كيف احتدم النقاش حول آراء داروين؟ وكيف كانت أيامه الأخيرة؟

كيف احتدم النقاش حول آراء داروين؟ وكيف كانت أيامه الأخيرة؟

كيف احتدم النقاش حول آراء داروين؟ وكيف كانت أيامه الأخيرة؟

 

 226- كيف احتدم النقاش حول آراء داروين؟ وكيف كانت أيامه الأخيرة؟

ج: أصدر داروين سنة 1859م كتابه ” أصل الأنواع بواسطة الانتقاء الطبيعي ” وفي هذا الكتاب أنكر داروين خلقة كل نوع منفصلًا، فقال في مقدمة كتابه ” فليس لدي أي شك، بعد قيامي بكل ما في استطاعتي من دراسة متأنية واجتهاد هادئ ونزيه، في أن وجهة النظر التي دأب معظم علماء التاريخ الطبيعي على إتباعها إلى وقت قريب، والتي سبق لي إتباعها في الماضي، ألا وهي، أن كل نوع حي قد تم خلقه بشكل مستقل، ما هي إلاَّ وجهة نظر خاطئة”(1) 

ولم يتعرض داروين في هذا الكتاب للعلاقة بين القرد والإنسان، ولكنه تعرَّض لهذه العلاقة في كتابه الثاني ” نشأة الإنسان ” The Descent of man الذي نشره سنة 1871م، وقد أثار كتاب داروين عن أصل الأنواع جدلًا كبيرًا بين مؤيد ومعارض، وكان ” ف. هـ. هاكسلي” (وهو جد العالِم جوليان هاكسلي) من الذين كتبوا في جريدة التايمز يؤيدون آراء داروين، وفي مؤتمر تقدم العلوم البريطاني بمدينة أكسفورد حدثت مناقشة حادة بين هاكسلي وصموئيل ولبرفورس أسقف أكسفورد الذي سأل هاكسلي ساخرًا:

“هل يسمح السيد هاكسلي أن يخبرنا: هل كان القرد أحد أجداده لأمه أو أبيه؟ فاحتد هاكسلي عليه، وختم كلامه بقوله: وعلى أية حال فإني أفضل أيها السيد أن يكون القرد جدًا من أجدادي عن أن يكون جدي أسقفًا مثلك”(2) ولوح ” متزوري ” ربان السفينة ” بيجل ” بالإنجيل وسط القاعة، لاعنًا اليوم الأسود الذي وافق فيه أن يحمل داروين على ظهر سفينته.

وكان داروين يعتمد على الحذق وبراعة الأسلوب أكثر من تماسك الحجج، فيقول د. موريس بوكاي ” لقد قدم داروين حججه بطريقة بارعة، وغالبًا ما يكون الحذق والبراعة أكثر تأثيرًا من تماسك الحجج وصحتها.

كما ينبغي ألا نغفل ارتياح (رضاء) علماء معينين ممن أسرعوا باستخدام نظرية داروين في التشكيك في تعاليم التوراة في شأن أصل الإنسان وثبات الأنواع. والواقع أنه في مجال تطور الأنواع، استخدمت نظرية داروين في إثبات انحدار الإنسان من سلالة القردة الكبيرة، وحقيقة الأمر أن الأصل الحيواني للإنسان واحدة من بنات أفكار هيجل Haeckel التي قدمها في سنة 1868م”(3).

أما الدكتور كمال شرقاوي غزالي فقد كتب تحت عنوان أول القصيدة كُفر ” كان عنوان الكتاب.. {أصل الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي أو بقاء السلالات الصالحة في الصراع من أجل البقاء} لقد تضمن العنوان فضلًا عن طوله، غلطة كبيرة، وبه نقص مُبين.

فالعنوان يشير إلى أصل الأنواع، ولكن داروين لم يقصد الأصل أي النشوء، وإنما قصد تأصل الأنواع وتوطد وجودها بعد نشوئها فعلًا، هذا هو الخطأ. أما النقص فهو أسوأ من ذلك، وهو إنه لم يعرف النوع الذي يتحدث عنه (جراهام كانون 1958م).. أما من ناحية مضمون الكتاب فلا يُخفى عن أي مُطلع أسلوبه الثقيل غير الشيق وامتلاء فصوله بالتخبط البالغ في التفكير والحشو الغزير الذي لا يمت بصلة إلى موضوع الكتاب، وبرغم ما في العنوان والمضمون من أخطاء وعيوب إلاَّ أن الكتاب قد صار فور صدوره من أروج المؤلفات”(4).

وفي أواخر أيامه اعتزل داروين البحث الشاق، وتفرغ لكتابة مذكراته، وفي نوفمبر 1877م تسلم داروين درجة الدكتوراة الفخرية من جامعة كمبردج، وسار في ردائه القرمزي مع عميد كلية كريست إلى أن وصلا إلى قاعة الاجتماع بين عاصفة من الترحيب، وفي نفس اليوم أقامت الجمعية الفلسفية بكمبردج حفل عشاء بهذه المناسبة..

ولكن داروين اعتذر عن الحضور لشيخوخته، وفي 19 أبريل سنة 1882م مات شارلز روبرت داروين عن ثلاثة وسبعين عامًا، وحضر جنازته الذين شايعوه وأيدوه والذين عارضوه، مع القادة ورجال الفكر والسياسة، وحمل جثمانه عشرة من كبار العلماء منهم اثنان من الأسرة المالكة، ودُفن داروين يوم 24 من نفس شهر أبريل في مقبرة الخالدين بكنيسة وستمنستر، بجوار إسحق نيوتن..

وقال عنه هاكسلي “منذ تلخيص أرسطو للعلوم البيولوجية إلى وقتنا هذا، لم يأت بشر بعمل أعظم من كتاب أصل الأنواع لداروين في شرح ظواهر الحياة وربطها حول فكرة السياسة (5) وقالت عنه مجلة التايمز ” كان فريدًا بين رجال العصر، ولم يكن له ند من العلماء جميعًا سوى نفر يسير من المكتشفين” (6) بينما قال عنه د. موريس بوكاي ” وقد كان داروين دائمًا وثنًا من أوثان الترسانة الإلحادية، كان دائم الاستعداد لدعم أية أفكار تدعم ما يذهبون إليه”(7).

ومما يُذكر أن إلن هوايت نبية الأدفنتست السبتيين رغم ضلالها في أمور كثيرة (راجع كتابنا: الأدفنتست.. ظلمة الموت) إلاَّ أنها تصدَّت لنظرية داروين، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى.

 ورفعت راية نظرية الخلق الإلهي، ومن أتباعها ” جورج ماك كريدي ” الرجل العصامي الذي علَم نفسه بنفسه، وفي سنة 1902م نشر كتابه ” الخطوط العريضة للمسيحية المعاصرة ” دافع فيه بالأدلة العلمية عن نظرية الخلق الإلهي، وجاء في مجلة العلم ” وبحلول منتصف العشرينيات لقى ماك كريدي – وكان وقتها أستاذًا للجيولوجيا في يونيون كوليدج في نبراسكا – إشادة كبيرة في الولايات المتحدة باعتباره الناقد الأول لنظرية داروين”(8)..

” واجهت نظرية داروين تحديات عديدة منذ أن كُشِف عنها النقاب قبل حوالي 150 سنة في كتاب ” أصل الأنواع ” وكان أقسى الهجوم يأتي من اليمين المسيحي المتشدد في الولايات المتحدة منذ حوالي قرن.

سنَّ أعضاء كنيسة اليوم السابع الأدفنتستية ما أصبح يُعرف فيما بعد باسم ” حركة الخلق ” التي تصر على أن كل شيء على سطح الأرض خلقه الله في فترة لا تزيد عن 4004 سنوات قبل الميلاد، وسعى أصحاب نظرية الخلق إلى إثبات خطأ نظرية التطوُّر بالقول بأنها لا يمكن أن تشرح عددًا كبيرًا من الظواهر الغريبة والغامضة في حياتنا. وأدى ذلك بالتالي إلى ظهور نظرية التصميم الذكي”(9).

والحق أنه رغم ما نتج عن نظرية داروين من إلحاد ومآسي كما رأينا في الفصل الأول، فإن داروين كان متمسكًا بعقيدته المسيحية، فيقول دكتور كمال شرقاوي غزالي ” ولم يفقد داروين نفسه في سبيل نظرية التطوُّر، ويتنحى عن عقيدته الأصلية المسيحية، كما فعل كثيرون ممن أُعجبوا وفتنوا بنظريته، وعلى الرغم من موقف رجال الدين منه ومن نظريته التي تتعارض مع فكرة الخلق فقد دُفن داروين في كنيسة وستمنستر. 

كان البعض من المفتونين بسحر النظرية يساهمون في تفسير بعض الأمور المتعلقة بها، فعملوا على إدماج الفروض العلمية في هيئة دين، ومن هنا نمت شجرة الكفر والإلحاد، واستهوى ذلك الكثيرين ليستظلوا بظلها أمثال أبسن، وويلز، وبرجسون، وبرنارد شو”(10) كما كان داروين في أواخر حياته شغوفًا بقراءة الكتاب المقدَّس فيقول المتنيح العلامة الأنبا ايسوذورس ” أما داروين الذي هو عمدة القائلين بتحويل الأنواع فلم ينكر وجود الخالق بل أقرَّ به لأنه قال: إني متيقن أن للكون ربًا وإن إثباته والمناداة به من أعظم الفروض، وأنا مؤمن أن ذلك الرب خلق العالم..

وقد وقفت ” الليدي هوب ” Lady Hope وهي إحدى شريفات الإنجليز وامرأة نقية وسط مؤتمر نورثفيلد الديني بأمريكا، وذكرت حادثة شهدتها بعينها، وقد نقلتها عنها جريدة الراكب الممتحن الأمريكية وهي: في ذات يوم عصر خريفي جميل الطقس طُلب مني أن أدخل وأجلس مع الأستاذ تشارلز داروين، وكان قد مضى عليه بضعة شهور ملازمًا الفراش قبيل وفاته..

فلما دخلت عليه وجدته جالسًا على فراشه ولابسًا قفطانًا أرجوانيًا مزركشًا ومزينًا بألوان جميلة وحوله المخدات الحريرية تسنده، وكان يشخص ببصره إلى الغابات وحقوق الحنطة، فسرَّ عندما دخلت عليه وأشار بيده الواحدة إلى النافذة التي كان ينظر منها إلى ذلك المنظر البديع، بينما كان يمسك بيده الأخرى الكتاب المقدَّس الذي كان يطالع فيه على الدوام مدة ملازمته للفراش، فلما جلست بجانب فراشه ابتدرته بالسؤال ماذا تقرأ يا أستاذ؟ فأجابني: العبرانيين وهو السفر الملوكي، ألا ترينه ملوكيًا وعظيمًا بالحق؟

ثم وضع إصبعه على بعض الأعداد وأخذ يقرأ ويشرح، فأشرت إلى بعض أفكار الناس عن الإصحاحات الأولى من سفر التكوين، فظهر عليه الملَّل والضجر وحرك أصابعه بسرعة وانفعال وقال بصوت الحزين الآسف {لما كنت صغيرًا لم يكن لي فكر خاص، فنبذت عني كل المباحثات والأسئلة والظنون وكنت أتعجب كل الوقت من كل شيء، ولزيادة دهشتي انطلقت أفكاري هذه كالنار بين الناس وسرعان ما كونوا منها دينًا غير ديني}.

ثم صمت (داروين) ونطق بجمل مختصرة عن قداسة الله وعظمة الكتاب المقدَّس وهو ينظر إلى الكتاب الذي بيده ويشير إليه. ثم قال فجأة {لي بيت صيفي في تلك الحديقة يسع نحو ثلاثين رجلًا إنه هناك أمامنا} ثم أشار بإصبعه نحوه وقال {فأرغب إليكِ من كل قلبي أن تذهبي إليه، وتعقدي اجتماعًا دينيًا لأني أعرف أنكِ تعقدين اجتماعات دينية في القرى لقراءة الكتاب المقدَّس، فآمل أنك غدًا بعد الظهر تعقدين اجتماعًا للعمال الذي يشتغلون هناك والمستأجرين والقاطنين في تلك الجهة والجيران أيضًا، فهل تعديني أنكِ تفعلين هذا؟} فقلت هل أخاطبهم عن..؟

فقاطعني بسرعة وقال بصوت واضح {عن يسوع المسيح} ثم خفض صوته وقال {وعن خلاصه.. أليس هو أفضل موضوع؟ ثم أريد أن ترتلي معهم بعض التراتيل، وأن تدقي لهم على الآلة الموسيقية التي تخصك} ولا أنسى لمعان وجهه والارتياح الذي بدأ عليه عندما قال هذه الكلمات ثم أردف {إذا ابتدأت بالاجتماع الساعة الثالثة بعد الظهر فإن هذه النافذة ستكون مفتوحة، وتأكدي إني أشترك معكم في التراتيل}”(11) 

ومما يذكر عن داروين دفاعه عن المبشرين المسيحيين الذين تعرضوا لانتقادات حادة في إنجلترا، مستشهدًا بمدى تأثير المبشرين على سلوك النيوزيلانديين الذين عاشوا في جهل وغش وسكر وفحشاء وحروب وقتل الأطفال والذبائح البشرية، ولكن الإيمان بالمسيح أنار حياتهم(12).

_____

(1) أصل الأنواع ص 60.

(2) د. أنور عبد العليم – قصة التطوُّر ص 57.

(3) ما أصل الإنسان؟ ص 44.

(4) التطوُّر بين الضلال وممارسة حق النقد ص 44، 45.

(5) د. أنور عبد العليم – قصة التطوُّر ص 70، 71.

(6) المرجع السابق ص 71.

(7) ما أصل الإنسان؟ ص 45.

(8) مجلة العلم عدد 345 – يونيو 2005م ص 34.

(9) مجلة العلم عدد 352 – يناير 2006م ص 40.

(10) التطوُّر بين الضلال وممارسة حق النقد ص 29، 30.

(11) الإخاء والسلم بين الدين والعلم ص 58 – 61.

(12) راجع كتابنا: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها جـ 1 ص 54، 55.

كيف احتدم النقاش حول آراء داروين؟ وكيف كانت أيامه الأخيرة؟

كيف فسرت نظرية التطور التدني الأخلاقي للإنسان؟

كيف فسرت نظرية التطور التدني الأخلاقي للإنسان؟

كيف فسرت نظرية التطور التدني الأخلاقي للإنسان؟

 

 200- كيف فسرت نظرية التطوُّر التدني الأخلاقي للإنسان؟ وكيف ساعدت على نشر الفلسفة المادية؟

ثانيًا: المخاطر الجسيمة التي نجمت عن نظرية التطوُّر؟

ج:

عندما أنكر التطوُّريون خلق الله للإنسان فإنهم أنكروا بالتبعية قصة سقوط الإنسان، ولذلك أرجعوا التدني الأخلاقي للإنسان للغرائز البهيمية المتوارثة، وبالتالي فإن شر الإنسان لا يرجع إلى فساد طبيعته بالخطية، إنما يرجع إلى أصله الحيواني، وبهذا أضفت هذه النظرية على الإنسان صفة الحيوان، كما برَّرت للإنسان التدني الأخلاقي وارتكاب الشرور. وأيضًا أرجع التطوُّريون مبادئ الأخلاق والأدب إلى رقي الإنسان وتطوُّره من الناحيَّة الأدبية مع الزمن، وليس للضمير الذي يمثل صوت الله داخل الإنسان.

وقد ساعدت نظرية التطوُّر على انتشار الفلسفة المادية والنفسية، فيقول دكتور ” هنري موريس ” Henery Morris ” من الخطأ أن نتغاضى عن نظرية التطوُّر، ونبقى غير ملمين بالمهاوي التي تؤدي إلى التردي فيها، فغالبية الجامعيّين والجامعيات تعلموا أن يقبلوا التطوُّر كحقيقة علمية ثابتة، والذي زاد الطامة أنها ساعدت على انتشار الفلسفات، كالفلسفة المادية والفلسفة النفسية، فنظرية لها مثل هذه الخطورة يجب أن المجموعة الضخمة من الأدلة التي توفرت ضدها، تحظى دراستها باهتمام المفكرين”(1)(2) فالدافع الأساسي للتمسك بنظرية التطوُّر ليس توافقها مع العلم الحديث، ولكن بسبب توافقها مع الفلسفة المادية التي تنكر وجود الخالق، وتنظر للمادة على أنها أزلية، بالرغم من أن نظرية ” الانفجار العظيم ” Big Bang قد أطاحت بنظرية أزلية المادة.

وقد اختزلت نظرية التطوُّر كل أبعاد الحياة من روحيَّة وسيكولوجية واجتماعية وأخلاقية.. إلخ في بُعد واحد هو البُعد البيولوجي، فطرحت بالإنسان بعيدًا عن الله، كقول ” نوبل لورييت جاك مونود ” J. Monod في كتابه ” الصدفة والحاجة ” أنه ليس إله ” أن العهد (الميثاق) القديم قد انهار، فقد عرف الإنسان أخيرًا أنه وحيدًا في هذا الكون الشاسع المُوحِش، وأنه لم يوجد فيه إلاَّ عن طريق الصدفة(3).

ويقول الدكتور كمال شرقاوي غزالي رئيس قسم العلوم البيولوجية والجيولوجية بكلية التربية – جامعة الإسكندرية ” وكانت الفترة التي صدر فيها كتاب ” أصل الأنواع ” هي وقت ازدهار الفلسفات بكل أنواعها، وكان ” هيجل ” Haeckel أحد هؤلاء الفلاسفة من أصدقاء داروين وأنصاره، وراقت له النظرية فكانت فكرة أن أصل الإنسان هو أصل حيواني هي إحدى بنات أفكاره(4) وهنا بدا للناس أن النظرية تتعارض مع النصوص الدينية، وبالذات نصوص العهد القديم، التي تقرر بوضوح كامل أن الأنواع ثابتة وأنها غير قابلة للتغيير. ولما كانت للناس في ذلك الوقت كراهية متأصلة للتعاليم الدينية الكنسية، فقد بدأ الاقتناع بصحة النظرية يغلب على الاقتناع بالتعاليم الدينية، وصارت النظرية والدين على طرفي نقيض، وأدى اقتناع الناس بالنظرية إلى أن قالوا بثبوت خطأ التوراة ورفض النص الكامل للإنجيل، ودار صراع بين العلم والدين.. وفي هذا الصدد ذهبوا إلى أبعد مما ذهبت إليه نظرية داروين ذاتها، ويبقى ذكر أهم نقطة فيما أعطى نظرية داروين الحجم الكبير ألا وهو الاستغلال البشع للنظرية من قبل اليهود، فحين ظهرت النظرية استغلوها في تحطيم العقيدة المسيحية وتأجيج نار الثورة على الكنيسة، وزجوا بالنظرية في ساحة المعركة الحامية الوطيس ليهدموا آخر قلعة حصينة من قلاع الديانة المسيحية وهي إنسانية الإنسان وخلقه المباشر بأمر الله. تقول بروتوكلات اليهود في ذلك: لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء، لاحظوا هنا أن نجاح داروين وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل.. إذًا لم يعد الأمر أكثر من شيئين: فكرة فلسفية لهيجل استخدمها بعض العلماء الذين لهم أغراض في محاربة الكنيسة وتخطيط مرتب من اليهود”(5).

ويقول الأستاذ محمد قطب عن آثار نظرية داروين ” أول نتائجها زلزلة الإيمان بالله وبالعقيدة، وثاني نتائجها زلزلة الإيمان بالإنسانية والإنسان ورفعته وسموه وروحانيته، وثالث نتائجها زلزلة الإيمان بثبات أي نظام من النظم أو قيمة من القيم أو فكرة من الأفكار، ورابع وخامس وسادس زلزلة كل شيء كان راكزًا من قبل، وتحطيم كل بنيان راسخ الأساس”(6).

_____

(1) الكتاب المقدَّس والعلم الحديث ص 29.

(2) أورده برسوم ميخائيل في كتابه حقائق كتابية جـ 1 ص 203.

(3) J. Monod, Chance and Necessity, P. 167.

(4) موريس بوكاي 1985م.

(5) التطوُّر بين الضلال وممارسة حق النقد ص 38، 39.

(6) المرجع السابق ص 40.

كيف فسرت نظرية التطور التدني الأخلاقي للإنسان؟

الحياة على الأرض من الميكروبات والإنسان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

الحياة على الأرض من الميكروبات والإنسان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

الحياة على الأرض من الميكروبات والإنسان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

الحياة على الأرض من الميكروبات والإنسان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

كتاب لغة الإله PDF – فرانسيس كولينز – للتحميل

 

صب التطور الذي حصل في العلم الحديث لصالح الأسباب التقليدية للإيمان بالإله. عندما لا يكون لدينا فكرة عن الكيفية التي وجد بها الكون فإن من السهل نسبة ذلك إلى فعل إلهي، أو مجموعة أفعال إلهية. وبالمثل، فإن وضع كبلر وبرینكوس وغاليليو الأرض في وسط السماء المرصعة بالنجوم بدا وكأنه يمثل حجة قوية لوجود الإله. إذا كان الإله وضع الأرض في الوسط، فلابد أنه بنى كل ذلك من أجلنا. عندما أجبرت العلوم الشمسية على إعادة النظر في هذا المفهوم، اهتزت قناعات العديد من المؤمنين.

لكن الركن الثالث من أركان الإيمان لازال يحظى بقيمة كبيرة: تعقيد الحياة الدنيوية، مما يعني لأي مراقب أن لهذا عمل مصمم ذكي. وكما سنرى لاحقاً، فإن العلم قلب ذلك رأساً على عقب. وهنا كما في الحجتين السابقتين، أريد أن أشدد على أن المؤمن بالإله لا ينكر العلم، وإنما يتبناه. إن الأناقة التي تقف خلف تعقيد الحياة مدعاة للإعجاب والاعتقاد بالله، ولكن ليس بالطريقة المبسطة والمباشرة التي كان يعتقد بها الكثيرون قبل نظرية دارون.

تعود “حجة التصميم على الأقل إلى أيام شيشرون، ولقد تم تقديمها بشكل مؤثر بواسطة ويليم بالي William Paley في كتابه المهم اللاهوت الطبيعي Natural Theology أو براهين الوجودEvidences of the Existence and Attributes of the Deity Collected from the Appearance of Nature. طرح بالی وهو فيلسوف أخلاقي قياساً شهيراً على النحو التالي: “افترض أنه وأثناء مروري بأرض قاحلة أصدمت قدمي بحجر، وسألني أحدهم كيف جاء هذا الحجر إلى هنا، من الممكن أن أجيب بالقول إنه كان هنا منذ قديم الزمان. ولن يكون من السهل جداً إظهار سخافة هذه الإجابة. ولكن افترض إنني وجدت ساعة يد على الأرض وسُئلت كيف وصلت هذه الساعة إلى هنا، هنا من الصعب عليّ أن أفكر بالإجابة على هذا السؤال بنفس إجابة السؤال السابق، لأن القول بأن ساعة اليد كانت هنا منذ القدم يستلزم القول بأن لهذه الساعة صانع: وعليه تكون الساعة وجدت في زمان ما وفي مكان ما، وهناك صانع أو صناع قاموا بصناعتها لهدف معين، وهذا الصانع هو من يعلم تركيبها وقام بوضع كل الدلائل التي تشير إلى صنعها. كل مظاهر التصميم الموجودة في ساعة اليد موجودة في عالم الطبيعة، مع أفضلية لعالم الطبيعة لكونه أكبر، ولأن حسابات تصميمه تفوق كل الحسابات. برهان التصميم كان مقنعة للبشرية طوال التاريخ. داروين نفسه، قبل رحلته على سفينتي بيغل كان معجبا بكتابات بالي، وصرح بأنه مقتنع بهذا الرأي. ومع ذلك فإن هناك عيب في حجة بالي، ويمكن توضيح ذلك باختصار على النحو التالي:

1- ساعة اليد معقدة

2- لساعة اليد صانع ذكي

3- الحياة معقدة

4- لذلك، الحياة أيضا لها صانع

ولكن في الحقيقة كون شيئين يتشاركان في خاصية واحدة لا يستلزم أنهما يتشاركان في جميع الخصائص. لنأخذ المثال المشابه التالي:

1- التيار الكهربائي الموجود في بيتي يتكون من تدفق للإلكترونات

2- التيار الكهربائي يأتي من شركة الكهرباء

3- البرق يتكون من تدفق للإلكترونات

4- لذلك، البرق يأتي من شركة الكهرباء

على الرغم من أن الحجة تبدو جذابة، ولكنها لا تقول القصة بكاملها. لكي تختبر تعقيد الحياة وأصولنا في هذا الكوكب عليك أن تنقب عميقاً في الاكتشافات الرائعة حول طبيعة الكائنات الحية، وهي الاكتشافات التي نتجت عن الثورة الحديثة في علم المتحجرات وعلم الأحياء الجزيئي، وعلم الجينوم. على الشخص المؤمن أن لا يخشى من أن تسقط هذه الاكتشافات العرش الإلهي. إذا كان الله سبحانه وتعالى حقيقة، فسيكون من الصعب أن يتعرض للخطر من قبل مساعينا السقيمة في فهم طريقة عمل عالمه الطبيعي. ونحن كساعين للحقيقة ربما نعثر في العلم على أجوبة مقنعة على سؤال “كيف تعمل الحياة؟” ما لا نستطيع أن نكتشفه بواسطة العلم فقط هي الإجابة على الأسئلة “لماذا توجد حياة. لماذا نحن موجودون؟

أصل الحياة على كوكب الأرض

يبدأ العلم في الإجابة على السؤال عن تعقيد الحياة بجدول زمني. نحن نعلم في الوقت الحاضر أن عمر الأرض يبلغ 14 مليون سنة. قبل قرن من الزمن لم نكن نعلم عمر كوكبنا. ولكن الاكتشاف اللاحق للنشاط الإشعاعي والاضمحلال الطبيعي لبعض النظائر الكيميائية قدم لنا وسيلة أنيقة ودقيقة لتحديد عمر الصخور المختلفة على سطح الأرض. لقد تم شرح الأساس العلمي لهذه الطريقة بشكل مفصل في كتاب برنت داریمبل Brent Dalrymple عمر الأرض The Age of Earth، اعتماداً على معرفة نصف عمر ثلاثة عناصر كيميائية مشعة أنحلت بشكل مطرد، وتحولت إلى عناصر مختلفة ومستقرة: اليورانيوم تحول ببطء إلى الرصاص، والبوتاسيوم تحول ببطء إلى الأرجون، وتحول السترونتيوم الغريب إلى عنصر نادر يسمى الروبيديوم. عن طريق قياس كميات من أي من هذه الأزواج من العناصر، يمكننا تقدير عمر أي صخرة معينة. كل هذه الأساليب المستقلة تعطي نتائج متناغمة بشكل لافت للنظر، وجميعها يشير إلى أن عمر الأرض هو 4550000000 سنة، مع نسبة خطأ قريبة من الواحد بالمئة فقط. أقدم الصخور على سطح الأرض الحالي يعود تاريخها إلى ما يقرب من 4 مليارات سنة، ولكن ما يقرب من سبعين نيزك وعدد من الصخور القمرية يعود تاريخها إلى 4.5 مليارات سنة.

جميع الأدلة المتوفرة حالياً تشير إلى أن الأرض كانت مكاناً غير ملائم تماماً للعيش فيها في الخمسمائة مليون سنة الأولى. لقد تعرض الكوكب لهجوم مستمر ومدمر من كويكبات ونيازك عملاقة، وأحد هذه الهجمات جعلت القمر يخرج عن نطاق الأرض. ولذلك لا غرابة في أن الصخور التي تعود إلى 4 مليارات سنة لا يوجد فيها أي دلائل على الحياة.

فقط في وقت لاحق، أي ما يقارب من 150 مليون سنة، تم العثور على أنواع حياة ميكروبية. ومن المفترض أن هذه الكائنات ذات الخلية الواحدة كانت قادرة ربما باستخدام الحمض النووي على تخزين المعلومات، وكان قادرة على تكرار ذاتها، وقادرة على التطور إلى أنواع مختلفة متعددة. حديثاً، وضع کارل ووز Carl Woese فرضية محتملة لعمر محدد للأرض، وذلك عندما أصبح تبادل الحمض النووي بين الكائنات الحية سهلاً. بشكل أساسي، يتكون المحيط الحيوي للحمض النووي من عدد كبير من الخلايا الصغيرة المستقلة، ولكنها تتفاعل على نطاق واسع مع بعضها البعض.

إذا طور كائن معين بروتين أو سلسلة من البروتينات التي توفر ميزة معينة، فإنه يمكن لهذه الميزات الجديدة الانتقال بسرعة إلى جيرانها. بهذا المعنى، فإن التطور الذي حدث في وقت مبكر كان نشاطاً جماعياً أكثر منه نشاطاً فردياً. تم توثيق هذا النوع من “انتقال الجينات الأفقي” بشكل جيد في معظم الأشكال القديمة من البكتيريا الموجودة الآن على الأرض (العتائق)، وربما أتاح ذلك الفرصة لانتشار خصائص جديدة بسرعة.

ولكن كيف حدث التوالد الذاتي في المقام الأول؟ من المنصف القول إننا لا نعلم في الوقت الحالي كيف حدث ذلك. لا توجد فرضية حديثة اقتربت من تفسير كيف استطاع المكان الذي وجد قبل 150 مليون سنة من بيئة قبل حيوية أن يوجد حياة على سطح الأرض. هذا لا يعني عدم وجود فرضيات معقولة، ولكن الاحتمالات الإحصائية التي يمكن الاعتماد عليها لازالت تبدو بعيدة المنال.

قبل خمسين عاماً، شكلت التجارب الشهيرة التي قام بها ستانلي میلر Stanley Miller وهارولد أوري Harold Urey لخليط من المركبات العضوية والماء ما يمكن أن يكون الظروف البدائية للحياة على الأرض. استطاع هذان العالمان تكوين كميات قليلة من مركبات حيوية مثل الأحماض الأمينية من خلال تسليط شحنة كهربائية. مثل العثور على كميات صغيرة من مركبات مماثلة داخل النيازك القادمة من الفضاء الخارجي، حجة أيضا على أن مثل هذه الجزيئات العضوية المعقدة يمكن أن تنشأ من العمليات الطبيعية في الكون.

بعد هذه النقطة، تصبح التفاصيل ناقصة تماماً. كيف يمكن لجزيء حامل للمعلومات وذاتي الانقسام أن يتكون من هذه المركبات؟ الحمض النووي الذي يتكون عموده الفقري من السكر الفوسفاتي مرتب على شكل طبقات فوق بعضها بشكل منسق على صورة أزواج من الحلزون المزدوج، يبدو وكأن جزئياً قد خرج إلى الوجود كشكل أولي للحياة على نحو غير متوقع، وخاصة أن الحمض النووي لا يملك القدرة على نسخ نفسه، على عكس الحمض الريبي RNA، حيث يمكن للحمض الريبي أن يحمل المعلومات، وفي بعض الحالات يمكن أن يحفز تفاعلات كيميائية، في حين لا يستطيع الحمض النووي ذلك. الحمض النووي مثل الذاكرة الدائمة الموجودة في جهاز الكمبيوتر: إذ أنها يفترض أن تكون وسيلة ثابتة لحفظ المعلومات (وكما هو الحال مع الكمبيوتر يمكن أن يصاب الحمض النووي بالأخطاء البرمجية). على عكس ذلك، فإن الحمض الريبي أشبه بالذاكرة المؤقتة التي بمقدورها أن تقوم بنشاطات بمفردها. وعلى الرغم من الجهود المضنية التي بذلها عدد من الباحثين إلا أنه لم يمكن لحد الآن التوصل إلى مكونات الحمض الريبي في تجربة ميلر -أوري، كما لم يمكن تصميم حمض ريبي قادر على التوليد الذاتي.

دفعت الصعوبات الكبيرة في تحديد مسار مقنع لأصل الحياة بعض العلماء، وأبرزهم فرانسیس کريك Francis Crick (الذي أكتشف مع جيمس واتسون الحمض النووي المزدوج الحلزون)، إلى القول بأن أشكال الحياة وصلت إلى الأرض من الفضاء الخارجي، إما عبر جزيئات صغيرة عائمة عبر الفضاء بين النجوم وتقع تحت تأثير جاذبية الأرض أو أن ذلك تم بشكل مقصود أو غير مقصود من قبل بعض المسافرين القدماء الآتين من الفضاء. على الرغم من أن هذا التفسير قد يحل معضلة الحياة على الأرض، إلا أنه لا يقدم شيئا لحل السؤال الجوهري عن أصل الحياة، لأنه يدفع بالحدث المذهل إلى حقبة زمنية أقدم بكثير. وهي نقطة نظام نطرحها في وجه المعترضين على إمكانية الوجود العفوي للحياة على الأرض استناداً إلى القانون الثاني للميكانيكا الحرارية.

ينص القانون الثاني على أنه في نظام مغلق، حيث لا طاقة ولا مادة يمكنهما الدخول أو الخروج، فإن كمية من الاختلال سوف تميل إلى الزيادة مع مرور الوقت. بما أن أشكال الحياة في غاية الترتيب فإن البعض يعتبر أن من المستحيل أن تكون الحياة وجدت من دون خالق خارق القدرة. ولكن هذا ينم عن سوء فهم لمعنى القانون الثاني: الترتيب يمكن أن يزيد في بعض أجزاء النظام، ولكن هذا يحتاج إلى طاقة، وإلى أن لا تقل كمية الخلل في النظام ككل. في حالة أصل الكون، الكون ككل هو النظام المغلق، ويتم توفير الطاقة من الشمس، وبالتالي فإن الزيادة الداخلية المطلوبة ممثلة بالتجمع العشوائي للجزيئات لا يمكن أن يخالف القانون بأي حال من الأحوال.

عدم قدرة العلم حتى الآن على تفسير السؤال العميق عن أصل الحياة دفع بعض المؤمنين بالإله إلى القول بأن ظهور الحمض النووي والحمض الريبي هو تأكيد على القدرة الإلهية. إذا كان هدف الإله من خلق الكون هو خلق البشر، وإذا كان التعقيد المطلوب لبدء عملية الحياة يتجاوز قدرة المواد الكيميائية في الكون في صناعة الذات، ألا يمكن أن يكون الله قد تدخل لبدء هذه العملية؟

قد تبدو هذه الفرضية قوية، عطفاً على عدم قدرة العلماء على الادعاء بأن التفسير الطبيعي لتفسير أصل الحياة في متناول اليد. ولكن هذا التفسير قد يكون مقبولاً في الوقت الحالي، ولكنه قد لا يكون كذلك في الغد. ولذلك لابد أن نكون حذرين في التعامل مع الفعل الإلهي بشكل محدد في هذا المجال أو في مجالات أخرى لازال العلم قاصراً عن الوصول إليها. من كسوف الشمس في الأزمنة القديمة إلى حركة الكواكب في العصور الوسطى، وإلى أصل الحياة اليوم، كثيراً ما يسيء “إله الفجوات” God of Gaps للدين (وبالتالي يسيء للإله). الدين الذي يضع الله في ثغرات الفهم الحالي عن العالم الطبيعي قد يتسبب في أزمة في حال استطاع العلم ملاء تلك الثغرات في وقت لاحق.

في مواجهة عدم القدرة على فهم العالم الطبيعي ينبغي أن يكون المؤمنون بالإله حذرين في الاستناد إلى فرضية التدخل الإلهي في مجالات التي يلفها الغموض حالية، حتى لا تسبب ذلك في ضرر مستقبلي. هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بالله، بما في ذلك وجود المبادئ الرياضية والنظام في الخلق. هذه الأسباب إيجابية وتستند إلى أسس معرفية، وليس على أساس فرضيات تفتقر للدلائل. باختصار، على الرغم من أن السؤال عن أصل الحياة سؤال رائع، وعلى الرغم من عدم قدرة العلم الحديث على تطوير آلية إحصائية محتملة، إلا أن هذا ليس مكان ليمارس الإنسان المؤمن بالإله لإيمانه.

السجل الأحفوري

في حين أن العلماء الهواة والمحترفين توصلوا لاكتشاف الحفريات منذ عدة قرون، إلا أن هذه الاكتشافات بلغت مرحلة متقدمة في السنوات العشرين الماضية. الكثير من الفجوات التي كانت موجودة في فهم تاريخ الحياة على الأرض تم ملؤها بواسطة اكتشاف الأنواع المنقرضة من الكائنات الحية. وأكثر من ذلك، أصبح من المتاح التعرف على عمر هذه الأحافير بناءً على نفس عملية الاضمحلال الإشعاعي التي ساعدت في تحديد عمر الأرض. الغالبية العظمى من الكائنات الحية التي عاشت لم تترك أي أثر يدل على وجودها، لأن الأحافير تنشأ في ظروف غير عادية للغاية (على سبيل المثال، الكائن الذي يقع في نوع معين من الطين أو الصخور، ولا يتم التقاطه من قبل الحيوانات المفترسة تتعفن عظامه ومعظم هذه المخلوقات تتحلل). وعلى ضوء هذا الواقع، يبدو من المدهش أن يكون لدينا مثل هذه الثروة من المعلومات حول الكائنات الحية التي عاشت على الأرض.

الجدول الزمني التي كشفت عنه السجل الأحفوري غير مكتمل تماماً، ولكن يظل مفيد جداً. على سبيل المثال، فقط الكائنات الحية وحيدة الخلية تظهر في الرواسب التي تكونت قبل حوالي 550 مليون سنة، على الرغم من أنه من الممكن أن تكون هناك كائنات حية أكثر تعقيدا كانت موجودة قبل هذا الوقت. قبل ما يقرب من 550 مليون سنة مضت، ظهر فجأة عدد كبير من الأجسام اللافقارية المتنوعة على مخطط السجل الأحفوري.

غالبا ما يشار إلى هذا الحادثة على أنها “الانفجار الكمبري”، وتم تدوين ذلك بشكل مفهوم للغاية بواسطة الراحل ستيفن جاي غولد Stephen Jay Gould وهو أكثر كتاب عصره شاعرية، وذلك في كتابه “حياة رائعة” Wonderful Life. وفي الكتاب تساءل غولد كيف يمكن للتطور أن يكون مسؤولا عن التنوع في مخططات الجسم Body plans التي ظهرت في مثل هذه الفترة القصيرة من الزمن.

كان هناك خبراء آخرون أقل حماسية بكثير للادعاء بأن الانفجار الكمبري يمثل انقطاعاً في عملية تعقيد الحياة، على الرغم من أن كتاباتهم لم تكن معروفة على نطاق واسع للجمهور العام. ما يسمى بالانفجار الكمبري على سبيل المثال يعكس تغيراً في الشروط التي سمحت لكثير من الأنواع بالتحجر والتي كانت موجودة لملايين السنين. في حين بذلت محاولات من قبل بعض الموحدين لتأكيد أن الانفجار الكمبري هو دليل على تدخل قوة خارقة للطبيعة، ولكن الدراسة المتأنية للوقائع لا تبدو أنها تدعم ذلك. هذه صيغة جديدة من حجة “إله الفجوات”. مرة أخرى، من غير الحكمة أن يعلق المؤمنون بالله إيمانهم على مثل هذه الفرضية. تشير الأدلة الحالية إلى أن الأرض ظلت جرداء حتى قبل حوالي 400 مليون سنة، حين ظهرت النباتات على اليابسة مستمدة وجودها من أشكال الحياة المائية. بعد ما يقرب من 30 مليون سنة على نحو التقريب، انتقلت الحيوانات إلى اليابسة، وهذه الخطوة تشير إلى فجوة أخرى: يبدو أن هناك عدد قليل من الأشكال الانتقالية بين المخلوقات البحرية والبرية رباعية الأرجل في السجل الأحفوري. الاكتشافات الحديثة وثقت بشكل مقنع أمثلة على هذا النوع من التحول.

بداية من نحو 230 مليون سنة، هيمنت الديناصورات على الأرض. ويوجد قبول عام لدى الباحثين الآن بأن انقراضها كان نهاية مفاجئة وكارثية قبل ما يقرب من 65 مليون سنة مضت، في وقت اصطدام كوكب الأرض مع كويكب كبير وقع في محيط ما يعرف الآن بشبه جزيرة يوكاتان. تم التعرف على الغبار الدقيق الذي نتج عن هذا التصادم الرهيب في أجزاء مختلفة من العالم. التغيرات المناخية الكارثية التي نتجت على ما يبدو من كمية الغبار الهائلة في الغلاف الجوي كانت أكثر من اللازم لأنواع الديناصورات المهيمنة، مما أدى إلى انقراضها، وارتفاع فرص وجود الثدييات.

إن اصطدام الكويكب القديم هو حدث محير. إنه السبب الوحيد الذي قد يكون أدى إلى انقراض الديناصورات وظهور الثدييات. ربما لم نكن موجودين الآن لو لم يضرب هذا الكويكب المكسيك. معظمنا لديه اهتمام خاص بالسجل الأحفوري للبشر، وهنا أيضا ظهرت اكتشافات في العقود القليلة الماضية كشفت الكثير من الحقائق. تم اكتشاف عظام أكثر من اثني عشرة نوع من أنواع أسلاف الإنسان المختلفة في أفريقيا، مع ملاحظة وجود زيادة مطردة في حجم الجمجمة. تم اكتشاف أول العينات في تاريخ الإنسان قبل ما يقرب من 195000سنة تقريباً.

يبدو أن الفروع الأخرى التي تطورت من أسلاف الإنسان واجهت طريقاً مسدوداً: البشر البدائيون الذين كانوا موجودون في أوروبا حتى قبل 30000 سنة، وحديثا تم اكتشاف “الهوبيت” وهو عبارة عن مخ صغير لأناس عاشوا في جزيرة فلوريس في إندونيسيا حتى انقرضوا منذ ما يقرب من 13000سنة.

رغم أن هناك العديد من العيوب في السجل الأحفوري، ورغم وجود العديد من الألغاز المطلوب حلها، إلا أن جميع النتائج تقريبا تنسجم مع مفهوم شجرة الحياة المتعلقة بالكائنات الحية. يوجد دليل جيد على أشكال انتقالية من الزواحف للطيور، ومن الزواحف إلى الثدييات. الحجج التي تسند إلى نموذج لا يستطيع تفسير وجود بعض الأنواع، مثل الحيتان، يتعرض للسقوط كلما كشفت التحقيقات عن وجود أنواع انتقالية، في كثير من الأحيان في الزمان والمكان الذي تتنبأ به نظرية التطور.

فكرة داروين التطورية

ولد داروين في عام 1809، وقد درس في البداية ليصبح كاهناً في كنيسة إنجلترا، ولكن تولد لديه اهتمام عميق بالطبيعيات. على الرغم من أن داروين الشاب اقتنع في البداية بحجة “ساعة يد” بالي، ورأى أن التصميم الموجود في الطبيعة دليل على وجود مصدر إلهي، فإن وجهات نظره بدأت تتغير عندما سافر على سفينتي بيغل 1831-1836. زار داروين أمريكا الجنوبية وجزر غالاباغوس، حيث درس بقايا متحجرة من الكائنات القديمة، ولاحظ تنوع أشكال الحياة في بيئات معزولة.

بناء على هذه الملاحظات، وعلى أساس عمل إضافي قام به على مدى أكثر من عشرين عاما، طور داروين نظرية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي. في عام 1859، واجه داروين إمكانية أن يسبقه ألفرد راسل والاس إلى النظرية، ولكنه في النهاية كتب ونشر أفكاره في الكتاب عميق التأثير “أصل الأنواع” The Origin of Species.

ومع معرفته بأن الحجج في كتابه هذا من المحتمل أن يكون لها أصداء واسعة، كتب داروين تعليقا في نهاية الكتاب يقول فيه “وجهات النظر التي قدمتها في هذا الكتاب، وكذلك وجهات نظر السيد والاس، بخصوص أصل الأنواع، تمكننا من أن نتنبأ بأن قدراً قليلاً من التقدم لن يؤدي إلى ثورة كبيرة في التاريخ الطبيعي”.

اعتبر داروين أن جميع أنواع الكائنات الحية تنحدر من مجموعة صغيرة من أسلاف أكثر شيوعا، وربما تنحدر من مجموعة واحدة منها فقط. لقد اعتبر داروين أن التنوع داخل النوع الواحد يحدث بشكل عشوائي، وأن البقاء على قيد الحياة أو انقراض كل الكائنات الحية يعتمد على قدرتها على التكيف مع البيئة. لقد عبر داروين عن ذلك بالانتقاء الطبيعي. إدراكاً منه بالطابع الانفجاري لهذه الحجة، ألمح داروين إلى أن هذه العملية نفسها قد تنطبق على البشر، وطور ذلك بقدر أكبر من التفصيل في كتاب لاحق عنوانه “أسلاف الإنسان” The descent of Man.

أثار كتاب “أصل الأنواع” نقاشاً مباشراً ومحتدماً، ولكن ردة الفعل من قبل السلطات الدينية لم يكن بشكل عام سلبية كما يصور في الوقت الحالي. في الواقع، قبل رجل الدين اللاهوتي البروتستانتي المحافظ بنیامین ارفیلد برينستون Warfield of Princeton التطور على أنه “نظرية في الطريق إلى العناية الإلهية، ” بينما تمسك بحجة أن التطور في حد ذاته يجب أن يكون له خالق خارق القدرة. يوجد العديد من الأساطير حول رد فعل الجمهور على داروين. على سبيل المثال، كانت هناك محاورة شهيرة بين توماس هكسليH. Huxley Thomas (المروج المتحمس للتطور) والمطران صموئيل ويلبر فورس Wilberforce Bishop Samuel، وربما لم يقل هكسلي أنه لا يشعر بالعار من أنه من أحفاد قرد، ولكنه سوف يشعر بالعار إذا كان قريباً لأي شخص لا يقول الحقيقة. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من كونه منبوذاً من قبل المجتمع الديني، إلا أن دفن داروين في دير وستمنستر.

كان داروين نفسه يشعر بقلق بالغ إزاء تأثير نظريته على المعتقد الديني، وطوال كتاب “أصل الأنواع” عانى كثيراً ليشير إلى تفسير متناغم ممكن “أنا لا أرى أي سبب وجيه لأن تتسبب الآراء الواردة في هذا الكتاب في صدمة للمشاعر الدينية لأي شخص …. المؤلف الربوبي المشهور كتب لي أنه “لقد تعلمت تدريجياً أن أرى أن ذلك مجرد شعور نبيل للإله خلق أشكال أصلية أصبحت قادرة على تطوير ذاتها إلى أشكال أخرى محتاجة لها، إلى حد الاعتقاد أنه مطلوب عمل جديد من الخلق يؤدي إلى سد الفراغات الناجمة عن قوانينه”.

بل إن داروين ختم كتابه أصل الأنواع بالجملة التالية: “هناك عظمة في هذه النظرة مع وجود قوى عدة، جاءت إلى الحياة بواسطة الخالق على صورة أشكال أو شكل واحد، وأنه بينما هذا يدور الكوكب وفق قانون الجاذبية الثابت، فإنه ومن تلك البداية البسيطة، تكونت وتطورت أشكال لا حصر لها أكثر جمالا وروعة”. ظلت الآراء الشخصية لداروين غامضة، ويبدو أنها كانت متقلبة حتى السنوات الأخيرة من حياته. وفي إحدى المرات كتب يقول “لا أدري هو الوصف الأقرب لوضعي الإيماني”. وفي مرة أخرى كتب يقول إنه شعر بتحدي كبير من الصعوبة البالغة أو ربما استحالة تقبل فكرة أن هذا الكون العظيم الهائل بما في ذلك الإنسان القادر على النظر إلى الماضي وإلى الحاضر على أنه مجرد صدفة عمياء أو على انه ضرورة. عندما يدور ذلك في خلدي أجدني مقتنعاً بأن هناك مسبب أول صاحب عقل ذكي مشابه بنحو ما للإنسان، وأستحق أن يقال لي مؤمن”.

لا يوجد عالم بيولوجي اليوم يشك في قدرة نظرية التطور على شرح التعقيد الرائع لتنوع الحياة. في الحقيقة، علاقة جميع الأنواع ببعضها من خلال آلية التطور هو أساس عميق لفهم علم الأحياء بأكمله، بحيث أنه من الصعب أن نتصور كيف يمكن لأحد أن يدرس الحياة من دونه. ولكن هل يوجد وجهة نظر علمية أثارت الكثير من التصادم مع وجهات النظر الدينية أكثر من نظرية داروين الثورية؟ منذ عرض السيرك “محاولة القرد” ” Monkey trial” في عام 1925 مروراً بالمناظرات التي تعقد في الولايات المتحدة حول تدريس نظرية التطور في المدارس، يبدو أن هذه المعركة حول نظرية داروين لن تنتهي.

الحمض النووي – المادة الوراثية

كانت نظرية داروين أكثر تميزاً في ذلك الوقت، لأنها كانت تفتقر إلى الأساس الفيزيائي. تطلب الأمر جهد لقرن من الزمان لاكتشاف كيف يمكن أن يكون هناك تعليمات للحياة تجعل نظرية داروين تتوافق مع فكرة التغير. كان الراهب الغامض نسبيا جريجور مندل Gregor Mendel، والذي كان يعيش فيما تسمي حالياً بالجمهورية التشيكية، معاصراً لداروين، وكان قد قرأ كتاب “أصل الأنواع”، لكنهما ربما لم يتقابلا. كان مندل أول من أوضح أن الوراثة يمكن أن تنتقل على شكل حزم منفصلة من المعلومات. عبر تجارب مضنية على نباتات البازلاء في حديقة منزله في دير الكنيسة، وقد خلص مندل إلى أن عوامل وراثية تتشارك في سمات على نحو سلس أو متعسف في البازلاء، مما يعني أن ذلك يحكمه قواعد حسابية. لم يكن مندل يعرف ما هي الجينات، ولكنه أوضح أن شيئا ما من قبيل الجينات يجب أن يكون موجوداً.

لقد تم تجاهل أبحاث مندل لمدة 35 سنة. وبعد ذلك، وفي مصادفة عجيبة تحدث أحياناً في تاريخ العلم، تم إعادة اكتشاف نتائج أبحاث مندل بواسطة ثلاثة علماء خلال أشهر في نهاية القرن العشرين. في دراساته الشهيرة على “الأخطاء الوراثية في الأيض، للأمراض النادرة التي حدثت في بعض الأسر أثناء ممارسته للطب، كان أرشيبالد غارود Archibald Garrod واثقاً بشكل قاطع أن قواعد مندل تنطبق على البشر، وأن هذه الاختلالات جاءت كنتيجة لنفس النوع من الوراثة الذي كان مندل لاحظه في النباتات.

أضاف مندل وغارود خصوصية رياضية لفكرة التوريث في البشر، مع أن الخصائص الموروثة مثل الجلد ولون العين مألوفة بالفعل بالنسبة لأي شخص يدقق في الجنس البشري. ظلت الآلية التي تتحكم بهذه الأنماط غامضة، ومع ذلك، لم يقلل أحد من نجاح الأساس الكيميائي للوراثة. افترض معظم الباحثين في النصف الأول من القرن العشرين أن الصفات الموروثة يجب أن تنتقل عبر البروتينات، باعتبار أنها تبدو أكثر الجزيئات الحية تنوعاً.

حتى عام 1944 لم تكن التجارب المكروبيولوجية التي أجراها أوزوالد أفيري، کولن ماكلويد، ومكارتی قد أظهرت أن الحمض النووي، وليس البروتين هو القادر على نقل الخصائص الموروثة. وعلى الرغم من أن وجود الحمض النووي كان معروفاً لما يقرب من مائة سنة، إلا أنه لم يكن يعتبر سوى مجموعة حزم لا أهمية لها. وبعد أقل من عشر سنوات ظهر جواب جميل وأنيق للسؤال حول الطبيعة الكيمائية لعملية التوريث. لقد تم كسب الرهان في السباق المحتدم لتحديد طبيعة تركيب الحمض النووي في عام 1953 من قبل جيمس واطسون James Watson وفرانسیس کريك Francis Crick بالشكل الذي تم تدوينه في كتاب واتسون “مسلية الحلزون المزدوج”. قام واتسون، کريك، وموريس ویلکنز، بتوظيف البيانات التي تنتجها روزالیند فرانکلین Rosalind Franklin، لاستنتاج أن جزيء الحمض النووي له شكل مزدوج الحلزون، على شكل سلم ملتوي، وأن المعلومات الناقلة للقدرة يتم تحديدها من قبل سلسلة من المركبات الكيميائية التي تتكون من درجات السلم. ككيميائي يعرف صفات الحمض النووي الاستثنائية، وحلوله الرائعة لمشكلة ترميز تصميم الحياة، أشعر بالرهبة من هذا الجزيء. دعوني أحاول أشرح لكم مدى أناقة الحمض النووي.

جزيئات الحمض النووي كما هو موضح في الشكل 4.1 لها عدة خصائص مميزة. العمود الفقري الخارجي مكون من جزيئات على شكل أشرطة متراتبة مكونة من سكر الفوسفات، ولكن ما يثير الدهشة ما هو موجود في الداخل. تتكون درجات السلم من مزيج من أربعة مكونات كيميائية، تدعى “قواعد”. دعونا نسميها (بأسمائها الكيميائية الفعلية في الحمض النووي قواعد G, C, A, T، وكل من هذه القواعد الكيميائية لديه شكله الخاص به).

تخيل الآن أن من بين هذه الأشكال، الشكل A يمكنه أن يتلاءم بشكل دقيق فقط مع درجة السلم المجاورة للشكل T، والشكل G يمكنه أن ينسجم إلى جوار الشكل C. هذه هي “ثنائيات القاعدة”. ولذلك يمكنك تصور الحمض النووي على شكل سلم حلزوني، بحيث أن كل درجة فيه تتشكل من زوجين من قاعدة واحدة. هناك أربعة درجات محتملة: A -T , T – A , C – G , G – C إذا تعرضت إحدى القواعد للتلف، فإنه يمكن إصلاح التلف بسهولة من خلال المكمل في التركيب الزوجي: البديل الوحيد للقاعدة T قاعدة أخرى من نوع T. ولعل الأكثر أناقة، أن الحلزون المزدوج يسارع على الفور إلى طريقة للقيام بالنسخ الذاتي، لأن كل قسم يمكن استخدامه كقالب لإنتاج قسم جديد. إذا قسمت جميع الأزواج إلى النصف، وقطعت السلم نزولا إلى أسفل وسط كل درجة، فإن كل نصف من السلم سوف يحتوي على كافة المعلومات اللازمة لإعادة بناء نسخة كاملة من الأصل.

كتقريب للفكرة، يمكن للمرء أن يتصور الحمض النووي على أنه عبارة عن مخطط أوامر، أو إحدى البرمجيات، القابعة في نواة الخلية. لغة الحمض النووي الترميزية تتكون من أربعة حروف فقط. الأمر يتكون الأمر المحدد المسمى جين من الآلاف الأحرف. جميع الوظائف المتطورة للخلية، حتى في مثل عضو الكائن حي مثلنا، يجب أن تلتزم بترتيب الحروف الموجودة في هذا النص.

في البداية، لم يكن لدى العلماء أية فكرة عن كيفية عمل “البرنامج”. ولكن تم حل هذا اللغز بدقة عن طريق تحديد الحمض النووي الريبي الذي يعمل كناقل. يتم نسخ معلومات الحمض النووي التي تشكل نسخة من الجين عبر جزيئات الحمض الريبي، على شكل نصف سلم تتدلى درجاته من جانب واحد. يتحرك نصف السلم من نواة الخلية (مخزن المعلومات إلى السيتوبلازم مزيج هلامي معقد من البروتينات، والدهون، والكربوهيدرات)، حيث يدخل إلى مصنع أنيق للبروتين يسمى الريبوسوم. يقوم فريق من المترجمين المحترفين في المصنع بقراءة قواعد نصف سلم الحمض الريبي الناقل ليتم تحويل المعلومات الواردة في هذا الجزيء إلى بروتين معين، يتكون من الأحماض الأمينية. كل ثلاث درجات من الحمض الريبي تشكل حمض أمينية واحدة. البروتينات هي من تقوم بالعمل في الخلية وتجعلها تحافظ على تكامل تركيبها. (شكل 4, 2)

هذا وصف موجز يتناول قشور من أناقة الحمض النووي، والحمض الريبي، والبروتين، وهو ما يشكل باستمرار مصدر للرهبة والإعجاب. هناك أربعة وستين من المجموعات الثلاثية الحروف  G, T, C, A ولكن هناك عشرين حمضاً أمينياً فقط . وهذا يعني أن هناك وفرة داخلية. كشفت التجارب على العديد من الكائنات الحية، من البكتيريا إلى البشر أن “الشفرة الوراثية”، والتي يتم فيها تحويل المعلومات الموجودة في الحمض النووي والحمض النووي الريبي إلى بروتين، موجودة في جميع الكائنات الحية المعروفة. لا وجود لبرج بابل tower of Babel في لغة الحياة. GAG يعني حمض الجلوتاميك في لغة بكتيريا التربة.

مكنت هذه التطورات العلمية مثلت ولادة جديدة لعلم البيولوجيا الجزيئية. اكتشاف الكائنات الكيميائية العجيبة، بما في ذلك البروتينات التي تعمل مثل مقص أو صمغ العلماء مع معالجة الحمض النووي والحمض الريبي من خلال دمج التعليمات الموجودة في كل منهما من مصادر مختلفة. أدت مجموعة طرق التعامل مع الجزيئات الحيوية إلى ولادة حقل جديد هو التكنولوجيا الحيوية، وبمساعدة تطورات في مجالات أخرى بشر ذلك بثورة في مجال معالجة العديد من الأمراض.

الحقيقة البيولوجية وتبعاتها

سوف يجد المؤمن الذي اعتبر أن حجة التصميم حجة مقنعة على دور الإله في خلق الحياة، أن الاستنتاجات التي توصلنا لها في هذا الفصل غير كافية. لا شك أن العديد من القراء الذي يفكرون بشكل مستقل أو الذين نشأوا في بيئة دينية مقتنعون بان جمال الوردة الرائع وطيران النسر لا يمكن أن يوجد إلا من قبل قوة خارقة ذكية تقدر التعقيد والتنوع والجمال. حتى الآن تم عرض آلية عمل الجزيئات وأساليب الوراثة والانتخاب الطبيعي، ولشرح كل ذلك، ربما سيكون لك ميل للصراخ “كفى، إن تفسيراتكم العلمية تخرج السحر الإلهي من عالمنا”.

لا تقلق، فهناك الكثير من السحر الإلهي مازال موجودة. كثير من الذين بحثوا في البراهين العلمية والدينية لازالوا يؤمنون بان الإله خلاق ويقوم بالكثير من العمل. بالنسبة لي، ليس هناك أي شعور بخيبة الأمل في هذه الاكتشافات المتعلقة بطبيعة الحياة، بل على العكس تماماً! ما أروع هذه الحياة المعقدة المدهشة! ما أجمل أناقة الحمض النووي! ما أجمل مكونات الكائن الحي الساحرة بداية من الريبوسوم الذي يحول الحمض الريبي إلى البروتين إلى تحول اليرقة إلى فراشة إلى ريش الطاووس الرائع الذي يجذب إليه رفيقه. التطور مثل الآلية يمكن أن تكون بل لابد أن تكون حقيقة، ولكن ذلك لا يبين طبيعة صانعها. لأولئك الذين يؤمنون بالله، هناك أسباب عديدة لتكونوا أكثر إعجاباً.

إلى الفصل السابق: أصل الكون

إلى الفصل التالي: 

Exit mobile version