الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1

الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1

 

الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1

أفلاطون plato
ولد أفلاطون أريستون في القرن الخامس ق. م. ولد في أحداث مؤسفة حيث هُزِمت أثينا من إسبارطه.

قام بالكثير من الرحلات حيث ذهب إلى مختلف المدن اليونانيّة وجنوب إيطاليا، ووصل رحلاته في الشرق حتّى مصر القديمة.

حاول كثيرًا أن يعمم فلسفته السياسيّة من خلال الحُكّام، خاصة مع ديونسيوس حاكم مدينة سيراقوصة، ولكنه فشل، واقتنع حينها أن عليه اولًا أن ينشيء الشباب على حبّ الفلسفة، واحترامها، ثمّ ستتغيّر حينها الأحوال السياسيّة.

ومن هُنا أنشأ مدرسته الفلسفيّة، وهي اولى المدارس الفلسفيّة في أثينا عند حديقة البطل أكاديموس، وأسماها الأكاديميّة، وقد قامت على الحوار والنقاش.

تقوم ركيزة نظريات أفلاطون الفلسفيّة على نظرية المُثل، وتقول النظريّة بأنّنا نعيش في عالم من الظلال والأوهام، والتي لن نستطيع أن نكتشف حقيقتها إلَّا حين نفك عنّا القيود التي تُكبلنا بهذا العالم، وهذا يحدث عن طريق معرفة الحقيقة..

ومن هُنا جاء المثل الذي وصلت شهرته إلى شهرة أفلاطون نفسه، وهو الكهف، حيث يقول إنّنا نحيا داخل كهف كبير، مُكبلين إلى الحائط، ولا نرى سوى الظلال المنطبعة على حائط الكهف المقابل لمدخله الذي منه يأتي النور من عالم الحقيقة, لكن الذين في الكهف، لم يروا سوى الظلال، فاعتقدوا أنّها حقيقة.

وتنقسم النفس الإنسانيّة عنده إلى ثلاث: النفس الشهوانيّة، والنفس الغضبيّة أو الحماسيّة، والنفس العاقلة. وربما من هذه الثلاثيّة تحدث أفلوطين عن الثالوث الذي يوصله نحو الله.

ومن هذا التقسيم السابق أخذ أوريجانوس تقسيمه للنفوس الروحانيّة، ولقُرَّاء الكتاب المُقدّس.

وتعدُّ محاورتيه ”تيماوس أو عن الخلق، وفيدون أو عن النفس“ من أهمّ المحاورات التي استند عليها آباء الكنيسة الشرقيّة عامّة في تعاليمهم.

وقد تأثر بفلسفته كثيرًا الآباء الكبادوك، والسكندريون، ولكن السكندريّين دخلت عليهم كتابات أُخرى طورت من فكرهم كما سنعرف.

أرسطو
وُلِد أرسطو طاليس نيقوماخوس في مدينة باسطاغير على ساحل إيونيا في أوائل القرن الرابع ق. م.

مات والده وهو في الثامنة عشر، فترك مقدونيا والتحق بأكديمية أفلاطون بأثينا، وتتلمذ على يد أفلاطون الذي لمح نبوغه ودعاه بـ”عقل الأكاديمية“، ولسعة اطلاعه وقراءاته دعاه بـ”القَرَّاء“.

بعد وفاة أفلاطون، ترك الأكاديمية وانتقل من أثينا إلى مقدونيا، وبعد عدّة سنوات دعاه فيليب ملك مقدونيا ليتلمذ ابنه الإسكندر (الأكبر)، ولبى أرسطو الدعوة وتلمذ الإسكندر لمدة أربع سنوات.

وبعد أن مات الملك فيليب وقاد الإسكندر الجيش ليفتح شرق البلاد، غادر أرسطو مقدونيا إلى أثينا، وبدأ يتطوَّر فكره عن فكر مُعلِّمه أفلاطون.

أسّس مدرسته الخاصة ”اللوقيون“ لتكون منافسة للأكاديميّة، أو لنقل متميّزة عنها، حيث ألحق بها متحفًا به العديد من النباتات والحيوانات التي كان يجري عليها التجارب، وجعل فترة مسائيّة خاصة بالجمهور من العامّة يلقي عليهم علومه وخطاباته، وهو ما قضى تمامًا على السفوسطائيّة التي فشل سقراط وأفلاطون في القضاء عليها.

نظرية المعرفة عند أرسطو تبدأ من الحواس التي تقودنا إلى المعرفة العقليّة التأمليّة، فليس العقل الخالص هو ما يقودنا إلى المعرفة.

وأهمّ ما يُميّز فلسفته هو الجوهر والعرض συμβεβυκος وببساطة تعني أنّ الجوهر هو الطبيعة أو استقلال الشيء بذاته في حدود، أمّا العرض فهو الوجود من خلال الطاقات، فهو صورة الجوهر لا الجوهر ذاته. وإنّ الاتحاد والاختلاط لا يحدث بين جوهرين، بل بين طاقات جوهرين، لإنّه في حالة اختلاط جوهرين فإنّهما يُنتجان شيئًا جديدًا ويتلاشيان فيه.

من هذه النظريّة أخذ الأنطاكيّون تفسيراتهم عن: وجهي الكتاب المُقدّس التاريخيّ والروحيّ، وطبيعتي المسيح، ومفهومهم عن التألُّه بالطاقات غير المخلوقة.

وهكذا نجد أنّ أكثر من تأثر بفلسفته هم الأنطاك.

فيلو Philo
فيلسوف يهوديّ عاش في الفترة من (30 ق. م- 50م)، بمدينة الإسكندريّة، حيث التحق بمدرستها الفلسفيّة، وهو أشهر فيلسوف دينيّ في عصره، حاول أن يوفق بين الفلسفة اليونانيّة ونصوص الكتاب المُقدّس، فكان ينطلق من الحدث الدينيّ ليتحرك نحو المفهوم الفلسفيّ الذي يحمله.

تأسّست الرمزية في اليهودية الإسكندرانية على وجهها الأكمل على يد فيلون[1] Philo الذي وضع لها نظامًا لتضييق الفجوة بين إعلان العهد القديم والفلسفة الأفلاطونية، إذ حمل إلى اليهود الفكر الهيليني في شرح العهد القديم لكسب المثقفين، مستخدمًا الرمزية. ويقارن فيلون المعنى الحرفي للكتاب بالظل، باحثًا عن الحقيقة الأصلية العميقة في المعنى الروحي الذي يرمز إليه[2].

وهو في هذا لا يقلل من شأن المعنى الحرفي أو يتجاهل المغزى التاريخي، لكنه ينظر إليه كجسم الإنسان الذي يحظى بكل احترام[3]، وإن كانت النفس أثمن منه.

تأثر به وبمنهجيته في التوفيق بين الدين والفلسفة جميع آباء الكنيسة.

أمونيوس ساكاس Ammonius Saccas
أحد أشهر مُدرسي مدرسة الإسكندريّة الفلسفيّة، خلط المطوَّب جيروم في كتابه مشاهير الرجال بينه وبين مسيحيّ يُدعى أمونيوس، فاعتقد أنّه مسيحيًّا وبقيَّ على مسيحيّته، إلَّا إنّ أغلب الدراسات الحديثة ترفض كونه مسيحيًّا، فقد كان يونانيّ الدين والثقافة.

وقد دمج المفاهيم الفلسفيّة بالصبغة الصوفيّة الدينيّة، وهو ما ظهر عند كلّ تلامذته، فقد تتلمذ على يديه أفلوطين وأوريجانوس.

أفلوطين Plotinus
ولد أفلوطين بليكوبوليس بأسيوط بصعيد مصر، وذهب إلى الإسكندريّة ليتتلمذ على يد أمونيوس ساكاس، ثمّ ذهب إلى روما حيث أنشأ مدرسته الفلسفيّة هُناك.

أسّس الفلسفة الأفلاطونيّة الحديثة، وهي فلسفة تمزج بين الأرسطية والرواقيّة والأفلاطونيّة.

وفي فلسفته هُناك ثلاثة مباديء انبثقت منها الحياة، هم الواحد أو الله والعقل أو صور الأشياء الموجودة، والنفس وهي ما يتم به تحقق الصور في العالم الماديّ.

ويتحدث عن الانتقال من النفس إلى العقل عن طريق التأمل، ثمّ بكثرة التأمل ينخطف العقل البشريّ لنرى الله الواحد.

والإنسان عند أفلوطين عالم صغير Microcosmos، يحوي في داخله كلّ ما في العالم بالقوة، فهو مُشتت مثل الرياح، وحالم كالطبيعة، وحياته يُمكن أن تنجرف نحو المادة أو الطبيعة أو تسمو فوق السماوات بالمعرفة والتأمل.

ومن فكرته عن الثالوث، والإنسان، والصوفيّة أي انخطاف العقل والالتصاق بالواحد أخذت عنه المسيحيّة الكثير من الشروحات لتؤسّس عليه تعليمها.

وكان لمدرسته أثر كبير على الفكر الآبائيّ الشرقيّ، ولا سيّما السكندريون.

[1] Philo (c. 20 BC. – c. AD. 50), the Jewish thinker and exegete in whom that literature flourished also lived in Alexandria. He belonged to a prosperous priestly family of Alexandria, and was firmly convinced that the teaching of the Old Testament could be combined with Greek speculation. His philosophy of religion embodies such a synthesis. (Esmat Gabriel: St. Clement of Alexandria, Coptic Church Review, Spring 1980, v.1, No. 1, p. 22.)

[2] De confus. Ling. 190.

[3] De. Migrat. Abrah. 89-93; J.N.D. Kelly: Early Christian Doctrines, 1978, p. 9.

 

الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1

اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي – د. أنطون جرجس عبد المسيح

اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي – د. أنطون جرجس عبد المسيح

اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

 

اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي بين اللاهوت والفلسفة

نناقش معًا أحبائي في هذا المقال موضوع جد خطير، وهو الحديث عن الله سواء بالطريقة الإيجابية أو الطريقة السلبية.

وأود التوضيح في البداية الفرق بين اللاهوت السلبي أو لاهوت النفي واللاهوت الإيجابي.

اللاهوت السلبي أو النفي أو التنزيهي هو عبارة عن الحديث عن الله بنفي أو سلب أو تجريد صفات النقص والتغيير والأهواء عنه وصفات المادة أيضًا، ولقد أتفق آباء ومعلمو الكنيسة الجامعة اللاهوتيون كما سنرى، على أنه أفضل وسيلة للتعبير عن الله في ذاته وجوهره وماهيته الإلهية (الثيؤلوجيا)، وخير مثال على ذلك ما نقوله من ألقاب وصفات عن الله في القداس الغريغوري، حيث نقول عن الله التالي:

”الذي لا يُنطق به، غير المرئي، غير المحوي، غير المبتدي، غير الزمني، الذي لا يُحد، غير المفحوص، غير المستحيل“. [1]

أما عن اللاهوت الإيجابي فهو عبارة عن الحديث عن الله في علاقته مع الخليقة وتدبيره وعنايته بها، وننسب إليه صفات المحبة والعدل والرحمة والغفران والصلاح والشفقة وغيرها من الصفات، التي تصف الله في علاقته وتدبيره بالخليقة (الإيكونوميا) كما أستقر على ذلك معظم الآباء في الكنيسة.

الكتاب المقدس

كما نجد اللاهوت السلبي بوضوح في الكتاب المقدس في مقاطع كثيرة، عندما يصف الكتاب المقدس الله في جوهره وذاته كالتالي:

1- يقول معلمنا يوحنا الرسول عن أن طبيعة الله غير منظورة عن طريق لاهوت النفي أو السلب كالتالي:

”اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ“. (إنجيل يوحنا18:1)

2- يؤكد ق. بولس على أن طبيعة الله غير منظورة مستخدمًا لاهوت النفي أو السلب كالتالي:

”لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ“. (الرسالة إلى رومية20:1)

ويكرر نفس الفكرة أن طبيعة الله غير منظورة مستخدمًا لاهوت التنزيه والتجريد في موضع آخر قائلاً:

”الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ“. (الرسالة إلى كولوسى15:1).

ويتحدث عن طبيعة الله بلغة النفي أو السلب أو التنزيه بأنه عديم الموت وغير المقترَب منه وغير المرئي قائلاً:

”الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ، الَّذِي لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ الأَبَدِيَّةُ. آمِينَ“. (الرسالة الأولى إلى تيموثاوس16:6)

 بينما عندما يتحدث الكتاب المقدس عن علاقة الله بخليقته وتدبيره لها، يستخدم لاهوت الإيجاب والتأكيد كالتالي:

”وَنَادَى الرَّبُّ: الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. حَافِظُ الإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ. غَافِرُ الإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيَّةِ“. (سفر الخروج7-6:34)

”لأَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبُّ صَالِحٌ وَغَفُورٌ، وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِكُلِّ الدَّاعِينَ إِلَيْكَ“. (سفر المزامير5:86)

 ولكننا سنركز على اللاهوت السلبي، لنتتبع جذوره من الفلسفة اليونانية حتى عصر آباء الكنيسة لنستوضح: هل اللاهوت السلبي يعتبر أفضل وآمن تعبير عن الله في ذاته وجوهره أم لا؟

 وينبغي التنبيه أحبائي أن اللاهوت السلبي يختلف تمامًا عن اللا أدرية والإلحاد الأكثر ابتذالاً، اللذين يفترضان بشكل متعجرف إنكارهم ونفيهم لوجود الله، كما لو كان لا يوجد بالمثل بشكل إيجابي في إيجابيته المستيكية (السرية)، لأن اللاهوت السلبي له أهمية دياليكتية (جدالية) في الفلسفة الدينية عند الكثير من المفكرين التأمليين.

أفلاطون

 نبدأ من عند اللاهوت السلبي عند أفلاطون، حيث يرى أفلاطون أننا لا بد أن نتذكر أن اللغة مخصصة أساسًا لكي تشير إلى موضوعات تجربتنا الحسية، وكثيرًا ما تكون قاصرة عن تأدية التعبير الدقيق عن الحقائق الميتافزيقية (أي الأمور ما فوق الطبيعة أو الإلهية)، وهكذا ترانا نتحدث، ولا يمكن أن يكون حديثنا معبرًا عن أن الله يتوقع كذا، وهي عبارة قد تعني أن الله موجود في الزمان، في حين أننا نعرف أن الله غير زمني، لأنه أزلي، بالرغم من أننا لا نستطيع أن نتحدث عن أزلية الله بشكلٍ كافٍ، ما دمنا نحن أنفسنا ليست لنا تجربة بالأزلية. [2]

كما يتحدث أفلاطون عن اللاهوت السلبي أو الطريق السلبي في الحديث عن الله، حيث يرى أن الواحد (الله) هو المبدأ النهائي ومصدر عالم المثل، كما يعلو الواحد عن المحمولات البشرية ويجاوزها (اللغة الإيجابية)، وهذا يعني أن الطريق السالب هو منظور مشروع للواحد (الله). [3]

أرسطو

 يتجلى بأوضح صورة اللاهوت السلبي عند أرسطو الذي أهتم بتوصيف الألوهية المطلقة عن أفلاطون، حيث يرى أن المحرك الأول غير مادي، فلا يمكن أن يقوم بأي فعل مادي، بل نشاطه روحي خالص وعقلي أيضًا، فنشاط الله نشاط الفكر. كما يتحدث أرسطو عن أن الله المحرك الأول الذي لا يتحرك وهو عقل محض، ولم يتحدث أرسطو عن المحرك الأول على أنه وجود شخصي، وبالتالي لم تكن لدى أرسطو نظرية عن الخلق الإلهي أو العناية الإلهية، فالله عنده قائم بذاته، ويفكر في نفسه على نحو أزلي، ولا يعلم الله سوى ذاته، ولا يمكن أن يكون موضوع لفكرة خارج ذاته. [4]

فيلو السكندري

 ننتقل إلى فيلو السكندري، حيث يوحد في تعليمه اللاهوتي بين نزعات وحدة الوجود (خلط الله بالطبيعة) والوجودية المنطقية الفلسفية الهلنستية وبين الفهم اليهودي الرابيني للألوهية المفارقة أو المجاوزة للعالم، وبفضل النزعة الأخيرة، يمكن إثبات أن فيلو هو ممثل اللاهوت السلبي بشكل حاسم إلى حد ما. يدعو فيلو إلى عدم إدراك وعدم تسمية الألوهية بشكل كامل، لأنها غير قابلة للإدراك، ولا يمكن تصورها، وغير قابلة للتعريف والتحديد، وغير قابلة للتسمية.

 لذا يتحدث الأب فريدريك كوبلستون عن تأثير فيلو في الفكر المسيحي المبكر، ويقول إنه قد بولغ فيه بدون شك، ولكن يقول إننا يجب أن نعترف أن الفيلونية قد ساعدت على تمهيد الطريق أمام الأفلاطونية المحدثة بتمسكها بالتعالي الكامل لله، ووجود موجودات متوسطة، وصعود النفس بالحالة السلبية للجذب لأعلى مرحلة حتى تصل إلى الذروة في الجذب أو الدهش المستيكي. [5]

العلامة كليمندس السكندري

 تبنى كليمندس السكندري اللاهوت السلبي للحديث عن الله في ذاته، حيث أعتنق بشكل كامل التعليم عن عدم إدراك الألوهية بالعقل مكرسًا من أجل تطوير هذه الفكرة، حيث ابتدأ بكلام أفلاطون قائلاً:

”الله لا يمكن إدراكه بالعقل، والفكرة عنه لا يمكن التعبير عنها بكلام“. [6]

ويستشهد بقول يوحنا الرسول مستخدمًا لاهوت السلب أو النفي كالتالي:

”ويقول يوحنا الرسول: الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر (يو١: ١٨)، داعيًا الذي لا يُرى، والذي لا يُدنى منه بحضن الله. ومن ثم دعاه البعض العمق، لكونه يحتوي ويحتضن كل شيء، ولا يمكن الوصول إليه، وبلا حدود له“. [7]

ويستطرد في نفس السياق مستخدمًا أسلوب النفي أو السلب عن جوهر وذات الله كالتالي:

”ولذلك هو بلا شكل ولا اسم“. [8]

ويؤكد في موضع آخر أن اللاهوت السلبي أفضل من اللاهوت الإيجابي للتعبير عن الله في جوهره وذاته كالتالي:

”وإذا اسميناه، فإننا لا نفعل ذلك بشكل صحيح واصفين إياه بالواحد، أو الصالح، أو العقل، أو الكائن المطلق، أو الأب، أو الله، أو الخالق، أو الرب. فنحن لا نهبه اسمًا، ولكن عند الضرورة، نستخدم أسماءً جيدةً من أجل دعم العقل بهذه النقاط، حتى لا يخطئ في نواح أخرى. لأن كل اسم في حد ذاته لا يعبر عن الله.

ولكن كلها معًا تدل على سلطة كلي القدرة، لأن الاسم يُستمد إما مما يخص الأشياء نفسها، وإما من علاقاتها المتبادلة، ولكن أيًا من هذه ليست مقبولة في الإشارة إلى الله. ولا يمكن إدراكه بأي شيء من علم البيان. لأنه يعتمد على المبادئ الأولية والمعروفة، ولكن ليس هناك شيء سابق لغير المولود“. [9]

 ولكن يقود الاعتراف بعدم إدراك الألوهة كليمندس السكندري إلى التأكيد على أن الإعلان الإلهي هو المصدر الوحيد للمعرفة الإيجابية عن الألوهة، وهذا الإعلان هو بالنعمة الإلهية من خلال الكلمة (اللوغوس) الصادر من الله، حيث يقول:

”ويبقى إذًا أن نفهم المجهول بواسطة النعمة الإلهية، وبواسطة الكلمة وحده الصادر منه، طبقًا لما يرويه لوقا في (سفر) أعمال الرسول عن أن بولس قال: أَيُّهَا الرِّجَالُ الأَثِينِوِيُّونَ أَرَاكُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَأَنَّكُمْ مُتَدَيِّنُونَ كَثِيرًا، لأَنَّنِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَجْتَازُ وَأَنْظُرُ إِلَى مَعْبُودَاتِكُمْ، وَجَدْتُ أَيْضًا مَذْبَحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: «لإِلهٍ مَجْهُول». فَالَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، هذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ (أع17: 22-23)“ [10]

 ومن هنا نستنتج أحبائي أنه أفضل طريقة للحديث عن الله كما هو في ذاته وجوهره بحسب الكتاب المقدس والتقليد والفلسفة هي طريقة لاهوت السلب أو النفي أو التنزيه، ولكن ننال المعرفة الإلهية من خلال الكلمة المتجسد الإعلان الكامل والحقيقي عن الله غير المنظور، لأنه بهاء مجده ورسم أقنومه وصورته. وبالتالي صدقت المقولة الشهيرة: أن ما لا تراه في المسيح الكلمة المتجسد لا تصدقه عن الله.

أفلوطين

 يدافع أفلوطين مؤسس الأفلاطونية المحدثة عن الحديث عن الله بطريقة اللاهوت السلبي، حيث أن الحديث عن الواحد بطريقة السلب لا يعني أن الواحد عدمًا أو لا وجود، بل يعني بالأحرى أن الواحد يتعالى على أي وجود نصادفه في خبرتنا. بما أن الوجود مستمد من موضوعات التجربة، أما الواحد فهو يعلو على جميع هذه الموضوعات، وبالتالي يعلو أيضًا على التصور الذي يقوم على هذه الموضوعات.

 لذا نرى أن الفكرة الفيلونية المنتشرة على نطاق واسع في اللاهوت المسيحي لهي بمعنى أوضح سوء فهم بأنه: إن كان اللاهوت السلبي لا يستطيع تأكيد أي شيء عن الله، فمن ثم من الواضح أنه لا يستطيع التأكيد على كينونته بالمثل أيضًا.

العلامة أوريجينوس

 ننتقل إلى العلامة أوريجينوس الذي أكد على عدم القدرة على إدراك جوهر الله، واستخدم اللاهوت السلبي للحديث عن الله في جوهره وذاته على نطاق واسع، حيث يقول التالي:

”نقول قولاً صريحًا أن الله لا يمكن إدراكه، بل يمتنع عن الكُنه. وإن أمكننا التفكير فيما يتعلق بالله أو فهمه، فيجب الاعتقاد بأنه يتخطى كثيرًا ما نحسبه فيه“. [11]

ويؤكد العلامة أوريجينوس على أننا نعاين الله في الابن المتجسد، حيث يخاطب الله قائلاً:

”بنورك سنعاين النور، ألا أننا سنعاينك أنت الآب في كلمتك أو حكمتك أي في ابنك“.[12]

ق. باسيليوس الكبير

 ننتقل الآن إلى الآباء الكبادوك الذين يمثلون حالة وسط في السؤال حول إدراك وعدم إدراك الله، وبعد إخضاع السؤال لتحليل فلسفي أعمق، وبفحصه بشكل أولي من الجانب الديني العملي، يعتبرون أن فكرة اللاهوت السلبي هي فكرة حقيقية تمامًا (لا تحتاج إلى دليل أو برهان أو شرح).

 لذا يطوّر ق. باسيليوس الكبير آرائه عن هذا السؤال في جداله مع أفنوميوس، الذي أكد على المعرفة الكاملة بجوهر الألوهة من خلال الأفكار، أو كما هو معتاد التعبير عنهم في الجدال حول أسماء الله التي تتناسب مع هذه الأفكار. [13]

 يعتبر أفنوميوس اسم ”غير المولود“ أو عدم المولودية هي مثل هذا التعريف للجوهر الإلهي، مطبقًا إياه فقط على الأقنوم الأول (الآب)، ويؤدي هذا إلى الاستنتاجات الأفنومية الآريوسية بخصوص الأقنوم الثاني الذي ليس له هذه الخاصية (أي عدم المولودية).

 لذا في الجدال ضد تعليم أفنوميوس، يقدم ق. باسيليوس الكبير مسلمة عامة، على الرغم من عدم موافقة أفنوميوس على شرح الأسماء السلبية لله عند ق. باسيليوس الكبير، واعترض (أفنوميوس) عليه ليس بدون أساس محدد:

”لا أعلم كيف من خلال نفي ذاك الذي لا يليق بالله، سوف يتفوق على الخليقة؟! […] لا بد أن يكون واضحًا لكل جوهر عاقل أن جوهر الواحد لا يستطيع مفارقة جوهر الآخر بما ليس له“. [14]

 يرد ق. باسيليوس الكبير على اتهامات أفنوميوس والأفنوميين له باللا أدرية بسبب استخدامه اللاهوت السلبي في التعبير عن الله في ذاته وجوهره كالتالي:

”إذا أجبت، أنا أعبد مَن أعرف، قالوا لي على الفور، ما هو جوهر الذي تعبده؟ عند ذلك، إذا اعترفت وقلت أنا أجهل الجوهر، يقولون لي: إذًا، أنت تعبد مَن لا تعرف. وأنا أجيب بأن فعل (أعرف) له عدة معاني: نحن نقول إننا نعرف عظمة الله، وسلطانه، وحكمته، وصلاحه، وعنايته بنا، وعدالة حكمه، لكن ليس جوهره ذاته […] إن الطاقات تتنوع أما الجوهر فبسيط، لكننا نقول إننا نعرف الله من طاقاته، على أننا لا نشرع في الاقتراب من جوهره […] إن طاقاته تأتي إلينا من فوق أما جوهره فيظل بعيدًا عن منالنا […] إذًا، معرفة الجوهر الإلهي تتضمن إدراك أنه لا يسبر غوره، وموضوع عبادتنا ليس هو أن نفهم الجوهر، لكن أن نفهم أن هذا الجوهر كائن“. [15]

ينفي ق. باسيليوس الكبير إدراك الجوهر الإلهي بالذهن ردًا على ادعاءات أفنوميوس بإدراك الجوهر الإلهي بشكل كامل كالتالي:

”إدراك الجوهر بواسطة الذهن، لم يقل به أحد من الرجال الحكماء المعروفين“. [16]

ويفاجئنا ق. باسيليوس بأنه حتى كلمة جوهر لا تعبر عن الله في ذاته، بل تعلن فقط المفهوم الخاص بوجود الله كالتالي:

”إن الجوهر يعلن فقط عن المفهوم الخاص بوجود الله، لكنه لا يقول لنا مَن هو الله بحسب جوهره“. [17]

 كما ينفي ق. باسيليوس أن الأسماء التي تُطلق على الله تعبر عن الاختلاف في جوهره كالتالي:

”فإن هذا (أي أفنوميوس) الذي يسفسط ويقول بأن اختلاف الأسماء، يتبعه اختلاف الجوهر، يكذب. لأن طبيعة الأشياء، لا تتبع الأسماء، بل الأسماء وُجِدت بعد الأشياء“. [18]

 يؤكد ق. باسيليوس أن الأسماء الإيجابية أو السلبية التي تُطلق على الله لا تعبر عن الله في ذاته، بل عن سمات قريبة من الله، حيث يقول التالي:

”نحن نسمي الله أيضًا، صالحًا، وبارًا، وخالقًا، وديانًا، وأسماء أخرى مماثلة (اللاهوت الإيجابي)، وكما في الأسماء السابقة، الكلمات التي تعني رفض ونفي العناصر الغريبة عن الله (لاهوت النفي)، هكذا هنا أيضًا فإن الكلمات تعني وجود السمات القريبة لله، ويليق أن تُنسب له، إذًا، فإننا نعرف من خلال هذه الأسماء سواء من حيث العناصر الموجودة (لاهوت الإيجاب)، أنها موجودة بالفعل، ومن خلال تلك الغير موجودة، أنها بالتأكيد غير موجودة (لاهوت السلب)“. [19]

 ويؤكد ق. باسيليوس على أننا نكوّن فكرة عن الله من خلال كل من اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي كالتالي:

”لكنه بالنسبة لنا هو كافٍ. إذ هناك أسماء من بين الأسماء التي نقولها عن الله، ما يوضح السمات والملامح التي في الله (اللاهوت الإيجابي)، بل والسمات التي ليست فيه (اللاهوت السلبي)، ومن خلال هاتين المجموعتين، نكوِّن فكرة عن الله“. [20]

 أود الإشارة إلى ق. أثناسيوس الرسولي وموقفه من اللاهوت السلبي والإيجابي، حيث يرى أثناسيوس استحالة فهم ماهية جوهر الله، ولكن الأسماء والألقاب المكتوبة عنه في الأسفار المقدسة هي لتوضيح حقيقة أنه كائن وموجود كالتالي:

”فإذ رغم أنه يستحيل أن نفهم ماهية جوهر الله، إلا أننا إذا فهمنا فقط أن الله موجود*، وإذا أشارت الأسفار المقدسة إليه عن طريق هذه الألقاب، فأننا بقصد الإشارة إليه وليس غيره، ندعوه الله وآب ورب. عندئذ عندما يقول: أهيه الذي أهيه وأنا الرب الإله (خر٣: ١٤، ١٥)، أو عندما يقول الكتاب المقدس (الله) لا نفهم شيئًا آخر بذلك إلا الإشارة إلى جوهره غير المدرك ذاته، وأن ذلك الذي الحديث عنه هو كائن“. [21]

كما يؤكد ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقَب بأثناسيوس الغرب على ضعف اللغة في الحديث عن الله سواء باللاهوت السلبي أو اللاهوت الإيجابي، وأن الإعلان الوحيد الحقيقي والمصدر الوحيد للمعرفة عن الله هو الابن المتجسد كالتالي:

”لا بد أن نشعر بأنه غير مرئي، وغير مدرك، وأبدي. لكن القول بأنه ذاتي الوجود، وذاتي المنشأ، وذاتي البقاء، وأنه غير مرئي، وغير مدرك، وغير مائت، هو اعتراف بمجده، وتلميح لما نعنيه، ورسم تخطيطي لأفكارنا، لكن اللغة أضعف من أن تخبرنا بما هو الله، والكلمات لا يمكنها أن تعبر عن الحقيقة“. [22]

ويؤكد كما أكد قبله وبعده من الآباء أن المصدر الوحيد للمعرفة عن الله هو الابن المتجسد كالتالي:

”بما أنه لا أحد يعرف الآب إلا الابن، فلتكن أفكارنا عن الآب موافقةً لأفكار الابن، الشاهد الوحيد المخلِص، الذي أعلنه لنا“. [23]

 ولكن يؤكد ق. أوغسطينوس على أن أفضل طريقة لمعرفة الله هي بعدم معرفته، أي عن طريق اللاهوت السلبي، حيث يقول:

”أفضل طريقة لمعرفة الله هي عدم معرفته“. [24]

ق. غريغوريوس اللاهوتي

نعود مرةً أخرى إلى الآباء الكبادوك؛ حيث يعبر ق. غريغوريوس اللاهوتي عن الفكرة العامة بعدم إدراك الله في شعره اللاهوتي، حيث نقرأ في أنشودته الأولى إلى الله التالي:

”إذ أنك الأعلى من الكل! لأنه لأي شيء آخر مسموح لي أن أتحدث عنك؟ وكيف يمكنني أنا أسبح بكلمة عنك؟ لأنه لا يمكن التعبير عنك بأي كلمة، وكيف يمكن للعقل أن ينظر إليك؟ لأنك صعب المنال لأي عقل، فأنت وحدك غير المعبَّر عنه، لأنك قد صنعت كل شيء لا يمكن التعبير عنه بكلمة، أنت وحدك غير المدرَك، لأنك قد أحدثت كل شيء مفهوم بالفكر، وكل شيء موهوب وغير موهوب للعقل يعود بالكرامة لك، أنك نهاية كل شيء، أنت وحدك الكل. أنك لست واحدًا، ولست وحيدًا، ولست الكل، أيها الواحد المُسمى بالكل! كيف سأسميك، يا مَن لا يمكن تسميته؟ وأي عقل سماوي ينفذ خلال الحجاب فوق السحاب؟ كن رحيمًا، يا مَن هو أعلى الكل، لأنه لأي شيء مسموح لي أن أتحدث عنك؟“. [25]

 وهكذا يؤكد ق. غريغوريوس اللاهوتي في موضع آخر مثله مثل كل الآباء السابقين واللاحقين عليه على عدم إدراك جوهر وطبيعة الله كالتالي:

”الله في طبيعته وفي جوهره، لم يتوصل أحد قط، ولن يتوصل أحد إلى اكتشافه“. [26]

ويؤكد على أن أفضل طريقة للتعبير عن الله في جوهره وذاته هي اللاهوت السلبي كالتالي:

”فكيف تعبر عن جوهر الله من غير أن تبين ما هو، فنكتفي بإسقاط ما ليس هو؟“. [27]

 كما يؤكد على حقيقة اللاهوت السلبي كأفضل طريقة للتعبير عن الله في جوهره بانتزاع ونفي التعاليم المادية والأرضية عن الله، والتسامي والارتقاء مع الألوهية، وترك الأرضيات، والصعود إلى الروحيات، ويميز أيضًا بين الحديث عن طبيعة الله (اللاهوت السلبي)، والحديث عن التدبير الإلهي (اللاهوت الإيجابي) كالتالي:

”لكي تنتزع أنت من تعاليمك ما هو مادي وأرضي، ولكي تتعلم التسامي فوق ذلك، والارتقاء مع الألوهة، فلا تظل في غمرة الأشياء المرئية، بل تصعد لكي تكون مع الروحيات، وتدرك ما قيل في الطبيعة الإلهية، وما قيل في التدبير الإلهي“. [28]

 يرى ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا أن الأسماء الإيجابية عن الله مثل: روح، ونار، ونور، ومحبة، وحكمة، وعدل، وعقل، وكلمة، لا تعبر عن جوهر وماهية الله في ذاته، ويفند كل اسم منها، موضحًا ملامح القصور والنقص في كل اسم إيجابي، ويطلق تعبير الابتداع على مَن يتصورون ويطبقون هذه الأسماء ولو جزئيًا على الألوهة كالتالي:

”روح، ونار، ونور، ومحبة، وحكمة، وعدل، وعقل، وكلمة، أليست هذه الألفاظ، وما شابهها أسماءً للطبيعة الأولى؟ وماذا؟ هل نتصور الله روحًا بدون انطلاق وانتشار؟ ونارًا في خارج المادة وبدون تشبب إلى فوق، وبلا لون ولا شكل؟ ونورًا غير ممتزج بالهواء، ومنفصلاً نوعًا ما عن مصدره وباعثه؟ وعقلاً وأي عقل؟ هل هو عقل في آخر، أم عقل تصوره حركة، أم عقل ساكن، أم متدفق إلى الخارج؟ كلمة وأي كلمة؟ هل هو المقيم فينا أم المنتشر – ولا أجرؤ أن أقول المتبدِّد؟ وإن كان حكمة فأي حكمة هي؟ […] أم ترى هل يجب أن نزرع هذا وننظر إلى الألوهة في ذاتها قدر المستطاع، ونتصور لها صورة ولو جزئية؟ فماذا يكون هذا الابتداع! أ فيكون من هذا، ولا يكون هذا؟ أو كيف يكون كل هذا، وكيف يكون كل شيء من هذا الأشياء على نحو كامل*، فهو الواحد بطبيعته بدون تركيب ولا مماثلة لأحد؟“. [29]

 كذلك يرى ق. غريغوريوس اللاهوتي أنه الأسماء الإلهية سواء الإيجابية أو السلبية لا تعبر بشكل كامل عن جوهر الله، وإلا كان لله عدة جواهر، وليس جوهر واحد كالتالي:

”كذلك اللا زوال، واللا خطيئة، واللا تحول، فهل هي جوهر الله؟ إذا كان الأمر كذلك، كان لله عدة جواهر لا جوهر واحد، أو كانت الألوهة من مجموعة هذه الأشياء، ولا بد لهذه الأشياء من أن تكون غير مركبة في مجموعة إذا كانت جواهر“. [30]

 ويفرق ق. غريغوريوس اللاهوتي بين مقولتي علاقة وجوهر في الله، حيث مقولة علاقة نسبية أو علائقية، بينما مقولة جوهر في غير تحديد كالتالي:

”أو إذا شئت فهكذا: الله جوهر، والحال أن الجوهر ليس الله بنوع مطلق، استخرج النتيجة بنفسك أنت: الله ليس الله بنوع مطلق، وأنا أرى أن هذا القياس الفاسد يتناول المقولة نسبيًا، والمقولة في غير تحديد“. [31]

 ويعلق اللاهوتي على الأسماء الإيجابية أنها لا يمكن أن تحوي الله احتواءً كاملاً حقيقيًا، بل تقترب مما حوله لتكوّن صورة غامضة ضعيفة عنه كالتالي:

”وجوهر الله لم يتمكن عقل من تصوّره، ولم تتمكن لفظة من احتواء حقيقته احتواءً كاملاً، ولكننا نتخذ مما حواليه طريقًا إلى تخيله في ذاته، ونرسم لنا عنه صورة غامضة ضعيفة، صورة تختلف باختلاف عناصرها“. [32]

 كما يؤكد اللاهوتي على أن اللفظة لها دلالة نسبية وليست مطلقة في الحديث عن الله كالتالي:

”اللفظة على كل حال لها دلالة نسبية لا مطلقة“. [33]

 يعلق ق. غريغوريوس اللاهوتي على أن اللاهوت السلبي معناه أن الله لا يمكن إدراكه إدراكًا كاملاً، بل هو متروك لتبحر من عنده فكر الله كالتالي:

”كما لا تكفي التعبيرات: غير المولود، ولا مبدأ له، وغير قابل للتغيير، وغير قابل للفساد، وسائر ما قيل في الله وعن الله. فماذا يعني في موضوع طبيعته، أن يقال: ليس له مبدأ، ولا يتغير، ولا تحده حدود؟ إن إدراكه إدراكًا كاملاً متروك لتبحر من عنده فكر الله“. [34]

ويعلق الباحث الشهير توماس تورانس على الفرق بين اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي كالتالي:

”فإننا نستطيع فقط أن نفكر ونتحدث عن الله بعبارات نفي عامة وغامضة، لأنه بسبب المسافة غير المحدودة التي بين المخلوق والخالق، فإننا لا نستطيع أن نعرف الله وفقًا لما هو في ذاته، أو حسب طبيعته الإلهية، بل نعرفه فقط في انفصاله التام عنا، بوصفه الأبدي والمطلق وغير الموصوف. ومن هذا المدخل لا يمكننا أن نفعل شيئًا أكثر من محاولة التحدث عن الله من خلال أعماله التي أوجدها بمشيئته وبواسطة كلمته، أي من خلال ما يتعلق بالله من خارج، الأمر الذي لا يستطيع في الواقع أن يعرّفنا أي شيء عمَن هو الله، أو ماذا يشبّه في طبيعته الذاتية“. [35]

ق. غريغوريوس النيسي

 ننتقل إلى ق. غريغوريوس النيسي الذي يؤكد على عدم إدراك الطبيعة الإلهية في جوهرها، ويؤكد على أن الأسماء الإيجابية عن الله لا تعبر عن طبيعته أو جوهره، بل عن فعالياته وآثاره وأعماله وطاقاته نحو الخليقة كالتالي:

”ولكنني لا أعرف، كيف أن هؤلاء الذين يدّعون كل معرفة، يتخذون من تسمية الألوهية دلالةً على الطبيعة، وكأنهم لم يسمعوا شيئًا من الأسفار الإلهية بأن الطبيعة ليست مسألة اتفاق… فالتسمية تحمل دلالة على إمكانية ما، سواء فيما يُنظر، أو فيما لها من أثر، وتبقى الطبيعة الإلهية بقدر ما هي في ذاتها، في كل التسميات التي تُستخدم في وصفها غير موصوفة بحسب تعليمنا، لأننا قد تعلّمنا أنه محسن، وقاضٍ، وصالح، وعادل، والأشياء الأخرى التي من طبيعته، بتعلّمها من خلال تمايزات الفعالية (الطاقة)، ولكن طبيعة مَن له الفعالية (الطاقة) حتى هذه لا ندركها من خلال تأمل الفعاليات (الطاقات)“. [36]

كما يؤكد النيسي على أن ما تشير إليه الطبيعة الإلهية لا يبين ماهية ما تكون بالتحديد، لأن الطبيعة الإلهية غير قابلة للإدراك والوصول إليها، بل يتم الاستدلال عليها من خواصها الصادرة عنها كالتالي:

”إن ما تشير إليه الطبيعة لا يبين ماهية ما تكون بالتحديد، وهذا لأن ماهية الطبيعة الإلهية غير قابلة للإدراك، وغير قابلة للوصول إليها، بل يُستدل عليها من خواصها التي تصدر عنها ومنها“. [37]

 يشدد النيسي على حقيقة هامة بخصوص الأوصاف الجسدانية المنسوبة لله في الكتاب المقدس، بأنها تنقل لنا من مجالنا البشري عن كيفية عمل الله من أجل مساعدة العاجزين عن الوصول إلى العالم اللا جسداني؛ معلقًا على دلالة اسم (روح) عن الله أن معناه لا محدويته وعدم انحصاره في مكان، حيث يقول:

”ومع ذلك، تحدد الأسفار التعليم الإيماني الكامل وتؤكد عليه، بل وتجعله مناسبًا، وقابلاً للتدريس بالنسبة للدارس. وبالتأكيد عندما تقول الأسفار أن لله آذان، وعيون، وفم، وباقي أعضاء الجسم، لم تسلّمنا هذا كتعليم*، وكأنها تضع تعريفًا أن الطبيعة الإلهية مكوّنة من أعضاء معًا، بل تقدّم لنا الكيفية من مجالنا البشري، لعلها تستطيع أن تنقله لمَن يعجزون عن أن يصلوا إلى العالم اللا جسداني، بينما تؤكد بتعبيرات واضحة جدًا ومباشرة التعليم الإيماني، عندما تقول إن الله روح، وبهذه الكيفية تعلّمنا عدم انحصاره ولا محدوديته في كل مكان أينما نذهب“. [38]

نستأنف أيضًا مع ق. غريغوريوس النيسي، حيث أن المناسبة الرئيسية من أجل التعبير عن أفكار اللاهوت السلبي عنده هي مجادلته مع الغنوسية العقلانية لأفنوميوس؛ التي استمرت معه بعد نياحة أخيه ق. باسيليوس الكبير. لأنه بالنسبة لأفنوميوس، كما نعلم، لا يوجد أدنى شك في إمكانية الإدراك الكامل والشامل للجوهر الإلهي بمساعدة المفاهيم والأسماء، وكان مثل هذا المفهوم الأساسي هو عدم المولودية.

  يتخذ النيسي في جداله مع أفنوميوس الموقف غير المحدد بشكل عام للأسمية الشكية في نظريته عن الإدراك وتعليمه عن الأسماء. لذا من أجل دحض المبالغة غير المنطقية، أو بالأحرى الفهم الخاطئ للعلاقة الكائنة بين اسم الله وجوهر الله عند أفنوميوس، ينكر النيسي واقعية كل المفاهيم والأسماء، ويحولهم إلى مجرد دلالات وإشارات ابتكرها البشر. وهكذا في نظريته الأبستمولوجية (المعرفية) للأسماء التي يقدمها ضد أفنوميوس، لا يمكن للمرء إلا أن يرى الحماسة الجدلية، ولكن بغض النظر عن المبالغة الأسمية في الابستمولوجيا (علم المعرفة)، إلا أن وجهة نظر النيسي الأساسية من جهة عدم اقتراب الإدراك العقلي من الألوهة على نحو كامل تتفق مع الاتجاه العام للاهوت السلبي عند الآباء الأخرين.

 كما يضفِّر النيسي بشكل مميز في لاهوته الإيجابي الباعث الأساسي للاهوت السلبي في نظامه العقائدي، أي مفارقة الله للخليقة، وصعوبة وصول الوعي المخلوق إليه.

 فنجد أن النيسي يؤكد على أن الله يفوق كل اسم، وأنه أنسب تسمية له هي أنه الوحيد الأسمى من كل اسم كالتالي:

”لا يمكن إدراك الله باسمٍ، أو بفكرٍ، أو بأي قوة إدراكية أخرى للعقل، بل يظل (الله) فوق إدراك ليس البشر فقط، بل وإدراك الملائكة، وكل كينونة فوق العالم. إنه غير معبّر عنه، وغير منطوق به، وفوق كل تسمية بكلام، ولديه اسم واحد فقط يساعد في استيعاب طبيعته اللائقة، أي أنه هو الوحيد الأسمى من كل اسم“. [39]

كما يؤكد النيسي على عدم إدراك الجوهر الإلهي، حيث أنه:

”لا يوجد في الطبيعة البشرية أية قوة من أجل معرفة جوهر الله على نحو تام، وربما أيضًا إنه من النادر الحديث فقط عن القوة البشرية، ولكن إن كان أحد يقول بأنه حتى الخليقة غير الجسدية هي أقل جدًا من التكيف والاستيعاب للطبيعة غير المحدودة عن طريق المعرفة، فلن يكون بالطبع مخطئًا على الإطلاق […] فلا تقف قوة الملائكة بمعزل عن ضآلتنا […] لأنه عظيم ولا يمكن عبوره، البون الذي تفترق به الطبيعة غير المخلوقة عن الجوهر المخلوق. فالواحد محدود، والآخر بلا حدود، الواحد مدرَك بقياسه، لأن حكمة الخالق أرادته، بينما لا يعرف الآخر أي قياس، الواحد مقيّد بمجال محدد الأبعاد، محصور بالمكان والزمان، بينما الآخر أعلى من أي مفهوم عن الأبعاد، وبغض النظر عن كم يمكن للمرء أن يضغط على العقل، فيمتنع عن التعريف من فضول المرء بالمثل“. [40]

 كما يتحدث النيسي عن الألوهة من حيث الجوهر في العموم، بأنها صعبة المنال، ولا يمكن تصورها، وتفوق قدرات العقل على الاستدلال والاستنتاج قائلاً:

”من حيث جوهرها، تظل الألوهة لا يمكن الوصول إليها، ولا يمكن تصورها، وتفوق أي إدراك يمكن الحصول عليه عن طريق الاستدلال والاستنباط“. [41]

ديونيسيوس الأريوباغي

نأتي إلى ديونيسيوس الأريوباغي الذي يُعتبر الأب الحقيقي للاهوت السلبي في الفلسفة والروحانية المسيحية. ديونيسيوس هو كاتب غامض، يتم التأريخ له عادةً نحو مطلع القرن الخامس، وينسب التقليد كتاباته إلى ديونيسيوس الأريوباغي، وهو رجل من العصر الرسولي، تحول إلى المسيحية عن طريق بولس الرسول في أثينا. قوام كتاب ”الأسماء الإلهية“ له دلالة ومغزى خاص متمثل في أنه أحد قمم التأمل المستيكي (السرائري).

 بالوقوف عند التأثير المباشر للأريوباغي على مفكر مثل مكسيموس المعترف (القرن ٧) الذي كتب شرح وتعليقات على مؤلفاته، وصولاً إلى تأثير الأريوباغي الملحوظ على جون سكوت أريوجينا (لاهوتي لاتيني مدرسي)، وعلى سباستيان فرانك، ومايستر إيكهارت (لاهوتي متصوف ألماني) ومدرسته وآخرين.

 كُتبت مؤلفات الأريوباغي بحماسة هائلة، بالرغم من أنها ليست خالية من البلاغة. أداته الأدبية المفضّلة هي المبالغة، حيث يرى الأريوباغي أنه يتم تعريف مناقشة الأمور اللاهوتية عادةً على أنه تسبيح، حيث ترتبط المفاهيم على نحو ثابت بالفائق، والأول (الألفا)، والنفي (السلب) بلا، والذاتي … إلخ. الجوهر الفائق الجوهرية، والألوهة الفائقة الألوهية، والخير الفائق الخيرية، والألوهة غير المعلولة عينها … إلخ.

 الفكرة الرئيسية المتطورة في كتاب ”الأسماء الإلهية“ هي التسامي المطلق، وعدم إمكانية إدراك الألوهة بالنسبة لنا. يستطيع العقل الموهوب قواه الخاصة، ولا بد أن يسير فقط بمحاذاة الطريق الأبوفاتيك (السلبي): حيث يمكن أن تشكل التعريفات الإيجابية للألوهة موضوع الإعلان، وهي متضمنة ومحوية في كلمة الله (الأقنوم)، لأن أسماء الله المختلفة متصلة بعضها ببعض. فالمقالة عن الأسماء الإلهية مخصصة لتحليل معنى تلك الأسماء. لذا يتم التعبير عن اللحظة الأبوفاتيك (السلبية) عند ديونيسيوس بقوة وتركيز لا مثيل لهما. حيث يقول:

”في الواحد العام، لا يجب التفكير، أو قول أي شيء عن الألوهة الفائقة الجوهر والمستيكية (السرائرية)، إلا ما هو معلن لنا على نحو إلهي في كلمة الله“. [42]

 حيث يتم الإعلان عن الألوهة بالنعمة إلى الجنس البشري بمقدار وقياس قدرة كل روح منفردة، لذا يقول التالي:

”اللا محدودية الفائقة الجوهر نفسها هي أعلى من الجوهر (فهي مفارقة له)، والأسمى من العقول هو العقل الفائق الوحدة، وغير المقترب منه لكل فكر هو الذي يفوق الفكر، وغير المنطوق لكل كلمة هو الصالح الذي يفوق الكلمة، هو الوحدانية التي توحد كل وحدانية، والجوهر الفائق الجوهر، والعقل الصعب المنال للعقل، والكلمة غير المنطوقة، وعدم الكلام، وغياب العقل، وعدم التسمية، لا يتطابق مع أي شيء كائن، علة كل كينونة، بالرغم من أنه هو نفسه ليس كينونة، المفارق لكل جوهر“. [43]

 كما يؤكد الأريوباغي على أنه من أجل التعبير عن أفكارنا بخصوص الإلهي، نستخدم الرموز والتشبيهات (القياسات)، حيث يقول التالي:

”الواحد، غير المعروف، الفائق الجوهر، الصلاح الذاتي، المسمَى بالوحدانية المثلثة، والإلهي الواحدي، والصلاح الواحدي، يستحيل التعبير عنه بكلمة، أو إدراكه بالذهن“. [44]

 يقول الأريوباغي أيضًا أنه لا بد من تحقيق التقريب للفهم عن طريق التجريد (تجريد التصورات المادية والحسية عن الألوهة) عن كل كينونة. وهكذا بالسير بمحاذاة هذا الطريق، نصل حتمًا إلى التعريف الأبوفاتيك (السلبي) الذي يكون بلغة الماهية، فالألوهة هي لا شيء حقًا، حيث يقول:

”لأنها ما هو منفصل عن كل كائن، ولأنها أسمى من كل كيف، وحركة، وحياة، وتخيل، وفكرة، واسم، وكلام، وعقل، وانعكاس، وجوهر، وحالة، ووضع، ووحدة، وحد، ولا محدودية، وكل موجود“. [45]

 وهكذا بالاتساق والتماسك المنطقي، يؤسّس وينشئ ديونيسيوس تناقض الوعي الديني النابع من ذلك الاتساق المنطقي، حيث يقول:

”يسبّح اللاهوتيون الألوهة كأنها بلا اسم، ولها كل اسم“. [46]

 كما يستطرد موضحًا كيف يمكننا الوصول إلى معرفة الله كالتالي:

”كيف يمكننا الحصول على معرفة الله، غير المتصور، ولا يمكن تخيله بالحواس، ولا يتشكل في العموم من أي شيء مما هو كائن؟ ننال معرفة الله بالصعود من نظام الخليقة التي أسسها، والتي تعلن صور وشبه النماذج الإلهية، بالصعود تجاه ما هو موجود أعلى كل شيء عن طريق التجرد من كل شيء، والتسامي فوق كل شيء. لذا الله معروف في كل شيء، وخارج كل شيء، والله معروف بالمعرفة وبعدم المعرفة، يلازمه التفكير، والعقل، والمعرفة، واللمس، والحس، والتمثيل، والخيال، والاسم، وكل الباقي. وفي نفس الوقت، لا يمكن التفكير فيه، ولا يمكن التعبير عنه، ولا يمكن تسميته، وهو ليس شيئًا مما هو كائن، وهو غير معروف بأي شيء كائن، وفي كل شيء هو كل شيء، وفي اللا شيء هو لا شيء، وفي كل شيء هو معروف بكل شيء، وفي اللا شيء باللا شيء“. [47]

نستكمل مع ديونيسيوس موضوع التعارض والتناقض عند التعبير عن الله، بمعنى أننا من الممكن أن نصف الله بأي اسم من الأسماء، وننفي عنه نفس الاسم في نفس الوقت، وهذا ما يوضحه ديونيسيوس قائلاً:

”فهو ليس هذا ولا ذاك أيضًا، وليس بموضع، ولكنه ليس بموضع ما في موضع آخر، بل هو الكل، لأنه علة الكل […] فهو أعلى من الكل كمجاوز فائق الوجود عن الكل. لهذا السبب، كل الأشياء تقال عنه في الحال، وهو لا شيء من كل الأشياء“. [48]

 كما يؤكد ديونيسيوس على إمكانية معرفة الألوهة للإنسان، ولرتب الملائكة كذلك، ولكل مخلوق فقط عن طريق تعطف وتنازل الألوهة، والصعود المقابل للمخلوق من خلال الشركة فقط، بالرغم من سمو الألوهة فوق العقل، والجواهر، والمعرفة، حيث يقول التالي:

”فهي نفسها (أي الألوهة) بحسب ما هي في ذاتها، بالحفاظ على مبدأها وخاصيتها اللائقة أعلى من العقل، والجواهر، والمعرفة“، [49] فبالرغم من أن الثالوث القدوس: ”نفسه موجود في كل شيء، ولكن ليس كل شيء فيه“، [50] بل ”حينما نتضرع إليه بصلاة مقدسة، وذهن نقي مستعد للاتحاد بالألوهة، فمن ثم نكون موجودين أيضًا فيها، لأنها لا توجد في الفراغ كي ما تكون بعيدةً عن شيء ما، أو ستعبر من شيء لآخر“. [51]

 يتحدث ديونيسيوس أيضًا عن انجذاب الحب والعشق لله والجمال (الحب المدرَك شعوريًا وإدراكيًا) كالتالي:

”العشق الإلهي للصلاح هو صالح، ويوجد (أي العشق) من خلال الصلاح. العشق نفسه لما هو موجود هو محسن وفائق السيطرة في الصلاح على نحو فائق الوفرة“. [52]

ثم يستطرد قائلاً:

”التعبير عن الحب الإلهي في الوجد (أي النشوة الروحية)، وهؤلاء المحبون لا ينتمون إلى أنفسهم، بل إلى المحبوب“. [53]

 لذا يؤكد ديونيسيوس أنه على أجنحة العشق، وفي تدفق الوجد (الاختطاف)، تحدث الشركة في الله وتصوره. يا لها من فكرة جريئة على نحو مفاجئ عند كاتب كنسي له سلطة، ومثل هذا هو الأساس لعشق المعرفة أو الغنوسية المعشوقة عند ديونيسيوس.

 بينما في اللاهوت الإيجابي، أي عندما يحلل دلالة ومعنى الأسماء الإلهية، يشير ديونيسيوس دائمًا إلى طبيعة الألوهة الفائقة والمتسامية على كل جوهر من إعلانها والكشف عنها في اسم معطَى لله، وبالتالي يسلم أسلوب النفي (أو السلب أو التجريد) هنا مكانه للقب ”الفائق“، أي تسلم طريقة النفي أو السلب مكانها لطريقة المبالغة. وهكذا يرى ديونيسيوس أن التعريف الأساسي للألوهة على أنها الصلاح يرافق الشرح التالي:

”تكون (الألوهة) فقط في ذاتها، لا تملك جوهرًا، وتفوق الجوهر إلى أبعد حد. إنها غير حية، لأنها تفوق الحياة، ولكونها غير عقلية، فإنها تفوق الحكمة“، [54] وبنفس الطريقة مثل الجمال، فالألوهة: ”كالجمال كله هي فوق الجمال“، [55] كذلك ”الله له كينونة فائقة، وفوق الكينونة بفيض فائق من خلال مفارقة كل كينونة“، [56] وبالتالي: ”تتدفق كل كينونة من الصلاح الفائق ذاته كذلك“. [57]

 وبالتالي، الأول، ومتعدد الأوجه، وغير المحدود هو مضمون اللاهوت الأبوفاتيك (السلبي) عند ديونيسيوس الأريوباغي، وبالرغم من أنه قريب بوضوح من الأفلاطونية المحدثة، إلا أنه يذهب لأبعد من ذلك، ويحكم بأكثر أصولية عن أفلوطين، لأننا كما نعرف بالفعل، بالنزول أسفل بالطريق الأبوفاتيك (السلبي)، ينحو أفلوطين على كل حال إلى فكرة الواحد كتعريف للمطلق (أي الله)، بينما عند ديونيسيوس، في منحدره الأبوفاتيك (السلبي)، لا يكون المطلق (أي الله) واحد ولا وحدة، بل يكون على نحو كامل وحاسم، ليس مَن، وليس ما.

 

[1] القداس الغريغوري، صلاة محبة الله الآب.

[2] فريدريك كوبلستون، تاريخ الفلسفة مج١، اليونان وروما، ترجمة: د. إمام عبد الفتاح، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، ص٢٤٢.

[3] المرجع السابق، ص٢٥٦.

[4] المرجع السابق، ص٤٢٦.

[5] المرجع السابق، ص ٦١٥.

[6] المتفرقات ٥: ١٢: ٨.

[7] المرجع السابق، ٥: ١٢: ٩.

[8] المرجع السابق، ٥: ١٢: ١٠.

[9] المرجع السابق، ٥: ١٢: ٩، ١٠.

[10] المرجع السابق، ٥: ١٢: ١١.

[11] المبادئ ١: ١: ٥.

[12] المرجع السابق، ١: ١: ١.

[13] Socrates, Hist. Eccles. Lib. 4.

[14] Nesmelov, Viktor, The dogmatic system of Gregory of Nyssa, (Kazan, 1887), p. 135.

[15] الرسالة ٢٣٤ إلى أمفلوخيوس : ١، ٢.

[16] ضد أفنوميوس ١: ١٣.

[17] المرجع السابق، ١: ١٢.

[18] المرجع السابق، ٢: ٤.

[19] المرجع السابق، 1: 10.

[20] المرجع السابق، 1: 10.

[21] الدفاع عن قانون إيمان نيقية، ٢٢.

[22] عن الثالوث ٢: ٧.

[23] المرجع السابق، ٢: ٦.

[24] De ordine 2: 6.

[25] Hymn 5: 5

[26] عظة ٢٨: ١٧.

[27] عظة ٢٩: ١١.

[28] عظة ٢٩: ١٨.

[29] عظة ٢٨: ١٣.

[30] عظة ٢٩: ١٠.

[31] عظة ٢٩: ١٥.

[32] عظة ٣٠: ١٧.

[33] عظة ٣٠: ١٦.

[34] عظة ٢٨: ٩.

[35] الإيمان بالثالوث، ص٦٩.

[36] الرسالة إلى أوستاثيوس عن الثالوث.

[37] الرسالة إلى اليونانيين عن الأسماء العامة.

[38] المرجع السابق.

[39] ضد أفنوميوس : ٢.

[40] المرجع السابق، ١٢.

[41] المرجع السابق.

[42] الأسماء الإلهية ١: ١.

[43] المرجع السابق.

[44] المرجع السابق.

[45] المرجع السابق.

[46] المرجع السابق ١: ٦.

[47] المرجع السابق ٧: ٣.

[48] المرجع السابق ٥: ٨.

[49] المرجع السابق ٢: ٤.

[50] المرجع السابق ٣: ٢.

[51] المرجع السابق.

[52] المرجع السابق ٤: ٧.

[53] المرجع السابق ٤: ١٣.

[54] المرجع السابق ٤: ٣.

[55] المرجع السابق ٤: ٧.

[56] المرجع السابق ٥: ٥.

[57] المرجع السابق ٥: ٦.

 

اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي – د. أنطون جرجس عبد المسيح

لوقيان (لوسيان) السميساطي – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

لوقيان (لوسيان) السميساطي – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

لوقيان (لوسيان) السميساطي – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

الجزء الخامس – لوقيان (لوسيان) السميساطي

لوقيان (لوسيان) السميساطي، السفسطائيّ المصلوب

كان لوقيان (لوسيان) السميساطي “حوالي 115-200” هجاءً يونانياً معروفاً، ومُحاضراً متنقلاً، وهنالك أكثر من ثمانين كتاباً تحمل اسمه، معظمها واقعيّ تتعرض لعيوب زمانه ونقاط ضعفه. يصف “لوقيان (لوسيان) السميساطي” في كتابه حياة وموت “بيريغرينوس” المشهور في القرن الثاني، فلم يكن “بيريغرينوس” شخصيّةً ثانويّةً قام لوقيان (لوسيان) السميساطي بانتشاله من الغموض ليصبح هدفاً للسخرية، بل كان كلبياً، لم يكن أيّ رجلٍ مثقّف ليكفّ عن التفكير في آرائه الفلسفية والسياسية والدينيّة

فبعد أن نفي من مدينته لقتله والده، تحوّل “بيريغرينوس” إلى المسيحيّة، وأحرز تقدّماً فيها، ومن ثمّ تحوّل عنها إلى المذهب الكلبيّ والثورة السياسية، وأخيراً أنهى حياته على محرقةٍ قرب الألعاب الأولمبية عام 165. يهدف “لوقيان (لوسيان) السميساطي” إلى تحذير قرّائه من نمط الحياة التي يقودها “بيريغرينوس” ومن انفعالته وتكلّفه المناقضين للتوجه العقلانيّ الذي يؤيده “لوقيان”.

إن الجزء المتعلّق بالمسيحيين من كتاب “بيريغرينوس” يهزأ من أتباع تلك العقيدة، بسبب جهلهم وسذاجتهم، على الرغم من أنه يمنح المسيحيين مستوى معيّناً من الفضيلة. وفي سياق وصفه لمدى سهولة أن يخدعهم مشعوذً مثل “بيريغرينوس” يعقّب “لوقيان (لوسيان) السميساطي” على مؤسس المسيحية وتعاليمه:

خلال هذه الفترة ربط “بيريغرينوس” نفسه بكهنة وكتبة المسيحيين في فلسطين، وتعلّم حكمتهم المذهلة. بالتأكيد، جعلهم يبدون بوقتٍ قصير مثل الأطفال، كان نبيّهم وقائدهم ورئيس كنيسهم، وكلّ شيء بالنسبة لهم. قام بشرح بعض من كتاباتهم المقدّسة والتعليق عليها، وحتّى أنه كتب البعض منها بنفسه. تطلعوا إليه كأنه إله، وجعلوه مشرّعهم واختاروه الراعي الرسميّ لمجموعتهم، أو على الأقل نائبه. لقد كان الثاني فقط بعد ذلك الذي مازالوا يعبدونه اليوم، ذلك الرجل الفلسطيني الذي صُلب لأنه أحضر هذه الصيغة الجديدة من الشعائر إلى العالم (§11).

سُجن “بيريغرينوس” وذهب المسيحيون لمساعدته، محضرين له وجبات الطعام والنقود. ومن ثمّ يشرح “لوقيان (لوسيان) السميساطي” لما قاموا بذلك: احتقر هؤلاء الفقراء البائسون الموتَ، وقدّموا أنفسهم طواعيةً، حيث أنهم أقنعوا أنفسهم أنهم خالدون وسيحيون للأبد. علاوةً على ذلك، أقنعهم ذلك المشرّع الأوّل أنهم جميعاً يصبحون إخوةٍ في اللحظة التي ينكرون فيها الآلهة اليونانية، ويبدؤون عبادة ذلك السفسطائي المصلوب، ويعيشون بناءً على قوانينه.

فهم يحتقرون كلّ الملكيات دونما تمييز ويعتبرونها ملكيات شائعة، ويتقًبلون كلً هذه الأشياء على أساس العقيدة فقط دون أي دليل. وبالتالي إذا جاءهم شخصٌ محتال ومخادع يعلم كيف يستغلّ الوضع، سيستطيع أن يجعل من نفسه غنياً في وقتٍ قصير، بينما هو يضحك على هؤلاء الناس الحمقى (§13).

بعد ذلك حُرر “بيريغرينوس” من السجن من قبل حاكم سوريا الروماني، الذي لم يُرد تحقيق رغية “بيريغرينوس” بأن يُصبح شهيداً. عاد “بيريغرينوس” إلى منزله ليجد تُهماً بالقتل مازالت تحاصره. وتتابع القصّة بدون أي إشارة إلى المسيح ومع إشارةٍ ضمنيةٍ واحدة إلى المسيحيين، حيث يوقفون دعمهم الماليّ لـ”بيريغرينوس” لأنهم أمسكوا به يأكل بعضاً من الفاكهة المحرّمة (§16).

إنّ النصّ الذي يحمل إشارات إلى يسوع نصّ متوازن، وبذلك يمكننا الانتقال مباشرةً إلى التفسير. يتحدّث “لوقيان (لوسيان) السميساطي” عن المسيح في سياق هجومه على المسيحيّة، ويقدّم عدّة أمور بدقّة عن مسيحيّة القرن الثاني. فهو يعلم أن المسيحيين يعبدون إلهاً كان رجلاً من قبل، صُلب في فلسطين. ويؤمنون بقوّة بالحياة بعد الموت بشكلٍ يؤثّر على حياتهم الحاليّة.

“يعيش المسيحيون تبعاً لقوانينه، أي قوانين المسيح”،خاصّةً الحبّ الأخويّ (قارن: مثال على ذلك متّى- 23:8، حيث يقول: كلّكم إخوة). لدى المسيحيين نصوصهم المقّدسة يقرؤونها بانتظام ويفسّرونها. يزورون ويساعدون رفاقهم المؤمنين المسجونين (قارن: متّى- 25:35). ويتواصلون مع بعضهم بشكلٍ كبير. يقبل المسيحيون تعاليمهم الأساسيّة على أساس العقيدة وليس الاستدلال الفلسفيّ.

على الرغم من أنً معرفته هذه مؤثرة، إلاّ أنّ أموراً أخرى يذكرها “لوقيان (لوسيان) السميساطي” تجعلنا نشكك بدقّته: فهو يقول إنّ المسيحيين في فلسطين لديهم “كهنة- priests”. ولم يُثبت هذا التعبيرعن قادة المسيحيين حتّى القرن الثاني (مخطوطة الديداخي- 13:3، كليمنتس الأول-40، تيرتولين، المعمودية-17). فقد كان هنالك تعبير أكثر شيوعاً للدلالة على “الكهنة – presbyters”. أمّا تعبير “الكتبة” فقد يحمل دعماً ضمنياً في العهد الجديد كتسمية القادة في متّى (13:51-53 و23:34).

على أية حال، فإن ارتباطها السلبيّ الأعم في العرف الإنجيلي مع اليهوديّة جعلها غير محبّذة كلقب للقادة المسيحيين. ولم يُثبت بشكلٍ واضح في أي مكان على أنه لقب رسميّ للقادة الدينين المسيحيين. والمرجّح أنّ “لوقيان (لوسيان) السميساطي” استعار هذه التعابير من اليهودية وطبّقها على الفلسطينيين المسيحيين بغير تناسبٍ تاريخيّ، معتقداً أنها ستتوافق معها.

كما أن وصف المسيحيّة بـ”صيغة جديدة من الشعائر الغامضة” هو وصفّ غير مناسب. من غير المحتمل ان يكون “بيريغرينوس” قد أصبح نبياً او قائداً في كنيسة القرن الثاني أو حتّى “الراعي والحامي”. أخيراً، يقول “لوقيان (لوسيان) السميساطي” أنّ “بيريغرينوس” أصبح رئيس الكنيس اليهوديّ، وهذا ليس نوع القائد لمجموعة كبيرة كما تصوّرها “لوقيان”.

تُظهر هذه الأخطاء أنّ “لوقيان (لوسيان) السميساطي” كغيره من الكتّاب الكلاسيكيين، خلط بين اليهودية والمسيحية في بعض الجوانب، كما أنه فهم المسيحيّة على أنها دينٌ غامضٌ سواء كان ذلك مناسباُ أم لم يكن. فيهاجم “لوقيان (لوسيان) السميساطي” المسيح بغرض مهاجمة المسيحيين، فهو يعتبر المسيحيّة مجرّد طائفةٍ خرافيّةٍ في زمنٍ تغلبه السذاجة.

ويشير “لوقيان (لوسيان) السميساطي” إلى المسيحيين في عملٍ آخر له: ألكسندر، أو النبيّ الزائف (§25 و§38)، لكنّه لا يذكر المسيح هناك أو في أي عمل خلاف “بيريغرينوس”. وتتناسب المعلومات التي يقدّمها “لوقيان (لوسيان) السميساطي” مع موضوع هذا العمل. يتطلّع “بيريغرينوس”، كما المسيحيين وموجدهم، إلى أن يُصبح شهيداً. وعندما يدعو المسيحيون “بيريغرينوس” المسجون بـ”سقراط الجديد” (§12)، لا يشير ذلك إلى مكانته بينهم بوصفه معلماً وقائداً، لكنّه يلمّح إلى موته انتحاراً. وسابقاً في- §5، يقوم أحد الذين يثنون على “بيريغرينوس” في خطبةٍ قبل تضحيته بنفسه بمقارنته… حتّى بسقراط نفسه.

ماذا يقول “لوقيان (لوسيان) السميساطي” عن موجد هذه الطائفة؟ تمتلئ كلَ إشارة يقوم بها “لوقيان (لوسيان) السميساطي” إليه بالبغض، أولاً، نلاحظ أنه لا يعطي اسماً لموجد الطائفة، بل يستخدم تعبير الازدراء “ذلك” يقول: “ذلك الذي مازالوا يعبدونه اليوم (§11)، “وذلك المشرّع الأوّل (§13)، و”ذلك السفسطائي المصلوب (§13). فمن الواضح أنّ “لوقيان” يقصد يسوع بهذا الأمر، وذلك اعتماداً على الأمور الأخرى التي قيلت عنه في هذه الأقسام.

يدعوه “لوقيان” بشكلٍ ضمنيّ “الراعي” أو “المحامي” و “المشرّع” و”ذلك السفسطائيّ المصلوب”. إنّ تسمية يسوع بـ”الراعي”، الحامي” هي طريقةٌ أخرى للقول إنه قائد المجموعة. ويرى “لوقيان” أنّ هذه القيادة هي مسألة اتّباع قوانينه. عندما يشير “لوقيان (لوسيان) السميساطي” مرتّين إلى يسوع بأنه “مشرّع” فإنّه يشير إلى “قوانين” طريقة الحياة التي وضعها يسوع لأتباعه. ويرى أنّ طريقة حياة المسيحية صادرة من المسيح نفسه.

كما أنّ كلمة “المشرّع” لا توجد مشيرةً إلى يسوع في الأدب المسيحيّ الأول، على الرغم من أن تعاليم يسوع يمكن أن تُسمى قوانين (غلاطية 6:2، ورومية- 3:27، ويعقوب- 2:8 ،12). وفي بعض الأحيان تُدعى المسيحيّة بـ”القانون الجديد” مثال: (برنابا- 2:6، إغناطيوس-2). لقد كان موسى، موجد اليهوديّة، يُدعى المشرّع، كما يوجد مثال ذلك لدى الرومان اليونانيين. وبذلك ليس من الصعب أن نرى كيف تمّ إظهار يسوع على إنه “مشرّع”.

كما أن “لوقيان (لوسيان) السميساطي” يدعو يسوع بـ”السفسطائي”، لا تعتمد هذه التسمية على العهد الجديد او أي من الكتابات المسيحيّة القديمة، بل على التعابير الجدلية المعاصرة في الفلسفة اليونانية. في القرن الثاني، كان اللقب الساخر “سفسطائي” موجهاً إلى الشخص الذي يُعلّم من أجل النقود فقط، والذي يمكن ان يُدعى أحياناً، كما “بيريغرينوس”، “المخادع”. قدّم “لوقيان” المسيحيّة بشكلٍ تهكميّ على إنها “حكمة” وأنّ مؤسسها كان سفسطائياً. وقام المشرّع الثاني بالاحتيال عليهم تماماً كما فعل الأول. إن هذا المفهوم مُتضمّن لكنّه لا يُفصّل عند استعمال تعبير “السفسطائيّ”.

ويخصصّ “لوقيان (لوسيان) السميساطي” بشكلٍ أكبر بدعوة المسيح “ذلك السفسطائيّ المصلوب- §13″، حيث كان قد بيّن مُسبقاً أن المؤسس الأصلي كان الرجل من فلسطين الذي صُلب لأنه أحضر هذه الصيغة الجديدية من الشعائر إلى العالم (§11). إنّ الفعل الذي يستخدمه للدلالة على الصلب في الحالتين فعلٌ قليل الاستخدام، وغالباً ما استُخدم من قبل الكتّاب القدماء ويُستخدم دائماً في العهد الجديد وكتابات مسيحيّة أخرى قديمة.

المعنى الأصلي لهذا الفعل “يقيد شخصاً إلى عمود”، لكن من دون شكّ فإنه يُشير إلى الصلب. ويستخدم هذا الفعل بشكلٍ حصريّ للدلالة على الصلب. كما أنه يظهر في (بروميثوس- 10،7،2، وفي إديسيوم فوكاليوم-12). وسبب هذه الصلب: “أنه أحضر هذه الصيغة من الشعائر إلى العالم”. يبدو القصد الأساسيّ لـ”لوقيان (لوسيان) السميساطي” أن المسيحيّة كانت من البدء حركةً مذمومة. ويؤكّد تكراره لكلمة “المصلوب” وهو الشيء الوحيد الذي يكرره عن المسيح، الأصل المشين للمسيحيّة وذلك أنها أُوجدت من قبل مجرم أعدم.

في القسم 13، يلخّص “لوقيان (لوسيان) السميساطي” تعاليم يسوع. فيفسّر تعاليمه على أنها: “قوانين”، ويسوع هو “المشرّع الأول” للمسيحيين. كما رأينا، يتماشى هذا التفسير مع بعض الآراء المسيحيّة القديمة. ومن ثمّ يبيّن “لوقيان” أنّ يسوع علّم أتباعه: أن “ينكروا الآلهة اليونانيين”، ويربط ذلك بانتهاك القانون الرومانيّ على الأرحج. والاعتماد على دلائل العهد الجديد، فإن يسوع لم يُعلّم ذلك أبداً، باستثناء تأكيده على صلاة الشماع التي تنكر الآلهة الآخرين بشكلٍ ضمنيّ، وإن لم تنكر وجود الآلهة لكنّها تنكر الولاَء لهم.

وفي السياق اليهوديّ الداخليّ المرجّح لدعوته لم يكن هنالك سبب لعرض مثل هذه التعاليم. فقد كان على المسيحيين الذين نشروا الأناجيل بين غير اليهود أن يتعاملوا مع معتقد وجود آلهة آخرين، مثال: (تسالونكي الأولى- 1:9، وكورنثوس الأولى- 8:4-6)، لكنّ الأناجيل الكنسيّة لا تنسب هذا الموضوع إلى تعاليم يسوع. علاوةً على ذلك، لم يُثبت ربط يسوع للأخوّة بين المسيحيين بإنكارهم الآلهة اليونانية في العرف الأنجيليّ، الكنسيّ أو غير الكنسيّ.

هلّ علّم يسوع أتباعه أن يعبدوه كما يدّعي “لوقيان (لوسيان) السميساطي”؟ هنا أيضاً، يُسقط “لوقيان” “في هذه النقطة” معلوماته الدقيقة عن المسيحيين على حياة يسوع. ومع أنّ يسوع ربّما تلقّى شعائر عبادة خلال دعوته، إلاّ أنه لا يوجد في أيّ مكانٍ من العهد الجديد أنه علّم ذلك. أخيراً، يبيّن “لوقيان (لوسيان) السميساطي” أنّ المشاركة المتطرفة للممتلكات بين أتباعه كانت مما علمه يسوع بنفسه.

مرّةً أخرى، بالتأكيد علّم يسوع أتباعه سلوكاً متطرفاً تجاه الملكيات والحاجة للمشاركة، وهو موقف كان يُمكن أن يُعكس في إشارة “لوقيان” إلى أنّ المسيحيين “يبغضون كلّ أنواع الملكيات دونما تمييز”، إلاّ أنّ معاملة الممتلكات على أنها ممتلكات شائعة لم يُثبت في دعوة يسوع أو تعاليمة، بل في الجزء الأول من الأعمال (الفصول 4-5). ومن وجهة نظر “لوقيان” فإن هذا الموقف تجاه الملكيات مصحوباً بالسذاجة المزعومة والطيبة غير المناسبة للمسيحيين يجعل منهم فريسةً سهلةً لمحتالٍ مثل “بيريغرينوس”.

 ما هو مصدر معلومات “لوقيان (لوسيان) السميساطي” عن يسوع؟ يعلم “لوقيان (لوسيان) السميساطي” أنّ المسيحيين يمتلكون كتباً مقدّسة، وهذا يزيد من احتمالية أنه استقى معلوماته منها. لكن بالحكم على ما يقوله هنا فمن غير المحتمل أن يكون قد قرأها. ومعظم المعلومات الصحيحة التي يسردها عن المسيحية كانت معلومات شائعة في زمنه. علاوةً على ذلك، كانت قراءته للأناجيل لتصحح بعضاً من مفاهيمه الخاطئة، خاصّةً مفاهيمه أنّ يسوع علّم أتباعه بنفسه أن ينكروا آلهة اليونانيين، وأنّ القادة المسيحيين الأوائل كانوا يُدعون “كهنة”.

كما أن استخدمه لكلمات لا تنتمي للعهد الجديد مثل “الراعي” و “المشرّع” وبالأخصّ كلمته المميزة لـ”المصلوب” يدحض بشكلٍ قويّ أن يكون العهد الجديد مصدراً للمعلومات. وبذلك، ليس هنالك أيّ رابط كتابيّ أو شفهيّ بين “لوقيان (لوسيان) السميساطي” والعهد الجديد والكتابات المسيحيّة الأولى فيما يخصّ شخصيّة يسوع.

بالمجمل، فإن جوهر كتاب “لوقيان” “موت بيريغرينوس”، بما فيه ربط “بيريغرينوس” مع المسيحيين، صحيح على الأرجح، لكنّ “لوقيان (لوسيان) السميساطي” يغيّر فيه الكثير من أجل التأثير التهكميّ. إذاً من المحتمل أن بعض المعلومات عن يسوع ترافقت مع قصّة “بيريغرينوس” ولكنّها غُيّرت من قبل “لوقيان (لوسيان) السميساطي” لأغراضه الخاصّة، إلاّ أنّ هذا غير قابل للإثبات.

لقراءة بقية السلسلة:

لوقيان (لوسيان) السميساطي – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

Exit mobile version