قوانين الايمان قبل مجمع نيقية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج6

قوانين الايمان قبل مجمع نيقية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج6

 

قوانين الايمان قبل مجمع نيقية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج6

 

كان الإيمان بالمسيح المُخلّص هو مركز البشارة، حتّى صارت ”السمكة“ هيَ الرمز للإيمان المسيحيّ في العالم الهليني وذلك لأنها في اليونانيّة ”ἰχθύς – إكسوس“ تشمل الحروف الأولى من العبارة ”يسوع المسيح، ابن الله المخلّص“. وقد شهد العلَّامة ترتليان بذلك كما شهدت نقوش السراديب الرومانيّة. وردت هذه العبارة الرمزيّة في مؤلفات الكُتَّاب المسيحيّين في نطاق واسع كقانون إيمان يُعبّر عن المعتقد المسيحيّ.

هذا لم تستحدثه المسيحيّة، فقد سبقتها اليهوديّة إلى ذلك، من خلال ما يُسمى بـ”الشِمَع- שְׁמֵע“ والتي تعني ”اسمع“، المأخوذة من الآية: ”اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرّبّ إِلهُنَا رّبّ وَاحِدٌ“ (تث6: 4).[1] يُعتبر هذا هو أقدم قانون إيمان عرفته البشريّة، فقد كان يُتلى يوميًا في الصلوات اليهوديّة. [2] وهو من أكثر اللحظات نشوة عند المُتعبد اليهوديّ، ففيه يرى أنّه يتقابل مع الله، وفيه يشهد لله، حتّى أنّه قد جاء في المدراش: ”إنّ الله عُرِف في العالم، بسبب أنّنا حملنا الشهادة له“، ويرون أنّ هذا القانون هو جوهر الإيمان اليهوديّ.[3]

بعد مجئ السيد له المجد، وإذ انطلقت الكنيسة في عصر الرسل تكرز وتبشر العالم بالخلاص كان لزامًا أن يعترف كلّ موعوظ بإيمانه جهرًا في صيغة مُختصرة قبلما يتقبّل العضويّة في جسد المسيح، أي قُبيل عماده مباشرة. وذلك كما فعل الخصي الأثيوبيّ (أع ٨: ٣٧) حين أعلن رغبته في العماد مُعترفًا ”أنا أومن أنّ يسوع المسيح هو ابن الله“.

فلم تكن العقيدة آن ذاك مُجرّد تعبيرًا فرديًّا نظريًّا، بل كانت تعبيرًا عن واقع الكنيسة. ولقد تمت صياغة العقائد كردود أفعال ضد التأويلات الخاطئة التي للهراطقة، وقد كان هدفها الجوهريّ هو الحفاظ على جوهر رسالة الإنجيل.[4]

يتحدّث عن قانون الإيمان فيما قبل مجمع نيقية الكثير من آباء الكنيسة، لكنّ، لم يكن له مُسمّى واحد، فالبعض أطلق عليه اسم: ”قاعدة الإيمان“، ”κανν τη̂ς πίστεως,- regula fidei“، وفي أحيان أُخرى كان يُدعى بـ”قانون الحقّ“.

يخبرنا عن قاعدة الإيمان المؤرخ الأوّل للكنيسة يوسابيوس القيصريّ، عندما يتحدّث عن مُخالفة الهراطقة للإيمان الأرثوذكسيّ، نجده يكتب: ”لقد تركوا قاعدة الإيمان القديم، لذلك، هم لا يعرفون المسيح، ولا فحصوا الكتب كما ينبغي“.[5]

بينما يُخبرنا هيبوليتوس الرومانيّ عن ”قاعدة الحقّ“، قائلًا: ”لقد كتبنا كتبًا دفاعية عن الإيمان، بكفاية واسهاب، وشرحنا قاعدة الحقّ لكل من يرغب“.[6]

يُعدّد المُعلِّم إكليمندس السكندريّ أسماء قانون الإيمان على النحو التالي:

”إنَّ الإيمان له قاعدة، وأنّ هذه القاعدة هيَ قانون الإيمان، أو القانون الكنسيّ، أو قاعدة الحقّ والتسليم“.[7]

يخبرنا ترتليان إنّ قاعدة الإيمان هذه، هيَ المقياس، وهيَ التي يُقاس عليها التّعليم الأرثوذكسيّ، وتُفرز الهرطقات:

”هذه القاعدة هيَ من الرسل، وحتّى بولس الرسول بعد اهتدائه، صعد إلى أورشليم، كي يُقارن قاعدة إنجيله، بقاعدة الإيمان عند باقي الرسل، وهذه القاعدة هيَ التي يتمّ بموجبها فرز الهرطقات والهراطقة“.[8]

أوريجانوس، وهو من هو، يقول إنّ قاعدة الحقّ هذه كانت مُنتشرة ومعروفة في كلّ الكنائس: ”إنّ كلّ ما يخص المسيح، قد حدّدته الكنائس، حسب القاعدة التي تقبلها كلّ الكنائس، وكلّ وعظ وكرازة يجب أن يتّبع هذه القاعدة“.[9]

فقد كان قانون الإيمان نصًا يشمل عناصر الإيمان الجوهريّة للمسيحيّة، مُرتبطة باللِّتورجيَّا والكتاب المُقدّس، وهو المقياس الذي يحكم ويُفسرّ ويعظ المُعلمون من خلاله، وهو ليس بالأمر المُستحدث، بل هو مُترسِّخ في تّعليم الكنيسة منذ نشأتها.

وقد كانت قوانين الإيمان هذه تعبيرًا فكريًّا عن الإيمان الحيّ في الكنيسة، أو هو تعبير جهاريّ يُعلن الإيمان الراسخ في الكنيسة. ونجد له هيئة أوليّة في بعض نصوص العهد الجديد، مثل:

–         في اعتراف الخصي الحبشيّ، قُبيل معموديته على يد فيلبس، نجد إحدى الأشكال الأولى لاعتراف الإيمان: ”فَقَالَ فِيلُبُّسُ:‘إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ مِنْ كلّ قَلْبِكَ يَجُوزُ’. فَأَجَابَ وَقَالَ: ‘أَنَا أُومِنُ أنّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللهِ’“ (أع8: 37).

–         ”لإنّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرّبّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أنّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خلّصتَ.‏لأنّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ“ (رو10: 9، 10).

–         ”فَإنّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: إنّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وأنّهُ دُفِنَ، وَأنّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ“ (1كو15: 3، 4).

–         ”عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ. وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سرّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرّر فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ“ (1تي3: 15، 16).[10]

وبهذا نجد أنّ صيّغ قانون الإيمان، تعود بذرتها الأولى إلى الرسل أنفسهم، وقد ظهر في أقدم أشكاله، كصيغة خاصة بالمعموديّة، يعترف بها طالب العماد مُعلنًا قبوله الحقّ ودخوله ”الحياة في المسيح يسوع“. فقد كانت المعموديّة، إحدى الدوافع التي أدت إلى ظهور قانون الإيمان، حتّى تتأكد الكنيسة أنّ المُعمّد مؤمن ومعترف بالإيمان المسيحيّ بأكمله.

في الدوائر اليهوديّة كان يكفي لطالب العماد أن يُعلن هذا القانون الإيمانيّ البسيط؛ أنّ ”يسوع هو المسيّا“، أي هو المخلّص الذي انتظره الآباء وشهد عنه الأنبياء، فيه كملت الشريعة وتحقّقت مواعيد الله للبشريّة. أمّا بالنسبة للأمم، إذ لم تكن لهم الشريعة ولا عرفوا النبوات عن المسيّا يعبدون آلهةً كثيرةً وأربابًا كثيرة، كان لزامًا على طالب العماد أن يُعلن حقّيقة إيمانه بأكثر وضوح: إيمانه بالله الواحد المثلث الأقانيم، وعمل المسيح الخلاّصيّ.

إذ ظهرت غنوصيّات غير أرثوذكسيّة تنادي بالثنائيّة، وتُحقِر من المادة وتشوّه حقّيقة التجسد الإلهيّ، لم يعد ”قانون الإيمان“ في صورته الأولى كافيًا، أي لا يكفي إعلان أنّ ”المسيح ابن الله الحيّ“، إنما يلزم الاعتراف بـ ”الحبل به من الروح القدس، ولادته من العذراء مريم، تألمه في عهد بيلاطس البنطي وموته ودفنه (وليس كما علَّم الغنوصيّين أنّه اختُطِف إلى السماء من على الصليب أو قبيل صلبه)، وأنّ الروح القدس حال في الكنيسة… إلخ“.[11]

نجد أولى الصياغات المُعبرة عن قانون الإيمان، خارج العهد الجديد، عند القديس إغناطيوس الأنطاكيّ، حيث يكتب في رسالته إلى سميرنا:

”أُمَجِد يسوع المسيح الذي جعلكم حكماء, لقد أدركت أنّكم قد بُنيتم بأيمان لا يتزعزع، كأنّكم مُسمرُون على صليب يسوع المسيح بالجسد والروح، وثابتون بقوة في المحبة بدم المسيح، الذي هو حقّيقة ‘من نسل داود بالجسد’ (رو1:4), وولد حقّيقة من العذراء، واعتمد من يوحنا ‘لتتم به كلّ عدالة’ (متى3:15), وسُمِّر من أجلنا على عهد بيلاطس البنطي وهيرودس رئيس الرُبع، وبثمرة صليبه وآلامه المُقدّسة وجدنا الحياة، وبقيامته ‘رفع رايته’ (إش 5:26) فوق العصور ليجمع قديسيه ومؤمنيه، في اليهوديّة والأمم، في جسد واحد أي في كنيسته“.[12]

في رسالته إلى تراليان نجد اعترافًا إيمانيًّا آخر، كالتالي:

صُمّوا آذانكم عندما تسمعون كلامًا لا يكون عن المسيح ابن داود من مريم العذراء, عن المسيح الذي وُلِد حقًّا، وأكل وشرب، واحتمل الآلام على عهد بيلاطس البنطي، ومات على الصليب أمام السماء والأرض وما تحت الأرض, وقام من بين الأموات.[13]

 عند إغناطيوس، نجد أنّ حقّيقة ميلاده من العذراء مريم تُمثل بُرهانًا على بشريّة يسوع، وهذا في سياق حربه ضد بدعة الخياليّين أو الديسوتيّين. فكلمات مثل: ”حقًّا أكل وشرب“، تؤكد على حقّيقة تجسد الكلمة، وكثيرًا ما استخدمتها الكنيسة لتُحارب هذه البدع.

بوليكاربوس، في رسالته الوحيدة التي تركها لنا، قُبيل استشهاده، يكتب فيها:

”آمنوا بمن أقام سيدنا يسوع المسيح من الأموات، وأعطاه مجدًا، وأجلسه عن يمين عرشه، وأخضع له كلّ ما في السماء وما على الأرض، والذي تعبده كلّ نسمة، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات“.[14]

يوستينوس الشهيد، عندما سأله الوالي ”ريستكس“، عن إيمانه. أجاب: ”الإيمان الذي نعتنقه بتقوى، إنه الإله صانع العالم بأسره منذ البدء، وأيضًا، بيسوع المسيح، ابن الله، والذي أخبر عنه الأنبياء بانه سوف ينزل للبشريّة كمُعلن للخلاص، ومُعلم للعقائد الحسنة“.[15]

في هذا الاعتراف الإيمانيّ المُختصر، نجد القديس يوستينوس يتحدث عن الله الخالق، وابنه يسوع الذي أخبر عنه الأنبياء. والنبوة في تعاليم آباء ما قبل نيقية مُرتبطة بشدة بالروح القدس مُعطي النبوة. ثُمَّ أنّ هذا الابن تجسد لكي يُعلمنا العقائد الإلهيّة السليمة ويقضي على التشوّهات التي كانت في مُخيلات البشر لدى الله، ثُمَّ يُعطينا الخلاص الذي منه.

أثيناغوراس، المُعلم السكندريّ الشهير، وأحد عُمداء مدرسة الإسكندريّة المسيحيّة، والذي سوف نتناول تعاليمه اللاهوتيّة في فصل خاص من هذا الكتاب، يقول في دفاعه عن المسيحيّين:

”لقد أشرت بما فيه الكفاية إلى أنّنا لسنا مُلحدين لأنّ إلهنا هو الإله الواحد غير المخلوق وأبديّ وغير مرئيّ ولا يُشبهه شيء مُدرك. يُمكن معرفته فقط بالعقل والمنطق، مُحاطٌ بنور وجمال، بالروح والقوة اللامُتناهية، الذي بكلمته خُلِقت المسكونة بترتيب وإحكام.

ونؤمن بابن الله، ودعونا نعترف أنّه لمن المُضحك أن يكون لله ابن! لكنّ، فيما يخص فكرنا عن الله الآب والابن، فهو مُختلف تمامًا عن أساطير الشُعراء التي تتضمن تعاليم عن آلهة لا يختلفون عن البشر! إنّ ابن الله هو كلمة الله (اللوغوس)، هو الفكر الذي يُبدع والقوة التي تخلق، الذي بموجب مشيئته كان كلّ شيء، فالآب والابن واحد، حيث إنّه من خلال قوة ووحدة الروح، فإنّ الآب في الابن والابن في الآب. إنّ ابن الله هو فكر وكلمة الآب.. وهو مولود من الآب، غير مخلوق، وإنّ الله كان لديه الكلمة في ذاته منذ البدء، لم يوجد وقت كان فيه الله بلا كلمة..

ونعلم أيضًا، أنّ الروح القدس الذي أظهر ذاته من خلال عمله في الأنبياء، مُنبثق من الله، فهو ينبع منه ويرجع إليه، مثل شعاع الشمس..

فنحن نعترف بإله واحد، آب وابن وروح قدس، لهم قوة واحدة“.[16]

في واحدة من رسائل الشهيد كبريانوس القرطاجنيّ، يكتب:

”بكل تأكيد، لا يؤمن ماركيون بنفس الإله الآب وخالق كلّ الأشياء، كما نُعلِّم نحن، هل هو يعترف بنفس الابن المسيح المولود من العذراء مريم الذي هو الكلمة المُتجسد، والذي حمل خطايانا وقهر الموت، وهو أوّل من أسّس قيامة الجسد في أقنومه، عندما أقام جسده، وأظهر لتلاميذه أنّه أقام نفس الجسد“.[17]

كبريانوس هُنا يتحدث عن الله الآب الخالق ضابط الكلّ، ويؤكد إنسانيّة المسيح المأخوذة من العذراء مريم، وأنّه حقًّا وُلِد ومات وقام.

القديس إيرينيئوس من بدايات القرن الثاني، يشرح خلاصة الإيمان المسيحيّ بالثالوث القدوس، في ثلاثة بنود، أشبه بقانون إيمانيّ، وهي:

”إنّ البند الأوّل من قانون إيماننا، وقاعدة البناء وأساس الخلاص هيَ أنّ: ‘الله الآب غير المولود، غير المُحوى، غير المرئي، إله واحد خالق الجميع. والبند الثاني: هو أنّ كلمة الله ابن الله، يسوع المسيح رّبّنا، الذي تنبأ عنه الأنبياء، الذي كلّ شيء به كان وبتدبير الآب في الأيام الأخيرة صار إنسانًا بين البشر (يو1: 14) وتراءى للكل لكي يُبطل الموت، ولكي يجمع كلّ شيء ويُظهر الحياة ويصنع شركة بين الله والإنسان. والبند الثالث هو أنّ: الروح القدس هو الذي بواسطته تنبأ الأنبياء وتعلّم الآباء بأمور الله، والذي بواسطته دخل الأبرار إلى طريق البر، كما أنّه انسكب في الأيام الأخيرة بطريقة جديدة على جنس البشر مجدّدًا الإنسان لله“.[18]

في مؤلفه الشهير ”ضد الهرطقات“، يكتب:

”قد استلمت من الرسل، ومن تلامذتهم، الإيمان بإله واحد، آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض والبحار، وكلّ ما فيها، والإيمان بيسوع المسيح الواحد، الذي هو ابن الله، الذي تجسد من أجل خلاصنا، والإيمان بالروح القدس الذي أعلن التدبير بواسطة الأنبياء، أي بمجئ المسيح، وميلاده العذراويّ، وآلامه، وقيامته من بين الأموات، وصعوده إلى السموات جسديًّا، وظهوره ثانية من السماء، في مجد الآب، لكي يجمع كلّ الأشياء في نفسه، ولكي يُقيم أجساد كلّ البشر إلى الحياة، لكي تجثو للمسيح يسوع، رّبّنا وإلهنا ومُخلّصنا، كلّ ركبة، بحسب مشيئة الآب غير المنظور، ولكي يعترف كلّ لسان له، ولكي يجري دينونة عادلة… هذه الكرازة، وهذا الإيمان، تحفظه الكنيسة، رغم تشتتها في كلّ العالم“.[19]

العلَّامة ترتليان، هو الآخر يتحدث أكثر من مرة عن قانون الإيمان المعروف في عصره، فيقول:

”قاعدة الإيمان، نعرفها جميعًا ونُكرّرها بروح واحد… نؤمن بإله واحد عظيم، صانع العالم، وابنه، يسوع المسيح، الذي وُلِد من العذراء، وتألم في عهد بيلاطس البنطي، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماوات، ويجلس الآن عن اليد اليُمنى للآب، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات، كما سيُقيم الأجساد“.[20]

إذ بدأت الهرطقات والبدع تنتشر، لم يعد ”قانون الإيمان“ خاصًا بطالبي العماد، إنما صارت الحاجة مُلحة لاستعماله الكنسيّ في العبادة الليتورچيّة والعبادة الخاصة. بدأت المجامع المسكونيّة تضع قانون الإيمان، لأهداف دفاعيّة وتّعليميّة. ففي مجمع نيقية وُضِع قانون الإيمان ليُحارب الآريوسيّة.

فإنّه وإن اقترب من قانون الإيمان الأورشليميّ العماديّ القديم، لكنّه أضاف إلى الفقرة الثانية الخاصة بالسيد المسيح هذه الصيغة: ”نور من نور، إله حقّ من إله حقّ، مولود غير مخلوق، واحد مع الآب في الجوهر“. هذه الصيغة لا يستطيع الآريوسيّون أن ينطقوا بها، فتفرزهم عن المؤمنين. بهذا قدّم مجمع نيقية للكنيسة صيغة لاهوتيّة مُبسطة تعلن إيمان الكنيسة، ويعترف بها المسيحيّون ويترنمون بها ويُصلّونها، فلم تعد حكرًا على المُعمدين فقط.

في المجمع المسكونيّ الثاني بالقسطنطينيّة أُضيف إلى قانون الإيمان النيقيّ صيغة خاصة بالروح القدس: ”الرّبّ المحيّي، المنبثق من الآب، نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء…“.

 

[1] انظر أيضًا: تث4: 25؛ 2صم7: 22؛ 22: 32؛ 1مل8: 60؛ 1أخ17: 20؛ مز18: 31؛ إش43: 10؛ يوئيل2: 27؛ زك14: 9. هذه النصوص التي تتّبع قانون ”اسمع“، وتُشدّد على وحدانيّة الله ومُلكه. ولها مثيلاتها في العهد الجديد، انظر: مر12: 29؛ يو17: 3؛ 1كو8: 4؛ غلا3: 20؛ 1تي2: 5.

[2] للمزيد اقرأ: رافائيل البراموسي (الراهب القمص)، الرّبّ إلهنا رّبّ واحد (القاهرة: الكرمة، 2015).

[3] Sifri 346 on Deuteronomy 33: 5; Midrash Tehilim 123: 2; Pesikta 12: 102b; Yalkut 1: 275, 2: 317.

[4] Paul Tillich, A History of Christian Thought, XXXIX

[5] تاريخ الكنيسة 5: 28.

[6] Eleneshos, 10: 5: 1.

[7] المتنوعات 7: 7؛ 6: 15؛ 6: 18.

[8] ضد مركيون 5: 1، 3؛ ضد فالنتينوس 4: 1.

[9] تفسير يوحنا 13: 16؛ عظات على إرميا 5: 4.

[10] أغلب القراءات النقدّية الحديثة للنص، تقرأه ”الذي–ὅς ظهر في الجسد“، بدلًا من: ”الله-θεός ظهر في الجسد“. وهذا لا يُغير من معنى النص نهائيًا، فقد كان هذا تعبيرًا سرائريًا- μυστήριον عن الشخص (يسوع) الذي أعطى العالم المعرفة عن الله غير المُدرك، أو لنقل هو تعبير عن الله المُمجد، والذي لا يُمكن معرفته في مجده. فعدم نطق الاسم ”الله“، كان تعبيرًا عن هذا الإجلال السرائري للإله، حتّى في المفهوم اليهوديّ القديم (Philip Schaff, The Creeds of Christendom, With a History and Critical Notes, Volume II: The Greek and Latin Creeds, With Translations (New York: Harper & Brothers, 1890), 7.).

[11] منعًا للتكرار، يُمكن الرجوع إلى الفصل الخاص بالإيمان بالثالوث في المعموديّة، إذ جاء به الكثير من قوانين الإيمان الأولى، والتي آثرنا ألَّا نُعيد كتاباتها هُنا.

 [12]الرسالة إلى سميرنا، 1.

 [13]إلى تراليان، 9؛ انظر أيضًا: مغنسيا، 11.

[14] الرسالة إلى فيلبي، 2.

[15] سيرافيم البراموسي (الراهب)، الشهادة في نصوص العهد الجديد وحياة الكنيسة الأولى (القاهرة: مدرسة الإسكندريّ للدراست المسيحيّة، 2014)، ص 177.

[16] A Pela Regarding Christians, 10.

[17] رسالة 73: 5.

 [18]الكرازة الرسوليّة 6.

 [19] ضد الهرطقات، 1: 10: 1، 2.

[20] De Virginibus Velandis, cap. 1; Adv. Praxeam, cap. 2; De Præscript. Hæret. cap. 13.

 

قوانين الايمان قبل مجمع نيقية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج6

الهرطقات المسيحية الاولى – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج2

الهرطقات المسيحية الاولى – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج2

 

الهرطقات المسيحية الاولى – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج2

 

ما هيَ الهرطقات والبدع

كلمة هرطقة هيَ كلمة يونانيّة ”αίρεσις– Hairesis“ ومعناها اختيار، وقد استخدمت للتعبير عن المدارس الفكرية إلهيّلينية، اليونانيّة، كما استخدمت في العهد الجديد بمعنى ”شيعه، مذهب، بدعة“، وذلك للتعبير عن الجماعات اليهوديّة مثل ”شيعة αίρεσις الصدوقيين’ (أع17:5)، و‘مذهب αίρέσεως الفريسيين’ (أع5:15؛ أع5:26).

قد استخدمها المؤرخ والكاهن اليهوديّ يوسيفوس المُعاصر لتلاميذ المسيح (35-100م) بهذا المعنى، وطبقها على المذاهب اليهوديّة التي كانت سائدة في عصره، وهيَ الفريسيين والصدوقيين والآسينيّين.[1] 

كما استخدمت من وجهة نظر اليهود لوصف الجماعة المسيحيّة في أيامها الأولى والتي نظروا إليها كجماعة خارجة من اليهوديّة ومن ثُمَّ دُعيت بـ”الطريق الذي يقال له شيعة αίρεσιν“ (أع14:24)، و”مذهب αίρέσεως يقاوم في كلّ مكان“ (أع22:28)، كما وُصِف القديس بولس بـ”مُقدّام شيعة αίρέσεως الناصريين“ (أع5:24).

واستخدمت في الكنيسة الأولى بمعنى ”بدعة αίρεσεις“ (غل20:5)، لوصف الجماعات التي خرجت عن التسليم الرسوليّ وتعاليم الكنيسة، والذين وُصفوا بأصحاب ”البدع αίρεσεις“ (1كو19:11)، والذين يقول عنهم القديس بطرس أنهم معلمون كذبة ”الذين يدسّون بدع αίρεσεις هلاك وإذ هم ينكرون الرّبّ الذي اشتراهم يجلبون على أنفسهم هلاكا سرّيّعا“ (2بط1:2).

شاع بعد ذلك تعبير هراطقة للتعبير عن أصحاب البدع والهرطقات التي خرجت عن المسيحيّة وصار لهم فكرهم الخاص. يقول العلَّامة ترتليان:

”لأنهم هرطقة فلا يمكن أن يكونوا مسيحيّين حقّيقيّين لأنهم حصلوا على ما أتّبعوه ليس من المسيح بل باختيارهم الخاص، ومن هذا السعي جلبوا على أنفسهم وقبلوا اسم هراطقة. وهكذا فلكونهم غير مسيحيّين لم ينالوا أي حقّ في الأسفار المسيحيّة المُقدّسة؟ ومن العدل أن نقول لهم “ من أنتم؟ من أين ومتى جئتم؟ ولأنكم لستم منا ماذا تفعلون بما هو لنا؟ حقًّا، بأي حقّ يا مركيون تقطع خشبي؟ ومن الذي سمح لك يا فالنتينوس أن تحوِّل مجاري نبعي؟“[2]

السيمونيّة

نسبة إلى سيمون الساحر، الذي كان مُعاصرًا للرسل (أع8: 10)، وقد نسب إليه آباء الكنيسة كلّ هرطقة وبدعة دخلت إلى المسيحيّة، يقول عنه القديس يوستينوس: ”إنه ولد في قرية جيتون، ووصل إلى روما في عهد الإمبراطور كلوديوس، حيث عُبِد كإله“.[3] 

يكتب عنه القديس كيرلس الأورشليمي: ”هذا الرجل بعد أن طرده الرسل جاء إلى روما، واستمال إليه زانية تُدعى هيلانة، وقد تجاسرّ بفمه المملوء تجديفًا أن يدّعي أنه هو الذي ظهر على جبل سيناء كالآب، وظهر كيسوع المسيح بين اليهود، وليس في جسد حقّيقيّ،[4] وبعد ذلك كالروح القدس الذي وعد المسيح أن يُرسله كمُعزٍ“.[5]

الأبيونيّة Ebionites، المتهودون أو اليهود المُتنصرين

ظلوا مُتمسكين بتقاليدهم اليهوديّة، ورفضوا الإيمان بالثالوث. وقالوا بأن الروح القدس قوة مؤنثة وأنها أم المسيح. وقد تزعمهم كيرنثوس، وقد أرَّقت هذه البدعة الكنيسة حتّى القرن السابع. كانوا يحفظون السبت على الرغم من احتفالهم بيوم الأحد مع المسيحيّين، ورفضوا الميلاد العذراوي، كما علَّموا أيضًا بالتبني، أي أن يسوع كان مُجرّد إنسان ارتفع في المجد واتحد بالله من أجل فضائله، وبهذا فليس هو الله الظاهر في الجسد.

دعاهم رجال الكنيسة بـ”الأبيونيين“، وهيَ من الكلمة العبريّة (אֶבְירֹן)، وجمعها أبيونيم، والتي تعني ”الفقراء“، نسبة إلى فقر تعاليمهم وضحالتها.

وقد تحدث عنهم العلَّامة هيبوليتس الرومانيّ قائلًا:

”يعترف الأبيونيون، على آية حال، أن العالم خُلِق بواسطة الذي هو الله بالحقّيقة، لكنّهم يزعمون عن المسيح أساطير مثيلة بما زعمه كيرنثوس وكربوكريتس. ويعيشون بحسب عادات اليهود زاعمين أنهم يتبرّرون بإتمام الناموس.

لذلك فقد كان -بحسب الأبيونيين- أن المخلّص دُعيَّ مسيح الله ويسوع، لأنّه ولا واحد من بقية البشر حفظ الناموس تمامًا. لأنّه حتّى لو حفظ أي أحد أخر، وتمّم الوصايا المحتواة في الناموس سيكون هذا مسيحًا. ويزعم الأبيونيين، أنهم هم أيضًا عندما يتممون الناموس، بنفس الطريقة سيصبحون مسحاء؛ لأنهم يؤكدون أن رّبّنا نفسه كان إنسانًا مثل كلّ البشر“.[6]

لقد كان أغلب الأبيونيين مسيحيّين، لكنّهم رفضوا الاعتراف بجديد الإنجيل، العهد الذي أسّسه الرّبّ جديدًا مع الكنيسة، وظلوا مُتمسكين بالشريعة اليهوديّة. ويرفض هؤلاء الأبيونيون أن يكون المسيح قد ولِد من عذراء، هو مخلوق مثل رؤساء الملائكة، وهو يملك على الملائكة، وعلى جميع الخلائق.

وعليه، فقد اسقطت الأبيونيّة من حسبانها الإيمان الثالوثيّ، ورفضت كلّ ما يُهدّد فكرة التوحيد بالشكل الحسابيّ البشريّ، لذا، اعتبرت المسيح مُجرّد مخلوق، اصطفاه الله لحسن سلوكه، وإيمانه، وجعله ابنًا فوق كلّ خليقته، وهذا ما عُرِف فيما بعد بـ”التبنويّة“.

ذكرهم القديس جيروم، في إحدى رسائله إلى القديس أغسطينوس، يقول فيها:

”إنّ المسألة التي هيَ موضوع المناقشة… يمكن أن تُلخص في الآتي:

أنه منذ الكرازة بانجيل المسيح، يحفظ اليهود الذين آمنوا وصايا الناموس بحرص… فإنّ كان هذا صحيحًا، فإننا نسقط في هرطقة كيرينثوس وإبيون اللذين، رغم إيمانهما بالمسيح، حُرما بواسطة الآباء من أجل هذا الخطأ الواحد أنهما خلطا بين شعائر وطقوس الناموس من جهة، وإنجيل المسيح من الجهة الأخرى، وأعلنا إيمانهما في ما هو جديد بينما لم يتخليا عن ما هو قديم.

ولماذا أتحدث عن الإبيونيين، الذين يدَّعون انهم مسيحيّون؟ فإنّه في أيامنا هذه توجد طائفة بين اليهود والتي تتخلل كلّ مجامع الشرق، وتدعى طائفة Minei وهيَ الآن أيضًا قد حُرمت بواسطة الفريسيين. وأتباع هذه البدعة يُعرفون ”بالناصريين“.

يؤمنون بالمسيح أنه ابن الله وقد وُلد من العذراء مريم، ويقولون إن الذي تألم تحت حُكم بيلاطس البنطي وقام ثانيةً هو نفسه الذي نؤمن به. لكنّ بينما هم يرغبون أن يكونوا يهودًا وفي نفس الوقت مسيحيّين صاروا ليسوا يهودًا ولا مسيحيّين…

لذلك إن كان لايوجد بديل لنا سوى أن نقبل يهودًا في الكنيسة، هم والممارسات التي يفرضها ناموسهم، وإن كان باختصار، سوف يُعلن شرعيًا بالنسبة لهم أن يستمروا في كنائس المسيح وأن يمارسوا ما اعتادوا ممارسته في مجامع الشيطان، سأقول لك رأيي في هذا الأمر، إنهم لن يصبحوا مسيحيّين، لكنّهم سيحولوننا إلى يهود“.[7]

الغنوصيّة Gnosticism

أو ”العرفان- γνωσις“، أي الذين يبتغون المعرفة. تيار خلط بين الدين والفلسفة، يرتكز على المعرفة ليشرح كلّ شئ، ولاسيَّما اللاهوتيًّات. والهدف النهائي من المعرفة بحسب الغنوصيّة، هو خلاص الجنس البشريّ، الذي هو كائنات مُنبثقة من الإله، وقد تَمَّ حبسها داخل أجساد في عالم الشر.

وقد تاثرت الغنوصيّة بعدّد من الفلسفات اليونانيّة، وأخذت منها عناصر مُختلفة تكونت من خلالها تعاليمها الدينية؛ فقد أخذت عن الأفلاطونيّة الحديثة فكرة الوسطاء بين الله والعالم، وعن الفيثاغورية النظرة النسكيّة الزهديّة والمتصوفة، وعن الرواقيّة الواجب الأخلاقيّ للفرد.

وقد انتشرت الغنوصيّة في أوائل القرن الأوّل وبداية القرن الثاني، في الإسكندريّة، وأنطاكيّة، وروما. ولقائها مع المسيحيّة قد أكسبها أهمّيّة بالغة، إذ تسلّلت بين المؤمنين، وخاصة المُثقفين، الذين أرادوا وضع ماهية عقلية للمسيحيّة. وقد كان أزهر عصورها هو القرن الثاني، الذي فيه ظهر أهمّ قادتها، واُنتِجت خلاله الكثير من الأعمال والأناجيل الغنوصيّة، التي اكتُشِفت حديثًا من خلال ”مكتبة نجع حمادي“ في مصر.[8]

فقد أخذوا شيئًا ما بما تقوله الكنيسة، وإنما بصورة مشوَّهة وعلى اتساع تحليلي، وكان زعيمها الأوّل ”سيمون“ وهو ساحر سفر الأعمال، وكان قبل عماده يُدعى من جميع الشعب ”قوة الله العظيمة“ (أع 10:8)، لِمّا كان يأتيه من معجزات.

وكان قد تلقَّى بعض تعاليم الرسل في ما يختص بأن القوة الإلهيّة إنما تتصل مباشرة باسم الروح القدس كما هو مدوَّن بوضوح في سفر الأعمال (أع 9:8-19)، لكنّه إرتد من بعد عماده (من أيدي الرسل) وتمّ عزله عن الكنيسة، فادَّعى أن شريكته هيلانة هيَ ”الباراكليت“ وأن القوة التي تنبثق من الله هيَ قوَّة مؤنَّثة.

وتقول الغنوصيّة بالثنائية، أي أنها تؤمن بإلهين، إله شرير قد خلق العالم، وإله خيّر يسعى لإنقاذ البشر. كما تؤمن أن بأن أرواح البشر من بين هذه الكائنات الإلهيّة، وهيَ سجينة أجساد نُفخت بداخلها، وتسعى للخلاص من خلال النسك مع المعرفة، وبهذا تطهر الروح وتعود بعد الموت إلى الإلهيّ.

ويُمكن تلخيص الخطوط العامة للعقائد الغنوصيّة كالتالي:

1-    يوجد تعارض تام بين النظام الكوني لهذا العالم، وبين الله الفائق السمو بغير حدود، ولا يُمكن التوفيق بينهما بحال من الأحوال. فالعالم في الغنوصيّة هو عالم من الصراعات المُستمرة، والانقسام والتضاد بين النور والظلمة، وداخل الإنسان ذاته بين الروحاني والماديّ، وتؤدي هذه الثنائية إلى رفض مبدأ وحدة الخالق، الذي هو أساس تقليد الفكر اليهوديّ والمسيحيّ.

فهي تؤمن بخلق العالم من خلال إلهين:

الديمورج، خالق هذا العالم، وبهذا فهو خالق الشر، وهو إله العهد القديم، بحسب الفكر الغنوصيّ.

وهُناك كائن وسيط بين النور والظُلمة يُدعى ”الروح، أو اللوغوس“.

والإله الأسمى، الذي يدعونه بصفات سلبية، أي: الغير موصوف، غير المعروف، بداية كلّ شئ… وغير ذلك.

2-    الغنوصيّ يؤمن أن الروح الإنسانيّ، مصدرها إلهيّ دائمًا، وتخص الكائن الإلهيّ الأسمى.

3-    الروح الذي هو من الإله الأسمى، اختلط بعنصرين أدنى منه، وهم من نتاج الديميورج الشرير، هما النفس والجسد. ويظل الإنسان على غير درآية أو لا يعرف بوجود الروح.

4-    وهذا الروح يحتاج إلى فادٍ، كيما يُخلّصه من قيود الجسد، الذي هو بمثابة سجن للمخلوق الإلهيّ.

فدراسة مُدقّقة لها تجعلنا نُجزم أنّها خليط ما بين إلهيّلينيّة والعبرانيّة. ومن أشهر قادتها: ماركيون، باسيليدس، فالنتينوس.

أشهر أعضائها

1- ماركيون Marcion

أحد هراطقة القرن الثاني، يُحسب كواحد من الغنوصيّين، وُلِد في بنطس، وكان يعمل في صناعة السفن، انتمى إلى كنيسة روما، وقد حرمته عام 144م بسبب أفكاره المُنحرفة، فقد كان مُعاديًا لليهوديّة، ويرفض العهد القديم.

ألّف كتاب للعهد الجديد خاص به، جمعه من بعض رسائل بولس، ومن أجزاء من إنجيل لوقا. وقد أدّعى أن للعالم إلهين، أحدهما ظالم وشرير ومُنتقم وهو إله العبرانيّين، وآخر بار ومُحب وهو من كشفه لنا المسيح، الذي تجسد ظاهريًا فقط، ولم يكن له جسد من لحم ودم مثلنا. لذا، نجد القديس إيرينيئوس يقول عنه: ”عندما يقسم ماركيون الله إلى اثنين، معلنًا أن واحدًا صالحٌ والآخر عادلٌ، فهو في الحقّيقة يضع نهاية للألوهة كلها“.[9]

وقد واجهه كلّ من يوستينوس، وترتليان، وأوريجانوس، وإيرينيئوس، وحاربوا هذه البدعة التي لم تنته إلَّا مع مطلع القرن العاشر.

 يقول عنه ق. كيرلس الأورشليمي:

”لتمقتوا أيضًا أتباع ماركيون الذين يفصلون بين أقوال العهد القديم والعهد الجديد لأنّ ماركيون أعظم المُنافقين، زعم بوجود ثلاثة آلهة، وإذ عرّف أن في العهد الجديد شهادات الأنبياء عن المسيح، ترك الشهادات المأخوذة من العهد القديم حتّى ترك الملك بغير شهادة“.[10]

2- فالنتينوس Valentinus

كان مُعلمًا مصريًا بدأ نشاطه في الإسكندريّة، ثُمَّ ذهب إلى روما حيث أسّس هُناك مدرسة، ولما حُرِم من الكنيسة أنشأ جماعة خاصة مُستقلة، وهو أحد الهراطقة الغنوصيّين المشهورين. وكان يؤكد على أن الإلوهيّة تتكون من ثلاثيّن إيونًا[11] منهم الروح القدس. وقال إنّ إنبثاق الروح القدس ليس بصورة مباشرة من الله.

وقال إنّ الإله فيتوس (أي العمق) ولد ثمانية أيونات، ومنهم وُلد عشرة، ومن العشرة وُلد أثنا عشر ذكرا وأنثى، وولد سيغا (أي الصمت)، من هذا الإله فيتوس، ومن سيغا ولد الكلمة، كما قال إنّ كمال الآلهة هو كائن يُدعى الحكمة، وهو المسيح!![12]

 وقال إنّ المسيح لم يتخذ جسدًا إنسانيًّا حقّيقيًّا، بل اتخّذ هيئة الجسد، مظهر الجسد وهيئة الإنسان لأنّه لا يمكن أن يأخذ جسد من المادة التي هيَ شر بحسب اعتقاده! اتخّذ جسدًا سمائيًّا أو أثيريًا، وهو، حسب قوله لم يُولد من العذراء لكنّ جسده الهوائي مرَّ من خلال جسدها العذراوي!![13]

3- باسيليدس Basilides

بحسب إيرينيئوس، فإنّ باسيليدس كان مُعلّمًا في الإسكندريّة، وعاش في عهد الإمبراطور هدريان، وأنطونيوس بيوس (120- 145م).[14] كتب إنجيلًا ليس في حوزتنا منه سوى شذرة واحدة، وكتاب آخر باسم ”التفسير- Exegetica“، بقيَّ لنا منه بعض الشذرات التي اقتبسها هيجيمونيوس،[15] وإكليمندس السكندريّ.[16] كما ألّف مزامير وأناشيد لم يبقى منها شئ.

يتلَّخص فكره العقائديّ في أنه يؤمن بإنبثاقات الفيض في الإلوهة، بحسب الفكر الغنوصيّ، والتي تُدعى ”إيونات“. تسكن في ثلاثمائة خمس وستين من السماوات التي خلقتها لنفسها، وهيَ تتساوى مع عدّد أيام السنة.

وإن المسيح، وهو الابن البكر لله، وهو ”النوس“ أو العقل، قد جاء لينجي الذين يؤمنون به من سلطان العالم. وعند الصلب جاء سمعان القيرواني ليحمل معه الصليب، فأُلقيَّ شبهه عليه، وصلب مكانه بالجهل والخطأ، بينما ظلّ يسوع واقفًا بهيئة سمعان يسخر منهم، ثُمَّ غيّر هيئته بإرادته، وصعد إلى الذي أرسله.[17]       

الغنوصيّون المسيحيّون بالاجمال يفسرون العقائد المسيحيّة تبعًا لتعاليمهم ويصوغون تعاليمهم بألفاظ وعبارات مسيحيّة. فهم يُقيَّمون الثنائية على ما يزعمون من تعارض بين التوراة والإنجيل، إذ يقولون إن التوراة تصور إلهًا قاسيًا جبارًا، بينما الإنجيل يكشف لنا عن إله وديع حليم خَيَّر للغاية.

فذهب باسيليدس للقول بإن إله العهد القديم ما هو إلَّا رئيس الملائكة الأشرار، ولا صلة بين المسيح المخلّص وبين المسيح الحربى الذي وعد به أنبياء العهد القديم الناطقون عن وحى إلههم، لكنّ المسيح جاء لتحقيق رسالة مساندة للمسيحيّة. لذلك كان الغنوصيّون ينبذون التوراة نبذًا تامًا، ويقبلون من بين الأناجيل والرسائل ما يروق لهم، ويحذفون ما لا يقبلونه من الفصول والآيات المناقضة لآرائهم.

باسيليدس يضع بعد (الآب) ثمانى مُجرّدًات مشخصة صدر بعضها عن بعض، الواحد تلو الآخر، منها الحكمة والعدالة والسلام، ويقول إنّ الملائكة الأوّل الصادرين عن الحكمة صنعوا السماء الأولى، والملائكة الصادرين عنهم صنعوا السماء الثانية. 

أراد الآب أن يقضى على العمل المشئوم الذي عمله الصانع، وأن يخلّص الإنسانيّة التعيسة التي لم يخلقها، والتي لم تكن تعرفه فنزل المسيح من السماء لم يولد من العذراء مريم، بل ظهر تام التكوين، وأخذ يعلّم ويعرف الناس بالآب، ولم يتخذ له جسدًا ماديًّا، بل ظهر في شبه جسد، لأنّ المادة رديئة، ولأنها ملك الصانع.

افترق الغنوصيّون فيما يترتب على رداءة المادة واحتقار الجسم، فذهب فريق إلى منع الزواج، وذهب فريق آخر إلى إباحة جميع الأفعال، وإعفاء النفس من تبعية ضعف الجسم، أمّا ما ذهب إليه باسيليدس، فهو: إن الشهوة الجنسية ولو أنّها طبيعيّة، إلَّا إنّها ليست ضرورية.

كان المسيحيّين ينكرون ذلك أشد الانكار، كما كانوا ينكرون التعاليم الغنوصيّة، في أن للعالم صانعًا مغايرًا لله، وأن للنفس حياة سابقة على الحياة الأرضيّة، وأن الخطية الأصلية ارتكبت في العالم المعقول، وأن المادة شريرة بالذات، وأن الأجسام لا تقوم. ولما كانت هذه القضايا أفلاطونيّة، وكان الغنوصيّون يستشهدون بأفلاطون في صدّدها، فقد دعا البعض من المسيحيّين أفلاطون بأنه أب البدع، في الوقت الذي كان فيه غيرهم يعتبره مهمًا بالنسبة للفلسفات المسيحيّة.

لقد عاشت الكنيسة في صراع داخليّ لمواجهة هذه الأخطار الغنوصيّة وصارعت أكثر من قرنين لتوضح بالأقوال اللاهوتيّة خطورة التعاليم الغنوصيّة المسيحيّة.

المونارخيّون Monarchianism، أو الموحدين، أو مؤلمي الآب

وهي قريبة الشبه من الأبيونية، وقد سُميَّت بـ”صالبيّ الآب، أو مؤلميّ الآب“، لأنهم يقولون أن الله واحد صمد، بالمفهوم الصنمي العدّدي، وهم بذلك يجعلون من الآب مصلوبًا على الصليب، إذ تلاشى مفهوم الأقانيم، وصار الآب والابن والروح القدس مُجرّد صور تعبيرية عن الله الواحد عدّديًا.

وأشهر ممثليها هم براكسياس الذي كتب ضده العلَّامة ترتليان، ونوئيتوس الذي كتب ضده العلَّامة هيبوليتس الرومانيّ، وقال:

”نوئيتوس الذي من سميرنا، طلَّ علينا بهرطقته التي جلبها عن إبيجونوس، ووصل بها إلى روما، وقد أيّدها كاليستوس (رئيس أساقفة روما في ذلك الحين)، ويقول إنّ الله الآب خالق الكون، هو الذي دُعيَّ أيضًا بالابن، وهذا شخص واحد، إنما مُقسم من جهة الاسم فقط“.[18]

ينادون بأن الروح القدس هو أصل وجود الآب والابن. وهيَ تعني أن الابن متطابق مع الآب (يُعرف على أنه الآب، أو أنهما واحد). ومنهم من يعتقدون بأن الآب نفسه نزل إلى بطن العذراء، وهو نفسه وُلد منها، وهو نفسه قد تألم على الصليب، وفي الحقّيقة هو نفسه يسوع المسيح.

لقد كان براكسيوس هو أوّل من جلب هذا النوع من الضلال من آسيا إلى روما، حين رحل إليها في عهد الإمبراطور مرقس أوريليوس، وقد هاجمه العلَّامة ترتليان بمهارة،[19] ودعاه: ”حامل رسالة الشيطان المزدوجة“، فمن جهة هو ينكر الروح القدس، ومن جهة أُخرى فهو يصلب الآب.

وكلمة ”مونارخيًّا- μοναρχια“ كانت في الأصل كلمة أرثوذكسيّة، تُستخدم في التعبير عن وحدة الرأسة التي للآب، أي أن الآب هو الأصل والينبوع الذي ولد منه الابن، وانبثق عنه الروح القدس.

وتنقسم المونارخيّة بحسب منحاها اللاهوتيّ إلى قسمين كبيرين:

1-    التبني Adoptianosme: تُعلم هذه النظرية، بأن المسيح، كسائر البشر، ولد كإنسان فقط، ونما مثل سائر الناس، وأن الله الآب قد جعل منه ابنًا خاصًا له، نظرًا لتقواه، وحدث هذا تحديدًا وقت عماده في نهر الأردن، وبعضهم يقولون أن هذا التبني حدث بعد القيامة. وقد قال بهذه النظرية: ثيودوتُس، بولس الساوساطي.

2-    الشكليّة، أو الدوسيتيّة: إحدى شيع المونارخيّة، أسّسها سابليّوس أحد أساقفة المُدن الخمس الغربية، وقد نادى بأن الله أقنوم واحد، لكنّ له أسماء مُتعدّدة، فعندما خلقنا دُعيَّ الآب، وعندما خلّصنا دُعيَّ الابن، وعندما قدّسنا دُعيَّ الروح القدس.

بمُجرّد أن ارتقى كاليستوس كرسي بطريركية روما (217م) قام بعزل سابليّوس من شركة الكنيسة.

 

كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ ضد المونارخيّين في كتابه ”شرح الإيمان“، يقول:

ونحن نؤمن بالمثل بالروح القدس (1كو10:2). ولا نعتقد بـ ”ابن-آب“ كما يفعل السابيليون… هادمين بنوة الابن. ولا نحن نعزو إلى الآب الجسد القابل للألم الذي حمله الابن من أجل خلاص العالم كله، ولا نعتقد بثلاثة أقانيم متفرقة عن بعضها البعض، مثل ثلاثة أشخاص منفصلين بدنيًا (أو شخصيًّا)، فذلك سوف يفضي إلى تعدّد الآلهة الذي للوثنيّين، لكنّ على العكس، كنهر مولود من منبع وهو غير منفصل عن منبعه، مع أن هناك شكلان واسمان…

لكنّ الينبوع (أو المنبع) ليس هو النهر ولا النهر هو المنبع لكنّ كلّ منهما هو الماء نفسه… وهكذا تتدفق الألوهة من الآب إلى الابن بغير تغير الانفصال… ونحن لا نعتقد في ابن الله الذي هو الله الخالق كلّ الأشياء، أنه ”مخلوق“ أو ”مصنوع“ أو ”آتٍ من عدم الوجود“، لكنّه هو الكائن من الكائن.[20]

[1] Jud. II ,Viii,I, Ant. XIII,V,9.

[2] Tertullian, The Prescription Against Heretics.

[3] كواستن، باترولوجي، مرجع سابق، ص 282.

[4] كانت الغنوصيّة تعتقد أن الجسد هو شر كما العالم الماديّ الذي خلقه الإله الشرير، وهُنا يظهر مدى التقارّب بين الفكر السيموني وفكر الهرطقة الغنوصيّة.

[5] المقالات لطالبي العماد 6: 14.

[6] Refutation of All Heresies 7: 22.

[7] BJ Kidd, ed., Documents Illustrative of the History of the Church, vol. 1, Macmillan, New York, 1932, pp. 265, 266.

[8] يعود الفضل في معرفتنا بالغنوصيّة إلى مكتبة نجع حمادي، فقبل اكتشافها لم نكن نعرف عنها غير ما جاء في كتابات الآباء الذين واجهوها، مثل إيرنيئوس وهيبوليتوس وأبيفانيوس.. وغيرهم. وهيَ مجموعة من المخطوطات تشمل ثلاثة عشر مُجلدًا، تتضمن واحد وخمسين نصًا، بعضها مُكرّر. وهذه النصوص جميعها قد تمت ترجمتها من اليونانيّة إلى القبطية. وقد اكتُشفت في عام 1954م عند جبل الطارف، في الضفة الشرقية لوادي النيل، على يد فلاح مصري يُدعى: ”مُحمد على السمّان“ (انظر: شنودة ماهر إسحق (القس)، يوحنا نسيم(الدكتور)، تراث الأدب القبطي (القاهرة: مؤسّسة القديس مرقس لدراسات التاريخ القبطي، 2003)، ص 125).

[9] DW Bercot, ed., A Dictionary of Early Christian Beliefs, Hendrickson Publishers, Massachusetts, 1998, p. 419.

[10] المقالات لطالبي العماد 16: 7.

[11] الإيونات- αἰών: في الفكر الغنوصيّ هيَ موجودات أو آلهة ظهرت كفيض من الإله الأعلى.

[12] القديس كيرلس الأورشليمي، العظات، 6: 17، 18.

[13] حنّا جرجس الخضري (الدكتور القس)، تاريخ الفكر المسيحيّ، الجزء الأول، ص 207.

[14] ضد الهرطقات 1: 24: 1.

[15] Acta Archelai, 67: 4- 11.

[16] Stormat. 4: 12: 81: 1- 88.

[17] انظر: ضد الهرطقات 1: 24: 3، 4.

[18] Refutation of all Heresies, I, 23.

[19] وترتليان هو أول من استعمل لفظ مونارخيًّا، كاسم لهذه الهرطقة (انظر: ضد براكسياس 10: 1).

[20] Expositio Fidei,1.

 

الهرطقات المسيحية الاولى – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج2

الكنائس الرسولية الخمسة القديمة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج1

الكنائس الرسولية الخمسة القديمة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج1

 

الكنائس الرسولية الخمسة القديمة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج1

 

1- كنيسة أورشليم

كان أمرًا طبيعيًا أن تحتل كنيسة أورشليم شهرة خاصة في عصر الرسل فأورشليم أول مدينة رددت صدى صوت الرب يسوع، وذاقت حلاوته قبل العالم كله وتقدَّس ترابها بدم رب المجد يسوع عند صلبه. وفيها وُلِدت الكنيسة المسيحية ومنها ذاعت بشرى الخلاص في العالم كله. وهي أول مركز ديني مسيحي أنُشيء وفيها عُقِد أول مجمع كنسي. وقد تولى أمور كنيسة أورشليم القديس يعقوب البار أحد الإثنى عشر تلميذًا حتى استشهاده سنة 62 م.

2-    كنيسة أنطاكية

كانت المدينة الثالثة في الإمبراطورية الرومانية بعد روما والإسكندرية وقد قيل عنها “إن أنطاكية كانت هي باب فلسطين المفتوح على العالمين اليوناني والروماني. ولذلك كانت خير قاعدة لنشر المسيحية فيهما؛ وقد أخبرنا القديس لوقا عن دخول الإيمان إلى أنطاكية على يد الذين تشتتوا بسبب قتل استفانوس (أع11: 19- 21). وهي تعتبر الكنيسة الأممية الأولى وفيها عُرِف المؤمنون لأول مرة باسم مسيحيين وقد تعب في الكرازة بها بولس وبرنابا (أع11: 22- 26). وجعلها القديس بولس مركز انطلاقه في رحلاته التبشيرية.

3- كنيسة الإسكندرية

      من الناحية السياسية كانت تُعَد المدينة الثانية في الإمبراطورية الرومانية ولكن من الناحية العلمية والثقافية كانت المدينة الأولى بدون منازع. ولقد وصل إليها الإيمان المسيحي قبل كرازة مارمرقس بها نظرًا لقُرب المسافة بين مصر واليهودية إذ كان يوجد من بين الذين حضروا يوم الخمسين بعض من المصريين (أع2: 10). وكان لكرازة مارمرقس بالإسكندرية ولتأسيسه مدرسة الإسكندرية بها، بالإضافة إلى ما هو معروف عن حب الشعب الشديد للتدين دور كبير في جعل كرسي الإسكندرية كرسي له شأن واحترام كبير داخل الكنيسة الجامعة.

4- كنيسة القسطنطينية

وهي كنيسة قد تأسست في القرن الرابع عندما بنى الإمبراطور قسطنطين مدينة القسطنطينية وجعلها العاصمة الثانية للإمبراطورية الرومانية واهتم بأن يؤسس بها كنيسة كبيرة، ومن هنا اكتسب كرسي القسطنطينية أهميته، إذ أصبح كرسي العاصمة الشرقية للإمبراطورية.

5- كنيسة روما

كانت روما بالطبع هي العاصمة الأولى للإمبراطورية الرومانية وكانت بمثابة قلب العالم سياسيًا إذ كانت مقر القياصرة الرومان.

وقد دخلت المسيحية إلى مدينة روما بواسطة الذين حضروا يوم الخمسين وسمعوا عظة بطرس. ثم بعد ذلك عندما سافر إليها بولس الرسول وكَرَزَ بها وأسس كنيستها ثم بعد ذلك القديس بطرس حيث استُشهد هناك. وأصبح بذلك كرسي روما كرسي عظيم الشأن خاصةً بحكم أنه هو الكرسي الرسولي الوحيد في الغرب.

 

الكنائس الرسولية الخمسة القديمة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج1

العلامة اوريجانوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثالث

العلامة اوريجانوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثالث

العلامة اوريجانوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثالث

 

العلَّامة أوريجانوس

وُلِد أوريجانوس بالإسكندريّة عام 185م وصار عميدًا لمدرسة الإسكندريّة منذ العام 203 حتّى 231م. ثُمَّ ذهب إلى قيصريّة فلسطين، وأسّس مدرستها اللاهوتيّة، وعلَّم بها حتّى سنة 249م.

وكان أوريجانوس واسع العلم والمعرفة، ومع ذلك فالمعرفة والعلم الغزير لم يدفع بأوريجانوس إلى الكبرياء والتشامخ، بل على العكس، كان يدرك أن الكارز يلزمه أولًا وقبل كلّ شيء أن يكون رجل صلاة. وفي مرّات كثيرة حينما كان يقف أمام عبارة صعبة يتوقّف عن الكلام ويطلب من سامعيه الصلاة من أجله لينال فهمًا أفضل للنص.[1]

ويُعتبر أوريجانوس أحد مؤسّسيّ التعاليم النسكيّة، وبجانب حياته النسكيّة اهتمّ بممارسة الصلاة بكونها جزءًا لا يتجزأ من الحياة النسكيّة، تسنده في تحرير النفس ودخوله إلى الإتحاد مع الله بطريقة أعمق. يرى في الصلوات أمرًا ضروريًا لنوال نعمة خاصة من قِبَل الله لفهم النص الإلهيّ.[2] وقد رأى إنّ الإنسان يطلب الإتحاد مع الله خلال حفظ البتوليّة،[3] فينسحب عن العالم وهو بعد يعيش فيه،[4] مُقدّمًا تضحية في أمور الترف قدر ما يستطيع،[5] مُحتقرًا المجد البشريّ.[6]

لأوريجانوس مكانة عظيمة في وقته في ردّ الكثير من المرتدين أو مُنحرفيّ الفكر إلى الإيمان الأرثوذكسيّ. في الكثير من المناسبات، كانت تتمّ دعوته إلى العربية ليتناقش مع الأساقفة في أمور الإيمان والعقيدة،[7] وقد أشار المؤرّخ يوسابيوس إلى اثنين من هذه المناقشات، نذكر منها ذلك المجمع العربيّ الذي عُقد في عام 244م لمناقشة وجّهة نظر الأسقف بريلوس Barylius في شخص السيد المسيح.

انعقد هذا المجمع على مستوى واسع، وقد أدان الأسقف بسبب قوله إنّ الله أقنوم واحد، وقد حاولوا باطلًا إقناعه أن يعود إلى الإيمان المستقيم.[8] أسرع أوريجانوس إلى العربيّة ونجح في إقناع الأسقف الذي يبدو أنه بعث إليه برسالة شكر،[9] وصار من أكبر المُدافعين عنه.[10]

تعرّف أوريجانوس على صديق ثري، يُدعى أمبروسيوس،[11] كان يتّبع هرطقة فالنتينوس، وهو من عائلة طيبة ويشغل مركزًا ممتازًا، إذ إلتقى أوريجانوس بأمبروسيوس، جذبه إلى الإيمان المستقيم وأظهر له فساد هرطقة فالنتينوس التي سقط فيها. وإذ أعجب أمبروسيوس بصديقه، ضغط عليه أن يكتب، وأمدّه بأكثر من سبعة من الكتبة في دورات بجانب الكثير من النُسّاخ وبعض الفتيات اللواتي يجدن الكتابة.[12] وفيما بعد صار أمبروسيوس هذا أحد المعترفين[13] في أثناء اضطهاد مكسيميان.

عن الدور الذي قام به أوريجانوس في ردّ الكثير من مُشتتي الفكر إلى الإيمان، يكتب المؤرخ يوسابيوس: ”إذ جذبت سمعة أوريجانوس العلميّة أنظار الكثيرين… ورنّ صداها في كلّ موضع، جاءوا إليه يختبرون قدرة ذكائه في العلوم الدينيّة، فتتلمذ على يديه كثير من الهراطقة (الذين ردّهم للإيمان المُستقيم)، وعدّد ليس بقليل من أبرز الفلاسفة، وتلقّوا التّعليم على يديه لا في الأمور الدينيّة فحسب بل والفلسفة الدنيويّة…

لقد اشتهر كفيلسوف عظيم حتّى بين اليونانيّين أنفسهم… ويشهد لنبوغه في هذه العلوم فلاسفة عصره اليونانيّين، فكثيرًا ما أشاروا إليه في كتاباتهم، بل وأحيانًا كانوا يكتبون إهداءً إليه في مُقدّمة كتاباتهم، كما كان بعضهم يقدّمون له مؤلفاتهم ليبديّ رأيه فيها“.[14]

كما كان له دور بارز في أوقات الاضطهاد التي كانت تحلّ بالكنيسة، يصفه لنا شيخ مؤرخي الكنيسة، يوسابيوس القيصريّ على النحو التالي: ”برّز اسمه بين قادة الإيمان، وذلك بسبب اللطف والرعاية والرقّة التي أظهرها نحو الشهداء والقديسين، سواء كانوا معروفين لديه أو غرباء عنه. كان يرافقهم في السجن ويمكث معهم أثناء المُحاكمة، بل يبقى معهم حتّى لحظات الموت…

غالبًا عندما كان يذهب إلى الشهداء يهتمّ بهم ويُحيّيهم بقبلة دون أي اعتبار لما ينتج عن ذلك، فكان الوثنيّون المحيطون بهم يثورون عليه ويكادوا أن يهجموا عليه ليضعوا حدًّا لحياته“.[15] ويقول الأب والعالم الآبائيّ فرار Farrar: ”إنّ قديسين وشهداء اشتهوا الجلوس عند قدميه“.[16] 

ويروي لنا أبيفانيوس[17] قصة عن رعاع الوثنيّين الذين أمسكوه ذات يوم وهو سائر في الطريق وحملوه بضجيج شديد إلى هيكل سيرابيوم الشاهق، وحلقوا رأسه، ووضعوا عليها قلنسوة، وألبسوه حُلّة بيضاء على طريقة كهنتهم رغمًا عنه، ثُمَّ أخرجوه خارج الهيكل وأصعدوه على القمة الكبرى التي أعلى السلم، وأعطوه سعف النخل، وأمروه أن يقوم بتوزيعه على عبدة الأوثان المجتمعين حوله، وكانوا يسخرون به مصفقين. 

فأسرع أوريجانوس يلوح بالأغصان وينثرها على المتجمهرين وهو يقول بصوت عظيم: ”هلمّوا خذوا هذه الأغصان لا برسم الأوثان بل باسم يسوع المسيح خالق الإنسان“، فصَرّوا بأسنانهم عليه وأرادوا قتله، لكنّ الرّبّ أنقذه من أيديهم.

الصراع مع البابا ديمتريوس

حواليّ عام 216م إذ نهب الإمبراطور كاركلا Caracalla مدينة الإسكندريّة وأغلق مدارسها واضطهد مُعلّميها وذبحهم، قرّر أوريجانوس أن يذهب إلى فلسطين. هناك رحبّ به صديقه القديم الإسكندر أسقف أورشليم كما رحبّ به ثيؤكتستوس Theoctistus أسقف فلسطين، الذين دعاه أن يشرح الكتاب المُقدّس في اجتماعات المسيحيّين، وفي حضرتهما.

غضب البابا ديمتريوس السكندريّ جدًّا، لأنّه حسب عادة الكنيسة السكندريّة آن إذ أنّ العلمانيّ لا يستطيع أن يعظ في حضرة الأسقف، فأمر بعودته إلى الإسكندريّة سريعًا. وبالفعل أطاع أوريجانوس بطريركه في خضوع، وبدت الأمور تسير كما كانت عليه قبلًا، لكنّ هذا الحديث صار مُقدّمة لصراع أوشك أن يحدث بعد عدة سنوات (واستمر حواليّ 15 عامًا).

قد أورد المؤرّخ يوسابيوس دفاع الأسقفين الإسكندر وثيؤكتستوس عن نفسيّهما، والذي جاء فيه: ”جاء في رسالته، أنّه لم يسمع عن أمر كهذا من قبل، ولا حدث إلى الآن أن وعظ علمانيّون في حضرة أساقفة! ولست أدري كيف يقرّر أمرًا غير صحيح، لأنّه متى وُجِد أناس قادرون على تّعليم الإخوة يحثّهم الأساقفة القديسون على وعظ الشعب.

هذا ما حدث في لاراندا عندما طلب ذلك نيون من يولبس، وفي أيقونيّة عندما أمر كلسّس بولينوس… والأرجح أنّ هذا حدث في أماكن أُخرى لا نعلمها“.[18]

أُرسِل العلَّامة أوريجانوس إلى اليونان لضرورة مُلحة تتعلق ببعض الشئون الكنسيّة، وبقيَّ عامين غائبًا عن الإسكندريّة. ذهب إلى آخائية ليعمل صُلحًا، وكان يحمل تفويضًا كتابيًّا من بطريركه. وفي طريقه عبّر بفلسطين، وفي قيصريّة سُيّم قسًا بواسطة أسقفها.[19]

 فقد بدى للأساقفة أنّه لا يليق بمرشد روحيّ مثل أوريجانوس بلغ أعلى المستويات الروحيّة والدراسيّة أن يبقى علمانيًّا. هذا وقد أرادوا أن يتجنّبوا المخاطر التي يثيرها البابا ديمتريوس بسماحهم له أن يعظ وهو علمانيّ في حضرتهم.

وقد اعتبر البابا هذه السيامة أكثر خطئًا من التصرف السابق، حاسبًا إيّاها سيامة باطلة لسببين:

1- إنّ أوريجانوس قد قَبِل السيامة من أسقف آخر غير أسقفه، دون أخذ تصريح من الأسقف التابع له.

2- إذ كان أوريجانوس قد خصى نفسه، فهذا يحرمه من نوال درجة كهنوتيّة، فإنّه حتّى اليوم لا يجوز سيامة من يخصي نفسه.

وإخصائه لنفسه هذا، يرجع إلى حضور النسوة كي يستمعن لمحاضراته، ولكي لا تحدث عثرة رأى أن ينفذ حرفيًّا ما ورد في الإنجيل أن أناسًا خصوا أنفسهم من أجل ملكوت الله (مت 19:12)، لكنّ يبدو أنّه قدّم توبة على هذا الفعل، حيث نجده في تفسيره لهذا النص من إنجيل متى، فسرّه تفسيرًا رمزيًّا لا حرفيًّا.[20]

إدانته

لم يحتمل البابا ديمتريوس هذا الموقف فدعى لانعقاد مجمع من الأساقفة والكهنة بالإسكندريّة. رفض المجمع القرار السابق مكتفيًّا باستبعاده عن الإسكندريّة.[21]

لم يكن هذا القرار كافيًا لإرضاء البابا، فدعى مجمعًا من الأساقفة وحدهم عام 232م، قام بإعلان بطلان كهنوت أوريجانوس واعتباره لا يصلح بعد للتّعليم، كما أعلن عن وجود بعض الأخطاء اللاهوتيّة في كتاباته.

بالرغم من أنّ أوريجانوس رُبّما قد أخطأ في قبول الدرجة الكهنوتية من غير أسقفه، إلَّا إنّه الرجل النبيل الذي أطاع القرار مُتحاشيًا كلّ انقسام، أطاع بروح مسيحيّة لا تحمل شيئًا من الأنانيّة، معتبرًا استبعاده عن الأرض -الغالية عليه جدًّا أكثر من أيّة بقعة أُخرى على الأرض- ليست بالتضحية الكُبرى من أجل حفظ وحدة الكنيسة. فبالرغم من وجود أصدقاء لهم سلطانهم في الإسكندريّة وفي الخارج، وكان يمكنه أن يقود حركة مضادة للبابا، لكنّه أبى أن يفعل شيئًا من هذا.

في هدوء، ترك الإسكندريّة شاعرًا أنّه لن يوجد من يقدر أن يفصله عن كنيسته المحبوبة، إذ يقول: ”يحدث أحيانًا أنّ إنسانًا يُطرد خارجًا، ويكون بالحقّ لا يزال في الداخل، والبعض يبدو كما لو كانوا في الداخل مع أنّهم في الحقّيقة هم في الخارج“.[22]

كانت هذه العاصفة التي ثارت ضدّ أوريجانوس بلا شك صفعة مرعبة، ومع ذلك فإنّنا نراه وهو يتحدّث عنها يتكلّم بإتزان، إذ يقول في مُقدّمة الكتاب السادس لإنجيل يوحنا:[23]

”بالرغم من العاصفة التي هبّت ضدّنا في الإسكندريّة أكملت المجلّد الخامس (من تفسير إنجيل القديس يوحنا) لأنّ يسوع أمر الرياح والأمواج أن تهدأ. لقد بدأت فعلًا في المجلّد السادس حين طُردت من أرض مصر. منذ ذلك الحين والعدوّ يضاعف عنفه، فينشر رسائله الجديدة، التي هيَ بالحقّ غريبة عن الإنجيل، هكذا يطلق علينا الرياح الشرّيرة قادمة علينا من مصر.

وكان للعقل أن يشير علينا أن نستعد للمعركة. لكنّ، لا يمس هذا الأمر سلامنا إلى حد كبير فيعود الهدوء إلى ذهننا حتّى نقدر أن نكمل أعمالنا السابقة الخاصة بدراسة الكتاب المُقدّس“.

نياحته

في أيام داكيوس Decius (249-251)، ثار الاضطهاد مرّة أُخرى، وألقيَّ القبض على أوريجانوس. تعذّب جسده، ووُضِع في طوق حديدي ثقيل وألقيَّ في السجن الداخليّ، وربطت قدماه في المقطرة أيامًا كثيرة، وهُدّد بالإعدام حرقًا.[24]

احتمل أوريجانوس هذه العذابات بشجاعة، وإن كان لم يمت أثناءها، لكنّه مات بعد فترة قصيرة، رُبّما كان متأثّرًا بالآلام التي لحقت به.

قبل أن يموت أرسل إليه البابا الإسكندريّ ديونسيوس، الذي كان تلميذًا لأوريجانوس في مدرسة الإسكندريّة، وقد خلف هيراقليس في الباباويّة وزعامة المدرسة أيضًا، رسالة ”عن الاستشهاد“، لعلّه بذلك أراد أن يُجدّد العلاقة بين العلَّامة السكندريّ أوريجانوس وكنيسة الإسكندريّة.

في عام 254م رقد أوريجانوس في مدينة صور بفلسطين وكان عمره في ذلك الحين 69عامًا،[25] وقد اهتّمّ مسيحيّو صور بجسده اهتمّامًا عظيمًا، فدفنوه إزاء المذبح، وغطّوا قبره ببوابة من الرخام، نقشوا عليها:”هُنا يرقد العظيم أوريجانوس“.

 وقد شاهد الكاتب غيليوم الصوري هذا القبر والباب الرخاميّ في أواخر القرن الثاني عشر.[26]

آراء العلماء وآباء الكنيسة عنه

ألكسندروس أسقف أورشليم الذي كان يتطلّع إلى أوريجانوس كمعلّمه وصديقه، خليفة الاستاذين المُبجّلين بنتينوس وإكليمندس، بل وأعظم منهما. ففي اليوم التالي لنياحة القديس إكليمندس، كتب ألكسندر لأوريجانوس هكذا:

”إنّنا نعرف جيدًا الأبوين الطوباويّين اللذين سلكا الطريق قبلنا وسنلحق بهما سريعًا: ”بنتينوس الطوباويّ والمعلّم القدير، وإكليمندس المبجّل معلّمي ومعيني، وأيضًا آخرين مثلهما، وقد تعرّفت خلالهما عليك، إذ أنت هو ممتاز معهما، يا معلّمي وأخي“.[27]

فهو المُعلّم والباحث الممتاز في الكنيسة الأولى، شخصيّته لا يشوبها عيب، يحمل في تّعليمه دائرة معارف موسوعيّة، ويعتبر أحد المفكرين الأصليين الذين شاهدهم العالم“.[28] ”يرى البعض في العلَّامة أوريجانوس أعظم فكر يحمل عمقًا ظهر في تاريخ الكنيسة“.[29]

وصفه القديس ديديموس الضرير هكذا: ”أعظم معلّم للكنيسة بعد الرسل“، نقلها لنا القديس جيروم، وقد وضعها في مُقدّمة ترجمة ”عظات حزقيال“ لمعلّمه العظيم.[30]

لُقِب العلَّامة أوريجانوس بـ”أدمانتيوس“ أي ”الرجل الفولاذي“، إشارة إلى قوّة حجّته التي لا تقاوم وإلى مثابرته.[31]

كتب بروفيسور كواستن استاذ علم الباترولوجي الشهير في بداية دراسته عن أوريجانوس ما يلي:

”بلغت مدرسة الإسكندريّة (اللاهوتيّة) أهميتها العُظمى بقيادة أوريجانوس، المعلم والعالم البارز للكنيسة الأولى، إنسان بلا لوم في أخلاقه، وذو معرفة موسوعيّة، وأحد أكثر مفكري العالم أصالة في العصور كلها“.[32] ويكمل في حديثه عنه، قائلًا: ”رغم أنّ أوريجانوس أعطى اهتمامًا عظيمًا بدراسة الكتاب المُقدّس، واعتبر الفلسفة مُجرّد خادمة للمسيحيّة، إذ نجده يؤكد على أهمّيّة الكتاب المُقدّس أكثر من معلّمه كليمندس الإسكندريّ“.[33]

ويذكر كواستن، أنّ أوريجانوس بالغ في استعمال الطريقة الرمزيّة في تفسير الكتاب المُقدّس مما نتج عنه بعض الأخطاء.

ولهذا السبب حدث خلاف في الرأي بين الآباء منذ القرن الرابع حول ما ورد في كتابات أوريجانوس من بعض الأفكار إلى أن انتهى الأمر في القرن السادس بإدانة الأفكار الخاطئة الشائعة عنه، في مجمع عقده الإمبراطور جوستنيانوس الأوّل بالقسطنطينيّة سنة 543، وهو المجمع المسكونيّ الخامس عند الروم، والذي لم تشترك فيه الكنيسة القبطية الأرثوذكسيّة طبعًا لأنّه بعد انشقاق مجمع خلقيدونية تاريخيًّا.

ويضيف كواستن:

”كان مصير أوريجانوس أن يكون علامة اختلاف وتعارض، أثناء حياته، كما بعد وفاته أيضًا. ويندر أن نجد شخصًا مثله له أصدقاء كثيرون جدًّا وأعداء كثيرون جدًّا. صحيح أنّه ارتكب بعض الأخطاء، لكنّ لا يُمكن أن يشكّ أحد أنّه كان تواقًا وراغبًا بشدة أن يكون مسيحيًّا على الدوام، مستقيم الإيمان، عميقًا في إيمانه وثقته بالله.

فهو يسجل في بداية كتابه اللاهوتيّ الرئيسيّ ”المبادئ“: ”إنّ ما يجب أن يكون مقبولًا على أنّه هو وحده الحقّيقة والحقّ، هو ما لا يختلف من أي جهة من الجهات مع التقليد الكنسيّ والرسوليّ“.[34] ولقد جاهد أوريجانوس بكل قواه لكي يتّبع هذه القاعدة وختم جهاده هذا بدمه في نهاية حياته“.

قال عنه العالم واللاهوتيّ جان دانيلو:

”يمكن القول بإنّ كتابات أوريجانوس تشير إلى فترة حاسمة في كلّ ميادين الفكر المسيحيّ. فقد بحث في تاريخ نسخ الكتاب المُقدّس المتنوّعة، كما أنّ تعليقاته على المعاني الحرفيّة والروحيّة للعهد القديم والجديد، جعلته مؤسّسًا للدراسة العلميّة للكتاب. هو أوّل من وضع النظرة اللاهوتيّة العظيمة، وأوّل من حاول تقديم تفاسير منهجيّة للأسرار المسيحيّة.

إنّه أوّل من وصف الطريق الذي تسلكه النفس في رجوعها لله، وبهذا يكون أوّل مؤسّس للاهوت الحياة الروحيّة. كذلك نتساءل: إن كان يعتبر هو السلف -إلى حد ما- لظهور الحركة الرهبانيّة الكبرى في القرن الرابع“.[35]

مدحه أيضًا الأب فنسنت الليرنزيّ Vincent of Lerins، قائلًا:

”إن كان من جهة الحياة فعظيمة هيَ صناعته! عظيمة هيَ نقاوته وصبره واحتماله! من جهة النبل فأيّ شرف أعظم من أن يولد في بيت يتجمد بالاستشهاد؟! إن كان من جهة الفصاحة والحكمة والفلسفة فقد فاق الجميع. تخرّج من أحضانه معلّمون بلا حصر وكهنة ومعترفون. أي مسيحيّ لا يكرمه كنبي أو فيلسوف ومُعلّم؟! فإنّه حتّى الأمراء كرّموه. لا يكفيني اليوم كله أن أخبرك عن عظمته أو حتّى تحسّست نصيبًا منها!“.[36]

تلاميذ أوريجانوس والمعجبون به

في الإسكندريّة تتلمذ (البابا) ديونسيوس على يديه، وحينما بدأ العالم ينقلب عليه بقيَّ البابا يشعر أنه مدين بالجميل له، فأرسل إليه رسالة عن الاستشهاد عام 259م.

وقد مدحه القديس ديديموس الضرير مدير مدرسة الإسكندريّة وأكمل عمله في حقل التفسير واللاهوت الرمزيّ.

ودافع عنه البابا أثناسيوس الرسوليّ ولقّبه بألقاب جميلة مثل: ”العجيب“ و”العامل بالحب“.

أمّا الآباء الكبادوك فقد أحبّوه وورثوا تعاليمه،[37] تلك التي نُقِلت إليهم بواسطة تلميذه القديس غريغوريوس صانع العجائب الذي تتلمذ هو وأخوه ثيودورس على يديه بسبب اهتمامهما بالعلوم اليونانيّة وحبّهما للفلسفة، لكنّه استبدل غيرتهما القديمة في الفلسفة والعلوم اليونانيّة، بدراسة اللاهوت، وإذ لبثا في الدراسة خمس سنوات، أظهرا تقدّما عظيمًا في الروحيًّات حتّى سُيَّم كلاهما أسقفًا في كنائس بنطس رغم حداثة سنهما.[38]

فالقديسين غريغوريوس النزينزيّ وباسيليوس الكبير، وإن كانا لم يقبلا نظامه اللاهوتيّ بكليّته، لكنّهما رأيَّ فيه الشكل الوحيد الكافي للفكر العلميّ المسيحيّ المعروف في ذلك الحين، فتتلمذا على منهجه، كما ضمَّا بعض أقواله في كتاب ”الفيلوكاليا“ شهادة لاعتقادهما أنّ فكر أوريجانوس يحوي الأسّس التي بواسطتها يُمكن تقديم الإيمان في لاهوت عقليّ. في محاولتهما أرادوا تحقيق هذا الحُلم: ”تحالف الإيمان مع العلم“، والذي وجدوا بذرته الأولى عند أوريجانوس.[39] 

كما تأثر به القديس باسيليوس تأثرًا كبيرًا في مُعالجته لموضوع العالمين المنظور وغير المنظور، من خلال كتابه عن الروح القدس.[40]

لَقَب القديس غريغوريوس النيصي العلَّامة أوريجانوس بـ ”زعيم الفلاسفة المسيحيّين“،[41] وقد شارك القديسان السابقان اعتقادهما تجاه العلَّامة أوريجانوس ومنهجه، وإن كان قد تشرّب بروحه أكثر منهما، يظهر ذلك بوضوح في مقاله Oratio Catechelica الذي يقترب جدًّا من روح كتاب ”المبادئ“ لأوريجانوس أكثر من أي عمل آخر في القرن الرابع.[42] 

لقد حفظ القديس الكثير من مقالاته، وأدرك بفهم منهجه، وإن كان قد رفض مبالغاته. لقد أخذ عنه بعض أفكاره وتفسيره الرمزيّ وتّعليمه في حريّة الإنسانيّة، واعتقاده في الصلاح المُطلق لكل الأشياء.. لكنّه لم يكن مُجرّد ناقل.

ويعتبر القديس أوغريس من بنطس هو المسئول عن نشر تعاليمه بين رهبان مصر، فقد اعتمد على كتاباته وكان ينشرها أثناء وجوده في مصر. ومن خلاله أيضًا تسلّم القديس يوحنا كاسيان تعاليمه وبهذا انتقلت إلى الرهبنة الغربية.[43]

ونسخ بمفيليوس البيروتي تلميذ بيروس مدير مدرسة الإسكندريّة معظم مؤلفات أوريجانوس بيده وشغف بقراءتها.

تأثّر الأب مكسيموس المعترف بأوريجانوس تأثيرًا مُطلقًا.[44]

عُرِفت أعماله في الغرب بواسطة روفينوس الإكويلي، الذي أعُجِب به جدًّا، ودافع عنه بشدّة.

ويعتبر القديسان هيلاري وأمبروسيوس مدينان لتفاسيره بالكثير.

أمَّا القديس جيروم فقد كان منذ صباه المُبكّر مُعجبًا به جدًّا، دعاه ”أعظم مُعلمي الكنيسة بعد الرسل“،[45] دفع الكثير ليقتني كلّ كتبه، وترجم الكثير من مقالاته إلى اللاتينيّة، وجعل اسمه مشهورًا في الغرب. معرفته للتفسير جائت عن رجال أوريجانوسيّين مثل ديديموس الضرير وغريغوريوس النزينزيّ. لكنّه، فيما بعد، انقلب إلى عدوّ لدود ضد أوريجانوس.

كما مدحه القديس أغسطينوس.

بين المؤرخين الأوّلين مدحه يوسابيوس وسقراط جدًّا.

أخيرًا أتذكّر مُجرّد أسماء لتلاميذه والمُعجبين به: القديس يوحنا أسقف أورشليم، ويوسابيوس أسقف Vercellae، والإخوة الطوال القامة،[46] الذين بسببهم تعرّض ذهبي الفم لكثير من المتاعب. والقديس بلاديوس، وتوتيم أسقف سيتي الذي اعترض على أبيفانيوس عدوّ أوريجانوس.

شهادة القديس أثناسيوس لتعاليم أوريجانوس

كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ كتابًا للدفاع عن صيغة إيمان مجمع نيقية المسكونيّ الأوّل المنعقد سنة 325 De Decretis

وفي الفصل (6) من هذا الدفاع يستشهد القديس أثناسيوس بأربعة آباء ومعلّمين استلم منهم آباء مجمع نيقية الإيمان المُستقيم بأن ابن الله من نفس جوهر الآب. وقد كان أوريجانوس هو أحد هؤلاء الآباء الذين استشهد بهم.

وننقل هنا ما كتبه القديس أثناسيوس عن إيمان أوريجانوس:

 ”وفيما يخص الوجود الأزليّ للكلمة مع الآب، وأن الكلمة ليس من جوهر آخر بل هو من الآب ذاته، كما قال الأساقفة في المجمع، يمكنكم أن تسمعوا أيضًا من أوريجانوس؛ محب الأتعاب،[47] 

لأنّ ما كتبه من باب البحث والتدريب، لا ينبغي لأى أحد أن يعتبره مُجرّد مشاعره الشخصيّة، بل هى أفكار الفرق المتصارعة في البحث، أمّا ما يعلنه بصورة مؤكدة ومحدّدة، فهذا هو فكر هذا الإنسان المحب للأتعاب… فهو يقدّم اعتقاده الشخصيّ هكذا:

صورة الإله غير المنظور هى صورة غير منظورة، بل أتجاسرّ وأقول بما أنه صورة الآب فهو كان موجودًا دائمًا. لأنّه متى كان الله -الذي بحسب يوحنا يدعى النور (لأن ”الله نور“)- متى كان بدون بهاء لمجده الذاتي، حتّى يتجرأ أي إنسان أن يؤكد أن أصل وجود الابن كأنه لم يكن موجودًا قبلًا؟ لكنّ متى كان صورة الآب التي لا يعبر عنها، والجوهر الذي لا يسمى ولا ينطق به، ذلك التعبير والكلمة، والذي يعرف الآب، متى كان غير موجود. بل دع ذلك الذي يتجاسرّ أن يقول:

 ”كان الابن غير موجود في وقت ما“، دعه يفهم جيدًا أنه بهذا هو يقول إنّ الحكمة لم تكن موجودة في وقت ما، والكلمة لم يكن موجودًا، والحياة لم تكن موجودة“.

 

العلامة أوريجانوس (185م -203م) – دكتور سامح فاروق حنين

 

[1] In Gen Hom.2: 3.

[2] Hom. Jer. 6: 3

[3] In Num. hom. 11: 3

[4] In Levit. hom.11: 1.

[5] Ibid 15: 2.

[6] In Joan.28: 23.

[7] C. Knetschmar: Origens Und dei Arber, Zeilsch. Theolo. Kirsh 50 (1953) P 258 – 280.

[8] Fairweather, P. 60.

[9] Jerome: Cata c. 60; Socrate 6:39.

[10] آباء مدرسة الإسكندريّة الأولون، ص 85.

[11] ليس هو القديس أمبرسيوس أسقف ميلان، فقد كان أمبرسيوس صديقًا لأوريجانوس، وكان علمانيًّا، وثريًا، ينفق من ماله الخاص لخدمة التعاليم التي يقوم بها أوريجانوس.

[12] Eus. H. E. 3: 23: 2, 3.

[13] المُعترف: هو من تعذَّب على اسم المسيح، ولأجل إيمانه به، وظلّ ثابتًا في إيمانه، لكنّه لم ينل إكليل الشهادة.

[14] Euseb. H. E 6: 18: 2-4; 6: 19: 1.

[15] Eus. H. E. 6:3:3-7.

[16] Farrar, vol 1, P 426.

[17] تاريخ الكنّيسه، للقس منسّى يوحنا، ص 34.

[18] Eus. H. E. 6:19:17, 18.

[19] Eus. H. E. 6:23:4.

[20] On. Matt. 19: 12.

[21] H. M. Gwatkin: Early Church History, London 1909, vol 2, P. 192.

[22] Hom Levit 14:3.

[23] In Joan 6:1, 8-11.

[24] Eus. H. E. 6:39:5.

[25] Eus. H.E. 7:1

[26] رئيس أساقفة صور، ولد حواليّ عام 1130م وتنيح عام 1183م.

[27] Eus. H.E. 6:14:8-9.

[28] Quasten: Patrology, vol 2, P 37

[29] Carl S. Meyer: The Church, P 32.

[30] Jerome: Praef. in Hom. Orig. in Exech

[31] آباء مدرسة الإسكندريّة الأولون، ص 81.

[32] Quasten Vol.II, p.37.

[33] Quasten, Patrology, Vol.II.p.42.

ويُعد هذا أحد الأخطاء الحقيقيّة التي وقع فيها العلاّمة أوريجانوس، بعكس بقية الأخطاء العقيدية المُنسوبة بالخطأ إليه.

[34] حول المبادئ، Deprinc. Praef. 2

[35] J. Danièlou: Origen, N.Y 1955, P, VII.

[36] Adv Haer 23.

[37] Stanley M. Burgess, The Spirit and the Church, 1984. P. 132.

[38] Euseb. H. E 6: 30.

[39] J. H Strawley: The Catechtical Oration of Gregory of Nyssa, Cambridge 1905. PX.

[40] تادرس يعقوب ملطي (القمص)، القديس باسليوس الكبير، الجزء الثالث (الإسكندريّة: كنيسة مارجرجس إسبورتينج، 2014)، ص 218.

[41] راجع منسى يوحنا ص 48؛ مختصر تاريخ الأمة القبطيّة، ص384-390.

[42] Harnak: History of Dogma, vol 4, P 334.

[43] Dom Marsili Giovanni: Cassiano ed Evagris Pontics, Rome 1936.

[44] FR. Von Balthassi: Kosmische Liturgie, Freiburg in Breisgau 1941.

[45] Praef in Quaest in Gen.

[46] راجع: القديس يوحنا ذهبي الفم، للأب تادرس يعقوب، الإسكندريّة 1975م.

[47] φιλοπόνου = Labour – Loving.

أورد القديس أثناسيوس هذا الوصف بمدح أوريجانوس مرة أُخرى في الرسالة الرابعة إلى الأسقف سرابيون عن الروح القدس (انظر الرسائل عن الروح القدس إلى سرابيون 9:4) الترجمة العربية.

 

العلامة اوريجانوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثالث

الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1

الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1

 

الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1

أفلاطون plato
ولد أفلاطون أريستون في القرن الخامس ق. م. ولد في أحداث مؤسفة حيث هُزِمت أثينا من إسبارطه.

قام بالكثير من الرحلات حيث ذهب إلى مختلف المدن اليونانيّة وجنوب إيطاليا، ووصل رحلاته في الشرق حتّى مصر القديمة.

حاول كثيرًا أن يعمم فلسفته السياسيّة من خلال الحُكّام، خاصة مع ديونسيوس حاكم مدينة سيراقوصة، ولكنه فشل، واقتنع حينها أن عليه اولًا أن ينشيء الشباب على حبّ الفلسفة، واحترامها، ثمّ ستتغيّر حينها الأحوال السياسيّة.

ومن هُنا أنشأ مدرسته الفلسفيّة، وهي اولى المدارس الفلسفيّة في أثينا عند حديقة البطل أكاديموس، وأسماها الأكاديميّة، وقد قامت على الحوار والنقاش.

تقوم ركيزة نظريات أفلاطون الفلسفيّة على نظرية المُثل، وتقول النظريّة بأنّنا نعيش في عالم من الظلال والأوهام، والتي لن نستطيع أن نكتشف حقيقتها إلَّا حين نفك عنّا القيود التي تُكبلنا بهذا العالم، وهذا يحدث عن طريق معرفة الحقيقة..

ومن هُنا جاء المثل الذي وصلت شهرته إلى شهرة أفلاطون نفسه، وهو الكهف، حيث يقول إنّنا نحيا داخل كهف كبير، مُكبلين إلى الحائط، ولا نرى سوى الظلال المنطبعة على حائط الكهف المقابل لمدخله الذي منه يأتي النور من عالم الحقيقة, لكن الذين في الكهف، لم يروا سوى الظلال، فاعتقدوا أنّها حقيقة.

وتنقسم النفس الإنسانيّة عنده إلى ثلاث: النفس الشهوانيّة، والنفس الغضبيّة أو الحماسيّة، والنفس العاقلة. وربما من هذه الثلاثيّة تحدث أفلوطين عن الثالوث الذي يوصله نحو الله.

ومن هذا التقسيم السابق أخذ أوريجانوس تقسيمه للنفوس الروحانيّة، ولقُرَّاء الكتاب المُقدّس.

وتعدُّ محاورتيه ”تيماوس أو عن الخلق، وفيدون أو عن النفس“ من أهمّ المحاورات التي استند عليها آباء الكنيسة الشرقيّة عامّة في تعاليمهم.

وقد تأثر بفلسفته كثيرًا الآباء الكبادوك، والسكندريون، ولكن السكندريّين دخلت عليهم كتابات أُخرى طورت من فكرهم كما سنعرف.

أرسطو
وُلِد أرسطو طاليس نيقوماخوس في مدينة باسطاغير على ساحل إيونيا في أوائل القرن الرابع ق. م.

مات والده وهو في الثامنة عشر، فترك مقدونيا والتحق بأكديمية أفلاطون بأثينا، وتتلمذ على يد أفلاطون الذي لمح نبوغه ودعاه بـ”عقل الأكاديمية“، ولسعة اطلاعه وقراءاته دعاه بـ”القَرَّاء“.

بعد وفاة أفلاطون، ترك الأكاديمية وانتقل من أثينا إلى مقدونيا، وبعد عدّة سنوات دعاه فيليب ملك مقدونيا ليتلمذ ابنه الإسكندر (الأكبر)، ولبى أرسطو الدعوة وتلمذ الإسكندر لمدة أربع سنوات.

وبعد أن مات الملك فيليب وقاد الإسكندر الجيش ليفتح شرق البلاد، غادر أرسطو مقدونيا إلى أثينا، وبدأ يتطوَّر فكره عن فكر مُعلِّمه أفلاطون.

أسّس مدرسته الخاصة ”اللوقيون“ لتكون منافسة للأكاديميّة، أو لنقل متميّزة عنها، حيث ألحق بها متحفًا به العديد من النباتات والحيوانات التي كان يجري عليها التجارب، وجعل فترة مسائيّة خاصة بالجمهور من العامّة يلقي عليهم علومه وخطاباته، وهو ما قضى تمامًا على السفوسطائيّة التي فشل سقراط وأفلاطون في القضاء عليها.

نظرية المعرفة عند أرسطو تبدأ من الحواس التي تقودنا إلى المعرفة العقليّة التأمليّة، فليس العقل الخالص هو ما يقودنا إلى المعرفة.

وأهمّ ما يُميّز فلسفته هو الجوهر والعرض συμβεβυκος وببساطة تعني أنّ الجوهر هو الطبيعة أو استقلال الشيء بذاته في حدود، أمّا العرض فهو الوجود من خلال الطاقات، فهو صورة الجوهر لا الجوهر ذاته. وإنّ الاتحاد والاختلاط لا يحدث بين جوهرين، بل بين طاقات جوهرين، لإنّه في حالة اختلاط جوهرين فإنّهما يُنتجان شيئًا جديدًا ويتلاشيان فيه.

من هذه النظريّة أخذ الأنطاكيّون تفسيراتهم عن: وجهي الكتاب المُقدّس التاريخيّ والروحيّ، وطبيعتي المسيح، ومفهومهم عن التألُّه بالطاقات غير المخلوقة.

وهكذا نجد أنّ أكثر من تأثر بفلسفته هم الأنطاك.

فيلو Philo
فيلسوف يهوديّ عاش في الفترة من (30 ق. م- 50م)، بمدينة الإسكندريّة، حيث التحق بمدرستها الفلسفيّة، وهو أشهر فيلسوف دينيّ في عصره، حاول أن يوفق بين الفلسفة اليونانيّة ونصوص الكتاب المُقدّس، فكان ينطلق من الحدث الدينيّ ليتحرك نحو المفهوم الفلسفيّ الذي يحمله.

تأسّست الرمزية في اليهودية الإسكندرانية على وجهها الأكمل على يد فيلون[1] Philo الذي وضع لها نظامًا لتضييق الفجوة بين إعلان العهد القديم والفلسفة الأفلاطونية، إذ حمل إلى اليهود الفكر الهيليني في شرح العهد القديم لكسب المثقفين، مستخدمًا الرمزية. ويقارن فيلون المعنى الحرفي للكتاب بالظل، باحثًا عن الحقيقة الأصلية العميقة في المعنى الروحي الذي يرمز إليه[2].

وهو في هذا لا يقلل من شأن المعنى الحرفي أو يتجاهل المغزى التاريخي، لكنه ينظر إليه كجسم الإنسان الذي يحظى بكل احترام[3]، وإن كانت النفس أثمن منه.

تأثر به وبمنهجيته في التوفيق بين الدين والفلسفة جميع آباء الكنيسة.

أمونيوس ساكاس Ammonius Saccas
أحد أشهر مُدرسي مدرسة الإسكندريّة الفلسفيّة، خلط المطوَّب جيروم في كتابه مشاهير الرجال بينه وبين مسيحيّ يُدعى أمونيوس، فاعتقد أنّه مسيحيًّا وبقيَّ على مسيحيّته، إلَّا إنّ أغلب الدراسات الحديثة ترفض كونه مسيحيًّا، فقد كان يونانيّ الدين والثقافة.

وقد دمج المفاهيم الفلسفيّة بالصبغة الصوفيّة الدينيّة، وهو ما ظهر عند كلّ تلامذته، فقد تتلمذ على يديه أفلوطين وأوريجانوس.

أفلوطين Plotinus
ولد أفلوطين بليكوبوليس بأسيوط بصعيد مصر، وذهب إلى الإسكندريّة ليتتلمذ على يد أمونيوس ساكاس، ثمّ ذهب إلى روما حيث أنشأ مدرسته الفلسفيّة هُناك.

أسّس الفلسفة الأفلاطونيّة الحديثة، وهي فلسفة تمزج بين الأرسطية والرواقيّة والأفلاطونيّة.

وفي فلسفته هُناك ثلاثة مباديء انبثقت منها الحياة، هم الواحد أو الله والعقل أو صور الأشياء الموجودة، والنفس وهي ما يتم به تحقق الصور في العالم الماديّ.

ويتحدث عن الانتقال من النفس إلى العقل عن طريق التأمل، ثمّ بكثرة التأمل ينخطف العقل البشريّ لنرى الله الواحد.

والإنسان عند أفلوطين عالم صغير Microcosmos، يحوي في داخله كلّ ما في العالم بالقوة، فهو مُشتت مثل الرياح، وحالم كالطبيعة، وحياته يُمكن أن تنجرف نحو المادة أو الطبيعة أو تسمو فوق السماوات بالمعرفة والتأمل.

ومن فكرته عن الثالوث، والإنسان، والصوفيّة أي انخطاف العقل والالتصاق بالواحد أخذت عنه المسيحيّة الكثير من الشروحات لتؤسّس عليه تعليمها.

وكان لمدرسته أثر كبير على الفكر الآبائيّ الشرقيّ، ولا سيّما السكندريون.

[1] Philo (c. 20 BC. – c. AD. 50), the Jewish thinker and exegete in whom that literature flourished also lived in Alexandria. He belonged to a prosperous priestly family of Alexandria, and was firmly convinced that the teaching of the Old Testament could be combined with Greek speculation. His philosophy of religion embodies such a synthesis. (Esmat Gabriel: St. Clement of Alexandria, Coptic Church Review, Spring 1980, v.1, No. 1, p. 22.)

[2] De confus. Ling. 190.

[3] De. Migrat. Abrah. 89-93; J.N.D. Kelly: Early Christian Doctrines, 1978, p. 9.

 

الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1

انتشار المسيحية واماكن تبشير الرسل – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج3

انتشار المسيحية واماكن تبشير الرسل – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج3

انتشار المسيحية واماكن تبشير الرسل – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج3

 

انتشار المسيحية واماكن تبشير الرسل

انتشار المسيحيّة بسوريا وأثره
انتشار المسيحية شمالًا داخل سوريا وكليكية أحدث انزعاجًا للمجامع اليهودية مما أدي إلى أن نشأت حركة مضادة ومسلحة ومؤيدة برسائل من الرؤساء في أورشليم يقودها يهودي من كيليكية تلميذ للرابي اليهودي المشهور غمالائيل يدعى بولس أو شاول الطرسوسي، فريسي مؤمن بكمال الناموس الموسوي وبالتالي مضطهدًا غيورًا للكنيسة الوليدة.

وهو مسافر إلى دمشق تقابل فجأة مع المسيح القائم، ومن تلك اللحظة صار مسيحيا مؤمنًا ورجلًا غيورًا؛ وكان عنده رغبة جارفة للتبشير ونشر الإنجيل بين الأمم.

على الأرجح لم يكن بولس أول كارز للمسيحية بين الأمم، ولكن من البداية كان هو العامل الرئيسي في هذه المهمة، وهو نفسه كان مقتنعًا أن دعوته دعوة خاصة وفريدة ليكون رسولًا للأمم، يمارس السلطان الرسولي على كنائس الأمم سواء بالافتقاد أو بالرسائل (وقد وجد أن رسائله تعطي تأثيرًا أكثر من وعظه)، ويمثلها وينوب عنها في الحوار مع الكنيسة الأم في أورشليم.

بينما تعطينا رسائل بولس الرسول وسفر الأعمال بعض الإشارات عن نمو الكنيسة في وسط الأمم، لا نعلم إلا القليل عن الكنيسة الأم في اليهودية. أغلب التلاميذ الاثني عشر اختفوا فجأة من التاريخ. لم يبق سوى بطرس ويوحنا ويعقوب أخو الرب، وبعض الأسماء.

الرسل والإنجيليون بحسب أشهر مناطق تبشيرهم إلي الفرق الآتية
بحلول القرن الثالث ظهرت بعض القصص والروايات التي تحكي عن إرساليات الاثني عشر، ويمكن حصرها في أربع فرق أساسية:

الفرقة الأولى: التي عملت في اليهودية وتخومها . وتتكون من الرسل: بطرس ويعقوب البار ومتياس الذي حل محل يهوذا الإسخريوطي (ولبطرس رسالتان وليعقوب رسالة).

الفرقة الثانية: التي عملت في آسيا الصغرى وما حولها وتتكون من الرسل فيلبس و برثولوماوس ويوحنا (وللأخير إنجيل وثلاث رسائل وسفر الرؤيا).

الفرقة الثالثة: التي ذهبت إلي بلاد العجم (إيران) والهند وتتكون من الرسل يهوذا و سمعان القانوي وتوما (وليهوذا رسالة).

الفرقة الرابعة: التي ذهبت إلي أقاليم أوربا المختلفة وتتكون من الرسل اندراوس ويعقوب الكبير وبولس ولوقا الإنجيلي (ولبولس أربعة عشر رسالة وللوقا إنجيله وسفر أعمال الرسل).

الفرقة الخامسة: التي ذهبت إلي مصر وأثيوبيا بأفريقيا . وتتكون من الإنجيلين متى ومرقس (ولك منهما إنجيله) .

توما في فارس والهند،

أندراوس في سيكيثيا جنوب روسيا.. إلخ.

إلا أن هذه الروايات مثلها مثل قصص العصور الوسطى التي تقول إن يعقوب الرسول بشر في الفلبين ويوسف الرامي في إنجلترا. ومصدر هذه الروايات عن الرسل كتب الأبوكريفا التي انتشرت في النصف الأخير من القرن الثاني.[1] يوجد تقليد من القرن الثاني جدير بالتصديق يقول إن يوحنا بن زبدي عاش في أيامه الأخيرة في أفسس، وفيلبس المبشر وبناته الأربع اللواتي كن يتنبأن (أع9:21) مات في فريجية.

هذا الخروج الذي حدث لكنيسة أورشليم إلى أسيا الصغرى قد يكون بسبب الحرب اليهودية (من سنة 66 م إلى 70م). والإنجيل الرابع يحتوي على تعاليم التلميذ المحبوب. حوالي سنة 200م نجد أن كنائس آسيا الصغرى تنظر إلى القديس يوحنا كمؤسس لها وتكرم رفاته في قبره الذي في أفسس.[2]

الأفسسيين يعتقدون أن القديسة العذراء مريم عاشت في بيت القديس يوحنا (انظر يو27:19)، وفي القرن الخامس كرست فيها أول كنيسة باسم السيدة العذراء. ولكن من وجهة نظر أخرى أول من نادى بها كان إبيفانيوس سنة 375م، الذي تكلم عن العذراء كسر خفي متعالٍ لا يدركه، أن القديسة مريم لم تذهب إلى أفسس ولم تذق الموت أصلًا.

يعقوب البار “أخو الرب” كان أسقفًا على كنيسة أورشليم إلى يوم استشهاده في62م. (الحدث الذي أثار استياء المسيحيون من أصل أممي) خلفه ابن عم الرب (سمعان بن كلوبا). طبيعة العلاقة بين يعقوب (البار أخو الرب) وبطرس المتقدمين في الرسل والذين عهد الرب إليهما مسئولية الكنيسة غامضة وغير معروفة.

في رسائل بولس الرسول وسفر الأعمال نجد أن للكنيسة الأولى سلطتان متوازيتان إخوة السيد المسيح والاثني عشر، وإن حدث بينهما أي خلاف فسرعان ما يزال (الأعداد من مر 31:3-35 قد تلمح إلى ذلك).

وبحسب التقليد الغربي (مت18:16) دعي الرب بطرس باسم الصخرة التي يبنى عليها كنيسته، حتّى أن البعض ظن أن بطرس وليس يعقوب هو أسقف كنيسة أورشليم بعد الصعود. السلام الموجود داخل الكنيسة الأولي كما وصفه سفر أعمال الرسل.

علاقة بطرس وبولس غامضة أيضًا. المشاجرة الشهيرة التي نشبت بينهما في انطاكية من المؤكد أنه حدث عرضي أو لم يحدث بالصورة التي تم وصفها في (غل2)، وعلى الأقل فهما لم يفترقا عند موتهما. فكلاهما مات في روما شهيدًا في الاضطهاد الذي شنه نيرون.[3]

بلا شك وجود بطرس في روما في ستينات القرن الأول يمثل أهمية بالنسبة لمسيحيو الأمم ولكن لا توجد أي معلومات عن المدة التي قضاها أو العمل الذي قام به. وقصة إقامته في روما مدة خمسة وعشرون عامًا هي رواية من القرن الثالث.

[1] These are translated in M. R. James, The Apocryphal New Testament (Oxford.2nd edn., 1955). See also E. Hennecke’s New testament Apocryphal (ed. W. Schneemelcher, transl. R. M. Wilson, 2 vol., London, 2nd edn., 1991).

[2] الكتاب اللاتين نقلوا من ترتليانوس وجيروم قصة أن القديس يوحنا ألقي في الزيت المغلي في روما لكنه هرب سالمًا؛ وفي القرن السابع قيل أن هذا حدث عند الباب اللاتيني ويحتفل به في 6مايو، أما هذا الأمر فكان مجهولًا عند الكتاب اليونانيين.

[3] هناك إشارة إلى استشهاد بطرس جاءت في (يو18:21، 36:13) ومن قال إنه حدث في روما كليمندس في رسالته إلى كورنثوس ورسالة أغناطيوس إلى روما والإجماع العام لتقليد كلّ أباء الكنيسة في القرن الثاني. بالإضافة إلى التذكار السنوي والاحتفال الذي يقام في ضريحه في الفاتيكان وقد بني عام 160-170م

 

انتشار المسيحية واماكن تبشير الرسل – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج3

جماعة قمران – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج2

جماعة قمران – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج2

جماعة قمران – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج2

 

ما بين الأسينيين والكنيسة الأولى
يتشابه الأسينيين مع الكنيسة الأولى في بعض النواحي. فكانوا مترابطين كجسد واحد وكان كلّ شيء بينهم مشتركًا، وكلّ واحد يأخذ على قدر حاجته. حياتهم كانت بسيطة وكل من له ثوبان يعطي ثوبًا لأخيه المحتاج ويلبس الآخر إلى أن يبلى. وكانوا مختلفين فيما بينهم على مسألة الدفاع عن أنفسهم. فالغالبية رفضت حمل السلاح، ولكن بعضهم كان من الغيورين الذين كانوا يدافعون عن وطنهم ضد المستعمر الروماني.

وادي قمران صار مسرحًا للحرب اليهودية الدموية 66-70م، الأسينيين رفضوا العبودية على أساس أن البشر جميعهم سواسية أمام خالقهم؛ وعلى الرغم من أنهم لا يحرمون الزواج إلا أن كلّ أعضاء جماعتهم من الممتنعين عنه.

والانضمام إلى هذه الجماعة كان يتطلب اختبارات ونذور يتعهد بها المنضم حديثًا، وأي تقصير يستوجب الطرد. كانوا يمارسون طقس الغسل بالماء باستمرار.

ويشتركون في وليمة مقدسة غير مسموح للغريب عنهم أن يتناول منها.

وعلى الجانب الآخر هناك أيضًا فروق جوهرية كثيرة بين الأسينيين والكنيسة الأولى:

الأسينيين كانوا متمسكين بشدة بوصية تقديس يوم السبت،

وكانوا يتحاشون الاشتراك في أي احتفالات رسمية.

وبحسب مصادرنا اليونانية كانوا يستيقظون قبل الفجر ويقدمون الصلوات باكرًا جدًا،

ولهم تعاليم سرية عن جذور الأشياء والأحجار وأسماء الملائكة الخفية.

يهتمون جدًا بالمعاني الرمزية والروحية للأسفار، ويتنبأون بالمستقبل.

هناك تشابه في الإطار العام؛ فعلى سبيل المثال ذكر في مخطوطة اسمها ’درج الحرب‘ خبر عن معركة فاصلة بين أبناء النور وأبناء الظلمة والتي تشبه معركة هرمجدون التي ذكرت في سفر الرؤيا وربما أيضا ما أشارت إليه الرسالة إلى أفسس (إصحاح 6).

ولكن من المنصف أن نقول إنه في النقاط التفصيلية فإن المتشابهات والمتطابقات ليست بكثيرة أو مؤثرة؛ بالإضافة إلى أن ’معلِّم البر‘ -الذي هو قريب الشبه جدًا من يسوع- لا يلعب دورًا رئيسيًا في فكر جماعة قمران كما يلعبه يسوع في فكر وإيمان الكنيسة الأولى.

باختصار؛ العهد الجديد ومخطوطات قمران يلقي كلّ منهما الضوء على الآخر ولكن لا يمكن القول بأن أحدهما يشرح الآخر. من المحتمل أن يصير الأسيني مسيحيًا ولكن من غير الممكن أن يكون هناك أي استمرارية لهذه الجماعة داخل الكنيسة الأولى.

بل من العجيب أن المسيحيين الأوائل تبنوا نظرة إيجابية للعبادة داخل الهيكل في أورشليم أكثر من جماعة قمران نفسها (أع7،6). وفي ذات الوقت هناك الكثير يجعلنا نعتقد أن المسيحيين لن يحتملوا جماعة تستحوذ عليها فكرة الحاجة المستمرة إلى التطهيرات الجسدية وطقوس الغسل بالماء التي تتخلل اليوم عدة مرات[1].

[1] وأهم ما يُميز المسيحية عن الأسينيين هو أن المسيحية هي كرازة عالمية مؤسسة على الإيمان بشخص يسوع لا ترتبط بسياسة مُعينة ولا قانون مُعين ولا شعب مُعين، بينما الأسينيين لم يخرجوا عن دائرة الديانة اليهودية المُنغلقة ابدًا كما أنه من أهم تعاليمهم هو الحصول على البر من خلال حفظ ناموس موسي، بينما في المسيحية فالبر بالإيمان بشخص المسيح والشركة فيه عن طريق سري المعمودية والإفخارستيا وحياة الشركة مع جماعة المؤمنين.

 

جماعة قمران – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج2

Exit mobile version