مكانة مجمع نيقية في الكنيسة

مكانة مجمع نيقية في الكنيسة

مكانة مجمع نيقية في الكنيسة

يحتل مجمع نيقية 325م مكانًا فريدًا في تاريخ الكنيسة المسيحية باعتباره “المجمع الكبير والمقدس” أو “المجمع المسكوني الكبير”، الذي اتخذته كافة المجامع اللاحقة كمعيار رئيس لها. وهذا لأن قانون الإيمان الذي وضعه الآباء في نيقية قد حمى بشكل حاسم الإيمان الرسولي الجامع من أي تحريف مخرِّب للإنجيل، مما أدى في آخر الأمر إلى ضبط وتوحيد فكر الكنيسة كلها وتثبيتها بشكل لا لبس فيه في الإيمان بأن الله الآب كشف عن ذاته من خلال ابنه يسوع المسيح وفي روح واحد[1].

كذلك فإن الارتباط الجوهري بين نص الإنجيل وبين “الإيمان المُسلَّم مَرَّةً للقديسين”[2]، قد ظهر بوضوح في نيقية بطريقة بسيطة وموجزة، حتى إنه صار يُنظر إلى ما حدث في نيقية فيما بعد، برهبة ووقار بكونه عملاً من الروح القدس، الأمر الذي يدعو للدهشة في ظل ما كان قائمًا ـ في ذلك الوقت ـ من تباين كبير في الآراء وفي الصيّغ الإيمانية.

ومع انقضاء القرن الرابع وبقاء وصمود الكنيسة رغم الهجمات الشرسة من قِبل الهراطقة ـ والتي كادت تهدد لب الرسالة الإنجيلية التي اؤتمنت عليها ـ فإن التقليد أخذ يكرِّم قانون إيمان نيقية بصورة متزايدة على أنه هو “التحديد الكنسي غير القابل للتغيير” (imperturbata constitutio)، أو “الحدث العظيم الذي لا رجعة فيه في حياة الكنيسة”[3]، والذي يأتي مباشرةً بعد الأساس الواحد الذي وضعه المسيح نفسه في الرسل والأنبياء[4]، بل إن قانون الإيمان نفسه، كان يخدم ذلك الأساس ويبني عليه ويشاركه ـ بشكل ما ـ في طبيعته غير القابلة للتكرار.

ومما يذكر أن ق. غريغوريوس النزينزي الذي رأس الجلسة الافتتاحية لمجمع القسطنطينية عام 381م كرئيس أساقفة، كتب إلى كليدونيوس أحد كهنة نزينزا يقول: “نحن من جانبنا لم نعتبر ولن نعتبر أي تعليم مفضَّل على إيمان الآباء القديسين الذين اجتمعوا بنيقية لهدم الهرطقة الأريوسية، ونحن بمعونة الله لا نحيد ولن نحيد عن هذا الإيمان، مكمِّلين ما قد تركوه بخصوص الروح القدس”[5].

وكان ق. غريغوريوس النزينزي يُعبِّر عن التقليد السائد، عندما تحدث في “عظته عن أثناسيوس الكبير” ذاكرًا “مجمع نيقية المقدس” واجتماع الثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً “المختارين” بكونهم قد “وحَّدهم الروح القدس”[6]. كما كان ق. غريغوريوس يمثل رأي الكثيرين أيضًا، في إعطائه القديس أثناسيوس الدور الحاسم في أعمال المجمع؛ إذ قال: “وعلى الرغم من أنه لم يكن بعد في ترتيب صفوف الأساقفة، إلاّ أنه احتل الترتيب الأول بين أعضاء المجمع، لأن الأفضلية كانت للتميّز بنفس القدر الذي كانت به للمنصب.

وكرجل الله الذي نطق بقوة للحق، حافظ ق. أثناسيوس بلباقة على وحدة اللاهوت إذ علَّم بإخلاص عن الثالوث تعليمًا اشتمل على العلاقات الأقنومية: بغير ضياع للأقانيم الثلاثة في داخل الوحدة، ولا تقسيم للجوهر فيما بين الأقانيم الثلاثة؛ بل ظل ق. أثناسيوس داخل حدود التقوى متجنبًا الميل الزائد أو المعارضة الزائدة لأحد الرأيين”[7].

 

الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين

كان ق. أثناسيوس يعتبر أن الآباء في مجمع نيقية لم يبتكروا شيئًا جديدًا، بل إنهم تنفَّسوا روح الكتب المقدسة واعترفوا بالإيمان الإلهي والرسولي بدقة شديدة، حتى إنه (أي ق. أثناسيوس) استطاع بعد سنوات كثيرة أن يكتب إلى أساقفة إفريقيا قائلاً: “إن كلمة الرب التي جاءت عن طريق مجمع نيقية المسكوني باقية إلى الأبد”[8]، ولم يكن يعني بهذا أن الله قد أعطى أساقفة نيقية كشفًا جديدًا، بل إنهم كانوا فقط أداة في يد الله، وذلك بتسليمهم (لمن بعدهم) ـ بشكل صادق وأمين ـ كلمة الله ذاتها، وهي عينها التي كانوا قد تسلَّموها بأنفسهم من تعاليم الرسل في الكتب المقدسة فيما يتعلق بالله الآب والابن والروح القدس.

وفي الواقع كان التقليد الرسولي، والتعاليم المعطاة في الكتب المقدسة، بالنسبة للقديس أثناسيوس شيئًا واحدًا تمامًا، حيث لا يوجد عدة تقاليد “للحق” سواء مكتوبة أو غير مكتوبة، بل هو التقليد الواحد المتضمَّن في الكتب المقدسة المُعترف بها، وهو إيمان الكنيسة الحقيقي الذي تسلَّموه، والذي كان عليهم أن يحافظوا عليه ويسلِّموه مرة أخرى[9].

هكذا فهم ق. أثناسيوس عمل الآباء بمجمع نيقية المسكوني، لذلك كتب لأساقفة إفريقيا في خطابه المجمعي لهم يقول: “إن الإيمان السليم المُعطى لنا من المسيح والذي أعلنه الرسل، قد سلَّمه للأجيال التالية الآباء الذين اجتمعوا في نيقية من كافة أنحاء العالم”[10].

وعندما أُثير التساؤل حول التعليم الرسولي التقليدي عن الروح القدس، أصر ق. أثناسيوس على ضرورة وضع تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة في الاعتبار من البداية، هذا الذي أعطاه الرب، وأعلنه الرسل، وحافظ عليه الآباء. وقد استطاع ق. أثناسيوس، وهو يتحدث عن نفسه، أن يقول: “طبقًا للإيمان الرسولي المُسلَّم لنا من الآباء بواسطة التقليد، فإني قد سلَّمت التقليد بدون ابتكار أي شيء خارجًا عنه.

وما تعلَّمته هذا قد سجلته وفقًا للكتب المقدسة”[11]. فالمهم كان هو تقديم الكتب المقدسة بدقة وبإخلاص، بالإضافة إلى تناول التقليد بأمانة[12].

وكان ق. أثناسيوس دائم الإشارة إلى قانون إيمان نيقية على أنه “الإيمان الذي اعترف به الآباء بنيقية” طبقًا للكتب المقدسة وتقليد الكنيسة السليم، وكان يقول عنه إنه هو هو “الإيمان المسلَّم من مخلِّصنا بواسطة رسله”، وقد اعتبر أن صياغة قانون الإيمان كانت في الأساس عملاً إيمانيًّا ورعًا ومخلصًا قام به المجمع المسكوني “باعتباره في حضرة الله”[13].

 

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة

لقد كان هناك سببان لانعقاد مجمع نيقية: أولاً التوصل إلى اتفاق مسكوني حول يوم الاحتفال بعيد القيامة، وثانيًا الحكم على الهرطقة الأريوسية التي كانت تخل بتناغم الكنيسة، إلاّ أن نوع القرار الذي اتخذه المجمع في كل حالة ـ كما أوضح ق. أثناسيوس ـ كان مختلفًا تمامًا. فبالنسبة لعيد القيامة، كتب الآباء: “يبدو حسنًا ما يلي”، لأنه كان بالفعل يبدو حسنًا أن يكون هناك اتفاق عام.

ولكن بالنسبة للإيمان فإنهم لم يكتبوا “يبدو حسناً”، بل كتبوا: “هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة”، ليؤكدوا بذلك أنهم إنما كانوا يعترفون بما يؤمنون به، ولكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست جديدة بل هي تعاليم رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم، بل كان هو نفسه ما علَّم به الرسل[14].

بل والأكثر من ذلك، أن آباء نيقية عبَّروا عن هذا التعليم بدقة شديدة لدرجة أن كل من يقرأ هذه النصوص بأمانة، فإنها لا بد وأن تعيده إلى التقوى والإيمان بالمسيح (εις Χριστὸν ευσέβειαν) المُعلَن عنه في الكتب المقدسة[15]. أي أن قانون إيمان نيقية ينبغي أن يُفهم كصياغة كرازية للإيمان، حسب مبادئ الإنجيل الأولى البسيطة، لأن الإيمان الذي سُلَّم للكنيسة مرة واحدة يمكن تسليمه فقط بالإيمان، من إيمانٍ إلى إيمان[16].

ومن الواضح أن ق. أثناسيوس كان يرى أن مجمع نيقية ـ من خلال اعترافه بالإيمان بشكل موجز وبسلطان مسكوني ـ قد حقق الغرض الذي كان قد تصوره هو نفسه قبل المجمع، والذي ذكره في بيانه عن”أساس الإيمان” (κεφάλαιον τη̃ς πίστεως)، ألا وهو إدراك العمل الخلاصي لابن الله المتجسِّد[17]، مرتبطًا بدراسة الكتب المقدسة وبفهم أعمق لرسالتها[18].

 

[1] أف 18:2.

[2] يهوذا 3.

3  Hilary, Con. Const., 27. See also Athanasius, De syn., 9; Ad Ant., 15; Ad Afr., 10; Ep., 55, 56; Basil, Ep., 125.1; 127.2; 140.2; 159.1; 204.6; 251.4; Theodoret, Hist. eccl., 2.15, 18.

 [4] 1كو10:3-11؛ أف 20:2.

5  Gregory Naz., Ep. ad Cled., 102.  

6  Gregory Naz., Or., 21.14; Ep. ad Cled., 102.1; Theodoret, Hist. eccl., 2.15; Socrates, Hist. eccl., 1.9; Eusebius, Vita Const., 3.20.   

7  Gregory Naz., Or.,21.13, 14; cf. also 19.33-35.  

8  Athanasius Ad Afr., 1f; cf. 4-6, 9-11; De syn., 5f, 9, 43; Ad Adel., 6; Ad Ser., 1.28, 33; Ep. 55 & 56.

9  Athanasius Ad Adel., 6; cf. Ep., 2.6f; 39.1-7.

10  Athanasius Ad Afr., 1.  

11  Athanasius Ad Ser., 1.28, 33.

12   Athanasius De decr., 4f, 18ff, 31ff; Con. Ar., 1.8, 10; 2.33f, 40; De syn., 3, 6, 7, 33f, 39ff, 45f; Ad Afr., 4ff; Ep., 2.4-7, 59; Ad Epict., 3; cf. also Con. gent., 1; De inc., 5.

13  Athanasius Ap. Con. Ar., 23f; Ad Ep. Aeg., 5, 18, 20, 21; De syn., Ad Ant., 3.5; Ad Afr., 10f; Ep., 51; 55; 56.1-4; 59.1; 61.5; 62.

14  Athanasius De syn., 5 ; cf. 3f.

15  Athanasius De syn., 6 ; cf. De decr., 18-22 ; 31f.

16  Athanasius Ad Ser., 1.17, 20; De vita Ant., 16, 77-80, etc.

17  Athanasius De inc., 19.3 ; cf. Exp. Fidei ; Con. Ar., 4.21 ; and Socrates, Hist. Eccl., 2.30.

18  Athanasius De inc., 56.1.

مكانة مجمع نيقية في الكنيسة

التجسد بحسب القديس أثناسيوس الكبير

التجسد بحسب القديس أثناسيوس الكبير 

التجسد بحسب القديس أثناسيوس الكبير

 

الخورية سميرة عوض ملكي

 

        للقديس أثناسيوس عدة رسائل إضافة إلى مصنفات مختلفة له أو منسوبة إليه وتقريباً لا يخلو أي منها من الحديث عن التجسد.  وقد وجدنا من المناسب عرض تعليم هذا القديس العظيم في فترة الاستعداد لاستقبال عيد تجسد الرب أي عيد ميلاده.

        حقيقة الخلاص هي برهان  القديس أثناسيوس على ألوهية الكلمة المتجسد لأنه فقط بتجسد الولد الوحيد يكون  الخلاص. فهو يرى معنى الخلاص في حقيقة اتحاد الطبيعة البشرية المخلوقة بالله وهذا ممكن فقط إذا اتخذ الله جسداً وصار إنساناً. فبالنسبة للقديس أثناسيوس، الكلمة كان في العالم منذ البداية. وكان بإمكانه أن يضع الشر خارجاً ولا يدع الإنسان يخالف مشيئته.

حتى بعد سقوط الإنسان كان بإمكان الكلمة أن يطرد الشر خارجاً لكن هذا ما كان ليشفي الإنسان الذي ذاق الخطيئة ولهذا تجسد الكلمة لكي يعطي نعمة الله للإنسان بشكل ثابت. قد لبس الكلمة جسد الإنسان لكي يُلبس الحياة لهذا الجسد من جديد ولكي يحفظه من البلى ليس فقط خارجياً ولكن ليتحده أيضاً بالحياة. يصور القديس أثناسييوس العالم كأنه جسد وتجسد الكلمة أعطى هذا الجسد الحياة. هو كان في العالم بصورته المغروسة في  الإنسان وتجسده أصلحها بعد أن أخفاها الوسخ الناتج عن السقوط.

        والكلمة تجسد وأصبح إنساناً شبيهاً بكل الناس بكل الوجوه. ويستعمل القديس أثناسيوس كلمة تجسد ليعني أن الكلمة بأخذه جسداً أصبح إنساناً كاملاً بجسد كامل، له إحساساته وبهذا تحرر الجسد من ضعفه. هذا الجسد إختبر الضعف ولكن بإرادة وإذن الكلمة وليس بحكم الحاجة أو بدون إرادته. إحتمل الرب كل ما هو متعلق بالجسد: العطش، البكاء وحتى الموت. ولكن هذا الموت حدث بسبب تواضعه ومحبته مع أنه لم يكن بحاجة إلى ذلك. لكن هذا الجسد لم يكن يستطيع أن يبقى ميتاً لأنه أصبح هيكل الحياة.

ولهذا فقد قام من الموت وعاد إلى الحياة بفضل الحياة التي فيه. والكلمة لم يكن مرتبطاً بجسده لكنه حرر هذا الجسد من محدوديته وميله نحو الخطيئة. “ألحكمة جعلت الإنسانية تزهر والإنسانية ارتفعت تدريجياً فوق الطبيعة البشرية وأصبحت مؤلهة وقامت بمهمة وكيل الحكمة في خدمة الألوهة وإشعاعها.  “الجسد قد تأله في خدمة أعمال الرب والبشرية صارت بلا خطيئة في المسيح. وجسد الرب لم يختبر الفناء بل نهض بكليته لأنه كان جسد الحياة نفسها.

ولأن الكلمة اتخذ جسداً أصبحت الطبيعة البشرية روحية وفعلاً إكتسبت الروح. فالكلمة حصل على الجسد والبشر حصلوا على الروح وأصبحوا حاملين له. و لأن الكلمة صار جسداً  صار الإنسان مشاركاً دائماً في الله. فالفناء انغلب والخليقة حصلت على ثباتها النهائي من خلال جسد الرب. ويرى القديس أثناسيوس أنه قبل بدء الوقت، أُعلنت الخليقة والخلاص بالكلمة ومن خلاله، فالتجسد الخلاصي للكلمة هو مصدر الخليقة الجديدة وهو أعلى من الخليقة الأصلية.

 

التجسد في رده على الأريوسية

        لم يترك اريوس بشرية المسيح في كمالها الإنساني بل جعل الكلمة قادراً على الإتحاد المباشر بالجسد البشري دون أي داعٍ لوجود نفس بشرية وهكذا كأنه يقول أن المسيح لم يكن إنساناً كاملاً حقيقياً.

        حكى القديس أثناسيوس عن التجسد للإجابة على الآريوسية التي قالت بأن “الولادة تعني وحدة الطبيعة بين الآب والإبن وهذا يعني تحطيم وحدانية الله وبالتالي تضيف إلى الآب صفات الجسدانية والتألم التي هي صفات البشرية الخاصة وتخضع الله إلى العوز وهو القادر على كل شيء”.

          وقد رد القديس أثناسيوس على هذا بأن إتحاد الكلمة بالطبيعة البشرية في التجسد هو كامل وأقنومي ولهذا تدعى العذراء والدة الإله لأن الجسد البشري الذي أخذه الكلمة منها صار جسده الخاص.  واعتبر القديس أثناسيوس أن تجسد ابن الله وموته خاصة هو رأس ومبدأ الإيمان وأنه لأجل خلاص البشر صار الكلمة إنساناً ومات. فجسد المسيح هو تقدمة لرفع الدين الذي علينا.  ويتساءل أثناسيوس كيف للرب أن يثبت أنه الحياة وإن لم يقم  الجسد المائت.

ويقول في إحدى مواعظه ضد الأريوسيين أن تجسد الكلمة أبطل عضة الحية إذ صارت بلا مفعول. وبتقديم الجسد وضع الكلمة حداً للموت ومبدأ للحياة. فبنتيجة التجسد صار للإنسان نصيباً في الطبيعة الإلهية لأن الكلمة لم يكن إنساناً وصار إلهاً بل إلهاً وصار إنساناً ليصيرنا آلهة. وباتحاد الإنسان بجسد الكلمة صار الإنسان هيكلاً  لله وبالتالي إبناً له بالتبني.   ولأنه لم يكن مستطاعاً للإنسان أن يتحد إلا بما هو بشري فقداختار الكلمة أن يأخذ جسداً بشرياً ليقدس ويؤله (يتحد بالله) الإنسان.

 

الرد على اليونانيين

        أيضاً يرد القديس أثناسيوس على اليونانيين:  إن كان الكون كله جسماً واحداً كما   يزعمون وكلمة الله فيه واتحد بكل أجزائه فلماذا لا يتحد بالإنسان؟ ولماذا يكون غير لائق الإتحاد بالإنسان? فكما يستخدم الكون كله لإظهار مجده، فهو يستخدم الجسد لإظهار مجده أيضاً. فهو بسلطانه متحد بكل الأشياء وهو قادر أن يعلن نفسه في أي منها ويجعلها تتكلم عنه.

        وهو لم يظهر إلا في الإنسان لأنه أراد أن يظهر ليشفي الذين تحت الآلام ويعلمهم، وليس ليتعالى ويتباهى ويبهر الناظرين. وكون المخلوقات جميعاً لم تتخلَ عن معرفتها الله بل الإنسان وحده هو الذي خرج عن هذه المعرفة، فكان على الله أن يتخذ جسداً، من خلاله يساعد المحتاجين الذين يستطيعون أن يعرفوه في جسد مشابه لهم ولكن بأعمال يعجزون عنها فيعرفون أنها أعمال الله. وليس سخافة أن يُعرف الكلمة بأعمال الجسد وإلا فأيضاً هو سخافة أن يعرف في أعمال الكون.

        الله خلق الإنسان بكلمة من العدم ولكن هذه المرة لم يكن مطلوباً خلق من العدم بل كان ضرورياً أن يأتي بشكل يعرفه الناس خاصة أن الفساد لم يكن خارج الجسد بل لصق به فكان ضرورياً أن تلتصق به الحياة من جديد حتى تطرد الموت منه. وعليه يجب أن تكون غلبة الحياة على الموت في الجسد لأنها أصلاً خارجه بالطبيعة (طبيعة الله). والجسد كان ضرورياً لكي يكون دليلاً على أن الرب هو الحياة الذي أقام المائت. فلو أن الله أبعد الموت عن الجسد بمجرد أمره لكان بقي الإنسان معرضاً له ولكن عندما لبس كلمة الله الجسد أبعد الموت كلياً.

        وفي النهاية يقول القديس أثناسيوس أن التجسد أبطل عبادة الأوثان إذ أنه بتأنس الكلمة عرفت العناية العامة، كما عرف واهبها وبارئها، كلمة الله نفسه. فهو صار إنساناً لكي يصير الناس آلهة. وظهر بالجسد ليكون عندنا فكرة عن الآب الغير منظور. واحتمل الإهانة من الناس لنرث عدم الموت.

 

رسالة القديس أثناسيوس في التجسد

 

        يبدأ القديس أثناسيوس رسالته بتعريفها بأنها رد على  اليهود واليونانيين الذين يسخرون من التجسد ويعتبرون الصلب ضعفاً. ويقول بأن لبس الجسد لم يكن من مستلزمات طبيعة السيد بل برضاه لبسه وذلك بسبب سقوط الإنسان الذي كان مخلوقاً مميزاً عن غيره من المخلوقات إذ أنه كان يحمل صورة الله ومخلوقاً على مثاله. فالله خلق الإنسان ليبقى في عدم الفساد ولكن الإنسان لم يلتزم بالله فساد عليه الموت وهكذا اختار العودة إلى أصله أي العدم.

فهو يستمد وجوده من الله وبإختياره أن لا يكون معه اختار العدم أو اللاوجود وقد استمر الناس وتمادوا في خطئهم فصارت الطبيعة البشرية مثقلة ومشبعة بالخطايا. وعليه فقد عم الفساد وقويت سيادة الموت وراحت صورة الله تضمحل وصارت النتيجة غير لائقة. فقد كان لزوماً أن يموت الإنسان لأن الله صادق عندما قال له أنك موتاً تموت في أكلك من الشجرة وفي الوقت نفسه كان غير لائق أن يفنى الناس الذين خلقهم الله لمشاركته. وهذا الفناء المحتم لا يتفق مع صلاح الله خاصة أن سبب الخطيئة هو غواية الشيطان.

قد يكون لائقاً بالله أن يطلب التوبة من الإنسان ولكن هذا لم يكن حلاً لأن الخطأ الذي ارتكبه أعقبه فساد بالطبيعة وبالتالي فهو ليس خطأً صغيراً. فكان على كلمة الله الذي أوجد كل شيء في البدء أن يتدخل من جديد فيعيد الفاسد إلى عدم الفساد ويكون شفيعاً له عند الله.

        لما استفحل الأمر وصار الفساد متمكناً من الطبيعة البشرية وخليقة يدي الله في طريق الفناء و السيادة على الناس هي للموت، عندها رثى الله لضعف الناس وأخذ لنفسه جسداً إنسانياً لئلا تفنى الخليقة وتكون هباء. وهذا التجسد لم يكن من أجل الظهور لأنه باستطاعته الظهور بشكل أسمى وأليق بالظهور الإلهي. وهكذا  أعد هذا الجسد في عذراء طاهرة ليكون هيكلاً له وحل فيه وأعلن ذاته واتخذه أداة له، جسداً من الجنس البشري ولكن خالٍ من الزرع. وفي اتخاذه جسداً خاضعاً للموت بذل جسده عن الجميع وذلك لشفقته على الناس ولكي يبطل الناموس القاضي بموت البشر.  إذ أن سلطة الموت انحصرت في جسد الرب الذي ناب عن البشر. فينقذ الناس من الموت ويعيدهم إلى عدم الفساد.

        ولما كان الكلمة فوق الكل ولكن في الوقت نفسه ليس من إبطال للفساد إلا بالموت فقد اتخذ الكلمة جسداً قابلاً للموت لكي باتحاده بالكلمة يموت نيابة عن الكل ويبقى في عدم الفساد بسبب هذا الإتحاد. وبذلك يكون قد رفع حكم الموت عن كل الذين ناب عنهم إذ قدم جسداً مماثلاً لأجسادهم. وهذا الإتحاد بين الكلمة العادم الفساد والبشر الفاسدين ألبسهم عدم الفساد بوعد القيامة من  الأموات. فلم يعد الموت يستطيع المساس ببني البشر لأن الكلمة حل بينهم.

فكما أن وجود أحد الملوك في إحدى المدن يعطيها كرامة وحماية كذلك وجود الكلمة بين الناس. يشبه أثناسيوس الرب بملك بنى مدينة فأهملها أهلها وتركوها لعبث البعض لكن الملك إنتقم من العابثين ولم يهتم بإهمال أهل المدينة.  فالمسيح  غيَّر طبيعة الموت البشري بموته إذ أن الناس لم يعودوا يموتون خاضعين للدينونة بل يموتون بانتظار القيامة العامة.

        أيضاً من أسباب التجسد أن الله رأى الإنسان يعجز عن معرفة الله بسبب طبيعته فتجسد حتى يعرف الناس كلمته التي أوجدتهم. فكونهم مخلوقين على صورته أعطاهم نصيباً منها ولكنهم ضلوا حتى بات كل شيء معروفاً إلا الله وكلمته. فلم يبقَ لدى الله إلا “تجديد الخليقة” التي   تحمل صورته حتى يعرفه الناس مرة أخرى.

هذا لم يكن مستطاعاً من خلال البشر لأنهم مخلوقون على مثال الصورة، ولا من خلال الملائكة غير مخلوقين على الصورة فأتى كلمة الله الذي هو صورته. واتخذ جسداً أباد الموت فيه حتى يصبح تجديد البشر ممكناً. ويعطي القديس أثناسيوس مثلاً رائعاً على هذه الفكرة ويقول أنه إن فسدت صورة وجب عودة صاحبها حتى يستطيع الرسام إصلاحها.

        سبب آخر للتجسد هو الحاجة إلى تعليم الناس عن الله وهذا ليس ممكناً من قبل الناس لأنهم فاسدون فكان ضرورياً مجيء الإبن. وهذا التعليم لم يكن ممكناً من خلال الخليقة كما فعل في المدة الأولى بل كان ضرورياً أن يعلمهم بأعمال جسده أي من الأمور الأرضية. وعليه  يكون قد نزل إلى مستوى الناس كما المعلم ينزل إلى مستوى التلاميذ والسبب أن الناس صاروا يبحثون في المحسوسات عنه. فالكلمة توارى في الجسد لكي ينقل الناس إلى معرفته.

وهو قد ملأ الكل فهو فوق في الخليقة وتحت في التأنس وفي العمق بنزوله إلى الجحيم وفي العرض أي في العالم. وما ساعد على ظهوره كالله ليس فقط مجيئه وموته بل أيضاً الأعمال التي صنعها في الجسد.

        أيضاً هو تمم عملية المحبة وعملية التجديد ثانية بتجسده.  الكلمة لم ينحصر في الجسد أي أنه في حلوله في الجسد بقي في كل شيء من الأشياء وبقي مستقراً في أبيه. كان يستخدم الجسد. وكان في نفس الوقت يمنح الحياة لكل شيء بما فيه جسده.  فإذا كان يُحكى أنه أكل ووُلد فلأنه أخذ جسداً بالحق لا بالخيال.

  هو ولد من عذراء ليؤكد أن المولود هو رب وأيضاً بالجسد طرد الأرواح وأطعم الكثيرين. وكان يجب أن يموت الجسد لأنه مثل غيره من الأجساد ولكنه باتحاده بالكلمة لم يعد خاضعاً للفساد. وكون الكلمة غير خاضع للموت كان ضرورياً أن يأخذ جسداً يقدمه عن الجميع.

        لم يختر الرب الطريقة التي يموت فيها،  لكي يبرهن أنه قاهر  للموت بكل أشكاله وهو لم يمت بعد مرض لأن جسده أخذ قوة منه وهو القوة. وهو أيضاً قام بجسده ليبرهن بأن الموت لم يصب هذا الجسد بسبب ضعف الكلمة بل لكي يبيد الموت في هذا الجسد. فإن كانت الأرواح التي ترى ما لا يراه الناس تؤمن أنه هو  قدوس الله، فيجب على كل من الناس أن يعترف ذلك أيضاً وخاصة اليهود إذ أن نبؤاتهم حكت عنه كإله فتأنس وحكت آلامه وموته وصلبه.

 

التجسد بحسب القديس أثناسيوس الكبير

Exit mobile version