هل الروح القدس يفارقنا ساعة الخطية ويعود إلينا بعد التوبة!

هل الروح القدس يفارقنا ساعة الخطية ويعود إلينا بعد التوبة!

هل الروح القدس يفارقنا ساعة الخطية ويعود إلينا بعد التوبة!
 
 
 
 
( سلسلة سؤال هام عن الروح القدس – ج 1)
 
السؤال الذي يدور في ذهن الكثيرين ويحيرهم جداً، والإجابة قد تكون أحياناً منقوصة وأحياناً مشتته وتتوقف على رأي كل واحد، لذلك وجب علينا أن نضع السؤال ونضع الإجابة غير متكلين على رأينا الشخصي بل على تعليم الكتب المقدسة، وشروحات الآباء القديسين الذين لم يخرجوا عن الوحي الإلهي ولا الكتاب المقدس لأنهم لم يعرضوا رأيهم الشخصي ولا مجرد بحث ذاتي ليثبتوا نظريه معينه أو يعلمونا من فكرهم الخاص، بل سيقوا بالروح القدس الذي خضعوا له بالحب وثقة الإيمان وأعطوا إجابة من الوحي الإلهي بدقة عجيبة واضحة بلا فلسفة أو تعقيد.

والسؤال هو : (( هل يفارق الروح القدس الإنسان ساعة الخطية ويعود إليه في التوبة ؟ ))

وسوف نضع الإجابة للقديس مارفيلوكسينوس عن مقاله ( لا تطفئوا الروح ) الذي كتبه بالسريانية، وقد قام بالترجمة من السريانية إلى العربية الأستاذ الدكتور سبستيان بروك Dr. Sebastian Brok، أستاذ اللغات السامية والسريانية بجامعة أكسفورد. أما النص الأصلي الذي تمت الترجمة عنه فهو منشور في مجلة Le Museon 1960، التي تنشرها جامعة لوفان ببلجيكا. والنص باللغة السريانية وأمامه الترجمة الفرنسية. وقد اشترك في مراجعة الترجمة العربية للنص السرياني، على الترجمة الفرنسية الدكتور وليم سليمان قلادة .

  • لمحة سريعة عن القديس مارفيلوكسينوس

هو أسقف منبج، وهو من مشاهير الآباء القديسين السريان الذين عاشوا وكتبوا في النصف الأخير من القرن الخامس وبداية السادس، وكان معاصراً للقديس يعقوب السروجي ( 451 – 521 ).
وكان اسمه قبل أن يصير أسقفاً: ( إكسنايا )، وهو من الكلمة اليونانية ( كسينوس ) ومعناها ( غريب )، ولما صار أسقفاً سُميَّ (( فيلوكسينوس )) ومعناها ( محب الغريب ) .

  • مولده

ولد في قرية تحل في بيت جرمي بالمنطقة الفارسية بين دجلة والزاب الصغير فيما بين النهرين، ولم يُعرف سنة مولده على وجه الدقة والتحديد. وفي صباه رحل به أهله إلى طور عبدين، وهناك دخل الدير، وفي هذا الدير درس مع أخيه آداب اللغتين السريانية واليونانية؛ ودرس علم اللاهوت، ثم انتقل إلى مدرسة الرها. وأتم دراسته للعلوم الفلسفية واللاهوتية. وأكمل دراسة علم اللغتين: السريانية واليونانية في دير لمدا الكبير في إقليم إنطاكية. وترهبن هناك وسيم قساً .

  • جهاده لأجل العقيدة 

خرج على تعليم النساطرة التي كان يلقنه إياها أسقف الرها النسطوري، ورفض عقيدة نسطور وكل من يتبعه، وخصص حياته للدفاع عن العقيدة المستقيمة ضد النساطرة في ضواحي إنطاكية بسوريا، والجزء الشمالي من العراق، بالرغم من الأذى الذي أصابه على أيدي أعداء عقيدته المستقيمة.

وقد ظل يجاهد بقيه عمره لأجل سلامة الإيمان بتجسد الله الكلمة ربنا يسوع المسيح. وبدأ بمهاجمة تعاليم النسطورية التي كانت تقوم مدرسة الرها ببث تعاليمها، وكان لا يزال قساً فطرده قلنديون بطريرك إنطاكية، ولما عُزل قلنديون عن كرسيه سنة 485م، وصار بطرس القصار بطريركاً لإنطاكية رسم فيلوكسينوس أسقفاً على منبج سنة 485م، فواصل جهاده بلا كلل بالتعليم والكتابة لتوضيح الإيمان المستقيم؛ وقد تعرض لاضطهادات كثيرة من الأباطرة المنحازين لبدعة نسطور.
ورأس مجمعاً في سنة 512م، وقد انتخب فيه القديس ساويرس بطريركاً لإنطاكية. ولكن الإمبراطور يوستين نفاه بعد ذلك …

وظل القديس فيلوكسينوس عدة سنوات في المنفى ( في فيليوبولس في تراقيا )، وهناك كتب رسالتان إلى رهبان دير سنون بالقرب من الرها سنة 522م يقول فيها: [ أن كل ما تحملته من فلافيانوس وماقيدونيس أسقفي إنطاكية والقسطنطينية وما قاسيته قبلهما على يد قلنديون معروف ويتحدث به الناس في كل مكان.

وإني لألتزم الصمت، هما لحقاني أيام حرب الفرس بتأثير فلافيان وعلى ملأ من الأعيان، وعما أصابني في الرها وفي أفامية وفي إنطاكية عندما كنت في دير القديس مار بسوس، وفي إنطاكية نفسها، وكذلك في القسطنطينية التي شددت الرحال إليها في مناسبتين، هذه الأشياء وأشباهها أصابتني من النساطرة المهرطقين ]

  • انتقاله كشهيد للإيمان

ثم نُقل من منفاه بعد ذلك إلى جنجرا في ولاية بافلاجونيا، حيث حُبس في بيت أوقدت فيه النيران وسُدت عليه المنافذ فاختنق في حجرته من كثرة الدخان وتنيح شهيد الإيمان في 523م.

وتحتفل الكنيسة السريانية الأرثوذكسية بعيد القديس مار فيلوكسينوس أكثر من مرة في السنة. وابرز أعياده يوم 18 فبراير وله عيد آخر في أول أبريل وآخر في 16 أغسطس وآخر في 10 سبتمبر الذي يُرجح أن يكون تاريخ نياحته.

القديس مار فيلوكسينوس كاتب موهوب بالروح القدس، غزير المادة في الإنتاج اللاهوتي والروحي، ويُعدّ في المرتبة الأولى من الكتاب السريان. وقد عُرف للقديس مار فيلوكسينوس حوالي 80 كتاب قام بتأليفها وهي ذات أهمية كبيرة …

بركة صلواته لأجلنا تكون معنا جميعاً آمين

 

هل يفارق الروح القدس الإنسان ساعة الخطية ويعود إليه في التوبة ؟
1 – القصد من السؤال والجواب
بقلم القديس مار فيلوكسينوس، تحت عنوان لا تطفئوا الروح




* القصد من السؤال :
أليس قصده أن يعرف كيف يكره الإنسان الخطية وكيف يتحول سريعاً عن خطيته ويعود إلى التوبة إن أخطأ. كم هي كثيرة ودقيقة تلك الأسئلة التي تبحث في كيف لا نُخطئ ! كما أن ثمة فخاخاً عديدة وخادعة يضعها الشيطان الذي يتسبب في سقوطنا. فأولاً هو يُريد أن يقتنصنا في شباكه وعندما يتم له هذا يخترع الكثير من الوسائل لكي يمنعنا عن أن نهرب من قيوده.
 
وكما أن فكرة اقتناصنا وكذلك عجزنا عن الفكاك إذا أمسك بنا، هما من إيحاء العدو، هكذا فإن فكرة الامتناع عن ارتكاب الخطية، والعودة إلى العودة للتوبة – هاتان الفكرتان هما من أعمال النعمة.
ولسوف نعطي كلمات موجزة بصدد هذا السؤال عما إذا كان الروح القدس يفارقنا أم لا يفارقنا في الساعة التي نُخطئ فيها، وذلك من أجل منفعة الذين يناقشون هذه النقطة وللآخرين الذين يحتاجون لأن يفهموا هذه المسألة .
  • *الجواب :

لم يكن القصد من اقتبالنا الروح القدس، في مياه المعمودية بمحبة الله، وأن يبقى معنا فترات معينة فقط، ولكننانلناه كي نصبح هيكلاً له يسكن فينا على الدوام حسبما قال بولس: ” أنتم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم ” ( 1كو3: 16 ). وأيضاً ” ألستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي قبلتموه من الله ن وإنكم لستم لأنفسكم لأنكم اشتريتم بثمن ولذلك مجدوا الله في أجسادكم، وفي أرواحكم التي هي لله ” ( 1كو6: 19 – 20 ). أنتم إذن هياكل الله ومساكن له بسبب الروح القدس الذي يسكن فينا. 

لا توجد خطية سواء بالفعل أم بالفكر تقدر على أن تُدمر هيكل الله. على أن ثمة فارقاً بين الخطايا التي تُرتكب بالفعل، وبين الارتداد عن الله !!!
وذلك أنه إذا فعلنا خطية، فإن إيماننا بالله يظل سليماً، فلا نفقد بنوتنا لله مثل الابن حسب الطبيعة الذي مهما أخطأ في حق والده وأغضبه كثيراً فإن هذا لا يحرمه من أن يُدعى ابناً. ومهما أخطأ الابن وارتكب هفوات فإن ذلك لا يفقده كرامته كابن لاسيما إذا كان أبوه لا يهدف إلى حرمانه منها.

وهذا ما يحدث مع الابن الأصغر الذي أخذ ميراثه وانفق ثروة أبيه على الزانيات ( لو15 : 11 ). ورغم هذا لم يفقد لقب الابن الذي يخصه. فزعم أنه كان في ارض المجاعة بعيداً ورفض أباه، إلا أنه تذكر ” كم من أجير في بيت أبي يفضل عنه الخبز بينما أنا أهلك جوعاً ” ( لو15 : 17 ). ومع أنه كان لا يزال خاطئاً بل وأخطأ بهذا القدر العظيم حتى أنه بدد ميراثه الذي أخذه من أبيه في أعمال سيئة، إلا أنه ظل يدعو الله ” أباه “. وهذا يوضح أن نعمة الروح التي أعطته السلطان أن يدعو الله ” أباً ” لم تفارقه.

  • +روح التبني
حقاً أننا لا نقدر أن نستخدم هذه الكلمة، وأن ندعو الله أباً لنا إلا بسلطان الروح القدس الذي فينا. ذلك أنه من الواضح أن الذين لم يصبحوا بعد أولاداً لله بواسطة الميلاد الجديد في المعمودية لا يملكون حق استعمال هذه الكلمة، ولا يقدرون على أن يقولوا ” أبانا الذي في السماوات فليتقدس اسمك “.
 
والسبب الواضح هو أن الروح القدس الذي يعطي هذا السلطان ليس فيهم. وعلى العكس من ذلك فإن المعمدين – كما نعلم – حين يقتربون من الأسرار المقدسة يصلون هذه الصلاة بثقة حسب التقليد الذي سُلَّم إلينا من الرب. وبعد ذلك يقتربون من الأسرار المقدسة.

ومع ذلك ، فنحن نعلم أننا جميعاً أخطأنا بشكل ما: سواء كانت خطايانا كثيرة أم قليلة، بالفكر أو العمل. ولا يوجد بيننا من هو ليس مداناً بالخطية. فإذا كنا جميعاً مذنبين فهل الروح القدس فارقنا جميعاً ؟، وكيف نجرؤ أن نصرخ ونقول ” أبانا الذي في السماوات ” عندما نقترب من الأسرار المقدسة ؟، وإذ كان الروح قد فارقنا بسبب خطيئتنا، فبأي سلطان ندعوا الله ” أبانا ” ؟
وإذا دعوناه وقلنا ” يا أبانا ” دون أن يكون الله فينا كي يعطينا ذلك السلطان، فأنها لجريمة كبرى وتمرد ضد الله.

ونصبح مماثلين لأولئك الذين بنوا البرج ( في بابل ) كي يصعدوا إلى السماء، ونُشابه أيضاً ذاك الذي تجاسر وحسب نفسه إلهاً وأراد أن يخطف لنفسه الكرامة التي لم تُعط له، والي لهذا السبب فقد الكرامة التي كانت له ( أي إبليس ) .

وحتى المؤمنون الذي في وقت الأسرار يدعون الله أباً، لا يعملون ذلك من ذواتهم، ولكن الكاهن الذي يتقدم الجماعة هو الذي يسمح لهم بأن يقولوا ” يا أبانا “. بل إن الكاهن نفسه ليس له السلطان لأن يدعو الله ” أباً ” ولا أن يسمح للآخرين بذلك إذا كان صحيحاً أن الروح القدس يفارق كل الذين يخطئون .

  • الكهنة والشعب جميعاً خطاة نحتاج التطهير
لأننا جميعاً كهنة وشعباً، لا نستطيع أن نعتبر أنفسنا بدون خطية طالما أن ما يقوله الرسول حقيقي. ” لأنه يوجد رئيس كهنة واحد، يسوع المسيح بلا شر ولا دنس وممجد أعلى من السماوات ” ( عب 7 : 26 ). ويقول أيضاً ” كل رئيس كهنة يقام ليُقدم ذبائح أولاً عن خطايا نفسه ثم عن خطايا الشعب ” ( عب 7 : 27 ) .
فمن الواضح أن الكاهن مدان بالخطية، ولذلك يحتاج إلى المغفرة بواسطة التقدمات.
 
وكما في ناموس موسى القديم، كل كاهن يُقدم ذبائح لله، كان يقدمها أولاً عن نفسه ثم بعد ذلك عن الشعب، هكذا في تدبير العهد الجديد، من المعروف أن الكهنة جميعاً يقدمون ” الذبيحة ” لله عن أنفسهم أولاً ثم عن الشعب طالبين بالصلاة غفران خطاياهم الخاصة وتطهير أنفسهم وأجسادهم من الأفكار الدنسة والأفعال الشريرة (1)، وكل كاهن منهم يقدم هذه الصلوات حسب نقاوة نفسه، وبعد أن يكمل الذبيحة الإلهية، ويتمم السرائر بحلول الروح القدس، لا يوزع الأفخارستيا للآخرين قبل أن يأخذ هو منها :
أولاً، لأنه يحتاج إليها – وبهذا يعترف أمام الكنيسة كلها أنه يتناول أولاً من الأفخارستيا لكي يتطهر بها ثم بعد ذلك يوزع على غيره .

وهكذا تكمل حقاً الكلمة أنه يقدم الذبيحة أولاً عن نفسه ثم بعد ذلك عن الشعب. لأنه إذا لم يكن قد قدم الذبيحة أولاً عن نفسه فما كان ليقترب أولاً من الأفخارستيا. وهكذا تصبح تقدمته شهادة على أنه خاطئ، لأنه كخاطئ يتناول الأسرار كي يتطهر بها ثم يوزعها على كل من هو في مثل حالته.

ولهذا السبب فإنه عندما يوزع الأسرار على المتناولين يقول: ” جسد الله يُعطى لمغفرة الخطايا، ودم ابن الله لتطهير الذنوب “. مستفيداً بذلك ما قاله ربنا لتلاميذه عندما كان يوزع عليهم هذه السرائر: ” هذا هو جسدي الذي يكسر عنكم لمغفرة الخطايا، وهذا هو دمي الذي يسفك عنكم لمغفرة الخطايا ” ( مت 26 : 16 وما يقابلها ).. هكذا عندما نقترب من السرائر، أي من مخلصنا، فإنا نتقرب كخطاة .

وفي الحقيقة، فإن الدواء لا يكون مطلوباً إلا من أجل المرض، ولا يُطلب الشفاء إلا المريض : ” لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى ” ( مت 9: 12 )، وهكذا يتضح أن جميع من يقتربون من السرائر المقدسة، فإنما يحصلون عليها من أجل مغفرة خطاياهم – الكاهن والشعب .

وإذا كان الروح القدس فارقنا لأننا خطاة، فبأي سلطان يستدعي الكاهن الروح ( القدس في القداس ) وبأي سلطان يقترب الشعب من السرائر ؟

_____________________
(1) يقول الكاهن في القداس الإلهي :
(( أعطِ يا رب أن تكون مقبولة أمامك ذبيحتنا عن خطاياي وعن جهالات شعبك ))

  • الروح القدس معموديتنا، ولا يفارقنا حتى بعد الموت

إذا لم يكن الروح القدس فينا فحينئذٍ تبطل معموديتنا أيضاً، وبالتالي كيف نقترب من الأفخارستيا إذا كنا قد فقدنا المعمودية ويصبح من الواضح أنه إذا كان الروح القدس يفارقنا عندما نُخطئ فإننا نفقد معموديتنا أيضاً. لأن معموديتنا هي – في الحقيقة – الروح القدس، كما قال ربنا لتلاميذه ” يوحنا عمد بالماء أما أنتم فستعمدون بالروح القدس. ليس بعد هذه الأيام بكثير ” ( أع 1 : 5 ، 11 ، 16 ). وكان يقصد الروح القدس الذي نزل على التلاميذ في العلية في شكل السنة نارية .

وهكذا الأمر بالنسبة لنا وبالنسبة لمعموديتنا، فلا رطوبة الماء الذي فيه صار عمادنا، ولا آثار دهن الزيت الذي مُسحنا به، تبقى بعد موتنا، ولكن الروح القدس الذي سكن في نفوسنا وأجسادنا عن طريق الماء والزيت، هو وحده يظل فينا في هذه الحياة بل وبعد موتنا أيضاً، لأنه هو معموديتنا الحقيقية. ولذلك نظل دائماً معمدين لأن الروح القدس فينا على الدوام .

  • قد يُقال : إن الروح القدس يفارقنا بسبب بعض الخطايا، وعندما نتوب عنها يعود إلينا ؟
  • ما هذا الكلام ؟ . فإنه إذا فراقنا الروح، فمن الذي يعمل فينا لكي نتوب عن خطايانا ؟ .

فإن التوبة لا تحدث بدون الروح القدس، وبكل ما تفعله قوة الروح القدس في الصوم والسهر والصلاة والصداقة وتوبيخ القلب والدموع التائبة والتنهد. كل هذه نتيجة عمل الروح القدس تماماً كما قال بولس ” إننا لا نعرف كيف يجب أن نُصلي، ولكن روح الله هو الذي يصلي فينا بأنات لا يُنطق بها، والذي يفحص القلوب يعرف ما هو اهتمام الروح، لأنه بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين ” ( رو8 : 26 و 27 ).وهكذا ترون أن كل ما يدفعنا إلى التوبة هو نتيجة فاعلية الروح القدس.



كما أن الصلاة الطاهرة أيضاً، وهي ذروة كل هذه البركات تحدث فينا بفاعلية الروح القدس. وهو أيضاً الذي يحركنا للندم في داخل قلوبنا عندما نتذكر خطايانا .

فإذا كان الروح القدس يفارقنا في الساعة التي نُخطئ فيها، فمن الذي يولد هذه المشاعر فينا ؟ ربما ستقول إرادتي ؟ ولكن من الذي يحرك إرادتنا نحو الصلاح ؟ ومن الذي يساعدها لفعل هذا الصلاح ؟ أليس هو الروح القدس ؟



ألم تسمع ما يقوله بولس: الله هو الذي يحرك فيكم الإرادة وأيضاً تنفيذ ما تريدونه ( في 2: 13 ). وهكذا ترون أنه هو الذي يُحرك إرادتنا للصلاح، وهو الذي يُتمم تنفيذ كل ما نُريد أيضاً.

وربما تعترض قائلاً: أنه في هذه الحالة لا توجد إرادة حرة، ولكني أقول أنه بكل تأكيد توجد إرادة حرة، لأننا نحن على صورة الله بوجود الإرادة الحرة فينا. والروح لا يعمل بالإجبار. فلست أقول أن الروح القدس يرغم الإرادة على أن تفعل الصلاح، بل إنه يحضها ( يحثها ) ويستملها فقط .

  • الروح القدس يحث ويُحذر، أين يكون فينا حينما نُخطئ

وربما يتساءل البعض: أين يكون الروح عندما يُخطئ الشخص الذي سبق وأن حل عليه الروح ؟

هنا يمكنك أن تفهم ما سبق أن قلته من أن الروح لا يُرغم النفس على عمل الصلاح، ولا يمنعها من ارتكاب الشر. ولكنه يمنح أمرين للإرادة : أولاً – أن يحث ؛ ثانياً – أن يُحذر .



وفي الحقيقة كما أن الشيطان لا يقودنا بالقوة إلى الشرّ، فإن روح الله أيضاً لا يدفعنا إلى الصلاح مرغماً إيانا عليه. بل في حالة الشرّ كما في الله الصلاح، يحاول كل واحد منهما أن يحثنا ويجتذبنا إلى اتجاهه. وهكذا فإن نعمة الروح القدس التي قبلناها في مياه المعمودية تظل فينا عندما نُخطئ. ومهما كثرت خطايا المعمد، فأنه يظل دائماً مُعمد، والروح لا يمنع إرادتنا بالقوة الجبرية عندما يرى أننا نميل إلى الخطية .



فإذا عرف العقل كيف يقبل هذا التوبيخ، وإذا قبل ضميرنا تأنيبه فإن الإنسان يمتنع عن الخطية. وعلى الفور يظهر الروح القدس في الضمير مع نوره ويملأه من الفرح والتهليل. وهذا ما يحدث عادة لمن يغلبون الخطية في جهادهم ضدها.



ولكن إذا لم يطع الضمير، الروح الساكن فيه وأكمل الخطية بالفعل – فعلى الفور تظلم النفس وينمو فيها القلق، وضباب الخوف، وتمتلئ النفس بالحزن والكآبة ويُغطي العار النفس، وكما هو مكتوب في كتاب الراعي لهرماس ” أن الروح القدس يحزن ويحول وجهه عن النفس ( هرماس التعليم 10 ) ، وهذا ما كان يفكر فيه الرسول بولس عندما قال ” لا تحزنوا الروح القدس الذي به خُتمتم استعداداً ليوم الفداء ” ( أفسس 4 : 30 ). وبولس يُعلمنا أمرين :



الأول : أن الروح القدس فينا، والثاني: أنه لذلك يحزن بسبب خطايانا. وهذا واضح من قوله ” لا تحزنوا الروح ” الذي هو – على الخصوص – فيكم.



وهكذا فإن الروح يسكن فينا، ويوبخنا كي لا نُخطئ ولا نحزنه، كي لا تنطفئ قوته الداخلية في نفوسنا كما يقول بولس في موضع آخر ” لا تطفئوا الروح ” ( 1 تس 5 : 19 ). أي لا تحزنوه بالخطية لئلا ينطفئ نوره في نفوسكم. وأيضاً إذا اشتعل فيكم يكون لنفوسكم النور الذي يُضيء في داخلها.



لأن الروح هو الذي يُعطي للنفس قوة لا يعبر عنها، تجعلها قادرة على أن تُصارع الرؤساء والقوات، وتُحارب الأرواح الشريرة التي تحت السماء، وترفض العالم كله مع كل ملذاته…، كل هذا يتحقق بواسطة حرارة قوة الروح الذي فينا. وبولس الذي يعرف قوة عمل الروح يُعلمنا قائلاً ” كونوا حارين في الروح ” ( رو 12 : 11 ). وأيضاً ” الذين يقبلون أن ينقادوا بروح الله فأولئك هو أولاد الله ” ( رو 8 : 14 ) .

  • الروح القدس يسكن فينا دائماً، قداسة الروح لا يمسها دنس خطايانا

وهكذا فأن الروح ( القدس ) يسكن دائماً فينا، أي في الذين اعتمدوا، إلا أنه لا يُرغم بالقوة أي إنسان يُريد أن يُخطئ ( على أنه لا يُخطئ )، بل يُعلمه ويحذره من السقوط. فالروح – على عكس ما يقوله الجهلاء – لا يُفارق النفس في لحظة الخطية، ويعود إليها عندما تتوب. وإنما هو ساكن فينا، ولكننا نحن الذين لا نطلبه.

  • قل لي ما هو السبب الذي يجعله يفارقنا عندما نُخطئ ؟

هل لأن خطايانا تضره؟ أو لأن قداسته قد مسها بعض الدنس، أم أنه لا يعرف أن يمنع نفسه من أن تُجرح بخطايانا عندما يكون فينا ونحن نُخطئ ؟

إذا صح هذا فهو أيضاً ضعيف وخاضع لجراحات الخطية، ولكن كما نعرف فإن هذا ليس هو الحق بالمرة.



بل الصحيح والحق، أنه يسكن في نفوسنا، وأحياناً يختفي فيها، وأحياناً يظهر لها. وحين يختفي فإنه لا ينسحب نهائياً، وعندما يظهر فهو لا يأتي من بعيد.. وفي الحقيقة فإن النور الفطري كائن في حدقة العين حتى وإن كانت مغلقه. ومع ذلك العين لا تُبصر لأن الجفن يُغطيها ولكن حين تنفتح العين فإنها تُبصر بذلك النور الذي فيها حين يتلاقى بالنور الخارجي .



وعلى هذا الحال فإن الروح يسكن في نفوسنا مثل النور في حدقة العين، وإذا غطاه الإهمال كحجاب يغطي حدقة العين، فإننا لا نرى الروح على الرغم من سكناه فينا. ولكن إذا خلعنا تكاسلنا من عقولنا وركزنا إرادتنا النقية على النور الروحي الذي فينا، فعلى الفور يتصل النور بالنور مثل اتصال نور العين الفطري بنور الشمس، وباتصال الاثنين تتحقق الرؤيا.

 

  • الروح ليس ضعيفاً، بالارتداد فقط يفقد الإنسان الروح القدس
ليس صحيحاً القول بمفارقة الروح القدس ساعة الخطية وعودته ساعة التوبة. واعتباره هكذا ضعيفاً ومتردداً وجباناً، يقف بعيداً يرقبنا منتظراً أن نتوب عن خطايانا ونعود إلى حالة التبرير كي يعود يسكن فينا. وبكل يقين، فما هي الفائدة التي ستعود عليَّ إذا عاد إليَّ وسكن فيَّ عندما أتبرر في حين أنه في ساعة السقوط لم يقف إلى جواري لكي يمد يد المساعدة ويُقيمني على قدمي.
  • فكيف ومتى أنال معونته ؟وما قيمة ذلك الطبيب الذي يترك المريض في اللحظة التي يراه فيها يسقط فريسة للمرض ويتخلى عنه، ثم يعود إليه عندما يُشفى وتعود غليه صحته ؟ أليس عندما يكون الإنسان مريضاً يبقى الطبيب معه ويعتني به، وعندما يُشفى يتركه ليذهب إلى مهمة أخرى؟

فإذا صح ذلك الرأي الغبي بمفارقة الروح القدس للنفس فإنه يكون ممكناً أن يحدث ذلك بالأولى في وقت الشفاء وليس ساعة المرض. لأنه حسب شهادة الرب لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، ولكن لأجل ما ذكرناه تحتاج النفس إلى الروح القدس سواء في المرض أو الصحة .

إن من يلبس الروح في مياه المعمودية إنما يلبسه ولا يخلعه إلا بالارتداد عن الإيمان لأنه إذا كان بالإيمان يلبس الإنسان الروح فبإنكار الإيمان يفارق الروح القدس النفس، لأن الإيمان والارتداد ضدان مثل النور والظلمة.

  • الروح القدس حياة النفس، ويبقى فينا
إن الروح القدس الذي أخذناه من الله هو حياة النفس، لهذا السبب أعطى للرسل ومنهم لنا جميعاً بالنفخة. وصار بالنسبة للكل مثل النفس لأننا لبسنا الروح لكي يصبح بالنسبة لنا مثل علاقة النفس بالجسد. والروح الذي أخذه آدم بالنفخة من الله كما هو مكتوب ” ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفساً حية ” ( تك 2 : 7 ).
 
وفي العهد الجديد أيضاً مكتوب: ” نفخ يسوع في وجوه تلاميذه وقال لهم أقبلوا الروح القدس من غفرتم خطاياه تغفر له ومن أمسكتموها عليه أُمسكت ” ( يو 20 : 22 و 23 )، فكيف يهرب الروح أمام الخطايا وهو الذي قال عنه الرب أنه يغفر الخطايا ؟ لذلك ليس من الصواب أن نتكلم عن الروح كهارب منا بسبب خطايانا، بل بالحري إن الخطية هي التي تهرب من حضور الروح. لأن الظلمة لا تدحر النور، وإنما النور هو الذي يُشتت الظلمة. وهكذا ليس هو النور الذي يهرب أمام الخطية، وإنما الخطية هي التي تهرب من حضور الروح.

وهكذا إذا كان الروح الذي هو حياة نفسنا، وهو لذلك أعطى لنا بالنفخة مثل الحياة التي أُعطيت لآدم الأول بواسطة النفخة، فمن الواضح أنه إذا فارقنا فإن نفوسنا تموت فوراً كما يموت الجسد فور خروج النفس الذي تسكنه. وإذا مات الجسد بانفصال النفس عنه، فليس هناك حاجة للدواء لأنه يكون غير قابل للشفاء.

فالعين لا يُمكن أن تُشفى، ولا الرجل المكسورة تفيدها الجبيرة، ولا اليد العاجزة تتشدد قدرتها على الحركة، ويعجز أي عضو فيه عن نوال الشفاء إذا أصابه جرح، لأن الجسد قد حُرم من الحياة التي تجعله قادراً على إقتبال الشفاء، هكذا يحدث للنفس إذا فارقها الروح القدس، إذ تُصبح مثل الجثة الميتة غير قادرة على نوال الشفاء من أي خطية حيث لا توجد في النفس قوة حياة الروح القدس.

وكيف يُمكن استخدام الأربطة والأدوية في شيء فقد قوة الحياة والحركة؟ هل رأيتم قط طبيباً يُعالج جثة ميتة؟ كذلك النفس لا تكون لها فرصة للشفاء، وتكون غير قادرة على صنع توبة عن خطاياها، إذا فارقتها حياة الروح القدس التي نالتها في المعمودية .
قبل المعمودية نحن نُدعى ” الإنسان العتيق “، ولكن بعد المعمودية فنحن ” الإنسان الجديد “. فالروح القدس هو حياة دائمة للإنسان الجديد، ليس فقط في أثناء هذه الحياة الجسدية، ولكنه أيضاً يبقى فيه بعد الموت.

  • الروح القدس لا يفارقنا ولا بالموت – قيامتنا بقوة الروح القدس
وفي حالات خاصة لبعض القديسين يقوم بعمل المعجزات، وذلك حتى بعد نياحتهم، لأن عظام الأبرار، أي الرسل والشهداء وكل القديسين، على الرغم من أن الحياة الطبيعية ليست بعد فيهم بسبب الموت، فإن الروح القدس يظل في هذه العظام وهو الذي يقوم بالمعجزات الباهرة فيهم، وحتى الأرواح الشريرة تصرخ بمرارة عندما يعاينون قوة الروح، كما أن الأمراض تُشفى. وفي القيامة عندما تعود النفوس إلى أجسادها تجد الروح القدس فيها، فهو لا يُفارق الأجساد بالمرة، ولا يفعل ذلك منذ الوقت الذي قبلوا فيه الروح في مياه المعمودية .

وعلاوة على ذلك فإن قيامنا من الأموات سوف تتم بقوة الروح القدس الذي فينا. ولأن الروح القدس في المؤمنين فحتى عندما يموتون، فإن موتهم لا يُدعى ” موتاً ” وإنما ” راحة “. حسبما يقول الرسول بولس: ” يا إخوتي أريد أن تعلموا هذا كي لا تحزنوا من جل الراقدين مثل باقي الناس الذين لا رجاء لهم ” ( 1 تس 4 : 13 ).

وحين يموت مؤمن مُعمد، حتى لو كان قد أخطأ خطايا عديدة بعد المعمودية (1)، فإنه إذا مات في الإيمان، فعندما تفارق نفسه جسده ويموت الموت الطبيعي، فإننا نحمل جسده إلى القبر ونعامله كحي نائم. والسبب في ذلك واضح وهو أن الروح القدس الذي أخذه عندما وُلِدَ الولادة الثانية من رحم المعمودية لم يفارقه. ولقد قال ربنا يسوع: ” إن كان أحد لا يولد مرة ثانية من الماء والروح فلا يقدر أن يدخل ملكوت السموات ” ( يو 3 : 5 )

 

____________________

(1) طبعاً لا يتكلم هنا عن حياة الانحلال ولا يقصدها إطلاقاً ، لأن لا يوجد مؤمن مُنحل ، لأن الخروج عن منهج الإيمان ليس بإنكاره إنما برفض عمل الروح القدس في القلب ، ورفض حثه على التوبة ، هنا الإنسان لا يستفيد من حضور الروح القدس في قلبه ويطفئه بعدم رضا قبول التوبة ، وبذلك تنقطع حياة الشركة ، وهي حالة تُسمى إحزان الروح القدس التي يُمكن أن تؤدي إلى إطفاءه ( كما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم – عظة 11 على 1 تس 5 : 19 )

  • الروح القدس والتناول من الأسرار
كيف إذن لخاطئ أن يقترب لقبول الأسرار المقدسة، إذا لم يكن الروح القدس فيه، ذلك الروح وحده هو الذي يتيح له أن يقترب من الأسرار؟ وكما أن غير المُعمد لا يستطيع أن يقترب من الأسرار، فإن هناك رأباً فاسداً يمنع الخاطئ – بالمثل – من الأسرار على اعتبار أن الروح القدس قد فارقه.
فإذا كان الخاطئ يُمنع من الاقتراب من الأسرار لماذا تم تأسيس هذه الأسرار ؟. وماذا تعني هذه الكلمات الإلهية : ” هذا هو جسدي الذي يُكسر لأجلكم لمغفرة الخطايا “، وأيضاً : ” هذا هو دمي الذي يُسفك لأجلكملمغفرة الخطايا ” ( مت 26 : 16 ، وما يُقابلها 1 كو 11 : 24 ).
وهل مسموح لغير المُعمَّد أن يقترب من الأسرار؟ الجواب المؤكد: لا .. فإذا كان الروح القدس يُفارق الإنسان في اللحظة التي يُخطئ فيها فإن معموديته تكون ضاعت أيضاً. وإذا ضاعت معموديته وصار غير مُعمَّد، فهو غير مسموح له أن يقترب من الأسرار ( الأفخارستيا ). وإذا لم يقترب من الأسرار فكيف ينال الغفران من الله؟ وكيف تكون له توبة عن الخطية إذا كان الروح القدس قد فارقه كما يزعمون؟

لقد فند ربنا يسوع هذا التعليم الفاسد بشكل واضح عندما قال: ” من يأكل جسدي ويشرب دمي يكون فيَّ وأنا أكون فيه، وأنا أُقيمه في اليوم الأخير ” ( يو 6 : 54 ). ففي كل مرة يشترك التائب في جسد ربنا ودمه بالإيمان فهو في الرب والرب فيه – حسب قول الرب نفسه – حيثما يسكن الرب يسكن روحه القدوس أيضاً.

  • ولو أننا أخذنا الروح القدوس في مياه المعمودية بسبب برنا، لكان صحيحاً أن نقول أن روح القداسة يُفارقنا بسبب خطايانا، ولكن لأننا نلناه كعطية، فإن سكناه فينا هو أيضاً عطية.

وكما أنه بالإيمان وباقتبال الروح القدس في مياه المعمودية ننال فوراً مغفرة الخطايا ويُبررنا بالتبني لله الآب،هكذا أيضاً الآن فطالما نظل مؤمنين، يظل هو ساكناً فينا، ونحفظ أنفسنا بنعمته من الخطية. وإذا حدث وأخطأنا فإننا سريعاً ما نعود إلى التوبة . وشكراً للروح الذي يُقدم لنا عونه وقوته .

هل الروح القدس يفارقنا ساعة الخطية ويعود إلينا بعد التوبة!

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس (الجزء 5) أهمية الذبيحة وشمولها، تابع لمحة تاريخية سريعة عصور ما بعد موسى + مصدر تشريع الذبائح.

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח– ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
Sacrifice 166 – Sacrifices 142 – Sacrificing 12

 

تابع (1) مقدمـــــــــــــــة عامة
تابع ثالثاً: أهمية الذبيحة وشمولها – لمحة تاريخية سريعة
للرجوع للجزء الرابع أضغط هنـا.

( جـ ) عصر القضاة والملوك

” فصعد جميع بنو إسرائيل وكل الشعب وجاءوا إلى بيت إيل وبكوا وجلسوا هناك أمام الرب وصاموا ذلك اليوم إلى المساء واصعدوا محرقات وذبائح سلامة أمام الرب ” ( قضاة20: 26)، ” في ذلك اليوم قدس الملك وَسَط الدار التي أمام بيت الرب. لأنه قَرَّبَ هُناك المحرقات والتقدمات وشحم ذبائح السلامة لأن مذبح النحاس الذي أمام الرب كان صغيراً عن أن يسع المحرقات والتقدمات وشحم ذبائح السلامة ” ( 1ملوك 8: 64 )

(د) عصر ما بعد السبي

” ولما استهل الشهر السابع وبنو إسرائيل في مدنهم اجتمع الشعب كرجلٌ واحد إلى أورشليم وقام يشوع بن يوصاداق وإخوته الكهنة وزربابل بن شالتئيل وإخوته وبنوا مذبح إله إسرائيل ليصعدوا عليه محرقات كما هو مكتوب في شريعة موسى رجل الله، وأقاموا المذبح في مكانه… واصعدوا عليه محرقات للرب. محرقات الصباح والمساء وحفظوا عيد المظال كما هو مكتوب، ومحرقة يوم فيوم بالعدد كالمرسوم أمر اليوم بيومه وبعد ذلك المحرقة الدائمة… ولجميع مواسم الرب المقدسة… ابتدأا من اليوم الأول من الشهر السابع يصعدون محرقات للرب وهيكل الرب لم يكن قد تأسس ” ( عزرا 3: 1 – 6 ) 

__________

+ عموماً نجد من كل ما سبق أن الذبيحة عموماً تُضفي على حياة الفرد والجماعة إيقاعاً خاصاً، ونجد أن أيوب على المستوى الشخصي، كان يقدم باستمرار ذبائح عن أولاده قائلاً: ” ربما أخطأ بنيَّ وجدفوا على الله في قلوبهم. هكذا كان أيوب يفعل كل الأيام ” ( أيوب 1: 5 )
وكان غرضه هو التكفير عن أي خطية محتملة، وهنا تظهر التقوى الشخصية والحفاظ على الأسرة في مخافة الله.
ونجد أيضاً أمر الرب لأصدقائه في تقديم محرقات: ” الرب قال لأَلِفَازَ التيماني: قد احتمى غضبي عليك وعلى كِلا صاحبيك لأنكم لم تقولوا فيَّ الصواب كعبدي أيوب والآن فخذوا لأنفسكم سبعة ثيران وسبعة كباش واذهبوا إلى عبدي أيوب واصعدوا محرقة لأجل أنفسكم وعبدي أيوب يُصلي من أجلكم… وذهب أليفاز التيماني وَبِلدد الشوحي وَصُوفَرُ النعماني وفعلوا كما قال الرب لهم … ” ( أنظر أيوب 42: 7 -9 ) 
ونلاحظ قصة ملكي صادق الغريبة ” وملكي صادق ملك شاليم أخرج خُبزاً وخمراً وكان كاهناً لله العلي ” ( تكوين 14: 18 ) 
حيث يعرض التقليد وليمة ذبائحية، ونشاط ليتورجي ” فأخذ يثرون حمو موسى محرقة وذبائح لله وجاء هارون وجميع شيوخ إسرائيل ليأكلوا طعاماً مع حمى موسى أمام الله ” ( خروج 18: 12 ) 

ونجد خارج شعب الله المختار، تُعبَّر الذبيحة عن التقوى الشخصية والجماعية، ونجد هذا في سفر يونان حينما تكلم برسالة الله للتوبة لشعب نينوى: ” فخاف الرجال من الرب خوفاً عظيماً وذبحوا ذبيحة للرب ونذروا نذوراً ” ( يو1: 16 )

ومن كل ذلك نجد أن كل كتبة العهد القديم، عندما يرسمون، بخطوط عريضة لوحة التاريخ، لا يتصورون حياة دينية بدون ذبيحة، وبالطبع العهد الجديد سيُحدد هذا الإحساس بدقة ويقره بصورة فريدة.

رابعاً: مصدر تشريع الذبائح

تقدم الكثير من الفقرات في العهد القديم المغزى الواسع النطاق الذي بلغته الذبيحة في إسرائيل، والذي يتدرج من أول سقوط الإنسان إلى التشريع الموسوي، والذي أظهر الذبيحة كتشريع – بأمر إلهي – لتنظيم علاقة الشعب مع الله بالطاعة والتقوى ومخافة الله واحترامه وتقديره: ” فقال الرب لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل. أنتم رأيتم أنني من السماء. تكلمت معكم. لا تصنعوا معي آلهة فضة ولا تصنعوا لكم آلهة ذهب. مذبحاً من تراب تصنع لي وتذبح عليه محرقاتك وذبائح سلامتك غنمك وبقرك. في كل الأماكن التي فيها أصنع لاسمي ذكراً آتي إليك وأباركك. وأن صنعت لي مذبحاً من حجارة فلا تبنِهِ منها منحوتة. إذا رفعت عليها أزميلك تُدنسها. ولا تصعد بدَرَج إلى مذبحي كي لا تنكشف عورتك عليه ” ( خروج 20: 22 – 26 )، ( أنظر لاويين من 1 – 7 ، 16) 

” وأما أقداسك التي لك ونذورك فتحملها وتذهب إلى المكان الذي يختاره الرب… أحفظ واسمع جميع هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها لكي يكون لك ولأولادك من بعدك خيرٌ إلى الأبد إذا عملت الصالح والحق في عيني الرب إلهك ” ( تثنية 12: 26 و 28 )

وممكن الرجوع لحزقيال من الإصحاح 40 إلى الإصحاح 48، لنجد شمول أكثر في التشريع والتنظيم الإلهي بدقة والارتكاز على التوبة واتقاء الرب والخضوع بدقة لكل تعليماته ليعود الشعب إليه ويحيا في خوف اسمه العظيم ويقدم العبادة التي تليق بالله الحي القدوس…

خامساً : مواقع العبادة وتقديم الذبائح

كان تقديم الذبائح يتم – دائماً – في أماكن العبادة أمام الرب بكل تقوى وخشوع، والتي كانت تتمركز على المذبح، فينبغي إقامة مذبح مخصص لتقديم الذبيحة، لأنه لا تقدم الذبيحة بإهمال في أي مكان أو على الأرض، بل على المذبح المكرس للرب، وبكل وقار ومهابة …

عموماً نجد – عبر التاريخ – أن الآباء بنوا مذابحهم الخاصة وقدموا تقدماتهم – قديماً – قبل الكهنوت وتنظيمه حيث أنهم اعتبروا رؤساء الكهنوت قديماً وآباء بطاركة مثل: نوح ” وبنى نوح مذبحاً للرب. وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة وأصعد محرقات على المذبح ” ( تكوين 8: 20 )

إبراهيم : ” واجتاز إبرام في الأرض مكان شكيم إلى بلوطة مورة. وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض. وظهر الرب لإبرام وقال لنسلك أعطِ هذه الأرض. فبني هناك مذبحاً للرب الذي ظهر له. ثم نقل من هنالك إلى الجبل شرقي بيت إيل ونصب خيمته. وله بيت إيل من المغرب وعاي من المشرق. فبنى هناك مذبحاً للرب ودعا باسم الرب… فنقل إبرام خيامه وأتى وأقام عند بلوطات ممرا التي في حبرون. وبنى هناك مذبحاً للرب… فلما أتيا إلى الموضع الذي قال له الله بنى هناك إبراهيم المذبح ورتب الحطب… ” ( تكوين 12: 6 – 18 ، ؛ 13: 18 ؛ 22: 9 )

إسحق : ” فظهر له الرب في تلك الليلة وقال أنا إله إبراهيم أبيك. لا تَخف لأني معك وأباركك وأكثر من نسلك من أجل إبراهيم عبدي، فبنى هناك مذبحاً ودعا باسم الرب. ونصب هناك خيمته وحفر هناك عبيد اسحق بئراً ” ( تكوين 26: 24 – 25 )

يعقوب : ” ثم أتى يعقوب سالماً إلى مدينة شكيم التي في أرض كنعان. حين جاء ( عاد ) من فدَّان آرام ( سهل آرام ). ونزل ( خيم ) أمام المدينة. وابتاع ( أشترى ) قطعة الحقل التي نصب فيها خيمته من يد بني حمور أبي شكيم بِمَئة قسيطة ( مئة من الفضة ) وأقام هناك مذبحاً ودعاه إيل ، إله إسرائيل… ثم قال الله ليعقوب: قم أصعد إلى بيت إيل وأقم هناك واصنع هناك مذبحاً لله الذي ظهر لك حين هربت من وجه عيسو أخيك . فقال يعقوب لبيته ولكل من كان معهُ: اعزلوا الآلهة الغريبة التي بينكم وتطهروا وأبدلوا ثيابكم. ولنقم ونصعد إلى بيت إيل. فاصنع هناك مذبحاً لله الذي استجاب لي ( أعانني ) في يوم ضيقتي وكان معي في الطريق الذي ذهبت فيه. فأعطوا يعقوب كل الآلهة الغريبة التي في أيديهم والأقراط التي في آذانهم. فطمرها يعقوب تحت البطمة التي عند شكيم. ثم رحلوا وكان خوف الله على المدن التي حولهم. فلم يسعوا وراء بني يعقوب. فأتى يعقوب إلى لوز التي في أرض كنعان وهي بيت إيل. هو وجميع القوم الذين معه. وبنى هناك مذبحاً ودعا المكان إيل بيت إيل. لأنه هناك ظهر له الله حين هرب من وجه أخيه ” ( تكوين 33: 20 ؛ 35 : 1 – 7 )

موسى: ” فبنى موسى مذبحاً للرب ودعا اسمه يهوى رايتي ” ( خروج 17: 15 )

ونجد عموماً أن المذابح كانت تُصنع من الأرض: ” مذبحاً من تراب تصنع لي وتذبح عليه محرقاتك وذبائح سلامتك غنمك وبقرك. في الأماكن التي فيها أصنع لاسمي ذكراً آتي إليك وأباركك. وأن صنعت لي مذبحاً من حجارة فلا تبنه منها منحوتة. إذا رفعت عليها أزميلك تُدنسها ” ( خروج 20: 24 – 25 )

ونجد أن إيليا بنى مذبحاً على جبل الكرمل من أثنى عشر حجراً غير مكسور تمثل الأثنى عشر سبطاً: ” ثم أخذ إيليا اثني عشر حجراً بعدد أسباط بني يعقوب الذي كان كلام الرب إليه قائلاً: إسرائيل يكون اسمك. وبنى الحجارة مذبحاً باسم الرب وعمل قناة حول المذبح تسع كيلتين من البذر، ثم رتب الحطب وقطع الثور ووضعه على الحطب ” ( 1ملوك 18: 31 – 32 ) 

وأيضاً بنى يشوع مذابح وجدعون وداود: ( أنظر يشوع 8: 30 – 31 ؛ قضاة 6: 24 – 31 ؛ 2صموئيل 24: 18 – 25 )

ونجد أيضاً مذبح سليمان لذبائح المحرقة وكان 20 ذراعاً مربعاً، و 10 أذرع ارتفاعه ومكانه في القاعة الداخلية ( أنظر 1ملوك 8: 22 ، 54 ، 64 ؛ 9: 25 ؛ 2أخبار 4: 1 )، وهكذا نتعرف على مكان العبادة وشكل المذبح منذ بناءه من تراب وحجر إلى خيمة الاجتماع وهيكل سُليمان…

__________

وفي الجزء السادس سنتحدث عن تطور طقوس الذبائح 
وجوانب الذبيحة المختلفة في العهد القديم

 

إعلان (1) – فريق اللاهوت الدفاعي

إعلان (1) – فريق اللاهوت الدفاعي

إعلان

إعلان

بنعمة السيد المسيح سيتم تكثيف الردود على الشبهات البسيطة في الفترة القادمة نظراً لإنتشارها الكبير بين المهاجمين وكثرة ترديدها، فنرجوا من جضراتكم مشاركة (Share) هذه الردود بين الأصدقاء وفي الصفحات، سواء بذكر إسم الصفحة أو بدون، المهم أن تصل الردود لأكبر عدد ممكن من المسيحيين، نرجو أن نرى من حضراتكم تفاعل أكبر في الفترة القادمة نظراً لأن الفريق سيكثف من أنشطته، فنريد أن تصل لكل مسيحي نظراً لصعوبة الوصول إليها فيما بعد بسبب طريقة فيسبوك في عرض المشاركات (posts)…

Exit mobile version