الكنائس الرسولية الخمسة القديمة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج1
الكنائس الرسولية الخمسة القديمة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج1
1- كنيسة أورشليم
كان أمرًا طبيعيًا أن تحتل كنيسة أورشليم شهرة خاصة في عصر الرسل فأورشليم أول مدينة رددت صدى صوت الرب يسوع، وذاقت حلاوته قبل العالم كله وتقدَّس ترابها بدم رب المجد يسوع عند صلبه. وفيها وُلِدت الكنيسة المسيحية ومنها ذاعت بشرى الخلاص في العالم كله. وهي أول مركز ديني مسيحي أنُشيء وفيها عُقِد أول مجمع كنسي. وقد تولى أمور كنيسة أورشليم القديس يعقوب البار أحد الإثنى عشر تلميذًا حتى استشهاده سنة 62 م.
2- كنيسة أنطاكية
كانت المدينة الثالثة في الإمبراطورية الرومانية بعد روما والإسكندرية وقد قيل عنها “إن أنطاكية كانت هي باب فلسطين المفتوح على العالمين اليوناني والروماني. ولذلك كانت خير قاعدة لنشر المسيحية فيهما؛ وقد أخبرنا القديس لوقا عن دخول الإيمان إلى أنطاكية على يد الذين تشتتوا بسبب قتل استفانوس (أع11: 19- 21). وهي تعتبر الكنيسة الأممية الأولى وفيها عُرِف المؤمنون لأول مرة باسم مسيحيين وقد تعب في الكرازة بها بولس وبرنابا (أع11: 22- 26). وجعلها القديس بولس مركز انطلاقه في رحلاته التبشيرية.
3- كنيسة الإسكندرية
من الناحية السياسية كانت تُعَد المدينة الثانية في الإمبراطورية الرومانية ولكن من الناحية العلمية والثقافية كانت المدينة الأولى بدون منازع. ولقد وصل إليها الإيمان المسيحي قبل كرازة مارمرقس بها نظرًا لقُرب المسافة بين مصر واليهودية إذ كان يوجد من بين الذين حضروا يوم الخمسين بعض من المصريين (أع2: 10). وكان لكرازة مارمرقس بالإسكندرية ولتأسيسه مدرسة الإسكندرية بها، بالإضافة إلى ما هو معروف عن حب الشعب الشديد للتدين دور كبير في جعل كرسي الإسكندرية كرسي له شأن واحترام كبير داخل الكنيسة الجامعة.
4- كنيسة القسطنطينية
وهي كنيسة قد تأسست في القرن الرابع عندما بنى الإمبراطور قسطنطين مدينة القسطنطينية وجعلها العاصمة الثانية للإمبراطورية الرومانية واهتم بأن يؤسس بها كنيسة كبيرة، ومن هنا اكتسب كرسي القسطنطينية أهميته، إذ أصبح كرسي العاصمة الشرقية للإمبراطورية.
5- كنيسة روما
كانت روما بالطبع هي العاصمة الأولى للإمبراطورية الرومانية وكانت بمثابة قلب العالم سياسيًا إذ كانت مقر القياصرة الرومان.
وقد دخلت المسيحية إلى مدينة روما بواسطة الذين حضروا يوم الخمسين وسمعوا عظة بطرس. ثم بعد ذلك عندما سافر إليها بولس الرسول وكَرَزَ بها وأسس كنيستها ثم بعد ذلك القديس بطرس حيث استُشهد هناك. وأصبح بذلك كرسي روما كرسي عظيم الشأن خاصةً بحكم أنه هو الكرسي الرسولي الوحيد في الغرب.
الكنائس الرسولية الخمسة القديمة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج1
رسائل السنوديقا أو الرسائل المجمعية المتبادلة بين باباوات كرسي الأسكندرية وبطاركة السريان الأرثوذكس بأنطاكيا
رسائل السنوديقا أو الرسائل المجمعية المتبادلة بين باباوات كرسي الأسكندرية وبطاركة السريان الأرثوذكس بأنطاكيا
رسائل السنوديقا [1] أو الرسائل المجمعية المتبادلة بين باباوات كرسي الأسكندرية وبطاركة السريان الأرثوذكس بأنطاكيا
د. جوزيف موريس فلتس
تعريف بالمصطلح:
كلمة “سنوديقا” ليست كلمة عربية بل هى كلمة يونانية “Sunodika…” وهى صفة في صيغة الجمع المؤنث لكلمة مجمع “SÚnodoj”. هذه الصفة “Sunodika…” كُتبت بحروف عربية حسب النطق اليونانى بمعنى أنه جرى لها ما يُعرف بـ Transliteration، ومع قليل من التحريف فى النطق، صارت “سنوديقا”.
رسائل السنوديقا:
رسائل السنوديقا إذًا معناها الرسائل المجمعية. ولقد ورد هذا المصطلح في نصوص التراث العربى المسيحى لوصف الرسائل التي اعتاد كل من باباوات كرسى الأسكندرية وبطاركة[2] السريان الأرثوذكس بأنطاكية تبادلها عند سيامة أحدهم بطريركًا في كنيسته، ولوصف الردود على هذه الرسائل أيضًا، يذكر كاتب مخطوط اعتراف الآباء الذي يرجع تاريخه إلى ق11 عن بطريرك الأسكندرية الثالث والثلاثون (528 ـ 559م)، ما يأتى: “وقال القديس ثاودسيوس المعترف بالحق في رسالة السنوديقا التي كتبها لما صار بطريركًا على كرسى الأسكندرية إلى الطاهر ساويرس بطريرك أنطاكية…“[3]، كما يذكر كتاب تاريخ البطاركة عن بطرس بطريرك أنطاكية في القرن السادس أنه ” من أجل الإتحاد بين الكرسيين كتب بطرس رسالة سنوديقا إلى الأب دميانوس البطرك كما جرت العادة“[4].
كما نقرأ في السنكسار عن عادة كتابة وتبادل هذه الرسائل بمجرد سيامة باباوات وبطاركة الكرسيين السكندرى والأنطاكى، فنسمع في اليوم السابع عشر من شهر بابة المبارك، وهو عيد نياحة البابا ديسقوروس الثانى بابا الأسكندرية الحادى والثلاثين والمُلقب بديسقوروس الجديد (516 ـ 518م) ” أن هذا الأب كان وديعًا في أخلاقه، فاضلاً في علمه وعمله، كاملاً في حياته، حتى أنه لم يكن مَن يشبهه في جيله، فقُدِّم بطريركًا بإرشاد الروح القدس، وكانت باكورة أعماله أنه بعد ارتقائه الكرسى المرقسى كتب رسالة مجمعية (سنوديقا) إلى الأب القديس ساويرس بطريرك أنطاكية ضمنها القول عن الثالوث الأقدس المساوى في الجوهر والألوهية ثم شرح التجسد وأن الله الكلمة قد اتحد بجسد بشرى كامل في كل شئ بنفس عاقلة ناطقة.
وأنه صار معه بالإتحاد ابنا واحد ومسيحًا واحدًا ربًا واحدًا لا يفترق إلى اثنين وأن الثالوث واحد قبل الإتحاد وبعده لم تدخل عليه زيادة بالتجسد. ولما وصلت الرسالة إلى الأب ساويرس قرأها وفرح بها وتلاها على الشعب الأنطاكى فاستبشر بها وكتب إلى القديس ديسقورس رد الرسالة يهنئه بالرئاسة المسيحية والأمانة الأرثوذكسية ويوصيه أن لا يحيد عنها يمينًا أو شمالاً وأن يعتمد فيجميع أقواله وأفعاله على الأمانة التي وضعها الآباء الثلثمائة والثمانية عشر بنيقية وعلى ما أقروا به من القوانين والسنن، ولما وصلت هذه الرسالة إلى الأب ديسقورس قبلها بفرح، وأمر بتلاوتها فقُرئت من فوق المنبر ليسمعها كل الشعب“[5].
كما يرد في سيرة الأنبا أنسطاسيوس بابا الأسكندرية السادس والثلاثون(589 ـ 611م) ” أن بطرس المخالف بطريرك أنطاكية كان قد مات وأُقيم عوضًا عنه راهب قديس عالم يسمى أثناسيوس قويم المعتقد، الذي بمجرد أن صار بطريركًا عمل على تجديد الإتحاد بين كنيستى الأسكندرية وأنطاكية فكتب رسالة بالإيمان المستقيم وأرسلها إلى الأب أنسطاسيوس ففرح بها جدًا وقرأها عليهم ثم رد على الأب أثناسيوس وبأنه يتمنى من صميم قلبه أن يراه“[6].
اللغة التي كُتبت بها رسائل السنوديقا:
كانت اللغة اليونانية هى اللغة السائدة في منطقة الشرق الأوسط بجانب اللغات المحلّية كالقبطية في مصر والسريانية في أنطاكية. وبعد الفتح العربى في القرن السابع سادت اللغة العربية رويدًا رويدًا. وكان من الطبيعى والأسهل استخدام اللغة اليونانية السائدة في ذلك الوقت والتي كتب بها آباء كل من الأسكندرية وأنطاكية، لكتابة رسائل السنوديقا. أما بعد أن انتشرت اللغة العربية وصارت مستخدمة في كل من الكنيستين صارت هى اللغة التي دُونت بها هذه الرسائل، غير أنه لا يمكننا بسهولة أن نحدد متى بدأ استخدام اللغة العربية بدلاً من اليونانية.
ما نستطيع أن نقوله هو أن الكنيسة السريانية اهتمت بترجمة هذه الرسائل من اليونانية إلى السريانية لتعم فائدتها حيث يذكر البطريرك الأنطاكى أغناطيوس افرام الأول (1887 ـ 1957) في كتابه اللؤلؤ المنثور وفي الفصل الثلاثون في ترجمات التصانيف الأعجمية ما يلى ” صرف السريان أبعد الهمم وجهدوا في ترجمة المصنفات اليونانية إلى السريانية نزوعًا إلى العلم وولوعًا به “[7]. وفي المقصد الثالث من هذا الكتاب حيث يذكر الترجمات من سنة 451م فما بعد، يورد بيانًا بالرسائل المجمعية التي ترجمت من اليونانية إلى السريانية مع ذكر اسم كل من المرسل والمرسل إليه ومدة بطريركتهما وبداية الرسالة وعدد صفحاتها وأحيانًا السنة التي أُرسلت فيها وعن أى مخطوط ترجمت[8].
أما في الكنيسة القبطية فقد اهتم كاتب مجهول في القرن الحادى عشر بترجمة نصوص هذه الرسائل التي تحوى في الأساس اعتراف كل من باباوات الأسكندرية وبطاركة أنطاكية بالإيمان الأرثوذكسى وتمسكهم بالتقليد المقدس وأقوال آباء الكنيسة وتعاليم المجامع المقدسة، من اليونانية إلى العربية في كتاب واحد يعرف بـ “اعتراف الآباء”[9]. هذا المخطوط الهام يحوى نصوص هذه الرسائل المترجمة إلى العربية عن اليونانية وأيضًا المكتوبة مباشرةً باللغة العربية[10].
كاتب رسائل السنوديقا:
كان باباوات الأسكندرية وبطاركة أنطاكية يقومون بكتابة هذه الرسائل بأنفسهم في أغلب الأحيان، أو يقوموا بتكليف أحد الآباء الأساقفة أو الكهنة المشهود لهم بسعة الإطلاع والتضلع في العلوم الدينية واللاهوتية والعقائدية بكتابتها نيابة عنهم. فعلى سبيل المثال نجد في ختام رسالة السنوديقا التي أرسلها البابا فيلوثاوس الـ63 (970 ـ 995م) في القرن العاشر إلى البطريرك أثناسيوس الخامس بطريرك أنطاكية الـ61 (987 ـ 1003م) ما يلي: ” … يقبل قدميك مقاره الحقير الكاتب أسقف منوف الذي كتب هذه السنوديقا العنوان بخط انبا فيلوثاوس برحمه الله أسقف الأسكندرية كتبت بيدى ورسمت هذه الرسالة السنوديقا إلى القديس انبا أثناسيوس بطريرك مدينة الله أنطاكية “[11].
ويذكر كاتب ” تاريخ البطاركة ” في سيرة البابا خرستوذولوس الـ 66 ( 1046 ـ 1077م) أنه ذهب إلى دير ابو مقار بوادى هبيب “وكان انبا ميخائيل كاتب السنوديقا هناك معه “[12]. ويذكر المؤرخ كامل صالح نخلة أن من كان يكتب رسائل السنوديقا من الأساقفة أو الكهنة كان يقيم في القلاية البطريركية أى في دار البطريركية.
حامل رسائل السنوديقا:
كان يحمل رسائل السنوديقا ـ عادةً ـ وفد مكون من أساقفة وكهنة وشمامسة ليقوم بتقديمها للبابا أو البطريرك المرسلة إليه. فعلى سبيل المثال نجد أن رسالة البابا يوحنا الثانى الـ30 (497 ـ 508م) إلى البطريرك ساويرس الأنطاكى كانت بيد كل من الأسقف إيلاريانس والقس واليس والشماس قرطوريوس[13]. وكان الوفد الذي حمل رسالة البابا مرقص الثانى الـ45 (790 ـ 830م) إلى البطريرك الأنطاكى قرياقس الـ48 (793 ـ 817م)، مكون من أسقفين يجيدان اليونانية أحدهما مرقس أسقف تنيس الحكيم والآخر مرقس أيضًا أسقف الفرما ومعهما الشماس جرجه قيّم بيعة الأسكندرية[14].
ومن الجهة الأخرى بعث البطريرك الأنطاكى يوحنا الحادى عشر الـ64 (1058ـ 1073م) رسالة سنوديقا إلى أخيه البابا السكندرى خرستوذولوس الـ66 (1039 ـ 1069م) بيد الأنبا تيموثاوس مطران بيت المقدس[15].
ذكر تاريخ إرسال السنوديقا:
لم يسجل كل من كاتبوا الرسائل أو مَن اعتنى بترجمتها، التاريخ الذي أُرسلت فيه الرسالة، واكتفوا بالقول بأنها أُرسلت ” لما صار ” هذا البابا أو ذلك البطريرك على كل من كرسى الأسكندرية وأنطاكية، أو بالقول بأن كتابة الرسالة كانت ” باكورة أعمال البابا “[16]. غير أننا نجد من بين كل رسائل السنوديقا والتي يبلغ عددها 32، ثلاث رسائل فقط قد حملت تاريخ الإرسال حسب تقويم الشهداء وأحيانًا حسب التقويم الهجرى أو الميلادى. وهذه الرسائل المدونة في مخطوط اعتراف الآباء، هى التي بعث بها كل من:
1ـ البابا زخارياس الـ 64 (996 ـ 1023م) إلى البطريرك الـ 62 يوحنا بن عبدون العاشر (1004 ـ 1030م) في سنة 403هـ.
2ـ البابا سانوتيوس الثانى الـ 65 (1024 ـ 1038م) إلى البطريرك ديونيسيوس الـ 63 (1032 ـ 1042م) في 752 ش 1035م.
3ـ يوحنا 11 البطريرك الأنطاكى الـ64 (1058ـ1073م) إلى البابا خرستوذولس الـ62 (1039 ـ 1069م) في سنة 882 للشهداء.
كما يمدنا كتاب اللؤلؤ المنثور بمعلومات عن تاريخ إرسال الرسائل الآتية[17]:
1 ـ رسالة يوحنا الثانى رئيس أساقفة الأسكندرية سنة (505 ـ516) إلى ساويروس بطريرك أنطاكية في 8 نيسان وهو اثنين اسبوع البياض سنة 516 لأنطاكية 512م.
2 ـ رسالة مجمعية (سنوديقية) من يوحنا الثالث[18] الأسكندرى إلى أثناسيوس الثانى بطريرك أنطاكية في 4 حزيران سنة 686م.
3 ـ جواب يوحنا الرابع الأنطاكى إلى يوسف[19] الأسكندرى سنة 846م.
ظروف أدت لعدم كتابة السنوديقا:
مرت منطقة الشرق الأوسط بفترات عصيبة خلال التاريخ بسبب الحروب والمنازعات ولم تسلم مصر وبلاد الشام من هذه الحروب، الأمر الذي إنعكس على كافة سكان تلك البلاد وأيضًا على أحوال كرسيّ كل من الأسكندرية وأنطاكية، فلم يتمكن البابا بالأسكندرية أو البطريرك بأنطاكيا من كتابة وإرسال السنوديقا كل منهما للآخر كما جرت العادة، واكتفى الآباء بزيارة قام بها بطريرك أنطاكية لبابا الأسكندرية وحدث هذا الأمر في حبرية البابا يعقوب والمشهور بالعمود المضئ الـ50 (819 ـ 830م) والبطريرك ديونيسيوس الأنطاكى.
ويذكر كاتب تاريخ البطاركة بخصوص هذا الأمر ما يلي: ” ونعود الآن إلى خبر انبا يعقوب مع ديونوسيوس بطرك أنطاكية وأنه لم يمكنه أن ينقذ سنوديقا لأجل الحروب بمصر والشرق وكذلك الأب البطرك ديونوسيوس كان يسمع بأفعال الأب البطرك انبا يعقوب وكان يشتهى أن يسلم عليه وهو في الجسد فلما أنفق له هذا الأمير وهو متوجه إلى مصر سار صحبته إليها حتى وصل إلى مصر فلما نظره أبونا انبا يعقوب فرح فرحًا عظيمًا روحانيًا وتلقاه أحسن تلق وتهللت جميع كورة مصر بمشاهدتها بعضًا لبعض وكانوا الكهنة المصريون يقروؤا قدامهما من قول داءود الرحمة والعدل التقيا والصدق والسلامة أقبلا إلينا ثم أقام الأب ديونوسيوس البطرك بأنطاكية عند الأب انبا يعقوب أيامًا كثيرة ليشبع كل واحد منهما من قدس الآخر “[20].
السنوديقا رسالة غير شخصية:
لما كان محتوى رسائل السنوديقا وهدفها هو الإقرار بالإيمان وإعلانه طلبًا للشركة والوحدة بين كرسيّ أنطاكية والأسكندرية، لهذا لم يكن لهذه الرسائل طابعًا شخصيًا بمعنى أنها لم تكن تعبّر عن الآراء الشخصية لمَن يقوم بكتابتها بقدر ما تعبّر عن إيمان الكنيسة التي أؤتمن عليها ” والمسلّم مرة للقديسين ” والذي هو إيمانه الشخصى في نفس الوقت، والحادثة التي ورد ذكرها في سيرة البابا كيرلس الثانى الـ 67 (1078 ـ 1092م)، يمكن أن نبررها في ضوء هذا الملمح غير الشخصى لرسائل السنوديقا حيث كان البطريرك الأنطاكى ديونيسيوس الرابع الـ 63 (1032 ـ 1042م) قد أرسل سنوديقا إلى البابا خرستوذولوس الـ66 (1046 ـ 1077م) حملها القس توما، وحدث أنه ” بعد أن وصل توما القس في هتور سنة سبع ماية خمسة وتسعين للشهداء ومعه الرسالة السنوديقا من ابا ديونوسيوس بطرك أنطاكية ومطارنته وأساقفته وكهنته فوجدوا الأب انبا اخرسطودلوس قد تنيح وجلس الأب انبا كيرلص بعده فغير ترجمة السنوديقا باسمه[21] وأوصلها إليه وقريت في كنائس مصر وذكر اسمه على هياكلها ودعى له فيها في أوقات الصلوات والقداسات كما جرت العادة وكتب له (أى البابا كيرلس) رسالة سنوديقا جوابًا على رسالته “[22].
أهداف رسائل السنوديقا:
بناء على ما ورد في نصوص هذه الرسائل نستطيع أن نقول أن هناك أهدافًا متعددة دفعت الباباوات والبطاركة إلى تبادل هذه الرسائل، هذا ويمكن إجمال هذه الأهداف فيما يلي:
1 ـ إعلان الإتفاق التام في الإيمان الأرثوذكسى ومن ثم الشركة الرسولية الكاملة والإتحاد بين الكنيستين:
وهذا ما عبّر عنه البطريرك الأنطاكى باسيليوس الـ55 (923 ـ 935م) في ختام رسالة السنوديقا التي رد بها على رسالة الأنبا قزمان (قسما) الثالث البابا الـ58 (911 ـ 923م) حين كتب ما يلي ” إننا نقول الآنلقدسكم أيها الأخ المغبوط أننا أثبتنا لكم أننا متفقون معكم كل الموافقة بالأخوة الروحية وذلك بما أوردناه لكم من النصوص الأبوية التي تلهجون بها دائمًا ونحن واثقون أنكم مقتنعون بإتحادنا معكم قولاً وعملاً واختيارًا في الشركة الرسولية.
وكما أن المولودين الذين لهم مساواة النفس إذا تقابلوا معًا ونظروا لبعضهم يشفون غليلهم ويطفئون نيران أشواقهم، هكذا نحن الذين لنا الروح الواحد الملتهبة شوقًا التي بالرغم من بعد البلاد وبعد الأشخاص ترى بعضًا بأعينها الحادة ونبل شوقنا ونعانق بعضنا معانقة الغرباء إذا جمعهم الوطن الواحد “[23].
وكان إعلان الوحدة في الإيمان والشركة الكامله بين الكرسيين الرسوليين يتم بأن يأمر البابا أو البطريرك بأن يُدرج اسم أخيه في الطلبات (الأواشى) في القداسات. فقد ورد في نهاية رسالة السنوديقا التي بعث بها البابا فيلوثاوس الـ 63 في القرن العاشر إلى أخيه البطريرك الأنطاكى أثناسيوس الـ 61 ما يلي ” … وتقدمنا إلى ساير الكور ليصلوا ويذكروك في كل قداس تبّت الله اسمك “[24].
2 ـ للرد على الأسئلة التي يوجهها أحد البطاركة لأخيه للإستفسار عن أمور تتعلق بالإيمان ومسائل تمس العقيدة:
فقد حدث أن بعث البطريرك الأنطاكى أثناسيوس الـ 61 إلى أخيه البابا فيلوثاوس الـ 63 في القرن العاشر برسالة حملها إليه توفيلس مطران دمشق وباسيليوس مطران طبرية، يسأله فيها عن أمر موت الرب يسوع على الصليب وكيف تم. فقد جاء في مقدمة جواب البابا فيلوثاوس بابا الأسكندرية عليه ما يلى ” فهمت ما كتبت به أيها الأخ المكرم الحبيب أطال الله بقاك وآدام نعماك وكبت أعداك ونجاك بشفاعة السيدة وجميع القديسين ثم أنى وقفت على مسالتك فيما خطر بقلبك أحياه الله وعمّره بالسرور وهو أن موت سيدنا المسيح لما كان من مفارقة النفس للجسد من حيث لم يفارق اللاهوت للجسد ولا للنفس…“[25].
3 ـ تصحيح تعاليم مخالفة للإيمان المستقيم:
جاء في سيرة البابا داميانوس البطريرك الـ 35 (563 ـ 598م) كما سجلها لنا كاتب تاريخ البطاركة ما يلى ” لما تنيح الأب ثاوفانيوس البطرك ومضى إلى الرب عمد أهل أنطاكية إلى رجل من كهنة البيعة اسمه بطرس فجعلوه بطركًا وكان غليظ القلب مظلمًا في أفكاره مضطرب العقل مقاومًا للأمانة المستقيمة كما قال الحكيم في الله كيرلس البطرك القديس لأجل أصحاب أناطوليوس أنهم مظلموا الأفكار. ومن أجل الإتحاد الذي بين الكرسيين كتب بطرس رسالة سنوديقا إلى الأب داميانوس البطرك كما جرت العادة.
فلما وصلت السنوديقا إليه فرح بها وجمع الأساقفة وفيما هو يميز كلامه المنصوص فيها وجد فيه عثرة في الإعتراف بالثالوث وطلب بحكمته ودعته أن يجذب إليه بطرس المذكور[26] برفق حتى لا تنقسم البيعة ولا يفترق الإتحاد الذي بيد الكرسيين، فكتب إليه ميمرًا (مكتوب)[27] يذكر فيه جميع المخالفين والتعليم الذي وضعه ساويرس البطرك غرضًا في أن يفهمه الأمانة ليدبر عقله لأن بطرس قال بحكمته البرانية أنه لا حاجة إلى ذكر الثالوث وكانوا معلموا البيعة أجمعون وكيرلس الحكيم ومن حياء بعده إلى أيام داميانوس في كتبهم يعترفون بالثالوث المقدس أنه ثلثة أقانيم طبيعة واحدة … والمجد للثالوث المقدس المساوى الكامل في كل شئ الذي لا يقبل شيئًا جديدًا ولا اسمًا جديدًا بالجملة بل أساميه ثابتة وأفعاله معًا.
هذا الكلام كتب به الأب داميانوس البطرك إلى بطرس بطرك أنطاكية. وكان بطرس بطرك أنطاكية مثل الأفعى العمياء التي تسد أذنيها فلا تسمع كلام الحاوى ولا دواء يصنعه حكيم بل بقى مدمنا على فكره الضال يعترف ويقول بلسانه ما الحاجة إلى تسمية الثالوث بهذا وكان يقسم الثالوث الغير منقسم فصار بين المصريين والشرقيين خصومه لهذا السبب وأقاموا هكذا عشرين سنة مختلفين بغير اتفاق “[28]، ” حتى جددها أثناسيوس البطريرك الأنطاكى في مجمع عقده في دير على ساحل البحر المتوسط بمصر في أوائل الجيل السابع “[29].
أو كما سجل لنا تاريخ البطاركة ما حدث بقوله ” فقام المغبوط أثناسيوس وأخذ معه خمسة أساقفة فضلاء معلّمين وسار في مركب إلى الأسكندرية فلما وصلوا أعلموهم أن الأب أنسطاسيوس البطريرك في الديارات فخرجوا إليه فلما سمع أن بطرك أنطاكية قد جاء إليه جمع الأساقفة والكهنة والرهبان وقام بتواضع كثير عظيم وخرج ماشيًا حتى تلقاه بالقراءة والتسبيح والفرح والبهجة ودخلوا جميعًا إلى الدير الذي هو ساحل البحر شرقي بحرى الديارات، وجلسوا فيه هناك بسلامة وفرح وأنفذ الأب أنسطاسيوس للوقت وأحضر كهنة الأسكندرية كلهم ليحضروا إجتماع الآباء وليكملوا القداس معهم ويتناولوا السرائر المقدسة وتكلم أثناسيوس في ذلك المجمع بكلام عجيب مملوء حكمة حتى تعجب كل مَن كان حاضرًا ثم قال في هذه الساعة يا أحبائى يجب أن نأخذ قيثارة وأعواد ونرتل بصوت المزمور ونقول إن الرحمة والحق تلاقيا أثناسيوس وأنسطاسيوس قبلا بعضهما بعضًا، الحق من أرض مصر ظهر والبر من الشرق أشرق وصارت مصر والشام مقالة واحدة صارت الأسكندرية وأنطاكية بيعة واحدة وعذراء واحدة لعريس واحد طاهر نقى هو الرب يسوع المسيح الابن الوحيد كلمة الآب … ومن ذلك اليوم صار الإتفاق بين كرسى أنطاكية وكرسى الأسكندرية إلى يومنا هذا“[30]. والجدير بالذكر أن هذه كانت المرة الوحيدة ـ حسب ما نعلم ـ التي حدثت فيها مثل هذه الأمور بين الكنيستين.
حالة امتنع فيها البابا الأسكندرى عن كتابة رسالة سنوديقا:
رغم أن الباباوات والبطاركة كانوا حريصين على كتابة وإرسال هذه الرسائل بمجرد سيامتهم، تحقيقًا لوحدة وشركة الإيمان بين الكنيستين كما رأينا، إلاّ أن هذا الحرص كان يدفعهم في بعض الأحيان إلى التروى في كتابة هذه الرسائل أو حتى الإمتناع عن كتابتها وإرسالها إن كان هذا سيؤدى إلى إضفاء شرعية وقانونية على أمر يخالف القوانين الكنسية.
حدث مثل هذا الأمر في عصر البابا خائيل (ميخائيل) الأول الـ 46 (743 ـ 767م) وولاية هشام بن عبد الملك الذي كان يتحكم في سيامة البطاركة. وفي أنطاكية كان من الصعب عليهم سيامة أحد الرهبان فأقاموا أحد الأساقفة بطريركًا خلافًا لقوانين الكنيسة، أدى هذا إلى حدوث خلاف بين الأساقفة ووصل الأمر إلى الشكوى للملك.
ويخبرنا كتاب تاريخ البطاركة عن هذه المشكلة وموقف بابا الأسكندرية خائيل تجاهه فيذكر الآتى: ” وكان أبونا يوحنا البطرك بأنطاكية الذي كان أسقفًا بينه وبين أساقفته مشاجرة عدة أيام ولم يستطع الصلح وكتب إلى الملك وكتب سنوديقا ما وجد سبيلاً لإنفاذها إلاّ في ذلك الوقت فلم وصلوا وتسلّم الأب أنبا ميخائيل من الرسل السنوديقا والكتب فقرأها وحزن جدًا لأجل الخلف التي بينه وبين أساقفته لأنهم قالوا أنه أسقف وليس هو بطرك وأنهم لم يقدروا أن يخاطبوه في أيام هشام بالبطرك ثم أن أنبا ميخائيل أحضر جميع أكابر أساقفته بكورة مصر وقرئ عليهم الكتب فقالوا نحن ما نكتب إلى هناك كتابة ولا ننفذه لأن هذا أمر فيه صعوبة إن أرادوا أن يخرجوه قال لهم السلطان لا لأنه أسقف وإن كتبنا إليهم أن لا يخرجوه إنقسمت الأساقفة كما قد كتبوا بل اجعل يا أبانا الأمر باقيًا على ما هو عليه ففعل ذلك“[31].
محتوى رسائل السنوديقا:
سبق أن تكلمنا أن رسائل السنوديقا هى رسائل عبّر فيها كل من باباوات كرسى الأسكندرية وبطاركة كرسى أنطاكية عن الإيمان المستقيم. ولهذا نجد أن هذه الرسائل قد احتوت على الشهادة للإيمان بالثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس، وبالتجسد الإلهى وتعاليم الكنيسة فيما يختص بطبيعة السيد المسيح واتحاد الطبيعتين الإلهية والبشرية في طبيعة واحدة متجسدة وأقنوم واحد متجسد في شخصه الواحد البسيط. أو كما يذكر السنكسار عن محتوى رسالة البابا ديسقوروس فيقول: ” ضمنها القول في الثالوث الأقدس المساوى في الجوهر والألوهية. ثم شرح التجسد وأن الله الكلمة قد اتخذ جسد بشرى كامل في كل شئ بنفس عاقلة ناطقة. وأنه صار معه الاتحاد[32] ابنًا واحدًا، مسيحًا واحدًا، لا يفترق إلى اثنين وأن الثالوث واحد قبل الإتحاد وبعده ولم تدخل عليه زيادة بالتجسد “[33].
الإستشهاد بنصوص الكتاب المقدس:
حوت نصوص الرسائل على شواهد لآيات من العهد القديم وخصوصًا من سفر إشعياء النبى (4 مرات)، ومن أسفار العهد الجديد (12 مرة).
التأكيد على التمسك بالتقليد:
من الجدير بالملاحظة هو اهتمام كُتّاب هذه الرسائل ـ وهم يسجلون اعترافهم ـ بالتقليد وما تسلموه من الآباء إذ أن هذا هو الضامن الأكيد لحفظ الإيمان بدون أى تغيير أو تجديد أو كما قال القديس أثناسيوس أن الرب قد أعطى الإيمان والرسل كرزوا به والآباء حفظوه[34]. ولهذا نجد أن عددًا كبيرًا من الرسائل (21 رسالة) قد حوت على مثل هذه العبارة ” أما نحن فلا نأتى بأمانة جديدة بل نتأدب من كل شئ يحفظ الأمانة الجليلة التي سلمها لنا آباؤنا الأطهار ونرفض ما قرر غيرهم“.
أو كما ورد في رسالة البطريرك الأنطاكى قرياقص الـ 48 (793 ـ 817م) إلى البابا مرقص الثانى (799 ـ 819م) ” هذا هو إعتقادنا في الثالوث بحسب ضعف منطقنا (تعبيرنا) لكن كما علّمنا آباؤنا “[35]. وأيضًا ” أما نحن فما علمتنا هكذا بيعة الله، نحن نعلن كلام آبائنا الأطهار الصحيح المملوء حياة “[36]. ويختم البابا خرستوذلوس الـ 66 (1039 ـ 1069م) رسالته إلى البطريرك الأنطاكى يوحنا العاشر الـ 64 (1042 ـ 1057م) بما يلي: ” هذا الميراث الأفضل والغنا العظيم الذي ورثناه من الآباء القديسين الأجلاء وتلقناه من السادة الموعزين إلينا منيرين العالم الذين أضأت بتعاليمهم المسكونة بأسرها “[37]. ولم يكن تمسك البطاركة في الكرسى الأنطاكى بالتقليد أقل من باباوات الأسكندرية. وهنا نأتى بمثال على ذلك من رسالة السنوديقا التي بعث بها البطريرك أثناسيوس الخامس الـ 61 (987 ـ 1003م) إلى شريكه البابا فيلوثاوس الـ 63 (970 ـ 995م) ” … هذا قلناه في هذا المعنى بالإختصار حسبما سلموه إلينا الآباء القديسين “[38].
وفي موضع آخر من نفس الرسالة وفي سياق حديثه عن الإتحاد الأقنومى يقول: ” … ومن هنا تبّت الإتحاد الحقانى الأقنومى طبع واحد اقنوم واحد للكلمة المتجسد كما علمونا الآباء لابسى الله “[39]. ونختم هذه النقطة بالإشارة إلى رسالة البابا سانوتيوس الثانى الـ 65 (1024 ـ 1038م) إلى البطريرك الأنطاكى ديونيسيوس الرابع الـ 63 (1032 ـ 1042م) والتي يعبّر فيها عن نفس هذا المعنى بقوله إن ما يعلّم به من جهة التجسد الإلهى وشرح كيفية الإتحاد الأقنومى هو ” كما علمونا الآباء لابسوا الله “[40].
ولم يكتف كاتبو الرسائل بالإشارة إلى الآباء المعلّمين بل يذكرون أسماء الآباء ومقاطع من نصوصهم وكتاباتهم العقائدية ملقبين إياهم ومن تبعهم ” بالأرثوذكسيين “[41] وليس هذا فقط بل أن كاتبوا الرسائل كانوا كثيرًا ما يذكروا أيضًا أسماء الهراطقة[42] والهرطقات ويصفون مَن يتبع أفكارهم وتعاليمهم بأنهم هم ” الذين مرضوا مرض سبليوس ومقدونيوس “[43] على سبيل المثال.
الإستشهاد بأقوال الآباء:
كان من الطبيعى أن يلجأ باباوات وبطاركة الكنيسة إلى آباء الكنيسة الذين سبقوهم والذين تسلموا منهم الإيمان عن طريق التقليد المقدس لهذا نجد أن هذه الرسائل قد حوت أقوالاً لكثير من آباء الكنيسة المعلّمين مثل القديس أغناطيوس الثيوفورس (مرتين)، والقديس أثناسيوس (17 مرة)، والقديس كيرلس السكندرى (7 مرات)، والقديس ساويرس الأنطاكى (7 مرات)، والقديس باسيليوس (7 مرات)، والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات (11 مرة)، والقديس غريغوريوس النيسى (7 مرات)، والقديس ابيفانيوس أسقف قبرص (مرتين)، والقديس يوحنا ذهبى الفم (4 مرات)، والقديس يعقوب السروجى والقديس مارافرام السريانى وغيرهم.
ألقاب البطاركة كما ورد بالرسائل:
اختلفت ألقاب البطاركة من رسالة إلى أخرى. فتذكر إحداها أن البطريرك هو أول أساقفة الأسكندرية وتلقبه رسالة أخرى ببطريرك الأسكندرية ومصر وبلاد النوبة والحبشة والمغرب[44]. وعادةً يسبق اسم البطريرك لقب ” قدس“، ” طاهر“. وبالنسبة لبطريرك أنطاكية فإن الرسائل تلقبه بـ “بطريرك أنطاكية ” أو ” بطريرك أنطاكية والمشرق وما والاها”[45]. ويسبق اسمه ألقاب ” الطاهر ” و” الجليل ” وغيرها.
صفات المخالفين في العقيدة:
اعطت الرسائل للمخالفين في العقيدة عدة صفات منها “المضادون”[46]، “المقاومون”، “المخالفون” وذكرت أن ما يقولونه هو زعم ” كما زعم بلا فهم الذين ظنوا بأنفسهم أنهم حكماء ” أو ” ذوو الفهم القاصر الذين جهلوا أو ظنوا ظنًا فاسدًا أنهم حكماء “[47].
ذكر مجمع خلقيدونية بالاسم:
كانت قرارات مجمع خلقيدونية وهو المجمع المسكونى الرابع، هى التي تسببت في الإنشقاق الذي حدث بين الكنائس، ولم تقبل كنيستى الأسكندرية وأنطاكية قرارات هذا المجمع ولا تعده من بين المجامع المسكونية المعترف بها.
ولما كانت عقيدة “الخرستولوجى” كما علّمت بها كنيستى الأسكندرية وأنطاكية هى أمر جوهرى في الإيمان المستقيم الذي شهد له كتُّاب رسائل السنوديقا من الكنيستين، لهذا نجدهم يشرحون تعاليم آباء الأسكندرية وأنطاكية فيما يختص بهذا الأمر في معظم رسائلهم مع الإشارة إلى تعاليم مجمع خلقيدونية بدون ذكر اسم المجمع إلاّ في عدد6 رسائل[48] فقط جاء فيها اسم مجمع خلقيدونية عند الاشارة إلى تعاليمه.
كلمات يونانية كُتبت بحروف عربية:
بجانب كلمة “Sunodika…” اليونانية التي كُتبت بحروف عربية “سنوديقا” ومعناها “مجمعية” كما سبق القول، نجد أن هناك كلمات أخرى مثل:
+ الأرطتستيكا. Εortastika… ومعناها رسائل عيّدية أى تُرسل في الأعياد وخصوصًا عيد القيامة أى الرسائل الفصحية.
[1] نص المحاضرة التى أُلقيت بسمنار أساتذة كلية البابا كيرلس عمود الدين اللاهوتية ببورسعيد، وبتشريف صاحبا النيافة الحبر الجليل الأنبا بيشوى مطران دمياط والبرارى وكفر الشيخ، والأنبا تادرس أسقف بورسعيد فى 19/12/2003.
[2] سنشير دائمًا إلى بطاركة الأسكندرية بلقب ” بابا ” ولبطاركة أنطاكية بلقب ” بطريرك ” بدون تغيير الألقاب التى وردت فى نصوص المخطوطات.
[3] انظر مخطوط اعتراف الآباء رقم 196 لاهوت بالمتحف القبطى ورقة 131 (v) [ عند الرجوع لنصوص من المخطوط سوف نحتفظ بها كما هى بدون أى تدخل لغوى فيها ].
[4] انظر تاريخ البطاركة لساويرس ابن المقفع أسقف الأشمونين عن الباترولوجيا أورثيتاليس أعدها للنشر صموئيل السريانى، المجلد الأول، ص 98.
[5] السنكسار، طبعة مكتبة المحبة القبطية الأرثوذكسية، ج1، ص82.
[6] السنكسار: طبعة مكتبة المحبة، اليوم الثانى والعشرون من شهر كيهك المبارك: ج1، ص 217.
[7] اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية بقلم أغناطيوس افرام الأول برصوم. قدم له ونشره المطران غريغوريوس يوحنا إبراهيم في سلسلة التراث السريانى (1) حلب الطبعة الخامسة 1987، ص166.
[8] المرجع السابق، ص182 ـ 183.
[9] هذا هو الاسم الذي يحمله المخطوط. وللأسف عندما قام أحد رهبان الدير المحرق بنشر هذا المخطوط أعطى له اسمًا آخر وهو ” اعترافات الآباء ” مما غير من معنى محتوى المخطوط. فلا يوجد إلاّ اعتراف واحد بالإيمان المستقيم وما جاء بالمخطوط هو ” اعتراف ” كل الآباء بهذا الإيمان.
[10] لمزيد من المعلومات عن هذا المخطوط راجع:
Georg Graf: Zwei dogmatische florilegien der kopten, B. Das Bekenntnis der Väter. Orientalia Christiana Periodica vol III, Roma, 128, 1937, P. 345-403.
[11] انظر مخطوط اعتراف الآباء ورقة 196 (v).
[12] تاريخ البطاركة. المرجع السابق، المجلد الثانى 172 ـ 173.
[13] اللؤلؤ المنثور، المرحع السابق، ص182.
[14] انظر تاريخ البطاركة، المرجع السابق، المجلد الأول، ص234.
[15] انظر مخطوط اعتراف الآباء ورقة 237 (r).
[16] كما ورد في سيرة البابا ديسقوروس بالسنكسار ج1، ص61.
[17] اللؤلؤ المنثور … المرجع السابق، ص182.
[18] المشهور بيوحنا السمنودى (680 ـ 689م).
[19] هو البابا يوساب الأول (831 ـ 849م).
[20] تاريخ البطاركة. المرجع السابق المجلد الأول، ص 259.
[21] أى أنه غيّر اسم البطريرك الموجهة إليه الرسالة.
[22] تاريخ البطاركة، المرجع السابق، المجلد الثانى، ص210.
[23] كتاب الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة. بقلم أحد رهبان دير السيدة برموس في برية أنبا مقاريوس، الطبعة الثالثة 1923 الجزء الثانى، ص289.
[24] مخطوط اعتراف الآباء .. المرجع السابق ورقة 195(r).
[25] مخطوط اعتراف الآباء … المرجع السابق ورقة 193 (r).
[26] يذكر الأسقف إيسيذورس مؤلف كتاب الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة، أن البطريرك الأنطاكى بطرس ” هدم الإقرار بتمييز الأقانيم الثلاثة والإقتصار على القول بوحدة أقنوم الله نظير وحده جوهره وكانت غاية بطرس من هذا التعليم المغاير أن ينقص بدعة “كونون” أسقف طرسوس و ” فيلوبونتس ” الفيلسوف الأسكندرى اللذين زعم كل منهما أن في الله ثلاثة طبائع متميزة بالعدد ومتساوية لكنها غير متحدة الإتحاد الجوهرى “. وقد أفرط البطريرك بطرس في المهاجمة والمجادلة فوقع في بدعة جديدة مثلما فعل من قبله بولس السموساطى أسقف أنطاكية في القرن الثالث ونسطور بطريرك القسطنطينية في القرن الخامس. انظر الخريدة النفيسة، المرجع السابق ص70 ـ 71.
[27] وهذا الموقف أيضًا يعكس الملمح غير الشخصى لرسائل السنوديقا الذي أشرنا إليه سابقًا، فالبابا داميانوس يدافع عن الإيمان المستقيم بغض النظر عن شخص ومكانة مَن يعلّم بتعاليم غير أرثوذكسية.
[28] تاريخ البطاركة … المرجع السابق، ص97 ـ 98.
[29] الخريدة النفيسة … المرجع السابق ص35.
[30] تاريخ البطاركة .. المرجع السابق، ص101.
[31] تاريخ البطاركة، المرجع السابق، ص176.
[32] أى تحقق فيه الاتحاد الأقنومى.
[33] السنكسار: اليوم السابع عشر من شهر بابة المبارك ج1، ص82.
[34] انظر ” رسائل الروح القدس للقديس أثناسيوس ـ إلى الأسقف سرابيون “، ترجمه عن اليونانية د. موريس تاوضروس ود. نصحى عبد الشهيد، الرسالة الأولى فصل 28 ص82، إصدار مركز دراسات الآباء 1994.
[35] اعتراف الآباء، المرجع السابق ورقة 159 (v).
[36] المرجع السابق ورقة 161 (v).
[37] اعتراف الآباء … المرجع السابق ورقة 227 (r).
[38] المرجع السابق، ورقة 201 (v).
[39] المرجع السابق ورقة 201 (r).
[40] اعتراف الآباء … المرجع السابق ورقة 212 (r).
[41] رسالة البابا قسما إلى البطريرك يوحنا الأنطاكى. انظر اعتراف الآباء. المرجع السابق ورقة 168 (v).
[42] الخريدة النفيسة. المرجع السابق ص362.
[43] المرجع السابق. ورقة 167 (r).
[44] اعتراف الآباء ورقة 233 (v).
[45] انظر على سبيل المثال رسالة السنوديقا التي أرسلها يوحنا بطريرك أنطاكية الـ 64 إلى البابا خرستوذولس الـ 66. اعتراف الآباء. المرجع السابق ورقة 233 (v).
[46] اعتراف الآباء 167 (r).
[47] اعتراف الآباء. المرجع السابق ورقة 201 (r)، 212 (r).
[48] اعتراف الآباء. المرجع السابق: + ورقة177(r) “..المجمع الطمت الذي اجتمع بخلقيدونية “. + ورقة183(r) “..المجمع الطمت الذي اجتمع بخلقيدونية “. + ورقة202(v) ” سنودس خلقدون الاثمة “. + ورقة213 (r) ” المحفل الذي اجتمع بخلقدونية بغير ناموس … الفاسدين “. + الخريدة النفيسة ج2 ص362 ” المجمع الردئ الاسم والسمعة مجمع خلقيدون ولاون بطومسه “. +ورقة 219 (r) ” المجمع الردئ الطمت اليهودى الذي اجتمع بخلقدون “، وأيضًا بورقة رقم 197 (v).
[49] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 202 (v).
[50] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 214 (v).
[51] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 237 (v).
[52] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 213 (v).
[53] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 202 (v).
[54] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 237 (v).
[55] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 208 (v).
* إختصارات: حرف (v) يعنى وجه الورقة بالمخطوط.
حرف (r) يعنى ظهر الورقة بالمخطوط.
رسائل السنوديقا أو الرسائل المجمعية المتبادلة بين باباوات كرسي الأسكندرية وبطاركة السريان الأرثوذكس بأنطاكيا
إنَّ الغموض الذي يكتنف التَّاريخ المبكِّر لكنيسة الإسكندريَّة حتى بدايات القرن الثَّالث الميلادي يمثِّل تحدياً واضحاً للباحثين والدَّارسين. وتتَّضح طبيعة هذا التَّحدي، إذا تذكَّرنا أنَّ مدينة الإسكندريَّة كانت أكبر مدينة يونانيَّة في العالم آنئذ، بل ومركز العلم فيه، فضلاً عن أنها كانت تضم أكبر جالية يهوديَّة خارج فلسطين، ومن ثمَّ كان من اللازم أن يكون لها هدفٌ واضحٌ لرسالة المسيحيَّة.
وفي مقابل هذه الاعتبارات نُفاجأ بمصادر شحيحة نادرة لمصادر ووثائق كنيسة الإسكندريَّة في هذه الفترة المبكِّرة من تاريخها، وهي المصادر التي فحصها المؤرِّخ يوسابيوس القيصري (260-340م) في القرن الرَّابع الميلادي، وأعاد فحصها ودرسها مؤرِّخون عظماء لا يمكن نسيان فضلهم، وكان من أهم هؤلاء المؤرِّخين، العالم أدولف هارناك Adolf Harnack (1851-1930م)([1]).
وإذا نظرنا نظرة فاحصة إلى الوثائق والبرديَّات التي توفَّرت لدينا، والتي اكتُشفت مؤخَّراً في مصر، وتعود إلى الثَّلاثة قرون الأولى للمسيحيَّة، فسوف نتعجَّب أيَّما تعجُّب من قلَّتها ونُدرتها. فالرَّسائل والوثائق القليلة التي جمعها العالم بيل([2]) H.I. Bell ونشرها سنة 1944م، وتلك التي حصرها العالم الأب هولست([3]) J. Van. Haelst ونشرها سنة 1970م وهي التي تغطي السَّنوات من سنة 270م إلى سنة 350م، مع القليل الذي يمكن إضافته، قد جاء إلى النُّور في السَّنوات الأخيرة فحسب.
والدِّراسة التي بين يديك، هي محاولة تأريخ لكنيسة الإسكندريَّة في هذا العصر المبكِّر من تاريخها، وذلك من خلال شهادة الأدب المسيحي المحفوظ في المخطوطات القديمة المكتشفة في مصر، سواء كانت مخطوطات تختص بالأسفار الكتابيَّة، أو بأية كتابات أخرى. فهو إذاً تأريخ لا يعتمد على روايات، بل يعتمد أساساً على وثائق قديمة وصلت إلينا، سواء كانت من البرديَّات papyrus أو الجلد المدبوغ leather أو الرُّقوق parchment .
ومن جهة أخرى تتطرَّق هذه الدِّراسة إلى الحديث عن شكل الحياة المسيحيَّة في كنيسة الإسكندريَّة قبل وصول القدِّيس مرقس الرَّسول إليها، طبقاً للوثائق القديمة التي وصلت إلينا. ثمَّ فحص أوَّل وثيقة معروفة حتى الآن، تشرح لنا كرازة القدِّيس مرقس الرَّسول لمصر بالمسيحيَّة، وهي الوثيقة المعروفة باسم ”أعمال مرقس“.
آملاً بذلك أن أُلقي بعض الضَّوء على جانب لم ينل حظَّه كاملاً في التَّأريخ المبكِّر لكنيسة الإسكندريَّة وثائقياً وليتورجياً، في هذه الحقبة المبكِّرة جداً من تاريخها، ولاسيَّما لقارئ العربيَّة، إذ ظلَّ القَّارئ القبطي العزيز بحاجة إلى المزيد عن هذه الجزئيَّة من تاريخ كنيسته مدوَّناً بالعربيَّة.
المسيحيَّة في مصر قبل وصول القدِّيس مرقس الرَّسول إليها
إنَّ الغموض الذي يكتنف التَّاريخ المبكِّر للكنيسة المسيحيَّة في مصر في القرنين الأوَّل والثَّاني للميلاد، والذي لا تنقشع غمامته إلاَّ مع بداية القرن الثَّالث الميلادي، يشكِّل أمامنا تحدياً واضحاً. ولكن بدراسة المخطوطات البرديَّة، وحالة المجتمع، والعقائد السَّائدة، التي عرفتها المسيحيَّة المصريَّة المبكِّرة، يمكن أن ينفتح أمامنا مجال خصب للتَّعرُّف على بواكير الحياة المسيحيَّة في مصر. هذا ما يقوله العالم كولين روبرتس Colin H. Roberts أحد أبرز علماء البرديَّات في عالمنا المعاصر([4]).
وفي الحقيقة فإنَّ الوثائق البرديَّة لا تستطيع أن تمدّنا بأي أحداث مفيدة عن تلك الفترة المبكِّرة لكنيسة مصر، أي فيما قبل القرن الثَّالث الميلادي. وبمعنى آخر فإنَّ الأحداث الوثائقيَّة للمسيحيَّة في مصر تبدأ مع بدايات القرن الثَّالث الميلادي فحسب. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه ليست هناك أيَّة برديَّات على الإطلاق تعود إلى القرن الأوَّل الميلادي.
ولقد أولى العالم روبرتس Colin H. Roberts جُلَّ اهتمامه بأقدم البرديَّات المصريَّة التي أشارت إلى المسيحيَّة المبكِّرة في مصر. وإنَّ النَّتائج التي توصَّل إليها في هذا المجال هي ذات أهميَّة بالغة. فلقد استطاع أن يغيِّر نظريَّة العالم والتر بوير Walter Bauer تغييراً كُلياً بعد فحصها ونقدها، وهي النَّظريَّة التي انتشرت في الأوساط العلميَّة الدِّينيَّة انتشاراً واسعاً، والتي كانت تقول بأنَّ نوع المسيحيَّة المبكِّرة في مصر كان هرطوقياً، وبالتَّحديد غنوسياً. وهو ما سأشرحه بالتَّفصيل فيما بعد.
لقد قام العالم روبرتس Colin H. Roberts بمسح شامل لبرديَّات محفوظة في مصر تعود إلى القرن الثَّاني الميلادي. وسلَّط الضَّوء على عشر برديَّات كتابيَّة منها([5])، وأربع أخرى غير كتابيَّة([6]). ولم يظهر من بين هذه البرديَّات العشر سوى برديَّة واحدة بها ميل نحو الغنوسيَّة، وهي ”إنجيل توما“، وحتى هذا الميل الغنوسي مُبهم وغير واضح([7]).
لقد ألقت دراسات روبرتس Colin H. Roberts ضوءاً جديداً على أصول المسيحيَّة في مصر. وهو يخلُص إلى القول بأنَّ الدَّلائل الكثيرة تشير إلى أنَّ كنيسة أورشليم هي أقدم مصدر للكنيسة المسيحيَّة في مصر. وأنَّ المسيحيَّة المبكِّرة في مصر كانت يهوديَّة. وفضلاً عن ذلك فإنَّ المسيحييِّن الأوائل في مصر نُظر إليهم كيهود أو كجماعة متميِّزة مستقلَّة، ذات عقائد خاصة. وهذا واضح بالطبَّع لأنَّ الإسكندريَّة كانت موطن أكبر جالية يهوديَّة في العالم القديم، ومن هذه الجالية خرج المبشرون المسيحيُّون الأوائل ليكرزوا بالمسيحيَّة في مصر.
والحقيقة التي يلزم أن تبقى ماثلة أمام أذهاننا – وحتى اليَوم – هي أنَّ تاريخ المسيحيَّة في مصر قبل زمن الإمبراطور هدريان (117- 138م)، مُبهم للغاية. ولقد كان العالم روبرتس Colin H. Roberts على حق حينما يذكر أنَّ معرفتنا بالغنوسيَّة في مصر قبل زمن هدريان([8])، هي أكثر غموضاً من المسيحيَّة غير الغنوسيَّة فيها([9]).
نشأة المسيحيَّة في مصر في وسط يهودي
يرى كثيرٌ من العلماء أمثال العالم روبرتس Colin H. Roberts ، العالم دانييلو Daniélou ، العالم هورنشو Hornschuh ، والعالم كوستر Koester أنَّ المسيحيَّة في كنيسة مصر كانت في بدايتها ذات خاصيَّة مسيحيَّة يهوديَّة A Jewish- Christian Character ، وطبقاً لهذه الرؤية، فعلينا أن نتحدَّث عن نشأة المسيحيَّة في مصر في وسط يهودي أولاً([10]).
ويُفترض في المسيحيَّة اليهوديَّة أنها شكل من أشكال المسيحيَّة وثيق الصِّلة باليهوديَّة من جهة اللُّغة والأفكار واللاهوت. وإنَّ خصائص هذه اللُّغة وهذه الأفكار وهذا اللاهوت تتغيَّر طبقاً لشكل اليهوديَّة التي تبنَّاها وطوَّعها المسيحيُّون في أي منطقة يعيشون فيها([11]).
إنَّ ما يؤكِّد الإجماع على وجود تأثير طاغ لليهوديَّة على المسيحيَّة النَّاشئة في مصر هو بعضٌ من التَّقاليد المبكِّرة عن أصل المسيحيَّة في مصر وتطوُّرها المبكِّر.
فأقدم مصدر معروف لدينا هو ما ورد في سفر أعمال الرُّسُل([12])، حيث نقرأ عن رجل يهودي إسكندري الجنس، يصفه سفر الأعمال بأنه فصيح مقتدر في الكُتُب، حارٌ بالرُّوح([13]) يُدعى أبولوس Apollos وهو أحد المساعدين لبولس الرَّسول في أفسس وكورنثوس، فهذا وفد إلى أفسس قادماً من الإسكندريَّة، وكان يعلِّم في أفسس عن أمور تختص بيسوع بكل تدقيق، عارفاً معموديَّة يوحنا المعمدان فقط، فأخذه إليهما أكيلا Aquila وبرسكلا Priscilla وكانا مسيحييَّن، وشرحا له طريق الرَّب بأكثر تدقيق. والقراءة المدقِّقة لسفر أعمال الرُّسُل (أعمال 25:18) تؤكِّد أنَّ هذا الرَّجل كان قد تعلَّم الكلمة في وطنه([14]). وهو ما يُفترض معه وجود مسيحيِّين من أصل يهودي في الإسكندريَّة في أواخر الأربعينيَّات أو أوائل الخمسينيَّات من القرن الأوَّل الميلادي. أي في فترة حكم الإمبراطور كلوديوس (41-54م).
وهذه النُّقطة لا يمكن أن نعبر عليها بسهولة، لأنَّ هذا الأمر يوضِّح لنا أنَّ جماعة من اليهود في الإسكندريَّة كانوا قد أيقنوا أنَّ يسوع هو المسيح، بعد أن فحصوا الكُتُب، لكن بدون أن يعرفوا شيئاً عن الرُّوح القُدُس وحلوله يوم الخمسين. إذ آمنوا بالمسيح أنه المسيَّا، بل وخرج أناسٌ منهم ليكرزوا بهذا الإيمان خارج وطنهم كما فعل أبولوس في أفسس. فكيف يحدث هذا وحلول الرُّوح القُدُس يوم الخمسين قد شهده يهودٌ من الإسكندريَّة وعادوا إلى وطنهم يخبرون بما رأوه وسمعوه؟ بل إنَّ خبر حلول الرُّوح القُدُس قد انتشر في كلِّ العالم، إذ عاينه جاليات يهوديَّة منتشرة في كلِّ أنحاء الأرض تتكلَّم خمس عشرة لغة على الأقل([15]).
والعجيب حقاً أن يكون أبولوس رجلٌ حارٌ بالرُّوح، وهو لم يقبل بعد الرُّوح القُدُس. والغريب أيضاً أنَّ مجئ أبولوس إلى أفسس كان حوالي سنة 55 ميلاديَّة أو قبلها بقليل، أي بعد مضي أكثر من عشرين سنة على حادثة حلول الرُّوح القُدُس في يوم الخمسين، ولم يعلم بها أبولوس ولا الرِّجال الذين بشَّرهم بالمسيح، وآمنوا به على يديه([16]).
هنا إشارة ضمنيَّة عن تأثير وفعل كرازة يوحنا المعمدان، وكيف مهَّدت فعلاً الطَّريق للإيمان بالمسيح، ليس في فلسطين وحدها، بل تعدَّتها إلى أقطار أخرى أيضاً. وهنا أيضاً إشارة هامة عن يهود من الإسكندريَّة آمنوا بالمسيح قبل أن يسمعوا بخبر حلول الرُّوح القُدُس يوم الخمسين. ممَّا يدفعنا إلى الاعتقاد بأنَّ البعض منهم كانوا على صلة بجماعة ”الأسينيِّين“([17]).
لقد أردتُ أن أوضِّح أنَّ الإيمان بالمسيح بين أناسٍ من الجالية اليهوديَّة التي عاشت في الإسكندريَّة قد حدث فعلاً قبل حلول الرُّوح القُدُس يوم الخمسين، أو على الأقل قبل أن يعرف هؤلاء بهذا الحدث الجلل. وهكذا يتأكَّد لدينا أنه طبقاً لسفر الأعمال فإنَّ المسيحييِّن من أصل يهودي كانوا يعيشون في مصر في تاريخ مبكِّر جداً([18]).
ويقول العالم بيرجر بيرسون B.A. Person : ”إنَّ العهد الجديد يصمُت تماماً عمَّن يكون المنظِّم الأوَّل لكنيسة الإسكندريَّة في هذه الفترة المبكِّرة جداً من تاريخها“([19]). ولكن الحقيقة فإنَّ هذه المسيحيَّة النَّاشئة في مصر في شكل جماعات لا نستطيع أن نسميها كنيسة بالمعني الدَّقيق لمفهوم الكنيسة، بل كانت حتى ذلك الوَقت اجتهادات – حتى ولو كانت جماعيَّة – لم تأخذ صبغتها القانونيَّة ككنيسة مبنيَّة على أساس الرُّسُل، حيث لم يكن القدِّيس مرقس الرَّسول قد وفد إلى الإسكندريَّة ليؤسِّس كنيستها، ولينقل إليها سرَّ الكهنوت المقدَّس بوضع اليد، لإقامة أساقفة يعاونهم القسوس والشَّمامسة، يحملون الأمانة المقدَّسة المسلَّمة إليهم عبر زمان غربة الكنيسة على الأرض.
ولقد كان لهذه الجماعة المسيحيَّة الأولى ذات الأصول اليهوديَّة تأثيرٌ في تشكيل جانب من الحياة اللِّيتورجيَّة لكنيسة الإسكندريَّة، بل وعلى الكنيسة المسيحيَّة في كلِّ العالم. فإنَّ تأثير أفكار فيلو – وهو أحد الشَّخصيَّات المعتبرة بينهم – كان قوياً في مدرسة الإسكندريَّة اللاهوتيَّة([20])، وأنَّ أسلوبه الرَّمزي في تفسير الكُتُب المقدَّسة، والبحث عن المعنى المختبئ وراء الكلمات، قد انتشر في كلِّ أنحاء العالم المسيحي لاسيَّما في كنيسة الإسكندريَّة عبر العلاَّمة كليمندس الإسكندري (150-215م)، ومن بعده العلاَّمة أوريجانوس (185-254م)، وغيرهما. وقد تأثَّروا كثيراً بمنهج فيلو في البحث والدِّراسة.
ومن جهة أخرى، كان ليهود الإسكندريَّة والقيروان مجمع خاص بهم في أورشليم([21]). وكانت الصِّلة بين الإسكندريَّة وأورشليم متَّصلة على الدَّوام. لأنه بعد أن آمن بعض من هؤلاء اليهود بالمسيحيَّة وتنصَّروا، لم يكن من السَّهل أن تنقطع الصِّلة بين عوائدهم اليهوديَّة القديمة وديانتهم الجديدة، بل إننا نرى أنَّ هذه هي الجذور الأولى التي ربطت بين كنيسة الإسكندريَّة وكنيسة أورشليم، حتى أصبحت كنيسة الإسكندريَّة هي الحارس الأمين لكثير من الطُّقوس القديمة لكنيسة أورشليم، وحتى اليَوم.
وهناك وثيقة قديمة جداً، تُعد أحد أهم الوثائق التي تلقي ضوءاً ولو قليلاً على وجود مسيحيِّين في مصر بعد صعود السيِّد المسيح إلى السَّماء بما لا يتعدى عشر سنوات فقط. ونقصد بهذه الوثيقة تلك الرِّسالة الشَّهيرة التي أرسلها الإمبراطور كلوديوس (41- 54م) إلى الإسكندريِّين، والمؤرَّخة بتاريخ 10 نوفمبر سنة 41م، ونعني بها الفقرة التي تقول:
”… ولا أن يستقدموا (أي اليهود الذين يعيشون في الإسكندريَّة) أو يزوروا يهوداً قادمين من سوريا أو مصر، وإلاَّ فسأكون مدفوعاً إلى شكٍّ أكبر من جهتهم. وإذا لم يطيعوا فسوف أتعقَّبهم في كلِّ مكان كمثيري إزعاج لكل العالم“. فالاحتمال القائم هنا في عبارة ”يهوداً قادمين من سوريا“ هو أنها إرساليَّات مسيحيَّة يهوديَّة وفدت من فلسطين إلى مصر. وبرغم ذلك فليس لدينا تأكيدات يمكن أن نقطع بها في هذا الشَّأن. وعلى أي حال مهما كان معنى خطاب الإمبراطور كلوديوس، فمن الواضح فيه أنَّ الإرساليَّات المسيحيَّة المبكِّرة التي وفدت إلى الإسكندريَّة ربما كانت يهوداً متنصرين قادمين من سوريا، أي من فلسطين، وخصوصاً من أورشليم([22]).
ولا نغفل هنا ما يشير إليه سفر أعمال الرُّسُل أنَّ يهوداً من الذين سمعوا عظة بطرس الرَّسول قد وفدوا إلى أورشليم قادمين من مصر وأجزاء من ليبيا لاسيَّما من سيرين (أو قيرين) Cyrene([23]). والذين كانوا يقاومون إسطفانوس – الهليني – أوَّل شهداء المسيحيَّة، كانوا هم أيضاً يهوداً من سيرين Cyrene والإسكندريَّة([24]). وإن كان الموطن الأصلي للشَّهيد إسطفانوس وخمسة من مساعديه لم يُفصح عنه، لكنَّهم كلّهم كانوا يهوداً يحملون أسماء يونانيَّة([25])، وربما جاء بعضهم من الإسكندريَّة([26]).
وعلى أي الحالات فإنَّ حركة المرور بين أورشليم والإسكندريَّة كانت واسعة شاملة في كلا الاتجاهين. ويمكن لنا بكل سهولة أن نفترض أنَّ بعضاً من الإسكندريين اليهود الذين تحوَّلوا إلى المسيحيَّة في فلسطين عادوا إلى وطنهم لينشروا الإيمان الجديد. وربما كان من بين هؤلاء يهودٌ تشتَّتوا من وطنهم أورشليم بسبب الاضطهاد العظيم الذي حصل للكنيسة التي في أورشليم، فجالوا مبشرين بالكلمة([27]). إنَّ الأحداث هنا لا تشفي الغليل بسبب أنَّ كاتب سفر أعمال الرُّسُل كان يركِّز جُلَّ اهتمامه ناحية آسيا الصُّغرى واليونان وروما، أكثر من اهتمامه بمصر والإسكندريَّة([28]).
وهكذا انحصرت المسيحيَّة في مصر في بداياتها المبكِّرة جداً – قبل مجئ القدِّيس مرقس الرَّسول إليها – بين جماعات من اليهود آمنوا بالمسيح.
وصف للحياة المسيحيَّة في بواكيرها الأولى في مصر
إنَّ مجموعة الكتابات التي استقر التَّقليد على نسبتها إلى كنيسة مصر، لا تعطينا أي أساسيَّات لوصف المسيحيَّة المبكِّرة في مصر، فمحتوياتها خارجيَّة. وهذا يفسِّر لنا الحيرة التي لا زلنا فيها حتى اليَوم بخصوص المسيحيَّة المبكِّرة في كنيسة مصر. ويمكننا أن نخلُص إلى نتيجة مفادها، أنَّ كثيراً من الكتابات الشَّعبيَّة في مصر تظهر لنا بعض التَّأثيرات اليهوديَّة المسيحيَّة، ولكن ذلك لا يعطينا صورة دقيقة عن الوضع الحقيقي لكنيسة مصر في بواكيرها الأولى([29]). ويشير العالم روبرتس Colin H. Roberts إلى أنَّ أقدم الوثائق المسيحيَّة في مصر في تلك الفترة المبكِّرة لا يمكن تمييزها عن تلك الوثائق اليهوديَّة([30]).
إلاَّ أننا نتقابل مع وصف لشكل ومضمون المسيحيَّة في نشأتها المبكِّرة في مصر، كما وردت في كتاب ”تاريخ الكنيسة“ ليوسابيوس القيصري([31]) (260-340م) نقلاً عمَّا يصفه فيلو([32]) Philo الفيلسوف اليهودي (13ق.م-50ب.م) في كتابه ”حياة التأمُّل“، أو ”في المتضرِّعين“ عن المسيحييِّن الأوائل في كنيسة الإسكندريَّة – وهم من أصل يهودي – والذين يدعوهم ”نسَّاك مصر“ أو ”عبَّاد مصر“. ويقول بأنهم قد انتشروا في كلِّ مديريَّاتها، ولاسيَّما في نواحي الإسكندريَّة. وبعد أن يصف لنا حياتهم النُّسكيَّة وبيوتهم التي خصَّصوا فيها مكاناً مقدَّساً للصَّلاة دعوه ”مقدِساً“، يتحدَّث عن كنائسهم التي انتشرت هنا وهناك، وعن الأغاني والتَّرانيم التي ألَّفوها ليرتِّلوها لله في كنائسهم بكل أنواع الأوزان.
فيقول يوسابيوس القيصري نقلاً عن فيلو (260-340م):
”يبدو أنهم كانوا من أصل عبراني، ولذلك كانوا يراعون معظم عوائد الأقدمين حسب طريقة اليهود … إنَّ هؤلاء الرِّجال كانوا يدعَون أطباء، وأنَّ النِّساء المرافقات لهم تُدعَين طبيبات([33]) … كانوا يعالجون ويشفون نفوس الذين كانوا يأتون إليهم، بإسعافهم وإنقاذهم من الشَّهوات الفاسدة، أو من هذه الحقيقة، أنهم كانوا يعبدون الله ويخدمونه بطهارة وإخلاص. وعلى أي حال فهو([34]) يشهد أنهم أوَّل كلّ شئ قد تركوا ممتلكاتهم. ويقول: إنهم عندما يبدأون طريقة الحياة الفلسفيَّة يتنازلون عن كلِّ ممتلكاتهم لأقاربهم. وبعد أن ينبذوا كلَّ اهتمامات الحياة يخرجون من المُدُن، ويقطنون الحقول الموحشة والحدائق، عالمين تماماً أنَّ الاختلاط بمن يختلفون عنهم في المشارب عديم الجدوى ومُضر. والمرجَّح أنهم فعلوا هذا في ذلك الوَقت تحت تأثير إيمان ملتهب بسيرة الأنبياء …
وبعد ذلك يضيف الوصف التَّالي: ’وفي كلِّ مكان في العالم يوجد هذا الجنس … على أنَّ هذا الجنس يكثر في مصر بنوع أخص، في كلِّ مديريَّاتها([35])، لاسيَّما نواحي الإسكندريَّة. وأصبح أفاضل النَّاس من كلِّ ناحية يهاجرون كما إلى مستعمرة الأطباء، إلى موقع مناسب جداً يشرف على بحيرة مريوط، فوق تلٍّ منخفض ممتاز الموقع، بسبب توفُّر الأمن فيه وجودة مناخه‘.
وبعد ذلك بقليل، بعد أن يصف نوع بيوتهم، يتحدَّث كما يلي عن كنائسهم التي كانت منتشرة هنا وهناك. ’في كلِّ بيت يوجد مكان مقدَّس يدعى قُدساً وديراً، حيث يؤدُّون أسرار الحياة الدِّينيَّة في عُزلة تامة. وهم لا يُدخلون إليه أيَّ شئ، لا طعام ولا شراب، ولا أيَّ شئ يتَّصل بحاجيَّات الجسد، بل الشَّرائع فقط وأقوال الأنبياء الحيَّة والتَّرانيم وغيرها ممَّا يساعد على كمال معرفتهم وتقواهم … وكلُّ الفترة من الصَّباح إلى المساء هي وقت رياضة (روحيَّة) لهم، لأنهم يقرأون الكُتُب المقدَّسة ويفسِّرون فلسفة آبائهم بطريقة رمزيَّة، معتبرين الكلمات المكتوبة رموزاً لحقائق خفيَّة أُعطيت في صورة غامضة. ولديهم أيضاً كتابات من القدماء مؤسِّسي جماعتهم الذين تركوا آثاراً كثيرة رمزيَّة. وهؤلاء يتَّخذونهم قدوة لهم ويقلِّدون مبادئهم‘.
والمرجَّح جداً أنَّ مؤلَّفات القُدماء – التي يقول إنها كانت عندهم – هي الأناجيل وكتابات الرُّسُل، وربما تفسير بعض النُّبوَّات القديمة، كما تتضمَّنه الرِّسالة إلى العبرانيين، والكثير من رسائل القديس بولس الرَّسول.
وأيضاً يكتب ما يلي عن المزامير الجديدة التي صنَّفوها: ’وهكذا لا يقضون وقتهم في التَّأمُّلات فحسب، بل أيضاً يؤلِّفون الأغاني والتَّرانيم لله بكل أنواع الأوزان والألحان. ولو أنهم يقسِّمونها بطبيعة الحال إلى مقاييس مختلفة …
ولا يتناول أحدهم طعاماً أو شراباً قبل غروب الشَّمس، لأنهم يعتبرون التَّفلسُف كعمل خليق بالنُّور، أمَّا الاهتمام بحاجيَّات الجسد، فلا يتَّفق إلاَّ مع الظَّلام، ولذلك يخصِّصون النَّهار للأوَّل، أمَّا الثَّاني فيخصِّصون جزءاً قليلاً من اللَّيل …
وهل من الضَّروري أن نضيف إلى هذه الأمور اجتماعاتهم وتصرُّفات الرِّجال والنِّساء أثناء هذه الاجتماعات، والعادات التي لا نزال نراعيها إلى اليَوم، ولاسيَّما تلك التي نجريها في عيد آلام المخلِّص، مع الصَّوم وسهر اللَّيل، ودرس الكلمة الإلهيَّة‘؟. هذه الأمور رواها المؤلِّف المشار إليه في كتابه([36])، موضحاً نوع الحياة التي لا زلنا وحدنا نحافظ عليها اليَوم، ومدوِّناً بصفة خاصة سهرات اللَّيل التي يمارسونها بمناسبة العيد العظيم([37])، والرِّياضة (الرُّوحيَّة) التي كانت تُمارس خلال تلك السَّهرات، والتَّرانيم التي اعتدنا تلاوتها، ومبيِّناً كيف أنه عندما كان الواحد يرنِّم في الوَقت المحدَّد، كان الآخرون يصغون في صمت ولا يشتركون في التَّرانيم إلاَّ في آخرها … وعلاوة على هذه يصف فيلو رُتَب الشَّرف الكائنة بين الذين يمارسون خدمات الكنيسة، ذاكراً رتبة الشَّماسيَّة، ورتبة الأسقفيَّة التي تتقدَّم على كلِّ ما عداها … أمَّا أنَّ فيلو عندما كتب هذه الأمور كان واضعاً نصب عينيه سفراء الإنجيل والأوائل المسلَّمة منذ البدء من الرُّسُل، فهذا أمرٌ واضحٌ لكلِّ أحد“([38]).
هذه واحدة من أهم الإشارات المبكِّرة عن وجود جماعات مسيحيَّة في مصر من أصل يهودي، وكان من أشهر هذه الجماعات هي جماعة الثيرابيوتا التي عاشت حول بحيرة مريوط بعد أن تحوَّل أعضاؤها من اليهوديَّة إلى المسيحيَّة إثر أحداث يوم الخمسين في أورشليم، وعظة القدِّيس بطرس الرَّسول فيه. فعادوا إلى وطنهم الثَّاني مصر، حيث كانت الجالية اليهوديَّة في الإسكندريَّة من أكبر الجاليات اليهوديَّة في العالم آنذاك، ليدينوا بدينهم الجديد بعد أن أيقنوا أنَّ المسيَّا الذي ظلُّوا ينتظرونه هذه القرون الطَّويلة هو يسوع المسيح ابن الله، الذي دخل إلى العالم وأكمل الخلاص الذي كان في فكر أبيه منذ الأزل. وهو ما استُعلن في يوم الخمسين عندما حلَّ الرُّوح القُدُس على الكنيسة في العُليَّة التي اجتمع فيها الرُّسُل مع آخرين من رجال ونساء، ليعلن الابن مخلِّصاً ورباً، جاء ليعلن محبَّة الله الآب للعالم، حتى إلى حد بذل ابنه وحيده على الصَّليب عن حياة العالم، تلك الحياة التي فقدها بعصيان الإنسان الأوَّل.
انعدام الشَّواهد الوثائقيَّة لكنيسة الإسكندريَّة في القرن الأوَّل الميلادي
لو كانت المسيحيَّة نشطة في مصر في القرن الأوَّل الميلادي كما كانت في أفسس أو كورنثوس، فإنَّنا يجب أن نتوقَّع وجود بعض النُّصوص من العهد القديم في هذا القرن([39]). إلاَّ أنَّ انعدام الشَّواهد الوثائقيَّة في كنيسة الإسكندريَّة تقريباً في القرن الأوَّل الميلادي، وندرتها في القرن الثَّاني للميلاد سواء في مصادرنا الأدبيَّة أو الوثائقيَّة يرجع إلى عدَّة أسباب.
فبادئ ذي بدء يجب علينا ألاَّ ننكر أنَّ كنيسة الإسكندريَّة في القرن الأوَّل الميلادي كانت قليلة العدد. وهي وإن كانت غير ذي شأن في هذا الوقت، فإنَّ تفسير ذلك يكمن في علاقتها باليهوديَّة.
لقد كان صعباً في البداية أن ينتقل الإيمان المسيحي من اليهود الذين آمنوا بالمسيح إلى الأممييِّن أي الوثنيين المحيطين بهم في هذه البلاد، على الأقل خلال القرن الأوَّل الميلادي أو بعده بقليل، ذلك لأنَّ العلاقات السَّيئة بين اليهود وجيرانهم من الوثنيين خارج فلسطين، أي في الشَّتات، كانت أمراً شائعاً في العالم القديم.
فيقول شاف Schaff إنَّ اليهود كانوا يتحفَّظون تحفُّظ الخوف من الوثنيين، ولذا فقد نالوا احتقارهم كأعداء للجنس البشري. ومع ذلك فقد استطاع اليهود بكفاحهم وحصافتهم أن يجمعوا ثروات طائلة، وأن تكون لهم مكانة في بعض المدن الكُبرى في الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة([40]). لقد كان ناموسهم يمنعهم من التَّعامل أو الاتصال بالأمم الأخرى.
أمَّا في مصر وفي الإسكندريَّة بالتَّحديد فقد حدثت مصادمات بين اليهود واليونانييِّن، وسنعدِّد هنا تلك المصادمات التي حدثت بينهما في القرن الأوَّل الميلادي.
ففي سنة 38م أثناء زيارة هيرودس أغريباس للإسكندريَّة، حدث شغب من اليهود، انتهى إلى مذابح دمويَّة رهيبة بين اليهود واليونانييِّن. وكان رد الفعل من اليهود للانتقام سنة 41م ما اضطر الوالي الرُّوماني لاستخدام قوَّاته لردع اليهود، ممَّا تسبَّب بالتَّالي في إراقة دماء يهوديَّة كثيرة.
وعند بدء قيام ثورة يهود فلسطين سنة 66م، ثار معهم أيضاً يهود الإسكندريَّة متضامنين مع إخوتهم، فقُتل منهم – طبقاً لقول يوسيفوس -50 ألف يهودي.
وأخيرا كانت هناك ثورة اليهود المشئومة في عهد الإمبراطور تراجان (98- 117م) والتي امتدت من القيروان Cyrenaica إلى الإسكندريَّة ومصر الوُسطى، حتى بلغت إلى صعيد مصر، كما تخبرنا الوثائق البرديَّة([41]).
إذاً فقد كان من الصَّعب على مؤمني كنيسة الإسكندريَّة وهم من اليهود المستوطنين فيها، أن تمتد كرازتهم بالمسيح خارج وسطهم اليهودي بسبب بُغضة اليونانيين لهم. فقد كان المسيحيُّون الأوائل معتبرين أنهم يهوداً في نظر الوثنيِّين، وفي أحسن الحالات نُظر إلى المسيحيَّة كشيعة متطرِّفة أو خارجه عن اليهوديَّة. وكما رأينا وتأكَّدنا أنَّ المسيحيَّة التي وصلت إلى الإسكندريَّة كانت متأثِّرة باليهوديَّة، أو كانت ذات صبغة يهوديَّة، لذلك يصبح من العسير أن تمتد الكرازة المسيحيَّة إلى الوثنيِّين أو خارجاً عن نطاقها اليهودي، في هذه الفترة المبكِّرة من تاريخ الكنيسة([42]).
يتبع
[1]- أدولف هارناك Adolf Harnack هو مؤرِّخ كنسي ولاهوتي ألماني الجنسيَّة، وهو أشهر عالم آبائي في زمانه. وصار هو المرجع الأساسي في الأدب المسيحي المبكِّر، وخصوصاً في فترة ما قبل مجمع نيقية المسكوني الأوَّل سنة 325م. وهو صاحب مؤلفات غزيرة لا زالت مراجع أساسيَّة للباحثين.
Cf. Cross, F.L. & Livingstone, E.A. The Oxford Dictionary of The Christian Church (ODCC), (2nd edition), 1988, p. 620.
[2]- H.I. Bell, Evidences of Christianity in Egypt during the Roman period, in HTR., 37 (1944).
[3]- J. Van. Hoelst, Les sources papyrologiques concernant ľEglise en Egypt à ľépoque de Constantin, in Proc. XII, Int congress of Papyrology, Toronto, 1970.
[4]- Birger A. Pearson, Earliest Christianity in Egypt, Some Observations, in The Roots of Egyptian Christianity, Editors, Birger A. Pearson ; James E. Goehring, U.S.A., 1986, p. 132 ; Colin H. Roberts, Manuscript, Society and Belief in Early Christian Egypt, Oxford University Press, 1979, p. 1.
[5]- سبع برديَّات منها من العهد القديم، وثلاث من العهد الجديد، وهي إنجيل يوحنا، وإنجيل متى، ورسالة بولس الرَّسول إلى تيطس.
[6]- وهي: (1) إنجيل إيجيرتون Egerton Gospel ، (2) إنجيل توما Gospel of Thomas (وُجد في برديَّة في مدينة أكسيرينخوس ’البهنسا الحاليَّة‘ P. Oxy. 1, 26-28)، (3) كتاب ضد الهرطقات لإيريناؤس Irenaeus, Adversus Haerses .
[7]- Birger A. Pearson, op. cit., p. 132, 133 ; Colin H. Roberts, op. cit., p. 52.
[8]- أي في أثناء فترة ظهور الغنوسيَّان باسيليدس Basilides وفالنتينوس Valentinus .
[9]- Birger A. Pearson, op. cit., p. 134.
[10]- A.F.J. KLIJN, Jewish Christianity in Egypt, in The Roots of Egyptian Christianity, Editors, Birger A. Pearson ; James E. Goehring, U.S.A., 1986, p. 162.
[11]- A.F.J. KLIJN, op. cit., p. 162.
[12]- أعمال 24:18، 25
[13]- انظر: أعمال 18، 19
[14]- Birger A. Pearson, op. cit., p. 136.
[15]- أعمال 9:2-11
[16]- أعمال 7:19
[17]- لم تُذكر جماعة الأسينيِّين في الكتاب المقدَّس ولا في التَّلمود اليهودي، وقد أشار إليها كلٌ من فيلو (13ق.م-50ب.م) ويوسيفوس (37-101م) وبليني الأكبر. والاسم يعني ”الأتقياء“، ويبدو أنها جماعة تكوَّنت في القرن الثَّاني قبل الميلاد، وظلَّت قائمة حتى القرن الثَّاني بعد الميلاد. وهي لم تخرج عن حدود فلسطين. فقد سكنوا وادي قمران في فلسطين. وفي بدء ظهور المسيحيَّة كان عددهم أربعة آلاف شخص، وكانت حياتهم الشَّخصيَّة منظَّمة للغاية، وكانوا يعيشون حياة مشتركة. وكان طالب الانضمام إليهم يبقى ثلاث سنوات تحت التَّعليم والاختبار، مع إدلاء قَسَم الطَّاعة، والحفاظ على سريَّة الجماعة. ويُظن أن تفاصيل عبادتهم وتعليمهم أتت من مصادر غير يهوديَّة. والاعتقاد بأن القدِّيس يوحنا المعمدان كان من بينهم، هو اعتقاد قابل للاحتمال.
Cf. Cross, F.L. & Livingstone, E.A. The Oxford Dictionary of The Christian Church (ODCC), (2nd edition), 1988 p. 471.
[18]- A.F.J. KLIJN, op. cit., p. 163.
[19]- Birger A. Pearson, op. cit., p. 136.
[20]- ODCC, 2nd edition, p. 1083.
[21]- انظر: أعمال 9:6
[22]- Birger A. Pearson, op. cit., p. 134.
[23]- انظر: أعمال 10:2
[24]- انظر: أعمال 9:6
[25]- انظر: أعمال 5:6
[26]- نيقولاوس فقط هو المهتدي إلى اليهوديَّة، وكان قد قدم من أنطاكية.
[27]- انظر: أعمال 1:8، 4
[28]- Birger A. Pearson, op. cit., p. 135.
[29]- A.F.J. KLIJN, op. cit., p. 167.
[30]- Birger A. Pearson, op. cit., p. 134.
[31]- كتب يوسابيوس القيصري تاريخاً للكنيسة في عشرة كتب، بدءًا من تجسُّد الكلمة وحتى سنة 324م وهو العمل الذي لأجله نال لقب ”أبو التَّاريخ الكنسي“.
[32]- اشتهر فيلو المؤرِّخ والفيلسوف اليهودي الإسكندري (13ق.م-50ب.م) في عهد الإمبراطور كاليجولا (37-41م)، حيث ألَّف تفاسير كثيرة على الأسفار المقدَّسة، بالإضافة إلى مؤلََّفات فلسفيَّة وتاريخيَّة ودينيَّة.
[33]- يحمل الأصل اليوناني لكلمتي ”أطباء وطبيبات“ معنى العبادة أو الطب.
[34]- يقصد به فيلو الفيلسوف اليهودي في كتابه السَّابق ذكره.
[35]- كانت مصر عدا مدينتي الإسكندريَّة وبتولمايس تنقسم إلى 36 مديرية (محافظة).
[36]- يقصد به فيلو الفيلسوف اليهودي في كتابه السَّابق ذكره.
[37]- أي عيد القيامة.
[38]- يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة القمص مرقس داود، الطبعة الثانية القاهرة، 1979م، 2:17:2-24
[39]- مثل شذرة عن سفر التَّكوين Genesis موجودة في مكتبة Yale وصفها ناشرها بأنها تعود إلى نهاية القرن الأوَّل الميلادي. ولكن روبرتس Colin H. Roberts يتردَّد في قبول هذا التَّاريخ.
Cf. Colin H. Roberts, Manuscript, Society and Belief in Early Christian Egypt, Oxford, 1979, p. 55.
[40]- Schaff, Vol. 1, p. 63, 64.
[41]- Colin H. Roberts, op. cit., p. 56.
[42]- Ibid., p. 56.
الملامح الوثائقية والليتورجية لكنيسة الإسكندرية في الثلاثة قرون الأولى
انتقلت نيابة غرب الإسكندرية، برئاسة المستشار ياسر هندى، إلى موقع كنيسة الملاك رفائيل للمعاينة، بعد الهجوم المسلح عليها والذى أسفر عن عن إصابة مجند و3 آخرين تواجدوا بمحيط الكنيسة.
كما قررت النيابة ندب الأدلة الجنائية، وطلب تحريات المباحث والأمن الوطنى حول الواقعة، وشكلت النيابة فريقا من أعضائها لسماع شهود الواقعة والمصابين داخل المستشفيات.
وكشفت التحقيقات الأولية لنيابة غرب الإسكندرية، والتى أشرف عليها المستشار ياسر هندى أن 4 ملثمين قاموا بإطلاق الأعيرة النارية على بعد حوالى 15 مترا من بوابات الكنيسة، ثم قاموا بسرقة واقى الرصاص “الصديرى” الخاص بالمجند المصاب فور سقوطه على الأرض وفروا هاربين، وأثناء محاولتهم الهرب حاول أحد الأهالى “فكهانى” بالإمساك بهم، لكنهم قاموا بإطلاق الرصاص عليه، وتم نقل مجند الشرطة إلى مستشفى الشرطة، ونقل باقى المصابين إلى مستشفى خاص قريب من موقع الحادث.