ألا من كلمات معزية ومشجعة لشبان وشابات يشعرون بالنقص، واحد لأنه أقصر من أقرانه، وآخر لأنه يتلعثم في الكلام، وآخر لعيب جسدي فيه، وآخر لبدانته، وآخر لنحافته الشديدة، وأخرى لدماثة شكلها مما يُعرضهم لسخرية الآخرين بالكلام الصريح أو التلميحات؟
الشعور بالنقص لعيوب جسمية
أجاب د عصام عزت
لكل إنسان سواء مؤمن أو غير مؤمن، ضعفاته ونقائصه، وكذلك مزاياه وحسناته، والله لم يعطِ لأي شخص مهما كان كل شيء، أو يحرم شخص من كل شيء. وقد تكون هذه النقائص ظاهرة مثلما ذكرت في الشكل أو الطول أو الوزن، أو طريقة الكلام، وقد تكون خفية لا يراها الآخرون، مثل الخوف، أو الطمع أو خلافه.
الله إله التعويضات عندما يسمح بنقص في حياة شخص فهو يعوض بشيء آخر مثل أن يكون متقدمًا دراسيًا، أو محبوبًا من الآخرين، أو حكيم في أفكاره… إلخ.
الشعور بالنقص لا يأتي بالضرورة نتيجة نقص فعلي، فكثيرون من الذين عندهم عيوب فعلية لا يشعرون بالنقص، وكثيرون ممن يشعرون بالنقص ليس لديهم عيوب ظاهرة، لكن هذا الشعور يأتي من مشغولية الشخص الكثيرة بنفسه، ولا سيما مشغوليته بنقاط ضعفه، ومقارنة نفسه بالآخرين في هذه الناحية.
الله دائمًا يرى المؤمن كاملاً وبلا عيوب مطلقًا؛ لأن المؤمن أصبح في المسيح، فالله يراه كاملاً مثلما يرى المسيح، والمؤمن إذا نظر لنفسه نفس نظرة الله له سيفرح لأن الله هو الذي يُقيّمه تقييمًا صحيحًا.
عندما يأتى الرب ستختفي فعليًا كل نقائص الجسد؛ لأنه سيُغيّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده.
انشغل بكل ما يُخرجك خارج نطاق التفكير في نفسك، ولا سيما في نقائصك، اطلب من الرب أن يشغل ذهنك خارج هذه الدائرة.
اشكر الله على ما منحك من مزايا وهى كثيرة إن تذكرتها، وكل يوم فيها جديد. وتأكد أن الله يحبك ويُقدّرك كما أنت.
أضاف د عادل حليم
من جهة طول القامة أو قصرها: إن الفرد لا يُقيّمه الناس بطوله أو قصره بل بمدى ما يحدثه من تأثير في الآخرين، وما ينقله إليهم من مشاعر دافئة.. فالشخصية الاجتماعية المرحة المنفتحة على الآخرين قادرة أن تحقق ذاتها مهما كان طول الشخص، فالعبرة بالروح والحيوية. لا تستسلم لشعور النقص أو صغر النفس.. حقق ذاتك بشكل أفضل، وسوف يقتنع بك الآخرون من خلال بريق شخصيتك الذي سوف يطغي على كل صفات جسدية مجردة.
فما تحتاجه الآن هو أن تثق أن قيمة الإنسان ليست في مقاييس جسمه بل في شخصيته، وأهمية دوره في المجتمع، ومحبته للآخرين؛ لذلك حاول أن تتصرف في تعاملك مع الآخرين بصورة طبيعية عادية دون أن تضع في اعتبارك أي نقص في الصفات الجسدية، بل حاول أن تتجاهله وتنمي عوضًا عنها مقاييس أعلى. وتأكد أن الناس سوف يحكمون عليك من كلامك وتصرفاتك ومواقفك الإنسانية، فتلك هي الأهم والأثبت والأبقى.
الشعور بالنقص لعيوب جسمية
من جهة عدم قبول الشكل:أنتِ تجدين صعوبة في قبول الذات بسبب عدم الرضا عن ملامح الوجه، ولن أقول لكِ ألا تهتمي بالجمال الخارجي بل أقول إنه بمقدورك أن تصبحي أكثر جمالاً، إذ يمكنكِ أن تطوري إحساس الآخرين بجمالك، وأظن أن المعلومة التالية سوف تكون ذات فائدة خاصة:
غالبًا ما يتولد إحساس الناس بجمال شخص ما نتيجة إدراكهم لحضوره الشخصي ككل، وبالتالي يتأثر تقييمهم لمدى جماله من خلال التفاعل معه ككيان عقلي وجداني أخلاقي روحي جسدي ككيان واحد، وليس لمجرد الإعجاب بجمال جزء ما من كيانه.
جمال الجسد إذًا جزء من الجمال الكلي للشخص، والذين يهتمون بتنمية قدراتهم العقلية (بالقراءة والحوار…) واكتساب خبرات التعامل الراقي مع الآخرين، والتدريب على الاهتمام الشخصي بالآخرين، وإبداء مشاعر المحبة المعطاءة، تتولد لديهم جاذبية خاصة للآخرين تفوق مَنْ هم أجمل جسمانيًا.
في العلاقات الشخصية نلاحظ أن الجاذبية أهم من الجمال الجسدي، وكذلك في اختيار شريك الحياة، فكم من شباب يُعجبون بفتيات لأنهم انجذبوا إلى شخصياتهن التي تشع حضورًا متميزًا بغض النظر عن شكل الوجه أو الجسم بالمقاييس المجردة للجمال.
الخلاصة: عندما يسعى الشخص لتطوير شخصيته، وتنمية علاقاته بالآخرين ولا يعتزل الناس، بل يتفاعل معهم، ويهتم بحياته الروحية، عندئذ سوف يشع منه حضورًا متميزًا أجمل من الجمال.
كتاب هل يمكن تغيير الاتجاهات الإنسانية؟ PDF كيفية استبدال المواقف السلبية بأخرى إيجابية – جيمس ماكدونالدكتاب هل يمكن تغيير الاتجاهات الإنسانية؟ PDF كيفية استبدال المواقف السلبية بأخرى إيجابية – جيمس ماكدونالد
والآن سنوات المدرسة الثانوية كنت أسعى لإعادة بناء هويتي. وفي المقام الأول كنت أكره أن أكون جنوبياً من الجنوب. كانت البرامج التلفزيونية مثل “بيفريل هيلبليس The Beverly Hillbillies” و”نهيق Heehaw” كانت تربكني، فكنت أنكمش وأتراجع في كل مرة أسمع فيها الرئيس “ليندون جونسون” وهو يفتح فمه قائلاً: “Mhafella Amuricuns…” ولأن باقي الأمريكيين في الستينات كانوا يحكمون على أهل الجنوب بأنهم متخلفون، جهلاء، وعنصريون، لذلك كنت أريد أن أفصل نفسي عن إقليمي الذي ولدت فيه.
لقد بذلت جهداً لتغيير لهجتي، ونجحت في ذلك حتى أن الناس كانوا يندهشون لدى علمهم أنني من الجنوب. وبدأت في قراءة الكتب المشهورة لكي أوسع مداركي. وتجنبت استخدام بعض التعبيرات التي يستخدمها أهل الجنوب. وقررت مواجهة مخاوفي دفعة واحدة، وحاولت التغلب عليها. وجاهدت لكي أتحكم في مشاعري لتكون طوع إرادتي، فلا تتحكم فيّ. كما أنني قمت بمحاولات لتحسين طريقة كتابتي.
نجحت محاولاتي في الإصلاح، ومنحتني الشخصية المناسبة لتلك الفترة. وأصبحت أقل حساسية وأكثر انفتاحاً ومرونة. وتلاشت أشباح الطفولة ومورثاتها، وأعتقد أنني هربت من ماضيّ.
وبعد عدة سنوات بدأت المشاكل في الظهور، عندما بدأت أدرك حدود شخصية كونتها بنفسي. فقد فشلت فشلاً كبيراً في معظم أموري الهامة بالنسبة لله. فقد كنت أنانياً، انعزالياً، غير محب للآخرين، وتنقصني العاطفة والمشاعر.
وفيما عدا القدرة على التحكم في الذات كنت محتاجاً إلى تسع من ثمار الروح المذكورة في غلاطية 5. ورأيت أن هذه الصفات لا يمكن بناؤها، ولكن يجب تنميتها بعد أن يزرعها الله بحضوره وسكناه داخلي. واتفق مع ما قاله ج. هنريك أرنولد: أن التلمذة المسيحية “ليست تساؤلاً عما نفعله، بل المهم هو إعداد مكان لله لكي يتمكن من السكنى فينا”.
ومنذ ذلك الوقت بدأت أمارس الصلاة بطريقة منتظمة من خلال القائمة الموجودة في رسالة غلاطية: محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، وداعة، صلاح، إيمان، تعفف. هل أظهر المحبة واختبر الفرح والسلام وأتعامل بالصبر؟ وظللت أطرق على سقف من زجاج، لأنه بالرغم من تغلبي على الشك، ومحبة الذات، فقد كنت أشعر بحاجة شديدة إلى الفرح والمحبة.
وعندما كنت أعتقد أنني أصبحت صبوراً ووديعاً، كنت أقطع الاتصال التليفوني إذا ما استمر لمدة 20 دقيقة، وأبداً بطرق الطاولة بقبضة يدي. وكنت أعلم أن أي تقدم في هذه المجالات يحدث نتيجة عمل الله.
أخيراً أدركت أن كل مشروعي لإعادة بناء شخصيتي قد أُسيء تنفيذه. إن الله لا يريدك أن تعمل بشخصية مختلفة تماماً، فالله قد اختارني أنا. لقد رأيت هذا بكل وضوح أثناء فترة خلوة للإرشاد والتأمل الروحي، وطلب مني مرشدي الروحي أن أركز على قصة إقامة لعازر في يوحنا 11: ” وأنت تقراً ضع نفسك مكان لعازر، لقد قام لحياة ثانية، لكنه كان ملفوفاً في الأكفان.
كان بحاجة إلى من يفكه ويُطلقه حراً. وأريدك أن تتعرف على القيود التي تلتف حولك وتمنعك من أن تحيا الحياة التي قصدها لك الله”.
كتبت قائمة طويلة اشتملت على أشياء مثل سرعة التردد والتباطؤ التي تُفسد كل اختباراتي للفرح، ومع نفسي من التعبير عن الفرح أو توقعه. جراح قديمة تحتاج إلى مزيد من الإيمان بالله لكي تُشفى. أيضاً أعراض الكتابة التي منعتني من أن أحيا حياة طبيعية، والتعلق بعناد بشخصيتي كنوع من الارتداد، وتجنب نموذج مارسته في علاقتي مع الله ومع الآخرين.
وأود أن أسجل هنا أن الله قد أزال كل تلك القيود والأربطة خلال أسبوع من الارشاد والتأمل الروحي. إن الشفاء الروحي ليس أمراً سهلاً أو سريعاً. لقد ألقيت نظرة على عملية الشفاء هذه، وراجعت محاولة إعادة بناء شخصيتي بمعونة الله، وليس بمجهودي أنا – إنه إصلاح يحرر – لا ينكر ذاتي الحقيقية.
أستاذ الأدب “مارك فان دورن” الذي علّم “توماس مرتون”، قام بزيارة تلميذه السابق في دير كينتكي ولم يكن قد رآه منذ 13 عام. لم يتمكن دورن وبعض أصدقاء مرتون من فهم واستيعاب تحوله من حياته الصاخبة في نيويورك، إلى هذه العزلة والسكون في دير. قال دورن:
“كان يبدو متقدماً في السن، ولكن أثناء جلوسنا وحديثنا معه لم أتبين اختلافاً كبيراً فيه. فقلت له: إنك لم تتغير إطلاقاً يا توم”.
فأجاب: “ولماذا أتغير؟ إن من واجبنا هنا أن نسلك على طبيعتنا”. وكانت هذه إجابة هامة ساعدت على تصحيح مفاهيمي”.
أثق أن له هدفاً مماثلاً لذلك لنا جميعاً، أن نسلك على طبيعتنا التي أرادها الله أصلاً لنا. قال الحاخام زوسيا Zusya: “لن يسألني أحد في الأبدية: لماذا لم تسلك كموسى؟ وسيسألونني: “لماذا لم تسلك كالحاخام زوسيا؟”.
وبكل هدوء سأقول إن الروح القدس أرشدني ألا أكون موسى أو زوسيا، ولكن لكي أكون فيليب يانسي، الإنسان الخاطئ الذي اختاره الله ليسكن فيه. إن الله على استعداد لأن يساعد كل إنسان على الأرض له الرغبة في أن يسكن فيه. ويبدأ الأمر كله بالثقة في أن الله يريد لي الأفضل، ثقة في أن الله سيحرر. نفسي الحقيقية لا أن يقيدها. كتب بولس الرسول إلى أهل أفسس: “فإنه لم يبغض أحدٌ جسده قط بل يقوته ويربيه، كما الرب أيضاً للكنسية.
لأننا أعضاء جسمه، من لحمه ومن عظامه… هذا السر عظيم…”، كما لو أن بولس أيضاً يجد صعوبة في الإيمان بعمق، علاقة الله القوية مع شعبه. إنني أقوم بكل ما يحتاج إليه جسدي: أتناول الفيتامينات، أمارس رياضة العدو، أقص شعري وأظافري، أنام، أزور عيادة الطبيب، آكل، أضمد جراحي.
أضع شامبو على البشرة الجافة، احتفظ بدرجة مقبولة لغرفتي. إنني لا أهمل احتياجات جسدي على الإطلاق. هذه هي نفس العلاقة الحميمة التي لله مع شعبه على الأرض، لأنه اختار أجسادنا لنا لأنها ملكه.
“انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله!” هكذا كتب يوحنا البشير في رسالته الأولى. مع أن كل شيء حولنا يقول عكس ذلك: نحن لا نستحق، لقد سقطنا، إنه ينقصنا الكثير. كما لو أننا نتوقع الاعتراض، ويضيف يوحنا: “أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله، ولم يُظهر بعد ماذا سنكون. ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله”، والآن جزء منا ما زال مختبئاً، لم ينمُ حتى الآن مثل العضو الذي لم يُستخدم بعد.
ومع ذلك فإن عمل الروح يتقدم بطريقة غير مرئية، ولا نهاية لها لكي يُشكل ذواتنا الحقيقية. فليس بإمكاننا أن نبني الشخصية التي تُسر قلب الله، بل أن الله نفسه هو الذي وعد بأن يفعل ذلك.
لقد قال الله بك وضوح أنه يقبلنا – بل ويُسر بنا – لأننا نحمل صورته. إننا لا نشعر بهذا الحب السماوي. إن الشك واليأس قد يسرقان منا هذا الشعور مثلما حدث للناس الذين كتب لهم البشير يوحنا. وأحياناً “تلومنا قلوبنا” ولكن الله “أعظم من قلوبنا، ويعلم كل شيء”.
عندما وصل مترجم العهد الجديد ج. ب. فيلبس إلى هذه الآية من رسالة يوحنا الأولى، تصور أن يترك هذه الصفحة. ويقول فيلبس: “إنني مثل كثيرين آخرين، أجد نفسي في بعض الأحيان ميالاً إلى رفض ما هو دون الكمال، وإذا لم نحذّر أنفسنا من تملك فكرة الكمال علينا فقد تصيبنا بالغرور، ونبدأ في انتقاد الآخرين، أو ننتقد أنفسنا”.
لقد عانى فيلبس من الاكتئاب المرضي، وعندما كان يعاني من المزاج السيء يتمادى في الإدانة بلا رحمة. وحدث معه ذلك حتى بعد أن تمسك بكلمات هذه الآية. كما وأنه يقول: “إذا كان الله يحبنا فمن نحن حتى نتعالى ونرفض أن نحب أنفسنا”.
بالنسبة لي أنا أيضاً، فإن قبول محبة الله يتضمن أصواتاً مكتومة قاسية تهمس لي بطرق أخرى: أنت لا تستحق، لقد سقطت ثانية، ولا يمكن أن يحبك الله. ويبدأ ضميري في رسم صورة الله كما في العهد القديم الي كان له السلطان والعقوبة القاسية، وبصعوبة يمكنني أن أفهم حقيقة أن الله تنازل ليعيش داخلي، والآن يحبني من الداخل والخارج.
ويجب أن أسأل الله “الذي هو أعظم من قلوبنا” أن يوقف هذه الدائرة القاسية من الدينونة، وأن يذكرني بحقيقة أن الله يحبني ويُسر بي.
لماذا يحبني الله؟ يجيب الكتاب المقدس على هذا السؤال العميق بكلمة لا تُبارى: النعمة. الله يحب لأن طبيعته هي المحبة، وليس لأنني فعلت أي شيء يستحق ذلك. الله لا يستطيع يمنع نفسه عن الحب لأن المحبة هي طبيعته.
أتذكر القليل من الخدمات الكثيرة التي سمعتها في حياتي، من بينها خدمة قدمها “إيان بيت واطسون” وقد اشتملت هذه الخدمة على نقطة واحدة، ربما تكون هي السبب الذي جعلني أتذكرها: “إننا نحب بعض الأشياء لأنها تستحق ذلك، وبعض الأشياء الأخرى تستحق أن تُحب”.
بدأ واطسون بأمثلة لأشياء نحبها، لأن فيها من الصفات ما يستحق ذلك: عارضات الأزياء، الرياضيون الموهوبون، العلماء العباقرة، الأعمال الفنية الثمينة والنادرة. ثم ذكر شيئاً ليس فيه أية صفة تجعلنا نحبه، ومع ذلك نحبه. أخبرنا عن ابنته “روزماري” ولعبتها القذرة المصنوعة من القماش، ومع ذلك فهي من أغلى ممتلكاتها، إذ أن روزماري لا يمكنها العيش بدونها.
وعندما قرر بيت واطسون السفر من اسكتلندا عبر المحيط ليستقر في أمريكا، اختار كل عضو في أسرته بكل عناية شيئاً من ممتلكاته ليأخذه معه. لقد اختارت روز ماري شيئاً واحداً: إنها دميتها المصنوعة من القماش. وعندما وضعوها في مكان غير مناسب (من وجهة نظرها) في المطار اضطربت روزماري بشدة حتى أن الأسرة فكرت في تأجيل الطيران. وعندما وجدوها أخيراً كان للدمية فعل السحر في تهدئة روزماري. إن قيمة الدمية في حد ذاتها قليلة جداً، ولكنها في عيني روزماري غالية القيمة.
طبق بت واطسون هذا المثل بشكل كتابي: إن محبة الله ليست مبنية على استحقاق ذاتي فينا. لقد وصلت إلينا بالنعمة كهبة مجانية، ومنحت الاستحقاق لأناس غير محبوبين. وبعض الأشياء نحبها لأنها تستحق ذلك، والبعض الآخر يستحق أولاً ثم يُحب. ولاهوتياً؛ يناسبنا الجزء الثاني من هذه العبارة، يقول القديس أوغسطينوس: “بمحبتك يا رب لمن لا يُحب، جعلتني محبوباً”.
عندما أحب شخصاً ما فإنني أُسر به، وعندما يزورنا بعض الأصدقاء في كولورادو، نشتري لهم الطعام الذي نعرف أنهم يحبونه، وننظف المنزل ونضع أزهاراً في حجرة الضيوف، ونضع لهم خطة للرحلة لنعطيهم أقصى متعة من الزيارة. ولا أستطيع أن أمنع نفسي من النظر عبر النافذة، وكلما اقترب موعد وصولهم كما لو أن انتظاري لهم سوف يُسرع بمجيئهم. إن الله يشعر نحو كل منا بمثل هذا السرور.
وعندما اقترب حياة هنري نووين من نهايتها قال: إن الصلاة أصبحت بالنسبة لي في المقام الأول وقتاً “للاستمتاع بالبركة”. وأضاف أن: “العمل الحقيقي للصلاة هو أن تصمت، وتستمع للصوت الذي يقول لك أموراً طيبة عن نفسك”. وقال: إن هذا قد يبدو نوعاً من التساهل مع النفس، ولكنه كان يقصد أن يرى نفسه كالمحبوب من الله الذي اختره لكي يسكن فيه.
وكلما ازداد سماعه لهذا الصوت، كلما قلت حساسيته تجاه تجاوب الآخرين معه، أو تقييمه لإنجازاته. وصلى لكي يعلن الله عن سكناه في داخله من خلال حياته اليومية مثلما يأكل، ويشرب، ويتحدث، ويحب، ويلعب، ويعمل. كان يسعى لأن تكون له الهوية التي تتمتع بحرية حقيقية مثبتة في مكان “يفوق كل المديح والملامة الإنسانية”.
أنا أيضاً عرفت أن الصلاة ليست مجرد الطلب من الله لأن يفعل لي ما أريده. إنها تعني أولاً؛ أن أضع نفسي في مكان يُمكِّن الله من “تجديد عقلي” حيث يمكنني استيعاب الهوية الجديدة كالمحبوب من الله، وهذا ما يصر عليه الله كأساس للإيمان.
في تشابه جزئي تعكس “كاثرين نورس” وجهة النظر التي عادة ما ننسبها إلى الله:
“في صباح أحد أيام الربيع الماضي لاحظت زوجين وطفلهما عند بوابة الرحيل في أحد المطارات. كان الطفل يحملق باهتمام في الناس بالمطار، وحالما ينظر وجه أي شخص، سواء كان صغيراً أو كبيراً، جميلاً أو قبيحاً، حزيناً أو سعيداً، كان يتجاوب معه بسرور بالغ.
كم كان جميلاً أن أرى ذلك. لقد أصبحت بوابة الرحيل المقبضة باباً للسماء. وكلما شاهدت هذا الطفل يلعب مع أي شخص يقبل منه ذلك، شعرت بخوف كالذي شعر به يعقوب، لأنني أدركت أن هذا هو أسلوب الله في النظر إلينا، فهو يحملق في وجوهنا لكي نفرح ونتهلل، ولكي نرى خليقته التي خلقها صالحة مع بقية الخلائق الأخرى. وكما يذكر ذلك المزمور 139: “الظلمة أيضاً لا تُظلم لديك”، وهو الذي يستطيع أن ينظر إلينا ويحملق فينا مهما فعلنا من شر في حياتنا، فنحن خليقته، وقد صنعنا على صورته.
الله وحده فقط، وأولاده المحبوبون أيضاً، يمكنهم أن يرونا بهذه الصورة”.
نادراً ما أستيقظ في الصباح وأنا ممتلئ بالإيمان. وبدلاً من ذلك، أشعر مثلما يشعر به سمك استوائي اعتدت أن أحتفظ به في مياه مالحة في حوض للأسماك. فكل سمكة صغيرة لها طريقتها في حماية نفسها بالليل: فالبعض يختبئ في القواقع، والبعض الآخر له أشواك حادة، وأسماك أخرى تختبئ في الحصى.
هذه الأسماك تُفرز طبقة من السم حول جسمها ثم تنام في هدوء ولا تنزعج من مضايقات جيرانها. ومع ذلك؛ ففي كل صباح تستيقظ الأسماك وسط سحابة بيضاء من السموم. غالباً ما يكون إيماني بهذه الصورة – فهو الذي كان قوياً في اليوم السابق – يختفي بالليل وأستيقظ وسط سحابة من الشك السام.
سأل بولس أهل كورنثوس: “أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله وأنكم لستم لأنفسكم؟” وكان يبدو عليهم أنهم لا يعرفون هذه الحقيقة. وكم أشعر بالخجل من نفس لأنني أحتاج أحياناً لأن أذكر نفسي بهذه الحقيقة. فإذا كان الله نفسه يحيا فيّ، ألا يجب أن أستيقظ وهذا الفكر في ذهني، وأعيش به طوال اليوم؟ ولكن؛ يا للأسف، إنني لا أفعل ذلك.
في مكان آخر يقول بولس: “إن الله وضع خاتمه علينا لملكيتنا، ووضع روحه في قلوبنا كوديعة تضمن حياتنا المستقبلية”. فبعد زراعة عضو جديد في الجسم يجب على الأطباء استخدام بعض العقاقير التي تساعد الجسم حتى لا يرفض العضو الجديد. فبإمكاني أن أقول إن الروح القدس يقوم فينا بنفس هذا الدور، فهو قوة حية بداخلنا تحمينا من رفض الخليقة الجديدة التي زرعها الله بداخلنا. وجهاز المناعة الروحي بداخلي يحتاج إلى من يذكره يومياً بأن حضور الله بداخلي أصبح أمراً طبيعياً في أعضائي الروحية، وليس عضواً غريباً.
إنني أذكّر نفسي بما أعرفه بعمق في داخلي: إن قيمتي هي من الله الذي سكب محبته ونعمته عليّ. وفي تواصلي مع الله غير المنظور قد تزل وتبتعد أفكاري عنه. مكالمات تليفونية، أمور تشتت الانتباه، بعض المناظر في التلفزيون قد تنسيني يقظتي بوجود الله فيّ. كيف أحفظ نفسي من كل هذا؟ كيف أغرس في داخلي الإيمان بأن الله نفسه يعيش في داخلي، حتى وإن كنت أحياناً أنسى هذا الحضور؟
لاحظ “جون ف. تايلور”، وهو يقيم في أفريقيا، كيف يختبر الأفارقة الشعور بالحضور الشخصي. يقول: إننا في الغرب نتحدث مع أصدقائنا بعقول مشغولة جزئياً بشيء آخر، ويلاحظ ذلك الأصدقاء الذين نتحدث معهم. في حين أن الأفريقي ينشغل بعمله ويدخل الصديق الغرفة ويحيهم ويجلس القرفصاء، بعد تبادل بعض الكلمات، يستمر صاحب المنزل في عمله الروتيني، أثناء جلوس الزائر.
وبعد مضي نصف ساعة يقف الزائر ويقول: “لقد شاهدتك”، ويمضي لحال سبيله. ولم يكن بحاجة لأية معلومات مكتفياً بمشاركة الحضور مع صديقه.
ويقول تايلور إن الانتباه هو مفتاح تذكر هذا الإحساس بالحضور:
“يعرف كل مدرس ناجح أهمية الطرق على الطاولة بيده، ويقول للتلاميذ: انتبهوا من فضلكم. فالانتباه الحقيقي هو أمر ضروري لموضوع الحديث. فالطفل الذي يرضع ويشبع يسترخي. والعقل الناضج يجب أن يكون متلقياً ومتوقعاً قبل أن تكون له أية قوة إبداعية.
ومرة أخرى أقول إن هذه هي حالة العقل الذي تُشرق عليه الحقائق الجديدة. نحن لا نضع أو نستنبط هذه الحقائق، بل بالحري يكون لدينا إحساس بالانتظار في اكتشاف شيء ما موجود فعلاً هناك. فالانتباه يعني الحضور…. وأن تكون “في الروح” يعني أن تكون واعياً ومتيقظاً لكي شيء في تلك اللحظة: إلى الغصن الصغير بالشجيرة، كما إلى حضور الله”.
يمارس الرهبان في الأديرة ما يُسمونه Statio ويعني التوقف بعد انتهاء عمل ما قبل أن تبدأ في آخر. لا تندفع من عمل لآخر مباشرة، استرح دقيقة لتسترد أنفاسك. وقبل أن تدير قرص التليفون استرح وفكر في المحادثة مع الشخص على الطرف الآخر. وبعد قراءة كتاب ما، توقف وفكر فما تعلمته، وكيف تأثرت به.
وبعد مشاهدة التلفزيون توقف وتساءل ما الذي أضافه لحياتك. وقبل أن تقرأ الكتاب المقدس توقف وأطلب إرشاد الروح القدس. افعل هذا باستمرار لتكتسب هذه العادة. وجدت أنني إذا قضيت وقتاً في الصلاة قبل البدء في كتابة رسالة أو عمل تليفوني فإن هذا يخفف من الأمر ويجعله فرصة لتلقي نعمة الله أو مشاركتها مع الآخرين.
إذا لم أمارس عملية الانتباه بوعي مني، فسوف أشابه العالم من حولي، عالم يحترم فقط الإنجازات والتنافس. ويصحح بولس هذا الأمر، إذ يوصي بعملية تطهير الذهن بفترة استراحة وتوقف: “ركزوا أذهانكم على ما يريده الروح القدس”، هكذا نصح أهل رومية. وفي فيلبي يقول: “… كل ما هو حق، كل ما هو جليل، كل ما هو عادل، كل ما هو طاهر، كل ما هو مُسر، كل ما صيته حسن، إن كانت فضيلة، وإن كان مدح ففي هذه افتكروا”.
إن اكتساب شخصية جديدة يتطلب عملاً إرادياً. تخلص من ذاتك القديمة وألبس ذاتك جديدة، وفي كل مكان آخر ينصح بولس “بتجديد الذهن”، كما لو أننا نختار ملابس جديدة كل يوم من دولاب الملابس.
تساءل “ديترش بنهوفر”: ماذا نريد من تأملنا؟ ويجيب: “نريد أن نكون في حالة تختلف عما كنا عليه قبل جلوسنا للتأمل”.
إن العالم المنظور يفرض نفسه عليّ دون دعوة، أما غير المنظور فيجب أن أزرعه بداخلي بكل وعي مني. كم كنت أود أن تتم العملية بطريقة تلقائية وطبيعية، ولكنها لا يمكن أن تكون كذلك. وفي الحقيقة وجدت أن مثل هذه العملية، مثل أي شيء آخر ذي قيمة، تحتاج إلى نظام. ويقول عازف البيانو “أرثر روبستين”: “إذا لم أمارس العزف ساعة لمدة يوم واحد، فأنا أشعر بذلك.
وإذا لم أمارسه يومين يشعر به النقاد، وإذا امتنعت عن العزف لمدة ثلاث أيام فإن الجمهور سيكتشف ذلك”. وبالمثل فإن الحياة المسيحية تتطلب عملاً يومياً من الإرادة، وإيمان توجيه لهوية شخصية جديدة.
وكذلك التواصل مع الله يتطلب أوقاتاً من التأمل الهادئ. قضى والد عازف الفيولونسيل “يو يو ما Yo – Yo Ma” فترة الحرب العالمية الثانية في باريس حيث عاش بمفرده في غرفة على السطح طوال فترى الاحتلال الألماني.
ولكي يسترد عافيته وسلامته العقلية بدأ يمارس قطعاً موسيقية لباخ على الكمان طوال النهار والليل، وحتى أثناء الظلام كان يعزفها بمفرده. وأخذ الإين “يو – يو” بنصيحة أبيه، وأخذ يعزف موسيقا باخ من الذاكرة كل ليلة قبل ذهابه للنوم. يقول “يو – يو ما” معلقاً على ذلك: “لم يكن هذا تدريباً ولكنه تأمل. لقد كنت منفرداً مع روحي”.
لقد اشتملت هذه الروحانية على الجانبين: الممارسة المنتظمة التي اتبعها “روبنستين”، والتأمل الهادئ الذي قاله “يو – يو ما”. وسألت نفسي في نهاية اليوم، هل قمت بفعل أي شيء يُسر قلب الله؟ وطالما أن الله يريد أن يفرح بي، فهل أعطيته مثل هذه الفرصة؟
إن أية إجابة ليست مهمة، فأنا ما زلت أتمتع بمحبة الله وأطلب منه أن يشملني بالنعمة والغفران. أنني أحاول أن أهدئ الضجيج الذي بداخلي، وأفسح مكاناً للهدوء الإلهي لكي يتسرب داخلي. وأنا مقتنع بأن أكثر الأمور أهمية لله في الصلاة هو اشتياقي لمعرفته.
تخبرنا “روبرتا بوندي” عن راهب عاش في القرن السادس رأي مجتمعاً في حالة اضطراب عظيم. بعض اخوتنا المضطربين بدأوا يتجهون إلى علاقة صحيحة من الحب لله.
واشتكى بعض الرهبان، فقال هم “دوريثوس”: إنكم مخطئون، انظروا إلى العالم على أنه دائرة عظيمة مركزها الله، والأنسان يعيش خارج الدائرة التي بها البشر، مع الله الذي هو في المركز. ألا ترى أنه ليست هناك أية طريقة للتحرك نحو الله بدون التقارب مع الناس الآخرين، ولا توجد طريقة للاقتراب من الآخرين بدون الاقتراب إلى الله”.
وبينما تتغير هويتي من الداخل، تنفتح عيني لترى الآخرين المحتاجين إلى محبة الله ورحمته يتابع بولس نصيحته لأهل رومية قائلاً: “… أن تتغيروا بتجديد أذهانكم”، مع أول ذكر كامل لجسد المسيح، ثم يُعطي سلسلة من أوامره الحاسمة مثل: “اشتركوا في احتياجات القديسين، عيشوا بالسلام مع الجميع”.
وفي رسائل أخرى يطلب من الذين يقرأون الرسالة أن يُشبعوا الجوعى، ويضيفوا الغرباء، ويظهروا المحبة مع غير المؤمنين ممن حولهم. فالعقول المتجددة تُعبر عن نفسها في علاقتها مع الآخرين. يقول “داج هامرسخيلد”: “إن الطريق للقداسة يمر بالضرورة من خلال الحياة العملية”.
مرات عديدة أتذكر قصة الرجل الذي جاءني مرة قائلاً: “أنت كتبت كتاباً عنوانه: أين الله في وقت الألم؟ هل هذا صحيح؟” فقلت له: نعم. فقال: “ليس لدي وقت لقراءة الكتاب، هل بإمكانك أن تقول لي خلاصة الكتاب في جملة أو جملتين؟”
فكرت قليلاً ثم أجبت: “حسناً، سأجيبك بسؤال آخر: أين الكنيسة عندما نتألم؟ وشرحت له أن الكنيسة تُمثل حضور الله على الأرض، إنها جسده. وإذا قامت الكنيسة بعملها – إذا تواجدت الكنيسة أثناء الكوارث، تمول عيادات مرضى الإيدز، تعطي المشورة لضحايا الاغتصاب، وطعاماً للجياع، وسكناً للمشردين – فلا أعتقد أن العالم سوف يسأل هذا السؤال.
إنهم سيعرفون أين الله في وقت الألم. فهو موجود في المؤمنين الذين يخدمون البشرية الساقطة. وفي الحقيقة فإن شعورنا بحضور الله غالباً ما يكون حصيلة لحضور الناس الآخرين.
لعدة سنوات وقفت بجانب صديق لي في ظروف صعبة مظلمة. كان يعاني بقسوة من الاكتئاب، والذي أدى إلى الطلاق، وفقد لوظيفته. ودخل مستشفى الأمراض النفسية والعصبية، وحاول الانتحار ثلاث مرات. التقيت به، وصليت معه، وتحادثت معه تلفونياً لساعات طويلة. وكنت أشعر معظم الوقت بأنني عاجز وبلا فائدة. قررت أخيراً أنه بحاجة إلى محبتي أكثر من حاجته للنصيحة. فاقتربت منه كثيراً على قدر استطاعتي.
” تلك هي تلميحات وتخمينات فقط، تلميحات تتبعها تخمينات والباقي:
صلاة، وشعائر، ونظم، وفكر وعمل.”
ت. إس. إليوت
وأخيراً؛ شُفي صديقي، وعاد إلى صوابه. قال لي: “أنت كنت بمثابة الله بالنسبة لي، لم تكن لي علاقة مع الله الآب، فقد بدا لي أنه غير موجود. ولكنني احتفظت بإيماني بالله بسبب معاملتك أنت معي”.
وأردت أن أوقفه وأمنعه من أن يقول هذا لأنني أعلم من أنا. ومع ذلك، فعندما كنت أستمع له أدركت المعنى العميق لقول بولس “جسد المسيح”. ولأي سبب من الأسباب، قد اختارني الله وقليلين غيري “كأوان خزفية” سكب فيها حضوره. ونحن نقوم بهذه الرحلة ليس بمفردنا، بل بالحري معاً.
يقول القديس مقاريوس الكبير: [ فكما أن الحديد إذا أُلقيَّ في النار يتحول عنه الجوهر اليابس الذي لطبيعته ويصير ليناً بقدر مقامه في النار، كذلك النفس التي تنكر العالم وتعلق شوقها بالرب بالتفتيش الكثير والكد والجهاد، وتنتظره انتظاراً دائماً بالإيمان والرجاء حتى تنال النار السمائية ومحبة الروح؛ حينئذٍ تنفك من محبة العالم وتنفلت من كل فساد الأهواء، وتتغير طبيعتها من يبوسة الخطيئة وتخضع للعريس السمائي بحب شديد لا يوصف ] ( العظة الرابعة للقديس مقاريوس الكبير – ص34 ) [ النعمة حينما يلمحها الإنسان من على بُعْد، يفرح بها، ولكن حينما تدخله القوة الإلهية وتمسك أعضاءه كلها وتستأسر قلبه ولُبَّه لمحبة الله، فإنه يتغيَّر ويصير شخصاً آخر ] ( العظة السابعة للقديس مقاريوس الكبير – ص59)
فقر النفس وغناها الخاص
[ المسكين العريان الفقير يهلك من الجوع إذ ليس له ما يبتاعه، أما من كان ذا خزائن وأموال فإنه بسهولة وبلا تعب يتسلط على أي شيء يمتلكه – كذلك النفس العريانة المحرومة من شركة الروح القدس، تكون في شدة الخطية القاسية، ومهما حاولت فإنها لا تُثمر ثمرة واحدة من ثمار برّ الروح بالحق، إلاَّ إذا حصلت أولاً على شركة هذا الروح ذاته …
لذلك يجب على كل واحد أن يغصب نفسه على التوسل إلى الله لكي يُحسب أهلاً لنوال كنز الروح القدس السماوي، حتى يقدر أن يتمم وصايا الرب بطهارة بلا تعب أو صعوبة أو عيب، الأمر الذي لا يمكنه أن يتممه بدون كنز الروح حتى ولو بالغصب، لأن النفس إذا كانت محرومة من شركة الروح القدس، كيف تقدر أن تحصل على أعمال وغنى الروح ؟ ] ( القديس مقاريوس الكبير عظة 18 )
نأتي الآن إلى سؤال هام:ماذا إذا لم يتغير الإنسان وظل ملازماً خطاياه بعند قلبه !!!
أحياناً كثيرة لا يتوافق الإنسان مع عمل الله ويخضع للنعمة التي تحرك قلبه بالشوق لأن يتوب ويرجع لله الحي، وبالتالي لا يرضى أن يترك طريق الموت وحياة الفساد ليتجه بقلبه نحو الله بصدق، وكثيرين يهربون من التوبة الحقيقية بأشكال متعددة لتخدير الضمير لأن حب عادة معينة أو خطية خاصة، تُلازم القلب وتلتصق بها النفس، وهي تسعى إليها دائماً وتدبر وتخطط لارتكابها طِوعاً لأن قلبها فيها، وحيثما يكون القلب تنشغل أفكار الإنسان، لأن في هذا يكمن كنز الإنسان [ لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضاً ] (متى 6: 21)…
وعادةً الهروب من التوبة يأتي عن طريق الخدمة أو كثرة المعارف الإلهية، لأن الكثيرين يظنوا بخداع أنفسهم، أنهم حينما يعرفون المبادئ الروحية والأفكار اللاهوتية ويفهمونها جيداً، وبكونهم أصبحوا معلمين للذين في الظلمة والمبتعدين عن الله، فقد أصبحوا بذلك مسيحيين متعمقين في الحق ولهم ملكوت الله وحياتهم أصبحت مقدسة وبلا لوم أمام الله، فيزدادون معرفة فوق معرفة وسعي متواصل لكي يوصلوا الكلمة للآخرين، مع أن الكلمة ليست مغروسة فيهم ومثمرة بالروح القدس في تواضع ووداعة قلب [ لذلك اطرحوا كل نجاسة وكثرة شرّ، فاقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة القادرة أن تُخلِّص نفوسكم ] (يعقوب 1: 21)، لذلك يصيرون إلى أردأ، حتى أن مرض الكبرياء القاتل يصيبهم ولا يبقي فيهم شيء صالح، حتى يظنوا أنهم الوحيدون الذين يفهمون الكتب ويعرفون الأصول الروحية، فيتهمون من لا يتبعون فكرهم أنهم لا يفهمون ولا يعرفون، ويرغبون دائماً في أن يصححوا للجميع فكرهم الغبي، فيتعدون على الآخرين دائماً بكل شكل ولون ويتهمونهم اتهامات صعبة معززين قدرتهم على الفهم محتقرين الآخرين في قلبهم، وبذلك يكونون وقعوا في شراك العدو وتصعُب توبتهم جداً، لأن المتكبر في منتهى الصعوبة أنه يعود لله الحي ويتوب، لأنه يرى نفسه الأفضل والفاهم والعارف ولا يحتاج لتوبة لأنه مع الله قائم في مجد عظيم، لذلك مكتوب:
[ كثيرون أضلهم بطلان آرائهم، وعلى عقولهم سيطر الوهم. نهاية العتيد وخيمة، ومن يعشق الخطر يهلك فيه. العنيد تُثقلهُ الأحزان، والخاطئ يُكَوَّمُ خطيئة على خطيئة علة المتكبر لا دواء لها، لأن جرثومة الشرّ تأصلت فيه. العاقل يتأمل الأمثال، وأُمنية الحكيم أُذُن سامعةٌ ] (سيراخ 3: 24 – 29 ترجمة سبعينية)
ويقول الرسول: [ هوذا أنت تُسمى يهودياً وتتكل على الناموس وتفتخر بالله. وتعرف مشيئته وتُميز الأمور المتخالفة مُتعلماً من الناموس. وتثق أنك قائد للعُميان ونور للذين في الظلمة. ومهذب للأغبياء ومُعلم للأطفال ولك صورة العلم والحق في الناموس. فأنت إذاً الذي تُعلِّم غيرك ألستُ تُعلِّم نفسك: الذي تكرز أن لا يُسرق أتسرق. الذي تقول أن لا يُزنى أتزني، الذي تستكره الأوثان أتسرق الهياكل. الذي تفتخر بالناموس، أبتعدي الناموس تُهين الله. لأن اسم الله يجدف عليه بسببكم بين الأمم كما هو مكتوب. فأن الختان ينفع أن عملت بالناموس، ولكن أن كنت متعدياً الناموس فقد صار ختانك غرلة. إذاً أن كان الأغرل يحفظ أحكام الناموس أفما تُحسب غرلته ختاناً. وتكون الغُرلة التي من الطبيعة وهي تُكمل الناموس تُدينك أنت الذي في الكتاب والختان تتعدى الناموس. لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهودياً، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختاناً. بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان الذي مدحه ليس من الناس بل من الله ] (رومية 2: 17 – 29)
فيا من تظن أنك عالم في الكتاب المقدس وتعرف الحق، وتفتخر أنك مسيحي نقي حامل الإيمان في قلبك وحاميه، ونور للذين في الظلمة ومُعلِّم الأغبياء، فاهماً لكل شيء ومتعمق ومتأصل في دراسة الكلمة ولك اسم وشهره بين الناس، والكل يحترمك ويقدر عملك ومجهودك العظيم، وهذا حقيقي فيك، أفلا تدري أن الله لا يأخذ بالوجوه، ولا ينظر للمعارف بل ينظر للقلب وما فيه، لأن المسيحي ليس بالظاهر هو المسيحي، وليس بذكائه ولا قدرة عقله، بل بقلبه، بوداعته وتواضعه، بانحنائه وغسل أقدام الآخرين كخدام تحت الأقدام مستعد أن يحمل خطايا الآخرين ويقف يصلي لأجلهم أمام مسيح خلاص النفس، لا يصيح ولا يلعن بل يبارك الجميع، لا يفرق بل يجمع الكل في المحبة، لا يتهم احداً بالضلال ولا الكفر ولا الهرطقة، لا يرفض خاطي ولا يعظم عالم، ولا يستنكف أن يجلس ببساطة واتضاع عظيم مع المزدرى والغير موجود والجاهل والأُمي – غير متفضلاً عليهم بل كأعضاء المسيح – ولا يتفاخر بعلمه ومعرفته ولا حتى طائفته، لا يقاضي الآخرين ويهددهم، ولا يقف أمامهم لأنهم أقل منه علماً أو معرفة، والمسيحي الحقيقي لا يفتخر على أحد أو يتعالى على أي إنسان مهما من كان، وأن حدث هذا فلنعلم أنه ليس مسيحياً إلا بالاسم فقط…
فيا إخوتي أن أعظم ضربة للإنسان هو الكبرياء والتعالي ظناً منه أن الأفضل أو الأحسن، وأن عنده وحده الحق كله، وكل الذين من حزبه يتبعون فكره، وأن كل من لا يتبعه يراه متخلفاً مرفوضاً من الله، جاهلاً لا يفهم ولا يعي شيئاً. هذه الغطرسة دائماً ما تُصيب أصحاب المعرفة التي لم تنزل لقلبهم لتتحوَّل لحياة ظاهرة في تواضع قلب، لذلك بولس الرسول الملهم من الله لكي يؤكد مسيحية الإنسان الذي نال طبعاً جديداً قال:
[ فأطلب إليكم أنا الأسير في الرب أن تسلكوا كما يحق للدعوة التي دعيتم بها. بكل تواضع ووداعة وبطول أناة محتملين بعضكم بعضا في المحبة. مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح برباط السلام. جسد واحد وروح واحد كما دُعيتم أيضاً في رجاء دعوتكم الواحد. رب واحد إيمان واحد معمودية واحدة. إله وأب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم ] (أفسس 4: 1 – 6)
عموماً يا إخوتي، إن لم يدخل الإنسان في سرّ التجديد، ويتغير ويتجدد حسب صورة شخص ربنا يسوع في البرّ والقداسة، فأنه يقع – طبيعياً – تحت الدينونة، لأن في المسيح يسوع رُفعت الدينونة، وكل من هو خارجه لا زال تحت الدينونة لأنه يحيا في الموت: + فهذا هو حال من هم في المسيح، يعيشون بالتوبة الدائمة [ إذاً لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح. لأن ناموس (قانون) روح الحياة في المسيح يسوع، قد أعتقني (فكني – حررني) من ناموس الخطية والموت ] (رومية 8: 1و 2)
+ أما كل من هم خارج شخص المسيح يجدون أنفسهم – تلقائياً – محصورين في الدينونة حتى لو كانوا يعرفون الكتاب المقدس ويفهمون كل شيء بتدقيق مُعلمين الآخرين، كالقول الشهير للبعض بدون خبرة روحية عميقة (((من يفهمني يحيا بي))):
[ لأن غضب الله مُعلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم الذين يحجزون الحق بالإثم. إذ معرفة الله ظاهرة فيهم، لأن الله أظهرها لهم … ] (رومية 1: 18 – 19)
[ ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضباً في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة. الذي سيُجازي كل واحد حسب أعماله. أما الذين بصبر في العمل الصالح يطلبون المجد والكرامة والبقاء فبالحياة الابدية. وأما الذين هم من أهل التحزب ولا يطاوعون للحق بل يطاوعون للإثم فسخط وغضب. شدة وضيق على كل نفس إنسان يفعل الشر اليهودي أولاً ثم اليوناني. ومجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح اليهودي أولاً ثم اليوناني. لأن ليس عند الله محاباة ] (رومية 2: 5 – 11)
يقول القديس أُغسطينوس: [ يجب ألا يفتخر أي أحد بنفسه، ولا يجب أن ينخدع بالأمور الباطلة الغبية. كذلك لا يُخطئ أحد بسبب الحرية الممنوحة لهُ، لأن غضب الله ودينونته لا تحل بالخطاة في الحال، كما يجب ألا يظن الذي أخطأ أنه سوف يفلت من العقاب لكونه لم يدن في الحال. ولكن الأجدر بهذا الخاطئ أن يدرك أن الله يؤجل دينونته وأن غضبه سوف يحل على الخطاة فجأة بدون أي توقع. ونظراً لكثرة الإثم، فأن غضب الله سوف يحل فجأة لأنه محفوظ للمستقبل ” ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضباً في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة الذي سيُجازي كل واحد حسب أعماله ” (رومية 2: 5)، ومما يؤسف له فأن كثيرين لا يفهمون ذلك، ولا يدركون هذه الحقيقة. والواقع أن غضب الله سيقع على كل خاطئ. أما من يظن أنهُ لن يُعاقب على خطئهُ فهو يتجاهل الحقيقة ويغمض عينيه عن الصواب ]
طبعاً الله لا يُعاقب الأشرار فوراً بل يعطي الفرصة بطول أناة لكي يتوبوا، والعقوبة هنا ليست معناها أن الله حانقاً على الخاطي، لأن الله ليس مثل الإنسان وبأعصابه يغضب على الآخرين ويُريد أن ينتقم ويهلك أحد، لأنه مكتوب: [ فسكبت سخطي عليهم، أفنيتهم بنار غضبي، جلبت طريقهم على رؤوسهم يقول السيد الرب ] ( حزقيال 22: 31)
ولنلاحظ هنا الكلام بتدقيق [ جلبت طريقهم على رؤوسهم ]، فكل واحد يختار الطريق الذي يسير فيه ويحتمل نتيجته، لأن الله منذ البدء وضع الإنسان أمام طريقين: [ طريق الحياة وطريق الموت ] ووضعه لإرادة ذاته الحرة ليختار الطريق الذي يتوافق معه، وقد أعلمه نهاية كل طريق وعاقبته:
[ وضع للناس أن يموتوا مرة ثم بعد ذلك الدينونة ] (عبرانيين 9: 27)
[ لأن الله يحضر كل عمل إلى الدينونة على كل خفي أن كان خيراً أو شراً ] (جامعة 12: 14)
[ أفرح أيها الشاب في حداثتك وليسرك قلبك في أيام شبابك واسلك في طرق قلبك وبمرأى عينيك واعلم أنه على هذه الأمور كلها يأتي بك الله إلى الدينونة ] (جامعة 11: 9)
[ وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة ] (يوحنا 3: 19)
واعلموا يقيناً أنه لم ولن توجد حجة لإنسان ما ليقول أن الرب أضلني أو منه خطيئتي، أو قد سمح لي بأن أسير في هذا الطريق أو ذاك، لأن كما قُلنا سابقاً الله لا يسمح أو يأذن لأحد بخطية أو بشر أو موت، بل الإنسان هو وحده من يختار، ولو اختار فهو الذي يُضَّرّ أو يستفيد، يدخل في الموت أو الحياة، لأن الله لا يقع عليه أي ضرر أو يُصاب بشيء ما قط، لا يخسر أو يستفيد من الإنسان، لذلك مكتوب:
[ أن أخطأت فماذا فعلت به وأن كثرت معاصيك فماذا عملت له. أن كنت باراً فماذا أعطيته أو ماذا يأخذه من يدك ] (أيوب 35: 6 – 7)
[ أن كنت حكيماً فأنت حكيم لنفسك وأن استهزأت فأنت وحدك تتحمل ] (أمثال 9: 12)
_____________________________
في الجزء القادم سوف نتحدث عن الأساس التي تقوم عليه دعوة التوبة
تابع أولاً: دعـــــــــوة التوبـــــــــة للرجوع للجزء السادس أضغط هنا.
تابع [1] لمن تكون الدعوة
· الخطية مرض خبيث أحتاج شفاء منها لئلا أموت أبدياً
· الخطية خدَّاعة، خدعت قلبي الميال للشهوة
· أنا المسئول عن خطيئتي، وهي تنبع من الإرادة، فأنا الذي أسقط لأني أسعى لأُتمم شهوتي
·ومن هذه النقاط الثلاث نخرج بنتيجة هامة للغاية وهي: [ضرورة التغيير]
فكما رأينا سابقاً أن الخطية مشكلتها في الموت، إذ أنها تبدأ بالشهوة وإذا تمت واكتملت فثمرتها الطبيعية هي الموت [ ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطية والخطية إذا كملت تنتج موتاً ] (يعقوب 1: 15)، لذلك فأن أي تجاوب مع الشهوة بالفكر تبدأ تتضخم، مثل العجين الذي تدخل فيه الخميرة، وحينما تمكث في البيئة المناسبة فأنها تنفخ العجين كله، وفي النهاية تنتج الموت الذي يشعره الإنسان من ضيق نفسي عظيم يُلازم الخطية بعد تتميمها، ومع الاستمرار فيها قد يموت إحساسه ويتبلد، ولا عجب لأنه مكتوب: [ أجرة الخطية هي موت ] (رومية 5: 23)، لذلك في سفر التكوين الله تكلم قائلاً: [ موتاً تموت ] وهذا إعلان النتيجة الطبيعية للخطية، يعني الله لم يخلق الموت ولا وهبه ولا أعطاه لأحد، بل الموت هو عكس ما وهبه الله، فالله وهب الحياة لأن فيه الحياة أو هو الحياة نفسها، ولا يستطيع أن يعطي ما ليس فيه…
فالموت هو النتيجة الطبيعية للخطية، ولا أقصد هنا الموت البيولوجي الطبيعي بالتحديد على وجهٍ خاص، لكن أقصد فعل الموت نفسه الذي دخل في حياة الإنسان، حتى أن حياته أصبحت كلها استهلاكية مائله طبيعياً – بسبب السقوط – إلى الفناء والموت، وآثار الموت تظهر في حياتنا الشخصية من حزن وكآبة وضيق شديد لدرجة تمني الموت أحياناً، والبكاء والفراغ النفسي، والرثاء، والحرمان من الحب كشعور ملازم في حياتنا حتى لو أحبنا أحد أو أحببناه.. الخ، فكل هذا لأن الإنسان خرج خارج الحياة ودخل في الموت، وهذا نجده بملامح واضحة جداً منذ سقوط آدم وما اعتراه من ضعف وخجل وهروب من محضر الله، وهذا ما يحدث لنا يومياً حينما تكون الخطية مالكة بالموت على القلب فأننا نهرب من الصلاة ويُصبح الإنجيل ثقيلاً على النفس، والاجتماعات الروحية الصحيحة للبنيان لا نقدر على حضورها، ولا نستطيع أن نقرأ شيئاً لبنيان حياتنا مع الله، ربما نقرأ للعلم أو المعرفة وتعليم الآخرين لكننا لا نتعلم أبداً ونحيا نحن على المستوى الشخصي في توبة وتجديد النفس والتشرب من الله حتى الشبع…
وعلى هذا الأساس يلزمنا أن نعلم يقيناً أنه لا مناص من التغيير الجذري في حياتنا الشخصية، لأن الموت دخل بالسقوط، ومن المستحيل أن السقوط يقوم، أو الموت يحيا من ذاته، فلم نسمع عن إنسان ميت قام من نفسه، فمن منا قادر على أن يُقيم نفسه من الموت !!!
فيا إخوتي حينما نجد أنفسنا نشكو من أننا نحيا في حياة تتسم بالسقوط ولا نقدر على القيام لأنه لم يعد لنا المقدرة ولا الطاقة على أن نمارس الحياة الروحية ونلبي كل متطلباتها، إذ نستشعرها ثقيلة علينا جداً، ونظل نشكو بتعب وأنين، ولا مجيب بحل واقعي بسيط بدون تعقيد وملابسات كثيرة مرهقة تدعم الموت وتأصل الفشل الذي نشعره، حينئذ علينا أن نعلم يقيناً أن هذا الشعور يتملكنا نتيجة الموت الذي ملك علينا كلنا، ولا سبيل للخروج والتحرر إلا إذا تغير السقوط بالقيام، والموت بالحياة، لذلك مكتوب:
[ أستيقظ ايها النائم وقم من الأموات فيُضيء لك المسيح ] (أفسس 5: 14)
ولنُلاحظ في هذه الآيات السابقة التي تعلن عمل الله في يقظة النفس، أن الرسول لم يُعطي تداريب للتوبة ولا لرتق الحياة المُمزقة بقليل من الأعمال الصالحة، بل في هذه الآيات أفعال في منتهى الأهمية وهي: [ تغيروا –لنخلع – استيقظ ]
ومن هنا علينا أن نعلم أنه يستحيل أن يتم ترقيع الحياة الساقطة بأعمال صالحة لإصلاحها، لأنها ستمزق النفس تماماً وتطرحها بعيداً عن الرجاء الحي وتُميتها تماماً، لذلك الآباء الروحانيين المتمرسين في خبرة حياة التقوى بتجديد الروح القدس، حذرونا من أن نعمل أعمال الله أو حتى نتقدم لخدمة قبل أن نتوب ونتغير وندخل في سرّ الحياة الجديدة في المسيح يسوع، لأنه يستحيل أن يوضع قطعة من ثوب جديد على قديم، لأن الجديد سيمزق القديم أكثر، لذلك لا نتعجب من أن الكثيرون ممن يخدمون يتركون الخدمة أو يمروا بضيقات نفسية شديدة وثقيلة جداً على أنفسهم تجعلهم يتخلون عن خدمتهم، وذلك لأنهم لم يتبعوا المسيح الرب في التجديد، لذلك تتمزق حياتهم لأنهم لم [ يتغيروا عن شكلهم كل يوم – ولم يخلعوا باستمرار أعمال الظلمة ويلبسوا بدوام أسلحة النور – ولم يستيقظوا باستمرار ودوام ليُضيء لهم مسيح القيامة والحياة ]
فيا إخوتي أعلموا يقيناً ان الإنسان الذي يحيا حسب الإنسان العتيق يستحيل أن يكون روحاني حتى لو عمل كل أعمال الإنسان الجديد، لأنه مكتوب: [ هل يجتنون من الشوك عنباً، أو من الحسك تيناً ] (متى 7: 16) فمثلاً لو واحد فقير شحاذ اشتهى أن يكون غنياً جداً، فذهب خلسة في السوق وسرق ثوب الأغنياء، وذهب لبيته مفتخراً أنه أخيراً أصبح يلبس زي الأغنياء الذي يشتهي ان يكون بينهم ومنهم، وذهب استحم في النهر وعاد لبيته وغير ثيابه الرثة ولبس هذا الثوب الفاخر العظيم، وسار وسط المدينة يفتخر أنه غني، وحينما تملكه الغرور ناسياً نفسه ووجد أن هناك دعوة مقدمة لشرفاء القوم لحفل في قصر ملك المدينة العظيم، فتجرأ وقال في نفسه الآن انا ألبس زي الشرفاء فلماذا لا أذهب، وحينما ذهب وسار وسط الحضور أخذ يتمشى بزهو، ولكنه لاحظ أن لغتهم راقية وكلامهم له بروتكول خاص، فأخذ يقلدهم ويفعل ما يفعلونه، فأخذ يلفت أنظار الحاضرين، غير مدركاً أن تصرفاته مُريبة شائنه وتقليده لهم مبالغ فيه، ولغته ولهجته تفضحه، لكن الحاضرين اكتشفوا بسهولة انه ليس منهم بسبب لغته وأسلوبه، ووصل الأمر للملك فأمر الخدام بطرده فألقوه خارجاً، هكذا كل من يقلد شكل الروحانيين فأن لغته تفضحه أمام ملك الملوك وملائكة الله وقديسيه، وفي النهاية حتى لو دخل العرس فأنه يُطرد خارجاً لأن طبعه مختلف ولغته تفضحه… وهنا تحضرني قصة طريفة على لسان الحيوانات، حينما أرادت نعجة أن تكون أسد، فحاولت بكل الطرق أن تُقلد الأسود، ولكنها لم تستطع، فوجدت جلد أسد ميت فارتدته وأخذت تزأر مقلدة صوت الأسود، فسخرت منها الغابة كلها، والبعض تجاوب معها لكي لا يكسر قلبها، والبعض من بعيد صدقوا أن هناك أسد، ولكن تملكها الغرور حتى انها صدقت نفسها، وحينما وجدت أسود في الجوار يمرحون معاً، فذهبت مسرعة إليهم لكي تحتضنهم لأنهم إخوتها وحينما اقتربت هجمت عليها الأسود فمزقتها والتهمت لحمها…
لذلك يا إخوتي مكتوب:
[ لما كنا في الجسد (الإنسان العتيق ونحيا بشهوات الجسد) كانت أهواء الخطايا التي بالناموس (أي الذي وضحها الناموس أنها فينا لأن الناموس مرآة النفس) تعمل في أعضاءنا لكي نُثمر للموت ] (رومية 7: 5) [ فأننا نعلم أن الناموس روحي وأما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية ] (رومية 7: 14) فمن يُريد أن يحيا بالناموس الروحاني يستحيل يحياه وهو لازال تحت سلطان الخطية تعمل فيه بالموت: [ لأني لست أعرف ما أنا أفعله، إذ لست أفعل ما أُريده، بل ما أبغضه فإياه أفعل. فأن كنت أفعل ما لست أُريده (لأني عبد مبيع تحت الخطية) فإني أُصادق الناموس أنه حسن. فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا، بل الخطية الساكنة فيَّ. فإني أعلم أنه ليس ساكن فيَّ، أي في جسدي، شيءٌ صالح، لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحُسنى فلستُ أجد. لأني لست أفعل الصالح الذي أُريده بل الشر الذي لست أُريده فإياه أفعل. فأن كنت ما لست أُريده إياه أفعل، فلست بعد أفعله أنا بل الخطية الساكنة فيَّ. إذاً أجد الناموس لي حينما أُريد أن أفعل الحُسنى أن الشر حاضر عندي. فإني أُسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن. ولكني أرى ناموساً (قانون) آخر في أعضائي يُحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي ] (رومية 7: 15 – 23)
إذن المشكلة في داخلي أنا، فأنا عبد ما أُطيعه [ ألستم تعلمون أن الذي تقدمون ذواتكم له عبيداً للطاعة، أنتم عبيد للذي تطيعونه: إما للخطية للموت، أو للطاعة للبرّ ] (رومية 6: 16) [ فأن الذين هم حسب الجسد فبما للجسد يهتمون، ولكن الذين حسب الروح فبما للروح. لأن اهتمام الجسد هو موت ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام. لأن اهتمام الجسد هو عداوة لله إذ ليس هو خاضعاً لناموس الله لأنه أيضاً لا يستطيع. فالذين هم في الجسد (الإنسان العتيق الذي هو تحت سلطان الخطية خاضعاً لشهواته) لا يستطيعون أن يرضوا الله ] (رومية 8: 5 – 8)
إذن يا إخوتي كما رأينا، أن كل ما هو من نتاج أفعال الإنسان الواقع تحت سلطان الموت مثل الإنسان الفقير المُعدم الذي هو بغير قادر أن يرتقي لمستوى الأمراء والملوك، لا يسند الإنسان ولا يجعله يرتقي للمستوى الإلهي مهما ما كان شكله أو علمه او ذكائه أو مقدرته، لذلك لا مفر من التغيير والدخول في سرّ التجديد المستمر ببداية حياة توبة مستمرة، والإنسان بالطبع لا يبدأ في سرّ التوبة وتجديد النفس، إلا إذا صرخ من أعماق قلبه فعلاً من ضغط ألم الموت ووجع النفس الداخلي قائلاً بكل وجدانه: [ ويحي أنا الإنسان الشقي !!! من ينقذني من جسد هذا الموت ؟ ] (رومية 7: 24) حينئذٍ ومن عمق هذه الصرخة الداخلية عن حاجة شديدة لمنقذ حقيقي ليُتمم خلاص النفس، يظهر نور الله في وجه يسوع [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة، هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6)، فتتغير الصرخة لتصير بالفرح [ أشكر الله بيسوع المسيح ربنا ] (رومية 7: 25)
يقول القديس مقاريوس الكبير: [ أن من يأتي إلى الله ويرغب أن يكون بالحق شريكاً للمسيح، ينبغي أن يأتي واضعاً في نفسه هذا الغرض: ألا وهو أن يتغير ويتحوَّل من حالته القديمة وسلوكه السابق، ويصير إنساناً صالحاً جديداً، ولا يتمسك بشيء من الإنسان العتيق، لأن الرسول يقول: ” إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة ” (2كورنثوس 5: 17)، وهذا هو نفس الغرض الذي من أجله جاء ربنا يسوع المسيح، أن يُغير الطبيعة البشرية ويحولها ويُجددها، ويخلق النفس خلقة جديدة، النفس التي كانت قد انتكست بالشهوات بواسطة التعدي. وقد جاء المسيح لكي يوحد الطبيعة البشرية بروحه الخاص، أي روح اللاهوت، وهو قد أتى ليصنع عقلاً جديداً، ونفساً جديدة، وعيوناً جديدة، وآذاناً جديدة، ولساناً جديداً روحانياً، وبالاختصار أُناساً جُدداً كليةً، هذا هو ما جاء لكي يعمله في أولئك الذي يؤمنون به. أنه يُصيرهم أواني جديدة، إذ يمسحهم بنور معرفته الإلهية، لكي يصُّب فيهم الخمر الجديدة، التي هي روحه، لأنه يقول أن ” الخمر الجديدة ينبغي أن توضع في زقاق جديدة (متى 9: 17) ] (عظات القديس مقاريوس عظة 44)
_____________________________
في الجزء القادم سوف نتحدث عن ماذا إذا لم يتغير الإنسان ولم يتب عن قصد وعناد قلب
كيف وصل لنا العهد الجديد من القرن الأول إلى الآن؟ | فادى اليكساندر فادى اليكساندر
تاريخ الإنتقال النصى | فادى اليكساندر
مقدمة: تاريخ التاريخ
لكى نستطيع تحديد أهم و أفضل المخطوطات، لدينا وسيلتين. الوسيلة الأولى هى البرهان الداخلى، و الثانية هى تاريخ الإنتقال النصى. وسيلة البرهان الداخلى تعتمد على تفعيل البرهان الداخلى فقط على القراءات المتوفرة، و من ثم تحديد القراءة الأصلية عن طريق هذا البرهان فقط دون اللجوء إلى البرهان الخارجى. بعد ذلك، يتم فحص كافة المخطوطات المتوفرة لتحديد أى مخطوطات هى التى أثبتت القراءة التى توصلنا إلى أصوليتها. المخطوطات التى توافقت مع نتائج البرهان الداخلى، هى المخطوطات الأدق و الأفضل. أما الوسيلة الثانية، و هى محاولة تكوين “تاريخ الإنتقال النصى”، فهى وسيلة معقدة بعض الشىء، و لهذا ستكون هى محل هذا البحث.
و أنا دائماً أردد أن المفتاح لفهم علم النقد النصى، هو فهم ما يُسمى بـ “تاريخ الإنتقال النصى”. و ليس من السهل أن نجد تعريفاً واضحاً محدداً لهذا المصطلح فى كتب النقد النصى، فهو مصطلح شائك يتشائك مع تعريفه منهج العالم فى تحرى القراءة الأصلية. و لكن بشكل ما، فإن هذا المُصطلح يُقصد به: محاولة التعرف على الأشكال المختلفة للنص الموجودة فى شواهد النص المتوفرة، و شرح حيثيات ظهورها، بهدف تحديد الشواهد الأكثر موثوقية، و التى على أساسها يتم إعادة تكوين النص الأصلى للعهد الجديد اليونانى. هذا التعريف قد يبدو للوهلة الأولى مُعقداً بعض الشىء، و لكنه التعريف المنهجى[1]. و لكى نعرف المصطلح ببساطة، فهو محاولة تكوين تاريخ دقيق لكيفية انتقال نص العهد الجديد، أى كيفية سير عملية النسخ فى العصور السابقة على عصر الطباعة. الهدف من هذه العملية هو تتبع ظهور القراءات، أسباب ظهورها، كيفية ظهورها، و كيفية انتقالها فى التقليد النصى المتوفر. بهذا الشكل، نستطيع تحديد الشواهد الأكثر عرضةً للخطأ النسخى، و تحديد أقل الشواهد عرضةً للخطأ النسخى، مما يعنى معرفتنا بالشواهد الأكثر موثوقية، و بالتالى يسهل علينا عملية إعادة تكوين النص الأصلى للعهد الجديد اليونانى.
و يمكننا ملاحظة الوجود النظرى لمفهوم “تاريخ الإنتقال النصى” عند إيرازموس، ففى الحقيقة ايرازموس كان ناقداً نصياً. و لكن الآليات و الإمكانيات حالت بينه و بين التطبيق العملى، ذلك لأن العصر الذى عاش فيه إيرازموس لم يساعده كثيراً، و هو العصر الذى شهد اختراع الطباعة على يد جوتنبرج.
لكن البداية الحقيقية لترسيخ مفهوم تاريخ الإنتقال النصى، يبدأ فى حقيقته عملياً مع ظهور بينجل. ففى الحقيقة، بينجل هو المؤسس الحقيقى للنقد النصى، و لأنه أرسى مفهوم الإنتقال النصى، استحق بجدارة لقب الأب الروحى لهذا العلم. فما قام به بينجل بالفعل، هو تقسيم المخطوطات إلى مجموعات بحسب إتفاقها أو إختلافها. و لعل ما يلفت الإنتباه فى هذا هو كيف أن اللقب التصق به، فقط لأنه أرسى فكرة الإنتقال النصى و البحث فى تاريخه، و كأن النقد النصى هو تاريخ الإنتقال النصى، مما يؤكد ما قلته فى البداية؛ فأهم ما فى النقد النصى هو تاريخ الإنتقال النصى. هذا يذكرنا بمقولة هورت الشهيرة:”معرفة الوثائق يجب أن تسبق الحكم الأخير”[2]. فلكى تحكم على أية قراءة هى الأصلية، لابد أن يكون لديك معرفة كافية و وافية بالوثائق، أى بالمخطوطات. و بهذا الشكل يستطيع الناقد النصى تطوير الآلية أو المنهجية التى سيتبعها فى بناء نص العهد الجديد اليونانى.
ما قام به بينجل كان بمثابة فتح الباب أمام الكثير من العلماء فى القرون التالية، فقد وضع بينجل الأساس الذى يجب أن نبنى عليه، و هو ضرورة وجود تاريخ لكيفية إنتقال نص العهد الجديد أثناء عملية النسخ حتى وصل إلينا فى الشواهد المتوفرة. و كان من بين أهم العلماء الذين قدموا الكثير من الأعمال و المساهمات الحقيقية و الفعالة فى هذا المضمار، العالم سيملر و تلميذه جريسباغ. بينجل و جريسباغ خاصةً، قاموا بتطويرات هامة فى نقطة تقسيم المخطوطات إلى مجموعات بحسب نقاط الإتفاق و الإختلاف. و من بعدهما، و مع مطلع القرن التاسع عشر، جاء العالم لاشمان الذى إنشغل بناحية أخرى فى بناء تاريخ الإنتقال النصى. كان عمل لاشمان يرتكز بشكل رئيسى على محاولة بناء شجرة عائلة للمخطوطات المتوفرة، و هو المنهج الذى تسمى فيما بعد بإسم “المنهج النَسبى”، أى الذى يبحث فى محاولة بناء علاقة تناسبية بين المخطوطات. و لاشمان كان يعرف و يدرك جيداً، أن ما يقوم به هو مجرد عمل نظرى فقط، يستحيل أن ينتقل إلى واقع. و لندرك أهمية تكوين شجرة العائلة فى نظر لاشمان، نحتاج أن نفهم الهدف من وراءها. تكوين شجرة العائلة يعنى أننا سنضع كل مخطوطة فى مكانها، و بالتالى كل قراءة فى مكانها، مما سيمكننا من معرفة أى قراءة سبقت الأخرى. هذا يعنى أننا سنصل فى مرحلة معينة إلى القراءة الأصلية!
و بالرغم من أن إمكانية تكوين شجرة عائلة للتقليد النصى بالكامل هى شبه مستحيلة بالفعل، إلا أن ذلك لم يمنع العلماء من تبنيها و محاولة بناءها. غير أن التفكير فيها بشكل تفصيلى، تأجل بعض الشىء مع نهاية القرن التاسع عشر، حينما جاء عمودى النقد النصى الحديث، ويستكوت و هورت. نجح هذين الإثنين فى دمج فرعى تاريخ الإنتقال النصى معاً: المجموعات و شجرة العائلة. أستطاع ويستكوت و هورت ببراعة، أن يقدما قاعدة منطقية فى كيفية عمل النقد النصى. فعملهما فى تقسيم المجموعات، ساعدهما جداً فى بناء شجرة عائلة للمجموعات، و ليس للمخطوطات!
لكى نفهم كيفية عمل كل هؤلاء العلماء بشكل صحيح، يجب أن نعرف أن النص السائد فى ذلك الزمان كان شىء ما يُسمى “النص المُستلم”. النص المُستلم هو إسم عدة إصدارات من العهد الجديد، و رغم أن هذا الإسم أُطلِق على إصدار تلى عصر إيرازموس، إلا أن الإسم أصبح ملتصقاً بإيرازموس جداً. فما فعله إيرازموس، هو أنه أستطاع الوصول إلى ستة مخطوطات، أقدمهم يرجع للقرن الحادى عشر، لكى يقوم بتحرير طبعته الأولى للعهد الجديد اليونانى. هذه المخطوطات نُسِخت فى عصر كان فيه نص قياسى بشكل ما. و بالتالى، جاءت هذه المخطوطات ممثلة لنوعية من النصوص تُسمى “النص البيزنطى” حالياً. لم يكن الإختلاف بينهم و بين بقية مخطوطات هذا النص كبيرة جداً، لذلك أُعتُبِر نص إيرازموس هو النص المُستلم. و قد إستمر النص المُستلم فى الوجود حتى عام 1831 حينما قام لاشمان بتجاهله تماماً، و أصدر طبعة نقدية بعيدة كل البعد عن النص المُستلم.
لقد قلنا أن العلماء نجحوا فى تقسيم المخطوطات إلى مجموعات بحسب نقاط الإتفاق و الإختلاف، و هذه المجموعات هى أربعة مجموعات فى عصرنا الحالى:
· النص السكندرى: و أهم شواهده السينائية، الفاتيكانية، البردية 66، البردية 75، بجانب الترجمة القبطية و ترجمات أخرى، مع الآباء السكندريين. · النص البيزنطى: و يمثله غالبية مخطوطات العهد الجديد، و أول ظهور له فى المخطوطة السكندرية فى الأناجيل الأربعة فقط، بجانب الترجمات المتأخرة، و الآباء الكبادوكيين. · النص الغربى: و أهم شواهده المخطوطة بيزا و اللاتينية القديمة و الفلجاتا و بعض الترجمات السيريانية، بجانب الآباء الغربيين. · النص القيصرى: و تمثله عائلتين من المخطوطات هما العائلة الأولى و العائلة الثالثة عشر و بعض المخطوطات الأخرى. أهم شواهده من الآباء هما أوريجانيوس و كيرلس الأورشاليمى.
غير أن هذا التقسيم لم يبدأ فى الظهور كما هو هكذا، بل إحتاج إلى دراسات و أبحاث متعمقة جداً حتى يبدأ فى الظهور. و هذا هو ما عمل عليه العلماء بدايةً من بنجل، مروراً بجريسباغ، حتى نصل إلى ذروة الدراسات فيه عند ويستكوت و هورت. كانت مسألة النص البيزنطى هى المشكلة الرئيسية عند ويستكوت و هورت. فالفكر السائد فى هذا العصر كان أن النص المُستلم هو النص الأصلى. لم يقتنع ويستكوت و هورت بذلك، و أدركا أهمية تكوين تاريخ إنتقال نص العهد الجديد، حتى يستطيعا تكوين النص الأصلى. لعل العامل الأكثر إستفزازاً لهما، هو وجود الإصرار على أصولية قراءات معينة موجودة فى مخطوطات متأخرة، و لكنها لم تكن موجودة فى المخطوطات الأقدم.
لحسن حظهما، فقد شهد عصرهما إكتشافات كبيرة جداً، خاصةً فى وجود عمل تشيندورف الدؤوب. إكتشاف المخطوطة السينائية كان مساعداً لهما جداً فى تكوين نظريتهما. كما أن إستطاعة تشيندورف نشر المخطوطة الفاتيكانية لأول مرة بعد إكتشافها بخمسة قرون كاملة، وفر لهما الكثير من البيانات المطلوبة. و بعد ويستكوت و هورت، لم يكن هناك ما يشغل علماء النقد النصى فى النصف الأول من القرن العشرين سوى تكوين تاريخ الإنتقال النصى. و لكن مع حلول منتصف القرن العشرين، أُهمِل العمل قليلاً فى تاريخ الإنتقال النصى، لأجل العمل المضنى فى المنهجيات. إهتم العلماء فى هذه الفترة بمنهج النقد النصى، حتى يستطيعوا تكوين النص الأصلى. ثم فى العقود الأخيرة من القرن العشرين، بدأ الإهتمام بتكوين تاريخ الإنتقال النصى مرة أخرى. العالمين بويسمارد و لامويلى وضعا نظرية تاريخ الإنتقال النصى لأعمال الرسل، و معهد البحث النصى للعهد الجديد أسس نظرية الفساد المتماسك، و عمل إيب و كويستر على برديات القرن الثانى للوصول إلى طبيعة النص فى هذا القرن، و عمل أمفوكس و فاجانى فى تطوير نظرية أولية النص الغربى، و عمل كارول أوسبورن فى المشروع العالمى لنص أعمال الرسل، و عمل هودجز و فارستاد فى نظرية نص الأغلبية. كل هذه النظريات تتعلق بشكل أو بآخر بشكل رئيسى بعمل ويستكوت و هورت فى تقسيم المخطوطات إلى مجموعات، أو النصوص المحلية. هذه النظريات الكثيرة المتوفرة على الساحة الآن، و التى تتعرض لكل نوع نص بشكل أو بآخر، هى هدف هذه الدراسة.
هناك بعض الأسئلة التى تحتم علينا أن نبحث عن إجابتها: ما الذى تم تحقيقه فى بناء تاريخ لإنتقال نص العهد الجديد؟ ما هى المساهمات التى قدمها تاريخ الإنتقال النصى للنقد النصى للعهد الجديد؟ كيف يجب أن نفهم أدوار كل نص محلى فى عملية تكوين النص الأصلى؟ ما هى المشكلات و العقبات الموجودة أمام نُقاد النص الآن؟ و بالأكثر، هل يسمح لنا تاريخ الإنتقال النصى بتكوين النص الأصلى؟ هذه الاسئلة هى محل إهتمام هذه الدراسة.
ما قبل النصوص المحلية
نعلم أن النص الأصلى لبعض أجزاء العهد الجديد، وهى رسائل لبولس، إستمر فى الوجود حتى أواخر القرن الثانى. لم ترد إلينا أخبار أخرى عن بقية نصوص العهد الجديد، و لكن المُرجح بالأكثر أن المسيحيين قد إحتفظوا بها لفترة معينة، و ذلك واضح من وجود قرينة السعى للحفاظ على الأصول كما يرد الخبر عند ترتيليان و غيره. فإذا كانت الأصول قد حُفِظت حتى أواخر القرن الثانى، فالمرجح بالأكثر هو عمل نسخ عنها الكثير من المرات. هذه النقطة فى غاية الخطورة لسبب واحد: لو أن الأصول نُسِخ عنها نسخة واحدة فقط، فإن هذا يعنى أن هناك مكان ما فى العهد الجديد، لم تتوفر القراءة الأصلية له فى التقليد النصى المتوفر. لكن المرجح أكثر هو النسخ المتكرر عن الأصول، مما يعنى إنتهاء دور العناية الإلهية بالحفاظ على القراءة الأصلية فى التقليد النصى المتوفر، و يأتى دور الناقد النصى فى تحديدها.
النُسخ التى تمت عن النص الأصلى، بالتأكيد إحتوت على أخطاء عديدة، و لكن فى هذه المرحلة لا يمكننا تخيل وجود قراءات تتعدى مرحلة العفوية. ففى هذه المرحلة كانت عملية النسخ بدائية جداً، كان الشغل الشاغل هو التعرف على النص فقط، الإطلاع عليه، قراءته، فهمه، و محاولة تطبيقه. هذه المرحلة البدائية لا يمكن أن نرى فيها أثراً لوجود قراءات تتعدى الخطأ العفوى أثناء عملية النسخ. يبرز هذا الإحتجاج بأكثر قوة، حينما ندرك الروح التى سيطرت على مسيحية القرن الأول. لا نرى أثراً لأى فكر هرطوقى فى القرن الأول، ولا نرى حوارات لاهوتية، ولا نرى خلافات حول طبيعة و هدف المسيحية. على جانب آخر، من الوارد جداً وقوع الأخطاء النسخية العفوية حتى فى النسخ الأصلية نفسها. نحن نعرف أن بولس كان يقوم بإملاء بعض الكتبة ليكتبوا بعض رسائله. هل يمكن أن يكون الكاتب الذى يمليه بولس يكون قد وقع فى خطأ نسخى؟ نعم، هذا الإحتمال وارد. فى هذه الحالة، أى نص هو المُراد تكوينه بالضبط؟ النص الذى نطقه بولس أم النص الذى كتبه الكاتب؟ لا يقدم لنا العلماء إجابة، و لكن هذا الإحتمال يمكن تخيله فقط إذا كنا قادرين على تحديد ما يُشير إلى وقوع خطأ نسخى جعل القراءة الأصلية تحتوى على خطأ نسخى. هذا الخيار و إن كان إحتمال نظرى وارد، لكنه غير وارد فى الواقع العملى على الإطلاق، مما يجعلنا لا نحتاج للإهتمام به بإفراط.
السؤال عن طبيعة النص الأصلى فى تاريخ الإنتقال النصى، جعل ميتزجر و ايرمان يقولا:”الموقف أكثر تعقيداً فى الأناجيل خاصةً، لأنهم متأسسين على تقاليد شفهية و مصادر مكتوبة لا نستطيع الوصول لها الآن بشكل إستقلالى. مثلاً، ما معنى إعادة تكوين النسخة الأصلية لإنجيل يوحنا؟ هل على الناقد النصى أن يُعيد تكوين أقدم نسخة و التى لا تحتوى على الإصحاح الواحد و العشرين؟ من غير المحتمل ذلك، لأن كل مخطوطاتنا اليونانية الكاملة تحتوى على هذا الإصحاح. إذن، هل نقصد إعادة تكوين الإصدار الأخير من الإنجيل و الذى يحتوى على هذا الإصحاح؟ إذا كان كذلك، هل علينا أن نعتبر قصة المرأة التى أُمسِكت فى زنا (يو 7 : 53 – 8 : 11) جزء من الإصدار الأخير أم أن هذه القصة قد أُضِيفت متأخراً جداً حتى تُعتبر أصلية؟”[3]. إن المشكلة الرئيسية فى هذه التساؤلات هى: فى أى وقت نستطيع أن نقول أن الوقت أصبح متأخراً جداً؟ أو كما وضعها أحدهم: متى يكون متأخراً جداً؟[4] أحد أهم النظريات التى خرجت حول تاريخ انتقال النص فى مرحلة ما قبل النصوص المحلية، هى نظرية “النص الأولى”، و التى تقول بأن ما نستطيع تكوينه هو النص الذى منه ينحدر التقليد النصى المتوفر. السؤال هو هل النص الذى ينحدر منه التقليد النصى المتوفر هو النص الأصلى أم نص يختلف عنه؟ معهد البحث النصى للعهد الجديد يخبرنا حول هذه النظرية التالى:
“النص الأصلى للعهد الجديد لم يتوفر فى أى مخطوطة. كل المخطوطات تحتوى على قراءات تطورت خلاص التاريخ النصى فى عملية النسخ المستمرة. النص الأولي للتقليد (النصى) هو النص الذى يسبق عملية النسخ. و لأن هذا النص لم يتوفر فى أى مخطوطة، فيجب، على الجانب الأول، أن يتم إعادة تكوينه على أساس شواهد النص المتوفرة و الصورة الكاملة للتاريخ النصى التى نتجت عنه، و على الجانب الآخر على أساس ميزة كل ما يمكن معرفته حول هدف المؤلف. و هذا يؤدى إلى فرضية النص الأولي. بين نص المؤلف (أى النص الأصلى) و النص الأولي، قد يكون هناك تطورات لم تترك أثراً واحداً فى المخطوطات المتوفرة. و لهذا فالنص الأولي للتقليد (النصى) ليس بالضرورة متطابقاً مع نص المؤلف. و لكن، طالما أنه لا يوجد أى أسباب جوهرية تحتج عكس ذلك، فإن الفرضية العاملة الأبسط هى أن النص الأولى يتوافق بضخامة مع نص المؤلف، بجانب قراءات صغيرة كان يجب أن يتم التعامل معها أثناء عملية النسخ”[5].
و بالتالى، فإننا لا نستطيع أن نفترض وجود أكثر من القراءات العفوية فى مرحلة ما قبل النص الاولى، لأنه لا يوجد سبب واحد يجعلنا نفكر فى ذلك. الإحتمالات النظرية كلها واردة، و لكن الدراسة العملية الواقعية، لا تقول بأنه هناك ما يجعلنا وجود أكثر من الأخطاء النسخية العفوية فى المرحلة المباشرة بعد نشر النص الأصلى مباشرةً.
النصوص المحلية
بما أن نسخ المخطوطات باليد يعنى إستحداث أخطاء و قراءات فى المخطوطات، فإن هذه المخطوطات بدأت فى الإختلاف و الإتفاق حول مواضع معينة مع زيادة النسخ مرة تلو الأخرى. هذا الإختلاف و الإتفاق تم عن طريق تأثر المخطوطات ببعضها البعض فى المجتمعات المسيحية. و هذا الإختلاف و الإتفاق لم يكن شىء عشوائى، فأنتج مجموعات أو عائلات من المخطوطات، كل عائلة تتسم مخطوطاتها بالقرب الشديد فى مواضع الإتفاق و الإختلاف. هذه المجموعات تُسمى “أنواع النصوص” أو “النصوص المحلية”. و نشأة هذه النصوص المحلية يمكننا تشبيهها بالمثال التالى:
دعونا نفترض أن هناك أربعة نسخ تم عملهم عن النسخة الأصلية. هذه النُسخ تحتوى بداخلها على أخطاء. لكن الخطأ الموجود فى النسخة الأولى، لن يكون هو الخطأ الموجود فى بقية النسخ. كلما يتم عمل نسخ عن كل نسخة من الأربعة، ستحتفظ النسخ بخصائص النسخة التى تمت عنها النساخة من بين الأربعة. فلو أننا لدينا عشرة نُسخ نُسِخت عن النُسخة الأولى، و عشرة نُسخ نُسِخت عن الثانية، فإن العشرة نُسخ الأولى سيكونوا أقرب لبعضهم من العشرة نُسخ الأخرى. بهذا الشكل أصبح كل عشرة نُسخ هم عائلة. كل النسخ تحتوى على النص الأساسى، نفس النص بشكل عام، و لكن هناك أخطاء معينة خاصة بكل عائلة منهم. بالإضافة إلى ذلك، بداخل كل عشرة مخطوطات، قد نجد ثلاثة مخطوطات قريبين لبعض لدرجة أكبر من بقية المجموعة. هذا المثال هو نموذج مُصغر و مُبسط جداً للنصوص المحلية[6].
و رغم أننا غير واثقين من بعض التفاصيل، و لكن من الواضح جداً أنه فى تاريخ قديم جداً، تم إنتشار نسخ كثيرة من نص العهد الجديد فى فلسطين، الإسكندرية، و روما. و فى كل مكان من هذه المجتمعات، تم عمل نسخ كثيرة عن النسخ التى توفرت فى كل مكان منهم. النسخ السكندرية كانت تحتوى على نفس النص الأساسى مثل النسخ الرومانية، و لكن كل منهما يحتوى على خصائصه المتمايزة عن الآخر (طبق الآن المثال المعروض بالأعلى على النصوص المحلية).
نتيجة لهذا، تكون لدينا أربعة نصوص محلية، أو أربعة أنواع من النص، أو أربعة أشكال من النص، و هى: النص السكندرى، النص الغربى، النص البيزنطى، و النص القيصرى. النص السكندرى نسبة للإسكندرية، النص الغربى نسبة لروما و شمال أفريقيا، النص البيزنطى نسبة إلى بيزنطة و هى القسطنطينية فيما بعد، و النص القيصرى نسبة إلى قيصرية فى فلسطين. و لكن هناك خلاف بين العلماء حول حقيقة وجود النص القيصرى كنص محلى قائم بذاته.
النص البيزنطى
النص البيزنطى هو النص الذى نشأ فى القسطنطينية، و تحديداً فى القرن الرابع، و هو متوفر فى الغالبية العظمى للمخطوطات اليونانية. له العديد من الأسماء مثل: النص السيريانى (بحسب ويستكوت و هورت)، النص الكوينى (بحسب فون سودين)، النص الكنسى (بحسب كيرسوب ليك)، و النص الأنطاكى (بحسب روبز)[7]. و يقول غالبية العلماء أن هذا النص هو نص متدنى فى جودته و موثوقيته، نظراً لأنه نشأ فى القرن الرابع. قال ويستكوت و هورت أن هذا النص هو نتيجة تنقيح نقدى تم على يد لوسيان فى القرن الرابع، و لكن هذا الإحتجاج لم يعد مقبولاً بين العلماء الآن، فيقول ميتزجر و ايرمان:”تكشف الدراسات الحديثة للنص البيزنطى أنه موجود بشكل بدائى فى القرن الرابع فى كتابات آباء الكنيسة مثل باسيليوس الكبير و ذهبى الفم، و لكن شكله نهائى يمثل تقليد متطور بطىء، ليس النص الذى ظهر مرة واحدة فى وقت ما و مكان ما. بكلمات أخرى، لم يكن تنقيح نقدى نصى أُختُلِق عن طريق شخص واحد أو مجتمع واحد”[8].
و بشكل عام، لم يتغير الموقف العام الذى أسسه ويستكوت و هورت بأن موقف النص البيزنطى ضعيف جداً، ماعدا من مجموعة صغيرة من العلماء، مثل: زان هودجز، آرثر فارستاد، ويلبر بيكرينج، و فان بروجين. كل هؤلاء يقودهم إيمانهم حول نص الكتاب المقدس ككلمة الله، و ليس البرهان. و لكن هناك حالة شاذة واحدة، و هى حالة هارى ستورز. فى عام 1984، ظهر كتاب ستورز “نوع النص البيزنطى و النقد النصى للعهد الجديد”. إحتجاج ستورز الرئيسى فى هذا الكتاب هو: وجود قراءات بيزنطية معينة أتفق العلماء على أنها قراءات متأخرة، ثم ظهرت للوجود فجأة فى البرديات القديمة جداً التى أكتشفها العلماء فى القرن العشرين، بما يعنى وجود النص البيزنطى فى القرن الثانى. غير أن ردود العلماء الكثيرة عليه إجتمعت على خط واحد فى الإجابة: النص المحلى ليس قراءة واحدة أو اثنين أو ثلاثة، بل هو نطاق واسع يجب توفره فى القرن الثانى حتى نستطيع التأكد من وجوده فى القرن الثانى. و كان الإحتجاج الرئيسى للعلماء، أن هذه القراءات تم تغطيتها بيزنطياً، و ليس أنها دليل وجود النص البيزنطى. بمعنى، أن هذه القراءات كانت موجود فى القرن الثانى، و حينما نشأ النص البيزنطى أُختيِرت كقراءة بيزنطية.
هذا لا يعنى أن عمل ستورز لم يكن له أهمية، بل كان له عظيم الفائدة فى تخفيف قسوة نظرية ويستكوت و هورت؛ فقد إعتقدا أن النص البيزنطى لا يحتوى على أى قراءة أصلية على الإطلاق. و قد كان تأثيرهما ممتد على نقاد النص فى زمانهما، و لكن الآن هو:”أمر مقبول عامةً أن القراءة الأصلية قد تكون متوفرة فقط فى النص البيزنطى”[9]. و بشكل عام، لم يتغير موقف العلماء النقديين كثيراً من النص البيزنطى.
النص الغربى
إذا كان النص البيزنطى لا يوجد حوله الكثير من النقاشات، فإن النص الغربى أثار عدة مشكلات. نشأ النص الغربى، بحسب إعتقاد غالبية العلماء، فى القرن الثانى نتيجة ممارسات النسخ. و قد إعتبر ويستكوت و هورت هذا النص أنه نص فاسد، و لكنه يحتوى على القراءة الأصلية. و فى الحقيقة، كان هناك من العلماء من شكك فى وجود حقيقى للنص الغربى، و يذكر ميتزجر و إيرمان فى ذلك:”بعض العلماء شككوا فى وجوده كنوع من النص بسبب أن الشواهد التى توثقه لا تفعل ذلك بتماسك تام، و تفتقد التجانس الذى نجده فى أنواع النصوص الاخرى”[10]. و على العكس من النص البيزنطى، فلا أحد يعتبر النص الغربى تم بترتيب منظم. يقول كرت و بربارا آلاند:”لو نظرنا فى أى مكان فى الغرب، لن نجد عقل لاهوتى واحد لديه القدرة على تطوير على تطوير و تحرير نص غربى مستقل، حتى لو أن الرسالة إلى العبرانيين كُتِبت فى إيطاليا، كما يُقترح، فهى لا توفر متطلبات هذا الشخص. فى الفترة المبكرة لم يكن هناك تقليد نصى فى الغرب غير موجود فى الشرق، لقد كان هناك نص واحد له خصائص فردية تنوعت من مخطوطة لأخرى؛ ففى القرن الثانى لم يكن نص العهد الجديد ثابت بحزم”[11]. و هذا نفس ما يقوله ميتزجر و ايرمان من أن:”غالبية العلماء لا يعتبرونه عملية خلق للنص بواسطة فرد واحد أو عدة أفراد بمراجعة نص أقدم، إنما هو نتيجة نمو غير مُنظم و جامح للتقليد المخطوطى فى القرن الثانى”[12].
و فى كل الأحوال، فإن الرأى الغالب هو أن النص الغربى نشأ فى القرن الثانى، و إستخدمه آباء الكنيسة و الهراطقة أيضاً. غير أن هناك مناظرة قوية حول مدى تأصيل النص الغربى!
يعتمد الإحتجاج الرئيسى لأصالة النص الغربى على محورين هامين:
· محور خارجى: و هو أن النص الغربى نص قديم جداً، نشأ فى القرن الثانى، و به دلائل عدم التحكم بالنص فى هذه الفترة. · محور داخلى: و هو ينطبق على أعمال الرسل فى النص الغربى، حيث يغلب عليه الطابع اللوقانى أكثر من نص السفر فى بقية النصوص.
و نلاحظ أن كافة المشكلات المتعلقة بالنص الغربى، تتأجج فى قمتها حول نص أعمال الرسل فى هذا النص. فكما ذكرنا فى عدة بحوث سابقة، نص أعمال الرسل فى النص الغربى أكبر من النص التقليدى له بنحو 8.5 % بحسب الإحصائية الدقيقة التى قدمها ميتزجر[13]. و يعتمد المحور الأول على توثيق النص فى غالبية كتابات الآباء المبكرين، بجانب أقدم الترجمات التى كانت بعيدة عن مصر مثل الترجمة السيريانية القديمة و الترجمة اللاتينية القديمة. هذا بالإضافة إلى وجود عدة برديات تنتمى للنص الغربى و كلهم لأعمال الرسل، مثل البردية 29، البردية 38، و البردية 48. و قد قام إيلدون إيب فى الستينات بدراسة أحد المخطوطات القبطية و تأكد أنها تشهد للنص الغربى أيضاً[14].
غير أن المشكلة الرئيسية فى الإدعاء بتأصيل النص الغربى، هى نفس المشكلة التى عرضها ميتزجر، و هى عدم التماسك التجانسى بين شواهد هذا النص. يقول بيتزر عن هذه المشكلة:”أنها حقيقة مُعترف بها بشكل عريض أن النص الغربى يختلف فى شواهده من واحد لآخر، ولا يستطيع الفرد أن يجد نفس الكفاءات و المعالم فى كل شواهده. فالقراءات الواردة فى بعض شواهده، محذوفة من البقية”[15].
و ما لاحظه العلماء أن هذا التشوش الكبير موجود بقوة ليس فى الشواهد الأكثر تأخراً، و إنما فى الشواهد القديمة نفسها، لدرجة أن بربارا آلاند وصفت نمو هذا النص على أنه يبدأ من نطاق واسع يبدأ يتوحد، و ليس نطاق موحد يبدأ فى التفرع! و هذه الظاهرة لم يستطع المعتقدين فى أصالة النص الغربى تفسيرها، و من يقرأ كلام أمفوكس و فاجاناى، ناقدى النص المؤيدين للنص الغربى المشهورين، لا يجد فى إحتجاجتهما تفسيراً تاريخياً نصياً مقبولاً لهذه الظاهرة الحقيقية. أمفوكس مثلاً يرى أن النص المُقدم فى مخطوطة بيزا هو أفضل ممثل للنص الأصلى، فيقول:”فرضية أولية النص الغربى تعنى أن أنه بالرغم من كل الخلاف فى القراءات الموجودة فيه، فإنه هو الممثل للنص كما كان قبل أى تنقيحات نقدية”[16]. و التفسير الذى قدمه أمفوكس هو تفسير نظرى بحت لا دليل واقعى عليه، و هو أن النص الغربى هو نص ما قبل التنقيح النقدى بكل أشكاله، و مع إنتشاره تعرض لأنواع متعددة من التغيير فى ظروف مختلفة، و تنقيحات نقدية، أدت إلى ظهور النص السكندرى و بقية أنواع النصوص[17].
هذه النظرية لا يوجد أى دليل عليها، فيقول بيتزر:”لا يوجد أى دليل صلب تم تقديمه على أن هذه العملية أخذت أى نطاق واسع فى تأثيرها على النص المخطوطى للعهد الجديد، ولا من العلماء القدامى ولا من أمفوكس”[18]. ثم يسميها بيتزر بأنها شىء نظرى جداً، لا وجود عملى له و يحتاج إلى دليل لإثباته.
أما المحور الداخلى، فيعتمد بشكل رئيسى على أن إسلوب أعمال الرسل فى النص الغربى لوقانى أكثر من نص أعمال الرسل فى النص السكندرى، و بناء على ذلك قالوا بأن لوقا نشر إصدارين لكتاب أعمال الرسل. الإصدار الأول هو نص أعمال الرسل بحسب النص الغربى، ثم قام بعد ذلك بعمل نُسخة مصغرة من هذا الإصدار، و هى النسخة الموجودة فى النص السكندرى. أول من طرح هذه النظرية هو ليكلير، و الذى رفض نظريته لاحقاً[19]. و من طوّر هذه النظرية بشكل ملحوظ هو الألمانى فريدريك بلاس. تتلخص رؤية بلاس فى أن لوقا كان قد أعد نسخته لأعمال الرسل، ثم أراد أن يرسل نسخة منه لصديقه ثيؤفيلوس. و لكن نظراً لأن لوقا لم يكن غنياً، فلم يمتلك المال اللازم لتأجير ناسخ، قام هو بنفسه بعمل نسخة. أثناء نسخه حذف بعض المقاطع و غير فى صياغات بعض المقاطع الأخرى. بعد ذلك إنتشرت النسختين و تم تداولهما، و تم عمل نسخ عن كل منهما. النسخة الأولى التى قام بها لوقا هى نص الاعمال بحسب النص الغربى، و النسخة الثانية هى نص الأعمال بحسب النص السكندرى[20]. و قد قدّم علماء كثيرين انتقادات كثيرة لهذه النظرية، أهمهم توماس جيير و روبيرت هال، رغم أنها جذبت عدد من العلماء المعروفين مثل ثيؤودور زاهن و ايبرهارد نيستل[21]. و يلخص بويسمارد موقف العلماء فى النصف الأول من القرن العشرين كالتالى:”و بشكل عام، فإن غالبية الدراسات الحديثة تفضل النص السكندرى عن النص الغربى، معتقدين أنه حتى لو أن النص الغربى يحتوى على بعض القراءات الأصلية القليلة، فإن بقية النص هو نتيجة مراجعة تمت فى النصف الأول من القرن الثانى و تميزت بالعادات اللاهوتية الواضحة”[22]. و تُعتبر دراسة عالم إيب فى المخطوطة بيزا التى أتمها فى الستينات، هى أفضل شاهد لهذا الإعتقاد العلمى. و فيما بعد، تأكد العلماء أن النص الغربى لم يكن وليد السيطرة أو التحكم، بل أنه نمو عشوائى كما أكد كولويل و آلاند و ميتزجر.
على الجانب الآخر، طوّر معهد الدراسات النصية للعهد الجديد بمونستر نظرية أخرى، قامت بربارا آلاند ببذل المجهود الأكبر فيها. يلخص بيتزر النظرية كما يلى:
“بتركيزها على محاولة إيجاد تفسير لعدم التجانس (بين شواهد النص الغربى)، ترى بربارا آلاند نشأة النص الغربى، و لعدة أسباب تسميه نص بيزا فى نظرية مونستر، كعملية تدريجية تصل إلى قمتها فى تنقيح نقدى رئيسى، أو تنقيح رئيسى، فى بدايات القرن الثالث أو أواخر القرن الثانى فى سوريا. هذا التنقيح الرئيسى يشهده بشكل رئيسى الدليل السيريانى، النسخة اللاتينية الإفريقية (القديمة)، المخطوطة بيزا، و مخطوطة الحروف الصغيرة رقم 614، و هى كل الشواهد التى تحتوى على نص غربى متجانس قليل أو كبير. و قبل بداية القرن الثالث، لم يكن هناك نصاً غربياً، و لكن فقط قراءات نشأت فى العملية الطبيعية لإنتقال نص العهد الجديد. هذه القراءات توسعت فيما يُسمى الآن بالتقليد الغربى حتى دخلوا إلى النص الغربى عن طريق ذاك الذى كان مسئولاً عن إنتاج هذا التنقيح الرئيسى”[23].
بهذه النظرية، ترى بربارا آلاند أنه كان هناك فترة معينة تسبق وجود النص الغربى، و لكنها كانت تحتوى على القراءات الغربية بالفعل. هذه الفترة يشهد لها آباء القرن الثانى، و خاصةً ايريناؤس و يوستينوس. غير أنه هناك مشكلة فى هذه النظرية، و هى التماسك اللغوى و الإسلوبى فى نطاق هذا النص، و الذى من الصعب أن يكون نتيجة عملية عشوائية. فى نفس الوقت، من غير المقبول تماماً وجود فكرة التنقيح النقدى كأساس للنص الغربى، لأن هذا لا يحمل تفسيراً للخلاف الهائل فى شواهد النص الغربى التى تحمل مفارقات كبيرة و واسعة فى تجانسها. يبرز هذا العامل أكثر، كما يقول بيتزر، فى الشواهد الأكثر قدماً، مما يعنى أن فكرة وجود تنقيح نقدى لا تفسر الدليل المتوفر. فكيف يمكن أن يكون هناك تنقيح نقدى، أى نص قياسى واحد فى الشواهد، و مع ذلك نرى الشواهد الأقدم غير متجانسة فى إطار واحد؟ ميتزجر يعلق على ذلك قائلاً:”هذا الشكل من النص الموجود بإتساع فى الكنيسة الأولى، و أستخدمه ماركيون، تاتيان، ايريناؤس، و آخرين، لا يمكن إعتباره تنقيح نقدى، لأنه ليس مُوحد ولم يكن كذلك أبداً”[24]، و يتفق معه ديفيد باركر فى نفس النتائج، فيقول:”بمقارنة النص اليونانى و اللاتينى، توصلت إلى أن شكل نص الأعمال الموجود فى هذه المخطوطة يرجع إلى النمو التطورى و ليس بسبب مراجعة واحدة شاملة”[25]. و سواء كانت نظرية مونستر أو نظرية العادات اللاهوتية التى لإيب[26]، ففى كل الأحوال يتفق غالبية العلماء على ثانوية النص الغربى، و أنه ليس أصلياً بأى حال[27].
إنعدام التجانس بين شواهد النص الغربى هو العامل الخارجى لإعتباره ثانوياً، أما العامل الداخلى فهو إنعدام الإتساق اللغوى. أبرز العادات الداخلية للنص الغربى هى إنعدام وجود إتساق لغوى داخله، مثل التوفيقات المتكررة، تكرار أشكال النص، إعادة الصياغة، و خاصية الأشهر للنص الغربى و هى الإضافات. لهذا قال العالم الألمانى الشهير كونزيلمان:”نوع النص هذا لا يُوجد له ممثل بمثاء نقاء النص المصرى (السكندرى)”[28]. و حينما قررت دراسة هذه التصريحات بنفسى، رجعت إلى كتاب روبز الذى وضع فيه نص أعمال الرسل فى بيزا بالمقابلة مع نص أعمال الرسل فى الفاتيكانية، و تأكدت بنفسى من صحة هذه التصريحات.
دافع أمفوكس و فاجاناى عن أولية النص الغربى بإستخدام نفس الإحتجاج اللغوى، قائلاً:”القراءات الغربية تحتوى غالباً على كلمات متكررة غير موجودة فى بقية أنواع النصوص. و من النظرة الأولى قد يبدو هذا كزلات غير مقصودة دخلت إلى نص لا يوجد به تكرارات و بقيت هناك لمدة من الوقت. و لكن هناك سبيل آخر للإستكشاف و هو الذى إقترحه مارسيل جوزيه، و هو أن ينظر الفرد لهذه التكرارات كواحدة من ضمن خصائص عديدة للإسلوب الشفوى، و هو عبارة عن مجموعة من الآليات البلاغية المُستخدمة للأغراض التعليمية فى مجتمعات الثقافة الشفهية”[29].
و ما يقصده العالمان هنا، هو أن هذه التكرارات ليس زيادات على النص، بل هى نص أصيلاً؛ و السبب فى ذلك هو أن التكرار أحد العوامل البلاغية المُستخدمة فى الإلقاء فى المجتمع الذى خرجت منه هذه النصوص. و ما قاله أمفوكس هنا هو ثورة بالفعل كما وصفها بيتزر، إذ أنه يدعونا إلى النظر لكتابات العهد الجديد من منظور مختلف تماماً. يدعونا أمفوكس إلى التفريق بين “النحو” و “البلاغة”، فالإسلوب فى إستخدام المفردات و حروف الوصل و ما إلى ذلك، هو شىء يختص بالكاتب نفسه. و لكن الإسلوب البلاغى يرجع بنا إلى ما قبل عصر التدوين نفسه، لدراسة الكيفية التى وصلت بها الرسالة. أمفوكس يقول فى ذلك:”رسالة النص موجودة بالأكثر فى التكوين البلاغى لكل قصة و الترتيبات السردية أكثر من المفردات نفسها. و لكن هذا النوع المُعقد من الكتابة المُشفرة غير مناسب للنشر العام”[30]. و لهذا كان يجب التعامل مع النص لجعله أقل يسراً فى الفِهم أثناء تداوله، فظهر النص السكندرى.
المشكلة الرئيسية فى هذا الإحتجاج أنه غير قائم على دليل! بالإضافة إلى ذلك، السؤال الهام يطرح نفسه بقوة: لماذا فى أعمال الرسل فقط؟! لم يطرح العلماء المعتقدين فى أصالة النص الغربى إجابة على هذا السؤال، ولا حتى أمفوكس فعل. و يجب أن نعى أننا نتكلم على أسبقية نصوص و ليس قراءات. بمعنى، نستطيع أن نجد قراءات أصلية فى النص الغربى، كما فى التقصيرات الغربية غير المُعتادة. لكن هذا لا يعنى أن النص الغربى بشكل عام أسبق فى أفضليته عن النص السكندرى الذى سنتكلم عنه الآن. و يبقى الحال كما عبر عنه بيتزر:”رغم أن هناك أدلة جديدة و نظريات دعمت أصالة النص الغربى فى العقد أو العقدين الماضيين، فهذه الأدلة و النظريات لم تنجح فى إقناع عَالم العلماء. ما نحتاجه هو نظرية شاملة تأخذ فى الحسبان كل أو أغلب المعالم و الظواهر المثبتة حول هذا النص. و حتى تخرج هذه النظرية للنور، يبقى من الأسهل رؤية هذا النص على أنه ثانوى المنشأ”[31].
النص السكندرى
يفتتح ميتزجر و ايرمان مناقشتهما للنص السكندرى بقولهما:”سيكون من الخطأ تصور أن ممارسات عملية النسخ الغير مُتحكم بها التى أدت إلى تكوين التقليد الغربى النصى، تم إتباعها فى كل مكان يتم إنتاج نصوص به فى الإمبراطورية الرومانية”[32]. و قد صدقا بالفعل، فالإجماع العام لعلماء النقد النصى للعهد الجديد، أن النص السكندرى هو نص حازم يقدم أفضل صورة ممكنة للنص الأصلى بإخلاص و نزاهة. هذا الحزم يسميه ميتزجر و ايرمان بـ “التحكم الواعى ذو الضمير الحى”[33]. و النص السكندرى له عدة أسماء، فهو النص المحايد عند ويستكوت و هورت، النص ما قبل السكندرى عند بروس ميتزجر، و هو النص الأصلى عند كرت و بربارا آلاند (أو القاسى فى تصنيفهما للبرديات). و يمثل هذا النص بشكل رئيسى: البردية 66، البردية 75، السينائية، و الفاتيكانية[34].
العوامل التى تجعل من النص السكندرى يحمل معالم الأصولية، إثنين[35]:
· العامل الخارجى: و هو مدى جودة نص برديات القرن الثانى و الثالث. · العامل الداخلى: و هو الإتساق المتماسك فى المعالم و الخصائص الرئيسية لهذا النص، خاصةً فى البرديات القديمة.
دافع ويستكوت و هورت عن أصولية النص السكندرى، الذى هو النص المحايد فى نظرهما، و قدم هورت أكبر أجزاء مقدمته دفاعاً عن أصولية هذا النص. كان إعتمادهما الرئيسى على السينائية و الفاتيكانية، فجاءت البرديات التى تم إكتشافها فى القرن العشرين لتقوى إحتجاجهما. معروف لكل باحث فى النقد النصى، أن ويستكوت و هورت فضلا المخطوطة الفاتيكانية عن السينائية فى تحرير إصدارهما لنص العهد الجديد. فكانت المفاجآة بإكتشاف البردية 75، و التى تسبق الفاتيكانية بقرن و نصف من الزمان، لتؤيد الفاتيكانية أكثر من السينائية. بجانب الترجمة القبطية الصعيدية، و بعض الآباء السكندريين الذين نجح العلماء فى إعادة تكوين نصهم للعهد الجديد، يصبح الدليل فى قمة تماسكه لبناء قضية صلبة لأصولية النص السكندرى. بيتزر يصف أمر النص السكندرى بقوله:”النص يجرى كخيط ذهبى فى أقدم المخطوطات كلها”[36]، و يصفه ميتزجر و ايرمان:”ليس أمراً مفاجئاً أن نجد الشواهد النصية المرتبطة بالإسكندرية تشهد جودة عالية فى الإنتقال النصى من أقدم العصور. لقد كان هناك حيث يوجد خط قديم من النص نُسِخ و حُفِظ كما هو مُبرهن عليه فى كتابات كُتّاب الكنيسة من القرن الثالث و الرابع، مثل: أوريجانيوس، أثناسيوس، و ديديموس الضرير، و كما هو موجود فى هذه المخطوطات المُعتبرة مثل: البردية 66، البردية 75، المخطوطة الفاتيكانية، و المخطوطة السينائية، و فى مخطوطات من الترجمات القبطية”[37].
و هذا يرجع بالأساس للحقيقة التاريخية الهامة، و هى أن الإسكندرية مركز تجمع الثقافات و الكلاسيكيات و الفلسفات من حول العالم. كل دارس متعمق فى العصر اليونانى فى الإسكندرية، يعرف جيداً الحضارة العظيمة التى أسسها البطالمة فيها، منذ أن أسسها الإسكندر. بارت ايرمان يقول حول هذه الثقافة:”أدرك العلماء المعاصرين أن النُساخ فى الإسكندرية، و التى كانت مركزاً فكرياً رئيسياً فى العالم القديم، كانوا مدققين بشكل خاص، و حتى فى هذه القرون المبكرة، فهناك فى الإسكندرية، حُفِظ شكل نقى جداً للنص فى الكتابات المسيحية الأولى، لعقد بعد عقد، بواسطة نُساخ مسيحيين مُكرسين و مُدربين نسبياً”[38].
رغم هذا، فقد كان ويستكوت و هورت معتقدين بشكل خطير فى أن النص السكندرى، أو نصهم المحايد، هو النص الأصلى بعينه. و لكن الموقف الآن تعدل بعض الشىء، فلا يعتقد العلماء أن هناك مخطوطة أو أن هناك نوع من النص لا يحمل خطأ نسخى على الإطلاق. و لذلك، سمح العلماء بإمكانية وجود الخطأ فى النص السكندرى. غير أن أكثر ما يجب أن ننتبه له، هو أن النص السكندرى الأقل عرضة تماماً للخطأ النسخى.
تكوين التاريخ
بناء على ذلك، تم تكوين تاريخ الإنتقال النصى فى النقاط التالية:
· كل مخطوطة، كل تيار نصى، كل نص محلى، كل عائلة، تحمل بداخلها برهان فسادها. · عملية انتقال نص العهد الجديد، تشهد على نفسها، بأنها بدأت بشكل عشوائى غير مُدرب، و أنتقلت بعد ذلك لعدة مراحل من الحزم، الى ان وصلت لمرحلة الدقة المطلوبة. · فى ضوء ما هو معروف و ثابت عن الثقافة الأدبية للعصور القديمة، فإن أغلب الخلافات المُتعمدة نشأت فى القرون المبكرة جداً للمسيحية. · لا تحمل الفترة الأولى لإنتقال نص العهد الجديد، أى دليل او برهان علمى، على وجود تنقيح نقدى مُحملاً بأيديولوجيات لاهوتية، سواء أرثوذكسية او هرطوقية، بإستثناء ماركيون. إنما التغييرات نشأت نتيجة “التصحيح”. · مساحة و تأثير هذا “التصحيح”، تختلف بشكل ملحوظ: فمن المُمكن ان تكون عملية التصحيح هى مجرد مراجعة النسخة على المثال المنقول عنه، و قد يأتى هذا التصحيح من القارىء او ناسخ ما لتصحيح اخطاء ناسخ المخطوطة دون العودة الى المثال الذى نُقلت عنه هذه المخطوطة، و قد تُراجع النسخة على مخطوطة أخرى غير التى نُقلِت عنها. · التيارات النصية السكندرية و البيزنطية، ليست إختلاقاً للقراءات، و إنما إختياراً بين القراءات. · النسبة العامة الحالية لتدعيم قراءة ما فى المخطوطات المتوفرة، لا تعكس بالضرورة النسبة العامة لتدعيم نفس القراءة فى المراحل الأقدم فى تاريخ إنتقال النص. · إنتقال نص العهد الجديد، تشكل و تأثر بشكل واضح و مباشر، بالظروف الخارجية المحيطة، التى أثرت جزرياً فى تاريخ الكنيسة المسيحية، مثل عصور الإضطهاد، سياسات الإمبراطورية البيزنطية، ظهور الإسلام، و الصراع الأرثوذكسى – الهرطوقى المُمتد ما امتدت الكنيسة المسيحية. بكلمات أخرى، لم يكن هناك “وضع طبيعى” تم فيه نِساخة العهد الجديد، بل قد تمت عملية الإنتقال تحت كل ظرف يمكن تخيله، إلا الظرف الطبيعى. · هناك قلة من مخطوطات الحروف الصغيرة، ثبت انها مأخوذة عن إحدى مخطوطات الحروف الكبيرة القديمة، و بالتالى فهذه المخطوطات لا تُعامل بتاريخ كتابتها، و إنما بحسب جودة النص الذى تحتفظ به. · من المُمكن إعادة تكوين تاريخ تكون بعض الأقسام الفرعية داخل النص المحلى الواحد، مثل العائلة 1 و العائلة 13، بشىء من الثقة. هذه المحاولات فى الأمثلة المُصغرة، تساعدنا بشكل كبير فى فهم تاريخ تكوين النصوص المحلية، و محاولة إعادة تكوينه. · دراسة النصوص الآبائية و الكُتَّاب القدامى، تقدم لنا مساعدات فى إعادة تكوين وضع الإنتشار الجغرافى فى إحدى حقبات التاريخ. · تاريخ الإنتقال النصى، يختلف بشكل جوهرى بإختلاف العامل الأدبى فى كتب العهد الجديد. فتاريخ انتقال نص الأناجيل يختلف عن تاريخ إنتقال نص الرسائل بشكل عام، و يختلف تاريخ انتقال نص الرسائل البولسية عن الرسائل الجامعة، و يختلف عنهم جميعاً سفر الرؤيا.
[1] Jacobus H. Petzer, The History of The New Testament Text: Its Reconstruction, Significance, And Use in New Testament Textual Criticism, In: New Testament Textual Criticism, Exegesis, And Church History: A Discussion of Methods, Edited By B. Aland & J. Dolbel, Pharos: Netherlands 1994, P. 11 [2] B. F. Westcott & F. A. Hort, The Greek New Testament With Dictionary, Foreword By Eldon Jay Epp, Hendrickson Publishers: USA 2007, P. xiii [3] Bruce M. Metzger & Bart D. Ehrman, The Text of The New Testament: Its Transmission, Corruption & Restoration, 4th Edition: Oxford University Press 2005, P. 273-274. [4] راجع بحثنا السابق “قراءة ثانية للخاتمة و الزانية” لأفكار حول هذا الموضوع. [5]http://www.uni-muenster.de/INTF/Initial_text.html [6] هذا المثال مأخوذ بتصرف عن العالم هارلود جرينلى، أنظر: J. Harlod Greenlee. The Text of The New Testament: From Manuscript to Modern Edition, Hendrickson Publishers: USA 2008, P. 40; See also, Introduction To New Testament Textual Criticism, 2nd Revised Edition, Hendrickson Publishers: USA 1995, P. 52. [7] Metzger & Ehrman, P. 279 [8] Ibid. [9] Petzer, P. 17 [10] Metzger & Ehrman, P. 276 [11] K. Aland & B. Aland, The Text of The New Testament: An Introduction To The Critical Editions & To The Theory & Practice of Modern Textual Criticism, 2nd Edition, English Translation By Erroll F. Rhodes, Eerdmans: USA 1989 (Paper Back Edition: 1995), P. 54-55. [12] Metzger & Ehrman, P. 276 [13] Bruce M. Metzger, A Textual Commentary on The Greek New Testament, 2nd Edition: German Bible Society 1994, 5th Printing 2005, P. 223. [14] Eldon J. Epp, Coptic Manuscript G67 & The Role of Codex Bezae As A Western Witness in Acts, In: Journal of Biblical Literature, Vol. 85, No. 1: 1966, P. 197-212. [15] Petzer, P. 19 [16] Christian-Bernard Amphoux & Leon Vaganay, An Introduction To New Testament Textual Criticism, Cambridge University Press 1991, P. 94 [17] أنظر نظرية أمفوكس بالتفصيل فى المرجع السابق، ص 98 – 111، و خاصةً حديثه عن دور ماركيون فى ص 99 – 100. [18] Petzer, P. 20 [19] Metzger, Textual Commentary, P. 223. [20] M.-E. Boismard, The Texts of Acts: A Problem of Literary Criticism? In: New Testament Textual Criticism: Its Significance for Exegesis, Edited By Eldon J. Epp & Gordon D. Fee, Oxford University Press 1981, P. 147 [21] Metzger, Textual Commentary, P. 224. و قد قدم ميتزجر نقداً واسعاً شمل آراء العلماء فى نظرية بلاس هذه فى ص 225 – 226. [22] Boismard, The Texts of Acts, P. 148. [23] Petzer, History, P. 22. See Also Metzger, Textual Commentary, P. 234. [24] Metzger, Textual Commentary, P. 233. [25] David C. Parker, An Introduction To The New Testament Manuscripts & Their Texts, Cambridge University Press 2008, P. 289 و يكرر ذلك قائلاً:”دراستى فى المخطوطة بيزا ولدت الدليل بأن نصها لأعمال الرسل هو نتيجة مراحل من النمو. فمقارنة بيزا مع البردية 38 تقترح بأنه لم يكن هناك شكل واحد مُراجع للأعداد، إنما أن كلاً من المخطوطتين يشهد لمراحل مختلفة فى عملية النمو”، ص 298. [26] مع ملاحظة أن هناك علماء كثيرين إختلفوا مع إيب فى نظرية العادات اللاهوتية، مثل باريت، و لكن ما ينصف نظرية إيب هو ليس فقط وجود العادات المعادية لليهودية فى المخطوطة بيزا و التى أشار لها إيب، و إنما أيضاً وجود بعض العادات الكريستولوجية فى نفس المخطوطة و التى أشار لها ايرمان. [27] نظرية بلاس و نظرية آلاند ليستا الوحيدتين، بل هناك نحو تسع أو عشر نظريات عرضهما ميتزجر و باريت، و لكن إخترت هاتين النظريتين فقط لأنهما الأكثر شهرةً. للمزيد حول بقية النظريات أنظر: C. K. Barrett, A Critical & Exegetical Commentary on The Acts of The Apostles, Vol. 1, T&T Clark: USA – UK 1994, P. 20-26; Metzger, Textual Commentary, P. 223-231. [28] Hans Conzelmann, Acts of The Apostles: A Commentary, (English Translation, Hermeneia Series), Fortress Press: USA 1987, P. xxxiv [29] Amphoux & Vaganay, Introduction, P. 94 [30] Ibid, P. 95. [31] Petzer, History, P. 25. [32] Metzger & Ehrman, Text, P. 277 [33] Ibid, P. 277-278 [34] البعض يستثنى البردية 66 بسبب التصحيحات التى تحملها عند وجود خلاف بينها و بين الثلاث مخطوطات الأخرى. [35] Petzer, History, P. 25 [36] Ibid, P. 26. [37] Metzger & Ehrman, Text, P. 278 [38] Bart D. Ehrman, Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed The Bible & Why, Plus Edition, HarperSanFrancisco: USA 2007, P. 72; also the 2005 Edition, P. 72.