1- إذا مات المسيح وقام بعدما مات بلحظات فهذا سيؤيد نظريات مضلله مثل نظرية الإغماء أو الغيبوبة وان يسوع لم يمت من الأصل بل انه أصابه الإغماء وبالتالي سيؤكد هذا ولا أحد سيدرك موت المسيح بالحقيقة الكاملة. فاليوم الثالث هدم نظرية الإغماء وحطمها بوجود يسوع في قبر مغلق بحجر لمده زمنية. وأيضًا الجلد والصلب وصدمة حجم نقص الدم والطعن بالحربة بعدما أسلم الروح ووجود دم متجلط وقيامته في اليوم الثالث.
2- إذا قام يوم السبت سيقول اليهود أن التلاميذ استغلوا يوم الراحة وسرقوا الجسد أو أن هناك مؤامرة تمت في هذا اليوم بالتحديد أو غفل الحرس عن القبر.
3- حرس القبر كان لمده ثلاث أيام فقط وذلك بالرجوع لنص متي 27: 63 – 64 فمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث، لئلا يأتي تلاميذه ليلا ويسرقوه، ويقولوا للشعب: إنه قام من الأموات، فتكون الضلالة الأخيرة أشر من الأولى!» فبالتالي إن القيامة هي تحدي لهؤلاء في اليوم الثالث فلم ينتظر الرب بحسب تدبيره بعد اليوم الثالث لان التدبير الإلهي هو وجود الحرس لضبط القبر لمده ثلاث أيام فقط. وهذا يؤكد صحة القيامة ووجود القبر فارغاً في وجود حرس موضوع.
4- قيامة المسيح يوم الأحد هو بداية جديده في بداية الأسبوع لبداية حياة جديده وبعدما قام باكرًا في أول الأسبوع” مر16: 9
5- لزيادة الإيمان والتدبير الإلهي. فكان التابعين لديهم يأس من فقدان يسوع وما الذي سيحدث لهم ففي خلال ثلاث أيام ظهر كل ضعف إيمان واستردوا الإيمان بعد القيامة بشكل كامل ومعلن. وإعطاء فرصة لمجيء المريمات للتطيب وزيادة موثوقية القبر الفارغ من خلال المعاينات والشهادات المكتوبة.
6- تحقيق النبوات مثل نبوة يونان ونبوة هوشع 6: 1، 2 عن الثلاث أيام. «قام في اليوم الثالث حسب الكتب» 1كو 4:15
7- إظهار عدم فساد الجسد فمن كان سيدرك أن الجسد لم يفسد إذا لم يقم في اليوم الثالث؟ يقول القديس أثناسيوس لقد كان في استطاعته أن يقيم جسده بعد الموت مباشرة ويظهره حياً، ولكن المخلص بحكمة وبعد نظر لم يفعل ذلك أيضاً، لئلا يقول أحد بأنه لم يمت على الإطلاق، أو أن الموت لم يمسه كلية لو أنه أظهر القيامة تواً.
ولو كانت فترة موته وقيامته يومين فقط لما ظهر مجد عدم فساده. لهذا ولكي يؤكد موت الجسد بقيّ “الكلمة” يوماً آخر متوسطاً بين هذين اليومين، وفى اليوم الثالث أظهره للجميع عديم الفساد. إذن فلكي يقيم الدليل على أن الموت تم على الصليب أقام جسده في اليوم الثالث.
ولكي لا يكذب أن أقامه بعد مدة طويلة، بعد أن يكون قد فسد كلية، كأن يظن بأنه أستبدله بجسد آخر … لأن الإنسان بمرور الزمن قد يشك فيما سبق أن رآه وينسى ما قد تم فعلاً.
ما معني الآية وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته. انجيل يوحنا 17: 3
ما معني الآية وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته. انجيل يوحنا 17: 3
ما معني الآية وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته. انجيل يوحنا 17: 3
الرد باختصار
لتوضيح النص من خلال مثل: كان يوجد قرية في صعيد مصر يذهب اهلها الي الحلاق للعلاج. مما جعل كلية الطب القصر العيني ترسل طبيب. فلم يصدقوه اهل القرية معتقدين ان الحلاق هو الطبيب. فقال لهم الطبيب لكي تعرفوا ان من يأتي من القصر العيني هو الطبيب وحده وانا المرسل من هناك.
فهل الطبيب مش طبيب لأنه مرسل من القصر العيني وهل استخدامه لكلمة وحدك تنفي عنه كونه طبيب؟
فسياق الاصحاح داخل انجيل يوحنا 17 اشار الي سلطان يسوع علي كل جسد. وان كل ما هو للآب هو للابن وان هناك مجد قبل كون العالم وامور اخري يوحنا 17: 1 – 10. فالمعرفة لله هو ان تعرف الآب والابن من خلال هذه المعرفة تنال الحياة الابدية. ويجب ان نلاحظ ان النص لا يذكر انت الاله الحقيقي وحدك فقط بالمعني المطلق لكلمة فقط. بل استكمل ويسوع المسيح الذي ارسلته. فيسوع يتحدث الي تلاميذه انه يجب اقصاء اي إله باطل فالإله الحقيقي هو الذي يعطي الحياة الابدية والالهة الباطلة لا تستطيع.
من يريد ان يعرف الحياة الابدية عليه معرفة الآب والابن. باستخدامه حرف الواو. فالحياة الابدية لا يمكن ان تكون لك ان كنت ترفض الابن. كما جاء في رسالة يوحنا الاولي 2: 23 كل من ينكر الابن ليس له الآب أيضا، ومن يعترف بالابن فله الآب أيضا. ويلخص هذا القديس بولس عندما قال فمن جهة أكل ما ذبح للأوثان نعلم أن ليس وثن في العالم، وأن ليس إله آخر إلا واحداً. لأنه وإن وجد ما يُسمّى آلهة، سواء كان في السماء أو على الأرض، كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون. لكن لنا إله واحد: الآب الذي منه جميع الأشياء. ونحن له. ورب واحد يسوع المسيح الذى به جميع الأشياء ونحن به كورنثوس الاولي 8: 4 – 6 .
نفس الحدث نجده في الآيات فالإرسالية هنا لا تعني انتفاء الالوهية فعندما ينزل قائد عظيم لإصلاح إطار تالف لا ينتفي كونه انه قائد عظيم. لكن الارسالية هنا باطنية داخل الثالوث مختلفة عن ارسالية أي نبي او شخص مثل نص ترسل روحك فتخلق وتجدد وجه الارض مزمور 104: 30 هل انفصلت الروح عن الله في تجديد وجه الارض؟ فالإرسالية هنا تشير لفعل التجسد وعمل المصالحة. لكنها ارسالية باطنية داخل الثالوث.
لماذا قال وحدك؟ لقد برعوا الاباء في شرح العبارة لكن سأبسط شرحهم على قدر الامكان..
فكرة القديس اثناسيوس في شرح كلمة وحدك ببساطة هي ان قلنا ان الشمس هي مصدر النور الوحيد للأرض اثناء النهار. هل هذا يعني انه لا يوجد اشعه؟ ام ان الشمس والشعاع هم مصدر النور؟ فالأشعة هي من تجلب لنا النور علي الارض. وافترض اثناسيوس ان الشعاع يتحدث ويقول للشمس أنتِ مصدر النور وحدك وانا الشعاع الذي ترسليني للأرض لكي انير الارض لكن نحن الاثنين واحد في كل شيء. فما قاله اثناسيوس أن كلمة وحدك لا تنفي وجود الابن ولا تنفي دوره. ويقول اثناسيوس عده افكار رائعة في الشرح في سفر ايوب 9: 8 يقول الكتاب الذي بسط السماء وحده وايضاً في أشعياء 44: 24 وحدي باسط السماء. ونحن نعلم ان الاشياء كلها قد خلقت بالكلمة فهل عندما يقول وحدي يعني ان الابن لم يخلق به السموات؟
ويشير الي ان مفهوم هؤلاء عن كلمة وحدك يكون صحيحاً في حاله واحده وهي ان الابن خارج طبيعة الله. لكن الابن ليس غريباً عن الآب فهو واحد مع الآب في الجوهر.
ويرد اثناسيوس ايضا قائلاً إذا كان الآب هو الاله الحقيقي فلماذا لم يتكلموا عن قول الابن “أنا هو الحق” في يوحنا 14: 6. وكيف يحصي نفسه مع الخالق إذا كان مخلوقاً. لكن الابن أحصى نفسه مع الآب.
ويشير اثناسيوس الرسولي إلى الآية الرائعة في يوحنا الاولي 5: 20
نحن في الحق في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية.
ان المسيح هو الاله الحق والحياة الابدية:
فكرة القديس كيرلس عمود الدين باختصار: ان استعمال كلمة وحدك هو مجرد تمييز عن الذين ليسوا الهة. ومن يرفض الابن لوجود كلمة وحدك يرفض الله. لان الابن هو الله وايضا دعي الاله وحده. فمن الواضح ان كلمة وحدك للتميز والابن إله حقيقي. ويربطها بنص ان المسيح هو الاله الحق والحياة الابدية
فكرة القديس أمبروسيوس في شرح وحدك ببساطة ان كلمة وحدك لا تعني انفصال الآب عن الابن .فمثلا عندما نقول الله خالق وحده هل يعني عدم وجود الابن او انفصاله ؟ الابن الذي خلق به الكل وله قد خلق بحسب كلوسي 16 : 1 .وما قاله يوحنا ان كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان والذي ذكر عنه في العبرانيين الذي به عمل العالمين .
83 – ما معنى قول بولس الرسول: “من زوج فحسناً يفعل، ومن لا يزوج يفعل أحسن” (1كو 7: 38)؟
يسمح بولس الرسول بالزواج ويحسبه مستحقاً البركة، ولكن يقابله وضعه هو باهتماماته بالله مشيراً إلى أن الأمرين ليسا متعارضين.
وفي نفس الأصحاح يقول الرسول: “فأريد أن تكونوا بلا هم. غير المتزوج يهتم فيما للرب كيف يرضي الرب. وأما المتزوج فيهتم فيما للعالم كيف يرضي امرأته. إن بين الزوجة والعذراء فرقاً. غير المتزوجة تهتم فيما للرب لتكون مقدسة جسداً وروحاً. وأما المتزوجة فتهتم فيما للعالم كيف ترضي رجلها. هذا أقوله لخيركم ليس لكي ألقي عليكم وهقاً بل لأجل اللياقة والمثابرة للرب من دون ارتباك”.
هنا يوضح بولس لماذا البتولية مفضلة عن الزواج. فإنها لا ترتبط بالجنس كأمر صالح أو خاطئ وإنما الموضوع هو القلق الذي تنزعه عن الفكر والتركيز على عبادة الله.
طلب زوجة وأسرة أمر زمني. أحياناً من أجل حفظ سعادتهم يلزم ممارسة ما هو مستحق للعقوبة. فيستحيل على الشخص الذي يتجه نحو العالم، ويرتبك باهتماماته، وينشغل قلبه بإرضاء الناس أن يتمم وصية السيد الأولى والعظمى: “تحب الرب إلهك من كل قلبك وكل قوتك”.
كيف يستطيع أن يحقق هذا وقلبه منقسم بين الله والعالم، ويسحب الحب الذي مدين به لله وحده إلى مشاعر بشرية؟” غير المتزوج يهتم فيما للرب كيف يرضي الرب، وأما المتزوج فيهتم فيما للعالم كيف يرضي امرأته”.
عندما يكون أمامنا سيدان لنختار أحدهما، إذ لا نستطيع أن نخدمهما معاً، لأنه “لا يقدر إنسان أن يخدم سيدين”. لذلك فإن الشخص الحكيم يختار السيد الأكثر نفعاً له. هكذا أيضاً عندما يوجد أمامنا زيجتان لنختار إحداهما، لا نستطيع أن نقيم عقد زواج مع كليهما، فإن “غير المتزوج يهتم فيما للرب كيف يرضي الرب، وأما المتزوج فيهتم فيما للعالم كيف يرضي امرأته”. أكرر أن غاية العقل السوي ألا يفوته الاختيار الأكثر فائدة.
المرأة غير المتزوجة لديها حصن البتولية الذي يحميها من عواصف هذا العالم. هكذا إذ تتحصن في حماية الله لا تضطرب برياح، لذلك فإنه لكي نتأهل لنراه، سواء كنا في البتولية أو الزواج الأول أو الثاني لنسلك هكذا وهو أن نبغي ملكوت السماوات خلال نعمة ورأفات ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقوة والكرامة مع الآب والروح القدس الآن وإلى الأبد… آمين.
بولس يريد دائماً الأفضل للمسيحين. فإن أحد بحق يريد أن يتزوج فالأفضل له أن يتزوج علانية بالسماح الممنوح له على أن يسلك بطريقة رديئة ويكون في عار خفية.
“وأما من أقام راسخاً في قلبه وليس له اضطرار بل له سلطان على إرادته وقد عزم على هذا في قلبه أن يحفظ عذراءه فحسناً يفعل”.
هنا يتحدث عمن وهبه الله إرادة قوية ليمارس حياة البتولية، وقد قضى فترة اختبار وأدرك قوة إرادته وإصراره على هذا الفكر، فلا يتراجع.
“إذاً من زوج فحسناً يفعل، ومن لا يزوج يفعل أحسن”.
المرتبط بقيود الزواج مقيد، الآخر حر. واحد تحت الناموس والآخر تحت النعمة. الزواج صالح إذ خلاله ننال ميراث الملكوت السماوي واستمرار المكافآت السماوية. والبتولية صالحة بالأكثر، حيث يكون تركيز الإنسان كاملاً في السلوك في طريق الله.
لا تنسى أن كل هؤلاء الرهبان والقدسين، تم انجابهم عن طريق الارتباط الجسدي بالزواج! وهناك آلاف القديسين المتزوجين… من أمثال القديسة مونيكا والدة أوغسطينوس وغيرهم كثيرين… وكان مع الرب على جبل التجلي إيليا البتول وموسى المتزوج. وكان سمعان أحد تلاميذ المسيح متزوجاً…
إن الأمر اختياري، أن تزوجت فلا يوجد خطأ في هذا، بل هو حسن. وإن اخترت طريق البتولية، فهذا أحسن للأسباب السابقة. ولكن كما قال الكتاب: “ليس الجميع يقبلون هذا الكلام، بل الذين أعطي لهم… من استطاع أن يقبل فليقبل” (انجيل متى 19: 11).
76 – الحجر الذي رفضه البناءون. نبوءات سفر دانيال النبي… إلى من تشير؟!
يقول بعض الكتاب من الإخوة المسلمين أن ما جاء في (دانيال 2) هو نبوة عن ظهور الإسلام وامتداده وقالوا أن الممالك الأربع المذكورة في هذا الفصل هي الكلدانيون والمديانيون والفرس واليونان وأن الإسكندر الكبير هزم الفرس وفرق شملها إلا أنها عادت على سابق مجدها فيما بعد وأخذت تضعف تارة وتقوى أخرى إلى زمن كسرى أنوشروان وبعد موت نبي المسلمين قصد إليها جيوش المسلمين وفتحوها وفتحوا ما بين النهرين وفلسطين وعليه فمملكة الإسلام هي المقصودة بالمملكة التي خلفت الممالك الأربع وسادت على كل الأرض (دا 2: 44، 45).
كما قالوا أيضاً: إن نبوة دانيال المزدوجة: صورة التمثال كناية عن الشرك الذي يمثل ممالك في زمن الرابع ينقطع حجر بغير يد قطعته فيسحق التمثال والممالك الوثنية التي تحمله وصورة ابن البشر الآتي على سحاب السماء لينشئ على الأرض ملكوت الله على أنقاض ممالك العالم (7: 13-37). وقالوا: إن الحجر الذي ضرب تمثال الشرك هو نبي المسلمين وملكوت الله هو الدولة الإسلامية المقامة على أنقاض الفرس والروم.
وما قدمه هؤلاء الكتاب هنا مليء بالأخطاء الدينية والتاريخية !!
وفيما يلي نقدم التفسير الدقيق لهذه النبوة:
فقد رأى الملك نبوخذ نصر ملك بالبل تمثال عظيم بهي ومنظره هائل مصنوع من أربعة معادن أساسية هي الذهب والفضة والنحاس والحديد “رأس هذا التمثال من ذهب جيد. صدره وذراعاه من فضة. بطنه وفخذاه من نحاس. ساقاه من حديد. قدماه بعضهما من حديد والبعض من خزف”. ثم وفجأة “قطع حجر بغير يدين فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما. فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معاً وصارت كعاصفة البيدر في الصيف فحملتها الريح فلم يوجد لها مكان. أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلاً كبيراً وملأ الأرض كلها”.
وقد أوضح الله لدانيال النبي ثم لنبوخذ نصر أنه قد رمز في هذا الحلم وهذه الرؤيا بالمعادن الأربعة لأربع ممالك، امبراطوريات، ستقوم على الأرض بالتتابع إلى أن يأتي في الأيام الأخيرة ملكوت المسيح. وقد رمز إلى كل امبراطورية بمعدن خاص يبين جوهرها ويخلع عليها بعض الصفات التي ستكون السمة المعروف بها.
الإمبراطورية الأولى هي “بابل” (626-539 ق.م)، الإمبراطورية الثانية “مادي وفارس” (539-331 ق.م)، الإمبراطورية الثالثة “اليونان” (331-323 ق.م)، أما الرابعة فهي “روما” (58 ق.م – 476 م).
ثم جاءت المملكة الخامسة “ملكوت السماوات” فغزت جميع هذه الإمبراطوريات وسادت عليها، ولكن روحياً!! فلم تدمرها وتلغي حكوماتها وسيطرتها كما فعلت كل إمبراطورية مع سابقتها، بل غزتهم جميعاً روحياً، إنها مملكة المسيا، المسيح المنتظر، والتي بدأت في أيام الإمبراطورية الرابعة واستمرت في وجودها أيضاً، إذ تقول النبوة في الحلم والرؤيا: “وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبداً وملكها لا يترك لشعب آخر”.
إنها مملكة المسيح الروحية التي انتشرت بالكرازة بالإنجيل للخليقة كلها وليس بقوة السيف والجيوش “لأن كل الذين يأخذون بالسيف بالسيف يهلكون” (مت 26: 52)، وليست مثل الممالك الأخرى التي انتشرت بالغزوات والمعارك الحربية وقوة الجيوش!! وقد ولد الرب يسوع المسيح في أيام هذه الإمبراطورية الرابعة، وجاء ميلاده في بيت لحم بسبب أمر قيصرها، إذ يقول الكتاب “وفي تلك الأيام صدر أمر من أغسطس قيصر بأن يكتتب كل المسكونة” (لو 2: 1)، ويؤرخ لبداية خدمة يوحنا المعمدان سفير المسيح بتواريخ امبراطورها وولاتها” وفي السنة الخامسة عشرة من سلطنة طيباريوس قيصر إذ كان بيلاطس والياً على اليهودية… كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا في البرية” (لو 3: 1-3). وصلب الرب يسوع المسيح بحسب قوانينها (يو 19: 12).
الحجر الذي قطع بدون يدين قال دانيال النبي في إعلانه لما جاء برؤياه وحلم نبوخذ نصر “كنت تنظر إلى أن قطع حجر بغير يدين فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما. فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معاً وصارت كعاصفة البيدر في الصيف فحملتها الريح فلم يوجد لها مكان. أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلاً كبيراً وملأ الأرض كلها”. وقال في التفسير “وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبداً وملكها لا يترك لشعب آخر وتسحق وتفنى كل هذه الممالك وهي تثبت إلى الأبد. لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من جبل لا بيدين فسحق الحديد والنحاس والخزف والفضة والذهب.
هذا الحجر الذي قطع بدون يدين وسحق كل هذه الممالك وملأ ملكوته الأرض كلها، كما يؤكد الكتاب المقدس هو المسيح وليس نبي الإسلام كما قال بعض هؤلاء الكتاب!! فقد وصف في نبوات داود بحجر الزاوية “الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية. من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا” (مز 118: 22، 23)، وفي نبوات أشعياء النبي بحجر الزاوية وحجر الامتحان “هكذا يقول الرب. هأنذا أؤسس في صهيون حجر امتحان حجر زاوية كريماً مؤسساً” (أش 28: 16).
وقد أشار الرب يسوع المسيح إلى نفسه بآية داود النبي وأكد أنه هو الحجر الذي يسحق كل من يسقط عليه “كل من يسقط على ذلك الحجر يترضض. ومن يسقط عليه هو يسحقه” (لو 20: 18)، وهكذا أشار القديس بطرس أيضاً إلى الرب يسوع المسيح في خطابه لرؤساء اليهود “فليكن معلوماً عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل أنه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم الذي أقامه الله من الأموات. بذاك وقف هذا أمامكم صحيحاً. هذا هو الحجر الذي احتقرتموه أيها البناؤون الذي صار رأس الزاوية. وليس بأحد غيره الخلاص” (أع 4: 10، 11).
وهذا كان إيمان اليهود قبل المسيح إذ اجمعوا على أن الحجر الذي قطع بدون يدين في سفر دانيال النبي هو المسيح المنتظر، يقول توماس سكوت Scott “وقد أجمع اليهود بدون استثناء أن المقصود بهذا الحجر هنا هو المسيا”، وقال كاندلرChandler الذي أيد رأيه باقتباسات من كتابات كثيرة للربيين اليهود: أسأل اليهود، ما المقصود بالحجر؟ فيجيبون كرجل واحد؛ المسيا. اسأل عن التمثال الذي حطمه الحجر على أصابعه، فيقولون بالإجماع، إنها الإمبراطورية الرومانية.
اطلب المعنى المقصود بمملكة الجبل، فيتفقون على أنها مملكة المسيا التي ستمتد بنفسها، وتخضع كل الممالك وتكون مملكة أبدية. فهكذا تعلم الشعب، وكان معد أن يسمع من يوحنا المعمدان ومن ربنا المبارك يسوع المسيح، الحديث عن “ملكوت السماوات”.
وهذا كان أيضاً إيمان الكنيسة الذي استلمته من رسل المسيح وتلاميذهم. وقد أجمع آباء الكنيسة على أن عبارة “قطع بغير يدين” تعني ولادة الرب يسوع المسيح بدون زرع بشر، إنه الحجر الذي قطع بغير يدين لأنه لم يولد كسائر البشر إنما ولد من الروح القدس، بعمل الروح القدس.
صفات ملكوت الله
وقد تصور بعض الكتاب من الإخوة المسلمين أن في قول المعمدان ثم الرب يسوع وتلاميذه “توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات” إشارة إلى الإسلام ونبي المسلمين!! واستخدموا بعض الأمثلة كمثل الكرمة والكرامين الأردياء والذي يشير فيه إلى قتل الابن وصلبه (مت 21: 33-44)، وغيرهما من الأمثلة إشارة إلى الإسلام والمسلمين!!
ونقول لهم أن ملكوت الله، ملكوت المسيح، في الكتاب المقدس وفي هذه النبوة بالصفات التالية: إن ملكها هو الرب يسوع المسيح، ملك الملوك ورب الأرباب (رؤ 19: 16)، والذي قال عن نفسه أنه “رئيس ملوك الأرض” (رؤ 1: 5)، والذي لن يحكم بالسيف او القوة كما قال هو، بل بالروح والحق “مملكتي ليست من هذا العالم” (يو 18: 36). هذه المملكة لم تؤسس بالقوة ولم يؤسسها بشر، بل مؤسسها هو إله السماوات “يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض”، وملكها وحاكمها هو ابن الإنسان الآتي على سحاب السماء والذي “تتعبد له جميع الشعوب والأمم والألسنة” (دا 7: 14). إذاً فالمملكة أصلها سمائي وحاكمها هو الآتي من فوق “والذي يأتي من فوق هو فوق الجميع” (يو 3: 31).
كما أنها مملكة روحية، كما قال الرب يسوع المسيح “ولما سأله الفريسيون متى يأتي ملكوت الله أجابهم وقال لا يأتي ملكوت الله بمراقبة. ولا يقولون هو ذا ههنا أو هو ذا هناك لأن ها ملكوت الله داخلكم” (لو 17: 20، 21)، إنها مملكة أبدية لن تنقرض “مملكة لا تنقرض وملكها لا يترك لشعب آخر”، ولن تستطيع أية قوة سواء مادية أو روحية على هزيمتها كما قال الرب يسوع نفسه “وأبواب الجحيم لن تقوى عليها” (مت 16: 18).
فهي لن تهزم مثل الإمبراطوريات العالمية السابقة ولن تضمحل ولن تزول، فهي مملكة روحية “ليست من هذا العالم” وملكها هو ملك الملوك ورب الأرباب والذي تجثوا له كل ركبة سواء في السماء أو على الأرض. إنها مملكة إلهية بمعنى الكلمة أصلها من السماء وقد تأسست على الروحيات والآيات والمعجزات والنبوات وقائدها هو المسيح من السماء بروحه القدوس.
75 – “قال الرب لربي اجلس عن يميني …” (مز 110: 1)، نبوات من سفر المزامير…إلى من تشير؟!
من يزعمون تنبؤ الكتاب المقدس عن نبي آخر يأتي بعد السيد المسيح يحلو لهم استخدام بعض الآيات الواردة بسفر المزامير للتدليل على كلامهم، مخالفين بذلك النص الواضح للنصوص الكتابية، ومؤولينها إلى غير معناها. ومنها هذه الآية “قال الر لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك” (مز 110: 1).
زعم بعض الكتاب من الإخوة المسلمين أن المسيح المنتظر ليس من نسل داود بل هو سيد داود وربه وبالتالي يكون هو النبي الآتي مستشهدين بقول الرب يسوع المسيح “وفيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قائلاً: ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟ قالوا له ابن داود. قاله لهم فكيف يدعون داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعدائك موطئاً لقدميك. فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟” (مت 22: 42-44).
فقالت د. مها محمد “إما أن السيد المسيح ليس ابن داود (فإن كان داود رباً، فكيف يكون ابنه) وهذا غير ممكن لأن السيد المسيح من نسل داود من جهة أمه… وإما أ، السيد المسيح أراد أن يذكر أن السيد “النبي” الذي يتحدث عنه داود عليه السلام – ليس من نسل داود”، وتضيف ملحوظة أن نبي المسلمين ليس من نسل داود”!!. وكتب عبد الأحد داود فصلاً في إثبات أن الذي دعاه داود “ربي” والتي حاول جهده أن يحولها إلى مجرد “سيد” هو نبي المسلمين وذلك اعتماداً على قول الرب يسوع المسيح المذكور أعلاه!!
ونقول لهما هنا أن الكلمة “ربي” المستخدمة في قول داود النبي “قال الرب (يهوه) لربي (أدوناي Adonai) اجلس عن يميني حتى أضع اعداءك موطئاً لقدميك” (مز 110: 1). هي (أدوناي Adonai) من لقب “أدون” (Adonadhonai) في العبرية، تعني “رب، سيد Lord”، وجمعها “أدونيم – Adhonim – أرباب – Lords”، ويستخدم كجمع تعظيم للمفرد.
وقد استخدم هذا اللقب “أدون” بكل هذه المعاني في مخاطبة الله، بالمعنى الأسمى، معنى الكرامة والسيادة، فهو الرب والسيد صاحب السلطان والسيادة على جميع المخلوقات، كما يستخدم للتعبير عن ألوهية الله وربوبيته وسيادته “قدرته السرمدية ولاهوته” (رو 1: 2)، “الرب إلهكم هو إله الآلهة ورب الأرباب، (أدوني ها أدونيم) الإله العظيم الجبار” (تث 1: 17).
ويعني لقب “أدوني adhoni”، “ربي، سيدي – My Lord” لأن الحرف (اليود) الياء – ي هو ياء الملكية. أما أدوناي adhonai فيستخدم عادة للاحترام والتوقير، كبديل لـ “أنت” هو “هو” ويستخدم في أغلب الأحيان عن الله ويرتبط دائماً بالاسم الإلهي “يهوه”. ويظهر هذا اللقب في العهد القديم 449 مرة، منها 315 مرة مع يهوه – “أدوناي يهوه” 31 مرة و”يهوه أدوناي” 5 مرات – 134 مرة “أدوناي” وحده.
وقد ترجم هذا اللقب المركب “أدوناي يهوه” و”يهوه أدوناي” بـ “السيد الرب Lord God” ويعبر عن سلطة الله، يهوه، وسيادته على الكون، الخليقة كلها. وفي الغالبية العظمى من الفقرات التي يتكرر فيها “أدوناي” تسبقه عبارة “هكذا يقول “كمقدمة له، وخاصة في سفري حزقيال وأشعياء “لذلك هكذا يقول السيد الرب…”. “هكذا يقول السيد رب الجنود…” (أش 10: 24).
ومنذ فترة ما بعد السبي وامتناع اليهود عن نطق الاسم يهوه، استخدم اللقب “أدوناي” كمرادف لاسم يهوه ومساو تفسيري له، يعبر عن مغزاه وماهيته، كما حل محله، كبديل له، في الأحاديث الشفوية. وهذا جعل اليهود يحرصون على حمالة الاستخدام الديني لـ “أدون” حتى لا يخاطب الناس به كما يخاطبون السادة من البشر، فكانوا يكتبونه، عند الاستخدام مع “يهوه” أو كبديل له، بطريقة مميزة وينطقونه أيضاً بطريقة مميزة (فقد اعتبروا حرف الياء (ي) الأخير في الكلمة والدال على الملكية جزء من الكلمة “أدوني”، ثم طوروا نطق هذه الياء، الأخيرة من الكلمة) فأصبحت “أدوناي”. وكان هذا الفارق الخفيف كافي لتمييز “أدوناي” (كنص ديني).
وفي هذه النبوة يتكلم عن الرب “يهوه” الذي يخاطب الرب “أدوناي” ويجلسه عن يمين العظمة. فمن المقصود هنا بـ “أدوناي المساوي ليهوه”؟ والإجابة نجدها في الآية نفسها وفي قول داود في مزمور آخر، فهنا في هذه الآية يقول يهوه لأدوناي “اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك”، وفي المزمور الثاني يتنبأ عن المسيح قائلاً “قال لي أنت ابني. أنا اليوم ولدتك” (مز 2: 7).
ونسأل مرة أخرى، من هو الذي قال له يهوه “أنت ابني أنا اليوم ولدتك”؟ والإجابة هي: يقول الكتاب المقدس أنه الرب يسوع المسيح: “إذ أقام يسوع كما هو مكتوب أيضاً في المزمور الثاني أنت ابني أنا اليوم ولدتك” (أع 13: 33)، وفي مقارنة مع الملائكة يقول “لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك” (عب 1: 5)، “كذلك المسيح أيضاً لم يمجد نفسه ليصير رئيس كهنة بل الذي قال له أنت ابني أنا اليوم ولدتك” (عب 5: 5).
والسؤال الثاني: من هو الجالس عن يمين الله، يهوه؟ والإجابة هي الرب يسوع المسيح حيث يقول لنا الكتاب أنه لم يصعد إلى السماء ويجلس عن يمين الآب سوى شخص واحد هو الرب يسوع المسيح!! فقد أكد الرب يسوع المسيح أنه هو الرب “أدوناي” وأدوناي هو “يهوه”، وأنه هو الجالس في يمين العظمة، على عرش الله في السماء. كما قال لتلاميذه “من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة” (مت 26: 64؛ مر 14: 62). وعن صعوده يقول “ثم أن الرب بعدما كلمهم (تلاميذه ورسله) ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله” (مر 16: 19).
“ارتفع بيمين الله” (أع 2: 32؛ 5: 31)، “المسيح هو الذي مات بل بالحري قام أيضاً الذي هو أيضاً عن يمين الله الذي أيضاً يشفع فينا” (رو 8: 34)، “المسيح جالس عن يمين الله” (كو 3: 1)، “الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا جلس عن يمين العظمة في الأعالي” (عب 1: 3)، “جلس في يمين عرش العظمة في السماوات” (عب 8: 1)، “جلس في يمين عرش الله” (عب 12: 2)، “وأجلسه عن يمينه في السماويات” (أف 1: 20)، “الذي هو في يمين الله إذ قد مضى إلى السماء وملائكة وسلاطين مخضعة له” (1بط 3: 22). فالمسيح إذاً هو الرب “أدوناي – يهوه”، رب داود الجالس في يمين عرش العظمة، عرش الله في السماء.
أما بخصوص ما قاله هؤلاء الكتّاب أن المسيح “رفض الفكرة القائلة إن المسيح الذي كانت تنتظره إسرائيل كان أحد أبناء داود”؟!! فالمسيح لم ينف مطلقاً أنه هو المسيح الذي كانت تنتظره إسرائيل ولا أنه، هو، أحد أبناء داود بل كان الجموع ينادونه بلقب “ابن داود” ويقولون له “يا ابن داود”، بل ويبدأ الإنجيل للقديس متى بقوله “كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم” (مت 1: 1)، وقال عنه الكتاب أيضاً “الذي صار من نسل داود من جهة الجسد” (رو 1: 3)، ووصفه الكتاب بـ “الأسد الذي من سبط يهوذا أصل داود” (رؤ 5: 5)، ووصف هو نفسه بقوله: “أنا أصل وذرية داود” (رؤ 22: 16).
أما الآيات التي استشهد بها الكاتب والتي سأل فيها الرب يسوع المسيح اليهود قائلاً: “ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟ قالوا له ابن داود. قال لهم فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟” (مت 22: 42-44). لا تنفي كون المسيح ابن داود بل تؤكد على كونه ابن داود بالجسد ورب داود بلاهوته. وهذا ما أراد الرب يسوع المسيح أن يؤكده لليهود، كما قال عن نفسه “أنا أصل وذرية داود” (رؤ 22: 16)، أصل داود كربه وذرية داود بالجسد كما يقول الكتاب “الذي صار من نسل داود من جهة الجسد” (رو 1: 3).
وهنا يؤكد الرب يسوع المسيح في سؤاله لهم أنه رب داود الجالس عن يمين العظمة في السماوات. فمن هو رب داود؟ والإجابة هي: رب داود هو الله! فالكتاب يقول: “اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد” (تث 6: 4)، وأيضاً “للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (تث 6: 13؛ مت 1: 4).
وقد أكد ذلك أيضاً السيد المسيح نفسه في قوله “إن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد” (مر 12: 29). والكتاب يقول أيضاً أن الرب يسوع المسيح نفسه هو هذا الرب الواحد” لكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له. ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به” (1كو 8: 6). ويقول القديس بطرس عنه بالروح “هذا هو رب الكل” (أع 1: 36).
تنبأ الكتاب المقدس في سفر التثنية قائلاً “يقيم لك الرب إلهك نبياً من وسطك من إخوتك مثلي. له تسمعون. حسب كل ما طلبت من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع قائلاً لا أعود أسمع صوت الرب إلهي ولا أرى هذه النار العظيمة لئلا أموت. قال لي الرب قد أحسنوا فيما تكلموا. أقيم لهم نبياً من وسط إخوتك مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به. ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه” (تث 18: 15-19).
ويرى بعض الكتاب من الإخوة الأحباء المسلمين، بعد أن حذفوا الآيتين الأولى والثانية من النبوة واكتفوا فقط بالآية التي تبدأ بقوله “أقيم لهم نبياً من وسط اخوتهم مثلك”، إن النبي المقصود في هذه النبوة هو نبي المسلمين وليس الرب يسوع المسيح.
وقبل أن نبدأ في دراسة هذه النبوة يجب أن ندرسها بمفهوم ومنطق وأسلوب الكتاب المقدس وطريقة تطبيقه لها وليس بأي مفهوم أو منطق لكتاب آخر أو فكر آخر.
وبدراسة النبوة مع بقية الآيات المرتبطة بها، نجد الآتي:
إن الآيات السابقة لها هي وصايا الله لبني إسرائيل.
إن الآيات التالية لها تتكلم عن صفات كل من النبي الصادق والنبي الكاذب والعلامات التي يعرفه بها بنو إسرائيل.
كان لموسى النبي صفات وخصائص مرتبطة بجوهر النبوة لا بد أن تتحقق في النبي الموعود بصورة أساسية.
ماذا تقول النبوة ومن هو المخاطب فيها؟ وما معنى اخوتك؟
– تقول النبوة “يقيم لك الرب إلهك” والمخاطب هنا في قوله “لك: هو بنو إسرائيل، أي “يقيم لك يا إسرائيل”
– “نبياً من وسطك” وعبارة “من وسطك” هنا تعني “من وسطك يا إسرائيل” أي من الأسباط الاثني عشر وليس من خارجهم (ليس من خارج بين إسرائيل).
– وقوله “من اخوتك” بحسب ما جاء في سفر التثنية الذي وردت به النبوة يقصد به أسباط إسرائيل باعتبارهم اخوة بعضهم لبعض، فقد وردت الكلمة في السفر عشرين مرة واستخدمت بخمس طرق:
استخدمت 14 مرة للأسباط الاثني عشر باعتبارهم اخوة بعضهم لبعض.
ومرة واحدة عن اللاويين (سبط لاوي) باعتبارهم، أيضاً، اخوة.
ومرتين عن الآدوميين، نسل (عيسو).
ومرة واحدة عن الإخوة بمعناها الحرفي “إذا سكن إخوة معاً” (تث 25: 5).
ومرتين في هذه النبوة.
ولم تستخدم ولا مرة واحدة – لا في هذا السفر ولا في غيره، عن أبناء إسماعيل كإخوة لبني إسرائيل. ومن ثم يكون معنى الإخوة – بحسب مفهوم الكتاب المقدس – والذي وردت به هذه النبوة، والذي يعني من بقية الأسباط. فالأسباط بني إسرائيل، هم الأخوة الأقرب بعضهم لبعض، حيث قال الله لهم إذا بيع لك أخوك العبراني أو اختك العبرانية وخدمك ست سنين ففي السنة السابعة تطلقه حراً من عندك” (تث 15: 12).
كما قال لهم أيضاً “من وسط اخوتك تجعل عليك ملكاً. لا يحل لك أن تجعل عليك رجلاً أجنبياً ليس هو أخاك” (تث 17: 14، 15). فهل كان المقصود في قوله هنا “من اخوتك” أن يملك عليهم أحد أبناء إسماعيل، بحسب منطق هؤلاء الكتّاب؟! كلا! لأنه يقول بكل تأكيد “لا يحل لك أن تجعل عليك رجلاً أجنبياً ليس هو أخاك”. وكان أبناء إسماعيل في ذلك الوقت أجانب بالنسبة لبني إسرائيل.
وكان أول ملك جلس على عرش إسرائيل هو شاول البنياميني، من سبط بنيامين، تلاه داود الملك والنبي، الذي من سبط يهوذا، وابنه سليمان، وكل من جلس على عرش يهوذا بعد ذلك وحتى السبي البابلي كان من نسل داود النبي، وحتى في أيام السبي البابلي والاحتلال الفارسي واليوناني ثم الروماني لكل فلسطين لم يحكم على اليهود أحد من نسل إسماعيل..
بل كان يحكم عليهم أحد الولاة اليهود، من نسل داود، من قبل الإمبراطورية المحتلة إلى أن اغتصب الحكم هيرودس اليهودي الآدومي الذي من بني آدوم، عيسو، شقيق يعقوب التوأم، محققاً بذلك نبوة يعقوب لابنه يهوذا أن المسيح المنتظر والنسل الموعود سيأتي عند زوال الحكم والتشريع من سبط يهوذا “لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع الشعوب”. كما قال لهم أيضاً “قد أعطاكم (الرب) هذه الأرض لتمتلكوها. مجردين تعبرون أمام اخوتكم بين إسرائيل” (تث 3: 18)، أي أمام بقية أسباط إسرائيل.
تأكيد الكتاب المقدس صراحة أن النبي الموعود هنا هو المسيح والكتاب المقدس يؤكد ان النبوة هنا المقصود بها المسيح المنتظر الذي هو الرب يسوع المسيح، الذي أكد ذلك بنفسه، والذي قال لليهود “لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقوني لأنه هو كتب عني” (يو 5: 46).
وكما أكد تلاميذه، ففي خطاب القديس بطرس الرسول في الهيكل وأمام علماء ورجال الدين اليهود والجموع الحاشدة أكد لهم أن كل ما تنبأ به جميع أنبياء العهد القديم وتكلم به الله على أفواههم تممه في أيامهم في شخص المسيح يسوع “وأما الله فما سبق وأنباً به بأفواه جميع أنبيائه أن يتألم المسيح، قد تممه هكذا. فتوبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم لكي تأتي أوقات الفرج من وجه الرب. ويرسل يسوع المسيح المبشر به لكم قبل. الذي ينبغي أن السماء تقبله إلى أزمنة رد كل شيء التي تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر.
فإن موسى قال للآباء أن نبياً مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من اخوتكم. له تسمعون في كل ما يكلمكم به. ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب. وجميع الأنبياء أيضاً من صموئيل فما بعده جميع الذين تكلموا سبقوا وأنبأوا بهذه الأيام. أنتم أبناء الأنبياء والعهد الذي عاهد به الله آباءنا قائلاً لإبراهيم وبنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض. إليكم أولاً إذ أقام الله فتاه يسوع أرسله يبارككم برد كل واحد منكم عن شروره” (أع 3: 18-26). وهذا تأكيد مطلق على أن المقصود في هذه النبوة هو الرب يسوع المسيح وليس أحد غيره.
ولكن يقول البعض أن موسى نبي وأنتم تؤمنون أن المسيح إله نزل من السماء ومن ثم لا يكون مثل موسى. وللإجابة على هذا التساؤل نؤكد أننا نؤمن بحسب ما جاء في الكتاب المقدس أن الرب يسوع المسيح هو كلمة الله وصورة الله الذي من ذات الله الآب “نور من نور إله حق من إله حق”، ولكنه أيضاً “تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنس”. ويقول الكتاب: “الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب” (في 2: 6-8).
فهو كلمة الله بطبيعته ولكنه أيضاً إنساناً بتجسده، وكإنسان حل عليه الروح القدس ومسحه كاهناً وملكاً ونبياً، فقام بمهام وعمل ودور ووظيفة النبي في حمل رسالة الله الآب للعالم وكان كاهناً على الصليب وملكاً لملكوت السماوات، ولذا قيل عنه “يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل” (مت 21: 11)، ورأى فيه اليهود نبياً عظيماً وقالوا عنه “قد قام فينا نبي عظيم” (لو 7: 11)، بل والنبي الذي تنبأ عنه موسى “هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم” (يو 6: 14).
ونخاطب هؤلاء الكتاب أيضاً بمنطقهم ونقول لهم وأنتم لا تؤمنون أن المسيح إله بل نبي. وبهذا المنطق فالمسيح مثل موسى.
69 – المسيحية تعيد البشرية إلى عالم الوثنية والذي حاربه الله على مدار التاريخ من خلال كل الأنبياء وآخرهم محمد، وذلك بما تدخلونه في ديانتكم من عبادة الصليب والأوثان والصور والتماثيل التي تملاً جدران كنائسكم؟
عزيزي نحن لا نقدس الصليب كقطعة من الخشب (الجماد)، ولكن احترامنا وتقديرنا له بل واعتباره شعاراً للمسيحية، لي إلا لأنه كان الأداة التي استخدمت لصلب المسيح وموته والكفاري الفدائي لخلاص الإنسان من عقاب ودينونة الخطية، لكي يهبنا السلام الحقيقي مع الله ويضمن لنا جنة الخلد بعد حياة الدنيا.
أعود إلى الإجابة عن سؤالكم بخصوص أن المسيحية دعوة لعودة الوثنية من خلال عبادة الصور والتماثيل حسب ادعائكم.
يقول الكتاب: “لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما مما في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن” (حز 20: 4، 5؛ تث 5: 8، 9).
ونحن لا نعبد الصور والايقونات والتماثيل التي تملأ جدران كنائسنا حسب ادعائكم وإنما نكرمها ونكرم أصحابها حسب قول الرب: “إن كان أحد يخدمني، يكرمه الآب” (يو12: 26).
ونفس الكلام نقوله عن الصليب ورسمه وصورته وخشبته، كما قال القديس بولس الرسول: “أنتم الذين أمام عيونكم قد رسم يسوع المسيح بينكم مصلوباً” (غل 3: 1).
فللصور تأثير كثير في الشرح والإيضاح وتترك أثراً عميقاً في النفس أكثر من العظة أو القراءة أو مجرد الاستماع لا سيما عند الأطفال والعامة من المؤمنين.
والصور والأيقونات يرجع استعمالها أيضاً للعصر الرسولي نفسه فالقديس لوقا الإنجيلي كان رساماً وقد رسم صورة أو أكثر للسيدة العذراء القديسة مريم. ويروي التقليد كيف أن صورة السيد المسيح قد انطبعت فوق منديل وأقوى عصور الإيمان كانت حافلة بأيقونات يوقرها الناس دون أن تضعف إيمانهم بل كانت على العكس تقويه.
أما اعتبارك أن هذا الأمور دليل على الوثنية فبكل أسف أقول لك إن الإسلام له الدور الريادي في ذلك. وإن كنت لا تعلم فسأحدد لك أماكن تستطيع أن ترى من خلالها أين الوثنية؟ هل هي في المسيحية أم في الإسلام؟ فالحسين أمامك لترى كيف يتم السجود عند الضريح الفضي وكيف يتم تقبيل القضبان والبكاء عليها والدعاء للحسين وليس لله وكذلك النذور التي تنذر للحسين وليس لله.
صلاتي أن تعرف الحق والحق يحررك.
70 – هل الكتاب المقدس يأمـر بقتـل المرتـد؟
لا يوجد ما يسمى بحد الردة لا في الكتاب المقدس عموماً ولا في المسيحية بشكل خاص، ولا هناك أي نوع من العقوبة على من يترك المسيحية ولم يشر الرب يسوع المسيح لا من قريب ولا من بعيد إلى مثل ذلك وإنما ترك دينونة كل واحد لليوم الأخير، وأبرز مثال على ترك المسيح لكل واحد يختار الإيمان أو يتركه كما يشاء هو ما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا الأصحاح السادس، عندما وجد بعض الذين استمعوا إليه وتتلمذوا على يديه صعوبة في كلامه في هذا الأصحاح يقول الكتاب:
“ولكن منكم قوم لا يؤمنون. لأن يسوع من البدء علم من هم الذين لا يؤمنون ومن هو الذي يسلمه. فقال. لهذا قلت لكم أنه لا يقدر أحد أن يأتي إلي إن لم عط من أبي، من هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء ولم يعودوا يمشون معه. فقال يسوع للاثني عشر ألعلكم أنتم أيضاً تريدون أن تمضوا” (يو 6: 64-67). وهنا حرية مطلقة في قبول المسيح أو رفضه، في البقاء معه أو تركه دون أي عقوبة أرضية دنيوية.
لقد ترك المسيح مسألة البقاء في الإيمان أو تركه دون أي عقوبة أرضية مطلقة. ويختم القديس يوحنا الإنجيل الرابع بقوله بالروح القدس: “وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه” (يو 20: 31). ويقول الرب نفسه “لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلص به العالم. الذي يؤمن به لا يدان والذي لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد.
وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة. لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور لئلا توبخ أعماله. وأما من يفعل الحق فيقبل إلى النور لكي تظهر أعماله أنها بالله معمولة” (يو 3: 16-21).
ويقول القديس يوحنا في رسالته الأولى: “كل من تعدى ولم يثبت في تعليم المسيح فليس له الله ومن يثبت في تعليم المسيح فهذا له الآب والابن جميعاً. أن كان أحد يأتيكم ولا يجيء بهذا التعليم فلا تقبلوه في البيت ولا تقولوا له سلام لأن من يسلم عليه يشترك في أعماله الشريرة” (1يو 1: 9-11). وكانت هذه أقصى عقوبة وهي فقط عدم الاختلاط بالمرتد دون المساس به. بل يقول الكتاب “أما البار فبالإيمان يحيا وإن ارتد لا تسر به نفسي” (عب 10: 38).
ومن هنا فلا وجود لما يسمى بحد الردة في المسيحية والمرتد لا يدان في هذا العالم، فهو حر يؤمن بما يشاء وفي النهاية سيقف الجميع أمام كرسي الديان العادل ليجازي كل واحد بحسب أعماله.
71 – لماذا رفض يسوع أن تلمسه مريم بينما سمح بذلك لتوما؟ هذا المرأة نجسة في نظر السيد الرب؟
هذا السؤال سؤال جاهل في الكتاب المقدس، وسأعطيك مقدمة بعدها الرد حول هذه النقطة.
إن الرب يسوع المسيح:
شفى امرأة منحنية ووضع يده عليها “وضع عليها يده” وأطلق عليها لقب “ابنه إبراهيم” (لوقا 13: 16)، فيما لم يطلق هذا اللقب في التوراة بأكملها إلا على الرجال.
سمح السيد المسيح “لامرأة ملوثة بدم حيضها أن تلمسه” (متى 9: 18-22)، مرقص 5: 21-34، لوقا 8: 40-48).
إذاً هنا نرى أن الرب يسوع المسيح سمح للمرأة أن تلمسه ولمسها “لأن الكل واحد في المسيح” فما معنى ما قاله لمريم…؟؟؟
نقرأ في بشارة معلمنا متى 28: 9
“فيما هما منطلقتان لتخبرا تلاميذه إذا يسوع لاقاهما وقال “سلام لكما”. فتقدمتا وأمسكتا بقديمه وسجدتا له”
إذاً مريم لمست السيد لكن عندما ذهبت مريم لتخبر التلاميذ بعد أن لمست الرب وعاينته لم تكن مريم مصدقة بعد أن هذا هو رب المجد فعادت إلى القبر وجلست تبكي فظهر لها ملاكا الرب وقالا لماذا تبكين يا امرأة؟ فأجابتهم أخذوا ربي ولا أعلم أين وضعوه فهنا ظهر لها الرب مرة أخرى، وعندما أتت تلمسه قال لها لا تلمسيني أي أنك لمستني وعاينتني لكنك لم تصدقي بعد فبهذا الايمان لا تلمسيني والموضوع هنا ليس لأنها نجسة أو عورة كما يقول المسلمين بل لأنها شكت بعد أن كانت أول من لمس وعاين الرب.
ولا ننسى أنها اول من مسح رجلي الرب بالطيب.
إذاً مريم لمست الرب قبل وبعد الصلب.
للمزيد راجع كتاب حقوق المرأة في المسيحية د. مها فاخوري.
إن الصليب عمق يتعلق بمفاهيم ومعان في خطة الله لخلاص الإنسان. فمعلمنا بولس الرسول يقول “إن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله” (1كو 1: 18). لذلك لم يكن الصليب مجرد وسيلة للإعدام…
إذن ماذا يكون الصليب؟
الصليب روحياً: الصليب يدخل في أعماق الإنسان وفكره وأبعاد عمل الروح القدس في داخله. فقد كان الصليب بالنسبة للقديسين هو موضوع عناق قوي في علاقتهم بالله. وهو موضوع تأمل وممارسة حياة يومية. هو قوة الله للخلاص. فللصليب معان تدخل إلى أعماق النفس بقوة الروح القدس حتى ولو لم يدرك الإنسان تلك المعاني. الصليب هو قوة وغلبة وانتصار وحياة بالنسبة لنا. فلماذا إذاً؟
لماذا مات المسيح مصلوباً؟
بالصليب صار هو الكاهن والذبيحة:
لم يكن السيد المسيح هو مجرد ذبيحة قدمت عن حياة العالم؛ لكنه كان هو الكاهن وهو الذبيحة في آن واحد. فإذا كان قد تم ذبحه على الأرض مثلاً؛ سيكون في هذا الوضع ذبيحة وليس كاهناً. ولكن على الصليب وهو يرفع يديه ككاهن وهو في نفس الوقت الذبيح المعلق. فالناظر إليه يراه ككاهن يصليب وفي نفس الوقت يراه ذبيحاً ويقول “فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا” (1كو 5: 7). وهو يشفع في البشرية أثناء تقديمه لذاته كذبيحة. لذلك رآه يوحنا الحبيب في سفر الرؤيا مثل “خروف قائم كأنه مذبوح” (رؤ 5: 6).
– الجرح الداخلي أعمق: كان لا بد أن يكون السيد المسيح قائماً؛ فلا يمكنه أن يكون ملقياً أثناء ممارسته لعمله كرئيس للكهنة. لذلك فإن عملية الذبح كان داخلية (بالرغم من وجود جراحات مثل آثار المسامير وإكليل الشوك) لكن الجرح الأساسي كان داخلياً. وهنا تظهر نقطة عميقة في محبة الله، وهي تتمثل في شخص السيد المسيح أنه مذبوح في داخله كما يقول بولس الرسول “في أحشاء يسوع المسيح” (في 1: 8) فالذبح الداخلي أصعب بكثير من الذبح الخارجي وفي هذا يقول الشاعر:
وظلم ذو القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند
فوقع السيف الحاد أخف من ظلم ذوي القرابة. ويقول الكتاب المقدس في هذا المعنى “ما هذه الجروح في يديك؟! هي التي جرحت بها في بيت أحبائي” (زك 13: 6).
– النزيف الداخلي: إن السياط التي جلد بها السيد المسيح كانت مصنوعة من سيور البقر وفي أطرافها عظم أو معدن، لذلك فقد مزقت الشرايين المحيطة بالقفص الصدري وأحدثت نزيفاً داخلياً. فلما ضربه الجندي بالحربة كان الدم عندئذ يملاً القفص الصدري فسال الهيموجلوبين الأحمر (كرات الدم الحمراء) بلون الدم ثم البلازما الشفافة ثم السوائل الخاصة بالأوديما (أي الارتشاح المائي).
هذه التي عبر عنها ببساطة القديس يوحنا أنه بعدما طعن في جنبه بالحربة “خرج دم وماء” (يو 19: 34). وقد رأى القديس يوحنا مركبات الدم مفصولة لأن السيد المسيح كان قد أسلم الروح في الساعة التاسعة وعندما طعنه الجندي قرب الغروب كان قد مضى حوالي ساعتين على موته.
– مات ذبيحاً: اهتم القديس يوحنا أن يذكر واقعة خروج الدم والماء لكي يؤكد أن السيد المسيح مات ذبيحاً، ويقول “الذي عاين شهد وشهادته حق” (يو 19: 35). كانت رقبة السيد المسيح سليمة نسبياً والصدر سليم نسبياً بحسب الظاهر خارجه، بينما كان النزيف حاد من الداخل. في الخارج كانت تظهر آثار ضربات السياط، بالإضافة إلى الجروح التي كانت في اليدين والقدمين، وقد أحدثت نزيفاً خارجياً لكنه محدود.
فالمصلوب كان يمكن أن يبقى معلقاً على الصليب ويتعذب وقد لا يموت إلا بعد ثلاثة أيام. ولكن كان يهم القديس يوحنا الإنجيلي جداً أن يؤكد أن السيد المسيح هو خروف الفصح الذي ذبح لأجلنا، لذلك أكد خروج الدم والماء من جنبه لك نعرف أنه ذبح.
– سبب الهبوط في القلب: لقد نتج عن النزيف الداخلي الحاد الذي تعرض له السيد المسيح نقص كبير في كمية الدم الباقية في الدورة الدموية، لذلك احتاج القلب أن يعمل بسرعة لتعويض الدم المفقود. ولكي يعمل بسرعة، كان القلب نفسه كعضلة، يحتاج لكمية أكبر من الدم.
ولكن الشرايين التاجية التي تغذي القلب لم يكن في إمكانها أن تقوم بهذا الدور لقلة كمية الدم الواصل إليها نتيجة للنزيف. وإذا كانت سرعة ضربات القلب في الإنسان الطبيعي هي سبعين نبضة في الدقيقة؛ ففي حالات النزيف ترتفع إلى 140 نبضة. وكل هذا يجهد عضلة القلب فتصل إلى مرحلة من الهبوط الحاد جداً في الجزء الأيمن منها ويؤدي ذلك إلى الوفاة.
– صرخة الانتصار: “كان السيد المسيح يقترب من هذه اللحظة الأخيرة؛ وهنا وفي آخر لحظة صرخ بصوت عظيم وقال “يا أبتاه؛ في يديك أستودع روحي” (لو 23: 46). وقد كانت هذه الصرخة هي صرخة انتصار. لأنه لأول مرة منذ سقوط أبينا آدم من الفردوس يستطيع أحد أن يخاطب الله ويقول له “في يديك أستودع روحي” فكل من مات لم يستطع أن يستودع روحه في يدي الآب بل كان ابليس يقبض على تلك النفوس.
وإذ صرخ السيد المسيح بصوت عظيم رغم حالة الإعياء الشديدة التي كان يعاني منها إنما أراد بذلك أن يلفت النظر إلى عبارة الانتصار هذه. وهذه هي أول مرة – منذ سقطة آدم – يضع ذو طبيعة بشرية روحه في يدي الآب.
صار السيد المسيح هو القنطرة أو الجسر الذي يعبر عليه المفديون من الجحيم إلى الفردوس وإلى ملكوته. وقد خاب أمل الشيطان في هذه اللحظة لأنه رأى أمامه قوة الذي انتصر بالصليب.
وفي قداس للقديس يوحنا ذهبي الفم يقول: “عندما انحدرت إلى الموت أيها الحياة الذي لا يموت حينئذ أمت الجحيم ببرق لاهوتك. وعندما أقمت الأموات من تحت الثرى صرخ نحوك القوات السمائيون أيها المسيح الإله معطي الحياة المجد لك”.
فقد أبرق السيد المسيح حينما سلم روحه في يدي الآب. وبتعبير آخر: أصبح كالبرق وأفزع كل مملكة الشيطان. أخفى السيد المسيح لاهوته عن الشيطان وكان يقول “نفسي حزينة جداً حتى الموت” (مر 14: 34). كان يجاهد ويأتي ملاك ليقويه في الصلاة من أجل إخفاء لاهوته عن الشيطان ولكن في اللحظة التي أسلم فيها روحه على الصليب، أي عندما غادرت روحه الإنسانية الجسد، في الحال أبرق بمجد لاهوته، لذلك يقول “إذ جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهاراً ظافراً بهم فيه (في الصليب)” (كو 2: 15).
فقد تحول الموقف تماماً وكأن الشيطان يقيم حفلاً أو وليمة وأحضر معه كل بوابات الجحيم وكل قوات الظلمة لتحيط بمنطقة الجلجثة فوقف أمامه من “خرج غالباً ولكي يغلب” (رؤ 6: 2) ففزعت من أمامه كل هذه القوات حينما أبصرت مجد لاهوته.
بالصليب كان هو الميت القائم
كان لا بد أن يكون المسيح هو الذبيحة التي ذبحت وهي تصلي؛ أي وهي قائمة. فبعدما مات وسلم الروح على الصليب كان المشهد في غاية العجب؛ أنه ميت وقائم في نفس الوقت؛ ذلك لأن المعلق على الصليب تحمله رجلاه. لذلك عندما جاءوا ليكسروا ساقي السيد المسيح وجدوه قد أسلم الروح فلم يكسروهما فهو واقف على قدميه فعلاً. وقد سلم الروح وهو واقف، وهذه إشارة إلى أنه في أثناء موته هو القائم الحي.
ليس معنى هذا أنه لم يمت حقاً لكن هذا إشارة إلى أن “فيه كانت الحياة” (يو 1: 4). فهو قد أسلم الروح لكن قوة الحياة كائنة فيه. وحتى وهو قائم من الأموات كان محتفظاً بالجراحات لكي نراه مذبوحاً وهو قائم. أي أنه وهو مذبوح هو قائم، وهو قائم هو مذبوح. كما ورد أيضاً في سفر الرؤيا أنه “خروف قائم كأنه مذبوح” (رؤ 5: 6). فلا يمكن إذاً أن يحرق أو يموت غريقاً لأن هذه المعاني لن تتفق في هذه الميتات.
بالصليب صالح الأرضين مع السمائيين
هل السيد المسيح يمثل الله في وسط البشر أم يمثل البشر أمام الله؟ بالطبع هو الأمران معاً في وقت واحد. هو ابن الله وهو ابن الإنسان في نفس الوقت. بدون التجسد كان السيد المسيح سيبقى ابناً لله، والبشر هو أبناء الإنسان. ولكنه في تجسده وحد البنوة لله مع البنوة للإنسان، إذ صار هو نفسه ابناً لله وابناً للإنسان في آن واحد. وأراد أن يجعل هناك صلة بين الله والبشر. متى تصل الصلة إلى ذروة هدفها؟
تصل الصلة بين الأرض والسماء إلى ذروتها على الصليب. فإن كان السيد المسيح هو ابن الله الوحيد قد صار بالميلاد ابناً للإنسان لكنه لم يصل بالميلاد وحده إلى عمل علاقة بني الله والبشر… فهو يريد أن يصالح الله مع البشر. فليس هناك شركة بين الله والإنسان إلا بيسوع المسيح وهو معلق على الصليب. فهو الله الظاهر في الجسد، وهو باكورة البشرية في حضرة الآب السماوي، والسلم الواصل بين السماء والأرض.
عندما ننظر إلى السيد المسيح على الصليب نقول هذا هو الطريق المؤدي إلى السماء وهو نفسه يقول “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو 14: 6). كل إنسان ينظر إلى ناحية الصليب لا بد أن ينظر ناحية السماء “وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان” (يو 3: 14)، فلا بد أن الناظر إليه ينظر إلى الأعلى. هو معلق بين السماء والأرض. فحينما نراه نرى فيه الله الظاهر في الجسد ونرى حب الله المعلن للبشرية.
وفي نفس الوقت حينما يراه الآب من السماء يرى فيه الطاع الكاملة ورائحة الرضى والسرور التي اشتمها وقت المساء على الجلجثة. إذاً هو نقطة لقاء بين نظرنا نحن ونظر الآب السماوي. فالآب ينظر إليه، فإذا نظر كل منا إلى السيد المسيح فسوف يلتقي بالآب. بتعبير آخر إذا كنت واقفاً بجوار الصليب والآب ينظر من السماء إلى الصليب فسيراك أنت تحته، وإذا أنت نظرت إلى الرب يسوع سترى الآب الذي يتقبل الذبيحة.
الصلب والأنا المبذولة
علامة الصليب تشير إلى الأنا المبذولة أو الطاعة الكاملة. فإذا أردنا إلغاء أي خط نضع خطأ متعارضاً مع الخط المراد إلغائه. فالصليب في حد ذاته يعلن حياة التسليم الكامل لله. كما أن السيد المسيح في مظهره على الصليب كان واقفاً وأما في الحقيقة فقد كان كل جزء من جسده مقيداً لا يستطيع أن يتحرك. معنى هذا أن السيد المسيح يريد أن يقول لنا إنه لا بد من “صلب الجسد مع الأهواء والشهوات” ونقول “مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ” (غلا 2: 20).
تسمرت على الصليب كل أهواء الجسد ومشيئته الخاصة. لم تكن للسيد المسيح طبعاً رغبات خاطئة، حاشا، لكن كانت له رغبات طبيعية مثل الأكل والشرب والراحة. فقد جاع عندما صام مثلاً. ورغبات الجسد هذه غير خاطئة في حد ذاتها. لكن كانت مشيئة الآب السماوي بالنسبة للسيد المسيح هي أن تبطل هذه الرغبات، فكانت الطاعة الكاملة هو الجواب. لذلك عندما أتى الشيطان ليجربه وهو جائع، قال له “قل أن تصير هذه الحجارة خبزاً” أجابه السيد المسيح “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله” (مت 4: 3-4).
فكما ان الجسد يقتاب بالخبز، فمن الجانب الآخر ستتعطل الروح بسبب إتمام رغبات الجسد حتى لو كانت هذه الرغبات غير خاطئة. فليصلب الجسد إذاً لكي تنفذ المشيئة الإلهية. وأيضاً وهو على الصليب قيل له “إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب” (مت 27: 40) فلماذا هذا التعب ولماذا هذه الآلام المريعة؟ ولكن السيد المسيح لن يطيع الجسد طالما يتعارض هذا مع مشيئة الآب السماوي. وبذلك يكون مفهوم عبارة “لتكن لا إرادتي بل إرادتك” (لو 22: 42) هو: لتكن لا رغبات الجسد في أن يرتاح أو أن يتحرر من الآلام الجسدية أو النفسية، بل لتكن مشيئة الآب في إتمام الفداء.
تعرض السيد المسيح لآلام نفسية مريرة بجوار الآلام الجسدية. تمثلت هذه الآلام النفسية في الآلام التي عاناها السيد المسيح نتيجة لخيانة يهوذا (فهو إحساس مر أن يهوذا تلميذه يقبله ويسلمه لأعدائه بهذه الصورة). وأيضاً في تعبيرات الناس الذين أتى لأجل خلاصهم ويقم لهم حبه، فتكون هذه هي مكافأته. إحساس مر لا يعبر عنه. كما أن كونه موضوعاً في وضع الملعون والمصاب والمضروب من الله ويحمل كل خطايا البشرية لكي يقدم ثمن عصيان الإنسان وتمرده، كأس مملوءة بالمر.
كان من الطبيعي أن النفس والجسد يشعران أنهما أمام اجتياز كأس مريرة جداً لا بد أن يشربها إلى نهايتها. فيقول للآب “لتكن لا إرادتي” (لو 22: 42). وليس المقصود بالإرادة هنا الإرادية المسؤولة عن اتخاذ القرار، لأن القرار هو قرار الثالوث القدوس بإتمام الخلاص الذي أتى المسيح لأجله، إنما المقصود بها هو الرغبة الطبيعية أو الاحتياج الطبيعي الناشئ عن حمل السيد المسيح لطبيعة بشرية حقيقة من خصائصها الشعور بالألم وبالحزن وبالمعاناة.
وهكذا فإن السيد المسيح في معاناته الرهيبة يريد أن يقول للآب: “لن يكون قراري مبنياً على ما في هذه الخصائص البشرية من تعب وألم وحزن، لكنه مبني على ما في رغبتي الكاملة في ارضائك وفي تخليص الذي أحببتهم للمنتهى. فهو الذي قيل عنه “أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى” (يو 13: 1).
5 – بالصليب تمت النبوات
كان الصليب ضرورة لأن فيه تمت النبوات. إذ يقول داود النبي في المزمور “ثقبوا يدي ورجلي” (مز 22: 16) “يقسمون ثيابي بينهم، وعلى لباسي يقترعون” (مز 22: 18) “وفي عطشي يسقونني خلاً” (مز 69: 21)… وكل هذه النبوات كيف تتمي إلا إذا صلب؟ أو مثلاً عندما قال “كما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان” (يو 3: 14). فالمسيح حمل خطايانا التي ترمز إلى الشر (الحية) فصعد على الصليب وسمر الخطية على الصليب ثم نزل هو وترك الخطية معلقة على الصليب. فلذلك نصلي في قطع الساعة السادسة قائلين “مزق صل خطايانا أيها المسيح إلهنا”.
ويقول “إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب” (كو 2: 14). فقد سمر الخطية على الصليب والحية المعلقة ترمز إلى حمله خطايا العالم كله. فلا بد أن تكون الذبيحة مرفوعة لأعلى لتتم النبوات. وكما شق موسى النبي البحر الأحمر بضرب عصاه ثم ضربه ثانية بعلامة الصليب، وأرجعه ثانية، فغرق فرعون الذي يرمز للشيطان. هكذا كان الصليب هو وسيلة الغلبة على مملكة ابليس.
بالصليب ملك على خشبة
قيل عن السيد المسيح المخلص “الرب قد ملك على خشبة” (مز 95: 10) (في صلاة الساعة السادسة بالأجبية) فلا بد أن تكون أداة موته التي يملك من خلالها على قلوب البشر هي خشبة. ولأنه قال “مملكتي ليس من هذا العالم” (يو 18: 36) لذلك كان لا بد أن تعلق الخشبة مرفوعة إلى فوق. ويقول “جعلوا فوق رأيه علته مكتوبة هذا هو يسوع ملك اليهود” (مت 27: 37). لذلك كان الصليب هو عرشه باعتراف الوالي نفسه الذي كتب: “يسوع الناصري ملك اليهود). (يو 19: 19) وقد كتبت بثلاث لغات؛ اللاتينية واليونانية والعبرية، بمعنى أن العالم كله قد اعترف رسمياً أن هذا هو ملك اليهود. ولكن تعلق علته فوق رأسه وهو جالس على عرشه كان لا بد أن يموت مصلوباً لأنه هذه الأمور لن تتوفر إذا مات مثلاً مذبوحاً أو محروقاً أو غريقاً.
ما هو سبب الصلب؟
سبب الصلب هو أنه هو ملك اليهود لأن عرشه هو الصليب فملكه هو سبب موته، وسبب موته هو ملكه. أي أن كونه ملكاً كان هو السبب في أنهم حكموا عليه بالموت. ولكن كيف مَلَك؟ مَلَك بالموت.
الصليب أعطى فرصة ثلاث ساعات لإتمام العمل
لا توجد وسيلة موت تستغرق ثلاث ساعات. فإذا وضعوا شخصاً في النار سيموت خلال خمس دقائق. وكذلك الموت بالغرق، وكذلك الشنق (فعند إزاحة الشيء الذي يقف عليه المحكوم عليه بالإعدام يصير معلقاً من رقبته فيحدث انفصال للنخاع الشوكي في ثانية واحدة وبعد دقيقتي يسلم الروح). ولكن السيد المسيح كان يموت طوال الساعات الثلاثة وقد حدثت أمور هامة وضخمة جداً في هذه الساعات الثلاثة وهي:
أولاً: تذكر آدم
صلب السيد المسيح في اليوم السادس وفي الساعة السادسة ليذكرنا بآدم الذي خلق في اليوم السادس.
ثانياً: خروف الفصح
تمت عملية الصلب ما بين الساعة السادسة والساعة التاسعة وكان ميعاد ذبح خروف الفصح حسب ناموس موسى “بين العشاءين” (عد 9: 3).
ثالثاً: شمس البر
“ومن الساعة السادسة كان ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة” (مت 27: 45) لأن الشمس قد أخفت شعاعها. وعلى المستوى الروحي يقول “ولكم أيها المتقون اسمي، تشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها” (مل 4: 2). وبالطبع لا توجد شمس لها أجنحة لكن السيد المسيح وهو معلق على الصليب كان الأجنحة، وهي الذراعين المبسوطتين، التي تقول “يا أبتاه اغفر لهم” (لو 23: 34) وهذا هو الشفاء الذي في أجنحتها. الشمس أخفت شعاعها لتعلن أن شمس البر هو المعلق على الصليب لأنه لا يصح وجود الشمس في وجود شمس البر الحقيقي.
رابعاً: كلمات السيد المسيح على الصليب
قول السيد المسيح للص “اليوم تكون معي في الفردوس” (لو 23: 43) وما وراء هذه العبارة من إعلان عن فتح الفردوس. وقوله “يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو 23: 34) وما وراء هذه العبارة من مشاعر الحب والغفران لمخلص العالم. وأيضاً “أنا عطشان” (يو 19: 28) لكي يتم المكتوب. و “قد أكمل” (يو 19: 30) وما تحمله هذه العبارة من تأكيد على إتمام الفداء والنبوات المختصة به. وقوله للعذراء أمه “يا امرأة هو ذا ابنك” (يو 19: 26) ويسلمها ليوحنا لكي نعرف أن السيدة العذراء أصبحت أماً روحية لجميع القديسين، والشفيعة المؤتمنة للكنيسة كلها في شخص يوحنا الحبيب، كما نفهم أن العذراء هي العروس والهيكل والسماء الثانية.
خامساً: لقطات من الأبدية
المشهد الأول
في خلال الساعات الثلاث على الصليب تكلم السيد المسيح كلمات كثيرة منها أنه قال للص اليمين “اليوم تكون معي في الفردوس” (لو 23: 43). في بداية الأمر كان اللص اليمين غاضباً جداً ومتفقاً مع اللص الآخر في تعيير السيد المسيح. ولكن بمرور الوقت بدأ يتحول من التذمر إلى التوبة. وكان لا بد أن تكتمل هذه الصورة الجميلة التي رسمها السيد المسيح على الجلجثة. اللص اليمين كان خاطئاً تائباً ذهب إلى الفردوس، وأما اللص الشمال فكان خاطئاً لم يتب وذهب إلى الجحيم.
كان المشهد كأنه لوحة فنية مكتملة على الجلجثة: نرى يسوع – ملك البر، مخلص العالم الذي اشترك معنا وحسب بين البشر وهو الله الكلمة – يقف عن يمينه كل الذين طلبوا الغفران ونالوه، وعن يساره كل الذين رفضوا التوبة أبدياً. في يوم استعلان ملكوت الله سنرى نفس مشهد الجلجثة عندما قال “متى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه؛ فحينئذ يجلس على كرسي مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب؛ فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء.
فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار” (مت 25: 31-33). هذا المشهد كان مجرد لقطة من الأبدية فنرى منظر المجيء الثاني أثناء إتمام الفداء على الصليب.
يقول القداس الإلهي [فيما نحن نصنع ذكر آلامه المقدس وقيامته من الأموات وصعوده إلى السماوات وظهوره الثاني المخوف المملوء مجدأ…] من هذه العبارة نعرف أن الكنيسة لا تفصل بين احداث الخلاص وأحداث المجيء الثاني والأبدية لأن كل هذا هو عمل الله الفادي. مثلما قيل عن مجيء إيليا النبي قبل مجيء السيد المسيح وهكذا نرى ما دونته الأسفار المقدسة وهي تشرح ارتباط نبوات المجيء الأول بنبوات المجيء الثاني وهكذا كتب القديس متى “سأله تلاميذه قائلين فلماذا يقول الكتبة إن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً.
فأجاب يسوع وقال لهم إن إيليا يأتي أولاً ويرد كل شيء. ولكني أقول لكم إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا” (مت 17: 10-12). وفي سفر ملاخي يقول “هأنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب، اليوم العظيم المخوف” (مل 4: 5). لذلك كلما قابل الكتبة والفريسيون التلاميذ كانوا يقولون لهم إن إيليا لم يأت فليس هذا إذاً هو المسيح. فعندما رأى التلاميذ إيليا على جبل التجلي تذكروا كلام الكتبة والفريسيين وسألوا السيد المسيح لماذا يقول الكتبة والفريسيون “إن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً” فأجابهم يجب أن تفهموا الكتب.
فالنبوة مزدوجة فحينما قال “يتقدم أمامه بروح إيليا وقوته ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء والعصاة إلى فكر الأبرار لكي يهيئ للرب شعباً مستعداً” (لو 1: 17) كان المقصود هو يوحنا المعمدان، وقد قال السيد المسيح بفمه الطاهر “إن إيليا قد جاء… حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان” (مت 17: 12، 13)، إذاً النبوة عن مجيئه الأول ولكنها سوف تتحقق أيضاً حرفياً في مجيئه الثاني.
وفي سفر ملاخي ربط أيضاً المجيء الأول بالمجيء الثاني إذ قال “فهو ذا يأتي اليوم المتقد كالتنور، وكل المستكبرين وكل فاعلي الشر يكونون قشاً. ويحرقهم اليوم الآتي، قال رب الجنود، فلا يُبقى لهم أصلاً ولا فرعاً (مل 4: 1).
المشهد الثاني
وهو لوحة أخرى جميلة رسمتها العناية الإلهية أثناء أحداث الصلب: عندما خرج بيلاطس البنطي الحاكم الروماني ليقف في المنتصف والسيد المسيح من جهة، وباراباس من الجهة الأخرى… وراء هذا المشهد معنى رهيب، فليس هو وليد الصدفة. فبيلاطس يعتبر مجرد رمز للعدل لأنه يمثل الحكم في الامبراطورية الرومانية وهو يقف في المنتصف، وملك البر السيد المسيح آدم الثاني يقف من ناحية، وباراباس المجرم والعاتي في الشر الذي يمثل آدم العتيق يقف من الناحية الأخرى. في قصة الخلاص لا بد أن يموت أحدهما، إذ كان لا بد من الاختيار بين الاثنين.
طلب الشعب أن يطلق باراباس ولكن ما رواء الأحداث في قصة الخلاص هو أنه كان لا بد أن يحكم على الرب بالموت لكي يفلت الأثيم الفاجر (الذي يمثل الإنسان الخاطئ) من الهلاك الأبدي.
جلسة محاكمة السيد المسيح كانت عجيبة جداً، فهي أعجب محاكمة في تاريخ البشرية كلها. هل حدث في التاريخ كله أن القاضي يحكم في نفس الجلسة على الشخص بالبراءة والإعدام في نفس الوقت؟ وبعدما حكم بالإعدام “غسل يديه قدام الجمع قائلاً إني بريء من دم هذا البار” (مت 27: 24). لو قدر لأحد أن تنكشف عن عينيه ورأى الذين في الجحيم أو جهنم الأبدية، سيجد بيلاطس ما زال يغسل يديه.
ويداه ملآنة دماء ولن تطهر إلى الأبد لأن هذه الجريمة لا يغسلها ماء؛ بل تغسلها التوبة أو التراجع عن الشر. وكأن القاضي نطق الحكم [حكمت المحكمة ببراءة فلان وإعدامه صلباً!]… فالسيد المسيح بريء من جهة بره الشخصي، ويحسب خاطئاً لأن الآب وضع عليه اثم جميعنا، حسبما مكتوب “جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه” (2كو 5: 21).
المشهد الثالث
في سفر الأعمال عندما يتكلم عن حلول الروح القدس في يوم الخمسين يقول على فم يوئيل النبي: “أسكب روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويحلم شيوخكم أحلاماً، ويرى شبابكم رؤى. وعلى العبيد أيضاً وعلى الإماء أسكب روحي في تلك الأيام. وأعطي عجائب في السماء والأرض؛ دماً وناراً وأعمدة دخان. تتحول الشمس إلى ظلمة، والقمر إلى دم قبل أن يجيء يوم الرب العظيم المخوف” (يؤ 2: 28-31).
وهنا يربط بين أحداث يوم الخمسين وأحداث نهاية العالم. فعبارة تتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجيء يوم الرب العظيم والشهير، المقصود بها هنا هو المجيء الثاني. لكن على الصليب أظلمت الشمس أيضاً… إذن ارتبط مشهد الجلجثة بمشهد نهاية العالم. فلولا مراحم الله لانتهى العالم يوم صلب المسيح لأنه كيف تتجاسر البشرية أن تصلب ابن الله الوحيد.
لكننا نقول في المزمور “هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، نبتهج ونفرح به” (مز 118: 24) وهو يوم الرب العظيم المخوف عندما تكلم السيد المسيح عن نهاية العالم قال “تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوؤه، والنجوم تسقط من السماء” (مت 24: 29) فموضوع “تتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجيء يوم الرب العظيم المخوف. ويكون أن كل من يدعو باسم الرب ينجو” (يؤ 2: 31-32) إشارة إلى المجيء الثاني أيضاً.
كل هذا الربط بين الأحداث والنبوات لا يمكن حدوثه إلا بصلب السيد المسيح ثلاث ساعات، لكي تتم كل هذ الأحداث وهو معلق على الصليب.
الصليب شجرة الحياة
يقول القديس مار أفرام السرياني: “مبارك هو ذلك النجار الذي صنع بصليبه قنطرة لعبور المفديين”. السيد المسيح اختار عدداً كبيراً من تلاميذه من الصيادين، لكن مهنته هو لم تكن صيد السمك، بل كانت له وظيفتان (وهذا تعبير مجازي)؛ وظيفة مارسها قبل الفداء (نجار)، والثانية ظهر بهيئته فيها وكأنه هو العامل في هذا المجال بعد القيامة (بستاني).
الوظيفة الأولى التي مارسها هو وظيفته كنجار. فهو النجار الذي عمل من الشجرة صليباً لكي يفدي البشرية. كانت الشجرة هي سبب سقوط البشرية فكان لا بد أن يستخدم نفس الأداة التي سقطت بها البشرية ليتمم بها الفداء فيكون الصليب هو شجرة الحياة التي لا يموت الآكلون منها من المؤمنين.
وكأنه لا يوجد شيء في الطبيعة يستطيع أن يقف أمام حكمة الله وتدبيره؛ فالحية أيضاً التي كانت السبب في سقوط البشرية علقها موسى في البرية لتكون وسيلة لبعد الناس عن الشر والتخلص من الخطية. ويقول القديس مار افرام السرياني: “كما أخفى الشيطان نفسه داخل الحية لكي يُسقط الإنسان هكذا أخفى السيد المسيح لاهوته عن الشيطان بالناسوت” لأنه حجب مجده بالناسوتية “ركب على كروب وطار… وجعل الظلمة ستره” (مز 18: 10، 11).
عندما عُلق السيد المسيح على الصليب كان مثل الشجرة والثمرة معلقة فيها. فإذا نظر ابليس إلى الشجرة ووجد أن الثمرة شهية للأكل وجيدة للنظر، التهم تلك الثمرة وإذ ابتلع الموت ما هو ضده ابتُلع الموت من الحياة كما كتب بولس الرسول “لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت؛ أي ابليس” (عب 2: 14). أراد الرب يسوع أن يذكر ابليس بما فعله في الإنسان وأراد أن يسقيه من نفس الكأس الذي ملأه وجرعه لغيره. لذلك يقول القديس بولس الرسول عن نعمة الخلاص “التي أجزلها لنا بكل حكمة وفطنة” (أف 1: 8).
ولم يؤذ أحد إنما كان يأتي عليه كل الأذى، وهو يحرر البشر من سلطان الموت والخطية. وهذه هي حكمة الله العجيبة، فالشيطان ليس له حجة لأنه هو المعتدي فعندما قبض عليه متلبساً بجريمته كان لا بد أن يدان. لذلك كان موت السيد المسيح على الصليب هو أحد مراحل دينونة الشر والخطية. “لأنه ما كان الناموس عاجزاً عنه، فيما كان ضعيفاً بالجسد. فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد” (رو 8: 3). فأدين الشيطان على الصليب والخلاصة أنه كان لا بد للسيد المسيح أن يعمل نجاراً لكي نعرف أنه صانع الفداء على الصليب ولهذا كان لا بد أن يموت على خشبة.
الصليب فتح باب الفردوس
اختار السيد المسيح أن يكون قبره في بستان، واختار أن يظهر لمريم المجدلية في البستان. وحينما رأته مريم المجدلية التي تمثل البشرية “ظنت تلك أنه البستاني” (يو 20: 15). وإذ ظهر لها في هذه الهيئة أراد بذلك أن يذكرها بالجنة وحادثة سقوط البشرية ليفهمها أن الصليب فتح الفردوس، لذلك قصد أن يكون لقاؤه معها في بستان. في البستان الأول ظهر ابليس لحواء في صورة الحية ولكن الذي قابل المجدلية هو السيد المسيح المخلص آدم الجديد لكي يقول لها “إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” (يو 20: 17) وليبشرها أنه كما أن الله هو أباه بالطبيعة فسوف يصير لنا أباً بالتبني. فالذي يكلمها هو ابليس الذي كلم حواء في الجنة لكنه كلمة الله الآب الذي يبشرها بالحياة الجديدة التي “كانت عند الآب وأظهرت لنا” (1يو 1: 2).
الصليب محا اللعنة
ورد في سفر التثنية “المعلق ملعون من الله” (تث 21: 23) لذلك أصر اليهود على أن يموت السيد المسيح صلباً، لكي يثبتوا عليه اللعنة بحسب الناموس ولا يجرؤ أحد ان يقول إنه بار أو قديس لأن الناموس يقول “إن المعلق ملعون من الله”. مع أن الله وضع هذه الآية في الناموس لكي يُعلق الله الكلمة على الصليب يرفع لعنة الخطية، لذلك أكمل أشعياء النبي المعنى قائلاً “لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها. ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً. وهو مجروح لأجل معاصينا؛ مسحوق لأجل آثامنا؛ تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا” (أش 53: 4-5).
اعتقدوا أنه ملعون لكنه حمل لعنة خطايا آخرين وحمل خطايا كثيرين وشفع في المذنبين حاملاً آثامهم. لذلك لا ينبغي أن تؤخذ آية واحدة بدون النظر إلى ما يكمل المعنى من آيات أخرى في الكتاب.
محا السيد المسيح لعنة الخطية بقيامته من الأموات كما قال معلمنا بولس الرسول “وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات” (رو 1: 4). لذلك يقول أيضاً “الذي أسلم من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا” (رو 4: 25). وأكد أهمية الصليب كوسيلة لرفع اللعنة عن المفديين، فقال إن “المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا. لأنه مكتوب: ملعون كل من علق على خشبة. لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع، لننال بالإيمان موعد الروح” (غلا 3: 13، 14).
الصليب والعرش الإلهي
الصليب كعلامة له أربع فروع أو اجنحة ويرمز للعرش الإلهي الذي حوله الأربعة الأحياء غير المتجسدين. والعرش السماوي ليس عرشاً مادياً لكنه عرش روحي وهو يتصل بالصليب بالرقم أربعة. فالرقم أربعة واضح في العرش السماوي وفي الصليب جداً. الصليب يرمز إلى انتشار الخلاص في العالم كله. لأن به كان الخلاص من مشارق الأرض إلى مغاربها ومن الشمال إلى الجنوب. كما أن الأربعة الأحياء التي حول العرش ترمز للخلاص. فصورة الإنسان ترمز للتجسد، وصورة العجل ترمز للذبيحة أو الصلب، وصورة الأسد ترمز للقيامة والقوة لأن المسيح بقيامته من الأموات أعلن سلطانه الإلهي على الموت.
لأنه هو ملك الملوك ورب الأرباب. وصورة النسر ترمز للصعود لأن النسر يحلق في السماء. فالأحياء الأربعة ترمز لتجسد الكلمة وصلبه وقيامته وصعوده.
ولكي ينتشر الإنجيل في العالم كله؛ انتشر من خلال أربع بشائر: متى ولوقا ومرقص ويوحنا. وهذا الترتيب هو ترتيب الأربعة الأحياء الحاملين للعرش الإلهي. فهذا هو الترتيب اللاهوتي للبشائر الأربعة. لم يكن عدد الأناجيل ثلاثة أو خمسة ولكنها كانت أربعة ولم يكن هذا بمحض الصدفة إنما كان نتيجة لارتباط الأناجيل بفكرة الصليب وبفكرة العرش أيضاً الذي حوله الأحياء الأربعة.
يتكلم إنجيل متى عن السيد المسيح ابن داود أو ابن الإنسان وذكر لقب ابن الإنسان 33 مرة في إنجيل متى، لذلك يرمز إليه بالإنسان. أما إنجيل لوقا فيتكلم عن السيد المسيح الخادم عن عمله في تقديم نفسه كذبيحة لذلك اهتم جداً بأحداث الختان في اليوم الثامن والذهاب للهيكل لتقديم الذبيحة (فرخي الحمام) وذهابهم للهيكل أيضاً في اليوم الأربعين. ففي إنجيل لوقا نجد معاني كثيرة تشير إلى الذبيحة لذلك يرمز إليه بالعجل.
وإنجيل مرقص من بدايته يتكلم عن الصوت الصارخ في البرية ثم عن معجزاته وقوته لذلك يرمز إليه بالأسد. أما إنجيل يوحنا فيتكلم عن لاهوت السيد المسيح والإلهيات لذلك يرمز إليه بالنسر المحلق في السماويات. لذلك فإن الأربع بشائر تشير إلى عمل الله في خلاص البشرية وخبر انتشاره في العالم كله.
فلكي تتحقق كل الرموز الخاص بالفداء وكل المعاني الروحية، كان لا بد للسيد المسيح أن يموت مصلوباً وليس بأي ميتة. حتى أن السيد المسيح تكفن بالطيب قبل موته لكي يكون ميتاً وهو حي، وحياً وهو ميت. وهكذا مات قائماً لكي نرى القيامة في الصليب ونرى الصليب في القيامة.
الأحياء الأربعة ومراحل الفداء
رأي حزقيال النبي مركبة الشاروبيم ورأى كل من الأحياء الأربعة له أربع وجوه. ونحن أيضاً ينبغي أن نرى في كل حدث من أحداث الخلاص باقي الأحداث. فعندما ننظر للتجسد نرى فيه الفداء: فقد ولد السيد المسيح في مزود في وسط الغنم والبقر والعجول لكي نعرف أنه منذ ميلاده هو ذبيحة وقد جاء ليذبح. كما لا يمكن فصل التجسد عن الصليب أو القيامة. التركيز على الصليب وحده ربما يقود إلى الشك لذلك قال السيد المسيح لتلاميذه “كلكم تشكون فيّ هذه الليلة” (مر 14: 27).
فالذي ينظر إلى الصليب بدون القيامة يتشكك. لذلك قال لهم إن ابن الإنسان “يسلم إلى الأمم… ويجلدونه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم” (لو 18: 32، 33). كان لا بد أن يؤكد لهم القيامة كما قال لبطرس “طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك” (لو 22: 32). لذلك كل واحد من الأحياء الأربعة له أربع وجوه فعندما ننظر بروح الرؤيا النبوية نرى مع حزقيال الثلاثة وجوه الأخرى (الأسد والعجل والنسر). أي أننا عندما نتأمل في ميلاده نتأمل ضمناً في صلبه وقيامته وصعوده للسماء.
كانت مريم المجدلية تريد القيامة بدون الصعود فرفض السيد المسيح هذه الرغبة لتتذكر قوله للتلاميذ “خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي” (يو 16: 7)… وكأنه يقول كيف يمكنكم أن تولدوا ولادة جديدة وتصيروا أولاداً لله وتغتسلوا من خطاياكم؟ كيف تصيرون أعضاء في جسدي وتتناولون من جسدي ودمي؟ وكيف تكونون هياكل لله؟
هذا هو عمل الروح القدس في الكنيسة، والروح القدس لن يأتي إلا بعد الصعود. كان لا بد أن يصعد السيد المسيح إلى السماء بعد أن تمم الفداء لأن بركات الفداء لن تصل إليهم إلا بالصعود إلى السماء. كان لا بد أن يذهب إلى المقادس العلوية لكي يخدم كرئيس كهنة، وهناك أمام الله الآب يشفع فينا من أجل غفران خطايانا. ومنذ القديم كان صعود الذبيحة يعني أنها قبلت، لذلك كان ينبغي للصعيدة أن تصعد. إذا رفضنا صعوده نكون مثل من يقدم الصعيدة للآب السماوي، وعندما يمد الآب يده ليقبلها، يريد مقدمها أن يستردها ثانية.
مريم المجدلية كانت تفكر بهذه الطريقة: فرحتها بالقيامة جعلتها تريد أن تمسك بالسيد المسيح. فقال لها “لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى اخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” (يو 20: 17) هذا شرط استمرار العلاقات بيننا. بالطبع كان قوله لها “لا تلمسيني” بمثابة صفعة على وجهها. ففي أول لقاء عندما ظهر لها في البستان بعد قيامته من الأموات أمسكت قدميه وسجدت له، لكن قوله لها “لا تلمسيني” هنا معناه أنه لا يريدها أن تمسك به. وعند الرجوع إلى المعنى اليوناني للفظة “لا تلمسيني” نجد أنها تعني بداية اللمس للإمساك بالشيء وليس مجرد اللمس فقط.
رؤيا حزقيال ورؤيا يوحنا
رأى حزقيال النبي الأحياء الأربعة بأربعة وجوه وأما يوحنا فقد رآها بوجه واحد. وليس معنى هذا أن رؤيا حزقيال النبي كان أوضح من رؤيا يوحنا، لأن يوحنا رأي أكثر مما رآه حزقيال مع أن المنظر الذي رآه حزقيال كان منظراً رهيباً جداً: البكرات والنار والمركبة النارية الشاروبيمية. لكن عندما رأي يوحنا الرؤيا كان قد تم التجسد والصلب والقيامة والصعود، فدخلت هذه الأمور في مجال الزمن وأصبح التجسد في وقت والصلب في وقت ثان والقيامة في وقت ثالث والصعود في وقت رابع، وأصبحت أحداثاً متتالية كل حدث منها له معالمه البارزة التي تحدده.
فلم تحدث القيامة في يوم الصلب ولم يحدث الصلب في يوم الميلاد ولم يحدث الصعود في يوم القيامة. لذلك كان لا بد أن يكون بين الصعود والقيامة أربعون يوماً لأنه إذا حدث الصعود في يوم القيامة لن نفهم ما معنى القيامة ومعنى الصعود. وكان يمكن أن يحدث مزج بين المعنيين. القيامة حدث مستقل بذاته دون أن ينفصل عن الصعود والصلب والميلاد، أي أنه لا يمتزج ويذوب في أحداث أخرى، لكن بدون انفصال، أي أن له ملامحه المحددة القائمة بذاتها. ولهذا رأي يوحنا وجه واحد لكل من الأحياء الأربعة.
أما حزقيال النبي فقد رأى أربعة وجوه للواحد منهم: لأن الأحداث لم تكن قد تمت بعد؛ فيراها حزقيال بروح النبوة كأحداث متلازمة يكمل بها الأربعة معاً عملية الفداء.
رأي حزقيال النبي الأحياء الأربعة من بعيد، لذلك رأي لكل منها أربعة وجوه، لكن يوحنا عندما نظر عن قرب، رأي وجهاً واحداُ فقط. فعندما وصف يوحنا العرش الإلهي أبرز تمايز أحداث التجسد والصلب والقيامة والصعود، وهي أحداث عايشها يوحنا الإنجيلي في مراحلها المتمايزة، لكن حزقيال الذي رأي من بعيد كان الأحداث تتراكم مع بعضها في نظره وتلاشت الفوارق الزمنية بينها لأنه يراها بروح النبوة وليس كأحداث حدثت فعلاً. ولتقريب المعنى نورد المثال التالي:
إذا نظرنا إلى أي شيء من بعيد نرى له وجوهاً كثيرة، لكن إذا وضعناه أمام أعيننا لن نرى سوى الوجه المقابل لنا فقط.
† إعلان المسيح عن لاهوته وربوبيته: ورغم كل ذلك فقد أعلن الرب يسوع المسيح حقيقة لاهوته وربوبتيه عشرات المرات وإن كان ذلك صراحة ووضوح، سواء في الإنجيل للقديس يوحنا أو في الأناجيل الثلاثة الأخرى، كما سنرى. ونبدأ بإجابة الرب يسوع المسيح لليهود على سؤالين؛ الأول سأله هو نفسه لهم والثاني في إجابة له على سؤال وجهوه هم له في حوار معهم.
رب داود، ورب الكل؛ ففي سؤاله لهم، رؤساء اليهود، استشهد الرب يسوع المسيح بنبوة داود النبي عن لاهوته وربوبيته وقال لهم: “ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟” قالوا له: “ابن داود”. قال لهم: “فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإن كان دواد يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟” فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة. ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله البتة.” (متى 22: 42-46).
وهنا يؤكد الرب يسوع المسيح في سؤاله لهم أنه رب داود الجالس عن يمين العظمة في السماوات. فمن هو رب داود؟ والإجابة هي: رب داود هو الله! فالكتاب يقول: “اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد” (تث 6: 4)، وأيضاً “الرب إلهك تتقي وإياه وحده تعبد” (تث 6: 13؛ مت 4: 10). وقد أكد ذلك أيضاً السيد المسيح نفسه في قوله “إن أول كل الوصايا هي: سمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد” (مرقص 12: 29).
والكتاب يقول أيضاً أن الرب يسوع المسيح نفسه هو هذا الرب الواحد “لكن لنا إله واحد: الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له. ورب واحد: يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به” (1كو 8: 6). ويقول القديس بطرس عنه بالروح “هذا هو رب الكل.” (أع 10: 36).
الكائن قبل إبراهيم وإله إبراهيم وفي حوار له مع رؤساء اليهود يقول الكتاب المقدس أنه قال لهم “الحق الحق أقول لكم: إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد”. فقال له اليهود، قد مات إبراهيم والأنبياء وأنت تقول: “إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يذوق الموت إلى الأبد”. ألعلك أعظم من أبينا إبراهيم الذي مات. والأنبياء ماتوا. من تجعل نفسك؟” أجاب يسوع: أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح” (يو 8: 51-56).
وهو هنا يؤكد ما قاله لتلاميذه “طوبى لعيونكم لأنها تبصر ولآذانكم لأنها تسمع. فإني الحق أقول لكم: إن أنبياء وأبراراً كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا” (مت 13: 16-17)، فقال له اليهود: “ليس لك خمسون سنة بعد أفرأيت إبراهيم؟” قال لهم يسوع: “الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” فرفعوا حجارة ليرجموه. أما يسوع فاختفى وخرج من الهيكل مجتازاً في وسطهم ومضى هكذا” (يو 8: 57-59).
وهنا أثار قوله “قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” غضب اليهود وجعلهم يحنقون عليه ويقرروا موته رجماً بالحجارة “فرفعوا حجارة ليرجموه”. لماذا؟ لأنهم اعتقدوا أنه يجدف على الله وينسب لنفسه ما لله ويسمي نفسه باسم الله، أي يقول “إني أنا الله”. كيف ذلك؟ لأن كلامه هذا له أكثر من مغزى، كلها تدل على أنه يقول صراحة “إنه الله”!
أولاً: يقول إنه قبل أن يوجد إبراهيم، منذ حوالي 2000 سنة ق.م، كان هو موجوداً. أي أنه يؤكد على وجوده السابق، قبل إبراهيم. وبالتالي على وجوده السابق للتجسد والميلاد من العذراء، فقد كان موجوداً قبل أن يظهر على الأرض، وهذا يعني أنه كائناً في السماء.
ثانياً: يقول بالحرف الواحد “أنا كائن”، وهذا القول يعني حرفياً “أنا أكون” و الكائن” وباليونانية “I Am – # – Ego eimi”. وهو هنا يستخدم نفس التعبير الذي عبر به الله عن نفسه عندما ظهر لموسى النبي في العليقة وعندما سأله موسى عن اسمه، قال “أهيه الذي أهيه” (ومعناه أنا الكائن الدائم). وأضاف: “هكذا تقول لبني إسرائيل: أهيه، هو الذي أرسلني إليكم”. وقال أيضاً لموسى: “هكذا تقول لشعب إسرائيل:
إن الرب “يهوه – الكائن” إله آبائكم، إله إبراهيم واسحق ويعقوب قد أرسلني إليكم. هذا هو اسمي إلى الأبد، وهو الاسم الذي أدعى به من جيل إلى جيل” (خر 3: 14-15). أي أن الرب يسوع المسيح يعطي لنفسه نفس الاسم الذي عبر به الله عن نفسه “أنا الكائن الدائم. الكائن الذي يكون” والذي يساوي يهوه (الكائن) الذي هو اسم الله الوحيد في العهد القديم. أي أنه يقول لهم “أنا الكائن الدائم” الذي ظهر لموسى في العليقة، وهذا ما جعل اليهود يثورون عليه ويحنقون لأنهم أدركوا أنه يعني أنه هو “الله” نفسه “الكائن الدائم”. وهذا الاسم لا يمكن أن يطلق على غير الله ذاته والذي يقول الله عنه “أنا الرب (يهوه = الكائن) هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر” (أش 42: 8).
ثالثاُ: كما أن الرب يسوع المسيح يسـتخدم في قوله هذا، الزمن الحاضر (المضارع) “أكون – # – I Am” والذي يدل على الوجود المستمر، بلا بداية وبلا نهاية، وهو هنا يعني أنه “الكائن” دائماً، والذي “كان” أزلاً بلا بداية، والذي “سيكون” أبداً بلا نهاية، الموجود دائماً في الماضي بلا بداية، والحاضر دائماً، والمستقل بلا نهاية، كقوله في سفر الرؤيا “أنا الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر” (رؤ 22: 13).
إذا فهو يعلن صراحة أنه هو الرب الإله الواحد المعبود، والكائن الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية!! ولذلك فعندما قال له تلميذه توما “ربي وإلهي” قال له “لأنك رأيتني يا توما آمنت! طوبى للذين آمنوا ولم يروا” (يو 20: 28-29). وهذا ما أكده مرات عديدة:
فقد أعلن أنه الأزلي الأبدي الذي لا بداية له ولا نهاية (غير المحدود بالزمان): حيث يقول هو في سفر الرؤيا “أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية، يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء” (رؤ 1: 8).
† “أنا هو الألف والياء. الأول والآخر” (رؤ 1: 11).
† “أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية. أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجاناً” (رؤ 21: 6).
† “أنا الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر” (رؤ 22: 13).
† “لا تخف، أنا هو الأول والآخر” (رؤ 1: 17).
ويقول “أنا و”أنا” هو بنفس القوة الإلهية، كما يقولها الله: فيسـتخدم تعبـير “أنا” و”أنا هو I Am – #” بمعنى أنا صاحب السلطان على الكون كله والخليقة كلها، وأنا، الله، الكائن على الكل “الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد” (رو 9: 5)، بنفس الأسلوب والطريقة التي تكلم بها الله في العهد القديم. فعندما سأل موسى النبي الله عن اسمه قال له الله “أهيه الذي أهيه (أكون الذي أكون)” (خر 3: 15) والتي تعني، كما بينا أعلاه “أنا كائن”، “أنا الكائن الدائم” والإله الوحيد الذي ليس مثله أو سواه ولا يوجد آخر غيره أو معه، كقول الله ذاته في العهد القديم:
† “انظروا الآن! أنا أنا هو وليس إله معي. أنا أميت وأحيي. سحقت وإني أشفي وليس من يدي مخلص” (تث 32: 39).
† “من البدء؟ أنا الرب الأول ومع الآخرين أنا هو” (أش 41: 4).
† “إني أنا هو. قبلي لم يصور إله وبعدي لا يكون” (أش 43: 10).
† “أن هو ولا منقذ من يدي. أفعل ومن يرد؟” (أش 43: 13).
† “أنا أنا هو الماحي ذنوبك لأجل نفس وخطاياك لا أذكرها” (أش 43: 25).
† “أنا هو. أنا الأول وأنا الآخر” (أش 48: 12).
† “أنا أنا هو معزيكم” (أش 51: 12).
ويستخدم الرب يسوع المسيح تعبير “أنا” في الموعظة على الجبل بالمقابلة مع الله، فيقول:
† “قيل للقدماء: لا تقتل… وأما أنا فأقول لكم: إن كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم” (مت 5: 21-22).
† “قيل للقدماء: لا تزن… وأما أنا فأقول لكم: إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه” (مت 5: 27-28).
† “وقيل: من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق… وأما أنا فأقول لكم: إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني” (مت 5: 31-33).
† ” سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تحنث بل أوف للرب أقسامك. وأما أنا فأقول لكم: لا تحلفوا البتة” (مت 5: 33-34).
† “سمعتم أنه قيل: عين بعين وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً” (مت 5: 38-39).
† “سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم. باركوا لاعينكم. أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم” (مت 5: 43-44).
وهو هنا يتكمل كصاحب سلطان على الشريعة والإله الذي أعطاها وصاحبها.
كما يستخدم تعبير “أنا هو I Am – #”، كما استخدمها الله في العهد القديم، بكل معانيها اللاهوتية التي تؤكد لاهوته وكونه هو ذاته الله، الله الكلمة:
† “فللوقت قال لهم يسوع: “تشجعوا! أنا هو لا تخافوا” (مت 14: 27).
† “لأن الجميع رأوه واضطربوا. فللوقت قال لهم: “ثقوا. أنا هو، لا تخافوا” (مر 6: 50).
† فقال يسوع: “أنا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً في سحاب السماء” (مر 14: 62).
† “فقال الجميع: أفأنت ابن الله؟ فقال لهم: أنتم تقولون إني أنا هو”. (لو 22: 70).
† “فقال لهم: أنا هو لا تخافوا” (يو 6: 20).
† “فقال لهم يسوع: أنا هو خبز الحياة. من يقبل إلي فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً” (يو 6: 35).
† “فكان اليهود يتذمرون عليه لأنه قال: أنا هو الخبز الذي نزل من السماء” (يو 6: 41)
† “أنا هو خبز الحياة” (يو 6: 48).
† “أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم” (يو 6: 51).
† “ثم كلمهم يسوع أيضاً قائلاً: “أنا هو نور العالم. من يتبعني لا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة” (يو 8: 12).
† “لأنكم إن لم تؤمنوا إني أنا هو تموتون في خطاياكم” (يو 8: 24).
† “فقال لهم يسوع: “متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون إني أنا هو ولست أفعل شيئاً من نفسي بل أتكلم بهذا كما علمني أبي” (يو 8: 28).
† “أنا هو الباب. إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى” (يو 10: 9).
† “أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يو 10: 11).
† “قال لها يسوع: أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا” (يو 11: 25).
† “أقول لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون إني أنا هو” (يو 13: 19).
† “قال له يسوع: أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي”. (يو 14: 6).
† “فلما قال لهم: إني أنا هو. رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض” (يو 18: 6).
† “أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية، يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء” (رؤ 1: 8).
† “قائلاً لي: لا تخف، أنا هو الأول والآخر” (رؤ 1: 17).
† “إن أنا هو الفاحص الكلى والقلوب، وسأعطي كل واحد منكم بحسب أعماله” (رؤ 2: 23).
† “أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية. أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجاناً” (رؤ 21: 6).
ولذا فقد أعلن أنه النازل من السماء:
† “لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني” (يو 6: 38).
† “أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء” (يو 6 51).
† “هذا هو الخبز الذي نزل من السماء. ليس كما أكل أباؤكم المن وماتوا. من يأكل هذا الخبز فإنه يحيا إلى الأبد” (يو 6: 58).
† وهذا ما جعل اليهود يتذمرون عليه قائلين: “أليس هذا هو يسوع بن يوسف الذي نحن عارفون بأبيه وأمه. فكيف يقول هذا: إني نزلت من السماء؟” (يو 6: 42).
† “فكان اليهود يتذمرون عليه لأنه قال: “أنا هو الخبز الذي نزل من السماء” (يو 6: 41).
والخارج من عند الله الآب والذي هو من ذات الآب وفي ذات الآب:
† “فقال لهم يسوع: “لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني لأني خرجت من قبل الله وأتيت” (يو 8: 42).
† خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم وأيضاً أترك العالم وأذهب إلى الآب” (يو 16: 28).
† “لأن الكلام الذي أعطيتني قد أعطيتهم وهم قبلوا وعلموا يقيناً أني خرجت من عندك” (يو 17: 8).
† “أنا أتكلم بما رأيت عند أبي” (يو 8: 38).
† فقال يسوع: “أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي” (يو 10: 32).
† “لأن الآب نفسه يحبكم لأنكم قد أحببتموني وآمنتم أني من عند الله خرجت” (يو 16: 27).
† “خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم وأيضاً أترك العالم وأذهب إلى الآب” (يو 16: 28).
ويؤكد انه خرج من عند الله الآب، من قبل الله الآب، لأنه هو نفسه من الآب، من ذات الآب، وفي ذات الآب، فهو عند الآب، وفي حضن الآب.
† “أنا أعرفه لأني منه وهو أرسلني” (يو 7: 29)
† “أنا في الآب والآب فيّ” (يو 14: 10).
† “صدقوني أني في الآب والآب فيّ” (يو 14: 11).
فهو كما يقول القديس يوحنا بالروح “الأبن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر” (يو 1: 18).
كان عند الآبن في ذات الآب ومن ذات الآب لأنه كلمة الله وعقله الناطق “في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله” (يو1: 1).
والواحد مع الآب في الجوهر:
إنه هو الواحد مع الآب في الجوهر، الذي من ذات الآب وفي ذات الآب بحسب لاهوته” الابن الوحيد الذي هو في حضن الاب هو خبر” (يو 1: 18).
“أنا والآب واحد” (يو 10: 30).
“إن أنا في الآب والآب فيّ… صدقوني أني في الآب والآب فيّ” (يو 14: 10-11).
وأنه الموجود في السماء وعلى الأرض وفي كل مكان في آن واحد (غير المحدود بالمكان):
يقول عن نفسه “وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء” (يو 3: 13).
فهو في السماء وعلى الأرض في آن واحد.
وأيضاً “لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم” (مت 18: 20). أي أنه مع كل من يصلي باسمه في كل مكان.
وعند صعوده قال لتلاميذه “فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” (مت 28: 19-20). أي أنه معهم في كل مكان وزمان.
ويقول القديس مرقص بالروح “ثم إن الرب بعدما كلمهم ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله. وأما هم فخرجوا وكرزوا في كل مكان والرب يعمل معهم ويثبت الكلام بالآيات التابعة” (مر 16: 19-20).
كان يجلس على العرش في السماء وفي نفس الوقت كان يعمل مع تلاميذه في كل مكان على الأرض.
والموجود مع الآب وفي ذات الآب قبل كل خليقة:
“قال لهم يسوع: الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن”. (يو 8: 58).
أي أنه موجود قبل إبراهيم وموجود دائماً “أنا كائن” بلا بداية وبلا نهاية.
وخاطب الآب قائلاً “والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم” (يو 17: 5). وأيضاً “لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم” (يو 17: 24).
وأنه الحي ومعطي الحياة:
وقال عن نفسه أنه هو الحي الذي لا يموت كإله، الذي له الحياة في ذاته ومعطي الحياة” فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس” (يو 1: 4)، “إني أنا حي فأنتم ستحيون” (يو 14: 19).
“كما أرسلني الآب الحي وأنا حي بالآب” (يو 6: 57).
“والحي. وكنت ميتاً وها أنا حي إلى أبد الآبدين. آمين. ولي مفاتيح الهاوية والموت” (رؤ 1: 18).
وأنه هو ملك الملوك ورب الأرباب:
يقول الكتاب عنه أنه هو ملك الملوك ورب الأرباب كإله “لأنه رب الأرباب وملك الملوك” (رؤ 17: 14)، “وله على ثوبه وعلى فخذه اسم مكتوب: ملك الملوك ورب الأرباب” (رؤ 19: 16) وأكد هو ذاته هذه الحقيقة عندما قال لبيلاطس “مملكتي ليس من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود. ولكن الآن ليست مملكتي من هنا” (يو 18: 36).
وأنه هو الرب، الله ذاته:
حيث يقول: ليس كل من يقول لي: يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات. بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات” (مت 7: 21).
كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة” (مت 7: 22).
فهو رب الطبيعة والذي تخضع له كل عناصر الطبيعة فقد حول الماء إلى خمر (يو 2: 1-10)، ومشى على مياه البحر الهائج (مت 14: 25؛ مر 6: 49؛ يو 6: 19)، “فقام وانتهر الريح وقال للبحر: “اسكت أبكم”. فسكنت الريح وصار هدوء عظيم… فخافوا خوفاً عظيماً وقالوا بعضهم لبعض: “من هو ذا؟ فإن الريح أيضاً والبحر يطيعانه!” (مر 4: 39-41). وعندما مات كإنسان على الصليب بحسب الطبيعة البشرية التي له، أعلنت الطبيعة احتجاجها “وأظلمت الشمس” (لو 23: 45)، “وإذا بحجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل. والأرض تزلزلت والصخور تشققت والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين. وأما قائد المئة والذين معه يحرسون يسوع فلما رأوا الزلزلة وما كان خافوا جداً وقالوا: “حقاً كان هذا ابن الله” (مت 27: 51-54).
وأعلن أنه صاحب السلطان على كل ما في السماوات وعلى الأرض:
هو ابن الله الوحيد الجنس الذي في حضن الآب ومن ذات الآب (يو 1: 18). الذي له السلطان على كل ما في السماء وعلى الأرض، كل ما في الكون كما تنبأ عنه دانيال النبي قائلاً إنه “فأعطي سلطان ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض” (دا 7: 14).
لذا يقول هو نفسه لتلاميذه “دفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض” (مت 28: 18)، وإن له سلطان حتى على نفسه “ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً. هذه الوصية قبلتها من أبي” (يو 10: 18).
وأنه كلي العلم، العالم بكل شيء:
يقول الكتاب عن معرفته المطلقة بالإنسان “فعلم يسوع أفكارهم” (مت 9: 4؛ مت 12: 25)، “فعلم يسوع خبثهم” (مت 22: 18).
“لأنه كان يعرف الجميع” (يو 2: 24)، “لأنه لم يكن محتاجاً أن يشهد أحد عن الإنسان لأنه علم ما كان في الإنسان” (يو 2: 25)، وقد كشف ما سيحدث في المستقبل لتلاميذه وبحسب تعبيره هو يقول:
† “ها أنا قد سبقت وأخبرتكم” (مت 24: 25).
† “أقول لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون أني أنا هو” (يو 13: 19).
† “وقلت لكم الان قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون” (يو 14: 29).
† ووصف لهم كل ما سيحدث لهم بعد صعوده وما سيحدث للكنيسة حتى وقت مجيئه الثاني في مجد “سيخرجونكم من المجامع بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمه لله. وسيفعلون هذا بكم لأنهم لم يعرفوا الآب ولا عرفوني. لكني قد كلمتكم بهذا حتى إذا جاءت الساعة تذكرون أني أنا قلت لكم. ولم أقل لكم من البداية لأني كنت معكم” (يو 16: 2-4).
† وعندما قابل تلميذه نثنائيل أكد له أنه رآه وهو تحت التينة قبل أن يأتي إليه: “قال له نثنائيل: من أين تعرفني؟ أجاب يسوع: قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة رأيتك”. فقال نثنائيل: يا معلم أنت ابن الله!” (يو 1: 48-49).
† وكشف أسرار المرأة السامرية: “قال لها يسوع: اذهبي وادعي زوجك وتعالي إلى ههنا” أجابت المرأة: “ليس لي زوج”. قال لها يسوع: “حسناً قلت ليس لي زوج لأنه كان لك خمسة أزواج والذي لك الآن ليس هو زوجك. هذا قلت بالصدق. قالت له المرأة: يا سيد أرى أنك نبي! … هلموا انظروا إنساناً قال لي كل ما فعلت. ألعل هذا هو المسيح” (يو 4: 16-19، 29).
† وكان يعلم من سيؤمن به ومن لا يؤمن، “لأن يسوع من البدء علم من هم الذين لا يؤمنون ومن هو الذي يسلمه” (يو 6: 64).
† وكان يعلم ساعته المحتومة ليصلب “وأما يسوع فأجابهما: قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان” (يو 12: 23)، “أما يسوع قبل عيد الفصح هو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب” (يو 13: 1)، “فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه” (يو 18: 4)، وكان يعلم من هو الذي يسلمه “لأنه عرف مسلمه” (يو 13: 11)، وبالتجربة عرف تلاميذه أنه يعلم كل شيء: “الآن نعلم أنك عالم بكل شيء ولست تحتاج أن يسألك أحد.
لهذا نؤمن أنك من الله خرجت. أجابهم يسوع: “الآن تؤمنون؟ هو ذا تأتي ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي. وأنا لست وحدي لأن الآب معي. قد كلمتكم بهذا ليكون لكم في سلام. في العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا: أنا قد غلبت العالم” (يو 16: 30-33).
لذلك يقول الكتاب عنه “المسيح المدخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم” (كو 2: 2-3). كما يقول الكتاب عنه أيضاً: “يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد” (عب 13: 8)، أي غير المتغير.
إعلان أنه المعبود
قال الله في العهد القديم “الرب إلهك تتقي وإياه تعبد وباسمه تحلف” (تث 6: 13)، وقال الرب يسوع المسيح في العهد الجديد “للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (مت 4: 10). إذا الله وحده هو المعبود، والكتاب أيضاً يقول أن الرب يسوع المسيح هو المعبود، كما سبق وتنبأ عنه دانيال النبي قائلاً “كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن انسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض” (دا 7: 13-14).
وقد أعلن عن نفسه أنه الذي يصلى إليه وأنه هو سامع الصلاة، وأنه هو الذي يستجيب للصلاة، وأنه هو الذي يعطي القوة الغلبة، الذي يقوي ويجعلنا نغلب الشرير، فقال:
† “لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم” (مت 18: 20).
† “ليس كل من يقول لي: يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات” (مت 7: 21).
† “ولماذا تدعونني: يا رب يارب وأنتم لا تفعلون ما أقوله؟” (لو 6: 46).
† ولذا فقد صلت إليه الكنيسة عند اختيار متياس الرسول بديلاً عن يهوذا قائلة: “أيها الرب العارف قلوب الجميع عين أنت من هذين الاثنين أياً اخترته” (أع 1: 24).
† كما يقول القديس بولس بالروح “من جهة هذا (آلام شوكة الجسد) تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني. فقال لي: “تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تكمل”. فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي، لكي تحل عليّ قوة المسيح” (2كو 12: 8-9).
† كما يشكره لأنه قواه “وأنا أشكر المسيح يسوع ربنا الذي قواني” (1تي 1: 12).
† وقال له توما بعد القيامة “ربي وإلهي” (يو 20: 28).
فقد أعلن هو أنه المعبود، وبرهن على أقواله بأعماله، ومن ثم فقد قدم له تلاميذه والمؤمنون به العبادة ووصفوا أنفسهم بعبيده، وهذا ما أكدوه في افتتاحيات رسائلهم للمؤمنين:
† “يعقوب، عبد الله والرب يسوع المسيح” (يع 1: 1).
† “يهوذا، عبد يسوع المسيح” (يه 1).
† “سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله” (2بط 1: 1).
† “بولس عبد ليسوع المسيح” (رو 1: 1).
† “بولس وتيموثاوس عبدا يسوع المسيح” (في 1: 1).
† “يسلم عليكم أبفراس، الذي هو منكم، عبد المسيح” (كو 4: 12).
† ويقول القديس بولس بالروح “لأن من دعي في الرب وهو عبد فهو عتيق الرب. كذلك أيضاً الحر المدعو هو عبد للمسيح. قد اشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيداً للناس” (1كو 7: 22-23).
ولأن الرب يسوع المسيح هو المعبود فقد قبل السجود من كل من سجدوا له، وهو نفسه القائل “للرب إلهك تسجد إياه وحده تعبد” (مت 4: 10) ولم يمنع أحداً من السجود له، يقول الكتاب:
† فعند ميلاده جاء المجوس قائلين: “أتينا لنسجد له” (مت 2: 3). وسجدوا له “خروا وسجدوا له” (مت 2: 11).
† “وإذا أبرص قد جاء وسجد له” (مت 8: 2).
† “وفيما هو يكلمهم بهذا إذا رئيس قد جاء فسجد له” (مت 9: 18).
† “والذين في السفينة جاءوا وسجدوا له” (مت 14: 33).
† “وإذا امرأة كنعانية…. فأتت وسجدت له قائلة: يا سيد أعني!” (مت 15: 25).
† والمولود أعمى الذي خلق له المسيح عينين “وسجد له” (يو 9: 38).
وكما عبده تلاميذه كالرب الإله فقد سجدوا له أيضاً كالرب الإله، فهم كانوا يعلمون مما تعلموه من الرب نفسه، وكيهود أصلاً، أنه لا سجود ولا عبادة لغير الله، وقال الملاك للقديس يوحنا في الرؤيا: “أنظر، أنا عبد معك ومع اخوتك والذين عندهم شهادة يسوع. اسجد لله” (رؤ 19: 10؛ 22: 9).
† كما منع القديس بطرس قائد المئة الذي حاول أن يسجد له قائلاً: قم أنا أيضاً إنسان” (أع 10: 25).
† ولكن التلاميذ عبدوه وسجدوا له كالرب الإله، كما قال له توما “ربي وإلهي” (يو 20: 28).
† حينئذ تقدمت إليه ام ابني زبدي مع ابنيها وسجدت له” (مت 20: 20).
† وبعد القيامة “ولما رأوه (تلاميذه) سجدوا له” (مت 28: 17؛ لو 24: 25).
في كل هذه الحالات لا توجد أية إشارة أو تلميح في الكتاب على أن الرب يسوع المسيح قد رفض ولم يقبل السجود له بل على العكس تماماً فهو المكتوب عنه “ولتسجد له كل ملائكة الله” (عب 1: 6)، وأيضاً “لأننا جميعاً سوف نقف أمام كرسي المسيح لأنه مكتوب “أن حي يقول الرب إنه لي ستجثو كل ركبة وكل لسان سيحمد الله” (رو 14: 10-11)، وأيضاً “لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض” (في 2: 10).
58 – لقـب ابـن الإنسـان، هليدل على أن المسـيح إنسـان فقـط؟
ابن الإنسان كما لقب به الرب يسوع المسيح نفسه:
لقب المسيح نفسه ابن الإنسان وكان اللقب المفضل بالنسبة له ولم يلقبه به أحد ولم يأت على لسان أحد غيره في الإنجيل بأوجهه الأربعة إلى مرة واحدة عندما سأله اليهود: من هو هذا ابن الإنسان؟”.
† فما هو مغزى الاسم؟
† ولماذا استخدمه الرب يسوع المسيح؟
† وما هي الصفات التي ارتبطت به، وهل يدل على لاهوته أم على ناسوته فقط، وإن المسيح مجرد إنسان فقط كما يزعم البعض؟
في البداية نقول إن هذا اللقب استخدم في العهد القديم سواء في سفر العدد أو سفر المزامير أو سفر أشعياء أو سفر حزقيال “ابن آدم” بمعنى عام هو الإنسان في اتضاعه وضعفه كالمخلوق من تراب بالمقارنة مع الله الخالق في رفعته وسموه..
ولكن عندما جاء على لسان المسيح ولقب به نفسه فقد استخدمه بمعنى آخر ومغزى آخر تماماً، استخدمه ليشير به إلى نفسه كالمسيح الآتي والمنتظر الذي هو ليس مجرد إنسان من تراب، بل هو الرب الذي من السماء، استخدمه ليعبر به عن نفسه كالإله المتجسد، الكامل في لاهوته والكامل في ناسوته (إنسانيته). فقد كان هو ابن الانسان الآتي من نسل آدم “وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالي….
بن آدم” (لو 3: 23-38)، كإنسان، ولكنه في نفس الوقت هو “ابن الله الحي” (مت 16: 16)، الرب الآتي من السماء، كإله. يقول القديس بولس بالروح في المقارنة بين آدم والمسيح “الإنسان الأول من الأرض ترابي. الإنسان الثاني الرب من السماء. كما هو الترابي هكذا الترابيون أيضاً وكما هو السماوي هكذا السماويون أيضاً”. (1كور 15: 47-48). فالمسيح إذاً هو ابن الإنسان الذي هو الرب الآتي من السماء كقول الرب يسوع المسيح نفسه “فإن رأيتم ابن الإنسان صاعداً إلى حيث كان أولاً” (يو 6: 26).
هو كلمة الله الذي تجسد وصورة الله الذي اتخذ صورة عبد، الله الذي حل بملء لاهوته في الجسد، ظهر في الجسد، يقول الكتاب:
† “والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده” (يو 1: 14)، وصار جسداً هنا تعني، اتخذ جسداً، صار بشراً “والكلمة صار بشراً”.
† الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه، آخذاً صورة عبد، صائراً في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب” (في 2: 6-8).
† “فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً” (كو 2: 9).
† عظيم هو سر التقوى: الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى لملائكة، كرز به بين الأمم، أومن به في العالم، رفع في المجد” (1تي 3: 16).
وخلاصة هذه الآيات أن الرب يسوع المسيح هو كلمة الله وصورة الله، الله بكل ملئه، بكل ملء لاهوته، لكنه أخلى نفسه بمعنى حجب لاهوته في ناسوته، افتقر وهو الغني “فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح، أنه من أجلكم افتقر وهو غني، لكي تستغنوا أنتم بفقره” (2كو 8: 9). وقال عن نفسه “للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه” (مت 8: 20). ظهر في الجسد، اتحذ جسداً وصورة العبد، صائراً في شبه الناس وهيئة الإنسان، وولد من امرأة “ولكن لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة” (غل 4: 4) ودعي إنسان وابن الإنسان ولكن لم يتغير عن كونه كلمة الله وصورة الله، الله بملئه.
كان لقب ابن الإنسان يحمل في ذاته كل صفات المسيح اللاهوتية والناسوتية، كالإله المتجسد. كان يعني دائماً، على فم الرب يسوع المسيح، المسيح كما هو؛ المسيح كما تنبأ عنه أنبياء العهد القديم والذي وهو ابن إبراهيم والكائن قبل إبراهيم “قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” (يو 8: 58)، أي الموجود الدائم، والذي من نسل داود ورب داود، كقوله “أنا أصل وذرية داود” (رؤ 22: 16)، والذي من بين إسرائيل ولكنه الإله القدير “لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام.” (أش 9: 6)، “ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد” (رو 9: 5).
كان لقب “ابن الإنسان” هو اللقب المفضل لدي يسوع والذي أطلقه على نفسه ولم يطلقه عليه أحد لأنه كان يؤكد دائماً أنه المسيح بكل صفاته كالإله المتجسد، فلماذا استخدمه الرب يسوع المسيح ولم يعلن صراحة أنه هو المسيح؟!
ولم يعلن الرب يسوع المسيح عن نفسه أنه المسيح الآتي والمنتظر إلا في مرات محدودة وخاصة جداً لأن لقب المسيح كان يعني في مفهوم اليهود في عصره، وما يزال، كما تصوروا فيما جاء عنه في نبوات أنبياء العهد القديم، إنه صاحب المعجزات والمحارب القوي والسياسي القدير الذي سيحرر اليهود من الرومان ويرد الملك لإسرائيل (أع 1: 6)، ويسود على العالم بالقوة ويجعل من أورشليم عاصمة العالم العسكرية والسياسية والدينية، ويجعل اليهود سادة العالم عسكرياً وسياسياً ودينياً.
بل وفي معظم الأوقات التي تصور فيها اليهود أنه هو المسيح الآتي والمنتظر كانوا يلقبونه فيها بملك إسرائيل وكانوا يحاولون تتويجه ملكاً! وعلى سبيل المثال فعندما كشف لنثنائيل بعض الأسرار، يقول الكتاب أجاب نثنائيل وقال له “يا معلم أنت ابن الله! أنت ملك إسرائيل!” (يو 1: 49)، وعندما أشبع الجموع بخمسة خبزات وسمكتين يقول الكتاب “فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: “إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم!” وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً انصرف أيضاً إلى الجبل وحده” (يو 6: 14-15)، وعند دخوله الانتصاري لأورشليم يقول الكتاب أيضاً: “فأخذوا سعوف النخل وخرجوا للقائه وكانوا يصرخون: أوصنا! مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل” (يو 12: 13).
ولما سأله رئيس الكهنة إن كان هو المسيح ابن الله الحي قال له “أنت قلت! وأيضاً أقول لكم: من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء” (مت 26: 64)، فمزق رئيس الكهنة جبته واتهمه بالتجديف!! وكانت تهمته التي قدموه بها إلى بيلاطس هي أنه قال إنه ابن الله وأنه ملك اليهود “ثم دخل بيلاطس أيضاً إلى دار الولاية ودعا يسوع وقال له: “أأنت ملك اليهود؟” أجابه يسوع: “أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عني؟” أجابه بيلاطس “ألعلي أنا يهودي؟ أمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إليّ. ماذا فعلت؟”، أجاب يسوع: “مملكتي ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون كي لا أسلم إلى اليهود. ولكن الآن ليس مملكتي من هنا” (يو 18: 33-36).
كان المسيح ملكاً ولكن ليس كما فهم اليهود وما زالوا يتوقعون في مسيحيهم الذي ما زالوا ينتظرونه! وإنما هو ملك الملكوت “ملك الملوك ورب الأرباب” (رؤ 19: 16).
إذاً فماذا يعني لقب ابن الإنسان كما استخدمه الرب يسوع المسيح؟ يعني اللقب كما بينا أعلاه أنه هو المسيح، الآتي والمنتظر كالإله المتجسد، الكامل في لاهوته والكامل في ناسوته:
ابن الإنسان الذي هو رب الملائكة؛ يقول الكتاب لما رأي الرب يسوع المسيح “نثنائيل مقبلاً إليه فقال عنه: “هوذا إسرائيلي حقاً لا غش فيه”. قال له نثنائيل: “من أين تعرفني؟” أجاب يسوع: “قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة رأيتك”. فقال نثنائيل: “يا معلم أنت ابن الله! أنت ملك إسرائيل!” أجاب يسوع: “هل آمنت لأني قلت لك إني رأيتك تحت التينة؟ سوف ترى أعظم من هذا!” وقال له: “الحق الحق أقول لكم: من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان”. (يو 1: 47-51).
ابن الإنسان الكلي الوجود، الموجود في كل مكان: في حديثه مع نيقوديموس أحد قادة اليهود قال الرب يسوع المسيح: “وليس أحد صعد إلى السماء إلى الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء” (يو 3: 13). وهنا يؤكد أنه الموجود في كل مكان في السماء وعلى الأرض في آن واحد، فهو ابن الإنسان النازل من السماء والصاعد إلى السماء والموجود في نفس الوقت في السماء. وقد أكد ذلك أيضاً في قوله لليهود “فإن رأيتم ابن الإنسان صاعداً إلى حيث كان أولاً!” (يو 6: 62)
ابن الإنسان هو ابن الله الذي له كل ما لله الآب من صفات وألقاب ويعمل جميع أعمال الله. يقول الكتاب “فأجابهم يسوع: أبي يعمل حتى الآن وأنا أعلم”. فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضاً أن الله أبوه معادلاً نفسه بالله. فقال يسوع لهم: الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل. لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك.
لأن الآب يحب الابن ويريه جميع ما هو يعمله وسيريه أعمالاً أعظم من هذه لتتعجبوا أنتم. لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحي كذلك الابن أيضاً يحي من يشاء. لأن الآب لا يدين أحد بل قد أعطى كل الدينونة للابن لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب… الحق الحق أقول لكم: إنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون. لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة في ذاته وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً لأنه ابن الإنسان” (يو 5: 17-27).
ابن الإنسان النازل من السماء ليعطي الحياة الأبدية: قال الرب يسوع “أعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقي للحياة الأبدية الذي يعطيكم ابن الإنسان لأن هذا الله الآب قد ختمه، لن خبز الله هو النازل من السماء الواهب حياة للعالم. فقالوا له: يا سيد أعطنا في كل حين هذا الخبز” فقال لهم يسوع: “أنا هو خبز الحياة. من يقبل إليّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً. ولكني قلت لكم أنكم قد رأيتموني ولستم تؤمنون… لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني” (يو 6: 27-38).
ابن الإنسان هو ابن الله الحي: يقول الكتاب “ولما جاء يسوع إلى نواحي قيصرية فيلبس سأل تلاميذه: من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان؟ فقالوا: قوم يوحنا المعمدان وآخرون إيليا وآخرون إرميا أو واحد من الأنبياء. قال لهم: وأنتم من تقولون إني أنا؟ فأجاب سمعان بطرس: أنت هو المسيح ابن الله الحي. فقال له يسوع: طوبى لك يا سمعان بن يونا إن لحماً ودماً لم يعلن لك لكن أبي الذي في السماوات” (مت 16: 13-18).
ابن الإنسان هو رب الملائكة والبشر: الذي سيأتي على السحاب عند نهاية العالم ليدين المسكونة بالعدل ويجازي كل واحد بحسب أعماله “فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله” (مت 16: 27).
† “الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان اتياً في ملكوته”. وبعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه وصعد بهم إلى جبل عال منفردين. وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور. وصوت من السحابة قائلاً: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا”. ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جداً. فجاء يسوع ولمسهم وقال: “قوموا ولا تخافوا”. فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده. وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلاً: “لا تعلموا أحداً بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات” (مت 16: 28؛ 17: 1-9).
† “متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر” (متى 19: 28)
† “متى جاء اين الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار. ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم…. ثم يقول أيضاً للذين عن اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته… فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية” (مت 25: 31-46).
ابن الإنسان غافر الخطايا:
† “وجاءوا إليه مقدمين مفلوجاً يحمله أربعة… فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج: “يا بني مغفورة لك خطاياك”. وكان قوم من الكتبة هناك جالسين يفكرون في قلوبهم: “لماذا يتكلم هذا هكذا بتجاديف؟ من يقدر أن يغفر الخطايا إلى الله وحده؟” فللوقت شعر يسوع بروحه أنهم يفكرون هكذا في أنفسهم فقال لهم: أيما أيسر: أن يقال للمفلوج مغفورة لك خطاياك أم أن يقال: قم واحمل سريرك وامش؟ ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا” قال للمفلوج: “لك أقول قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك”.
فقام للوقت وحمل السرير وخرج قدام الكل حتى بهت الجميع ومجدوا الله قائلين: “ما رأينا مثل هذا قط!” (مر 2: 3-13). وهنا يؤكد أنه يملك السلطان لغفران الخطايا، في حين أنه لا يغفر الخطايا إلا الله وحده مؤكداً حقيقته لاهوته.
ابن الإنسان هو الفادي الذي جاء ليبحث عن الضالين وليبذل نفسه، كالإله المتجسد، عن خطايا العالم، لذا يقول عنه الكتاب أنه رب المجد الذي صلب “لأنه لو عرفوا لما صلبوا رب المجد” (1كو 2: 8)، والله الذي فدى الكنيسة بدمه “كنسية الله التي اقتناها بدمه” (أع 20: 28)، والذي انتصر على الموت انتصاراً نهائياً بقيامته من الأموات. وكانت آلامه وصلبه وموته حتمية “لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يخلص ما قد هلك” (مت 18: 11). “إن ابن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليَخدِم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين” (مت 20: 28).
† “وابتدأ يعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويُقتل وبعد ثلاثة أيام يقوم” (مر 8: 31).
† “وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية.” (يو 3: 14-15).
أخيراً ابن الإنسان هو رب العالمين: قال يسوع المسيح لتلاميذه قبل صعوده مباشرة “دفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” (مت 28: 18-20)، ويضيف الإنجيل للقديس مرقص “ثم إن الرب بعدما كلمهم ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله. وما هم فخرجوا وكرزوا في كل مكان والرب يعمل معهم ويثبت الكلام بالآيات التابعة” (مر 16: 19-20).
وهكذا بعد آلامه وقيامته كابن الإنسان، كالإله المتجسد، لم يعد يستخدم ذلك اللقب الذي كان محبباً إليه وإنما استخدم لقبه الأساسي “الرب” والذي استخدم في سفر الأعمال وحده 110 مرة عن المسيح الممجد القائم من الأموات والجالس عن يمين العظمة في السماوات كرب الخليقة ومدبرها، كما قال عنه القديس بطرس “هذا هو رب الكل” (أع 10: 36).
والخلاصة هي أن لقب ابن الإنسان استخدمه الرب يسوع المسيح وأطلقه على نفسه ولم يطلقه عليه أحد ليعبر به عن كونه الإله المتجسد، المسيح الآتي والمسيا المنتظر، ابن داود وربه وابن إبراهيم والكائن الدائم الأبدي الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية، المولود من اليهود بحسب الجسد وهو الكائن على الكل الإله القدير والمبارك إلى الأبد. إنه لا يبرهن أن المسيح مجرد إنسان فقط وإنما يبرهن لاهوته كما يبرهن حقيقة ناسوته، تجسده وكونه الإله المتجسد الذي فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً، الله بكل ملئه، فهو الله الظاهر في الجسد.