مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – نوفمبر 2023م

 

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفهرست

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري.. 1

العلامة كليمندس الإسكندري.. 1

الآب هو علة الابن.. 1

العلامة أوريجينوس الإسكندري.. 5

الابن يأخذ من الآب ما هو عليه. 5

الآب هو بداية الابن.. 6

الابن يأخذ كيانه من الآب بلا بداية أو زمان. 7

الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس… 8

الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث.. 9

ق. ديونيسيوس الإسكندري.. 11

الابن والروح القدس متحدان في الآب الرأس… 11

إكرام الابن للآب كرأس له. 12

الآب هو مصدر الابن.. 13

الآب هو نبع الابن.. 14

العلامة ديديموس الضرير. 16

خروج الابن والروح القدس من الآب.. 16

ق. أثناسيوس الرسولي.. 17

الآب هو أصل الابن ووالده. 17

الله الآب هو الينبوع الأزلي لحكمته الذاتية. 18

الآب هو البدء والينبوع.. 18

ق. كيرلس الإسكندري.. 20

الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث.. 20

الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية. 21

الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية. 21

الآب هو أصل الكلمة الخالق.. 22

الآب هو الجذر والينبوع للابن.. 23

الآب هو البداية الأزلية للكلمة. 23

الآب هو بداية الابن.. 24

الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعي منه. 24

الخلاصة. 27

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري

سوف نستعرض في هذا البحث الموجز الإشارات إلى مونارخية الآب في تعليم وكتابات آباء كنيسة الإسكندرية في حقبة ما قبل نيقية وحقبة نيقية وما بعد نيقية، وذلك من أجل الوقوف على أفضل تصور حول مفهوم المونارخية في الثالوث، وهل كان يؤمن آباء الإسكندرية بمونارخية الآب أم بمونارخية الثالوث، كما يدَّعي بعض الباحثين في العصر الحديث؟

العلامة كليمندس الإسكندري

الآب هو علة الابن

يشير العلامة كليمندس الإسكندريّ إلى العلاقة العلية والسببية بين الآب والابن، فلا يسبق الابن الآب كالتالي:

”وكل سبب يُدرَك كسبب بالعقل، ينشغل بشيءٍ ما، ويُدرِك صلته بشيءٍ ما. أي أن البعض يُؤثِّر، كما السيف في القطع. ولبعض الموضوعات، كتلك التي لها استعداد، كما النار في الخشب، لأنها لن تحرق الصُلب. والسبب يخص الأشياء التي لها علاقة بشيءٍ ما. لأنه يُدرَك بعلاقته بشيءٍ آخر، حتى أننا نستخدم أذهاننا في الاثنين، لكي نتصوّر السبب كسبب. نفس العلاقة نجدها في الخالق، والصانع، والآب. فالشيء ليس سببًا لذاته، ولا المرء أبًا لنفسه. لأن الأول سيصير الثاني. الآن، السبب يعمل ويُؤثِّر. فالمنتج بالسبب هو مفعول ومُتأثر. ولكن نفس الشيء عندما يُؤخَذ في حد ذاته لا يمكن أن يكون فعلاً ومُتأثرًا، ولا يمكن أن يكون ابنًا وأبًا. وإلا يسبق السبب ما قام به، كأن [يسبق] القطع السيف. ونفس الشيء لا يمكن أن يسبق في نفس اللحظة، كما للمادة كسبب، وفي نفس الوقت أيضًا، تكون بعد ولاحقة لأثر السبب. والآن تختلف الكينونة عن الصيرورة، كما السبب عن الأثر، والآب عن الابن. لأن نفس الشيء لا يمكن أن ’يكون‘ وأن ’يصير‘ في نفس اللحظة. وبالتالي، هو ليس سببًا لنفسه. فالأشياء ليست أسبابًا لبعضها البعض، ولكنها أسبابٌ لكلٌّ من الأخرى“.[1]

ويستطرد العلامة كليمندس الإسكندريّ في نفس السياق مؤكدًا على أن الآب هو العلة الأبعد وأبو الكون، وهو الأقدم والأكثر خيرية للجميع كالتالي:

”إذًا، هدفنا هو إثبات أن الغنوسيّ وحده قديس وتقي، ويعبد الإله الحقيقيّ بطريقةٍ جديرةٍ به. وأن هذه العبادة المقدَّمة لله، يتبعها حب [الله] وحب من الله [له]. […] يكثرث بالفلسفة الأكثر قدمًا، وبالنبوة الأولى. ومن بين الأفكار المعقولة، [يكترث] بما هو أقدم في أصله، وبالمبدأ الأول الذي بلا زمن أو نشأةٍ، [الذي] هو بادئ الوجود – الابن – الذي منه يتعيَّن أن نتعلَّم العلة الأبعد، أبُ الكون، الأقدم والأكثر خيرية للجميع، غير القابل للتعبير عنه بكلامٍ، ولكن يُبجَّل بالتبجيل والصمت، والعجب المقدَّس، ويُبجَّل بأقصى درجة. ويُعلَن عنه بواسطة الرب، بقدر ما يكون أولئك الذين تعلَّموا قادرين على الإدراك والفهم، مِن أولئك الذين أختارهم الربّ للمعرفة، ’الذين صارت لهم الحواس مُدرَّبةً‘، كما يقول الرسول“.[2]

يرى العلامة كليمندس الإسكندريّ أن الآب هو العلة الأولى لجميع الأشياء التي تتمُّ بواسطة الابن قائلاً:

”وبشكلٍ عامٍ، كل الفوائد الخاصة بالحياة، في أقصى تعقل لها، تنبع من سلطان الله، الذي هو الآب للجميع، وتتمُّ بالابن، الذي هو أيضًا، بسبب كُونه ’مخلِّص جميع الناس ولا سيما المؤمنين‘، كما يقول الرسول (1تي 4: 10)، أقرب إلى العلة الأولى، أي إلى الربّ [الآب]“.[3]

ويشير العلامة كليمندس إلى أن الآب هو علة كل شيء جيد، وأنه ملك الكل، وأن الابن هو الثاني، وكل شيء به كان بحسب إرادة الآب، والروح القدس هو الثالث، وكل شيء به كان وفقًا لإرادة الآب قائلاً:

”حتى أنه عندما يقول: ’حول ملك الكل، كل شيء يوجد، وبسببه كل شيء. وهو علة كل الأشياء الجيدة. وحول الثاني الأشياء الثانية في الترتيب، وحو الثالث الثالثة‘. فإنني لا أفهم شيئًا آخر سوى أن المقصود هو الثالوث القدوس، لأن الثاني هو الابن الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب، والثالث الروح القدس، الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب“.[4]

العلامة أوريجينوس الإسكندري

الابن يأخذ من الآب ما هو عليه

يشير العلامة أوريجينوس في إشارة إلى مونارخية الآب، أن الابن الوحيد المولود من الآب، يأخذ منه ما هو عليه، دونما أي بدء زمنيًا كان أم تعليليًا كالتالي:

”لهذا، نعلم أن الله هو أبدًا أب لابنه الوحيد المولود منه، والآخذ عنه ما هو عليه، دونما أيّ بدء، زمنيًا كان أم تعليليًا، مما يقدر العقل وحده أن يتمثله في ذاته ويُمحِّصه في فهمه المجرَّد، إلى حدّ ما، وفي تفكيره“.[5]

ويؤكد العلامة أوريجينوس على المفهوم السابق في موضع آخر، حيث يشير إلى أن الابن يستمد من الآب كل ما هو عليه، إذ لم يكن هناك وقت لم يكن الابن في الآب، داحضًا بذلك المزاعم الآريوسية بأن هناك وقت كان فيه الآب بدون الابن كالتالي:

”وهو [الابن] – كما يقول الكتاب – بخار قوة الله الأولى وغير المولودة، يستمد منه كل ما هو عليه، إذ لم يكن حينٌ لم يكن فيه“.[6]

الآب هو بداية الابن

يوضح العلامة أوريجينوس أن الابن هو بخار قوة الله، وإنه كان هكذا على الدوام، ولم يكن للابن بدءًا آخر سوى الله الآب نفسه كالتالي:

”يُبيِّن هذا أن بخار قوة الله هذا كان دائمًا ولم يكن له بدء ما خلا الله نفسه. إذ لا يليق، في سائر الأحوال، أن يكون قد حظى بابتداءٍ آخر له سوى الله نفسه، الذي يستمد منه الكيان والولادة“.[7]

ويشير العلامة أوريجينوس في موضع آخر إلى أن الآب هو بداية الابن في الأزلية، وذلك في سياق تفسيره لآية (يو 1: 1) ”في البدء كان الكلمة…“ قائلاً:

”يمكن للمرء أن يفترض بالاستناد على نقطة أن الله نفسه هو بداية كافة الأشياء، أن الآب هو بداية الابن. وهكذا إن الفساد هو بداية أعمال السخط، فبكلمةٍ واحدةٍ، [الله] هو بمثابة البداية لكل ما هو موجودٌ. هذا الرأي مدعوم من قبلنا (في القول المقدَّس) ’في البدء كان الكلمة‘. ففي لفظة (الكلمة) يمكن للمرء أن يرى الابن، ولأن (الابن) كان في الآب، فمن هنا يمكن بالمثل أن يُقال أنه، أي الابن، كان أيضًا في البدء [الآب]“.[8]

ويؤكد العلامة أوريجينوس على أن الآب هو بداية الابن، والابن بدوره هو بداية كل الذين خُلِقوا بحسب صورة الله كالتالي:

”بالإضافة إلى هذه المعاني، فهناك ما نتحدَّث فيه عن البدء أو البداية بحسب الشكل [الهيئة]. ومن هنا (نقول) أنه لئن كان (المسيح) بكر كل مخلوق أو كائن يُمثِّل صورة الإله غير المنظور. هكذا فإن الآب يُعدّ كبدايته. وبنفس الطريقة، فإن المسيح هو مبدأ هؤلاء الذين خُلِقوا بحسب صورة الله. لأنه إذَا كان البشر (قد خُلِقوا) بحسب الصورة، أمَّا الصورة فهي بحسب الآب، ففي الحالة الأولى، فإن الآب هو مبدأ المسيح، وعلى الجانب الآخر، فإن المسيح هو بمثابة الأصل أو الابتداء بالنسبة للبشر، هؤلاء الذين خُلِقوا ليس بحسب ما هو عليه، بل بحسب الصورة“.[9]

الابن يأخذ كيانه من الآب بلا بداية أو زمان

يرى العلامة أوريجينوس أن كيان الالن يتحدر من الآب نفسه، ولكن بطريقةٍ لا زمنيةٍ وبلا بداية، بل من الله نفسه كالتالي:

”فالحكمة أزلية وضياء أزليته في آنٍ واحدٍ. إن نفهم جيدًا هذا يغدُ جليًا أن كيان الابن يتحدر من الآب نفسه، ولكن بطريقةٍ لا زمنيةٍ ودونما بدء، بل من الله ذاته“.[10]

الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس

يشير العلامة أوريجينوس إلى أن الآب هو الجودة في مبدئه، التي منها وُلِدَ الابن الذي هو صورة الآب في كل شيء، لذا يلائمه والحق يُقال أن الابن يُدعَى صورة جودته، إذ ليس في الابن جودة أخرى سوى الجودة التي عند الآب كالتالي:

فالآب هو، بلا مراء، الجودة في مبدئه؛ منها وُلِدَ الابن الذي هو صورة الآب في كل شيء. لذا يلائم والحق يُقال أن يُدعَى صورة جودته؛ إذ ليس في الابن من جودة أخرى غير الجودة التي عند الآب. […] وقد دُعِيَ بصوابٍ صورته، لأنه لا ينحدر من سوى هذه الجودة التي هي المبدأ، حتى لا تُرى في الابن جودةٌ غير تلك التي عند الآب، ولا جودة مغايرة أو مختلفة. […] بل يجب وضع الجودة في الآب في مبدئها، كما قُلنا أعلاه. فالابن المولود منه، أو الروح القدس الذي منه ينبثق، يستنسخان في ذاتهما بلا أدنى ريبٍ طبيعة هذه الجودة المكنونة في المصدر، الذي منه يُولد الابن وينبثق الروح القدس“.[11]

الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث

يؤكد العلامة أوريجينوس على أنه لا يوجد أقل أو أكثر في الثالوث، مادام هناك مصدر ألوهية وحيد هو الآب يسوس الكون بكلمته وعقله، ويُقدِّس بروح فيه كل خليق بالتقديس كالتالي:

”وفي سائر الأحوال، ما من أكثر أو أقل في الثالوث، ما دام مصدر ألوهيةٍ وحيدٌ يسوس الكون بكلمته وعقله، ويُقدِّس بروح فيه كل خليق بالتقديس، على حسب ما كُتِبَ في المزمور: بكلمة الرب صُنِعَت السماوات، وبروح فيه كل جنودها (مز 32: 6). أجل، إنها عملية رئيسية من قِبل الله الآب، علاوةً على تلك التي يمنح بموجبها الكائنات جميعًا أن توجد، على وفق طبيعة كل منها“.[12]

ويشير العلامة أوريجينوس أيضًا إلى أن الآب هو نبع الألوهة للابن والروح القدس قائلاً:

”والله دُعِيَ محبة، والمسيح لُقِّبَ بأنه ’ابن المحبة‘، وبالتالي، إذَا وجدنا ’روح المحبة‘، و ’ابن المحبة‘ و ’إله المحبة‘، فمن المؤكَّد أنه يجب أن نفهم أن الابن والروح القدس كليهما ينبعان من نبعٍ واحدٍ لألوهة الآب“.[13]

ق. ديونيسيوس الإسكندري

الابن والروح القدس متحدان في الآب الرأس

يشير ق. ديونيسيوس الإسكندري إلى مونارخية الآب أو وحدة الرأس في الآب، حيث يؤكد على أن الكلمة الإلهي مُتَّحِد بإله الكل، وإن الروح القدس قائم في الله ومستقر فيه، وهكذا فإن الثالوث القدوس متجمع معًا ومتَّحِد في واحد، أي أنهم مُتَّحِدون في الرأس الذي هو الله الآب ضابط الكل كالتالي:

”لأنه لا محالة إن الكلمة الإلهيّ مُتَّحِد بإله الكل، وإن الروح القدس قائم في الله ومُستقر فيه، وهكذا، فإن الثالوث القدوس مُتجمِع ومُتَّحِد في واحد، كما قيل، إنهم متحدون في هذا الرأس، الذي هو الله [الآب] ضابط الكل“.[14]

ويستطرد ق. ديونيسيوس مؤكدًا على مونارخية الآب في نفس الرسالة، حيث يرفض فصل الوحدة الإلهية العجيبة إلى ثلاث ألوهيات، ضد مَن يؤمنون بثلاثة آلهة في الثالوث، ويؤكد على تمايُّز الأقانيم الثلاثة في الثالوث القدوس، ضد السابيليين القائلين بأقنوم واحد في الثالوث القدوس. وهكذا ينسب ق. ديونيسيوس لقب ”ضابط الكل“ لله الآب أبو ربنا يسوع المسيح، ويُشدِّد على أننا ينبغي أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل، وبيسوع المسيح ابنه، وبالروح القدس. ويشير إلى أن الكلمة مُتَّحِد بإله الكل، لأنه قال: ”أنا والآب واحدٌ“ (يو 10: 30)، وكذلك ”أنا في الآب والآب فيَّ“ (يو 14: 10)، مُميِّزًا بين أقنوم الآب وأقنوم الابن. وفي النهاية، يُؤكِّد على ضرورة حفظ الثالوث الإلهيّ ووحدة المصدر أو المونارخية في الآب دون انتقاص كالتالي:

”فلا ينبغي إذًا أن نفصل الوحدة الإلهية العجيبة إلى ثلاثة ألوهيات، ولا ينبغي أن كرامة الرب وعظمته الفائقة تُنتقص الوصف ’مصنوع‘، لكن لا بد أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل، ويسوع المسيح ابنه، وبالروح القدس، وبأن الكلمة مُتَّحِد بإله الكل، لأنه قال: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30)، وكذلك ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وهكذا يكون من البيَّن أن الثالوث الإلهيّ، ووحدة المصدر، يكونان محفوظين دون انتقاص“.[15]

إكرام الابن للآب كرأس له

يشير ق. ديونيسيوس في إشارة واضحة إلى مونارخية الآب في الثالوث القدوس، حيث يؤكد على وحدة مشيئة الآب والابن في تدبير الآلام الخلاصية، وهكذا يُكرِّم الابن الآب كرأسٍ له قائلاً:

قطعًا ويقينًا إن إرادة الابن ليست شيئًا آخر غير إرادة الآب، لأنَّ مَن يريد ما يريده الآب تكون له نفس مشيئة الآب. هذا بشكلٍ هندسيّ، لذلك فعندما يقول: ’لا إرادتي بل إرادتك‘، فليس معناها أنه يرغب أن تنزاح عنه الكأس، بل إنه يشير إلى أن إرادة الآب هي في أن يتألم، وهكذا يُكرِّم الآب كرأسٍ άρχήν، لأنه إذَا لقَّب الآباء إرادة شخص بأنها مُجرَّد رأي [أو علامة رمزية أو شكلية]، وإنْ كانت مثل هذه الإرادة ترتبط بما هو خفيّ وله غاية كامنة، فكيف يقول البعض إن الربَّ الذي هو فوق كل هذه الأشياء له إرادة شكلية؟ إن هذا واردٌ فقط إذَا كان لدينا خلَّل في الفكر“.[16]

الآب هو مصدر الابن

يشير ق. ديونيسيوس إلى ولادة الابن من الآب غير المبتدئ، مؤكدًا على أن الابن كنسلٍ ليس بلا مصدر، لأن مصدره هو الله الآب نفسه غير المولود قائلاً:

”السؤال الأول: أيهما [أصح] هل الابن ولد نفسه أم وُلِدَ من الآب؟ الإجابة: الابن وُلِدَ من الآب، وليس هو الذي وَلَدَ نفسه. […] السؤال الثالث، أنت تقول: غير مبتدئ من غير مبتدئ [أي ليس له بدء]؟ الإجابة: [الابن] هو كنسلٍ ليس بلا مصدر، ولكن الآب غير مبتدئ، لأنه غير مولود“.[17]

الآب هو نبع الابن

يستخدم ق. ديونيسيوس مثل النبع والنهر لتشبيه الولادة الأزلية للابن من الآب، مشبهًا الآب بالنبع الحقيقيّ والابن هو النهر المتدفق من هذا النبع كالتالي:

”لأنه لا يمكن أن يُدعَى النبع نهرًا ولا النهر نبعًا، لكنهما يظلان حقيقتين، وأن هذا النبع هو الآب بالحقيقة، بينما النهر هو الماء المتدفِق من النبع. […] لقد قيل بعاليه أن الله هو علة كل الأشياء الصالحة، لكن الابن دُعِيَ النهر الذي يتدفق منه [أي من الله]، لأن الكلمة هي لفظة العقل، أو باللغة البشرية، هي منبعثة بواسطة الفم من العقل. لكن الفكر الذي يُنطَق باللسان هو متمايز عن الكلمة الموجودة في العقل. لأن هذه الأخيرة بعدما تلفظ الأولى، تبقى كما كانت عليه مِن قبل، لكن الفكر قد أُرسِلَ وانتشر في كل مكانٍ من حوله، وهكذا كل منهما يكون في الآخر، رغم أن الواحد ينبع من الآخر، وهم واحدٌ رغم أنهما اثنان. وبنفس الطريقة، نقول إن الآب والابن هما واحدٌ، وأحدهما يكون في الآخر“.[18]

ويستطرد ق. ديونيسيوس في نفس السياق مؤكدًا على أن العقل هو آب [أقنوم] الكلمة الموجود في ذاته، لكن الكلمة كابنٍ للعقل، لا يمكن أن يكون موجودًا قبله أو بدونه، لكنه موجود معه، ووجد فيه المنبع والمصدر، هكذا الآب ضابط الكل والعقل الكونيّ كان له ابن قبل كل الأشياء، هو الكلمة والنطق، وهو إعلانه والمخبِر عنه كالتالي:

”وبالمثل لأن العقل هو آب الكلمة، موجود في ذاته، لكن الكلمة كابنٍ للعقل، لا يمكن أن يكون موجودًا قبله أو بدونه، لكنه موجود معه، ووجد فيه المنبع والمصدر. وبنفس الطريقة، فإن الآب ضابط الكل والعقل الكونيّ له ابن قبل كل الأشياء، هو الكلمة والنطق، وهو إعلانه والمخبِر عنه“.[19]

العلامة ديديموس الضرير

خروج الابن والروح القدس من الآب

يُوضِّح العلامة ديديموس أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج الابن أو المخلِّص نفسه من الله، ويشير إلى أن الروح القدس يُقال عنه أنه ’ينبثق من عند الآب‘ (يو 15: 26)، وذلك وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة، أي المصدرية. وبالرغم من أن المسيح قال إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه خاصية الانبثاق عند حديثه عن علاقته بالآب، لأن خاصية الانبثاق هي خاصة بالروح القدس فقط كالتالي:

”فعلينا أن ندرك أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج المخلِّص نفسه من الله، وهو ما شهد له [المخلِّص] بقوله: ’لأني خرجت من قِبَل الله وأتيت‘ (يو 8: 42) […] وهكذا فعلينا أن نؤمن بالإقرارات التالية التي استخدمت كلمات لا يُنطق بها وهي مُدرَكة بالإيمان وحده عن أن المخلِّص ’خرج من عند الآب‘ (يو 8: 42)، و ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26)، والآب نفسه الذي قال: ’الروح الذي يخرج مني‘ (إش 57: 16 سبعينية). وبالحقيقة قد قيل حسنًا بالنص: ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26). وكان من الممكن أن يقول: ’من الله‘، أو ’من الربّ‘، أو ’من ضابط الكل‘، ولكنه لم يستعمل أيًا من هذه. بل عوضًا قال: ’من الآب‘، وهذا مردَّه لا لأن الآب مختلف عن الله ضابط الكل – فإن مجرَّد التفكير في هذا يُعدّ جرمًا – بل بالحري أن روح الحق يُقال عنه ’ينبثق من الآب‘ (يو 15: 26)، وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة. وبالرغم من أن المسيح قال في مواقفٍ عديدةٍ إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه المزيَّة [أي الخاصية الأقنومية] التي ناقشناها لتونا [أي الانبثاق]، عند حديثه عن علاقته بالآب، بل عندما يتحدَّث عنها يقول: ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وفي موضع آخر: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30). والقارئ الحصيف سيجد في الإنجيل فقرات أخرى عديدة مُشابهة لهذه“.[20]

ق. أثناسيوس الرسولي

الآب هو أصل الابن ووالده

يشير ق. أثناسيوس إلى أن الآب هو أصل الابن ووالده، وأن الآب هو آب، وهو لم يكن ابنًا لأحد، والابن هو ابن وليس بأخ، ولا يوجد أصل سابق عليهما في الوجود كالتالي:

”فالآب والابن لم يُولَدا من أصل سابق عليهما في الوجود، حتى يمكن اعتبارهما أخوين، ولكن الآب هو أصل الابن وهو والده. والآب هو آب، وهو لم يكن ابنًا لأحد، والابن هو ابن وليس بأخٍ“.[21]

الله الآب هو الينبوع الأزلي لحكمته الذاتية

يرى ق. أثناسيوس أن الله الآب هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، أي أقنوم الكلمة أو الابن، ولمَّا كان الينبوع أزليًا، فبالضرورة تكون الحكمة أزليةً أيضًا كالتالي:

”أمَّا الحقيقة فتشهد بأن الله هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، ولمَّا كان الينبوع أزليًا، فبالضرورة يجب أن تكون الحكمة أزليةً أيضًا، لأنه من خلال هذه الحكمة خُلِقَت كل الأشياء“.[22]

الآب هو البدء والينبوع

يصف ق. أثناسيوس الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس، مُميِّزًا بينه وبين أقنومي الكلمة والروح القدس كالتالي:

”وهكذا يُكرَز بإلهٍ واحدٍ في الكنيسة: ’الذي على الكل وبالكل وفي الكل‘ (أف 4: 6). ’على الكل‘ أي كأب وكبدءٍ وكينبوع، و ’بالكل‘ أي بالكلمة، و ’في الكل‘ أي في الروح القدس. هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام، بل بالحق والوجود الفعليّ“.[23]

ويصف ق. أثناسيوس أقنوم الآب أيضًا بأنه ينبوع ونور وأب، ولا يمكن أن يكون الينبوع جافًا بدون ماء، ولا أب بدون ابن، ولا نور بدون شعاع كالتالي:

”إذَا كان الله ينبوعًا ونورًا وأبًا، فليس من الجائز القول بأن الينبوع جافٌ، أو أن النور بلا شعاع، أو أن الله بلا كلمة، لئلا يكون الله غير حكيم، وغير عاقل، وبلا شعاع. وإذًا، فحيث إن الآب أزليّ، فبالضرورة يكون الابن أيضًا أزليًا، لأن كل ما هو للآب فهو بلا شك للابن أيضًا“.[24]

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

ق. كيرلس الإسكندري

الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندريّ عن أن الآب هو المصدر أو الينبوع في الثالوث، وأن أقنوم الكلمة فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده قائلاً:

”أمَّا بالنسبة للابن فالبدء ليس بدءًا زمنيًا ولا جغرافيًا، فهو أزليّ وأقدم من كل الدهور، ولم يُولد من الآب في الزمان، لأنه كان مع الآب، مثل الماء في الينبوع، أو كما قال هو ’خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم‘ (يو 16: 28). فإذَا اعتبرنا الآب المصدر أو الينبوع، فإن الكلمة كان فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده. […] هل من اعتراض على أن الابن في الآب مثل الماء في الينبوع، أو أن الآب هو الينبوع؟ إنَّ كلمة ’ينبوع‘ تعني هنا المعية. لأن الابن في الآب وهو من الآب، ليس كمَّن يأتي من الخارج في الزمن، بل هو من ذات جوهر الآب“.[25]

الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية

يشير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن الآب هو بدء الابن، والبدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية قائلاً:

”ولذلك وصف القديسون الله الآب أنه هو ’بدء‘ الابن، وكانوا يقصدون من ذلك أنه مع الآب. […] وحقًا سوف يأتي مع الآب لأنه في الآب، وهو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية، وهي التي تجعل الآب هو البدء بالنسبة للابن من ناحية المعية لأن الابن من الآب“.[26]

الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية

ويوضح ق. كيرلس الإسكندري أن الآب هو البدء άρχή بمعنى القوة والسيادة على الكل، أي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل، والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة المدعوة للوجود بإرداة اللاهوت كالتالي:

”والإنجيليّ المبارك – على ما يبدو لي – يُسمِّي الآب البدء άρχή أي القوة والسيادة التي على الكل، أي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل، والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة التي هي كائنة ومدعوة للوجود بسبب إرادة اللاهوت. في هذا البدء άρχή الذي هو فوق الكل وعلى الكل ’كان الكلمة‘، ليس مع الطبائع المخلوقة التي تحت قدمي البدء، وإنما عاليًا عنها جميعًا، لأنه ’في البدء‘ أي من ذات الطبيعة والكائن دائمًا مع الآب، وله طبيعة الذي ولده كمكانٍ أزليّ قبل الكل. لذلك هو مولودٌ حرٌ من الآب الحر، ومنه ومعه له السيادة άρχή على الكلّ“.[27]

ويشير ق. كيرلس أيضًا إلى أن الآب هو البدء للابن، موضحًا مفهوم ’في البدء‘ أن البدء ليس أي شيء آخر سوى الآب ذاته قائلاً:

”يبدو الإنجيليّ الطوباويّ، وكأنه يُفسِّر لنا بوضوحٍ تامٍ مفهوم ’البدء‘، فيقول ليس البدء شيئًا آخر إلا الآب ذاته، الذي منه أشرق الكلمة المحيي، مثل النور من الشمس، والذي يُدرَك على أنه شيء آخر غير الشمس، لكنه ليس خارجًا عن جوهر ذاك الذي بعثه. فبدء الابن إذن هو الآب“.[28]

الآب هو أصل الكلمة الخالق

يقول ق. كيرلس، مثله مثل ق. أثناسيوس الرسوليّ، أن الآب هو أصل الكلمة الخالق، وأنه كائن طبيعيًا في الابن كالتالي:

”لأن الابن هو قوة أقنوم الآب الخاصة به وبجوهره. وأيضًا عندما يعمل الابن، يعمل الآب أيضًا، فالآب أصل الكلمة الخالق، وهو كائن طبيعيًا في الابن مثل النار في الحرارة الصادرة منها“.[29]

الآب هو الجذر والينبوع للابن

يؤكد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن الآب هو الجذر والينبوع لوليده، أي ابنه الوحيد، وهكذا كل ما يعمله الابن يُنسَب إلى الآب الذي يصدر منه الابن كالتالي:

”لأن الآب يعمل بواسطة الابن. لأن كل ما يعمله الابن يُنسَب إلى الآب الذي منه يصدر الابن، إذ أن الآب هو الجذر والينبوع لوليده“.[30]

الآب هو البداية الأزلية للكلمة

يُفرِّق ق. كيرلس بين البداية الأزلية للكلمة في الآب خارج حدود الزمان والمكان، وبين البداية الزمنية للمخلوقات كالتالي:

”وحين حدَّد الكتاب أن الكلمة هو بداية المخلوقات، يقول: ’في البدء خلق‘، بينما عن كلمة الله ’في البدء كان الكلمة‘. بالنسبة للمخلوقات، البداية هي الزمن، بينما بالنسبة لكلمة الله، الكائن منذ الأزل، فإن البداية άρχή هي فقط أباه الأزليّ، الذي ليس له بداية، طالما أنه كائن معه أزليًا“.[31]

الآب هو بداية الابن

يفسر ق. كيرلس، مثله مثل ق. أثناسيوس[32] وق. باسيليوس الكبير، أن الآب أعظم من الابن، لأن الابن كمساوٍ للآب في الجوهر ومتماثل معه في كل شيء، اتَّخذ الآب الذي بلا بداية كبدايةٍ له لأنه يأتي منه، بالرغم من أن وجوده أزليّ معه كالتالي:

”إذًا، الابن مساوٍ للآب من جهة الجوهر ومتماثل معه في كل شيء، لكنه يقول عن الآب إنه أعظم؛ لأنه أتَّخذ الآب الذي بلا بداية فقط بسبب أنه يأتي منه، بالرغم من أن وجوده أزليّ معه“.[33]

الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعي منه

يرد ق. كيرلس على إدعاء الآريوسيين الهراطقة بأن الآب هو علة وجود الابن المخلوق، مؤكدًا على أن الآب هو علة وجود الابن كوالدٍ بحسب الطبيعة، وليس كخالق قائلاً:

”بأية طريقة، يا محاربي المسيح، تزعمون أن الآب صار علة وجود الابن؟ حسنًا. إذَا كُنتم تظنون أنه مخلوق، فإنه عندئذٍ يكون مخلوقًا وليس ابنًا، محاربين بوضوحٍ الآب الذي يقول للذي ولده: ’ولدتك من بطني قبل يوسيفوروس [كوكب الصبح]“ (مز 109: 3 سبعينية). أمَّا لو اعترفتم بأنه – حقًا – هو الابن وآمنتم بأنه هكذا يكون، عندئذٍ يتحتم عليكم ألا تقولوا إن الآب علة الابن كخالق، بل كوالدٍ بحسب الطبيعة. ولن يعيقكم عن ذلك شيءٌ؛ لأن الذي يأتي من آخر بحسب الطبيعة، يتحتم أن يكون من نفس جوهره، حتى لو كان ذاك هو علة وجوده“.[34]

ويستطرد ق. كيرلس في شرح كيف أن الآب هو علة وجود الابن، إلا أن الابن من نفس جوهر الآب، مولود منه أزليًا خارج حدود الزمان والمكان، وهو كائن معه أبديًا كالتالي:

”إنْ لم يكن الابن شبيهًا بالآب بحسب الجوهر، ولا مساويًا للآب في الجوهر، باعتبار أن الآب لا يأتي من علةٍ ما، بينما الآب هو علة الابن، فما الذي يمنع أن نقول أيضًا إن قايين لم يكن مساويًا لأبيه في الجوهر؟ لأن آدم لم يُولَد من أحد؛ لأنه كان الإنسان الأول، وفي ذات الوقت كان آدم هو علة قايين، إذ صار قايين منه. وبما أن هذا الافتراض كاذب (لأن قايين كان من نفس جوهر آدم)، فيكون الابن أيضًا – على أية حال – من نفس جوهر الآب، حتى لو كان الآب بالنسبة له علة وجوده، طالما أتى [وُلِدَ] منه أزليًا، وهو كائن معه أبديًا“.[35]

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخلاصة

نستخلص من هذا البحث تعليم الآباء الإسكندريين بدءًا من العلامة كليمندس الإسكندري وصولاً إلى ق. كيرلس الإسكندريّ بمونارخية الآب، وهكذا يتفق التعليم الإسكندريّ مع التعليم الكبادوكيّ بمونارخية الآب.

حيث يرى العلامة كليمندس الإسكندريّ في سياق تعليمه عن مونارخية الآب أن الآب هو علة الابن. ويتبعه تلميذه العلامة أوريجينوس الإسكندريّ في نفس الأمر، حيث يرى أن الابن يأخذ من الآب ما هو عليه، وأن الآب هو بداية الابن، وهكذا يأخذ الابن كيانه من الآب بلا بداية أو زمان. كما يؤكد العلامة أوريجينوس على أن الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس، وأن الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث.

وهكذا يتبع العلامة أوريجينوس تلميذه ق. ديونيسيوس الإسكندريّ، الذي يؤكد على اتحاد الابن والروح القدس في الآب الرأس، ويشير ق. ديونيسيوس إلى إكرام الابن للآب كرأسٍ له. ويرى أن الآب هو مصدر الابن، وأن الآب نبع الابن. ويشدد العلامة ديديموس الضرير، أحد تلاميذ العلامة أوريجينوس، على خروج أو صدور الابن والروح القدس من الآب.

ويتبع ق. أثناسيوس الرسوليّ التقليد الإسكندريّ السابق عليه، والذي يؤكد على مونارخية الآب. يقول ق. أثناسيوس بأن الآب هو أصل الابن ووالده، وأن الله الآب هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، ويصف الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس.

ويتبعه في ذلك ق. كيرلس الإسكندريّ الذي يؤكد على أن الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث، وأن الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية. ويرى ق. كيرلس أن الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية، ويقول، مثلما قال ق. أثناسيوس، بأن الآب هو أصل الكلمة الخالق. ويؤكد ق. كيرلس في نفس السياق أيضًا على أن الآب هو الجذر والينبوع للابن، وأن الآب هو البداية الأزلية لأقنوم الكلمة. ويقول، كما قال العلامة أوريجينوس من قبله، إن الآب هو بداية الابن. ويقول، مثلما قال الآباء الإسكندريين والكبادوكيين من قبله، إن الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعيّ منه.

[1] كليمندس الإسكندري (علامة)، المتفرقات (نسخة إليكترونية)، ترجمة: الأب الدكتور بولا ساويروس، (القاهرة، موقع الكنوز القبطية)، 8: 9: 18-20، ص 1429، 1430.

[2] المرجع السابق، 7: 1: 4، 5، ص 1210، 1211.

[3] المرجع السابق، 6: 17: 36، ص 1192.

[4] المرجع السابق، 5: 14: 28، 29، ص 945، 946.

[5] أوريجينوس (علامة)، في المبادئ، ترجمة: الأب جورج خوام البولسي، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2002)، 1: 2: 2، ص 85.

[6] المرجع السابق، 1: 2: 9، ص 94، 95.

[7] المرجع السابق، ص 95.

[8] أوريجينوس (علامة)، تفسير إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: الراهب مكاري البهنساوي، تحت إشراف: الأنبا اسطفانوس أسقف ببا والفشن، (القاهرة، 2020)، ص 122، 123.

[9] المرجع السابق، ص 125-128.

[10] أوريجينوس (علامة)، في المبادئ، ترجمة: الأب جورج خوام البولسي، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2002)، 1: 2: 11، ص 99.

[11] المرجع السابق، 1: 2: 13، ص 100.

[12] المرجع السابق، 1: 3: 7، ص 113.

[13] أوريجينوس (علامة)، تفسير الرسالة إلى رومية ج1، ترجمة: د. عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2020)، 4: 9: 12، ص 312.

[14] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، الرسالة الثانية عن الثالوث ضد مَن يؤمنون بثلاثة آلهة وضد السابيليين، ص 167.

[15] المرجع السابق، ص 168، 169.

[16] المرجع السابق، تفسير إنجيل لوقا (لو 22: 42-48)، ص 211، 212.

[17] المرجع السابق، أسئلة وأجوبة، ص 237، 238.

[18] المرجع السابق، رسالة ق. ديونيسيوس الإسكندري إلى البابا ديونيسيوس الروماني، ص 289.

[19] المرجع السابق، ص 292، 293.

[20] ديديموس الضرير (علامة)، الروح القدس، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2015)، 4: 113-115، ص 73-75.

[21] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 5: 14، ص 61.

[22] المرجع السابق، 1: 6: 3، ص 70.

[23] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 28، ص 96.

[24] المرجع السابق، 2: 2، ص 113، 114.

[25] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 1: 1، ص 43.

[26] المرجع السابق، ص 44.

[27] المرجع السابق، ص 45.

[28] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 32: 121، ص 504.

[29] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 1: 1، ص 80.

[30] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 401.

[31] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 15: 50، ص 252.

[32] يفسر ق. أثناسيوس آية ”أبي أعظم مني“ كالتالي: ”لذلك، فإن الابن نفسه لم يقل ’أبي أعظم مني‘ حتى لا يظن أحدٌ أنه غريب عن طبيعة الآب، بل قال: ’أعظم مني‘، ليس من جهة الحجم ولا من جهة الزمن، بل بسبب ميلاده من أبيه ذاته، فإنه حتى عندما يُقال: ’أعظم مني‘، أَظهر مرةً أخرى أنه من ذاتية جوهره الذاتيّ“ (أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرين، القاهرة، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017، 1: 13: 58، ص 140).

[33] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 11: 4، ص 137.

[34] المرجع السابق، مقالة 10: 10، ص 124.

[35] المرجع السابق، مقالة 10: 12، ص 125.

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

هرطقات ظهرت بعد الاريوسية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج8

هرطقات ظهرت بعد الاريوسية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج8

 

هرطقات ظهرت بعد الاريوسية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج8

 

بعض الهرطقات التي ظهرت بعد الآريوسية

(1) الإفنوميُّون

بدعة الإفنوميِّين، نسبة إلى زعيمهم إفنوميوس Eunomius (394+م) الذي كان كاتم سِّر مؤسِّس هذه البدعة، الذي يُدعى إيتيوس Aetius. وإيتيوس هذا كان أوفر المغامرين اللاهوتيين إنتاجاً[1]، أمَّا إفنوميوس فكان مشهوراً بجرأته وقُدرته على العمل المتواصل، وكان كثير التَّقلُّب.

أُقيم أسقفاً على كيزيكوس Cyzicus بواسطة إفدوكسيوس Eudoxius (300-370م) أسقف القسطنطينيَّة[2]، وسُرعان ما أتَّحد مع إيتيوس Aetius وانفصلا علناً عن إفدوكسيوس Eudoxius ووصماه بأنه رَجُل متلّون، مخادع، وانتهازي.

كان أتباع إفنوميوس Eunomius يقولون: إنَّ الابن يمكن أن يُدعى الله، ولكن بالاسم لا غير، ليبقى بينه وبين الله الرأس غير المخلوق، هوَّة لا يمكن اجتيازها. فحتى عبارة الأريوسيِّين عن الابن بأنه “شبيه في الجوهر” كانوا يعتبرونها تحفُّظاً غير الشريف، فكانوا إذاً أسوأ من الأريوسيِّين في اعتقادهم.

وكان إفنوميوس Eunomius يُعيد معمودية الذين ينضمُّون إلى مذهبه، مغطِّساً إياهم غطسة واحدة، ومنكِّساً رؤوسهم إلى أسفل وأرجلهم إلى فوق، وهو يقول: “يُعمَّد فلان باسم الآب غير المخلوق، والابن المخلوق، والرُّوح القُدُس المخلوق من الابن المخلوق”. وكان يُنكر العذاب الأخير، وجهنَّم.

 

(2) الإفدوكسيُّون

نسبة إلى إفدوكسيوس Eudoxius أسقف القسطنطينيَّة[3] في عهد الإمبراطور فالنس (364-378م). وهي فئة لم تكن أريوسيَّة بكلِّ معنى الكلمة، لكنَّها انحازت بصورة ظاهرة إلى اليسار في الأريوسيَّة، وادَّعت أنها  تمثِّل الأريوسيَّة الأصلية القديمة. وتمسَّك إفدوكسيوس Eudoxiusبالعبارة المبهمة التي اخترعها أكاكيوس Acacius (+366م) أسقف قيصريَّة[4] وهي “أنّ الابن شبيه بالآب”، بدون إشارة إلى أن هذه المشابهة تتخطّى الوجهة الأدبية.

فكانت النتيجة العملية، إعداد الطريق لأصحاب البدعة الإفنوميَّة.

(3) النِّصف أريوسيِّين

ويُسمَّون أيضاً “محاربي الروح”. وكان زعيمهم هو باسيليوس أسقف أنقرة Basil of Ancyra[5]. وكان حزب النِّصف أريوسيِّين هم أصل بدعة مقدونيوس Macedonius (+362) أسقف القسطنطينيَّة بقوَّة الملك قسطنديوس[6] (337-361م) بعد إنزال أسقُفه القانوني بولس. ثم خُلع من هذه الأسقفية في سنة 360م بواسطة الإفنوميِّين. وقد علَّم أن “الابن مشابه للآب في كل شيء، ولكنَّه لا يساويه في الجوهر. وأن الروح القدس مخلوق وخادم للابن، كأحد الملائكة”.

وقد سُمِّى مشايعوه “المقدونيِّين”. وكانوا قد تدرَّجوا في إيمانهم إلى إعلان عظمة الابن غير المخلوقة، إلا أنهم ظلُّوا يرفضون عبارة مجمع نيقية بأن الابن “مساو للآب في الجوهر”. وقال عنهم القديس أثناسيوس الرسولي (329-373م) وهو في منفاه الثاني:

[سمعتُ والأمل يحزُّ في نفسي، أن بعض الذين هجروا الأريوسِّين اشمئزازاً منهم لتجديفهم على الله، يدعون بعد ذلك الروح مخلوقاً ويقولون: إنه أحد الأرواح الخادمة، ولا يختلف عن الملائكة إلا بالرُّتبة][7].

وهو ما دفع مجمع القسطنطينيَّة إلى تثبيت تكملة قانون الإيمان النِّيقاوي بعد عبارة “نؤمن بالروح القدس”، بقوله: “الرَّب المحيي المنبثق من الآب، الذي هو من الآب والابن مسجودٌ له وممجَّد”، وكانت هذه الإضافة جزءًا من دساتير الإيمان المحليَّة في الكنائس المختلفة في الشَّرق.

 (4) السَّابيليُّون

نسبة إلى سابيليوس  Sabellius[8] الذي اعتقد أن الثلاثة أقانيم هم أقنوم واحد مثلث الأسماء، ظهر تارة كآب، وتارة كابن، وأُخرى كروح قُدُس، بتغيُّر الصُّورة والشَّكل. وترجع بدعة السَّابيليِّين إلى تعاليم نوفاتوس الذي هو نوفاتيان[9] Novatian ومعه أيضاً براكسياس Praxeas في أواخر القرن الثاني الميلادي[10].

فيقول السَّابيليُّون: إن الابن والروح القدس إنما هما من الظُّهورات والأشكال أو الانبثاقات من شخص الآب الواحد. وقد أرسل البابا ديونيسيوس الكبير (248-265م) البطريرك الإسكندرية رسالة إلى زيستوس الثاني Sixtus II (257-258م) أسقف روما، يصف فيها هرطقة سابيليوس، بأنها مملوءة كُفراً وتجديفاً على الله الآب، وشكوكاً كثيرة بخصوص ابنه الوحيد بكرُ كلّ خليقة، الكلمة المتأنِّس، وقصوراً شديداً في معرفة الروح القدس، فيقول:

[قد كتبتُ بضع رسائل لمعالجة الموضوع، وضعتُ فيها بمساعدة الله، كثيراً من التَّعاليم على قدر استطاعتي، وها أنا أرسلُ إليك نُسخاً منها][11].

 (5) المركليُّون

نسبة إلى مركلُّوس Marcellus (+374م) أسقف أنقرة Ancyra في غلاطية. وكان اعتقاده قريباً من تعليم سابيليوس، ومناقضاً للإيمان الحقيقي بلاهوت الابن، وبالتَّجسُّد. ويُنسب إليه الرأي، بأن الكلمة كان قوَّة إلهيَّة غير شخصيَّة، كامنة في الآب منذ الأزل، ولكنَّها صادرة منه في عمل الخليقة، ودخلت أخيراً في علاقات مع شخص الإنساني، فصار بذلك ابن الله. على أن هذا الامتداد من الوحدة الإلهيَّة، يتبعه انكماش، عندما ينسحب الكلمة من يسوع، ويكون الله ثانية، الُكل في الكُل!

(6) القوتينيُّون

هم أتباع فوتينوس Photinus الذي صار أسقفاً على سيرميوم Sirmium سنة 344م[12] وهو تلميذ مركلُّوس Marcellus (+374م) أسقف أنقرة. وكان فوتينوس Photinus هذا متصلَّباً في رأيه، عنيداً، حاضر الذِّهن. وقد صدرت ضدَّه أحكام أربعة مجامع متتابعة قبل أن يضع السلطة المدنيَّة حدًّا لمشاغباته في سنة 351م. وقال في تعليمه عن شخص السيِّد المسيح له المجد “إن يسوع الذي استقرَّ فيه الكلمة استقراراً تاماً ممتازاً، كان إنساناً مجرَّداً بسيطاً”.

وهو رأيٌّ يشبه رأي بولس السَّاموساطي. ولم يكن يعترف بالثالوث القدُّوس، وكان يُسمِّي الله روحاً خالق الكُل، ويرى أن الكلمة ما هو إلا كلمة لفظيَّة، وأمرٌ إلهيٌ خادمٌ لله في إبداع الكون كأنَّه آله صناعيَّة، وأن المسيح إنسانٌ مجرَّد، اقتبل كلمة الله ولكنَّه لم يقتبل الجوهر، بل اللفظ فقط، وأن بدء وجوده كان في مريم”[13].

 (7) الأبوليناريُّون

هم أتباع أبوليناريوس Apollinarius (310-390م) أسقف اللاذقيّة في سوريا. ويقول عنه البابا أثناسيوس الرسولي:

[إنه اعتاد أن يقول: إن الكلمة أخذ جسداً بدون نفس. وإذ يشعر أحياناً بخجل لجهله، يعود فيقول: إن الجسد الذي اتَّخذه، كانت فيه نفس غير عاقلة، جارياً على رأي أفلاطون في التَّفريق بين النَّفس والعقل].

وفي تفسيره الخاطيء للآيتين (1 تسالونيكي 23:5، غلاطية 18:5) نسب للمسيح جسداً بشرياً ونفساً بشريَّة، ونفى أن يكون له روح عاقلة، وجعل الكلمة يحلُّ محلّ الرُّوح في شخص المسيح، فيجعل المسيح كائناً متوسِّطاً بين الله والإنسان، قائلاً: إن المسيح مزيجٌ من الله والإنسان. واندفع إلى القول: إنه لا يجوز أن نعبُد كائناً بشرياً متوشِّحاً بالله، أو نسجد له. فتصدَّى له القديس غريغوريوس اللاهوتي (329-389م) قائلاً:

[يجب أن نسجُد لإله متوشِّح بالنَّاسوت، وليس لجسد متوشِّح باللاهوت].

[1] أثناسيوس في المجامع (31)، وسقراط في تاريخ الكنيسة (45:2).

[2] شارك في كثير من المجامع الأريوسية في القرن الرَّابع الميلادي. ورُسم أسقفاً على أنطاكية سنة 358م، ثم صار أسقفاً للقسطنطينيَّة سنة 360م. ولم يتبق من كتاباته سوى شذرات بسيطة من مقالة له عن التَّجسُّد.

ODCC, 2nd edition, p. 479, 480.

[3] سبق الإشارة إليه منذ قليل.

[4] لاهوتي أريوسي، وهو تلميذ يوسابيوس Eusebius القيصري (360-340م)، وخليفته على كرسي قيصريَّة فلسطين.

Cf. ODCC, 2nd edition, p. 8.

[5] Cf. ODCC, 2nd edition, p. 141.

[6] وهو يُسمَّى أيضاً “قسطنطينوس”. والذي حكم الجزء الشَّرقي من الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة.

[7] الرسالة الأولى إلى القديس سرابيون عن الروح القدس.

[8] يُعرَف عنه القليل جداً. ويُظن أنَّه لاهوتي من بواكير القرن الثالث الميلادي، ومن أصل روماني. ورد ذكره في بعض كتابات الآباء اليونان في أواخر القرن الرَّابع أو الخامس الميلادي، حيث ينسبونه إلى ليبيا أو الخمس مُدُن الغربيَّة Pentapolis.

Cf. ODCC, 2nd edition, p. 1218.

[9] نوفاتوس أو نوفاتيان، هو قس من كنيسة روما، له مؤلّف هام ومتكامل عن الثالوث. أما تفاصيل حياته، فهي مجهولة. وقد تعرَّض للاستشهاد في حُكم فالريان سنة 257م. ولم تقبل الكنيسة تعاليمه، كما رفضها البابا ديونيسيوس الكبير (248-265م).

Cf. ODCC, 2nd edition, p. 984.

ويقول عنه يوسابيوس القيصري: نحن بحق نشعر بالكراهية نحو نوفاتوس الذي قسَّم الكنيسة، ودفع ببعض الإخوة إلى الكُفر والتَّجديف، وأدخل تعاليم كُفريَّة عن الله وأخرى عن ربنا يسوع المسيح الكُلي الرأفة، مدَّعياً بأنه غير رحيم. وعلاوة على كل هذا، فإنه يرفض المعمودية المقدسة، ويقلب الإيمان والاعتراف اللذين يسبقانها، ويمنع عنهم كُليَّة الروح القدس، إن كان هناك أيُّ رجاء أن يبقى معهم أو يعود إليهم.

انظر: يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة القمص مرقس داود، الطبعة الثانية، القاهرة، 1979م، ص351.

[10] براكسياس هو هرطوقي، وصلتنا معلومات عن تاريخه وتعليمه من مقالة باليونانية بعنوان “ضدَّ براكسيان” Adversus Praxian كُتبت حوالي سنة 213م.

وقد اشار العلامة ترتليان (160-225م) إلى تعاليمه الخاطئة.

Cf. ODCC, 2nd edition, p. 1115.

[11] يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة القمص مرقس دادود، مرجع سابق، (6:7)، ص 349.

[12] ظل فوتينوس أسقفاً على سيرميوم Sirmium حتى سنة 351م حين أُقصيّ عن منصبه، لتعاليمه الخاطئة، وبقرار من مجمع عُقد في سيرميوم بأمر الإمبراطور قنسطنطيوس Constantius. ولم يصلنا شيء من كتاباته. أما تعليمه، فعرفناه مما كتبه عنه مناوئوه.

Cf. ODCC, 2nd edition, p. 1087.

[13] تاريخ الكنيسة لسوزومين (6:4).

 

هرطقات ظهرت بعد الاريوسية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج8

القديس إغريغوريوس النزينزي الثيؤلوغوس الناطق بالإلهيات – حياته، أعماله وفكره اللاهوتي

القديس إغريغوريوس النزينزي الثيؤلوغوس الناطق بالإلهيات – حياته، أعماله وفكره اللاهوتي

القديس إغريغوريوس النزينزي الثيؤلوغوس الناطق بالإلهيات

القديس إغريغوريوس النزينزي الثيؤلوغوس الناطق بالإلهيات – حياته، أعماله وفكره اللاهوتي

أولاً: حياته

هو علم من أعلام الفكر الإنساني، ورائد في اللاهوت الأرثوذكسي القويم، وهلّيني جمع في صدره الحضارتين الإغريقية والمسيحية، وإمام من أئمة الكلمة والتعبير، وخطيب عنيف تتدافع من عقيدته البلاغة الأخّاذة الساحرة، وأديب شاعر كان في عصره ألم من كتب باليونانية شعراً، وأخيراً قديس كره المناصب فقيد إليها مكرهاً، وتعشق العزلة والانفراد بالله فكانت أسقفيته صليباً صلب عليه العالم في سبيل الله والحقيقة.

ولد غريغوريوس نحو 329/330 في مدينة صغيرة تقع في الجنوب الغربي من كبادوكية وتدعى نزينزة، وقيل بل ولد في أرينزة، وهي ضيعة إلى جانب نزينزة كان لذويه فيها منزل وأملاك. وكان والدته نونا امرأة فاضلة عرفت بتقواها وتمسكها الشديد بالعقيدة الكاثوليكية القويمة. أما والده المعروف بغريغوريوس القديم فكان رجل الصراحة الصارمة، والكلمة الحكيمة الحازمة.

انتحل مذهب الهبسترية[1] ردحاً من الزمن ثم اهتدى إلى المسيحية فكان ملء عين المؤمنين الصالحين، وقبيل مولد ابنه انتخب أسقفاً على نزينزة، فكان أباً روحياً للجميع، وأباً بالجسد لثلاثة بنين نشأوا على إيمان عميق، وعلى أخلاق مسيحية عالية.

كان لغريغوريوس الابن طموح في العلم والفضيلة لا حد له، فراح يطلب الفضيلة في ينابيع الحكمة الإلهية، وراح يطلب العلم في كل مكان كان للعلم فيه سلطان: في كبادوكية، وقيصرية فلسطين، والإسكندرية، ولا سيما أثينا منهل العقل والقلب واللسان، حيث لقي باسيليوس (329/ 30 – 379) وربطته به صداقة شهيرة. وقد تخرج الشابان الكبادوكيان على أشهر الأساتذة من مثل ليبانيوس، وهيماريوس، وعمقا في نفسيهما حب الله والخير والصلاح.

وما إن قفلا راجعين إلى كبادوكية، باسيليوس أولاً ثم غريغوريوس (358/359)، حتى عملا على تحقيق الحياة “الفلسفية” التي نسجا خيوطها في أثينا. فانطلق باسيليوس يطلب الوحدة والتهجد، على شاطئ نهير أبريس[2] في أناسوبي، ولحق به صديقه غريغوريوس وفي نفسه ما في نفس صديقه، ولكن أباه استدعاه سنة 361، فعاد إلى نزينزة حيث عمل الجميع على إقناعه بقبول سر الكهنوت، وبعد تخوف رسم كاهناً، ومارس الكهنوت برهة من الزمن وفي سره حنين إلى مشاركة باسيليوس في عزلته وتفرغه للصلاة والتبحر في معاني الكتاب المقدس.

واشتد به الحنين، فهجر الديار وانضم إلى صديقه، وفي سنة 362 رجع إلى نزينزة ليحتفل بعيد الفصح.

في هذه الأثناء برز انشقاق في كنيسة نزينزة أدى إليه تورط الأسقف غريغوريوس الأب في توقيع بيان ريميني وكان لا يخلو من آراء آريوسية. فسعى الكاهن الشاب لدى أبيه وحمله على إعلان إيمانه الأرثوذكسي وأعاد بذلك السلام إلى تلك الكنيسة.

في سنة 370 انتخب باسيليوس اسقفاً على قيصرية ولم تمض سنتان على ولايته حتى حمل صديقه على تحمل أعباء الأسقفية وقام بتنصيبه على مدينة سازيموس سنة 372 عله يكون سداً منيعاً في وجه التيارات الهدامة. ولكن الأسقف الجديد لم يجد في هذا العمل ما يصبو إليه، فتركه وعاد إلى منسكه وقال: “خير لي أن أختبئ في الجبل وأعيش فيه العيشة التي أحب والتي أجد فيها مسرتي”.

ولكن والده، وقد طعن في السن، وثقلت عليه الشيخوخة، دعاه ليشاطره عبء المسؤولية، فلبى الدعوة في غير ابطاء. وعندما توفي الأسقف الشيخ قام مقامه في الخدمة ريثما ينتخب له خلف شرعي، وقد أظهر من الغيرة والحكمة ما لفت إليه الأنظار، فاجتمع عليه آراء الأساقفة، ووقع عليه اختيارهم، فهرب إلى سلوقية ايزوريا يطلب العزلة والتنسك.

وفي سنة 378 توفي الامبراطور فانس نصير الآريوسية وخلفه ثاودوسيوس الذي عرف بميله إلى الأرثوذكسية ومساندته لها فتوجه كاثوليكيّو القسطنطينية إلى غريغوريوس وتوسلوا إليه في امرهم وفي أن يكون لهم راعياً ومشيراً حيث لا راعي ولا مشير، وحيث انقلبت الدنيا إلى صراعات لاهوتية، ومناورات أيديولوجية، وقد توفي باسيليوس سنة 379، فكان وقع النبأ شديداً على نفس صديقه، وبعد تردد مرهق قبل أن ينتقل إلى القسطنطينية، جعل مركزه في كنيسة صغيرة باسم القيامة (أناستاسيا)، وراح من هناك ينثر الحكمة في غيرة رسولية متوقدة.

فكان هذا الانتقال فوزاً للأرثوذكسية، وقد ضجت من جرائه المدينة، وقامت قيامة الآريوسية، وتقارعت البدع والمذاهب، وامتد الحِجاج والنقاش من الساحات العامة والمعابد إلى الأسواق والمنازل والخدور. وفي هذا الجو الفلسفي اللاهوتي الغامر ألقى غريغوريوس سلسلة خطبه اللاهوتية التي دافع فيها عن عقيدة الثالوث، والتي اكسبته لقب “اللاهوتي”.

في أيار من سنة 381 دعاه ثاودوسيوس إلى حضور المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية، ولما توفي ملاتيوس أسقف أنطاكية الذي كان يرئسه، كُلف غريغوريوس بإدارة شؤونه، وما أن ختمت أعماله حتى بادر غريغوريوس إلى الاستقالة من أسقفية العاصمة، وانزوى في خلوة حياته الفلسفية مكبّاً على الصلاة، والتأمل، والدرس، ونظم الشعر، والمراسلة، وظل يهتم بكنيسة نزينزة إلى سنة 383، ثم سلم الأمر إلى ابن عمه أفلاليوس الذي خلفه أسقفاً عليها. وانتقل هو إلى أزينزة حيث توفي سنة 390.

ثانياً: أعماله

لم يكن غريغوريوس من المكثرين في الكتابة ولكن القليل الذي تركه يُعد من أروع من في التراث المسيحي عمقاً وابتكاراً وأسلوباً، وهو يقسم ثلاثة أقسام: الخطب، والرسائل، والشعر. إنه الشاعر الوحيد بين لاهوتيي القرن الرابع.

وهو في نثره وشعره أبداً سيد الكلمة وإمام المنابر، لا يبلغ شأوه أحد من أبناء المسيحية في عصره، فقد تفرد في البلاغة وروعة الأداء، كما تفرد في دقة الفكرة وعمقها، وفي المقدرة على استيعاب الحقائق البعيدة المدى والتعبير عنها تعبيراً تبنته الأجيال والمجامع من بعده، ووجدت فيه كلمة الفصل وجامع الكلمة.

 

1 – الخُطب

لغريغوريوس 45 خطبة هي أروع ما تركه لنا، وقد ألقى أكثرها ما بين سنة 379 وسنة 381، أي في أهم مرحلة من مراحل حياته يوم كان أسقفاً في القسطنطينية وكان أنظار العالم كله شاخصة إليه، وضمنها من أساليب البلاغة والبيان ما اقتضاه الموقف في مدينة جمعت جمعاً غفيراً من العلماء وأرباب الفكر والفلسفة واللاهوت، وكانت ميداناً واسعاً للصراع المذهبي والعقائدي: وسرعان ما أصبحت تلك الخطب مادة دراسة في معاهد الخطابة والبلاغة، ومثالاً يُحتذى على المنابر. وقد أصبحت المواقف الوجدانية، والمقاطع الغنائية فيها منطلقاً لأناشيد دينية وترانيم كنسية رائعة.

 

أ – الخطب اللاهوتية الخمس

نوع هذه الخطب

لقد سميت هذه الخطب “لاهوتية” لا لأنها تتسع للاهوت كما نفهمه اليوم، بل لكونها تبحث في الله نفسه، في وحدته وثالوثه، وهذا موضوع اللاهوت في معناه الضيق والقديم. وهي التي أكسبت غريغوريوس لقب “اللاهوتي”. وهذه الخطب لم ترد بهذا الاسم في المخطوطات المختلفة، فهو مستقى من فحواها ومنطبق تمام الانطباق على ما تهدف إليه. وهي ترد مجموعة معاً وتدل على أنها ألقيت في أوقات غير متباعدة.

 

المكان والزمان اللذان ألقيت فيهما

رأينا في كلامنا على صاحبها أنه ألقاها في القسطنطينية، وموضوعها نفسه وأسلوبها التحليلي والدفاعي يدلان بوضوح على أن جمهور المقبلين على سماعها هو جمهور مدينة كبيرة بساحاتها العامة، وأعيادها، ومشاهدها، وولائمها، جمهور أَلِفَ النقاش اللاهوتي إلى حد الهوس، وأدخله في كل مكان، وجعله للتظرف أحياناً كثيرة.

وكانت المدينة منذ نحو أربعين سنة تخضع للهيمنة الآريوسية، والأقلية الكاثوليكية فيها بلا كنيسة ولا أسقف، وما أن تولى ثاودوسيوس الحكم حتى تبدلت الأمور وتنفست الأرثوذكسية بملء رئتيها، واستعادت الكنائس التي كانت الآريوسية قد استولت عليها، وتعالى صوت خطبائها للدفاع عن الحقيقة وتفنيد حجج الهراطقة.

 

الآريوسية التي حملت عليها

ليست الخطب اللاهوتية أبحاثاً في اللاهوت وحسب، وإنما هي أيضاً رد على الآريوسية ودحض لأضاليلها.

ظهرت الآريوسية في الإسكندرية نحو سنة 320 عندما نهض الكاهن آريوس في وجه أسقفه في موضوع الثالوث، ونادى بالآب إلهاً أسمى، وباللامولودية جوهراً للألوهة، وأنكر أن تكون اللامولودية ميزة أقنومية الآب، وتدرج من ذلك إلى أن ولادة الابن جرت في زمان، ومن أقواله: “الابن خرج من العدم”، “كان زمن لم يكن فيه الابن”، وهكذا فألوهة الابن، في نظره، هي ألوهة نسبية، ألوهة بالتبني، وذلك لأن الآب خلق به ما خلق.

وراح آريوس يدعم آراءه بنصوص من الكتاب المقدس في غير تمييز. وقد قاده ضلاله إلى إنكار ألوهة الروح القدس أيضاً، وإلى أنه من صنع الابن. فشجب أسقف الإسكندرية هذه الآراء، وواجه عناد صاحبها بمجمع إقليمي دعا إليه، فزاد ذلك آريوس عناداً، وراح يضرب في البلاد، وراحت تعاليمه تنتشر ويتسع انتشارها، وكان ذلك سبب انعقاد المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325، وصدور قانون الإيمان النيقوي الذي أقر نص العقيدة الأرثوذكسية في غير غموض ولا التباس.

ومع ذلك كله فقد ظلت الآريوسية متجذرة في الشرق على تشعب وتفرع، ومن أشهر فروعها الأفنوميون وعلى رأسهم أفنوميوس الذي أنكر ألوهة الابن والروح القدس، وأظهر من البلاغة والبراعة في التحليل، والحذلقة في الجدل ما ضلل الكثيرين. فغريغوريوس يتوجه إليه وإلى أتباعه بالتنديد والحجاج باسطاً العقيدة الأرثوذكسية النيقوية في غير مداورة ولا اعوجاج، ومفنداً آراء خصومه بكلام حافل بالآيات الكتابية، وبالأقيسة البرهانية التي لا تقرع.

كان أفنوميوس من أصل وضيع، وقد قاده حب العلم، والرغبة في التعلم، إلى الإسكندرية مدينة النور لذلك العهد، فعمل لدى ركن من أركان الآريوسية وتتلمذ له، وفي سنة 360 ظهر شماساً إنجيلياً في أحد مجامع القسطنطينية، ثم أسقفاً في مدينة قزيكا، وكثيراً ما نراه في القسطنطينة معلماً وعاملاً على إنشاء كنيسة منشقة تدين بآرائه وتدعو إلى اتباعه. وفي سنة 383 طرده الامبراطور ثاودوسيوس إلى كبادوكية موطنه الأصلي حيث توفي ما بين سنة 392 وسنة 295.

 

خلاصتها

وهذا الخطب، وإن كانت دفاعية في الدرجة الأولى، هي ثمرة النضوج في دراسة العقيدة الثالوثية. أما الخطبة الأولى فهي بمثابة مقدمة عامة للأربع الأخرى، وهي تعالج الشروط التي لا بد منها لمناقشة الحقائق اللاهوتية. وأما الخطبة الثانية فهي تعالج اللاهوت في ذاته، أي وجود الله وطبيعته وصفاته بقدر ما يستطيع العقل البشري أن يدركها ويحيط بها.

وأما الثالثة فهي تبين وحدة العقل البشري أن يدركها ويحيط بها. وأما الثالثة فهي تبين وحدة الطبيعة عن الأقانيم الثلاثة، ولا سيما ألوهة الكلمة (اللوغوس) ومساواته للآب. وأما الرابعة فهي تفنيد ودحض لاعتراضات الآريوسيين على ألوهة الابن وإيضاح معنى النصوص الكتابية التي يتسلحون بها لدعم مذهبهم. وأما الخامسة فهي دفاع عن ألوهة الروح القدس.

 

ب – الخُطب الأخرى

لغريغوريوس خطاب في رتبة الأسقفية وفيه إلى جانب موضوعه تحديد واسع لعقيدة الثالوث، وخطاب في موضوع الجدل والنقاش وضرورة التأني والانضباط فيه، وخطابان دفاعيان موجهان إلى يوليانوس الجاحد، الذي عرفه غريغوريوس في أثينا، وفيهما ثورة نفسية شديدة وسورة غضب لا حد لها؛ ومجموعة من الخطب الوعظية والتأبينية، ألقاها الخطيب في الأعياد الكبرى، أو أبّن فيها المكابيين، والقديس قبريانوس القرطاجي، والقديس أثناسيوس، ومكسيموس الفيلسوف، وشقيقته غرغونية، وصديقه باسيليوس.

وله إلى ذلك مجموعة كبيرة من خطب المناسبات، ضمن بعضها كلاماً مفصلاً على الكهنوت ومسؤولياته كان في أساس البحوث الستة التي وضعها القديس يوحنا الذهبي الفم في موضوع الكهنوت، وفي أساس القانون الراعوي الذي وضعه القديس غريغوريوس الكبير.

2 – الشعر

نظم غريغوريوس الشعر في أواخر حياته وفي خلوة أرينزة ليُبين أن الحضارة الجديدة المسيحية ليست دون الحضارة الوثنية شأناً، ولينافس الهراطقة، ولا سيما أبوليناروس، الذين عملوا على نشر بعض آرائهم بالأسلوب الشعري وبالكلام الموزون.

فلدينا منه خمس وثلاثون قصيدة عقائدية في الثالوث، وعمل الله الخلقي، والعناية الإلهية، والتجسد، ومعجزات المسيح وما إلى ذلك، وأربعون قصيدة أخلاقية، ومئتان وست قصائد تاريخية فيها سيرة حياته، وقد ضمنها آراءه وعواطفه، ومحبته لذويه وأصدقائه الذين غادروا هذه الدنيا، وآماله ورغباته، وما إلى ذلك مما جعل هذا القسم من المجموعة الشعرية حافلاً بالروعة والجمال.

وقد عدت سيرة حياته الشعرية خير ما كتب في فن السيرة عند الاغريق. ونحن نلمس في هذه القصائد المختلفة حياة صاحبها الداخلية، وما يغتلي فيها من إيمان وغيرة واندفاع، وهي في ذلك أشبه باعترافات القديس اوغسطينوس.

 

3 – الرسائل

كان غريغوريوس مترسلاً فذاً، وقد وضع في فن الترسل دراسة قيمة واشترط فيها للرسالة الناجحة أن تكون موجزة، وواضحة، وطريفة، وبسيطة، ورسائله، وإن كانت دون رسائل باسيليوس أهمية، تتفوق عليها فناً وروحاً. وقد كتب غريغوريوس مئتين وخمساً وأربعين رسالة، وجه معظمها إلى ذويه وأصدقائه.

لبعض هذه الرسائل أهمية لاهوتية، ولا سيما الرسالتين اللتين وجههما إلى الكاهن كليدونيوس نحو سنة 482، وضمنهما خطة الرد على الأبوليناروسيين. وقد اعتمد منهما مجمع أفسس (431) مقطعاً كبيراً، واعتمدهما بكاملهما مجمع خلقيدونية (451).

 

ثالثاً: لاهوت غريغوريوس

كان لباسيلوس تأثير على غريغوريوس في موضوع اللاهوت، وقد أعلن ذلك غريغوريوس في رسالة وجهها إلى باسيليوس فقال: “اتخذتك منذ البدء ولا أزال أتخذك دليلاً ومرشداً ومعلماً في اللاهوت”. وإنه وإن أعلن ذلك، يتجلى في دراساته تفوقه على صديقه أسقف قيصرية في التعبير اللاهوتي، وفي كنه اللاهوت على أنه علم، وفي النظرة العميقة إلى قضاياه. فهو “اللاهوتي” بأدق ما لهذه اللفظة من معنى.

وقد عالج في آثاره طبيعة اللاهوت وموضوعه، ومصادره، كما عالج الطريقة اللاهوتية معالجة وافية، والميزات التي يجب أن يتصف بها اللاهوتي، وتطرق إلى قضية العقل والإيمان، وإلى سلطة الكنيسة في شأن العقائد التي تعلنها.

 

1 – عقيدة الثالوث

كثيراً ما يتوقف غريغوريوس في شتى خطبه عند عقيدة الثالوث وكأنها هاجس لا يفارقه. فيدافع عنها في غير ملل، ويجد في التطلع إليها متعة لقلبه وروحه. قال في خطبة له عن المعمودية ملخِّصاً تعاليمه:

“إن أعطيك إعلان الإيمان هذا دليلاً وملاذاً تحتفظ به حياتك كلها: ألوهة واحدة، وقدرة واحدة في الثلاثة موحدين، وفي كل منهم منفصلين، لا أنهم غير متساوين في الجوهر أو في الطبيعة، ولا أنهم مزيدون أو منقصون بالإضافة أو بالطرح؛ إنهم متساوون من كل وجه، وهم حقيقة واحدة، كما أن جمال السماوات وعظمتها شيء واحد. ارتباط لا متناه لكائنين ثلاثة غير متناهين.

كل منهم بمفرده إله، كما الآب كذلك الاين، وكما الابن كذلك الروح القدس، يمتاز كل منهم بأقنوميته الخاصة، الثلاثة إله واحد في اجتماعهم. كل منهم إله من حيث وحدة الجوهر، وإله واحد من حيث المونرخيّا”.

وإننا إذا قارنا تعليم غريغوريوس بتعليم باسيليوس في شأن اللاهوت رأينا أن الأول أكثر تشديداً على الوحدة والمونرخيا، وعلى سيادة الله المطلقة الواحدة، وأوضح تحديداً للعلاقات الإلهية، وهذه العلاقات التي أكب غريغوريوس على ابرازها كانت عبر الأيام أساساُ لجميع الدراسات التي أنشئت في موضوع الثالوث، وغريغوريوس ينطلق من هذه العلاقات لكي يبرهن على اشتراك الأقانيم الثلاثة في الخلود، وعلى وحدة الجوهر فيهم، وذلك في وجه الهراطقة الذين أحدثوا في الثالوث انفصاماً جوهرياً.

وفيما يقف باسيليوس عند الابن فيما هو من العلاقة، نرى غريغوريوس يمتد فيها إلى الروح القدس، وهكذا كان غريغوريوس أول من حدد بوضوح ميزات الأقانيم الخاصة، وقدم للتاريخ ولعلم اللاهوت فكرة الترابط المصدري في الثالوث على أنه العلاقات المميزة.

وغريغوريوس يتفوق على باسيليوس أيضاً في كونه يعلن أن ميزات الأقانيم الخاصة هي اللامولودية (الآب)، والمولودية (الابن)، والانبثاق (الروح)، وهكذا يحدد بوضوح ميزة الروح القدس الخاصة على أنها الانبثاق، فيما يتوقف باسيليوس عند الآب والابن، ويعلن عجزه عن إبراز ميزة الروح القدس. يقول غريغوريوس: “الآب هو اسم من لا مصدر له، والابن اسم من ولد في غير بدء، والروح القدس اسم من انبثق أو أتى من غير ولادة”.

 

2 – الروح القدس

لقد تردد باسيليوس في إعلان حقيقة الروح القدس، أما غريغوريوس فقد أعلن ألوهته بوضوح وفي غير تحفظ ودعاه “الله”. ومن أقواله: “حتّام نجعل المصباح تحت المكيال، ونحزم الناس من معرفة ألوهة الروح القدس معرفة كاملة؟ إنه من الأفضل أن نجعل المصباح على المنارة فينتشر نوره في الكنيسة كلها، وفي جميع النفوس”.

 

3 – المسيح

كان للكنيسة وللمجامع المسكونية على مر العصور ينبوع فياض في رسائل غريغوريوس وخطبه، فقد دافع بدقة ووضوح عن كمال إنسانية المسيح، وهاجم أبوليناريوس الذي كان يرى في المسيح جسداً بغير روح إنسانية، وقال ب “اللوغوس إنسان” لا ب “اللوغوس جسد”؛ ونادى بأن الإنسانية في المسيح جسد وروح، وبأن في المسيح طبيعتين: طبيعة إلهية وطبيعة بشرية. وهو يقول: “إن الطبيعتين في المسيح متحدتان اتحاداً كاملاً إذ أن الألوهة تأنست، والإنسان تأله”.

وغريغوريوس يعلن أيضاً أن الطبيعتين في المسيح طبيعتان لشخص واحد: “لقد تنازل ليكون واحداً مؤلفاً من اثنين، طبيعتان تلتقيان في ابن واحد لا في اثنين”.

 4 – مريم العذراء

لقد أصبح الاسم “ثاوتوكوس” مع غريغوريوس حجر الزاوية في الأوثوذكسية وذلك قبل مجمع أفسس (431)، وقال:

“من أنكر أن تكون الطوباوية مريم والدة الإله فقد انفصل عن اللاهوت. من ادعى أن المسيح مر في العذراء كما في قناة. من غير أن يتكون فيها إلهياً وإنسانياً معاً، إلهياً أي بغير وساطة رجل، وإنسانياً أي بحسب نظام الحبل، فقد خرج من العقيدة وكان كافراً. من قال بأن إنساناً بأن إنساناً تكون أولاً، وأن الألوهة ألقيت عليه بعد ذلك، وجب تجريمه أيضاً لأنه أزال الولادة الإلهية ولم يُبق منها إلا ظاهر الولادة.

من ذهب إلى أن هنالك ابنين، واحداً من الله، وآخر من الأم، ملغياً الوحدة والإنيّة، فليكن محروماً من التبني الذي وُعد به المؤمنون إيماناً قوياً… من ادعى أن جسده نزل من السماء ولم يكن من ههنا…. فليكن مُبْسَلاً…”.

 

5 – الإفخارستيا

يرى غريغوريوس أن في الإفخارستيا ذبيحة سرية حقيقية. جاء في إحدى رسائله: “إن لسان الكاهن ينهض بالمريض عندما يكون في تأمل أمام السيد، فاصنع أكثر من ذلك وأنت تحتفل بالليتوروجيا، وحلّني من خطاياي الكثيرة عندما تكون ذبيحة القيامة بين يديك. يا صديقي الكريم، لا تتوقف عن الصلاة من أجلي والشفاعة فيّ، عندما تُنزل الكلمة بكلمتك، وعندما تفصل، بطريقة سرية وغير دموية، جسد الرب عن دمه، جاعلاً صوتك بمثابة الحرية”.

وهكذا فغريغوريوس رائد من رواد العقيدة الأرثوذكسية وكوكب اهتدت بنوره الكنيسة عبر العصور، وكلمة حق تمجد بها الكلمة الأزلي، ولنا الأمل الوطيد في أن تكون خطبه اللاهوتية خمير تجدد في شرقنا العزيز، وأن تكون منهلاً محيياً لطالبي الورود والحياة.

 

[1] نحلة ظهرت في القرن الرابع بكبادوكية وبقيت إلى القرن التاسع في القسطنطينية وقد عبدت الإله الواحد الأسمى ومن هنا اسمها، كما عبدت النور والنار، وقدست السبت، وتنكرت للأصنام والذبائح.

[2] ايريس: نهير ينبع في أرمينيا ويصب في البحر الأسود.

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

هل الله يتغير؟ وهل يعبد المسيحيون الجسد؟ – المذيع المسلم يذيعها مدوية: أنا لا أعرف شيء

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

القديس غريغوريوس النزينزي – حياته، أعماله وفكره اللاهوتي

أريوس – من هو أريوس ؟ ما هي أهم 3 أفكار لـ أريوس

أريوس – من هو أريوس ؟ ما هي أفكار أريوس

من هو أريوس .. وفرقته .

أريوس – من هو أريوس ؟ ما هي أفكار أريوس للبروفسور ب. ك خريستو أستاذ الآباء بجامعة تسالونيكى باليونان

 

ولد أريوس فى ليبيا بعد منتصف القرن الثالث بقليل، ودرس بمدرسة لوكيانوس بأنطاكية حيث كان زميل دراسة لبعض الأشخاص الذين أرتقوا فيما بعد إلى درجات الرئاسة الكهنوتية. وهم الذين عضدوه ودفعوا به للمضى في طريق الكفاح لأجل نشر أفكاره.

وكل هؤلاء الزملاء الذين درسوا في مدرسة لوكيانوس صاروا يلقبون بأسم “اللوكيانيين” أو “الاتحاد اللوكيانى”. وهذا لا يمنع أن اريوس درس أيضًا في مدرسة الأسكندرية اللاهوتية قبل دراسته بأنطاكية.

ويمكن أن يقال إن اريوس جمع في تعليمه بين إتجاهين مختلفين لمدرستى أنطاكية والأسكندرية. وفيما بعد أخذ المنتمون لمدرسة أنطاكية يهاجمونه ويتهمونه بأنه أسكندرى، في حين أن المنتمين إلى مدرسة الأسكندرية كانوا يحاربونه متهمينه بأنه أنطاكى.

إستوطن اريوس في الأسكندرية حيث رسمه الأسقف بطرس كاهنا .. وأظهر في أول حياته ميولاً متعصبة متمردة لأنه قبل رسامته وبعدها كان منضمًا للأسقف المنشق ميليتوس أسقف ليكوبوليس (أسيوط).

ولهذا السبب جرد من رتبته الكهنوتية، إلا أنه فيما بعد أعيد مرة أخرى إلى رتبته على يد الأسقف أخيلاس خليفة الأسقف بطرس. وما لبث أن عمل على تأييد إنتخاب الكسندروس أسقفًا للأسكندرية خلفًا لأخيلاس. وإن كان آريوس نفسه قد أستطاع بتأثير ثقافته وصفاته الشخصية أن يصير ذو شأن كبير في المدينة.

إلاّ أنه بعد بضعة سنوات (حوالي عام 318م) اصطدم مع الكسندروس بسبب الإختلاف حول تفسير نص في الكتاب المقدس خاص بشخص ابن الله. وكان الكسندروس قد أعطاه كما أعتاد الأسقف أن يفعل مع الكهنة موضوعًا ليبحثه. وفى الشرح الذي قدمه اريوس حاول أن يعبر عن ابن الله بمفاهيم مخالفة للإيمان المستقيم.

رأى الكسندروس في تقرير آريوس محاولة للتقليل من شأن ابن الله وتحقيره… وأثبتت الاتصالات بين الرجلين على أن اريوس أصر على رأيه وأعتبر أفكار الكسندروس أنها سابيلية (1). وبالرغم من هذا فإن الأسقف لم يتعجل في اتخاذ أى إجراء ضد كاهنه. إلا أنه فيما بعد أضطر الأسقف أن يتخذ قرارًا من مجمع قسوس الكنيسة، أدان فيه اريوس بسبب بدعته وقطعه من شركة الكنيسة.

رحل آريوس إلى فلسطين ثم اتجه إلى سوريا قاسيًا الصغرى. وتمكن من أن يجمع حوله عدد من الأساقفة وأفقوه على آرائه، وكان من بين هؤلاء “أوسابيوس أسقف فيقوميديا” اللوكيانى، و”أوسابيوس أسقف قيصرية” الأوريجانى. وأن الأساقفة الذين تجمعوا حوله قد أيدوه وبرأوه في مجمع عقدوه. وطالبوا بأن يعود مرة أخرى إلى الكنيسة.. وسرعان من كتب اريوس أقرارًا وافقوا عليه في مجمع عقدوه في نيقوميديا، وأرسله كرسالة إلى أسقف الأسكندرية الذي رفضه. ودعا بالطبع إلى مجمع بالأسكندرية سنة 318م اعتمد إدانة آريوس.

وبعد ذلك بقليل، بسبب الاضطرابات التي نشأت نتيجة للمصادمات التي وقعت بين قسطنطين الكبير وليكينيوس، تمكن اريوس من العودة مرة أخرى إلى الأسكندرية. حيث أخذ بعمل بحماس شديد وبأساليب مبتكرة لأجل ترويج أرائه ونشرها بين الجماهير عن طريق الأحاديث والأشعار… وقد ساعد على نشر آريوسيته ما كان يظهر به اريوس من مظاهر الورع والتقوى إلى جانب ما يتصف به من الكبرياء والتباهي وحبه للنضال.. وكان يجرى مباحثاته اللاهوتية مع الشعب. فأنتهز الوثنيون تلك الفرصة وأخذوا يسخرون من المسيحية في مسارحهم بسبب تلك المناقشات (2).

وهكذا أثار هذا الموقف قلق قادة الكنيسة. كما أزعج الإمبراطور أيضًا، الذي رأى أن هذه المشاكل ستكون خطرًا على السلام الذي حققه بجهود مضنية وكفاح مرير ولكنه لم يتوقع أن تكون خطرًا على السلام على المدى البعيد. لذلك فهو إذ رأى أن هذه المعركة تبدو أمرًا تافهًا لا يستحق أن يصدر له نطقًا ساميًا، فاكتفى بأن أرسل “هوسيوس” أسقف قرطبة بأسبانيا إلى الأسكندرية بخطاب إلى رؤساء الأطراف المتنازعة (3). ولكن هذه المحاولة لم تأت بأية نتيجة. عندئذ دعا الإمبراطور إلى مجمع عام يعقد في نيقية عام 325 والذي اشتهر باسم، “المجمع المسكوني الأول”…

وقد أدان هذا المجمع تعاليم اريوس وحرم أسقف نيقوميدية مع ثلاثة أساقفة آخرين لتأييدهم لتعاليم آريوس. أما اريوس فإنه في البدء أُرسل إلى نيقوميديا مكبلاً بالقيود، ثم نفى بعد ذلك إلى الليريا… ألا أنه على الرغم من هذه التدابير فإن هذه المحاولة للتهدئة لم تنجح، لأن أصدقاء اريوس استمروا في نشر مبادئه وتعاليمه… ولذا إقتنع قسطنطين بواسطة العناصر المهادنة للآريوسية والمحبة لها، وتأثر بهم. مما جعله يستدعى اريوس من منفاه عام 327.

وبعد تحريض من أسقف نيقوميديا عرضوا صيغة اعتراف إيمان على الإمبراطور أخفوا عنه فيها. حقيقة عقيدة آريوس، وكانت كنيسة نيقوميديا قد وافقت على هذه الصيغة في المجمع الذي عقد بها. إلا أن الأرثوذكسيين لم يجبروا على منح اريوس العفو. حتى أن الكسندروس أسقف الأسكندرية وأثناسيوس الذي خلفه لم يقبلاه في الأسكندرية.

ولم يرغب قسطنطين حينئذ أن يؤزم المسائل أكثر بأن يفرض على أسقف الأسكندرية بأن يقل آريوس. بل أنه في الواقع عندما طلب أنصار آريوس من الإمبراطور برسالة محررة بلهجة شديدة أن يتدخل لأجل تأمين عودة آريوس إلى الأسكندرية، غضب قسطنطين وأعاد أدانتهم بمرسوم آخر أسماهم فيه “بالبورفوريين” أى أنهم مشايعون لتعليم “بورفيريوس” (4).

وبعد وساطات متعددة غيروا مرة أخرى من مشاعر قسطنطين ورحل آريوس إلى القسطنطينية حيث أعترف بالإيمان الأرثوذكسي أمام الإمبراطور وتمسك بأن يصير مقبولاً بطريقة رسمية على نطاق أوسع بالكنيسة. إلا أن الأمر بتحديد موعد بقبوله في كنيسة القسطنطينية قد تلاشى نهائيًا، إذ أن آريوس سقط ومات في مرحاض عام فجأة ليلة الموعد المحدد لقبوله (5).

مؤلفات وكتب أريوس:

استحوذ آريوس على مركز هام في التاريخ الكنسي، لكنه لم يترك أثارًا كثيرة. فقد كتب أعمالاً قليلة نسبيًا وصلنا منها النذر اليسير. وهذه الكتابات التي وصلتنا عبارة عن رسائل خارجية. إلا أنها في واقع الأمر تحوى إعترافاته وهى:

 

(أ) رسالة اريوس إلى أسقف نيقوميدية:

وقد حفظها لنا إبيفانيوس في كتابه “باناريون” (6). وكذلك ثيئودوريتس في كتابه “التاريخ الكنسى” (7). وفى هذه الرسالة يحتج على تحامل الكسندروس ضده وضد أتباعه ويعرض آراءه وتعاليمه في صراحة تامة. ويقول أن الابن إله لكنه “ليس غير مولود Agenntos” “ولا جزء من غير المولود” وفى النهاية يستنجد باوسابيوس أسقف نيقوميديا مسميا إياه أنه من “الاتحاد اللوكيانى”.

 

(ب) رسالة اريوس إلى الكسندروس أسقف الأسكندرية:

حفظت هذه الرسالة في أعمال “أثناسيوس عن المجامع” (8). وفى كتاب “باناريون” لابيفانيوس (9). كما حفظت باللغة اللاتينية في كتاب “الثالوث لايلارى” (10). وهى الاعتراف الإجمالي إلى كان قد قدمه لمجمع نيقوميديا الأول والذي عقده الآريوسيون المنفيون. وفى هذه الرسالة تحاشى التعبيرات المثيرة وأعتبر أن “الابن قد ولد قبل كل الدهور”. إلا أنه لم يكن موجودًا من قبل أن يولد.

 

(ج) إعتراف الإيمان لاريوس:

حفظت هذه الرسالة في التاريخ الكنسي لسقراط (11) والتاريخ الكنسي لسوزومينوس (12). وفى هذه الرسالة حجب عقيدته الحقيقية وقال بأن الابن قد ولد قبل كل الدهور (لأنه لو كتبت كلمة gegennimenos المولود” بحذف حرف n منها أى gegenimenos لتغير معناها وأصبحت تعنى المخلوق وليس المولود.

 

(د) ”ثاليا” اريوس:

حفظ أثناسيوس في كتاباته بعض نصوص هذا الكتاب (13). وكلمة “ثالثا” معناها مأدبة أدبية. وقد دبجها كلها تقريبًا بأبيات منظومة وبلحن نسائي. وفى افتتاحيتها نجده يظهر نفسه أنه مملوء بالعقيدة والعواطف الشجية عندما يتعرض للحديث عن الله..

“بحسب إيمان مختارى الله… عارفى الله…

أبناء قديسين. ذوى التعاليم الشرعية الثابتة.. حاصلين على روح الله القدس…

أنا نفسى تعلمت هذا .. من حكمة المشاركين.. السابقين.. عارفى الله..

حسب كل أقوال الحكماء.. أتيت أنا مقتفيًا أثر كل هؤلاء..

وأنا ذو السمعة الحميدة.. متمش بنفس العقيدة..

ومتحمل كثيرًا من أجل مجد الله.. بنفس حكمة الله..

وفيما عدا هذا، يبدو أنه كان لآريوس مجموعة أخرى من الأشعار لكل مناسبة من مناسبات الحياة (14). (كما أشار بذلك أثناسيوس) في المجموعة التي تسمى “البحرية”، “الرحى” “الرحلة”.. الخ.

ووفقًا لما يقوله أثناسيوس فإن كل هذه القصائد قد دبجت بلهجة ونغمة داعرة مثل التي كان يكتب بها سوتيادوس أشعاره القومية.. كانوا يتغنون بها في مأدبهم بضجيج صخب وعبث..

تعاليم أريوس:

لا يتضح من تعاليم آريوس تناسقًا في كل ما وصلنا من نصوصه حيث أن بعضها كانت تخفى وراءها واقع الأمر وحقيقته. إذ كانت تعاليمه مضللة.. ويبدو هذا جليًا في رسالته إلى أسقف نيقوميدية، وفى باقته الشعرية “ثالثا”. ولم تقتصر تعاليمه هذه على مدرسة واحدة، كما قال كثيرون أى أنها لم تنطلق لا عن وحدانية الله الكتابية التي أعتنقها الأنطاكيون المتطرفون الذين اعتقدوا بأن الابن تهذب وتشكل بهبوط قوة إلهية مجردة على يسوع.

كما أنها لم تنطلق عن فكرة الوحدانية التي أعتنقها السكندريون المتطرفون الذين اعتقدوا بأن هذه الوحدانية الإلهية اتسعت لتحوى كل الموجودات الإلهية، بل هى نشأت عن فلسفة الوحدانية. وحيث أن آريوس كان موحدًا متطرفًا فإنه أراد أن يؤكد أن الله كان واحدًا وأنه في نفس الوقت متحول. أن حل وحدانية الله إنما سيعنى تمييز الله إلى أب وابن. أما حل التحول إنما سيكون بواسطة خليقة هذا العالم. وهو أمر سئ في كل الأحوال.

وبحسب هذه الأفكار، فإن الله واحد، غير مولود وحده، سرمدى وحده، ليس له بداية وحده. الحقيقي وحده، الذي له الخلود وحده (15). وبجانب الله، لا يوجد كائن آخر.. ولكن عن طريقه توجد قوة عامة (لا شخصية) هى “الحكمة والكلمة”.. وهذه التعاليم مأخوذة عن “الوحدانية المقتدرة” التي لبولس الساموساطى. ولكن فكره اللاهوتي يوضح إعتمادًا أكثر على “المدافعين”. وتأثيرات “الغنوسيين”. فيما أن الله كان واحدًا فهو لم يكن أبًا “الله لم يكن دائمًا أبًا. أما فيما بعد فقد صار أبًا”.

ولقد صار الله أبًا عندما أراد أن يخلق العالم. عندئذ خلق كائنًا واحدًا. هذا الكائن أسماه الابن، ويسمى استعاريًا الكلمة أو الحكمة.

إذن فحسب تعاليم اريوس توجد حكمتان:

1 قوة الله الواحدة العامة.

2 وكائن إلهي ذاتي واحد. وهذا الكائن هو الحكمة الثانية الذي جاء إلى الوجود من العدم. ومن ثم فهو مخلوق. إذ يقول “كلمة الله ذاته خلق من العدم.. وكان هناك وقت ما حينما لم يكن موجودًا. وقبل أن يصير لم يكن موجودًا.. بل أنه هو نفسه أول الخليقة لأنه صار” ويقول أيضًا “الله وحده كان وحده دون أن يكون هناك الكلمة والحكمة.. ومن بعد ذلك عندما أراد أن يخلقنا عندئذ بالضبط خلق شخصًا وهو الذي دعاه الكلمة والابن، وذلك كي يخلقنا بواسطته” (17).

ولكي يؤيد تعاليمه استخدم نصًا خاصًا اقتبسه من سفر الأمثال: “الرب أقامنى أول طرقه..” (أم22:8)، وكان أوريجانوس من قبل قد تحدث عن “خضوع الابن”، كما تحدث عن “ميلاد الكلمة الأزلي” وهنا أخذ اريوس الجزء الأول فقط من تعليم أوريجانوس، وذلك عندما أضطر فيما بعد أن يقر “بالميلاد قبل الدهور” مفسرًا ذلك بأنه يعنى فقط الزمن الذي سبق خلقه العالم.

فعند آريوس. يبدأ هذا العالم بخلق الابن، عندما بدأ الزمن أيضًا أن يوجد.. والابن هو المولود الأول ومهندس الخليقة.. ومن المستحيل عنده أن يعتبر الابن إله كامل. ويعتبر أن معرفته محدودة لأ،ه لا يرى الآب ولا يعرفه.. والأمر الأكثر أهمية أنه يمكن أن يتحول ويتغير كما يتحول ويتغير البشر.. “وبحسب الطبيعة فإنه مثل جميع الكائنات، هكذا أيضًا الكلمة ذاته قابل للتغيير والتحويل ولكن بنفس أرادته المطلقة، طالما أنه يرغب في أن يبقى صالحًا.. حينئذ عندما يريد فإنه في استطاعته هو أيضًا أن يتحول مثلنا، حيث أن طبيعته قابلة للتغير” (18).

أن بولس الساموساطى استعمل اصطلاح “القدرة على الاكتمال الذي أتخذ منه اريوس كل تعبيراته.. وفقًا لتعليمه وهو أن المسيح هو ظهور بسيط للكلمة في إنسان. ومن ناحية أخرى فهو يعتبر إنسان كامل فقط وليس إله كامل.. وبالتالي فإن الابن يمكن أن يدعى الله إستعاريًا فقط. وهو نفس الاسم الذي يمكن أن يدعى به البسطاء من الناس أيضًا حينما يصلون إلى درجة كاملة من الروحانية والأخلاق.. وهنا يتضح كل تعليم هرطقة “التبني Adoptionism” عن المسيح.

النتيجة الأولى لهذا التعليم:

هو أن الإيمان بالثالوث يتلاشى ويذوب.. بالطبع تحدث اريوس أيضًا عن الثالوث إلا أنه اعتبره أنه قد صدر متأخرًا ولم يكن أصليًا وأزليًا. لأنه وفقًا لتعليمه فإن الآب وحده كان إلهًا أزليًا.

أما النتيجة الثانية:

فهى أن الحياة الجديدة للإنسان التي صيغت كنتيجة لتأنس الكلمة، لا تتكون نتيجة تأليه بل بواسطة سمو روحي وأخلاقي.. وبهذا يتمكن أى شخص أن يقول أن هذا الموقف قد اقتبسه اريوس من المدافعين (19) الذين وفقًا للتقاليد نشأوا من مدارس فلسفية. وكانوا قد اتخذوا موقفًا مماثلاً عن الحياة الجديدة.. إلا أن موقف “المدافعين” يجد له مبررًا بسبب العصر الذي عاشوا فيه والعالم الذي كانوا يتوجهون إليه بالحديث. أما فيما يتعلق بآريوس فإن الموقف يظهر ركود أفكاره التي ولو أنها كانت حادة. إلا أنها خالية من الحركة والعمق.

ونتيجة لتعاليم اريوس بقوله أن كلمة الله مخلوق وقوله عن المسيح أنه إنسان مؤله (بضم الميم وفتح الواو). بسبب كمال روحي وخلقي. هذه التعاليم نجم عنها نزاع شديد زعزع أركان الكنيسة والدولة الرومانية.. أن البدعة الاريوسية لم يتم تنظيمها بطريقة سرية مثل غيرها من البدع والهرطقات. بل دخل في صفوفها رجال رسميين فى الكنيسة وفى الدولة. وهددت بالاستيلاء على التنظيم الكنسي بأكمله.. وقد استمرت المصالحة السياسية التي تبعت ذلك حتى موت اريوس وقسطنطين بدون أن تكون على حساب قرارات مجمع نيقية وذلك عن طريق تفسيرهم المتباين والمؤول بطريقة يشوبها الالتباس.. إلا أن تعاليمهم لم تأت بنتائج.

وذلك لأن زعماء الأرثوذكسية لم يقبلوا اريوس في الكنيسة وذلك بسبب اعترافاته المشتبه فيها.. حقًا إنه أثناء هذه الفترة لوحظ تقدم ملحوظ في الحركة التي قادت أيضًا إلى تفوق طفيف للآريوسية. وفى الواقع أن الآريوسيين بواسطة سلسلة المجامع التي أشرفوا عليها بأنفسهم – نجحوا في تنحية وأبعاد الرؤساء من خصومهم بإتهامات باطلة واهية. وهؤلاء الرؤساء هم أوستاتيوس الأنطاكي عام 330م. وأثناسيوس الأسكندرى عام 335م، وماركيلوس الانقيرى عام 336م.

ساءت الأحوال بعد وفاة قسطنطين الكبير، لأن حاكم الشرق قسطنديوس، فرض الاريوسية على المناطق التي كان يحكمها.. أما بعد وفاة أخيه قسطنس عام 350م، فقد فرضها على جميع أنحاء الإمبراطورية.. وسحق هذا الحاكم نشاط معارضيه ومقاوميه الأرثوذكسيين وانشغل بإحلال أساقفة آريوسيين بدلاً من الأساقفة الشرعيين في أهم مراكز الشرق وبعض جهات الغرب.

وبعد وفاة قسطنديوس أنهار فجأة بناء الآريوسيين الشامخ. لأن يوليانوس الذي كان يدين بالعقيدة الوثنية عامل جميع المذاهب المسيحية معاملة متساوية. وعندئذ عاد المنفيون إلى أماكنهم. وبدأت الأرثوذكسية في أعادة تنظيم شملها. مما جعلها تسود وتنتصر. وقد وصلت إلى أكبر درجة من السيادة أثناء حكم الإمبراطور الأرثوذكسي يوفيانوس…

 

الفرق الاريوسية :

كان البناء الآريوسى فى عهد قسطنديوس على الأقل، يبدو عظيمًا في الظاهر.. إلا أنه كان من البدء عملاً مزعزعًا. وذلك ليس فقط لأنه حصل على قوته من عناصر كنسية منشقة، ولكن أيضًا لأن إتجاهه اللاهوتي لم يكن متحدًا.. فإن جميع الآريوسيين رفضوا اصطلاحات مجمع نيقية.. ولكن ليس لأجل الأسباب دائمًا.. لذا فإن الخلافات فيما بينهم انكشفت وتحددت عند كثيرين منهم عن طريق موقفهم من اصطلاحات هذا المجمع.

ولقد استخدم أباء مجمع نيقية في قانون الإيمان إصطلاح؟ هومو أوسيوس” أى “الواحد في الجوهر مع .. أو المساوي في الجوهر ل..”. وأرادوا أن يثبتوا بهذا الاصطلاح أن الابن مع الآب هما واحد. وأن هذا الجوهر هو كيان أساسي واحد..

وأضاف نفس الآباء بعد قانون الإيمان بسبب المحرومين نصًا قالوا فيه بأن الابن “ليس من هيبوستاسيس آخر” أى ” ليس من جوهر أخر”.. وهكذا فقد أغضب الاصطلاح الأول الآريوسيين المتشددين، أما الإصطلاح الثاني فقد أغضب الآريوسيين المعتدلين.. (أو أنصاف الآريوسيين Semi – arians) ويبدو أن القانون دبجه لاهوتي غربي من المحتمل أن يكون “هوسيوس” أسقف قرطبة.

وكلمة “Hypostasis” (20) “هيبوستاسيس” فيه هى ترجمة للكلمة اللاتينية” Substantia” إلا أنه في الغرب – نظرًا لعجز اللغة اللاتينية حيث كانت كلمة Substantia تعنى كلاً من “أوسيا” Oucia أى الجوهر أو الكيان. وكلمة “هيبوستاسيس” Hypostasis أى القوام أو الأقنوم. لذا أوضح أباء نيقية وحدة تشابه هذين الاصطلاحين لأنهم كانوا يخشون لو أنهم اعترفوا باثنين هيبوستاسيس (أى قوامين) أن يتهموا بأنهم يقبلون الاعتراف بجوهرين أى يكونوا مثل الآريوسيين.

 

1 الآريوسيون المعتدلون:

كان الآريوسيون المعتدلون (Semi – Arians) أوريجانيين قدامى وكان يتزعمهم أسقف قيصرية أوسابيوس، وهم الذين قبلوا بتعاطف عن رضى تعليمًا واحدًا يرتكز على النظرية الأوريجانية الخاصة بخضوع الابن، هؤلاء أصروا على التمييز المشدد بين الآب والابن.. ورفضوا أيضًا اصطلاحي مجمع نيقيا واعتبروهما سابيليان. ولأنهما لم يردا بين نصوص الإنجيل.. إلا أنهم كانوا على استعداد لقبول معنى “التساوى في الجوهر Omooucios” لكن بتعبير مخالف.. لهذا تمسكوا بالتعبير “مماثل للآب فى كل شئ” (21).

وبعد موت أوسابيوس قام باسيليوس أسقف أنقيرا وجورجيوس اللاوديكى بتنظيمهم. وتميزوا بوضوح أكثر من الآريوسيين الآخرين. وذلك في مجمع ميديولانوس عام 355م. حيث أنهم قبلوا “تماثل الجوهر” أو التشابه في الجوهر “هوميوأوسيوس” الأمر الذي من أجله أطلق عليهم اسم “هوميوأوسيين” وكانوا يختلفون عن القائلين “بالتساوى في الجوهر” أى “الهوموأوسيين” قليلاً، ولذلك أطلق على النزاع بينهم أنه نزاع على لا شئ.

 

2 الآريوسيون المتشددون:

هؤلاء كانوا على عكس المعتدلين. وهؤلاء المتشددون كانوا قد نشأوا عن اللوكيانيين الذين قبلوا تعليم “بدعة التبني”.. وكان يرأسهم في البدء أوسابيوس النيقوميدى. وفيما بعد أوسابيوس القسطنطينى. وهذا الفريق تشدد في الفصل بين الآب والابن بدرجة أكبر.. وان كانوا أحيانًا يخفون آراءهم لأسباب تنظيمية. إلا أنهم كانوا متشددين.. وبعد موت أوسابيوس هذا فى عام 341. برز بين صفوفهم “ايتيوس” الأنطاكى الذي اندفع إلى تعليم أريوس الأشد تطرفًا من أجل تكوين فريق أريوسى جديد.

وهذا الفريق الجديد تشكل بطريقة أكثر تنسيقًا على يد تلميذه “يونوميوس”. أن المنتمين إلى هذا الفريق وضعوا مناهج وأساليب متكاملة.. وتدخلوا بفكرهم ليفحصوا جوهر كل الكائنات. بما فيها الله أيضًا.. وزعموا أن جوهر الله هو فى عدم الولادة. أما جوهر الابن فهو فى كونه مولود.. ومن ثم فإن جوهرى الآب والابن ليسا فقط لم يكونا شبيهين بل نقيضين تمامًا.. ولكى يؤكدوا تمييزهم لله الآب بفرادة خاصة وحده. اعتادوا أن يمارسوا المعمودية بغطسة واحدة فقط بدلاً من ثلاثة غطسات.

1 بسبب التباين بينهم، تشكل فريق ثالث بإيحاء من الإمبراطور قسطنديوس. هو فريق “الاوميويين” أى (الشبيهيين) وهؤلاء استخدموا الإصطلاح “أوميوس OMIOS” (أى شبيه أو مثيل)، ألا أنهم لم يكن لاهوتهم الخاص.. بل بحسب الظروف كانوا ينحازون لفريق أو لأخر.

وقد أدى ذلك إلى إضفاء تفسيرين على كلمة “أوميوس OMIOS” فصار من الممكن أن تعنى أما “تشابه الجوهر” أو تشابه المشيئة.. وأتخذ مشايعو هذا الفريق لزعامتهم أساقفة الحدود الشمالية أمثال أورساكيوس السنجدونى، وأولتتاس المورصى… وكذلك أكاكيوس القيصرى، وهؤلاء فرضوا وجهات نظرهم في المجمع الذي أنعقد فى سرميوس عام 359م.

 

مواجهة الاريوسية :

هز الآريوسيون أرجاء الكنيسة بسبب الطريقة التي ظهروا بها، حيث إنهم على وجه الخصوص نشروا وفرضوا أفكارهم بكل ضرب من ضروب البدع الغريبة على ذلك العصر. فهم لم يستعينوا فقط بالأحاديث الدينية، وتحرير الرسائل اللاهوتية ونشر عقائدهم على هيئة أفكار منتظمة قانونية، كما تأمر بذلك “أحكام الرسل” بل كما سبق أن قيل أيضًا، فإنهم استخدموا كذلك اشعارهم الغنائية التي كانوا يتغنون بها في كل مناسبة.

أما سلاحهم الأكثر مضاء وصلابة، فكان استغلالهم للقوى السياسية التي أقحموها للتدخل – لأول مرة في شئون الكنيسة الداخلية, وهكذا أبعدوا خصومهم بوسائل عنيفة.. وأرغموا أثناسيوس على أن يبارح كرسيه خمس مرات.. وفى مرتين منها أقاموا أساقفتهم على هذا الكرسى.. وكان تفوقهم الساحق أكثر ثباتًا واستقروا فى أنطاكيا، بعد عزل الأسقف أوستاتيوس عام 330م.. وفى عام 360 أقاموا هناك صديقهم ميليتيوس الذي ما لبث أن أعرب في الحال عن اتجاهه إلى قانون إيمان نيقيا..

أما في أسيا فكان نفوذهم أقل، ولو أن موقفهم هناك كان أكثر هدوءا، الأمر الذي لأجله كان موقف الأرثوذكسيين مرنًا..

وفى القسطنطينية على مدى أربعين سنة خلف أربعة أساقفة آريوسيين الواحد الآخر.. وهكذا عندما صار غريغوريوس الثيئولوغوس أسقفًا للقسطنطينية أستقر في بيت صغير للصلاة (Chapel) ، لأن الأريوسيين كانوا قد أستولوا على جميع الكنائس، ولكن غريغوريوس خلص القسطنطينية منهم.. وفى الغرب حصلوا على نجاح محدود حيث استولوا فقط على بعض مراكز هامة قليلة مثل المديولانيين وذلك لعدة سنوات قليلة فقط.. إلا أنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى كرسي أسقفية روما.

وكانت حالة المسيحية في ذلك العصر تثير الحزن والأسى. فبينما أعطيت لها الفرصة لأول مرة لكي تمد كرازتها في كل مكان، اضطر قادتها أن يهملوا ذلك قهرا. واضطروا للإنشغال بأمور عقائدية دقيقة.

كانت شوارع الأسكندرية تعج باستمرار للاشتراك بالأساقفة الذين، أما كانوا يفدون نحو منفاهم وأما كانوا يتوجهون للاشتراك في المجامع غير المكتملة. وفى وسط هذه المحازفات والمخاطر أظهرت قيادة الأرثوذكسية شجاعة مقترنة بدبلوماسية تجاه مضطهديهم، كما أظهرت تمسكًا شديدًا بالتقليد والإيمان المسلم.. فكانوا إما ينادون بعقائدهم وينفون بسببها وإما كانوا يحافظون على هذه العقائد ويمكثون في أماكنهم كي يصونوا الإيمان الأرثوذكسي الذي لا يطفأ، ومن حول هؤلاء كانت خلايا المؤيدين المخلصين تصارع وتتصادم من أجل عقيدة مجمع نيقية.

إن مسئولية الدفاع عن هذه العقيدة كان لها أولاً: مجموعة القادة الأول: الكسندروس السكندرى. وأوستاتيوس الأنطاكى، وهوسيوس القرطبى.

ثم بعد ذلك بقليل وقع عبء الدفاع عن عقيدة نيقية على أكتاف القديس أثناسيوس الكبير الذي أدار النضال طيلة خمسين عامًا تقريبًا.. معضدًا أيضًا من الآباء الآخرين أمثال كيرلس الأورشليمى وسرابيون أسقف تيميس، وديديموس الضرير، وهيلاريوس البكتافى وأخيرًا الآباء الكبادوكيين العظام:

باسيليوس أسقف قيصرية وغريغوريوس الثيئولوغوس وغريغوريس النيصصى، أن هؤلاء اللاهوتيين – باستنادهم على حجج وبراهين من الكتاب المقدس والتقاليد الشرعية الصحيحة – قاموا بتجريد لاهوت اريوس من غطائه المتستر بالكتاب المقدس. وكشفوا أن الاريوسية إنما هى دراسة فلسفية جافة وعميقة تظهر الله بدون حياة أو حركة..

كشف أثناسيوس الكبير أن تعاليم اريوس أدت إلى أمرين غير لائقين:

أولهما: أنه أذاب التعليم بالثالوث القدوس ولاشاه، وفتح الطريق أمام الاعتقاد بتعدد الآلهة، إذ أنه سمح بعبادة المخلوق.

وثانيهما: أنه قلب “بناء الخلاص” كلية. فإن المخلص الذي أخذ على عاتقه خلاص البشرية يلزم أن يكون هو نفسه حاصلاً على ملء اللاهوت، ما دام قد أخذ على عاتقه أن يؤله الإنسان. فكيف يكون من الممكن أن الكلمة الذي يقوم بعمل التأليه لا يكون واحدًا في الجوهر مع الله؟

إن قمة براهين أثناسيوس هى أن المسيح لم يصر أبنًا لله كجزاء لكماله الأدبي بل على العكس فإنه هو الذي إلهنا (بتشديد اللام) (أى جعلنا إلها). فيقول أثناسيوس “لذلك إذن فالمسيح لم يكن انسانًا وفيما بعد صار إلهًا، بل أنه كان إلها ثم صار إنسانًا لكي يؤلهنا” (المقالة الأولى ضد الآريوسيين فقرة 39).

وعلى الرغم من صرامته وحزمه لم يكن أثناسيوس متصلبًا بل كان يعرف كيف يتدبر الأمر بتفهم وتسامح .. وعندما تخلص من الضغط السياسي الخطير عرض المشكلة بحذر ويقظة أكثر. ووضع موقف الأرثوذكسيين تحت الفحص. وعندئذ تحقق من قصور وعجز حججهم وسعى لكي يجد لها علاجًا.. فإن المطابقة المشار إليها سابقًا بين الاصطلاحين “اوسيا” (أى الجوهر).

و”هيبوستاسيس” (أى القوام) صارت مقبولة في الغرب بدون اعتراض. ولكن في الشرق رأى كثير من اللاهوتيين أن فيها خطر البدعة “السابيلية”. وأدرك أثناسيوس هذه الحيرة وقام بحركة توفيق فعالة أثناء مجمع الأسكندرية عام 362م حيث أقر بأن كل من لا يرغب في الإعتراف بصيغة “الاوموأوسيوس” (أى المساواة أو الوحدة فى الجوهر)، ولكنه يقبل في نفس الوقت بوحدة “الآب والابن فإنه يوجد على الطريق المستقيم.

وقام بخطوة عوطة التسليم بالمبدأ الشرقى للثالوث مع التفريق بين معنى الاصطلاحين “أوسيا”، و”هيبوستاسيس” مع إضافة معنى “طريقة الوجود الخاص بالكيان” إلى “الهيبوستاسيس”.. وهكذا فإن الله يكون من جوهر واحد ولكنه يوجد في ثلاث أقانيم (هيبوستاسيس) أو أشخاص (بروسوبا)، وهذه الصيغة توسع فيها أكثر الآباء الكبادوكيوسن بعد ذلك.. ومن ذلك الوقت فتح الباب أمام جماعة “الهوميواوسيين”.

وأن غالبية الذين رجعوا وانضموا إلى أتباع مجمع نيقيا الأرثوذكسيين، وصلوا أيضًا بعد ذلك إلى قبول مبدأ “الهوموأوسيوس” (التساوي أو الوحدة في الجوهر) ولكن البعض من هؤلاء لم يكونوا على استعداد لقبول الاعتقاد بمساواة الروح فى الجوهر أيضًا (أى مع الآب والابن) .

ولهذا السبب ضمن مجمع نيقيا ضمن قانون الإيمان. مجرد عبارة “وبالروح القدس” بدون أية خاصية أو صفة أخرى، وكان هؤلاء يعتقدون بثنائى فقط في الله بدلاً من الثالوث. ولهذا أطلق عليهم أسم “أعداء الروح” ولأنه كان يتزعمهم “مقدونيوس” . الذى جرده “الأوميوون” من رتبته. لهذا أطلق عليهم أيضًا أسم “المقدونيون”. وهؤلاء حكم عليهم بواسطة مجمع أنطاكية سنة 379م. والمجمع المسكونى الثاني بالقسطنطينية سنة 381م.

ولكى يتجنب الاباء أى مخاطرات جديدة أو أى إساءة فهم للأمور. فانهم لم يستخدموا فى هذا المجمع الأخير أى اصطلاحات مثيرة، مثل “الهومواوسيوس” بل استخدموا عبارات متباينة وهى عبارات توضح “المساواة في الكرامة”. وهم في هذا قد أتبعوا السياسة الحكيمة التي كان يسير عليها باسيليوس الكبير. ثم أصدر الامبراطور ثيئودوسيوس قرارًا بوضع حد لهذا الصراع داخل إمبراطوريته، فكانت النهاية الحاسمة، مما أدى إلى الاعتراف بشكل دينى واحد وهو المسيحية الأرثوذكسية التي أقرها “داماسوس” أسقف روما. “وبطرس” أسقف الأسكندرية.

وبالتالي أنضم غالبية الآريوسيين إلى الكنيسة، أما البقية الذين تخلفوا فقد انضموا على التوالي إلى بدع وهرطقات أخرى، وخاصة انضموا إلى النسطورية وهى البدعة التي حاولت أن تنقص من ألوهية المسيح بطريقة أخرى.

اريوس – من هو اريوس ؟ ما هي أفكار أريوس

 

(1) نسبة إلى سابيليوس صاحبة البدعة السابيلية المعروفة باسمه، والذى ظهر فى روما أوائل القرن الثالث. والسابيلية تعلم بأن الآب والابن والروح القدس هم شخص واحد وليس ثلاثة أقانيم. فنقول “أن الآب أعطى الناموس في العهد القديم، ثم ظهر هو نفسه باسم الابن فى التجسد، وبعد أن اختفى المسيح بالصعود ظهر هو نفسه باسم الروح القدس. أى أن الثالوث هو ثلاث ظهورات متوالية في التاريخ لشخص واحد، وليس ثلاثة أقانيم لهم جوهر واحد (المعرب).

(2) انظر “حياة قسطنطين لأوسابيوس المؤرخ” (61:2) والتاريخ الكنسى لسقراط (7:1).

(3) أوسابيوس فى حياة قسطنطين (64:2).

(4) التاريخ الكنسي لسقراط (9:1) بوفيريوس هو أحد فلاسفة “الأفلاطونية الجديدة” الوثنيين قرب نهاية القرن الثالث. هاجم المسيحية بعنف وخاصة هاجم ألوهية المسيح (المعرب).

(5) الرسالة الدورية إلى الأساقفة بقلم أناسيوس 5:18.

(6) باناريون معناها سلة الخير.

(7) التاريخ الكنسى لثيئودوريتس (4:1) انظر “باناريون” لإبيفانيوس (6:69).

(8) “أثناسيوس عن المجامع” 16.

(9) “باناريون” لإبيفانيوس (7:29).

(10) “ايلاريوس عن الثالوث” (12:4، 5:6ه).

(11) “التاريخ الكنيسى لسقراط” (26:1).

(12) التاريخ الكنسى لسوزومينوس” (27:2).

(13) أثناسيوس ضد الأريوسيين (5:1-6).

(14) أثناسيوس عن مجمع نيقية 16 – فيلوستورغيوس التاريخ الكنسى (2:2).

(15) اريوس فى رسالته إلى الكسندروس وجدت فى كتاب أثناسيوس عن المجامع 16.

(17) المرجع السابق.

(18) “ثاليا” كما جاء فى أثنايوس ضد الأريوسيين مقالة 5:1.

(19) هم معلمى الكنيسة الذين قاموا بالدفاع عن المسيحية والمسيحيين أمام الأباطرة الوثنيين. وأمام الفلسفات الوثنية المعاصرة وأحيانًا ضد الهجمات اليهودية. خلال القرنين الثاني والثالث، ومن أشهر المدافعين يوستيتوس. وتاتيان واتيناغوراس وأوريجانوس (المعرب).

(20) كلمة “هيبوستاسيس Hyposasis” اليونانية تعنى القوام، أو الأساس أو ما يقف عليه الشئ “الدعامة” أو طبيعة الشئ، أو الشخص، أو أقنوم (المعرب).

(21) أوسابيوس: رسالة إلى كنيسته في كتاب “التاريخ الكنسى لسقراط”.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

Exit mobile version