قانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

قانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

قانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

قانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

القمص عبد المسيح بسيط ابو الخير: قانونية العهد الجديد

 

بل أن نبدأ دراستنا في هذا الموضوع يجب أن نذكر بعض الأسئلة التي لابد منها وهى؛

  1. من الذي قرر صحة ووحي وقانونية كل من أسفار العهد القديم وأسفار العهد الجديد وكونها كلمة الله الموحى بها والمكتوبة بالروح القدس، الكنيسة أم تلاميذ المسيح ورسله؟
  2. ولماذا رفضت الكنيسة الكتب الأخرى التي انتشرت في أوساط الهراطقة، والتي لم يُقبل، آباء الكنيسة، أي كتاب منها في يوم من الأيام كسفر قانوني؟
  3. وهل الكنيسة هي التي قدمت للمؤمنين هذه الأسفار بعينها دون غيرها، أو بمعنى آخر؛ هل الكنيسة هي أم القانونية وحاكمتها وقاضيتها ومنظمتها وسيدتها، كما يتصور البعض من النقاد، أم أنها تسلمتها من رسل المسيح وتلاميذه؟
  4. هل حافظت الكنيسة على ما تسلمته من الرسل، أم زودت عليه أو نقّصت منه؟
  5. ولماذا رفضت الكتب الأبوكريفية ولم تقبل أي منها ككتاب قانوني في أي وقت من الأوقات؟ ما هي الأسباب والدوافع التي أدت إلى رفضها؟
  6. هل اختارت الكنيسة أسفارا ورفضت أخرى بصورة عشوائية، أو بحسب ما يتناسب معها ويرضي قادتها، كما يزعم البعض، أم أنها قبلت فقط ما تسلمته من الرسل؟
  7. هل اختارت عدداً محدداً من كم كبير من الكتب والأسفار التي كانت موجودة أمامها، أم تسلمت من رسل المسيح ورسله أسفاراً محددة ورفضت ما جاء من خارج دائرة الرسل والكنيسة الجامعة الرسولية الأرثوذكسية؟

والإجابة التي يؤكدها التاريخ والتقليد والأسفار المقدسة نفسها هي؛ أن الكنيسة كانت مبنية على أساس كلمة الله في هذه الأسفار المقدسة التي تسلمتها من الرسل وليست مقررة للقانونية، كما يقول الكتاب نفسه ” مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية ” (أف20: 2). فقد أقرت الكنيسة الأولى بصحة ووحي هذه الأسفار، التي تسلمتها من الرسل، وأنها مكتوبة بالروح القدس، وأدركتها وشهدت لها وبشرت بها وحفظتها بالروح القدس وسلمتها للأجيال التالية كما تسلمتها هي من الرب يسوع المسيح ورسله ولم تقررها.

كما أن كلمة قانون أو قانونية لم تستخدم للتعبير عن وحي وتدوين أسفار العهد الجديد بالروح القدس، الأناجيل الأربعة، الإنجيل بأوجهه الأربعة، وسفر أعمال الرسل ورسائل الرسل، بولس ويعقوب وبطرس ويوحنا ويهوذا أخو يعقوب، وسفر الرؤيا، وقبولها ككلمة الله ذات السلطان الإلهي حتى القرن الرابع الميلادي، وإنما قبلت هذه الأسفار حتى قبل أن تكتب باعتبارها كلمة الله ووحيه الإلهي.

وكان لهذا القبول الذي سمي بعد ذلك بالقانونية، أسبابه ومبرراته:

(1) رسوليه الرسل، شهود العيان، وعمل الله معهم: فقد كُتب هذه الأسفار ودونها بالروح القدس تلاميذ المسيح ورسله وشهوده الذين سلموا للكنيسة نفس ما بشروا به من قبل شفاهه مؤيدين بالعجائب والمعجزات التي تدل على عمل الروح القدس فيهم وكلامه على لسانهم وبأفواههم أو كما يقول الكتاب ” شاهدا الله معهم بآيات وعجائب وقوات متنوعة ومواهب الروح القدس ” (عب4: 2). ” وكانت عجائب وآيات كثيرة تجرى على أيدي الرسل ” (أع43: 2).

” وجرت على أيدي الرسل آيات وعجائب كثيرة في الشعب ” (أع12: 5؛ 8: 6؛3: 14؛12: 15). والتي تؤكد رسوليتهم كرسل الرب يسوع المسيح وأن كل ما ينادون به ويعلمونه هو كلام الله بالروح القدس. يقول القديس بولس بالروح ” بقوة آيات وعجائب بقوة روح الله حتى أنى من أورشليم وما حولها إلى الليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح ” (رو19: 15)، ” أن علامات الرسول صنعت بينكم في كل صبر بآيات وعجائب وقوات ” (2كو12: 12)،

” انتم شهود والله كيف بطهارة وببر وبلا لوم كنا بينكم انتم المؤمنين كما تعلمون كيف كنا نعظ كل واحد منكم كالأب لأولاده ونشجعكم ونشهدكم لكي تسلكوا كما يحق لله الذي دعاكم إلى ملكوته ومجده. من اجل ذلك نحن أيضا نشكر الله بلا انقطاع لأنكم إذ تسلمتم منا كلمة خبر من الله قبلتموها لا ككلمة أناس بل كما هي بالحقيقة ككلمة الله التي تعمل أيضا فيكم انتم المؤمنين ” (1تس10: 2-13).

(2) التقليد الرسولي المسلم من رسل المسيح: فقد كان الذين قبلوا هذه الأسفار في البداية هم أنفسهم الذين تسلموا ما جاء فيها من قبل شفوياً وكانوا يحفظون كل ما كتب فيها ككلمة الله ووحيه الإلهي بل وأكثر مما كتب فيها، حيث كرز رسل المسيح ونادوا لهم بالإنجيل وحفظوه لهم بأسلوب التعليم والتسليم الشفوي كما يقول الكتاب ” أمدحكم أيها الأخوة على إنكم تذكرونني في كل شيء وتحفظون التعاليم كما سلمتها إليكم ” (1كو2: 11)، ” لأنني تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضا ” (1كو23: 11)، ” فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضا ” (1كو3: 15)،

” وما تعلمتموه وتسلمتموه وسمعتموه ورأيتموه في فهذا افعلوا ” (فى9: 4)، ” لأنكم إذ تسلمتم منا كلمة خبر من الله قبلتموها لا ككلمة أناس بل كما هي بالحقيقة ككلمة الله التي تعمل أيضا فيكم انتم المؤمنين ” (1تس2: 13). يقول القديس أكليمندس الإسكندري (150 – 215) المعروف بخليفة خلفاء الرسل والذي حفظ عنهم التقليد، والذي يقول عنه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري أنه كان ” متمرساً في الأسفار المقدسة “(1): ” وقد حافظ هؤلاء الأشخاص على التقليد الحقيقي للتعليم المبارك، المسلم مباشرة من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس، إذ كان الابن يتسلمه عن أبيه … حتى وصل إلينا بإرادة الله لنحافظ على هذه البذار الرسولية “(2).

هذا التعليم أو التسليم كان يسلم من الرسل إلى تلاميذهم وتلاميذهم يسلمونه لآخرين وهكذا ” وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا ” (2تى2: 2). فلما دونت الأناجيل كان هؤلاء يحفظون كل ما دون فيها بل وأكثر مما دون فيها.

(3) تسليم الأسفار للكنيسة الأولى: كما أن الذين استلموا هذه الأسفار وقبلوها هم الذين طلبوا من الرسل أن يدونوا لهم ما سبق أن تسلموه شفوياً، ومن ثم فقد دونت بالروح القدس لهم وأمامهم وبمعرفتهم ومن ثم قبلوها بكل قداسة ووقار ككلمة الله الموحى بها من الروح القدس. يقول أكليمندس الإسكندري: ” لما كرز بطرس بالكلمة جهاراً في روما. وأعلن الإنجيل بالروح طلب كثيرون من الحاضرين إلى مرقس أن يدون أقواله لأنه لازمه وقتاً طويلاً وكان يتذكرها.

وبعد أن دون الإنجيل سلمه لمن طلبوه “. وتقول الوثيقة الموراتورية ” الإنجيل الرابع هو بواسطة يوحنا أحد التلاميذ, إذ عندما توسل إليه زملاؤه (التلاميذ) والأساقفة في ذلك قال: صوموا معي ثلاثة أيام ونحن نتفاوض مع بعضنا بكل ما يوحي الله به إلينا. ففي هذه الليلة عينها أعلن لأندراوس أحد الرسل أن يوحنا عليه أن يكتب كل شيء تحت اسمه والكل يصدق على ذلك “. وهنا يتبين لنا أن الأناجيل كتبت بناء على طلب المؤمنين الذين تسلموها من الرسل، الذين سبق أن سلموها لهم شفوياً، كتبت بناء على طلبهم وتحت سمعهم وبصرهم وكانوا من قبل يحفظونها شفوياً.

3 – الرسل وقانونية العهد الجديد: كان للكنيسة في عصرها الأول قانونها ذو المصداقية الإلهية المتمثل في تلاميذ المسيح ورسله الذين سبق أن أختارهم من بين جمهور من المؤمنين به وسماهم رسلاً وتلمذهم على يديه ليكونوا شهودا له ولأعماله وأقواله وليحملوا رسالته (الإنجيل) لجميع الأمم. اختارهم ودعاهم هو نفسه بحسب إرادته ومشورته الإلهية وعلمه السابق، وتلمذهم على يديه حوالي ثلاث سنوات ونصف عاشوا فيها معه وتعايشوا معه بصورة كاملة، فقد تركوا كل شيء وتبعوه ” ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك ” (مت19: 27؛مر10: 28؛لو18: 28)، أكلوا معه وشربوا، دخلوا معه وخرجوا ورأوا كل أعماله بعيونهم وسمعوا كل ما قال وعلم ولمسوه بأيديهم.

وكشف لهم أسرار ملكوت السموات ” وقال لهم لأنه قد أعطي لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السموات ” (11: 13)، وزودهم بالسلطان الرسولي وفسر لهم كل ما تنبأ به عنه جميع أنبياء العهد القديم ووعدهم بالروح القدس ليحل عليهم ويسكن فيهم فيقودهم ويذكرهم بكل ما عمله وعلمه الرب ويعلمهم أمورا جديدة، ويرشدهم للحق. فقد كان الرسل هم شهود العيان الذين سمعوه ورأوه ولمسوه وكان معهم شاهدان آخران هما نبوات العهد القديم والروح القدس الذي يشهد فيهم وبهم ومن خلالهم:

(1) فقد ظل يظهر لهم بعد قيامته مدة أربعين يوماً كشف لهم فيها الأمور المختصة بملكوت السموات (أع3: 1)، وشرح لهم كل ما سبق أن تنبأ به الأنبياء وكُتب عنه في جميع أسفار العهد القديم ” ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب … وقال لهم هذا هو الكلام الذي كلمتكم به وأنا بعد معكم انه لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير. حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب.

وقال لهم هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات في اليوم الثالث. وان يكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم مبتدأ من أورشليم. وانتم شهود لذلك ” (لو24: 26و44-48).

(2) وأعطاهم سلطاناً ليصنعوا الآيات والقوات والعجائب، وقبل صعوده مباشرة أرسلهم ليشهدوا له في العالم أجمع وليكرزوا بالإنجيل في المسكونة كلها ” وقال لهم اذهبوا إلى العالم اجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها ” (مر15: 16)، ” فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر ” (مت19: 28و20).

(3) وكان قد وعدهم، في الليلة الأخيرة قبل الصليب، بأن يرسل لهم الروح القدس ليمكث فيهم ومعهم إلى الأبد ويعلمهم كل شيء ويذكرهم بكل ما عمله وعلمه الرب يسوع المسيح ويخبرهم بالأمور الآتية ويرشدهم إلى جميع الحق: … ” وأنا اطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد. روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. وأما انتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم ” (يو16: 14و17). … ” وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلّمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم ” (يو26: 14). … ” ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي.

وتشهدون انتم أيضا لأنكم معي من الابتداء ” (يو26: 15). … ” وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق … ويخبركم بأمور آتية ” (يو13: 16). … كما يتكلم على لسانهم ” فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون. لأنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به. لأن لستم انتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم ” (مت19: 10و20). … ” بل مهما أعطيتم في تلك الساعة فبذلك تكلموا لان لستم انتم المتكلمين بل الروح القدس ” (مر11: 13). …

” لان الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوه ” (لو12: 12). … ” لأني أنا أعطيكم فماً وحكمةً لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها ” (لو15: 21). ثم أكد عليهم بعد قيامته أن يبدءوا البشارة بالإنجيل بعد أن يحل الروح القدس عليهم وليس قبل ذلك ” وها أنا أرسل إليكم موعد أبي. فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تلبسوا قوة من الأعالي ” (لو49: 24)، وقبل صعوده مباشرة قال لهم ” لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لي شهودا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة والى أقصى الأرض ” (أع8: 1).

وبعد حلول الروح القدس عليهم حمل تلاميذ المسيح ورسله الإنجيل، البشارة السارة والخبر المفرح للعالم كله وكان الروح القدس يعمل فيهم وبهم ويوجههم ويقودهم ويرشدهم ويتكلم على لسانهم وبفمهم. وهكذا كرزوا وبشروا بالإنجيل للمسكونة كلها يقودهم الروح القدس، وكانوا خير شهود له ” فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعا شهود لذلك ” (أع32: 2)‎،

” ورئيس الحياة قتلتموه الذي أقامه الله من الأموات ونحن شهود لذلك ” (أع15: 3)، ” ‎ونحن شهود له بهذه الأمور والروح القدس أيضا الذي أعطاه الله للذين يطيعونه ” (أع32: 5)، ” ونحن شهود بكل ما فعل في كورة اليهودية وفي أورشليم. الذي أيضا قتلوه معلقين إياه على خشبة ” (أع39: 10).

وكان جوهر رسالتهم وشهادتهم، كما يقول القديس يوحنا، هو ” الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فان الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضا شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح … ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملا ” (1يو1: 1-4)، وكما يشهد القديس بطرس قائلاً ” لأننا لم نتبع خرافات مصنعة إذ عرّفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه بل قد كنا معاينين عظمته.

لأنه اخذ من الله الآب كرامة ومجدا إذ اقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سررت به. ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلا من السماء إذ كنا معه في الجبل المقدس ” (2بط16: 1-18). كان تلاميذ المسيح ورسله، كشهود عيان، هم المستودع الأمين لما عمله وعلم به الرب يسوع المسيح لذا فقد تساوت وصاياهم وتعاليمهم مع تعاليم أنبياء العهد القديم ومع وصايا الرب نفسه لأن وصيتهم هي وصيته وتعاليمهم هي تعاليمه ؛ يقول القديس بطرس بالروح ” لتذكروا الأقوال التي قالها سابقا الأنبياء والقديسون ووصيتنا نحن الرسل وصية الرب والمخلص ” (2بط2: 3)

ويقول القديس يهوذا الرسول ” أخو يعقوب ” (أع1: 17)، ” وأما أنتم أيها الأحباء فاذكروا الأقوال التي قالها سابقاً رسل ربنا يسوع المسيح ” (يه17). وهذا ما تعلمه وعلمه أيضا الإباء الرسوليون تلاميذ الرسل الذين تتلمذوا على أيديهم واستلموا منهم الأخبار السارة: … يقول القديس أغناطيوس الأنطاكي تلميذ بطرس الرسول ” أثبتوا إذاً على تعاليم الرب والرسل “(3).

” ثابروا على الاتحاد بإلهنا يسوع المسيح وبالأسقف وبوصايا الرسل ” (4). …

ويقول أكليمندس الروماني تلميذ بولس الرسول والذي يقول عنه القديس إيريناؤس أنه ” رأى الرسل القديسين وتشاور معهم “(5) ؛ ” من أجلنا استلم الرسل الإنجيل من الرب يسوع المسيح ويسوع المسيح أرسل من الله (الآب) “(6).

ويقول بوليكاربوس الذي رافق الرسل خاصة القديس يوحنا الحبيب ” فلنخدمه (المسيح) بخوف وتقوى كما يأمرنا هو والرسل الذين بشرونا بالإنجيل والأنبياء الذين أعلنوا لنا عن مجيء الرب “(7). …

ويقول القديس إيريناؤس أسقف ليون (120-202م) ” إذ أن الرسل وضعوا في أيدي الكنيسة كل الأمور التي تخص الحق بغزارة وفيرة، مثل رجل غنى (أكتنز ماله) في بنك، لذلك فكل إنسان أيا كان يستطيع أن يسحب منها ماء الحياة “(8).

سلم الرسل الكنيسة ما تسلموه هم من الرب ” أنني سلمت إليكم ما تسلمته من الرب ” (1كو23: 11)، وعلموا المؤمنين أن يحفظوا جميع وصايا وأعمال الرب بكل دقة وحرص أن يتمسكوا بكل حرف وكلمة وجملة وفقرة ” تمسك بصورة الكلام الصحيح الذي سمعته منى 00 أحفظ الوديعة الصالحة بالروح القدس الساكن فينا ” (2تي13: 1و14). وكان الروح القدس يحفظ الكلمة سواء بالنسبة للرسل أو لمن سلموهم الأخبار السارة والذين كانوا بدورهم يسلمونها لآخرين أكفاء ” وما سمعته منى بشهود كثيرين أودعه أناساً أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا ” (2تي2: 2).

وكان الرسول بولس يمتدح أهل كورنثوس لحفظهم وحفاظهم على ما تسلموه ” فأمدحكم أيها الأخوة على أنكم تذكرونني في كل شئ وتحفظون التعاليم كما سلمتها إليكم ” (1كو2: 11)، ويشكر الله من أجل أهل روما لإطاعتهم التسليم الرسولي من القلب ” فشكراً لله أنكم كنتم عبيداً للخطية ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها ” (رو17: 6)، ويقول لأهل تسالونيكي ” فأثبتوا إذاً أيها الأخوة وتمسكوا بالتعاليم التي تعلمتموها سواء كان بالكلام أم برسالتنا ” (2تس15: 2)

ويقول القديس لوقا الإنجيلي بالروح أن ما سلمه الرسل للكنيسة كان مؤكداً عندهم ” الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا من البدء معاينين (شهود عيان) وخداماً للكلمة ” (لو1: 1و2). فقد كان المسيحيون الأولون يحفظون كل حرف وكل كلمة سلمت إليهم عن ظهر قلب، وكانوا كيهود سابقين مدربين على الحفظ، حفظ كلمة الله والتمسك بكل حرف فيها حتى الموت(9)،

وكان الروح القدس الساكن فيهم يحفظ الكلمة فيهم ويذكرهم بها في كل وقت، كما أنهم لم يكونوا في الأيام الأولى للكرازة في حاجة لإنجيل مكتوب لأن وجود الرسل شهود المسيح على رأس الكنيسة، على قيد الحياة – فهم الوثيقة الحية والصوت الحي للشهادة عن المسيح عن كل ما عمله وعلمه – وحتى بعد انتشار رسائل الرسل وتدوين الإنجيل ظل المؤمنون يلجئون للرسل لمعرفة المزيد عن المسيح.

يقول بابياس أسقف هيرابوليس (70-155م) والذي أستمع للقديس يوحنا وكان زميلاً لبوليكاريوس، كما يقول إيريناؤس(10): ” وكلما أتى أحد ممن كان يتبع المشايخ سألته عن أقوالهم، عما قاله أندراوس أو بطرس، عما قاله فيلبس أو توما أو يعقوب أو يوحنا أو متى أو أي أحد آخر من تلاميذ الرب … لأنني لا أعتقد أن ما تحصل عليه من الكتب يفيدني بقدر ما يصل إلى من الصوت الحي، الصوت الحي الدائم “(11).

كان الرسل يعينون قادة الكنائس ويسلمونهم التقليد، التعليم، الأخبار السارة، الإنجيل ليسلموه بدورهم لآخرين: ” وانتخبا لهم قسوساً في كل كنيسة ثم صليا بأصوام واستودعاهم للرب الذي كانوا قد آمنوا به ” (أع23: 14)، ” وإذ كانوا (بولس وسيلا وتيموثاوس) يجتازون في المدن كانوا يسلمونهم القضايا التي حكم بها الرسل والمشايخ الذين في أورشليم ليحفظوها ” (أع4: 16).

” فقد أرسلنا يهوذا (برسابا) وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهاً ” (أع27: 15). هؤلاء المسيحيون الأولون حفظوا ما سمعوه بآذانهم وما شاهدوه بأعينهم وما سلمه لهم الرسل، فقد صاروا لهم تلاميذاً، وحافظوا عليه حتى الموت وكان الروح القدس يعمل فيهم وأيضا بهم. وكانوا كيهود سابقين مدربين على حفظ كلمة الله وحفظ تقليد آبائهم حيث أنهم اعتادوا على ذلك جيداً.

ثم دعت الحاجة لتدوين الإنجيل وكتب الرسل معظم أسفار العهد الجديد قبل سنة 70 ميلادية عندما كان معظمهم أحياء حيث دون الإنجيل للقديس مرقس فيما بين سنة 45 وسنة 50م، ودون الإنجيل للقديس متى قبل 62م، ودون الإنجيل للقديس لوقا فيما بين سنة 60 و62م وسفر أعمال الرسل قبل سنة 67م وكتب القديس بولس رسائله الأربع عشره فيما بين سنة 50 وسنة 67م والقديس يعقوب الرسول فيما بين سنة 49 و 62م حيث يرى البعض أنها كتبت قبل مجمع أورشليم سنة 50م ويرى البعض الآخر أنها كتبت في أواخر حياته فيما بين سنة 60 وسنة 62م وكتب القديس بطرس رسالتيه قبل استشهاده سنة67م، وكتب القديس يهوذا أخو القديس يعقوب رسالته بعد رسالة بطرس الثانية وقبل سنة 70م، ودون القديس يوحنا الإنجيل الرابع وسفر الرؤيا وكتب رسائله الثلاث فيما بين سنة 80 وسنة 96م حيث ترك العالم حوالي 100م.

وقد قبلت الكنيسة هذه الأسفار فور تدوينها واستخدمها الرسل في كرازتهم كالإنجيل المكتوب، وكانت تقرأ في الكنائس واجتماعات العبادة، في الكنائس التي كتبت فيها ولها أولاً، مع أسفار العهد القديم بالتساوي، ” مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية ” (أف20: 2)، ” لتذكروا الأقوال التي قالها سابقا الأنبياء القديسون ووصيتنا نحن الرسل وصية الرب والمخلص ” (2بط‌2: 3)، خاصة في أيام الأحد، يقول يوستينوس الشهيد (حوالي 150م): ” وفى يوم الأحد يجتمع كل الذين يعيشون في المدن أو في الريف معاً في مكان واحد وتقرأ مذكرات الرسل (الأناجيل) أو كتابات الأنبياء بحسب ما يسمح الوقت”(12).

ويقول القديس بولس بالروح لأهل تسالونيكي ” أناشدكم بالرب أن تقرا هذه الرسالة على جميع الإخوة القديسين ” (1تس27: 5). ويؤكد سفر الرؤيا على ترتيب الكنيسة وطقسها في قراءة الأسفار المقدسة في الاجتماعات والقداسات، وعلى حقيقة كون السفر هو كلمة الله، فيقول ” طوبى للذي يقرا وللذين يسمعون أقوال النبوة ويحفظون ما هو مكتوب فيها لان الوقت قريب ” (رؤ3: 1) وتتكرر في السفر عبارة ” من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس ” سبع مرات (رؤ2: 7و11و17و29؛ 6:،13و22).

كما يؤكد على حقيقة قراءة السفر عموماً ككتاب مقدس لا يجوز تحريفه أو زيادة حرف عليه أو نقص حرف منه عندما يختم السفر بقوله ” لأني اشهد لكل من يسمع أقوال نبوة هذا الكتاب أن كان أحد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب ” (رؤ18: 22).

وكانت تنسخ نسخاً من هذه الأسفار وترسل للكنائس القريبة والمجاورة، وكانت كل كنيسة تحتفظ بالسفر الذي كتب لها أصلاً، سواء كان هذا السفر إنجيلاً من الأناجيل الأربعة أو رسالة من رسائل الرسل أو سفر الأعمال أو سفر الرؤيا، وتحتفظ بنسخ من الأسفار التي كتبت أو أرسلت للكنائس الأخرى. يقول القديس بولس في رسالته إلى كولوسي ” ومتى قرئت عندكم هذه الرسالة فاجعلوها تقرا أيضا في كنيسة اللاودكيين والتي من لاودكية تقرأونها انتم أيضا ” (كو16: 4).

وهكذا بدأت تتجمع أسفار العهد الجديد معاً بالتدريج حسب المناطق والكنائس التي أرسلت إليها أولاً حيث بدأت تتجمع رسائل القديس بولس معاً ثم الأناجيل. ويجب أن نضع في الاعتبار أن الأناجيل الثلاثة الأولى، ثم إنجيل يوحنا بعد ذلك، كانت الأسرع في الانتشار يليها رسائل بقية الرسل التي كتب بعضها قبل الأناجيل وسفر الرؤيا. كما كنت الرسائل تنتشر في المناطق المجاورة للأماكن التي أرسلت إليها أولاً، أما الأناجيل فقد كان انتشارها مرتبطاً بكرازة الكثير من الرسل التي حملوها معهم إلى أماكن متفرقة من العالم.

ومن هنا تأخر الاعتراف ببعض هذه الرسائل وسفر الرؤيا في البلاد التي لم ترسل إليها أولاً، وذلك على الرغم من القبول الفوري لها في الأماكن التي أرسلت إليها أصلاً. 4 – الآباء الرسوليون وأسفار العهد الجديد: الآباء الرسوليون هم تلاميذ الرسل وخلفاؤهم الذين تتلمذوا على أيديهم وخدموا معهم وكانوا معاونين لهم وصاروا خلفاء لهم واستلموا مسئولية الكرازة والخدمة من بعدهم، وحملوا الإنجيل، سواء الشفوي أو المكتوب، وكان مصدر عقيدتهم ومصدر تعليمهم، ومن ثم فقد استشهدوا بآياته ونصوصه في كرازتهم وعظاتهم وتعليمهم، وكتاباتهم التي بقى لنا منها عدد كاف ليكشف لنا عما تسلموه من الرسل وما تعلموه وعلموه من عقائد. وكان على رأس هؤلاء الشخصيات التالية التي تركت لنا أعمالاً مكتوبة ظلت ومازالت تشهد للأجيال لصحة كل نقطة وكل حرف وكل كلمة وكل آية وكل فقرة وكل إصحاح وكل سفر في العهد الجديد والكتاب المقدس كله. (1) القديس أكليمندس الروماني (30 -110م)، كما يقول عنه يوسابيوس القيصري في تاريخه، أسقفا لروما ومساعداً للقديس بولس(13)، وقال عنه القديس جيروم سكرتير بابا روما (343 – 420م) ؛ ” هذا هو الذي كتب عنه الرسول بولس في الرسالة إلى فيلبي “(14)، وقال عنه القديس بولس الرسول انه جاهد معه في نشر الإنجيل (في3: 4)، والذي تعرف على الكثيرين من الرسل وتعلم منهم، يقول عنه القديس إيريناؤس أسقف ليون (120 -202م) ” أسس الرسل الطوباويون الكنيسة (كنيسة روما) وبنوها وسلموا الأسقفية للينوس … ثم خلفه اناكليتوس، وبعده الثالث من الرسل صارت الأسقفية لأكليمندس. هذا الرجل رأى الرسل الطوباويين وتحدث معهم وكانت كرازتهم لا تزال تدوي في أذنيه وتقاليدهم ماثلة أمام عينيه. ولم يكن هو وحده في هذا لأنه كان يوجد الكثيرون الباقون من الذين تسلموا التعليم من الرسل “(15). كما قال عنه العلامة أوريجانوس (185 -230 -254) ” أكليمندس الذي رأى الرسل حقاً “(16). (2) والقديس أغناطيوس (30 – 107م) الذي كان أسقفاً لإنطاكية بسوريا وتلميذاً للقديس بطرس الرسول وقال عنه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري (340م) ” أغناطيوس الذي اختير أسقفاً لإنطاكية خلفاً لبطرس والذي لا تزال شهرته ذائعة بين الكثيرين “(17). وقد كتب هذا الرجل سبع رسائل أكد فيها على المساواة بين ما كتبه الرسل وبين أسفار العهد القديم فجميعها كلمة الله الموحى بها وأسفار مقدسة وأستشهد فيها بما جاء في الإنجيل للقديس متى والإنجيل للقديس يوحنا وسفر أعمال الرسل وما جاء في الرسائل إلى رومية وكورنثوس الأولى وأفسس وكولولسي وتسالونيكي الأولى وكانت آيات الإنجيل للقديس يوحنا مؤثرة جداً على عقله وفكره وقلبه ويبدو أنه كان السفر المفضل لديه. (3) والقديس بوليكاربوس (65 – 155م) أسقف سميرنا بآسيا الصغرى (حاليا أزمير بتركيا) والذي قال عنه كل من القديس إيريناؤس والمؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري أنه كان تلميذاً للقديس يوحنا وبعض الرسل الذين أقاموه أسقفاً على سميرنا بآسيا الصغرى والذي استلم منهم التقليد الرسولي، يقول عنه القديس إيريناؤس ” ولكن بوليكاربوس لم يكن متعلماً من الرسل فحسب بل وتحدث مع الكثيرين من الذين رأوا المسيح وتعين من الرسل في أسيا أسقفاً لكنيسة سميرنا، الذي رأيته في شبابي … كان رجلاً أكثر عظمة وأكثر رسوخاً في الشهادة للحق “(18). ” إنه لا يزال ثابتاً في مخيلتي ما كان يتصف به القديس بوليكاربوس من احتشام ورصانة مع احترام هيئته ووقار طلعته وقداسة سيرته، وتلك الإرشادات الإلهية التي كان يعلم بها رعيته وبأبلغ من ذلك كأني أسمع ألفاظه التي كان ينطق بها عن الأحاديث التي تمت بينه وبين القديس يوحنا الإنجيلي وغيره من القديسين الذين شاهدوا يسوع المسيح على الأرض وترددوا معه وعن الحقائق التي تعلمها وتسلمها منهم “(19). وكان التاريخ الحاسم لقانون العهد الجديد هو الفترة من 140 إلى 200م، وخاصة بعدما ظهر مركيون ووضع لنفسه قانونا للعهد الجديد، خاص به وحدة وبشيعته، هذا القانون يتكون من إنجيل الرب الذي أخذه عن الإنجيل للقديس لوقا فقط وعشر رسائل من رسائل القديس بولس، وأسمى قانونه هذا ب ” الإنجيل والرسول ” ورفض بقية العهد الجديد وكل العهد القديم!! وكذلك لما ظهر قادة الهرطقة الغنوسية الدوسيتية، الآخرين، وبدأوا يكتبون الكتب الخاصة بأفكارهم وعقائدهم وينسبونها لتلاميذ المسيح بصورة مكشوفة لا تتفق وفكر الكنيسة، بل وراح كل كاتب من كُتاب هذه الكتب ينسب لنفسه أو لأحد التلاميذ، بل ويزعم أن هذا التلميذ المزعوم قد خصه المسيح وحده بأسرار لم يخص بها غيره من التلاميذ وطلب منه أن يدونها بعد ذلك في كتاب!! ومن هنا اضطرت الكنيسة أن تضع قانونها الموثوق به وهو ما تسلمته من الرسل، الإنجيل بأوجهه الأربعة وسفر أعمال الرسل للقديس لوقا والرسائل الجامعة وسفر الرؤيا، الأسفار السبعة والعشرون. وأن تعلن أنه لا يوجد أي إنجيل صحيح، تم تسليمه لآباء الكنيسة من رسل المسيح مباشرة، سوى الإنجيل بأوجهه الأربعة التي جمعها ودونها بالروح القدس الإنجيليون الأربعة متى ومرقس ولوقا ويوحنا، كما قال القديس إيريناؤس وأكد على وجود الإنجيل بأوجهه الأربعة وانتشاره في كل مكان حتى الهراطقة: ” الأرض التي تقف عليها هذه الأناجيل أرض صلبة حتى أن الهراطقة أنفسهم يشهدون لها ويبدأون من هذه الوثائق وكل منهم يسعى لتأييد عقيدته الخاصة منها “(20). وبرغم أن آباء نهاية القرن الأول وبداية الثاني اقتبسوا، معاً، من كل أسفار العهد الجديد، إلا أن كل واحد منهم أقتبس مجموعة منها بحسب الموضوع الذي كتب فيه، ولم يكن قصدهم أظهار قانون للعهد الجديد، لأنه لم تكن الحاجة قد دعت لذلك، أنما عبروا من خلال ما اقتبسوه عن إيمانهم به ككلمة الله الموحى بها والمكتوبة بالروح القدس. إلا أن آباء منتصف القرن الثاني وبداية القرن الثالث كانت كتابتهم أكبر في الكم والكيف، وكانت أكثرها دفاعية، مثل دفاع يوستينوس الموجه للإمبراطور الروماني وحواره مع تريفو اليهودي، وكتابات كل من إيريناؤس وترتليانوس وهيبوليتوس ضد الهراطقة، فقد أوضحت صورة قانون العهد الجديد كما كانت معروفة في الكنيسة وكما تسلموها من الرسل، لذا شهدوا لكل أسفار العهد الجديد ودافعوا عنها ككلمة الله الوحيدة الموحى بها بالروح القدس والمسلم مرة للقديسين من المسيح ثم رسله وتلاميذه. 5- أهم وثائق قانونية العهد الجديد: وفيما يلي أهم وثائق قانونية العهد الجديد في الكنيسة الأولى:

(1) يوستينوس الشهيد (100 – 165م): من نابلس بفلسطين وقد كرس حياته للدفاع عن المسيحية وكان من أول المدافعين عنها وقد بقى لنا مما كتبه دفاعان عن المسيحية كان قد وجههما إلى الإمبراطور الروماني أنطونيوس بيوس (138 – 161م) والسانتوس الروماني(21)، وحوار مع شخص يدعى تريفو اليهودي. وقد شهد فيهما للأناجيل الأربعة وأشار إليها أكثر من سبع عشرة مره بعبارات مثل: ” لأن الرسل سلموا لنا في المذكرات التي دونوها والتي تسمى أناجيل “(22). ثم يقول معبرا عن فكر معاصريه في وحي العهد الجديد ” وكما علمنا الذين سجلوا كل ما يختص بمخلصنا يسوع المسيح الذين صدقناهم (آمنا بهم) “(15). و” لأنه كما آمن إبراهيم بصوت الله وحسب له ذلك براً ونحن بنفس الطريقة آمنا بصوت الله الذي تحدث لنا بواسطة رسل المسيح وأعلن لنا بواسطة الأنبياء حتى الموت أن إيماننا تبرأ بكل ما في العالم “(16). كما تحدث عن انتشار الأسفار المقدسة، العهد الجديد والعهد القديم، في كل مكان في العالم كان يوجد به مسيحيون، وعن قراءتها في اجتماعات العبادة في الكنائس في كل مكان ” وفي اليوم الذي يدعى الأحد يجتمع معاً كل الذين يعيشون في المدن أو في الريف في مكان واحد وتقرأ مذكرات الرسل (الأناجيل) أو كتابات الأنبياء بحسب ما يسمح الوقت، وعندما يتوقف القارئ يعلم الرئيس وينصح بالعمل بهذه الأمور السارة “(17). كما اقتبس واستشهد بكثير من آياتها؛ … فقد استشهد بما جاء في الإنجيل للقديس متى عن ظهور النجم للمجوس وقت ميلاد السيد المسيح، في قوله ” عندما ظهر نجم في السماء وقت ميلاده كما هو مسجل في مذكرات رسله (أي الأناجيل) أدرك المجوس، من العربية، العلامة بهذه فأتوا وسجدوا له ” (Dial.106.4 مع متى 1: 2). … واستشهد بما جاء في الإنجيل للقديس لوقا عن سقوط عرق كقطرات دم من السيد وهو في البستان ” مكتوب في المذكرات التي دونها الرسل وأتباعهم (أي الأناجيل)، كما قلت، أن عرقه سقط مثل قطرات دم عندما كان يصلى ويقول ” أن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس ” (Dial,103.8 مع لوقا 42: 22،44). … واستشهد بالكثير مما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا مثل قوله ” قال المسيح أيضاً: أن لم تولدوا ثانية فلن تدخلوا ملكوت السموات ” (Apol.61.4؛ مع يو5: 3). مشيراً إلى حوار الرب مع نيقوديموس (يو3: 3-5). … وقال عن سفر الرؤيا ” وعلاوة على ذلك لدينا أيضاً رجل يدعى يوحنا وهو أحد رسل المسيح تنبأ في رؤيا صارت له ” (Dial.81.4 مع رؤ1).

(2) تاتيان السوري (110 – 172م): هذا الرجل كان تلميذا ليوستينوس الشهيد، ثم أنحرف عن الإيمان السليم، وقد جمع فيما بين (166 – 170م) الأناجيل الأربعة في كتاب واحد أسماه ” دياتسرون “، أي الرباعي، وقد أنتشر هذا الكتاب بغزارة في سوريا حتى جمع منه ثيودوريت، أسقفCyrus بسوريا، سنة 420م أكثر من 200 نسخه في كنائسه وأستبدلها بالأناجيل الأربعة. ويبدأ هذا الكتاب بمقدمة الإنجيل للقديس يوحنا ” في البدء كان الكلمة 00 ” وينتهي أيضا بخاتمة الإنجيل للقديس يوحنا ” وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع 00 ” وهو يشهد للإنجيل بأوجهه الأربعة باعتباره الإنجيل الواحد.

(3) الوثيقة الموراتورية (170م): وجدت هذه الوثيقة الموراتورية أو المخطوطة الموراتورية في المكتبة الامبروسية Ambrosian – بميلان سنة 1740م ونشرها العالم الإيطالي موراتوري Muratori فدعيت باسمه. وكانت مكتوبة باللاتينية. وترجع نصوص هذه المخطوطة، التي كتبت أصلاً باليونانية، كما تؤكد هي نفسها، في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي حيث تقول الوثيقة ” كتب هرماس (كتابه) الراعي حديثاً جداً في زماننا في مدينة روما عندما كان يجلس شقيقه الأسقف بيوس Pius على كرسي الكنيسة في روما “(26). وكانت سطورها الأولى مفقودة وتبدأ بعبارة عن الإنجيل الثاني الذي للقديس مرقس وتقول ” الذي فيه كان حاضراً وقد دونه “، ثم تتحدث عن الإنجيل الثالث الذي للقديس لوقا مما يؤكد أنها تحدثت في السطور المفقودة عن الإنجيل للقديس متى ثم الإنجيل للقديس مرقس والذي تبقى منه هذا السطر المذكور أعلاه. ” كتاب الإنجيل الثالث، الذي بحسب لوقا، هذا الطبيب لوقا بعد صعود المسيح (قيامته)؟ أخذه بولس معه كخبير في الطريق (التعليم)، دونه باسمه حسب فكره، مع أنه لم ير الرب في الجسد، ولأنه كان قادراً على التحقق منه، فقد بدأ يروى القصة من ميلاد يوحنا. رابع الأناجيل هو الذي ليوحنا (أحد) الرسل. الذي عندما حثه تلاميذه وأساقفته قال: صوموا معي من اليوم ولمدة ثلاثة أيام وما يعلن لكل واحد فلنقله بعضنا لبعض. وفي نفس الوقت كُشف لأندراوس، أحد الرسل، أن ما ينجح (يفحص) الكل فيه يجب أن يدون يوحنا كل شيء باسمه. ولذا فعلى الرغم من وجود أفكار متنوعة تعلم في الإنجيل ككل (أي الأناجيل الأربعة) إلا أن هذه الأمور لا تسبب اختلافاً لإيمان المؤمنين، لأن كل ما فيها أُعلن بالروح الواحد. فكل شيء معلن في الكل: ما يختص بالميلاد وما يختص بالآلام وما يختص بالقيامة وما يختص بالأحاديث مع التلاميذ، ما يختص بمجيئه الأول محتقر في تواضع، والثاني ممجد في قوة ملوكية. فما العجيب إذا في أن يورد يوحنا نقاطاً خاصة في رسائله أيضاً، فهو دائماً صادق مع نفسه، إذ يقول هو نفسه ” الذي رأيناه بعيوننا وسمعناه بآذاننا ولمسته أيدينا نكتبه لكم “. فهو يعترف هكذا أنه ليس شاهد عيان فقط بل كاتب أيضاً لكل عجائب الرب بالترتيب. ولكن أعمال الرسل مكتوبة في كتاب واحد. فقد لخص لوقا للعزيز ثاوفيلس الأمور العديدة التي حدثت في حضوره ..“. وتتحدث الوثيقة أو المخطوطة بعد ذلك عن كل رسائل القديس بولس عدا الرسالة إلى العبرانيين، وتتكلم عن رؤيا يوحنا ورسالة يهوذا ورسالتين للقديس يوحنا. ثم تتحدث عن بعض الكتب الأبوكريفية، أي المزيفة، كالآتي: ” ويوجد أيضاً رسالة إلى الاوديكيين وأخرى إلى السكندريين، زيفتا باسم بولس لهرطقة مركيون، وكتب أخرى عديدة لا يمكن أن تكون قد سُلمت في الكنيسة الجامعة. لأنه لن يخلط العسل مع الخل. وفي أخر الوثيقة تقول: ” ونحن لا نقبل أي شيء من أرسينوس أو فالنتينوس وميليتادس الذي ألف مزمور جدي لمركيون مع باسيليدس في آسيا الصغرى “(27). وتؤكد لنا هذه الوثيقة ثلاث حقائق جوهرية هي: (1) إيمان الكنيسة في القرن الثاني للميلاد بوحي أسفار العهد الجديد، السبعة والعشرين، وكتابتها وتدوينها بالروح القدس. (2) وأنها، وحدها، أسفار مقدسة وذات سلطان إلهي. (3) كما تميز تماماً بين هذه الأسفار المقدسة وبين الكتب المزيفة التي قالت عنها أنه ” لا يمكن أن تقبل (الكتب الأبوكريفية، المزيفة) في الكنيسة الجامعة. لأنه لن يخلط الخل مع العسل “. وعلى الرغم من أن هذه الوثيقة لا تذكر الرسالة إلى العبرانيين وكذلك الرسالة الثالثة للقديس يوحنا ورسالة يعقوب ورسالتي بطرس فهذا لا يدل على عدم الإيمان بوحيها وقداستها أو إنكارها لأن هذه المخطوطة لم تذكر هذه الرسائل لا بين الأسفار المقدسة الموحى بها ولا بين الأسفار المزيفة فقد ذكرت هذه الرسائل في كثير من كتابات الكثير من آباء القرن الثاني الميلادي الذين استشهدوا بآياتها واقتبسوا نصوصها وشهدوا لها. يقول العلامة الإنجليزي وستكوت أن عدم ذكر هذه الرسائل قد يرجع لوجود فجوة أو شق في المخطوطة نفسها. وعلى أية حال فهذه الرسائل مستشهد بها جيداً وبدرجة كافية في مصادر أخرى(28).

(4) إيريناؤس أسقف ليون (120 – 202م): كان إيريناؤس أسقف ليون بفرنسا حاليا أحد الذين تتلمذوا على أيدي تلاميذ الرسل، خاصة القديس بوليكاربوس، كما أكد هو نفسه، كما بينا أعلاه، وخلفائهم، ويضيف القديس جيروم ” من المؤكد أنه كان تلميذا لبوليكاربوس “(29). وكان حلقة وصل بين الآباء الرسوليين تلاميذ الرسل ومن جاءوا بعده. وقد كتب مجموعة من الكتب بعنوان ” ضد الهراطقة ” دافع فيها عن المسيحية وأسفارها المقدسة وأقتبس منها حوالي 1064 اقتباسا منها 626 من الأناجيل الأربعة وحدها و325 من رسائل القديس بولس الرسول الأربع عشرة و112 من بقية أسفار العهد الجديد، منها 29 من سفر الرؤيا. وأكد على حقيقة انتشار الأناجيل الأربعة في كل مكان بقوله ” لقد تعلمنا خطة خلاصنا من أولئك الذين سلموا لنا الإنجيل الذي سبق أن نادوا به للبشرية عامة، ثم سلموه لنا بعد ذلك، حسب إرادة الله، في أسفار مقدسة ليكون أساس وعامود إيماننا … فقد كانوا يمتلكون إنجيل الله، كل بمفرده، فقد نشر متى إنجيلاً مكتوباً بين العبرانيين بلهجتهم عندما كان بطرس وبولس يكرزان ويؤسسان الكنائس في روما. وبعد رحيلهما سلم لنا مرقس تلميذ بطرس ومترجمه، كتابة ما بشر به بطرس. ودون لوقا، رفيق بولس في سفر الإنجيل الذي بشر به (بولس)، وبعد ذلك نشر يوحنا نفسه، تلميذ الرب والذي اتكأ على صدره إنجيلا أثناء أقامته في أفسس في آسيا الصغرى “(30). وقال عن وحدة الإنجيل ” لا يمكن أن تكون الأناجيل أكثر أو أقل مما هي عليه الآن حيث يوجد أربعة أركان في العالم الذي نعيش فيه أو أربعة رياح جامعة حيث انتشرت الكنيسة في كل أنحاء العالم وأن “عامود الحق وقاعدة ” الكنيسة هو الإنجيل روح الحياة، فمن اللائق أن يكون لها أربعة أعمدة تنفس الخلود وتحي البشر من جديد، وذلك يوضح أن الكلمة صانع الكل، الجالس على الشاروبيم والذي يحتوى كل شيء والذي ظهر للبشر أعطانا الإنجيل في أربعة أوجه ولكن مرتبطة بروح واحد … ولأن الإنجيل بحسب يوحنا يقدم ميلاده الأزلي القدير والمجيد من الآب، يقول ” في البدء كان الكلمة وكان الكلمة عند الله وكان الكلمة الله ” و ” كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان … ولكن الذي بحسب لوقا يركز على شخصيته (المسيح) الكهنوتية فقد بدأ بزكريا الكاهن وهو يقدم البخور لله. لأن العجل المسمن (أنظر لوقا 23: 15)، الذي كان سيقدم ذبيحة بسبب الابن الأصغر الذي وُجد، كان يعُد حالاً … ويركز متى على ميلاده الإنساني قائلاً ” كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم ” و ” وكان ميلاد يسوع المسيح هكذا “. فهو إذا إنجيل الإنسانية، ولذا يظهر [ المسيح ] خلال كل الإنجيل كإنسان وديع ومتواضع. ويبدأ مرقس من جهة أخرى بروح النبوة الآتي على الناس من الأعالي قائلاً ” بدء إنجيل يسوع المسيح، كما هو مكتوب في اشعياء النبي ” مشيراً إلى المدخل المجنح للإنجيل. لذلك صارت رسالته وجيزة ومختصره لمثل هذه الشخصية النبوية “(31).

(5) القديس أكليمندس الإسكندري (150 – 215م): كان القديس أكليمندس الإسكندري مديراً لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية وتلميذاً للعلامة بنتينوس ومُعلماً لكل من العلامة أوريجانوس وهيبوليتوس وكان كما يصفه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري ” متمرساً في الأسفار المقدسة “(32)، وينقل يوسابيوس عن كتابه وصف المناظر أنه أستلم التقليد بكل دقة من الذين تسلموه من الرسل، فقد كان هو نفسه خليفة تلاميذ الرسل أو كما يقول هو عن نفسه إنه ” التالي لخلفاء الرسل “(33)، ” ويعترف بأن أصدقاءه قد طلبوا منه بإلحاح أن يكتب من أجل الأجيال المتعاقبة التقاليد التي سمعها من الشيوخ الأقدمين “(34)، وذلك باعتباره أحد خلفائهم. ومن ثم فقد سجل التقليد الشفوي الذي سمعه ورآه وتعلمه وعاشه وحوله إلى تقليد مكتوب، كما شرحه ودافع عنه. وينقل عنه يوسابيوس، أيضا، قوله عن معلميه الذين استلم منهم التقليد ” وقد حافظ هؤلاء الأشخاص على التقليد الحقيقي للتعليم المبارك، المسلم مباشرة من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس، إذ كان الابن يتسلمه عن أبيه (وقليلون هم الذين شابهوا آباءهم) حتى وصل إلينا بإرادة الله لنحافظ على هذه البذار الرسولية “(35). ويقول عن تدوين الأناجيل الأربعة كما ينقل عن يوسابيوس القيصري: ” وفى نفس الكتاب (وصف المناظر) أيضاً يقدم أكليمندس تقليد الآباء الأولين عن ترتيب الأناجيل على الوجه التالي: فيقول أن الإنجيلين المتضمنين نسب المسيح كتبا أولاً. وكانت مناسبة كتابة الإنجيل بحسب مرقس هكذا: لما كرز بطرس بالكلمة جهاراً في روما. وأعلن الإنجيل بالروح، طلب كثيرون من الحاضرين إلى مرقس أن يدون أقٌواله لأنه لازمه وقتاً طويلاً وكان يتذكرها، وبعد أن دون الإنجيل سلمه لمن طلبوه. ولما علم بطرس بهذا لم يمنعه من الكتابة ولا شجعه عليها. وأخر الكل لما رأى يوحنا أن الحقائق الخارجية قد دونت بوضوح في الكتب كتب إنجيلاً روحياً بعد إلحاح من أصدقائه وإرشاد من الروح القدس “(36). وقد أقتبس من أسفار العهد الجديد 1433 مرة، منها 591 من الأناجيل الأربعة و731 اقتباسا من رسائل القديس بولس الرسول و111 من بقية العهد الجديد.

(6) العلامة ترتليان (145 -220م): وقال العلامة ترتليان، من قرطاجنة بشمال أفريقيا والذي قال عنه القديس جيروم أنه: ” يعتبر رائداً للكتبة اللاتين “(37)، عن صحة ووحي الأناجيل الأربعة ” أن كُتاب العهد الإنجيلي هم الرسل الذين عينهم الرب نفسه لنشر الإنجيل إلى جانب الرجال الرسوليين الذين ظهروا مع الرسل وبعد الرسل … يوحنا ومتى اللذان غرسا الإيمان داخلنا، ومن الرسوليين لوقا ومرقس اللذان جدداه لنا بعد ذلك “(38). كما اقتبس من كل أسفار العهد الجديد واستشهد بأكثر من 7… (سبعة آلاف) اقتباسٍ.

(7) هيبوليتوس (170-235م): كان هيبوليتوس كاهناً بروما وقد اقتبس واستشهد بأسفار العهد الجديد أكثر من 1300 مرة وأشار إلى قراءتها في الاجتماعات العبادية العامة(39) كما أشار إلى قداستها ووحيها وكونها كلمة الله(40).

(8) العلامة أوريجانوس (185-245م): تلميذ وخليفة أكليمندس الإسكندري، وقد فسر جميع أسفار العهد القديم والعهد الجديد وقابل الأسفار الإلهية لكل من العهدين(41)، وقال أن كل ما تكلم به الأنبياء في أسفار العهد القديم قد تكلم به المسيح بواسطتهم قبل التجسد، وأن ما تكلم به رسل المسيح هو كلام المسيح الذي تكلم به من خلالهم بعد صعوده إلى السماء ” وبكلمات المسيح لا نعنى تلك التي تكلم بها عندما صار إنساناً وحل بالجسد، فقد كان المسيح قبل ذلك الوقت كلمة الله الذي تكلم في موسى والأنبياء … وبعد صعوده إلى السماء تكلم في تلاميذه كما تكلم بواسطة بولس الذي قال: أنتم تطلبون برهان المسيح الذي يتكلم في “(42). ويقول عن وحي وقانونية الإنجيل بأوجهه الأربعة: ” بين الأناجيل الأربعة، وهى الوحيدة التي لا نزاع بشأنها في كنيسة الله تحت السماء، عرفت من التقليد أن أولها كتبه متى، الذي كان عشاراً، ولكنه فيما بعد صار رسولاً ليسوع المسيح، وقد أُعد للمتنصرين من اليهود ونُشر باللغة العبرية. والثاني كتبه مرقس وفقاً لتعاليم بطرس، الذي في رسالته الجامعة يعترف به أبناً قائلاً: تسلم عليكم التي في بابل المختارة معكم، وكذا مرقس أبني (1بط13: 5). والثالث كتبه لوقا، وهو الإنجيل الذي أقره (أشرف عليه) بولس، وكتب من أجل المتنصرين من الأمم. وأخر الكل الإنجيل الذي كتبه يوحنا “(43).

(9) المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري (264-340م): أسقف قيصرية وأحد أعضاء مجمع نيقية الذي انعقد سنة 325م. وترجع أهمية كتاباته لكونه أقدم المؤرخين المسيحيين، وهو نفسه يعتبر حجة في تاريخ الكنيسة في عصورها الأولى وكان واسع الإطلاع في كتب الآباء والتي كان لديه منها الكثير جداً واستقى معلوماته منها، ولذا فقد جمع في كُتبه أهم ما كتبه آباء الكنيسة من نهاية القرن الأول إلى بداية القرن الثالث. وقد نقل لنا الكثير من أقوال الآباء في الأناجيل وبقية أسفار العهد الجديد. ويكتب لنا عن وحي وقانونية الأناجيل الأربعة كما يلي: ” أولئك الرجال العظام، اللاهوتيون حقاً، أقصد رسل المسيح، تطهرت حياتهم وتزينوا بكل فضيلة في نفوسهم، ولكنهم لم يكونوا فصحاء اللسان. وكانوا واثقين كل الثقة في السلطان الإلهي الذي منحه لهم المخلص، ولكنهم لم يعرفوا – ولم يحاولوا أن يعرفوا – كيف يذيعون تعاليم معلمهم بلغة فنية فصحى، بل استخدموا فقط إعلانات روح الله العامل معهم وسلطان المسيح الصانع العجائب الذي كان يظهر فيهم، وبذلك أذاعوا معرفة ملكوت السموات في كل العالم، غير مفكرين كثيراً في تدوين الكتب. وهذا ما فعلوه لأنهم وجدوا معونة في خدمتهم ممن هو أعظم من الإنسان. فبولس مثلاً الذي فاقهم جميعاً في قوة التعبير وغزارة التفكير، لم يكتب إلا أقصر الرسائل رغم انه كانت لديه أسرار غامضة لا تحصى يريد نقلها للكنيسة، لأنه قد وصل إلى مناظر السماء الثالثة، ونقل إلى فردوس الله وحسب مستحقاً أن يسمع هناك كلمات لا ينطق بها … لأن متى الذي كرز أولاً للعبرانيين كتب إنجيله بلغته الوطنية، إذ كان على وشك الذهاب إلى شعوب أخرى وبذلك عوض من كان مضطراً لمغادرتهم عن الخسارة التي كانت مزمعة أن تحل بهم بسبب مغادرته إياهم “(44). ” أضاء جلال التقوى عقول سامعي بطرس لدرجة أنهم لم يكتفوا بأن يسمعوا مرة واحدة فقط ولم يكونوا قانعين بالتعليم غير المكتوب للإنجيل الإلهي، بل توسلوا بكل أنواع التوسلات إلى مرقس أحد تابعي بطرس، والذي لا يزال إنجيله بين أيدينا، لكي يترك لهم أثراً مكتوباً عن التعاليم التي سبق أن وصلتهم شفوياً. ولم يتوقفوا حتى تغلبوا على الرجل، وهكذا سنحت له الفرصة لكتابة الإنجيل الذي يحمل اسم مرقس “(45). ” أما لوقا فهو نفسه في بداية إنجيله يبين السبب الذي دعاه إلى كتابته … ودون في إنجيله وصفاً دقيقاً لتلك الأحداث التي تلقى عنها المعلومات الكاملة، يساعد على هذا صداقته الوثيقة لبولس وإقامته معه، ومعرفته لسائر الرسل “(46). ” وبعدما نشر مرقس ولوقا إنجيليهما يقولون أن يوحنا الذي صرف كل وقته في نشر الإنجيل شفوياً، بدأ أخيراً يكتب للسبب التالي: أن الأناجيل الثلاثة السابق ذكرها إذ وصلت إلى أيدي الجميع، وإلى يديه أيضاً، يقولون أنه قبلها وشهد لصحتها، ولكن كان ينقصها وصف أعمال المسيح في بداية خدمته “(47).

(10) القديس أثناسيوس الرسولي (296-373م): بابا الإسكندرية العشرون والمسمى الرسولي لدفاعه البطولي عن جوهر الإيمان المسيحي ومواجهته لكل خصوم عقيدة مساواة الابن للآب في الجوهر. وترجع أهمية قانونه للأسفار المقدسة الموحى بها لأنه يمثل جميع كنائس العالم في ذلك الوقت، إذ كان معترفاً به من جميع الكنائس التي كانت قد وصلت إلى مرحلة من اليقين الكامل والمطلق بقانونية كل أسفار العهد الجديد كما هي بين أيدينا. وهى كالآتي: ” الأناجيل الأربعة التي بحسب متى ومرقس ولوقا ويوحنا. بعد ذلك أعمال الرسل والرسائل (المسماة بالجامعة)، وهى سبع، واحدة ليعقوب واثنتان لبطرس، وثلاث ليوحنا، وواحدة ليهوذا. وإلى جانب هؤلاء يوجد أربع عشرة رسالة لبولس كتبت بالترتيب التالي ؛ الأولى لروما واثنتان لكورنثوس وواحدة لغلاطية وأخرى لأفسس، ثم واحدة لفيلبي، وواحدة لكولوسى، واثنتان لتسالونيكى والتي للعبرانيين، واثنتان أيضا لتيموثاوس، وواحدة لتيطس وأخيراً التي لفليمون، وإلى جانب هؤلاء رؤيا يوحنا “(48).

(11) القانون المدعو الجلاسياني(49): وجاء في القانون المدعو بالجلاسياني والمنسوب للبابا جلاسيوس الخامس (496م) قائمة بأسفار العهد الجديد القانونية السبعة والعشرين القانونية كما تسلمتها الكنيسة من الرسل. وجاء به أيضا قائمة بالكتب الأبوكريفية المحرمة، وأمام كل منها عبارة ” أبوكريفي “. ويفصل القانون بشدة بين الكتب المحرمة والمرفوضة والأسفار القانونية. وأهم ما جاء به بالنسبة لدراستنا هنا هو كالآتي: كتاب دليل (كتاب) الرحلات تحت اسم بطرس الرسول، والذي يسمى الكتب التسعة للقديس أكليمندس، أعمال تحت اسم أندراوس الرسول، أعمال تحت اسم توما الرسول، أعمال تحت اسم بطرس الرسول، أعمال تحت اسم فيليبس الرسول، إنجيل تحت اسم متياس، إنجيل تحت اسم برنابا (غير الإنجيل المزيف الموجود حاليا)، إنجيل تحت اسم يعقوب الأصغر، إنجيل تحت اسم بطرس الرسول، إنجيل تحت اسم توما، الذي يستخدمه المانيين، إنجيل تحت اسم برثولماوس، إنجيل تحت اسم أندراوس، الإنجيل الذي زيفه لوسيان، الإنجيل الذي زيفه هوسيخوس. كتاب عن طفولة المخلص، كتاب عن ميلاد المخلص أو عن مريم أو الأمه، كتاب يسمى الراعي، كل الكتب التي عملها ألفها لوسيان تلميذ الشيطان … رؤيا منسوبة لبولس، رؤيا منسوبة لتوما، رؤيا منسوبة لأستيفانوس، كتاب يسمى عودة القديسة مريم للموطن … هذه وما على شاكلتها من الذي كتبه سيمون الساحر ونيقولاوس وكيرنثوس ومركيون وباسيليدس وأبيون … مونتانوس … فالنتينوس، المانيين “.

(12) قائمة نيسيفوروس(50): وتوجد أيضا قائمة باسم البطريرك نيسيفوروس Necephorus بطريرك القسطنطينية (806 – 818م) والذي ذهب إلى بغداد وهناك وجد العديد من هذه الكتب الأبوكريفية فقرأها وأحصى عدد سطورها. وننقل أهم ما جاء بها عن الكتب الأبوكريفية الخاصة بالعهد الجديد: ” رؤيا بطرس 300 سطر، إنجيل العبريين 2200 سطر، أعمال بولس 3600 سطر، أعمال بطرس 2750 سطر، أعمال يوحنا 2500 سطر، أعمال توما 1300 سطر، إنجيل توما 1300 سطر “. وقد رفضت جميع هذه الكتب الأبوكريفية لأنها جاءت من خارج التسليم الرسولي والكنيسة. كما أنها تمتلئ بالخرافات والأساطير والأفكار الوثنية والأخطاء الدينية والتاريخية 00الخ ونرى أن أحسن طريقة لكشف حقيتها هو نشرها ليقرأها كل واحد بنفسه ليرى الفارق بين العسل والخل كما جاء في الوثيقة الموراتورية.

قانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

أحفاد نوح الستة عشر

احفاد نوح الستة عشر

أحفاد نوح الستة عشر

أحفاد نوح الستة عشر

صفحة: المسيح في التراث اليهودي

عندما خرج نوح وعائلته من السفينة، كانوا الشعب الوحيد على وجه الأرض. أصبحت مهمة أبناء نوح الثلاثة، سام وحام ويافث، وزوجاتهم، إعادة ملء الأرض من خلال الأطفال الذين ولدوا لهم بعد الطوفان. من أحفاد نوح، تمّ تسمية 16 حفيد في سفر التكوين الفصل 10.

 

وقد ترك الله لنا أدلة وافرة للتأكد من أن هؤلاء الأحفاد الستة عشر عاشوا حقا، وأن أسماؤهم التي ذكرها الكتاب المقدس كانت أسماء دقيقة، وانه بعد بابل (تك 11) انتشرت ذريتهم على وجه الأرض وأنشأوا مختلف الدول في العالم القديم.

الأجيال الأولى بعد الطوفان عاشت أعمار طويلة جدا، فبعض الرجال عاشوا عمر كافٌٍ لعايشوا أطفالهما، وأحفادهم، وأبناء أحفادهم.

كان أحفاد نوح الستة عشر هم رؤساء أسرهم، التي تكاثرت جدا لتصبح شعوب كبيرة كل في منطقته. نتيجة لهذا الأمر، العديد من الأشياء حدثت:

  • الناس في مناطق مختلفة أسمت نفسها على اسم الرجل الذي كان سلفهم المشترك أو جدهم المشترك.
  • هؤلاء الناس دعوا أراضيهم، وغالبا مدينتهم الرئيسية والأنهار الكبرى، باسمه أيضا.
  • أحيانا سقطت مختلف الدول في عبادة الأسلاف. عندما حدث هذا، كان من الطبيعي بالنسبة لهم تسمية إلههم على اسم هذا الجد الكبير الذي هو جد كل منهم، أو المطالبة بان يكون هذا الجد الطويل العمر إله لهم.

 

أ- أبناء يافث السبعة:

سفر التكوين 10: 1-2

1 وَهذِهِ مَوَالِيدُ بَنِي نُوحٍ: سَامٌ وَحَامٌ وَيَافَثُ. وَوُلِدَ لَهُمْ بَنُونَ بَعْدَ الطُّوفَانِ. 2 بَنُو يَافَثَ: جُومَرُ وَمَاجُوجُ وَمَادَاي وَيَاوَانُ وَتُوبَالُ وَمَاشِكُ وَتِيرَاسُ.

 

جومر حفيد نوح

حزقيال حدد موقع أوائل أحفاد جومر، جنبا إلى جنب مع توجرمة (ابن جومر)، في أقاصي الشمال: ” 6 وَجُومَرَ وَكُلَّ جُيُوشِهِ، وَبَيْتَ تُوجَرْمَةَ مِنْ أَقَاصِي الشِّمَالِ مَعَ كُلِّ جَيْشِهِ، شُعُوبًا كَثِيرِينَ مَعَكَ. (حزقيال 38: 6).

في تركيا الحديثة وهي مكان في العهد الجديد كان يسمى غلاطية. المؤرخ اليهودي فلافيوس يوسيفوس سجّل أن الناس الذين كانوا يدعون غلاطيين أو الإغريق في يومه (93 م) كانوا يسمون سابقا جومريين.

 

وهم هاجروا غربا إلى ما يسمى الآن فرنسا واسبانيا. لقرون عديدة وفرنسا تسمى بلاد الغال، نسبة لنسل جومر. ويطلق على شمال غرب أسبانيا غاليسيا حتى يومنا هذا. كما هاجر بعض الجومريين كذلك إلى ما يسمى الآن ويلز (wales). مؤرخ ويلز، ديفيس، يسجل اعتقاد الويلزية التقليدية أن نسل جومر وصلوا إلى جزيرة بريطانيا من فرنسا، بعد حوالي ثلاث مائة سنة بعد الطوفان. ويسجّل أيضا أن اللغة الويلزية تسمى جوماريغ (Gomeraeg) (نسبة لسلفهم جومر).

 

استقر أعضاء آخرين من عشيرتهم على طول الطريق، بما في ذلك في أرمينيا. أبناء جومر هم “أشكناز وريفاث وتوجرمة” (سفر التكوين 10: 3). تقول دائرة المعارف البريطانية أن الأرمن تقليديا ادعوا انهم من نسل توجرمة واشكناز. أرمينيا القديمة وصلت إلى تركيا. واسم تركيا ربما يأتي من توجرمة. آخرون منهم هاجروا إلى ألمانيا. أشكناز هي الكلمة العبرية لألمانيا.

 

مأجوج حفيد نوح

وفقا لحزقيال، عاش مأجوج في الأجزاء الشمالية (حزقيال 38:15، 39: 2). يوسيفوس سجّل أن الذي يدعوهم هو بالمأجوجيين، دعاهم الإغريق السكيثيين (scythians). ووفقا لموسوعة بريتانيكا، الاسم القديم للمنطقة التي تضم الآن جزءا من رومانيا وأوكرانيا كان سيثيا (scythia).

 

ماداي حفيد نوح

بالإضافة إلى ابن سام عيلام، ماداي هو، في عصرنا الحديث، سلف الإيرانيين. يقول يوسيفوس أن نسل ماداي كانوا يسمون الميديين من قبل اليونانيين. في كل مرة تمّ ذكر الميديين في العهد القديم، كانت الكلمة المستخدمة هي الكلمة العبرية ماداي (ماداي).

بعد حكم سايروس، الميديين كانوا دائما (مع استثناء واحد) يذكرون جنبا إلى جنب مع الفرس. أصبحوا مملكة واحدة وذات قانون واحد ” 8 فَثَبِّتِ الآنَ النَّهْيَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، وَأَمْضِ الْكِتَابَةَ لِكَيْ لاَ تَتَغَيَّرَ كَشَرِيعَةِ مَادِي وَفَارِسَ الَّتِي لاَ تُنْسَخُ» (دانيال 6: 8، 12، 15). في وقت لاحق، أصبحوا يسمون ببساطة الفرس. منذ عام 1935 سمي بلدهم بايران. الميديين أيضا استقروا في الهند.

 

ياوان حفيد نوح

هي الكلمة العبرية لليونان. اليونان، جريشيا، أو اليونانيين ذكروا خمس مرات في العهد القديم، ودائما الكلمة العبرية ياوان. دانيال يشير إلى “ملك جريشيا” (دانيال 8:21)، حرفيا ‘ملك ياوان “. بنو ياوان في أليشة، ترشيش وكتيم، ودودانيم (تك 10: 4)، وجميعهم لديهم اتصالات مع الشعب اليوناني. والاليشيين (الشعب اليوناني القديم) من الواضح انهم دعيوا كذلك نسبة إلى أليشة. وتقع ترشيش أو طرسوس في منطقة كيليكيا (تركيا الحديثة).

تقول دائرة المعارف البريطانية أن كتيم هو الاسم التوراتي لقبرص. الناس الذين استقروا في البداية في جميع أنحاء منطقة طروادة كانوا يعبدون جوبيتر تحت اسم jupiter Dodonaeus، ربما في إشارة إلى الابن الرابع من جوان، وجوبيتر مشتق من يافث. وكان المحراب له في دودينا. كان الإغريق يعبدون هذا إله إلا انهم دعوت زيوس.

 

توبال حفيد نوح

حزقيال يذكره جنبا إلى جنب مع يأجوج وماشك (حزقيال 39: 1). تغلات فلاسر الأول، ملك آشور حوالي سنة 1100 قبل الميلاد، أشار إلى أحفاد توبال بالتوباليين. سجل يوسيفوس اسمهم باسم التوبيليين، الذين عرفوا فيما بعد باسم ايبيريس.

‘أرضهم، في عصر يوسيفوس، كانت تسمى من قبل الرومان أيبيريا، وغطت ما هو الآن (الدولة السوفيتية السابقة) جورجيا التي لهذا اليوم عاصمتها تحمل اسم توبال” تبليسي”. من هنا، بعد أن عبروا جبال القوقاز، هاجر هذا الشعب إلى الشمال الشرقي، وأعطوا أسم قبيلتهم لنهر توبول، وأيضا إلى المدينة المشهورة توبولسك.

 

ماشك حفيد نوح

وهو الاسم القديم لموسكو. موسكو هي عاصمة روسيا، وأيضا المنطقة التي تحيط المدينة. حتى يومنا هذا، ميشيرا “Meshchera” الأراضي المنخفضة، لا تزال تحمل اسم ماشك، دون تغيير مع مرور الزمن.

7-وفقا ليوسيفوس، أحفاد الحفيد تيراس كانوا يدعون التيراسيين. الإغريق غيروا اسمهم إلى التراسيين. تراسيا كانت تمتد من مقدونيا من الجنوب إلى نهر الدانوب في الشمال إلى البحر الأسود على الجانب الشرقي. يفهم من ذلك، أنها أصبحت ما يسمى يوغوسلافيا اليوم. موسوعة العالم تقول: “كان الناس في تراقيا هندو أوروبيين وحوش، وكانوا يحبون الحرب. وكانوا يعبدون تيراس أو ثور، إله الرعد.

 

ب- أبناء حام الأربعة:

والآن نأتي إلى بنو حام: كوش، مصرايم، بوت، وكنعان

6 وبنو حام: كوش ومصرايم وفوط وكنعان (تك 10: 6).

 

أحفاد حام عاشوا بشكل رئيسي في جنوب غرب آسيا وأفريقيا. الكتاب المقدس كثيرا ما يشير إلى أن أفريقيا هي أرض حام:

*مزمور 23:105

23 فجاء إسرائيل إلى مصر، ويعقوب تغرب في أرض حام

*مزمور 22:106:

22 وعجائب في أرض حام، ومخاوف على بحر سوف

 

كوش حفيد نوح

هو الكلمة العبرية لإثيوبيا القديم (من أسوان جنوبا إلى الخرطوم). بلا استثناء، إن كلمة إثيوبيا في الكتاب المقدس هي دائما الترجمة للكلمة العبرية “كوش”. يوسيفوس سجل الاسم على انه شوس، ويقول إن الأثيوبيين في عصره، كانوا يدعون. أنفسهم وأيضا كان الجميع يدعوهم الشوسيين.

 

مصرايم حفيد نوح

مصرايم هي الكلمة العبرية لمصر. اسم مصر مذكور مئات المرات في العهد القديم و(مع استثناء واحد) هو دائما ترجمة لكلمة مصرايم. مثلا في دفن يعقوب: 11 فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ الْبِلاَدِ الْكَنْعَانِيُّونَ الْمَنَاحَةَ فِي بَيْدَرِ أَطَادَ قَالُوا: «هذِهِ مَنَاحَةٌ ثَقِيلَةٌ لِلْمِصْرِيِّينَ». لِذلِكَ دُعِيَ اسْمُهُ «آبَلَ مِصْرَايِمَ». (سفر التكوين 50:11).

 

بوت حفيد نوح

وهو الاسم العبري لليبيا. وهكذا ترجم ذلك ثلاث مرات في العهد القديم. كان النهر القديم بوت يقع في ليبيا. تم تغيير الاسم إلى ليبيا في عصر دانيال: وَيَتَسَلَّطُ عَلَى كُنُوزِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَعَلَى كُلِّ نَفَائِسِ مِصْرَ. وَاللُّوبِيُّونَ وَالْكُوشِيُّونَ عِنْدَ خُطُوَاتِهِ. (دانيال 11:43). يقول يوسيفوس، “كان بوت أيضا مؤسس ليبيا، ودعا السكان بالبوتيين ويوسيفوس نفسه دعاهم أيضا هكذا.

4- كنعان هو اسم حفيد نوح الرابع من ابنه حام، وهو الاسم العبري للمنطقة العامة التي سميت فيما بعد من قبل الرومان بفلسطين، أي إسرائيل الحديثة والأردن. هنا ينبغي أن ننظر لبعض الوقت في عدد قليل من نسل حام (سفر التكوين 10: 14 – 18):

14 وَفَتْرُوسِيمَ وَكَسْلُوحِيمَ. الَّذِينَ خَرَجَ مِنْهُمْ فِلِشْتِيمُ وَكَفْتُورِيمُ.

15 وَكَنْعَانُ وَلَدَ: صِيْدُونَ بِكْرَهُ، وَحِثًّا

16 وَالْيَبُوسِيَّ وَالأَمُورِيَّ وَالْجِرْجَاشِيَّ

17 وَالْحِوِّيَّ وَالْعَرْقِيَّ وَالسِّينِيَّ

18 وَالأَرْوَادِيَّ وَالصَّمَارِيَّ وَالْحَمَاتِيَّ. وَبَعْدَ ذلِكَ تَفَرَّقَتْ قَبَائِلُ الْكَنْعَانِيِّ.

 

  • هناك فِلِشْتِيمُ، الذي هو كما هو واضح، جد الفلسطينيين (وكما هو واضح، منه اشتق اسم فلسطين).
  • صيدون الذي هو مؤسس المدينة القديمة التي تحمل اسمه.
  • حثّ، بطريرك الإمبراطورية الحثيّة القديمة. أيضا، هذا الجد مذكور في سفر التكوين (10: 15-18) باعتباره الجد من اليبوسيين (كان يبوس الاسم القديم لمدينة القدس-قضاة 19:10)، والاموريين والجرجاشيين والحويين والعرقيين، والسينيين، والارواديين، والصمّاريين، والحماتيين، الشعوب القديمة التي عاشت في أرض كنعان. كان أبرز شخص من نسل نوح هو نمرود، مؤسس بابل (بابل).

 

ج- أبناء سام الخمسة:

آخيراً نأتي إلى أبناء سام:

22 بَنُو سَامٍ: عِيلاَمُ وَأَشُّورُ وَأَرْفَكْشَادُ وَلُودُ وَأَرَامُ. (سفر التكوين 10:22).

 

عيلام حفيد نوح

هو الاسم القديم لبلاد فارس والذي هو في حد ذاته الاسم القديم لإيران. حتى وقت سايروس الناس هناك كانت تسمى العيلاميين، وكانت لا تزال تسمى هكذا حتى في زمن العهد الجديد. فهم مذكورون في سفر أعمال الرسل 2: 9:

8 فَكَيْفَ نَسْمَعُ نَحْنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا لُغَتَهُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا؟

9 فَرْتِيُّونَ وَمَادِيُّونَ وَعِيلاَمِيُّونَ، وَالسَّاكِنُونَ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، وَالْيَهُودِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَبُنْتُسَ وَأَسِيَّا

 

اليهود من بلاد فارس الذين كانوا حاضرين في عيد العنصرة كانوا يسمون عيلاميين. وهكذا ينحدر الفرس من كل من عيلام بن سام، ومن ماداي ابن يافث (انظر في الجزء الثاني). منذ سنة ١٩٣٠ بدؤوا يطلقون على بلادهم اسم إيران.

 

ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ أن كلمة “الآرية”، والتي فتنت أدولف هتلر، هي مشتقة من كلمة ‘إيران’. أراد هتلر إنتاج “عرق” آري نقي من السوبرمانات. ولكن مصطلح “الآرية” يدل خط مختلط من الساميين واليافثيين!

 

أشور حفيد نوح

هي الكلمة العبرية لآشور كانت آشور واحدة من الإمبراطوريات القديمة العظيمة. في كل مرة تظهر عبارة آشور أو الآشورية في العهد القديم، وترجمتها من كلمة أشور. كان أشور معبود من قبل ذريته.

 

“في الواقع، طول فترة استمرار آشور، أي حتى 612 قبل الميلاد، العديد من المعارك، والشؤون الدبلوماسية والنشرات الأجنبية كانت تُقرأ يوميا إلى صورته. وكان كل الملك آشوري يحتاج بإذن صريح من شبح أشور لكي يرتدي التاج الملوكي.”

 

أرفكشاد حفيد نوح

ان أرفكشاد سلف الكلدانيين. هذا ‘ما تؤكده الواح مدينة نوزي الأثرية، والتي تجعل اسم أريب حورا مؤسس الكلدانية.

وفي سفر التكوين الاصحاح العاشر:

24 وأرفكشاد ولد شالح، وشالح ولد عابر.

عابر، أعطى اسمه للشعب العبري:

سفر التكوين الاصحاح 11:

16 وَعَاشَ عَابِرُ أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ فَالَجَ.

17 وَعَاشَ عَابِرُ بَعْدَ مَا وَلَدَ فَالَجَ أَرْبَعَ مِئَةٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ.

18 وَعَاشَ فَالَجُ ثَلاَثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ رَعُوَ.

19 وَعَاشَ فَالَجُ بَعْدَ مَا وَلَدَ رَعُوَ مِئَتَيْنِ وَتِسْعَ سِنِينَ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ.

20 وَعَاشَ رَعُو اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ سَرُوجَ.

21 وَعَاشَ رَعُو بَعْدَ مَا وَلَدَ سَرُوجَ مِئَتَيْنِ وَسَبْعَ سِنِينَ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ.

22 وَعَاشَ سَرُوجُ ثَلاَثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ نَاحُورَ.

23 وَعَاشَ سَرُوجُ بَعْدَ مَا وَلَدَ نَاحُورَ مِئَتَيْ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ.

24 وَعَاشَ نَاحُورُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَوَلَدَ تَارَحَ.

25 وَعَاشَ نَاحُورُ بَعْدَ مَا وَلَدَ تَارَحَ مِئَةً وَتِسْعَ عَشَرَةَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ.

26 وَعَاشَ تَارَحُ سَبْعِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ أَبْرَامَ وَنَاحُورَ وَهَارَانَ.

كان لابن عابر، يقطان، 13 أبناء (تك 10: 26-30)، وجميعهم يبدو أنهم استقروا في شبه الجزيرة العربية.

لود حفيد نوح

لود هو جدّ الليديين كانت ليديا فيما يعرف الآن غرب تركيا. وكانت عاصمتها ساردس (واحدة من سبع كنائس آسيا كانت في ساردس (رؤيا 3: 1):

1 واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في ساردس: هذا يقوله الذي له سبعة أرواح الله والسبعة الكواكب: أنا عارف أعمالك، أن لك اسما أنك حي وأنت ميت

 

آرام هي الكلمة العبرية لسوريا

كلما تظهر كلمة سوريا في العهد القديم هو ترجمة للكلمة آرام. السوريون يطلقون على أنفسهم الآراميين، ويسمون لغتهم الآرامية. قبل انتشار الإمبراطورية اليونانية، كانت الآرامية لغة دولية (2 ملوك 18:26 وما يليها):

26 فقال ألياقيم بن حلقيا وشبنة ويواخ لربشاقى: كلم عبيدك بالأرامي لأننا نفهمه، ولا تكلمنا باليهودي في مسامع الشعب الذين على السور.

على الصليب، عندما صرخ يسوع، “ألوي ألوي، لما شبقتني” (مرقس 15:34)، 13 وكان يتحدث الآرامية، لغة الناس العاديين.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

أحفاد نوح الستة عشر

كيف يأمر المسيح الحنون بذبح أعدائه؟ – القمص عبد المسيح بسيط

كيف يأمر المسيح الحنون بذبح أعدائه؟ – القمص عبد المسيح بسيط

كيف يأمر المسيح الحنون بذبح أعدائه؟ – القمص عبد المسيح بسيط

كيف يأمر المسيح الحنون بذبح أعدائه؟ – القمص عبد المسيح بسيط

أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن املك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي

زعم بعض الكتاب من غير المسيحيين أن المسيح الوديع المحب طلب من تلاميذه أن يذبحوا أعدائه عند قدميه!! متخذين من قوله: ” أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن املك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي ” الذي ورد في مثل العشر وزنات، حجة على أنالمسيحية ديانة قتل ودم وعنف؟؟!!

والسؤال هنا هو: هل هذا ما تعلم به المسيحية؟

وهل كان مثل هذا الأسلوب هو أسلوب الرب يسوع المسيح؟

وهل كان هو ملكاً أرضياً له سلطان على تنفيذ حكم الموت على أحد ليقول مثل هذا القول؟

وهل كان لدى تلاميذه من القوة والسلطان على تنفيذ مثل هذا القول؟!

ولو نفذ الرب يسوع المسيح هو وتلاميذه مثل هذا القول فماذا كان يحدث لهم؟!

والإجابة هي أن المسيحية هي ديانة المحبة والقداسة والكمال وليست ديانة قتل وسفك دماء وليس كما يزعم هؤلاء؛ فيوصف الله في الكتاب المقدس بالمحبة: ” ومن لا يحب لم يعرف الله لان الله محبة ” (1يو4 :8)، وكانت الوصية الجديدة التي أعطاها لنا الرب يسوع المسيح هي: ” وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضا. كما أحببتكم أنا تحبون انتم أيضا بعضكم بعضا ” (يو13 :24).

كما قال أيضاً: ” هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضا كماأحببتكم ” (يو15:12)، وأيضاً: ” بهذا أوصيكم حتى تحبوا بعضكم بعضا ” (يو15 :17). ونادى بمحبة القريب والجار ” تحب قريبك كنفسك ” (مت22 :39)، والتي فسرها في مثال السامري الصالح بأن قريبي هو الذي يصنع معي الرحمة (لو10 :29-37) أيا كان جنسه أو لونه أو دينه. كما قال أيضاً: ” أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم.

وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم ” (يو5:44)، ” سمعتم انه قيل عين بعين وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر. بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضا ” (مت5 :43و44).

والقديس بولس يقول: ” لا تجازوا أحدا عن شر بشر. معتنين بأمور حسنة قدام جميع الناس. أن كان ممكنا فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس لاتنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء بل أعطوا مكانا للغضب. لأنه مكتوب لي النقمة أنا أجازي يقول الرب.فان جاع عدوك أطعمه. وان عطش فاسقه. لأنك أن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه.

لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير “(رو12 :17-21)، ” انظروا أن لا يجازي احد أحدا عن شر بشر بل كل حين اتبعوا الخير بعضكم لبعض وللجميع ” (1تس5 :15)، والقديس بطرس يقول: ” غير مجازين عن شر بشر أو عن شتيمة بشتيمة بل بالعكس مباركين عالمين إنكم لهذا دعيتم لكي ترثوا بركة ” (1بط3 :9).

هذه هي المسيحية وهذا هو تعليم المسيح المحب الوديع والذي يقول عنه الكتاب: ” الذي إذإِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ وإذ تألم لم يكن يهدد بل كان يسلم لمن يقضي بعدل ” (1بط2 :23). وعندما أراد أثنان من تلاميذه أن تنزل نار وتهلك قرية للسامريين بسبب رفضها له ولتلاميذه وبخهما بشدة يقول الكتاب: ” وأرسل أمام وجهه رسلا. فذهبوا ودخلوا قرية للسامريين حتى يعدوا له. فلم يقبلوه لأن وجهه كان متجها نحو أورشليم.

فلما رأى ذلك تلميذاه يعقوب ويوحنا قالا يارب أتريد أن نقول أن تنزل نار من السماء فتفنيهم كما فعل إيلياأيضا. فالتفت وانتهرهما وقال لستما تعلمان من أي روح أنتما. لأن ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس بل ليخلّص ” (لو9 :52-56).

وعندما استل بطرس سيفه وحاول الدفاع عنه عندما جاء رؤساء اليهود ومن معهم للقبض عليه قال له الرب يسوع المسيح: “رد سيفك إلى مكانه. لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون. أتظن أني لا أستطيع الآن أن اطلب إلىأبي فيقدم لي أكثر من اثني عشر جيشا من الملائكة ” (مت26 :52و53).

كما نادى بالكمال: ” فكونوا انتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل ” (مت5 :48)، وكان جوهر العهد الجديد هو القداسة ” لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة ” (أف1 :4)،” بل نظير القدوس الذي دعاكم كونوا انتم أيضاً قديسين في كل سيرة ” (1بط1 :15).

هذه هي المسيحية ديانة الحب والقداسة والكمال والتي لا يمكن توصف بأنها ديانة عنف وسفك دماء كما يزعم هؤلاء الذين يفسرون كلام الكتاب المقدس على هواهموبحسب فكرهم!!

كما أن الرب يسوع المسيح كان في نظر اليهود معلماً ونبياً يلتف حوله الناس ليستمعوا إلى تعاليمه ويتتلمذوا على يديه ولم يكنملكاً أو والياً أرضيا ولم يكن له أي وظيفة أو سلطان دنيوي، وبرغم أنه كان له السلطان على الطبيعة وعلى كل شيء بلا حدود ككلي القدرة، فقد مارس سلطاناً روحياً فقط لأنه جاء ” لكي يطلب ويخلّص ما قد هلك ” (لو19 :10).

وكانت اليهودية تحت الحكم الروماني القوي الذي لم يكن يسمح لأي يهودي باستخدام القوة، بل وكان غير مسموح حتى لمجلس الشيوخ اليهودي، السنهدرين، أن يقضي بقتل أحد، وعندما قال بيلاطس لليهود عن المسيح:” خذوه انتم واحكموا عليه حسب ناموسكم “،وكانوا ينوون قتله قالوا لبيلاطس: ” لا يجوز لنا أن نقتل أحدا ” (يو18 :31). وقد حدث في أيام الرب يسوع المسيح نفسه أن قام بعض الجليليين بثورة ضد الرومان ” خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم” (لو13 :1).

وقد ذكر المؤرخ اليهودي يوسيفوس (36–100م) أحداث عديدة مثيلة بهذا الحادث أنظر:

(J.W. 2.9.2-4 [2.169-177]; Ant. 13.13.5 [13.372-73], 18.3.1-2 [18.55-62]; 18.4.1[18.85-87]).

كما ذكر سفر أعمال الرسل كل من ثوداس ويهوذا الجليلي الذين فعلا مثل ذلك وهلكوا، يقول الكتاب: ” لأنه قبل هذه الأيام قام ثوداس قائلاًعن نفسه انه شيء. الذي التصق به عدد من الرجال نحو أربع مئة. الذي قتل وجميع الذين انقادوا إليه تبددوا وصاروا لا شيء. بعد هذا قام يهوذا الجليلي في أيام الاكتتاب وأزاغ وراءه شعبا غفيرا. فذاك أيضاً هلك وجميع الذين انقادوا إليه تشتتوا ” (أع5 :36و37). أنظر يوسيفوس: Ant. 8.7.5 (8.198), 20.5.2 (20.102).

الآن وبعد هذا العرض؛ هل كان يمكن للرب يسوع المسيح أن يفعل مثل هذا الفعل المزعوم الذي لا يليق لا بسموه وعظمة تعاليمه عن المحبة والقداسة والكمال ولا يتفق مع السياق التاريخي؟!

إذا ماذا كان يقصد المثال؟

والإجابة هي أن الرب يسوع المسيح كان صاعداً إلى أورشليم الصعود الأخير وكان يمهد لاقتراب صلبه وموته وقيامته وصعوده إلى السماء، في حين كان تلاميذه يتوقعون ظهور ملكوتاً أرضياً يسود فيه على جميع الأمم منجبل صهيون في هذا التوقيت، بل وبمجرد وصوله إلى أورشليم، خاصة وأنهم قد فهموا من قوله: ” توبوا لأنهقد اقترب ملكوت السموات ” (مت4 :17)، إن ملكوت الله والذي تصوروا أنه سيكون ملكوتاً أرضياً قد اقترب.

وكان هذا الملكوت في نظرهم، كيهود أصلاً، هو أن يملك المسيح ملكاً أرضياً ويسود على كل العالم من جبل صهيون، لذلك قال لهم هذا المثل ليطرد من ذهنهم فكرة أنه سيكون ملكاً أرضياً وأن هذا الملكوت المتصور بل والمزعوم كان وشيكاً.

وفي هذا المثل يوضح حقيقتين هما: الأولى أن الرب يسوع المسيح سيذهب ويتركهم ولن يقبل أن يكون ملكاً أرضياً، فقد حاول اليهود، بعد إشباع الجموع بخمس خبزات وسمكتين أن يتوجوه ملكاً ولكنه رفض” وأما يسوع فإذ علم إنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكا انصرف أيضا إلى الجبل وحده ” (يو6 :15)، لذا كانوا سيرفضونه ثم يدانون بسبب هذا الرفض.

والثانية هي أن المؤمنين يجب أن يسلكوا بحسب وصاياه ويعملوابالمواهب التي يعطيهم إياها والتي صورها لهم بالوزنات، وبدأ الإنجيل المثل بقوله: ” وإذ كانوا يسمعون هذا عاد فقال مثلا لأنه كان قريبا من أورشليم وكانوا يظنون أن ملكوت الله عتيد أن يظهر في الحال “.

وراح يكمل من خلال المثل عن رفض اليهود له ودينوتهم بسبب ذلك: ” فقال. إنسان شريف الجنس (أي ذو مكانة اجتماعية عالية – كأمير مثلاً) ذهب إلى كورة بعيدة ليأخذ لنفسه ملكا ويرجع “. هذا المثل استوحاه الرب يسوع المسيح من حدث تاريخي حقيقي حدث في أيامه عندما ذهب هيرودس وأرخيلاوس بالفعل إلى روما في ذلك الزمن، كما يذكر المؤرخ اليهودي يوسيفوس(Josephus, Ant., 14:14; 17:9) ليأخذا ملك من قيصر ملك روما فأعطاهما ذلك.

” وأما أهل مدينته فكانوا يبغضونه فأرسلوا وراءه سفارة قائلين لا نريد أن هذا يملك علينا “. وقد حدث هذا بالفعل عندما أرسل شعب أرخيلاوس سفارة (أي مندوبين وسفراء عن الشعب) إلى قيصر شاكين له أعماله الوحشية ورافضين ملكه. وحينمارجع أرخيلاوس من روما أنتقم منهم بالذبح.

ولكن الرب يسوع المسيح هنا يتكلَّم عن اليهود ورؤسائهم ورفضهم أن يملك عليهم كملك سمائي روحي،” إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله” (يو1 :11)،” قال لهم بيلاطس أأصلب ملككم.أجاب رؤساء الكهنة ليس لنا ملك إلا قيصر ” (يو19 :5)، فقد كانوا هم يفكرون في ملك مادي فاني وهو يتحدث عن ملكوته السماوي الأبدي الذي لا يفنى.

ولكن الربيسوع المسيح هنا يشير إلى نفسه وإلى صعوده إلى السماء ومجيئه الثاني في اليوم الأخير، وإلى ما سيحل على اليهود من عقاب إلهي وشيك بسبب رفضهم له وصلبه الذيسيتم تنفيذه على أيدي الرومان وليس على يدي الرب يسوع المسيح.

” فدعا عشرة عبيد له وأعطاهم عشرة أمناء وقال لهم تاجروا حتى آتي “. والمنا الواحد عملة يونانية تساوي 100 دراخمة (درهم)، ربما تساوي خمس جنيهات إنجليزي وربما تساوي أجر ثلاثة شهور خدمة. وقد قصد بهم الرب يسوع المسيح المواهب الروحية التي يجب أن يعمل بها المؤمنين كقول القديس بطرس: ” ليكن كل واحد بحسب ما اخذ موهبة يخدم بها بعضكم بعضا كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة ” (1بط4 :10)،وقول القديس بولس: “فانه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة.

ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد. ولآخر إيمان بالروح الواحد. ولآخر مواهب شفاء بالروح الواحد. ولآخر عمل قوات ولآخر نبوة ولآخر تمييز الأرواح. ولآخر أنواع ألسنة. ولآخر ترجمة ألسنة. ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسما لكل واحد بمفرده كما يشاء ” (1كو12 :8-11).

وعاد الملك بعدما حصل على الملك وجاء يوم الحساب: ” ولما رجع بعد ما اخذ الملك أمر أن يدعى إليه أولئك العبيد الذين أعطاهم الفضة ليعرف بما تاجر كل واحد. فجاء الأول قائلا يا سيد مناك ربح عشرة أمناء. فقال له نعما أيها العبد الصالح. لأنك كنت أمينا في القليل فليكن لك سلطان على عشر مدن. ثم جاء الثاني قائلا يا سيد مناك عمل خمسة أمناء. فقال لهذا أيضا وكن أنت على خمس مدن. ثم جاء آخر قائلا يا سيد هوذا مناك الذي كان عندي موضوعا في منديل.

لاني كنت أخاف منك إذ أنت إنسان صارم تأخذ ما لم تضع وتحصد ما لم تزرع. فقال له من فمك أدينك أيها العبد الشرير. عرفت إني إنسان صارم آخذ ما لم أضع واحصد ما لم ازرع. فلماذا لم تضع فضتي على مائدة الصيارفة فكنت متى جئت استوفيها مع ربا. ثم قال للحاضرين خذوا منه المنا وأعطوه للذي عنده العشرة الأمناء. فقالوا له يا سيد عنده عشرة أمناء.

لاني أقول لكم أن كل من له يعطى. ومن ليس له فالذي عنده يؤخذ منه. أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن املك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي ” (لو19 :11 -27).

ومن خلال هذا المثل يوضح الرب يسوع المسيح لتلاميذه أنه ستكون هناك فترة ليست قصيرة بين تكميل خدمته بصلبه وموته وقيامته وصعوده وبين عودته من السماء ومجيئه الثاني في نهايةالأيام، وهذه الفترة غير معلومة لآلاف بل عشرات أو مئات الآلاف من السنين كما قالالرب نفسه ” ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه” (أع1 :7).

وقد ركز الرب يسوع المسيح على هذه الفترة، فترة ما بين صعوده ومجيئه الثاني، كما شرح لهم حقيقة الملكوت الآتي وما يجب أن يكون عليه المؤمنين فيما بين صعوده ومجيئه الثاني وكيف يكونوا مؤهلين للحياة الأبدية في هذا الملكوت الأبدي.

ومن ثم فهو يشرح للمؤمنين كيف يسلكوا كمسيحيين وكيف يعملوا بمواهبهم الروحية ومكافئتهم كل واحد بحسب عمله، يوم أن يجلس الملك على كرسي الدينونة ليدين الأبرار والأشرار من خلال مثال الذين تاجروا بالوزنات: ” فجاء الأول قائلا يا سيد مناك ربح عشرة أمناء. فقال له نعما أيهاالعبدالصالح. لأنك كنت أمينا في القليل فليكن لك سلطان على عشر مدن. ثم جاء الثاني قائلا يا سيدمناك عمل خمسةأمناء. فقال لهذا أيضا وكن أنت على خمس مدن”.

وعقاب الذين احتفظوا بمواهبهم دون أن يستخدموها، من خلال العبد الذي احتفظ بوزناته دون أن يتاجر بها، فأخذت منه ” خذوا منه المنا وأعطوه للذي عنده العشرة الأمناء “. وعقاب الذين رفضوا المسيح وملكوت الله الذي نادى به.

هذا العقاب الذي كان على وشيك الحدوث، والذي تم فيهم حرفياً أيضاً عندما ثار اليهودضد الرومان، مدفوعين بهوس ديني متطرف جداً، وتصوروا أنهم قادرين على حربهم، بلوهزيمتهم، ولم يحسبوا أي حساب للجيش الروماني القوي الذي كان يحكم على كل دول حوض البحر المتوسط وجزره بقبضة حديدية لم تستطيع الفكاك منها دول كبرى مثل مصر،وتصوروا أنهم قادرين، وهم مجرد ولاية لا يزيد عدد سكانها عن ثلاثة مليون نسمة، علىمواجهته وهزيمته وطرده من بلادهم!!

فجاء هذا الجيش وحاصر أورشليم فيما بين سنة 68 وسنة 70م ودمر المدينة وأحرق الهيكل وأهلك أكثر من مليون نسمة من سكانها، كما يذكر المؤرخ اليهودي يوسيفوس في كتابه” حروب اليهود”، وذلك بسبب الحصار الذي دام حوالي ثلاث سنوات وموت الكثيرون جوعاً وعطشاً وبسبب الأوبئة التي انتشرت في المدينة وما حدث من قتل لعشرات، بل مئات، الآلاف من جنودها وسكانها على أيدي الرومان الذين أحرقوا المدينة والهيكل.

وهكذا تم ما قاله عنهم الربيسوع المسيح متنبئاً بفم الملك المذكور في المثل: ” أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن املك عليهم فأتوا به مإلى هنا واذبحوهم قدامي “. هذا هو قصد المثل ومضمونه وجوهره. 

كيف يأمر المسيح الحنون بذبح أعدائه؟ – القمص عبد المسيح بسيط

لماذا قال المسيح أبي أعظم مني؟ (يو14: 28) القمص عبد المسيح بسيط

لماذا قال المسيح أبي أعظم مني؟ (يو14: 28) القمص عبد المسيح بسيط

لماذا قال المسيح أبي أعظم مني؟ (يو14: 28) القمص عبد المسيح بسيط 

لماذا قال المسيح أبي أعظم مني؟ (يو14: 28) القمص عبد المسيح بسيط

كيف يكون الآب أعظم من الابن وهو الذي أكد التساوي المطلق بين الآب والابن عشرات المرات؟

والإجابة هي بسبب التجسد وإخلائه لذاته من مجده واتخاذه لصورة العبد. يقول القديس بولس بالروح القدس ” فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضا، الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله، لكنه أخلى نفسه أخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس، وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب، لذلك رفعه الله أيضا وأعطاه اسما فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب ” (في5: 211).

 

+ فما معنى قوله بالروح ” الذي إذ كان في صورة الله “؟ 

+ وما معنى قوله ” لم يحسب خلسة أن يكون مساويا لله “؟

+ وما معنى قوله أنه ” أخلى نفسه “؟

+ وما معنى قوله ” أخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس، وإذ وجد في الهيئة كإنسان؟”. 

+ وهل يعني هذا أن المسيح أخلى نفسه من لاهوته ومن مجده وعظمته ومن كونه الإله كلي القدرة والوجود والعلم واصبح مقيدا ومحدودا بحدود الجسد؟ 

 

1 صورة الله ” الذي إذ كان في صورة الله “: 

يستخدم الرسول بالروح في قوله ” الذي إذ كان في صورة الله ” النص اليوناني ” مورفي μορφή morphē ” والذي يعبر عن طبيعة الكيان وشخصه (Marvin R. Vencent’s Word Study in the New Testament Vol. 3 P. 431.)، والذي يشير إلى الظهور الخارجي الذي يوصل للجوهر (Frank A. Gaebelein the Expositors Bible Commentary Vol. 11 P. 123.)، وهنا يُعبر عن الكيان الجوهري لله (Vencent’s Vol. 3 P. 431.)، ولذا فالتعبير ” صورة الله ” في هذه الآية مترجم طبيعة “who existing in the nature of God ” و ” He always had the nature of God ” و ” who, existing in the form of God ” و ” To whom, though himself in the form of God “

ومترجم في NIV ” في نفس طبيعة الله In The Very Nature Of God” أي ” الذي إذ كان في نفس طبيعة الله “(New International Version).

ويسبق قوله ” صورة الله μорφη θεου Morphe Theou ” عبارة ” الذي إذ كان ός εν Hos en “، و ” كان ” هنا ليست في الماضي البسيط، بل في الزمن التام المستمر والذي يعنى هنا الوجود من البدء، أسبقية الوجود، الذي كان موجوداً دائماً، بصفة مستمرة في حالة الاستمرار، مثل قوله ” في البدء كان الكلمة”. ويلي ذلك أيضاً قوله أنه، المسيح، ” مساوياً لله ” الآب. ولا يساوى الله إلا الله، كلمة الله، صورة الله، الذي له نفس طبيعة وجوهر الله. هو الذي كان دائماً ويكون دائماً وسوف يكون أبداً، الأزلي الأبدي، الذي لا بداية له ولا نهاية، كقول الكتاب المقدس ” يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد ” (عب8: 13)، وقول الرب يسوع المسيح عن نفسه ” انا الالف والياء. البداية والنهاية. الاول والآخر ” (رؤ13: 22).

وقوله ” لم يحسب خلسة أن يكون مساويا (isa ισα) لله ” يوضحه ما سبق أن قاله الرب يسوع المسيح لرؤساء اليهود ” أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل ” وفهم رؤساء اليهود من قوله أنه يعمل مثل الله أنه يعنى المساواة المطلقة لله، يقول الكتاب ” من أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه. لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضا إن الله أبوه معادلا (ison ισον نفسه بالله”. وقد استخدم الكتاب في كلتا الآيتين نفس التعبير “مساو أو معادل من الفعل ” أيسوس isos ισος ” والذي يعني مساو أو معادل. 

أي أنه وهو صورة الله المعبر عن الكيان الجوهري للذات الإلهية ” صورة الله غير المنظور ” (كو15: 1)، الذي هو الله، الله الكلمة المساوي لله الآب ” بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته ” (عب3: 1)، لم تحسب هذه المساواة التي له مع الآب خلسة بل هي من صميم ذاته لكنه مع ذلك حجبها في ناسوته متخذا صور عبد.

 

2 أخلى نفسه: 

” لكنه أخلى نفسه أخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس، وإذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب”. فما معني ” أخلى نفسه ” هنا؟ يستخدم الكتاب هنا الفعل اليوناني “ekenosen εκένωσεν ” من الفعل ” kenow κενόω ” والذي يعني يخلي ” He emptied Himself“. وترجمت في بعض الترجمات بمعني ” أصبح بلا شهرة ” made Himself of no reputation “، وترجمتها ترجمة WNT ترجمة تفسيرية: ” Nay, He stripped Himself of His glory, and took on Him the nature of a bondservant by becoming a man like other men“، أي ” جرّد نفسه من مجده وأتخذ لنفسه طبيعة العبد صائرا كإنسان مثل أي إنسان ” مثل قوله ” فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح انه من أجلكم افتقر وهو غني لكي تستغنوا انتم بفقره. ” (2كو8: 9)،

وفسرها الآباء عبر تاريخ الكنيسة بمعنى ” حجب لاهوته، أخفي لاهوته ” في ناسوته، حجب مجده السماوي في ناسوته بإرادته، أفتقر وهو الغني، كما يقول الكتاب، ” من أجلكم افتقر وهو غني لكي تستغنوا انتم بفقره ” (2كو9: 8). وهذا واضح من مخاطبة الرب يسوع المسيح للآب ” مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم ” (يو17: 5).

لقد أخلى الرب يسوع المسيح نفسه بمعنى حجب مجده، فهو مع كونه كلمة الله (يو1: 1)، الله الكلمة، عقل الله الناطق ونطق الله العاقل، صورة الله غير المنظور (كو15: 1)، صورة الله المساوي لله الآب (في6: 2)، بهاء مجد الله الآب ورسم جوهرة (عب3: 1)، ابن الله الوحيد الذي هو في ذات الله ومن ذات الله، ” أخلى نفسه وحجب مجده، أخفي لاهوته في ناسوته، حجب لاهوته في ناسوته، قبل على نفسه الحدود، حدود البشرية، حدود الإنسان المحدود بالزمان والمكان، ظهر في الهيئة كإنسان وهو في ذاته، بلاهوته، صورة الله المساوي لله كلي الوجود، غير المحدود بالمكان أو الزمان! ظهر في زمن معين ” في ملء الزمان ” (غل4: 4)، ومكان معين على الأرض في فلسطين، وهو، بلاهوته، الذي بلا بداية له ولا نهاية! ظهر على الأرض متخذا صورة الإنسان المحدود بالطول والعرض والارتفاع، وهو بلاهوته، الذي لا يحده مكان أو زمان. 

قبل الرب يسوع المسيح تطوعاً وباختياره أن يخلي ذاته بأن يحجب، يخفي، لاهوته في ناسوته، أن يحجب، يخفي، مجده وعظمته، كإله، في إنسانيته التي أتخذها من العذراء القديسة مريم، تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس ” ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة ” (غل4: 4)، أي تجسد، ظهر في الجسد، حل في الناسوت، أخذ جسداً، أتخذ جسداً، ظهر في الجسد، صورة الله أتخذ صورة العبد، يقول الكتاب المقدس: 

” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة … والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة و حقا ” (يو1: 1-4و14).

” وبالإجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءى لملائكة كرز به بين الأمم أومن به في العالم رفع في المجد ” (1تي16: 3).

” فانه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا ” (كو9: 1).

” الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فان الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به ” (1يو1: 1-3).

 

3 الإله المتجسد الذي ينسب ما للاهوته لناسوته وما لناسوته للاهوته (تبادل الخواص والصفات): 

كانت نتيجة إخلائه لنفسه باحتجاب، أخفاء، لاهوته في ناسوته،اتخاذه جسدا، حلول اللاهوت في الناسوت، اتحاد اللاهوت بالناسوت، ظهوره في الجسد، أن أصبح الرب يسوع المسيح إلهاً وإنساناً في آن واحد، الإله المتجسد، له كل صفات اللاهوت وكل خواص الطبيعة الإلهية، باعتباره الإله القدير، وله أيضا كل صفات الطبيعة الإنسانية وخواص الناسوت، الجسد، الإنسان. كان يعمل ويتكلم كإله وفي نفس الوقت يعمل ويتكلم كإنسان، ينسب ما للاهوته لناسوته وما لناسوته للاهوته باعتباره الإله المتجسد، المسيح الواحد. وهذا ما يسمى بتبادل الصفات والخواص Communicattio Idiomatum – The Communication of Attributes، بين اللاهوت والناسوت، أي نسب ماللاهوت للناسوت وما للناسوت للاهوت.

فبحلول اللاهوت في الناسوت، ظهور الله في الجسد، صيرورة الكلمة جسداً، اتخاذ صورة الله لصورة العبد، أتحد اللاهوت بالناسوت منذ اللحظة الأولى للتجسد في رحم العذراء، مثل اتحاد الحديد بالنار، هذا الاتحاد الذي تتخلل فيه النار وتتغلغل في كل ذرات الحديد، ومثل اتحاد الروح بالجسد، في الإنسان، وتغلغلها وتخللها لكل ذرات الجسد، في شخص واحد، هكذا ولد المسيح من العذراء كالمسيح الواحد والأقنوم والواحد هو الإله المتجسد، بطبيعة واحدة متحدة من طبيعتين بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، وبغير انفصال أو افتراق. إله حق، كامل في لاهوته، وإنسان حق، كامل في ناسوته، الإله المتجسد. 

 

4– ولهذه الأسباب قال أبي أعظم مني: 

إذاً فقد قال أبي أعظم مني ليس بسبب اللاهوت إنما بسبب اتخاذه للناسوت فالآب أعظم من الابن كإنسان لا ككلمة الله، بل في حال كونه إنسان عندما وضع نفسه واتخذ صورة العبد، عندما افتقر وهو غني، عندما صار جسداً وحل بيننا. ويشرح آباء الكنيسة عبر تاريخها كالآتي: 

+ يقول القديس هيلارى أسقف بواتييه: ” الابن يمتلك بالطبيعة طبيعة المولود منه. ولكن هذه الطبيعة أخذت صورة الإنسان وضعفه. وبإخلاء نفسه من صورة الله اتخذ صورة عبد. الطبيعة الخالدة لم تتلاشى , بل كائنة فيه , ولكنها أخذت أتضاع الولادة الأرضية. ومارست قوتها في صورة الاتضاح الذي أخذته”.

+ ويقول القديس امبرسيوس ” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة إن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه”. ليس انفصالاً , ولكنه اخذ ما ليس له ” أخذاً صورة عبد”.

+ ويقول أيضاً ” أن ابن الله قد وضع ليس فقط اقل من الآب , وإنما أيضاً اقل من الملائكة … فهل الابن اقل من الملائكة الذين يخدمونه , والذين تحت رياسته؟ ” ليس العبد أفضل من سيده ” (مت 10: 24). كان الملائكة في خدمته بعد تجسده وحتى النهاية. لذلك يجب أن نعترف بأنه تألم دون أن يفقد شيئاً من عظمته , بسبب طبيعته الإنسانية”.

+ ويتساءل: ” كيف يكون هو (الابن) اقل في اللاهوت في حين انه اله حقيقي وكامل. أما من جهة إنسانيته قال أن الآب أعظم منه وهو في شخص الإنسان دعا نفسه دودة لا إنسان قائلاً ” أما أنا فدودة لا إنسان ” (مز 22: 6) وأيضاً ” كشاه تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه ” (اش 53: 7).”. 

+ ويقول القديس هيلارى أسقف بواتييه ” الإله الذي من ذات الله وجد كإنسان في صورة عبد , ولكنه يعمل كإله في معجزاته , كان في نفس الوقت إلهاً كما برهنت أعماله. ومع ذلك كان أيضاً إنساناً , لأنه وجد في صورة إنسان “

 

مسيح واحد أم اثنان؟

مساوي لله الآب أم الآب أعظم منه؟

س: إذ كان المسيح يقول عن نفسه ” أنا والآب واحد “، بمعنى الوحدة الكاملة في الذي الإلهية،

ويقول أيضاً ” أبي أعظم مني “، بسبب التجسد،

فهل هو مسيح واحد أم أثنين، المسيح الإله والمسيح الإنسان؟

وهل توحي تعبيرات المجامع المسكونية والآباء “من طبيعتين” و “في طبيعتين” و “طبيعة متحدة” و”اتحاد” بذلك؟ فالاتحاد لا يتم إلا بين أكثر من واحد! 

 

ونؤكد أن الكتاب المقدس يؤكد لنا بما لا يدع مجالا للشك& أنه ليس هناك سوى مسيح واحد يتكلم كإنسان ويعمل أعمال الإنسان وله جوهر وصفات وطبيعة الإنسان، وفى نفس الوقت يتكلم ويعلم كإله ويعمل أعمال الله، كل أعمال الله، وله جوهر وصفات وطبيعة الله!! دعا نفسه ودعاه الكتاب ” ابن الله وابن الإنسان “، الإله القدير، والله معنا ” عمانوئيل “، الله المبارك، الإله الواحد، الإله القدير، الإله العظيم، الإله الحكيم، الأزلي الأبدي الذي لا بداية له ولا نهاية، وفى نفس الوقت ابن مريم وابن إبراهيم واسحق ويعقوب وابن داود النبي، الذي كان ميتا فعاش والحي إلى ابد الآبدين (رؤ11: 1). 

أنه الإله المتجسد الذي له صفات وخواص وجوهر وطبيعة الله وله أيضا صفات وخواص وجوهر طبيعة الإنسان ومع ذلك فهو المسيح الواحد: 

” لأن معلمكم واحد المسيح ” (مت8: 23).†

” وتكون رعيه† واحدة لراع واحد ” (يو16: 10).

” ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء† ونحن به ” (1كو6: 8).

” رب واحد، إيمان، واحد، معمودية واحدة ” (أف5: 4)†.

” يوجد اله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح ” (1تي5: 2)†.

أنه المعلم الواحد والراعي الواحد بلاهوته وناسوته ؛ وهو الواحد خالق الكون وما فيه ومع أنه الله الخالق وهو الإله المتجسد ” يسوع المسيح “، ويسوع هو اسمه بعد التجسد: 

” فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع ” (مت21: 1).†

” ولدت ابنها† البكر ودعا اسمه يسوع ” (مت25: 1).

” وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه† يسوع ” (لو31: 1).

” ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمي يسوع كما تسمى من† الملاك قبل أن حبل به في البطن ” (لو21: 2).

وكلمة ” يسوع ” تعني ” يهوه يخلص، أي ” الله يخلص “، كما قال الملاك للعذراء ” لأنه يخلص شعبه من خطاياهم”. واسم يسوع يعني في العهد الجديد الله المخلص الذي ظهر في الجسد، الإله المتجسد. واسم ” يسوع ” هو الاسم الوحيد الذي تسمى به الرب يسوع المسيح بعد التجسد.

يسوع هو ” يهوه المخلص “، ويهوه هو الكائن، ويسوع أيضا هو الكائن على الكل ” قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن ” (يو58: 8)، وهو أيضاً المخلص يقول الكتاب عنه ” وليس بأحد غيره الخلاص. لان ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص ” (أع12: 4). وهنا يتبين لنا أن اسم ” يسوع ” هو أسم الرب يسوع المسيح بعد التجسد، اسم الإله المتجسد، المسيح الواحد بلاهوته وناسوته.

واسم يسوع، أيضا، هو محور العلاقة بين الله والناس، ومحور العبادة وأرتبط به كل ما أرتبط باسم الله يهوه في القديم. وصار أسم يسوع أسماً ” فوق كل أسم ” فهو الذي تسجد له كل الخليقة ” لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ” (في10: 2،11). واسم يسوع، كما يقول الكتاب ” فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة وكل اسم يسمى ليس في هذا الدهر فقط بل في المستقبل أيضا ” (أف21: 1،22).

واسم يسوع وُصف في الكتاب بالاسم السامي الذي يفوق كل أسم والذي هو فوق كل أسم، وبرغم تجسده واتخاذه صورة العبد إلا أنه ” جلس في يمين العظمة في الأعالي صائراً أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث أسماً أفضل منهم “، وهو الذي، كما يقول الكتاب، ” تسجد له كل ملائكة الله ” (عب7: 1،8)، لأن الفرق بين الملائكة وبين يسوع هو الفرق بين المخلوق والخالق، كما يقول الكتاب أيضا ” وعن الملائكة يقول الصانع ملائكته رياحاً وخدامه لهيب نار. وأما عن الابن (يسوع) يقول كرسيك يا الله إلى دهر الدهور ” (عب7: 1،8)، هو أعظم من الملائكة لأنه خالق الملائكة ورب العرش، الله الجالس على العرش، لذلك فأسمه أفضل من أي أسم. أنه الغنى الذي أتخذ فقرنا ” أفتقر وهو غنى ” (كو29: 8).

وقد كان ” أسم يسوع ” وسيظل الاسم الذي له المجد والعظمة كما يقول الكتاب ” لكي يتمجد أسم ربنا يسوع المسيح فيكم وأنتم فيه بنعمة إلهنا والرب يسوع المسيح ” (2تس12: 1)، ” وكان أسم الرب يسوع يتعظم ” (أع10: 19)، وما أروع هذا النشيد الذي تغنت به الكنيسة في عصرها الأول مترنمة بالروح القدس: 

” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب مساواته لله اختلاساً لكنه أخلى نفسه أخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب لذلك رفعه الله وأعطاه أسماً فوق كل أسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع هو رب لمجد الله الآب ” (في5: 2-11).

أسم يسوع هو الاسم الذي يفوق كل أسم، المسجود له من جميع الخلائق، رأس كل شيء والخاضع تحت قدميه كل شيء، وهو أيضاً الذي يرسل الملائكة والأنبياء والرسل والمبشرين للإعلان عنه والبشارة والكرازة باسمه وبتعاليمه ووصاياه في كل المسكونة، يقول في سفر الرؤيا ؛ ” أنا يسوع أرسلت ملاكي لأشهد لكم بهذه الأمور عن الكنائس ” (رؤ16: 22)، وقال لتلاميذه ” أذهبوا إلى العالم أجمع وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها ” (مت16: 28)، “وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض ” (أع8: 1). وقال عنه الكتاب: 

” الذي نزل هو الذي صعد فوق جميع السموات لكي يملأ الكل. وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلا والبعض مبشرين والبعض رعاه والبعض معلمين ” (أف10: 4،11).

ويقول القديس بولس بالروح ” وكل ما عملتم بقول أو فعل فأعملوا الكل باسم الرب يسوع المسيح ” (كو17: 3). وفيما يلي بعض الآيات التي تؤكد أن كل ما كان يفعله الرسل ويقولونه كان باسم ” الرب يسوع “: 

† ” فقال لهم بطرس توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس ” (أع38: 2).

” فقال بطرس ليس لي فضة ولا ذهب ولكن† الذي لي فإياه أعطيك باسم يسوع المسيح الناصري قم وامش ” (أع6: 3).

” فليكن† معلوما عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل انه باسم يسوع المسيح الناصري … وقف هذا أمامكم صحيحا ” (أع10: 4). 

” لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن† على الأرض ومن تحت الأرض ” (في10: 2).

وفي كل الأحوال فقد كان اسم يسوع هو اسم المسيح الواحد والرب الواحد والذي لا يميز فيه بين كونه ابن الله وابن الإنسان، وكونه الإله المتجسد الذي له كل ما للاهوت وكل ما للناسوت، الكامل في لاهوته والكامل أيضا في ناسوته، إنما في كل الأحوال هو هو المسيح الواحد، يسوع المسيح ربنا، الرب يسوع المسيح. 

والمسيح أيضا لقبه بعد التجسد، ولكن لقب المسيح مرتبط بكونه ابن الله: 

” فأجاب سمعان بطرس وقال أنت هو المسيح ابن الله الحي† ” (مت16: 16).

” فأجاب رئيس الكهنة وقال له استحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل† أنت المسيح ابن الله ” (مت63: 26).

” بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله “† (مر1: 1).

” وكانت شياطين أيضا تخرج من كثيرين وهي تصرخ وتقول أنت المسيح ابن† الله فانتهرهم ولم يدعهم يتكلمون لأنهم عرفوه انه المسيح ” (لو41: 4).

” ونحن† قد آمّنا وعرفنا انك أنت المسيح ابن الله الحي ” (يو69: 6).

” قالت له نعم يا† سيد أنا قد آمنت انك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم ” (يو27: 11).

“† وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه ” (يو31: 20).

فالكتاب ينسب ما يخص لاهوته لناسوته وما يخص ناسوته للاهوته على السواء لأنه الإله الواحد والرب الواحد والمخلص الواحد والمسيح الواحد، يسوع المسيح ابن الله الحي، أنه الواحد الذي مات على الصليب، وأن كان قد مات كإنسان فالكتاب ينسب ما يخص ناسوته لشخصه الواحد بلاهوته وناسوته.

والكتاب ملئ بالآيات التي تنسب له الألم والموت في الوقت الذي تدعوه فيها ابن الله، والآيات التي تنسب له أعمال الله وصفاته في الوقت التي تدعوه ابن الإنسان: 

قال هو† نفسه ؛ ” أنا هو الأول والأخر، الحي وكنت ميتا وها أنا حي إلى أبد الآبدين ” (رؤ11: 1). والأول والأخر هو الله، الأزلي الأبدي ؛ الذي بلا بداية وبلا نهاية ؛ الحي إلى أبد الآبدين ؛ ولكن الله لا يموت ومع هذا يقول عن نفسه ؛ ” وكنت ميتا “، والموت من طبيعة وخواص الناسوت، الجسد، فهل يتكلم كاثنين؟ كلا، فهو يقول ؛ ” أنا كنت “، ” أنا ” بضمير مفرد وفعل المفرد. أنه ينسب ما للاهوت للناسوت وما للناسوت للاهوت، والناسوت ناسوته، وهو المسيح الواحد. 

قال القديس بولس ؛ “† لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد ” (1كو8: 2). 

وقال أيضا ” لترعوا كنيسة الله† التي اقتناها بدمه ” (أع28: 20). 

أنه يقول أن المصلوب هو رب المجد ذاته الذي لو عرف اليهود حقيقته وأنه ” رب المجد ” لما صلبوه، ويقول أيضا أن الذي سفك دمه هو الله علما بأن رب المجد الله لا يمكن أن يصلب ويسفك دمه ويموت. فالله روح بسيط (يو24: 4)، ونور وساكن في نور ” الذي وحده له عدم الموت ساكنا في نور لا يدنى منه الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه ” (1تي16: 6)، فهو غير مدرك بالحواس، والروح كما يقول الرب يسوع المسيح ” ليس له لحم وعظام ” (لو39: 24)، وبالتالي ليس له دم، فهو غير مركب. 

كما أنه أزلي أبدى، لا بداية له ولا نهاية، حي إلى الأبد ولا يموت. ومع ذلك نسب له الموت وسفك الدم! وهذا ما يختص به ناسوته فقط لكنه نسب ما يخص الناسوت للاهوت لوحدانية المسيح الواحد.

أنه لا يموت ولا يسفك الدم باعتباره الله ولكنه سفك دمه ومات كإنسان، ولم يقل الكتاب ” لأن لو عرفوا لما صلبوا جسد المسيح “، إنما ” صلبوا رب المجد ” ولم يقل كنيسة الله التي اقتناها بدم ناسوته، جسده الذي أتخذه، وإنما ” كنيسة الله التي اشتراها (الله) بدمه”. فالناسوت، الجسد، هو الذي حل فيه اللاهوت بكل ملئه ” فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا ” (كو9: 2)، اتخذه وظهر به على الأرض ” ظهر في الجسد ” (1تي16: 3)، في ملء الزمان، فصار ناسوته، جسده، ونسب كل ما له لشخصه الواحد، الإله الواحد والرب الواحد والمعلم الواحد والمسيح الواحد، الإله المتجسد الذي له كل صفات وخواص اللاهوت وكل صفات وخواص الناسوت! ابن الله وابن الإنسان! الآتي من فوق والمولود من العذراء! الأبدي الأزلي، والمولود في ملء الزمان! الذي بلا بداية وبلا نهاية، والذي بدأ بظهوره على الأرض في ملء الزمان، في بداية محددة هي بداية تجسده في بطن العذراء! الحي الأبدي الذي لا يموت والذي مات على الصليب! 

طلب فيليس† تلميذ المسيح منه أن يرى الآب قائلا: ” يا سيد أرنا الآب وكفانا ” قال له ” أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس الذي رآني فقد رأى الآب، فكيف تقول أنت أرنا الآب؟ ” (يو8: 14-9). لقد رأى فيلبس المسيح من جهة ناسوته فقط، بالجسد، بالرغم من أنه رأى أعماله الإلهية وعجائبه ومع ذلك طلب أن يرى الآب، الله الآب، أراد أن يرى اللاهوت غير المرئي، في جوهره، ونسي تحذير الله لموسى ” لا تقدر أن ترى وجهي لان الإنسان لا يراني ويعيش ” (خر20: 33)، وتأكيد القديس يوحنا بالروح ” الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر ” (يو18: 1)، ” الله لم ينظره أحد ” (1يو12: 4)، وأن الرب يسوع المسيح هو وحده المعلن لذات الآب لأنه ” صورة الله غير المنظور ” (كو15: 1)، ” بهاء مجده وصورة جوهرة ” (عب3: 1)، ومع ذلك وبخه الرب يسوع المسيح بقوله ” أنا معكم زمانا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس؟ الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب؟ ” (يو9: 14)، وهذا ما عبر عنه القديس بولس بقوله ” الله ظهر في الجسد”. لقد رأى فيلبس الرب يسوع المسيح بناسوته، في إنسانيته، ولم يدرك أن اللاهوت حال في الناسوت، محتجب في الناسوت، كما أن لاهوت الآب والابن واحد ” أنا والآب واحد ” (يو30: 10) و ” أنا في الآب والآب في ” (يو10: 14). 

وهنا لم يفصل الرب يسوع المسيح بين لاهوته وناسوته، بل لام فيلبس لأنه طلب رؤية الآب. ومع أنه لم يرى سوى الناسوت الظاهر ولكن الرب يسوع المسيح لامه لأنه هو الله الظاهر في الجسد، ” الله ظهر في الجسد”. لم يقل له أنا معكم زمانا بناسوتى أو ظاهرا كإنسان، إنما قال ” من رآني فقد رأى الآب، وهو هنا لم يتكلم عن نفسه كاثنين بل كمسيح واحد واله واحد. أنه واحد مع الآب بلاهوته لكنه قال أنه، المسيح المتكلم مع فيلبس، والذي رأوه مده طويلة، الإله المتجسد، واحد مع الآب وهو في الآب والآب فيه أي نسب ما يخص لاهوته لناسوته لأنه المسيح الواحد. 

قال لنيقوديموس ؛ ” وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن† الإنسان الذي هو في السماء ” (يو13: 3)، فهو يقول أنه موجود في السماء وعلى الأرض في وقت واحد، هو الذي يملا الكل بلاهوته ” أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب ” (ار24: 23)، يقول ذلك في الوقت الذي كان جالسا فيه يتحدث مع نيقوديموس كإنسان، وكإنسان كان محدود بالمكان والزمان والأبعاد، أنه لم يقل أنه موجود في السماء وعلى الأرض ومالئ الكل بلاهوته غير المحدود وإنما قال ” ابن الإنسان الذي هو في السماء ” وابن الإنسان لقبه بعد التجسد. فهو المسيح الواحد الذي لم يفصل قط بين لاهوته وناسوته. 

وقال لرؤساء اليهود ” قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن (أكون)† (يو58: 8)، ولم يقبل رؤساء اليهود قوله هذا واعتبروه من قبيل التجديف على الله، فكيف يقول لهم أنه كائن قبل إبراهيم، وقد فهموا أنه يقصد أنه الله، ولذلك لما قال هذا حاولوا أن يرجموه كمجدف لأنهم لم يروا فيه سوى ابن مريم الذي من الناصرة (يو59: 8-60؛ مر6: 3). 

وهو هنا يقول أنه ” كائن – يكون “، كان موجودا قبل إبراهيم فهو الأبدي الأزلي، الذي بلا بداية وبلا نهاية، الموجود دائما. ومع أنه بحسب الجسد لم يكن له سوى حوالي 33 سنه إلا أنه الأبدي الأزلي بحسب اللاهوت. ولم يقل أبدا ” أنا كائن قبل إبراهيم بلاهوتي، أو قبل التجسد، بل قال أنا، وأنا هنا ” يسوع المسيح ” الإله المتجسد “أنا ” بلاهوته وناسوته دون انفصال أو تفرقه.

كما خاطب الآب بهذا الأسلوب وهذه الصيغة دون تفريق بين اللاهوت والناسوت قائلا ؛ ” مجدني أنت أيها الآب بالمجد الذي كان لي عند ذاتك قبل كون العالم ” (يو5: 17). ” لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم ” (يو24: 17).

أن ما يتحدث عنه الرب يسوع المسيح يرجع كينونته قبل الخليقة، إلى ما قبل تكوين العالم، إلى الأزل السحيق، اللابداية، ومع ذلك يستخدم ضمير المتكلم المفرد لأنه الإله المتجسد الذي يجمع في ذاته للاهوت والناسوت. 

إذا فالمسيح هو الله وهو أيضا إنسان، ابن الله وابن مريم وابن داود وثمرة صلبه (أع30: 21)، وابن إبراهيم ونسله الموعود (أع25: 3)، هو الإله المتجسد الذي يجمع في أقنومه وذاته اللاهوت والناسوت، فهو كلمة الله وحكمة وقوة الله، الله معنا وهذه حقيقة لاهوته. وهو أيضا ابن الإنسان وهذه حقيقة ناسوته المتحد بلاهوته، أي أنه كإله هو الله ذاته، كلمه الله وصورة جوهره، وكإنسان فهو ابن مريم المولود من أحشائها وهو ثمرة بطنها (لو42: 1). 

ويقول الكتاب بالروح† ؛ أنه ” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب مساواته لله اختلاسا لكنه أخلي نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب لذلك رفعه الله وأعطاه اسما فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبه ممن في السماء ومن على الارض ومن تحت الأرض ” (في5: 2-10).

من هذا النص يتضح أنه “صورة الله غير المنظور ” (في6: 2) و ” المساوي لله “، ” بهاء مجده ورسم جوهره “، هو الله لأن الله غير محدود ولا يسع الكون غيره لذا لا يساويه سوى ذاته. وصورة الله هو الله، ومع ذلك تنازل وتجسد واخذ صورة العبد وهيئة الإنسان واجتاز الموت ثم رفُع في المجد وصار أعلى من السموات (عب26: 7)، وهو الذي تسجد له كل الخليقة في كل الكون ” ممن في السماء ومن على الارض ومن تحت الأرض”. أنه هو ذاته الله المعبود ولكنه اجتاز الموت بعد التجسد وقام من الأموات، والله لا يموت وإنما الجسد الذي اتخذه هو الذي مات، مات كإنسان، ثم رفع في المجد كإنسان، مع أنه الله العلي، ومع ذلك لم يفصل الكتاب بين كونه الله وكونه صار في صورة العبد فقال وضع نفسه وأطاع حتى الموت، ثم رُفع ولم يقل الكتاب أن الموت والرفع هما من خصائص الناسوت وليس اللاهوت ولكنه نسب ما للناسوت للاهوت لوحدانية المسيح الواحد.

قال يوحنا† الإنجيلي بالروح: ” هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (يو16: 3). 

وقال القديس بولس بالروح: “† إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه فبالأولى كثيرا ونحن مصالحون نخلص بحياته (رو10: 5).

وفي كلتا الحالتين يقول الكتاب أن ابن الله، بذل ذاته على الصليب ا، لابن هو الله الكلمة، الذي هو واحد مع الآب في الجوهر، والآب والابن واحد ” أنا والآب واحد ” اله واحد، الآب هو الله والابن هو الله وطبعا الذي مات على الصليب هو المسيح، كإنسان، بناسوته، يقول الكتاب ” مماتا في الجسد ” (1بط18: 3)، ” تألم المسيح لأجلنا في الجسد ” (1بط1: 4)، ومع ذلك قال أن الذي بذل ذاته ومات هو ابن الله الوحيد دون تفرقه بين اللاهوت والناسوت أي نسب ما للناسوت للاهوت لوحدانية المسيح الواحد. 

يقول الكتاب أيضا ” يسوع المسيح هو هو امسا† واليوم وإلى الأبد ” (عب7: 13)، وقوله ” امسا ” يعني منذ الأزل و” اليوم ” يعني الحاضر و” إلى الأبد ” يعنى إلى ما لا نهاية، فهو الأزلي الأبدي، الذي بلا بداية وبلا نهاية. وقوله ” هو هو ” يؤكد عدم التغير، و ” يسوع “، كما قلنا، هو اسمه بعد التجسد وكذلك ” المسيح ” لقبه بعد التجسد، والوجود الدائم من صفات الله، اللاهوت ومع ذلك يصر الكتاب ” هو هو ” تأكيد على وحدانية المسيح، وحدانية أقنوم كلمة الله المتجسد.

” قال الرب يسوع المسيح ؛ ” أنا والآب واحد ” (يو30: 10)،† وقال أيضا ” أبى اعظم منى ” (يو28: 14).

والواحد مع الآب تعنى أنه واحد مع الآب في الذات والجوهر والطبيعة وأن كل ما هو للآب هو للابن، كما قال هو ؛ ” كل ما للآب هو لي ” (يو15: 16)، وأنه متساوي مع الآب، فالابن حتما يساوى أبيه في الطبيعة والجوهر وهذا ما فهمه اليهود عندما دعا نفسه ” ابن الله ” فقالوا ؛ ” قال أن الله أبوه مساويا نفسه بالله ” (يو18: 5). وهذا ما أعلنه الوحي أيضا: ” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون مساويا لله ” (في6: 2)، ولذا نقول في كل صلاة مساوي للآب في الجوهر (قانون الإيمان)، أنه الله ذاته، ولا يساوى الله سوى الله. أنه صورة الله غير المنظور، بهاء مجده ورسم جوهره (عب3: 1)، حكمة الله وقوة الله (1كو34: 1)، لكنه قال: ” أبى اعظم مني “، حقا أن الآب واحد مع الابن في الجوهر وأن الابن مساوي للآب في الجوهر، ولكن لأن الابن أخلي نفسه … وضع نفسه (في7: 2)، افتقر وهو غني (2كو8: 9)، ومن اجل تنازله وإخلاء نفسه وتواضعه صار الآب اعظم منه بالتجسد، لكنه لم يقل ” أنا والآب واحد بلاهوتي ” ولا أبى اعظم من ناسوتي، أو اعظم مني بحسب الناسوت، بل قال ” أنا والآب واحد “، و ” أبى اعظم مني “، ناسبا ما للاهوت للناسوت وما للناسوت للاهوت لأنه مسيح واحد، رب واحد، ابن واحد، اقنوم واحد، الإله المتجسد.

بدأ القديس متى الإنجيل الذي دونه بالروح القدس قائلا† ” كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ” (مت1: 1)، وبدأ القديس مرقس الإنجيل الذي دونه بالروح قائلا ” بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله ” (مر1: 1).

وكلاهما كانا يتكلمان عن مسيح واحد هو ابن الله وابن الإنسان، وكلاهما نقلا عن السيد المسيح تلقيبه لنفسه بهذين اللقبين مرات عديدة وعلي سبيل المثال فقد سجل القديس متي لقب ” ابن الله ” حولي 9 مرات (مت3: 4،6؛29: 8؛33: 14؛16: 16؛63: 26؛40: 27،43،45)، كما سجل القديس مرقس لقب ” ابن الإنسان ” حوالي 14 مرة (مر10: 2،28،31،38؛9: 9،12،31؛33: 10،45؛26: 26؛14: 21،41،16). 

وكما قال الكتاب أن ابن الله بذل ذاته ومات وأن رب المجد صلب وأن الله سفك دمه علي الصليب، قال أيضا أن ابن الإنسان هو الرب والديان وغافر الخطايا كما أنه الحي والذي له الحياة في ذاته، بل في معظم المرات التي ذكر فيها لقب ” ابن الإنسان ” كان يظهر مرتبطا بصفة من صفات اللاهوت: 

فهو غافر الخطايا ” ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانا† على الأرض أن يغفر الخطايا ” (مت6: 9)، ولا يغفر الخطايا إلا الله وحده (لم21: 5).

وهو الرب، رب السبت ” فان ابن الإنسان هو رب السبت أيضا ” (مت8: 12).†

† ورب الملائكة ” يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم ” (مت41: 13).

وهو الذي له المجد والديان الذي يدين المسكونة بالعدل† (أع31: 17) ؛ ” فان ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله ” (مت27: 16).

رب الملكوت ” الحق أقول لكم أن من القيام ههنا† قوما لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيا في ملكوته ” (مت28: 16).

† والمخلص ” لان ابن الإنسان قد جاء لكي يخلص ما قد هلك ” (مت11: 18).

والديان† الجالس على عرش المجد ” فقال لهم يسوع الحق أقول لكم أنكم انتم الذين تبعتموني في التجديد متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون انتم أيضا على اثني عشر كرسيا تدينون أسباط إسرائيل الأثنى عشر ” (مت28: 19).

والآتي على السحاب ” لأنه كما† أن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب هكذا يكون أيضا مجيء ابن الإنسان ” (مت27: 24).

الآتي على السحاب بقوة ومجد ” وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في† السماء وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض ويبصرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير ” (مت30: 24).

” ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة† القديسين معه فحينئذ يجلس

على كرسي مجده ” (مت31: 25).

والجالس عن يمين† العظمة في السماء ” منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسا عن يمين قوة الله ” (لو69: 22).

ورب الملائكة ” وقال له الحق الحق أقول لكم من الآن ترون السماء مفتوحة† وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان ” (يو51: 1).

والكائن في السماء† وعلى الأرض في آن واحد ” وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء ” (يو13: 3).

وصاحب السلطان الديان ” وأعطاه سلطانا† أن يدين أيضا لأنه ابن الإنسان ” (يو27: 5).

وهو معطي الحياة الأبدية ” اعملوا† لا للطعام البائد بل للطعام الباقي للحياة الأبدية الذي يعطيكم ابن الإنسان لان هذا الله الآب قد ختمه ” (يو27: 6).

النازل من السماء ” فان رأيتم ابن الإنسان† صاعدا إلى حيث كان أولا ” (يو62: 6).

وهو الكائن ” فقال لهم يسوع متى رفعتم ابن† الإنسان فحينئذ تفهمون أني أنا هو ” (يو28: 8).

والذي له المجد ” وأما يسوع† فأجابهما قائلا قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان ” (يو23: 12).

والمرتفع “† فأجابه الجمع نحن سمعنا من الناموس أن المسيح يبقى إلى الأبد فكيف تقول أنت انه ينبغي أن يرتفع ابن الإنسان من هو هذا ابن الإنسان ” (يو34: 12).

” فلما خرج† قال يسوع الآن تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه ” (يو31: 13).

والجالس عين† يمين الله الآب ” فقال ها أنا انظر السموات مفتوحة وابن الإنسان قائما عن يمين الله ” (أع56: 7).

من الآيات السابقة نري الرب يسوع يتكلم عن نفسه كابن الإنسان الآتي من السماء والذي هو في السماء في آن واحد، وعن مجيئه الثاني على سحاب السماء وكونه الديان في يوم الدينونة، ملك يوم الدين الذي ” يرسل … ملائكته “، فأن الابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله “، ” لأنه كما أن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب هكذا يكون أيضا مجيء ابن الإنسان … تظهر علامة ابن الإنسان في السماء … ويبصرون ابن الإنسان آتيا علي سحاب السماء بقوة ومجد كثير. فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه من الرياح الأربع من اقصاء المسكونة إلى أقصاها”. 

قال أنه سيأتي بمجد ومع ملائكته وسيجمعون مختاريه من اقصاء المسكونة والجميع سيرونه آتيا علي السحاب. وكل هذه الصفات هي صفات اللاهوت وليست صفات الناسوت، فهو رب المجد ورب الملائكة كما أنه رب الخليقة كلها وديانها، ملك يوم الدين، ومع ذلك نسب صفات اللاهوت للناسوت وقال ” ابن الإنسان آتيا في ملكوته “، فهو الملك السمائي والأرضي، ملك الملوك، ملك الملوك ورب الأرباب (رؤ16: 19). أنه رب العالمين وملك الملوك وملك يوم الدين (رؤ21: 20). 

وعندما سأل الرب يسوع المسيح تلاميذه قائلا: ” من يقول الناس أنى أنا ابن الإنسان؟ ” (مت13: 16)، وجاءت الإجابة علي لسان بطرس بالروح: ” أنت المسيح ابن الله الحي ” (مت16: 16)، مدحه يسوع قائلا: ” طوبي لك يا سمعان بن يونا أن لحما ودما لم يعلن لك ولكن أبي الذي في السموات ” (مت17: 16). 

وكما قلنا أن ابن الله يساوي الله فالابن يساوي أباه في الجوهر والطبيعة، فهو الحي، الأبدي الأزلي، الذي بلا بداية وبلا نهاية، ومع هذا نسب هذه المساواة لنفسه كابن الإنسان! فقد كان سؤاله عن ابن الإنسان. 

كما قال ” أن لابن الإنسان سلطاناً أن يغفر الخطايا علي الأرض ” (لو24: 5)، ولا يغفر الخطايا إلا الله وحده (مر7: 2)، وأيضا ” لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضا أن تكون له الحياة في ذاته ” (يو26: 5)، والابن هنا هو ابن الإنسان ” ,أعطاه سلطانا أن يدين أيضا لأنه ابن الإنسان ” (27: 5)، فالآب حي بذاته لأن الله حي، والابن أيضا هو الحي ومعطي الحياة ” فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس ” (يو4: 1)، والرب يسوع المسيح يقول أنه الحي الديان ” كابن الإنسان ” وهذا لأنه مسيح واحد، الإله المتجسد عمانوئيل الله معنا.

وقال أيضا ” فأن رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا ” (يو62: 6)، وهو لم يأت بناسوته من السماء إنما أخذه من العذراء، ولكنه بلاهوته نزل من السماء، فنسب لناسوته ما يخص لاهوته. 

ومما ذكر يتضح أن الكتاب لم يتكلم عن مسيحين أو اثنين في شخص المسيح وإنما تكلم فقط عن مسيح واحد له صفات وخواص اللاهوت وصفات وخواص الناسوت، تكلم عنه كإنسان كما تكلم عنه كإله، لقب بألقاب الإنسان وقام بأعمال الله وأيضا بأعمال الإنسان. لكن لم يقل الكتاب مطلقا بمسيحين مسيح اله ومسيح إنسان بل مسيح واحد هو اله وفي نفس الوقت إنسان ” يوجد اله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح ” (1تي5: 2).

 

لماذا قال المسيح أبي أعظم مني؟ (يو14: 28) القمص عبد المسيح بسيط

تفسير “صرة المر حبيبي لي بين ثديي يبيت” (نش 1: 13)

تفسير “صرة المر حبيبي لي بين ثديي يبيت” (نش 1: 13)
صفحة : المسيح في التراث اليهودي

تفسير “صرة المر حبيبي لي بين ثديي يبيت” (نش 1: 13)

تفسير “صرة المر حبيبي لي بين ثديي بيبت” (نش 13:1)

تفاسير لآيات مختارة من سفر النشيد.

“صُرَّةُ الْمُرِّ حَبِيبِي لِي. بَيْنَ ثَدْيَيَّ يَبِيتُ.” (نش 1: 13)

 

تلك الآية التي تبدو بسيطة والتي قالتها العروس لعريسها، انما تحكي عن أمور ماضية وحاضرة ومستقبلية، سجلها الوحي لنا لنستخرج منها تعاليم وأسرار.

 

◆ تفسير الجانب اليهودي : (عن الماضي)

العروس في التفاسير اليهودية هي اسرائيل المسئولة من خالقها والذي هو العريس،

هناك تفسيران رئيسيان لتلك الآية
إما أن تكون “صرة المُرّ” هي المرارة التي واجهتها أمة اسرائيل من جيرانها (خطية الأمم) مثل تفسير التلمود، أو تكون المرارة هي التي فعلتها اسرائيل نفسها (خطية اسرائيل) مثل تفسير الترجوم.

أما “بين ثديي يبيت” أي أن العريس ملتصق بها وموجود في حضنها أي في وسطها، في التفاسير اليهودية يشير هذا الى الوجود الإلهي وسط جماعة اسرائيل.

 

+ التفسير الأول في التلمود البابلي

מסכת שבת , דף פח,ב
[א”ר יהושע בן לוי מ”ד (שיר השירים א) צרור המור דודי לי בין שדי ילין אמרה כנסת ישראל לפני הקב”ה רבש”ע אף על פי שמיצר ומימר לי דודי בין שדי
قال الرابي يهوشع ابن ليفي: ما معنى (نش 1: 13) “صرة المُرّ حبيبي لي. بين ثديي يبيت”؟، قالت كنيس اسرائيل أمام القدوس المبارك هو: يا رب العالم، بالرغم من أن حياتي كرب ومرارة، لي حبيبي بين ثديي.]

 

+ التفسير الثاني في ترجوم نشيد الأناشيد

وهي عن خطية عمل اسرائيل للعجل الذهبي، بينما موسى يتلقى الوصايا على جبل سيناء
[בי הוא זימנא אמר ה׳ למשה איזיל חות ארום חבילו עמא פסק מני ואשיצינון בכין תב משה ובעא רחמין מן קדם ה׳ ודכיר ה׳ להון עקידת יצחק דכפתיה אבוהי בטור מוריה על מדבחא ותב ה׳ מרוגזיה ואשרי שכינתיה ביניהון כמלקדמין:
في هذا الوقت قال الرب لموسى، اذهب، انزل لأن الشعب افسد نفسه، اتركني وسأدمرهم، فرجع موسى وسأل رحمة من عند الرب فتذكر الرب لهم (اسرائيل) مربطة اسحاق حيث ربطه ابوه على جبل الموريا على المذبح، فعاد الرب من غضبه وجعل شكينته (الحضور الإلهي) في وسطهم كما كان من قبل.]

 

أيضاً تفسير الرابي شلومة بن يتسحاق (راشي)

[בין שדי ילין. אף לפי שמעלתי בו אמר לשכון שם : בין שדי. בין שני בדי הארון
“بين ثديي يبيت” بالرغم من خيانتي له (اسرائيل وخطية العجل الذهبي)، قال إنه سيسكن هناك. “بين ثديي” بين عصي التابوت.]

 

◆ تفسير الجانب المسيحي (عن الحاضر)

إن كانت سُكنة الله في وسط الشعب بالنسبة لكنيسة العهد القديم تتمثل في تابوت العهد الذي كان في خيمة الاجتماع (وسط محلة اسرائيل) وقت موسى ويشوع او في الهيكل (وسط أرض إسرائيل) وقت سليمان ومن بعده، فإننا كنيسة العهد الجديد نحظى بما هو أعظم، فالله يسكن في وسط كل واحد فينا، هو بين ثديينا يبيت فعلا، هذا قاله الرسول “الا تعلمون روح الله ساكن فيكم”. وعلى مثال التفسير اليهودي فالتفسير المسيحي ينقسم لقسمين

إما أن تكون صرة المُرّ هي المرارة التي تواجهها الكنيسة من الآخرين (خطية الآخرين)، أو تكون المرارة هي خطايا الكنيسة نفسها (خطيتها).

 

+ في التفسير الأول دعوة للتحمَّل، كنيسة العهد القديم دفعت ثمن وجود الرب في وسطها “بين ثديي يبيت” وهذا الثمن كان كراهية كل الأمم حولهم لها وإنتهازهم لأي فرصة يروا فيها ضعفاً في إسرائيل حتى يفنوها، ولهذا كان يعضدهم الرب بقوة عظيمة. لاحظ أن الإضطهاد الذي شعر به اسرائيل لم يكن موضوعا من عند الرب، وإنما سببه كان فساد العالم والذي بدأ يفسد تدريجيا من بعد خطية آدم ولعنة الأرض.

والرب في تلك الحالة لم يكن هو المتسبب في الضيق وإنما المُنقِذ منه. أقرأ ولاحظ في العهد القديم، إنه كلما زاد اضطهاد الشعب “صُرّة المُرّ” وهو في حالة طهارة، زاد عمل الرب معهم وتمجده في وسطهم “بين ثديي يبيت”.

 

بالنسبة لكنيسة العهد الجديد فهي دفعت ومازالت تدفع ثمن وجود الرب في وسطها “بين ثديي يبيت” لأن العالم شرير وموضوع في الشرير (1يو 5: 19)، وهذا الثمن هو كراهية كل من حولها وإنتهازهم أي فرصة لإضطهادها ومحاولة إفنائها ولهذا كان الوعد “أبواب الجحيم لن تقوى عليها” (مت 16: 18)، لأن الرب معضدها وهذا كان وعد المسيح (مت 28: 20).

أي ضيق تشعر به لكونك منتمي للكنيسة هو ليس موضوعا من عند الرب، وإنما سببه هو فساد العالم الذي نحيا فيه، المُلام هنا هو ليس الرب ولكن الإنسان الأول الذي به دخلت الخطية وفسد العالم، الرب هنا هو ليس المتسبب في الضيق وإنما المُنقِذ منه. انظر حولك لترى إنه كلما زاد الاضطهاد ضد الكنيسة وشعبها ” صُرّة المُرّ “، زاد عمل الرب معها وتمجد في شعبه “بين ثديي يبيت”.

 

ينبغي أن نشعر بالخجل عندما نرى حياة المسيح على الأرض، لأن حياة المسيح على الأرض كانت حياة مأساوية بدءاً من ولادته في مزود وحياته التي عاشها دون سقف بيت ونهايةً بموته على الصليب من شعبه الذي كان يشفيه ويعصبه.

الإبن لم يكن مُضطرا للتجسد وإجتياز تلك الآلام -التي هي نتيجة فساد العالم بخطية الإنسان- وإنما فعل هذا بدافع الحب، تألم المسيح طوال حياته ومات ولكنه قام من الموت مُنتصرا، ليعلن لكل واحد فينا إنه مهما زاد الضيق ففي النهاية سيأتي المجد كما قال الرسول (رو 8: 17) “..إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ.”.وفي الحقيقة المسيح سبق وحذر من الضيق الآتي والذي يجب أن نجتازه قائلا (مت 7: 13) “اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ”

 

لاحظ أن المُرّ هو مُرّ ولكن في نفس الوقت هو بالنار يجلب رائحة ذكية، كن واثقا أن أي ألم او اضطهاد تناله بالرغم من مرارته فهو ذات رائحة طيبة أمام الرب. إن كان الرب لا ينسى من يعطي الآخر كوب ماء بارد (مت 10: 42)، فكم بالأحرى من يقدم كرامته أو أمواله أو وظيفته نتيجة بإضطهاد الآخرين !. لابد أن نجتاز المُرّ “صُرّة المُرّ” حتى يتمجد الرب في داخلنا “بين ثديي يبيت”.

 

+ في التفسير الثاني دعوة لعدم اليأس ودعوة للتَطَهُّر، كنيسة العهد القديم كانت كثيرة الزلات “صُرّة المُرّ ” ولا اتكلم هنا عن مجرد خطايا فردية، وإنما خطايا جماعية شملت في بعض الأحيان اسرائيل كلها، فمثلا اسرائيل صنعت العجل الذهبي ونسبت له خلاصها من مصر، أرتكبت اسرائيل الزني مع موآب، ازدرت اسرائيل النبوات وقتلت الأنبياء في وقت المملكتين، نجست هيكلها عدة مرات، وفي كل مرة كان يغضب الرب عليها ولكن غضبه لا يستمر طويلا ويعود ويتمجد في وسطهم بعد أن يتقدسوا “بين ثديي يبيت”.

ولكن جاء الوقت والذي فيه داسوا دم الإبن عندما ازدروه وصلبوه، ومن وقتها انتهى الأمر ولم يعد يتمجد الله في وسطهم (نش 5: 5)، ويحكي التلمود في شهادة قوية إنه منذ سنة 30 م (سنة صلب يسوع) لم يعد الرب يقبل ذبائح هيكلهم، وفسر راشي هذا بأن روح الله قد فارق هيكلهم -أي لم يعد الرب في وسطهم- . وأستمرت فترة التخلي حوالي الألفين سنة حتى الآن!

 

بالنسبة لكنيسة العهد الجديد أي نحن، كل واحد فينا مازال يرتكب خطايا (1يو 1: 8-9)، وحتى الكنيسة في بعض المناطق وفي عصور بعينها أرتكتب زلات كثيرة وكبيرة “صُرّة المُرّ “، ومع هذا لم يترك الرب كنيسته ولازال “بين ثديي يبيت”، ولكن يجب أن تتخذ الكنيسة حذرها لأننا لسنا أعظم من كنيسة العهد القديم ففي الوقت الذي تزدري فيه دم الإبن ستُلاقي نفس المصير.
رو 11: 20-21
حَسَنًا! مِنْ أَجْلِ عَدَمِ الإِيمَانِ قُطِعَتْ، وَأَنْتَ بِالإِيمَانِ ثَبَتَّ. لاَ تَسْتَكْبِرْ بَلْ خَفْ!، لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى الأَغْصَانِ الطَّبِيعِيَّةِ فَلَعَلَّهُ لاَ يُشْفِقُ عَلَيْكَ أَيْضًا!

 

على مستوى الأفراد كلنا نُخطئ، وكلنا في بعض الأوقات نصبح مرارة بالنسبة للرب. مقولة العروس هنا هي دعوة بعدم اليأس، مهما وقعت على الأرض بالخطية، قم وتقدس وستشعر بالرب في وسطك مرة أخرى “بين ثديي يبيت”، مهما أبتعدت عن الله ولو لفترة طويلة، مهما كان نوع المرارة التي قدمتها للرب “صُرّة المُرّ”، تذكر مقولة العروس، تقدس (بالنار يتحول المُرّ لرائحة طيبة) وستجد الرب في وسطك مرة أخرى “بين ثديي يبيت”

مقولة العروس وان كانت تدعو لعدم اليأس فهي أيضا تدعو للتَطَهُّر لإنه إن لم تحرق (بالتوبة) مُرّك، لن تفوح الرائحة الطيبة وفي وقت ما ستجد الرب يتركك لذاتك وشهواتك، عروس النشيد بعدما كانت تتغنى بعريسها وتشتاق له، جاء وقت عليها لم تعد تتمتع بوجوده وأنطلقت تبحث عنه فهو لم يعد بين ثدييها يبيت (نش 5: 5). فلا تيأس ولكن إحذر.

 

◆ تفسير أُخروي عن المستقبل وآخر الأيام.

وعلى جرار التفسيران بالأعلى فهناك تفسيران للآية فيما يخص آخر الأيام

+ التفسير الاول
كنيسة عهد القديم في القديم تعرضت لإضطهاد من الشعوب المحيطة فتمجد الرب وسطها، وفي المستقبل وفي آخر الأيام عندما يجتاز يعقوب “الضيقة العظيمة” والتي هي “صُرّة المُرّ”ّ (ار 30: 7) عندما تجتمع الشعوب لمحوها من الأرض (حز 38: 18)، وبإيمانهم العتيد أن يأتي سيتمجد الرب في وسطهم ويكون لهم إلها ويكونون له شعبا. (ار 30: 8-9) (حز 34: 23-24، 39: 7).

كنيسة العهد الجديد تتعرض لإضطهاد حالي ولكن سيأي وقت تزداد فيه وطأة الإضطهاد وهي فترة “الإرتداد العام”، ولكن كل هذا سينتهي وسيأتي المسيح وسنكون له عروسا ولا نفارقه منذ تلك اللحظة والى الأبد “بين ثديي يبيت”.
يو 14: 3
“وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا”

 

+ التفسير الثاني

مرت العروس بـ3 مراحل متتالية في سفر النشيد ..

  1. فترة إلتحام مع العريس “بين ثديي يبيت” (نش 1: 13) أيضا “أمسكته ولم أرخه” (نش 3: 2)،
  2. ثم فترة تخلي “ما وجدته” (نش 2: 16-17) أيضا “طلبته فما وجدته” (نش 5: 5)،
  3. ثم فترة رجوع “أمسكته ولم أرخه” (نش 3: 2) “أنا لحبيبي وحبيبي لي” (نش 6: 2)

 

أعتقد أن تكرار تلك الثلاث مراحل إنما يشير لحدثان أساسيان في حياة اسرائيل، أولهما هو التحام اسرائيل مع الله منذ بدايته وحتى وقت سليمان وبناء الهيكل، ثم فترة تخلي بسبب ما فعله يربعام بن نباط واسرائيل والتي فيها تم إزدراء النبوة وقتل الأنبياء (فترة المملكتين) وأمتدت فترة التخلي 70 عام (وقت السبي البابلي) ثم فترة رجوع (تبدأ من انقضاء السبعين عام و الأمر بإعادة بناء الهيكل والمدينة).

 

الفترة الثانية وهي تبدأ بفترة التحام اسرائيل مع الله مرة أخرى (تبدأ من الأمر بإعادة بناء الهيكل والمدينة)، وتبعها فترة تخلي بسبب ازدراء اسرائيل لتعليم يسوع وقتله وفترة التخلي دامت ما يقرب من الألفين عاما فيها تشتتوا لبقاع العالم (بدءا من 132 م) وعندما رجعوا الأرض مازالوا لا يستطيعون ان يبنوا الهيكل، وحتى ان استطاعوا فلن يحل فيه المجد الالهي وسيبقى مجرد مبنى حجري، فترة الرجوع ستأتي ولكن عندما يجتازوا الضيق ويعترفون بالمسيح يسوع كونه هو الملك والكاهن حينئذ سيقولون مع عروس النشيد ومع الكنيسة “أنا لحبيبي وحبيبي لي” (نش 6: 2)

لو تأملت نبوة دانيال ستجد إنها تحكي عن الـ3 مراحل الأخيرة بشكل عجيب (دا 9: 24)
مرحلة الإلتحام -والتي بدأت بأمر بناء المدينة- (دا 9: 25)، ثم فترة تخلي -بعد قتل المسيح البرئ- (دا 9: 26)، ثم فترة رجوع وهي بعد انقضاء اسبوع من السنين من وقت ايمانهم بالمسيح (دا 9: 27) يأتي البر الأبدي (دا 9: 24).

تفسير “صرة المر حبيبي لي بين ثديي يبيت” (نش 1: 13)

بطل بيت لحم الأول والثاني – داود النبي والرب يسوع المسيح

بطل بيت لحم الأول والثاني – داود النبي والرب يسوع المسيح

بطل بيت لحم الأول والثاني – داود النبي والرب يسوع المسيح

بطل بيت لحم الأول والثاني – داود النبي والرب يسوع المسيح

يسرد لنا العهد القديم عن بطل بيت لحم ، داود الملك بن يسى ، داود الملك قتل جليات الجتي (1صموئيل 17)

لاحظ تفسير الأسامي ،داود بن يسى تعني المحبوب ابن الكائن ، جليات تعني المنفي .

“يسى” (ישׁי) يعني “الرب موجود” ،وهو اسم الله ، فالله اختار لنفسه ذلك الاسم (خروج 3: 15-14) .

“داود بن يسى” (דוד בן ישׁי) يعني المحبوب ابن الكائن وهو اسم المسيح ابن الله . فالمحبوب هو من اسماء المسيح من قبل حتى ان يجئ للعالم (امثال 8: 30) (اشعياء 42: 1) ، بل واعلن الله نفسه عن ذلك في المعمودية (متى 3: 17)، (كولوسى 1: 13).

“جليات” (גלית) تعني المنفي وهو اسم إبليس ، فالله قد نفاه بعدما تكبر (اشعياء 14: 12-15) ، نفاه من السموات مكان الملائكة وإلى الهواء (بين السماء والارض) ولهذا قيل عنه انه رئيس سلطان الهواء (افسس 2: 2) .

البُعد التاريخى : جليات كان ضخما ومسلحا وكان يخشاه كل إسرائيل (1صموئيل 17: 24) ، لم يستطع احد منهم ان يواجهه ويحاربه ، نزل داود (بطل بيت لحم) بن يسى وقتل هذا العملاق بخمس حجرات (آية 40) ولم يكن بيده سيفا (آية 50) ، استخدم داود سيف جليات نفسه في قتله (آية 51) . فتجرأ شعب إسرائيل وهتفوا وذهبوا للقضاء على الفلسطينين (آية 52) .

البُعد النبوى : إبليس العظيم المسلح باسلحة المكر والخديعة والذى يخشاه البشر ، لم يستطع احد ان يواجهه ويحاربه ، فنزل المسيح (بطل بيت لحم الاعظم) ابن الله وانتصر على هذا العملاق ، وهو لم يكن يستخدم قوته اللاهوتية ضده (متى 26: 53-54) ، استخدم هو الخشبة (التي استخدمها إبليس لايقاع آدم اي شجرة معرفة الخير والشر) وبالخشبة انتصر على إبليس (شجرة الصليب) (عبرانيين 2: 14) . فنلنا نحن المؤمنين الحرية والجرأة واصبح لنا السلطان ان نغلب الشياطين روحيا (رسالة يعقوب 4: 7).

البُعد النبوى الآخر : ان كان المسيح فى مجيئه الاول انتصر على إبليس وجنوده بأن يحرر الناس من سلطانه ، فى مجيئه الثانى سينتصر على إبليس مرة اخرى بأن يرميه فى بحيرة النار والكبريت إلى الابد (رؤيا 20: 10).

بطل بيت لحم الأول والثاني – داود النبي والرب يسوع المسيح

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

المسيح إتصلب – إزاي بعد 600 سنة المسلمين يقولوا “شبه لهم” – الجزء الأول

 

تفسير ليقبلني بقبلات فمه (نش 1: 2)

تفسير ليقبلني بقبلات فمه (نش 1: 2)

تفسير ليقبلني بقبلات فمه

صفحة: المسيح في التراث اليهودي

تفاسير لآيات مختارة من سفر النشيد.
” لِيُقَبِّلْنِي بِقُبْلاَتِ فَمِهِ..” (نش 1: 2)

تلك الآية التي تبدو بسيطة والتي قالتها العروس وهي تنتظر بشوق قبلات العريس ، انما تحكي عن أمور ماضية وحاضرة ومستقبلية ، سجلها الوحي لنا لنستخرج منها تعاليم وأسرار.


◆ تفسير الجانب اليهودي : (عن الماضي)
التفسير اليهودي يقوم على أن العريس هو الله والعروس هي كنيس اسرائيل ،وسنأخذ مثالين

1- مدراش رباه للنشيد 1: 13
[רבי יהושע בן לוי ורבנין רבי יהושע אומר: ב’ דברות שמעו ישראל מפי הקב”ה, ‘אנכי’ ו’לא יהיה לך’; הה”ד: ‘ישקני מנשיקות פיהו’ ולא כל הנשיקות. ורבנין, אמרין: כל הדברות שמעו ישראל מפי הקב”ה

الرابي يهوشع بن ليڤي والربوات (معه)، الرابي يهوشع قال: أمران سمعهما اسرائيل من فم القدوس المبارك هو (الرب) ، “أنا الرب إلهك..” (خر 20: 2) و “لا يكون لك آلهة أُخرى أمامي” (خر 20: 2) ، هذا هو المكتوب “ليقبلني بقبلات فمه” (نش 1: 2) ، ليس -مكتوبا- كل القبلات ، لكن الربوات قالوا: كل الأوامر سمعها اسرائيل من فم القدوس المبارك هو (الرب).]

2- تفسير الرشبام (نش 1: 2)
[ודמיון זה על התורה שנאמרה לישראל פה אל פה.
وهي تشبيه للتوراة التي قيلت لاسرائيل فم لفم (شفاهةً)]

آية للتأمل : “من وصية شفتيه لم أبرح” (ايوب 23: 12)


◆ تفسير الجانب المسيحي (عن الحاضر)
التفسير المسيحي يفسر أن العريس هو الله والعروس هي كنيسة الأمم (كنيسة العهد الجديد) ، وسنعرض تفسيرين.

1- تكلم اليهود عن الماضي وعن تلقي الوصايا في سيناء من فم الله مباشرة ، بينما نحن كنيسة العهد الجديد نتكلم عن الحاضر وكيف تلقينا ومازلنا نتلقى القبلة من الله ، ولا نستطيع أن نفهم الحاضر إلا عندما نتعمق في الماضي، قديما عندما سمع اليهود الوصايا من فم الله لم يحتملوا أن يسمعوا (لأن الله تكلم بمجد عظيم) وترجوا موسى أن يكون هو الكليم أو الوسيط بينهم وبين الله ، فنقل موسى كل ما سمعه من الله لهم (خر 20: 19)…

هذا الحدث يحمل معنى نبوي ، فموسى كان يرمز للمسيح الذي في ملء الزمن أتى ، وألقي الكلمة مباشرة الى اليهود بشكل يستطيعوا أن يحتملوه (لأن المسيح هو الله متجسدا دون المجد) . ولأن موسى في ذلك الحدث كان يرمز للمسيح وسيط العهد الجديد ، كانت النبوة العظيمة الى موسى بأن شخصا مثله سيأتي (تث 18: 18) ، والمقصود ، أنه سيأتي شخص يكون وسيط بين الله والناس (1تي 2: 5) وهو سيتكلم بكلمة الله الى الجميع (تث 18: 18 ، يو 12: 50)، هذا هو المسيح يشوع ، الله نفسه متجسداً للناس.

فلا نستعجب إذن عندما نرى الوحي يقول أن المسيح “فتح فاه قائلا” وكأن الوحي يذكرنا بأن هذا هو العريس الذي طالما انتظرت البشرية قبلاته.

الكنيسة في أوائلها تلقت الكلمة مباشرة من فم الله عن طريق المسيح ، وعندما مات المسيح وقام ثم صعد فإن الكلمة مازلنا نتلقاها من فم الله حتى الآن عن طريق الروح القدس ، هذا أعلنه المسيح عندما قال “الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم .. يذكركم بكل ما قلته لكم” (يو 14: 26).

2- “ليقبلني بقبلات فمه لأن حبك أطيب من الخمر” الشق الأول مبني للمجهول لأن العروس (الكنيسة) تتكلم مع الله الآب (غير المرئي-خر 33: 20-) والشق الثاني مبني للمعلوم لانها تتكلم الآن مع الله الإبن (المرئي -يو 1: 18-) . ، القبلة هي علامة للحب وقد حصلت الكنيسة على القبلة وقت موت المسيح على الصليب فاتحاً ذراعيه ، “لإنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد” (يو 3: 16) ، وكما قال المسيح “ليس حب أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه” (يو 15: 13).

آية للتأمل : يوحنا المعمدان قال “من له العروس فهو العريس” (يو 3: 29)

 


◆ تفسير أُخروي عن المستقبل وآخر الأيام.

“ليقبلني بقبلات فمه” القبلة هي علامة القبول ، اشتياق العروس للقبلة هو اشتياق كل نفس بشرية للتواصل مع خالقها (العريس المسئول عنها) ، وبالرغم من هذا ليس الكل يتواصل معه ، ليس الكل يتحد به ويأخذ من كلماته وتعاليمه، كما أن القبلة ما بين العريس والعروس هو شئ بديهي ، هكذا التواصل بين الإنسان والله لإنه بدونها لن تكون هناك شراكة أو علاقة حقيقية، ومن لم ينال الشراكة مع الله فهو لم ينال بعد العفو ولا يزال مُدان.

كان هدف المسيح في مجيئه الأول تقديم العفو وليس الإدانة (يو 3: 17) ونالت الكنيسة منه العفو ، وأما من هو خارج الكنيسة فهو معرض للدينونة في أي وقت عندما يأتي المسيح مرة أخرى في مجيئه الثاني (مجئ الدينونة) عندما يأتي في كامل مجده. على كل إنسان الآن أن يسلك مسلك عروس النشيد ويطلب قبلات الله لينالها فتحيا نفسه . وإلا فهو ينال من غضب الله ، هذا أعلنه الوحي مُحذراً في مزمور لداود “قبلوا الإبن لئلا يغضب” (مز 2: 12).

نلاحظ أن كلمة “الإبن” في تلك الآية وردت بشكل غير تقليدي (בר) فهي كلمة غير عبرية وإنما آرامية وهي اللغة التي كانت تتكلم بها الشعوب حول اسرائيل ، وكأن الوحي يعلن في تلك الآية أن الغضب عندما يأتي لن يكون الإبن كاهناً يهودياً (كما كان في المجئ الأول) وانما سيكون الإبن ملكاً عالمياً لينال حكم الأرض كلها، وحينها سيظهر الغضب على من لم يقبله وهذا سيحدث في المجئ الثاني).

مز 2: 12
[قَبِّلُوا الابْنَ لِئَلاَّ يَغْضَبَ فَتَبِيدُوا مِنَ الطَّرِيقِ. لأَنَّهُ عَنْ قَلِيل يَتَّقِدُ غَضَبُهُ..]
يو 3: 34-36
[لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللهُ (الآب أرسل الإبن) يَتَكَلَّمُ بِكَلاَمِ اللهِ…وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ».]

تفسير ليقبلني بقبلات فمه (نش 1: 2)

المسيح في قصة تمرد قورح

المسيح في قصة تمرد قورح

 

المسيح في قصة تمرد قورح

صفحة : المسيح في التراث اليهودي

 

تلك القصة رغم بساطتها لكنها غنية جدا ، فيها نرى صورة المسيح واضحة كالشمس ، وفيها نرى مقياسا واضحا لتبيان صدق مُدعي المُلك أو الكهنوت، ندعوكم لقراءة الموضوع بتأني.

 

فهرس للموضوع :

1- ترتيب قصة قورح وأتباعه.
2- كهنوت هارون وكهنوت المسيح.
3- مُلك موسى وملك المسيح.
4- الحكمة من الترتيب وعلاقته بآخر الأيام.
5- إختلاف بيّن ومقارنة واجبة.

 

❶ ترتيب قصة قورح وأتباعه.

(عدد 16: 3)
فَاجْتَمَعُوا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ وَقَالُوا لَهُمَا: «كَفَاكُمَا! إِنَّ كُلَّ الْجَمَاعَةِ بِأَسْرِهَا مُقَدَّسَةٌ وَفِي وَسَطِهَا الرَّبُّ. فَمَا بَالُكُمَا تَرْتَفِعَانِ عَلَى جَمَاعَةِ الرَّبِّ؟».

قصة قورح وأتباعه تقرأها في سفر العدد (16، 17) ، في تلك القصة تمرد قورح ومن معه على رئاسة موسى عليهم وكهنوت هارون الحصري. في تلك القصة حدثت سلسلة من الأحداث الهامة سنوجزها في بضعة نقاط بحسب اليوم.

أ- حدث تمرد كبير وفيه قورح وهو من سبط لاوي وقد أنضم له بعض اللاويين وعدد من سبط رأوبين (المجاور لمسكنه) ،تمردا على موسى وهارون.

بـ- اليوم الأول ما بعد التمرد فيه ابتلعت الأرض قورح وما له ، وابتعلت النيران المئتان وخمسون تابع له (عد 16: 31-35)

جـ- اليوم الثاني ما بعد التمرد فيه تمرد اسرائيل على موسى وهارون لسبب القتلى وفيه حدث وبأ لإهلاك الشعب ، فوقف هارون كشفيع وتوقف الوبأ (عد 16: 47-48) ، وأمر الرب بتقديم عصا عن كل سبط يكتب عليها اسم رئيس السبط ، وعن سبط لاوي يكتب اسم هارون ثم توضع العصي في الخيمة.

د- اليوم الثالث ما بعد التمرد فيه أفرخت عصار هارون وأمر الرب بأن توضع تلك العصا داخل الخيمة.

 

❷ كهنوت هارون وكهنوت المسيح.
هارون كان له دوران هامان في تلك القصة ، أولا كان شفيعا لإسرائيل وقت الوبأ إذ وقف بين الأحياء والموتى وقدم البخور فتوقف الوبأ ، وإثباتا لصحة كهنوته أمر الله بتقديم عصيان من خشب عن كل سبط ، ليوضع عليها اسم كل رئيس للسبط ، وعن سبط لاوي أمر أن يُكتب اسم هارون. وكأن كل عصا كانت تمثل شخصا ،وفي اليوم التالي وهو الموافق لليوم الثالث من بعد التمرد ، أفرخت عصا هارون وأخرجت زهراً.

 

توضيح : العصا هي عبارة عن خشبة قطعت من شجرة ، بعد أن تقطع الخشبة من الشجرة تفرغ ما فيها من ماء ، ومن بعد مرور الوقت تموت الخلايا في تلك الخشبة وتصبح كجماد ومهما وضعتها في أي أرض طينية فهي لن تُخرج ورقا أو تنبت مرة أخرى.

 

ما فعله هارون وطريقة إثبات كهنوته إنما تحمل معنى نبوي عظيم عن المسيح أيضا عندما أتى كاهنا للعالم.

دور هارون الشفاعي والذي فعله وقت الوبأ هو ما فعله المسيح وهو في القبر يوم السبت ، فهو نزل الى الجحيم وفصل ما بين الأرواح التي تستحق (التي ستحيا حياة ابدية) والتي لا تستحق (ستموت موت أبدي) وهذا بسبب دوره الشفاعي الذي أداه على الصليب. ومن جهة أخرى ، ففي اليوم التالي (يوم الأحد) والموافق لليوم الثالث لتمرد اليهود وصلبهم إياه ، قام المسيح الغصن من الموت مُنتصراً ، معلنا عن صحة كهنوته.

للتوضيح : كثيرا ما قال الأنبياء عن المسيح القادم انه سيكون غصن (اش 4: 2 ، اش 11: 1 ، ار 23: 5 ، ار 33: 15 ، زك 3: 8) وورد ان الغصن سيكون اسمه (زك 6: 12) ، بالفعل اتى المسيح من الناصرة ودُعي بيسوع الناصري وترجمتها (يسوع الغصني).

من وقت خدمة الغصن أي المسيح ، لم يعترف اليهود بكهنوته واتهموه قائلين “بأي سلطان تفعل هذا” (مت 21: 23) واتهموه بالمجدف عدة مرات (مت 26: 65) وطلبوا أخيرا أن يقتلوه لسبب تجديفه (يو 11: 49-50) .وبالفعل تمرد اليهود وصل لقمته يوم الفصح عندما قدموه للصلب. لاحظ أن دانيال بالنبوة عندما كتب عن موت المسيح قال (دا 9: 26)

“يُقطع المسيح وليس له”، كأنه يتكلم عن غصن قُطِع من الأرض ، وهذا ما أعلنه اشعياء النبي بوضوح “قُطِع من أرض الأحياء”. والعجيب إنه في اليوم الثالث لتمردهم (الصلب) قام هذا الغصن الميت من الموت. كعصا هارون الكاهن التي أفرخت وانتجت زهراً. قيامة المسيح من الموت تحمل معنى كبير بالنسبة لأي شخص يحفظ التوراة ، فهي إعلان بصحة كهنوت المسيح.

لاحظ أن يوم قيامة المسيح (16 نيسان) قد وافق عيد الباكورة (لاويين 23: 10-11) في هذا اليوم يُعطَى الكاهن اول انتاج الارض (باكورة الارض) من النبات، فالشخص اليهودي يقطع الحزمة من الارض ويعطيه للكاهن، والكاهن يمسك الحزمة ويهزها في الهواء -وكأن النبات مازال حيا-.

 

❸ مُلك موسى ومُلك المسيح.
بسبب شك المتمردين في رئاسة موسى ، قال موسى بأن يقدم قورح وتابعيه مجامرهم في مقابل موسى وهارون أمام خيمة الاجتماع ، وعندما فعلوا هذا في اليوم التالي تراءى مجد الرب ، ابتلعت الأرض قورح وما له ، وابتلعت النيران أتباعه .

ما حدث في إثبات رئاسة موسى إنما يحمل معنى نبوي عظيم عن المسيح عندما سيأتي ملكا للعالم ، الآن قارن ما ورد في تلك القصة مع ما سيحدث في آخر الأسام وبالتحديد في حرب جوج وماجوج (حز 38 ، 39)

• التمرد حدث في وسط محلة اسرائيل (عد 16: 3) ، التمرد الأخير سيكون على أرض اسرائيل (حز 38: 8 ، 39: 2)
• التمرد كان ضد رئاسة موسى (عد 16: 13) ، التمرد سيكون ضد رئاسة المسيح (مز 2: 2-3).

• ابتلعت الأرض المتمردين (عد 16: 31-33) ، وكذلك ستبتلع الأرض المتمردين (حز 39: 11 ، رؤ 12: 13-16)
• ابتلعت النيران التابعين (عد 16: 35) ، وكذلك ستبتلع النيران التابعين (حز 39: 6)
• تم اعادة استخدام أدوات تمردهم وهي المجامر (عد 16: 36-40) ، وكذلك ستُستخدم أدوات تمردهم وهي الأسلحة (حز 39: 9-10)

 

❹ الحكمة من الترتيب وعلاقته بآخر الأيام.

كنيسة العهد الجديد تعرفت على كهنوت المسيح أولاً وهذا عندما قدم المسيح ذاته ذبيحا مقبولا عن جميع الناس على الصليب ، وبعدها ستتعرف على مُلك المسيح عندما يأتي في مجيئه الثاني. ولكن كنيسة العهد القديم لن تتعرف على المسيح بهذا الترتيب وإنما بالترتيب الذي سبق وحدث معهم عندما تمردوا على موسى وهارون.

نلاحظ أن إثبات رئاسة موسى وعقاب المتمردين حدث قبل إثبات كهنوت هارون لليهود وهذا هو الترتيب الذي سيحدث في المستقبل بالنسبة لليهود. فاليهود سيتعرفوا على مُلك المسيح أولاً ثم كهنوته بعدها. عندما يتعرف اليهود على مُلك المسيح سيتذكرون أن هذا هو من سبق ورفضوا كهنوته. هذا أعلنه زكريا النبي بالروح

زكريا 12: 9-10
وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنِّي أَلْتَمِسُ هَلاَكَ كُلِّ الأُمَمِ الآتِينَ عَلَى أُورُشَلِيمَ.
وَأُفِيضُ عَلَى بَيْتِ دَاوُدَ وَعَلَى سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ رُوحَ النِّعْمَةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ، وَيَكُونُونَ فِي مَرَارَةٍ عَلَيْهِ كَمَنْ هُوَ فِي مَرَارَةٍ عَلَى بِكْرِهِ.

(لاحظ أن زكريا النبي تكلم عن شقين ، الأول هو غلبة الشعوب القادمة لهلاك أورشليم -وفي هذا إثبات لمُلك المسيح- والثاني هو تميز اليهود لكهنوت المسيح وفدائه الذي قدمه على الصليب.

بحسب بعض اليهود المسيانيين ، سيتعرف اليهود على مُلك المسيح في اليوم الموافق لعيد البوق (1 تشري) ، وسيتعرفوا على كهنوت المسيح في اليوم الموافق لعيد الكفارة (10 تشري).

 

❺ إختلاف بيّن ومقارنة واجبة.

ملحوظة 1: نلاحظ أن إثبات كهنوت هارون لم يصاحبه دينونة الهية بل خلاص الهي (وهو توقف الوبأ). بينما إثبات رئاسة موسى صاحبها دينونة الهية على المتمردين (انشقاق الأرض ونزول النيران).

وهذا شبيه بالمسيح أيضا ، كهنوت المسيح (منذ حوالي الألفي عام) لم يصاحبه دينونة على الأشرار المتمردين بل خلاصا ، بينما مُلك المسيح الآتي سيصاحبه دينونة على الأشرار المتمردين ،

يو 3: 17
لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ.

2تي 4: 1
أنَا أُنَاشِدُكَ إِذًا أَمَامَ اللهِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْعَتِيدِ أَنْ يَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ، عِنْدَ ظُهُورِهِ وَمَلَكُوتِهِ.

 

ملحوظة 2: مقياس صدق كهنوت هرون حدده الله نفسه (أمر الله بأن يحضر كل سبط عصا واحدة ، ثم أفرخت عصا هارون وحدها) ، بينما مقياس صدق رئاسة موسى (وهو هلاك المتمردين بانشقاق الأرض) لم يحدده الله بل موسى (راجع عد 16: 29-33).

وهذا شبيه بالمسيح أيضا ، المسيح ككاهن عندما مات على الصليب قام من الموت وبالرغم من أن المسيح هو الله ذاته متجسدا إلا أن الوحي تكلم بتفصيل عن قيامة المسيح معلنا أن الله (الآب) أقامه (الإبن المتجسد) من الموت ربما في اشارة لقصة قورح ، أما عن المسيح كملك فهو من سيدين المتمردين وليس الله الآب ، وهو ما جعل البعض يقولون أن هلاك الأمم المهاجمة لأورشليم في آخر الأيام سيكون بواسطة المسيح نفسه!.

أع 10: 39-40
… الَّذِي أَيْضًا قَتَلُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ (الإبن ككاهن). هذَا أَقَامَهُ اللهُ (الآب) فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَأَعْطَى أَنْ يَصِيرَ ظَاهِرًا (للناس كمقياس على صدق كهنوته).

يو 5: 22
لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ.

المسيح في قصة تمرد قورح

البدلية العقابية – جي. آي. باكر – الفصل الخامس | ترجمة: ماجد حكيم

البدلية العقابية – جي. آي. باكر – الفصل الخامس | ترجمة: ماجد حكيم

البدلية العقابية – جي. آي. باكر – الفصل الخامس | ترجمة: ماجد حكيم

البدلية العقابية – جي. آي. باكر – الفصل الخامس

إن البدلية العقابية، كفكرة، تفترض مبدئياً ان هناك عقوبة علينا أن نؤديها قادمة من الله القاضي لأجل الشر الذي عملناه ولأجل فشلنا في أن نفي بمطالبه. إن الموضع الكلاسيكي (Locus Classicus) لهذا هو رو1: 18-3: 20، ولكن الفكرة نفسها موجودة في كل مكان في العهد الجديد. إن السياق القضائي هو سياق أدبي أخلاقي أيضاً؛ بالرغم من أن النظم القضائية الإنسانية ليست بالضرورة دائماً مؤسسة في حقيقة أخلاقية أدبية، ويتعامل الكتاب المقدس مع عالم الواقع الأدبي الأخلاقي وعالم الدينونة الإلهية كأنهما متداخلين. إن الدينونة الإلهية تعني أن القصاص يتتبعنا بسبب ماضينا وينسحب على وجودنا الحاضر وعلى مستقبلنا، والله نفسه هو المسئول عن هذه العملية، ضامناً أن الخطأ الموضوعي والمذنوبية اللذان كنا عليهما دائماً “هناك” في تلامس مؤثر لما سنكون عليه. وفي كلمات إميل بروننر، “المذنوبية تعني أن ماضينا – الذي لا يمكن إصلاحه أبداً – يمثل دائماً أحد عناصر وضعنا الحالي”.[i] لما رأت ليدي ماكبيث، وهي تمشي وتتكلم في نومها، دماً على يدها، ولم تستطع أن تنظفه أو تجعله يبدو جميلاً، كانت تشهد لأمر القصاص كما عمل كل كتاب القصص المآساوية وكل البشر المتأملين – وبكل تأكيد، وهؤلاء الذي يؤمنون بالبدلية العقابية – إن فعل الخطأ قد يُنسَىَ لبعض الوقت، كما نسى داود خطيته مع بثشبع وما صنعه مع أوريا، ولكنه سيظهر في الذاكرة مرة أخرى آجلاً أو عاجلاً، كما حدث مع خطية داود تحت خدمة النبي ناثان، وفجأة يعود لإنتباهنا، ويذهب سلامنا وفرحنا، ويخبرنا شيئاً ما بداخلنا أننا نستحق المعاناة لما قد إرتكبناه. وعندما يجتمع هذا مع معرفتنا المحدودة بغضب الله، هذا الإحساس بالأمور هو بداية الجحيم. إن نموذج البدلية العقابية يُقَدَم في سياق هذا الإدراك، لكي يضع في بصيرتنا أربع نقاط محورية لموقفنا.

البصيرة الأولى تتعلق بالله؛ وهي أن مبدأ القصاص ينال مصادقة من الله، وبكل تأكيد يعبر عن قداسته، وعدله وصلاحه المنعكس في شريعته، وأن الموت، الروحي والجسدي، وفقدان حياة الله كما فقدان حياة الجسد، هو الحكم العادل الذي اصدره ضدنا ويتحضر الآن لكي ما يوقعه.

البصيرة الثانية تتعلق بنا؛ وهي أننا ونحن الآن تحت هذا الحكم، ليس لنا حول ولا قوة لكي نزيل الماضي أو نتخلص من الخطية في الحاضر، لذا فليس لدينا طريق نتجنب به ما يهددنا في المستقبل.

البصيرة الثالثة تتعلق بيسوع المسيح؛ إنها أنه هو الله وإنسان كما في يو1: 1-18 وعب1-2، وقد أخذ مكاننا تحت هذا الحكم وتقبل في خبرته هو الشخصية في كل جوانبه الموت الذي كان عقوبتنا، مهما كانت، حتى أنه وضع الأساس لكي ننال الغفران والضمان.

قد لا نعلم، وقد لا نستطيع الإخبار

الآلام التي أضطر أن يحتملها

ولكننا نؤمن أنها كانت من أجلنا

أنه قد علق وتألم هناك

والبصيرة الرابعة تتعلق بالإيمان؛ وهي أن الإيمان هو أولاً وآخراً موضوعه أن ينظر الشخص خارج نفسه وبعيداً عنها إلى المسيح وصليبه كالأرضية الوحيدة للغفران الحالي والرجاء الآتي. يرى الإيمان أن مطالب الله تظل كما هي، وأن شريعة الله في القصاص، والتي يعلن عنها ضميرنا أنها صحيحة، لم تتوقف عن العمل في العالم، ولن تتوقف؛ ولكن في حالتنا نحن فقد تمت هذه الشريعة بالفعل، حتى أن كل خطايانا، الماضي والحاضر وحتى المستقبل، قد كُفَرَ عنها تماماً في الجلجثة. لذا يرتاح ضميرنا ويهدأ بمعرفة أن خطايانا قد حكم عليها وعوقبت بالفعل، ومهما كانت هذه العبارة تبدو غريبة، في شخص آخر وبموته. في كتابه سياحة المسيحي، فقد يوحنا بنيان حمله عند الصليب، وتستطيع توبليدي أن تؤكد لنفسها قائلة:

إن كنت أنت قد ضمنت لي الغفران،

وبملء إرادتك تحملت بدلاً مني،

كل الغضب الإلهي،

لا يستطيع الله ان يطالب بدفع الدين مضاعفاً،

أولاً من يدي ضامني النازفتين،

ثم مرة أخرى مني.

وبهذه الحُجَه، يمسك الإيمان بواقع عطية البر المجاني من الله، أي، الوضع الصحيح مع الله الذي تتمتع به حالة البر (رو5: 16)، ومعها إلتزام الإنسان المبرر بأن يعيش من هذه اللحظة لأجل الشخص الذي مات من أجله وقام (2كو5: 14).

يظهر هذا التحليل، إن كان صحيحاً، ما هو عمل كلمة “عقابي” في نموذجنا. إنها هنا، ليس لكي تدفع بغموض نظري عن كيفية نقل الذنب، ولكن لكي توضح بتفصيل رؤية المؤمن، الذي وهو ينظر للجلجثة في ضوء العهد الجديد، مدفوع لأن يقول، “كان يسوع حاملاً دينونتي التي أستحقها، وعقوبة خطاياي، والعذاب الذي أدين أنا به لله” – “الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي” (غل2: 20). كيف كان ممكناً لأن يحمل يسوع عقوبة المؤمنين؟ هذا أمر لا يدعون أنهم يعلمونه، أكثر من أنهم يعلمون كيف كان ممكناً أن يصير إنسان، وأما من جهة حمله للدينونة فهو أمر مؤكد ويستند عليه كل رجائهم في راحة.

البدلية العقابية – جي. آي. باكر – الفصل الثاني

البدلية العقابية – جي. آي. باكر – الفصل الثاني

البدلية العقابية – جي. آي. باكر – الفصل الثاني

البدلية العقابية – جي. آي. باكر – الفصل الثاني

البدلية العقابية – جي. آي. باكر – الفصل الأول

البدلية العقابية – جي. آي. باكر – الفصل الثالث

البدلية العقابية – جي. آي. باكر – الفصل الرابع

البدلية العقابية – جي. آي. باكر – الفصل الخامس

(2) والآن نصل لسؤالنا الثاني، وإجابتي التي سبق الإشارة لها. ما هي الوسيلة التي نحصل بواسطتها على سر الصليب؟ وردي هو: عن طريق النماذج الفكرية التعليمية المعطاه في الكتاب المقدس، والتي هي بالحقيقة تعليمات قادمة من عند الله. في كلمات أخرى، سوف أواصل على أساس الإيمان المسيحي العام بوحي الكتاب المقدس، والذي حاولت أن أبرره في مواضع أخرى.[i]

ماذا يعني هذا الإيمان، في معادلات لفظية، يعني أن الكتاب المقدس بعهديه له شخصية ثنائية والتي هي فيفا فوسي (الكلمة المنطوقة) لتعاليم الأنبياء، الرسل، والسامية التي ليسوع: في محتواها، وإن لم تكن في صورة لغوية نحوية، فهي كل من شهود بشر لله والله يشهد لنفسه في ذات الوقت. إن التشبيه الحقيقي للوحي هو التجسد، حيث صار أقنوم كلمة الله جسداً. وكإعترافات متعددة بالإيمان بالله الذي يحكم، يقضي، ويخلص في مجال التواصل المكاني والزمني الذي نسميه تاريخ العالم، يتكون الكتاب المقدس من وثائق متفرقة، تاريخية تعليمية وتعبديه، كلها تعلن بطرق مختلفة ماذا فعل الله، وماذا يفعل وماذا سيفعل. كل وثيقة وكل إعلان خلال الوثيقة، هو مثل يسوع المسيح في كل إعلاناته، أنه مثبت في وضع تاريخي معين – هذه الخاصية تميز كل الإعلان المسيحي – ومهمة المفسر الرئيسية هي أن يميز من خلال هذه الخصوصيات المعينة حقائق من الله للتطبيق العام. ودليله في هذا هو أن المعرفة التي توجد في كلمة الله ليومنا هذا يتم الحصول عليها عن طريق فهم وإعادة تطبيق الكلمة التي تكلم بها الله منذ زمن طويل بهوية (الجوهرية وليس النحوية) الرسالة التي كانت لدى الكتاب الموحى لهم. إن الطريق إلي فكر الله يظل عن طريق عقولهم، لأن ما قالوه عن الله يحوي بصورة محددة ما يريد الله أن يقوله لنا اليوم عن نفسه. وبكلمات أخرى، يقول الله لنا في تطبيق نفس ما قاله في الأصل في تطبيق لهؤلاء الذي كتب لهم الكتاب الموحى إليهم أولاً. تختلف تفاصيل التطبيق الثاني عن الأول بشكل يتعلق بالإختلاف الموجود بين وضعنا ووضع القراء الأصليين، ولكن تظل حقائق القاعدة الأصلية التي يتم تطبيقها كما هي. إن الحديث الإلهي في حد ذاته، بالطبع، هو نموذج، ولكنه نموذج حاكم (للنماذج الأخرى). فهو يدل على واقع إعطاء التعليمات من عقل إلي عقل، من الله لنا بطريقة لفظية، وهكذا يعلمنا أن نصنف كل النماذج التعليمية الأخرى الموجودة في الكتاب المقدس، ليس كإفتراضات أو حدس ولكن كإعلان موحى به.

كيف أصبحت هذه النماذج المعلنة وسيلة للتعليم الإلهي؟ هنا، لابد أن نقول بكل أسف، أن إين رامزي، رائد تأسيس فكر التركيب النماذجي للكتاب المقدس، قد خذلنا. فهو يصف بكل وضوح كيف أن هذه النماذج قد أشعلت شرارة الإكتشافات الدينية وطالبت بالتالي بإستجابات دينية لها، ولكن بدلاً من أن يساوي بين الإيمانيات التي تعبر عنها النماذج مع التعليم الإلهي، فهو يفتح الباب تماماً، وبالتالي يحجب تماما، العلاقة بين الإكتشافات كإستنتاج للواقع مع الأفكار التي تتضمنها هذه النماذج. وهذا يعني أنه ينقصه حدود للتمييز بين الإستنتاجات الصحيحة والخاطئة. ففي بعض الأحيان يتحدث كما لو أن كل شعور “بالإكتشافات الكونية” يحمل أفكارا صحيحة ومؤكدة ذاتياً، ولكن كل ما نحتاجه هو أن نذكر بوذا، م. ماري باكر إيدي، الأنبياء الكذبة الذي كشف عنهم أرميا وحزقيا وميخا في 1مل22، وأصحاب الرؤى في كو2: 18 لكي نظهر أن منطقه غير صحيح. يبدو أيضاً أن رامزي ليس لديه حدود لعلاقات النماذج ببعضها البعض ولا لتطوير نظام إيماني متوافق منها، وهو لم يعتبر في أي مكان ماذا يجب على نموذج الحديث الإلهي أن يعني.[ii]

هل يجب لفهمنا لكيفية عمل النماذج الكتابية أن يكون محدوداً أم فضفاضاً كرامزي؟ ليس بالضرورة. إن ملاحظة أن الشهادة الكتابية لله لها منطق النماذج – التي ليست معزوله، ولا حدثت بالصدفة، ولكنها متصله ببعضها البعض، ويحدد كل منها الأخر في وحدات محدودة من المعاني – متوافق مع كل وجهات النظر المستخدمة في النقاش التفسيري المعاصر. وهناك سؤالين مركزيين لهذا النقاش. الأول هو هل النقطة المرجعية والمادة الذاتية للشهادة الكتابية هي مجرد تحول نفسي، كما “لمخلوق جديد”، أو أنها ليست كذلك، بل بالأساس في الواقع، تشير لعمل خلاصي إلهي ولمخلص إلهي حي كانا في الأصل كواقعين يمكن تأريخهما في تواصل مكاني زمني من تاريخ العالم، وأنهما يدينان بقدرتهما على التغيير “هنا” في حياة المسيحيين الآن لحقيقة أنهما كانا (موجودين) “هناك” على مسرح التاريخ وقتها. على قدر ما يتم تبني الحل السابق، لابد أن نقول أن المعلومات الحقيقية الوحيدة التي تواصل بها كتاب الوحي معنا هي أن شعب الرب قد شعر وفكر بطرق معينة في أوقات معينة وفي مواقف معينة. وهنا لابد لنا من أن نواجه السؤال بهل كان كاتبي الوحي قد فكروا أن هذه هي كل المعلومات الحقيقية التي سيتواصلون بها معنا أم لا؛ إن جاوب أحد بلا، فلابد له أن يبرر عدم إتفاقه معهم؛ وإن جاوب أحد بنعم، فعليه أن يشرح لماذا كان الكثير من شهادتهم عن المسيح لها صورة روائية لحقائق عنه – لماذا، بالفعل، تم كتابة الأناجيل بصورة أدبية. ولكن إن قام أحد، على كل حال، بتبني الحل الأخير، كما يبدو أن كل تفكير سليم سوف يفكر، يأتي إذاً السؤال المركزي الثاني: كم هو مقدار التشويش للحقائق في العمل الروائي، وكم هو مقدار التخمين، والحدث، والخيال الموجود في تفسير الوقائع التاريخية التي كانت “هناك”؟ لا أستطيع أن أجاوب على هذا الموضوع الضخم المعقد هنا؛ وأضيف معترفاً، أنه بخصوص هذا النقاش، أنني أكمل طريقي على أساس أن كتاب الوحي يعطون بالفعل معلومات حقيقية عن أحداث تاريخية محددة، عامة، ويمكن تأريخها من جهة المبدأ، والتي أنتجت مخلصاً وخلاصاً “هناك” للخطاة لكي يقبلوه بالإيمان؛ وأن نماذج الفكر الكتابي بالتحديد في الألفاظ التي قدمت فيها هذه الأحداث وشرحت هي نماذج موحى بها وطرق تفكير علمنا إياها الله نفسه للوصول لفهم حقيقي لما قد فعله لنا وما سيفعله فينا.

وأيضاً أكمل طريقي على أساس أن الروح القدس الذي أوحى بالشهادة النبوية والرسولية في صورتيهما المكتوبة والشفوية هو يعمل الآن لكي يعلمها للمسيحيين، ويجعلهم واعين لنوعيتها الإلهية الكلية، ورسالتها لهم، ولحضور الله وقوته التي في المسيح التي تشير له. وحيث أن الروح كان يعلم الكنيسة بهذا الشكل عبر العصور، فالكثير من سماعنا للكتاب المقدس في الحاضر سوف بكل صحة يأخذ شكل مراجعة البنايات اللاهوتية التي من الماضي، وإختبارها بالكلمة المكتوبة التي نشأت منها البنايات. وعندما تكون هناك وجهة نظر لاهوتية معينة، مُعتَرِفَه بأنها مبنية على أساس الكتاب، وأثبتت عبر العصور أنها نبع للتكريس المسيح، والإيمان والحب، لابد من التعامل معها، ليس دون فحص على الإطلاق، ولكن بإحترام، متوقعاً أن تكتشف أنها صحيحة بشكل كبير. إن مهمتنا الآن هي أن نشرح ونقيم خط تاريخي تفسيري كان له تأثير لا يمكن إحتسابه على حياة عدد لا يمكن حصره منذ أن تم توضيحه في عصر الإصلاح وحتى الآن؛ وسيكون من الغريب أن يثبت أنه خطأ تماماً.[iii]

ها قد إنتهينا، بعد كل هذا، من التحضيرات الطرائقية، والتي كانت مرهقة ولكن ضرورية، والآن فلنتجه مباشرة لموضوعنا الرئيسي.

[i] بالنسبة لتابعي توما الأكوين، التوميين، تقوم عقيدة التشبيه بشرح كيف تعطي معرفتنا للخلائق معرفة عن خالقها (اللاهوت الطبيعي) كما أيضاً كيف تعطي الصور الكتابية معرفة عن اله الطبيعة وإله النعمة (اللاهوت الكتابي). للحصول على مناقشة فنية للتوميين تركز على التشبيه في اللاهوت الطبيعي، طالع، E. L. Mascall, Existence and Analogy, Longmans, London (1949) 92-121.

[ii] للإطلاع على وجهة نظر رامزي الكلية عن النماذج اطلع على الأعمال المكتوبة في الملحوظة رقم 12. وفي معظم المواضيع اللاهوتية كانت آرائه، كما أعلنها، بلا إستثناء توسطية، ولكن الجدير بالذكر أنه في محاضرته “لاهوت الكفارة” في التاريخ المسيحي (ص28) يشيد بمعالجة هاستينجس راشدال أبيلارديان، “فكرة الكفارة في اللاهوت المسيحي (1919) على أنها “محددة” (ص29؛ ولكنه لم يعط سبباً) وتحدد “الإكتشاف الكوني” المسبب بواسطة الصليب إلى معنى “الإرادة المنتصرة لله”، الذي كانت خطته أن يحافظ على بقية ولم تفشل (ص32، 34)، وأن هذا الإنتصار يظهر حبه (ص59)؛ ويرفض التبرير على أرضية البدلية أوالإسترضاء لأنها تشمل “إشتباكات حدودية مع لغة الأخلاق” (ص40؛ وهو الإعتراض السوسياني القديم)؛ وينتقد تفسير التبرير، البدلية، الإسترضاء، المصالحة، الفداء، االكفارة، والتعويض كما لو أن هذه الكلمات “ليست نماذج على الإطلاق، لكنها تصف عملية إجراء صفقات كل منها يصف صنف من الهندسة الكفارية” (ص44). ويظهر هنا تضارب واضح جداً. فبكل تأكيد هذه الكلمات هي نماذج، ولكن الذي تمثله كنماذج هو عملية الصفقة التبادلية التي تحقق الكفارة بكل دقة، صفقات تبادلية يتعامل فيها كل من الآب والإبن مع بعضهم البعض بالنيابة عنا. إن محتوى الحجة الرسولية الذي تظهر فيها هذه النماذج يجعلها واضحة بلا أي غموض، ويفترض، كما يبدو أن رامزي يقول، أن هذه النماذج يمكنها فقط أن يكون لها مرجعية ذاتية مباشرة لما يدعوه بولتمان فهم ذاتي جديد هو إعتباطي تماماً. وفي الواقع، فإن رامزي نفسه يستمر حتى يظهر أن تصنيف النموذج للمبادئ الكتابية لا يتطلب مرجعية ذاتية حصرياً، لأنه يرتكن للحب كنموذج لعمل الله (ص59) وإن كان يمكن للحب أن يكون هذا النموذج، فلماذا لا تكون الكلمات الأخرى نماذج هي أيضاً؟ يبدو أنه من المؤكد أن رامزي أحضر لدراسته للكلمات إفتراضات أبيلاردينية-سوسيانية، بدلاً من أن أن يستخرج وجهات نظره من الدراسة نفسها.

[iii] طالع ملاحظات فينسنت تايلور فيThe Atonement in New Testament Teaching, Epworth Press, London (1940) 301f.: “إن فكرة البدلية ربما كنا متحفزين أكثر لأن نفرضها من أن نقيمها؛ وفي نفس الوقت فإن حجم الشكر والإحساس بالعرفان الذي لا يقاس المرتبطة به …. عظيم جداً بالنسبة لما هو مطلوب ويليق بنظرية الكفارة”

Exit mobile version