كيف وصل لنا العهد الجديد من القرن الأول إلى الآن؟ | فادى اليكساندر

كيف وصل لنا العهد الجديد من القرن الأول إلى الآن؟ | فادى اليكساندر
فادى اليكساندر
تاريخ الإنتقال النصى | فادى اليكساندر

مقدمة: تاريخ التاريخ

لكى نستطيع تحديد أهم و أفضل المخطوطات، لدينا وسيلتين. الوسيلة الأولى هى البرهان الداخلى، و الثانية هى تاريخ الإنتقال النصى. وسيلة البرهان الداخلى تعتمد على تفعيل البرهان الداخلى فقط على القراءات المتوفرة، و من ثم تحديد القراءة الأصلية عن طريق هذا البرهان فقط دون اللجوء إلى البرهان الخارجى. بعد ذلك، يتم فحص كافة المخطوطات المتوفرة لتحديد أى مخطوطات هى التى أثبتت القراءة التى توصلنا إلى أصوليتها. المخطوطات التى توافقت مع نتائج البرهان الداخلى، هى المخطوطات الأدق و الأفضل. أما الوسيلة الثانية، و هى محاولة تكوين “تاريخ الإنتقال النصى”، فهى وسيلة معقدة بعض الشىء، و لهذا ستكون هى محل هذا البحث.

و أنا دائماً أردد أن المفتاح لفهم علم النقد النصى، هو فهم ما يُسمى بـ “تاريخ الإنتقال النصى”. و ليس من السهل أن نجد تعريفاً واضحاً محدداً لهذا المصطلح فى كتب النقد النصى، فهو مصطلح شائك يتشائك مع تعريفه منهج العالم فى تحرى القراءة الأصلية. و لكن بشكل ما، فإن هذا المُصطلح يُقصد به: محاولة التعرف على الأشكال المختلفة للنص الموجودة فى شواهد النص المتوفرة، و شرح حيثيات ظهورها، بهدف تحديد الشواهد الأكثر موثوقية، و التى على أساسها يتم إعادة تكوين النص الأصلى للعهد الجديد اليونانى. هذا التعريف قد يبدو للوهلة الأولى مُعقداً بعض الشىء، و لكنه التعريف المنهجى[1]. و لكى نعرف المصطلح ببساطة، فهو محاولة تكوين تاريخ دقيق لكيفية انتقال نص العهد الجديد، أى كيفية سير عملية النسخ فى العصور السابقة على عصر الطباعة. الهدف من هذه العملية هو تتبع ظهور القراءات، أسباب ظهورها، كيفية ظهورها، و كيفية انتقالها فى التقليد النصى المتوفر. بهذا الشكل، نستطيع تحديد الشواهد الأكثر عرضةً للخطأ النسخى، و تحديد أقل الشواهد عرضةً للخطأ النسخى، مما يعنى معرفتنا بالشواهد الأكثر موثوقية، و بالتالى يسهل علينا عملية إعادة تكوين النص الأصلى للعهد الجديد اليونانى.

و يمكننا ملاحظة الوجود النظرى لمفهوم “تاريخ الإنتقال النصى” عند إيرازموس، ففى الحقيقة ايرازموس كان ناقداً نصياً. و لكن الآليات و الإمكانيات حالت بينه و بين التطبيق العملى، ذلك لأن العصر الذى عاش فيه إيرازموس لم يساعده كثيراً، و هو العصر الذى شهد اختراع الطباعة على يد جوتنبرج.

لكن البداية الحقيقية لترسيخ مفهوم تاريخ الإنتقال النصى، يبدأ فى حقيقته عملياً مع ظهور بينجل. ففى الحقيقة، بينجل هو المؤسس الحقيقى للنقد النصى، و لأنه أرسى مفهوم الإنتقال النصى، استحق بجدارة لقب الأب الروحى لهذا العلم. فما قام به بينجل بالفعل، هو تقسيم المخطوطات إلى مجموعات بحسب إتفاقها أو إختلافها. و لعل ما يلفت الإنتباه فى هذا هو كيف أن اللقب التصق به، فقط لأنه أرسى فكرة الإنتقال النصى و البحث فى تاريخه، و كأن النقد النصى هو تاريخ الإنتقال النصى، مما يؤكد ما قلته فى البداية؛ فأهم ما فى النقد النصى هو تاريخ الإنتقال النصى. هذا يذكرنا بمقولة هورت الشهيرة:”معرفة الوثائق يجب أن تسبق الحكم الأخير”[2]. فلكى تحكم على أية قراءة هى الأصلية، لابد أن يكون لديك معرفة كافية و وافية بالوثائق، أى بالمخطوطات. و بهذا الشكل يستطيع الناقد النصى تطوير الآلية أو المنهجية التى سيتبعها فى بناء نص العهد الجديد اليونانى.

ما قام به بينجل كان بمثابة فتح الباب أمام الكثير من العلماء فى القرون التالية، فقد وضع بينجل الأساس الذى يجب أن نبنى عليه، و هو ضرورة وجود تاريخ لكيفية إنتقال نص العهد الجديد أثناء عملية النسخ حتى وصل إلينا فى الشواهد المتوفرة. و كان من بين أهم العلماء الذين قدموا الكثير من الأعمال و المساهمات الحقيقية و الفعالة فى هذا المضمار، العالم سيملر و تلميذه جريسباغ. بينجل و جريسباغ خاصةً، قاموا بتطويرات هامة فى نقطة تقسيم المخطوطات إلى مجموعات بحسب نقاط الإتفاق و الإختلاف. و من بعدهما، و مع مطلع القرن التاسع عشر، جاء العالم لاشمان الذى إنشغل بناحية أخرى فى بناء تاريخ الإنتقال النصى. كان عمل لاشمان يرتكز بشكل رئيسى على محاولة بناء شجرة عائلة للمخطوطات المتوفرة، و هو المنهج الذى تسمى فيما بعد بإسم “المنهج النَسبى”، أى الذى يبحث فى محاولة بناء علاقة تناسبية بين المخطوطات. و لاشمان كان يعرف و يدرك جيداً، أن ما يقوم به هو مجرد عمل نظرى فقط، يستحيل أن ينتقل إلى واقع. و لندرك أهمية تكوين شجرة العائلة فى نظر لاشمان، نحتاج أن نفهم الهدف من وراءها. تكوين شجرة العائلة يعنى أننا سنضع كل مخطوطة فى مكانها، و بالتالى كل قراءة فى مكانها، مما سيمكننا من معرفة أى قراءة سبقت الأخرى. هذا يعنى أننا سنصل فى مرحلة معينة إلى القراءة الأصلية!

و بالرغم من أن إمكانية تكوين شجرة عائلة للتقليد النصى بالكامل هى شبه مستحيلة بالفعل، إلا أن ذلك لم يمنع العلماء من تبنيها و محاولة بناءها. غير أن التفكير فيها بشكل تفصيلى، تأجل بعض الشىء مع نهاية القرن التاسع عشر، حينما جاء عمودى النقد النصى الحديث، ويستكوت و هورت. نجح هذين الإثنين فى دمج فرعى تاريخ الإنتقال النصى معاً: المجموعات و شجرة العائلة. أستطاع ويستكوت و هورت ببراعة، أن يقدما قاعدة منطقية فى كيفية عمل النقد النصى. فعملهما فى تقسيم المجموعات، ساعدهما جداً فى بناء شجرة عائلة للمجموعات، و ليس للمخطوطات!

لكى نفهم كيفية عمل كل هؤلاء العلماء بشكل صحيح، يجب أن نعرف أن النص السائد فى ذلك الزمان كان شىء ما يُسمى “النص المُستلم”. النص المُستلم هو إسم عدة إصدارات من العهد الجديد، و رغم أن هذا الإسم أُطلِق على إصدار تلى عصر إيرازموس، إلا أن الإسم أصبح ملتصقاً بإيرازموس جداً. فما فعله إيرازموس، هو أنه أستطاع الوصول إلى ستة مخطوطات، أقدمهم يرجع للقرن الحادى عشر، لكى يقوم بتحرير طبعته الأولى للعهد الجديد اليونانى. هذه المخطوطات نُسِخت فى عصر كان فيه نص قياسى بشكل ما. و بالتالى، جاءت هذه المخطوطات ممثلة لنوعية من النصوص تُسمى “النص البيزنطى” حالياً. لم يكن الإختلاف بينهم و بين بقية مخطوطات هذا النص كبيرة جداً، لذلك أُعتُبِر نص إيرازموس هو النص المُستلم. و قد إستمر النص المُستلم فى الوجود حتى عام 1831 حينما قام لاشمان بتجاهله تماماً، و أصدر طبعة نقدية بعيدة كل البعد عن النص المُستلم.

لقد قلنا أن العلماء نجحوا فى تقسيم المخطوطات إلى مجموعات بحسب نقاط الإتفاق و الإختلاف، و هذه المجموعات هى أربعة مجموعات فى عصرنا الحالى:

· النص السكندرى: و أهم شواهده السينائية، الفاتيكانية، البردية 66، البردية 75، بجانب الترجمة القبطية و ترجمات أخرى، مع الآباء السكندريين.
· النص البيزنطى: و يمثله غالبية مخطوطات العهد الجديد، و أول ظهور له فى المخطوطة السكندرية فى الأناجيل الأربعة فقط، بجانب الترجمات المتأخرة، و الآباء الكبادوكيين.
· النص الغربى: و أهم شواهده المخطوطة بيزا و اللاتينية القديمة و الفلجاتا و بعض الترجمات السيريانية، بجانب الآباء الغربيين.
· النص القيصرى: و تمثله عائلتين من المخطوطات هما العائلة الأولى و العائلة الثالثة عشر و بعض المخطوطات الأخرى. أهم شواهده من الآباء هما أوريجانيوس و كيرلس الأورشاليمى.

غير أن هذا التقسيم لم يبدأ فى الظهور كما هو هكذا، بل إحتاج إلى دراسات و أبحاث متعمقة جداً حتى يبدأ فى الظهور. و هذا هو ما عمل عليه العلماء بدايةً من بنجل، مروراً بجريسباغ، حتى نصل إلى ذروة الدراسات فيه عند ويستكوت و هورت. كانت مسألة النص البيزنطى هى المشكلة الرئيسية عند ويستكوت و هورت. فالفكر السائد فى هذا العصر كان أن النص المُستلم هو النص الأصلى. لم يقتنع ويستكوت و هورت بذلك، و أدركا أهمية تكوين تاريخ إنتقال نص العهد الجديد، حتى يستطيعا تكوين النص الأصلى. لعل العامل الأكثر إستفزازاً لهما، هو وجود الإصرار على أصولية قراءات معينة موجودة فى مخطوطات متأخرة، و لكنها لم تكن موجودة فى المخطوطات الأقدم.

لحسن حظهما، فقد شهد عصرهما إكتشافات كبيرة جداً، خاصةً فى وجود عمل تشيندورف الدؤوب. إكتشاف المخطوطة السينائية كان مساعداً لهما جداً فى تكوين نظريتهما. كما أن إستطاعة تشيندورف نشر المخطوطة الفاتيكانية لأول مرة بعد إكتشافها بخمسة قرون كاملة، وفر لهما الكثير من البيانات المطلوبة. و بعد ويستكوت و هورت، لم يكن هناك ما يشغل علماء النقد النصى فى النصف الأول من القرن العشرين سوى تكوين تاريخ الإنتقال النصى. و لكن مع حلول منتصف القرن العشرين، أُهمِل العمل قليلاً فى تاريخ الإنتقال النصى، لأجل العمل المضنى فى المنهجيات. إهتم العلماء فى هذه الفترة بمنهج النقد النصى، حتى يستطيعوا تكوين النص الأصلى. ثم فى العقود الأخيرة من القرن العشرين، بدأ الإهتمام بتكوين تاريخ الإنتقال النصى مرة أخرى. العالمين بويسمارد و لامويلى وضعا نظرية تاريخ الإنتقال النصى لأعمال الرسل، و معهد البحث النصى للعهد الجديد أسس نظرية الفساد المتماسك، و عمل إيب و كويستر على برديات القرن الثانى للوصول إلى طبيعة النص فى هذا القرن، و عمل أمفوكس و فاجانى فى تطوير نظرية أولية النص الغربى، و عمل كارول أوسبورن فى المشروع العالمى لنص أعمال الرسل، و عمل هودجز و فارستاد فى نظرية نص الأغلبية. كل هذه النظريات تتعلق بشكل أو بآخر بشكل رئيسى بعمل ويستكوت و هورت فى تقسيم المخطوطات إلى مجموعات، أو النصوص المحلية. هذه النظريات الكثيرة المتوفرة على الساحة الآن، و التى تتعرض لكل نوع نص بشكل أو بآخر، هى هدف هذه الدراسة.

هناك بعض الأسئلة التى تحتم علينا أن نبحث عن إجابتها: ما الذى تم تحقيقه فى بناء تاريخ لإنتقال نص العهد الجديد؟ ما هى المساهمات التى قدمها تاريخ الإنتقال النصى للنقد النصى للعهد الجديد؟ كيف يجب أن نفهم أدوار كل نص محلى فى عملية تكوين النص الأصلى؟ ما هى المشكلات و العقبات الموجودة أمام نُقاد النص الآن؟ و بالأكثر، هل يسمح لنا تاريخ الإنتقال النصى بتكوين النص الأصلى؟ هذه الاسئلة هى محل إهتمام هذه الدراسة.

ما قبل النصوص المحلية

نعلم أن النص الأصلى لبعض أجزاء العهد الجديد، وهى رسائل لبولس، إستمر فى الوجود حتى أواخر القرن الثانى. لم ترد إلينا أخبار أخرى عن بقية نصوص العهد الجديد، و لكن المُرجح بالأكثر أن المسيحيين قد إحتفظوا بها لفترة معينة، و ذلك واضح من وجود قرينة السعى للحفاظ على الأصول كما يرد الخبر عند ترتيليان و غيره. فإذا كانت الأصول قد حُفِظت حتى أواخر القرن الثانى، فالمرجح بالأكثر هو عمل نسخ عنها الكثير من المرات. هذه النقطة فى غاية الخطورة لسبب واحد: لو أن الأصول نُسِخ عنها نسخة واحدة فقط، فإن هذا يعنى أن هناك مكان ما فى العهد الجديد، لم تتوفر القراءة الأصلية له فى التقليد النصى المتوفر. لكن المرجح أكثر هو النسخ المتكرر عن الأصول، مما يعنى إنتهاء دور العناية الإلهية بالحفاظ على القراءة الأصلية فى التقليد النصى المتوفر، و يأتى دور الناقد النصى فى تحديدها.

النُسخ التى تمت عن النص الأصلى، بالتأكيد إحتوت على أخطاء عديدة، و لكن فى هذه المرحلة لا يمكننا تخيل وجود قراءات تتعدى مرحلة العفوية. ففى هذه المرحلة كانت عملية النسخ بدائية جداً، كان الشغل الشاغل هو التعرف على النص فقط، الإطلاع عليه، قراءته، فهمه، و محاولة تطبيقه. هذه المرحلة البدائية لا يمكن أن نرى فيها أثراً لوجود قراءات تتعدى الخطأ العفوى أثناء عملية النسخ. يبرز هذا الإحتجاج بأكثر قوة، حينما ندرك الروح التى سيطرت على مسيحية القرن الأول. لا نرى أثراً لأى فكر هرطوقى فى القرن الأول، ولا نرى حوارات لاهوتية، ولا نرى خلافات حول طبيعة و هدف المسيحية. على جانب آخر، من الوارد جداً وقوع الأخطاء النسخية العفوية حتى فى النسخ الأصلية نفسها. نحن نعرف أن بولس كان يقوم بإملاء بعض الكتبة ليكتبوا بعض رسائله. هل يمكن أن يكون الكاتب الذى يمليه بولس يكون قد وقع فى خطأ نسخى؟ نعم، هذا الإحتمال وارد. فى هذه الحالة، أى نص هو المُراد تكوينه بالضبط؟ النص الذى نطقه بولس أم النص الذى كتبه الكاتب؟ لا يقدم لنا العلماء إجابة، و لكن هذا الإحتمال يمكن تخيله فقط إذا كنا قادرين على تحديد ما يُشير إلى وقوع خطأ نسخى جعل القراءة الأصلية تحتوى على خطأ نسخى. هذا الخيار و إن كان إحتمال نظرى وارد، لكنه غير وارد فى الواقع العملى على الإطلاق، مما يجعلنا لا نحتاج للإهتمام به بإفراط.

السؤال عن طبيعة النص الأصلى فى تاريخ الإنتقال النصى، جعل ميتزجر و ايرمان يقولا:”الموقف أكثر تعقيداً فى الأناجيل خاصةً، لأنهم متأسسين على تقاليد شفهية و مصادر مكتوبة لا نستطيع الوصول لها الآن بشكل إستقلالى. مثلاً، ما معنى إعادة تكوين النسخة الأصلية لإنجيل يوحنا؟ هل على الناقد النصى أن يُعيد تكوين أقدم نسخة و التى لا تحتوى على الإصحاح الواحد و العشرين؟ من غير المحتمل ذلك، لأن كل مخطوطاتنا اليونانية الكاملة تحتوى على هذا الإصحاح. إذن، هل نقصد إعادة تكوين الإصدار الأخير من الإنجيل و الذى يحتوى على هذا الإصحاح؟ إذا كان كذلك، هل علينا أن نعتبر قصة المرأة التى أُمسِكت فى زنا (يو 7 : 53 – 8 : 11) جزء من الإصدار الأخير أم أن هذه القصة قد أُضِيفت متأخراً جداً حتى تُعتبر أصلية؟”[3]. إن المشكلة الرئيسية فى هذه التساؤلات هى: فى أى وقت نستطيع أن نقول أن الوقت أصبح متأخراً جداً؟ أو كما وضعها أحدهم: متى يكون متأخراً جداً؟[4]

أحد أهم النظريات التى خرجت حول تاريخ انتقال النص فى مرحلة ما قبل النصوص المحلية، هى نظرية “النص الأولى”، و التى تقول بأن ما نستطيع تكوينه هو النص الذى منه ينحدر التقليد النصى المتوفر. السؤال هو هل النص الذى ينحدر منه التقليد النصى المتوفر هو النص الأصلى أم نص يختلف عنه؟ معهد البحث النصى للعهد الجديد يخبرنا حول هذه النظرية التالى:

“النص الأصلى للعهد الجديد لم يتوفر فى أى مخطوطة. كل المخطوطات تحتوى على قراءات تطورت خلاص التاريخ النصى فى عملية النسخ المستمرة. النص الأولي للتقليد (النصى) هو النص الذى يسبق عملية النسخ. و لأن هذا النص لم يتوفر فى أى مخطوطة، فيجب، على الجانب الأول، أن يتم إعادة تكوينه على أساس شواهد النص المتوفرة و الصورة الكاملة للتاريخ النصى التى نتجت عنه، و على الجانب الآخر على أساس ميزة كل ما يمكن معرفته حول هدف المؤلف. و هذا يؤدى إلى فرضية النص الأولي. بين نص المؤلف (أى النص الأصلى) و النص الأولي، قد يكون هناك تطورات لم تترك أثراً واحداً فى المخطوطات المتوفرة. و لهذا فالنص الأولي للتقليد (النصى) ليس بالضرورة متطابقاً مع نص المؤلف. و لكن، طالما أنه لا يوجد أى أسباب جوهرية تحتج عكس ذلك، فإن الفرضية العاملة الأبسط هى أن النص الأولى يتوافق بضخامة مع نص المؤلف، بجانب قراءات صغيرة كان يجب أن يتم التعامل معها أثناء عملية النسخ”[5].

و بالتالى، فإننا لا نستطيع أن نفترض وجود أكثر من القراءات العفوية فى مرحلة ما قبل النص الاولى، لأنه لا يوجد سبب واحد يجعلنا نفكر فى ذلك. الإحتمالات النظرية كلها واردة، و لكن الدراسة العملية الواقعية، لا تقول بأنه هناك ما يجعلنا وجود أكثر من الأخطاء النسخية العفوية فى المرحلة المباشرة بعد نشر النص الأصلى مباشرةً.

النصوص المحلية

بما أن نسخ المخطوطات باليد يعنى إستحداث أخطاء و قراءات فى المخطوطات، فإن هذه المخطوطات بدأت فى الإختلاف و الإتفاق حول مواضع معينة مع زيادة النسخ مرة تلو الأخرى. هذا الإختلاف و الإتفاق تم عن طريق تأثر المخطوطات ببعضها البعض فى المجتمعات المسيحية. و هذا الإختلاف و الإتفاق لم يكن شىء عشوائى، فأنتج مجموعات أو عائلات من المخطوطات، كل عائلة تتسم مخطوطاتها بالقرب الشديد فى مواضع الإتفاق و الإختلاف. هذه المجموعات تُسمى “أنواع النصوص” أو “النصوص المحلية”. و نشأة هذه النصوص المحلية يمكننا تشبيهها بالمثال التالى:

دعونا نفترض أن هناك أربعة نسخ تم عملهم عن النسخة الأصلية. هذه النُسخ تحتوى بداخلها على أخطاء. لكن الخطأ الموجود فى النسخة الأولى، لن يكون هو الخطأ الموجود فى بقية النسخ. كلما يتم عمل نسخ عن كل نسخة من الأربعة، ستحتفظ النسخ بخصائص النسخة التى تمت عنها النساخة من بين الأربعة. فلو أننا لدينا عشرة نُسخ نُسِخت عن النُسخة الأولى، و عشرة نُسخ نُسِخت عن الثانية، فإن العشرة نُسخ الأولى سيكونوا أقرب لبعضهم من العشرة نُسخ الأخرى. بهذا الشكل أصبح كل عشرة نُسخ هم عائلة. كل النسخ تحتوى على النص الأساسى، نفس النص بشكل عام، و لكن هناك أخطاء معينة خاصة بكل عائلة منهم. بالإضافة إلى ذلك، بداخل كل عشرة مخطوطات، قد نجد ثلاثة مخطوطات قريبين لبعض لدرجة أكبر من بقية المجموعة. هذا المثال هو نموذج مُصغر و مُبسط جداً للنصوص المحلية[6].

و رغم أننا غير واثقين من بعض التفاصيل، و لكن من الواضح جداً أنه فى تاريخ قديم جداً، تم إنتشار نسخ كثيرة من نص العهد الجديد فى فلسطين، الإسكندرية، و روما. و فى كل مكان من هذه المجتمعات، تم عمل نسخ كثيرة عن النسخ التى توفرت فى كل مكان منهم. النسخ السكندرية كانت تحتوى على نفس النص الأساسى مثل النسخ الرومانية، و لكن كل منهما يحتوى على خصائصه المتمايزة عن الآخر (طبق الآن المثال المعروض بالأعلى على النصوص المحلية).

نتيجة لهذا، تكون لدينا أربعة نصوص محلية، أو أربعة أنواع من النص، أو أربعة أشكال من النص، و هى: النص السكندرى، النص الغربى، النص البيزنطى، و النص القيصرى. النص السكندرى نسبة للإسكندرية، النص الغربى نسبة لروما و شمال أفريقيا، النص البيزنطى نسبة إلى بيزنطة و هى القسطنطينية فيما بعد، و النص القيصرى نسبة إلى قيصرية فى فلسطين. و لكن هناك خلاف بين العلماء حول حقيقة وجود النص القيصرى كنص محلى قائم بذاته.

النص البيزنطى

النص البيزنطى هو النص الذى نشأ فى القسطنطينية، و تحديداً فى القرن الرابع، و هو متوفر فى الغالبية العظمى للمخطوطات اليونانية. له العديد من الأسماء مثل: النص السيريانى (بحسب ويستكوت و هورت)، النص الكوينى (بحسب فون سودين)، النص الكنسى (بحسب كيرسوب ليك)، و النص الأنطاكى (بحسب روبز)[7]. و يقول غالبية العلماء أن هذا النص هو نص متدنى فى جودته و موثوقيته، نظراً لأنه نشأ فى القرن الرابع. قال ويستكوت و هورت أن هذا النص هو نتيجة تنقيح نقدى تم على يد لوسيان فى القرن الرابع، و لكن هذا الإحتجاج لم يعد مقبولاً بين العلماء الآن، فيقول ميتزجر و ايرمان:”تكشف الدراسات الحديثة للنص البيزنطى أنه موجود بشكل بدائى فى القرن الرابع فى كتابات آباء الكنيسة مثل باسيليوس الكبير و ذهبى الفم، و لكن شكله نهائى يمثل تقليد متطور بطىء، ليس النص الذى ظهر مرة واحدة فى وقت ما و مكان ما. بكلمات أخرى، لم يكن تنقيح نقدى نصى أُختُلِق عن طريق شخص واحد أو مجتمع واحد”[8].

و بشكل عام، لم يتغير الموقف العام الذى أسسه ويستكوت و هورت بأن موقف النص البيزنطى ضعيف جداً، ماعدا من مجموعة صغيرة من العلماء، مثل: زان هودجز، آرثر فارستاد، ويلبر بيكرينج، و فان بروجين. كل هؤلاء يقودهم إيمانهم حول نص الكتاب المقدس ككلمة الله، و ليس البرهان. و لكن هناك حالة شاذة واحدة، و هى حالة هارى ستورز. فى عام 1984، ظهر كتاب ستورز “نوع النص البيزنطى و النقد النصى للعهد الجديد”. إحتجاج ستورز الرئيسى فى هذا الكتاب هو: وجود قراءات بيزنطية معينة أتفق العلماء على أنها قراءات متأخرة، ثم ظهرت للوجود فجأة فى البرديات القديمة جداً التى أكتشفها العلماء فى القرن العشرين، بما يعنى وجود النص البيزنطى فى القرن الثانى. غير أن ردود العلماء الكثيرة عليه إجتمعت على خط واحد فى الإجابة: النص المحلى ليس قراءة واحدة أو اثنين أو ثلاثة، بل هو نطاق واسع يجب توفره فى القرن الثانى حتى نستطيع التأكد من وجوده فى القرن الثانى. و كان الإحتجاج الرئيسى للعلماء، أن هذه القراءات تم تغطيتها بيزنطياً، و ليس أنها دليل وجود النص البيزنطى. بمعنى، أن هذه القراءات كانت موجود فى القرن الثانى، و حينما نشأ النص البيزنطى أُختيِرت كقراءة بيزنطية.

هذا لا يعنى أن عمل ستورز لم يكن له أهمية، بل كان له عظيم الفائدة فى تخفيف قسوة نظرية ويستكوت و هورت؛ فقد إعتقدا أن النص البيزنطى لا يحتوى على أى قراءة أصلية على الإطلاق. و قد كان تأثيرهما ممتد على نقاد النص فى زمانهما، و لكن الآن هو:”أمر مقبول عامةً أن القراءة الأصلية قد تكون متوفرة فقط فى النص البيزنطى”[9]. و بشكل عام، لم يتغير موقف العلماء النقديين كثيراً من النص البيزنطى.

النص الغربى

إذا كان النص البيزنطى لا يوجد حوله الكثير من النقاشات، فإن النص الغربى أثار عدة مشكلات. نشأ النص الغربى، بحسب إعتقاد غالبية العلماء، فى القرن الثانى نتيجة ممارسات النسخ. و قد إعتبر ويستكوت و هورت هذا النص أنه نص فاسد، و لكنه يحتوى على القراءة الأصلية. و فى الحقيقة، كان هناك من العلماء من شكك فى وجود حقيقى للنص الغربى، و يذكر ميتزجر و إيرمان فى ذلك:”بعض العلماء شككوا فى وجوده كنوع من النص بسبب أن الشواهد التى توثقه لا تفعل ذلك بتماسك تام، و تفتقد التجانس الذى نجده فى أنواع النصوص الاخرى”[10]. و على العكس من النص البيزنطى، فلا أحد يعتبر النص الغربى تم بترتيب منظم. يقول كرت و بربارا آلاند:”لو نظرنا فى أى مكان فى الغرب، لن نجد عقل لاهوتى واحد لديه القدرة على تطوير على تطوير و تحرير نص غربى مستقل، حتى لو أن الرسالة إلى العبرانيين كُتِبت فى إيطاليا، كما يُقترح، فهى لا توفر متطلبات هذا الشخص. فى الفترة المبكرة لم يكن هناك تقليد نصى فى الغرب غير موجود فى الشرق، لقد كان هناك نص واحد له خصائص فردية تنوعت من مخطوطة لأخرى؛ ففى القرن الثانى لم يكن نص العهد الجديد ثابت بحزم”[11]. و هذا نفس ما يقوله ميتزجر و ايرمان من أن:”غالبية العلماء لا يعتبرونه عملية خلق للنص بواسطة فرد واحد أو عدة أفراد بمراجعة نص أقدم، إنما هو نتيجة نمو غير مُنظم و جامح للتقليد المخطوطى فى القرن الثانى”[12].

و فى كل الأحوال، فإن الرأى الغالب هو أن النص الغربى نشأ فى القرن الثانى، و إستخدمه آباء الكنيسة و الهراطقة أيضاً. غير أن هناك مناظرة قوية حول مدى تأصيل النص الغربى!

يعتمد الإحتجاج الرئيسى لأصالة النص الغربى على محورين هامين:

· محور خارجى: و هو أن النص الغربى نص قديم جداً، نشأ فى القرن الثانى، و به دلائل عدم التحكم بالنص فى هذه الفترة.
· محور داخلى: و هو ينطبق على أعمال الرسل فى النص الغربى، حيث يغلب عليه الطابع اللوقانى أكثر من نص السفر فى بقية النصوص.

و نلاحظ أن كافة المشكلات المتعلقة بالنص الغربى، تتأجج فى قمتها حول نص أعمال الرسل فى هذا النص. فكما ذكرنا فى عدة بحوث سابقة، نص أعمال الرسل فى النص الغربى أكبر من النص التقليدى له بنحو 8.5 % بحسب الإحصائية الدقيقة التى قدمها ميتزجر[13]. و يعتمد المحور الأول على توثيق النص فى غالبية كتابات الآباء المبكرين، بجانب أقدم الترجمات التى كانت بعيدة عن مصر مثل الترجمة السيريانية القديمة و الترجمة اللاتينية القديمة. هذا بالإضافة إلى وجود عدة برديات تنتمى للنص الغربى و كلهم لأعمال الرسل، مثل البردية 29، البردية 38، و البردية 48. و قد قام إيلدون إيب فى الستينات بدراسة أحد المخطوطات القبطية و تأكد أنها تشهد للنص الغربى أيضاً[14].

غير أن المشكلة الرئيسية فى الإدعاء بتأصيل النص الغربى، هى نفس المشكلة التى عرضها ميتزجر، و هى عدم التماسك التجانسى بين شواهد هذا النص. يقول بيتزر عن هذه المشكلة:”أنها حقيقة مُعترف بها بشكل عريض أن النص الغربى يختلف فى شواهده من واحد لآخر، ولا يستطيع الفرد أن يجد نفس الكفاءات و المعالم فى كل شواهده. فالقراءات الواردة فى بعض شواهده، محذوفة من البقية”[15].

و ما لاحظه العلماء أن هذا التشوش الكبير موجود بقوة ليس فى الشواهد الأكثر تأخراً، و إنما فى الشواهد القديمة نفسها، لدرجة أن بربارا آلاند وصفت نمو هذا النص على أنه يبدأ من نطاق واسع يبدأ يتوحد، و ليس نطاق موحد يبدأ فى التفرع! و هذه الظاهرة لم يستطع المعتقدين فى أصالة النص الغربى تفسيرها، و من يقرأ كلام أمفوكس و فاجاناى، ناقدى النص المؤيدين للنص الغربى المشهورين، لا يجد فى إحتجاجتهما تفسيراً تاريخياً نصياً مقبولاً لهذه الظاهرة الحقيقية. أمفوكس مثلاً يرى أن النص المُقدم فى مخطوطة بيزا هو أفضل ممثل للنص الأصلى، فيقول:”فرضية أولية النص الغربى تعنى أن أنه بالرغم من كل الخلاف فى القراءات الموجودة فيه، فإنه هو الممثل للنص كما كان قبل أى تنقيحات نقدية”[16]. و التفسير الذى قدمه أمفوكس هو تفسير نظرى بحت لا دليل واقعى عليه، و هو أن النص الغربى هو نص ما قبل التنقيح النقدى بكل أشكاله، و مع إنتشاره تعرض لأنواع متعددة من التغيير فى ظروف مختلفة، و تنقيحات نقدية، أدت إلى ظهور النص السكندرى و بقية أنواع النصوص[17].

هذه النظرية لا يوجد أى دليل عليها، فيقول بيتزر:”لا يوجد أى دليل صلب تم تقديمه على أن هذه العملية أخذت أى نطاق واسع فى تأثيرها على النص المخطوطى للعهد الجديد، ولا من العلماء القدامى ولا من أمفوكس”[18]. ثم يسميها بيتزر بأنها شىء نظرى جداً، لا وجود عملى له و يحتاج إلى دليل لإثباته.

أما المحور الداخلى، فيعتمد بشكل رئيسى على أن إسلوب أعمال الرسل فى النص الغربى لوقانى أكثر من نص أعمال الرسل فى النص السكندرى، و بناء على ذلك قالوا بأن لوقا نشر إصدارين لكتاب أعمال الرسل. الإصدار الأول هو نص أعمال الرسل بحسب النص الغربى، ثم قام بعد ذلك بعمل نُسخة مصغرة من هذا الإصدار، و هى النسخة الموجودة فى النص السكندرى. أول من طرح هذه النظرية هو ليكلير، و الذى رفض نظريته لاحقاً[19]. و من طوّر هذه النظرية بشكل ملحوظ هو الألمانى فريدريك بلاس. تتلخص رؤية بلاس فى أن لوقا كان قد أعد نسخته لأعمال الرسل، ثم أراد أن يرسل نسخة منه لصديقه ثيؤفيلوس. و لكن نظراً لأن لوقا لم يكن غنياً، فلم يمتلك المال اللازم لتأجير ناسخ، قام هو بنفسه بعمل نسخة. أثناء نسخه حذف بعض المقاطع و غير فى صياغات بعض المقاطع الأخرى. بعد ذلك إنتشرت النسختين و تم تداولهما، و تم عمل نسخ عن كل منهما. النسخة الأولى التى قام بها لوقا هى نص الاعمال بحسب النص الغربى، و النسخة الثانية هى نص الأعمال بحسب النص السكندرى[20]. و قد قدّم علماء كثيرين انتقادات كثيرة لهذه النظرية، أهمهم توماس جيير و روبيرت هال، رغم أنها جذبت عدد من العلماء المعروفين مثل ثيؤودور زاهن و ايبرهارد نيستل[21]. و يلخص بويسمارد موقف العلماء فى النصف الأول من القرن العشرين كالتالى:”و بشكل عام، فإن غالبية الدراسات الحديثة تفضل النص السكندرى عن النص الغربى، معتقدين أنه حتى لو أن النص الغربى يحتوى على بعض القراءات الأصلية القليلة، فإن بقية النص هو نتيجة مراجعة تمت فى النصف الأول من القرن الثانى و تميزت بالعادات اللاهوتية الواضحة”[22]. و تُعتبر دراسة عالم إيب فى المخطوطة بيزا التى أتمها فى الستينات، هى أفضل شاهد لهذا الإعتقاد العلمى. و فيما بعد، تأكد العلماء أن النص الغربى لم يكن وليد السيطرة أو التحكم، بل أنه نمو عشوائى كما أكد كولويل و آلاند و ميتزجر.

على الجانب الآخر، طوّر معهد الدراسات النصية للعهد الجديد بمونستر نظرية أخرى، قامت بربارا آلاند ببذل المجهود الأكبر فيها. يلخص بيتزر النظرية كما يلى:

“بتركيزها على محاولة إيجاد تفسير لعدم التجانس (بين شواهد النص الغربى)، ترى بربارا آلاند نشأة النص الغربى، و لعدة أسباب تسميه نص بيزا فى نظرية مونستر، كعملية تدريجية تصل إلى قمتها فى تنقيح نقدى رئيسى، أو تنقيح رئيسى، فى بدايات القرن الثالث أو أواخر القرن الثانى فى سوريا. هذا التنقيح الرئيسى يشهده بشكل رئيسى الدليل السيريانى، النسخة اللاتينية الإفريقية (القديمة)، المخطوطة بيزا، و مخطوطة الحروف الصغيرة رقم 614، و هى كل الشواهد التى تحتوى على نص غربى متجانس قليل أو كبير. و قبل بداية القرن الثالث، لم يكن هناك نصاً غربياً، و لكن فقط قراءات نشأت فى العملية الطبيعية لإنتقال نص العهد الجديد. هذه القراءات توسعت فيما يُسمى الآن بالتقليد الغربى حتى دخلوا إلى النص الغربى عن طريق ذاك الذى كان مسئولاً عن إنتاج هذا التنقيح الرئيسى”[23].

بهذه النظرية، ترى بربارا آلاند أنه كان هناك فترة معينة تسبق وجود النص الغربى، و لكنها كانت تحتوى على القراءات الغربية بالفعل. هذه الفترة يشهد لها آباء القرن الثانى، و خاصةً ايريناؤس و يوستينوس. غير أنه هناك مشكلة فى هذه النظرية، و هى التماسك اللغوى و الإسلوبى فى نطاق هذا النص، و الذى من الصعب أن يكون نتيجة عملية عشوائية. فى نفس الوقت، من غير المقبول تماماً وجود فكرة التنقيح النقدى كأساس للنص الغربى، لأن هذا لا يحمل تفسيراً للخلاف الهائل فى شواهد النص الغربى التى تحمل مفارقات كبيرة و واسعة فى تجانسها. يبرز هذا العامل أكثر، كما يقول بيتزر، فى الشواهد الأكثر قدماً، مما يعنى أن فكرة وجود تنقيح نقدى لا تفسر الدليل المتوفر. فكيف يمكن أن يكون هناك تنقيح نقدى، أى نص قياسى واحد فى الشواهد، و مع ذلك نرى الشواهد الأقدم غير متجانسة فى إطار واحد؟ ميتزجر يعلق على ذلك قائلاً:”هذا الشكل من النص الموجود بإتساع فى الكنيسة الأولى، و أستخدمه ماركيون، تاتيان، ايريناؤس، و آخرين، لا يمكن إعتباره تنقيح نقدى، لأنه ليس مُوحد ولم يكن كذلك أبداً”[24]، و يتفق معه ديفيد باركر فى نفس النتائج، فيقول:”بمقارنة النص اليونانى و اللاتينى، توصلت إلى أن شكل نص الأعمال الموجود فى هذه المخطوطة يرجع إلى النمو التطورى و ليس بسبب مراجعة واحدة شاملة”[25]. و سواء كانت نظرية مونستر أو نظرية العادات اللاهوتية التى لإيب[26]، ففى كل الأحوال يتفق غالبية العلماء على ثانوية النص الغربى، و أنه ليس أصلياً بأى حال[27].

إنعدام التجانس بين شواهد النص الغربى هو العامل الخارجى لإعتباره ثانوياً، أما العامل الداخلى فهو إنعدام الإتساق اللغوى. أبرز العادات الداخلية للنص الغربى هى إنعدام وجود إتساق لغوى داخله، مثل التوفيقات المتكررة، تكرار أشكال النص، إعادة الصياغة، و خاصية الأشهر للنص الغربى و هى الإضافات. لهذا قال العالم الألمانى الشهير كونزيلمان:”نوع النص هذا لا يُوجد له ممثل بمثاء نقاء النص المصرى (السكندرى)”[28]. و حينما قررت دراسة هذه التصريحات بنفسى، رجعت إلى كتاب روبز الذى وضع فيه نص أعمال الرسل فى بيزا بالمقابلة مع نص أعمال الرسل فى الفاتيكانية، و تأكدت بنفسى من صحة هذه التصريحات.

دافع أمفوكس و فاجاناى عن أولية النص الغربى بإستخدام نفس الإحتجاج اللغوى، قائلاً:”القراءات الغربية تحتوى غالباً على كلمات متكررة غير موجودة فى بقية أنواع النصوص. و من النظرة الأولى قد يبدو هذا كزلات غير مقصودة دخلت إلى نص لا يوجد به تكرارات و بقيت هناك لمدة من الوقت. و لكن هناك سبيل آخر للإستكشاف و هو الذى إقترحه مارسيل جوزيه، و هو أن ينظر الفرد لهذه التكرارات كواحدة من ضمن خصائص عديدة للإسلوب الشفوى، و هو عبارة عن مجموعة من الآليات البلاغية المُستخدمة للأغراض التعليمية فى مجتمعات الثقافة الشفهية”[29].

و ما يقصده العالمان هنا، هو أن هذه التكرارات ليس زيادات على النص، بل هى نص أصيلاً؛ و السبب فى ذلك هو أن التكرار أحد العوامل البلاغية المُستخدمة فى الإلقاء فى المجتمع الذى خرجت منه هذه النصوص. و ما قاله أمفوكس هنا هو ثورة بالفعل كما وصفها بيتزر، إذ أنه يدعونا إلى النظر لكتابات العهد الجديد من منظور مختلف تماماً. يدعونا أمفوكس إلى التفريق بين “النحو” و “البلاغة”، فالإسلوب فى إستخدام المفردات و حروف الوصل و ما إلى ذلك، هو شىء يختص بالكاتب نفسه. و لكن الإسلوب البلاغى يرجع بنا إلى ما قبل عصر التدوين نفسه، لدراسة الكيفية التى وصلت بها الرسالة. أمفوكس يقول فى ذلك:”رسالة النص موجودة بالأكثر فى التكوين البلاغى لكل قصة و الترتيبات السردية أكثر من المفردات نفسها. و لكن هذا النوع المُعقد من الكتابة المُشفرة غير مناسب للنشر العام”[30]. و لهذا كان يجب التعامل مع النص لجعله أقل يسراً فى الفِهم أثناء تداوله، فظهر النص السكندرى.

المشكلة الرئيسية فى هذا الإحتجاج أنه غير قائم على دليل! بالإضافة إلى ذلك، السؤال الهام يطرح نفسه بقوة: لماذا فى أعمال الرسل فقط؟! لم يطرح العلماء المعتقدين فى أصالة النص الغربى إجابة على هذا السؤال، ولا حتى أمفوكس فعل. و يجب أن نعى أننا نتكلم على أسبقية نصوص و ليس قراءات. بمعنى، نستطيع أن نجد قراءات أصلية فى النص الغربى، كما فى التقصيرات الغربية غير المُعتادة. لكن هذا لا يعنى أن النص الغربى بشكل عام أسبق فى أفضليته عن النص السكندرى الذى سنتكلم عنه الآن. و يبقى الحال كما عبر عنه بيتزر:”رغم أن هناك أدلة جديدة و نظريات دعمت أصالة النص الغربى فى العقد أو العقدين الماضيين، فهذه الأدلة و النظريات لم تنجح فى إقناع عَالم العلماء. ما نحتاجه هو نظرية شاملة تأخذ فى الحسبان كل أو أغلب المعالم و الظواهر المثبتة حول هذا النص. و حتى تخرج هذه النظرية للنور، يبقى من الأسهل رؤية هذا النص على أنه ثانوى المنشأ”[31].

النص السكندرى

يفتتح ميتزجر و ايرمان مناقشتهما للنص السكندرى بقولهما:”سيكون من الخطأ تصور أن ممارسات عملية النسخ الغير مُتحكم بها التى أدت إلى تكوين التقليد الغربى النصى، تم إتباعها فى كل مكان يتم إنتاج نصوص به فى الإمبراطورية الرومانية”[32]. و قد صدقا بالفعل، فالإجماع العام لعلماء النقد النصى للعهد الجديد، أن النص السكندرى هو نص حازم يقدم أفضل صورة ممكنة للنص الأصلى بإخلاص و نزاهة. هذا الحزم يسميه ميتزجر و ايرمان بـ “التحكم الواعى ذو الضمير الحى”[33]. و النص السكندرى له عدة أسماء، فهو النص المحايد عند ويستكوت و هورت، النص ما قبل السكندرى عند بروس ميتزجر، و هو النص الأصلى عند كرت و بربارا آلاند (أو القاسى فى تصنيفهما للبرديات). و يمثل هذا النص بشكل رئيسى: البردية 66، البردية 75، السينائية، و الفاتيكانية[34].

العوامل التى تجعل من النص السكندرى يحمل معالم الأصولية، إثنين[35]:

· العامل الخارجى: و هو مدى جودة نص برديات القرن الثانى و الثالث.
· العامل الداخلى: و هو الإتساق المتماسك فى المعالم و الخصائص الرئيسية لهذا النص، خاصةً فى البرديات القديمة.

دافع ويستكوت و هورت عن أصولية النص السكندرى، الذى هو النص المحايد فى نظرهما، و قدم هورت أكبر أجزاء مقدمته دفاعاً عن أصولية هذا النص. كان إعتمادهما الرئيسى على السينائية و الفاتيكانية، فجاءت البرديات التى تم إكتشافها فى القرن العشرين لتقوى إحتجاجهما. معروف لكل باحث فى النقد النصى، أن ويستكوت و هورت فضلا المخطوطة الفاتيكانية عن السينائية فى تحرير إصدارهما لنص العهد الجديد. فكانت المفاجآة بإكتشاف البردية 75، و التى تسبق الفاتيكانية بقرن و نصف من الزمان، لتؤيد الفاتيكانية أكثر من السينائية. بجانب الترجمة القبطية الصعيدية، و بعض الآباء السكندريين الذين نجح العلماء فى إعادة تكوين نصهم للعهد الجديد، يصبح الدليل فى قمة تماسكه لبناء قضية صلبة لأصولية النص السكندرى. بيتزر يصف أمر النص السكندرى بقوله:”النص يجرى كخيط ذهبى فى أقدم المخطوطات كلها”[36]، و يصفه ميتزجر و ايرمان:”ليس أمراً مفاجئاً أن نجد الشواهد النصية المرتبطة بالإسكندرية تشهد جودة عالية فى الإنتقال النصى من أقدم العصور. لقد كان هناك حيث يوجد خط قديم من النص نُسِخ و حُفِظ كما هو مُبرهن عليه فى كتابات كُتّاب الكنيسة من القرن الثالث و الرابع، مثل: أوريجانيوس، أثناسيوس، و ديديموس الضرير، و كما هو موجود فى هذه المخطوطات المُعتبرة مثل: البردية 66، البردية 75، المخطوطة الفاتيكانية، و المخطوطة السينائية، و فى مخطوطات من الترجمات القبطية”[37].

و هذا يرجع بالأساس للحقيقة التاريخية الهامة، و هى أن الإسكندرية مركز تجمع الثقافات و الكلاسيكيات و الفلسفات من حول العالم. كل دارس متعمق فى العصر اليونانى فى الإسكندرية، يعرف جيداً الحضارة العظيمة التى أسسها البطالمة فيها، منذ أن أسسها الإسكندر. بارت ايرمان يقول حول هذه الثقافة:”أدرك العلماء المعاصرين أن النُساخ فى الإسكندرية، و التى كانت مركزاً فكرياً رئيسياً فى العالم القديم، كانوا مدققين بشكل خاص، و حتى فى هذه القرون المبكرة، فهناك فى الإسكندرية، حُفِظ شكل نقى جداً للنص فى الكتابات المسيحية الأولى، لعقد بعد عقد، بواسطة نُساخ مسيحيين مُكرسين و مُدربين نسبياً”[38].

رغم هذا، فقد كان ويستكوت و هورت معتقدين بشكل خطير فى أن النص السكندرى، أو نصهم المحايد، هو النص الأصلى بعينه. و لكن الموقف الآن تعدل بعض الشىء، فلا يعتقد العلماء أن هناك مخطوطة أو أن هناك نوع من النص لا يحمل خطأ نسخى على الإطلاق. و لذلك، سمح العلماء بإمكانية وجود الخطأ فى النص السكندرى. غير أن أكثر ما يجب أن ننتبه له، هو أن النص السكندرى الأقل عرضة تماماً للخطأ النسخى.

تكوين التاريخ

بناء على ذلك، تم تكوين تاريخ الإنتقال النصى فى النقاط التالية:

· كل مخطوطة، كل تيار نصى، كل نص محلى، كل عائلة، تحمل بداخلها برهان فسادها.
· عملية انتقال نص العهد الجديد، تشهد على نفسها، بأنها بدأت بشكل عشوائى غير مُدرب، و أنتقلت بعد ذلك لعدة مراحل من الحزم، الى ان وصلت لمرحلة الدقة المطلوبة.
· فى ضوء ما هو معروف و ثابت عن الثقافة الأدبية للعصور القديمة، فإن أغلب الخلافات المُتعمدة نشأت فى القرون المبكرة جداً للمسيحية.
· لا تحمل الفترة الأولى لإنتقال نص العهد الجديد، أى دليل او برهان علمى، على وجود تنقيح نقدى مُحملاً بأيديولوجيات لاهوتية، سواء أرثوذكسية او هرطوقية، بإستثناء ماركيون. إنما التغييرات نشأت نتيجة “التصحيح”.
· مساحة و تأثير هذا “التصحيح”، تختلف بشكل ملحوظ: فمن المُمكن ان تكون عملية التصحيح هى مجرد مراجعة النسخة على المثال المنقول عنه، و قد يأتى هذا التصحيح من القارىء او ناسخ ما لتصحيح اخطاء ناسخ المخطوطة دون العودة الى المثال الذى نُقلت عنه هذه المخطوطة، و قد تُراجع النسخة على مخطوطة أخرى غير التى نُقلِت عنها.
· التيارات النصية السكندرية و البيزنطية، ليست إختلاقاً للقراءات، و إنما إختياراً بين القراءات.
· النسبة العامة الحالية لتدعيم قراءة ما فى المخطوطات المتوفرة، لا تعكس بالضرورة النسبة العامة لتدعيم نفس القراءة فى المراحل الأقدم فى تاريخ إنتقال النص.
· إنتقال نص العهد الجديد، تشكل و تأثر بشكل واضح و مباشر، بالظروف الخارجية المحيطة، التى أثرت جزرياً فى تاريخ الكنيسة المسيحية، مثل عصور الإضطهاد، سياسات الإمبراطورية البيزنطية، ظهور الإسلام، و الصراع الأرثوذكسى – الهرطوقى المُمتد ما امتدت الكنيسة المسيحية. بكلمات أخرى، لم يكن هناك “وضع طبيعى” تم فيه نِساخة العهد الجديد، بل قد تمت عملية الإنتقال تحت كل ظرف يمكن تخيله، إلا الظرف الطبيعى.
· هناك قلة من مخطوطات الحروف الصغيرة، ثبت انها مأخوذة عن إحدى مخطوطات الحروف الكبيرة القديمة، و بالتالى فهذه المخطوطات لا تُعامل بتاريخ كتابتها، و إنما بحسب جودة النص الذى تحتفظ به.
· من المُمكن إعادة تكوين تاريخ تكون بعض الأقسام الفرعية داخل النص المحلى الواحد، مثل العائلة 1 و العائلة 13، بشىء من الثقة. هذه المحاولات فى الأمثلة المُصغرة، تساعدنا بشكل كبير فى فهم تاريخ تكوين النصوص المحلية، و محاولة إعادة تكوينه.
· دراسة النصوص الآبائية و الكُتَّاب القدامى، تقدم لنا مساعدات فى إعادة تكوين وضع الإنتشار الجغرافى فى إحدى حقبات التاريخ.
· تاريخ الإنتقال النصى، يختلف بشكل جوهرى بإختلاف العامل الأدبى فى كتب العهد الجديد. فتاريخ انتقال نص الأناجيل يختلف عن تاريخ إنتقال نص الرسائل بشكل عام، و يختلف تاريخ انتقال نص الرسائل البولسية عن الرسائل الجامعة، و يختلف عنهم جميعاً سفر الرؤيا.

فادى اليكساندر
28 – 10 – 2009

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] Jacobus H. Petzer, The History of The New Testament Text: Its Reconstruction, Significance, And Use in New Testament Textual Criticism, In: New Testament Textual Criticism, Exegesis, And Church History: A Discussion of Methods, Edited By B. Aland & J. Dolbel, Pharos: Netherlands 1994, P. 11
[2] B. F. Westcott & F. A. Hort, The Greek New Testament With Dictionary, Foreword By Eldon Jay Epp, Hendrickson Publishers: USA 2007, P. xiii
[3] Bruce M. Metzger & Bart D. Ehrman, The Text of The New Testament: Its Transmission, Corruption & Restoration, 4th Edition: Oxford University Press 2005, P. 273-274.
[4] راجع بحثنا السابق “قراءة ثانية للخاتمة و الزانية” لأفكار حول هذا الموضوع.
[5] http://www.uni-muenster.de/INTF/Initial_text.html
[6] هذا المثال مأخوذ بتصرف عن العالم هارلود جرينلى، أنظر:
J. Harlod Greenlee. The Text of The New Testament: From Manuscript to Modern Edition, Hendrickson Publishers: USA 2008, P. 40; See also, Introduction To New Testament Textual Criticism, 2nd Revised Edition, Hendrickson Publishers: USA 1995, P. 52.
[7] Metzger & Ehrman, P. 279
[8] Ibid.
[9] Petzer, P. 17
[10] Metzger & Ehrman, P. 276
[11] K. Aland & B. Aland, The Text of The New Testament: An Introduction To The Critical Editions & To The Theory & Practice of Modern Textual Criticism, 2nd Edition, English Translation By Erroll F. Rhodes, Eerdmans: USA 1989 (Paper Back Edition: 1995), P. 54-55.
[12] Metzger & Ehrman, P. 276
[13] Bruce M. Metzger, A Textual Commentary on The Greek New Testament, 2nd Edition: German Bible Society 1994, 5th Printing 2005, P. 223.
[14] Eldon J. Epp, Coptic Manuscript G67 & The Role of Codex Bezae As A Western Witness in Acts, In: Journal of Biblical Literature, Vol. 85, No. 1: 1966, P. 197-212.
[15] Petzer, P. 19
[16] Christian-Bernard Amphoux & Leon Vaganay, An Introduction To New Testament Textual Criticism, Cambridge University Press 1991, P. 94
[17] أنظر نظرية أمفوكس بالتفصيل فى المرجع السابق، ص 98 – 111، و خاصةً حديثه عن دور ماركيون فى ص 99 – 100.
[18] Petzer, P. 20
[19] Metzger, Textual Commentary, P. 223.
[20] M.-E. Boismard, The Texts of Acts: A Problem of Literary Criticism? In: New Testament Textual Criticism: Its Significance for Exegesis, Edited By Eldon J. Epp & Gordon D. Fee, Oxford University Press 1981, P. 147
[21] Metzger, Textual Commentary, P. 224.
و قد قدم ميتزجر نقداً واسعاً شمل آراء العلماء فى نظرية بلاس هذه فى ص 225 – 226.
[22] Boismard, The Texts of Acts, P. 148.
[23] Petzer, History, P. 22. See Also Metzger, Textual Commentary, P. 234.
[24] Metzger, Textual Commentary, P. 233.
[25] David C. Parker, An Introduction To The New Testament Manuscripts & Their Texts, Cambridge University Press 2008, P. 289
و يكرر ذلك قائلاً:”دراستى فى المخطوطة بيزا ولدت الدليل بأن نصها لأعمال الرسل هو نتيجة مراحل من النمو. فمقارنة بيزا مع البردية 38 تقترح بأنه لم يكن هناك شكل واحد مُراجع للأعداد، إنما أن كلاً من المخطوطتين يشهد لمراحل مختلفة فى عملية النمو”، ص 298.
[26] مع ملاحظة أن هناك علماء كثيرين إختلفوا مع إيب فى نظرية العادات اللاهوتية، مثل باريت، و لكن ما ينصف نظرية إيب هو ليس فقط وجود العادات المعادية لليهودية فى المخطوطة بيزا و التى أشار لها إيب، و إنما أيضاً وجود بعض العادات الكريستولوجية فى نفس المخطوطة و التى أشار لها ايرمان.
[27] نظرية بلاس و نظرية آلاند ليستا الوحيدتين، بل هناك نحو تسع أو عشر نظريات عرضهما ميتزجر و باريت، و لكن إخترت هاتين النظريتين فقط لأنهما الأكثر شهرةً. للمزيد حول بقية النظريات أنظر:
C. K. Barrett, A Critical & Exegetical Commentary on The Acts of The Apostles, Vol. 1, T&T Clark: USA – UK 1994, P. 20-26; Metzger, Textual Commentary, P. 223-231.
[28] Hans Conzelmann, Acts of The Apostles: A Commentary, (English Translation, Hermeneia Series), Fortress Press: USA 1987, P. xxxiv
[29] Amphoux & Vaganay, Introduction, P. 94
[30] Ibid, P. 95.
[31] Petzer, History, P. 25.
[32] Metzger & Ehrman, Text, P. 277
[33] Ibid, P. 277-278
[34] البعض يستثنى البردية 66 بسبب التصحيحات التى تحملها عند وجود خلاف بينها و بين الثلاث مخطوطات الأخرى.
[35] Petzer, History, P. 25
[36] Ibid, P. 26.
[37] Metzger & Ehrman, Text, P. 278
[38] Bart D. Ehrman, Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed The Bible & Why, Plus Edition, HarperSanFrancisco: USA 2007, P. 72; also the 2005 Edition, P. 72.

 

حوار مع دانيال والاس| ترجمة: فادى اليكساندر


حوار مع دان والاس
ترجمة: فادى اليكساندر
حوار مع دانيال والاس| ترجمة: فادى اليكساندر

هذا هو حوار المُحقق المسيحى، لى ستروبل، مع العالم دانيال ب. والاس. نُشِر هذا الحوار كالفصل الثانى من كتاب “القضية ليسوع الحقيقى”، و الذى يحتوى على العديد من الحوارات مع العديد من العلماء. بفحص ذكى، يُعرِض لى ستروبل أهم الشكوك التى ظهرت مُؤخراً، و يفتح الباب أمام الإبداع العقلى فى تقييم الدليل المتوفر. شهد العام 2005 صدور الكثير من الكتب المُهاجمة للإيمان المسيحى، بشكل غير مسبوق؛ خاصةً أن أغلبها صدر من أساتذة جامعيين. ليجىء العامين 2006 و 2007، ليشهدا صدور التصدى الإنجيلى لهذا الهجوم العنيف، بواسطة مجموعة من العلماء المؤمنين. بدايةً من شفرة دافينشى، مروراً بجيمس تالبوت و بارت ايرمان، إلى عودة المؤلف مايكل بيجنت، من الجانب الليبرالى، ثم ظهور الإهتمام الإنجيلى بالرد على هذه الكتب بدايةً من جارى هابيرماس، مروراً بداريل بوك، دانيال والاس، كريج إيفانز، إلى ظهور عَلم العِلم الكتابى فى بريطانيا و أوروبا توم رايت، من الجانب الإنجيلى. و مثلما كان النقد التاريخى لحادثة القيامة هو جوهر النقد الليبرالى للإيمان المسيحى، ظل كذلك فى الأعوام الأخيرة؛ و ظهر نقد حاد لحقيقة قيامة الرب من الموت.

إلى جانب القيامة، أصبح الإهتمام بنص العهد الجديد، و مدى موثوقيته، فى جوهر الإهتمام بعد ظهور كتاب بارت ايرمان “سوء إقتباس يسوع”. فهناك إختلافات فى المخطوطات، و هناك دوافع لبعض هذه الإختلافات، بل و هناك أسباب لاهوتية لتغيير النص. هل يُمكننا الثقة بعد ذلك فى النص؟ و هل يُمكننا أن نثق بأن صورة يسوع كما هى بين أيدينا، هى نفس الصورة التى سجلها المؤلفين؟ نعم، أعتقد أنه يُمكننا. جرّد نفسك من كل نزعاتك و توجهاتك و خلفياتك المُسبقة، مسيحى كنت أو مسلم، فإخلع عنك إعتقادك بموثوقية النص أو تحريفه، و أنفض عنك الإيمان بقدسية العهد الجديد أو بشريته التامة، لنبدأ فى تحرى ما الذى يقوله الدليل، و لنحاول الوصول إلى أفضل تفسير ممكن للبيانات المتوفرة بين أيدينا.

المناظرة بين دانيال والاس و بارت ايرمان كبيرة جداً، سواء فى كتابات الإثنين أو مناظرتهما الصوتية أو حواراتهما على الإنترنت. و كما أصبحت كتابات إيرمان فى متناول القارىء العربى، رأيت أنه من الواجب على الباحث العلمى الحقيقى أن يقرأ كل وجهات النظر، و يرى كل التفاسير المتوفرة للدليل، لذا ترجمت كتابات والاس. و رغم أن هذا الحوار هو آخر ما ترجمت لوالاس، فقد رأيت أنه أهم ما كُتِب، لأنه لا يتعامل مع مفاهيم النقد النصى فحسب، بل مع مفاهيم الوحى و العصمة، الإحتمال و اليقين، الحادث و المؤامرة.

تمت الترجمة، بإذن من لى ستروبل المؤلف، و دار زونديرفان، الناشر، عن كتاب:

The Case for The Real Jesus: A Journalist investigates Current Attacks on The Identity of Christ, By Lee Strobel, Zondervan; USA 2007, Pp. 65-100

القضية ليسوع الحقيقى: صحفى يتحقق الهجوم الحالى على هوية المسيح، لى ستروبل، إصدار دار زونديرفان للنشر، الولايات المُتحدة 2007، ص 65 – 100.

المُتَرجِم

التحدى الثانى
“لا يُمكن الثقة فى صورة الكتاب المقدس عن يسوع لأن الكنيسة تلاعبت بالنص”

حينما كنت مُحققاً فى صحيفة شيكاغو تريبيون، كانت هناك طالبة جامعية من مدينة صغيرة فى وسط شرق البلاد، بدأت العمل فى القسم الداخلى لفترة الصيف. كان والديها غير راضيين عن عملها فى مدينة كبيرة و سريعة الحال كهذه، لذا إعتادت والدتها على أن تكلمها هاتفياً بإنتظام لتطمئن عليها.

و فى أحد الأيام، رن هاتف القسم الداخلى، فرد على الهاتف مُحقق كان عابراً من أمامه. ثم حينما سألت الوالدة إذا كانت تستطيع ان تكلم إبنتها، أجاب المُحقق قائلاً:”آسف، إنها فى المشرحة الآن”.

الصراخ الذى جاء عبر الهاتف جعل المُحقق يتذكر بأنه ليس كل شخص يألف اللغة الصحفية. فهو لم يكن يُشير الى مشرحة الدولة، حيث تُوجد جثث الموتى؛ لكن فى لغة الصحافة، المشرحة تعنى مكتبة الصحيفة حيث تُوجد الأعداد و المقالات القديمة.

مُصطلح المشرحة مازال يُستخدم لليوم، لكن التكنولوجيا غيّرت كيفية تعامل الصحف مع أرشيفاتها. حينما كنت مُحققاً فى جريدة تريبيون شيكاغو، كان أمناء المكتبات يلتقطون المقالات من الصحف بدقة، ثم يقوموا بطيهم بإتقان شديد، ثم يضعونهم بداخل مظروفات صفراء، بحسب عنوان المقال، كل شخص تم ذكره فى المقال، و إسم المُحقق. لكن الباحثين من خارج الجريدة كان نادراً ما يتم منحهم فرصة للدخول الى المشرحة بهدف حماية هذا المخزن التاريخى القيّم.

أما اليوم، فأرشيفات صحف كثيرة يُمكن البحث فيها إلكترونياً عن طريق الإنترنت. فى عام 2006، أعلنت صحيفة نيو يورك تايمز بأنها ستعطى مُنتفعيها المنزليين، دخول مجانى لكل مقال نشرته الجريدة منذ عام 1851، و هو كنز تاريخى يُقدم توضيحات لأحداث جرت فى الماضى.

غالبية المؤرخين اليوم لا يستطيعون الوصول الى العدد الأصلى من الجريدة الموجودة فى المظروف الأصفر على الورق الصحفى الجاف. لكن بدلاً من ذلك، فيستطيعون الوصول الى نُسخة إلكترونية من الحدث، و هى النُسخة التى من السهل تغييرها عن طريق شخص يُريد إعادة كتابة أحداث التاريخ. كمثال، فالتحقيقات التى كانت تُسبب حرجاً و التى لا تنتهى لصحيفة نيو يورك تايمز كانت، دائماً ما كانت تأخذها من مُنافستها صحيفة واشنطن بوست، أثناء التحقيقات الغزيرة التى دارت فى السبعينات. ماذا اذا قام أحدهم فى صحيفة نيو يورك تايمز بالتدخل فى نصوص التحقيقات من المقالات الغزيرة ليجعلها تبدو و كأن نيو يورك تايمز هى التى إنتصرت على واشنطن بوست؟

حينما يصل أى باحث الى هذه المقالات التى تم التلاعب بها، كيف يُمكنه ان يُحدد ما هى الأجزاء الأصلية فى القصة، و ما الذى قد تمت إضافته لاحقاً؟ هناك عدة إرشادات: فالإضافات المتأخرة سوف تخدم صحيفة نيور يورك تايمز. إسلوب الصياغة سيكون مختلف عن بقية القصة. و بدلاً من أن تكون هذه الإضافات ملائمة للسرد القصصى فى المقال، فستكون بالتأكيد غير مناسبة لمكان وضعها. و الأكثر أهمية من كل ذلك، يستطيع الباحثين زيارة المكتبات فى المدينة و يتأكدوا من نُسخ الميكرو فيلم لمقالات نيو ورك تايمز. نُسخ الميكرو فيلم هذه تسبق النُسخ المزيفة، و بالمقارنة سوف يتم كشف التغييرات التى تمت فى النُسخة الإلكترونية.

هذا تشبيه تقريبى للطريقة التى يُحاول بها العلماء إعادة تكوين النص الأصلى للعهد الجديد. أقدم النُسخ البردية إندثرت فى الرمال. و حتى طبع أول عهد جديد يونانى فى بدايات القرن السادس عشر، كان النُساخ يقومون بعمل مخطوطات منسوخة باليد من العهد الجديد. ورود الأخطاء أمر حتمى فى هذه العملية البشرية المُطلقة، إذن، فكيف نتحقق من أن النص الذى بين أيدينا الآن لم يتغير على نحو هام؟

العلماء المتدربين فى “النقد النصى” يستخدمون طُرق علمية تحليلية متنوعة ليتثبتوا من صياغة النص الأصلى. إنهم يبحثون بدقة فى المخطوطات، فى بحث مُضنى عن القراءات الشاذة.

يقومون بعمل مُقارنة حريصة للمخطوطات القديمة ذات تواريخ مختلفة و أماكن متنوعة، لمعرفة أين يتفقون و أين يختلفون. لقد كانت هذه العملية عبارة عن مساعى أمينة سرية، حتى قام أحد نُقاد النص العالميين، بارت د. ايرمان، بكتابة أول كتاب حول هذا الموضوع بإسلوب عامى، سوء إقتباس يسوع، الذى كاد ينفجر على قمة قائمة الكتب الأفضل مبيعاً فى عام 2006. كان هذا الكتاب لشهور هو الكتاب الدينى الأول فى أميركا.

لكن عنوان الكتاب، فعلاً، تسمية خائطة. لا يُوجد فى صفحاته الـ 242 أى شىء تقريباً حول سوء إقتباس كلمات يسوع. لكن رسالة الكتاب هى أن القراء لا يستطيعون الثقة فى نص كتابهم المقدس، و الصورة العامة المعروفة ليسوع المُستقاة من العهد الجديد، من المُحتمل انها لم تعد بعد صورة موثوق بها.

“لا نمتلك الأصول!”

لقد دق كتاب ايرمان أجراس الإنذار لدى العامة. إيرمان، رئيس قسم الدراسات الدينية بجامعة شمال كارولينا فى تشابيل هيل، سجل بأن عدد القراءات، أو الإختلافات بين المخطوطات المتنوعة المكتوبة بخط اليد، يصل الى 200000 و ربما الى 400000، و أن عدد القراءات الموجودة فى المخطوطات أكبر من عدد كلمات العهد الجديد!

يتسائل إيرمان:”كيف يُمكن ان يُساعدنا القول بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله المعصومة، اذا كنا فى الحقيقة لا نمتلك الكلمات التى أوحى بها الله معصومةً، بل فقط الكلمات التى نسخها النُساخ، بعض الأوقات بشكل صحيح، و بعض الأوقات (كثير من الأوقات!) بشكل غير صحيح؟”. ثم صرّح:”نحن لا نمتلك الأصول! لدينا فقط نُسخ غير معصومة عن الخطأ، و الغالبية العظمى من هذه المخطوطات يفصله قرون عن الأصول، و مختلفين فيما بينهم، بآلاف الطرق”.

و مما يُسبب إشكالاً أكبر، تصريح ايرمان بأن بعض النُساخ تلاعبوا عبر القرون مع النص بتعمد، لأسباب لاهوتية و أسباب أخرى. فقد قال:”فى بعض الحالات، معنى النص فى خطر، و يعتمد على كيفية حل الفرد للمشكلة النصية”. فكمثال:

“هل كان يسوع رجلاً غاضباً؟ هل كان مهتاج تماماً فى مواجهة الموت؟ هل أخبر تلاميذه أنهم يستطيعون شرب السم ولا يضرهم؟ هل أفلت زانية من أيدى ممسكيها دون اى شىء سوى تحذير مُعتدل؟ هل عقيدة الثالوث عُلِم عنها فى العهد الجديد بوضوح؟ هل دُعى يسوع حقاً “الإله الوحيد” فى العهد الجديد؟ هل يبين العهد الجديد بأن حتى ابن الله نفسه لا يعرف متى ستكون النهاية؟ الأسئلة كثيرة…”

الكثير من القراء صُعقِوا حينما إنصرف ايرمان عن تأييد أصالة واحد من أكثر المقاطع شعبية و حباً فى الكتاب المقدس. قصة حنو يسوع غافراً لمرأة زانية. بل و الأكثر، خاتمة إنجيل مرقس، و التى تُسجل ظهورات يسوع بعد القيامة، و أكثر مقطع وضوحاً فى الكتاب المقدس فى وصف الثالوث، كل هؤلاء إضافات متأخرة، لا تنتمى للعهد الجديد حقاً.

ايرمان ليس العالم الوحيد الذى يُشكك فى أمانة إنتقال العهد الجديد. لقد كتب أعضاء سيمينار يسوع:”حتى النُساخ الحريصين، إرتكبوا بعض الأخطاء، كما يعلم كل مُحقق. إذن، فلن نكون قادرين على الزعم بأى معرفة دقيقة أكيدة حول ماذا كان النص الأصلى لأى نص كتابى. و قال المُلحد ريتشارد س. كاريير:”الكثير من هذه القراءات المتضاربة لا يُمكن تفسيرها كأخطاء نسخية مُجردة، بل إنها تسير تبعاً لأيدولوجية بالطبيعة”.

مع ذلك، فقد كان كتاب ايرمان – المُحفز للقراءة، البارع، و الذى يبدو مُوثوق به جداً – الذى أشعل السجال حقاً. أحد اسباب نجاح كتاب ايرمان الواسع، هو الطريقة التى يسرد بها ايرمان بشكل جذاب، كيف أن الأخطاء فى نص العهد الجديد كانت هى التى دفعته الى رحلة شخصية من المسيحية الى اللاأدرية.

لقد وُصف أنه حصل على:”إختبار الميلاد الثانى”، عن طريق مجموعة طلابية مسيحية فى المدرسة الثانوية، ثم تخرجه من معهد مودى الكتابى (“نوع من المعسكرات المسيحية”) ثم من كلية ويتون الإنجيلية التى يتغنى بها بيلى جراهام. ثم وصل الى مرحلة حاسمة حينما كان يدرس فى معهد برينسيتون اللاهوتى الأكثر ليبرالية، حينما كتب بحثاً يُقدم فيه بعض الحلول لشرح تناقض ظاهرى فى إنجيل مرقس. يقول ايرمان:”كان علىّ ان اقوم ببعض المناورات التفسيرية لشرح المشكلة”، لكنه إعتقد أن استاذه الذى كان “عالم مسيحى جيد” سوف يُقدر عمله. لكن بدلاً من ذلك، كتب الاستاذ ببساطة على البحث:”ربما يكون مرقس قد اخطأ”.

يقول ايرمان عن هذا التعليق، أنه:”دخل مباشرةً إليه”. ثم إستنتج: حسناً، نعم، ربما إرتكب مرقس خطأ، ثم “زالت كل الحواجز”. و قال، ربما هناك اخطاء أخرى ايضاً فى الكتاب المقدس. نتج هذا فى “تغير زلزالى” دفعه الى الإستنتاج بأن الكتاب المقدس:”كان كتاباً بشرياً من البداية للنهاية”. و اليوم، يصف نفسه بأنه “لاأدرى سعيد”، و حينما تأتى نهاية حياته، “سينقطع عن الوجود، مثل البعوضة التى دهستها أمس”.

الموضوعات التى يتناولها الكتاب أصبحت تحدياً لإيمان الآخرين. هذا نص أحد الرسائل التى تلقيتها:

“من فضلك ساعدنى. لقد قرأت لتوى كتاب بارت ايرمان: سوء إقتباس يسوع. لقد نشأت فى الكنيسة و انا الآن عمرى 26 عاماً. هذا الكتاب دمر إيمانى. انا لا أريد ان ابقى فى الظلام؛ أريد أن اعرف ما الذى يحدث فى الكتاب المقدس و ما الذى يجب أن اؤمن به، حتى لو كان ذلك ضد ما آمنت به منذ ان كنت ولد صغير. هل إيرمان على صواب؟”

هذا السؤال هو الذى دفعنى لأستقل طائرة الى دالاس، باحثاً عن ناقد نصى آخر شهير، ترخيصاته العلمية تُنافس التى لإيرمان. لقد كان الخطر هو سواء كان العهد الجديد يُمكن الوثوق به فى تزويدنا بصورة موثوقة حول يسوع الحقيقى.

الحوار الثانى: دانيال ب. والاس، دكتوراه الفلسفة فى اللغة اليونانية

قصص هروب مُخيف من الموت، صدف عجيبة، تقلبات غريبة من القدر، أحداث شاذة، سواء كان قديماً او حديثاً، فكل المُحققين يضغط عليهم المُنقحين للكتابة عن قصة قصيرة عن نوع ما من المواقف الطريفة التى تنتمى الى سلسلة ريبلى “صدق أو لا تُصدق”. لقد رأيت الكثير منها على مدى السنين. يقرأهم الناس و أعينهم متسعة، ثم حينما ينتهون يقولون لأنفسهم:”آه، هذا غريب فعلاً”. هذا هو نوع المقالات التى تتناقل عبر الإنترنت.

دانيال ب. والاس يُمكن أن يكون أحد هذه القصص. أمره غريب جداً: والاس الذى لم يكن يعرف اللغة اليونانية، علم نفسه اليونانية ليصبح أحد أهم خبراء العالم فى اللغة اليونانية، و قد قام بهذا عن طريق دراسته لبعض الكتب المدرسية التى كتبها هو بنفسه!

حسناً، هذا يحتاج الى شرح. لكن لنعطى خلفية عنه اولاً: والاس هو أستاذ دراسات العهد الجديد بمعهد دالاس اللاهوتى، و أحد أعلى السلطات فى العالم فى النقد النصى. عنوان رسالته للدكتوراه يُبين إلى أى مدى يُمكن التخصص فى يونانية العهد الجديد: آداة التعريف مع عدة أسماء مرتبطة بـ “و” Kai فى العهد الجديد: دلالات الألفاظ و أهميتها. والاس قام بأعمال ما بعد الدكتوراه فى تيندال هاوس بجامعة كامبريدج، و كذلك جامعة توبينجين، و معهد البحث النصى للعهد الجديد، و كلاهما فى ألمانيا.

و حالياً، هو المدير التنفيذى لمعهد الجديد للنقد النصى، مركز دراسة مخطوطات العهد الجديد الذى يهدف الى حفظ مخطوطات العهد الجديد رقمياً، حتى يتمكن العلماء و غيرهم من فحصهم عن طريق برامج الإنترنت. بين عامى 2002 و 2006، قام المركز بتصوير أكثر من 35 ألف صورة رقمية عالية الجودة لمخطوطات العهد الجديد اليونانى، و منهم نصوص عديدة مُكتشفة مُؤخراً.

لقد سافر والاس الى دول العالم حتى يستطيع أن يدرس بنفسه المخطوطات القديمة، فزار الفاتيكان، جامعة كامبريدج، جبل سيناء، إسطانبول، فلورينسا، برلين، دريسدين، مونستر، كولونيا، بطمس، اورشاليم (القدس)، و أماكن أخرى.

كان هو المُنقح الأعلى للترجمة الإنجليزية الحديثة للكتاب المقدس (NET)، التى يُوجد بها حواشى توضيحية أكثر من أى نُسخة أخرى للكتاب المقدس تم نشرها، و هو عضو فى جمعية دراسات العهد الجديد (الجمعية العالمية لدراسات العهد الجديد). ظهرت مقالاته فى مجلات: دراسات العهد الجديد، العهد الجديد، كتابيات، مجلة ويستمينستر اللاهوتية، منتدى البحث الكتابى. بالإضافة الى ذلك، فقد ساهم بأربعين مقالاً لقاموس نيلسون الكتابى التوضيحى، و أكثر من 150 مقال فى الدراسات الكتابية نُشِرت فى موقع مؤسسة الدراسات الكتابية.

و من ضمن كتب عديدة ساهم فى تأليفها، كتابه ذو المستوى الشعبى إعادة إكتشاف يسوع، حيث ينتقد كتاب إيرمان سوء إقتباس يسوع. لكن والاس مشهور أكثر بين طلاب المعاهد اللاهوتية بسبب كتابه المدرسى: النحو اليونانى فيما بعد الأساسيات، الذى تستخدمه ثلثى مدارس الدولة التى تُدرس اليونانية، بما فيهم كلية يال اللاهوتية، معهد برينسيتون اللاهوتى، و جامعة كامبريدج.

لقد كان ذلك بعد أن أنهى والاس كتابه المدرسى حينما تعرض لنوبة شلل بسبب إلتهاب فيروسى فى أنسجة المخ، جعله طريح كرسى مُتحرك لأكثر من عام و أضعف ذاكرته. فى بعض الأوقات كان يجد صعوبة فى تذكر إسم زوجته. و بالتالى، فقد معرفته باليونانية تماماً، و هو الأمر الذى دفعه أن يستخدم كتابه و كتب أخرى ليُعلم نفسه مرة أخرى هذه اللغة القديمة الصعبة. و هذه هى بقية القصة، كما يُحب أن يقول مُعلق الإذاعة بول هارفى.

فى عالم نُقاد النص، فإسم والاس هو أحد الأسماء القليلة التى يمكن وضعها بجوار إيرمان. هذا ما جعلنى أدق على منزله بدالاس فى مساء يوم جمعة، و الذى كان مُصادفاً فيه عشاء بيتزا فى بيت والاس. جلسنا حول طاولة المطبح نستمتع بالعشاء و مناقشة لطيفة، و بعد ذلك دخلنا الى مكتبه، و هو عبارة عن مكتبة مُكونة من حجرتين تتسع الى ستة آلاف كتاب.

والاس، ذو الشعر المُجعد الرمادى الغامق و لحية صغيرة رمادية، لم يقدر على مقاومة رغبته فى أن يرينى فخر ممتلكاته. أحضر مجلداً ضخماً سميكاً بحرص من على رف الكتب، ثم فتحه ببطأ على مكتبه. لقد كانت واحدة من بين 450 نُسخة منُتجة حديثاً للمخطوطة الفاتيكانية، و هى مخطوطة تعود الى أقل من 250 عام بعدما كُتِب العهد الجديد. البعض يقول بأن هذه المخطوطة كانت من ضمن المخطوطات الخمسين الذى أمر بتحضيرهم الإمبراطور قسطنطين بعد مجمع نيقية.

والاس قلّب الصفحات بلطف ليُرينى أعمدة من الخط اليونانى المكتوب بحروف بوصية (أو كبيرة)، و هو يخطف لمحة على رد فعلى، ليرى إذا كنت قد أبديت تقديراً مناسباً لجمال المخطوطة، تاريخها، و أهميتها. الحقيقة لقد كنت ممتلىء بالرهبة. كانت هذه النُسخة (الصناعية) مُفصلة، مصنوعة بدقة فى الفاتيكان، حتى أنها تبين ثقوب الصفحات فى نفس الأماكن التى تخرمت فى المخطوطة الفعلية.

ثم ذهبنا الى مقعدين متقابلين من الجلد لتبدأ محادثتنا. كان والاس، الذى يرتدى تى شيرت أخضر غامق و بنطال جينز أزرق و جوارب بيضاء و نظارة ذهبية تتدلى على أنفه، حيوى و فى كامل تركيبه رغم ان الوقت كان قد بدأ فى التأخر. لقد كان والاس عبارة عن مزيج مُبهر: كان راكباً للامواج سابقاً فى كاليفورنيا، حيث كان فى وقت من الأوقات يطوف المياه المتموجة فى الشواطىء، و الآن يقضى ساعات لا تُحصى فى الأديرة العتيقة و المكتبات المُتَربة فى أوروبا و الشرق الأوسط، يصور بمجهود مُضنى المخطوطات القديمة، ليحفظهم للعلماء.

كانت خطتى هى توجيه مناقشتنا نحو هل بإستطاعتنا حقاً الوثوق فى أوصاف يسوع الموجودة فى النصوص التى توارثناها عبر القرون، لكن هذا كان يعنى حتماً أن ايرمان سيكون فى الصورة.

الإمكانية، الإحتمالية، اليقين

قلت:”عالم مُحافظ قال أن ايرمان: لديه فأس كبيرة يحفر بها، و الحقيقة أنه يحفر بها جيداً بميوعة واقعية تجعلها أكثر خداعاً. لكن ألا ينطق هذا على كلا الفريقين؟ العلماء الذين يحتجون لموثوقية العهد الجديد ايضاً لديهم نزعات”.

أجاب والاس و هو يسند ظهره إلى كرسيه:”لا يُمكنك أن تفسر النص دون نزعات معينة، لكن يجب علينا أن نتحدى نزعاتنا على قدر الإمكان”.

” الطريقة التى تفعل بها هذا هو أن تنظر الى الآراء التى يتشارك بها أكثر من مجموعة من الناس. الحقيقة هى أن العلماء عبر المجال اللاهوتى بأكمله يقولون، أن مخطوطات عهدنا الجديد تعود الى الأصول فى كل الأساسيات، ليس فى كل الجزئيات، و لكن فى كل الأساسيات. ايرمان هو واحد من قلة صغيرة جداً من نُقاد النص يقول ما يقوله. بصراحة، لا أعتقد أنه قد تحدى نزعاته، بل أعتقد أنه غذاها”.

فلاحظت قائلاً:”على أحد المستويات، يبدو أن ايرمان، و بكل تجريد، قام بإخبار المستمعين العامة بكل الموضوعات التى تصارع معها نُقاد النص لقرون”.

فقال والاس:”هذا صحيح. لقد رفع الستار عن العمل العلمى، و هذا الإيحاء أرعب المسيحيين، الذين لم يكونوا مُستعدين لفهم هذه الموضوعات بكاملها. و على مستوى آخر، فهو يحاول أن يخلق شك أقوى حول ما الذى قاله النص الأصلى مُستخدما التلميحات أكثر من المادة. فينتهى القراء من الكتاب و معهم شكوك أكثر حول ما الذى يقوله الكتاب المقدس، أكثر مما قد يكون لدى أى ناقد نصى اليوم. أعتقد أن ايرمان قد غالى فى قضيته. عالم العهد الجديد المُحترم جداً جوردون فى، قال عنه:”للأسف، ايرمان غالباً ما يُحول الإمكانية المُجردة لإحتمالية، و الإحتمالية الى يقين، فى الوقت الذى يوجد أسباب أخرى تطبيقية مساوية للفساد (النصى) الموجود”.

ثم نظرت فى مذكراتى و قلت:”كيف يُمكنك ان تُجيب روبيرت فانك الذى كتب معه مشاركيه من سيمينار يسوع: لماذا اذا كان الله تحمل هذا العبء ان يُدون نصاً معصوماً للأجيال القادمة، لم يوفر الروح حفظ النُسخ الأصلية للأناجيل؟”.

فذُهِل والاس و قال:”بالنظر إلى ما فعلته كنيسة العصور الوسطى من عبادة كل انواع الذخائر المقدسة، فأنه أمر جيد أن الله لم يفعل هذا!”.

“هناك قطع من صليب يسوع عُثر عليها كافية لبناء ملعب روز باول. كم سيكون التشوش لدينا لو أن بعض من الناس زعموا بأن لديهم نصاً أصلياً لسفر ما؟ أو اذا كان لدينا الأصول فعلاً، فما الذى كان سيحدث؟ أعتقد أن هذه المخطوطات سوف تُقدس و لن تُفحص. سوف تُعبد و لن تُدرس”.

ثم إنتصب للأمام ليؤكد، و أضاف والاس:”الله لا يريد أى شخص – او أى شىء – يُعبد سواه هو. و هذا يتضمن كلمته ايضاً. بصراحة، فسؤال فانك يبدو لى كأحمق بل و حتى جاهل. من يكون هو ليقول كيف يجب ان يتصرف الله؟ و مرة أخرى، فرأيه يفترض أننا لا نستطيع إعادة تكوين النص الأصلى. بشكل رئيسى، العلماء لا يحتاجون الى التخمين حول صياغة النص الأصلى. لدينا صياغة النص الأصلى فى مكان ما فى المخطوطات. عملياً، نستطيع أن نقول بأن النص الأصلى يُمكن أن نجده فى النص المنشور للعهود الجديدة اليونانية، او فى حواشيهم”.

فأشرت الى ان مارك د. روبيرتس، الذى يحمل درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد فى دراسة الأديان، قال بأنه حتى لو قام الله بحفظ النُسخ الأصلية للعهد الجديد، فسيقول المُتشككين:”حسناً، هذا عظيم. لكن حتى هذا لا يُثبت بأن ما بهم مُوحى به إلهياً. الكتاب المقدس هو كتاب بشرى، سواء كان لديك المخطوطات الأصلية أم لا”.

فقال والاس:”أعتقد أن نقطة روبيرتس صحيحة. حتى لو كان لدينا الأصول، فالمُتشككين المنغمسين فلسفياً فى مواقفهم سوف يُحاولون إقصاءهم بعيداً عن الحوار. الكثير من المُتشككين يظهرون فقط أنهم ليبراليين: فى الحقيقة هم أحد أشكال الأصولية. قال مارتن هينجل بأن الفرق الوحيد بين الأصولى و الليبرالى الراديكالى هو مواقفهم المُسبقة. لكن منهجياتهم واحدة: يبدأون من حيث يريدون أن ينتهوا إلى ثم ينظرون الى كل الأدلة المتوفرة بإنتخابية بحسب اهوائهم، بدلاً من تقبل ما الذى يكشفه الدليل فعلاً”.

الوحى، العصمة عن الخطأ التاريخى، العصمة عن الخطأ التعليمى

أردت أن أحصل على بعض التعريفات المُباشرة فى البداية. فقلت:”الكتاب المقدس بقول بأن الكتاب المقدس هو تنفس الله. ما الذى يعتقده المسيحيين بالضبط حول عملية خلق الله للعهد الجديد؟”.

فرد والاس:”لم نُعطى الكثير من البيانات حول عملية الوحى، لكننا نعرف أن الكتاب المقدس لم يُملى من قِبل الله. أنظر الى العهد القديم: أشعياء لديه كمية مفردات ضخمة و غالباً ما يُعتبر شكسبير الأنبياء العبرانيين، بينا عاموس هو فلاح بسيط لديه مفردات متواضعة أكثر. و مع ذلك، فالكتابين مُوحى بهما. من الواضح إذن، أن الوحى لم يكن إملاء حرفى. لم يكن الله يبحث عن كتبة الإختزال، بل عن أناس قديسيين ليكتبوا كتابه”.

فسألته:”فكيف كان الوحى إذن؟”.

“لدينا بعض الإرشادات من إقتباس متى للعهد القديم قائلاً: هذا قاله الرب عن طريق النبى. ‘قاله الرب’ تعنى أن الله هو العامل الجوهرى فى النبوة. ‘عن طريق النبى’ تعنى عامل متداخل يستخدم شخصيته ايضاً. و هذا يعنى ان هذا النبى لم يكن يأخذ إملاء من الله، بل أن الله كان يتدخل عن طريق الرؤى، الأحلام، و هكذا، ثم يضعه النبى فى كلماته الخاصة. إذن فعملية الوحى لم تلغى الشخصية الإنسانية،و رغم هذا، فالنتيجة هى بالضبط التى أرادها الله”.

أردت أن احصل على مُلخص، فقلت:”أكمل هذه الجملة: حينما يقول المسيحيين أن الكتاب المقدس مُوحى به، فهم يعنوا بذلك….”

“…بأنه كلمة الله و كلمات الإنسان. سبيرى شافير لويس وضعها جيداً قائلاً: دون إقصاء شخصيات المؤلفين، فكتبوا بما شعروا به، و بقدراتهم الأدبية، و بإهتمامتهم. و فى النهاية، يقول الله: هذا هو بالضبط ما أردت أن اكتبه”.

“الأمر الملحوظ، بأن كاتبى العهد الجديد نفسهم لم يعرفوا بأنهم يكتبون كتاب مقدس، فمن الواضح إذن أن عمل الله كان يجرى خلف الستار. فى النهاية، أنا اعتقد أن هذه معجزة أعظم من أن يأتينا الكتاب المقدس نازلاً من السماء على ألواح ذهبية، لأن كتب الكتاب المقدس هى إنتاج مُجمع إهتم به الرجال كأنهم عملهم هم، بينما جوهرياً – و غالباً ما يتم لاحقاً جداً – يدركون بأنه كان هناك مؤلف آخر وراء الستار. لقد كان فى أحد آخر كتب العهد الجديد، أن بطرس إستخدم لفظ “كتاب مقدس” فى الإشارة الى رسائل بولس”.

توقف والاس للحظة، يُفكر ما اذا كان سيُضيف ملحوظة أخرى، فقال:”للأسف، بعض الإنجيليين لديهم ما أسماه أحد العلماء: نظرة دوسيتية للكتاب المقدس”.

فقلت:”مهلاً، عليك أن تُعرف هذا”.

“هذا يعنى أنهم يعتبرون الكتاب المقدس إلهياً فقط و ليس إنتاج بشرى ايضاً. الكثير من طلاب المعاهد اللاهوتية يبدأون بهذه الطريقة. فى أحد المرات، نظرت لطالب بينما كان يُترجم من اليونانية فى دفتر العمل و قلت:”لابد أن هذا من إنجيل مرقس، لأن النحو سىء جداً”. فوجىء الطالب، فقلت له:”حسناً، نعم، مرقس واحد من اسوء كُتاب اليونانية فى العهد الجديد”. لكن هذا لا يؤثر على الوحى، لأننا نتعامل مع ما هو المُنتج، و ليس كيف تم تداوله. اذا كان مارك توين يستطيع أن يقول ain’t (لا) و يتم إعتبارها كتابة جميلة، فيمكنك إعتبار مرقس كذلك”.

فقلت:”الآن، أكمل هذه الجملة: حينما يقول المسيحيين أن الكتاب المقدس معصوم عن الخطأ التاريخى، فهم يعنوا بذلك…”

“يعنوا بذلك عدة اشياء. للبعض، فإنهم يقتربون لها بإعتبارها العصا السحرية، حينما يتم معاملة الكتاب المقدس مثل كتاب علمى حديث او كتاب تاريخى، فهو يكون كامل فى ذلك الإتجاه. بعض المسيحيين يقولون، كمثال، بأن كلمات يسوع وُضعت باللون الأحمر لأنها هى ما قاله هو بالضبط”.

“حسناً، اذا قارنت حادثة ما موجودة فى أكثر من إنجيل، فحينما تقارن بينهما سوف تلاحظ إختلافات فى الصياغة. و هذا شىء جميل مادمنا لا نفكر فى أنها إقتباسات قد تم وضعها بالحرف، مثل مُسجل الكاسيت. بل إنهم لم يكن لديهم علامات تنصيص فى اليونانية. فى الكتابة التاريخية القديمة، كانوا مهتمين بإستلام المضمون بشكل صحيح عما قِيل. أما النظرة الأخرى للعصمة، على الجانب الآخر من المجتمع اللاهوتى، فهو القول بأن الكتاب المقدس حقيقى فيما يلمسه، فلا يُمكننا ان نعامله ككتابى علمى او وثيقة تاريخية من القرن الواحد و العشرين”.

فسألت:”ما هى عصمة التعليم؟”

“تعريفى لعصمة التعليم هو أن الكتاب المقدس حقيقى فيما يُعلمه. و تعريفى للعصمة عن الخطأ التاريخى هو ان الكتاب المقدس حقيقى فيما يلمسه. إذن فالعصمة عن الخطأ فى التعليم هى عقيدة تأسيسية أكثر، لأنها تقول أن كلام الكتاب المقدس فيما يخص الإيمان و الممارسة حقيقى. العصمة عن الخطأ التاريخى مبنية على هذه العقيدة، و هى تقول بأن الكتاب المقدس حقيقى ايضاً حينما يتعامل مع الموضوعات التاريخية، لكننا يجب أن ننظر له فى ضوء الممارسات التاريخية للقرن الأول.

“إذا كان علينا ان نبنى هرماً من لاهوت الكتاب المقدس، فالأساس يجب أن يكون: أنا اؤمن ان الله قام بأعمال عظيمة فى التاريخ، و الكتاب المقدس قام بتسجيل بعضاً منهم. و على قمة هذا الهرم: أن الكتاب المقدس يخبرنى الحقيقة فى خطابه عن الإيمان و الممارسات. ثم يليه: الكتاب المقدس حقيقى فيما يلمسه”.

“للأسف، فالبعض عكس الهرم و حاول أن يجعله يقف على رأسه. إذن، حينما ننظر لشخص مثل ايرمان، فنرى أنه حينما حاول أستاذ فى المعهد أن يخلع عنه الإعتقاد فى العصمة، فقد إنهدم الهرم بأكمله. و إنتهى ايرمان الى رفضه لكل شىء. المشكلة تكمن فى أنه كان يضع أولوياته فى الأماكن الخاطئة”.

فقت:”لقد كان يبدو و كأن ايرمان يقول: أوجد لى خطأ واحد، و سوف أقذف الكتاب المقدس بأكمله. هذا ما يُمكن ان تسمعه فى الكليات المسيحية الحافظة جداً”.

فهتف والاس:”كارثة حقيقية، هذه الطريقة الصادمة الحمقاء فى فهم الموضوع! لقد قمت بذلك بعمل الكتاب المقدس أقنوم رابع فى الثالوث، كأنه يجب عبادته. لقد قابلت مسيحيين يقولون لى بأن يسوع دُعى الكلمة، و الكتاب المقدس دُعى الكلمة، إذن فأنا أعبد الكتاب المقدس. هذا أمر مُرعب”.

الغطاء الوقائى

لقد عرفت من سرد ايرمان عن نفسه، كيف أن إيجاد تناقض ظاهرى واحد فى العهد الجديد، جعله يبدأ رحلته نحو اللاأدرية، فتعجبت لما يُمكن أن يكون حدث لوالاس فى موقف مشابه. سألته:”ماذا إذا خطأ واضح لا يقبل الجدل فى الكتاب المقدس؟ كيف ستتصرف؟”.

فكر لدقيقة، ثم رد قائلاً:”سوف أقول، حسناً، أعتقد أنه علىّ ضبط بعض الإعدادات حول ما أعتقد فيه على قمة الهرم. لكنه لن يؤثر فى رؤيتى الأساسية للمسيح. انا لا ابدأ بالقول: اذا كان الكتاب المقدس به اخطاء قليلة، فسأقوم بقذفه كله. هذا ليس موقف منطقى تماماً. نحن لا نفعل المثل مع ليفى، تاسيتوس، سيوتونيوس، أو كتابات أى مؤرخ آخر قديم. كمثال، هل يجب أن يكون مؤرخ القرن الأول اليهودى يوسيفوس معصوم قبل أن نؤكد أنه كتب أى شىء صحيح؟”.

“اذا فعلنا هذا مع الكتاب المقدس، فكأننا نضعه على قاعدة ثم ندعو الناس لأن يضربوا هذه القاعدة. ما يجب أن نقوم به مع الكتاب المقدس، هو أن نقول بأنه شاهد عظيم لشخص يسوع المسيح و أعمال الله فى التاريخ. الآن، هل هو أكثر من مجرد هذا؟ نعم، أعتقد ذلك. لكن سواء هو أكثر من ذلك أو لا، فإن خلاصى فى آمان فى المسيح”.

سألته:”إذن، ليس من الضرورى لأى شخص أن يؤمن بالعصمة عن الخطأ التاريخى ليكون مسيحياً؟”.

فبدأ فى الإجابة قائلاً:”شخصياً، اؤمن بالعصمة عن الخطأ التاريخى. لكنى لن أعتبر العصمة عن الخطأ التاريخى عقيدة أولية أو عقيدة أساسية كى أنقذ إيمانى. أنها ما أسميه عقيدة “الغطاء الوقائى”. صورة لها دوائر متراكزة، و فى جوهرها العقائد الأساسية فى المسيح و الخلاص. بعدهم بقليل بعض العقائد الأخرى، إلى أن نصل فى النهاية الى العصمة عن الخطأ التاريخى، بعد كل شىء. لأن هدف العصمة عن الخطأ التاريخى هو حماية هذه العقائد الداخلية. لكن اذا كانت العصمة عن الخطأ التاريخى غير حقيقية، فهل هذا يعنى أن العصمة عن الخطأ فى التعليم غير حقيقية ايضاً؟ لا. لأنه أمر غير مُلزم القول بأننى لا أستطيع أن أثق فى الكتاب المقدس فى تفاصيل التاريخ، لذا فأنا لا أستطيع الثقة به فى أمور الإيمان و الممارسات”.

“السؤال الذى اسأله الآن: ما الذى يجب أن يؤمن به الشخص ليخلص؟ هل تستطيع أن تخلص اذا كنت لا تؤمن أن يسوع قام من الموت أو انه ليس الله المُتجسد؟ لا أعتقد ان الكتاب المقدس يمنحك هذا الإمتياز. هل تستطيع أن تخلص اذا إعتقدت بأن الشياطين المذكورة فى الأناجيل غير حقيقية؟ لا أعتقد أنك فى موقف جيد لتقول هذا، لكنى لا أعتقد أن هذا سيؤثر فى خلاصك بشكل مُباشر. هل تستطيع أن تخلص اذا كنت لا تؤمن بالعصمة عن الخطأ التاريخى؟ نعم.”

“ضع فى عقلك دائماً أن المسيحيين الأوائل لم يكن لديهم اصلاً عهد جديد. كل ما كان لديهم هو العهد القديم و كرازة شهود العيان للقيامة. و المسيحيين عبر تاريخ الكنيسة لم يكونوا دائماً مؤمنين بالعصمة عن الخطأ التاريخى”. لقد أصبح هذا الموضوع رئيسياً مع قدوم الإصلاح، و خاصةً فى مناظرات القرن العشرين بين الحداثة و الأصولية. لذا من الممكن أن تكون مسيحى دون أن تؤمن بالعصمة عن الخطأ التاريخى أو حتى العصمة عن الخطأ فى التعليم”.

اومأت برأسى و هو يتكلم لأشير له أنى أتابعه، ثم قلت:”بهذه الدائرة المتراكزة، فأى خطأ مفترض فى العهد الجديد لا يجب أن يكون مُميت لإيمان أى شخص؟”

فأجاب بلا تردد:”تماماً، من الممكن ان يؤثر فى العصمة عن الخطأ التاريخى، و التى هى عبارة عن عقيدة غطاء خارجى، لكن التعرية لن تؤثر فى المسيح، جوهر العقيدة”.

و لأنى أردت توضيح أكثر، سألت:”هل أنت تقول أن عقائد العصمة عن الخطأ التاريخى و العصمة عن الخطأ التعليمى ليستا هامين؟”.

فقال:”لا، انا لا أقول هذا. أنا أقول فقط أنهما ليستا هامتين للخلاص. لكنهما هامتين، كمثال، للصحة الروحية و النمو الروحى”.

“كيف هذا؟”.

“اذا شككت فى سلطة الكتاب المقدس كمرشد لإيمانك و ممارساتك، فهذا سوف يؤثر حتماً فى رحلتك الروحية. قد تبدأ الشك فى بعض المقاطع الواضحة فى معناها، لكنهم يدينوك جداً، فترفضهم. سوف تبدأ ان تنقى و تختار من الكتاب المقدس ما الذى تريد ان تؤمن به و تريد أن تنفذه. و لهذا فإن العصمة عن الخطأ التعليمى و العصمة عن الخطأ التاريخى هامين لصحة الكنيسة، لكنهما غير ضروريين لحياة الكنيسة”.

قلت له:”من الواضح أن لك رؤية عالية للكتاب المقدس، لماذا؟”.

فقال كأنه يُبين حقيقة:”لأن يسوع كان له رؤية عالية”.

فسألت:”كيف لك أن تعرف هذا؟”.

فقال:”أحد القواعد التى يستخدمها العلماء لتقرير الأصالة، تُسمى “الإختلاف”. اذا قال يسوع شىء أو فعل شىء مُختلف عن يهود عصره او ما قبلهم، فهو يُعتبر أصلياً”. و هو كان دائماً يُعنِف الفريسيين بإستمرار لإضافتهم تقاليد بجانب الكتاب المقدس، ولا يعاملوا الكتاب المقدس كالسلطة الجوهرية و النهائية. حينما يقول أن الكتاب المقدس لا يُمكن أن يُنقض، فهو يُصرح بذلك عن حقيقة و موثوقية الكتاب المقدس”.

ثم أكمل:”الكتب المقدسة المسيحية هى الوحيدة فى العالم التى تُقدم نفسها للتحقيق التاريخى. إذا كان الله قد جاء فى صورة رجل فى الزمان، المكان، و التاريخ، إذن فهو يدعونا لأن نفحص البرهان التاريخى لحياة يسوع، معجزات يسوع، نبوات يسوع، موت يسوع، و قيامة يسوع”.

“الأناجيل لا تقول: يسوع قام بمعجزة فى مكان ما، أنا لا أستطيع تذكر إذا كان هناك شهود عيان، لا أستطيع تذكر متى و أين حدثت، و انا لست واثقاً ما اذا كانت معجزة شفاء أم شىء آخر، و كل ما أعرفه هو أن يسوع عظيم! كلا، الأناجيل تعطينا أسماء، أماكن مُحددة، و تُحدد المعجزات التى حدثت بالضبط، و تذكر شهود العيان. حينما يقول بولس أنه رأى خمسمائة شخص رأى المسيح قائم و أن غالبيتهم مازالوا أحياء، فهو يعنى أن هذا أمر قابل للتحقق. حينما قام يسوع من الموت، دُحرج حجر القبر، ليس لكى يخرج يسوع، لكن ليستطيع التلاميذ أن يقولوا: الجسد ليس ها هنا.

“هذا التحقيق التاريخى غير حقيقى لأى ديانات أخرى. كمثال، فأنت لا تستطيع أن تتحقق من تعاليم بوذا بهذه الطريقة، لأنهم لا يرتبطون بالتاريخ. الكتاب المقدس يدعى أكثر من هذا. الكتاب المقدس يقول أنه إيمان، و أن هذا الإيمان فى العالم الواقعى. الكتاب المقدس يتم التحقيق فيه بقسوة لأن الكتاب المقدس يدعى أنه وثيقة تاريخية. يجب علينا ان نسأل الكتاب المقدس أشد الأسئلة، لأن ليس هذا ما يدعونا المسيح أن نقوم به فحسب، بل هذا ما يتطلبه منا ايضاً”.

جوهر الأناجيل

لقد عرّض والاس نص العهد الجديد للفحص لعقود، فسألته:”هل أضعف بحثك العلمى إيمانك بأن الكتاب المقدس جدير بالثقة؟”.

فقال:”لا، ابداً. لكنه جعلنى أنظر له بشكل مُختلف. كمثال، كنت أعتقد حينما بدأت الدراسة بأننى حينما أرى كلمات يسوع فى الكتاب المقدس، فإنها يجب أن تكون كما نطقها بالضبط. لكن مؤرخى هذا العصر كانوا يُحاولون الوصول بدقة الى جوهر ما قِيل”.

“كمثال، فقراءة كلمات يسوع فى الأناجيل لن تأخذ منك أكثر من ساعتين لتقرأها كلها. حسناً، هذا ليس وقتاً طويلاً لتوجيه الخطابات. قراءة العظة على الجبل لن تأخذ منك أكثر من خمسة عشر دقيقة، لكن بينما كان يسوع يُلقى عظاته، كان دائماً ما يجوع الناس فى النهاية. أنا لا أظن أن يسوع كان يُعطى عظات لمدة خمسة عشر دقيقة فقط للمسيحيين. إذن فالأناجيل تحتوى على مُلخص لما قاله فقط. و اذا كان هذا مُلخص، فربما إستخدم متى بعض من كلماته الخاصة ليوجزها. هذا لا يُزعجنى، فهو مازال جدير بالثقة”.

فسألته:”هل تعتقد أن هذه الفكرة عن العصمة عن الخطأ التاريخى قد تم تصعيدها من مكانتها الحقيقية بسبب أهميتها المتأصلة؟”.

فقال والاس:”بعض الأحيان. البعض جعلها هى أختبار مسيحية الشخص. فى عام 1976 إحتج اللاهوتى كارل ف. هـ. هنرى ضد هذا السلوك. لقد حفز الإنجيليين الشباب أن يُدركوا بأنه بينما العصمة عن الخطأ التاريخى مهمة، فإنها لا تقع فى نفس مستوى اليقين مع حقائق أخرى حاسمة، و الإيمان بالعصمة لا يُجب أن يُستخدم كأنه عذر لعدم الخوض بجدية فى التحقيق التاريخى. مازال المسيحيين فى بعض الأوقات يضعون عقبات فى الطريق أمام شخص ما، قائلين أنه لا يستطيع أن يُصِبح مسيحى حتى يؤمن بالعصمة عن الخطأ التاريخى”.

توقف والاس، ثم سألنى:”هل يُمكن أن أخبرك قصة عن هذه الأمور؟”.

قلت:”نعم من فضلك”.

فقال:”منذ بعض السنوات قابلت بنت مسلمة كانت مهتمة بالمسيحية. جاءت إلى و معها ستة ورقات مكتوبة بخط اليد مما يُفترض أنه تناقضات بين الأناجيل. علمها المسلمين بأنها اذا وجدت خطأ واحد فى الأناجيل، فإنها لا تستطيع أن تؤمن بأى شىء آخر. قال إلى: عليك أن تجيب على كل نقطة من هذه الصفحات قبل أن اؤمن بأى شىء عن المسيحية. فأجبتها قائلاً:”ألا تعتقدين بأن هذه القائمة تُثبت بأن المؤلفين لم يتآمروا معاً و لم يتواطئوا معاً حينما كتبوا أناجيلهم؟” فقالت: أنا لم أفكر ابداً بهذه الطريقة”.

“فقلت: كل ما تحتاجين إليه هو أن تنظرى الى الأماكن التى لا تختلف فيها الأناجيل نهائياً. فماذا ستجدى؟ ستجدى رسالة جوهرية ثورية: أعترف التلاميذ بأن يسوع هو المسيح، و أنه قام بصنع المعجزات و شفى الناس، و غفر الخطايا، و تنبأ بموته و قيامته، و مات على صليب رومانى، و قام من الموت بجسده”.

“و الآن، ماذا ستفعلى مع يسوع؟ حتى لو كُتاب الإنجيل لديهم إختلافات فى سردهم – سواء كانت هذه الإختلافات تستحق أن نُسميها تناقضات فهذا سنؤجله لوقت لاحق – فإن هذا يُضيف إلى موثوقيتهم ببيان أنهم لم يتشاوروا معاً فى أحد الأماكن ليطبخوا هذه الطبخة. أليس إتفاقهم معاً على إعتقاد مركزى جوهرى يعنى أنهم توصلوا الى الأساسيات بشكل صحيح، و بدقة، لأنهم كانوا يوثقون نفس الأحداث؟”.

فسألت:”ما الذى حدث لها؟”.

أصبحت مسيحية بعد إسبوعين، و هى الآن طالبة فى معهد دالاس. إن نقطتى الرئيسية هى أن العصمة عن الخطأ التاريخى مهمة، لكن الإنجيل أكبر من مُجرد عصمة”.

بدا تحليل والاس منطقى إلىّ. فى الحقيقة، لقد تذكرت الطريقة التى كنت أنظر بها الى الكتاب المقدس، حينما تركت المسيحية الأول مرة. فأخبرت والاس قائلاً:”حينما كنت ملحداً، نحيت موضوع العصمة جانباً، و عاملت العهد الجديد كأنه مجموعة وثائق قديمة مُجردة، و هو كذلك فعلاً. و بهذه الطريق إستطعت أن أُقيمهم كما أستطيع أن أُقيم أى وثائق قديمة أخرى، و بالتأكيد، فجيب توقع وجود بعض الإختلافات فى كل هذه التسجيلات. هل هذه طريقة منطقية فى تقييم العهد الجديد؟”

و بينما كان والاس يستمع إلى، كان مُسنداً ظهره الى الخلف واضعاً ذراعاته على صدره عبر بعضهما، و أجاب:”أعتقد أنها منطقية تماماً. كما قال عالم بريطانى: يجب أن نعامل الكتاب المقدس مثل أى كتاب، لنبين أنه ليس مثل أى كتاب. هذا أفضل بكثير من الموقف المعاكس الذى أصبح تعويذة إنجيلية: أنزعوا الكتاب المقدس من بين الأيادى، نحن لا نريد أن يجد الناس اى أخطاء فيه، لأننا مؤمنين بالعصمة”.

ثم عدت بوالاس مرة أخرى الى التناقض الظاهرى فى مرقس 2 : 26، الذى أضعف إيمان ايرمان بشكل أساسى. فى هذا المقطع، يظهر يسوع يُعلم بأن يوم السبت قد وُضع للناس، و ليس العكس. ثم يذكر حادثة من العهد القديم حيث كان الملك داود و جنوده جائعين أكلوا من التقدمة فى الهيكل، رغم أن هذا كان محفوظاً للكهنة ليأكلوا. يقول مرقس بأن هذا حدث حينما كان آبياثار هو رئيس الكهنة، لكن 1 صمويل 21 : 1 – 6 يوضح بأنه كان والد آبياثار، أخيمالك، الذى كان رئيس الكهنة فى ذلك الوقت”.

فقلت له:”أنا فضولى لأعرف: هل نظرت فى هذا المقطع؟”.

فقال:”لقد كتبت بحثاً للجميعة الإنجيلية اللاهوتية، أوضحت فيها خمسة تفاسير ممكنة فى التعامل مع هذا المقطع”.

فسألت:”هل إستنتجت أن واحداً من هذه التفاسير هو أفضلهم؟”.

فرد قائلاً:”انا لم أضع إستنتاج، فى النهاية”.

ثم قال بقناعة تامة:”لكن قلت مهما كان الذى ستفعله مع هذا النص، لا تقذف المسيح إذا كنت ستشك فى العصمة عن الخطأ التاريخى. و أنا أعتقد أن هذا عدل. شخصياً، فأنا اؤمن بالعصمة، لكنى لن أموت لأجل العصمة. بل سأموت لأجل المسيح. إن قلبى هناك، لأن خلاصى هناك”.

“لم يكن الكتاب المقدس هو الذى عُلِق على الصليب؛ بل يسوع”.

لعبة التليفون و لعبة سنوبى

بعض الناس قد ربطوا بين النقد النصى و لعبة الأطفال، التليفون، حيث يُوجد رسالة تنتقل لفرد آخر عن طريق الهمس فى أذن ذلك الشخص. و من ثمة، هذا الشخص يهمس بها فى أذن الشخص التالى، و هكذا لمجموعة من الناس. ثم فى النهاية يقول آخر فرد الرسالة بصوت عالى، و حتماً ستكون تشوهت جداً مع الوقت الذى تنتقل فيه. هذا يتضمن أنه بسبب تشابه النقد النصى لهذه اللعبة، فلا يُمكن للناس أن يثقوا فيما يقوله العهد الجديد اليوم. بإختصار، لا يُمكن أن يكون لدينا أى ثقة بأن نص العهد الجديد اليوم يُمثل الأصل.

لكن والاس قال بأن هذا التشبيه ساقط لعدة أسباب رئيسية.

قال:”اولاً، بدلاً من وجود تيار واحد للإنتقال، لدينا عدة تيارات. و الآن إفترض أنك تستطيع إستجواب الشخص الأخير فى ثلاثة خطوط. كل منهم يُكرر الرسالة التى سمعها فى خط كل منهم، و هذه الرسالة تعود جوهرياً إلى مصدر واحد. بالتأكيد سيكون هناك إختلافات فى الرسالة الناتجة، لكن سيكون هناك ايضاً تشابهات. و بعمل تحديدى بسيط، تستطيع أن تحدد الكثير من الرسالة الأصلية، عن طريق مُقارنة الثلاث تسجيلات المختلفة لها. و بالتأكيد، سيكون لديك شك كثير حول ما اذا كنت توصلت لها بشكل صحيح.

ثم أكمل:”إختلاف آخر مع لعبة التليفون، هو بدلاً من التعامل مع تقليد شفوى، فالنقد النصى يتعامل مع تقليد مكتوب. الآن، اذا قام كل شخص فى الخط بكتابة ما سمعه من الشخص الذى يتقدمه، فإن فرص التلاعب بالرسالة ستكون محدودة، و سيكون لديك لعبة مملة جداً!” و قال هذا مُبتسماً.

“إختلاف ثالث هو أن الناقد النصى – الشخص الذى يُحاول إعادة تكوين ماذا كانت الرسالة الأصلية – لا يُوجد ما يجبره أن يعتمد على الشخص الأخير فى السلسلة. يستطيع الناقد النصى إستجواب زملاء آخرين أقرب الى المصدر الأصلى”.

ثم إختتم كلامه قائلاً:”بوضع كل هذا معاً، الفحص المُزدوج بين تيارات الإنتقال المختلفة، فحص نُسخ الأجيال القديمة – و غالباً قديمة للغاية – و التسجيلات المكتوبة بدلاً من التقليد الشفوى، كل هذا يجعل النقد النصى مُدقق جداً أكثر من لعبة التليفون”.

لكن على العكس، فهناك لعبة توضح بالفعل تأثير النقد النصى. والاس بنفسه قاد ندوات تُسمى “الإنجيل بحسب سنوبى” على مدى ثلاثين عاماً، فى الجامعات و أماكن تعليمية أخرى. كان هدفه هو أن يُبين بطريقة عملية كيف يمكن أن ينجح النقد النصى فى إعادة تكوين النص المفقود”.

قال والاس:”فى هذه اللعبة، يقوم عدد من الناس بتمثيل دور النُساخ، و ينسخون نص قديم مساء يوم الجمعة. و يكون هناك ست أجيال من النُسخ. كل النُساخ يقومون بعمل أخطاء، عمدية و غير عمدية. حقيقةً، فإن النُسخ الناتجة تكون بالفعل أكثر فساداً على نحو هام من النُسخ المخطوطة للعهد الجديد”.

فسألته:”كيف فاسدة؟”.

فأجب:”لوثيقة مُكونة من خمسين كلمة، يستطيعون إنتاج المئات من القراءات النصية. ثم فى صباح اليوم التالى، بقية الزملاء فى الندوة يبدأون فى العمل كنقاد نصيين، بينما من قاموا بدور النُساخ يكونوا متفرجين صامتين. لكنهم لا يكون معهم كل المخطوطات ليعملوا منها. النُسخ الأقدم تكون دُمِرت أو فُقِدت. و هناك فجوات كثيرة فى سلسلة الإنتقال. لكن النُقاد النصيين يقولموا بأفضل ما لديهم فى المواد التى معهم”.

“و بعد ساعتين من العمل، فإنهم ينتهون الى ما يعتقدون أنه هو النص الأصلى. هناك شكوك فى كل مرحلة. لكن حتى مع هذه الشكوك، الفكرة الجوهرية لم تتغير. بعض الأوقات الشكوك تكون حول “ايضاً” too فى مقابل “ايضاً” also، او “سوف” shall فى مقابل “سوف” will. و بعد ذلك، أقوم بعرض النص الأصلى على المجموعة ثم نقارن النصين معاً، سطر سطر، و كلمة كلمة”.

فسألته:”إلى مدى ينجح هؤلاء النُقاد النصيين الهواة؟”.

“لقد قمت بعمل هذه الندوة أكثر من خمسين مرة فى الكنائس، الكليات اللاهوتية، و المعاهد اللاهوتية، و فى ولا مرة فقدنا إمكانية إعادة تكوين النص الأصلى بأكثر من ثلاثة كلمات. فى الحقيقة، لقد خرجنا بثلاث كلمات لمرة واحدة فقط. غالباً ما كانت تخرج المجموعة بالنص الأصلى بالضبط بشكل صحيح. و الرسالة الرئيسية للأصول تبقى دائماً سليمة. فى بعض الأحيان ينخرط الناس فى تصفيق حاد عفوى فى النهاية!”.

فسألت:”إذن، ما هو الدرس؟”.

“هذه هى: إذا كان ناس لا يعرفون شىء عن النقد النصى يستطيعون إعادة تكوين نص تم إفساده بشكل رهيب، إذن أفليس من المُرجح بأن اولئك المُدربين فى النقد النصى يستطيعون عمل نفس الأمر مع العهد الجديد؟”.

إحراج من الغِنى

كما تبين ندوة والاس، فالحصول على عدد كبير من النُسخ يُمكن أن يُساعد حتى الهواة لتحديد الصياغة المفقودة للنص الأصلى. لكن العلماء الذين يُحاولون إعادة تكوين نص العهد الجديد، لديهم آلاف المخطوطات ليعملوا بها. كلما كان لدينا نُسخ أكثر، كلما كان سهل علينا تحديد مُحتوى النص الأصلى. و فى ضوء مركزية هذه المخطوطات فى النقد النصى، طلبت من والاس أن يكلمنى عن كمية و جودة وثائق العهد الجديد.

فأوضح قائلاً:”ببساطة، لدينا شواهد لنص العهد الجديد أكثر من أى عمل أدبى يونانى أو لاتينى قديم. أنه حقاً إحراج من الغِنى!”.

فسألت:”كم عدد النُسخ الموجودة بالضبط؟”.

“لدينا أكثر من 5700 نُسخة يونانية للعهد الجديد. حينما بدأت دراستى الأكاديمية كان هناك 4800 فقط، لكن الكثير و الكثير يتم إكتشافه. و هناك ايضاً 10000 نُسخة أخرى باللاتينية. ثم هناك ترجمات أخرى فى لغات أخرى: قبطية، سيريانية، أرمينية، جيورجية…إلخ. و هذه الترجمات تم تقديرها ما بين 10000 الى 15000. إذن فنحن لدينا ما بين 25000 إلى 30000 نُسخة مكتوبة بخط اليد للعهد الجديد”.

فسألت:”لكن أليس الكثير منهم عبارة عن شظايا فقط؟”.

فقال والاس:”الغالبية العظمى من هذه المخطوطات كامل بالنسبة للهدف الذى قصده النُساخ. كمثال، بعض المخطوطات قُصِد بها أن تحتوى الأناجيل فقط، بينما مخطوطات أخرى قُصٍد بها أن تحتوى على رسائل بولس. ستين مخطوطة يونانية فقط تحتوى على العهد الجديد كامل، لكن هذا لا يعنى أن غالبية المخطوطات متشظية. غالبيتهم كامل بالنسبة للهدف الذى قُصِد منهم”.

ثم تسائل:”الآن، ماذا إذا تم تدمير كل هذه المخطوطات، هل سنبقى دون أى شاهد؟”. و دون أن ينتظر لسماع إجابة، قال:”نهائياً. آباء الكنيسة القُدامى إقتبسوا من العهد الجديد لدرجة أنه من الممكن إعادة تكوين العهد الجديد بالكامل من كتاباتهم وحدهم. إجمالاً، فهناك أكثر من مليون إقتباس من العهد الجديد فى كتاباتهم. أقدمهم يعود الى القرن الأول، و يستمرون حتى القرن الثالث عشر، لذلك فهم قيمين للغاية لتحديد صياغة نص العهد الجديد”.

ثم سألت والاس عن تواريخ المخطوطات، فقال:”حوالى عشرة بالمئة من هذه المخطوطات تأتى من الألفية الأولى. و فى خلال القرون الثلاثة الأولى، فلدينا خمسين مخطوطة باليونانية فقط. لكن ما نلاحظه، بأن الإضافات للنص عبر أربعة عشر قرن من النسخ نسبتها إثنين بالمئة فقط من المجموع. بكلمات أخرى، العهد الجديد نما مع الوقت، و لكن أقل من إثنين بالمئة للألفية، لذا فالإرتكاز إلى نموه هو إرتكاز فاشل!”.

“كمية و جودة مخطوطات العهد الجديد لا يُضاهيها شىء فى العالم اليونانى – الرومانى القديم. متوسط نُسخ عمل أى مؤلف يونانى، أقل من عشرين نُسخة لأعماله مازالوا موجودين، و يأتون من بعد ما بين خمسمائة عام إلى ألف عام لاحقاً. أى أنك اذا قمت بترتيب هذه النُسخ فوق بعضها، فلن يتعدى طولها أربعة أقدام. لكن اذا رتبت نُسخ العهد الجديد فسوف يصل طولها إلى ميل كامل للأعلى، و مرة أخرى، هذا لا يتضمن إقتباسات آباء الكنيسة”.

ثم أضاف:”حتى المؤرخين العظام الذين يعطوننا الكثير من فهمنا للتاريخ الرومانى القديم، غير كاملين. ليفى كمثال، كتب 142 كتاب عن تاريخ روما، و لكن 35 كتاب منهم فقط هم الموجودين. حينما تقارن بين العهد الجديد للمؤلف الثانى الأكثر نسخاً، فالإختلافات تبدو حقاً صاعقة. الإلياذة و الأوديسة لهوميروس مجتمعين معاً، لهم أقل من 2400 نُسخة، رغم أن كتابات هوميروس تسبق العهد الجديد ثمانمائة سنة! و فى النهاية، فالنقد النصى لكل الأدب القديم تقريباً يعتمد على تخمينات خلاقة، أو تخمينات تخيلية، لإعادة تكوين النص الأصلى. ليس هذا هو حال العهد الجديد”.

عامل نقدى آخر للمخطوطات، و هو ما هو مدى قِدمها. أنه أمر واضح، بأن اولئك الأقرب للأصل لهم القيمة الأكبر. حينما سألت والاس عن تواريخ مخطوطات العهد الجديد، إبتسم و بدأ فى سرد القصة.

فقال:”فى عام 1844، بدأ ف. س. باؤر، أب الليبرالية اللاهوتية الحديثة، الإحتجاج بأن إنجيل يوحنا كان حقاً عبارة عن تركيب مُصطنع من مسيحية بطرس و بولس، و أنه يجب تأريخه الى ما بعد عام 160 م. إذا كان هذا حقيقى، فإن الموثوقية التاريخية لهذا الإنجيل سيكون مشكوك بها جداً. كان أفضل تخمين لباؤر هو عام 170 م، رغم أن هذا قد إعتمد بشكل رئيسى على خلفيات مُسبقة فلسفية. حسناً، كما قال أحدهم: مقدار قليل من البرهان، أفضل من رطل من الإفتراض”.

“فى عام 1934، كان هناك عالم فى البرديات يُدعى كولين هـ. روبيتس يُنقِب فى سرداب مكتبة جون رايلاندز فى جامعة مانشيستر بإنجلترا. و عثر على بردية متشظية ليست أكبر من راحة يدى. فقرأ أحد جانبيها، يا إلهى، لقد كان هذا من يوحنا 18 : 31 – 33. ثم عكسها للناحية الأخرى، و كانت يوحنا 18 : 37 – 38”.

“الآن، عليك أن تفهم بأن العثور على شظية من العهد الجديد اليونانى على ورق البردى هو أمر نادر جداً. لقد عثرنا على 75000 بردية، و 117 فقط منهم للعهد الجديد اليونانى. لهذا كان هذا الإكتشاف مهم جداً. بعد ذلك قام هذا العالم بإرسال هذه الشظية لثلاثة علماء رئيسيين فى علم البرديات فى أوروبا. فكتب له كل واحد منهم قائلاً: هذه المخطوطة لا يُمكن تأريخها لما بعد عام 150 م، و هى قديمة جداً حتى عام 100 م، و أنا أفضل التاريخ الأقدم. و خبير رابع، و هو أدولف ديسمان، قال أنها يجب تأريخها الى تسعينات القرن الأول. إذن، فهذه قطعة صغيرة من بردية ألقت طِنَيِن من الدراسة الألمانية الليبرالية الى النيران! فمقدار قليل من البرهان، أفضل من رطل من الإفتراض”.

فسألته:”هل هذه هى الشظية الوحيدة التى ترجع للقرن الثانى؟”.

“ليس أنها ليست البردية الوحيدة فقط، بل إن فى الخمس سنوات الأخيرة فقط، هناك ثلاثة أو اربعة آخرين أُكتشفوا من القرن الثانى، فى متحف فى أكسفورد. لقد تم الكشف عنهم فى اوكسيرينشس، مصر، فى عام 1906، و ظلوا هناك على حالهم فى مصر لما يقرب من قرن من الزمان. لم يكن لديهم علماء كثيرين فى علم البرديات ليستطيعوا دراسة كل القصاصات! حتى اليوم، لدينا ما بين عشر الى خمسة عشر بردية من القرن الثانى. هذه البرديات تعود الى مائة عام فقط بعد إكتمال العهد الجديد. أنه أمر مذهل أن يكون لدينا بيانات كهذه.

” و حتى لو كانوا عبارة عن شظايا، فهم ليسوا دائماً صغار. لدينا كمثال البردية 66، و التى ترجع الى وسط أو أواخر القرن الثانى و تحتوى على شبه إنجيل يوحنا كاملاً. البردية 46، و التى ترجع الى عام 200 م، تحتوى على سبعة رسائل لبولس و الرسالة الى العبرانيين ايضاً. البردية 75، و التى ترجع الى أواخر القرن الثانى أو اوائل القرن الثالث، تحتوى على شبه إنجيل يوحنا و إنجيل لوقا كاملين. البردية 45 ايضاً قديمة، و بها أجزاء كبيرة من الأربعة أناجيل. إذن، فنحن لدينا ثروة كبيرة من الدليل. أقدم المخطوطات كانت على ورق البردى، و كل البرديات حينما نجمعها معاً تحتوى على نصف العهد الجديد تقريباً”.

فقلت مُلخصاً كلامه:”إذن فنحن لدينا فجوة صغيرة فعلياً، بين أقدم البرديات الموجودة و وثائق العهد الجديد الأصلية”.

فقال:”نعم. لا يُوجد مجال للمقارنة مع بقية الأعمال. بالنسبة لأعمال مؤرخين آخرين عظام، فهناك على الأقل فجوة من ثلاثمائة عام قبل أن تصلنا أى شظية متشظية تماماً، و فى بعض الأوقات عليك أن تنتظر لألفية أخرى قبل أن ترى أى شىء آخر”.

فحص القراءات

من بين تصريحات ايرمان التى كشف عنها و قد أرعبت القراء، هو أنه هناك قراءات ما بين 200000 و 400000 قراءة بين مخطوطات العهد الجديد. فى الحقيقة، لدينا قراءات أكثر من الـ 138162 كلمة الموجودة فى العهد الجديد المنشور. حسناً، هذا ليس جديداً للنقاد النصيين، لكنها كانت تصريحات صادمة للعوام. الآن، هل هذه القراءات المختلفة هامة فعلاً؟ و هل يمكنهم ان يضعوا رسالة الأناجيل و وصفهم لشخص يسوع فى خطر؟

سألت والاس:”كلمنى عن هذه القراءات، كيف يتم إحصائهم، و كيف جاءوا الى الوجود؟”.

فشرح والاس:”اذا كان هناك نص فى مخطوطة او عند أحد آباء الكنيسة و به كلمة مختلفة فى مكان واحد، فهذا يُحتسب قراءة نصية. اذا كان لديك ألف مخطوطة تقرأ “الرب” فى يوحنا 4 : 1، و بقية المخطوطات تقرأ “يسوع”، فهذا يُحتسب على انه قراءة واحدة فقط. و اذا كان هناك مخطوطة من القرن الرابع عشر بها خطأ فى تهجئة كلمة ما، فهذا ايضاً يُحتسب قراءة”.

فسألت:”ما هى أكثر القراءات المعروفة؟”.

فقال:”أكثر القراءات تكراراً هى الإختلافات فى التهجئة، رغم ان الخطأ فى التهجئة فى اللغة اليونانية لا يصنع اى إختلاف فى معنى الكلمة”.

“كمثال، أكثر قراءة نصية معروفة تتعلق بما يُسمى “النيو المتحرك”. الحرف اليونانى نيو – او ‘ن’ – يُستخدم فى نهاية الكلمة حينما تكون الكلمة التالية تبدأ بحرف متحرك. و هذا يشبه فى الإنجليزية حينما نستخدم آداة تعريف: تفاحة an apple أو كتاب a book. المعنى هو هو. و سواء يظهر حرف نيو فى هذه الكلمات او لا، فهذا لا يحمل أى تأثير نهائياً على المعنى. و رغم هذا، فكلهم يُحتسبون كقراءات نصية.

“مثال آخر، و هو حينما ترى إسم يوحنا، فإنه إما يُستهجى بحرف نيو واحد او إثنين. و يتم تسجيلهما كقراءات نصية، و لكن فى كل مرة يتم ترجمته للإنجيليزية، فسوث يُترجم ‘يوحنا’ فى كل مرة. لا يوجد أى فرق ابداً. الفكرة هى أنه لم يُستهجى “مريم”! ما بين 70 الى 80 فى المئة من كل القراءات النصية هى إختلافات فى التهجئة لا يُمكن حتى ترجمتها للإنجليزية ولا يُوجد لديهم أى تأثير على المعنى نهائياً”.

فقمت بعمل عملية حسابية بسرعة: فبوضع التقدير الأعلى للقراءات بأنه 400000 قراءة فى العهد الجديد، فهذا يعنى ما بين 280000 الى 320000 من هذه القراءات هو إختلافات فى التهجئة غير هامة تماماً. فقلت لوالاس:”أكمل من فضلك”.

فقال:”لدينا بعد ذلك أخطاء لا معنى لها، حينما يكون الناسخ غافل و يقوم بعمل خطأ واضح لكل ذى عقل. كمثال، ففى مخطوطة محفوظة فى المعهد السميثانى، كتب أحد النُساخ حرف “و” فى الوقت الذى يريد فيه أن يكتب كلمة “الرب”. الكلمات تبدو متشابهة الى حد ما فى اليونانية: Kai مقابل Kurios. من الواضح جداً ان حرف الواو لا يُناسب سياق النص. إذن ففى هذه الحالات، من السهل إعادة تكوين الكلمة الصحيحة”.

“هناك ايضاً قراءات تتضمن المترادفات. هل يقرأ نص يوحنا 4 : 3 “حينما عرف يسوع” أم “حينما عرف الرب”؟ لسنا متأكدين بالضبط أيهما هو الأصل، لكن أى من الكلمتين حقيقى. و الكثير من القراءات تتضمن أحد المُمارسات اليونانية بإستخدام أداة التعريف مع إسم علم، و هى الغير اقبلة للترجمة فى الإنجليزية. كمثال، فمخطوطة ما يُمكن ان تُشير الى “المريم” أو “اليوسف”، و لكن الناسخ قد يكون قام ببساطة بكتابتهما “مريم” أو “يسوف”. و مرة أخرى، لا يوجد أى تثير على المعنى، رغم أن كل هذا يُحتسب قراءات”.

“فوق كل هذا، فلدينا قراءات أخرى لا يُمكن ترجمتها للإنجليزية. فاللغة اليونانية هى لغة ملتوية، و هذا يعنى أن ترتيب الكلمات فى اليونانية ليس مهماً مثلما فى الإنجليزية. كمثال، فهناك ستة عشر طريقة مختلفة باليونانية لنقول:”يسوع يُحِب بولس”، و ستتم ترجمتهم للإنجليزية بنفس الطريقة. و رغم هذا، فإن الإختلاف فى ترتيب الكلمات يُحتسب قراءة نصية، حتى لو أن معنى النص لا يؤثر”.

توقف والاس للحظة ليُقدّر الموقف ثم أوضح:”إذا كان لدينا تقريباً ما بين 200000 الى 400000 قراءة فى المخطوطات اليونانية، فإنه أمر صادم بالنسبة لى، لأنه عدد قليل جداً! ما هو العدد المُلائم إذن؟ عشرات الملايين! و سبب من أسباب كثرة القراءات هو كثرة المخطوطات. و نحن سعداء لأننا نمتلك مخطوطات كثيرة جداً، فإنها تساعدنا على نحو ممتاز فى العودة الى الأصول”.

فسألت:”كم عدد القراءات النصية التى تصنع إختلاف حقيقى؟”.

“فقط واحد بالمئة من القراءات لها معنى، أى انها تؤثر على المعنى النص الى حد ما، و تطبيقية، أى ان لها فرصة مقبولة أن تكون من النص الأصلى”.

فقلت:”حسناً، هذا مازال رقم كبير”.

فقال:”و لكن غالبيتهم ليسوا هامين جداً إطلاقاً”.

“أعطنى مثال”

فرد:”حسناً. سوف أشرح إثنين من أهم الموضوعات المشروحة. واحد منهم يتضمن نص رومية 5 : 1. هل قال بولس “لنا سلام” أو “ليكن لنا سلام”؟ الإختلاف يقع فى حرف واحد فقط فى اليونانية. العلماء مختلفين حول هذا الموضوع، و لكن الفكرة الرئيسية هى أنه ولا قراءة منهما تُناقِض تعاليم الكتاب المقدس”.

“مثال آخر شهير فى 1 يوحنا 1 : 4. يقول النص إما “ذلك نكتب هذه الأمور حتى يكتمل فرحنا”، أو “لذلك نكتب هذه الأمور حتى يكتمل فرحكم”. هناك شهادات قديمة لكلا القراءتين. إذن، فنعم المعنى قد تأثر، و لكن لا يوجد إعتقاد تأسيسى فى خطر. فى كلا القراءتين، فالمعنى الواضح للنص هو أن هذه الكتابة تمت ليكون هناك فرح”.

لقد كان امراً مذهلاً لى بأن إثنين من الموضوعات النصية الشهيرة جداً، تافهين جداً فيما يتضمنونه.

تغييرات مُتعمدة

هناك أسباب كثيرة لنشأة الأخطاء النصية، و الكثير منهم نشأوا نتيجة غفلة النُساخ. لكن ايرمان يضع هالة حول لبنُساخ الذين غيروا النص بتعمد بينما كانوا يُنتجون النص لأجيال قادمة من المخطوطات. فقلت لوالاس:”هذا يجعل الناس عصبيين جداً”.

فرد والاس:”حسناً، هو مصيب تماماً فى هذا. بعض الأحيان النُساح غيروا النص بتعمد”.

فسألت:”ما هو أكثر الأسباب المعروفة؟”.

“أنهم أرادوا جعل النص واضحاً. كمثال، فإن الكنيسة عبر القرون بدأت فى إستخدام بعض المقاطع من الكتاب المقدس للقراءة اليومية. هذه القراءات تُسمى “القراءات الكنسية” (القطمارس). حوالى 2200 من مخطوطاتنا اليونانية، ينتمون لمخطوطات القراءات الكنسية، حيث تم توظيف بعض المقاطع للقراءة الإسبوعية أو اليومية طوال السنة من الكتاب المقدس”.

“هذا هو ما حدث: فى إنجيل مرقس، هناك تسعة و ثمانين نص حيث لا يُذكر إسم يسوع نهائياً. بل تُستخدم الضمائر، مع الضمير “هو”، فى الإشارة الى يسوع. حسناً، حينما تقوم بإقتطاع مقطع للقراءة الكنسية اليومية، فلا يُمكنك ان تبدأ بـ:”حينما كان ذاهباً الى مكان ما…”. فالقارىء لن يعرف الى من تُشير. لذا كان من المنطقى أن يقوم الناسخ بتغيير الضمير “هو” الى الإسم “يسوع”، ليكون النص أكثر وضوحاً و تحديداً فى كتب القراءات الكنسية. و يستمر إحتسابهم كقراءات نصية فى كل مرة يحدث هذا”.

“و هذا مثال آخر: أحد مخطوطات كتب القراءات الكنسية تقرأ “حينما كان يسوع يعلم تلاميذه”. لكن النص أصلاً لم يكن يقرأ “يسوع” أو “تلاميذه”، لكن واضح من سياق النص أنهم كانوا المَعنيين. لذا كان النُساخ كانوا يقومون ببساطة بجعل الأمور أوضح فى كتب القراءات الكنسية. ولا معنى يُمكن أن يتغير، و لكن يستمر إحتسابهم كقراءات”.

“الآن، أنا لا أريد أن اعطى الإنطباع بأن النُساخ لم يغيروا النص ابداً لأسباب لاهوتية. بل لقد قاموا بهذا، و دائماً ما كان الهدف من هذه التغييرات هو جعل العهد الجديد يبدو أكثر أرثوذكسيةً. ربما تكون أكثر مجموعة معروفة من هذه التغييرات، هى التوفيقات بين الأناجيل. كلما إبتعدنا أكثر عن زمن النص الأصلى، كلما كان يقوم النُساخ بتوفيق الأناجيل، ليتخلصوا من التناقضات الظاهرية فى النص. لكن هذه التوفيقات من السهل جداً تحديدها”.

فقاطعته قائلاً:”يقول ايرمان:”أنه من الخطأ…القول – كما يفعل الناس أحياناً – بأن التغييرات فى نصنا لا تحمل أى دلالة عما تعنيه النصوص أو عن الإستنتاج اللاهوتى الذى يستقيه الفرد منهم…بل العكس هو الصحيح”. أخبرنى بالضبط، كم عقيدة مسيحية فى خطر بسبب القراءات النصية فى العهد الجديد؟”.

فقال والاس:”ايرمان وضع أقصى ما يُمكنه فى سوء اقتباس يسوع. لكن الشىء المُلاحظ هو أنك تقرأ الكتاب بأكمله، ثم تقول: أين قد قام فعلاً بإثبات أى شىء؟ ايرمان لم يُثبت بأن هناك أى عقيدة فى خطر. دعنى أكرر الطرح الرئيسى الذى أُحتِج به منذ عام 1707: ولا عقيدة رئيسية أو أساسية يمكن أن تتبدل بالقراءات النصية التى تحتمل أن تكون من النص الأصلى. و الدليل على هذا الإحتجاج لم يتغير حتى يومنا هذا”.

“فما هو أقرب شىء إذن؟”.

“مرقس 9 : 29 قد يؤثر على التطبيق المُستقيم، و هو التطبيق الصحيح، لكنه ليس الأرثوذكسية، و هى الإعتقاد الصحيح. و هنا يقول يسوع بأنك لا تستطيع أن تُخِرج الشياطين إلا بالصلاة، و بعض المخطوطات تُضيف “و بالصوم”. إذن، فإذا كان “و بالصوم” جزء مما قاله يسوع فعلاً، فهذه قراءة تؤثر على التطبيق المُستقيم، فهل من الضرورى الصوم لإخراج الشياطين؟ و لكن لنأخذ موقف جاد الآن، هل يعتمد خلاصى على قراءة كهذه؟ غالبية المسيحيين لم يسمعوا اصلاً عن هذا النص نهائياً، ولا هم سيقومون بإخراج الشياطين”.

موضوع آخر يتعلق بإستقامة التطبيق هو 1 كورنثوس 14 : 34 – 35، حيث يقول النص بأن النساء يجب أن يصمتوا فى الكتاب المقدس. ايرمان و عالم آخر ذكرته سابقاً، و هو جوردون فى، إحتجوا بأن هذه النصوص ليس أصلية، لأن المخطوطات تضع هذا المقطع إما بعد العدد 33 أو العدد 40. و هذا جعل بعض العلماء يقولون أنه ربما لم يكن هذا المقطع فى النص الأصلى نهائياً”.

“غالبية علماء العهد الجديد يقولون، نعم هذا كان فى النص الأصلى، و لكنها ربما تكون ملاحظة هامشية أضافها بولس قبل أن تخرج مخطوطته للنشر، و النُساخ لم يكونوا واثقين أين يضعونها. يجب أن اؤكد الآن بأن جميع المخطوطات تحتوى على هذا المقطع فى مكان من الإثنين. و لكن دعونا نفترض أنه غير أصلى. فإن دور المرأة فى الكنيسة لم يكن يوماً ما نقطة عقيدية مهمة للخلاص. انا لا أحول أن أُهمش من دور المرأة فى الكنيسة بالتأكيد. لكن فكرتى ببساطة أن هذا المقطع لا يُغير أى عقيدة أساسية”.

“واحدة أخرى فى 1 كورنثوس 9 : 20، حيث يقول بولس:”للذين هم تحت الناموس، أصبحت كواحد تحت الناموس”، ثم يليه:”رغم أننى لست تحت الناموس”، و هو النص المحذوف من بعض المخطوطات المتأخرة. إذن فهل يدعى بولس بأنه ليس تحت الناموس، أم أنه لا يدعى بهذا؟”.

“حينما تفكر فى الأمر، فإنه فعلاً لا يهم. إذا كان فعلاً يدعى بأنه ليس تحت الناموس، فنحن بالفعل لدينا دليل واضح بأن المسيحيين ليسوا تحت ناموس العهد القديم نهائياً. لكن اذا كان لا يدعى بهذا هنا، فإن هذا لا يعنى بالضرورة أننا تحت الناموس. أنه أمر مُبالغ فيه الإدعاء بأن هذا المقطع يؤثر على العقيدة”.

فسألته:”ما هو أكثر الأمثلة تشويقاً يمكن أن تعطينى؟”.

فقال والاس:”خذ هذا المثال الفاتن. كل فرد يعرف رقم الوحش، صحيح؟” قال هذا و هو يُشير إلىّ لأجيب.

ترددت، لكن غامرت و قلت:”666″.

“حسناً، هذا ما يقوله نص رؤيا 13 : 18. لكن مخطوطة من القرن الخامس تقول بأن الرقم هو 616. حسناً، هذه ليست صفقة رابحة، فهى مخطوطة واحدة فقط. و لكن منذ خمسة سنوات، إكتشفوا فى أكسفورد أقدم مخطوطة للإصحاح 13 من سفر الرؤيا. و هى مخطوطة ترجع للقرن الثالث، و تقرأ الرقم 616”.

فسألته:”هل انت متأكد؟”.

“لقد كنت فى أكسفورد، و فحصت المخطوطة بنفسى تحت الميكروسكوب لأتأكد بنفسى. إنها تقرأ 616 بلا شك. لكن الآن، لا يوجد أى بيان عقيدى للكنيسة أو كلية كتابية بأن رقم الوحش يجب أن يكون 666، و لكنها مشكلة نصية مشوقة، أليس كذلك؟”.

إنها مشوقة بالفعل، ثم قلت:”لنعود الى نقطتك الأصلية إذن…”.

“هذه هى نقطتى الأصلية: لا يوجد أى عقائد رئيسية تتأثر بأى قراءات تطبيقية”.

محبوبة، لكن غير أصلية

إنها أحد أكثر القصص المحبوبة فى الكتاب المقدس: امرأة أُمسكت فى زنا و أُحضِرت ليسوع. إنه فخ بالفعل، فالفريسيين يعرفون أنها يجب أن تُرجم حتى الموت بحسب ناموس موسى، و أرادوا أن يختبروا يسوع.

إنحنى يسوع الى الأرض، و بدأ فى كتابة شىء ما بإصبعه فى التراب. هذه الكلمات التى كتبها و لم تُسجل فتحت الباب لكل أنواع التخمين عبر القرون. و أخيراً، يُنسب الى يسوع هذه الكلمات التى دائماً ما تُقتبس:”إذا كان أحد منكم بلا خطية، ليكون أول من يرجمها بحجر”. و بعدما تم تأنبيهم، إنصرف الفريسيين واحد وراء الآخر كل مرة، و الأكبر سناً كان اولاً. و بمجرد ما إنصرفوا، قال يسوع للزانية:”يا امرأة، أين هم؟ هل أدانك أحد؟” فردت:”لا أحد يا سيد”. فقال يسوع:”إذن، فولا أنا أدينك. إذهبى الآن، و أتركى حياة الخطية”.

المشكلة الوحيدة فى هذه القصة هى أن العلماء أدركوا منذ أكثر من قرن بأنها ليست أصلية. لكنها كانت أخبار مزعجو لقراء كتاب ايرمان. لقد أخذ الكثير من الناس هذه الأخبار على محمل شخصى جداً و بدأوا يتسائلون ماذا ايضاً فى الكتاب المقدس لا يُمكن الثقة به؟

فقال والاس حينما سألته عن قصة الزانية:”بصراحة، فهذه واحدة من أحزن القصص. حينما تقرأ هذا المقطع تقول لنفسك:”يا إلهى، كادت أنفاسى أن تنقطع! أنا مندهش من محبة و نعمة و رحمة يسوع، و كيف أمكنه أن يتصدى للفريسيين. ثم نقول:”أن أريد هذه القصة فى الكتاب المقدس”. و هذا ما قاله النُساخ بالضبط. لقد قرأوا هذه القصة فى مصدر مستقل، و إنتهى بهم الوضع بوضعها فى أكثر من ستة أماكن مختلفة فى إنجيلى يوحنا و لوقا. كأن النُساخ كانوا يقولون: أنا أريد هذه القصة فى كتابى المقدس، لذلك سوف أضعها هنا أو هنا أو هنا”.

فسألته:”إذن فهذه قصة تم تناقلها عبر الزمان؟”.

من الواضح أنه كان هناك قصتين مختلفتين منتشرتان حول امرأة أُمسكت بخطيئة معينة و يسوع كان رحيماً معها. بل من المرجح جداً، أنه كان هناك الكثير من تفاصيل القصة حقيقى تاريخياً، لكنها لم تُدخل فى نص الكتاب المقدس”.

“هل كان امرأة أُمسِكت فى زنا؟”.

“لا أعرف”.

“هل هؤلاء الفريسيين إنصرفوا واحداً بعد الآخر من كبيرهم الى صغيرهم؟”.

“من المؤكد أن هذه التفاصيل قد أُضيفت لاحقاً لتجعل القصة أكثر إثارة”.

“هل كتب يسوع شيئاً ما على الأرض؟”.

فرد قائلاً:”نعم بكل تأكيد قد فعل، لعدة أسباب. فرضيتى كالتالى: هذه الأعداد الإثنى عشر تقترب أكثر من إسلوب لوقا و مفرداته عن يوحنا. و بالفعل هناك مجموعة من المخطوطات تضع القصة فى لوقا بدلاً من يوحنا. كيف كان شكل القصة حينما إطلع عليها لوقا، و لماذا لم يضعها فى إنجيله؟ لا أملك إجابات لهذه الأسئلة”.

فقلت:”لكن من الواضح أن القصة الموجودة فى الكتاب المقدس ليست أصلية”.

فقال:”يجب أن نفرق بين شيئين. أنها أصلية أدبياً. بكلمات أخرى: هل يوحنا كتب القصة بالفعل؟ إجابتى هى لا دون شك. لكن هل هى أصلية تاريخياً؟ هل حدثت فعلاً؟ إجابتى هى نعم بكفاءة عالية. ربما هناك شىء ما حدث مع يسوع ظهر فيه رحيماً لخاطئة ما، لكن القصة كانت فى الأصل بشكل مُختصر”.

فسألت:”لماذا تستمر الكتب المقدسة فى إحتوائها؟ ألا يُربك هذا القراء؟”.

فقال:”لقد تبع الإنجيليين تقليد من الجُبن بإستمرارهم فى إدخال هذه القصة، لأنهم إعتقدوا بأن قراء الكتاب المقدس سوف يستغربوا إذا لم يجدوها. اقرأ أى ترجمة للكتاب المقدس، و سوف تجد ملاحظة هامشية تقول بأن القصة غير موجودة فى أقدم المخطوطات. و لكن الناس غالباً لا يقرأون هذه الملاحظات. حينما يقول ايرمان فى المناخ العام بأن القصة غير أصلية، يعتقد الناس بأنهم قد خُدِعوا”.

فقمت بحسب نُسختى من الكتاب المقدس بحسب الترجمة الدولية الحديثة و قلبت فى صفحات إنجيل يوحنا. كان هناك أقواس فى أول و آخر القصة لتصف حال القصة، و كذلك كان هناك مُلاحظة فى وسط الصفحة، تقول:”المخطوطات الأقدم و الأكثر موثوقية و شواهد أخرى قديمة لا تحتوى على يوحنا 7 : 53 – 8 : 11″. و لكن إستعجبت؛ فكم من الناس يفهمون حقاً دلالات هذه الملاحظة؟

فسألت:”هل يقوم ناشرين الكتاب المقدس بتضليل الناس بوضع القصة؟”.

فرد والاس:”سأكون متحفظ من قول كهذا، لكن بإمكانهم أن يدونوا قولاً أفضل: هذه القصة غير موجودة فى المخطوطات الأقدم، و بالإضافة الى ذلك فمُنقحى هذه الترجمة لا يعتقدون بأن هذه الكلمات أصلية. و إلا فأنت بذلك تترك الناس لخيبة الأمل إذا ما وجدوا هذه المعلومات فى مكان آخر. هذا يُشبه عقلية الفرخ الصغير الذى يقول: يا إلهى، لم أكن أعرف ابداً بأن هذه الأعداد الإثنى عشر أصلية؛ و ماذا ايضاً لم تخبرنى إياه؟ و لكن الحقيقة هى أن الناشرين قد أخبروهم بهذا، و هو موقف إستثنائى. هناك مقطع واحد فقط قريب من هذا فى حجمه”.

و قد كان هذا هو الموضوع التالى الذى أردت أن افتحه.

ثعابين و ألسنة

فى نوفمبر من عام 2006، ماتت سيدة عمرها ثمانية و أربعين عاماً، بعد أربعة ساعات من قرص ثعبان لها أثناء خدمة يوم الأحد بكنيسة كنتاكى. كانت هى الضحية السابعة فى كنتاكى منذ عام 1980. فى الحقيقة، لقد شعرت إدارة الولاية بوجوب تمرير قانون يجعل من التعامل مع الزواحف كجزء من الخدمات الدينية، جنحة.

لقد قال كل الصحفيين الذين سجلوا موت المرأة بأنه بحسب إنجيل مرقس، فإن المؤمنين بيسوع يستطيع التعامل مع الثعابين دون ان تؤذيهم. لكن احداً منهم لم يُلاحظ بأن هذا العدد – و فى الحقيقة، كل الأعداد الإثنى عشر الأخيرة – لم تكن جزء من الإنجيل الأصلى و لكن أُضيفت فى وقت لاحق، و لا تُعتبر أصلية.

هذا يعنى بأن إنجيل مرقس ينتهى بثلاث نساء يكتشفن القبر الفارغ ليسوع، و يتم إخبارهم بواسطة “رجل شاب يلبس رداء أبيض” بأن يسوع قد قام من الموت. ثم ينتهى الإنجيل بقوله:”و لم يخبروا شىء لأحد، لأنهم كانوا خائفين”. الأعداد الإثنى عشر الأخيرة تصف ثلاثة ظهورات ليسوع بعد القيامة، و يقولون بأن المسيحيين يستطيعون الإمساك بالثعابين دون أن تجرحهم، و بالمثل طرد الشياطين، و التكلم بألسنة جديدة، و شفاء المرضى.

سألت:”منذ متى و العلماء يعرفون بأن الخاتمة الأطول لمرقس لم تكن جزء من الأصل؟”.

فقال:”حسناً، المخطوطة الفاتيكانية لا تحتوى عليها، و نحن نعرف عن هذه المخطوطة منذ القرن الخامس عشر. و فى عام 1859 ذهب الناقد النصى قسطنطين فون تشيندورف الى جبل سيناء و أكتشف المخطوطات السينائية. هاتين المخطوطتين هما أقدم شاهدين لهذا المقطع، و كلاهما لا تحتوى على الإثنى عشر عدداً. بين هاتين المخطوطتين إختلافات كثيرة، حتى أنهم يعودون الى مصدر مُشترك فى القِدم السحيق للقرن الثانى”.

فسألت:”من أين تعتقد بأن هذه الخاتمة قد جاءت؟”.

“هناك رؤيتين رئيسيتين، و لكن كلاهما تتفق على أن هذه الأعداد ليست أصلية. هناك مجموعة تقول بأن مرقس كتب خاتمة لإنجيله لكنها قد فُقِدت”

إستطعت ان المح شكه فى هذه النظرية من نبرة صوته، فسألت:”أنت لا تعتقد بهذه النظرية؟”.

“هذه النظرية تفترض بأن مرقس قد كتب إنجيله فى كتاب Codex بدلاً من اللفائف Scroll. يُمكن أن تُفقد صفحة بسهولة من كتاب، لأن طريقة ربط الصفحات ببعض تكون على هيئة الكتاب، و لكن الخاتمة بالتأكيد ستكون فى آمان من الضياع اذا كُتِبت على لفة. لكن الشكل الكتابى Codex لم يُخترع قبل أربعين عاماً تقريباً بعد ما كُتِب إنجيل مرقس.

“أعتقد أن هناك رؤية أفضل و هى أن مرقس كان يكتب عن أكثر شخص تفرداً، و أراد شكل متفرد لخاتمة إنجيله، حيث جعلها نهاية مفتوحة. أنه يقول للقراء: فماذا ستفعلوا إذن مع يسوع؟”.

“إقصاء هذه الأعداد الإثنى عشر ليس له اى تأثير على عقيدة القيامة؟”.

“ولا حتى فى أدق الأحوال. مازال هناك قيامة فى انجيل مرقس. لقد تُنبِىء بها و أكدها الملائكة، و القبر فارغ. لكن يمكنك تخيل ماذا سيقول ناسخ قديم: يا إلهى، لا يُوجد ظهورات القيامة هنا، و الإنجيل ينتهى بالنساء الخائفات. أعتقد أن ناسخ ما فى القرن الثانى إستقاها من أعمال الرسل بشكل رئيسى – حيث نجد أن بولس قرصه ثعبان و نجد ناس يتكلمون بألسنة – و قد أراد أن يحوم حول انجيل مرقس، ليضع له خاتمة جديدة”.

“لماذا مازالت موجودة فى الكتاب المقدس؟”.

“بمجرد ما دخلت الى الكتاب المقدس، فإنه حقيقى من الصعب إزاحتها. كل الكتب المقدسة بها ملاحظات توضح أن الخاتمة الأطول ليست موجودة فى أقدم المخطوطات. بعض الترجمات تضع هذه الأعداد بخط أصغر، او بين أقواس. من بين الأعداد المشكوك بها فى الكتاب المقدس، فهذا المقطع و قصة المرأة الزانية هما أطول المقاطع، و مرة أخرى، فهذه ليست أخبار جديدة”.

لكن هناك مقطع هام ثالث. قال ايرمان أن:”النص الوحيد فى الكتاب المقدس بأكمله الذى يبرز الثالوث بوضوح” هو نص 1 يوحنا 5 : 7 – 8فى نُسخة الملك جيمس، و يقول:”لأن هناك ثلاثة يشهدون فى السماء، الآب، الكلمة، و الروح القدس: و هؤلاء الثلاثة هم واحد”.

سألت والاس:”ألا تتفق فى أن هذا النص غير أصلى”.

“تماماً”.

“من أين أتت؟”.

“هذا النص جاء فعلاً من تأمل من القرن الثامن. ثم تم إضافته للنص اللاتينى و لم تتم ترجمته لليونانية قبل عام 1520 م. حتى اليوم، فقد وجدنا اربعة مخطوطات تثبت هذا النص من القرن السادس عشر او السابع عشر، بالإضافة الى أربعة مخطوطات أخرى تضعه كتعليق هامشى بأيادى متأخرة. من الواضح أنه غير أصلى”.

فقلت:”أرسلت لى سيدة مُلاحظة حديثاً تقول فيها: لقد أحضرت لك نصاً عظيماً لتدعيم الثالوث. و بالمناسبة، ستجده فقط فى نسخة الملك جيمس. ألقى نظرة عليها، أنه موجود! إذن فمازال بعض الناس يعتقدون أنه أصيل”.

فتنهد والاس قائلاً:”يجب علينا أن نقوم بعمل أفضل لتدريب الكنيسة. حقيقة أننا خُرِسنا تجاه الكنيسة لمدة طويلة جداً هى جريمة، و الآن الناس يُصابوا بالذعر حينما يسمعون عن هذه الأمور. بل إنك تكاد لا تجد هذا النص حتى فى أى ترجمات أخرى، ماعدا فى الحواشى”.

فلاحظت:”يقول الملحد فراند زيندلر بأن حذف هذه العبارة الغير أصلية: يترك المسيحيين بدون أى دليل كتابى على الثالوث”.

فرد والاس بحزم:”أنا لن أكون متساهل مع هذا التعليق: أنه ليس سوى تعليق غبى، ولا أؤمن به. مجمع القسطنطينية فى عام 381 م و مجمع خلقيدونية فى عام 451 م، نشأوا ببيانات واضحة صريحة تؤكد الثالوث، فواضح إذن أنهم لم يكونوا بحاجة الى هذا المقطع المتأخر الغير أصلى. الكتاب المقدس يحتوى بوضوح على أربع حقائق: الآب هو الله، يسوع هو الله، الروح القدس هو الله، و أن هناك إله واحد. و هذا هو الثالوث”. هكذا أوضح والاس.

يسوع غاضب؟

هل هناك طرق تجعل من فهمنا ليسوع يتغير على نحو هام بسبب القراءات النصية؟ يضع ايرمان فى سوء اقتباس يسوع أمثلة قليلة، و هى التى قررت أن اختبرها مع والاس. كمثال، ايرمان يُجادل بأن نص مرقس 1 : 41، يقول خطأ بأن يسوع “تحرك بحنو” حينما شفى أبرص، بل إن النص الأصلى كما قال ايرمان قال بأن يسوع أصبح غاضباً. سألت والاس عن هذا الموضوع، و قد فُوجئت برده.

قال والاس:”أعتقد أن ايرمان مُصِيب حول النص”.

فسألت:”حقاً؟ هذا فاجئنى”.

“حسناً، لقد كنت أتصارع مع هذه المشكلة فى السنوات القليلة الماضية، و أنا أعتقد أنه من المحتمل أن النص الأصلى كان يقول عن يسوع أنه غضب”.

فقلت:”يبدو ان ايرمان يريد أن يحتج ضمنياً الى أنه لو كان يسوع قد غضب، فلا يُمكن أن يكون الله، لأن الله محبة، رغم أنه لم يقل ذلك صراحةً”.

أطلق هذا السؤال إجابة قوية من والاس، فقال:”توقف لحظة. لقد كان هناك مجموعتين فقط فى العالم القديمة، الرواقيين و الفريسيين، الذين شعروا بأن الغضب شىء خاطىء. كل شخص آخر شعر أن النقمة المُستقيمة يجب أن يكون لها مكان فى الحياة، و يسوع كان واحداً منهم”.

“هل تعتقد أن هذا التغيير فى مرقس 1 : 41 سوف يغير صورتنا عن يسوع؟”.

فقال:”سوف تغير فقط كيف نفسر هذا النص الواحد. لكن هذا لا يعنى بأننا حصلنا على يسوع مختلف مفاجأةً”.

“و لما لا؟”.

“مؤخراً فى الإنجيل، يقول نص مرقس 3 : 5 بأن يسوع أجاب بغضب بسبب أنه كان حزين على قلوب القادة الدينيين القاسية الذى كانوا يبحثون عن عذر ليتهموه. و فى مرقس 10 : 13 – 16، كان ساخطاً على تلاميذه لأنهم كانوا يمنعون الناس من إحضار الأطفال ليتباركوا به. هل عبر يسوع عن عضبه و سخطه فى بعض الأوقات؟ نعم، و نحن نعرف ذلك بالفعل، و لكن هذا كان مناسباً بالتأكيد”.

فسألت:”و لكن لماذا سيغضب حينما يشفى الأبرص؟”.

“يُمكننا أن نفترض عدة أسباب. ايرمان ينصرف عن بعض الإحتماليات بسرعة، فكمثال قد يكون يسوع غاضباً بسبب وضع العالم الملىء بالأمراض، أو أنه يحب المريض لكنه يكره المرض. لكن النص غامض، فلا يُمكننا أن نعرف حقاً. و لكن ما نعرفه هو أن ايرمان فشل فى إثبات إدعاؤه بأن يسوع يغضب حينما يُشكك أحد فى سلطته، قدرته، أو رغبته فى الشفاء. النص لا يدعم هذه الإحتمالية إلا لو قمت بلوى النص”.

إنتقلت الى إدعاء آخر لإيرمان. يُترجم نص عبرانيين 2 : 9 كـ:”الذى بنعمة الله، سيتذوق الموت لأجل كل واحد”. و لكن يذكر ايرمان بأن العبارة يجب ان تُقرأ:”بعيداً عن الله”، بدلاً من “بنعمة الله”.

فقلت:”بحسب ايرمان فإن هذه القراءة تُؤثر على تفسير سفر كامل. هل توافق؟”.

فأجاب والاس:”مرة أخرى، أعتقد ان ايرمان يُغالى فى قضيته بشكل هام. فأولاً، أنا أعتقد أن قراءة “بنعمة الله” هى الصحيحة تقريباً، رغم أننى سأفترض أن ايرمان قد يكون مُصيب بأن “بعيداً عن الله” هى القراءة الأصلية”.

“و لكن إليك أجندته الحقيقية: يربط ايرمان بين هذا النص و نص عبرانيين 5 : 7، و الذى يقول بأن يسوع صلى:”بصراخ شديد و دموع”. لذا فإيرمان يقول بأن يسوع مات على الصليب “بعيداً عن الله” بطريقة صارخة، مرعبة، و مُخيفة، لذا فما يُمكن أن نتضمنه من ذلك أنه لا يُمكن ان يكون الله المتجسد، لأن الله لن يرتعب بهذه الطريقة”.

“و أنت تختلف معه؟”.

“بالتأكيد أختلف معه. عبرانيين 5 : 7 لا يُحدد أن يسوع كان يصرخ الى الله لأجل موته. بل أنه يقول أن يسوع قدم صلاوات “بصراخ شديد و دموع…فى أيام حياة يسوع على الأرض”. فى الحقيقة، فالعدد السابق يقول أن يسوع كان:”كاهن للأبد، على رتبة ملكى صادق”. ماذا يفعل الكهنة إذن؟ يُصلون عن رعيتهم! إذن فإيرمان يربط ثلاث نقاط معاً، ربط غير منطقى”.

ثم أضاف والاس نقطة أخيرة ليضمن قضيته:”حتى لو قال النص الأصلى بأن يسوع مات “بعيداً عن الله”، فهذا لا يُغير اى شىء لاهوتياً. فكيف يختلف هذا النص عن قول يسوع على الصليب: إلهى، إلهى، لماذا تركتنى؟ أنه يعنى نفس المعنى. إذن فمرة أخرى، نحن لا نُعطى صورة جديدة ليسوع”.

“هذا مجرد عته!”

لقد وضع والاس موضوع سواء نستطيع الثقة فى نص العهد الجديد أم لا فى توازن. فبينما لا يستطيع العلماء أن يسجلوا كل كلمة بثقة مُطلقة، فلم يكن هناك أى شك حول أساسيات العهد الجديد. و بالنسبة ليسوع، فلا يُوجد شىء سوف يضع منظور جديد لحياته، شخصيته، معجزاته، أو قيامته.

لمحت ساعتى و لاحظت أن الوقت يتأخر. كان لدىّ موضوع آخر أردت أن افتحه، لكنى لم أميل ان اسأل والاس عليه. لم يكن هذا نقد من عالم محترم، لكنه إدعاء قام به ثلاثة مؤلفين، لم يثق فى كتابهم المؤرخين بكل الطرق. لكنى متأكد بأن هذا شهرة هذا الكتاب العامة – و الذى بِيع منه ملايين النُسخ – كانت جديرة بالطرح.

فقلت:”دعنى اسألك عن أحد التصريحات الموجودة فى الكتاب الأفضل مبيعاً: الدم المقدس، الكأس المقدس”.

فلف والاس عينيه، و لكنى بدأت فى السؤال:”يزعم المؤلفين بأنه فى عام 303، دمّر الإمبراطور الوثنى دقلديانوس كل الكتابات المسيحية التى يمكن أن يجدها. و لهذا السبب لا يوجد أى مخطوطات تعود لما قبل القرن الرابع. و لاحقاً، أصدر الإمبراطور قسطنطين نُسخ جديدة لهذه الوثائق، سمحت: لحراس الأرثوذكسية أن يُراجعوا، يُنقحوا، و يُعيدوا كتابة هذه المواد كما يحلو لهم، و قد كان فى هذا الوقت أن تمت غالبية التغييرات الحاسمة فى العهد الجديد، و نُسِب الى يسوع المكانة الفريدة التى إحتلها منذ ذلك الوقت”.

نظر والاس ساخطاً، و صرخ قائلاً:”يا لهذه الكآبة! هذا مجرد عته! هل يعرف هؤلاء المؤلفين أى شىء عن التاريخ اصلاً؟ دقلديانوس لم يُدمر كل المخطوطات المسيحية. لقد دمر العديد منهم، و لكن غالبيتهم فى الشرق و الجنوب فقط. و عن الزعم بأننا لا نمتلك أى مخطوطة تعود لما قبل القرن الرابع، فلدينا أكثر من أربع دوزينات باليونانية فقط يرجعون لما قبل القرن الرابع. و هذه المخطوطات تحتوى على نصوص كثيرة تُؤكد لاهوت يسوع، مثل يوحنا 1 : 1، يوحنا 1 : 18، يوحنا 20 : 28، عبرانيين 1 : 8، 2 بطرس 1 : 1. إذن فهو إدعاء لا معنى له القول بأن لاهوت المسيح لم يُكن له وجود حتى القرن الرابع، حينما يكون لدينا البرهان بالفعل من مخطوطات أقدم”.

“بالإضافة الى ذلك، فلدينا الكثير و الكثير من الإقتباسات فى كتابات آباء الكنيسة ترجع لما قبل القرن الرابع. أغناطيوس فى عام 110 يُدعو يسوع “إلهنا”، ثم يقول بعد ذلك:”دم الله” مُشيراً الى يسوع. من أين أتى بهذه الفكرة اذا لم تكن قد وُجِدت إلا بعده بمائتى عام؟ و يُمكنك أن تسير من أغناطيوس لبقية الكُتّاب الآبائيين. أنا أقصد بهذا، أنك لا تستطيع أن تقول بهذا الزعم، و تكون مؤرخ معقول بأى شكل من الأشكال. لا يوجد مؤرخ سيفكر بهذا الغباء”.

قلت:”و لكن يبدو أن الملايين من الناس يصدقونهم. فماذا يعنى لك هذا كعالم؟”.

فرد:”إنه شىء مزعج حينما يأتى الأمر الى الإيمان المسيحى، و نجد الناس لا يريدون حقاً – أو لا يعرفون كيف – يفحصون الدليل. لم يعتاد المسيحيين أن يقودهم رعاتهم فى الخوص فى البحث التاريخى. دائماً ما أقول بأنى لا أعتقد أن عمر الكنيسة الإنجيلية باقى فيه خمسين عاماً حتى تتوب”.

“بأى طريقة؟”.

“اولاً، يجب أن نكف عن تهميش دور الكتاب المقدس. لا يُمكننا أن نعامل الكتاب المقدس بإيدى مرتجفة. يجب علينا أن نتصارع مع الموضوعات، لأن إيماننا يعتمد عليها. و ثانياً، يجب أن نكف على معاملة يسوع كأنه مجرد رفيق. يسوع هو الرب و سيد الكون، و علينا أن نفهم ذلك و نرد على الآخرين من هذا المُنطلق”.

“بعد سنوات من دراسة هذه الموضوعات بتعمق، ما الذى فاجآك حول المخطوطات التى قمت بتحليلها؟”

فأجاب:”أكثر ما لفت نظرى، هو الملل من النظر فى مخطوطة وراء مخطوطة وراء مخطوطة لا يتغير نصها. نعم هناك إختلافات، لكنها ثانوية. حينما أقوم بتدريس النقد النصى كل عام، يقضى طلابى ثلث وقت دراستهم ينسخون المخطوطات، و دائماً ما يندهشون من مدى ضحالة إنحراف المخطوطات”.

“حسناً، أنا لا أريد أعطى إنطباع زائف بأنهم لا ينحرفون عن الصواب ابداً. و لكن الغالبية العظمى من هذه الإختلافات تتضمن أخطاء التهجئة و النيو المتحرك. لا يُمكنك أن ترى خط باللون الأزرق فى أى مخطوط يقول فيه الناس:”آه، سوف أقوم بوضع بعض الجمل العجيبة هنا”. إذن فالأساس المُعول عليه بالنسبة إلى، هو كيف أن نُسخ المخطوطات قد إنتقلت بإنتظام عبر القرون”.

“هل تعتقد أن الله قد حفظ لنا بدقة ما هو كافى لنا لنعرفه و نعرف حقيقته؟”

“نعم تماماً. هل لدينا كل الأساسيات؟ نعم. هل لدينا كل التفاصيل؟ لا. و هذه هى مهمة الناقد النصى: أن يحاول الوصول الى الأصول. انا سوف أقضى بقية حياتى أدرس المخطوطات، أنسخهم، أصورهم، و أنشرهم. و مع ذلك لن نصل الى النص الأصلى فى كل مكان على الإطلاق. و لكنى أتمنى أنه مع نهاية حياتى نكون أقرب و لو بجزء بسيط من النص الأصلى، و هذا الهدف جدير بذلك”.

أب الدكتوراه

حوارى مع والاس زودنى بتأكيد قوى بأن ثقتى فى نص العهد الجديد مضمونة بوفرة. ولا شىء إدعاه ايرمان يمكنه أن يُغير الصورة الكتابية ليسوع الحقيقى بأى طريقة لها معنى.

قال الخبير الكتابى نورمان جايزلر، مؤلف أكثر من خمسين كتاباً تشرح و تدافع عن المسيحية:”حينما نضع مقارنة بين القراءات النصية للعهد الجديد و قراءات كتب أخرى موجودة من العالم القديم، فإن النتائج صاعقة. الدليل على سلامة العهد الجديد يتعدى الشك”.

بينا كنت أبتعد عن بيت والاس، إستعدت فى مخيلتى حوار منذ عدة سنوات مع عالم، معروف عالمياً بأنه أعظم ناقد نصى فى عصره. فى الحقيقة، لقد كان بروس م. ميتزجر مُعلم ايرمان فى برينسيتون. حتى أن ايرمان يُهدى سوء إقتباس يسوع له، و يدعوه “أب الدكتوراه” و يقول عنه:”علمنى هذا المجال، و إستمر يُلهمنى فى عملى”.

حينما تحاورت مع ميتزجر، كان عمره آنذاك ثلاثة و ثمانين عاماً. لقد توفى ميتزجر فى عام 2007، بعد حوارنا بعشرة سنوات. ما كان يبدو ساحراً بالنسبة لى كيف أن ملاحظاته فى حوارنا، قد عكست ما كان يخبرنى به والاس الآن بعد سنوات. كمثال، فأتذكر أنى سألت ميتزجر:”إذن، فالقراءات (بين المخطوطات) حينما تحدث، تكون ثانوية و ليست جوهرية؟”.

فرد ميتزجر:”نعم، نعم، هذا صحيح”. و أضاف:”أكثر القراءات أهميةً، لا تُسِقط عقيدة الكنيسة”.

و أتذكر ايضاً أنى سألته حول كيف أثرت عقود الدراسة المُكثفة فى نص العهد الجديد فى إيمانه الشخصى. فأجاب و هو سعيد بمناقشة هذا الموضوع:”آه، لقد أزاد إيمانى أن أرى الحزم الذى إنتقلت به هذه المواد لنا، بنُسخ مُضاعفة، بعضها قديم جداً”.

و بدأت بالقول:”إذن، فالبحث العلمى لم يُضعف إيمانك….”، فقاطعنى قبل أن انهى جملتى مُؤكداً:”على العكس. لقد بناه. لقد سألت أسئلة طوال حياتى، نقبت فى النص، و درسته تماماً، و اليوم أعرف بيقين أن ثقتى فى يسوع وُضعت فى محلها”.

ثم توقف بينما تسمرت عيناه فى وجهى، ثم أضاف مؤكداً:”وُضِعت فى محلها تماماً”.

الإيمان بين الحدث و النص – فادى اليكساندر

الإيمان بين الحدث و النص – فادى اليكساندر
 

لم يُبنى الإيمان المسيحى يوماً ما على النص. سواء كان هذا النص معصوم أم لا، فالنص شاهد للإيمان، و ليس أساساً للإيمان. الكتاب المقدس نفسه يقول ذلك:”وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ” (1 كو 15 : 17). أى أن الإيمان المسيحى، مبنى بشكل مُباشر على “الحدث”، و ليس على النص. هذا الحدث هو الإختراق الإلهى للتاريخ البشرى. ان الله قرر ان يدخل الى عالمنا، و يُعطينا سبيل جديد آمن للحياة الإلهية. سواء كان الكتاب المقدس معصوم حرفياً، او موضوعياً، أو غير معصوم على الإطلاق؛ فهذا لا علاقة له بالإيمان المسيحى، لأن الإيمان غير مبنى على النص، ولا يُستقى من النص. كما قال العالم كريج ايفانز:”حقيقة الرسالة المسيحية، لا تعتمد على عصمة الكتاب المقدس، او قدرتنا على التوفيق بين الأربعة أناجيل، لكن على قيامة المسيح. و الموثوقية التاريخية للأناجيل، لا تعتمد على عصمة الكتاب المقدس أو على إثبات انه لا يوجد اى نوع من الخطأ بهم”
[1].

سواء كان هذا النص ثابت او غير ثابت، سواء إحتوى على تناقضات حقيقية او تناقضات ظاهرية؛ فهذا لا علاقة له بمدى ثقتنا فى تاريخ الأناجيل الأربعة فى تقديم ماهية يسوع الناصرى. فهل يجب ان يكون يوسيفوس معصوم كى نقبل منه حقيقة ما؟ بل إن إقرار الحقيقة التاريخية له قواعده و آلياته الخاصة، بغض النظر عن عصمة الوثيقة

[2]!

إن إيماننا مبنى على المسيح نفسه، و قيامته من الموت هى جوهر عقيدتنا. قيامة الرب من الموت هى أفضل تفسير للبيانات و الأدلة المتوفرة، و هو ما جعل أكبر علماء العهد الجديد فى القرن العشرين، نيكولاس توماس رايت، بلا مُنازع، يقول:”البيانات التاريخية الموجودة الآن، هى أنه هناك إيمان عريض، تشكل بتماسك و آثر بشكل واسع: أن يسوع الناصرى قام جسدياً من الموت. هذا هو إيمان كل المسيحيين الأوائل الذين نملك بياناتهم. لقد كان هذا الإيمان هو مركز تطبيقهم المميز، القصص، الرمز و الإيمان؛ لقد كان هو أساس إدراكهم أن يسوع هو المسيح و الرب، إصرارهم ان الله الخالق قد بدأ العهد الجديد المُنتظر، و فوق الكل، رجائهم فى قيامتهم الجسدية فى المستقبل”

[3].

لذلك أكدت كثيراً فى كتاباتى السابقة، على ضرورة إعقالنا لدور الكتاب المقدس فى إيماننا المسيحى. الكتاب المقدس ليس سوى أحد سُبل إنتقال الإيمان، و الإيمان هو المسيح. أن يكون الكتاب المقدس نفسه، نصه، موضع إيمان؛ فهذا فكر غريب عن الإيمان الذى سلمه لنا آبائنا. تأمل قوانين إيمان الكنيسة الأولى. لا نجد فى أى من قوانين الإيمان او إعترافات الإيمان، أى إشارة الى ضرورة الإعتقاد بإيمان معين حول الكتاب المقدس. بالتأكيد، كان الكتاب المقدس هو شكل مكتوب للتقليد الرسولى فى الكنيسة الأولى، لذا حظى بتوقيره و إحترامه. فى النهاية، الكتاب المقدس هو كلمة الله. لكن أحداً من الآباء، لم يضع إعتقاد معين حول الكتاب المقدس نفسه، نصه.

أنظر كيف سببّ القديس ابيفانيوس أسقف سلاميس، الإيمان بالثالوث قائلاً:

“يعترف الأنطاكيين بأن الآب و الإبن و الروح القدس، هم واحد فى الجوهر؛ ثلاثة أشخاص، جوهر واحد، إله واحد؛ لأن هذا الإيمان هو الحقيقى، و هو الذى سلمه لنا الأوليين، و هو الإيمان النبوى و الإنجيلى و الرسولى، هذا الإيمان الذى أعترف به آبائنا و أساقفتنا، حينما إجتمعوا فى نيقية فى حضرة الملك العظيم و المُبارك، قسطنطين”

[4].

فالكتاب المقدس هو أحد وسائل التسليم الرسولى؛ الذى يُوجد له العديد من الوسائل. لكن تقديس الوسيلة ليس بأى حال إيمان مُستقيم.

يُعلم الكتاب المقدس ايضاً، بأن الكنيسة هى:”عمود الحق، و قاعدته” (1 تى 3 : 15). و هو الإعتقاد الذى يشرحه القديس ايريناؤس قائلاً:

“لقد إستلمت الكنيسة هذه الكرازة و هذا الإيمان، فرغم أنها منتشرة فى العالم كله، لكنها حمت هذا الإيمان، كما لو انها موجودة فى بيت واحد. كذلك تؤمن الكنيسة بهذه الأمور كما لو ان لها روح واحدة و قلب واحد، و هى تكرز بهم بتناسق، و تعلمهم و تُسلمهم، كما لو ان لها فم واحد. لأنه بالرغم من أن لغات العالم كثيرة، فإن سلطة التقليد واحدة. إن كنيسة الألمان لا تؤمن بشىء مُختلف ولا تملك تقليداً يختلف عن الموجود عند كنيسة الأسبان، او عن كنيسة الكلتيين، ولا حتى فى كنائس الشرق، ولا فى مصر، ولا فى ليبيا، ولا حتى فى الكنائس الموجودة فى الأماكن المركزية للعالم. و لكن كما أن الشمس، التى خلقها الله، هى نفس الشمس فى العالم كله، فكذلك تُضىء الكرازة بالحقيقة كل مكان، و تُنير كل من يرغب ان يأتى لمعرفة الحقيقة”

[5].

فالحق العقيدى واحد فى كل الكنائس التى يسير فيها التسليم. و الكتاب المقدس، مع كونه كلمة الله، فإنه ليس كلمات الله. يشرح العالم الأرثوذكسى، جون بريك، ذلك قائلاً:”الكتاب المقدس قد كُتِب بلغة بشرية و يوضح حدود الفهم و الإدراك الحسى البشرى. الكتاب المقدس يحتوى على كلمة الله و يُعبر عنها. لكن كلمة الله لا يُمكن إختزالها فى النص الكتابى”

[6]. من هذا نستخلص، أن الكتاب المقدس هو كلمة الله، لأنه يحتوى على كلمة الله، و ليس لأنه فى حد ذاته “كلمات” الله.

هذا الكتاب هو كلمة الله، لأنه يسرد لنا تاريخ الخلاص الإلهى المُقدم للإنسان. لكن أعود و أقول، أن الخلاص هو فى المسيح، و ليس فى النص. الخلاص فى الحدث، و ليس فى النص. حقيقة الإيمان المسيحى تثبت بالتاريخ، لا بالمواقف المُسبقة. يُمكنك ان تعتبر كتب العهد الجديد هى مجرد كتابات بشرية، غير مُوحى بها و غير معصومة؛ فبالنقد التاريخى، ستبقى النتيجة: أن قيامة الرب يسوع من الموت هى حجر الزاوية لإيماننا.

إن الوحى ليس قاصراً على كتب بعينها، و لم ينقطع إتصال الروح القدس بالبشر بعد إنتهاء القرن الأول. إذا كنت تعتقد بإختلاف حلول الروح القدس على التلاميذ عن حلول الروح القدس فى المعمودية، فعليك أن تشرح ذلك الإختلاف فى ضوء ما قاله المسيح:”وَأَمَّا الْمُعَزِّي الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ” (يو 14 : 26). فما هو الفارق بين حلول الروح القدس على التلاميذ يوم الخمسين، و حلوله اليوم على كل مؤمن يموت و يُدفن مع المسيح فى المعمودية؟ يقول الأب متى المسكين:

“كلمة الرسل هى عينها شاهدة لحقيقة حلول الروح القدس فيهم، و الذى يهمنا جداً فى هذا هو أن الكلمة أصبحت مرتبطة بهذا الحلول إرتباطاً صميمياً، بحيث أن كل من يتعمق الكلمة يكتشف فيها الروح القدس، أو بالحرى يدخل ضمناً فى حالة حلول!”

[7].

فليس هناك فرق بين تعليم الروح القدس لبطرس قديماً، و تعليم الروح القدس لأى مؤمن اليوم. لأننا أُعطينا الموهبة، و مُنحنا النعمة الأكبر، أن نعرف حتى فكر المسيح، كما قال القديس بولس:”و أما نحن فلنا فكر المسيح” (1 كو 2 : 16).

إن ما يحدث الآن، هو ما وصفه دانيال والاس أكثر من مرة، بأنه وضع الكتاب المقدس بدلاً من المسيح. المسيح كلمة الله، و الكتاب المقدس كلمة الله، إذن المسيح هو الكتاب المقدس! هذا مفهوم مُشوه عن طبيعة الكتاب المقدس كونه كلمة الله، و طبيعة المسيح كونه كلمة الله. للأسف، ينتج عن هذا أن يصبح الكتاب المقدس هو مركز الإيمان المسيحى، بدلاً من المسيح نفسه. يؤمن الفرد بأن الكتاب المقدس هو كتاب الله، أى ان الله أوحى به، و بالتالى فهذا الكتاب يجب ان يكون معصوم لأن الله لا يصدر عنه خطأ، و من ثم يستقى العقيدة التى يريد ان يعلنها الله له من هذا الكتاب. الآن، إذا تم توجيه نقد بسيط للكتاب المقدس، يبدأ كل شىء فى الإنهيار! فإذا ثبت لفرد ما أن الكتاب المقدس غير معصوم، يسقط كل شىء.

هذه النتيجة يصل لها الفرد لسببين رئيسيين:

· إحلال الكتاب محل المسيح: فلم يعد المسيح هو طريق الخلاص، بل الكتاب هو طريق الخلاص. يتم هذا بإفتراض أن الطريق للتأكد أن الخلاص فى المسيح، هو التأكد من الكتاب الذى أرسله الله. فإذا ثبت ان هذا الكتاب به اخطاء أى كان نوعها، فعندئذ يثبت بطلان كل ما يُبنى على إفتراض:”الخلاص فى العصمة”.
· إتخاذ موقف الله: فبدلاً من تحرى ما الذى أعلنه الله حقيقةً، نرى خلفيات مُسبقة تبدأ فى الظهور، و نزعات معينة تفترض على الله ما الذى يجب ان يكون قد قام به. ليس ما الذى قام به الله حقيقةً، و لكن إفتراض معايير معينة للوحى و كلمة الله. فإذا ثبت بُطلان هذه المعايير او أحدها، لا يعود هذا كتاب الله. هكذا، أصبح الإنسان هو الوصى على الله و تصرفاته و سلوكياته، بدلاً من الإنحناء امام ما أعلنه الله عن نفسه.

إن السؤال الذى لا أملك أى نوع من الإجابة عليه، هو:”ما هو الضمان أن هذه الكتب مُوحى بها؟”. هذا سؤال شخصى جداً، و ليس علمى. الله لا يخضع لمعايير البشر. لذا، فإن خطوة الإيمان بوحى الكتاب المقدس هى خطوة لاحقة و شخصية جداً. لذلك لعلك تُلاحظ أن الدفاعيات الغربية لا تتجه فى هذا المسار الشرقى ابداً. ما هو علمى و ما هو قابل للفحص هو التاريخ. الإيمان المسيحى لا يقول بأن يسوع قام من الموت و يصمت. الإيمان يُعطينا بيانات، أفراد، اسماء، إحصائيات، وثائق، أماكن…ثم يدعونا لتحرى البرهان.

ما أريد ان اقوله لك، أن القضية أكبر من مجرد كتاب معصوم او غير معصوم. القضية لا علاقة لها ابداً بثبات الإيمان المسيحى؛ لأننا نبنى إيماننا على الحدث الأعظم فى التاريخ؛ قرار الله بإختراق العالم البشرى. دائماً ما يُقال لى:”و كيف لك ان تعرف بأن الله إخترق التاريخ؟” أو “كيف لك أن تعرف بأن المسيح قد قام؟” ألا نعرف كل هذا من النص؟! حسناً، قضية مصادر العقيدة ليست بهذه البساطة، و لكن بإيجاز أقول: أن النص نفسه أحد وسائل إنتقال الحدث الهامة، لكن كيفية التعامل مع النص فى إرساء هذا الخبر، لا علاقة لها بقضية العصمة. الأناجيل عبارة عن أربعة مصادر مستقلة تنقل لنا الخبر. لكن لا يُشترط فى تصديق أى مصدر تاريخى أن يكون معصوم. فى دراساتى للتاريخ الفرعونى القديم، لا أشترط ان يكون مانيتون معصوماً كى أُسلم بمعلومة ما ذكرها. لكن هناك معايير الأصالة، لمعرفة هل ما هو مذكور فى الوثيقة التاريخية حقيقى ام مُلفق؟ حتى اليوم، و قد قرأت كتب تشكيكية لا أستطيع حصرها، لم أجد هجوماً او تشكيكاً إستطاع التصدى لموثوقية الأناجيل التاريخية. بل الحجة الأشهر للهروب من هذا الدليل المُحكم؛ هو اللجوء الى تكون الأساطير فى الفترة الفاصلة ما بين صعود المسيح و كتابة الأناجيل. تلك الحجة التى لا تصمد أمام النقد التاريخى الجاد.

لذلك، عليك أن تعى ان النقد النصى لا يُمثل خطراً على حقيقة الإيمان المسيحى. تحرر من تلك القيود الوهمية. لا النقد النصى، ولا قانونية الأسفار، ولا كل فروع النقد الأعلى مُجتمعة، لها تأثير سلبى على الإيمان المسيحى. فى بعض الأحيان لا يتخيل البعض أن بتمسكهم بهذه القيود التى يعتقدون فيها حمايةً للإيمان، أنهم يطعنون الإيمان صراحةً

[8]. دع العالم ما يقول، و كن مُتقيناً بأنه لا يمس إيمانك ابداً. فى النهاية، هؤلاء العلماء يُقدمون لك الدليل المتوفر. يجب ان نكون امناء مع أنفسنا، و ألا نُبرر دفاعنا، و ألا نعتقد بأن خداع أنفسنا سيصل بنا الى الله. اللاهوتى الأرثوذكسى الشهير الأسقف كاليستوس وير، يُعلمنا قائلاً:

“لأن الكتاب المقدس هو كلمة الله المُعبر عنها بلغة البشر، فيجب أن نُعطى مكاناً للتحقيق الأمين و النقدى القاسى فى دراسة الكتاب المقدس. إن عقلنا الذى نعقل به الأمور هو عطية من الله، و يجب ألا نخاف من إستخدامه لأقصى حد فى قراءة الكتاب المقدس. نحن المسيحيين الأرثوذكس نُخاطر بإهمال نتائج البحث العلمى المستقل حول مصادر كتب الكتاب المقدس، تاريخهم و مؤلفيهم، رغم أننا يجب ان نختبر هذه النتائج دائماً فى ضوء التقليد المقدس”

[9].

إفترض أن البحث العلمى أثبت يوماً ما أن كاتب إنجيل يوحنا هو مدرسة كاملة و ليس شخص واحد. فهل سينهار إيمانك لهذه النتيجة؟ أكثر علماء الكاثوليك ليبراليةً، حينما وصلوا لهذه النتيجة، وجدوها مُشجعة لإستمرارية إيمانهم. رايموند براون، جوزيف فيتزمير، و رولاند مورفى، من أكبر العلماء الكاثوليك فى القرن العشرين، قالوا:

“رغم أن إجابة العلماء حول ماهية مؤلف الإنجيل الرابع مُختلفة، فإن هذه النتيجة لا يجب ان تُخفِق النقطة الأساسية بأنه قد تم التأكيد على رسولية الكاتب. الإنجيل الرابع ليس عمل هرطوقى متأصل، ولا هو أسطورة لمُخلص غير مسيحى يُعمد سرياً، ولا هو صورة دوسيتية ليسوع كأنه المسيح السماوى. إنه شاهد للتطور الشرعى للإيمان الرسولى. لهذا، فإنه فى مكانه الصحيح فى قانون العهد الجديد الأرثوذكسى، كما أكد ايريناؤس”

[10].

حينما نأخذ الصورة الكاملة للبرهان، تتضح الحقيقة؛ لكن أن نأخذ الصورة مُقتطعة، فهى حينئذ تشويه للحقيقة و تحريف لها. تماماً كمن يقول: أنظر، ها هو بطرس يشهد أن يسوع رجل مُجرد تبرهن من قِبل الله؛ إذن يسوع ليس هو الله. أو أن نسمع أحدهم يقول: ها هو يسوع يُقر بأنه إنسان يتكلم بالحق الذى سمعه من الله؛ إذن لا يُمكن ان يكون يسوع هو الله. هذه الأقاويل هى تشويه لصورة المسيح فى العهد الجديد. نعم يسوع إنسان، لكن هذه ليست الصورة كاملةً. فيسوع فى الصورة الكاملة هو إنسان و إله ايضاً.

حينما تظهر الصورة كاملةً، ستشعر بالضمان العجيب الذى يُقدمه الكتاب المقدس عن صحة وحيه، هذا الضمان الذى لا يُمكن لكلمات أو علم ان يُقدمه.

إن إيمان لا يقبل النقد، ولا يستطيع أن يصمد أمام التحديات، هو آخر خيار قد أقبل به…

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] Craig A. Evans: Fabricating Jesus, How Modern Scholars Distort The Gospels, IVP Books: InterVarsity Press, USA 2006, P. 31
[2] تُسمى بـ “معايير الأصالة” criterion of authenticity، و قد تناولها العلماء بالتفصيل فى كتابات كثيرة، و حرصوا على تقديمها للعامة، خاصةً بعد ظهور منتدى يسوع Jesus Seminar.
[3] N. T. Wright: The Resurrection Of The Son Of God, Fortress Press 2003, P. 685
[4] Against All Heresies 73:34. Cited in: The Faith Of The Early Fathers, Vol 2, By William A. Jurgens, P. 75.
[5] Against Heresies 1:10:2. Ibid, Vol 1, P. 85.
[6] John Breck: Scripture In Tradition, The Bible & Its Interpretation In The Orthodox Church, St Vladimir’s Seminary Press 2001, P. 13
[7] الروح القدس، الجزء الثانى، ص 396
[8] النموذج المثالى لهذا الطعن هو الدفاع عن الفاصلة اليوحناوية، بالمناداة بأصالتها. لا يتخيل المُدافع عن أصالة الفاصلة اليوحناوية، أنه بدفاعه هذا يطعن فى إستقرار نص العهد الجديد عبر تاريخ إنتقاله. فإذا كنت تقول بأصالة الفاصلة، فلا شىء ثابت فى النص. حجة دائماً ما أسمعها؛ أنه ليس معنى عدم وجود النص فى المخطوطات أنه ليس أصلياً. هذه الجملة تُقال ببراءة و غيرة شديدة، لكنها تعنى أننا لا نستطيع الإعتماد على الشواهد المتوفرة فى الوصول الى النص الأصلى! هناك نوع من المُدافعين عن نص العهد الجديد، يعتمدون فى الرد على إيراد المخطوطات المُثبتة للنص، غير مُدركين أنه هناك مخطوطات مماثلة تحذف نفس النص الذين يُدافعون عنه و أنه علينا أن نُضع معايير لكيفية تأصيل النصوص. و كأن لأنه موجود بمخطوطات معينة فإن هذا دليل أصالته!
[9] The Orthodox Study Bible, P. 1758
[10] The New Jerome Biblical Commentary, P. 947

Exit mobile version