما تفكر في الأمر، تجد أمثلة كثيرة عليه. فرُبَّ شاب يعرف، على أساس بينات تماماً، أن شابة حسناء من معارفه كذابة ولا يمكن أن تحفظ سراً وينبغي ألا تؤتمن أبداً، غير أنه حين يُلفي نفسه بصحبتها يفقد عقله تصديقه لتلك المعلومة، ويبدأ يُفكر: “لعلها تكون مختلفة هذه المرة!” ثم يتصرف مرة أخرى تصرف الساذج المغفل ويخبرها بأمر لم يكن ينبغي له إخبارها به.

فإن أحاسيسه ومشاعره بددت إيمانه فيما يَعرف فعلاً أنه حق. أو هب ولداً يتعلم السباحة. فعقله يعلم تماماً أن جسماً بشرياً غير مدعوم لن يغرق بالضرورة في الماء، إذ قد رأي عشرات من الناس يعومون ويسبحون. لكن السؤال الأساسي هو: هل يقدر أن يبقى مصدقاً لذلك حين يُبعد مدربه يديه عنه ويتركه غير مدعوم في الماء، أم هل يكف فجأة عن تصديق ذلك ويستولي عليه الرعب ويغوص إلى الأسفل؟

والآن، فإن الأمر عينه تماماً يحصل بالنسبة إلى المسيحية. فأنا لا أطلب من أحد أن يقبل المسيحية إذا كان تفكيره المنطقي الأفضل يقول له إن أرجحية البينات مناقضة لها. وليست هذه هي النقطة التي عندها يتدخل الإيمان. ولكن ماذا لو قرر عقل الإنسان فعلاً أن أرجحية البينات هي في صف المسيحية؟ في وسعي أن أقول لذلك الإنسان ما سيحدث له في غضون الأسابيع القليلة المقبلة. سيأتي وقت فيه يتلقى خبراً سيئاً، أو يكون في ضيق، أو يتواجد وسط مجموعة من الناس الذين لا يؤمنون بالمسيحية، وفجأة ستثور مشاعره وتشن ما يشبه الغارة الخاطفة على إيمانه.

أو قد يأتي وقت فيه يشتهي امرأة، أو يرغب في الكذب، أو يشعر برضى بالغ على نفسه، أو تلوح له فرصة لكسب بعض المال بأسلوب غير شريف تماماً، أي وقت ما فيه يكون مؤاتياً جداً ألاّ تكون المسيحية على حق. ومرة أخرى تشن عليه رغباته ورغائبه غارة شعواء. لست أتكلم عن الأوقات التي فيها تبرز أية أسباب جديدة فعلية مناهضة للمسيحية. فهذه لابد من مواجهتها، وتلك مسألة أخرى. إنما أتكلم عن الأوقات التي فيها يثور مزاج أو طبع يكون مناهضاً للمسيحية.

والآن، فالإيمان، بالمعنى الذي به استخدم الكلمة هنا، هو فن التمسك بالأمور التي قبلها عقلك مرة، على الرغم من تقلب مزاجك. فالأمزجة تتقلب حتماً، مهما كانت النظرة التي يقول بها عقلك. وأنا أعلم ذلك بالاختبار. فبعدما درت مسيحياً بالحق، بتُ أمر في أمزجة يبدو فيها الأمر كله بعيد الاحتمال للغاية. ولكن لما كنت مُلحداً، كنت أمر في أمزجة فيها تبدو المسيحية كثير الاحتمال على نحو هائل.

فثورة أمزجتك هذه على ذاتك الحقيقية لابد أن تحدث على كل حال. لذلك كان الإيمان فضيلة ضرورية جداً: ما لم تُعلِّم أمزجتك “إلى أين تمضي” فلا يمكنك أبداً أن تكون مسيحياً راسخاً، ولا حتى ملحداً راسخاً، بل مجرد مخلوق متأرجح ذهاباً وإياباً تعتمد معتقداته في الواقع على تقلبات الطقس وحالة الهضم لديه. من هنا كان على المرء أن يُنمي عادة الإيمان.

وأول خطوة هي أن تدرك حقيقة كون أمزجتك متقلبة. والثانية التي تتيقن بأنه ما إن تقبل المسيحية حتى تغدو بعض تعاليمها معروضة عمداً أمام عقلك وقتاً ما كل يوم. ولذلك كان الصلوات اليومية والقراءات الروحية وحضور الخدمات الكنسية مُقومات ضرورية للحياة المسيحية. فينبغي أن نُذكّر دائماً بما نؤمن به. إذ أن هذا المعتقد أو أي معتقد سواه لن يبقى حيّاً في الذهن بصورة تلقائية.

فمن الواجب أن يُغذى. وبالحقيقة إنه إذا سألت مئة شخص ممن فقدوا إيمانهم بالمسيحية فسؤالي: كم واحداً منهم يتبيّن أنهم أنكروا المسيحية بعد تفكير صحيح مقترن بالحجج الصادقة؟ ألا يتحول معظم الناس عن المسيحية على سبيل الانجراف فحسب؟

والآن عليّ أن أنتقل إلى الإيمان بمعناه الآخر أو الأسمى، وهذا أصعب أمر عالجتُهُ على الإطلاق. وأود أن أخلُص إليه بالرجوع إلى موضوع التواضع. ولعلك تذكر أني قلت إن أول خطوة نحو التواضع هي أن يدرك المرء أنه متكبّر. فأريد الآن أن أضيف أن الخطوة التالية هي بذل محاولة جدّية لممارسة الفضائل المسيحية. ولا يكفي أسبوع واحد. فالأمور غالباً ما تسير على نحو رائع في الأسبوع الأول. جرب ستة أسابيع! فإذ يكون المرء في غضون ذلك، بمقدار ما يمكنه أن يلاحظ، قد تقهقر كلياً، أو أيضاً قد تراجع إلى ما قبل النقطة التي انطلق منها، يكون قد اكتشف بعض الحقائق بشأن نفسه.

فلا أحد يدرك كم هو رديء إلا بعد أن يكون قد بذل أقصى جهده ليكون صالحاً. وثمة فكرة سخيفة شائعة اليوم تقول بأن الصالحين لا يعرفون معنى التجربة أو الغواية. فهذه كذبة بلهاء. ذلك أن أولئك الذين يقاومون التجربة وحدهم يعرفون كم هي قوية. وبعد، أفلا تعرف قوة العدو بمحاربته، لا بالاستسلام له؟ كما أنك تكتشف قوة الريح بمحاولتك أن تسير بعكسها، لا بالانبطاح أمامها. والرجل الذي يستسلم للتجربة بعد خمس دقائق لن يعرف طبعاً ما كان ممكناً أن تكون عليه بعد ساعة. ولذلك، بمعنى من المعاني، لا يعرف الأشرار عن حقيقة الشر إلا القليل.

فهم قد عاشوا حياةً أمنةً من الصراعات باستسلامهم للتجارب ولن نتبين أبداً قوة الميول الشريرة في داخلنا ما لم نحاول مقاومتها. ثم أن المسيح، لكونه الإنسان الوحيد الذي لم يستسلم للتجربة قط، هو أيضاً الشخص الوحيد الذي يعرف إلى التمام ما تعنيه التجربة… إنه الواقعي الكامل الوحيد. جيد جداً إذاً: إن الأمر الجوهري الذي نتعلمه من القيام بمحاولة جادة لممارسة الفضائل المسيحية هو أننا نُخفق في ذلك. فإذا كانت لدينا أدنى فكرة بأن الله قد أعد لنا امتحاناً من نوع ما، وأننا قد ننال علامات باستحقاقنا لها، فإن هذه الفكرة يجب أن تُمحى تماماً.

وإذا كان من فكرة عن صفقة من نوع ما (أية فكرة بأن في وسعنا ان نُوفي قسطنا من المعاهدة وبذلك نضع الله تحت دين بأن يتولى هو أن يُوفّي قسطه من قبيل العدل والإنصاف) فيجب أن تُمحى هذه الفكرة كلياً.

أعتقد أن كل إنسان لديه إيمان غامض بالله، يظن أن علاقته بالله تحوي امتحاناً أو صفقة، إلى أن يصير مسيحياً بالحق. فأول نتيجة من نتائج المسيحية الحقيقية هي تبديد تلك الفكرة تبديداً تاماً. وعندما يجد بعضهم هذه الفكرة مُبددة كلياً، يظنون أن ذلك يعنى أن المسيحية فاشلة، فيستسلمون. فيبدو أنهم يتصوّرون أن الله ساذج جداً، غير أنه بالحقيقة يعلم كل شيء عن هذا طبعاً، فواحدٌ من الأمور التي صُمّمت المسيحية للقيام به هو تبديد تلك الفكرة نهائياً. إذ إن الله ما ينفك منتظراً اللحظة التي فيها تكتشف أن لا وجود لمسألة إحراز علامة نجاح في هذا الامتحان، أو وضع الله تحت دين لك.

ثم يحصل اكتشاف آخر: ان كل مَلَكةٍ لديك، قدرتك على التفكير أو تحريك أطرافك من حين، إنما هي هبة لك من الله. فلو كرّست كل لحظة من حياتك لخدمته حصراً، ما كان يمكنك أن تقدم له أي شيء لم يكن ملكاً له أصلاً بمعنى ما. حتى إذا تكلمنا عن إنسان يفعل كل ما في وسعه خدمة لله، أو يقدم إليه شيئاً ما، فسأقول لك ما يُشبه هذا حقاً. إنه يُشبه ذهاب ولد صغير إلى أبيه قائلاً: “بابا، أعطني نصف شِلن لأشتري لك هدّية بمناسبة عيد مولدك!” وبالطبع، يُلبي الأبُ الطلب، ويُسَر بهدية الولد. فالأمر كله حسن ومناسب جداً، ولكن الأبله وحده يظن أن الأب أضاف مقدار نصف شلن إلى حساب الولد في إطار الصفقة.

فعندما يكتشف الإنسان الاكتشافين المذكورين هنا، يُمكن أن يُباشر الله عمله حقاً، ولا تبدأ الحياة الحقيقية إلا بعد هذا. فها قد استيقظ الإنسان الآن وفي مقدورنا الآن أن نتقدم لنتكلم عن الإيمان بمعناه الثاني.

 

الإيمان – سي إس لويس

الرجاء – سي إس لويس

الرجاء – سي إس لويس

الرجاء – سي إس لويس

الرجاء – سي إس لويس

الرجاء واحدة من الفضائل اللاهوتية. وهذا يعني أن التطلع الدائم إلى العالم الأبدي ليس شكلاً من أشكال التهرُّبيَّة أو التفكير اذي تُمليه الرغبات (على حد ما يتصوره بعض المعاصرين)، بل هو أمرٌ من الأمور الذي يُقصد للمسيحي المؤمن أن يقوم بها. ولا يعني هذا أن علينا أن نترك العالم الحالي على ما هو عليه. فإذا قرأت التاريخ يتبين لك أن المسيحيين الذين أفادوا العالم الحالي أكثر من سواهم بنا فعلوه هم فعلاً أولئك الذين كان معظم تفكيرهم في العالم الآتي.

ذلك أن الرسل أنفسهم، إذ أطلقوا شرارة هداية الامبرطور الرومانية، والرجال العظماء الذين بنوا حضارة العصور الوسطى، والإنجيليون الإنكليز الذين أبطلوا تجارة العبيد، جميعهم خلّفوا سمتهم على الأرض، تماماً لأن عقولهم كانت تشغلها السماء. فلأن المسيحيين كفوا إلى حد بعيد عن التفكير في العالم الآخر، صاروا عديمي الفعالية للغاية في هذا العالم. فصوّب سهامك نحو السماء تُصِب الأرض أيضاً؛ وصوّبها نحو الأرض فلا تُصيب كلتيهما. قاعدة تبدو غريبة، ولكن شيئاً مثلها يمكن أن نراه ساري المفعول في شؤون أُخرى.

فالصحة مثلاً بركة عظيمة ولكنك حين تجعل الصحة واحداً من أهدافك الرئيسية المباشرة تبدأ تصير مهووساً ومتوهماً بأن بك علة ما. فأنت لن تكسب الصحة على الأرجح إلا إذا طلبت بالأحرى أموراً أخرى، كالطعام والرياضة والعمل والترفيه والهواء الطلق. وعلى غرار هذا، فلن نُنقذ المدنيّة أبداً ما دامت المدنيّة هدفنا الرئيسي. فيجب علينا أن نتعلم طلب شيء آخر طلباً أشدّ.

يستصعب معظمنا كثيراً أن يطلبوا “السماء” أساساً، إلا بمقدار ما تعني “السماء” اجتماع شملنا بأحبائنا الذين رقدوا. ومن أسباب هذه الصعوبة أننا لم نُدرب التدريب الصحيح: فتربيتنا بكاملها تميل إلى تثبيت أذهاننا على هذا العالم. ومن أسبابها أيضاً أنه حين ينوجد فينا طلب السماء حقاً لا ندركه فعلاً. وأغلب الناس، إذا تعلموا النظر إلى داخل قلوبهم، فمن شأنهم أن يعرفوا أنهم يطلبون بالفعل طلباً شديداً، شيئاً لا يمكن الحصور عليه من هذا العالم.

وفي هذا العالم أشياء من كل صنف تعد بإعطائك ذلك الشيء، غير أنها لا تفي بوعدها أبداً. فالأشواق التي تنبعث فينا حين نقع في الحب أول مرة، أو حين نفكر في بلد غريب أول مرة، أو حين نتناول أول مرة موضوعاً نتحمس له، لهي أشواق لا يمكن أن يُشبعها أي زواج أو سفر أو تعلم. لست الآن في معرض الكلام عما يُدعى في العادة زيجات ناجحة أو عطلات مُمتعة أو تحصيلاً علمياً مفيداً، بل أتكلم عن أفضل ما يمكن في هذا المساعي كلها. فقد كان في اللحظات الأولى من تلك الأشواق شيء تطلَّعنا إليه ما لبث أن تلاشى في الواقع تماماً.

وأعتقد أن الجميع يعلمون ما أعنيه. فربما كانت الزوجة صالحة، والفنادق والمناظر رائعة، والكيمياء تخصُّصاً علميّاً مفيداً على الصعيد المهني؛ ولكن شيئاً ما يكون قد فاتنا فعلاً. والآن، ثمة طريقتان خاطئتان للتعامل مع هذا الواقع، وطريقة صحيحة واحدة:

1- طريقة الساذج المغفل: إذ تلقي اللوم على الأشياء ذاتها. فهو يقضي حياته كلها حاسباً لأنه فقط لو جرب امرأة أخرى، أو قضى عطلة أغلى نفقةُ، أو مهما كان سوى ذلك، لأُتيح له تلك المرة فعلاً أن يظفر بذلك الشي الغامض الذي نطلبه كلنا. ومعظم الأغنياء الذين يعانون الضجر وعدم الرضى في هذا العالم هم من هذا النوع. فهم يقضون حياتهم بكاملها متنقلين من امرأة إلى أخرى (بمحاكمات الطلاق)، ومن قارة إلى أخرى، ومن هواية إلى هواية، متصورين دائماً أن الأحدث في ذلك كله هو الضالة المنشودة أخيراً، إلا أنهم دائماً يخيبون.

2- طريقة (العاقل) الخائب: فهذا سرعان ما يُقرر أن الأمر كله كان مجرد سراب، ويقول: “طبعاً، ذلك الشعور الحماسي يُداخل المرء وهو شاب. ولكن عندما تبلغ مثل سنّي، تتخلى عن مُطاردة الوهم.” ومن ثم يُقر قراره ويتعلم ألاّ يتوقع الكثير، ويقمع من نفسه ذلك الجزء الذي كان من عادته أن “يطلب المستحيل” على حد قوله. وهذه بالطبع طريقة أفضل من الأولى بكثير، وهي تجعل الإنسان أسعد بكثير وأقل أذى للمجتمع. ولئن مالت إلى جعل الإنسان متزمتاً (إذ يكون ميّالاً بالحري إلى الاستعلاء على أولئك الذين يدعوهم “مراهقين”)، فهو عموماً يشق طريقه في الحياة بكثير من الراحة.

ومن شأن هذه الطريقة أن تكون أفضل سبيل نسلكه لو كان الإنسان لا يحيا إلى الأبد. ولكن ماذا لو أن السعادة القصوى كانت بالحقيقة هُناك في انتظارنا؟ ماذا لو كان في وسع المرء حقاً أن يبلغ الضالة المنشودة؟ في هذه الحالة يكون مدعاة للرثاء أن يتبين لنا بعد فوات الأوان (بعد الموت بلحظة واحدة) أننا “بفطرتنا السليمة” المفترضة قد خنقنا في نفوسنا إمكانية التمتع بها.

3 – الطريقة المسيحية: حيث يقول المسيحي المؤمن: “ليس الخلائق بمولودين ولديهم رغبات معينة إلا لأن إشباع هذه الرغبات ممكن فعلاً. فإذا شعر الطفل بالجوع، فهناك الطعام. وإذا رغب فرخ البط في السباحة، فهناك الماء. وإذا تحركت رغبة الرجل الجنسية، فهناك الجنس. وحين أجد في نفسي شوقاً لا يمكن أن يُلبّيه أي اختبار في هذا العالم، يكون التفسير الأكثر احتمالاً أنني قد صُنعت لأجل عالم آخر. وإذا كان لا يُشبعه أي نوع من مسراتي الدنيوية، فلا يبرهن ذلك أبداً أن الكون كله سراب بسراب.

فلعل المسرات الدنيوية لم يكن قط مقصوداً لها أن تُشبع هذا الشوق، بل أن تُثيره فحسب، كي تنبّهنا إلى الضالة المنشودة الحقيقية. وما دامت الحال على هذا المنوال، فعليّ أن أحرص، من ناحية، على ألا أحتقر أبداً هذه البركات الدنيوية، أو ألا أكون شكوراً عليها، ومن ناحية أخرى على ألا أخلط أبداً بينها وبين ذلك الشوق الآخر الذي ليس سوى صورة له، أو صدىً، أو سراب. فعليَّ أن أحيي في نفسي الشوق إلى وطني الحقيقي الذي لن أبلغه إلى بعد رحيلي من هنا، وعليَّ ألا أدعه أبداً يغيب عن بالي أو يُنحّى جانباً، بل يجب أن أجعل هدف حياتي الأساسي أن أمضي قدماً نحو ذلك الوطن وأساعد الآخرين على أن يحذوا حذوي”.

ولا داعي لأن يُقلقنا أولئك المزّاحون الذين يحاولون تسفيه الرجاء المسيحي المتعلق “بالسماء” بقولهم إنهم لا يرغبون “أن يقضوا الأبدية عازفين القيثارات”. فالرد على أُناس كهؤلاء أنه إن كانوا لا يقدرون أن يفهموا كُتباً مكتوبة للراشدين فعليهم ألاّ يتحدثوا عنها. ذلك أن كل ما ورد في الكتاب المقدس من صور بيانية أو استعارات (كالقيثارات والأكاليل والذهب إلخ…) هو بالطبع مجرد أسلوب رمزي للتعبير عما يفوق التعبير.

فالآلات الموسيقية مذكورة لأن الموسيقى في نظر الكثيرين (وليس الجميع) هي ذلك الأمر المعروف في الحياة الحاضرة الذي يوحي على أقوى ما يكون بالبهجة واللامحدودية الفائقتين. والأكاليل أو التيجان مذكورة لتوحي بحقيقة كون أولئك الذين سيتحدون بالله في الأبدية سيكون لهم نصيب من بهائه وسلطانه وفرحه. والذهب مذكور ليوحي بسرمدية السماء (لأن الذهب لا يصدأ) وكرامتها الثمينة جداً. فيحسن بأولئك الذين يأخذون هذه الرموز على محمل حرفي أن يحسبوا كذلك أن المسيح لما طلب أن نكون كالحمام عنى أن علينا أن نبيض!

الرجاء – سي إس لويس

المحبة – سي إس لويس

المحبة – سي إس لويس

المحبة – سي إس لويس

المحبة – سي إس لويس

قلت في فصل سابق إن هناك أربع فضائل “أساسية” وثلاث فضائل “لاهوتية”. فالفضائل اللاهوتية هي الإيمان والرجاء المحبة. وسنتطرق إلى الإيمان في آخر فصلّين من هذا الباب. أما المحبة فقد تناولتها جزئياً في الفصل السابع، إلا أنني ركّزت على جانب المحبة ذاك الذي يُدعى الغفران. وأريد الآن أن أضيف القليل بعد.

أولاً، تعني المحبة في الأصل معنى واسعاً شاملاً، فليس الإحسان سوى جانب واحد من جوانب المحبّة. والمحبّة، في المفهوم المسيحي، لا تعني عاطفة فحسب. فهي حالة إرادية، لا شعورية، تلك الحالة الإرادية التي لنا بالطبيعة تجاه أنفسنا، وينبغي أن نتعلم حيازتها تجاه الآخرين.

وقد أشرت في الفصل المتعلّق بالغفران إلى أنّ محبّتنا لأنفسنا لا تعني أننا معجبون بأنفسنا، بل تعني أننا نرغب في خيرنا الخاص. فبالطريقة نفسها، تختلف المحبة المسيحية لقريبنا اختلافاً جوهرياً عن عاطفة الإعجاب أو المودة. ذلك أننا “نحب” أو “نستلطف” بعض الناس دون سواهم. فمن المهم أن تدرك أن هذا “الاستلطاف” الطبيعي ليس خطية ولا فضيلة، كما أن ما تحب وما تعاف في الأطعمة ليس خطية ولا فضيلة. فهذا الأمر حقيقة واقعة. ولكن ما نفعله بشأنه هو بالطبع إما خاطئ وإما مُنافٍ للفضيلة.

إن حبّنا الطبيعي للناس يُسهل علينا أن نُبدي لهم المحبة فعلاً. وعليه، فمن واجبنا عادة أن نُعزّز عواطفنا بحيث “نحب” الناس إلى أقصى حد ممكن (كما يكون من واجبنا في الغالب أن نعزز حبّنا للتمرن أو الطعام الصحي)، ليس لأن هذا الحب هو بعينه فضيلة المحبة، بل لأنه معوان لها.

ومن ناحية أُخرى، من الضروري أيضاً أن نحترس جيداً لئلا يجعلنا حُبنا لشخص ما عديمي المحبّة، أو حتى غير مُنصفين، لشخص آخر. حتى إن حبّنا في بعض الحالات يتضارب مع محبتنا للشخص الذي يروقنا. فالأم ذات الشغف الزائد مثلاً قد تُغريها عاطفتها الطبيعية بأن “تُفسد” ولدها تدليلاً، أي أن تُلبي حوافزها العاطفية الخاصة على حساب سعادة الولد الحقيقية فيما بعد.

ولكن على الرغم من أن ميولنا الطبيعية ينبغي أن تُعزّز، فسيكون من الخطأ تماماً أن نظن بأن السبيل إلى حيازة المحبّة وإبدائها هو أن نقعد محاولين فبركة مشاعر عاطفية. وبعض الناس “باردون” بمزاجهم، وقد يكون ذلك نكداً لهم، غير أنه ليس خطية، كما أن سوء الهضم ليس خطية، وهو لا يُبعدهم عن فرصة تعلم المحبة، ولا يُعفيهم من واجب حيازتها وإبدائها. فالقاعدة لنا جميعاً بسيطة للغاية: لا تهدر الوقت في القلق والتساؤل عن حقيقة كونك “تحب” قريبك، بل تصرف كما لو كنت تحبه فعلاً. وحالما نفعل هذا، نكتشف واحداً من الأسرار العظيمة: عندما تتصرف كما لو أنك تحب شخصاً ما، فسرعان ما تصير تحبه فعلاً.

وإذا جرحت شخصاً تكرهه، فستُلفي نفسك كارهاً له أكثر. وإن أدّيت له معروفاً، فستُلفي نفسك كارهاً له أقل. إنما هنالك بالحقيقة استثناء واحد: إذا أديت له معروفاً، لا إرضاء لله وإطاعة لقانون المحبة، بل كي تريه أي فتى سميح طيب أنت، وكي تُودعه منّة، ثم جلست تنتظر منه أن يُبدي “عرفانه بالجميل”، فم المرجح أن يخيب أملك. (ليس الناس جهالاً، فهم يلاحظون بسرعة فائقة أي شيء مثل التباهي أو التبجح أو التفضل).

ولكن كلما صنعنا خيراً لنفس أخرى، فقط لأنها نفس خلقها الله (مثلنا)، راغبين في هناءتها كرغبتنا في هناءتنا، نكون قد تعلّمنا أن نحبّها أكثر بقليل، أو على الأقل أن نكرهها أقل.

وعليه، فمع أن المحبة المسحية المعطاء تبدو أمراً بارداً جداً في نظر الأشخاص الملأى رؤوسهم بالعاطفية، ومع أنها مختلفة تماماً عن العاطفة المجردة، فإنها تُفضي إلى الحنان والحنو. وليس الفرق بين المسيحي المؤمن والإنسان الدنيوي أن الدنيوي لديه فقط مشاعر أو “ميول” أما المسيحي فلديه “المحبة” فقط. فالدنيوي يعامل بعض الناس بلطف لأنه “يحبهم”؛ أما المسيحي، إذ يحاول معاملة كل إنسان بلطف، فيُلفي نفسه مُحباً أعداداً متزايدة من الناس وهو ماضٍ في ذلك؛ بمن فيهم أشخاص لم يكن يتصور في البداية أنه قد يحبهم.

هذا القانون الروحي عينه يفعل فعله على نحو رهيب في الاتجاه المعاكس. فربما عمد الظالمون أولاً إلى إساءة معاملة المضطهدين لأنهم يكرهونهم؛ وبعد ذلك ازدادوا كرهاً لهم لأنهم أساؤوا معاملتهم. فكلما ازدادتَ قسوةً، تضاعف كرهك لغير؛ وكلما زاد كرهك، تضاعفت قسوتك… وهكذا دواليك في دوامة رهيبة دائماً أبداً.

وبالحقيقة أن الخير والشر كليهما يتضاعفان بالفائدة المركّبة. لذلك تُضفى على القرارات اليسيرة التي نقررها أنا وأنت كل يوم أهمية غير محدودة للغاية. فأصغر عمل صالح اليوم هو استيلاء على موقع استراتيجي قد يكون في وسعك، بعد بضعة أشهر، أن تنطلق منه إلى انتصارات ما حلمت بها قط. كما أن استسلاماً بسيطاً في الظاهر للشهوة أو الغضب اليوم هو خسارة لتلال أو خط قطار أو رأس جسر يمكن للعدو أن يشن منه هجوماً كان من شأنه أن يكون مستحيلاً لولا ذلك.

وبديهي أن المحبة بالمفهوم المسيحي لا تقتصر على أداء دورها بين الكائنات البشرية، بل تشمل أيضاً محبة الله للإنسان ومحبة الإنسان لله. ففيما يتعلق بهذه المحبة الأخيرة، غالباً ما يرتبك الناس ويقلقون. إذ يُقال لهم أنه يجب عليهم أن يحبوا الله وهم لا يقدرون أن يجدوا في ذواتهم شعوراً من هذا النوع. فماذا يفعلون؟ إن الجواب هو بعينه ما سبق أن ذكرناه: تصرف كما لو كنت حائزاً مثل هذا الشعور. لا تحاول أن تُفبرك المشاعر وأنت قاعد. بل اسأل نفسك: “لو كنت متيقناً بأني أحب الله، فماذا كنت أفعل؟” وعندما تعرف الجواب، فامض وافعل ذلك.

على وجه العموم، فإن محبة الله لنا موضوع التفكير فيه أسلم بكثير من التفكير في موضوع محبتنا له. فلا يستطيع أي إنسان أن يحوز دائماً مشاعر ورعة. حتى لو كنا نستطيع ذلك، فليست المشاعر هي ما يعني ويهم الله في الدرجة الأولى. ذلك أن المحبة المسيحية. سواءً تجاه الله أو تجاه الإنسان، هي شأن من شؤون الإرادة. فإن كنا نحاول أن نعمل بإرادة الله، نكون طائعين للوصية القائلة:

“تحب الرب إلهك” ولسوف يُعطينا هو مشاعر المحبة إذا شاء. فنحن لا نقدر أن نُوجدها من تلقاء أنفسنا. ويجب علينا ألا نُطالب بها كحق من حقوقنا. غير أن الأمر العظيم الذي ينبغي أن نتذكره هو أن محبته لنا ثابته لا تتغير، رغم كون مشاعرنا تأتي وتمضي: فلا تُوهِنها خطايانا، ولا عدم مبالاتنا، ولذلك فإنها لا تكل ولا تمل في عزمها على شفائنا من تلك الخطايا، مهما كان الثمن بالنسبة إلينا، ومهما كان الثمن بالنسبة إليه تعالى.

المحبة – سي إس لويس

الزواج المسيحي – سي إس لويس

الزواج المسيحي – سي إس لويس

الزواج المسيحي – سي إس لويس

الزواج المسيحي – سي إس لويس

كان الفصل الأخير سلبياً في معظمه. فقد بحثت في الفساد الذي حل بالحافز الجنسي لدى الإنسان، ولكني قلت القليل فقط عن ناحيته الإيجابية العملية، أي بتعبير آخر عن الزواج المسيحي. ولعدم رغبتي خصوصاً في تناول موضوع الزواج سببان: أولهما ان التعاليم المسيحية الخاصة بهذا الموضوع غير محببة إلى أقصى حد؛ والثاني أنني أنا شخصياً لم أتزوج قط، وتالياً لا يمكنني أن أتحدث حديث مُختبر. ولكن على الرغم من ذلك أرى أنه لا يكاد يسعني السكوت عن هذا الموضوع في بحث يتناول الأخلاق المسيحية.

ترتكز الفكرة المسيحية في الزواج على قول المسيح إن الرجل وزوجته يجب أن يُعدا كائناً عضوياً واحداً. إذ إن هذا هو معنى قوله “جسد واحد” بلغتنا الحديثة. ويعتقد المسيحيون أنه لما قال ذلك لم يكن يعبر عن شعور أو تمن: بل كان يُفصح عن حقيقة، تماماً كما يعبر المرء عن حقيقة حين يقول مثلاً أن القفل ومفتاحه مَكنة واحدة، أو أن الكمنجة والقوس آلة واحدة. فإن مخترع المكنة البشرية كان إذ ذاك يقول لنا إن نصفيها الاثنين، أي الذكر والأنثى، صُنعا كي يتحدا كزوجين، لا على الصعيد الجنسي فحسب بل اتحاداً كلياً شاملاً.

ففظاعة الوصال الجنسي خارج إطار الزواج هي أن أولئك المنغمسين فيه يحاولون عزل نوع من الاتحاد (أي الجنسي) عن سائر أنواع الاتحاد التي صُمم لها أن تتماشى معه لتشكل جميعاً الاتحاد الكلي. ولا يعني الموقف المسيحي أن في المتعة الجنسية أي خطأ، شأنها شأن متعة الأكل تماماً؛ بل يعني أن عليك ألا تعزل تلك المتعة وتسعى إلى الحصول عليها بمفردها، مثلما لا ينبغي لك أن تحاول الحصول على مسرات التذوق بغير ابتلاع وهضم، وذلك بمضغك للأشياء ثم بصقها من فمك.

ومن النتائج المترتبة على ذلك أن المسيحية تُعلم أن الزواج يدوم مدى الحياة. ثمة بالطبع فرق بين مختلف الكنائس: فبعضها لا تعترف بالطلاق أبداً؛ وبعضها تُجيزه بفتور وتردد في حالات خاصة محددة جداً. ومن المؤسف أن يختلف المسيحيون على مسألة كهذه. إلا أن الأمر الذي لا بد أن يلاحظه العلماني العادي هو أن الكنائس كلها تتفق إحداها مع الأخرى بشأن الزواج اتفاقاً يفوق بكثير ذاك الذي تتفقه أية واحدة من الكنائس مع العالم الخارجي. أعني أن الكنائس كلها تعد الطلاق أمرً يشبه قطع جسد حي قطعتين، كنوع من العملية الجراحية.

فمنها من تحسب العملية بالغة العنف بحيث لا يمكن إجراؤها أبداً، ومنها مُن تقبلها كعلاج أخير اضطراري في بعض الحالات القصوى. وهي جميعاً تتفق على أنه أشبه ببترك رجليك كلتيهما منه بحل شركة تجارية أو بالفرار من فوج عسكري أيضاً. وما لا تقره جميعاً هو النظرة العصرية بأن الطلاق هو إعادة تكييف بسيطة للشريكين يمكن إجراؤها كلما شعر شريكان بأنهما لم يعودا يحبان أحدهما الآخر، أو عندما يقع أي منهما في حب شخص آخر.

وقبل النظر في هذه النظر العصرية من حيث علاقتها بالعفة، علينا ألا ننسى النظر فيها من حيث علاقتها بفضيلة أخرى، ألا وهي العدل والإنصاف. فالإنصاف، كما سبق أن قلت، يشتمل على الوفاء بالوعود. وكل من تزوج في كنيسة قطع وعداً علنياً جدياً بملازمة شريك الحياة ما دام حياً. فواجب الوفاء بهذا الوعد ليست له علاقة خاصة بالأخلاقيات المتعلقة بالجنس، بل إن له الموقع عينه الذي لأي وعد آخر. وإذا كان الحافز الجنسي، كما لا ينفك معاصرونا يقولون لنا، يُشبه جميع حوافزنا الأخرى تماماً، فعندئذ ينبغي أن يُعامل معاملة حوافزنا كلها.

وبما أن الانغماس في تلك الحوافز تضبطه وعودنا، فهكذا أيضاً ينبغي أن يكون الانغماس في الحافز النفسي خاضعاً لها. أما إذا كان لا يشبه حوافزنا الأخرى، كما أعتقد، ولكنه مشتعل على نحو مَرضي، فعندئذ ينبغي أن نحرص حرصاً خاصاً على ألا يُفضي بنا إلى الخيانة الزوجية.

رُبّ قائل إزاء هذا أنه يعد الوعد الذي قطعه في الكنيسة مجرد تصرف شكلي، ولم يكن في الأصل ينوي الوفاء به. فمن كان يحاول أن يخدع لما قطع ذلك الوعد؟ الله؟ أنفسه؟ إذاً لقد كان ذلك تصرفاً يفتقر إلى الحكمة فعلاً! أم العروس (أم العريس) أم أهل الزوجة (أو الزوج). إذاً لقد كان ذلك غدراً ومكراً. وما أكثر ما أحسب أن الزوجين (أو أحدهما) كانا يأملان أن يخدعا عامة الناس! فإنهما يريدان أن يحظيا بالاحترام المنوط بالزواج دون نية في دفع الثمن، أي أنهما كانا محتالين وقد لجآ إلى الغش.

وإذا كانا ما يزالان غشاشين قانعين، فليس لدي ما أقوله لهما، فمن ذا يريد أن يفرض واجب العفة السامي والصعب على شخصين لم يرغبا حتى في أن يكونا صادقين فحسب؟ وإذا كانا قد عادا إلى رشدهما الآن ويريدان أن يكونا صادقين، فإن وعدهما الذي سبق أن قطعاه هو خير مُلزم لهما. وهذا، كما لا بد أن ترى، يندرج تحت عنوان العدل أو الأنصاف، لا تحت عنوان العفاف.

وإذا كان الشريكان لا يؤمنان بالزواج الدائم، فربما كان أحسن لهما أن يعيشا معاً بغير زواج من أن يقطعا وعوداً لا ينويان الوفاء بها. صحيح أنهما إذ يعيشان معاً بلا زواج يكونان مرتكبين لذنب الزنى (من وجهة النظر المسيحية)، إلا أن غلطة واحدة لا تُصلحها غلطة أخرى: فعدم العفاف لا يتحسن بإضافة الإخلاف بالوعود.

ثم أن فكرة كون “دوام الحب” هو السبب الوحيد لاستمرار الزواج لا تترك بالحقيقة أي مجال على الإطلاق للنظر إلى الزواج على أنه عهد أو وعد. فإن كان الحب هو كل شيء، فعندئذ لا يمكن أن يُضيف الوعد أي شيء. وإذا كان لا يضيف شيئاً، فلا ينبغي أن يُقطع. والأمر الغريب هو أن الحبيبين أنفسهما، ما داما متحابين فعلاً، يعرفان ذلك أفضل من أولئك الذين يتكلمون عن الحب.

وكما نوّه شسترتن، فإن لدى المتحابين ميلاً طبيعياً لربط أنفسهما بالوعود. فأناشيد الحب في جميع أنحاء العالم مُفعمة بنذور الوفاء الأبدي. وليس القانون المسيحي هنا فارضاً على عاطفة الحب شيئاً غريباً عن طبيعتها بالذات: فهو يطلب من الحبيبين أن يأخذا على محمل الجد أمراً تدفعهما إلى فعله عاطفتها من تلقاء نفسها ذاتها.

ولا ريب أن الوعد الذي أقطعه وأنا واقع في الحب، ولأني واقع في الحب، بأن أكون مخلصاً للمحبوب ما دمت حياً، يُلزمني أن أظل مُخلصاً حتى لو فتر حُبي أو تلاشى. فالوعد يجب أن يكون بخصور أمور يمكنني أن أفعلها، أي معنياً بالأفعال: فلا أحد يستطيع أن يعد بأن يستمر شاعراً شعوراً معيناً.

وإلاّ، فلماذا لا يعد أيضاً بألاّ يُصيبه صداع أبداً، أو بأن يظل شاعراً بالجوع كل حين؟ إنما قد يُطرح هذا السؤال: أين نفع في إبقاء شخصين معاً إذا كان الحب بينهما قد زال؟ إن هناك اثنين من الأسباب الاجتماعية الوجيهة: كي يوفّرا بيتاً لأولاهما، ومن أجل حماية المرأة من أن يتخلى عنها الرجل متى سئم منها (وربما تكون قد ضحت بمهنة حياتها أو عطلتها عند الزواج). إلا أن هناك أيضاً سبباً آخر أنا على يقين من جهته، وإن كنت أستعصب تفسيره قليلاً.

أما وجه الصعوبة فلأن كثيرين لا يمكن أن نبلغ بهم إلى حيث يدركون أنه متى “ب” أفضل من “ج” فإن “أ” قد يكون أفضل من “ب” أيضاً. وهم يَهوون التفكير حسب تصنيف الجيد والسيء، لا حسب تصنيف الجيد والأجود والأكثر جودة، أو السيئ والأسوأ والأكثر سوءاً. فهم يودون أن يعرفوا هل تعتبر الوطنية أمراً جيداً: فإذا أجبت بأنها طبعاً أفضل بكثير من الأنانية الفردية، إلا أنها دون مستوى المحبة الشاملة وينبغي دائماً أن تبتعد من طريق المحبة الشاملة إذا تنازعنا، يحسبون أنك تلجأ إلى المراوغة.

ويسألونك عن رأيك في المبارزة: فإذا أجبت بأنه أفضل بكثير أن تُسامح امرأ من أن تخوض مبارزة معه، ولكن حتى المبارزة قد تكون أفضل من عداوة تعبر عن ذاتها بمساع خفية “للقضاء على ذلك المرء”، ينصرفون عنك متذمرين من امتنانك عن إعطائهم جواباً صريحاً. فأرجو إلا يغلط أحد مثل هذا الغلطة بشأن ما سأقوله الآن.

إن ما ندعوه “الوقوع في الحب” هو حالة مجيدة، وهي جيدة لنا من عدة نواح. فهي تساعدنا على أن نكون كُرماء وشجعان، وتفتح أعيننا لا على جمال المحبوب فقط بل على كل جمال أيضاً، وهي تجعل جنسيتنا الحيوانية المجردة (ولا سيما في البداية) أمراً ثانوياً. وبهذا المعنى يكون الحب أكبر قاهر للشهوة. فما من عاقل يُنكر أن حالة الحب الدائمة أفضل بكثير من الشهوانية السوقية ومن التمحور حول الذات. ولكن، كما سبق أن قلت، أخطر شيء يمكن أن نقوم به هو أن نأخذ أي حافز من حوافز طبيعتنا الخاصة وننصبه على أنه الغرض الذي ينبغي أن نتبعه مهما كان الثمن.

فكون المرء في حالة الحب أمر جيد، غير أنه ليس الأكثر جودة. إذ أن دونه أشياء كثيرة، ولكن فوقه أيضاً أشياء أخرى. فلا يمكن أن تجعله أساس حياة بكاملها. إنه شعور نبيل، ولكنه يبقى شعوراً. والآن، ما من شعور يمكن أن نركن إلى أنه سيدوم بملء حدته وشدته، ولا حتى إلى أنه سيدوم أصلاً. فالمعرفة يمكن أن تدوم، والمبادئ يمكن أن تدوم، والعادات يمكن أن تدوم؛ غير أن المشاعر تأتي وتمضي. وفي الحقيقة، مهما قال الناس، أن حالة كون المرء في الحب لا تدوم عادة.

فإذا فهمت خاتمة القصص الخيالية القديمة (وعاشا في سعادة دائمة ونعيم مُقيم” على أنها تعني “شعرا طيلة الخمسين سنة التالية تماماً كشعورهما عشية زفافها”، فهي عندئذ تقول ما يُحتمل أنه لم يكن صحيحاً قط ولن يكون أبداً؛ ولو صح لتضاءلت الرغبة فيه كثيراً وكان غير محبب. فمن ذا يحتمل أن يعيش حالة الغرام والهيام تلك ولو خمس سنين؟ وماذا يحل بعملك وشهيتك ونومك وصداقاتك؟ غير أن الكف عن الوجود في حالة الحب لا يعني بالضرورة التوقف عن المحبة.

والمحبة بهذا المعنى الآخر، أي بوصفها مختلفة عن “الوقوع في الحب”، ليست مجرد شعور. إنها وحدة قوية جداً، حاصلة بفضل الإرادة ومعززة عمداً بحكم العادة، ومقوّاة (في الزواج المسيحي) بالنعمة التي يلتمسها كلا الشريكين وينالانها من الله. ففي مقدورهما أن يحوزا هذا المحبة أحدهما للآخر في تلك اللحظات التي فيها لا يود أحدهما الآخر، مثلما تحب نفسك حتى لو لم تكن تودها. وفي مقدورهما أن يُبقيا على هذه المحبة ولو حين يكون من السهل عليهما، إذا سمحا لأنفسهما، أن يقعا في حب شخص آخر.

فإذ وجدا في حالة الحب أول الأمر، توافر لديهما الحافز للوعد بالأمانة الدائمة. وهكذا، فأن هذه المحبة الأكثر هدوءً تمكنهما من الوفاء بالوعد. بوقود هذه المحبة يُشغل مُحرك الزواج؛ أما الوقوع في الحب فقد كان هو الانفجار الذي أطلق حركته.

إذا كنت تخالفني في الرأي، فلا بد أن تقول: “إنه لا يعرف شيئاً عن الموضوع، فهو ليس متزوجاً”. وقد تكون محقاً جداً. إنما قبل أن تقول ذلك، تيقن تماماً بأنك تحكم عليّ على أساس ما تعرفه حقاً من اختبارك الشخصي ومن ملاحظة حياة أصدقائك، لا على أساس أفكار استقيتها من الروايات والأفلام. وليس القيام بهذا سهلاً كما يحسب الناس. فإن اختبارنا بات يصطبغ أكثر فأكثر بما تحويه الكتب والروايات والمسرحيات والسينما، ولا بد من الصبر والمهارة كي نعزل الأشياء التي تعلمناها حقاً بأنفسنا من الحياة.

يستمد الناس من الكتب الفكرة القائلة بأنك حيت تتزوج الشريك الصحيح يمكنك أن تتوقع الاستمرار في حالة الحب إلى ما لا نهاية. ونتيجة لذلك، فعندما يتبين لهم ان ليس ذلك واقعهم يعتقدون أن بذلك برهان على أنهم ارتكبوا غلطة ومن حقهم إحداث تغيير، غير مدركين أنه بعد حصولهم على التغيير سيتلاشى الألق سريعاً من الحب الجديد مثلما سبق أن تلاشى من القديم. ففي هذا النطاق من الحياة، كما في أي نطاق آخر، تأتي رعشات الطرب في البداية ولا تستمر على حدتها.

فإن الرعشة التي تسري في كيان صبيّ عندما تخطر في باله فكرة الطيران لن تستمر بعد التحاقه بسلاح الجو وتعلمه الطيران فعلاً. كما أن البهجة التي تشعر بها لدى رؤيتك مكاناً بهيجاً تتلاشى بعد انتقالك للإقامة في ذلك المكان. أفيعني هذا أنه كان خيراً لو لم يتعلم الطيران، ولو لم تنتقل للإقامة في المكان الجميل؟ كلا! ففي كلتا الحالين، إذا استمررت بالأمر، يحل محل تلاشي البهجة الأولى نوع من الاهتمام أكثر هدوءً ودواماً.

أضف إلى ذلك (ولا أكاد أعثر على الكلمات المناسبة لأقول لك كم أعتقد أن هذا الأمر مهم) أن أولئك المستعدين لتقبل فقدان البهجة، والاستقرار على الاهتمام الرزين، هم أنفسهم المرشحون جداً لاختبار بهجات جديدة في وجهة أخرى مختلفة تماماً. فالرجل الذي تعلم الطيران وصار طياراً جيداً سيكتشف الموسيقى فجأة، والرجل الذي استقر للإقامة في البقعة الجميلة سيكتشف لذة العمل في الحدائق والزهور.

ذلك هو، في اعتقادي، جزء يسير مما عناه المسيح بقوله إن شيئاً لن يعيش حقاً ما لم يمُت أولاً. فبكل بساطة، لا خير في محاولة الإبقاء على أية بهجة استثنائية: إن ذلك لأسوأ أمر يمكن أن تفعله. فلتمض البهجة الاستثنائية، لتمُت، لتجتز فترة الموت تلك كي تبلغ ما يعقبها من اهتمام أكثر هدوءً وسعادة أكثر سكوناً، فتكتشف أنك تعيش في عالم من البهجات الجديدة كل حين. ولكن إذا شئت ان تجعل البهجات الاستثنائية وجبتك المعتادة وتحاول إطالة أمدها بوسائل مصطنعة، تغدو أضعف، وأقل فأقل، وتصير هرماً ملولاً مخدوعاً ما تبقى من عمرك.

وسبب ذلك أن قلة قليلة من الناس يدركون هذا الواقع بحيث تجد كثيرين ممن هم في وسط العمر يهدرون شبابهم الضائع، في العمر عينه الذي فيه ينبغي أن تكون آفاق جديدة آخذة في الظهور وأبواب جديدة آخذة في الانفتاح حواليهم. فإنها لمتعة أفضل بكثير أن تتعلم السباحة من أن تظل إلى ما لا نهاية (وبغير أمل) محاولاً استرجاع ذلك الشعور الذي خالجك أولاً لما رحت تخوض في الماء أول مرة لما كنت ولداً صغيراً. 

ثم إننا نستمد من الروايات والمسرحيات فكرة أُخرى تقول بأن “الوقوع في الحب” هو أمر لا يُقاوم البتة: أمر يُصيب المرء كيفما اتفق، كالحصبة مثلاً. ولأن بعض المتزوجين يعتقدون هذا، فهم يستسلمون حالاً إذ تنهار دفاعاتهم حين يُلفون أنفسهم منجذبين إلى شخص يتعرفون به حديثاً. غير أني أميل إلى الاعتقاد أن هذا المشاعر التي لا تقاوم هي في الحياة الواقعية أندر بكثير مما هي في الكتب، حين يكون المرء بالغاً على كل حال. فعندما نقابل شخصاً جميلاً وذكياً وعطوفاً، فلا بد لنا طبعاً، بمعنى محدد، من أن نُعجب بتلك المزايا الطيبة ونحبها فيه.

ولكن أليس في خيارنا إلى أبعد حد أن ندع “الحب”، أو لا ندعه، يتحول إلى ما نسميه “الوقوع في الحب”؟ إذا كانت عقولنا ملأى بالروايات والمسرحيات والأغاني العاطفية، وأجسادنا ملأى بالكحول، فلا شك أننا سنحول أي حب نشعر به إلى ذلك النوع من الحب: تماماً مثلما تكون في طريقك قناة فتنصب كل مياه الأمطار فيها، ومثلما تضع على عينيك نظارة زرقاء فيتحول كل ما تراه إلى اللون الأزرق.

وقبل التحول عن مسألة الطلاق، أود التمييز بين أمرين كثيراً جداً ما يختلطان؛ أحدهما مفهوم الزواج في المسيحية، والآخر هو هذه المسألة المختلفة تماماً: إلى أي مدى ينبغي للمسيحيين، إذا كانوا ناخبين أو نوّاباً، أن يحاولوا فرض آرائهم في الزواج على سائر أفراد المجتمع بتجسيدها في قوانين الطلاق؟ يعتقد كثيرون جداً، على ما يبدو انه إذا كنت مسيحياً بالحق فينبغي لك أن تسعى إلى تصعيب الطلاق على كل إنسان. غير أني لا أعتقد ذلك. على الأقل، اعرف أنه لا بد لي من الاستياء إذا حاول بعض المتزمتين منع الباقين منّا أن يقربوا ما يعدونه حراماً.

فرأي الشخصي هو أن على الكنائس أن تقر في صراحة بأن أغلبية الشعب البريطاني ليسوا مسيحيين بالحق، وتالياً لا يمكن أن نتوقع منهم أن يحيوا حياة مسيحية. لذا يمكن أن يتواجد نوعان من الزواج: زواج تتحكم به الدولة وله قوانين تُفرض على جميع المواطنين، وزواج ترعاه الكنيسة وله قوانين تُلزم أتباعها. وينبغي أن يكون التمييز حاداً للغاية، بحيث يعرف المرء أي زوجين متزوجين زواجاً مسيحياً، وأي زوجين ليسا كذلك.

أكتفي بهذا القدر من الكلام عن العقيدة المسيحية المتعلقة بدوام الزواج. إنما يبقى أمرُ آخر، أقل شعبية بعد، ينبغي التطرق إليه. فإن الزوجات المسيحيات يعدن بأن يُطعن أزواجهن. وفي الزواج المسيحي يُعتبر الزوج هو “الرأس”. وهنا يثور سؤالان بصورة بديهية: (1) لماذا ينبغي وجود رأس أصلاً، فلماذا لا تقوم مساواة؟ (2) ولماذا ينبغي ان يكون الرأس هو الرجل؟

  • إن الحاجة إلى وجود رأس ما تأتي من فكرة كون الزواج دائماً. وطبعاً، ما دام الزوج والزوجة متفقين. فلا داعي لطرح مسألة وجود رأس. ولنا أن نأمل في أن يكون هذا وضع الأمور السوي في الزيجة المسيحية. ولكن إذا حصل خلاف فعلي، فماذا ينبغي أن يحدث؟ على الزوجين طبعاً أن يتصارحا ليحلا الخلاف؛ غير أني أفترض أنهما قد فعلا ذلك، وعلى رغمه لم يتوصّلا على اتفاق. فماذا يفعلان تالياً؟ لا يستطيعان إجراء تصويت تفوز به الأكثرية، لأن لا أكثرية في مجلس يضم عُضوين فقط.
    فبالتأكيد، لا يمكن أن يحدث إلا أم من أمرين: إما أن ينفصلا ويذهبا كل في طريقه، وإما يكون لأحدهما صوت مُرجح
    . وما دام الزواج دائماً، فيجب على أحد الشريكين، كحل أخير، أن يحوز السلطة لتقرير سياسة العائلة. فلا يمكن قيام اتحاد دائم بغير دستور.

  • إن كان ينبغي أن يوجد رأس، فماذا الرجل؟ حسناً، أول كل شيء، أهنالك من رغبة جدية تماماً في أن تكون الزوجة هي الرأس؟ كما سبق أن قلت، أنا نفسي غير متزوج، ولكن بمقدار ما يمكنني أن أرى، فحتى المرأة التي تريد أن تكون هي رأس بيتها لا تروقها عادة أحوال الأمور نفسها حيت تجدها جارية في بيت جيرانها. ويُرجح جداً أن تقول: “مسكين فُلان! لماذا يسمح لتلك المرأة الرهيبة بالتسلط عليه كما هي فاعلة؟ إن هذا أمرٌ يفوق ما يمكن أن أتصوره!” ولست أظن أن غرورها يُشبع كثيراً إذا ذكر شخص ما حقيقة “ترؤسها” هي.
    فلا بد أن يكون في تسلط الزوجات على أزواجهن أمر غير سوي، لأن الزوجات أنفسهن شبه خجلات به ويحتقرن الأزواج الذين يتحكمنَ بهم، ولكن ثمة سبباً آخر أيضاً؛ وهنا أتكلم بمنتهى الصراحة بصفتي عزباً، لأنه سبب يمكنك أن تراه من الخارج بوضوح أكثر مما تراه من الداخل. ذلك أن علاقات العائلة بالعالم الخارجي (ما يمكن أن يُسمى سياستها الخارجية) ينبغي أن تكون بيد الرجل في نهاية المطاف، لأنه ينبغي له دائماً أن يكون أكثر إنصافاً بكثير في معاملة الغرباء، وهو يكون كذلك عادة.
    فالمرأة تناضل في المقام الأول لأجل أولادها وزوجها مواجهة باقي العالم. وتكاد مطالبهم، على نحو طبيعي ومحق بمعنى ما، تفوق عندها جميع المطالب الأخرى، إنها المؤتمنة المُميزة على مصالح عائلتها. فوظيفة الزوج هي أن يحرص على ألا يجعلها هذا الإيثار الطبيعي فيها تتولى مركز الرأس.
    وله الكلمة الحاسمة كي يحمي سائر الناس من “وطنية” زوجته المفرطة على صعيد العائلة. وإن شك في هذا أحد، فلأسأله سؤالاً بسيطاً. إذا عض كلبُكم ابن الجيران، أو إذا آذى ابنكما كل الجيران، فمع من ستضطر عاجلاً لأن تتعامل: رب ذلك البيت أو ربته؟ أو إذا كنت امرأة متزوجة، فدعين أسألك سؤالاً: رغم إعجابك الشديد بزوجك، أفلا تقولين إن إخفاقه الرئيسي يكمن في ميله إلى عدم التشبث بحقوقه وحقوقك في مواجهة الجيران بمثل ما تودين من قوة ونشاط؟ أولا تتهمينه بأنه يسعى قليلاً إلى استرضائهم؟

 

الزواج المسيحي – سي إس لويس

الغفران – سي إس لويس

الغفران – سي إس لويس

 

الغفران – سي إس لويس

الغفران – سي إس لويس

قلت في فصل سابق إن العفة هي الفضيلة الأقل شعبية بين الفضائل المسيحية. ولكن لست على يقين بأني كنت على حق. فأنا أعتقد ان هنالك فضيلة أخرى أقل شعبية بعد، ألا وهي تلك المرسومة في القاعدة المسيحية القائلة: “تحب قريبك كنفسك.” وذلك لأن “قريبك” في الأخلاق المسيحية يشمل “عدوك” أيضاً، وهكذا يبرز أمامنا هذا الواجب الرهيب المتمثل بالغفران لأعدائنا.

يقول كل امرئ أن الغفران فكرة مُحببة، حتى يكون شيء يستوجب الغفران، مثلما كان لشعبنا في أثناء الحرب. ثُم إنَّ ذكر هذا الموضوع من أساسه يُثير نوبات من الغضب في وجوهنا. ليس أن الناس يحسبون هذا الأمر فضيلة أسمى وأصعب من أن يُطبق، بل إنهم يعدونه بغيضاً وحقيراً. فهم يقولون: “مثل هذا الحديث يُصيبني بالغثيان!” ونصفكم يريدون تواً أن يسألوني: “أتساءل عن شعورك حيال الغفران للغستابو لو كنت بولندياً أو مُضطَهداً مسكيناً؟”

هكذا أتساءل أنا، وأسائل نفسي كثيراً. كما أنني حين تقول لي المسيحية أن عليَّ ألاّ أنكر إيماني لأنجو من الموت أتساءل كثيراً جداً عما ينبغي لي أن أفعله إذا واجهت ذلك فعلاً. ولست أسعى في هذا الكتاب لأن أقول لك ما يمكنني أن أفعله (وما أقل ما أستطيع أن أفعله!) بل إني أقول لك ما هي المسيحية. وليست هي من اختراعي طبعاً. وهناك تماماً، في مركزها، أجد الطّلبة: ” اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن للمسيئين إلينا”. ولا إشارة البتة إلى أن الغفران يُقدم لنا بأية شروط أخرى. فمُوضّح تماماً أنه إن كنا لا نغفر فلا يُغفر لنا. ولا سبيل آخر إلى ذلك. فماذا ينبغي لنا أن نفعل؟

سيكون صعباً إلى حد بعيد، ولكني أعتقد على كل حال أن ثمة أمرين يمكننا القيام بهما لتسهيله. عندما تباشر تعلم الرياضيات، لا تبدأ بحساب التكامل والتفاضل، بل بحساب الجمع البسيط. وعلى غرار ذلك، إذا أردنا حقاً (إنما الأمر كله يتوقف على الإرادة حقاً) أن نتعلم كيف نغفر فربّما كان أفضل لنا أن نبدأ بشيء أسهل من الغستابو.

ففي وسع المرء أن يبدأ بالغفران لزوجته، أو أبويه أو أولاده، أو أقرب ضابط صف مُعاد، عن شيء فعلوه أو قالوه في الأسبوع الماضي. والأرجح أن هذا سيشغلنا في الوقت الراهن. ثم إننا تالياً قد نحاول أن نفهم تماماً ما يعنيه أن تحب عدوك كنفسك. فعليّ أن أحبه كما أحب نفسي. إذاً، كيف أحب نفس بالضبط؟

عندما أُفكر في الأمر، أجد أن ليس لدي شعور بالإعجاب أو المودة تجاه نفسي، حتى إنني لا أستمتع دائماً بمجتمعي الخاص. وهكذا يظهر أن محبتك لقريبك لا تعني أن “تجده جذاباً” ولا أن “تشعر بالإعجاب تجاهه”. وكان ينبغي لي أن أكون قد أدركت ذلك قبلاً، لأنك بالطبع لا يمكنك أن تشعر بالمودة تُجاه شخص ما من طريق المحاولة.

أأحسن ظناً بنفسي، معتبراً نفس فتى ماجداً؟ حسناً، يُخيل إليَّ أنني أفعل ذلك أحياناً (وتكون تلك بالطبع أسوء لحظاتي)، ولكن ليس لهذا أحب نفس، بل العكس هو الصحيح فعلاً: أن حُبي لنفسي يجعلني أعتبر نفس لطيفاً، ولكن استلطافي لنفسي ليس سبب محبتي لنفسي، وهكذا، فإن محبتي لأعدائي لا تعني على ما يبدو أن أعتبرهم لطفاء ظرفاء أيضاً. وفي هذا إراحة شديدة حقاً. فإن كثيرين يتصورون أن الغفران لأعدائك يعني إثبات كونهم بالحقيقة أشخاصاً غير أردياء رغم كل شيء، في حين يتضح تماماً أنهم ليسوا صالحين.

ولنخط خطوة أخرى بعد. في أجلى لحظاتي بصيرة، لا أكتفي بحسبان نفس شخصاً غير صالح، بل أعرف أنن إنسان سيء جداً. وفي وسعي أن أنظر إلى بعض الأمور التي فعلتها نظرة رعب واشمئزاز. فيظهر إذاً أن من حقي أن أعف وأكره بعض أفعال أعدائي. وإذ أفكر في ذلك الآن، أتذكر ما قاله لي معلمون مسيحيون بالحق منذ عهد بعيد إنه يجب عليّ أن أكره أفعال الإنسان الرديء دون أن أكره ذلك الرديء، أو كما كانوا يقولون: أكره الخطية ولكن لا تكره الخاطئ.

وقد بقيت زمناً طويلاً أعتبر ذلك تفريقاً تافهاً من قبيل المماحكة: فكيف يمكنك أن تكره ما يفعله إنسانٌ ما ولا تكره ذلك الإنسان. إنما بعد سنين طويلة خطر في بالي أن هناك إنساناً ما زلت أفعل به ذلك طول عمري، ألا وهو أنا نفسي. فمهما بلغ مقدار كرهي لجبني أو غروري أو جشعي، ظللتُ ماضياً في محبة نفسي. وما واجهت في ذلك أدنى صعوبة. وبالحقيقة أن سبب كرهي لتلك المساوئ إنما كان حبي للإنسان. فلأنني أحب نفسي، كنت آسفاً أن أجد أنني كنت إنساناً من النوع الذي يفعل تلك المساوئ.

وعليه فالمسيحية لا تريد منا أن نُقلل مثقال ذرة نم الكره الذي يُداخلنا تجاه القسوة والخداع والغش؛ بل ينبغي لنا أن نكرهها. ولا داعي لإسقاط كلمة واحدة مما قد قلناه عنها. إلا أن المسيحية تريد منا فعلاً أن نكره هذه المساوئ بالطريقة التي بها نكره مساوئ أنفسنا: بأن يؤسفنا أن يكون ذلك الإنسان قد ارتكب أفعالاً من هذا النوع، آملين، إذا كان ممكناً بأية طريقة وكيفية وفي أي زمان ومكان، لو يتأتي له الشفاء والعودة إلى إنسانيته من جديد.

وهاك الامتحان الحقيقي. هبّ شخصاً قرأ في صحيفة خبر فظائع مروعة. ثم هبّ أمراً يستجد ليوحي أن الخبر ربما لا يكون صادقاً إلى التمام، أو ليس بمثل الرداءة التي صُور بها. أفيكون أول شعور يراود الشخص: “شكراً لله على كونه بهذه الرداءة تماماً!” أم هو شعور خيبة، بل أيضاً تصميم على التمسك بالرواية الأولى لسبب اللذة الخاصة في حسبان أعدائك أردأ ما يمكن؟ إن كان الأمر الثاني، فعندئذ أخشى أن تكون هذه أول خطوة في عملية لو استمرت إلى النهاية لحولتّنا أشراراً إلى أقصى حدّ. أعني أن يبدأ المرء يرغب في أن يكون الأسود أكثر سواداً بقليل.

وإذا سمحنا لتلك الرغبة بأن تستولي علينا، فقد نرغب لاحقاً في أن نرى الرمادي أسود، ثم في أن نرى الأبيض ذاته أسود. وأخيراً سوف نصر على أن نرى كل شيء (بما في ذلك الله وأصدقاؤنا وأنفسنا) رديئاً. ولن نتمكن من الكف عن ذلك؛ ولسوف نعلق إلى الأبد في عالم من البغض المحض!

والآن، خطوة أخرى إلى الأمام: هل تعين محبتك لعدوك عدم معاقبته؟ لا، فإن محبتي لنفسي لا تعين أن ليس على إخضاع نفس للعقاب، بل أيضاً للموت. فإن كنت قد ارتكبت جريمة قتل، يكون التصرف المسيحي الصحيح الذي ينبغي لك أن تقوم به هو أن تسلم نفسك للشرطة حتى تُعدم. وعليه، ففي رأيي أن من حق القاضي المسيحي تمامً أن يحكم بالإعدام على مجرم قاتل، أو الجندي المسيحي أن يقتل عدواً باغياً. ولطالما كان هذا رأيي منذ صرت مسيحياً بالحق، وقبل الحرب بزمن طويل، وما زلت على هذا الرأي الآن بعدما دخلنا زمن السلم.

وليس بنافع أن نقتبس الوصية: “لا تقتل!” ففي اليونانية كلمتان: الأولى تعني “أمات” عموماً، والثانية “قتل”. وحين اقتبس المسيح الوصية، استخدم الكلمة الثانية الخاصة بالقتل عمداً أو إجراماً، وذلك في الأناجيل الثلاثة: متى ومرقص ولوقا. وقد قيل لي إن التمييز عينه موجود في العبرية. فليست كل إماتة قتلاً، كما أن ليس كل وصال جنسي زنى. ولما جاء إلى يوحنا المعمدان جنود يسألونه عما يفعلن، لم يُلمح ولو من بعيد إلى وجوب تركهم الجيش، ولا فعل المسيح ذلك لمّا قابل رقيباً أول رومانياً، أو قائد مئة كما كان يُسمى آنذاك.

وفكرة الفارس (المسيحي الذي يحمل السلاح لنصرة قضية حقّ) واحدة من الأفكار المسيحية الجليلة. فالحرب أمر فظيع، وفي وسعي أن أحترم داعية اللا عنف الصادق، مع أنني أعتبره مخطئاً تماماً. ولكن ما أستطيع فهمه هو هذا الصنف من شبه اللا عنف الذي يوحي إلى الناس بهذه الفكرة: رغم اضطرارك إلى القتال، ينبغي لك القيام بذلك مقطب الجبين وكما لو كان ذلك أمراً يدعو إلى الخجل. إنه ذلك الشعور الذي يسلب كثيرين من الشبان المسيحيين الرائعين الذين يخدمون في القوات المسلحة شيئاً يحق لهم أن يحوزوه شيئاً هو قرين الشجاعة الطبيعي، نوعاً من البهجة والولاء الصادق.

كثيراً ما فكرت بيني وبين نفسي، عندما خدمتُ في الجيش إبان الحرب العالمية الأولى، ماذا يكون لو أننا أن وأحد الشبان الألمان قتلنا أحدنا الآخر في وقت واحد، ووجدنا أنفسنا معاً بعد موتنا بلحظة واحدة. فلا يمكنني أن أتصور أن أياً منا كان من شأنه أن يشعر بأي استياء، ولا حتى بأية خيبة أمل، بل أظن أنه كان من شأننا أن نتضاحك في هذا الأمر.

ولنتصور أن شخصاً سيقول: “حسناً، إذا كان يُسمح للمرء بأن يدين أفعال عدوه ويعاقبه ويقتله، فأي فرق يبقى بين الأخلاق المسيحية والمفهوم المألوف؟” كل ما في الدينا من فرق! تذكر أننا نحن المسيحيين نؤمن بأن الإنسان يحيا إلى الأبد. وعليه، فما يهم حقاً هو تلك السمات او الثنايا الصغيرة في الجزء الداخلي من النفس، تلك التي سوف تحولها، في نهاية المطاف، إلى كائن سماوي أو جهنمي. فلنا أن نُميت إذا دعت الضرورة، ولكن يجب علينا ألا نكره وألا نستمتع بالكراهية. ولنا أن نعاقب إذا دعت الضرورة، ولكن يجب ألا نستمتع بالمعاقبة.

وبكلام آخر، فإن شيئاً في داخلنا، وهو الشعور بالاستياء، الشعور الذي يريد استرجاع حق المرء الشخصي، يجب أن يُقتل حقاً. لست أعني أنّ في وسع أي أمرئ أن يقرر في هذه اللحظة أنه لن يشعر أبداً بذلك الشعور بعد. فليس هكذا تحدث الأمور. إنما أعني أنه كلما ثار هذا الشعور برأسه، يوماً بعد يوم وسنة بعد سنة وطوال عمرنا، ينبغي لنا أن نصربه على رأسه.

إن هذا عمل صعب، ولكن المحاولة ليست مستحيلة. حتى أنه فيما نحن نُميت ونعاقب، ينبغي لنا أن نشعر تجاه العدو بمثل شعورنا تجاه أنفسنا، أن نتمنى لو لم يكن شريراً، أن نرجو له الشفاء، في هذا العالم أو في غيره، أن نتمنى له الخير بالحقيقة. ذلك هو المقصود بمحبتنا له: أن نتمنى له الخير، لا أن نُعجب به، ولا أن نقول إنه لطيف ظريف في حين أنه ليس كذلك.

إنني أُقّر بأن هذا يعني أن أحب أناساً ليس فيهم ما هو محبب. ولكن أيوجد في نفس المرء ما هو محبب فيها؟ فأنت إنما تحبها لأنها نفسك فحسب. وفي قصد الله لنا أن حب كل نفس بالطريقة عينها وللسبب عينه؛ ولكنه قد أعطانا النتيجة الحاصلة في حالتنا الخاصة ليُبين لنا كيف تفعل فعلها. فعلينا من ثم أن نمضي ونطبق هذه القاعدة على جميع النفوس الأخرى. ولربما سهل الأمر أن نتذكر أن الله يحبنا بهذه الطريقة: ليس لأية مزايا حسنة جذابة نظن أنها فينا، بل لأننا تلك الكيانات المدعوة نفوساً. فليس فينا بالحقيقة شيء يُحب، ونحن الخلائق التي تجد في البغض متعة فائقة بحيث يكون التخلي عنه مثل التخلي عن البيرة أو التدخين….

 

الغفران – سي إس لويس

الإيمان – سي إس لويس

الإيمان – سي إس لويس

 

الإيمان – سي إس لويس

الإيمان – سي إس لويس

أريد أن أبدأ بقول شيء أود أن يلاحظه كل فرد بدقة وانتباه. وهذا هو: إن لم يعن هذا الفصل لك شيئاً، وإن بدا لك أنه يحاول أن يجيب عن أسئلة لم تطرحها قط، فاصرف نظرك عنه حالاً، ولا تقلق بشأنه أبداً. ففي المسيحية أمور معينة يمكن فهمها من الخارج، قبل أن تصير مسيحياً حقيقياً. ولكن فيها أمور أكثر بكثير لا يمكنك أن تفهمها إلا بعد أن تكون قد قطعت شوطاً ما على الطريق المسيحي وهي الأمور عملية محض، ولو كانت تبدو كذلك.

إنها توجيهات للتصدي لمفارق طُرق وعقبات معيّنة في أثناء الرحلة، وهي غير ذات معنى إلا بعد وصول المرء إلى تلك الأماكن. فكلما وجدت أية عبارة في الكتابات المسيحية لا تعني لك شيئاً فلا تقلق، بل دعها وشأنها. إذ سوف يأتي يوم، ربنا بعد عدة سنين، فيه تفهم فجأة ما تعنيه، وإذا تيسّر للمرء فهمها الآن، فإنها تضر به فحسب.

وبالطبع أن هذا كله يضع عقبة أمامي وأمام أي شخص آخر على السواء. فقد يكون ما أحاول تفسيره في هذا الفصل أبعد من منالي. وربّما حسبتُ أنني وصلت إلى هناك وأنا لم أصل بعد. فليس في وسعي إلاّ أن أطلب من المسيحين المُتنورين أن يراقبوني عن كثب، ويقولوا لي أين أخطئ؛ ومن الآخرين أن يقبلوا ما أقوله بشيء من التحفُّظ، على أنه أمر أعرضه لأنه قد يكون مفيداً، لا لأني متيقن بأنني على حق. إنني أسعى إلى التكلم عن الإيمان بالمعنى الثاني، وهو الأسمى.

وكنت قد قلت آنفاً إن مسألة الإيمان، بهذا المعنى، تنطرح بعد أن يكون الشخص قد بذل أقصى جهده لممارسة الفضائل المسيحية فتبين له أنه مُخفق وأدرك أنه حتى لو نجح لكان يرد إلى الله ما هو لله أصلاً. وبكلمة أخرى، فهو يكتشف إفلاسه. والآن، تقول مرة أخرى إن ما يعنى الله ليس هو أفعالنا على وجه التحديد. فما يهمه أن نكون خلائق من نوع أو صنف معين: الخلائق الذين قصد لنا أن نكونهم، خلائق مرتبطين به بطريقة معيّنة.

ولست أُضيف: “ومرتبطين بعضهم ببعض بطريقة معيّنة”، لأن ذلك مشمول ضمناً: فإذا كنت على علاقة صحيحة به، فلا بد حتماً أن تكون على علاقة صحيحة بجميع الخلائق المُماثلين لك، تماماً كما يحصل حين تكون قضبان العَجَلة مُثبتة في مكانها الصحيح داخل المحور والإطار، إذ لا بد ان تكون حينذاك في مواقعها الصحيحة أحدها من الآخر.

وما دام الإنسان يفكّر في الله في ممتحِن أعدَّ له ورقة أسئلة عليه الإجابة عنها، أو في فريق آخر في صفقة أو اتّفاقية ما، ما دام يفكّر في مطالب ومطالب مقابلة بينه وبين الله، فلا يكون قد دخل بعد في علاقة صحيحة به تعالى. إنه يُسيء فهم ماهيته وماهية الله. ولا يمكنه أن يدخل في علاقة صحيحة قبل أن يكتشف حقيقة إفلاسنا جميعاً.

وعندما أقول “يكتشف”، أعني بالحقيقة “يكتشف”، لا أن يقول ذلك كالببغاء. فإن أي ولد طبعاً، إذا تلقى تربية دينية معينة، سيتعلم سريعاً أن يقول إنه ليس لدينا شيء نقدمه إلى الله لا يكون له أصلاً، وإننا نجد أنفسنا مُخفقين في أن نقدم حتى ذلك دون أن نحتفظ بشيء ما في المقابل. غير أنني أتكلم عن اكتشاف هذا الأمر حقاً: إن أتبين أنه صحيح من طريق التجربة أو الاختبار.

إنما لا يمكننا من ذلك القبيل، أن نكتشف عجزنا عن حفظ قانون الله إلا ببذل أقصى جهدنا فعلاً (ومن ثم بفشلنا). وما لم نحاول ذلك حقاً، فمهما قلنا تبقى في قعر عقولنا دائماً الفكرة القائلة بأننا إن بذلنا جهداً أوفر في المرة التالية فسننجح في أن نكون صالحين تماماً. وهكذا، من جهة، فإن طريق الرجوع إلى الله هو طريق جهاد خلقي، أي بذل جهد مُضاعف بعد جهد. ولكن من جهة أخرى ليس بذل الجهد هو ما سيوصلنا إلى مقصدنا أبداً.

فكل ذلك الجهاد سيُفضي بك إلى اللحظة الحاسمة التي فيها تلتفت إلى الله وتقول: “لابد أن تتولى أنت الأمر، فأنا لا أقدر عليه”. وأناشدكم ألا تبدأوا تسألون أنفسكم: “هل بلغت هذه اللحظة؟” فلا تقعد وتباشر مراقبة ذهنك لترى هل هي آتية. إن هذا يضع قدميك تماماً على الطريق الخطأ. فعندما تحصل أهم الأمور في حياتنا، يكاد يكون في الغالب تماماً، في اللحظة عينها، ألا ندري بما يجري. فالإنسان لا يقول لنفسه دائماً: “مرحى! إنني أنمو”. فغالباً حين ينظر إلى الوراء، يدرك حينئذٍ فقط ما قد جرى، ويميّزه على أنه ما يدعوه الناس “نمواً”.

وفي وسعك أن تتبين هذا في القضايا اليسيرة أيضاً. فالإنسان الذي يبدأ بتشوق وتوتر مراقبة نفسه ليتبين هل يوشك أن ينام يُرجّح له جداً أن يظل مستيقظاً تماماً. وكذلك أيضاً ما أتحدث عنه الآن ربما لا يحدث لكل إنسان في لحظة خاطفة مفاجئة، مثلما حدث للرسول بولس أو أغسطينوس أو جان بنيان؛ بل قد يكون تدريجياً للغاية بحيث لا يستطيع أمرؤُ أن يُحدد ساعة معينة، ولا حتى سنة معينة. وما يهم فعلاً هو طبيعة التحول في ذاته، لا ما نشعر به عند حدوثه. إنه التحول عن كوننا واثقين بجهودنا الشخصية إلى الحالة التي فيها نيأس من القيام بأي شيء بأنفسنا ونضع الأمر كله في يد الله.

في علمي أن التعبير “نضع الأمر كله في يد الله” يمكن أن يُساء فهمه، ولكن ينبغي أن يبقى على حاله الآن. فالمعنى المقصود من وضع المسيحي للأمر كله في يد الله أنه يضع كامل ثقته في المسيح، واثقاً بأن المسيح سوف يُشركه بطريقة ما في الطاعة البشرية الكاملة التي عاشها منذ ولادته حتى صلبه، وبأن المسيح سيجعل الإنسان أشبه به، وبمعنى ما يسد نقصاته. وبتعبير مسيحي، فإن المسيح سيُشركنا في “بنوته”، أي يجعلنا “أبناء الله” مثل شخصه. (سأحاول في الباب الرابع تحليل معنى هذه الكلمات أكثر قليلاً).

وإن شئت التعبير عن الأمر بطريقة أخرى، أقول إن المسيح يعرض أن يقدم لنا شيئاً مقابل لا شيء، بل إنه يقدم لنا كل شيء مقابل لا شيء. وبمعنى ما، فإن قوام الحياة المسيحية كلها هو قبول هذه العطية الرائعة جداً. إنما الصعوبة كامنة في بلوغنا النقطة التي فيها ندرك أن كل ما فعلناه وما يمكن أن نفعله هو لا شيء. وما كنا نوده هو لو يحسب لنا الله علاماتنا الجيدة ويغض النظر عن السيئة. وهنا أيضاً يمكننا، بطريقة ما، أن نقول إننا لن نستطيع دحر أية تجربة أبداً قبل أن نكف عن محاولة دحرها، مُعلنين استسلامنا.

إلا أنك أيضاً لن تستطيع أن “تكف عن المحاولة” بالطريقة الصحيحة والسبب الصحيح، إلا بعد أن تكون قد بذلت أقصى جهدك فعلاً. ثم إن تسليم المسيح كل شيء، بمعنى آخر بعد، لا يعني بالطبع أن تكف عن المحاولة. فأن تثق به يعني أن تحاول القيام بكل ما يقوله طبعاً.

ولا يكون أي معنى لقولك إنك تثق بشخص إن كنت لا تقبل نصيحته. وعليهن فإن كنت حقاً قد سلمته ذاتك، يترتب على ذلك حتماً أنك تحاول أن تطيعه. ولكن المحاولة هنا تكون بطريقة جديدة، بطريقة أقل قلقاً وتوجسا. ليس أن تقوم بهذه الأمور لكي تخلص، بل لأنه قد مد إليك يد الخلاص فعلاً. ليس أن تأمل بالذهاب إلى السماء مكافأة لك على أفعالك، بل أن ترغب حتماً في التصرف بطريقة معينة لأن ومضة أولى طفيفة من السماء باتت داخلك فعلاً.

ولطالما تجادل المسيحيون فيما يؤدي إلى الموطن المسيحي: أهو الأعمال الصالحة أم الإيمان بالمسيح؟ وليس من حقي في الواقع ان أتكلم في هذه المسألة الصعبة، إنما يبدو الأمر في نظري شبيهاً بالسؤال: أي شفرتي المقص أكثر ضرورة؟ فالجهد الخُلقي الجدي هو الشيء الوحيد الذي يوصلك إلى حيث تُعلن استسلامك. والإيمان بالمسيح هو الشيء الوحيد الذي ينقذك من اليأس إذ ذاك؛ ومن ذلك الإيمان به لا بد أن تأتي الأعمال الصالحة حتماً. وثمة مقولتان ساخرتان تُحرّفان الحق اتهمت فئتان مسيحيتان مختلتان في الماضي من قِبَل باقي المسيحيين بأنهما تؤمنان بهما.

فلعل هاتين المقولتين تجعلان الحق أوضح. فإن فئة اتهمت بأنها تقول: “الأعمال الصالحة هي كل ما يهم. وأفضل عمل صالح هو المحبة. وخير تعبير عن المحبة هو التصدق بالمال. وأفضل مكان نُقدم له المال هو الكنيسة. فأعطونا إذاً 10,000 جنيه، ونحن نتكفّل بآخرتكم السعيدة”.

أما الرد على هذا الهراء فيكون بالطبع أن الأعمال الصالحة إذا أُديت بذلك الدافع، ووراءها الفكرة القائلة بأن السماء يمكن أن تُشترى شراءً، فلن تكون أعمالاً صالحة البتة، بل مجرد مُضاربات تجارية. أما الفئة الأخرى فقد اتُهمت بأنها تقول: “الإيمان هو كل ما يهم. وعليه، فإذا كان لديك إيمان، فلا يهم ماذا تفعل. امضى في الخطية، يا بني، واقض وقتاً طيباً، والمسيح سيتكفل بألا يُبدل ذلك مصيرك في شيء آخر الأمر”. أما الرد على هذا الهراء فهو هذا: إن كان ما تدعوه “إيمانك” بالمسيح لا ينطوي على أدنى مراعاة منك لما يقوله، فهو لا يكون إيماناً البتة، وليس إيماناً أو ثقة به، بل مجرد قبول عقلي لنظرية ما مختصة به.

ويبدو في الحقيقة أن الكتاب المقدس يحسم المسألة حيث يضع الأمرين كليهما معاً في عبارة واحدة مدهشة. فالنصف الأول هو: “تمموا خلاصكم بخوف ورعدة”، مما يُظهر كأن كل شيء يتوقف علينا وعلى أعمالنا الصالحة. ولكن النصف الثاني يمضي ليقول: “لأن الله هو العامل فيكم”، مما يُظهر كأن الله يقوم بكل شيء فيما لا نفعل نحن شيئاً.

وأخشى أن يكون هذا من الأمور التي نثور عليها في المسيحية. ولئن تحيّرت، فلن أدهش. فأنت ترى أننا نحاول الآن أن نستوعب الأمر، وأن نفصل في حُجرتين ضابطتين للماء بين ما يفعله الله تماماً وما يفعله الإنسان تماماً، في حين ان الله والإنسان يعملان معاً.

وطبعاً، نبدأ بالتفكير في ذلك كما لو أن إنسانين يعملان معاً، بحيث يمكنك أن تقول: “هو فعل ذلك، وأنا فعلت هذا”. غير أن طريقة التفكير هذه تنهار. فالله ليس كذلك، إذ أنه في داخلك وخارجك على السواء. هكذا، فحتى لو تسنى لنا أن نعرف مي يقوم بماذا، فلست أعتقد أن لغة البشر تستطيع أن تعبر عن ذلك حق التعبير.

وفي محاولة التعبير عنه، تقول مختلف الكنائس أشياء مختلفة. ولكنك ستجد أنه حتى أولئك الذين يصرّون أشد الإصرار على أهمية الأعمال الصالحة يقولون لك إنك تحتاج إلى الإيمان؛ وحتى أولئك الذين يصرون أشد الإصرار على وجوب الإيمان يقولون لك أن تعمل أعمالاً صالحة. وعلى كل حال، هذا هو الحد الذي يمكنني الذهاب إليه.

 وأعتقد أن من شأن جميع المسيحيين أن يوافقوني إذا قلت إنه ولو بدت المسيحية أول الأمر معنية كلها بالأخلاق، وكذلك بالواجبات والقواعد والذنب والفضيلة، فهي مع ذلك تمضي بك قُدماً، خارج ذلك كله، إلى ما هو أبعد. ولدي لمحة على بلد لا يتحدث أهله عن هذه الأمور، إلا على سبيل الدعابة على الأرجح. وكل شخص هناك مملوء إلى التمام بما يمكننا أن ندعوه صلاحاً كما أن المرأة مملوءة نوراً.

غير أنهم لا يدعون ذلك صلاحاً، بل لا يدعونه أي شيء. فهم لا يفكرون فيه. إنهم مشغولون تماماً بالنظر إلى المصدر الذي منه ينبعث الصلاح. ولكن ذلك البلد قريب من المحطة التي عندها تمر الطريق فوق محيط عالمنا. فلا تستطيع عينا إي إنسان أن تريا بعيداً ما وراء ذلك، وإن كانت عيون كثيرين تستطيع أن ترى أبعد مما ترى عيناي.

الإيمان – سي إس لويس

الأخلاق المتعلقة بالجنس – سي إس لويس

الأخلاق المتعلقة بالجنس – سي إس لويس

 

الأخلاق المتعلقة بالجنس – سي إس لويس

الأخلاق المتعلقة بالجنس – سي إس لويس

ينبغي لنا أن ننظر في المفهوم الأخلاقي المسيحي للجنس وهو، ما يدعوه المسيحيون فضيلة العفاف. وعلينا ألا نخلط بين قاعدة العفاف المسيحية والقاعدة الاجتماعية الخاصة “بالاحتشام” (بأحد معاني الكلمة)، أي اللياقة أو التأدب. فقاعدة الاحتشام الاجتماعية تُقرر أي مقدار من جسد الإنسان يليق كشفه، وأية مواضيع يمكن التطرق إليها، وبأي كلام، بحسب عوائد اجتماعية معينة. وعليه فبينما تبقى قاعدة العفاف هي إياها بالنسبة إلى جميع المسيحيين في كل زمان، فإن قاعدة الحشمة تتغير.

فالشابة في جزر المحيط الهادئ، وهي بالكاد تستر عريها، والسيدة الغربية المحافظة الي تغطي كامل جسدها بثوبها، يمكن أن تكونا كلتاهما “محتشمتين” أو متأدبتين، أو لائقتين، بحسب معاير مجتمعيهما، وكلتاهما، رغم كل ما يمكن أن نستنتجه من لباسهما، قد تكون عفيفة على السواء (أو غير عفيفة على السواء). وبعض الكلمات التي استخدمتها النساء العفيفات في أيام شكسبير، ما كانت لتستخدمها في القرن التاسع عشر إلا النساء المتهتكات.

وعندما يُخالف الناس قاعدة الحشمة الجارية في زمانهم ومكانهم، فإذا فعلوا ذلك لإثارة الشهوة لدى أنفسهم أو لدى الآخرين، فهم عندئذ ينتهكون أصول العفاف. ولكنهم إذا خالفوا الحشمة بدافع الجهل أو قلة الاحتراز، فإن ذنبهم يقتصر على سوء الأدب. ولكن حين يخالفونها، كما يحدث غالباً، بدافع التحدي كيف يُفاجئوا الآخرين أو يُربكونهم، لا يكون بالضرورة غير أعفاء، غير أنهم يكونون مُسيئي التصرف: لأن من الشائن أن يطلب المرء متعته بإحراج الآخرين وإزعاجهم.

ولست أعتقد أن وجود معيار حشمة متشدد أو متزمت يُبرهن في شيء على العفة أو يُعين على تعزيزه بأي مقدار، ومن هنا أحسب أن تلطيف قاعدة الحشمة أو تيسيرها، وهو ما يحصل في أيامي، هو أمر خير. غير أنها، في مرحلتها الحالية، تشكو من هذا العائق: أن ذوي الأعمار المختلفة والمشارب المتباينة لا يقرون جميعهم بالمعيار نفسه، ولا نكاد نعرف موقعنا الفعلي.

فبينما الحال على هذا المنوال، أعتقد أن على كبار السن، أو المحافظين على العوائد، أن يحترسوا جيداً من حسبان الشباب أو “المتحررين” فاسدين خُلقياً حينما لا يُراعون المألوف (حسب المعيار القديم)؛ وفي مقابل ذلك، ينبغي للشبان ألا يدْعوا شيوخهم مُتزمتين أو طهوريين مُدققين لأنهم لا يتقبلون المعيار الجديد بسهولة. ومن شأن الاستعداد الحقيقي لظن كل خير تستطيعه في الآخرين، وجعلهم مستريحين بقدر ما تستطيع، أن يحل معظم المشاكل.

إن العفة هي الفضيلة الأقل شعبية بين الفضائل المسيحية. فلا مناص منها؛ إذا تقول القاعدة المسيحية: “إما الزواج، مع الأمانة الكلية لشريك الحياة؛ وإما الامتناع الكلي عن الجنس” وهذا صعب ومعاكس جداً لغرائزنا، بحيث يكون من البديهي أن تكون إما المسيحية وإما غريزتنا الجنسية، على ماهي عليه الآن، قد ضلت السبيل. نعم، إما هذه وإما تلك. ولكوني مسيحياً، فأنا طبعاً أعتقد أن الغريزة الجنسية هي التي ضلت السبيل.

ولكن لديّ غير هذا من أسباب اعتقادي ذلك. فالغاية البيولوجية من الجنس هو الإنجاب، كما أن الغاية البيولوجية من الاغتذاء هي ترميم الجسم. فإذا أكلنا كلما شعرنا بميل إلى الأكل، وأكلنا بقدر ما نريد، فصحيح تماماً أن كثيرين منّا سيأكلون كثيراً، إنما ليس كثيراً على نحو هائل. إذ إن شخصاً واحداً قد يأكل حصة اثنين، إلا أنه لن يأكل حصة عشرة. فالشهوة تتخطى غايتها البيولوجية قليلاً، إنما ليس إلى حدّ مروع. ولكن إذا انغمس شاب قوي الصحة في إشباع شهوته الجنسية كلما عن له ذلك، وإذا أنتج كل فعل طفلاً، ففي غضون عشر سنين يمكن أن يُعمر قرية صغيرة بكل سهولة.

فهذه الشهوة ذات إسراف غريب ونادر من حيث وظيفتها.

أو للنظر إلى الأمر من زاوية أخرى. يمكنك أن تحشد جمهوراً لا بأس به لمشاهدة عرض تعرِّ، أي لمشاهدة شابة تتعرى تدريجياً على المسرح. فافترض الآن أنك ذهبت إلى بلد يمكنك فيه أن تملأ كراسي مسرح بمجرد عرض طبق مغطى على المسرح، ومن ثم برفع الغطاء على مهل بحيث يرى الجميع، قُبيل إطفاء الأضواء تماماً، أن فيه قطعة من لح الغنم أو شريحة من لحم البقر، أفلا تعتقد عندئذ أن خللاً قد طرا على شهوة الأكل؟ أوَلا يظن أي شخص نشأ في عالم آخر آن أمراً غريباً على نحو مماثل طرأ على حالة الغريزة الجنسية بيننا؟

قال أحد النقاد إنه لو وجد بلداً تشيع به أفعال تعر من هذا النوع بالنسبة إلى الطعام، لاستنتج أن أهل ذلك البلد يتضورون جوعاً. وقد عنى بالطبع التلميح إلى أن أموراً مثل عروض التعري لا تنتج من الفساد الجنسي، بل من الحرمان الجنسي. فأنا أوافقه أنه لو وجدنا في بلد غريب أن أفعالاً مماثلة بشرائح اللحم شائعة، فأحد التفسيرات التي تتبادر إلى ذهني سيكون وجود مجاعة. ولكن الخطوة التالية تقضي بأن أختبر فرضيتي بالتحقق من مقدار الطعام المُستهلك في البلد فعلاً: أكثير هو أم قليل؟ فإذا بين التحقق أن مقداراً لا بأس به يُستهلك، فعلينا عندئذ بالطبع أ، نتخلى عن فرضية المجاعة ونحاول التفكير في سواها.

على المنوال نفسه، قبل أن نقبل الحرمان الجنسي سبباً للتعري ينبغي لنا أن نبحث عن بينة على وجود تقشف جنسي في عصرنا يفوق في الواقع ذاك الذي كان شائعاً يومن لم يكن التعري معروفاً. ولكن مثل هذه البينة غير موجودة بكل يقين. فموانع الحمل جعلت الإشباع الجنسي داخل نطاق الزواج أقل كلفة بكثير، وخارج نطاقه أكثر أماناً بكثير، مما كانت عليه الحال في أي وقت مضى؛ وبات الرأي العام في الغرب أقل عداءً للعلاقات غير الشرعية، بل للشذوذ أيضاً، مما كان عليه كل حين منذ الأزمنة الوثنية.

ثم أن فرضية الجوع أو الحرمان ليست الوحيدة التي يمكننا أن نتصورها. فكل إنسان يعرف أن الشهوة الجنسية، شأنها شأن شهواتنا الأخرى، تنمو بالإشباع. ذلك أن الجياع يفكرون كثيراً بالأكل، ولكن النهمين يفعلون ذلك أيضاً؛ والمُتخمون كما المحرومون يهوَون الدغدغة.

إليك نقطة ثالثة. لن تجد إلاّ عددا قليلاً من الناس ممن يرغبون في أكل أشياء ليس طعاماً بالحقيقة، أو في استعمال الطعام لأشياء أخرى غير الأكل. بعبارة أخرى، إن ضروب الشذوذ في شهوة الطعام نادرة. ولكن ضروب الشذوذ في الشهوة الجنسية عديدة، وصعبة الشفاء، ومروّعة. آسف لأن أضطر إلى الدخول في هذه التفاصيل كلها، لكن لا بد لي من ذلك. أما سبب اضطراري إلى ذلك، فهو أننا، أنا وأنتم، ما برحنا على مدى السنين العشرين الماضية نُلَّقن طوال اليوم أكاذيب غبية عن الجنس.

فكم يسمع الواحد منا، حتى يكاد يمرض، أن الرغبة الجنسية هي في حالة سائر الرغبات عيناها، وأننا لو أقلعنا فقط عن فكرة كبتها التقليدية، لكان كل ما في “الجنة” مُبهجاً. غير أن هذا ليس بصحيح. فحالما تنظر إلى الحقائق، بعيداً عن الدعايات، ترى أنه باطل.

يقولون لك أن الجنس صار مشكلة لأنه تعرض للكبت. ولكن على مدى العشرين سنة الماضية، لم يكن مكبوتاً. فلطالما تجري الثرثرة عنه طوال اليوم ومع ذلك ما زال في ورطة وحالة من التشويش. فلو كان الكبت قد سبب المشكلة، لكان التفريخ قليلاً عنه أصلح حاله، غير أنه لم يصلحها. فأعتقد أن العكس هو الصحيح. إذ أعتقد أن الجنس البشري كبت الجنس لأنه كان قد صار مشكلة كبيرة. أما معاصرونا فيقولون دائماً: “ليس ما يدعو إلى الخجل في حقيقة كون الجنس البشري يتكاثر بطريقة معينة، ولا في كونه يؤتي لذّة” وإذا كان هذا ما يعنونه، فهم على حقّ.

فالمسيحية تقول بمثل هذا: أن المشكلة ليست في الأمر نفسه، ولا في اللذة. وقد قال المعلمون المسيحيون القدامى إنه لو أن الإنسان لم يسقط قط، لكانت اللذة الجنسية أقوى بكثير فعلاً. بدلاً من كونها أقل مما هي عليه الآن. في علمي أن المسيحيين المشوشي الذهن قد تكلموا كما لو أن المسيحية تعتبر الجنس أو الجسد أو اللذة سيئة في ذاتها. غير أنهم كانوا على خطأ. فالمسيحية تكاد أن تكون من بين الديانات الكبرى الوحيدة التي تمدح الجسم البشري.

والتي ترى أن المادة خيرة، وتؤكد أن الله نفسه اتخذ جسداً إنسانياً ذات مرة، وإن جسماً من نوع ما سيُعطى لنا في السماء وسيكون عنصراً جوهرياً في سعادتنا وبهائنا وطاقتنا. وقد مجدت المسيحية الزواج أكثر من أية ديانة أخرى، حتى ليكاد أرقى شعر عُذري ان يكن من نتاج شعراء مسحيين. فإذا قال امرؤٌ إن الجنس، بحد ذاته سيء، فإن المسيحية تناقضه حالاً. ولكن طبعاً حين يقول الناس: “ليس الجنس أمراً مخجلاً” فقد يَعنون أن “الحالة التي باتت عليها الغريزة الجنسية الآن ليست أمرً يدعو إلى الخجل”.

فإذا كان هذا ما يعنونه، يكونون مخطئين، حسبما أعتقد. فأنا أرى أن الوضع مدعاة لكل خجل. لا داعي للخجل في الاستمتاع بطعامك؛ ولكن سيكون كل ما يدعو للخجل إذا جعل نصف العالم الطعام هم حياتهم الأول وقضوا وقتهم يتأملون صور الطعام ويتلمظون ويُسيلون لعابهم. لست أقصد أننا، أنا وأنتم، مسؤولون فردياً عن الوضع الحالي.

فآباؤنا الأقدمون سلمونا كياناً عضوياً فاسداً من هذه الناحية، ثم ننشأ حيث تُحيط بنا الدعاية المحبذة لعدم العفاف. وثمة ناس يريدون إبقاء غريزتنا الجنسية ملتهبة كي يكسبوا منا مالاً. ذلك لأن رجلاً يستبدّ به هاجس هو بالطبع قليل المقاومة للمبيعات. إنما الله عليم بوضعنا، وهو لن يديننا كما لو لم تكن لدينا عقبات نتغلب عليها. فما يهم هو إخلاصنا وثبات إرادتنا على التغلب على العقبات.

وقبل أن يتأتى لنا الشفاء، علينا أن نريد الشفاء. فالراغبون حقاً في المعونة سيحصلون عليها؛ ولكن بالنسبة إلى كثيرين من أهل عصرنا، حتى الرغبة صعبة. ويسهل أن نحسب أننا نريد شيئاً ما ونحن لا نريده حقاً. وقد أخبرنا مسيحيّ شهير عاش في القديم بأنه لما كان شاباً صلى باستمرار طلباً للعفة، ولكنه بعد سنين مضت أدرك أنه بينما كان شفتاها تقولان: “يا رب، اجعلني عفيفاً!” كان قلبه يُضيف سراً: “وكن رجاء لا تفعل ذلك الآن”. وقد يحصل مثل هذا في الصلاة لأجل فضائل أخرى أيضاً. إنما هنالك ثلاثة أسباب من أجلها يصعب علينا الآن خصوصاً أن نرغب في العفة التامة، ناهيك بإحرازها.

ففي المقام الأول، تتحد طبيعتنا الفاسدة والشياطين التي تجربنا وكل الدعاية المعاصرة المثيرة للشهوة لإقناعنا بأن الرغبات التي نقاومها هي “طبيعية” جداً، و”سليمة صحياً” للغاية، وهي معقولة ومقبولة، يحث تكاد مقاومتنا لها أن تكون شذوذاً وانحرافاً. فربّ مُلصق بعد ملصق، وفلم بعد فلم، ورواية بعد رواية، تربط فكرة الانغماس او الإشباع الجنسي بفكر الصحة والسوية والشباب والصراحة والمرح.

غير أن هذا الربط أكذوبة. وشأن كل كذبة قوية، هذا الربط مؤسس على حقيقة، ألا وهي الحقيقة المعترف بها آنفاً من أن الجنس في ذاته (بمعزل عن الإفراط على أنوعه وعن الهواجس التي نشأت حوله) هو “طبيعي” و”سليم صحياً” وما إلى ذلك، إنما ينبغي أن تكون هذه الكذبة تافهة ومنفصلة كلياً عن المسيحية، على أساس أية نظرة معقولة. فمن الواضح أن استسلامنا لجميع رغباتنا يُفضي إلى العجز والمرض والمحاسدات والأكاذيب والتستر وكل ما هو نقيض الصحة والمرح والصراحة.

إذ في سبيل أية سعادة، ولو في هذا العالم، تدعو الضرورة إلى مقدار كبير من الضبط. وهكذا، فادعاء كون كل رغبة، إذا كانت قوية، سليمة صحياً ومقبولة منطقياً هو ادعاء باطل. فكل إنسان عاقل ومهذب يجب أن يحوز مجموعة ما من القيم التي بموجبها يختار أن يرفض بعضاً من رغباته ويقبل غيرها. ومن الناس مَن يفعل ذلك على أساس مبادئ مسيحية، ومَن يفعله على أساس مبادئ صحية، ومَن يفعله على أساس مبادئ اجتماعية. فالتضارب الحقيقي ليس بين المسيحية و”الطبيعة”، بل بين المبادئ المسيحية والمبادئ الأخرى في السيطرة على “الطبيعة”.

إذ لا بد من السيطرة على “الطبيعة” (أعني الرغبة الطبيعة) على كي حال، إلا إذا شئت تدمير حياتك كلها. وليس مَن ينكر أن المبادئ المسيحية أشد صرامة من سواها. غير أننا نعتقد أنك ستحصل على معونة لإطاعتها لن تحصل عليها لإطاعة غيرها من المبادئ.

وفي المقام الثاني، يُعاق كثيرون عن محاولة التزام العفاف المسيحي بجدية لأنهم يتصورون (قبل أن يحاولوا) أن ذلك مستحيل. ولكن عندما ينبغي السعي إلى شيء ما، يجب ألا يُفكر المرء أبداً في الإمكانية أو الاستحالة. فإذا واجه الطالب سؤال اختباري في ورقة امتحان، ينظر في قدرته على الإجابة عنه. أما إذا واجهه سؤال إلزامي، فعليه أن يبذل أقصى جهده.

ثم إنك تنال علامة ما لقاء إجابة ناقصة بعض الشيء. إنما من المؤكد أنك لن تحصل على أية علامة إذا لم تُجب عن السؤال. وليس في الامتحانات فقط، بل أيضاً في الحرب، أو في تسلق الجبال، او تعلم التزلج أو السباحة أو ركوب الدراجة، بل أيضاً في تزور قبة بأصابع باردة في صقيع الشتاء، غالباً ما يقوم الناس بما كان يبدو مستحيلاً قبل قيامهم به. فما أروع ما تقدر أن تفعله حين يكون عليك فعله!

وفي وسعنا بالحقيقة أن نتيقن بأن العفاف التام، شأنه شأن الإحسان التام، لن يُحرز بأي جهود بشرية مجرّدة. فلا بدّ أن تطلب معونة الله لأجله. حتى إنه بعدما تكون قد فعلت ذلك، قد يبدو لك وقتاً طويلاً أنك لم تتلق أية معونة، أو تلقيت أقل مما تحتاج إليه. فلا تبتئس! بل بعد كل فشل، اطلب الغفران، ثم قم وحاول من جديد. فما يعيننا الله على بلوغه أولاً أغلب الأحيان لا يكون هو الفضيلة ذاتها، بل القدرة على المحاولة دائماً من جديد. فمهما كانت أهمية العفاف (أو الشجاعة أو الصدق أو غيرهما من الفضائل)، تدربنا هذه العملية على عادات النفس، وتلك أكثر أهمية بعد.

إنها تشفينا من توهماتنا عن أنفسنا، وتعلمنا الاتكال على الله. فمن الناحية الأولى، نتعلم أنه لا يمكننا أن نثق بنفوسنا حتى في أحسن أحوالنا؛ ومن الناحية الأخرى أنه لا داعي لأن نيأس حتى في أسوئها لأن سقطاتنا مغفورة لنا. أما الأمر الوحيد الفتاك، فهو أن نقعد قانعين بأي شيء أقل من الكمال.

وفي المقام الثالث، غالباً ما يُسئ الناس فهم ما يُعلمه علم النفس عن “حالات الكبت”. فهو يعلمنا أن الجنس “المكبوت” خطر. ولكن كلمة “المكبوت” هنا لفظة تقنية. فهي لا تعني “مكبوتاً” بمعنى “مرفوضاً” أو “مُقاوَماً”. إذ أن الفكرة أو الرغبة المكبوتة هي فكرة أو رغبة دُفعت إلى ما دون الوعي (عادة في سن مبكرة جداً) وبات الآن ممكناً أن تخطر في البال فقط في شكل مُقنع وغير مميز. فالشهوة الجنسية المكبوتة لا تظهر للمريض بأنها جنسية أبداً. وعندما ينهمك مُراهق أو راشد في مقاومة رغبة يعيها، لا يكون متعاملاً مع كبت، ولا يكون متعرضاً على الإطلاق لإحداث كبت.

بل على العكس، فإن أولئك الذين يسعون إلى العفاف باجتهاد يكونون أكثر وعياً، وسرعان ما يعرفون مقداراً وافراً عن حال جنسياتهم أكبر مما يعرفه أي شخص سواهم. وإذا بهم باتوا يعرفون رغباتهم كما عرف ولنغتون نابليون، أو شرلوك هولمز موريارتي؛ وكما يعرف صائد الفئرانِ الفئرانَ، أو السمكري أحوال المواسير الراشحة. فالفضيلة، الفضيلة المنشودة، تؤتي النور؛ أما الانغماس فيؤتي التشوش والارتباك والغموض.

وفي الختام، رغم اضطراري إلى التوسع قليلاً في حديثي عن الجنس، اود أن أُوضح بقدر إمكاني أن لب الأخلاقيات المسيحية ليس ههنا. فإذا حسب أحد أن المسيحيين يعتبرون عدم العفة أسوأ رزيلة، فهو مخطئ. إن خطايا الجسد سيئة، ولكنها الأقل سوءاً بين الخطايا. فجميع اللذات الأسوأ روحية محض: لذة تخطئة الآخرين أو تسفيههم، لذة التسلط والتفضل وسماع المديح، لذة الاغتياب أو الذم، مباهج السلطة، متعة الحقد أو الكراهية. ذلك أن في داخلي عنصرين يُصارعان النفس الإنسانية التي يجب أن أسعى كي أحققها، وهما النفس الحيوانية والنفس الشيطانية؛ وهذه الأخيرة أسوأ الاثنتين.

ولذلك ربما المرأة المتزمتة المباهية ببرها الذاتي أقرب إلى جهنم من الفاجرة المقرة بإثهما. ولكن الأفضل طبعاً أن تكون المرأة لا هذه ولا تلك!

الأخلاق المتعلقة بالجنس – سي إس لويس

الأخلاق الاجتماعية – سي إس لويس

الأخلاق الاجتماعية – سي إس لويس

 

الأخلاق الاجتماعية – سي إس لويس

الأخلاق الاجتماعية – سي إس لويس

إن أول أمر ينبغي توضيحه بشأن الأخلاقيات المسيحية بين الإنسان والإنسان هو أن المسيح لم يأت كي يعظ في هذا الإطار بأية أخلاقيات جديدة كلياً. فالقاعدة الذهبية في كتاب العهد الجديد (أن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك هم). إنما هي خلاصة لما كان دائمً معروفاً في الجوهر لدى كل إنسان بأنه صواب. ومعلمو الأخلاق الكبار حقاً لا يأتون أبداً بأخلاقيات جديدة، بل الأدعياء والمهووسون هم من يفعلون ذلك. فكما قال الدكتور صمويل جونس أن “الناس يحتاجون لأن نُذكرهم غالباً أكثر مما يحتاجون لأن نعلمهم”.

فالمهمة الفعلية لدى كل معلم أخلاقي هي أن يظل يُرجعنا، مراراً وتكراراً، إلى المبادئ البسيطة القديمة التي نحن جميعاً غير متشوقين كثيراً لاستيعابها، كأن تُصر على إرجاع حصان مرة إلى السياج الذي رفض أن يقفز فوقه، أو إرجاع ولد مرة بعد مرة بعد مرة إلى جزء الدرس الذي يريد التهرب منه.

والأمر الثاني الذي ينبغي توضيحه هو أن المسيحية ليس لديها، ولا تزعم أن لديها، برنامجاً إجرائياً مفصلاً لتطبيق المبدأ القائل “عامل كما تحب أن تُعامل” في مجتمع معين وفي زمن محدد. وطبيعي ألا يكون لديها ذلك. فهي موجهة إلى جميع البشر في جميع الأزمنة، والبرنامج المحدد الذي يُناسب مكاناُ أو زماناً واحداً لن يُناسب غيرهما. ومهما يكُن من أمر، فليس هكذا تؤدي المسيحية عملها. فعندما تُوصيك بإطعام الجوعان، لا تُلقنك دروساً في فن الطبخ.

وعندما تطلب إليك أن تقرً الكتاب المقدس، لا تلقنك دروساً في اللغتين العبرانية واليونانية، ولا حتى في قواعد لغتك. فلم يُقصد لها قط أن تحل محل الفنون والعلوم البشرية المعهودة ولا أن تُلغيها، بل هي بالأحرى مُوجّه يضع كل هذه العلوم والفنون في نصابها كي تؤدي عملها الصحيح، ومصدر طاقة يبث فيها جميعاً حياة جديدة، لو أنها فقط تضع نفسها تحت تصرف هذا الموجّه أو مصدر الطاقة هذا.

يقول بعضٌ: “ينبغي للكنيسة أن تمدنا بالقيادة”. فذلك صحيح إذا كانوا يقصدون بمعناه الصحيح، ولكنه باطل إذا قصدوه بمعناه الخطأ. فبقولهم “الكنيسة” ينبغي أن يَعنوا كامل مجموع المسيحيين الملتزمين. وعندما يقولون إن على الكنيسة أن تمدنا بالقيادة، ينبغي أن يَعنوا أن بعض المسيحيين (أولئك الذين يظهر أنهم حائزون للمواهب المطلوبة) لا بد أن يكونوا علماء اقتصاد ورجال دولة، وأن جميع علماء الاقتصاد ورجال الدولة لا بد أن تنصب على وضع مبدأ معاملة الغير كما يحبون أن يعاملوا في حيز التنفيذ.

فإذا حصل ذلك، وإذا كنا نحن الآخرين مستعدين لتقبله فعلاً، فعندئذ لا بد أن تجد الحل المسيحي لمشكلتنا الاجتماعية على نحو سريع إلى حد ما. لكن بالطبع حين يلتمس معظم الناس قيادة الكنيسة، يعنون أنهم يريدون من رجال الدين تقديم برنامج سياسي وتنفيذه. إلا أن هذا عقيم. فرجال الدين داخل الكنيسة كلها هم أولئك القوم الذين تدربوا خصوصاً وفُرزوا للاعتناء بما يخصنا من حيث كوننا خلائق سوف يحيون إلى الأبد، ونحن نطلب منهم القيام بعمل مختلف تماماً لم يُدربوا عليه. فهذا العمل بالحقيقة يقع على عواتقنا نحن العلمانيين.

إذ إن تطبيق المبادئ المسيحية في نطاق النقابات العمالية، أو التربية والتعليم، يجب أن يحصل من قبل النقابيين والمعلمين المسيحيين حقاً؛ تماماً كما أن الأدب المسيحي ينهض به الروائيون والمسرحيون المسيحيون المؤمنون، لا هيئة الأساقفة حيث يجتمعون معاً ويحاولون كتابة الروايات والمسرحيات في أوقات فراغهم.

غير أن كتاب العهد الجديد، دون الدخول في التفاصيل، يزوّدنا بتلميحات واضحة جداً عن صورة المجتمع المسيح، بكل ما في الكلمة من معنى. ولربما قدم لنا أكثر مما نقدر أن نأخذه. فهو يقول لنا إنه لا ينبغي أن يوجد متبطّلون أو طفيليّون: فغير الراغب في أن يشتغل، عليه ألا يأكل. على كل إنسان ان يعمل بيديه، وما هو أكثر من هذا أنه ينبغي من هذا أن يُنتج عمل كل إنسان خيراً ما، وهكذا لا تُصنع وسائك الترف التافهة، ثمُ لا تُنشر الإعلانات الأتفه لإقناعنا بشرائها. ولا ينبغي أن يوجد أي “استعلاء” أو “انحياز”، ولا تبجُّح.

إلى هذا الحد، سيكون المجتمع المسيحي ما ندعوه اليوم “يسارياً”. ومن الناحية الأخرى، لا بد أن يُصر ذلك المجتمع دائماً على الطاعة: الطاعة (مع إبداء الاحترام) من قِبلنا جميعاً للحكام المعيّنين دائماً على الطاعة: الطاعة (مع إبداء الاحترام) من قبلنا جميعاً للحكام المُعينين حسناً، ومن قِبَل الأولاد لوالديهم، ومن قِبَل الزوجات لأزواجهن (أخشى أن يكون هذا الأمر الأخير غي محبّب كثيراً). ثم إن ذلك المجتمع ينبغي أيضاً أن يكون بهيجاً، يعمُّه الفرح والمرح والغناء. حيث يُعدّ القلق والهم أمرين غير سويّين. كما أن الكياسة أو اللطف فضيلة من الفضائل المسيحية، وكتاب العهد الجديد يمقت من يُسمّيهم “فضولين” أي متطفلين.

ولو كان مثل هذا المجتمع موجوداً، وزرناه أنا أو أنت، لكنا كما أعتقد نخرج منه بانطباع غريب. فلا بد أن نشعر بأن حالته الاقتصادية اشتراكية للغاية، و”متقدمة” من هذا القبيل، ولكن حياته العائلية ونظام سلوكياته أكثر ميلاً إلى الطراز العتيق، بل ربما كانا أيضاً رسميين وارستوقراطيّين. ومن شأن كل منها أن تستهويه أجزاء من ذلك المجتمع، إلا أنني أخشى ألا يستهوي بكامله سوى قلة ضئيلة منّا. ذلك هو بالتمام ما يغلب أن يتوقعه المرء لو كانت المسيحية هي مُجمل برنامج المكنة البشرية.

ونحن جميعاً قد نأينا عن ذلك البرنامج الشامل بطرائق شتّى، وكل منّا يريد أن يبين أن تعديله للبرنامج الأصلي هو البرنامج نفسه. ولسوف تجد هذا تكراراً فيما يتعلق بأي شيء مسيحي حقاً: فكل امرئ تجذبه أجزاءٌ منه، ويريد أن ينتقي تلك الأجزاء دون سواها. لذلك السبب لا نتقدم إلى الأمام كثيراً؛ ولذلك السبب يستطيع أولئك الذين يتقاتلون في سبيل أمور متعارضة تماماً أن يقولوا جميعاً أنهم يتقاتلون في سبيل المسيحية.

والآن أتناول نقطة أخرى. هناك نصيحة يُقدمها إلينا اليونانيون الوثنيون القدامى، وكتبة أسفار العهد القديم، والمعلّمون المسيحيون الكبار الذين عاشوا في العصور الوسطى، وقد خالفها كلياً النظام الاقتصادي الحديث. فهؤلاء القوم كلهم يُوصوننا بعدم إقراض المال بفائدة، ولكن اقراض المال بفائدة (ما ندعوه الاستثمار) هو أساس نظامنا الاقتصادي بجملته. فالآن، ربما لا يلزم منطقياً على الإطلاق أن نكون على خطأ.

ويقول بعضُهم إنه لما اتفق موسى وأرسطو والمسيحيون على حظر الفائدة (أو “الربا” حسب تسميتهم) لم يتمكنوا من استشراف شركات الرساميل المشتركة، وكانوا فقط يفكرون في المُداين الفرد، ومن ثم لا ينبغي أن يُقلقنا ما قالوه. فهذه مسألة لا يمكنني البت بها؛ فلست عالم اقتصاد، ولا أدري فعلاً هل نظام الاستثمار مسؤول حقاً عن الحالة التي نحن فيها. ها هنا نحتاج إلى عالم الاقتصاد المسيحي المؤمن. ولكنني لا أكون صادقاً إن كنت لا أقول لك إن تلك الحضارات العظيمة الثلاث قد اتفقت (أو هكذا يبدو أول وهلة) على إدانة ذلك الأمر عينه الذي عليه أسّسنا حياتنا بكاملها.

نقطة أخيرة بعدُ وأنتهي. مثلما يقول كتاب العهد الجديد إن على كل إنسان أن يشتغل، يذكر سبباً وجيهاً لوجوب العمل: “ليكون له أن يُعطي من له احتياج” (أفسس 4: 28). فالإحسان (أو العطاء للفقراء) جزءٌ جوهري من الأخلاقيات المسيحية. وفي المثل المروّع عن الخراف والجداء، يبدو أن الإحسان هو النقطة التي يدور حولها كل شيء. إنما يقول بعضُهم اليوم إن الإحسان ينبغي أن يكون غير ضروري، وإنه بدلاً من العطاء للفقراء ينبغي لنا أن نعمل على إنتاج مجتمع ليس فيه فقراء حتى نعطيهم فلعلهم مُصيبون تماماً في قولهم إن علينا إنتاج مجتمع كهذا.

ولكن إذا حسب امرؤ أنه بناء على ذلك يمكنك أن تكف عن العطاء في الوقت الراهن، فيكون قد تخلص من كل التزام للأخلاق المسيحية. ولا أعتقد أن في وسع أحد أن يحدد نهائياً كم ينبغي أن نُعطي. إنما أخشى أن تكون القاعدة السليمة الوحيدة هي أن نعطي أكثر مما يمكننا أن نوفر. بعبارة أخرى: إذا كان إنفاقنا على الكماليات وأسباب الرفاهية والترفيه إلخ، يرقى إلى المستوى المشترك بين ذوي الدخل المماثل لدخلنا، فلعلنا نُعطي القليل القليل. وإن كانت حسناتنا لا تقرصنا ولا تؤلمنا ولا تُعوّقنا أبداً: فينبغي لي أن أقول إنها ضئيلة جداً.

فكان يجب أن يكون هناك أمور نود أن نعملها ولا نستطيع لأن انفاقنا على الإحسان يستبعدها. أتكلم الآن عن “الحسنات” أو “الصدقات” بالطريقة العامة. غير أن حالات العسر الخاصة بين أقربائك أو أصدقائك أو جيرانك أو موظفيك، تلك التي يلفت الله انتباهك إليها قسراً، إن صح التعبير، قد تتطلب منك أكثر بكثير، ولو إلى حد تضييق الخناق عليك وتعريض وضعك المالي للخطر.

وبالنسبة إلى كثيرين منا، لا تكمن العقبة الكأداء أمام الإحسان في عيشتنا المرفّهة، ولا في اشتهائنا لمزيد من المال، بل في خوفنا، خوفنا من عدم الأمان. فيجب أن نرى هذا غالباُ باعتباره تجربة أو غواية. وكذلك تُعيق كبرياؤنا أيضاً إحساننا أحياناً، إذ تُغوينا تجربة الإنفاق أكثر مما ينبغي على أشكال السخاء المبهرجة (الإكراميات وكرم الضيافة)، وأقل مما ينبغي على أولئك المحتاجين إلى إعانتنا حقاً.

والآن قبل الختام، سأستجرئ على تصور تخمين لكيفية تأثير هذا الجزء في أي شخص ممن قرأوه. فتخميني أن بينهم بعض اليساريين الذي استاؤوا جداً لأنه لم يسترسل كثيراً في ذلك الاتجاه، وبعضاً من صنف معاكس استاؤوا لأنهم حسبوا أنه استرسل أكثر مما ينبغي بكثير. فإن كانت الحال على هذا المنوال، يصل بنا ذلك تواً إلى العقبة الخفية في كامل هذه العملية المعنية برسم تصاميم لمجتمع مسيحي صالح: أن معظمنا لا يتعاملون مع الموضوع بالحقيقة كي يتبينوا ما تقوله المسيحية، بل يتعاملون معه على أمل أن يتلقوا من المسيحية دعماً لآراء الفئة التي ينتمون إليها.

فنحن نبحث عن حليف حيث يُقدم إلينا إما سيّد وإما …. قاض. ومَثَلي مثلكم في ذلك. ففي هذا الجزء نواح أردت أن أسكت عنها. ولذلك السبب لن ينتج من مثل هذا الأحاديث أي شيء، إلا إذا سلكنا طريقاً دائرياً أطول بكثير. فالمجتمع المسيحي الصالح لن يصل ورحاله إلى أن يرغب فيه معظمنا حقاً؛ ونحن لن نرغب فيه قبل أن نصير مسيحيين بكل معنى الكلمة.

ولربما كررت “عامل كما تحب أن تُعامل” حتى يسود وجهي. غير أنني لا أستطيع حقاً أن أعمل بهذا المبدأ ما لم أحب قريبي كنفسي. ولا أقدر أن أتعلم محبة قريبي كنفسي ما أتعلم محبة الله. ولا أقدر أن أتعلم محبة الله إلا بتعلمي إطاعته. وهكذا، كما سبق أن ببهتُ فإننا نُدفع نحو أمر داخلي على نحو أعمق، إذ نُدفع من الشؤون الاجتماعية إلى الشؤون الدينية. فإن أطور طريق دائري هو أقصر طريق إلى المقصد.

الأخلاق الاجتماعية – سي إس لويس

الأخلاق والتحليل النفسي – سي إس لويس

الأخلاق والتحليل النفسي – سي إس لويس

الأخلاق والتحليل النفسي – سي إس لويس

الأخلاق والتحليل النفسي – سي إس لويس

قلت إنه لا يمكن أن نقيم مجتمعاً مسيحياً أبداً إلا إذا صار معظمنا أفراداً مسيحيين بالحق. ولا يعني هذا بالطبع أنه يمكننا أن نؤجل القيام بأي تحرك بشأن المجتمع قبل تاريخ وهمي نحدده في المستقبل البعيد. إنما يعني أنه يجب أن نباشر عملين معاً في الحال: أولهما أن نتبين كيف تطبيق المبدأ “عامل كما تحب أن تعامل” مُفصلاً في المجتمع الحديث؛ وثانيهما صيرورتنا أُناساً من النوع الذي يُبادر إلى تطبيق هذا المبدأ إذا عرف كيف يفعل ذلك. وأود الآن أن أباشر النظر في ماهية الفكرة المسيحية بشأن الإنسان الصالح، أي التوصيف المسيحي للمكنة البشرية.

ولكن قبل الدخول في التفاصيل، أرغب في توضيح نقطتين أكثر عمومية. أولاً، بما أن الأخلاقيات المسيحية تقول بأنها سبيل عملي لإصلاح المكنة البشرية، أظن أنك تود أن تعرف كيف تتصل بتقنية أخرى يبدو أنها تقول بمثل ذلك، ألا وهي طريقة التحليل النفسي.

فالآن لا بد لك من أن تميّز بوضوح جليّ بين أمرين: بين النظريات والتقنية الطبية الفعلية التي يعتمدها المحللون النفسيون، وبين النظرة الفلسفية العامة للعالم التي مضى فرويد وآخرون غيره قُدماً ليُضيفوها إلى تلك. والأمر الثاني، أي فلسفة فرويد، مناقض مباشرة لآراء يونغ، عالم النفس الكبير الآخر. ثم أن فرويد، عندما يتكلم عن كيفية شفاء العصابيين، يتحدث حديث اختصاصي في موضوعه، ولكنه حين يمضي ليتكلم في الفلسفة العامة فهو إنما يتحدث حديث هاوٍ غير خبير. وعليه، فمن المنطقي تماماً أن نصغي إليه باحترام في الحالة الأولى وليس في الثانية، وذلك هو ما أفعله أنا.

وأجدني أكثر استعداداً لفعل ذلك لأني لمستُ أنه يتكلم في غير موضوعه، وفي موضوع أُلم به بعض الإلمام (اللغة تحديداً)، فهو جاهل جداً، غير أن التحليل النفسي بحد ذاته، بمعزل عن جميع الإضافات الت زادها عليه فرويد وآخرون، ليس مناقضاً للمسيحية أبداً. فإن تقنيته تتوافق مع الأخلاق المسيحية في بعض النقاط، وليس أمراً سيئاً أن يعرف المرء شيئاً عنها. غير أنها لا تسير معها طول الطريق. لأن كلنا التقنيتين تؤدي بالأحرى عملاً مختلفاً عن عمل الأخرى.

عندما يقوم المرء باعتماد خيار خُلقي، يشتمل ذلك على أمرين: أحدهما فعل الاختيار، والآخر هو مختلف المشاعر والحوافز ونحوها مما تمده به تركيبته السيكولوجية، والتي هي جميعاً المادة الخامة التي يتكون خياره منها. وهذه المادة الخام قد تكون على نوعين. فإما أن تكون ما يمكن أن ندعوها سوية، إذ قد تتكون من صنف المشاعر المشتركة بين جميع البشر؛ وإما أن تتكون من مشاعر غير سوية إلى حد بعيد من جراء أمور تعطلت أو فسدت فيما دون وعيه.

وعليه، فالخوف من الأشياء الخطرة حقاً يمكن أن يكون مثلاً على النوع الأول، والخوف غير المنطقي من القطط أو العناكب يمكن أن يكون مثلاً على النوع الثاني. ومن شأن اشتهاء الرجل للمرأة أن يكون من النوع الأول، فيما يكون اشتهاء الرجل للرجل شذوذاً، من النوع الثاني. فما يتولى المحللون النفسيون القيام به هو إزالة المشاعر غير السوية، أي تزويد الإنسان بمادة خام فُضلى لأفعال اختياره. أما الأخلاق فمعنية بأفعال الاختيار عينها.

ولنعبر عن ذلك بطريقة أخرى. تصور ثلاثة رجال يذهبون إلى حرب ما. أحدهم لديه الخوف الطبيعي المعتاد من الخطر، شأنه شأن أي إنسان آخر، ولكنه يقمع خوفه بمجهود خُلقي ويصير رجلاً شجاعاً. ولنفترض أنه لدي الآخرين، من جراء أمور معين فيما دون وعيهما، مخاوف غير منطقية مبالغاً فيها، لا يمكن لأي مقدار من المجهود الخلقي أن يفعل شيئاً بشأنها، ولنفترض الآن أن محللاً نفسياً يتدخل ويشفي هذه الرجلين، أي يردّهما كليهما إلى موقع الرجل الأول.

فعندئذ تماماً تنتهي المشكلة المتعلقة بالتحليل النفسي وتبدأ المشكلة الخُلقي: لأن هذه الرجلين، وقد شفيا الآن، قد يسلكان سبيلين متفاوتين. فقد يقول الأول: “الحمد لله على كوني قد تخلصت من جميع تلك الهواجس والوساوس! فالآن أخيراً أستطيع أن أقوم بما كنت أرغب دائماً بأن أقوم به واجبي تجاه وطني”. ولكن الآخر قد يقول: “حسناً، أنا مسرور جداً الآن لأنيي أشعر برباطة الجأش على نحو معتدل تحت النيران، ولكن ذلك بالطبع لا يُبدل شيئاً من حقيقة كوني ما زلت عاقد العزم تماماً على الاهتمام بالأمر الأهم، تاركاً الرجل الآخر يوجه الخطر كلما استطعت ذلك.

وبالحقيقة إن واحداً من الأمور الحسنة في الشعور بمقدار من الخوف أقل هو أنه يمكنني الآن أن أعتني بنفسي بطريقة أكثر فعالية للغاية، ويمكنني أن أكون أذكى بكثير في إخفاء الحقيقة عن الآخرين” ففي الواقع أن الفارق خُلقي محض، ولا يستطيع التحليل النفسي فعل شيء بشأنه. فمهما حسّنت كثيراً مادة الرجل الخام، يبقى لديك بعد شيء أخر: خيار الرجل الحقيقي، على أساس المادة المقدمة إليه، إما أن يضع مصلحته الشخصية أولاً، وإما أن يضعها أخيراً. وهذا الخيار الحر هو الأمر الوحيد الذي تُعنى به الأخلاق.

وليست المادة السيكولوجية السيئة خطية، بل هي مرض. فلا يحتاج المرء لأن يتوب عنها، بل يحتاج لأن يُشفى منها. وبالمناسبة، هذا أمر مهم جداً. فالبشر يدينون بعضهم بعضاً على أساس الأفعال الظاهرة. أما الله فيدينهم على أساس خياراتهم الخُلقية. فإذا أجبر عصابي لديه خوف مرضي من القطط نفسه على التقاط قطة لسبب جيد، فمن المحتمل تماماً أنه في نظر الله قد أبدى شجاعة أكثر من تلك التي أبداها شخص سليم فكوفئ بمنحه وسام تقدير رفيعاً.

وعندما يقوم رجل انحرف منذ حداثته، وتعلم أن القساوة هي الأمر الصائب، بمعروف بسيط، أو يُمسك عن قسوة كان يمكن أن يرتكبها، وربما يغامر في ذلك بالتعرض للهزء من قِبل رفقائه، فلعله في نظر الله يكون فاعلاً أكثر مما قد نفعله أنا وأنت إذا ضحينا بحياتنا ذاتها في سبيل صديق.

ويحسن بنا أن نعبر عن هذه الفكرة بالطريقة المعاكسة. ربما يكون بعض منا، ممن يبدون أناساً لطفاء جداً، قد استفادوا في الواقع استفادة ضئيلة للغاية من حالة وراثية جيدة وتربية صالحة، بحيث يكونون بالحقيقة أسوأ من أولئك الذين يحسبونهم أشراراً جداً. فهل يمكننا أن نكون على يقين تام من جهة كيفية تصرفنا الممكن لو أثقلت كواهلنا التركيبة السيكولوجية، ثم التربية السيئة، ثم السلطة المطلقة، تلك التي أثقلت كاهل طاغية من الطغاة؟ لذلك يُطلب من المسيحيين بالحق ألا يدينوا. فنحن لا نرى إلا النتائج التي تُطلعها خيارات الإنسان من مادته الخام.

غير أن الله لا يدينه على أساس المادة الخام أبداً، بل على أساس ما صنعه منها. وربما كان الجزء الأغلب في تركيبة الإنسان السيكولوجية عائداً إلى جسده: فعندما يموت جسده يسقط عنه ذلك كله، في حين أن الإنسان الجوهري الحقيقي (العنصر الذي قام بالاختيارات والذي استفاد من تلك المادة أحسن استفادة أو أسوأ استفادة) سيقوم مجرّداً.

فجميع الأمور الحسنة المتنوعة التي حسبناها ملكاً لنا، ولكنها كانت بالحقيقة نتيجة اهتضام جيد، ستسقط عن بعض منا؛ في حين أن جميع الأمور السيئة المتنوعة التي كانت نتيجة عُقد نفسية أو سوء صحة ستسقط عن الآخرين. وعندئذٍ سنرى، أول مرة، كل امرئ كما كان بالحقيقة. ولسوف تحث مفاجآت!

وهذا يفضي بي إلى نُقطتي الثانية. غالباً ما يفكر الناس في الأخلاقيات المسيحية كما لو كانت صفقة فيها يقول الله: “إذا راعيت كثيراً من القواعد فسأكافئك؛ وإلا فعلت العكس”. لكنني لا أعتقد أن هذه هي أفضل طريقة للنظر إلى المسألة. فأنا أُوثر بالأحرى أن أقول إنك كل مرة تقوم باختيار تكون مُحولاً الجزء الجوهري فيك (ذلك الجزء الذي يختار) إلى شيء مختلف قليلاً عما كان عليه قبلاً.

ولدى النظر في حياتك بمجملها، بجميع خياراتك التي لا تُحصى، يتبين أنك طوال حياتك تحول ببطء الجزء الجوهري إما إلى مخلوق سماوي وإما إلى مخلوق جهنمي: إما إلى مخلوق متناغم مع الله ومع الخلائق الآخرين ومع ذاته، وإما إلى مخلوق في حالة حرب وكره مع الله ومع الخلائق الآخرين ومع ذاته. وأن تكون مخلوقاً من النوع الأول لهو سماء أو نعيم؛ أي فرح وسلام ومعرفة وقوة. أما أن تكون من النوع الآخر فمعناه جنون وغباوة وسخط وعجز ووحشة أبدية. وكل واحد منا، كل لحظة، يتقدم إلى إحدى هاتين الحالتين أو إلى الأخرى.

هذا الواقع يُفسر أمراً طالما حيرني لدى الكتاب المسيحيين: أنهم يبدون متشددين جداً مرة، ومتحررين ومتساهلين جداً مرة أخرى. فهم يتحدثون عن خطايا الفكر المجردة كما لو كانت مهمة على نحو هائل، ثم يتحدثون عن أشنع أفعال القتل والخيانة كما لو أن عليك فقط أن تتوب فتُغفر لك جميعاً. غير أنني بت أدرك أنهم على حق. فما يُفكرون فيه دائماً هو السمة التي يُخلفها الفعل على تلك الذات الجوهرية اللطيفة التي لا يراها أحد في هذا الحياة ولكن سيكون على كل منا أن يُقاسيها، أو يتمتع بها، إلى الأبد.

فرُب إنسان يكون في وضع فيه يدفعه غضبه إلى سفك دماء الآلاف، وآخر يكون في وضع مهما غضب فيه فسيكون فقط غرضاً للضحك. غير أن السمة الصغيرة على النفس قد تكون لدى كليهما هي إياها إلى أبعد حد. فكلاهما قد فعل بنفسه شيئاً إن لم يتب يُصعب عليه أكثر أن ينأى عن الغضب تالي مرة يُجرب فيها، ويجعل الغضب أسوأ حين يسقط فيه فعلاً. وكلا هذين، إذا رجع إلى الله صادقاً، يمكن أن تُقوَّم له تلك “الانحراف” في الإنسان الجوهري ويُسوى مجدداً. كما أن كليهما، إن لم يرجع إلى الله حقاً، هالك في نهاية المطاف. أما كبر ذلك الشيء أو صغره، إذا نُظر إليه من الخارج، فليس هو ما يهم حقاً.

تبقى نقطة أخيرة: تذكر أن الاتجاه الصحيح، كما سبق أن قُلت، لا يؤدي فقط إلى السلام بل أيضاً إلى المعرفة. فعندما يكون امرؤ آخذاً في التحسن، يفهم أوضح فأوضح الشر الذي ما يزال فيه. ولكن حين يكون امرؤ آخذاً في التردي، يفهم رداءته أقل فأقل. كذلك يعلم الإنسان الرديء على نحو معتدل أنه ليس صالحاً جداً؛ أما الإنسان الرديء كلياً فيظن أنه في أحسن حال.

وهذا منطق سليم بالحقيقة. فأنت تقدر أن تفهم النوم حين تكون مستيقظاً، لا فيما تكون نائماً. وفي وسعك أن تلاحظ أغلاط الحساب حين يكون ذهنك عاملاً بنشاط ومتيقظاً. ولكن حين تكون في حالة ارتكاب أغلاط لا يمكنك أن تلاحظها. وفي مقدورك أن تفهم طبيعة السُكر عندما تكون صاحياً، لا عندما تكون سكران. فالصالحون يعرفون أحوال الخير والشر؛ أما الطالحون فلا يعرفون شيئاً عن كليهما.

الأخلاق والتحليل النفسي – سي إس لويس

Exit mobile version