الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج4

الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج4

 

الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج4

 

الدعوة الرهبانية في العهد الجديد

يؤرخ القديس يوحنا ذهبي الفم [347 – 407 م] لتاريخ البتولية في كتاباته فيقول:

“في العهد الجديد …خرج جمال البتولية جليًا إلى النور.”

  1. JOHN CHRYSOSTOM, Letter to a young window in N.P.N.F.IX. (Grand rapids, Michigan: WM.B.Eerdmans Publishing Company, 1956)

فحياة البتولية في العهد الجديد، عهد المسيا، جديدة تمامًا من جهة أصلها والدافع إليها وممارساتها … ويؤكد آباء الكنيسة هذه الحقيقة فيقول القديس أمبروسيوس [ 340- 397 ]:

     “فمن ذا الذي يستطيع أن ينكر أن هذه الحياة

      العذراوية تستمد قوتها من السماء، تلك الحياة

      التي لم توجد على الأرض إلا عندما نزل رب

        المجد وأخذ جسدًا بشريًا؟!”

ST.AMBROSE, Concerning Virgins, book I in N.P.N.F, vol. X, P.365

وهذا مايشير إليه البابا أثناسيوس [ 311 – 323م ] في حديثه إلي بعض العذارى:

 “لو لم يتجسد الابن الكلمة كيف كان يمكن الارتباط به؟!

 ولكن عندما أخذ الرب جسدًا بشريًا من السيدة العذراء مريم،

 أصبحتن عذاري وعرائس للمسيح. فلقد زرع والداكن فيكن بذرة الاشتياق إلي حياة الفضيلة وقام برعايتها حسنًا، ثم نمٌاها الختن الذي ألقي بكلمته في قلوبكن فنمى فيكن الاشتياق لأن تصِـرن عذاري مكرسات له. فيجب عليكن أن تنظرن الي سيرة العذراء مريم كمثال وصورة للحياة السمائية.”

See ST. ATHANASIUS, First Letter to Virgins, P.288

ويرجع الحياة البتولية بعض آباء الكنيسة لحياة العذراء مريم ويسوع، زي ما بيُعلق القديس جيروم قائلًا:

 “لقد تقدست البتولية في شخص الرب يسوع وأمه العذراء القديسة مريم. إذ أن كليهما بتول.”

ST.Jerome, Letters to Eustochium, Letter XXII On the Preservation of Virginity in N.P.N.F., Series II, Vol. P.29

الدعوة لحياة البتولية من خلال نصوص العهد الجديد

العهد الجديد لم ينقل لنا التعليم النسكي في صيغ تعليمية، بل وجد التعليم النسكي مكانه وسط تعاليم أُخرى مُقدمة بشكل وعظي للجماعات المسيحية بحسب ما تطلبته الظروف.

التعليم النسكي كله مُلخص في كلمات يسوع: “إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه كلّ يوم ويتبعني.. مت16: 24، مر8: 24”.

فالنسك في المسيحية له دعامتين أساسيتين هما:

 1- إنكار الذات، واللي بيدخل تحته مفهوم الفقر الإختياري.

2- التصميم القاطع باتباع يسوع والتمثل بيه.

إنكار الذات أو الفقر الإختياري كمان بيظهره يسوع في قصة الشاب الغني، اللي قال له المسيح: “إن أردت أن تكون كاملًا، فأذهب وبع كلّ أملاكك وأعط الفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني.. مت19: 16- مرقس10: 17- لو18: 18″.

هنا لازم ننوه إن الممتلكات الدنيوية في حد ذاتها شئ جيد، إلا أن التعالم معها بشكل مفرط، بمعنى أن تملكك هي وتسيطر عليك، بدلًا من أن تتسلط أنت عليها، فإنها في هذه الحالة تعد عائقًا ليس للحياة السماوية فقط، بل على مستوى الحياة العادية أيضًا، فبدلًا من أن نحيا لنستمتع بالحياة، نحن نحيا لنضخم ثروتنا ونحافظ عليها، أي أنه بدلًا من الحياة لأجل أنفسنا، أصبحنا نحيا لأجل أملاكنا..

مفهوم الترك ده بنلاقيه كمان عند ق. لوقا لم بيقول عن المسيح: “كذلك كلّ واحد منكم لا يترك جميع أمواله لا يقدر أن يكون لي تلميذًا” (لو14: 33)

كمان بيقول: “إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته، حتّى نفسه أيضًا، فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا” (لو14: 25- مت10: 37)

كمان الترك في الأناجيل له مفهوم مختلف، فبطرس طلب منه يسوع بحسب إنجيل لوقا إنه يتبعه، وبيقول الكتاب فللوقت ترك كلّ شئ وتبعه، لكن من تسلسل الحداث فيما بعد بنعرف إن بطرس على أرض الواقع لم يتخلى عن أي شئ، بل على العكس عنده بيته وزوجته وأولاده وحماته وعايش معاهم وعزم يسوع عنده وسطهم، كمان بيمتلك مركبته وأدوات الصيد بتاعته وكل شئ. فماذا ترك إذن؟! لقد ترك التعبد لمثل هذه الأشياء، أصبح في حرية دون أن يتقيد بأي مما يملك، لم تعد تربطه الممتلكات بالأرض بل صار حرًا يتبع المسيح أينما ذهب.

بولس الرسول في كورنثوس الأولى الإصحاح السابع بيقول: “غير المتزوج يهتم فيما للرب كيف يرضي الرب، أما المتزوج فيهتم فيما للعالم، كيف يرضي امرأته“. لكنه بيوضح إن ده مش وصية إلهية بقدر ما هو رؤية شخصية للقديس بولس بسبب الضيقة الموجودة على المؤمنين في عصره، ومفهومه عن قرب نهاية العالم، فيقول: “إنني أُعطي رأيًا كمن رحمه الرب أن يكون أمينًا، فأظن أنه حسن بسبب الضيق الحاضر حسنٌ للإنسان أن يكون هكذا” (1كو7: 25، 26).

يعلق الكثيرون من أباء الكنيسة الأولي على كلمات معلمنا القديس بولس الرسول.. فيقول القديس جيروم في رسالته المكتوبة في عام 384م إلي تلميذته استوخيوم العذراء:

“لماذا يفضل القديس بولس الرسول البتولية؟ لأنه هو أيضًا كان بتولًا ليس رغمًا عنه بل بإرادته الحرة.”

ويتساءل جيروم لماذا لم يأخذ الرسول أمرًا من الرب بخصوص البتولية؟ ويجيب بأنه “مايُقدم بالإرادة الحرة وليس بالإجبار تكون له قيمة أعظم. فلو كان هناك أمر بالبتولية، لكان ذلك يعني تحريم أو منع ما قدسه الله أي الزواج..”

ST.Jerome, Letter xxii to Eustochium in N.P.N.F, SeriesII, Vol. VI, p.30

وبتفضيل البتولية على الزواج يوضح القديس جيروم أنه:

 ” لايُنقص من شأن الزواج عندما يضع البتولية في مكانة متقدمة ولكنه يوضح للعذاري رفعة مكانتهن التي تسمو على كلّ ماهو أرضي.”

ST.Jerome, Letter xxii to Eustochium in N.P.N.F, SeriesII, Vol. VI, p.29

طبعًا العهد الجديد ملئ بالتعاليم التي استقت منها الرهبنة منهجها، مثل إخضاع الجسد للروح، قمع شهوات الجسد، الصلاة الدائمة.. وغيرها.. لكن سنكتفي حاليًا بهذا القدر.

الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج4

الكنائس الرسولية الخمسة القديمة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج1

الكنائس الرسولية الخمسة القديمة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج1

 

الكنائس الرسولية الخمسة القديمة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج1

 

1- كنيسة أورشليم

كان أمرًا طبيعيًا أن تحتل كنيسة أورشليم شهرة خاصة في عصر الرسل فأورشليم أول مدينة رددت صدى صوت الرب يسوع، وذاقت حلاوته قبل العالم كله وتقدَّس ترابها بدم رب المجد يسوع عند صلبه. وفيها وُلِدت الكنيسة المسيحية ومنها ذاعت بشرى الخلاص في العالم كله. وهي أول مركز ديني مسيحي أنُشيء وفيها عُقِد أول مجمع كنسي. وقد تولى أمور كنيسة أورشليم القديس يعقوب البار أحد الإثنى عشر تلميذًا حتى استشهاده سنة 62 م.

2-    كنيسة أنطاكية

كانت المدينة الثالثة في الإمبراطورية الرومانية بعد روما والإسكندرية وقد قيل عنها “إن أنطاكية كانت هي باب فلسطين المفتوح على العالمين اليوناني والروماني. ولذلك كانت خير قاعدة لنشر المسيحية فيهما؛ وقد أخبرنا القديس لوقا عن دخول الإيمان إلى أنطاكية على يد الذين تشتتوا بسبب قتل استفانوس (أع11: 19- 21). وهي تعتبر الكنيسة الأممية الأولى وفيها عُرِف المؤمنون لأول مرة باسم مسيحيين وقد تعب في الكرازة بها بولس وبرنابا (أع11: 22- 26). وجعلها القديس بولس مركز انطلاقه في رحلاته التبشيرية.

3- كنيسة الإسكندرية

      من الناحية السياسية كانت تُعَد المدينة الثانية في الإمبراطورية الرومانية ولكن من الناحية العلمية والثقافية كانت المدينة الأولى بدون منازع. ولقد وصل إليها الإيمان المسيحي قبل كرازة مارمرقس بها نظرًا لقُرب المسافة بين مصر واليهودية إذ كان يوجد من بين الذين حضروا يوم الخمسين بعض من المصريين (أع2: 10). وكان لكرازة مارمرقس بالإسكندرية ولتأسيسه مدرسة الإسكندرية بها، بالإضافة إلى ما هو معروف عن حب الشعب الشديد للتدين دور كبير في جعل كرسي الإسكندرية كرسي له شأن واحترام كبير داخل الكنيسة الجامعة.

4- كنيسة القسطنطينية

وهي كنيسة قد تأسست في القرن الرابع عندما بنى الإمبراطور قسطنطين مدينة القسطنطينية وجعلها العاصمة الثانية للإمبراطورية الرومانية واهتم بأن يؤسس بها كنيسة كبيرة، ومن هنا اكتسب كرسي القسطنطينية أهميته، إذ أصبح كرسي العاصمة الشرقية للإمبراطورية.

5- كنيسة روما

كانت روما بالطبع هي العاصمة الأولى للإمبراطورية الرومانية وكانت بمثابة قلب العالم سياسيًا إذ كانت مقر القياصرة الرومان.

وقد دخلت المسيحية إلى مدينة روما بواسطة الذين حضروا يوم الخمسين وسمعوا عظة بطرس. ثم بعد ذلك عندما سافر إليها بولس الرسول وكَرَزَ بها وأسس كنيستها ثم بعد ذلك القديس بطرس حيث استُشهد هناك. وأصبح بذلك كرسي روما كرسي عظيم الشأن خاصةً بحكم أنه هو الكرسي الرسولي الوحيد في الغرب.

 

الكنائس الرسولية الخمسة القديمة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج1

الاباء المدافعون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج4

الاباء المدافعون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج4

الاباء المدافعون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج4

 

فرضّت الظروف على المسيحيّين في القرنين الثاني والثالث أن يواجهوا حربًا على جبهتين، فقد كانت تواجه الدولة الرومانيّة التي أعدت جيوشها، وشحذّ فلاسفتها أقلامهم لمُحاربة المسيحيّة، ومن جهة أُخرى، كانت تُواجه اليهوديّة التي تغلغلت تعاليمها إلى بعض المسيحيّين الأوائل. وبين هذا وذاك، كانت الكنيسة تُجاهد للحفاظ على نقاوة وطهارة عقيدتها.

فالداخليّن الجُدّد إلى الإيمان المسيحيّ كانوا أمّا من خلفية يهوديّة، أو من بيئة فلسفيّة تنجذب للفكر أكثر من الإيمان. وجاء هؤلاء وأولئك مُحملين بأفكار قديمة، ترسخت معهم، ولم يستطيعوا التخلي عنها بسهولة حين دخلوا المسيحيّة. فحاول الفريق الأوّل أن يرتدّ بالمسيحيّة من النعمة إلى الناموسيّة، وهم الأبيونيون أو المتهودون. وحاول الفريق الآخر تحويل المسيحيّة إلى ديانة أفلاطونيّة بحتة، مثل الغنوصيّون بفرقهم المُختلفة.[1]

فكان لزامًا أن يظهر داخل الكنيسة، إنتاج أدبي من نوع جديد، وهو كتابات المُدافعون Apologists، وقد حاول هؤلاء المدافعين دفع التهم عن المسيحيّة، وفي نفس الوقت، ربح الحكومة والاِمبراطوريّة إلى جانب المسيحيّة، ودفع الأفكار الخاطئة التي كانت تُشاع عن المسيحيّين.

من هذه الاتهامات التي سجلها لنا التاريخ غير المسيحيّ، ما كتبه سويتونيوس المؤرخ الوثنيّ، واصفًا المسيحيّة بأنها:

”خرافة جديدة، سحرية ومؤذية، تُعلنها جماعة من الناس يدعون مسيحيّين“.[2]

فوصفها بالخرافة يعني أنها تشوّه الديانة الرومانيّة الرسمية، وتُعرّضها للخطر. بينما وصفها بالـ ”جديدة“ يعني أنها تُهدّد استقرار الدولة ونظامها.

صفات مُشابهة نجدها عند المؤرخ الرومانيّ الشهير ”تاسيتوس“، حيث يصف المسيحيّة هُنا كالتالي:

”بعد أن قُمِعت تلك الخرافة المشؤومة في مهدها، على يد الإمبراطور طيبآريوس، عادت فظهرت، لا في اليهوديّة وحسب، حيث نشأ الشر، بل في روما أيضًا، إلى حيث يفد كلّ ما هو قبيح ومُشين في العالم، ويجد اتباع كثيرين“.[3]

كما وُصِفت بالـ”ديانة ذات الطقوس الغامضة“، وذلك بسبب سرّيّة التعاليم المسيحيّة في مهدها، خوفًا من الاضطهاد من جهة، ومن جهة أُخرى حفاظًا على قدّسية التعاليم. جاء هذا الوصف في الأحكام الشرعية ليوليوس باولوس، كالتالي:

”هؤلاء من يُنادون بأديان جديدة، تُعلن طقوسًا غامضة وعادات غريبة، تشوش على عقول الناس، إن كانوا من أصحاب الطبقات العُليّا سوف يتمّ نفيهم، وإن كانوا من الطبقات الدُنيا، سوف يُعاقبون بالإعدام“.[4]

من الأمثلة الصارخة على التعنت والأحكام الجائرة ضد المسيحيّين، نجد في واحدة من رسائل بيليني، نجده يكتب:

”هذه هيَ القاعدة التي اتّبعتها في مُعاملة أولئك الذين أحيلوا على لأنهم مسيحيّون. لقد سألتهم إن كانوا مسيحيّين، والذين اعترفوا بذلك، سألتهم ثانية وثالثة مُهدّدًا إياهم بالتعذيب. والذين أصرّوا على جوابهم أعدمتهم. فأيًا كان معنى اعترافهم، كنت مُقتنعًا بأنه لابد من أن أُعاقب –على الأقل- ذلك العنادو التعنت. وهُناك آخرون مِن مَن يتمتعون بالمواطنية الرومانيّة، يتملكهم الجنون نفسه، فكتبت في حقهم كيما يتمّ إرسالهم إلى روما.

أمّا الذين أنكروا انهم مسيحيّون، وكانوا مسيحيّين قبلًا، فإنّ رفعوا الصلوات للألهة في الصيغة التي أُلقيها عليهم، وقربوا النبيذ والبخور أمام صورتك التي أُحضرها إليهم (الإمبراطور)، مع تماثيل الآلهة، وجدّفوا على المسيح، وهيَ أمور يُُقال إنّها لا يُمكن أن تصدر عن أي مسيحيّ حقّيقيّ، فقد رأيت من واجبي أن أُطلق سراحهم“.[5]

فكان عمل المُدافعين كالمُحامين، يُدافعون عن قضية المسيحيّين أمام بطش الدولة الغاشم والجائر بحقّهم. فنجد يوستينوس الشهيد يُشدّد على أنه لا يجب الحكم على الاسم، لكنّ على الأعمال، وإن كان المسيحيّون لا يسلكون طريق الجُرم، فيجب على الدولة أن ترفع الأحكام عنهم.[6] وترتليان كان يُطالب بألاّ يُحكم عليهم حكم مُسبق.[7] وإنّ ديانتنا لا يوجد بها تعاليم سرّيّة.[8]

ويوضح المُدافعون أيضًا للعالم الوثنيّ، أن الاعتراف بتفوق الله على الإمبراطور ليس ذنبًا،[9] وبأننا لا نهرّب من الحياة، ولا نرفضها، بل نرفض التسليات المُخلة،[10] وأن المسيحيّون إن كانوا مُلحدين، فهم مُلحدون من جهة آلهة روما الباطلة فقط.[11]

[1] إيريل كيرنز، المسيحيّة عبر العصور، ترجمة عاطف سامي (قبرص: نيقوسيا، 1992)، ص 119.

[2] حياة نيرون، 16: 2.

[3] الحوليات، 15: 44.

[4] Collected Sentences, V. 21; Origen, Against Celsus, VIII: 17, III: 14.

[5] الرسالة، 10: 96: 2- 5.

[6] الدفاع 1: 4؛ أثيناغوراس، الدفاع 1؛ ترتليان، الدفاع 1: 4، 5، 3: 1؛ ثيوفيلس، إلى أوتوليكس 1: 12.

[7] الدفاع 2: 10، 11؛ يوستينوس، الدفاع 1: 7.

[8] الرد على كلسوس، 1: 7.

[9] ترتليان، الدفاع 30: 1- 3؛ أثيناغوراس، الدفاع، 7، 13.

[10] ترتليان، الدفاع 42: 3؛ 38: 3- 4.

[11] يوستينوس، الدفاع 1: 6.

 

الاباء المدافعون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج4

الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1

الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1

 

الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1

أفلاطون plato
ولد أفلاطون أريستون في القرن الخامس ق. م. ولد في أحداث مؤسفة حيث هُزِمت أثينا من إسبارطه.

قام بالكثير من الرحلات حيث ذهب إلى مختلف المدن اليونانيّة وجنوب إيطاليا، ووصل رحلاته في الشرق حتّى مصر القديمة.

حاول كثيرًا أن يعمم فلسفته السياسيّة من خلال الحُكّام، خاصة مع ديونسيوس حاكم مدينة سيراقوصة، ولكنه فشل، واقتنع حينها أن عليه اولًا أن ينشيء الشباب على حبّ الفلسفة، واحترامها، ثمّ ستتغيّر حينها الأحوال السياسيّة.

ومن هُنا أنشأ مدرسته الفلسفيّة، وهي اولى المدارس الفلسفيّة في أثينا عند حديقة البطل أكاديموس، وأسماها الأكاديميّة، وقد قامت على الحوار والنقاش.

تقوم ركيزة نظريات أفلاطون الفلسفيّة على نظرية المُثل، وتقول النظريّة بأنّنا نعيش في عالم من الظلال والأوهام، والتي لن نستطيع أن نكتشف حقيقتها إلَّا حين نفك عنّا القيود التي تُكبلنا بهذا العالم، وهذا يحدث عن طريق معرفة الحقيقة..

ومن هُنا جاء المثل الذي وصلت شهرته إلى شهرة أفلاطون نفسه، وهو الكهف، حيث يقول إنّنا نحيا داخل كهف كبير، مُكبلين إلى الحائط، ولا نرى سوى الظلال المنطبعة على حائط الكهف المقابل لمدخله الذي منه يأتي النور من عالم الحقيقة, لكن الذين في الكهف، لم يروا سوى الظلال، فاعتقدوا أنّها حقيقة.

وتنقسم النفس الإنسانيّة عنده إلى ثلاث: النفس الشهوانيّة، والنفس الغضبيّة أو الحماسيّة، والنفس العاقلة. وربما من هذه الثلاثيّة تحدث أفلوطين عن الثالوث الذي يوصله نحو الله.

ومن هذا التقسيم السابق أخذ أوريجانوس تقسيمه للنفوس الروحانيّة، ولقُرَّاء الكتاب المُقدّس.

وتعدُّ محاورتيه ”تيماوس أو عن الخلق، وفيدون أو عن النفس“ من أهمّ المحاورات التي استند عليها آباء الكنيسة الشرقيّة عامّة في تعاليمهم.

وقد تأثر بفلسفته كثيرًا الآباء الكبادوك، والسكندريون، ولكن السكندريّين دخلت عليهم كتابات أُخرى طورت من فكرهم كما سنعرف.

أرسطو
وُلِد أرسطو طاليس نيقوماخوس في مدينة باسطاغير على ساحل إيونيا في أوائل القرن الرابع ق. م.

مات والده وهو في الثامنة عشر، فترك مقدونيا والتحق بأكديمية أفلاطون بأثينا، وتتلمذ على يد أفلاطون الذي لمح نبوغه ودعاه بـ”عقل الأكاديمية“، ولسعة اطلاعه وقراءاته دعاه بـ”القَرَّاء“.

بعد وفاة أفلاطون، ترك الأكاديمية وانتقل من أثينا إلى مقدونيا، وبعد عدّة سنوات دعاه فيليب ملك مقدونيا ليتلمذ ابنه الإسكندر (الأكبر)، ولبى أرسطو الدعوة وتلمذ الإسكندر لمدة أربع سنوات.

وبعد أن مات الملك فيليب وقاد الإسكندر الجيش ليفتح شرق البلاد، غادر أرسطو مقدونيا إلى أثينا، وبدأ يتطوَّر فكره عن فكر مُعلِّمه أفلاطون.

أسّس مدرسته الخاصة ”اللوقيون“ لتكون منافسة للأكاديميّة، أو لنقل متميّزة عنها، حيث ألحق بها متحفًا به العديد من النباتات والحيوانات التي كان يجري عليها التجارب، وجعل فترة مسائيّة خاصة بالجمهور من العامّة يلقي عليهم علومه وخطاباته، وهو ما قضى تمامًا على السفوسطائيّة التي فشل سقراط وأفلاطون في القضاء عليها.

نظرية المعرفة عند أرسطو تبدأ من الحواس التي تقودنا إلى المعرفة العقليّة التأمليّة، فليس العقل الخالص هو ما يقودنا إلى المعرفة.

وأهمّ ما يُميّز فلسفته هو الجوهر والعرض συμβεβυκος وببساطة تعني أنّ الجوهر هو الطبيعة أو استقلال الشيء بذاته في حدود، أمّا العرض فهو الوجود من خلال الطاقات، فهو صورة الجوهر لا الجوهر ذاته. وإنّ الاتحاد والاختلاط لا يحدث بين جوهرين، بل بين طاقات جوهرين، لإنّه في حالة اختلاط جوهرين فإنّهما يُنتجان شيئًا جديدًا ويتلاشيان فيه.

من هذه النظريّة أخذ الأنطاكيّون تفسيراتهم عن: وجهي الكتاب المُقدّس التاريخيّ والروحيّ، وطبيعتي المسيح، ومفهومهم عن التألُّه بالطاقات غير المخلوقة.

وهكذا نجد أنّ أكثر من تأثر بفلسفته هم الأنطاك.

فيلو Philo
فيلسوف يهوديّ عاش في الفترة من (30 ق. م- 50م)، بمدينة الإسكندريّة، حيث التحق بمدرستها الفلسفيّة، وهو أشهر فيلسوف دينيّ في عصره، حاول أن يوفق بين الفلسفة اليونانيّة ونصوص الكتاب المُقدّس، فكان ينطلق من الحدث الدينيّ ليتحرك نحو المفهوم الفلسفيّ الذي يحمله.

تأسّست الرمزية في اليهودية الإسكندرانية على وجهها الأكمل على يد فيلون[1] Philo الذي وضع لها نظامًا لتضييق الفجوة بين إعلان العهد القديم والفلسفة الأفلاطونية، إذ حمل إلى اليهود الفكر الهيليني في شرح العهد القديم لكسب المثقفين، مستخدمًا الرمزية. ويقارن فيلون المعنى الحرفي للكتاب بالظل، باحثًا عن الحقيقة الأصلية العميقة في المعنى الروحي الذي يرمز إليه[2].

وهو في هذا لا يقلل من شأن المعنى الحرفي أو يتجاهل المغزى التاريخي، لكنه ينظر إليه كجسم الإنسان الذي يحظى بكل احترام[3]، وإن كانت النفس أثمن منه.

تأثر به وبمنهجيته في التوفيق بين الدين والفلسفة جميع آباء الكنيسة.

أمونيوس ساكاس Ammonius Saccas
أحد أشهر مُدرسي مدرسة الإسكندريّة الفلسفيّة، خلط المطوَّب جيروم في كتابه مشاهير الرجال بينه وبين مسيحيّ يُدعى أمونيوس، فاعتقد أنّه مسيحيًّا وبقيَّ على مسيحيّته، إلَّا إنّ أغلب الدراسات الحديثة ترفض كونه مسيحيًّا، فقد كان يونانيّ الدين والثقافة.

وقد دمج المفاهيم الفلسفيّة بالصبغة الصوفيّة الدينيّة، وهو ما ظهر عند كلّ تلامذته، فقد تتلمذ على يديه أفلوطين وأوريجانوس.

أفلوطين Plotinus
ولد أفلوطين بليكوبوليس بأسيوط بصعيد مصر، وذهب إلى الإسكندريّة ليتتلمذ على يد أمونيوس ساكاس، ثمّ ذهب إلى روما حيث أنشأ مدرسته الفلسفيّة هُناك.

أسّس الفلسفة الأفلاطونيّة الحديثة، وهي فلسفة تمزج بين الأرسطية والرواقيّة والأفلاطونيّة.

وفي فلسفته هُناك ثلاثة مباديء انبثقت منها الحياة، هم الواحد أو الله والعقل أو صور الأشياء الموجودة، والنفس وهي ما يتم به تحقق الصور في العالم الماديّ.

ويتحدث عن الانتقال من النفس إلى العقل عن طريق التأمل، ثمّ بكثرة التأمل ينخطف العقل البشريّ لنرى الله الواحد.

والإنسان عند أفلوطين عالم صغير Microcosmos، يحوي في داخله كلّ ما في العالم بالقوة، فهو مُشتت مثل الرياح، وحالم كالطبيعة، وحياته يُمكن أن تنجرف نحو المادة أو الطبيعة أو تسمو فوق السماوات بالمعرفة والتأمل.

ومن فكرته عن الثالوث، والإنسان، والصوفيّة أي انخطاف العقل والالتصاق بالواحد أخذت عنه المسيحيّة الكثير من الشروحات لتؤسّس عليه تعليمها.

وكان لمدرسته أثر كبير على الفكر الآبائيّ الشرقيّ، ولا سيّما السكندريون.

[1] Philo (c. 20 BC. – c. AD. 50), the Jewish thinker and exegete in whom that literature flourished also lived in Alexandria. He belonged to a prosperous priestly family of Alexandria, and was firmly convinced that the teaching of the Old Testament could be combined with Greek speculation. His philosophy of religion embodies such a synthesis. (Esmat Gabriel: St. Clement of Alexandria, Coptic Church Review, Spring 1980, v.1, No. 1, p. 22.)

[2] De confus. Ling. 190.

[3] De. Migrat. Abrah. 89-93; J.N.D. Kelly: Early Christian Doctrines, 1978, p. 9.

 

الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1

مكانة مجمع نيقية في الكنيسة

مكانة مجمع نيقية في الكنيسة

مكانة مجمع نيقية في الكنيسة

يحتل مجمع نيقية 325م مكانًا فريدًا في تاريخ الكنيسة المسيحية باعتباره “المجمع الكبير والمقدس” أو “المجمع المسكوني الكبير”، الذي اتخذته كافة المجامع اللاحقة كمعيار رئيس لها. وهذا لأن قانون الإيمان الذي وضعه الآباء في نيقية قد حمى بشكل حاسم الإيمان الرسولي الجامع من أي تحريف مخرِّب للإنجيل، مما أدى في آخر الأمر إلى ضبط وتوحيد فكر الكنيسة كلها وتثبيتها بشكل لا لبس فيه في الإيمان بأن الله الآب كشف عن ذاته من خلال ابنه يسوع المسيح وفي روح واحد[1].

كذلك فإن الارتباط الجوهري بين نص الإنجيل وبين “الإيمان المُسلَّم مَرَّةً للقديسين”[2]، قد ظهر بوضوح في نيقية بطريقة بسيطة وموجزة، حتى إنه صار يُنظر إلى ما حدث في نيقية فيما بعد، برهبة ووقار بكونه عملاً من الروح القدس، الأمر الذي يدعو للدهشة في ظل ما كان قائمًا ـ في ذلك الوقت ـ من تباين كبير في الآراء وفي الصيّغ الإيمانية.

ومع انقضاء القرن الرابع وبقاء وصمود الكنيسة رغم الهجمات الشرسة من قِبل الهراطقة ـ والتي كادت تهدد لب الرسالة الإنجيلية التي اؤتمنت عليها ـ فإن التقليد أخذ يكرِّم قانون إيمان نيقية بصورة متزايدة على أنه هو “التحديد الكنسي غير القابل للتغيير” (imperturbata constitutio)، أو “الحدث العظيم الذي لا رجعة فيه في حياة الكنيسة”[3]، والذي يأتي مباشرةً بعد الأساس الواحد الذي وضعه المسيح نفسه في الرسل والأنبياء[4]، بل إن قانون الإيمان نفسه، كان يخدم ذلك الأساس ويبني عليه ويشاركه ـ بشكل ما ـ في طبيعته غير القابلة للتكرار.

ومما يذكر أن ق. غريغوريوس النزينزي الذي رأس الجلسة الافتتاحية لمجمع القسطنطينية عام 381م كرئيس أساقفة، كتب إلى كليدونيوس أحد كهنة نزينزا يقول: “نحن من جانبنا لم نعتبر ولن نعتبر أي تعليم مفضَّل على إيمان الآباء القديسين الذين اجتمعوا بنيقية لهدم الهرطقة الأريوسية، ونحن بمعونة الله لا نحيد ولن نحيد عن هذا الإيمان، مكمِّلين ما قد تركوه بخصوص الروح القدس”[5].

وكان ق. غريغوريوس النزينزي يُعبِّر عن التقليد السائد، عندما تحدث في “عظته عن أثناسيوس الكبير” ذاكرًا “مجمع نيقية المقدس” واجتماع الثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً “المختارين” بكونهم قد “وحَّدهم الروح القدس”[6]. كما كان ق. غريغوريوس يمثل رأي الكثيرين أيضًا، في إعطائه القديس أثناسيوس الدور الحاسم في أعمال المجمع؛ إذ قال: “وعلى الرغم من أنه لم يكن بعد في ترتيب صفوف الأساقفة، إلاّ أنه احتل الترتيب الأول بين أعضاء المجمع، لأن الأفضلية كانت للتميّز بنفس القدر الذي كانت به للمنصب.

وكرجل الله الذي نطق بقوة للحق، حافظ ق. أثناسيوس بلباقة على وحدة اللاهوت إذ علَّم بإخلاص عن الثالوث تعليمًا اشتمل على العلاقات الأقنومية: بغير ضياع للأقانيم الثلاثة في داخل الوحدة، ولا تقسيم للجوهر فيما بين الأقانيم الثلاثة؛ بل ظل ق. أثناسيوس داخل حدود التقوى متجنبًا الميل الزائد أو المعارضة الزائدة لأحد الرأيين”[7].

 

الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين

كان ق. أثناسيوس يعتبر أن الآباء في مجمع نيقية لم يبتكروا شيئًا جديدًا، بل إنهم تنفَّسوا روح الكتب المقدسة واعترفوا بالإيمان الإلهي والرسولي بدقة شديدة، حتى إنه (أي ق. أثناسيوس) استطاع بعد سنوات كثيرة أن يكتب إلى أساقفة إفريقيا قائلاً: “إن كلمة الرب التي جاءت عن طريق مجمع نيقية المسكوني باقية إلى الأبد”[8]، ولم يكن يعني بهذا أن الله قد أعطى أساقفة نيقية كشفًا جديدًا، بل إنهم كانوا فقط أداة في يد الله، وذلك بتسليمهم (لمن بعدهم) ـ بشكل صادق وأمين ـ كلمة الله ذاتها، وهي عينها التي كانوا قد تسلَّموها بأنفسهم من تعاليم الرسل في الكتب المقدسة فيما يتعلق بالله الآب والابن والروح القدس.

وفي الواقع كان التقليد الرسولي، والتعاليم المعطاة في الكتب المقدسة، بالنسبة للقديس أثناسيوس شيئًا واحدًا تمامًا، حيث لا يوجد عدة تقاليد “للحق” سواء مكتوبة أو غير مكتوبة، بل هو التقليد الواحد المتضمَّن في الكتب المقدسة المُعترف بها، وهو إيمان الكنيسة الحقيقي الذي تسلَّموه، والذي كان عليهم أن يحافظوا عليه ويسلِّموه مرة أخرى[9].

هكذا فهم ق. أثناسيوس عمل الآباء بمجمع نيقية المسكوني، لذلك كتب لأساقفة إفريقيا في خطابه المجمعي لهم يقول: “إن الإيمان السليم المُعطى لنا من المسيح والذي أعلنه الرسل، قد سلَّمه للأجيال التالية الآباء الذين اجتمعوا في نيقية من كافة أنحاء العالم”[10].

وعندما أُثير التساؤل حول التعليم الرسولي التقليدي عن الروح القدس، أصر ق. أثناسيوس على ضرورة وضع تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة في الاعتبار من البداية، هذا الذي أعطاه الرب، وأعلنه الرسل، وحافظ عليه الآباء. وقد استطاع ق. أثناسيوس، وهو يتحدث عن نفسه، أن يقول: “طبقًا للإيمان الرسولي المُسلَّم لنا من الآباء بواسطة التقليد، فإني قد سلَّمت التقليد بدون ابتكار أي شيء خارجًا عنه.

وما تعلَّمته هذا قد سجلته وفقًا للكتب المقدسة”[11]. فالمهم كان هو تقديم الكتب المقدسة بدقة وبإخلاص، بالإضافة إلى تناول التقليد بأمانة[12].

وكان ق. أثناسيوس دائم الإشارة إلى قانون إيمان نيقية على أنه “الإيمان الذي اعترف به الآباء بنيقية” طبقًا للكتب المقدسة وتقليد الكنيسة السليم، وكان يقول عنه إنه هو هو “الإيمان المسلَّم من مخلِّصنا بواسطة رسله”، وقد اعتبر أن صياغة قانون الإيمان كانت في الأساس عملاً إيمانيًّا ورعًا ومخلصًا قام به المجمع المسكوني “باعتباره في حضرة الله”[13].

 

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة

لقد كان هناك سببان لانعقاد مجمع نيقية: أولاً التوصل إلى اتفاق مسكوني حول يوم الاحتفال بعيد القيامة، وثانيًا الحكم على الهرطقة الأريوسية التي كانت تخل بتناغم الكنيسة، إلاّ أن نوع القرار الذي اتخذه المجمع في كل حالة ـ كما أوضح ق. أثناسيوس ـ كان مختلفًا تمامًا. فبالنسبة لعيد القيامة، كتب الآباء: “يبدو حسنًا ما يلي”، لأنه كان بالفعل يبدو حسنًا أن يكون هناك اتفاق عام.

ولكن بالنسبة للإيمان فإنهم لم يكتبوا “يبدو حسناً”، بل كتبوا: “هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة”، ليؤكدوا بذلك أنهم إنما كانوا يعترفون بما يؤمنون به، ولكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست جديدة بل هي تعاليم رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم، بل كان هو نفسه ما علَّم به الرسل[14].

بل والأكثر من ذلك، أن آباء نيقية عبَّروا عن هذا التعليم بدقة شديدة لدرجة أن كل من يقرأ هذه النصوص بأمانة، فإنها لا بد وأن تعيده إلى التقوى والإيمان بالمسيح (εις Χριστὸν ευσέβειαν) المُعلَن عنه في الكتب المقدسة[15]. أي أن قانون إيمان نيقية ينبغي أن يُفهم كصياغة كرازية للإيمان، حسب مبادئ الإنجيل الأولى البسيطة، لأن الإيمان الذي سُلَّم للكنيسة مرة واحدة يمكن تسليمه فقط بالإيمان، من إيمانٍ إلى إيمان[16].

ومن الواضح أن ق. أثناسيوس كان يرى أن مجمع نيقية ـ من خلال اعترافه بالإيمان بشكل موجز وبسلطان مسكوني ـ قد حقق الغرض الذي كان قد تصوره هو نفسه قبل المجمع، والذي ذكره في بيانه عن”أساس الإيمان” (κεφάλαιον τη̃ς πίστεως)، ألا وهو إدراك العمل الخلاصي لابن الله المتجسِّد[17]، مرتبطًا بدراسة الكتب المقدسة وبفهم أعمق لرسالتها[18].

 

[1] أف 18:2.

[2] يهوذا 3.

3  Hilary, Con. Const., 27. See also Athanasius, De syn., 9; Ad Ant., 15; Ad Afr., 10; Ep., 55, 56; Basil, Ep., 125.1; 127.2; 140.2; 159.1; 204.6; 251.4; Theodoret, Hist. eccl., 2.15, 18.

 [4] 1كو10:3-11؛ أف 20:2.

5  Gregory Naz., Ep. ad Cled., 102.  

6  Gregory Naz., Or., 21.14; Ep. ad Cled., 102.1; Theodoret, Hist. eccl., 2.15; Socrates, Hist. eccl., 1.9; Eusebius, Vita Const., 3.20.   

7  Gregory Naz., Or.,21.13, 14; cf. also 19.33-35.  

8  Athanasius Ad Afr., 1f; cf. 4-6, 9-11; De syn., 5f, 9, 43; Ad Adel., 6; Ad Ser., 1.28, 33; Ep. 55 & 56.

9  Athanasius Ad Adel., 6; cf. Ep., 2.6f; 39.1-7.

10  Athanasius Ad Afr., 1.  

11  Athanasius Ad Ser., 1.28, 33.

12   Athanasius De decr., 4f, 18ff, 31ff; Con. Ar., 1.8, 10; 2.33f, 40; De syn., 3, 6, 7, 33f, 39ff, 45f; Ad Afr., 4ff; Ep., 2.4-7, 59; Ad Epict., 3; cf. also Con. gent., 1; De inc., 5.

13  Athanasius Ap. Con. Ar., 23f; Ad Ep. Aeg., 5, 18, 20, 21; De syn., Ad Ant., 3.5; Ad Afr., 10f; Ep., 51; 55; 56.1-4; 59.1; 61.5; 62.

14  Athanasius De syn., 5 ; cf. 3f.

15  Athanasius De syn., 6 ; cf. De decr., 18-22 ; 31f.

16  Athanasius Ad Ser., 1.17, 20; De vita Ant., 16, 77-80, etc.

17  Athanasius De inc., 19.3 ; cf. Exp. Fidei ; Con. Ar., 4.21 ; and Socrates, Hist. Eccl., 2.30.

18  Athanasius De inc., 56.1.

مكانة مجمع نيقية في الكنيسة

كتاب المسيحية عبر العصور – تاريخ الكنيسة المسيحية PDF – ايرل كيرنز (عاطف سامي برنابا)

كتاب المسيحية عبر العصور – تاريخ الكنيسة المسيحية PDF – ايرل كيرنز (عاطف سامي برنابا)

كتاب المسيحية عبر العصور – تاريخ الكنيسة المسيحية PDF – ايرل كيرنز (عاطف سامي برنابا)

كتاب المسيحية عبر العصور – تاريخ الكنيسة المسيحية PDF – ايرل كيرنز (عاطف سامي برنابا)

تحميل الكتاب PDF

Exit mobile version