أسئلة يسألها المسلمون ج19 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج19 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج19 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج19 والرد المسيحي عليها

 

49 هل المسـيحية مقتبسـة من البوذيـة؟!

يلجأ بعض الكتاب من الأخوة المسلمين لما يكتبه بعض الملحدين، الذين لا يؤمنون بإله ولا بحياة أخرى بعد الموت أو بعالم الروح ولا بوحي أو كتب من السماء، في الغرب والذين يحاولون تصوير المسيحية، بل وكل دين يقول إنه دين سماوي بأنه مجرد أساطير وخرافات!! ومن هنا يعملون مقارنات غير حقيقة بل ووهمية، كما سنرى، بين ما جاء في الكتاب المقدس وما جاء في أساطير الديانات الوضعية كالبوذية والزردشتية والديانات اليونانية والمصرية… إلخ.

وقد قرأنا هذه المقارنات سواء مكتوبة أو بأسلوب مصور لإغواء وتضليل السذج والبسطاء من المؤمنين!! كما قرأنا ورجعنا لمصادر هذه الديانات الوضعية، فقد سبق أن درست مادة الدين المقارن، لمدة ثلاث سنوات، وكانت هذه الأديان هي الموضوع الرئيسي لهذه المادة، ولذا عندما أقرأ هذه المقارنات الكاذبة والمضللة أصاب بالدهشة والعجب لهذا الكذب والدجل والتضليل والتدليس الواضح بل والفاضح الذي يقوم به هؤلاء الملحدين لخداع البسطاء والسذج من المؤمنين وغير المؤمنين!!

وللأسف نجد بعض الكتاب من الأخوة المسلمين يلجؤون لهذا الكتب الإلحادية المضللة والكاذبة وكأنها أتت بالحق اليقين متجاهلين ما كتبه هؤلاء الكتاب أنفسهم عن الإسلام نفسه!! فكيف يكيل هؤلاء الكتاب بمكيالين؟! يعتبرون هؤلاء الملحدين علماء فيما يختص بالمسيحية ويتجاهلون ما يكتبونه عن الإسلام؟؟!!

ونظراً لانتشار هذه الخرافات والخزعبلات في الكثير من الكتب المنشورة ومواقع النت واستخدام البعض لها لتضليل بسطاء المؤمنين لذا رأينا أن نشرح محتوى هذه الديانات الوضعية كما جاءت في كتبها وما كتبه عنها العلماء الجادين المحايدين وما جاء في مواقعها على النت وتفنيد هذه الأكاذيب والمزاعم والتي ألفها ولفقها هؤلاء الكتاب الملحدين ومن اعتمدوا على كتبهم والرد عليها رداً علمياً ليستد كل فم ويخرس كل لسان كما يقول الكتاب المقدس لكنيسته: “كل آلة صورت ضدك لا تنجح، ولك لسان يقوم عليك في القضاء تحكمين عليه” (أش 54: 17). وسنبدأ أولاً بما أدعوه من تماثل بين المسيحية والبوذية.

هل هناك تماثل أو تشابه بين المسيحية والبوذية؟؟

وقبل أن نبدأ الحديث عن البوذية نقدم ما جاء عنها في الموسوعة الماركسية، حيث تقول: “ديانة عالمية تبشر بالخلاص من الألم عن طريق ترك الرغبة وتحقيق التنوير الأعلى الذي يعرف باسم النيرفانا. وقد نشأت البوذية في الهند في القرن السادس قبل الميلاد. وهي واسعة الانتشار في الأزمنة الحديثة في اليابان والصين ونيبال وبورما وغيرها من البلاد، حيث يوجد لها نحو 500 مليون معتنق.

ففي الفترة التي كان فيها النظام المشاعي البدائي ينهار وتظهر الدول الطبقية، عبر سيدهارتا مؤسس البوذية، الذي يطلق عليه اسم بوذا (أي الرجل المستنير) عن احتجاج عامة الشعب على الديانة البراهمانية بسبب فوارقها القبلية المقدسة وطقوسها المعقدة في عبادة الآلهة والتضحية لها. وسعى إلى التحرر من الألم، لا عن طريق التغيير الاجتماعي، ولا عن طريق مقاتلة قوى الطبيعة، وإنما عن طريق الكمال الأخلاقي الذي يكون بلوغه بالانسحاب من الحياة (الانعتاق الجميل) وانغماس المرء في النيرفانا.

وقد أنكر بوذا وجود الله الخالق، وأنكر أيضاً ديانة الفيدا ولكنه قبل تعاليمها عن دورة الميلاد والممات (السانسارا) وعن الجزء (الكارما) التي تشير فقط إلى أن تناسخ الأرواح لا يتوقف على القبيلة التي ينتمي إليها إنسان ما، ولا على التضحيات التي قدمها، وإنما يتوقف على حسناته وسيئاته. وكانت فكرة بوذا عن الخلاص في البداية (من القرن الثالث إلى القرن الأول ق.م) تقوم على المذهب الفلسفي القائل بأن العالم والشخصية الإنسانية شكلا تياراً من عناصر المادة والوعي – يسمى الدهارما – يحل الواحد منها محل الآخر باستمرار. ويكمن الطريق إلى الخلاص وفقاً لهذا المذهب في قمع أي “إثارة” للدهارما.

وفي القرون الأولى من الميلاد اتخذت الديانة البوذية طابعاً مختلفاً تماماً. فاستبدل التبجيل البسيط لذكرى المعلم بتأليه بوذا، وصار خلاص الإنسان يتوقف على فضل الآلهة الذي يمكن السعي إليه عن طريق ترديد السوترا أو الأسفار المقدسة. وأصبحت هذه الديانة الجديدة تعرف باسم الماهايانا، تمييزاً لها عن الاتجاه التقليدي، اتجاه الهنيايانا الذي نبع من بوذا نفسه. كذلك فقد تغيرت فلسفة بوذا.

فعلى غير ما كان يراه فلاسفة الهنيايانا من أن الدهارما المادية والنفسية حقيقة، فإن فلاسفة الماهايانا أفتوا بأن الدهارما غير حقيقية وأن العالم كله غير حقيقي. وقد وضح ناجاريونا (القرن الثاني بعد الميلاد) الأساس المنطقي لمذهب لا واقعية الدهارما، أو السنوياتا (الخواء) وتميز وسائل ناجاريونا بين كل الماهايانا سوترا، بمنطقها وتماسكها. وقد أصبح مذهبه الفعلي نقطة انطلاق للمنطق البوذي الذي عرضه ويحتاجا وهارما كيرتي (500-700 بعد الميلاد).

وأصبحت تعاليم ناجاريونا عن لا واقعية الفكر التصوري، وعن المعرفة الحدسية المطلقة، أساساً للمدارس المثالية اللاحقة (المادهياماكا والفيجانافادا) في المذهب البوذي التنتري (التنترا هي كل واحد من الأعمال الدينية السنسكريتية التي تتعلق أساساً بالسحر) وفي المذهب البوذي الاسبطاني (يمكن تسميته بالمذهب البوذي الاستبطاني لأنه الاتجاه من البوذية الذي ينبذ الكتب المقدسة للديانة البوذية، ويقول بالاستبطان الذاتي وسيلة مثلى لبلوغ المعرفة).

ويؤكد المنادون الآن بالبوذية طابعها “العقلي” و”الإلحادي” وهذه النعوت الجديدة جزء من محاولة نشر شكل متطور على نحو حديث من الديانة البوذية. وينادي البوذيون تحت زعامة منظمة “الزمالة البوذية العالمية”، بنزع السلاح والتعايش السلمي”.

والخلاصة هنا أن الديانة البوذية ديانة متطورة في فكرها وعقائدها ولم يؤله بوذا في اساطيرهم إلا ابتداء من القرن الأول الميلادي، أما قبل ذلك فلم يكن ينظر إليه إلا كمجرد حكيم كان يبحث عن النيرفانا أي سلامه النفسي.

كما أحب أن أؤكد على حقيقة علمية هامة وهي أن التعاليم البوذية كتبت ابتداء من القرن الأول الميلادي، أما الأساطير البوذية ومنها الخاص ببوذا نفسه فقد كتبت فيما بين القرن الثاني والقرن الخامس بعد الميلاد!! أي أن أول أسطورة بوذية كتبت في القرن الثاني الميلادي وليس قبل ذلك.

وتتكلم عنه كمجرد بشر عادي لا مميزات له إلا في كونه مجرد مصلح ديني للديانات الهندوسية وليس إله ولا ابن إله ولا شبه ذلك!! فقد أنكر هو نفسه وجود إله للكون!! وقد كتبت بقية الأساطير والتي بالغت في شخصه بصورة أسطورية مبالغ فيها بعد ذلك بكثير وعلى سبعة مراحل!! ولو افترضنا، جدلاً، وجود أي تشابه بين البوذية والمسيحية فهذا لا يعني أن البوذية أثرت على المسيحية بل العكس لأن الكتابة المسيحية هي الأقدم.

كما كانت البوذية قاصرة على بلاد شرق آسيا، في حين أن المسيحية انتشرت في كل بلاد ودول حوض البحر المتوسط وشبه الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين وسوريا وفارس وما جاورها من بلاد الهند، وقد كتبت جميع أسفار العهد الجديد القانونية في فلسطين وروما وبلاد اليونان وآسيا الصغرى (تركيا)، وكتب منها 22 سفراً قبل سنة 67م، وكتب كتابات القديس يوحنا فيما بين سنة 75، و95م، ولم يكن هناك أي صلة لتلاميذ المسيح بالمناطق التي وجدت فيها البوذية على الإطلاق وعندما ذهب القديس توما إلى الهند كان يحمل مع الإنجيل للقديس متى.

كما أن البوذية كما قلنا لم يبدأ الكتابة لتعاليمها وأساطيرها إلى فيما بعد، وعلى سبيل المثال، تقول داءة المعارف الويكيبيديا: “كانت التعاليم التي دونت أثناء المجامع البوذية الأولى يتم تناقلها بطريقة شفهية، حتى تقرر في القرن الأول قبل الميلاد تدوينها بطريقة نهائية. اختارت كل مدرسة لغة معينة لتدون بها هذه التعاليم، وكانت اللغة السنسكريتية (بلهجاتها العديدة) اللغة الطاغية. ولم يتبق اليوم إلى بعض القطع المتناثرة من المخطوطات الأولى”.

أما ما يختص بجوهر العقيدة البوذية فقد بدأت الكتابة فيما بين القرن الثاني والخامس للميلاد. “ويرجع إلى القرن الثاني للميلاد، وتمت صياغته في شكل أسئلة وأجوبتها، تتعلق بجوهر العقيدة البوذية. ثاني هذه الكتابات والمعروف باسم (Visuddhimagga)، قام بكتابته الراهب بوداغويا (Buddhaghosa) في القرن الخامس للميلاد، ولخص فيها الأفكار البوذية بالإضافة إلى شرحه إلى كيفية ممارسة التأمل”.

  1. هل هناك علاقة أو تشابه أو تماثل بين شخصية المسيح وبوذا؟!!

يزعم هؤلاء الكتاب ومن اتبع خطاهم على طريق التضليل والتدليس أن البوذيين يؤمنون أن بوذا هو ابن الله، وهو المخلص للبشرية من مآسيها وآلامها، وأنه يتحمل عنهم جميع خطاياهم!! والغريب أنهم يقولون هذا الكلام دون أن يستشهدوا بأية كتب أو مواقع بوذية على الاطلاق!! هكذا يقولون ما يصوره لهم خيالهم.

وعند الرجوع للمصادر البوذية من كتب ومواقع على النت لا نرى أي أثر لهذه الأكاذيب والافتراءات على الاطلاق بل نجد العكس تماماً!! فالبوذية لا تقول بأن بوذا إله أو ابن إله بل ولا تهتم من الأساس بموضوع الألوهية ولا تتكلم عنها، حيث تقول دائرة معارف ويكيبيديا تحت كلمة بوذا: “لم يدعي بوذا لنفسه أي حالة إلهية ولا ادعى أنه يوحى إليه من إله أو آلهة. فبوذا هو أحد الذي استيقظ كلية على الطبيعة الحقيقية للوجود فتحرر من دائرة الولادة والموت وإعادة الميلاد.
راح يستأصل كل الصفات السالبة وطور كل الصفات الموجبة التي يمكن أن تضم العلم الكلي (بوذا ليس كلي القدرة كإله المسيحية والإسلام واليهودية)”.

  1. هل كان بوذا مخلصاً للبشرية؟

زعم هؤلاء الكتاب الملحدين ومن سار ورائهم وعلى دربهم وأتبع أكاذيبهم أن بوذا والبوذية تقول ‘ن بوذا هو مخلص البشرية وحامل خطاياها!! وأنه تحمل عنهم جميع خطاياهم!! هكذا بدون برهان أو دليل!!

مجرد كلام في كلام، وكذب في كذب، وتضليل في تضليل!!

فالعقيدة البوذية كما تقول دائرة معارف ويكيبيديا، تقوم العقيدة الأصلية على مبدأين: يتنقل الأحياء أثناء دورة كينونتهم من حياة إلى أخرى، ومن هيئة إلى أخرى: إنسان، إله، حيوان، شخص منبوذ وغير ذلك. تتحدد طبيعة الحياة المقبلة تبعاً للأعمال التي أنجرها الكائن الحي في حياته السابقة. ينبعث الذين أدوا أعمال جليلة إلى حياة أفضل، فيما يعيش الذين أدوا أعمال خبيثة حياة بائسة وشاقة. عرف المبدأ الأول بين الهنود حتى قبل مقدم بوذا، فيما يرجح أن يكون هو من قام بوضع المبدأ الثاني”.

فلا بوذا ولا البوذية قالت بأنه إله أو ابن الله، بل وقد رفض بوذا من الأساس فكرة وجود إله بذلك على الإطلاق فالبوذية تنادي بفكرة النيرفانا والتي هي “الانطفاء أو الخمود وهي مصطلح تقني يطلق على حالة الفناء الصوفي والتي يصل إليها الإنسان بعد التحرر والاستنارة بعد الموت ويستخدم Janis هذه الكلمة للإشارة إلى المكان الذي تنجح فيه الأرواح المحررة في سماء الكون، ويؤمن البوذيون بأن هذه الكلمة تعني الفناء ولكن ليس بالمعنى الذي يتضمن تدمير الإنسان.

ما يتخلص منه هو الرغبة والتي من غيرها يعود الإنسان إلى الأرض ويقوم بدورته في الترحال عبر أرجائها. وتصف النصوص البوذية النيرفانا بالهدوء الذي في قمة الجبل أو قطعة الجواهر النفيسة”. (قاموس أديان ومعتقدات شــــعوب العالم ص 514 مكتبة دار الكلمة). وهي أيضاً: “نص عام للاستنارة، هـدف البوذية” (The International Dictionary of Religion p,132) أو كما تقول دائرة المعارف الويكيبيديا: “النيرفانا الهدف الأسمى حسب البوذية هو التحرر التام عبر كسر دورة الحياة والانبعاث، والتخلص من الآلام والمعاناة التي تحملها. وبما أن الكارما هي عواقب الأفعال التي يقوم الأشخاص، فلا خلاص للكائن ما دامت الكارما موجودة.

يستعمل لفظ “نيرفانا” لوصف حالة التيقظ التي تخمد معها نيران العوامل التي تسبب الآلام (الشهوة، الحقد والجهل). لا يحدث التبدد الكلي للكارما عند بلوغ النيرفانا، يمكن وصف هذه الحالة بأنها بداية النهاية في طريق الخلاص. النيرفانا حالة من الوعي والإدراك لا يمكن تعريفها ولا حتى فهمها، بعد أن يصلها الكائن الحي، ويصبح متيقظاً، يستمر في العيش ومع الوقت يقوم بتبديد كل الكارما الخاصة به، حتى يبلغ عند مماته “النيرفانا الكاملة” (parinirvana) – (التبدد الكلي للكارما). عندما يموت هؤلاء الأشخاص فإنهم لا يبعثون – فقد استنفذت الكارما – ولا يمكن لأي كان أن يستوعب حالة الطوبى الأزلية التي يبلغونها (حسب أقوال بوذا نفسه).

كما أن الكارما هي “الأفعال التي يقوم بها الكائن الحي، والعواقب الأخلاقية الناتجة عنها. إن أي عمل، خيراً كان أم شراً، وأي كان مصدره، فعل، قول، أو مجرد إعمال فكرة، لا بد أن تترتب عنه عواقب، ما دام قد نتج عن وعي وإدراك مسبوق، وتأخذ هذه العواقب شكل ثمار، تنموا وبمجرد أن تنضج تسقط على صاحبها، فيكون جزائه إما الثواب أو العقاب. فقد تطول أو تقصر المدة التي تتطلبها عملية نضوج الثمار (أو عواقب الأعمال)، غير أنها تتجاوز في الأغلب فترة حياة الإنسان، فيتحتم على صاحبها الانبعاث مرة أخرى لينال الذي يستحقه”.

وكان بوذا يعلم أتباعه أن يعتمدوا على أنفسهم للوصول على حالة النيرفانا للخلاص من الخطايا والشرور، ولم يقل أبداً ولم يؤمن مطلقاً بفكرة المخلص الذي يخلص آخرين من خطاياهم، وبالتالي فالبوذية ليس لديها أي فكرة عن الفداء والكفارة والخلاص الذين هم جوهر المسيحية، فقط على الإنسان أن يعتمد على نفسه وعلى أعماله. ويقول تاريخ بوذا أنه نادى بأن: “كل شيء خلق خاضع للفساد والموت، كل شيء زائل. حقق خلاصك بالاجتهاد بعد المرور من خلال حالات التوسط، يموت البوذي للوصول للبارانيرفانا (التوقف عن الإدراك والإحساس”.

أما المسيحية فتقوم على أساس أن الخطية والموت دخلا إلى العالم عن طريق سقوط الإنسان الأول آدم بغواية ابليس ولا بد للتبرير من الخطية والعودة إلى الحالة الأولى التي كان عليها الإنسان أن يقدم المسيح ذاته نيابة عن البشرية: “لأن المسيح إذ كنا ضعفاء مات في الوقت المعين لأجل الفجار. فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار. ربما لأجل الصالح يجسر أحد أيضاً أن يموت. ولكن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا. فبالأولى كثيراً ونحن متبررون الآن بدمه نخلص به من الغضب.

لأنه إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه فبالأولى كثيراً ونحن صالحون نخلص بحياته. وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضاً بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الآن المصالحة من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع” (رومية 5: 6-12). بالخلاص الأبدي بدم المسيح الذي سفكه على الصليب: “لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو 3: 16)، “لأن ابن الإنسان أيضاً لم يأت ليُخدم بل ليِخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين”. (مر 10: 45).

وهذا يعني أنه لا بوذا ولا البوذيين قالوا بهذا الكلام الذي يدعيه هؤلاء الملحدين ولا من سار على خطاهم. ولم يكن بوذا فادياً ولا مخلصاً بل كان مجرد مصلحاً دينياً للديانات الهندوسية كما يقول أحد الدارسين للبوذية (Wulf Metz): “جاء بوذا من العالم الديني للهندوسية …. كان بوذا مصلحاً للبوذية كما كان لوثر مصلحاً للكاثوليكية الرومانية. فقط مثل لوثر اجتهد في كيفية غفران الخطايا، جوتاما (بوذا) اجتهد في السؤال عن كيف تتحرر من بؤس إعادة الميلاد (التناسخ) المتكرر بلا نهاية”. (The wprlds Religions p226).

  1. هل تجسد بوذا بحلول الروح القدس على العذراء مايا؟!

يزعم هؤلاء الملحدين ومن سار على دربهم ومن اهتدى بهديهم، أن بوذا مثل المسيح ولد بحلول الروح القدس على العذراء مايا!! وهنا نجد قمة العجب والكذب والتضليل فلا يعرف البوذيين فلم تهتم البوذية لا بوجود إله أو خالق للكون من الأساس وإن كانت في أصلها الهندوسي الذي خرجت منه تؤمن بعشرات الآلهة وليس من ضمن عقائدها ما يسمى بالروح القدس ولا يؤمنون بما تؤمن به المسيحية أو الإسلام عن الروح القدس لا بمفهومه المسيحي ولا بمفهومه الإسلامي، ولا بأي مفهوم آخر وليس لديهم ما يسمى بالروح القدس على الإطلاق!! تقول دائرة المعارف الويكيبيديا: “كما جردت البوذية الموجودات من مفهوم الأنا فقد جرت الكون من مفهوم الخالق الأزلي – مصدر خلاص الجميع – لا تعارض في البوذية مع فكرة وجود آلهات عدة، إلا أنها رفضت أن تخصص لها مكانة في عقيدتها.

تعيش الآلهات حياة طويلة وسعيدة في الفردوس، ومع هذا فيه معرضة للمواقف صعبة، على غرار ما يحصل للكائنات الأخرى. يمكن لها أن تخوض تجربة الممات ثم الانبعاث من جديد في كينونة أقل شأناً. ليس للآلهة يد في خلق الكون، كما لا يمكنها التحكم في مصير الكائنات الحية”.

فمن أين أتى هؤلاء المدلسين بهذه الأكاذيب!! فبوذا بحسب ما جاء في الكتب البوذية ولد من أب وأم كسائر البشر، وكان أبيه ملكاً هندوسياً اسمه سودهودانا (Shuddhodana) وزوجته اسمها مايا، أي لم تكن عذراء بل زوجة للملك سودهودانا الذي كان ملكاً وزعيماً لإحدى القبائل المشهورة في نيبال، وعندما ولد بوذا أسموه سيدهارتا وقد لقب ببوذا والتي تعني في اللغة السنسكريتية “المستنير أو المتنور” (قاموس أديان ومعتقدات شعوب العالم ص 152 مكتبة دار الكلمة). وتقول أول أسطورة بوذية كتبت في القرن الأول، كما يقول أحد الذين تخصصوا في البوذية:

“تظهر أقدم روايات أسلاف بوذا ولا تقدم أي شيء غير عادي عن ميلاده، فهي تتكلم بصورة محضة عن ميلاده من نهاية أمه وجانب والده لسبعة أجيال للخلف. وبحسب آخر أسطورة فهو لم يلد مثل الكائنات الأخرى ولكن في نفس الوقت كان ملكاُ كونياً نزل من سماء توسيتا (Tusita) باختياره وبهذا فلا اعتبار لوالده ولكن هذا لا يعني ولادته من عذراء بل يمكن أن يسمى parthogenetic، أي أن سودهودانا ليس منجيه”.

(The Life of Buddha as Legend and History. Edward J. Thomas. Dover: 1949. P36)

ويجب أن نضع في الاعتبار هنا عقيدة تناسخ الأرواح (إعادة الميلاد) والتي تقول أنه عندما يموت الإنسان تنزل روحه في جسد آخر وتولد من جديد كإنسان آخر أو جسد حيوان …إلخ. ثم يموت ثانية ويعاد ميلاده هكذا إلى أن يصل إلى مرحلة التطهير والنيرفانا!! ومن هنا يقول Wulf Metz “إنه أثناء تجسده الأول والأخير نظر من سماء توشيتا (Tushita)، كرسي الآلهة المتنافسة، ليجد الوقت المناسب والمكان والوالدان الذين سيتناسخ منهما (أي يولد من جديد منهما) فاختار الفترة من التاريخ عندما يمكن أن تستمر حياة الإنسان لمئة سنة لا أطول بكثير ولا أقل بكثير لينشر تعليمه.

وكمكان اختار الهند الشمالية باعتبارها الأرض المركزية، واختار الفاضلة مايا لتكون أمه زوجة سودهودانا التي بينت طهارة وسمو أثناء حيواتها السابقة في 100,000 عمر العالم”!! أي أثناء ميلادها على الأرض وتناسخها آلاف المرات!!

وكانت أول وأفضل سيرة ذاتية عن بوذا هي التي كتبها Ashvaghosha في القرن الأول وتسمى Buddhacarita (أي أعمال بوذا) والتي تقدم صورة واضحة عن عدم ميلاده لا من عذراء بل من امرأة متزوجة، حيث تقول: “وكان له [ملك ساكياس (the Sadyas)] ملكة رائعة وجميلة ومخلصة وكانت تسمى مايا من تشابهها مع مايا الإلهة. وتذوق الاثنان بهجة الحب ويوم ما حبلت هي بثمرة بطنها ولكن دون دنس بنفس الطريقة التي ترتبط بها المعرفة بالنشوة فتحمل ثمرة”.

The Translation of the Meanings of Sahih Al-Bukhari: Arabic-English 9 Vol Set. Muhammed Mushsin Khan (trans). Darussalam: 1997.p36.

وهنا التأكيد على أنها زوجة لا عذراء ولكن الأسطورة تعطي للميلاد لمحة أسطورية وتؤكد أن له أباً. ويقول الموقت البوذي: “ولد سيدهرتا (بوذا) حوالي سنة 563 ق.م في مدينة كابيلافاستو (Kapliavastu) التي تقع الآن في نيبال، وكان والدا سيدهارتا هما الملك سودهودانا والملكة مايا الذين حكموا ساكياس (The Sakyas)”.

وتقول دائرة معارف ويكيبيديا: “تقول أسطورة أنه ولد حوالي القرن السادس قبل الميلاد ويقال أن مكان ميلاده لوميني (Lumbini) في ولاية ساكياس (The Sakyas). وكان أبيه ملك ساكياس وعاش سيدهارتا (بوذا) في رفاهية”.

أما الحبل بالرب يسوع المسيح فقد كان من الروح القدس ومن مريم العذراء “تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس”، يقول الكتاب: “وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف. واسم العذراء مريم. فدخل إليها الملاك وقال: سلام لك أيتها المنعم عليها. الرب معك مباركة أنت في النساء.

فلما رأته اضطربت من كلامه وفكرت ما عسى أن تكون هذه التحية. فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عن الله. وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيماً وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية. فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً. فأجاب الملاك وقال لها. الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك، فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله” (لو 1: 26-35).

والخلاصة أنه لم تقل أسطورة بوذية واحدة أنه ولد من عذراء ولا جاءت بسيرة للروح القدس التي لم يعرف عنها البوذيين أي شيء ولا يوجد أي تشابه بين الحبل به وميلاده، وبين الرب يسوع المسيح، وأن وجد شيء من التشابه في ناحية من النواحي فهذا يرجع إلى أن كل الأساطير هي التي أخذت عن المسيحية وليس العكس.

  1. هل دل نجم على ميلاده؟

يزعم هؤلاء الملحدين ومن سار على دربهم وأكاذيبهم وتدليسهم أنه عندما ولد بوذا ظهر نجم في السماء ليدل على مكان ميلاده يدعونه نجم بوذا!! وهذا غير صحيح على الإطلاق لأن البوذية لا تذكر شيء عن ذلك.

كما يقولون: “لما ولد بوذا فرحت جنود السماء ورتلت الملائكة أناشيد المحبة للمولوج المبارك”!! وهنا نقول لهم أن الأساطير التي كتبت بعد ميلاد المسيح بمئات السنين قد تأثرت بما جاء في المسيحية عن المسيح وخاصة الكتب الأبوكريفية التي كتبت بعد القرن الثاني والتي تحكي أساطير عن ميلاد المسيح وطفولته!! ولذا تقول هذه الأساطير المتأخرة حسب ما جاس في كتاب قصة الديانات لسليمان مظهر أن الملكة حلمت حلماً قصته على زوجها رأت فيه:

“فيل أبيض يهبط من فوق جبل ذهبي ويتقدم منها، وفي خرطومه غصن نبات البشنين، ويدور حلو الفراش دورات ثلاث… ثم يمس جانب الملكة الأيمن ويدخل رحمها… واضطرب الملك وهو ينصت إلى زوجته… وكان هناك شيء عجيب فقد كان الجنين يبدو واضحاً وهو يجلس القرفصاء في رحم امه، وظل على هذه الصورة حتى اقترب موضع الوضع، وفي ذلك اليوم طلبت الملكة مايا من الملك أن تسافر إلى أهلها لتضع مولوها هناك، وإذ هي في الطريق فوجئت بالمخاض وهي تحت شجرة سال في بستان يسمى “لومبيني”.

وتحت الشجرة الوارفة الظلال جلست الملكة القرفصاء، بعد أن حجبها الخدم بستار خاص، ولما أرادت النهوض مدت يدها إلى غصن الشجرة فانتحت من تلقاء نفسها حتى قاربت كفها، ولم تكد تنهض حتى كان تحتها طفلاً تلقفته أيدي أربعة من البراهما في شبكة نسجت خيوطها من أسلاك الذهب.

ووقف المولود فجأة، وتقدم إلى الأمام سبع خطوات ثم صاح في صوت عذب: أنا سيد هذا العالم، وهذه الحياة هي آخر حياة لي، وفي نفس اللحظة ظهرت اثنتان وثلاثون علامة في السماء وعلى الأرض، فحدث زلزال شديد، وانتشر النور في كل مكان، وسقط مطر خفيف غير معتاد، وتفتحت برعم الزهور وأكمام الثمار، وانتشرت ريح زكية طيبة عمت كل الأرجاء واستعاد الأعمى البصر واسترد الأصم السمع، وعاد الأبكم ينطق ويغني، وانطلقت أنباء مولد الأمير لتعم كل مملكة “السكيا”، ومن كل مكان جاءت الأفواج لتهنئة الملك، مشاة وعلى ظهور الخيل والفيلة، وإلى القصر حاملين الهدايا”.

ثم يتكلم عن زاهد اسمه “أسيتا” ويحكي قصته بشكل أسطوري يقول إنه ذهب ليرى الطفل وعندما رآه قال لأبيه: “هذا الطفل أيها الملك سيصل إلى درجة التنوير السامية، إنه سيدخل النيرفانا، ويهدي العالم على طريق الحق والصواب”. (قصة الديانات ص 88-90).

ونلاحظ هنا أن الكاتب، سليمان مظهر يكتب بأسلوب أدبي راقي أقرب منه إلى الشعر فزاد الأسطورة من عنده وحولها إلى اسطورة جديدة أكثر أسطورية من الأسطورة الأصلية!! وهذا عكس ما ينقله كتاب آخرين عن نفس الأسطورة مثل Wulf Metz الذي يقدم الأسطورة في شكل أقل أسطورية من سليمان مظهر (أنظر The Worlds Religions p.222-223).

وهنا لنا عدة ملاحظات هي:

  1. على الرغم من أن هذه الأساطير كتبت بعد الميلاد بكثير إلا أنها لا تتشابه أو تتماثل مع قصة ميلاد وطفولة المسيح كما جاءت في الأناجيل القانونية الموحى بها على الإطلاق، ولكن تتشابه في بعض أجزائها مع الكتب الأبوكريفية المسماة بأناجيل الميلاد الأسطوري والتي كتبت بعد الميلاد بأكثر من مائتي عام. في حين تقول قصة ميلاد المسيح كما جاءت في الإنجيل للقديس لوق: “فولدت (العذراء القديسة مريم) ابنها البكر وقمطته وأضعته في المذود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل وكان في تلك الكورة رعاة يحرسون حراسات الليل على رعيتهم. وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم فخافوا خوفاً عظيماً.

    فقال لهم الملاك: لا تخافوا، فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب، أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب. وهذه لكم العلامة، تجدون طفلاً مقمطاً مضجعاً في مذود. وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة. ولما مضت عنهم الملائكة إلى السماء قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض، لنذهب الآن إلى بيت لحم وننظر هذا الأمر الواقع الذي أعلمنا به الرب.

    فجاءوا مسرعين ووجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعاً في المذود. فلما رأوه أخبروا بالكلام الذي قيل لهم عن هذا الصبي. وكل الذين سمعوا تعجبوا مما قيل لهم من الرعاة” (لوقا 2: 7-18).

وهنا نرى القصة في بساطتها كما حدثت بعيداً عن الخيال والأسطورة.

  1. إن هذه الروايات تتشابه مع بعض مما جاء في القرآن عن مولد العذراء للمسيح تحت نخلة وأكل العذراء من النخلة: “فجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتين مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً” (مريم 23)، “وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيا” (مريم 25). حيث تقول الأسطورة كما نقلها سليمان مظهر: “وإذ هي في الطريق فوجئت بالمخاض وهي تحت الشجرة”، “ولما أرادت النهوض مدت يدها إلى غصن الشجرة فانحنت من تلقاء نفسها حتى قارب كفها”، وكذلك حديث المولود لحظة ميلاده “فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا” (مريم 24)!! “ووقف المولود فجأة، وتقدم إلى الأمام سبع خطوات ثم صاح في صوت عذب: أنا سيد هذا العالم”!! فهل نقول لهم أن ما جاء في القرآن مأخوذ عن هذه الأساطير؟؟!!

  2. لم تقل الأساطير البوذية مطلقاً أن نجم دل على ميلاد بوذا، مع ملاحظة أن الوثنين كانوا يؤمنون أن لكل إنسان نجمه الخاص به الذي يولد بميلاده ويموت بموته بل ولا يزال البسطاء في الريف يؤمنون بذلك!! فعندما كنا أطفال صغار وكنا نرى شهباً يتساقط من السماء في هيئة نحم كان الكبار يقولن لنا أن إنسان مات وها نجمه قد سقط!! ونجد ما يقرب من ذلك في سيرة ابن هشام حديث عن “نجم أحمد الذي ظهر في السماء” حيث تقول في [رواية حسان بن ثابت عن مولد صلعم]، قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن يحيي بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري.

    قال حدثني من شئت من رجال قومي عن حسان بن ثابت، قال والله إن لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كل ما سمعت، إذا يهودياً يصرخ بأعلى صوته على أكمة بيثرب، يا معشر يهود، حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له ويلك ما لك؟ قال طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به. قال محمد بن إسحاق فسألت سعيد بن عبد الرحمن بن حسان ين ثابت فقلت: ابن كم كان حسان بن ثابت مقدم رسول الله صلعم المدينة؟ فقال ابن ستين (سنة)، وقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وخمسين سنة فسمع حسان ما سمع وهو اين سبع سنين”.

راجع: سيرة ابن هشام – الجزء الأول.

فهل يمكن لنا أن نسأل الأخوة المسلمين الذين يقولون بما قاله الملحدين عن المسيح وبوذا هذا السؤال؟

من أين اقتبس كاتب السيرة ورواة الحديث فكرة هذا النجم “نجم أحمد” من البوذي كما زعموا عن بوذا؟ أم من هذا الفكر الذي يتحدث عن أن لكل إنسان نجمه؟؟!!

(القمص عبد المسيح بسيط أو الخير)

أسئلة يسألها المسلمون ج19 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج15 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج15 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج15 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون والرد المسيحي عليها 15

45 ما هي المعمودية في الديانة المسيحية؟

المعمودية في الديانة المسيحية هي سر إلهي من أسرار الكنيسة ويتوجب على كل مسيحي أن يعتمد كختم لإيمانه. وتعتبر المعمودية أمراً هاماً لأنها تأتي ضمن المأمورية العظمى التي أعطاها المسيح لتلاميذه حين قال: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” (متى 28: 19-20).

* ما هو أساس المعمودية، وهل كانت معروفة قبل الديانة المسيحية؟

– إن كلمة “معمودية” بحد ذاتها تعني (اغتسالاً أو تطهيراً) يحمل طابعاً دينياً، وإن بعض أنواع الاغتسال بقصد التطهير كانت معروفة في العهد القديم وهي مذكورة في الكتاب المقدس فنقرأ عن قصة نعمان السرياني، رئيس جيش ملك آرام أنه كان مصاباً بالبرص وجاء إلى النبي أليشع ليشفيه من برصه، فأرسل إليه أليشع رسولاً يقول له، اذهب واغتسل سبع مرات في نهر الأردن (2ملوك 5). وقد ورد في المزمور 51 مثلاً قول داود النبي في تضرعه إلى الله (طهرني بالزوفا فأطهر، اغسلني فأبيض أكثر من الثلج).

* معمودية يوحنا المعمدان الذي كان يمهد الطريق أمام المسيح؟

– ادخل يوحنا، الذي أرسل من الله ليمهد الطريق أمام المسيح، طقس المعمودية، وكان يعمد الناس في نهر الأردن داعياً إياهم إلى التوبة والإيمان بالمسيح المنتظر وكان يقول “توبوا لأنه قد اقترب ملكوت الله” (مرقص 1: 4). لذلك فإن معمودية يوحنا هي (معمودية التوبة لمغفرة الخطايا والاستعداد لملكوت الله الآتي).

* ما علاقة معمودية يوحنا بالعهد الجديد من الكتاب المقدس؟

– معمودية يوحنا هي مقدمة فقط لعصر الخلاص الآتي في المسيح. فلما جاء المسيح أتم معمودية يوحنا. ويقول يوحنا المعمدان نفسه في إنجيل متى “أنا أعمدكم بماء للتوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني…. هو سيعمدكم بالروح القدس ونار” (متى 3: 11). ويصعب تحديد الوقت الذي فيه بدأت المعمودية المسيحية، وإنما بدأت زمن المسيح، بقول البشير يوحنا في إنجيله “وبعد هذا جاء يسوع وتلاميذه إلى أرض اليهودية ومكث معهم هناك وكان يعمد وكان يوحنا أيضاً يعمد في عين نون” (يوحنا 2: 22-23).

* هل أمر المعمودية ضروري بالنسبة للمسيحي؟

– نعم، ففي أمر المعمودية قال يسوع لتلاميذه “فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (متى 28: 19) والمعمودية ليست مجرد ماء فقط، بل هي الماء المضمون بوصية الله، والمرتبط بكلمته “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم…”. إن “المعمودية” هي طقس الغسل بالماء للتطهير الديني، وكانت معروفة عند اليهود كما نفهم من الكتاب المقدس (خروج 29: 4؛ 30: 20) إذ أنه جعل التعميد بالماء باسم الثالوث الأقدس علامة على التطهير من الخطية والنجاسة، وعلامة الانتساب رسمياً إلى كنيسة المسيح.

أي أن المعمودية في العهد الجديد حلت محل الختان في العهد القديم، وكلاهما علامة على العهد ويصرح الله للمعتمد بواسطة هذه العلامة بغفران الخطايا ومنح الخلاص. أما المعتمد فيتعهد، هو أو المسؤولون عنه، بالطاعة لكلمة الله والتكريس لخدمته (أعمال 2: 21؛ رومية 6: 3) أي أن المعمودية تختم وتشهد على اتحاد المؤمنين بالله والبنوة وغفران الخطايا بموت المسيح وقيامته. إلا أن المعمودية ليس في حد ذاتها سبباً للتجديد والولادة الثانية والخلاص.

فكرنيليوس مثلاً حل عليه الروح القدس وقبل الإيمان من قبل أن يعتمد (أعمال 10: 44-48)، وسيمون الساحر اعتمد ومع ذلك ظل إنساناً عتيقاً وأخطأ في عيني الرب (أعمال 8: 13، 21-23). وقد اختلفت وجهات نظر المسيحيين حول المعمودية، وكان الجدال حول قضيتين: نوع المعمودية، ومعمودية الأطفال أو الكبار.

فقد قال بعض المسيحيين أن المعمودية لا تصح إلا بتغطيس الإنسان كاملاً تحت الماء لأنها تشير إلى أن المعتمد دفن مع المسيح وقام معه بناء على الآية القائلة “أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته، فدفنا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة” (رومية 6: 3-4) أو بتغطيسه ثلاث مرات على اسم الثالوث الأقدس وليس مرة واحدة، كما قال البعض.

إلا أن أغلبية المسيحيين تكتفي برش الماء على الوجه، لأن المقصود من وضع الماء هو الإشارة إلى غسل الروح القدس. لذلك فإن كمية الماء غير مهمة في الموضوع. وقال بعض المسيحيين أنه لا لزوم لتعميد الأطفال، وأن الاعتماد للمؤمنين فقط، أي الذين تعدوا مرحلة الطفولة وبلغوا سن الرشد، بحيث يمكن لهم فهم الخلاص والاعتراف بالتوبة بناء على الآية التالية “من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن” (مرقص 16: 16) إلا أن أغلبية المسيحيين تعتبر معمودية الصغار واجبة ما داموا أطفالاً لمؤمنين.

وذلك علامة على الميثاق بين الله وبينهم. أما معمودية الروح القدس والنار فإنها رمز لانسكاب الروح القدس على الرسل في يوم الخمسين. كانت هذه بعض الأفكار العامة عن المعمودية قبل المسيحيين وبعدها.

* ماذا تعلم الكنيسة من الناحية الكتابية بخصوص المعمودية بشكل عام؟ طبيعتها، معناها، مغزاها، وبركتها؟

أولاً: طبيعة المعمودية

ما هي المعمودية؟ المعمودية ليس مجرد ماء، بل هي الماء المقصود بوصية الله والمرتبط بكلمته.

ما هي كلمة الله هذه؟ هي ما يقوله ربنا يسوع المسيح في الأصحاح الأخير من إنجيل متى: اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس.

* ما معنى كلمة “يعمد”؟

– كلمة “يعمد” تعني استعمال الماء بواسطة الاغتسال (أو الغسل) السكب، الرش، أو التغطيس. “قم واعتمد واغسل خطاياك داعياً باسم الرب” (أعمال الرسل 22: 16)، “هو سيعمدكم بالروح القدس ونار” (متى 3: 11).

* لماذا لا تعتبر المعمودية مجرد ماء فقط؟

– إن المعمودية ليست مجرد ماء فقط:

  1. لأنه في المعمودية يستعمل الماء حسب أمر الله الخاص.
  2. لأن الماء يستعمل باسم الآب والابن والروح القدس، لهذا فإنه يرتبط بكلمة الله.

* من رتب سر المعمودية المقدسة؟

– إن الله نفسه رتب سر المعمودية المقدسة، لأن المسيح وهو الله أمر كنيسته أن تعمد جميع الأمم.

قال يسوع “دفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” (متى 18: 18-20).

* بواسطة من تقوم الكنيسة بخدمة المعمودية؟

– تقوم الكنيسة بخدمة المعمودية بواسطة خدام المسيح المدعوين. ولكن في الحالات الطارئة، وفي غياب راعي الكنيسة، يحق لأي مسيحي أن يعمد. “هكذا فليحسبنا الإنسان كخدام المسيح ووكلاء سرائر الله” (1كورنثوس 4: 1).

* إلى ماذا تشير الكلمات “عمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس”

– تشير إلى أنني بواسطة المعمودية قبلت في شركة الثالوث الأقدس.

* من يجب أن يعتمد؟

– يجب أن يعتمد جميع الأمم، أي كل البشر، الصغار والكبار على السواء.

* ما هو التمييز الذي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار في المعمودية؟

– على البالغين الذين يتمكنون من الحصول على الإرشاد والتعلم أن يعتمدوا بعد دراستهم العقائد الأساسية للديانة المسيحية. “فقبلوا كلامه بفرح واعتمدوا” (أعمال الرسل 2: 41).

– يجب أن يعمد الأطفال عندما يقدمون لقبول سر المعمودية بواسطة أولياء أمورهم. “وأنتم أيها الآباء لا تغيظوا أولادكم بل ربوهم بتأديب الرب وإنذاره”. (أفسس 6: 4)

* كيف تبرهن بأنه يجب تعميد الأطفال أيضاً؟

– يجب تعميد الأطفال أيضاً:

  1. لأن كلمة جميع تشملهم. “فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (متى 28: 29)، “فقال لهم بطرس، توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس. لأن الموعد هو لكم ولأولادكم” (أعمال 2: 38، 39).

  2. لأن المعمودية هي عادة الوسيلة الوحيدة التي يمكن بواسطتها للأطفال الذين يجب أن يولدوا ثانية أيضاً، أن يحصلوا على التجديد ويؤتى بهم إلى الإيمان. “وقدموا إليه أولاداً لكي يلمسهم، وأما التلاميذ فانتهروا الذين قدموهم. فلما رأي يسوع ذلك اغتاظ وقال لهم: “دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله. الحق أقول لكم، من لا يقبل ملكوت الله مثل طفل فلن يدخله” (مرقص 10: 13-15).
  3. لأن الأطفال أيضاً يمكن أن يؤمنوا. “ومن أعثر أحد هؤلاء الصغار بي فخير له أن يعلق في عنقه حجر رحى يغرق في لجة البحر” (متى 18: 6).

ثانياً: بركات المعمودية

* ما هي فائدة المعمودية؟

إنها تعمل على غفران الخطايا، تنجي من الموت والشرير وتمنح الخلاص الأبدي لكل الذين يؤمنون بذلك، كما هو معلن في كلام الله ووعوده المشار إليها. يقول السيد المسيح في الأصحاح الأخير من إنجيل مرقص: “من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن.

* ما هي الفوائد العظيمة التي تمنحها المعمودية؟

  1. إنها تعمل على غفران الخطايا. “توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا” (أعمال 2: 38)، “لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح” (غلاطية 3: 26، 27).
  2. إنها تنجي من الموت والشرير. “أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته” (رومية 6: 3)
  3. إنها تمنح الخلاص الأبدي. “من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن” (مرقص 16: 16)، “الذي مثاله يخلصنا نحن الآن، أي المعمودية” (1بطرس 3: 21).

* ولكن ألم يحصل المسيح على هذه البركات لأجلنا؟

– بكل تأكيد إن المسيح بواسطة آلامه وموته حصل على كل هذه البركات لأجلنا ولكن المعمودية هي وسيلة تؤدي عن طريق عمل الروح القدس إلى جعل البركات ملكاً لنا “لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح” (غلاطية 3: 26، 27)، “لأنكم اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كورنثوس 6: 11).

* لمن تمنح المعمودية كل هذه البركات؟

– تمنح هذه البركات لكل من يؤمن، كما هو معلن في كلام الله ووعوده “كل من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن”

* هل يمكن أن يخلص أحد بدون المعمودية؟

– إن عدم الإيمان فقط يقود إلى الدينونة فمع أن الإيمان الذي يخلص لا يمكن أن يكون موجوداً في قلب شخص لم يتمكن من الحصول على المعمودية لسبب ما.

ثالثاً: قوة المعمودية

كيف يمكن للماء أن يقوم بأعمال عظيمة كهذه؟ بالحقيقة أن الماء لا يفعل ذلك، بل كلمة الله الحالة في الماء والفعالة فيه، والإيمان الذي يجعل المؤمن يثق بأن هذه الكلمة حالة في الماء. لأن الماء بدون كلمة الله هو مجرد ماء عادي وليس معمودية.
ولكن الماء بحلول كلمة الله فيه هو معمودية، أي ماء النعمة للحياة وغسل الميلاد الثاني بالروح القدس، حسب قول بولس الرسول إلى تيطس في الأصحاح الثالث: “بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس الذي سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلصنا، حتى إذا تبررنا بنعمته نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية، صادقة هي الكلمة”

* كيف يمكن الحصول على مغفرة الخطايا والنجاة من الموت والشرير وعلى الحياة الأبدية بواسطة المعمودية؟

– إن كلمة الله تضع هذه البركات العظيمة في المعمودية، وبواسطة الإيمان الواثق بكلمة الوعد هذه نقبل البركات التي تمنحها المعمودية: المغفرة، الحياة والخلاص، ونجعلها ملكاً لنا. “أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم نفسه من أجلها لكي يقدسها مطهراً إياها بغسل الماء بالكلمة” (أفسس 5: 25، 26).

* لماذا يدعو الكتاب المقدس المعمودية غسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس؟

– في المعمودية، يحرك الروح القدس الإيمان، وهكذا يخلق فينا حياة روحية جديدة

رابعاً: مغزى المعمودية بالماء

إلى ما تشير المعمودية بالماء؟ تشير إلى أن آدم العتيق فينا يجب أن يغرق ويموت مع جميع الخطايا والشهوات الشريرة، بالتوبة والندامة اليومية، وأن يولد فينا يومياً إنسان جديد يحيا أمام الله بالبر والطهارة إلى الأبد.

أين دون ذلك؟

يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية الأصحاح السادس: “فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة”.

* ما المقصود بآدم العتيق؟

– آدم العتيق هو الطبيعة الخاطئة التي ورثناها بسقوط آدم وتولد معنا. “أن تخلعوا من جهة التصرف السابق الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور” (أفسس 4: 22).

* كيف نغرق (نميت) آدم العتيق فينا؟

– نميت آدم العتيق فينا عن طريق الندامة اليومية (الندم على الخطية) والتوبة (الإيمان) وبواسطتهما نستطيع مقاومة الشهوات الشريرة والتغلب عليها.

* ما المقصود بالإنسان الجديد؟

– الإنسان الجديد هو الحياة الروحية الجديدة التي خلقت فينا بواسطة غسل الميلاد الثاني. “إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة” (2كورنثوس 5: 17).

* كيف يولد هذا الإنسان الجديد وينمو؟

-إن الإنسان الجديد يولد وينمو طالما نتغلب على الخطية يومياً ونحيا في القداسة الحقة. “وتلبس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق” (أفسس 4: 24).

* كيف تمثل المعمودية بالماء الموت اليومي للإنسان العتيق وولادة الإنسان الجديد؟

– بواسطة المعمودية نصبح شركاء في المسيح. ونحن الذين اعتمدنا، علينا أن نتوب يومياً عن جميع الخطايا، ونتجنب كل شر ونسير في جدة الحياة.

* من نرفض إذاً عند معموديتنا؟

– عند معموديتنا، نرفض الشيطان وكل أعماله وطرقه.

* ما هو الوعد أو العهد الذي نقطعه على أنفسنا عند المعمودية؟

– عند المعمودية نعد ونتعهد أن نخدم الثالوث الأقدس (الإله المثلث الأقانيم) وحده دون سواه.

* متى يجب أن نجدد عهدنا الذي نقطعه عند المعمودية؟

علينا أن نجدد هذا العهد يومياً.

أسئلة يسألها المسلمون ج15 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج14 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج14 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج14 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج14 والرد المسيحي عليها

44 هـل لله ابـــن؟

يؤمن المسيحيون أن الله موجود وهو الخالق العظيم خالق الكون وما فيه، الذي يملأ السماوات والأرض، الأزلي الذي لا بداءة له والذي لا نهاية له، غير المحدود في قدرته وسلطانه وفي علمه وحكمته. إن العقل السليم يستطيع أن يعرف وجود الله ولكنه يعجز عن معرفة ذاته وحقيقته، وكيانه وجوهره، لأن الله أعظم من أن يحيط به عقل الإنسان المخلوق المحدود. لذا لزم الإعلان الإلهي، لأنه لو لم يعلن الله عن ذاته لنا لما أمكننا أن نعرفه.

إن الله واحد، لا إله إلا هو. وإليك بعض الشواهد من الكتاب المقدس:

“فاعلم اليوم وردد في قلبك أن الرب هو الإله في السماء من فوق وعلى الأرض من أسفل ليس سواه” (تثنية 4: 39).

“أنا الرب صانع كل شيء ناشر السماوات وحدي باسط الأرض. من معي؟” (أشعيا 44: 24).

“أليس أب واحد لكلنا، أليس إله واحد خلقنا؟” (ملاخي 2: 10)

“فقال له الكاتب جيداً يا معلم، بالحق قلت لأن الله واحد وليس آخر سواه” (مرقص 12: 32).

“كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجداً بعضكم من بعض والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه” (يوحنا 5: 44).

“أنت تؤمن أن الله واحد، حسناً تفعل” (رسالة يعقوب 2: 19).

” لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد” (1تيموثاوس 2: 5).

ولكن وحدانية الله تختلف عن وحدانية الإنسان فوحدانية الإنسان تجعله محدوداً لا يمكنه أن يوجد في مكانين في نفس الوقت. ولكن الله غير محدود، ولذلك هو في كل مكان. وكذلك جسد الإنسان محدود وخاضع لقوانين الطبيعة التي حددها الله وجعل مخلوقاته خاضعة لها. ولكن الله الذي خلق كل شيء وحدد هذه القوانين لمخلوقاته، ليس هو خاضعاً لهذه القوانين. فإن أراد الله أن يكون في السماء، وفي نفس الوقت يأتي إلى هذه الأرض في جسد إنسان، هل هناك من يستطيع أن يمنعه؟

يحكي لنا التاريخ عن ملوك لبسوا ملابس الفقراء وذهبوا إلى بيوت الفقراء ليتكلموا معهم وليحسنوا إليهم دون أن يخيفوهم ونحن نعجب بمثل هؤلاء. فإن أراد الله أن يأتي كإنسان ليزور الإنسان، هل هناك من يستطيع أن يمنعه؟ كلا… وهذا هو ما حدث فعلاً. يقول الكتاب المقدس: “عظيم هو سر التقوى، الله ظهر في الجسد”. ويقول أيضاً: “الكلمة (لقب من ألقاب المسيح) صار جسداً وحل بيننا.

فالقول بأن المسيح ابن الله لا يعني أن الله اتخذ زوجة أو صاحبة، لأن الله ليس إنساناً مثلنا، وهو لا يلد. بل يقول الكتاب المقدس أن الله روح “فبنوة المسيح هي بنوة روحية”. هي علاقة تفوق إدراك العقل البشري. ولكنها حقيقة أكيدة. حين قال الملاك جبرائيل للعذراء مريم: “ها أنت ستحبلين وتلدين ابن وتسمينه يسوع، هذا يكون عظيماً، وابن العلي يدعى” (لوقا 1: 31، 32)، “قالت مريم للملاك: كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً؟ فأجابها الملاك وقال لها: الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك، فلذلك القدوس المولود منك يدعى ابن الله” (لوقا 1: 34-36).

وكذلك لما كان المسيح مع يوحنا المعمدان وهو المسمى أيضاً يحيى ابن زكريا انفتحت السماء وجاء عليه صوت من السماء قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت (متى 3: 17). وهذا ما حدث مرة أخرى حين كان المسيح على الجبل مع ثلاثة من تلاميذه (انظر متى 17: 5).

والكتاب المقدس يعلمنا في أماكن كثيرة أن المسيح جاء من السماء وصار إنساناً من أجلنا لكي يحتمل عقاب خطايانا. ومتى اعترفنا بخطايانا وآمنا به، وقبلناه في قلوبنا، ننال غفران الخطايا والحياة الأبدية. لذلك يقول الكتاب المقدس: “هكذا أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية”. وليس هناك مؤمن يقول إن الله اتخذ زوجة وولد ولداً، لأن مثل هذا الكلام هو نوع من الكفر والتجديف ضد الله. فالمسيح هو ابنه بنوة روحية، نؤمن بها، لأن الله أعلنها لنا، ولو أنها تفوق العقل البشري.

أسئلة يسألها المسلمون ج14 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج10 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج10 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج10 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج10 والرد المسيحي عليها

38 هل شك المعمدان؟ لما أرسل يوحنا اثنين من تلاميذه إلى الرب قائلاً “أنت هو الآتي أم ننتظر آخر” (لو 7: 19)؟

يجيب قداسة البابا شنودة الثالث على هذا السؤال قائلاً: محال أن يشك في المسيح، الملاك الذي جاء يمهد الطريق قدامه (مر 1: 2) “الذي جاء للشهادة ليشهد للنور، ليؤمن الكل بواسطته” (يو 1: 7).

لا يمكن أن يشهد له، إلا إذا كان يعرفه. وقد أدى يوحنا هذه الشهادة بكل قوة “يوحنا شهد له ونادى قائلاً هذا الذي قلت عنه إن الذي يأتي بعدي صار قدامي، لأنه كان قبلي” (يو 1: 15).

وظهرت معرفة يوحنا له وشهادته له واضحة في وقت العماد. فلما رأى الرب يسوع مقبلاً إليه قال “هذا هو حمل الله الذي يرفع خطية العالم. هذا هو الذي قلت عنه يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي” (يو 1: 29، 30).

لماذا إذن أرسل يوحنا تلميذين للمسيح يقولان له: أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟

يوحنا أرسل هذين التلميذين وهو في السجن (مت 11: 2)، لما سمع بأعمال المسيح المعجزية. وكان يعرف أن رسالته قد انتهت وموته قريب. فأراد قبل موته أن يسلم تلاميذه للمسيح. فأرسلهم بهذه الرسالة، ليسمعوا ويروا، وينضموا إلى الرب… وكان كذلك.

لهذا قال الرب للتلميذين: اذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران: العمي يبصرون، والعرج يمشون، والصم يسمعون، والموتى يقومون… وطوبى لمن لا يعثر فيّ (مت 11: 4-6). وكانت هذه الرسالة للتلميذين أكثر مما ليوحنا.

أما عن يوحنا، فقال الرب للناس في نفس المناسبة “ماذا خرجتم لتنظروا؟ أنبياً؟ نعم أقول لكم، وأفضل من نبي…. الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان” (مت 11: 9-11).

من غير المعقول أن يقول الرب هذه الشهادة على إنسان يشك فيه.

وهناك نقطة أخرى نقولها عن إيمان يوحنا بالمسيح وهي تعرف يوحنا بالمسيح وهو في بطن أمه. وفي ذلك يسجل الكتاب كيف أن القديسة اليصابات وهي حبلى بيوحنا قالت للقديسة مريم العذراء لما زارتها: “هو ذا حين صار صوت سلامك في أذني، ارتكض الجنين بابتهاج في بطني”.

ارتكض يوحنا الجنين الذي في بطن العذراء. وكيف أتيح له ذلك؟

يجيب ملاك الرب على هذا بقوله: “ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس” (يو 1: 15).

39 هل التجسد يعني التحيز؟ هل تجسد الرب يعني أن الرب صار يحده حيز معين! فيتحيز، بينما الله غير محدود؟

يقول قداسة البابا شنودة الثالث:

التجسد ليس معناه التحيز. فالله لا يحده حيز من المكان، وإنما عندما كان بالجسد في مكان، كان بلاهوته في كل مكان.

مثلما نقول إن الله كان يكلم موسى على الجبل، ومع ذلك لم يكن في حيز الجبل، إنما في نفس الوقت كان في كل مكان، يدير العالم في كل قاراته… وهكذا حينما كان الله يكلم إبراهيم، وحينما ظهر لغيره من الأنبياء. كان في نفس الوقت في كل مكان.

وأيضاً حينما يقال إن الله على عرضه، لا يعني أنه تحيز على هذا العرش. بل هو ممجد هنا، وموجود في كل مكان. عرشه السماء، وعرشه كل مكان يتمجد فيه. هو في السماء. والسماء لا تسعه.

هكذا كان السيد المسيح يكلم نيقوديموس في أورشليم. وقال له “ليس أحد صعد إلى السماء، إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء” (يو 3: 13). أي أنه كان في السماء، بينما كان يكلم نيقوديموس في أورشليم.

كان في الجسد في مكان، أي مرئياً بالجسد فيه. وفي نفس الوقت، غير مرئي في باقي الأمكنة، باللاهوت.

هو بلاهوته ف كل موضع. ولكن يراه الناس بالجسد في مكان معين. وهذا لا يمنع من وجود باللاهوت في كل الأرض والسماء، لأن اللاهوت غير محدود.

40 ما هو سفر ياشر؟ هل هو من أسفار الكتاب المقدس، أو من التوراة؟ وكيف أشير إليه في سفر يشوع، وفي سفر صموئيل الثاني ومع ذلك ليس هو في الكتاب؟

كلمة سفر معناها كتاب، ديني أو مدني…. وسفر ياشر، أو كتاب ياشر، هو كتاب مدني قديم، كان يضم الأغاني الشعبية المتداولة بين اليهود، حول الأحداث الهامة دينية ومدنية. وبعض هذه الأغاني، كانت تشمل أناشيد عسكرية للجنود…. ويرجع هذا الكتاب إلى ما بين سنة 1000، وسنة 800 قبل الميلاد، أي بعد موسى النبي بأكثر من خمسمائة سنة، إذ ورد فيه ما يخص داود النبي ومرثاته لشاول الملك. إذن ليس هو من توراة موسى، لأنه يشمل أخبار بعد موسى بعدة قرون.

إن بعض الأحداث التاريخية الهامة في العهد القديم، تغنى بها الناء، ونظموا حولها أناشيد وضعوها في هذا الكتاب، الذي كان ينمو بالزمن، ولا علاقة له بالوحي الإلهي. مثال ذلك: معركة جبعون أيام يشوع، ووقوف الشمس. ألف الناس عنها أناشيد، ضمت إلى كتاب ياشر. وأشار إليها يشوع بقوله “أليس هذا مكتوباً في سفر ياشر” (يش 10: 13). أي أليس هذا من الأحداث المشهورة المتداولة، التي بلغ من شهرتها تأليف أناشيد شعبية عنها، في كتب مدنية مثل سفر ياشر.

كذلك فإن النشيد الجميل المؤثر، الذي رثى به داود النبي شاول الملك وابنه يوناثان، أعجب به الناس وتغنوا به، وضموه إلى كتاب أناشيدهم الشعبية، إذ يختص بحادثة مقتل ملك من ملوكهم مع ولي عهده، بل هو أول ملوكهم. فلما ورد الخبر في سفر صموئيل الثاني، قيل فيه “هو ذا ذلك مكتوب في سفر ياشر” (2صم 1: 17). أي أن مرثاة داود، تحولت إلى أغنية شعبية، وضعها الناس في كتاب أناشيدهم المعروف باسم سفر ياشر. تماماً كما نقول عن حادث معين مشهور، إنه ورد في الكتاب المقدس، كما ورد أيضاً في كتاب من كتب التاريخ…. يبقى السؤال الأخير، وهو: هل حذفه اليهود من التوراة لسبب عقيدي؟ والإجابة واضحة وهي:

  1. إنه ليس من التوراة. لأن التوراة هي أسفار موسى الخمسة، وهي التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، التثنية.
  2. لو أراد اليهود إخفاءه لسبب عقيدي، ما كانوا يشيرون إليه في سفر يشوع، وفي سفر صموئيل النبي.
  3. أشهر وأقدم ترجمات العهد القديم، وهي الترجمة السبعينة التي وضعت في القرن الثالث قبل الميلاد، لا يوجد بها هذا الكتاب.

أسئلة يسألها المسلمون ج10 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج8 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج8 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج8 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج8 والرد المسيحي عليها

28 – كيف مع محبة المسيح للسلام، وكونه رئيس السلام، يقول “لا تظنوا أني جئت لألقى سلاماً على الأرض. ما جئت لألقى سلاماً، بل سيفاً… جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه….” (مت 10: 34، 35)؟

يقصد السيف الذي يقع على المؤمنين، بسبب إيمانهم. وفعلاً، ما أن قامت المسيحية، حتى قام ضدها السيف من الدولة الرومانية، ومن اليهود، ومن الفلاسفة الوثنين وتحقق قول الرب “تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله” (يو 16: 2). وعصر الاستشهاد الذي استمر إلى بداية حكم قسطنطين، دليل على ذلك. كذلك حدث انقسام – حتى في البيوت – بسبب إيمان بعض أعضاء الأسرة مع بقاء أعضاء الأسرة الآخرين غير مؤمنين.

فمثلاً يؤمن الابن بالمسيحية، فيقف ضده أبوه، أو تؤمن البنت بالمسيحية فتقف ضدها أمها، وهكذا يحدث انقسام داخل الأسرة بين من يقبل الإيمان المسيحي من أعضائها ومن يعارضها، حسبما قال “ينقسم الأب على الابن، والابن على الأب. والأم على البنت، والبنت على الأم. والحماة على كنتها، والكنة على حماتها” (لوقا 12: 53). وكثيراً ما كان المؤمن يجد محاربة شديدة من أهل بيته ليرتد عن إيمانه. ولذلك قال الرب متابعاً حديثه “وأعداء الإنسان أهل بيته. من أحب أباً أو أماً أكثر مني فلا يستحقني…” (مت 10: 36، 37). كان يتكلم عن السيف ضد الإيمان. وليس السيف في المعاملات العامة…

ولهذا فإن قوله “ما جئت لألقى سلاماً بل سيفاً” (مت 10: 34)، سبقه مباشرة بقوله “من ينكرني قدام الناس، أنكره أنا أيضاً قدام أبي الذي في السماوات” (متى 10: 33). وقد يدخل الأمر في تطبيق المبادئ الروحية المسيحية… فقد يحدث انقسام بين البنت المسيحية المتدينة وأمها في موضوع الحشمة في الملابس والزينة. وقد يحدث نفس الاصطدام بين الابن وأبيه في موضوع خدمة الكنيسة والتكريس، أو في موضوع الصحة والصوم، أو فيما لا يحصى من بنود السلوك المسيحي، ويكون “أعداء الإنسان أهل بيته”…

أما من جهة المعاملات العادية بين الناس، فيقول السيد في عظته على الجبل: “طوبى لصانعي السلام، فإنهم أبناء الله يدعون” (مت 5: 9). وقد دعي السيد المسيح “رئيس السلام” (أش 9: 6). ولما بشر الملائكة بميلاده قالوا “وعلى الأرض السلام” (لو 2: 14). وقد قال لتلاميذه “سلامي أترك لكم، سلامي أنا أعطيكم” (يو 14: 27). وقال الكتاب “ثمر البر يزرع في السلام، من الذين يصنعون السلام” (يع 3: 18). وقيل من ثمار الروح “محبة وفرح وسلام” (غل 5: 22).

29 – نرجو تفسير هذه الآية التي وردت في (غل 3: 13) “لأنه مكتوب: ملعون كل من علق على خشبة”. فهل هذه اللعنة أصابت المسيح؟

إن الآية بوضعها الكامل هي “المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا، لأنه مكتوب ملعون كل من علقة على خشبة” (غل 3: 13). في الواقع كانت هناك لعنات كثيرة لكل من يخالف الوصايا وقد وردت في سفر التثنية (تث 27: 15-26) (تث 28: 15-68) ففي الفداء، كان لا بد من إنسان بار ليس تحت اللعنة، لكي يحمل كل لعنات الآخرين، ليفديهم من لعنات الناموس، والوحيد الذي كانت تنطبق عليه هذه الصفة، ويقوم بهذا العمل الفدائي، هو السيد المسيح الذي قال عنه الكتاب “الكائن فوق الكل، إلهاً مباركاً إلى الأبد آمين” (رو 9: 5).

فهو بطبيعته مبارك، وبركة. ولكنه في موته عن العالم كله، حمل كل اللعنات التي تعرض لها العالم كله. هو بلا خطية، ولكنه حامل خطايا. وقد حمل خطايا العالم كله (يو 1: 29) (1يو 2: 2). وهو مبارك بلا لعنة، ولكنه حمل اللعنات التي يستحق العالم كله. هو في حب كامل مع الآب. ولكن حلم غضب الآب بسبب كل خطايا العالم. هذا هو الكأس الذي شربه المسيح عنا. “كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه. والرب وضع عليه إثم جميعنا” (أش 53: 6). ولو لم يحمل المسيح هذه اللعنة، لبقينا كلنا تحت اللعنة. مبارك هو في كل ما حمله عنا.

30 لماذا لا تتبع المسيحية شريعة العهد القديم، بينما هي لم تنقضها حسب قول السيد المسيح “لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء” فلماذا لا تسير المسيحية بمبدأ “عين بعين، وسن بسن” ولا داعي لعبارة “من لطمك على خدك حول له الآخر”، وما يشبهها. وإلا تكون قد نقضت الناموس؟

لاحظ أن السيد المسيح لم يقل فقط ما جئت لأنقض، وإنما أضاف بل لأكمل. وعبارة إنه جاء ليكمل لها معنيان: الأول: إنه جاء يكمل فهم اليهود للشريعة. فاليهود ما كانوا على فهم سليم للشريعة. حتى أن شريعة السبت مثلاً، كانوا يفهمونها بطريقة حرفية بحتة، فلا يعمل الإنسان أي عمل في السبت، حتى فعل الخير…

لدرجة أنه حينما قام السيد المسيح بمعجزة كبيرة، في يوم سبت، وهي منح البصر لشخص مولود أعمى، قابلوا هذا الإنسان بعد أن أبصر وقالوا له إن الذي شفاه إنسان خاطئ!! (يو 9: 24) لمجرد أنه صنع المعجزة في يوم السبت!! وهي منح البصر لشخص مولود أعمى قابلوا هذا الإنسان بعد أن أبصر وقالوا له إن الذي شفاه إنسان خاطئ!! (يو 9: 24) لمجرد أنه صنع المعجزة في يوم سبت!! وقد جادلوا المسيح في عناد عن “هل يحل الإبراء في السبوت؟ لكي يشتكوا عليه (مت 12: 10).

وما أكثر المجادلات التي دخلوا فيها لحل مشكلة “هل يحل في السبت فعل الخير؟!” (لو 6: 9) (مت 12: 12). فماذا كان تكميل فهمهم في وصية عين بعين وسن بسن؟ كانت للأحكام القضائية، وليست للمعاملات الشخصية. بدليل أن يوسف الصديق لم يعامل أخوته بوصية “عين بعين وسن بس” ولم ينتقم لنفسه من الشر الذي صنعوه به، وإنما أكرمهم في مصر، وأسكنهم في أرض جاسان، واعتنى بهم” (تك 50: 17-21). وداود النبي لم يكافئ شاول شراً بشر، بل احترمه في حياته.

وفي وفاته رثاه بعبارات مؤثرة (2صم 1: 17-25). وأحسن إلى كل أهل بيته… ثانياً: عبارة يكمل تعنى أيضاً يكمل لهم طريق السمو والقداسة. وبخاصة لأن العهد الجديد بدأت تزول فيه العبادة الوثنية التي كانت منتشرة طوال العهد القديم. وعمل الإيمان في قلوب الناس، إلى جوار عمل الروح القدس فيهم، ومؤازرة النعمة لهم. فكان يمكن لهم أن يتقدموا في حياة الروح ويسلكوا بسمو أعلى من ذي قبل. وتكملة الطريق الروحي، لم يكن فيها نقد للقديم.

فمثلاً قال لهم السيد المسيح “سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن، أما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها، فقد زنى بها في قلبه” (مت 5: 27، 28). هنا الوصية القديمة “لا تزن” لا تزال قائمة لم تنقض. لكن أضيف إليها معنى أعمق، هو عفة القلب والنظر، وليس مجرد عفة الجسد… مثال آخر: قال السيد “قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل، ومن قتل يكون مستوجب الحكم. أما أنا فأقول لكم كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم” (مت 5: 21، 22).

هنا الوصية القديم “لا تقتل”، لا تزال قائمة لم ينقضها، ولكن أضيف إليها منع الغضب الباطل، على اعتبار أن القتل خطوته الأولى هي الغضب، كما أن الزنى خطوته الأولى هي شهوة القلب… إذن السيد المسيح لم ينقض العهد القديم.

بل شرح روح الوصية، ومنع الخطوة الأولى إلى الخطية. ويعوزنا الوقت إن دخلنا في كل التفاصيل بالنسبة إلى كل الوصايا، فهذا يحتاج إلى كتاب كامل، وليس إلى مجرد مقال أو إجابة سؤال. كذلك ليس العهد القديم فيه الوصايا العشر فقط، إنما توجد فيه وصايا وتعاليم أدبية كثيرة فيها سمو كبير. وقد خفي ذلك على عديد من معلمي اليهود. لذلك قال لهم السيد المسيح في مناسبة أخرى: “تضلون إذ لا تعرفون الكتب” (مت 22: 29).

31 هل يعبـد المسـيحيون ثـلاثـة آلهـة؟

هذا زعم باطل تماماً وليس فيه شيء من الصحة، فنحن المسيحيون نعبد إلهاً واحداً وكتابنا المقدس في عهديه يؤكد هذا. أنتخب من الكتاب بعض الآيات التي تؤكد هذه الحقيقة.

ففي العهد القديم نقرأ “أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي”. وفي تثنية “اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد”. وفي سفر الملوك الأول “ليعلم كل شعوب الأرض أن الرب هو الله وليس آخر.” وفي سفر أشعياء “أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيري.” وأيضاً “أنا الرب وليس آخر. لا إله سواي. أنا الرب وليس آخر”. وفي أشعياء أيضاً “إني أنا هو. قبلي لم يصور إله وبعدي لا يكون. أنا أنا الرب وليس غيري مخلص”.

وفي العهد الجديد نقرا في إنجيل مرقص أنه حين سأل واحد من الكتبة الرب يسوع “آية وصية هي أول الكل” أن يسوع أجابه “إن أول الوصايا هي اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد”. “فقال له الكاتب جيداً يا معلم. بالحق قلت لأنه الله واحد وليس آخر سواء. فلما رآه يسوع أنه أجاب بعقل قال له لست بعيداً عن ملكوت الله”. وفي الرسالة الأولى إلى كورنثوس يقول “فمن جهة أكل ما ذبح للأوثان نعلم أن ليس وثن في العالم وأن ليس إله آخر إلا واحد”. وفي الرسالة إلى أفسس نقرأ القول “إله وأب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم”. ويعقوب يكتب في رسالته “أنت تؤمن أن الله واحد. حسناً تفعل”.

لكن هذه الوحدانية ليس وحدانية مجردة مطلقة، لكنها وحدانية جامعة، بمعنى أنه إله واحد، جوهر واحد، ذات واحدة، لاهوت واحد، لكنه أقانيم متحدون بغير امتزاج، ومتميزون بغير انفصال، وكلمة أقنوم هي كلمة سريانية تدل على التميز بغير انفصال.

والأدلة كثيرة على أن وحدانية الله جامعة وليست مطلقة، فأسماء الله قد وردت في العهد القديم بصيغة الجمع أكثر من ثلاثة آلاف مرة. أول آية في الكتاب المقدس في سفر التكوين تقول “في البدء خلق (بصيغة المفرد) الله (إلوهيم بصيغة الجمع) السماوات والأرض”. “نعمل (بصيغة الجمع) الإنسان على صورتنا كشبهنا (بصيغة الجمع)” “هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا” “هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم” وفي سفر أشعياء “ثم سمعت صوت السيد قائلاً من أرسل (بالمفرد) ومن يذهب من أجلنا (بالجمع)”.

ولا يمكن أن نقول إن هذه صيغة تعظيم، فصيغة التعظيم لا وجد لها في اللغة العبرانية لكنها مستحدثة في اللغة العربية، وحتى هذه الصيغة المستحدثة لا تنطبق على قوله “هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا” وهذا الوحدانية الجامعة غير المجردة لازمة وضرورية لتفسير طبيعة الله قبل خلق هذه الخليقة، فنحن نعرف أنه بعد خلق الله الخليقة قد أحبنا وصار يسمع صلواتنا ويتكلم إلينا في الأنبياء.

32 لمـاذا عنـدكـم أربـع أنـاجيـل؟

يجب أن نعرف أولاً أن كلمة إنجيل معناها الأخبار السارة – أي المفرحة. وفي الغالب تطلق كلمة (الإنجيل) على كتاب العهد الجديد كله (لأنه مليء بالأخبار السارة). إلا أن كلمة إنجيل عادة يقصد بها أحد الكتب الأربعة التي نقلت لنا بشارة المسيح والتي دونها أربعة من أتباع المسيح المعاصرين له بإيحاء من الروح القدس. فقد شاء الله أن يسجل سيرة المسيح في أربعة كتب، فحصلنا على بشارة الخلاص المفرحة: إنجيل واحد، تعليم واحد، وحقيقة واحدة، مسجلة في أربعة كتب بأربعة أساليب إنشائية وأدبية مختلفة.

إنجيل متى أي الأخبار السارة عن المسيح كما دونها البشير متى بوحي من الروح القدس. وهدفه الأساسي أن يثبت للناس عامة، ولليهود خاصة، أن يسوع هو المسيا أي المسيح الذي تنبأ عنه الأنبياء مئات المرات. ولذلك تتكرر فيه عبارة “لكي يتم ما هو مكتوب (أي في العهد القديم)”. وفيه يعطي سلسلة نسب المسيح إلى ابيهم إبراهيم، وإلى داود الملك. ولكن اليهود لم يؤمنوا به فرضوا ملكهم ومخلصهم.

إنجيل مرقص، كتبه مرقص بوحي من الروح القدس وفيه سرد للخدمات التي قام بها المسيح الذي قال عن نفسه أنه جاء “لا لُيخدم، بل ليخدم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين…”

إنجيل لوقا، كتبه البشير لوقا بوحي من الروح القدس ليثبت أن المسيح جاء أيضاً لكل العالم ولذلك فسلسلة نسبه تمتد إلى آدم، والذي هو أبو الجنس البشري كله. وأنه جاء “ليطلب ويخلص ما قد هلك”. ففيه تظهر نعمة الله التي ترحب بالخاطئ التائب. وفيه قال المسيح أنه “يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب”.

إنجيل يوحنا، كتبه الرسول يوحنا بوحي من الروح القدس، ليثبت أن المسيح جاء من السماء وصار إنساناً لأجلنا. وأن الله أحب العالم كله وبذل المسيح “كي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية”.

فالإنجيل الواحد، كما دونه أربعة بشيرون مختلفون، ليس من تأليف إنسان، بل هو من الله، وإذ ندرسه نحصل على فكرة أكمل وأشمل عن فادينا ومخلصنا يسوع المسيح.

وبخلاف ما يظن البعض لم يكن هناك إنجيل “أنزل على المسيح”، بل المسيح هو الذي أوحى لهؤلاء الأربعة، بروحه القدوس، أن يكتبوا هذه البشائر الأربعة.

33 هل الكتـاب المقـدس محـرف؟؟؟

القول بالتحريف عن الأخوة المسلمين معناه وأسبابه:

ما هو التحريف؟

التحريف كما اصطلح علماء المسلمين هو تحريف الكلام بمعنى تفسيره على غير معناه بدون دليل وإعطاؤه معنى يخالف معناه الحقيقي. ويعني أصل التحريف في اللغة تبديل المعنى. والتحريف اصطلاحاً له معان كثيرة منها: التحريف الترتيبي: أي نقل الآية من مكانها إلى مكان آخر. ومنها تحريف المعنى وتبديله إلى ما يخالف ظاهر لفظه، وهذا يشمل التفسير بالرأي، وكل من فسر الكلام بخلاف حقيقته وحمله على غير معناه فهو تحريف. ومنها تحريف اللغظ: وهو يشمل الزيادة أو النقص، والتغير والتبديل.

أولاً: التحريف بالزيادة: بمعنى أن بعض الكتاب ليس من كلام الكتاب الأصلي.

  1. الزيادة في الآية بحرف أو أكثر.
  2. الزيادة في الآية بكلمة أو أكثر.
  3. الزيادة في جزء من الكتاب.
  4. الزيادة في مجموع الكتاب.

ثانياً: التحريف بالنقص: بمعنى أن بعض الكتاب لا يشتمل على جميع ما كتبه الأنبياء بالروح، بأن يكون قد ضاع بعضه إما عمداً، أو نسياناً، وقد يكون قد ضاع إما عمداً، أو نسياناً، وقد يكون هذا البعض حرفاً أو كلمة أو آية أو جزءاً من الكتاب.

  1. النقص في الآية بحرف أو أكثر.
  2. النقص في الآية بكلمة أو أكثر.
  3. النقص في جزء واحد.
  4. النقص في مجموع الكتاب.

أي التحريف في تبديل كلمة بدل أخرى، التحريف في تبديل حرف بآخر، التحريف في تبديل حركة بأخرى.

هذا معنى التحريف وأقسامه كما عرفها وبينها علماء المسلمين.

السؤال هو: هل ينطبق معنى التحريف هذا على أسفار الكتاب المقدس؟ وإن كان البعض يتصور ويزعم حدوث ذلك فهل يستطيع الإجابة على الأسئلة التالية:

  1. متى حرف الكتاب المقدس؟ وفي أي عصر تم التحريف؟
  2. هل تم التحريف قبل القرن السادس الميلادي أم بعده؟
  3. من الذي حرف الكتاب المقدس؟
  4. أين حرف الكتاب المقدس؟ وفي أي بلد من بلاد العالم؟
  5. لماذا حرف الكتاب المقدس؟ وما هو الهدف من ذلك؟
  6. هل يستطيع أحد أن يقدم دليلاً تاريخياً على هذا الزعم؟
  7. أين نسخة الكتاب المقدس غير المحرفة؟ وما هي النصوص التي حرفت؟ وكيف تستطيع أن تميز بين ما حرف وما لم يحرف؟
  8. كيف تم التحريف؟ وهل كان في إمكان أحد أن يجمع جميع نسخ العهد القديم والتي كانت موجودة مع اليهود والمسيحيين، وجميع أسفار العهد الجديد التي كانت منتشرة في عشرات الدول ومئات المدن وألوف القرى، سواء التي كانت مع الأفراد أو التي كانت في الكنائس، ثم يقوم بتحريفها وإعادتها إلى من أخذت منهم؟

ولم يقل أحد قط من المسيحيين سواء من المستقيمين في العقيدة أو الهراطقة بتحريف الكتاب المقدس عبر تاريخ الكتاب المقدس والمسيحية. وبرغم ظهور الفرق المسيحية المختلفة، سواء في القرون الأولى أو في العصور الحديثة، وظهور البدع والهرطقات عبر تاريخ المسيحية، واختلافها وتباينها في الفكر والعقيدة حول شخص وطبيعة الرب يسوع المسيح، فلم تقل فرقة واحدة أو مجموعة من المجموعات بتحريف الكتاب المقدس.

وقد كان كل من رجال الكنيسة والهراطقة علماء في الكتاب المقدس، وقد درسوا كل كلمة فيه وحفظوها عن ظهر قلب وكان لدى كل منهم نسخته الخاصة من الكتاب المقدس. وقد عقدت المجامع المكانية والمسكونية ودارت فيها مناقشات حامية حول مفهوم كل منهم لآيات نفس الكتاب المقدس الواحد، فقد اختلفوا حول تفسير بعض آياته ومفهوم كل منهم لها، وجعل بعضهم آياته تخدم أفكاره الخاصة، ولكنهم جميعاً آمنوا بوحي واحد لكتاب مقدس واحد معصوم من الخطأ والزلل.

كما لم يقل أحد من اليهود بتحريف الكتاب المقدس، وكان قد انضم إلى المسيحية المئات من كهنة اليهود في السنوات الأولى للبشارة بالإنجيل، يقول الكتاب “وكانت كلمة الله تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جداً في أورشليم وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان” (أع 6: 7). كما دارت مناقشات حامية بين اليهود والمسيحيين حول ما جاء عن المسيح من نبوات في العهد القديم آمن بسببها الآلاف منهم وصاروا مسيحيين (أع 17: 2-4).

ومن أشهر المناقشات في القرن الثاني الحوار الذي دار بين يوستينوس الشهيد وتريفو اليهودي، واعتمد كلاهما على آيات نفس الكتاب والمقدس الواحد، العهد القديم، ولي يتهم أحدهما الآخر بتحريف الكتاب المقدس إنما اختلفا في التفسير والتطبيق. وبرغم ظهور آلاف الترجمات للكتاب المقدس فقد ترجمت جميعها من النص الأصلي، العبري والآرامي الذي كتب به العهد القديم، واليوناني الذي كتب به العهد الجديد، ولدينا له مخطوطات ترجع لأيام الرب يسوع المسيح وأيام رسله الأطهار.

أسئلة يسألها المسلمون ج8 والرد المسيحي عليها 

أسئلة يسألها المسلمون ج9 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج9 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج9 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج9 والرد المسيحي عليها

34 لماذا لم يذكر الكتاب تاريخ الثلاثين عاماً التي قضاها السيد المسيح قبل كرازته؟ وهل ذهب خلالها إلى الصين ودرس البوذية كما يقول البعض؟

الكتاب المقدس لم يقصد به أن يكون كتاب تاريخ…. ولو أرادت الأناجيل ذكر جميع الأحداث والتفاصيل التاريخية “ما كان العالم يسع الكتب المكتوبة” (يو 21: 25). إن تفاصيل يوم واحد من حياة السيد المسيح على الأرض، بما فيه من تعاليم ومعجزات يحتاج وحده إلى كتاب… وحتى فترة حياة المسيح بعد الثلاثين لم تسجل كلها. يكفي أن القديس يوحنا الإنجيلي قال في ذلك: “وأشياء آخر كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة فواحدة، فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة” (يو 21: 25) إنما الرسل اختاروا أحداثاً معينة تقود إلى الإيمان. وهكذا قال القديس يوحنا الإنجيلي “….

وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه” (يو 20: 31). إن قصد الأناجيل أن تكون بشارة خلاص، تحكي قصة خلاص…. لذلك بدأت الأناجيل بميلاد المسيح المعجزي من عذراء، والملائكة الذين أحاطوا بقصة الميلاد، وكذلك بنسب المسيح، وتحقيق النبوات الخاصة بميلاده ثم انتقلت إلى عماده وبدء كرازته. وكمثال لفترة طفولته، ذكرت لقاءه بشيوخ اليهود وتعجبهم من إجاباته (لو 2: 46)…. كمعلم في سنه المبكرة. أما ادعاء ذهابه إلى الصين، فلا سند له… لا سند له من الكتاب، ولا من التاريخ، ولا من التقاليد. يقصد به أعداء المسيح أنه اخذ تعاليمه عن البوذية.

ولذلك حسناً إن الإنجيل ذكر علم المسيح الفائق منذ صباه، حتى أنه مثار عجب الشيوخ، فلم يكن محتاجاً أن يذهب إلى الصين أو غيرها. وتعليم السيد المسيح أسمى من البوذية ومن أي تعليم آخر. وأي دارس يكتشف هذا السمو بما لا يقاس. وليس الآن مجال المقارنة. ولو كان هناك تشابه بين تعاليمه والبوذية، لآمن به البوذيون. فهل تراه آخذ عن البوذية أيضاً معجزاته الباهرة؟! هل أخذ منها إقامة الموتى، ومنح البصر للعميان، وانتهار البحر والمشي على الماء، وإشباع الآلاف من خمس خبزات، وشفاء الأمراض المستعصية، وإخراج الشياطين…

وباقي المعجزات التي لا تحصى. وهل أخذ من البوذية الفداء الذي قدمه للعالم… لا داعي إذن لأن يسرح الخيال في فترة الثلاثين سنة السابقة لخدمته. إنما يكفي أن نقول إن السيد المسيح – حسب الشريعة – بدأ خدمته من سن الثلاثين (عد 4: 3، 23، 47) (اأي 23: 3). وما يلزمنا معرفته في قصة الخلاص هو رسالة المسيح بعد الثلاثين، يضاف إليها ميلاده البتولي، وما أحاط به من نبوءات ومعجزات. وهذا يكفي.

35 هل السـيد المـسيح نقض النـاموس؟

السيد المسيح لم يأت لنقض الناموس أي شرائع العهد القديم والوصايا العشر، فلماذا لا يطلب من المسيحين العمل بموجب الناموس، مع العلم أن السيد المسيح لم يقل لأتباعه المؤمنين به أن يتركوا شريعة موسى أو شرائع العهد القديم؟

إن السيد المسيح لم يأت لينقض الناموس، بل ليكمله. وهو نفسه صرح بقوله: “لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس… ما جئت لأنقض بل لأكمل” (متى 5: 17). فالمسيح لم يلزم المسيحيين باتباع ناموس العهد القديم المتمثل بالشرائع والقوانين التي كان الناس يتقيدون بها خوفاً من الله، أو خوفاً من العقاب الذي كان يفرض على كل مخالفة للناموس، بل أراد المسيح من المسيحيين أن يسيروا بحسب الناموس الكامل الذي أكمله بمجيئه. والذي يتمثل بالمحبة، محبة الله للإنسان، ومحبة الإنسان لله ولأخيه الإنسان.

والمسيح أكمل الناموس بتتميمه لعمل الفداء العظيم، ووضع حداً للذبائح بذبيحة نفسه أي موته على الصليب بدلاً عن الخطاة. أما بالنسبة للوصايا العشر، فقد أعطاها السيد المسيح معنى جديد وتفسيراً جديداً، وهو أن كل الوصايا تشير إلى المحبة. فإذا أحب الإنسان الله، فإنه لا يخالف إرادته. وإذا أحب الإنسان نفسه فإنه لا يدنسها بالأعمال الرديئة والشهوات البطالة. وقد شدد المسيح بأن الله يريد من الإنسان التمسك بمبدأ المحبة لا بالقوانين والنواميس والشرائع البالية، أو الطقوس القاسية، بمعنى أنه لا ينبغي على الإنسان أن يعمل بموجب الوصايا خوفاً من عقاب الله، وإنما استجابة لداعي المحبة والعيش بموجب هذه المحبة في الحياة اليومية. أما بالنسبة للوصايا العشر فقد أعطاها المسيح أبعاداً جديدة.

فإنه شرح مثلاً الوصايا بالنسبة لمبدأ المحبة. فهو لا يريد من الناس عدم كسر الوصايا لأنها مجرد قوانين، كما أنه لا يكتفي بعدم عمل أو ارتكاب الخطية، بل يريدنا أن نذهب إلى أبعد من ذلك بأن لا نفكر في الخطية بقلوبنا. وبمعنى آخر، لا يكفي أن تكون أعمالنا حسنة، بل أن تكون أفكارنا مقدسة وضمائرنا صالحة ونقية. فالمسيح أشار إلى بعض الوصايا بقوله: “سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل، ومن يقتل يكون مستوجب الحكم. أما أنا فأقول لكم، إن من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم” (متى 5: 21-22). أي أنه ليس القتل وحده خطية بل مجرد الغضب باطلاً هو خطية.

وبهذا الصدد أشار إلى أن تقديم الذبائح وحده لا يكفر عن الخطايا، بل المصالحة مع الآخرين، فقال: “فإن قدمت قربانك على المذبح وهنالك تذكرت أن لأخيك شيئاً عليك، فاترك هناك قربانك قدام المذبح، واذهب أولاً اصطلح مع أخيك وحينئذ تعال وقدم قربانك” (متى 5: 23-24). وبهذا ندرك أن صفاء النية ونقاء القلب تجاه الغير والمصالحة هي الأساس وليس تقديم الذبائح. أما بالنسبة للوصية التي تتعلق بالزنى، فقد قال يسوع: “سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن، وأما أنا فأقول لكم، إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه” (متى 5: 27-28). وبهذا شدد المسيح بأنه ليس القيام بفعل الزنى وحده خطية.

بل مجرد الاشتهاء البطال هو خطية. سواء أقام الإنسان بفعل الزنى أم لم يقم. فإن يسوع لا يكتفي بمحبتنا للذين يحبوننا، لأن ذلك أمر بديهي، وكل إنسان يحب من يحبه. ولكن المهم أن يدرب الإنسان نفسه على محبة من لا يحبه حتى عدوه (متى 5: 43-46). وبهذا تظهر قداسة الأفكار المسيحية وأفكار الناموس الكامل الذي أكمله المسيح. والذي ينبغي على المؤمن بالمسيح أن يسير بموجبه. فالسيد المسيح أضاف إلى الناموس تعاليم المحبة والتسامح والإخاء والقداسة. ولو حاولنا مطالعة الإنجيل المقدس بهذا الصدد لاتضح الأمر بجلاء.

* هل ما زال المسيحيون يحترمون الوصايا العشر ويعملون بموجبها؟

– لا شك أن المسيحيين ما زالوا يحترمون الوصايا العشر لأنها وصايا الله، وإن التعليم المسيحي ينظر إلى الوصايا العشر بأنها مرآة عاكسة يرى الإنسان أخطاءه بواسطتها عندما ينظر إليها. وعندما يرى الإنسان خطأه، عليه أن ينظر إلى نعمة الله ومحبته وغفرانه الذي أعده الله في المسيح يسوع وعلى من يؤمن بالمسيح يسوع ان يحاول السير في خطاه واتباع الناموس الكامل. وإن الفرق بين إيمان المسيحيين، وإيمان المؤمنين في العهد القديم، هو أن مؤمني العهد القديم كانوا يسيرون بموجب الشريعة أو الناموس، ويحاولون تطبيقها حرفياً، كما أنهم كانوا يعتمدون على الذبائح والمحرقات للتكفير عن خطاياهم.

فكانت هناك شرائع وقوانين دينية وأدبية واجتماعية وشعائر وتقاليد يفرض على المؤمنين التقيد بها لإرضاء الله. أما المؤمنون في العهد الجديد فإنهم لا يتقيدون بتلك القوانين والشعائر والطقوس، بل عليهم أن يعلموا بروح المحبة التي علمهم إياها يسوع ويؤمنوا بالمسيح المخلص ويسيروا في خطاه. فحفظ الوصايا والتقاليد والشعائر بحسب تعاليم العهد القديم لا تكفي لخلاص الإنسان، لأن الكتاب المقدس يشير إلى أن الناموس يتطلب الكمال، والمعروف أنه ليس من إنسان كامل يستطيع أن يتقيد كلياً بالعمل بالوصايا كلها دون أن يكسر واحدة منها. وإذا كسر الإنسان أية وصية فكأنه كسرها كلها. ويقول الكتاب المقدس بهذا الصدد: “لأن من حفظ كل الناموس، وإنما عثر في واحدة فقد صار مجرماً في الكل.

لأن الذي قال لا تزن قال أيضاً لا تقتل. فإن لم تزن ولكن قتلت فقد صرت متعدياً للناموس” (يعقوب 2: 10-11). وبما أنه لا يستطيع أحد أن يعمل بكل الوصايا دون أن يخطئ بواحدة منها، كانت الذبائح تقدم في العهد القديم. ولكن المسيح بإكماله الناموس، بذبيحة نفسه أبطل عهد الذبائح، ولم يعد من الضروري أن يقدم الناس الذبائح لأجل خلاص نفوسهم، لأن يسوع بذل نفسه لأجل الجميع (تيموثاوس 2: 6).

وبما أن السيد المسيح أبطل عهد الذبائح، لهذا لا يقدم المسيحيون الذبائح التي كان الناس يقدمونها في العهد القديم، فالرب يسوع قدم نفسه مرة واحدة كذبيحة مرضية. وإنه بذلك لم يقدم نفسه كحمل للذبح عن خطايا المسيحيين فقط بل عن خطايا كل العالم. ويقول الكتاب المقدس بهذا الصدد: “هو ذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يوحنا 1: 29). وهو الذي أبطل الخطية بذبيحة نفسه (عبرانيين 9: 26). وكذلك أيضاً أبطل عهد الذبائح إلى الأبد (عبرانيين 10: 14). ولهذا فإن الخلاص من الخطية في العهد الجديد ليس بتقديم الذبائح والمحرقات، وإنما هو هبة من الله كما ورد في الكتاب المقدس، “لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم. هو عطية الله” (أفسس 2: 8).

هذه هي الفروقات بين إيمان المسيحيين. وإيمان المؤمنين في العهد القديم. فالمسيحيون يؤمنون أن الله المحب يبرر الإنسان بالنعمة التي يهبها مجاناً لكل من يؤمن. والمسيح، الإله المتجسد هو عطية السماء لسكان الأرض، وكان مجيئه إلى العالم تعبيراً عن محبة الله القدوس نحو الإنسان الخاطئ، ورغبة منه في خلاصه، كما ورد في الآية الكريمة القائلة: “لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية” (يوحنا 3: 16).

36 لماذا هناك اختلاف بين متى ولوقا حول نسـب المسـيح؟

يورد إنجيلا متى ولوقا سلسلة نسب المسيح، ويبدو من القراءة السطحية أن السلسلتين متناقضتان، ولكن نظرة قريبة تلقي الضوء على الموضوع:

في السلسلة التي ذكرها متى: يبدأ من إبراهيم إلى يوسف. في إنجيل متى 1: 12 يقول “ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح”. لاحظ أن يوسف هذا من أحفاد الملك داود. وقد انتقل الملك إلى المواليد من الرجال أي نسله (انظر 1صموئيل 10، 2صموئيل 2: 4، 1ملوك 2: 4) وعلى هذا فقد كان ليوسف الحق في عرش داود، كما كان لأبناء يوسف الحق ذاته. ولاحظ أن يوسف مرتبط بمريم، باعتبار أنه “رجل مريم” فهذا يربط المولود منها. وعلى هذا فإن يسوع صاحب حق قانوني في عرش داود عن طريق يوسف.

أما النسب المذكور في لوقا فيعود إلى داود وآدم والله. فنجد في لوقا 3: 23 “لما ابتدأ يسوع (خدمته)، كان في الثلاثين من العمر تقريباً، وكان معروفاً أنه ابن يوسف بن هالي” وأما متى فيقول إن يوسف هو ابن يعقوب. فالأرجح أن يوسف كان نسيب هالي وذلك لأن لوقا 1، 2 يركز الكلام على مريم. فكان لا بد أن يستمر التوضيح في لوقا عن نسب مريم، وعلى هذا فإن لوقا يورد نسب المسيح من جهة مريم عائداً إلى داود وآدم.

37 يسـأل البعض: لماذا تـأخـر الله في تنفيـذ وعـده بالخلاص؟

لقد وعد الله منذ خطية آدم وحواء، بأن نسل المرأة سيسحق رأس الحية (تك 3: 15) وكان المقصود بنسل المرأة السيد المسيح الذي سيسحق رأس الحية أي الشيطان ومع ذلك مرت آلاف السنين والحية ترفع رأسها وتتحدى البشرية وتوقع الملايين في شرور كثيرة، بل وفي عبادة الأصنام! فلماذا تأخر الله في تنفيذ وعده طوال ذلك الزمان كله؟

والجواب هو أن الله لو قام بعملية الفداء في الأجيال الأولى للبشرية، ما كان الناس يفهمون الفداء، وما كانوا يدركونه. كان لا بد إذن من إعداد البشر لفهم التجسد ولفهم الفداء. بل أيضاً ترسيخ ذلك في عقولهم، حتى إذا ما تم الخلاص بالفداء يمكنهم أن يدكروا معناه وهدفه اللاهوتي، ويؤمنوا به. فكيف حدث ذلك؟ فكرة الفداء والذبائح: الفداء هو أن نفساً تموت عوضاً عن نفس أخرى. نفساً بريئة غير مستحقة للموت، تموت بدلاً من نفس خاطئة تستحق الموت.

والإنسان كان مستحقاً للموت بسبب عصيانه لله الذي قال له: يوم تأكل من تلك الشجرة موتاً تموت (تك2: 17). ومن رحمة الله أراد أن يفديه. ولكن كان لا بد من تقديم الفكرة، وبتدريج طويل يثبت في ذهنه. فما هي الخطوات التي اتخذها الله لأجل هذا الغرض؟

  1. يقول الكتاب أن الإنسان لما أخطأ، بدأ يشعر بعريه، فغطى نفسه بأوراق التين. ولكن بدلاً منها “ألبسه اقمصة من جلد” (تك 3: 21). ومن أين هذا الجلد إلا من ذبيحة؟ وهنا رسخت حقيقة في عقل الإنسان: أن الخطيئة تجلب العرب والشعور بالخزي، بينما الذبيحة تغطي وتستر.
  2. استمر تقديم الذبائح. فنسمع أن هابيل قدم قرباناً للرب من أبكار غنمه ومن سمانها (تك4: 4). ولا شك أن فكرة تقديم الذبيحة قد أخذها هابيل عن أبيه آدم، وآدم عرفها من الله. والذي يتضح من ذبيحة هابيل هذه، أنها كانت أفضل ما عنده وأن الله قد قبلها.
  3. نلاحظ أن كل الذبائح قبل شريعة موسى كانت محرقات: أي أن النار تظل تحرقها حتى تتحول إلى رماد (لا 6: 9، 10) لا يأكل منها مقدمها ولا أحد من أصحابه، ولا الكاهن. بل تكون كلها للنار. والنار ترمز إلى العدل الإلهي. أي أن العدل الإلهي يأخذ حقه منها كاملاً… أبونا نوح أصعد محرقات على المذبح من كل الحيوانات الطاهرة (تك 8: 20)، وإبراهيم أيضاً قدم محرقة (تك 22: 13)، وأيوب أصعد كذلك محرقات (أي 1: 5).

  4. كانت المحرقات لإرضاء الله الذي أغضبته الخطايا. لذلك لما أصعد نوح محرقاته قيل “فتنسم الرب رائحة الرضا… وقال لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان” (تك 8: 21).
  5. نرى معاني أخرى في ذبيحة الفصح (خر 12) التي كانت ترمز إلى المسيح (1كو 5: 7). صدر حكم الموت على جميع الأبكار. وكان الملاك المهلك سيمر ويضرب كل بكر “من ابن فرعون الجالس على عرشه إلى بكر الأسير الذي في السجن” (خر 12: 29) وأراد الله أن يخلص أبكار بين إسرائيل، فأمرهم أن يذبحوا خروف الفصح، ويرشوا من دمه على أبوابهم.
    ووعدهم قائلاً “ويكون لكم الدم علامة على البيوت، فأرى الدم وأعبر عنكم” (خر 12: 13)
    وهكذا دخلت في أذهانهم هذه الحقيقة الهامة وهي: الخلاص بالدم، من الموت والهلاك. ورسخت هذه الحقيقة بمرور الأجيال، إذ أصبح الفصح عيداً يعيدونه كل عام بقول الرب لهم “ويكون هذا اليوم تذكاراً، فيعيدونه عيداً للرب في أجيالكم فريضة أبدية (خر 12: 14). وأصبح رمزاً للخلاص بدم المسيح. ولذلك ليس غريباً فيما بعد أن يقول القديس بولس الرسول “لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا، فلنعيد…” (1كو 5: 7). وارتبط الفصح بالدم.

  6. وأدخل الرب في أذهانهم فكرة هامة وهي الكفارة.ففي كل الذبائح التي رتبها موسى لهم لمغفرة خطاياهم كانت تتكرر عبارة “الكفارة”: سواء ذبيحة المحرقة (لا 1: 4)، أو في ذبيحة الخطية (لا 4: 20، 26). أو في ذبيحة الإثم (لا 22: 5، 6)، أو في يوم الكفارة العظيم (لا 16) للتكفير عن خطايا الشعب كله (لا 16: 17، 19) وذلك للتقديس والتطهير والصفح عن الخطايا والنجاسات. ولذلك ليس غريباً أن قال القديس يوحنا الرسول فيما بعد: “وإن أخطأ أحد، فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار.
    وهو كفارة لخطايانا ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضاً” (1يو 2: 1، 2؛ 1يو 4: 10). ولارتباط دم الذبيحة بالمغفرة، قال القديس بولس مبدأ هاماً هو: “بدون سفك دم لا تحصل مغفرة” (عب 9: 22)، حسب الناموس. إذن كل تلك الذبائح كان إعداد للشعب، لفهم مبادئ الكفارة والفداء وغفران الخطايا بالدم، ولذلك كان مقدم الذبيحة يضع يده على رأس الذبيحة ويقر بخطاياه (لا 5: 5). فتحمل الذبيحة خطاياه عنه، وتسمى الحمل. وهكذا قال يوحنا المعمدان فيما بعد عن المسيح “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو 1: 29).

  7. وبمرور الأجيال أصبح اليهود ينتظرون هذا المخلص. حتى ظهر هذا المعنى في أسماء بعض أنبيائهم مثل (يشوع) بمعنى مخلص. ومثل أشعيا، وهوشع بمعنى الله يخلص. وارتبط هذه الخلاص عندهم بانتظار المسيا أو المسيح. حتى أن السامريين لما تقابلوا مع السيد المسيح، قالوا “نؤمن ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلص العالم” (يو 42: 4). ولم يكتف الرب بتقديم هذه الرموز عن الذبائح وغيرها، بل قدم لهم أيضاً نبوءات عن هذا المسيح المخلص وعمله وصفته: أعدهم بالنبوءات:

منها ما ورد في سفر أشعيا “ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل” (إش 7: 14). وأيضاً “لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً. وتكون الرياسة على كتفه. ويدعى اسمه عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً رئيس السلام… على كرسي داود” (أش 9: 6، 7). وعن آلامه وفدائه وحمله خطايانا، قيل أيضاً في سفر أشعيا النبي: “وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا… كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه. والرب وضع عليه إثم جميعنا” (أش 53: 5، 6). وقيل أيضاً “أما الرب فسر أن يسحقه بالحزن” “جعل نفسه ذبيحة إثم” “أحصي مع أثمة” (أش 53: 10، 12).

وقال عنه داود النبي في المزامير “ثقبوا يدي ورجلي، وأحصوا كل عظامي، يقسمون ثياب بينهم وعلى لباسي يقترعون” (مز 22: 16-18). قال هذا عن السيد المسيح. وقال عن خيانة يهوذا له “الذي أكل خبزي، رفع عليّ عقبه” (مز 41: 9).

وما أكثر النبوءات في المزامير وكتب الأنبياء وغيرها. هذه التي قال عنها لتلاميذه بعد القيامة “إنه لا بد أن يتم ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير…” (لو 27: 24، 44).

حتى ميلاده في بيت لحم، نرى في قصة المجوس، إنه لما سأل هيرودس الكتبة أين يولد المسيح قالوا له: “في بيت لحم اليهوديه. لأنه هكذا مكتوب بالنبي” (مت 2: 4-6).

كل ما يتعلق بالمسيح المخلص أعده الله في أذهان الناس برموز ونبوءات، يمكن أن تقرأ تفاصيل عنها في كتاب معروف مثل (المسيح في جميع الكتب). ويتحقق بها الناس أنه هو المسيح. إعداد الأشخاص: انتظر الرب حتى أعد فهم الناس للفداء والكفارة والذبيحة، وحتى أعدهم أيضاً بالنبوءات. وانتظر أيضاً حتى أعد الشخصيات التي تعاصر الميلاد، وتشترك في تأدية الرسالة. انتظر حتى تولد العذراء القديسة التي يولد منها المسيح المخلص.

العذراء الطاهرة التي يمكن أن تكون أماُ لرب المجد، فتحبل به وترضعه بعد ميلاده، ويعيش في كنفها في فترة طفولته. العذراء المتواضعة التي تحتمل مجداً كهذا، بكل ما فيه من ملائكة ورؤى ومعجزات، وتحتمل أن جميع الأجيال تطوبها (لو 1: 48). كانت صفة التواضع لازمة لاحتمال ذلك المجد، وهكذا “تبتهج روحي بالله مخلصي لأنه نظر إلى اتضاع أمته” (لو 1: 47، 48). وانتظر الرب حتى يولد المعمدان، الملاك الذي يهيئ الطريق قدامه (مر 1: 2) الذي يشهد قائلاً “يأتي بعدي من كان قبلي، من هو أقوى مني.

الذي لست أهلاً أن أحل سيور حذائه” (مت 3: 11، يو 1: 27). والذي يقول “لست أنا المسيح، بل أنا مرسل أمامه… ينبغي أن ذاك يزيد، وأني أنا أنقص. الذي يأتي من فوق، هو فوق الجميع. الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع” (يو 3: 28-31).

وانتظر الرب الوقت الذي تكمل فيه جوقة الاثني عشر وباقي الرسل والتلاميذ أولئك الذين يحملون رسالته إلى العالم أجمع، وإلى أقطار المسكونة تبلغ أصواتهم، الذين يكرزون به قائلين “ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس” (أع 5: 29) “أما نحن فلنا فكر المسيح” (1كو 3: 16).

وانتظر حتى يوافق وجود هؤلاء، وجود الكتبة والفريسيين وكهنة اليهود الذين يسلمونه للموت حسداً، ووجود يهوذا الذي يخونه وكذلك وال روماني جبان، يحكم عليه خوفاً من اليهود.

وانتظر الرب حتى توجد لغة عالمية تساعد على انتشار الكرازة هي اللغة اليونانية، التي ترجم إليها العهد القديم (اللغة السبعينية) مما يساعد على انتشار النبوءات والرموز. وكذلك حكم الرومان الذي بدأ من سنة 30 ق.م. وانتشرت به الطرق الرومانية التي تساعد على انتقال الرسل… ولما كمل كل هذا انطبق قول الرسول. “ولكن لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة تحت الناموس، ليفدي الذي تحت الناموس، لننال التبني” (غل 4: 4، 5).

حقاً إن الله يفعل كل شيء في حينه الحسن، في ملء الزمان، حينما يصير كل شيء ممهداً حسب وفرة حكمته. إنه لا يتأخر ولا يسرع. وإنما “لكل شيء زمان، ولكل أمر تحت السماوات وقت” (جا 1: 3). فلما جاء الوقت، نفذ الله وعده بالخلاص.

أسئلة يسألها المسلمون ج9 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج7 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج7 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج7 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج7 والرد المسيحي عليها

23 هل صلب المسيح ومات أم لا؟

نعم، صلب المسيح ومات. والأدلة على ذلك كثيرة، ونذكر منها ثلاثة أنواع:

أولاً: النبوءات:

جاءت في العهد القديم نبوءات كثيرة عن موت المسيح. وهذه النبوءات لم يكتبها المسيحيون، بل كتبت قبل مجيء المسيح بمئات السنين. وحفظها اليهود وهم لا يعلمون أن الذي من العذراء مريم في مدينة بيت لحم هو المسيح الذي تكلم عنه أنبياؤهم. ولا زالت هذه النبوءات في العهد القديم الذي هو كتابهم المقدس – ولم يجرؤوا على تحريفها مع أنها تشهد ضدهم. وهذه النبوءات تخبرنا بأن المخلص يموت بديلاً عن الخطاة (أشعياء 53)، وأنهم يثقبون يديه ورجليه (مزمور 22) أي يصلبونه. وتخبرنا عن الإستهزاء به، وإعطائه خلاً ليشرب إذا عطش وهو على الصليب (مزمور 22 ومزمور 69) وتفاصيل أخرى كثيرة. وحدد النبي دانيال موعد موته فتم حرفياً كما تمت النبوءات بك تفاصيلها.

ثانياً: شهادة التاريخ:

إن الذين دونوا لنا الحوادث المتعلقة بموته كانوا شهود عيان، ولم تكن لهم أي مصلحة شخصية في أن يؤلفوا ذلك. والمسيح نفسه أخبرهم مقدماً أنه سوف يموت ثم يقوم في اليوم الثالث. وتم هذا فعلاً، وأظهر نفسه لتلاميذه بعد قيامته من الأموات لمدة أربعين يوماً. وهناك مؤرخون عاصروا المسيح وشهدوا لذلك مع أنهم يكونوا مسيحيين.

ثالثاً: العهد الجديد:

هناك دلائل كثيرة في العهد الجديد من الكتاب المقدس تؤيد حقيقة خلاص الإنسان على موت المسيح وقيامته.

فيقول الرسول بولس: “إن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب (أي كتب الأنبياء التي سبقت، وأنه دفن، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب.” (1كورنثوس 15: 3، 4). ويقول أيضاً: “لكن الله بين محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا (رومية 8: 5). وقال عن المسيح أيضاً: “الذي لنا فيه الفداء، بدمه غفران الخطايا” (أفسس 7: 1). وهناك آيات كثيرة جداً لا يسعنا المجال لاقتباسها كلها.

نعم، صلب المسيح ومات. مات من أجل خطايانا وقام. وكل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا (أعمال الرسل 10: 43).

24 لماذا مـات يسـوع المسـيح؟

بسبب حب الله لخلقه، يسوع المسيح مات لأجل خطايانا! (المسيح هو الله)

جاء يسوع لشرح الحقيقة عن الله ولدفع الثمن لتمرد الإنسان.

يوحنا 1: 18 “الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب (يسوع المسيح) هو خبر”. 2كورنثوس 5: 21 “إنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه”. بعبارة أخرى، يسوع مات بسبب آثامنا، حتى لا ندفع نحن الثمن المطلوب للعدالة الإلهية – موت أبدي.

يسوع مات من أجل خطايانا، وقام منتصراً على الموت. 1كورنثوس 15: 22 “إنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع”. (أعداد 54-57) “ومتى ليس هذا الفاسد عدم فساد ولبس هذا المائت عدم موت فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة ابتلع الموت إلى غلبة. أين شوكتك يا موت. وأين غلبتك يا هاوية. أما شوكة الموت فهي الخطية. وقوة الخطية هي الناموس. ولكن شكراً لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح.

“يسوع هو الطريقة الوحيدة للحصول على الغفران لآثامنا وعلى العلاقة مع الله والتي بنتيجتها نحصل على الحياة الأبدية”. ولكن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا”.  (رومية 5: 8). يسوع قال “قال له يسوع أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي”. (يوحنا 14: 6).

آمين.

25 ما هو موقف المسـيحية من شرب الخمور؟

إن الكتاب المقدس يتكلم كثيراً ضد السكر. فقد جاءت هذه الآيات في العهد القديم (أي التوراة) “ليس للملوك أن يشربوا خمراً، ولا للعظماء المسكر. لئلا يشربوا وينسوا المفروض ويغيروا حجة كل بني المذلة”. أي لئلا يكون حكمهم خطأ وبدون عدل (أمثال 31: 4، 5).

وقال سليمان الحكيم أيضاً: “لمن الويل، لمن الشقاوة، لمن المخاصمات، لمن الكرب، لمن الجروح بلا سبب لمن ازمهرار (احمرار) العينين؟ للذين يدمنون الخمر الذي يدخلون في طلب الشراب (أي الذي فيه خمر). لا تنظر على الخمر إذا احمرت حين تظهر حبابها في الكأس وساغت مرقرقة (أي حين تبدو جذابة لك) في الآخر تلسع كالحية وتلدغ كالأفعوان” (أمثال 23: 29-32).

وفي العهد الجديد (أي الإنجيل)، جاءت هذه الآيات: “ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة، بل امتلئوا بالروح (أي بالروح القدس)” (أفسس 5: 18).

“لا تضلوا. لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون، … ولا سارقون ولا طماعون، ولا سكيرون يرثون ملكوت الله” (1كرونثوس 6: 9، 10). فنرى أنه وضع السكيرين بجانب الزناة والسارقين.

إلا أنه من المهم جداً أن الله لم يعط المسيحيين الحق في أن يعاقبوا السكيرين، لأن هذا يكون في يد السلطات الحكومية (الشرطة والقضاء…. إلخ). لأن المسيحية تنادي بعلاقة فردية قلبية مع الله، وليست سياسة دولية.

ويجب أيضاً أن نلاحظ أن الكتاب المقدس ينهي عن السكر وإدمان الخمر، ولكن لا يمنع استعمال الخمر بتاتاً، لأنه موجود في أدوية كثيرة (مثل أدوية السعال والمعدة وغيرها). وإلا فما أمكن للمؤمن أن يتعاطى هذه الأدوية.

المؤمن الذي قبل المسيح في قلبه لا يحتاج إلى نشوة الخمر لأن الله يملأ قلبه بالفرح الحقيقي.

26 توجد قصات في سفر أعمال الرسل لظهور الرب لشاول الطرسوسي، يبدو بينهما بعض التناقض، سواء من جهة الرؤية، أو من جهة السماع. نرجو التوضيح؟

وردت قصة ظهور الرب لشاول في الأصحاح التاسع. وجاء فيها: “وأما الرجال المسافرون معه فوقفوا صامتين، يسمعون الصوت ولا ينظرون أحداً” (أع 9: 7). كما وردت نفس القصة في الأصحاح الثاني والعشرين. وفيه قال القديس بولس “والذين كانوا معي، نظروا النور وارتعبوا. ولكنهم لم يسمعوا صدى الذي كلمني” (أع 22: 9). ومفتاح المشكلة هو أن الرجال المرافقين للقديس بولس الرسول، لم يكونوا في نفس الدرجة الروحية، التي بها يبصرون ما يبصره، ويسمعون ما يسمعه.

كما أن الرؤيا لم تكن لهم، وظهور الرب لم يكن لهم، وحديث الرب لم يكن لهم، إنما المقصود بذلك كله شاول الطرسوسي وحده. ومع ذلك ليس في القصتين أي تناقض من جهة السماع او الرؤيا، كما سنرى في فحص القصتين بتدقيق. ومن ذلك يتبين أن: الرجال المرافقون سمعوا صوت شاول يتكلم مع الرب. ولكنهم لم يسمعوا صوت الرب الذي يكلمه. وإذا قرأنا العبارتين بالتدقيق، نرى ما يؤيد هذا بلا تناقض:

  1. يسمعون الصوت، ولا ينظرون أحداً – نظروا النور، ولكنهم لم يسمعوا صوت الذي يكلمني. الصوت الذي ورد في العبارة الأولى، هو صوت شاول، سمعوه يتكلم، دون أن يبصروا مع من كان يتكلم. أما الصوت الذي لم يسمعوه فهو صوت الذي كان يكلمه… إذن لا تناقض من جهة الصوت. وكان يمكن أن يوجد تناقض، لو قيل في العبارة الأولى “يسمعون صوت الذي يكلمني” أو “يسمعون ما أسمعه”.
    أما عبارة “الصوت” فقط، فهي تعني هنا صوت شاول. لأن مستوى أولئك الرجال هو أن يسمعوا صوت إنسان وليس صوت الرب… كذلك من جهة الرؤية، نفس الوضع: لقد رأوا النور. ولم يروا الشخص الذي يكلم شاول… وهذا واضح من أسلوب العبارتين في تدقيق – ولا ينظرون أحداً (أع 9: 7).
  2. نظروا النور وارتعبوا (أع 22: 9). إن النور شيء، ووجه وشكل الشخص الذي يتكلم شيء آخر.

27 لماذا كان السيد المسيح يلقب نفسه بابن الإنسان؟ هل في هذا عدم اعتراف منه بلاهوته؟ ولماذا لم يقل إنه ابن الله؟

السيد المسيح استخدم لقب ابن الإنسان. ولكن كان يقول أيضاً إنه ابن الله… قال هذا عن نفسه في حديثه مع المولود أعمى، فآمن به وسجد له (يو 9: 35-38). وكان يلقب نفسه أحياناً [الابن] بأسلوب يدل على لاهوته كقوله “لكي يكرم الجميع الابن، كما يكرمون الآب” (يو5: 21-23). وقوله أيضاً “ليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب. ولا من هو الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يعلن له” (لو 10: 22). وقوله أيضاً عن نفسه “إن حرركم الابن فبالحقيقة أنتم أحرار” (يوحنا 8: 36).

وقد قبل المسيح أن يدعى ابن الله، وجعل هذا أساساً للإيمان وطوب بطرس على هذا الاعتراف. قبل هذا الاعتراف من نثنائيل (يو 1: 49)، ومن مرثا (يو 11: 27)، ومن الذين رأوه “ماشياً على الماء” (مت 14: 33). وطوب بطرس لما قال له “أنت هو المسيح ابن الله”. وقال “طوباك يا سمعان بن يونا. إن لحماً ودماً لم يعلن لك، لكن أبي الذي في السماوات” (مت 16: 16، 17). وفي الإنجيل شهادات كثيرة عن أن المسيح ابن الله.

إنجيل مرقص يبدأ بعبارة “بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله” (مر 1: 1). وكانت هذه هي بشارة الملاك للعذراء بقوله “فلذلك القدوس المولود منك يدعى ابن الله” (لو 1: 35). بل هذه كانت شهادة الآب وقت العماد (مت 3: 17)، وعلى جبل التجلي (مر 9: 7)، (2بط1: 17، 18). وقول الأب في قصة الكرامين الأردياء “أرسل ابني الحبيب” (لو 20: 13)، وقوله أيضاً من “مصر دعوت ابني” (مت 2: 15). وكانت هذه هي كرازة بولس الرسول (أع 9: 20)، ويوحنا الرسول (1يو 4: 15)، وباقي الرسل.

إذن لم يقتصر الأمر على لقب ابن الله. بل إنه دعي ابن الله، الابن، والابن الوحيد. وقد شرحنا هذا بالتفصيل في السؤال عن الفرق بين بنوتنا لله، وبنوة المسيح لله. بقي أن نقول: استجم المسيح لقب ابن الإنسان في مناسبات تدل على لاهوته.

  1. فهو كابن الإنسان له سلطان أن يغفر الخطايا. وهذا واضح من حديثه مع الكتبة في قصة شفائه للمفلوج، إذ قال لهم: ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا، حينئذ قال للمفلوج قم احمل سريرك واذهب إلى بيتك (مت 9: 2-6).
  2. وهو كابن الإنسان يوجد في السماء والأرض معاً. كما قال لنيقوديموس “ليس أحد صعد إلى السماء، إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء” (يو 3: 13). فهو أوضح أنه موجود في السماء، في نفس الوقت الذي يكلم فيه نيقوديموس على الأرض. وهذا دليل على لاهوته.

  3. قال إن ابن الإنسان هو رب السبت. فلما لامه الفريسيون على أن تلاميذه قطفوا السنابل في يوم السبت لما جاعوا، قائلين له “هو ذا تلاميذك يفعلون ما لا يحل فعله في السبوت” شرح لهم الأمر وقال “فإن ابن الإنسان هو رب السبت أيضاً” (مت 12: 8). ورب السبت هو الله.
  4. قال إن الملائكة يصعدون وينزلون على ابن الإنسان. لما تعجب نثنائيل من معرفة الرب للغيب في رؤيته تحت التينة وقال له “يا معلم أنت ابن الله” لم ينكر أنه ابن الله، إنما قال له “سوف ترى أعظم من هذا…. من الآن ترون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان” (يو 1: 48-51). إذن تعبير ابن الإنسان هنا، لا يعني مجرد بشر عادي، بل له الكرامة الإلهية.

  5. وقال إن ابن الإنسان يجلس عن يمين القوة ويأتي على سحاب السماء. فما حوكم وقال له رئيس الكهنة “أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله؟ أجابه: أنت قلت. وأيضاً أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء” (مت 26: 63-65). وفهم رئيس الكهنة قوة الكلمة، فمزق ثيابه، وقال قد جدف. ما حاجتنا بعد إلى شهود! ونفس الشهادة تقريباً صدرت عن القديس اسطفانوس إذ قال في وقت استشهاده “هل أن أنظر السماء مفتوحة، وابن الإنسان قائم عن يمين الله” (أع 7: 56).

  6. قال إنه كابن الإنسان سيدين العالم. والمعروف أن الله هو “ديان الأرض كلها” (تك 18: 25). وقد قال السيد المسيح عن مجيئه الثاني “إن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه، مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله” (مت 16: 27). ونلاحظ هنا في قوله “مع ملائكته، نسب الملائكة إليه وهم ملائكة الله. ونلاحظ في عبارة (مجد أبيه) معنى لاهوتياً هو:
  7. قال إنه هو ابن الله له مجد أبيه، فيما هو ابن الإنسان. ابن الإنسان يأتي في مجد أبيه، أي في مجد الله أبيه. فهو ابن الإنسان، وهو ابن الله في نفس الوقت. وله مجد ابيه، نفس المجد… ما أروع هذه العبارة تقال عنه كابن الإنسان. إذن هذا اللقب ليس اقلالا ً للاهوته.

  8. وقال إنه كابن الإنسان يدين العالم، يخاطب بعبارة (يا رب). فقال: ومتى جاء ابن الإنسان في مجده، وجميع الملائكة القديسين معه، فحينئذ يجلس على كرسي مجده، ويجتمع أمامه جميع الشعوب… فيقيم الخراف عن يمينه، والجداء عن يساره. فيقول للذين عن يمينه تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم… فيجيبه الأبرار قائلين: يا رب متى رأيناك جائعاً فاطعمناك…” (مت 25: 31-37). عبارة (يا رب) تدل على لاهوته. وعبارة (أبي) تدل على أنه ابن الله فيما هو ابن الإنسان. فيقول “اسهروا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم” (مت 24: 42). فمن هو ربنا هذا؟ يقول “اسهروا إذن لأنكم لا تعلمون اليوم والساعة التي يأتي فيها ابن الإنسان” (مت 25: 13). فيستخدم تعبير (ربكم) و(ابن الإنسان) بمعنى واحد.
  9. كابن الإنسان يدعو الملائكة ملائكته، والمختارين مختاريه، والملكوت ملكوته. قال عن علامات نهاية الأزمنة “حينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء… يبصرون ابن الإنسان أتياً على سحاب السماء بقوة ومجد كثير. فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت. فيجمعون مختاريه…” (متى 24: 29-31). ويقول أيضاً “هكذا يكون في انقضاء هذا العالم: يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم، ويطرحونهم في آتون النار” (مت 13: 40-41). وواضح طبعاً إن الملائكة ملائكة الله (يو 1: 51)، والملكوت ملكوت الله (مر 9: 1)، والمختارين هم مختارو الله.

  10. يقول عن الإيمان به كابن الإنسان، نفس العبارات التي قالها عن الإيمان به كابن الله الوحيد. قال “وكما رفع موسى الحية في البرية، ينبغي أن يرفع ابن الإنسان، كي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذلك ابنه الوحيد، كي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو 3: 14-16). هل ابن الإنسان العادي، يجب أن يؤمن الناس به، لتكون لهم الحياة الأبدية. أم هنا ما يقال عن ابن الإنسان هو ما يقال عن ابن الله الوحيد.
  11. نبوءة دانيال عنه كابن للإنسان تحمل معنى لاهوته. إذ قال عنه “وكنت أرى رؤيا الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان. أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً. لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول. وملكوته ما لن ينقرض” (دا 7: 13، 14). من هذا الذي تتعبد له كل الشعوب، والذي له سلطان أبدي وملكوته أبدي، سوى الله نفسه…؟!

  12. قال في سفر الرؤيا إنه الألف والياء، الأول والآخر… قال يوحنا الرائي “وفي وسط المنائر السبع شبه ابن إنسان… فوضع يده اليمنى عليّ قائلاً لي: لا تخف أنا هو الأول والآخر، والحي وكنت ميتاً. وها أنا حي إلى أبد الآبدين آمين” (رؤ 1: 13-18). وقال في آخر الرؤيا “ها أنا آتي سريعاً وأجرتي معي، لأجازي كل واحد كما يكون عمله. أنا الألف والياء. البداية والنهاية. الأول والآخر” (رؤ 22: 12، 13). وكل هذه من ألقاب الله نفسه (أش 48: 12، أش 44: 6).

ما دامت كل هذه الآيات تدل على لاهوته… إذن لماذا كان يدعو نفسه ابن الإنسان، ويركز على هذه الصفة؟ دعا نفسه ابن الإنسان لأن سينوب عن الإنسان في الفداء. إنه لهذا الغرض قد جاء، يخلص العالم بأن يحمل خطايا البشرية، وقد أوضح غرضه هذا بقوله “لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يخلص ما قد هلك” (مت 18: 11). حكم الموت صدر ضد الإنسان، فيجب أن يموت الإنسان. قد جاء المسيح ليموت بصفته ابناً للإنسان، ابناً لهذا الإنسان بالذات المحكوم عليه بالموت.

لهذا نسب إلى الإنسان عموماً… إنه ابن الإنسان، أو ابن البشر. وبهذه الصفة ينبغي أن يتألم ويصلب ويموت ليفدينا. ولهذا قال “ابن الإنسان سوف يسلم لأيدي الناس، فيقتلونه، وفي اليوم الثالث يقوم” (مت 17: 23، 24) (مت 26: 45). وأيضاً ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً، ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويقتل وبعد ثلاثة أيام يقوم” (مر 8: 31). حقاً، إن رسالته كابن الإنسان كانت هي هذه. ابن الإنسان قد جاء لكي يخلص ما قد هلك (مت 18: 11).

أسئلة يسألها المسلمون ج7 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج6 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج6 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج6 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج6 والرد المسيحي عليها

21 – لماذا جـاء المسـيح؟

جاء المسيح لكي يخلصنا من آثامنا وخطايانا ومن العذاب الأبدي الذي جلبته علينا خطايانا. فنحن خطاة بالطبيعة والاختيار: “وكما هو مكتوب أنه ليس بار ولا واحد. الجميع زاغوا وفسدوا معاً. ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد… لأنه لا فرق إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله” (رومية 3: 10-23). ولا نستطيع أن نخلص أنفسنا بأعمالنا أو بأموالنا لأن الخلاص هو نعمة مجانية من الله وعطية بلا ثمن: “لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم هو عطية الله.

ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد…. وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا” (أفسس 2: 8، 9؛ رومية 6: 23). وبما أن الله قدوس وطاهر، ولا تقبل قداسته الخطية، جلبت خطايانا دينونة الله على كل منا وأصبحنا مستحقين للعذاب الأبدي: “لأن أجرة الخطية هي موت” (رومية 6: 23). ونحن لا نستطيع أن نخلص أنفسنا بمجهودنا الذاتي الضائع ولا نستطيع أن نشتري الأبدية بحفنة من المال الفاني.

فقداسة الله وبره وعدالته لا يمكن أن تُرتشى لا بحفنة من المال ولا ببعض الأعمال الحسنة مهما كثرت عظمتها. فكيف نتوقع أن نفي عدالة الله المطلقة بحفنة مال ونرضيها ببعض الأعمال التي يصفها الكتاب المقدس كخرق بالية؟ لذلك تطلبت عدالة الله أقصى العقوبات التي أدت بالإنسان إلى جحيم النار. ولكن محبة الله لنا هي محبة فائقة، من أجل هذا، أرسل الله ابنه الوحيد القدوس الطاهر بديلاً عن الإنسان لكي يفي بمتطلبات العدالة الإلهية التي لا تتقبل إلا أقصى العقوبات.

ولأنه بدون سفك دم لا تحصل الذبائح ما كانت لتحمل أي معنى أو أي تأثير لو لم تكن رمزاً للدم الثمين الذي سفكه الرب يسوع المسيح على خشبة الصليب فوق جبل الجلجثة: “تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية… وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً” (عبرانيين 9: 12؛ 10: 11). وما “الذبح العظيم” الذي يذكره القرآن في سورة الصافات 107 نقلاً عن التوراة – إذ يقتبس قصة إبراهيم عندما كان مزمعاً أن يقدم ابنه ذبيحة على جبل المريا، فمنعه الله وقدم له كبشاً كي يفتدي به ابنه – إلا رمزاً لعمل المسيح الكفاري على جبل الجلجثة.

وهنا نجد أن القرآن أسماه “الذبح العظيم” لن ذلك الكبش لم يكن كبشاً عادياً كبقية الكباش التي كانت تقدم يومياً للكفارة. بل كان كبشاً فريداً، كان عطية السماء لإبراهيم ليكفر عن ابنه الذي كان تحت حتمية الموت. كما أن الله أراد أن يعلمنا أن ما حدث على جبل المريا (الذي هو جبل الجلجثة) لم يكن إلا رمزاً: أولاً، لحالة الإنسان وخطاياه التي جلبت عليه حكم موت أبدي محتوم في نار جهنم. وثانياً، لمحبة الله إذ أرسل عطية السماء – الرب يسوع المسيح – الذي هو “حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يوحنا 1: 29).

وقد مات المسيح على نفس البقعة التي قدم فيها إبراهيم الكبش فداء لابنه الذي هو رمز لموت المسيح لفداء بني البشر ولمغفرة خطايا كل من يؤمن به: “وإنما حيث تكون مغفرة لهذه لا يكون بعد قربان عن الخطية” (عبرانيين 10: 18). إذاً، “الذبح العظيم” لم يكن إلا رمزاً للذبح العظيم الفعلي الذي قدمه الرب يسوع المسيح بدم نفسه لفداء الإنسان ومبطلاً كل الذبائح إذ لم تبق حاجة بعد لأي منها:

“فإن المسيح أيضاً تألم من أجل الأثمة…. لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد كي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (1بطرس 3: 18 ويوحنا 3: 16). ولأن المسيح هو كلمة الله، لذلك لم يستطع الموت أن يمسكه ويبقيه في القبر، وهكذا قام في اليوم الثالث من بين الأموات بمجد عظيم ليؤكد دعواه ويثبت رسالته.

22 هل المسـيح هو الله؟

تعجز الألسنة عن التعبير والأخيلة عن التصوير والعقول عن الفهم والتنظير في ماهية ووجود الله وقدرته. لأن الإنسان عندما يتوصل إلى معرفة أسرار الله السماوية العظيمة سيصبح هو الله نفسه، صورة وروحاً ومضموناً، وهذا مستحيل لأن عقولنا محدودة والله غير محدود… ويخبرنا تاريخ الحضارة أن الملك كريسبس اليوناني كان قد طلب من أحد الفلاسفة الكبار أن يحدد له من هو الله. ووقع الفيلسوف الكبير في قلق وحيرة، ثم طلب من الملك أن يمهله عدة أيام لعله يقف على شاطئ الحقيقة والمعرفة، لكنه خاب وأخفق في تفكيره وتأمله، وعاد إلى الملك ليقول له: المعذرة يا سيدي…! لأنني كلما فكرت وتعمقت في بحثي عن سر وجود الله وجدت نفسي عاجزاً وقاصراً.

الحقيقة الأولى: بعض الأسباب التي تبرهن ضعف الإنسان وعجزه:

  1. كيف يقدر المحدود أن يدرك غير المحدود؟ (وعاء ماء يسع 5 لتر مثلاً هو محدود ضمن الـ 5 لتر، ولكن نهراً جارياً من المياه هو غير محدود بالنسبة لوعاء الـ 5 لتر).

هل من المنطقي أن يقول الوعاء أنا لا أومن بوجود النهر لأنني لا أستوعبه، مع أن معنى وجود الوعاء يعود إلى النهر الذي يملأه بالمياه، ولولا وجود النهر والمياه لما كان هناك أي حاجة لوجود وعاء للمياه، احكم بنفسك.

  1. كيف يقدر المخلوق أن يفهم قدرة خالقه الأعظم؟ وكيف يستطيع الخاطئ الساقط أن يعرف سموه القدوس…؟

الحقيقة الثانية: أن إيماني بالله مبني على أساس كلمته المقدسة الصادقة:

إن كلمة الله هي الله نفسه، وإيماني راسخ وطيد لأنه يعتمد على صخرة سماوية جبارة متينة وإليك بعض الأسباب التي تؤكد إيماني وتدعم يقيني به وبكلمته السامية الجليلة.

فالعهد القديم موجود منذ أكثر من ستة آلاف سنة، والعهد الجديد منذ حوالي ألفي سنة لم يتغيرا، وقد ترجما إلى معظم لغات العالم في جميع الأقطار والأزمنة والعصور.

فلقد قال سبحانه وتعالى “السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول”. (الإنجيل بحسب متى 24: 35). كما قال أيضاً: “إن كان أحد يزيد على هذا الكتاب يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب، وإن كان أحد يحذف من أقوال النبوة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة”. (رؤيا يوحنا 22: 18، 19).

ومع تصديقي لكلمة الله الأزلية الأبدية، أؤمن بالبراهين المنطقي التالية على أن المسيح هو كلمة الله المترجم لحقيقته والكاشف عن صورته، ومن دونه لا نستطيع أن نرى الله.

(حاول أن تنظر للشمس بالعين المجردة، فلن تستطيع. ضع نظارات خاصة لمراقبة الشمس فتراها جيداً، لأن عينيك محدودتان في قدرتهما على الرؤية وهما بحاجة إلى وسيط بينهما وبين الشمس وإلا احترقتا).

ويساعدنا التشبيه السابق في فهم العلاقة مع الله والمسيح، فالمسيح هو الوسيط الذي من خلاله نستطيع أن نرى ونعرف الله.

أولاً:

إن البرهان الأول على أن المسيح هو كلمة الله ومن خلاله يمكن أن أرى الله، لأنه “ولد من روح الله” (الإنجيل بحسب متى 1: 20). وكلمة “ولد” بمعنى خرج.

وروح الله هو الله ذاته. لقد كانت ولادة السيد المسيح عجيبة خارقة وبترتيب أزلي قديم من الله. ولقد تمت كل النبوات في أسفار العهد القديم وتوثقت حرفياً في العهد الجديد عن ولادة المسيح كما توضح الأدلة التالية:

– سفر ميخا 2: 5 (735 سنة قبل الميلاد) عن مكان ولادة المسيح والتي تمت حرفياً في (الإنجيل حسب متى 2: 1، 4؛ ولوقا 2: 4: 15).

– النبي إشعياء 7: 14 (700 سنة قبل الميلاد) تنباً عن ولادته من فتاة عذراء والتي تمت حرفياً (الإنجيل حسب لوقا 1: 34-45).

– النبي دانيال 9: 25 (قبل الميلاد) تنبأ عن وقت ولادته وقد تمت حرفياً في (لوقا 2: 1، 2).

– النبي إشعياء 9: 6 (قبل الميلاد) تنبأ عن اسم المسيح المخلص. وورد هذا أيضاً في (متى 1: 20، 21) – والنبي داود في المزمور الثاني: 7 (قبل الميلاد)، تحدث عن اسمه ابن الله. وقد تمت هذه النبوة القديمة في (متى 3: 17) و(لوقا 1: 35). وقد ورد في سفر النبي إشعياء (7: 14) اسم المولود من عذراء الذي يدعى عمانوئيل وتفسيره “الله معنا” وتمت هذه الآية في (متى 1: 23).

– النبي ميخا 5: 2 (قبل الميلاد)، تحدث عن وجوده الأزلي. وقد تم في (يوحنا 1: 1، 2).

والخلاصة، هي أن ولادة السيد المسيح العجيبة قد حدثت بإرادة إلهية وبترتيب أزلي سابق من قبل الله تعالى. وبما أن المسيح مولود من روح الله القدوس فهو إذاً الله نفسه لأن روح الله لا ينقسم ولا يتوزع أجزاء عديدة.

ثانياً:

البرهان الثاني، لأنه الفريد الوحيد الذي دعي كلمة الله وإن كلمة الله هي ذات الله. إن معنى “كلمة الله” تعني باللغة اليونانية (لوغوس) وكانت تطلق فقط على صفات الله ولاهوته وإعلانه عن نفسه. وهنا يجدر بنا أن نستشهد بآيات من الإنجيل المقدس تؤكد صحة برهاني وإيماني: قال في (الإنجيل حسب يوحنا 1: 1، 14): “في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله…، الكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءً نعمة وحقاً”. وفي (سفر الرؤيا 19: 13): “ويدعى اسمه كلمة الله”.

لاحظ جيداً أن ولادة المسيح لم تكن إلا بدء حياته التبشيرية (أي طبيعة الإنسان) وأما طبيعته الإلهية فهي قديمة منذ الأزل وقبل تكوين الخليقة. وإن روح الله القدوس مر مروراً في بطن العذراء مريم فأخذ يسوع جسد الإنسان مثلنا ولكنه بلا دنس وبلا خطيه “وحل بيننا” وذلك لكي يقدم الفداء عن خطايا الجنس البشري. وقد قال المسيح نفسه مؤكداً وجوده قبل الخليقة كلها (الإنجيل بحسب يوحنا 8: 58) “قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن”.

وكما قال أيضاً عن نفسه في (سفر الرؤيا 1: 8) “أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي القادر على كل شيء”. فالمسيح إذاً كلمة الله المتجسد بشراً، وقد حمل في شخصه طبعتين مترابطتين (طبيعة اللاهوت الأزلية، وطبيعة الناسوت) أي الإنسانية المقدسة.

ثالثاً:

البرهان الثالث، لأن حياته العظيمة المثالية تفوق حياة البشر. وفيما يلي الأدلة على ذلك:

  1. حياته العجيبة: فلقد ولد المسيح بأعجوبة ومات بأعجوبة وقام من بين الأموات بأعجوبة وصعد بأعجوبة أيضاً إلى السماء كما ورد في العهد الجديد.
  2. أعماله العجيبة: فمن يخالف النواميس الطبيعة إلا الذي خلقها؟ سار يسوع على وجه الماء كما ورد ذلك في (الإنجيل حسب متى 14: 25). وقد أسكت البحر الصاخب الغاضب كما ذكر في (متى 8: 23-27). وأقام الموتى من القبور كما في (الإنجيل حسب يوحنا 11: 38-47). وسيطرته وقوته على الأرواح الشريرة وعلى الشيطان الرجيم كما ورد في (الإنجيل حسب مرقص 1: 26) و(متى 4: 1-11).
  3. أقواله العجيبة: وقد عبر عن أقوال السيد المسيح أحد الكتاب قائلاً: “إنها فريدة في سموها، وعجيبة في قوتها، جريئة في سلطانها، عميقة في تأثيرها، فائقة في محبتها”. وهذه نماذج من كلماته الرائعة السامية: “الكلام الذي أكلمكم به هو حياة”. وموعظته العميقة الدقيقة على الجبل كما وردت في (الإنجيل بحسب متى، الأصحاح الخامس كله) تلك الموعظة التي غيرت مفاهيم الحياة وقلبت المقاييس الفلسفية البشرية. كقوله: “أحبوا أعداءكم أحسنوا إلى مبغضيكم….” وهناك أمثاله الفريدة عن المحبة والعطاء والإيمان في قصة السامري الصالح، والابن الضال، ومثل الزارع والحنطة…. إلخ.
  4. شهادة الملايين عبر التاريخ منذ القديم وحتى عصرنا الحاضر. وأولئك الذين تغيرت حياتهم بعد أن سمعوا صوت المسيح السماوي وآمنوا به مخلصاً فادياً وراعياً أميناً صالحاً.

والخلاصة: إن حياته المجيدة المباركة في ولادته وسلوكه وموته وقيامته وصعوده، هذه كلها لا تنطبق على حياة إنسان آدمي عادي، لأنها من طبيعة الله وحده. فالمسيح إذاً هو صورة الله في هيئة إنسان.

رابعاً:

البرهان الرابع على أن المسيح هو الله لأنه بعيد ومنزه عن الخطأ البشري. إن السيد المسيح هو الشخص الفريد بين البشر من حيث قداسته وتواضعه وكمال سيرته وأخلاقه ومحبته… ومن هو المنزه عن الخطأ في الله سبحانه وتعالى؟… وإليك ما قاله السيد المسيح عن نفسه متحدياً الناس في (الإنجيل بحسب يوحنا 8: 46) “من منكم يبكتني على خطية؟” وفي آية أخرى في الأصحاح الثامن نفسه (8: 23) يقول: “أنتم من هذا العالم أما أنا فلست من هذا العالم”.

ثم ما قاله الأعداء أنفسهم عنه علناً كما ورد عن الحاكم الروماني بيلاطس حينما قال أثناء محاكمة المسيح: “أنا لست أجد فيه علة واحدة” (الإنجيل بحسب يوحنا 18: 38) وكذلك ما قاله يهوذا الإسخريوطي أحد تلاميذ المسيح بعد أن خدعه وباعه بثلاثين قطعة من الفضة وأسلمه لليهود حتى قتلوه وقد ورد هذا في (الإنجيل بحسب متى 27: 4) “قد أخطأت إذ سلمت دماً بريئاً….” وما قاله تلاميذه المرسلون ومنهم بطرس في رسالته الأولى (2: 22) “الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر”.

وما قاله تلميذه يوحنا في رسالته الأولى 2: 1، 29 “يسوع المسيح البار”. وكذلك قال الرسول بولس في رسالته إلى العبرانيين (7: 26) “قدوس بلا شر ولا دنس، وصار أعلى من السماوات”. وما ذكر في (الإنجيل بحسب لوقا 4: 41) عن الشيطان – مصدر الشر – “وكانت الشياطين أيضاً تخرج من كثيرين وهي تصرخ وتقول: أنت المسيح ابن الله”. وقد قال الروح النجس الشرير الموجود في إنسان “أنا أعرف من أنت قدوس الله” (الإنجيل بحسب مرقص 1: 24).

والخلاصة: بما أن جميع البشر خطاة، والرسل والأنبياء جميعاً أخطأوا وإن الله وحده هو المعصوم عن السقوط والخطية والمنزه عن الإثم، والمسيح هو الذي لم يخطئ أبداً، لذا فإننا نقول: إن المسيح هو ذات الله نفسه في شكل إنسان.

خامساً:

البرهان الخامس على أن المسيح هو من ذات الله لأنه هو الوحيد الذي كان يغفر الخطايا والذنوب للخطاة. ترى من يغفر الخطايا إلا الله؟ لماذا إلا الله؟

إليك بعض الأسباب:

  1. لأن المغفرة تأتي من طبيعة قداسة الله المطلقة كما في (الإنجيل بحسب يوحنا 3: 16)، وفي (رسالة يوحنا الرسول الأولى 2: 12).
  2. لأن المغفرة تأتي من طبيعة محبة الله المطلقة. كما ورد في العهد الجديد “الله محبة”.
  3. لأن المحبة تأتي من نعمة الله المجانية الغنية: وهذا ما قاله بولس في رسالته إلى الكنيسة.

     

  4. لأن المغفرة تأتي من قوة الله وسلطانه، كما ذكر ذلك لوقا في بشارته: “فلما رأي إيمانهم قال يسوع: أيها الإنسان مغفورة لك خطاياك”.
  5. لن المغفرة تأتي من الله لمصالحة الإنسان مع الله القدوس نفسه. كما ذكر الرسول بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس 5: 19 “إن الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم”.

     

  6. شهادة المسيح عن نفسه. كما ورد في الحوار الجاري بين المسيح ورجال الدين اليهود الفريسيين في الإنجيل بحسب لوقا (5: 20-26): “فلما رأي إيمانهم قال أيها الإنسان مغفورة لك خطاياك. فابتدأ الفريسيون والكتبة يفكرون قائلين: من هذا الذي يتكلم بتجاديف؟ من يقدر أن يغفر الخطايا إلا الله وحده؟ فشعر يسوع بأفكارهم وأجاب قائلاً: لكي تعلموا أن لابن الإنسان (أي المسيح ذاته) سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا”.

     

  7. شهادة العديد من الرسل ومنها شهادة التلميذ الرسول يوحنا في رسالته الأولى (1: 9) حيث يقول: “إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل (أي المسيح) حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم”.

والخلاصة: بما أن الله وحده الذي له القدرة والسلطان أن يغفر الخطايا، والمسيح كان له هذا السلطان، إذاً فلا شك أن المسيح هو ذات الله في صورة إنسان.

سادساً:

البرهان السادس لأنه الشخص الوحيد الذي دعي بألقاب إلهية مجيدة. هذه الألقاب قد انطلقت من أفواه جميع طبقات البشر واعترافاتهم. وهي تعطينا دليلاً ساطعاً واضحاً عما كان وجرى في تلك العصور السالفة وإليك شيئاً منها:

  1. شهادة النبي أشعياء في العهد القديم (قبل 750 سنة) حيث يقول “لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام”.
  2. شهادة المسيح عن نفسه وذلك بأنه:

– كلي القدرة والسلطان، كما ورد في إنجيل متى 28: 18 “فتقدم يسوع وكلمهم قائلاً: دفع لي كل سلطان في السماء وعلى الأرض”.

– كلي المعرفة، فلقد عرف المسيح تلاميذه قبل أن اختارهم كما جاء في الإنجيل بحسب يوحنا 1: 48. وفي الأصحاح الحادي عشر عرف أن لعازر شقيق مريم قد مات. وقد تنبأ المسيح وعرف ماذا سيحدث له وما سيلاقيه من اضطهاد وعذاب بين الناس ومن ابتعاد تلاميذه عنه، كما تحدث عن موته وقيامته وصعوده إلى السماء ومن ثم عن مجيئه الثاني إلى العالم.

لقد كان عالماً دقيقاً في تحليل النفوس البشرية وفهمها ودراسته ونقدها. وقد قال الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية 8: 29، 30 “لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم والذين سبق فعينهم فهؤلاء بررهم ومجدهم أيضاً”. واعترف بولس مرة أخرى بعلم السيد المسيح وعمق معرفته فقال في رسالته إلى كولوسي 2: 3 “المدخر لنا فيه جميع كنوز المعرفة والعلم”.

– كلي الوجود، فقد قال المسيح عن نفسه في (الإنجيل بحسب متى 18: 20) “حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم”. ويذكر الإنجيل قصة نزول المسيح من السماء على تلاميذه الخائفين وهم قلقون في العلية حيث كانت الأبواب مغلقة، جاء يسوع ووقف في الوسط.

– أزلي الوجود وقد قال المسيح عن نفسه في الإنجيل بحسب يوحنا 8: 58 “قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن”. وفي الأصحاح الأول، الآية الأولى يقول: “في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله”. كما قال بولس الرسول في رسالته إلى العبرانيين (9: 14) “المسيح الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب”.

– شهادة التلميذ توما المتشكك أمام التلاميذ كما وردت في الإنجيل بحسب يوحنا (20: 28) “ربي وإلهي”.

وهناك أكثر من مائة لقب أعطيت فقط للسيد المسيح كما وردت في العهدين القديم والجديد مثل: “الله معنا – المخلص – الرب – كلمة الحياة – الفادي – البار – الخالق الأزلي – الكائن والذي كان والذي يكون – الديان للأحياء والأموات – البداية والنهاية – الله” وغيرها.

الخلاصة: بما أن هذه الألقاب العظيمة الفائقة لا تعطى إلى للرب وحده فقط وقد أعطيت للسيد المسيح فيجب أن نسلم بديهياً أن المسيح هو الله نفسه في هيئة إنسان.

سابعاً:

إن المسيح هو ذات الله لأنه كان يسجد له ولم يرفض هو هذا السجود من الناس له. وإليك ما يذكره الكتاب المقدس عن سر السجود للمسيح منذ ولادته وحتى صعوده:

  1. سجد له حكماء المجوس القادمين من الشرق في مكان ولادته المتواضع. كما ورد ذلك في الإنجيل بحسب متى (2: 11) حيث يقول: “فخروا وسجدوا له ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا ذهباً ولباناً ومراً”.
  2. سجد له المرضى والبرص كما جاء في (الإنجيل حسب متى 8: 2) “وإذا أبرص قد جاء وسجد له قائلاً يا سيد إن أردت تقدر أن تطهرني”. كما سجد له الأعمى قائلاً: “أؤمن يا سيد وسجد له”.

     

  3. وسجد له التلاميذ بعد صعوده إلى السماء وظهوره لهم. كما ورد ذلك (في الإنجيل بحسب متى 28: 17) “ولما رأوه سجدوا له”.
  4. سجدت له النساء كما جاء في (الإنجيل بحسب متى 15: 25) “فأتت امرأة وسجدت له قائلة يا سيد، أعنّي”.
  5. سجد له الشيطان والأرواح الشريرة كما حدث ذلك في (الإنجيل بحسب مرقص 5: 1-7) “… إنسان به روح نجس. فلما رأى يسوع من بعيد ركض وسجد له”.

  6. ستجثو له كل ركبة في السماء وعلى الأرض كما يصرح بهذا الرسول بولس في رسالته إلى أهل فيليبي (2: 9) “لذلك رفعه الله وأعطاه اسماً فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب”.

الخلاصة: نستنتج من هذه البراهين والأدلة الكتابية الصادقة أن المسيح كان يُسجد له كالإله العظيم. وبنا أن السجود وأسرار العبادة هي كلها لله وحده، لذا فإننا نؤمن جازمين واثقين بأن المسيح المسجود له هو ذات الله نفسه في صورة إنسان.

ثامناً:

البرهان الثامن بأن المسيح هو ذات الله، لأنه الوحيد الجبار الذي غلب الشيطان وانتصر على الموت، وذلك واضح في العهد الجديد عندما انتهر المسيح ذلك الشيطان الذي جربه، وحينما صعد المسيح من بين القبور منتصراً على شوكة الموت غالباً ظافراً.

وإليك ما رود في الكتاب المقدس عن انتصاره الرائع العجيب:

  1. شهادة المسيح للشيطان المجرب له. كما جاء في الإنجيل بحسب متى (4: 1-11) “قال له يسوع مكتوب أيضاً لا تجرب الرب إلهك… ومكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد”.
  2. شهادة الشيطان نفسه وذلك حسبما جاء في الإنجيل بحسب يوحنا (16: 33) “نعلم من أنت …. أنت ابن الله الحي أتيت لتهلكنا، ثم تركه ابليس”.
  3. قول يسوع لتلاميذه متحدياً الشر في العالم وذلك في (سفر الرؤيا 20: 10) “وإبليس الذي كان يضلهم طرح في بحيرة النار والكبريت حيث الوحش والنبي الكذاب وسيعذبون نهاراً وليلاً إلى أبد الآبدين”.
  4. الوعد للمؤمنين بالمسيح، كما قال الرسول يوحنا في رسالته الأولى 5: 5 “من هو الذي يغلب العالم إلا الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله”.

والخلاصة: بما أن المسيح هو الذي غلب الشيطان، ولا يقدر أن يقهره ويغلبه إلا سلطان الله وحده، لذا فإن المسيح هو الله نفسه في هيئة إنسان.

تاسعاً:

البرهان التاسع بأن المسيح هو ذات الله، لأنه جاء من السماء بروح الله وصعد عائداً إلى السماء بجسد إنسان. كما ورد ذلك في شهادة المسيح عن نفسه في (الإنجيل حسب يوحنا 3: 13) “ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان (أحد ألقاب المسيح) الذي هو في السماء”. ثم قال في مكان آخر من الإنجيل حسب يوحنا 7: 33 “أنا معكم زماناً يسيراً بعد، ثم أمضي إلى الذي أرسلني”.

وقال أيضاً “حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً” (يوحنا 14: 1-4) وفي يوحنا 16: 5 “أنا ماض إلى الذي أرسلني وليس أحج منكم يسألني أين تمضي؟” وفي يوحنا 16: 7 “لكني أقول لكم أنه خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي (الروح القدس)”.

ونذكر هنا شهادة الناس الآخرين عنه كما وردت في أعمال الرسل 1: 9-11 “ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون، وأخذته سحابة عن أعينهم. وفيما كانوا يشخصون إلى السماء وهو منطلق إذا رجلان وقفا بهم بلباس أبيض وقالا: …. إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء”.

وفي الحقيقة نقول أن من يتأمل ملياً ويطالع بدقة قصة صعود المسيح إلى السماء بعد قيامته من بين الأموات، ثم ظهوره عدة مرات لتلاميذه ونزوله عليهم فجأة، يشعر بالدهشة والاستغراب لهذه الأحداث الخارقة العجيبة، لأنها ليست من صنع إنسان بشري، بل هي من ابداع الله الخالق وعظمته وقدرته ودقة أسراره السماوية. وهنا تكمن ألوهية السيد المسيح الذي نزل من السماء وكانت الملائكة تخدمه كإله عظيم. كما كانت الشياطين ترهبه وتخشاه. وهو نفسه الذي صعد من الأرض إلى السماء، وهو ذاته الذي سيعود في اليوم الأخير ليدين الأحياء والأموات.

فمن هذا إذاً؟ إنه المسيح الذي تحدث عنه الرسول بولس في رسالته الأولى لتلميذه تيموثاوس 3: 16 “الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى لملائكة، كُرز به بين الأمم، أومن به في العالم، رفع في المجد”. إنه حتماً الله نفسه. الله هو المسيح، والمسيح هو الله.

أسئلة يسألها المسلمون ج6 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج5 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج5 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج5 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج5 والرد المسيحي عليها

20  هل الله واحـد أم ثلاثـة؟

سأتناول في البحث موضوعاً ليس من السهل الخوض فيه لأنه يتناول أعظم شخصية في السماء وعلى الأرض، شخصية الله الذي له كل المجد والجلال. ولا يسعني منذ الآن إلا أن أعترف بعجزي وتقصيري ومحدوديتي، لا بل إني أسمع صوتاً يجلجل في أعماقي قائلاً: “اخلع نعلك من رجليك لأن الأرض التي أنت واقف عليها هي أرض مقدس”.

سأتناول الموضوع بكل مهابة وخشوع ووقار. وإني أصلي إليه تعالى طالباً الحكمة والقوة والعون كي أعالج هذا الموضوع بتجرد ومحبة وإيمان بحيث تتضح الحقيقة لمن يرغب في معرفتها، وتزول الغشاوة عن العيون، وتتحول الظلمة إلى نور. فالذي قال أن يشرق نور من ظلمة في بدء الخليقة قادر أن يشرق بنوره في قلوب الكثيرين. وإني آمل ألا يتسرع أحد في الحكم على هذا الكتيب قبل الانتهاء من قراءته، وإلا فإنه سيقع في فخ الاستنتاجات المغلوطة النابعة من عدم التجرد والموضوعية.

الفصل الأول: هل الله واحد أم ثلاثة؟

شغل هذا السؤال أكبر الأدمغة في عالم اللاهوت والفلسفة والفكر. ولعلك يا قارئي العزيز واحد ممن دلوهم بين الدلاء، ولكن النتيجة واحدة. فالعقل البشري أعجز من أن يسبر الأغوار أو يستكشف الأسرار المتعلقة بالذات الإلهية دون إعلان أو كشف مسبق منه تعالي. يقول المزمور 19: “السماوات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه”. فلو لم يعلن الله بعض جوانب طبيعته في الطبيعة المحيطة بنا لما توصل العقل إلى ما توصل إليه.

فإن أمور الله غير المنظورة – أي قدرته السرمدية ولاهوته، ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات، كما يقول الرسول بولس في رسالته إلى رومية. ولو لم يعلن عن ذاته في التاريخ والضمير والكتاب المقدس لما قدر العقل أن يفعل الكثير. فالفضل في الموضوع كله هو لله. فالله يبدأ بالإعلان لكي يحرك فينا العقل والإيمان. والإيمان أسمى من العقل لأنه يرى ما لا يرى في حين أن العقل يتناول المنظورات والمحسوسات. الإيمان ليس ضد العقل بل ضد العيان.

الإيمان والعقل يسيران في اتجاه واحد ولكن الأول أعظم وأعلى من الثاني. ولهذا يقول الكتاب المقدس “بدون إيمان لا يمكن إرضاء الله”. فمن يتوسل العقل وحده دون الإعلان أو من يقبل بعض إعلانات الله دون بعضها الآخر. فإنه ينتهي بواحد من ثلاثة: إما الإنكار والاستنكار أو التساؤل والاستفسار.

وجدير بالانتباه ان المعلنات الإلهية – مهما تنوعت وتعددت – ليس فيها أي تناقض على الإطلاق بل هي منسجمة بعضها مع بعض وتكمل بعضها بعضاً. فما أعلنه الله في الطبيعة ينسجم كلياً مع ما أعلنه في الضمير، وما أعلنه في الضمير لا يخالف ما أعلنه في التاريخ، وما أعلنه في التاريخ يوافق معلناته في الكتاب المقدس مع العلم أن نور الإعلانات الإلهية هذه كان يزداد تدريجياً إلى أن بلغ ذروته في المسيح!

وأول شيء من هذه المعلنات هو أن الله واحد ولا آخر سواه. صحيح أن هناك كائنات روحية خارقة يسميها الكتاب المقدس “أرواحاً خادمة” كرؤساء الملائكة والكروبيم والسرافيم والملائكة – هذا إذا لم نذكر الكائنات الروحية الشريرة بزعامة إبليس، ولكن هذه كلها كائنات مخلوقة ومحدودة، أما الله فهو الخالق غير المحدود وقد أطلق عليه الفلاسفة أسماء عدة ومن أهمها “الواحد”. وهذه الكائنات مؤكد عليها في التوراة والإنجيل والقرآن. فاليهودية والمسيحية والإسلام هي ديانات توحيدية لأنها تعتقد بإله واحد.

ظن الكثيرون خطأ أن المسيحيين يؤمنون بثلاثة آلهة. وقد بلغ بعضهم حد القول بوقاحة ان الله متزوج وله ولد ثم تنادوا للدفاع والمحاماة عن الله، الأمر الذي إن دل على شيء فإنه يدل على جهل ما بعده جهل.

أيها القراء الأحباء – ليكن معلوماً عندكم ان المسيحية هي ديانة توحيدية بالرغم من كل محاولات التشويش والتشويه من جانب المادية واللاأدرية والتعددية والحلولية والبدع الشيطانية والاستنتاجات الكيفية التي لا قبل لها بتغيير الحقيقة. فالمادية تنكر وجود الله وتقول أن الكون يفسر نفسه بنفسه. واللاأدرية تزعم بأن الله لا يمكن معرفته، وقد آثرت الوقوف على الحياد قائلة “لست أدري”. والتعددية لا تؤمن بإله واحد بل بعشرات ومئات الآلهة. وهذا بارز في الأوساط الوثنية ماضياً وحاضراً.

والحلولية تعتبر الله والكون شيئاً واحداً. فالله هو الكون والكون هو الله. وبقولها هذا تنفي الحلولية، لا وحدانية الله فقط بل أيضاً شخصيته وطبيعته ومقاييسه. أما الكتاب المقدس فيقول إن الله واحد، وهذا ما سنأتي على تفصيله في الفصل القادم إن شاء الرب.

سؤال: هل الإيمان بوحدانية الله ضروري؟

نعم وبكل تأكيد. يقول يعقوب في رسالته المعروفة باسمه “أنت تؤمن أن الله واحد. حسناً تفعل”. أي أنه يمتدح المؤمنين بوحدانية الله.

سؤال آخر: هل الإيمان بوحدانية الله كاف للخلاص ودخول السماء؟

كلا. فإن يعقوب الذي امتدح الإيمان بوحدانية الخالق، يتابع قائلاً “والشياطين أيضاً يؤمنون ويقشعرون”. فحتى الشيطان يعتقد بالله الواحد ويخاف منه، ولكن إيمانه لا يخلصه. لماذا؟ لأنه إيمان ناقص. فالإيمان بدون توبة لا يجدي نفعاً. والشيطان لا يقدر أن يتوب.

قال المسيح لسامعيه في إنجيل لوقا: “إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون”. فالإيمان بالله الواحد أمر ضروري وجوهري ولكن إن لم يقترن بتوبة قلبية عمودية فإنه لا يختلف عن إيمان الشياطين. هكذا كان إيمان الإغريق والرومان الذين قال عنهم بولس الرسول إنهم “لما عرفوا الله (وآمنوا بوجوده ووحدانيته من خلال الطبيعة) لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم وأظلم قلبهم الغبي. وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء”. وما أكثر أمثال هؤلاء في أيامنا!

يا ليتنا نقول مع المرنم:

تبت إليك راجعاً بالقول والفعل

فاقبلني ربي سامعاً نداي واغفر لي.

الفصل الثاني: معنى الوحدانية

السؤال المطروح علينا هو: هل الله واحد أم ثلاثة؟ ومما قلناه في الفصل السابق هو أن الجواب ليس متوقفاً على المنطق والعقل بل بالحري على الإعلان والإيمان فهو ضد الشك. العقل محدود أما الإيمان فيعمل المستحيلات. ولهذا قال المسيح: “إن كنت تؤمن فكل شيء مستطاع للمؤمن”. العقل كالشمعة أما الإيمان فهو كالشمس في رابعة النهار. وبالرغم من هذه الفوارق فإنهما يسيران في اتجاه واحد ويتفقان على جواب واحد وهو: أن الله واحد ولا آخر سواه.

نعم الله واحد، ونحن نتمسك بهذه العقيدة بقوة، بالرغم مما يشاع عنا، بحسن نية أو بسوء نية. فالأنبياء والرسل والمسيح نفسه أكدوا على هذه الحقيقة في كلمة الله. وكلمة الله صخر لا يتزعزع. “السماء والأرض تزولان ولكن كلام الله لا يزول”.

إليكم الآن بعض البراهين من كتاب الله على وجود إله واحد. يقول موسى الكليم الحليم في الأصحاح 6 من سفر التثنية: “اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد”. وفي الأصحاح 20 من سفر الخروج يقول الله في الوصية الأولى من الوصايا العشر “أنا الرب إلهك…. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي”. وفي الأصحاح 45 من سفر اشعياء النبي تقع عيوننا ست مرات على قوله الله “أنا الرب وليس آخر. لا إله سواي”.

والحقيقة ذاتها نجدها في العهد الجديد. ففي الأصحاح 12 من إنجيل مرقص نقرأ أن أحد الكتبة المتمسكين بالناموس سأل يسوع: “أية وصية هي أول الكل؟” فأجابه يسوع “إن أول كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد”. ثم تابع يقول: “وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك ومن كل قدرتك”.

وفي الموضوع نفسه يتكلم الرسول بولس في الأصحاح 4 من رسالته إلى أفسس فيقول: “رب واحد. إيمان واحد. معمودية واحدة. إله وآب واحد”. وفي رسالته الأولى إلى تيموثاوس يصرح الرسول نفسه قائلاً: “يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس…” وقد أشار يعقوب على العقيدة نفسها لما قال في الأصحاح 4 من رسالته المعروفة باسمه “واحد هو واضع الناموس” بالإضافة إلى هذا عبر المؤمنون بالإله الواحد، على مر التاريخ، عن عقيدتهم هذه بقولهم “نؤمن بإله واحد آب ضابط الكل خالق السماوات والأرض…”.

السؤال الهام الآن هو: ما هي هذه الوحدانية وكيف نفهمها على ضوء الوحي المقدس؟

إن كنا نحاول تفسير وحدانية الله تفسيراً حرفياً مطلقاً كما يفعل بعض العقلانيين، فغن مفهومنا لشخصية الله والمسيح والكتاب المقدس يصير مستحيلاً. فالكتاب المقدس يمسي كتاباً مملوءً بالمتناقضات، ويصير المسيح مجرد إنسان ذي نزعة دينية.

إذاً كيف نفسر الوحدانية وكيف يجب أن نفهمها؟

إن كنا نؤمن بصدق الله وكلمة فما علينا إلا أن نعود “إلى الشريعة وإلى الشهادة”. فمن الأناجيل نفهم أن المسيحيين الأوائل كانوا من اليهود المتمسكين بإيمانهم بوحدانية الله، ولما تعرفوا إلى المسيح لم يتخلوا عن عقيدتهم هذه ولكنهم فهموها بطريقة جديدة من تصريحات المسيح عن نفسه وعن الروح القدس. بكلمة أخرى فهموا أن هناك تعدداً داخل الوحدانية. فهموا أن الله ذو جوهر واحد غير متجزء وفي الوقت نفسه ثالوث أو ثلاثة أقانيم.

لعلك تقول “هذا القول كفر وغير معقول”. ولكن رويدك. فمن قال لك أننا نتكلم على مستوى العقل والمعقول؟ فالعقل البشري يلجأ عادة إلى الحساب والأرقام فيقول: واحد +  واحد + واحد = ثلاثة، وحاشا أن يكون هناك ثلاثة آلهة، وهكذا يسرع إلى الإنكار أو إلى الاستنكار.

هذه هي الغلطة التي وقع فيها العبرانيين قديماً. فما قرأوا قول موسى في التوراة “اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد” رفضوا فكرة الثالوث كلياً ولم يعلموا أن لفظة “واحد” في الكتاب المقدس إنما تشير إلى الاتحاد أو الوحدة بين كينونات عدة. مثال على هذا ما ورد في الأصحاح الأول من سفر التكوين حيث يقول موسى: “وكان مساء وكان صباح يوماً واحداً” مشيراً بذلك إلى اليوم المكون من مساء وصباح.

مثل آخر نجده في الأصحاح الثاني من السفر نفسه، حيث نقع على الآية القائلة “لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً”، إشارة إلى الاتحاد التام بين كيانين مستقلين. فالمرأة كان واحداً مع الرجل لأنها كنت ضلعاً من أضلاعه، وهي لا تزال واحداً مع رجلها في نظر الله، وقس على ذلك. هذه الحقائق أعلى من العقل. ومع ذلك فإني أنصحك أن تقبلها بثقة وفرح لأن الله لا يخدعنا. من جهة أخرى، إن كنت تحاول أن تخضع الله لمفاهيمك البشرية فإنك تحاول المستحيل لأنك محدود والله غير محدود. ليعطك الرب فهماً في كل شيء، وعسى أن تقبل الإعلان بالإيمان.

الفصل الثالث: التعدد في الوحدانية

على ضوء كلمة الله، آمل أن نكون قد فهمنا أن الله واحد وأن وحدانيته ليست حرفية جامدة بل حية متفاعلة. فإن لفظة “واحد” تشير إلى الوحدة أو الاتحاد بين كينونات عدة، ولو أن المنطق البشري ينفر من الفكرة – فكرة التعدد في الوحدانية. فقد أعلن الله عن ذاته بهذه الطريقة وقدمها لنا لا للتصويت عليها بل لقبولها بالإيمان. أن نقبل أو ألا نقبل: تلك هي المسألة. وفي كلتا الحالتين نحن مسؤولون عن موقفنا.

لم ترد لفظة ثالوث في الكتاب المقدس ولكن سر الثالوث واضح جلي لكل ذي بصيرة روحية. غير أن هذا لا يعني أن عقيدة الثالوث سهلة الفهم. فهي فوق العقل لأن الله فوق العقل.

يقال إن أغسطينوس كان منهماً بهذا الموضوع إذ كان يتمشى ذات يوم عند شاطئ البحر. فحانت منه التفاتة إلى غلام صغير يحفر حفرة في الرمل. ولما سأله أغسطينوس عن غرضه من تلك الحفرة أجاب: “أريد أن أضح البحر في هذه الحفرة”. فقال أغسطينوس في نفسه: “هذا هو عين ما أفعله الآن. إني أحاول أن أضع الله اللا محدود في حفرة عقلي المحدود”.

نعم من منا يقدر أن يفهم الله وطبيعته بعقله المحدود؟ هناك أسرار أقل شأناً لا قبل لنا بفهمها. فمن منا يقدر أن يدرك معنى الحياة والوعي والنوم؟ إن كنا لا نفهم من هذه إلا اليسير فكيف نفهم الاعتقاد القائل بإله واحد في ثلاثة وثلاثة في واحد؟

لا غرابة إذا عثر مؤلهو العقل بعقيدة الثالوث كما عثروا بعقيدة الصليب. يقول الرسول بولس: “نحن نكرز بالمسيح يسوع مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة”. وبصدق الشيء عينه على عقيدة الثالوث ولكن المسيح قال: “طوبى لمن لا يعثر فيّ”. اقترح أحدهم مرة دمج الديانتين المسيحية والإسلامية في ديانة واحدة. ولكنه اشترط أن يتخلى المسيحيون عن الاعتقاد بالثالوث والصليب وصحة الكتاب المقدس، وقد فاته أن حسن النية لا يكفي ولا يفي، وأن الأمر ليس عائداً للمسيحيين بل لله الذي كشف لنا سر الثالوث وأعلن لنا عن ذاته إلهاً واحداً مثلث الأقانيم. وما دام الله قد قال كلمته فمن نحن حتى نبدل أو نعدل أو نحذف أو نضيف؟

إن فكرة التعدد في الوحدانية ليست غريبة عن كتاب الله أو عن خليقة الله. فالإنسان نفسه واحد وثالوث في آن واحد معاً. فهو مكون من نفس وروح وجسد. لهذا يقال عن الأموات أنهم “أحياء عند ربهم” في حين أن الجثمان يحمل إلى المقبرة. والماء أيضاً هو واحد وثالوث، لأنه مكون من جزيئين من الهيدروجين وجزيء من الأكسجين. والهواء ثالوث: أكسجين وهيدروجين ونيتروجين. والذرة الواحدة مؤلفة من بروتون ونيوترون وإلكترون. والمادة مكونة من جامد وسائل وغاز. والزمن مقسم إلى ماض وحاضر ومستقبل. العائلة مؤلفة من الأب والأم والأولاد.

نذكر هذه الإيضاحات كلها مع العلم أنها نسبية ومحدودة. لأن الله لا يمكن تشبيهه بشيء في الوقت نفسه تؤكد لنا هذه الإيضاحات شيئاً واحداً هاماً وهو: إمكانية التعدد في الوحدانية، وبالتالي إمكانية الاعتقاد بإله واحد في ثلاثة أقانيم.

زعم بعضهم أن الثالوث جاء أصلاً من الوثنية. ولكن هذا خطأ. صحيح أن الوثنية كانت لديها فكرة شبيهة بفكرة الثالوث إلا أن مفهومها لها لم يكن المفهوم المسيحي نفسه. وحتى لو افترضنا أن الوثنية كانت تؤمن بالثالوث على الطريقة المسيحية فإن ذلك لا يقلل من شأن العقيدة بل بالحري يؤكد لنا أن الله أعلن سره هذا للوثنين بطريقته الخاصة. نقول هذا ونحن واثقون من أن أوجه الخلاف بين المفهومين أكثر من أوجه الشبه.

وزعم آخرون أن الثالوث لا يعني وجود ثلاثة أقانيم مميزة في اللاهوت، ومن بينهم سباليوس الذي ظهر في القرن الثالث الميلادي وقال “أن الآب والابن والروح القدس هم مجرد ثلاث تسميات لثلاثة مظاهر مؤقتة لله، وذلك بقصد إتمام الفداء للبشر”. وفي القرن الرابع ظهر انحراف آخر عن عقيدة الكتاب المقدس بزعامة آريوس قائد من يزعمون أنهم شهود يهوه، في جوانب للإله الواحد. آمن آريوس بوجود إله واحد وأنكر الثالوث. وانتهى به الأمر إلى تقسيم جوهر الله، فصار الابن والروح القدس كائنين مخلوقين للتوسط بين الله والناس. وهكذا حول آريوس المسيح إلى إله صغير مخلوق مجراً إياه من بنوته الأزلية، ولو أنه قال إن المسيح خلق العالمين.

أما تلاميذ آريوس فقالوا إن المسيح خلق الروح القدس، وبذلك صار الله في المرتبة الأولى، والمسيح في الثانية، والروح القدس في الثالثة. وهذه الانحرافات أمر لا بد منه لأنه عندما يرفض المرء إعلانات الله فإنه يصير عبداً لأفكاره واستنتاجاته الباطلة.

ولكن هذا لا يغير من الحقيقة شيئاً. فالله هو هو وليقل الناس ما شاءوا. وكم يذكرني هذا بما ورد في المزمور الثاني حيث يقول داود: “لماذا ارتجت الأمم وتفكر الشعوب في الباطل؟” وبعد ذلك يقول: “الساكن في السماوات يضحك. الرب يستهزئ بهم”. فالله يستخف بمحاولات الناس لأنها سقيمة وعقيمة وبلا قيمة.

أخي، هل أنت ممن يرضخون إلى ما يمليه المنطق البشري المتأثر بالخطية، أم أنك تصدق الله وتقبل بالإيمان ما كشفه لنا في كتابه المعصوم؟ ليت الرب يفتح قلبك وبصيرتك لتقبل الحق.

الفصل الرابع: براهين على التعدد في الوحدانية

قلت لغاية الآن أن الكتاب المقدس في عهديه يؤكد أن الله واحد في ثلاثة وثلاثة في واحد. وهذا طبعاً لا يروق للمنطق والعقل لأنه فوق العقل وغير ناتج عن الاجتهاد العقلي. فالله كشف هذا السر للبشر بواسطة إعلاناته الإلهية وعلى رأسها الكلمة المكتوبة والكلمة المتجسد.

ونحن البشر ليس لنا يد في الموضوع. كل ما الأمر هو أننا أمام خيارين: إما قبول الإعلان بالإيمان أو عدم قبوله تحت طائلة المسؤولية. فالعقل وحده أعجز من أن يتجاوب مع الإعلانات الإلهية بمنأى عن الثقة في كلمة الله المقدسة. أما الإيمان فيفتح القلب وينير الذهن ويجلو البصيرة.

ذكرت أيضاً أن الوحدانية والثالوث هما حجر عثرة للبعض وجهالة للبعض الآخر. والسبب في ذلك معبر عنه في قول الرسول بولس: “إن الإنسان الطبيعي (أي بطبيعته) لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة”. وهكذا يقع المرء فريسة للأفكار الباطلة والمحاولات السقيمة والعقيمة. فالله واحد، وجوهره واحد، ولكنه ثالوث. والبراهين على ذلك كثيرة:

أولاً: أسماء الله. ففي اللغة العبرية، لغة العهد القديم، نقع على لفظتين لاسم الجلالة، واحد بالمفرد وهي “إيل” (أي الله) والأخرى في الجمع وهي “إيلوهيم” (أي آلهة). وقد استعملت “إيلوهيم” 2500 مرة، في حين أن “إيل” استعملت 250 مرة. مثال على هذا، الوصية الأولى في الوصايا العشر الوارد ذكرها في الإصحاح 20 من سفر الخروج حيث يقول الله: “أن الرب إلهك (إيلوهيم)”. فقوله “أنا الرب” يشير بوضوح إلى أنه “واحد” أما قوله “إلهك” (إيلوهيم في صيغة الجمع) فيشير إلى التعدد في الوحدانية.

ثانياً: أقوال الله. إذا عدنا إلى الأصحاح الأول من سفر التكوين نجد الله يتكلم في صيغة الجمع والمفرد في آن واحد. ففي الآية 26 قال الله “نعمل الإنسان على صورتنا”…. وفي الآية 27 نقرأ العبارة القائلة “خلق الله الإنسان على صورته”.

وعلى أثر سقوط الإنسان، في الأصحاح 3 من السفر نفسه نقرا قول الله في الآية 22 “هوذا الإنسان قد صار كواحد منا”. وعندما يقول الله: “منا” فإلى من يشير يا ترى؟ أليس إلى التعدد في الوحدانية؟

في الأصحاح 6 من سفر أشعياء النبي نقرأ أن السيرافيم هتفت ثلاث مرات قائلة: “قدوس، قدوس، قدوس، رب الجنود”، بعد ذلك يقول أشعياء “سمعت صوت السيد قائلاً من أرسل؟ ومن يذهب من أجلنا؟” لاحظ أنه قال “من أرسل” في المفرد ثم “من أجلنا” في الجمع. ونجد هذه الحقيقة واضحة جداً في قصة برج بابل في الأصحاح الحادي عشر من سفر التكوين حيث يقول الله: “هلم ننزل ونبلبل لسانهم” وليس “هلم أنزل…الخ” من جهة أخرى، لفظة “هلم” تشير إلى أن هناك متكلماً ومخاطباً. فمن هو المخاطب يا ترى؟

ثالثاً: محبة الله. يقول الرسول يوحنا: “الله محبة”. حتى الاغريق فهموا أن الله محب، ولذلك استعملوا أربع لفظات للمحبة. الأولى تشير إلى المحبة الشهوانية، والثانية إلى المحبة العائلية، والثالثة إلى المودة البشرية، والرابعة إلى المحبة الإلهية وهي “أغابي”.

فالله ليس عطوفاً رحيماً فقط بل أيضاً محب. والمحبة لها محبوب. فإن كان لا وجود للتعدد داخل الوحدانية فمن يكون المحبوب يا ترى؟ فإن قلنا إن الله يحب ذاته فإننا نرتكب خطأً فظيعاً، لن الله ليس أنانياً. وإن كان ليس أنانياً فمن هو موضوع محبته؟ فإذا قلنا إن الله يحب الإنسان أو العالم فمعنى ذلك أن الله غير مكتف بذاته، وإن كان غير مكتف بذاته فهو إذاً غير كامل. وحاشا لله أن يكون ناقصاً. وفي هذه الحالة لا يبقى أمامنا إلا حل واحد وهو، كما قال المعمدان وبولس والمسيح، “أن الآب يحب الابن” وهذه إشارة إلى التعدد في الوحدانية.

رابعاً: وعود الله. وأكتفي هنا بوعدين. الأول هو وعد الحياة الأبدية، والثاني هو وعد الروح القدس. في الأصحاح الأول من رسالة بولس إلى تيطس يتحدث الرسول في الآية 2 عن “الحياة الأبدية التي وعد بها الله في الأزلية”. فإن كنا نصدق كلمة الله فمن حقنا أن نسأل: إن كان الله هو الواعد فمن هو الموعود؟ وجواب هذا السؤال نجده في الأصحاح السابع عشر من إنجيل يوحنا. يقول المسيح للآب السماوي: “مجد ابنك ليمجدك ابنك أيضاً إذ أعطيته سلطاناً على كل جسد ليعطي حياة أبدية لكل من أعطيته”. فالواعد هو الآب، والموعود هو الابن، والوعد تم في الأزل، حيث لم يكن ملاك أو إنسان أو أكوان.

الوعد الثاني هو وعد الروح القدس الذي دعاه المسيح “موعد أبي” ودعاه بولس “روح الموعد القدوس”. وفي هذين القولين إشارة إلى ما قرره الله في الأزل عندما فكر بخلاص البشر. فقد وعد الآب ابنه بإرسال الروح القدس بعد الصليب والقيامة والصعود، وهكذا صار. فلما جاء يوم الخمسين كما هو مدون في الأصحاح الثاني من سفر أعمال الرسل، حل الروح القدس على التلاميذ كما لو أنه إعصار، وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار وامتلأ الجميع من الروح القدس.

لعلك تقول “أنا لا أقدر أن أفهم سر الثالوث”. وأنا أجيبك: أنا مثلك. ولكني أقبله بالإيمان لأن الله صادق ومنزه عن الكذب. فالمسألة بسيطة جداً. هل أنت تصدق الله أكثر من الناس أم بالعكس؟ إن كنت تصدق الله فمن اللازم أن تصدق كلامه ومعلناته في كتابه الكريم. وإن كنت تصدق البشر فمعنى ذلك أنك تريد أن تضع الحقائق الروحية في صف الحقائق العلمية والتحاليل الفلسفية، وهذا خطأ فادح وفاضح. يا ليتك تقتدي بالرسول بطرس الذي قال: “ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس”.

الفصل الخامس: من أين جاء الثالوث؟

هيا بنا الآن إلى الأدلة الكتابية على عقيدة الثالوث القائلة بإله واحد مثلث الأقانيم: الآب والابن والروح القدس. وسأستهلها بما ورد في فاتحة الكتاب المقدس. ففي الأصحاح الأول من سفر التكوين نقرأ في الآية الأولى العبارة القائلة: “في البدء خلق الله السماوات والأرض”. وتقول الآية 2: “وروح الله يرف على وجه المياه”. وبعد ذلك نقرأ في الآية 3: “وقال الله ليكن نور فكان نور”. الآية الأولى تتحدث عن “الله” والثانية عن “روح الله” والثالثة عن “قول الله” أي كلمة الله. وهي تشير إلى العقيدة المسيحية القائلة بإله واحد في ثلاثة أقانيم.

أنتقل الآن إلى المزامير. ففي المزمور 33 تقع عيوننا على الآية 6 القائلة: “بكلمة الرب صنعت السماوات. وبنسمة فيه كل جنودها”. وبهذا كان داود يشير، كما أشار موسى من قبل، إلى اشتراك الرب وكلمته ونسمة فمه في عملية الخلق. والشيء نفسه نجده واضحاً جلياً في نبوة أشعياء. ففي الأصحاح 48 يقول الله “أنا الأول والآخر” (وهذا لقب من ألقاب المسيح في العهد الجديد) ويدي أسست الأرض ويميني نشرت السماوات”. وفي الآية 16 يقول “منذ وجوده أنا هناك. والآن أرسلني السيد الرب وروحه”. من هنا نفهم أن الأقنوم الثاني هو المتكلم ولذلك يقول “أرسلني السيد الرب وروحه”. إن كان هذا ليس ثالوثاً. فكيف يكون الثالوث؟

نتحول إلى العهد الجديد. ففي الأصحاح الثالث من إنجيل متى نقرأ تفاصيل معمودية المسيح على يد يوحنا المعمدان. يقول البشير متى أنه “لما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء. وإذا السماوات قد انفتحت فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً عليه، وصوت من السماء قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت”. تصور المشهد في فكرك: الابن يعتمد في الماء والروح ينزل كالورقاء والآب يشهد من السماء.

وما دمنا في جو المعمودية فلنلق نظرة على صيغة المعمودية الواردة في الأصحاح 28 من انجيل متى. يقول الرب يسوع: “فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس”. لاحظوا أنه لم يقل “عمدوهم بأسماء الآب والابن والروح القدس”، بل ” وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس”. ولفظة “اسم” هي في المفرد، مما يدل على أن الثالوث هو إله واحد.

يقول المسيح في الأصحاح 14 من إنجيل يوحنا “وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد. روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه”. فالابن يطلب من الآب أن يرسل الروح القدس. وهل هناك كلام أوضح من هذا على صحة عقيدة الثالوث؟

يخبرنا البشير لوقا في الأصحاح 1 من إنجيله، أنه لما بشر جبرائيل العذراء خاطبها قائلاً: “ها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسميه يسوع”، قالت له: “كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً؟” فأجاب جبرائيل (وأرجو الانتباه): “الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك. فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله”. وبقوله هذا أتى جبرائيل على ذكر ثلاثة لهم علاقة بولادة المخلص: أولاً الروح القدس. ثانياً الله العلي وثالثاً القدوس المولود المدعو ابن الله.

الدليل الأخير في هذا الفصل نجده فيما نسميه “البركة الرسولية”. والبركة الرسولية المثلثة تذكرنا بالبركة “الهرونية” المثلثة في العهد القديم. ففي الأصحاح 6 من سفر العدد كلم الرب موسى، وموسى كلم أخاه هرون حتى يبارك الشعب بقوله “يباركك الرب ويحرسك.

ويضيء الرب بوجهه عليك ويرحمك. يرفع الرب وجهه عليك ويمنحك سلاماً”. لماذا تكررت البركة هذه ثلاث مرات؟ لنفس السبب الذي من أجله قال بولس في البركة الرسولية: “نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس تكون معكم”. بكلمة أخرى السبب هو أن الكتاب المقدس، من أوله إلى آخره، يعلم بالثالوث. فالآب والابن والروح القدس هم ثلاثة في جوهر واحد، وإله واحد لا ثلاثة آلهة.

إن كنت لا تزال في حيرة من أمرك فاطلب من الله أن يمنحك بصيرة لتعرف الحق. عندئذ فقط تفهم قول الرسول يوحنا عن اختبار “أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق”. بدون هذه البصيرة الروحية عبثاً تحاول أن تعرف الحق والحقيقة.

أسئلة يسألها المسلمون ج5 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج2 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج2 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج2 والرد المسيحي عليها

أسئلة يسألها المسلمون ج2 والرد المسيحي عليها

11 – الجنـة في المســيحية

إن البشر في هذا العالم تحكمهم الغرائز البشرية، وهكذا أيضاً الجنة التي يحلمون بها. لكن هذا العالم سيزول وكل غرائزه معه وسيعطي الله للمؤمنين الحقيقين طبيعة جديدة بعد أن تتوارى طبيعتنا القديمة في التراب وبعد أن تفنى أجسادنا وتلحق بأجساد أجدادنا. إن جنة الله وسماؤه التي بحدثنا عنها الكتاب المقدس فيها تلبس أرواحنا كمؤمنين أجساداً نورانية. هناك نبتهج دائماً بتواجدنا معاً كأحباء في حضور خالقنا. وفي تلك الجنة يقوم رب الكون بتعليمنا كثيراً كما علم آدم أولاً بأسماء الحيوانات وغيرها. فإن الله صاحب المجد والقدرة سيقوم بتعليمنا عن ملائكته وكذلك عن كثير من عظائمه وخاصة تلك التي عملها لأجلنا ولم ندركها ونحن في أجسادنا الدنيوية. فسنتعلم هناك ما لا نهاية له من الأمور الربانية السماوية الطاهرة والجميلة. فلن نحتاج إلى الراحة هناك حيث لا يوجد تعب، ولن نحتاج إلى الطعام حيث لا يوجد جوع، ولن نحتاج إلى مضاجعة ونكاح لأن متعتنا غير المحدودة ستكون في الوجود مع المؤمنين الأحباء في حضور خالق الوجود غير المحدود، له العظمة والسلطان منذ الأزل إلى الأبد.

12 إله واحـد أم ثـلاثـة

هل يعبد المسيحيون ثلاثة آلهة؟ إن كان هناك من يؤمنون بذلك فنحن لسنا منهم. أما الإنجيل فهو يحض على عبادة الله الواحد. لا على عبادة الصليب أو مريم أم المسيح سلامه علينا. ولا يقول بأن الله قد تناسل من مريم (والعياذ بالله) كما ورد في (سورة المائدة 116). أما شهادة الزور التي ترمي البعض – عن غير يقين – بالشرك، فالله سبحانه وحده هو الذي سيرد هذا الاتهام الظالم، وهو وحده الديان العادل الذي يعرف الحق ويؤيده.

أما عن كون المسيحيين يصلون أو يتعمدون باسم الإله الواحد الآب والابن والروح القدس، فهم يقولون أولاً باسم واحد وليس بمائة اسم. فالاسم تعبير عن الكيان. فقولهم باسم (وليس بأسماء)، دلالة على وحدانية الله وكماله المانع الشامل، ولهذا كان اسمه الواحد يحتوي على معان لا يختلف عليها مؤمن عاقل: فهو سبحانه الآب تعبيراً عن حزمه وصرامته، وهو الابن دلالة على وده ورحمته (نسبة إلى الرحم الذي جاءنا منه السيد المسيح)، والروح يعبر عن قداسة الله وكمال صفاته سواء التي عرفناها أو التي لم ندركها حتى الآن بعقولنا.

نعم يا صديقي إننا نعبد الله الواحد الذي هو الآب والابن والروح القدس. فهذه جميعها صفات أو ملامح لله الواحد الأحد. فالأب تعني أن الله هو مصدر الخليقة ذو القلب المحب. الروح القدس تعني أنه سبحانه هو الكائن غيرا لمنظور (الروح) وهو الطاهر دون سواه (القدس). أما الابن فهو إتيان الله سبحانه في صورة خليقته الرائعة التي أبدعها سبحانه بنفسه، وذلك ليتمم قصده الذي ذكره بوحيه سابقاً لأنبيائه بخصوص الأضحية وغفران الخطايا لآدم وبنيه الذين يتوبون إليه.

13 لماذا لا يؤمن المسيحيون بأنبياء بعد المسيح وهل تنبأ الكتاب المقدس عن نبي آخر يأتي بعد المسيح؟

زعم البعض أن هناك نبوات كثيرة تنبأ بها الكتاب المقدس، عن نبي المسلمين، بل حاولوا تصوير أن جوهر رسالة السيد المسيح هو “البشارة بمجيئه”، والأمر الغريب في ذلك أنهم يستشهدون بآيات الكتاب المقدس، ويحاولون تفسير كل كلمة فيها – لا ليستشهدوا بمعناها ومغزاها الحقيقي، بل يفسرونها ويؤولونها حسب ظاهرها، بما يخدم أغراضهم، في الوقت الذي يدعون فيه أن الكتاب المقدس هو كتاب محرف، ولا يجوز الاعتماد عليه. وعندما نسألهم لماذا تستشهدون بنصوصه إذاً؟ يجيبون: “إنه ما يزال يحتوي في داخله على بعض الحق”!! أما حكمهم على الحق من غيره فهو مرهون بما يتفق من الكتاب المقدس مع الفكر الإسلامي، فهو الصحيح، أما ما يختلف أو يتعارض فهو محرفاً.

بل ويتعاملون مع الآيات القرآنية الخاصة بالتوراة والإنجيل بنفس الطريقة، فعندما تكون الآية في صالح التوراة والإنجيل، يقال إنهما حرفا بعد ذلك، وعندما يقول القرآن “الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل” (الأعراف 157). يبحثون فيه عما يتصورن أنه آيات صحيحة لم تحرف بعد!! ولكنا نقول لهم: إذا كان القرآن يقول “وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين. إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم به النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء” (المائدة 42، 43)، وأيضاً “وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هو الفاسقون” (المائدة 46). فهذا يؤكد صحة ما جاء في التوراة والإنجيل اللذين كانا موجودين أيام نبي الإسلام، لسبب بسيط هو أننا نملك مخطوطات للتوراة ترجع لما قبل المسيح بـ 200 سنة، ولما قبل نبير المسلمين بأكثر من 800 سنة، كما نملك مخطوطات لأجزاء من العهد الجديد ونسخ كاملة من الأناجيل ترجع إلى ما بين 68م و250م، ومخطوطات كاملة لكل العهد الجديد ترجع لسنة 325م وترجع لما قبل الإسلام بأكثر من 300سنة!! وكلها مطابقة تماماً لما معنا الآن، لأنه مترجم عنها. ومن ثم فعليهم أن يقبلوا كل ما جاء فيها بمنطقهما وفكرهما ومنهجهما في تطبيق ما جاء بهما من نبوات أو يرفضونهما بكل ما جاء فيهما. لا مفر من ذلك، ولا يمكن أن نعتبر أن أجزاء منهما صحيحة، وأخرى محرفة!! وعلى الرغم من اعتقاد البعض أن الكتاب المقدس نسخ وألغي، إلا أنهم يستشهدون بآياته ما دام في ذلك مصلحة، آخذاً بمبدأ “الغاية تبرر الوسيلة” و”الضرورات تبيح المحظورات”!!

كذلك نرى في أسلوب مناقشاتهم وحواراتهم في هذا الموضوع، أنهم يتجاهلون حقائق جوهرية مثل: عقيدة التجسد في المسيحية، وعقيدة المسيح في الإسلام، والمفهوم اليهودي لهذه النبوات.

  1. عقيدة التجسد في المسيحية:

بالرغم من الإيمان بلاهوت المسيح كابن الله وكلمة الله الذي من ذات الله والواحد مع الآب في الذات الإلهية لله الواحد، فقد تجسد، واتخذ صورة الإنسانية الكاملة “والكلمة صار جسداً وحل بيننا” (يو 1: 14)، ولأنه اتخذ الإنسانية الكاملة، فقد كان كما يقول الكتاب “مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية” (عب 4: 15)، وكإنسان مسح كاهناً وملكاً ونبياً بالروح القدس، مارس عمل النبوة، ودعي بالنبي “هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل” (متى 21: 11).

  1. عقيدة المسيح في الإسلام:

لا يؤمن المسلمون أساساً بلاهوت المسيح، وبالرغم من أنه موصوف في القرآن بكلمة الله وروح منه، وأنه علم ليوم الساعة، وأنه كان يخلق ويعلم الغيب ويشفي المرضى ويقيم الموتى ويطهر البرص، وأنه أنزل على تلاميذه مائدة من السماء، وأنه كان معجزة في ميلاده وفي حياته وأعماله، وفي رفعه إلى السماء، هذا فضلاً عن عدم مس الشيطان له… إلخ إلا أن الاعتقاد الإسلامي الأساسي في المسيح هو أنه بشر، ونبي وعبد لله وأنه مثل آدم خلق من تراب.

  1. كما يجب ألا نتجاهل التفسير اليهودي لنبوات العهد القديم:

فهو كتابهم ولهم قواعدهم في تفسيره وفهمه، مع مراعاة التفسير الصحيح لهذه النبوات كما شرحها وفسرها الرب يسوع نفسه، سواء لليهود، في عصره، أو لتلاميذه. فقد آمن اليهود عبر تاريخهم وعصورهم بمجيء السيد المسيح من نسل إبراهيم واسحق ويعقوب (تك 49: 10)، ومن ثم فقد كان اليهود في وقت ميلاد الرب يسوع المسيح يتوقعون مجيئه بناءً على نبوءة دانيال النبي التي حسبت زمن مجيئه من إعادة تجديد وبناء الهيكل سنة 457 ق.م حتى ظهوره سنة 26م.

  1. تطبيق السيد المسيح وتلاميذه لهذه النبوات:

وهنا حقيقة هامة وجوهرية وهي أن الرب يسوع المسيح نفسه وتلاميذه من بعده أكدوا على حقيقة أن جميع النبوات التي وردت في العهد القديم (التوراة) عن النسل الآتي بكل أوصافه كنسل إبراهيم الذي تتبارك به جميع قبائل الأرض، وأنه سيأتي من نسل داود، وأنه سيولد من عذراء في بيت لحم أو الذي سيأتي بالبر الأبدي… إلخ قد تمت جميعها فيه. وقد استشهد بها لليهود وشرحها لتلاميذه الذين فسروها هم أيضاً لليهود ولكل البشرية في العالم أجمع. كما كان دائماً يشير إلى ما جاء فيها وكان يستخدم تعبيرات “المكتوب”، و”ليتم الكتاب” و”كما هو مكتوب” للتأكيد على أن كل ما كان يفعله كان مكتوباً سابقاً عنه، وعلى سبيل المثال يقول عما جاء فيها عن آلامه وموته وقيامته “كيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أن يتألم كثيراً ويرذل” (مر 9: 12).

فقد كانت جميع نبوات العهد القديم عن المسيح المنتظر، وتمت جميعها في شخص وعمل الرب يسوع المسيح تفصيلياً وبكل دقة، ولم يتنبأ الكتاب المقدس مطلقاً عن أي شخص آخر يأتي بعد المسيح.

14 نبـوءة موسـى عن محمـد

قال الله القدير لموسى النبي: “أقيم لهم نبياً من وسط اخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به” (تثنية 18: 18)

ملاحظة: إذا عدنا إلى الآية (تثنية 18: 15) نجد أن النبي الذي تكلم عنه موسى من صفاته أنه مثل الله. فهل محمد مثل الله؟

أوجه الاختلاف بين موسى والمسيح:

  1. موسى ولد من أب وأم.
  2. لما كبر موسى تزوج.
  3. كان لموسى نسل.
  4. مات موسى في عمر كبير ودفن.
  5. حارب شعوباً أخرى.
  6. عاش في صحراء.

فإذا انطبقت هذه النقاط عليك فلا تحسب نفسك نبياً لأنها تنطبق على الكثيرين.

أوجه التشابه بين موسى والمسيح:

  1. عند ولادة موسى أمر فرعون بقتل كل أطفال اليهود. عند ولادة المسيح أمر هيرودس بقتل كل أطفال اليهود.
  2. عند ولادة موسى حمته شخصية كان يتوقع منها الضرر وهي ابنة فرعون. وعند ولادة المسيح اعتنى به يوسف النجار خطيب مريم وهو الذي كان يريد أن يتخلى عنها أولاً.
  3. عاش موسى طفولته في مصر. كذلك عاش المسيح طفولته في مصر.
  4. منح الله موسى إتيان الآيات والمعجزات. وكذلك فعل المسيح أيضاً العديد من الآيات والمعجزات.
  5. حرر موسى بني إسرائيل من عبوديتهم للمصريين. كذلك يفعل المسيح إذ يحرر الناس من قيود الموت والشر.
  6. أتى موسى بوعد الغفران عن طريق تقديم الذبائح. كان المسيح هو الذبيح الحقيقي الموعود به.
  7. كان موسى يهودياً من وسط اليهود أخا لهم. كان المسيح يهودياً لذا فهو يعتبر لهم أخاً ومن وسطهم.

15 هل الكتاب المقدس هو كتاب الله الذي أنزله على سيدنا المسيح عيسى بن مريم؟ وما رأيكم فيما ينسب إليه من وقوع التحريف فيه؟ وما الذي يميز الكتاب المقدس عن غيره من الكتب؟

إن أفضل طريقة للتأكد من أن الكتاب المقدس هو كلام الله هي قراءته، ولكني مع ذلك سأقدم لك بعض الأدلة التي تثبت ذلك. فالكتاب المقدس:

  1. فريد في قوة تأثيره:

فقد قرأه الكثيرون من الناس الأشرار والتعساء فتبدلت حياتهم وهم يعيشون الآن حياة البر والسعادة.

  1. فريد في ترابطه:

فقد كتبه أكثر من أربعين كاتباً عاشوا في فترة بلغت 1600 سنة وهي فترة ليست قليلة وكان هؤلاء الكتاب يختلفون عن بعضهم البعض فمنهم الطبيب مثل لوقا، والفلاح البسيط مثل عاموس، والملك مثل سليمان، وقائد الجيش مثل يشوع، والشاعر مثل داود، والفيلسوف والصياد والحاكم…. ومع ذلك فعندما تقرأه لا يمكنك أن تشعر بأنه كتب من قبل كُتاب كثيرون عاشوا في أزمنة وبيئات وثقافات مختلفة، بل تجده كتاباً واحداً.

  1. فريد في صدق نبواته:

لم يكن هناك كتاب غيره في كل الكون استطاع أن يخبرنا عما سيحدث بعد مئات وآلاف السنين والغريب أن ما أخبرنا به قد تحقق فعلاً وبدقة عجيبة وما زالت نبوات العهد القديم تتحقق حتى الآن (الكتاب المقدس الذي بين أيدي اليهود الذين يكرهون المسيح) الذي فيه حوالي 333 نبوة تمت بكل دقة عن المسيح. أضف إلى ذلك النبوات التي ستتم في المستقبل. أهم نبوة ستتم قريباً جداً هي مجيء المسيح مرة ثانية. فلقد جاء في المرة الأولى قبل حوالي ألفي سنة مثل حمل وديع ليرفع خطية العالم بموته. لكن في مجيئه الثاني سيأتي كالأسد الزائر الخارج من سبط يهوذا ليدين العالم وستجثو له كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل إنسان أن يسوع المسيح هو رب المجد، وسيحنى كل إنسان تطاول عليه رأسه. نعم، وسيخزى أمام ذاك الذي ستهرب الأرض والسماء من وجهه ولن يكون لهما موضع بعد.

هل حدث تغيير في الكتاب المقدس الذي بين أيدينا اليوم؟

أستطيع أن أقول لا لسببين:

  1. عندما يعطي الله الإنسان كتاباً من عنده فهل تظن أنه لا يستطيع المحافظة عليه من عبث البشر؟ وإلا فإنك تشك في قدرة إله قدير، وتؤمن بأن الإنسان أقوى منه، ويستطيع أن يعبث بكتابه.
  2. من زور الكتاب المقدس وأين ولماذا؟ أنت تعرف أن الكتاب المقدس ترجم من البداية إلى لغات عديدة وأنه انتشر في القرن الثاني الميلادي في كل ربوع الأرض فمن الذي كان بمقدوره أن يصل إلى كل النسخ بلغاتها المختلفة التي بلغت حوالي 15 لغة قبل القرن السادس عشر الميلادي. وتذكر أن العهد القديم الذي لدى المسيحيين هو نفسه توراة اليهود وأنت تعرف العداء القائم بينهما فكيف اتفقوا على تزويره، وما هي الأسباب التي دفعتهم للاتفاق على تزويره. وهل يزور الإنسان لكي يصبح غنياً أو فقيراً؟ فلقد كان كل العالم ضد المسيحيين الأوائل، أضف إلى ذلك أنهم كانوا أقلية قليلة لا تذكر. وقد استشهد الكثيرون منهم وهم يدافعون عن التمسك بكتابهم المقدس. فهل يدافعون عن كتاب كاذب قاموا هم بتزويره.

وهل تعرف أنه يوجد الآن أكثر من 24000 مخطوطة أثرية للكتاب المقدس ترجع تواريخ كتابتها إلى القرون الأولى للمسيحية وأنه لا يوجد اختلاف واحدة منها وبين الكتاب المقدس الذي بين أيدينا اليوم؟ إن أسهل شيء أن يتهم الإنسان أخيه الإنسان، ولكن من الصعب أن يثبت بالأدلة والبراهين ادعائه (فالبينة على من ادعى). أخيراً… أقول لك يا صديقي إن رسالة الإنجيل هي رسالة الفرح والسلام والتحرير من قيود الشيطان فقد قال سيدنا المسيح “وتعرفون الحق والحق يحرركم” فكل من يقبل عن اقتناع وبدون ضغط أو فرض عليه من أحد يتغير قلبه وسلوكه وحياته بالكامل ويصبح إنساناً جديداً.

 

أسئلة يسألها المسلمون ج2 والرد المسيحي عليها

Exit mobile version