صب التطور الذي حصل في العلم الحديث لصالح الأسباب التقليدية للإيمان بالإله. عندما لا يكون لدينا فكرة عن الكيفية التي وجد بها الكون فإن من السهل نسبة ذلك إلى فعل إلهي، أو مجموعة أفعال إلهية. وبالمثل، فإن وضع كبلر وبرینكوس وغاليليو الأرض في وسط السماء المرصعة بالنجوم بدا وكأنه يمثل حجة قوية لوجود الإله. إذا كان الإله وضع الأرض في الوسط، فلابد أنه بنى كل ذلك من أجلنا. عندما أجبرت العلوم الشمسية على إعادة النظر في هذا المفهوم، اهتزت قناعات العديد من المؤمنين.
لكن الركن الثالث من أركان الإيمان لازال يحظى بقيمة كبيرة: تعقيد الحياة الدنيوية، مما يعني لأي مراقب أن لهذا عمل مصمم ذكي. وكما سنرى لاحقاً، فإن العلم قلب ذلك رأساً على عقب. وهنا كما في الحجتين السابقتين، أريد أن أشدد على أن المؤمن بالإله لا ينكر العلم، وإنما يتبناه. إن الأناقة التي تقف خلف تعقيد الحياة مدعاة للإعجاب والاعتقاد بالله، ولكن ليس بالطريقة المبسطة والمباشرة التي كان يعتقد بها الكثيرون قبل نظرية دارون.
تعود “حجة التصميم على الأقل إلى أيام شيشرون، ولقد تم تقديمها بشكل مؤثر بواسطة ويليم بالي William Paley في كتابه المهم اللاهوت الطبيعي Natural Theology أو براهين الوجودEvidences of the Existence and Attributes of the Deity Collected from the Appearance of Nature. طرح بالی وهو فيلسوف أخلاقي قياساً شهيراً على النحو التالي: “افترض أنه وأثناء مروري بأرض قاحلة أصدمت قدمي بحجر، وسألني أحدهم كيف جاء هذا الحجر إلى هنا، من الممكن أن أجيب بالقول إنه كان هنا منذ قديم الزمان. ولن يكون من السهل جداً إظهار سخافة هذه الإجابة. ولكن افترض إنني وجدت ساعة يد على الأرض وسُئلت كيف وصلت هذه الساعة إلى هنا، هنا من الصعب عليّ أن أفكر بالإجابة على هذا السؤال بنفس إجابة السؤال السابق، لأن القول بأن ساعة اليد كانت هنا منذ القدم يستلزم القول بأن لهذه الساعة صانع: وعليه تكون الساعة وجدت في زمان ما وفي مكان ما، وهناك صانع أو صناع قاموا بصناعتها لهدف معين، وهذا الصانع هو من يعلم تركيبها وقام بوضع كل الدلائل التي تشير إلى صنعها. كل مظاهر التصميم الموجودة في ساعة اليد موجودة في عالم الطبيعة، مع أفضلية لعالم الطبيعة لكونه أكبر، ولأن حسابات تصميمه تفوق كل الحسابات. برهان التصميم كان مقنعة للبشرية طوال التاريخ. داروين نفسه، قبل رحلته على سفينتي بيغل كان معجبا بكتابات بالي، وصرح بأنه مقتنع بهذا الرأي. ومع ذلك فإن هناك عيب في حجة بالي، ويمكن توضيح ذلك باختصار على النحو التالي:
1- ساعة اليد معقدة
2- لساعة اليد صانع ذكي
3- الحياة معقدة
4- لذلك، الحياة أيضا لها صانع
ولكن في الحقيقة كون شيئين يتشاركان في خاصية واحدة لا يستلزم أنهما يتشاركان في جميع الخصائص. لنأخذ المثال المشابه التالي:
1- التيار الكهربائي الموجود في بيتي يتكون من تدفق للإلكترونات
2- التيار الكهربائي يأتي من شركة الكهرباء
3- البرق يتكون من تدفق للإلكترونات
4- لذلك، البرق يأتي من شركة الكهرباء
على الرغم من أن الحجة تبدو جذابة، ولكنها لا تقول القصة بكاملها. لكي تختبر تعقيد الحياة وأصولنا في هذا الكوكب عليك أن تنقب عميقاً في الاكتشافات الرائعة حول طبيعة الكائنات الحية، وهي الاكتشافات التي نتجت عن الثورة الحديثة في علم المتحجرات وعلم الأحياء الجزيئي، وعلم الجينوم. على الشخص المؤمن أن لا يخشى من أن تسقط هذه الاكتشافات العرش الإلهي. إذا كان الله سبحانه وتعالى حقيقة، فسيكون من الصعب أن يتعرض للخطر من قبل مساعينا السقيمة في فهم طريقة عمل عالمه الطبيعي. ونحن كساعين للحقيقة ربما نعثر في العلم على أجوبة مقنعة على سؤال “كيف تعمل الحياة؟” ما لا نستطيع أن نكتشفه بواسطة العلم فقط هي الإجابة على الأسئلة “لماذا توجد حياة. لماذا نحن موجودون؟
أصل الحياة على كوكب الأرض
يبدأ العلم في الإجابة على السؤال عن تعقيد الحياة بجدول زمني. نحن نعلم في الوقت الحاضر أن عمر الأرض يبلغ 14 مليون سنة. قبل قرن من الزمن لم نكن نعلم عمر كوكبنا. ولكن الاكتشاف اللاحق للنشاط الإشعاعي والاضمحلال الطبيعي لبعض النظائر الكيميائية قدم لنا وسيلة أنيقة ودقيقة لتحديد عمر الصخور المختلفة على سطح الأرض. لقد تم شرح الأساس العلمي لهذه الطريقة بشكل مفصل في كتاب برنت داریمبل Brent Dalrymple عمر الأرض The Age of Earth، اعتماداً على معرفة نصف عمر ثلاثة عناصر كيميائية مشعة أنحلت بشكل مطرد، وتحولت إلى عناصر مختلفة ومستقرة: اليورانيوم تحول ببطء إلى الرصاص، والبوتاسيوم تحول ببطء إلى الأرجون، وتحول السترونتيوم الغريب إلى عنصر نادر يسمى الروبيديوم. عن طريق قياس كميات من أي من هذه الأزواج من العناصر، يمكننا تقدير عمر أي صخرة معينة. كل هذه الأساليب المستقلة تعطي نتائج متناغمة بشكل لافت للنظر، وجميعها يشير إلى أن عمر الأرض هو 4550000000 سنة، مع نسبة خطأ قريبة من الواحد بالمئة فقط. أقدم الصخور على سطح الأرض الحالي يعود تاريخها إلى ما يقرب من 4 مليارات سنة، ولكن ما يقرب من سبعين نيزك وعدد من الصخور القمرية يعود تاريخها إلى 4.5 مليارات سنة.
جميع الأدلة المتوفرة حالياً تشير إلى أن الأرض كانت مكاناً غير ملائم تماماً للعيش فيها في الخمسمائة مليون سنة الأولى. لقد تعرض الكوكب لهجوم مستمر ومدمر من كويكبات ونيازك عملاقة، وأحد هذه الهجمات جعلت القمر يخرج عن نطاق الأرض. ولذلك لا غرابة في أن الصخور التي تعود إلى 4 مليارات سنة لا يوجد فيها أي دلائل على الحياة.
فقط في وقت لاحق، أي ما يقارب من 150 مليون سنة، تم العثور على أنواع حياة ميكروبية. ومن المفترض أن هذه الكائنات ذات الخلية الواحدة كانت قادرة ربما باستخدام الحمض النووي على تخزين المعلومات، وكان قادرة على تكرار ذاتها، وقادرة على التطور إلى أنواع مختلفة متعددة. حديثاً، وضع کارل ووز Carl Woese فرضية محتملة لعمر محدد للأرض، وذلك عندما أصبح تبادل الحمض النووي بين الكائنات الحية سهلاً. بشكل أساسي، يتكون المحيط الحيوي للحمض النووي من عدد كبير من الخلايا الصغيرة المستقلة، ولكنها تتفاعل على نطاق واسع مع بعضها البعض.
إذا طور كائن معين بروتين أو سلسلة من البروتينات التي توفر ميزة معينة، فإنه يمكن لهذه الميزات الجديدة الانتقال بسرعة إلى جيرانها. بهذا المعنى، فإن التطور الذي حدث في وقت مبكر كان نشاطاً جماعياً أكثر منه نشاطاً فردياً. تم توثيق هذا النوع من “انتقال الجينات الأفقي” بشكل جيد في معظم الأشكال القديمة من البكتيريا الموجودة الآن على الأرض (العتائق)، وربما أتاح ذلك الفرصة لانتشار خصائص جديدة بسرعة.
ولكن كيف حدث التوالد الذاتي في المقام الأول؟ من المنصف القول إننا لا نعلم في الوقت الحالي كيف حدث ذلك. لا توجد فرضية حديثة اقتربت من تفسير كيف استطاع المكان الذي وجد قبل 150 مليون سنة من بيئة قبل حيوية أن يوجد حياة على سطح الأرض. هذا لا يعني عدم وجود فرضيات معقولة، ولكن الاحتمالات الإحصائية التي يمكن الاعتماد عليها لازالت تبدو بعيدة المنال.
قبل خمسين عاماً، شكلت التجارب الشهيرة التي قام بها ستانلي میلر Stanley Miller وهارولد أوري Harold Urey لخليط من المركبات العضوية والماء ما يمكن أن يكون الظروف البدائية للحياة على الأرض. استطاع هذان العالمان تكوين كميات قليلة من مركبات حيوية مثل الأحماض الأمينية من خلال تسليط شحنة كهربائية. مثل العثور على كميات صغيرة من مركبات مماثلة داخل النيازك القادمة من الفضاء الخارجي، حجة أيضا على أن مثل هذه الجزيئات العضوية المعقدة يمكن أن تنشأ من العمليات الطبيعية في الكون.
بعد هذه النقطة، تصبح التفاصيل ناقصة تماماً. كيف يمكن لجزيء حامل للمعلومات وذاتي الانقسام أن يتكون من هذه المركبات؟ الحمض النووي الذي يتكون عموده الفقري من السكر الفوسفاتي مرتب على شكل طبقات فوق بعضها بشكل منسق على صورة أزواج من الحلزون المزدوج، يبدو وكأن جزئياً قد خرج إلى الوجود كشكل أولي للحياة على نحو غير متوقع، وخاصة أن الحمض النووي لا يملك القدرة على نسخ نفسه، على عكس الحمض الريبي RNA، حيث يمكن للحمض الريبي أن يحمل المعلومات، وفي بعض الحالات يمكن أن يحفز تفاعلات كيميائية، في حين لا يستطيع الحمض النووي ذلك. الحمض النووي مثل الذاكرة الدائمة الموجودة في جهاز الكمبيوتر: إذ أنها يفترض أن تكون وسيلة ثابتة لحفظ المعلومات (وكما هو الحال مع الكمبيوتر يمكن أن يصاب الحمض النووي بالأخطاء البرمجية). على عكس ذلك، فإن الحمض الريبي أشبه بالذاكرة المؤقتة التي بمقدورها أن تقوم بنشاطات بمفردها. وعلى الرغم من الجهود المضنية التي بذلها عدد من الباحثين إلا أنه لم يمكن لحد الآن التوصل إلى مكونات الحمض الريبي في تجربة ميلر -أوري، كما لم يمكن تصميم حمض ريبي قادر على التوليد الذاتي.
دفعت الصعوبات الكبيرة في تحديد مسار مقنع لأصل الحياة بعض العلماء، وأبرزهم فرانسیس کريك Francis Crick (الذي أكتشف مع جيمس واتسون الحمض النووي المزدوج الحلزون)، إلى القول بأن أشكال الحياة وصلت إلى الأرض من الفضاء الخارجي، إما عبر جزيئات صغيرة عائمة عبر الفضاء بين النجوم وتقع تحت تأثير جاذبية الأرض أو أن ذلك تم بشكل مقصود أو غير مقصود من قبل بعض المسافرين القدماء الآتين من الفضاء. على الرغم من أن هذا التفسير قد يحل معضلة الحياة على الأرض، إلا أنه لا يقدم شيئا لحل السؤال الجوهري عن أصل الحياة، لأنه يدفع بالحدث المذهل إلى حقبة زمنية أقدم بكثير. وهي نقطة نظام نطرحها في وجه المعترضين على إمكانية الوجود العفوي للحياة على الأرض استناداً إلى القانون الثاني للميكانيكا الحرارية.
ينص القانون الثاني على أنه في نظام مغلق، حيث لا طاقة ولا مادة يمكنهما الدخول أو الخروج، فإن كمية من الاختلال سوف تميل إلى الزيادة مع مرور الوقت. بما أن أشكال الحياة في غاية الترتيب فإن البعض يعتبر أن من المستحيل أن تكون الحياة وجدت من دون خالق خارق القدرة. ولكن هذا ينم عن سوء فهم لمعنى القانون الثاني: الترتيب يمكن أن يزيد في بعض أجزاء النظام، ولكن هذا يحتاج إلى طاقة، وإلى أن لا تقل كمية الخلل في النظام ككل. في حالة أصل الكون، الكون ككل هو النظام المغلق، ويتم توفير الطاقة من الشمس، وبالتالي فإن الزيادة الداخلية المطلوبة ممثلة بالتجمع العشوائي للجزيئات لا يمكن أن يخالف القانون بأي حال من الأحوال.
عدم قدرة العلم حتى الآن على تفسير السؤال العميق عن أصل الحياة دفع بعض المؤمنين بالإله إلى القول بأن ظهور الحمض النووي والحمض الريبي هو تأكيد على القدرة الإلهية. إذا كان هدف الإله من خلق الكون هو خلق البشر، وإذا كان التعقيد المطلوب لبدء عملية الحياة يتجاوز قدرة المواد الكيميائية في الكون في صناعة الذات، ألا يمكن أن يكون الله قد تدخل لبدء هذه العملية؟
قد تبدو هذه الفرضية قوية، عطفاً على عدم قدرة العلماء على الادعاء بأن التفسير الطبيعي لتفسير أصل الحياة في متناول اليد. ولكن هذا التفسير قد يكون مقبولاً في الوقت الحالي، ولكنه قد لا يكون كذلك في الغد. ولذلك لابد أن نكون حذرين في التعامل مع الفعل الإلهي بشكل محدد في هذا المجال أو في مجالات أخرى لازال العلم قاصراً عن الوصول إليها. من كسوف الشمس في الأزمنة القديمة إلى حركة الكواكب في العصور الوسطى، وإلى أصل الحياة اليوم، كثيراً ما يسيء “إله الفجوات” God of Gaps للدين (وبالتالي يسيء للإله). الدين الذي يضع الله في ثغرات الفهم الحالي عن العالم الطبيعي قد يتسبب في أزمة في حال استطاع العلم ملاء تلك الثغرات في وقت لاحق.
في مواجهة عدم القدرة على فهم العالم الطبيعي ينبغي أن يكون المؤمنون بالإله حذرين في الاستناد إلى فرضية التدخل الإلهي في مجالات التي يلفها الغموض حالية، حتى لا تسبب ذلك في ضرر مستقبلي. هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بالله، بما في ذلك وجود المبادئ الرياضية والنظام في الخلق. هذه الأسباب إيجابية وتستند إلى أسس معرفية، وليس على أساس فرضيات تفتقر للدلائل. باختصار، على الرغم من أن السؤال عن أصل الحياة سؤال رائع، وعلى الرغم من عدم قدرة العلم الحديث على تطوير آلية إحصائية محتملة، إلا أن هذا ليس مكان ليمارس الإنسان المؤمن بالإله لإيمانه.
السجل الأحفوري
في حين أن العلماء الهواة والمحترفين توصلوا لاكتشاف الحفريات منذ عدة قرون، إلا أن هذه الاكتشافات بلغت مرحلة متقدمة في السنوات العشرين الماضية. الكثير من الفجوات التي كانت موجودة في فهم تاريخ الحياة على الأرض تم ملؤها بواسطة اكتشاف الأنواع المنقرضة من الكائنات الحية. وأكثر من ذلك، أصبح من المتاح التعرف على عمر هذه الأحافير بناءً على نفس عملية الاضمحلال الإشعاعي التي ساعدت في تحديد عمر الأرض. الغالبية العظمى من الكائنات الحية التي عاشت لم تترك أي أثر يدل على وجودها، لأن الأحافير تنشأ في ظروف غير عادية للغاية (على سبيل المثال، الكائن الذي يقع في نوع معين من الطين أو الصخور، ولا يتم التقاطه من قبل الحيوانات المفترسة تتعفن عظامه ومعظم هذه المخلوقات تتحلل). وعلى ضوء هذا الواقع، يبدو من المدهش أن يكون لدينا مثل هذه الثروة من المعلومات حول الكائنات الحية التي عاشت على الأرض.
الجدول الزمني التي كشفت عنه السجل الأحفوري غير مكتمل تماماً، ولكن يظل مفيد جداً. على سبيل المثال، فقط الكائنات الحية وحيدة الخلية تظهر في الرواسب التي تكونت قبل حوالي 550 مليون سنة، على الرغم من أنه من الممكن أن تكون هناك كائنات حية أكثر تعقيدا كانت موجودة قبل هذا الوقت. قبل ما يقرب من 550 مليون سنة مضت، ظهر فجأة عدد كبير من الأجسام اللافقارية المتنوعة على مخطط السجل الأحفوري.
غالبا ما يشار إلى هذا الحادثة على أنها “الانفجار الكمبري”، وتم تدوين ذلك بشكل مفهوم للغاية بواسطة الراحل ستيفن جاي غولد Stephen Jay Gould وهو أكثر كتاب عصره شاعرية، وذلك في كتابه “حياة رائعة” Wonderful Life. وفي الكتاب تساءل غولد كيف يمكن للتطور أن يكون مسؤولا عن التنوع في مخططات الجسم Body plans التي ظهرت في مثل هذه الفترة القصيرة من الزمن.
كان هناك خبراء آخرون أقل حماسية بكثير للادعاء بأن الانفجار الكمبري يمثل انقطاعاً في عملية تعقيد الحياة، على الرغم من أن كتاباتهم لم تكن معروفة على نطاق واسع للجمهور العام. ما يسمى بالانفجار الكمبري على سبيل المثال يعكس تغيراً في الشروط التي سمحت لكثير من الأنواع بالتحجر والتي كانت موجودة لملايين السنين. في حين بذلت محاولات من قبل بعض الموحدين لتأكيد أن الانفجار الكمبري هو دليل على تدخل قوة خارقة للطبيعة، ولكن الدراسة المتأنية للوقائع لا تبدو أنها تدعم ذلك. هذه صيغة جديدة من حجة “إله الفجوات”. مرة أخرى، من غير الحكمة أن يعلق المؤمنون بالله إيمانهم على مثل هذه الفرضية. تشير الأدلة الحالية إلى أن الأرض ظلت جرداء حتى قبل حوالي 400 مليون سنة، حين ظهرت النباتات على اليابسة مستمدة وجودها من أشكال الحياة المائية. بعد ما يقرب من 30 مليون سنة على نحو التقريب، انتقلت الحيوانات إلى اليابسة، وهذه الخطوة تشير إلى فجوة أخرى: يبدو أن هناك عدد قليل من الأشكال الانتقالية بين المخلوقات البحرية والبرية رباعية الأرجل في السجل الأحفوري. الاكتشافات الحديثة وثقت بشكل مقنع أمثلة على هذا النوع من التحول.
بداية من نحو 230 مليون سنة، هيمنت الديناصورات على الأرض. ويوجد قبول عام لدى الباحثين الآن بأن انقراضها كان نهاية مفاجئة وكارثية قبل ما يقرب من 65 مليون سنة مضت، في وقت اصطدام كوكب الأرض مع كويكب كبير وقع في محيط ما يعرف الآن بشبه جزيرة يوكاتان. تم التعرف على الغبار الدقيق الذي نتج عن هذا التصادم الرهيب في أجزاء مختلفة من العالم. التغيرات المناخية الكارثية التي نتجت على ما يبدو من كمية الغبار الهائلة في الغلاف الجوي كانت أكثر من اللازم لأنواع الديناصورات المهيمنة، مما أدى إلى انقراضها، وارتفاع فرص وجود الثدييات.
إن اصطدام الكويكب القديم هو حدث محير. إنه السبب الوحيد الذي قد يكون أدى إلى انقراض الديناصورات وظهور الثدييات. ربما لم نكن موجودين الآن لو لم يضرب هذا الكويكب المكسيك. معظمنا لديه اهتمام خاص بالسجل الأحفوري للبشر، وهنا أيضا ظهرت اكتشافات في العقود القليلة الماضية كشفت الكثير من الحقائق. تم اكتشاف عظام أكثر من اثني عشرة نوع من أنواع أسلاف الإنسان المختلفة في أفريقيا، مع ملاحظة وجود زيادة مطردة في حجم الجمجمة. تم اكتشاف أول العينات في تاريخ الإنسان قبل ما يقرب من 195000سنة تقريباً.
يبدو أن الفروع الأخرى التي تطورت من أسلاف الإنسان واجهت طريقاً مسدوداً: البشر البدائيون الذين كانوا موجودون في أوروبا حتى قبل 30000 سنة، وحديثا تم اكتشاف “الهوبيت” وهو عبارة عن مخ صغير لأناس عاشوا في جزيرة فلوريس في إندونيسيا حتى انقرضوا منذ ما يقرب من 13000سنة.
رغم أن هناك العديد من العيوب في السجل الأحفوري، ورغم وجود العديد من الألغاز المطلوب حلها، إلا أن جميع النتائج تقريبا تنسجم مع مفهوم شجرة الحياة المتعلقة بالكائنات الحية. يوجد دليل جيد على أشكال انتقالية من الزواحف للطيور، ومن الزواحف إلى الثدييات. الحجج التي تسند إلى نموذج لا يستطيع تفسير وجود بعض الأنواع، مثل الحيتان، يتعرض للسقوط كلما كشفت التحقيقات عن وجود أنواع انتقالية، في كثير من الأحيان في الزمان والمكان الذي تتنبأ به نظرية التطور.
فكرة داروين التطورية
ولد داروين في عام 1809، وقد درس في البداية ليصبح كاهناً في كنيسة إنجلترا، ولكن تولد لديه اهتمام عميق بالطبيعيات. على الرغم من أن داروين الشاب اقتنع في البداية بحجة “ساعة يد” بالي، ورأى أن التصميم الموجود في الطبيعة دليل على وجود مصدر إلهي، فإن وجهات نظره بدأت تتغير عندما سافر على سفينتي بيغل 1831-1836. زار داروين أمريكا الجنوبية وجزر غالاباغوس، حيث درس بقايا متحجرة من الكائنات القديمة، ولاحظ تنوع أشكال الحياة في بيئات معزولة.
بناء على هذه الملاحظات، وعلى أساس عمل إضافي قام به على مدى أكثر من عشرين عاما، طور داروين نظرية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي. في عام 1859، واجه داروين إمكانية أن يسبقه ألفرد راسل والاس إلى النظرية، ولكنه في النهاية كتب ونشر أفكاره في الكتاب عميق التأثير “أصل الأنواع” The Origin of Species.
ومع معرفته بأن الحجج في كتابه هذا من المحتمل أن يكون لها أصداء واسعة، كتب داروين تعليقا في نهاية الكتاب يقول فيه “وجهات النظر التي قدمتها في هذا الكتاب، وكذلك وجهات نظر السيد والاس، بخصوص أصل الأنواع، تمكننا من أن نتنبأ بأن قدراً قليلاً من التقدم لن يؤدي إلى ثورة كبيرة في التاريخ الطبيعي”.
اعتبر داروين أن جميع أنواع الكائنات الحية تنحدر من مجموعة صغيرة من أسلاف أكثر شيوعا، وربما تنحدر من مجموعة واحدة منها فقط. لقد اعتبر داروين أن التنوع داخل النوع الواحد يحدث بشكل عشوائي، وأن البقاء على قيد الحياة أو انقراض كل الكائنات الحية يعتمد على قدرتها على التكيف مع البيئة. لقد عبر داروين عن ذلك بالانتقاء الطبيعي. إدراكاً منه بالطابع الانفجاري لهذه الحجة، ألمح داروين إلى أن هذه العملية نفسها قد تنطبق على البشر، وطور ذلك بقدر أكبر من التفصيل في كتاب لاحق عنوانه “أسلاف الإنسان” The descent of Man.
أثار كتاب “أصل الأنواع” نقاشاً مباشراً ومحتدماً، ولكن ردة الفعل من قبل السلطات الدينية لم يكن بشكل عام سلبية كما يصور في الوقت الحالي. في الواقع، قبل رجل الدين اللاهوتي البروتستانتي المحافظ بنیامین ارفیلد برينستون Warfield of Princeton التطور على أنه “نظرية في الطريق إلى العناية الإلهية، ” بينما تمسك بحجة أن التطور في حد ذاته يجب أن يكون له خالق خارق القدرة. يوجد العديد من الأساطير حول رد فعل الجمهور على داروين. على سبيل المثال، كانت هناك محاورة شهيرة بين توماس هكسليH. Huxley Thomas (المروج المتحمس للتطور) والمطران صموئيل ويلبر فورس Wilberforce Bishop Samuel، وربما لم يقل هكسلي أنه لا يشعر بالعار من أنه من أحفاد قرد، ولكنه سوف يشعر بالعار إذا كان قريباً لأي شخص لا يقول الحقيقة. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من كونه منبوذاً من قبل المجتمع الديني، إلا أن دفن داروين في دير وستمنستر.
كان داروين نفسه يشعر بقلق بالغ إزاء تأثير نظريته على المعتقد الديني، وطوال كتاب “أصل الأنواع” عانى كثيراً ليشير إلى تفسير متناغم ممكن “أنا لا أرى أي سبب وجيه لأن تتسبب الآراء الواردة في هذا الكتاب في صدمة للمشاعر الدينية لأي شخص …. المؤلف الربوبي المشهور كتب لي أنه “لقد تعلمت تدريجياً أن أرى أن ذلك مجرد شعور نبيل للإله خلق أشكال أصلية أصبحت قادرة على تطوير ذاتها إلى أشكال أخرى محتاجة لها، إلى حد الاعتقاد أنه مطلوب عمل جديد من الخلق يؤدي إلى سد الفراغات الناجمة عن قوانينه”.
بل إن داروين ختم كتابه أصل الأنواع بالجملة التالية: “هناك عظمة في هذه النظرة مع وجود قوى عدة، جاءت إلى الحياة بواسطة الخالق على صورة أشكال أو شكل واحد، وأنه بينما هذا يدور الكوكب وفق قانون الجاذبية الثابت، فإنه ومن تلك البداية البسيطة، تكونت وتطورت أشكال لا حصر لها أكثر جمالا وروعة”. ظلت الآراء الشخصية لداروين غامضة، ويبدو أنها كانت متقلبة حتى السنوات الأخيرة من حياته. وفي إحدى المرات كتب يقول “لا أدري هو الوصف الأقرب لوضعي الإيماني”. وفي مرة أخرى كتب يقول إنه شعر بتحدي كبير من الصعوبة البالغة أو ربما استحالة تقبل فكرة أن هذا الكون العظيم الهائل بما في ذلك الإنسان القادر على النظر إلى الماضي وإلى الحاضر على أنه مجرد صدفة عمياء أو على انه ضرورة. عندما يدور ذلك في خلدي أجدني مقتنعاً بأن هناك مسبب أول صاحب عقل ذكي مشابه بنحو ما للإنسان، وأستحق أن يقال لي مؤمن”.
لا يوجد عالم بيولوجي اليوم يشك في قدرة نظرية التطور على شرح التعقيد الرائع لتنوع الحياة. في الحقيقة، علاقة جميع الأنواع ببعضها من خلال آلية التطور هو أساس عميق لفهم علم الأحياء بأكمله، بحيث أنه من الصعب أن نتصور كيف يمكن لأحد أن يدرس الحياة من دونه. ولكن هل يوجد وجهة نظر علمية أثارت الكثير من التصادم مع وجهات النظر الدينية أكثر من نظرية داروين الثورية؟ منذ عرض السيرك “محاولة القرد” ” Monkey trial” في عام 1925 مروراً بالمناظرات التي تعقد في الولايات المتحدة حول تدريس نظرية التطور في المدارس، يبدو أن هذه المعركة حول نظرية داروين لن تنتهي.
الحمض النووي – المادة الوراثية
كانت نظرية داروين أكثر تميزاً في ذلك الوقت، لأنها كانت تفتقر إلى الأساس الفيزيائي. تطلب الأمر جهد لقرن من الزمان لاكتشاف كيف يمكن أن يكون هناك تعليمات للحياة تجعل نظرية داروين تتوافق مع فكرة التغير. كان الراهب الغامض نسبيا جريجور مندل Gregor Mendel، والذي كان يعيش فيما تسمي حالياً بالجمهورية التشيكية، معاصراً لداروين، وكان قد قرأ كتاب “أصل الأنواع”، لكنهما ربما لم يتقابلا. كان مندل أول من أوضح أن الوراثة يمكن أن تنتقل على شكل حزم منفصلة من المعلومات. عبر تجارب مضنية على نباتات البازلاء في حديقة منزله في دير الكنيسة، وقد خلص مندل إلى أن عوامل وراثية تتشارك في سمات على نحو سلس أو متعسف في البازلاء، مما يعني أن ذلك يحكمه قواعد حسابية. لم يكن مندل يعرف ما هي الجينات، ولكنه أوضح أن شيئا ما من قبيل الجينات يجب أن يكون موجوداً.
لقد تم تجاهل أبحاث مندل لمدة 35 سنة. وبعد ذلك، وفي مصادفة عجيبة تحدث أحياناً في تاريخ العلم، تم إعادة اكتشاف نتائج أبحاث مندل بواسطة ثلاثة علماء خلال أشهر في نهاية القرن العشرين. في دراساته الشهيرة على “الأخطاء الوراثية في الأيض، للأمراض النادرة التي حدثت في بعض الأسر أثناء ممارسته للطب، كان أرشيبالد غارود Archibald Garrod واثقاً بشكل قاطع أن قواعد مندل تنطبق على البشر، وأن هذه الاختلالات جاءت كنتيجة لنفس النوع من الوراثة الذي كان مندل لاحظه في النباتات.
أضاف مندل وغارود خصوصية رياضية لفكرة التوريث في البشر، مع أن الخصائص الموروثة مثل الجلد ولون العين مألوفة بالفعل بالنسبة لأي شخص يدقق في الجنس البشري. ظلت الآلية التي تتحكم بهذه الأنماط غامضة، ومع ذلك، لم يقلل أحد من نجاح الأساس الكيميائي للوراثة. افترض معظم الباحثين في النصف الأول من القرن العشرين أن الصفات الموروثة يجب أن تنتقل عبر البروتينات، باعتبار أنها تبدو أكثر الجزيئات الحية تنوعاً.
حتى عام 1944 لم تكن التجارب المكروبيولوجية التي أجراها أوزوالد أفيري، کولن ماكلويد، ومكارتی قد أظهرت أن الحمض النووي، وليس البروتين هو القادر على نقل الخصائص الموروثة. وعلى الرغم من أن وجود الحمض النووي كان معروفاً لما يقرب من مائة سنة، إلا أنه لم يكن يعتبر سوى مجموعة حزم لا أهمية لها. وبعد أقل من عشر سنوات ظهر جواب جميل وأنيق للسؤال حول الطبيعة الكيمائية لعملية التوريث. لقد تم كسب الرهان في السباق المحتدم لتحديد طبيعة تركيب الحمض النووي في عام 1953 من قبل جيمس واطسون James Watson وفرانسیس کريك Francis Crick بالشكل الذي تم تدوينه في كتاب واتسون “مسلية الحلزون المزدوج”. قام واتسون، کريك، وموريس ویلکنز، بتوظيف البيانات التي تنتجها روزالیند فرانکلین Rosalind Franklin، لاستنتاج أن جزيء الحمض النووي له شكل مزدوج الحلزون، على شكل سلم ملتوي، وأن المعلومات الناقلة للقدرة يتم تحديدها من قبل سلسلة من المركبات الكيميائية التي تتكون من درجات السلم. ككيميائي يعرف صفات الحمض النووي الاستثنائية، وحلوله الرائعة لمشكلة ترميز تصميم الحياة، أشعر بالرهبة من هذا الجزيء. دعوني أحاول أشرح لكم مدى أناقة الحمض النووي.
جزيئات الحمض النووي كما هو موضح في الشكل 4.1 لها عدة خصائص مميزة. العمود الفقري الخارجي مكون من جزيئات على شكل أشرطة متراتبة مكونة من سكر الفوسفات، ولكن ما يثير الدهشة ما هو موجود في الداخل. تتكون درجات السلم من مزيج من أربعة مكونات كيميائية، تدعى “قواعد”. دعونا نسميها (بأسمائها الكيميائية الفعلية في الحمض النووي قواعد G, C, A, T، وكل من هذه القواعد الكيميائية لديه شكله الخاص به).
تخيل الآن أن من بين هذه الأشكال، الشكل A يمكنه أن يتلاءم بشكل دقيق فقط مع درجة السلم المجاورة للشكل T، والشكل G يمكنه أن ينسجم إلى جوار الشكل C. هذه هي “ثنائيات القاعدة”. ولذلك يمكنك تصور الحمض النووي على شكل سلم حلزوني، بحيث أن كل درجة فيه تتشكل من زوجين من قاعدة واحدة. هناك أربعة درجات محتملة: A -T , T – A , C – G , G – C إذا تعرضت إحدى القواعد للتلف، فإنه يمكن إصلاح التلف بسهولة من خلال المكمل في التركيب الزوجي: البديل الوحيد للقاعدة T قاعدة أخرى من نوع T. ولعل الأكثر أناقة، أن الحلزون المزدوج يسارع على الفور إلى طريقة للقيام بالنسخ الذاتي، لأن كل قسم يمكن استخدامه كقالب لإنتاج قسم جديد. إذا قسمت جميع الأزواج إلى النصف، وقطعت السلم نزولا إلى أسفل وسط كل درجة، فإن كل نصف من السلم سوف يحتوي على كافة المعلومات اللازمة لإعادة بناء نسخة كاملة من الأصل.
كتقريب للفكرة، يمكن للمرء أن يتصور الحمض النووي على أنه عبارة عن مخطط أوامر، أو إحدى البرمجيات، القابعة في نواة الخلية. لغة الحمض النووي الترميزية تتكون من أربعة حروف فقط. الأمر يتكون الأمر المحدد المسمى جين من الآلاف الأحرف. جميع الوظائف المتطورة للخلية، حتى في مثل عضو الكائن حي مثلنا، يجب أن تلتزم بترتيب الحروف الموجودة في هذا النص.
في البداية، لم يكن لدى العلماء أية فكرة عن كيفية عمل “البرنامج”. ولكن تم حل هذا اللغز بدقة عن طريق تحديد الحمض النووي الريبي الذي يعمل كناقل. يتم نسخ معلومات الحمض النووي التي تشكل نسخة من الجين عبر جزيئات الحمض الريبي، على شكل نصف سلم تتدلى درجاته من جانب واحد. يتحرك نصف السلم من نواة الخلية (مخزن المعلومات إلى السيتوبلازم مزيج هلامي معقد من البروتينات، والدهون، والكربوهيدرات)، حيث يدخل إلى مصنع أنيق للبروتين يسمى الريبوسوم. يقوم فريق من المترجمين المحترفين في المصنع بقراءة قواعد نصف سلم الحمض الريبي الناقل ليتم تحويل المعلومات الواردة في هذا الجزيء إلى بروتين معين، يتكون من الأحماض الأمينية. كل ثلاث درجات من الحمض الريبي تشكل حمض أمينية واحدة. البروتينات هي من تقوم بالعمل في الخلية وتجعلها تحافظ على تكامل تركيبها. (شكل 4, 2)
هذا وصف موجز يتناول قشور من أناقة الحمض النووي، والحمض الريبي، والبروتين، وهو ما يشكل باستمرار مصدر للرهبة والإعجاب. هناك أربعة وستين من المجموعات الثلاثية الحروف G, T, C, A ولكن هناك عشرين حمضاً أمينياً فقط . وهذا يعني أن هناك وفرة داخلية. كشفت التجارب على العديد من الكائنات الحية، من البكتيريا إلى البشر أن “الشفرة الوراثية”، والتي يتم فيها تحويل المعلومات الموجودة في الحمض النووي والحمض النووي الريبي إلى بروتين، موجودة في جميع الكائنات الحية المعروفة. لا وجود لبرج بابل tower of Babel في لغة الحياة. GAG يعني حمض الجلوتاميك في لغة بكتيريا التربة.
مكنت هذه التطورات العلمية مثلت ولادة جديدة لعلم البيولوجيا الجزيئية. اكتشاف الكائنات الكيميائية العجيبة، بما في ذلك البروتينات التي تعمل مثل مقص أو صمغ العلماء مع معالجة الحمض النووي والحمض الريبي من خلال دمج التعليمات الموجودة في كل منهما من مصادر مختلفة. أدت مجموعة طرق التعامل مع الجزيئات الحيوية إلى ولادة حقل جديد هو التكنولوجيا الحيوية، وبمساعدة تطورات في مجالات أخرى بشر ذلك بثورة في مجال معالجة العديد من الأمراض.
الحقيقة البيولوجية وتبعاتها
سوف يجد المؤمن الذي اعتبر أن حجة التصميم حجة مقنعة على دور الإله في خلق الحياة، أن الاستنتاجات التي توصلنا لها في هذا الفصل غير كافية. لا شك أن العديد من القراء الذي يفكرون بشكل مستقل أو الذين نشأوا في بيئة دينية مقتنعون بان جمال الوردة الرائع وطيران النسر لا يمكن أن يوجد إلا من قبل قوة خارقة ذكية تقدر التعقيد والتنوع والجمال. حتى الآن تم عرض آلية عمل الجزيئات وأساليب الوراثة والانتخاب الطبيعي، ولشرح كل ذلك، ربما سيكون لك ميل للصراخ “كفى، إن تفسيراتكم العلمية تخرج السحر الإلهي من عالمنا”.
لا تقلق، فهناك الكثير من السحر الإلهي مازال موجودة. كثير من الذين بحثوا في البراهين العلمية والدينية لازالوا يؤمنون بان الإله خلاق ويقوم بالكثير من العمل. بالنسبة لي، ليس هناك أي شعور بخيبة الأمل في هذه الاكتشافات المتعلقة بطبيعة الحياة، بل على العكس تماماً! ما أروع هذه الحياة المعقدة المدهشة! ما أجمل أناقة الحمض النووي! ما أجمل مكونات الكائن الحي الساحرة بداية من الريبوسوم الذي يحول الحمض الريبي إلى البروتين إلى تحول اليرقة إلى فراشة إلى ريش الطاووس الرائع الذي يجذب إليه رفيقه. التطور مثل الآلية يمكن أن تكون بل لابد أن تكون حقيقة، ولكن ذلك لا يبين طبيعة صانعها. لأولئك الذين يؤمنون بالله، هناك أسباب عديدة لتكونوا أكثر إعجاباً.
لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ولماذا يوجد الكون بالأخص؟
لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ولماذا يوجد الكون بالأخص؟
ما معنى كل هذا؟ ريتشارد فاينمن
لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ولماذا يوجد الكون بالأخص؟ من أين أتى، وإن كان يسير نحو وجهة معينة، فإلى أين؟ وهل الكون في ذاته يمثل الحقيقة النهائية التي لا يوجد أي شيء بعدها أم أن هناك شيئاً ما “أبعد” من الكون؟ أيمكننا أن نسأل “ريتشارد فاينمن” Richard Feynman: «ما معنى كل هذا؟» أم أن “برتراند رسل” Bertrand Russell كان محقاً عندما قال إن «الكون موجود، وهذا هو كل ما في الأمر»؟
إن هذه الأسئلة لم تفقد شيئاً من قدرتها على استنفار الخيال البشري. ونظراً لما يدفع العلماء من رغبة محمومة في تسلق أعلى قمم المعرفة، فقد كشفوا لنا أسرارً مدهشة تسبر أغوار الكون الذي نسكنه؛ فعلى مستوى الأجسام شديدة الضخامة، لدنا تلسكوب “هبل” Hubble telescope الذي ينقل صوراً مذهلة للسماء من مداره الذي يعلو عن الغلاف الجوي.
وعلى مستوى الأجسام متناهية الصغر، نحد الميكروسكوب النفقي الماسح Scanning tunneling microscope يظهر حقائق بالغة التعقيد في عالم الأحياء الجزيئية Molecular biology وما يعج به من الجزيئات الكبيرة Macromolecules الغنية بالمعلومات وما تحويه من مصانع بروتين شديدة الصغر تتميز بقدر من التعقيد والدقة يجعل أرقى التقنيات البشرية تبدو أمامها كل شيء.
هل نحن والكون، وما يزخر به من جمال مجراته وتعقيده البيولوجي الدقيق، لسنا سوى نتاج قوى اعتباطية تؤثر عشوائياً في مادة وطاقة لا عقل لهما، كما يزعم أولئك المعروفون باسم “الملحدين الجدد” New Atheists بقيادة “ريتشارد دوكينز” Richard Dawkins؟ وهل الحياة البشرية هي في النهاية مجرد تجمع لعدد من الذرات ضمن العديد من التجمعات المشابهة التي حدثت بالصدفة، وإن كان ذلك أمراً مستحيلاً؟ وعلى أي حال، ما الذي يميزنا بعد أن عرفنا أننا نسكن كوكباً صغيراً يدور في فلك واحدة من مليارات الشموس التي تقع في مكان ما في ذراع مجرة حلزونية، ضمن مليارات المجرات المنتشرة في الفضاء الفسيح؟
بل إن البعض يقولون إنه ما دامت بعض الخصائص الأساسية للكون، مثل قدرة القوى الأساسية للطبيعة، وعدد ما يمكن ملاحظته من أبعاد المكان والزمان، هي نتاج مؤثرات عشوائية عملت على نشأة الكون، فمن المؤكد وجود أكوان أخرى ذات بنى مختلفة تماماً. أليس من المحتمل أن هذا الكون ليس إلا واحداً ضمن مجموعة ضخمة من الأكوان المتوازية التي تنفصل بعضها عن بعض إلى ما لا نهاية؟ أليس من العبث أن ندعي أن البشر يتميزون بأي قيمة عليا؟ إن حجمهم وسط الأكوان المتعددة Multiverse يمكن أن يكون صفراً.
ومن ثم، فإنه عبث فكري أن نعود للعصور الغابرة عندما كان العلم الحديث يخطو خطواته الأولى حينما كان العلماء أمثال بيكون Bacon، وجاليليو Galileo، كبلر Kepler، ونيوتن Newton، وكلرك ماكسويل Clerk Maxwell يؤمنون بوجود إله خالق ذكي تمخض عقله عن الكون. وأصحاب هذا الفكر يحاولون إقناعنا بأن العلم تجاوز هذه التفكير البدائي، ووضع الله في مزنق، وقتله ودفنه بما قدمه من تفسيرات شاملة. وأصبحت أهمية الله للكون لا تتجاوز أهمية قصص الأطفال الخيالية المسلية.
بل إن الله لا يصل إلى مستوى شيخ خرافي ميت وحي في الوقت نفسه، مثل قط “شرودينجر” Schrodinger’s cat[1]، ولكنه ميت دون شك. وعملية تلاشيه برمتها تبين أن أي محاولة لإعادة تقديمه للعالم غالباً ما ستعيق تقدم العلم. وهكذا يمكننا أن نرى بوضوح لم يسبق له مثيل أن الفلسفة الطبيعية Naturalism (الاتجاه القائل بأنه ليس هناك شيء سوى الطبيعة، ولا يوجد أي شيء أبعد منها أو متجاوز لها Transcendence) هي المتربعة على العرش حالياً.
حتى إن “بيتر أتكينز” Peter Atkins أستاذ الكيمياء بجامعة أكسفورد (رغم أنه يتعرف بوجود عنصر ديني في تاريخ تكوين العلم) يدافع عن هذه النظرة باستماتة منقطعة النظير: «إن العلم، أي النظام العقائدي القائم على المعرفة المتفق عليها من الجميع والتي يمكن إعادة إنتاجها، قد نشأ من الدين. ولكن العلم بعد أن تخلص من شرنقته ليتحول إلى فراشة كما نراه اليوم، أتى على العشب كله.
فليس ما يدعونا للافتراض بأن العلم لا يمكنه التعامل مع كل جانب من جوانب الوجود. إن المتدينين فقط هم من يتمنون وجود ركن مظلم في الكون المادي أو في عالم الخبرة لا يمكن للعلم إنارته ولا يمكنه حتى أن يحلم بذلك، وإني أضع مع هؤلاء المتدينين كل من يتبنون أفكاراً مسبقة متحيزة وكذلك أصحاب المعلومات الضحلة. ولكن الحقيقة أن العلم لم تعرقله يوما أي حواجز، والمبرر الوحيد للاعتقاد بفشل الاختزالية[2] Reductionism هو تشاؤم العلماء وخوف المتدينين».
وقد نوقش موضوع بعنوان “أعمق من الاعتقاد: العلم والدين العقل والبقاء” “Beyond Belief: science, religion, reason and survival” في أحد المؤتمرات المنعقدة في “معهد سولك للدارسات البيولوجية” Salk Institute for Biological Studies بمدينة “لاهويا” في ولاية كاليفورنيا سنة 2006 حيث قال “ستيفن واينبرج” Steven Weinberg الحائز على جائزة نوبل إنه: «على العلم أن يستفيق من كابوس الدين الطويل… وعلينا نحن العلماء ألا ندخر وسعاً في أن نفعل كل ما من شأنه أن يضعف قبضة الدين، وربما يكون ذلك أعظم ما نسهم به في الحضارة.» ولا عجب أن “ريتشارد دوكينز” مضى خطوة أبعد قائلاً: «لقد سئمت كل السأم من الاحترام الذي أسبغناه على الدين بسبب ما تعرضنا له من غسيل مخ».
ولكن هل هذا صحيح؟ هل يجب وصم كل المتدينين بأنهم يتبنون أفكاراً مسبقة متحيزة ومعلوماتهم ضحلة؟ على أي حال، البعض منهم علماء حائزون على جائزة نوبل. هل صحيح أنه يعلقون آمالهم على العثور على ركن مظلم في الكون يستحيل على العلم أن يأمل في أن ينيره؟ من المؤكد أن هذا الوصف ليس دقيقاً ومجحف لمعظم العلماء الأوائل مثل كبلر الذين قالوا إن قناعتهم بوجود خالق كانت مصدر الإلهام الذي دفع علومهم لقمم أعلى. وكانت أركان الكون المظلمة التي نجح العلم في إنارتها هي ما وفر العديد من الأدلة على حقيقة وجود إله خالق ذكي.
وماذا عن الغلاف الحيوي؟ هل تعقيده الدقيق يبدو ظاهرياً كما لو كان قد صنع وفقاً لتصميم معين، ولكنه ليس كذلك، كما يؤمن “ريتشارد دوكينز” حليف “بيتر أتكينز” العنيد؟ هل يمكن حقاً أن ينشأ المعقول من عمليات طبيعية غير موجهة تؤثر على مواد الكون الأساسية وفقاً لقيود قوانين الطبيعة بشكل عشوائي؟ هل حل إشكالية العلاقة بين العقل والمادة Mind-body Problem هو أن عقلاً منطقياً “نشأ” من جسم مادي بلا عقل بفعل عمليات غير عاقلة وغير موجهة؟
إن الأسئلة المتعلقة بهذه الفلسفة الطبيعية لا تتلاشى بسهولة، كما يتضح من مستوى الاهتمام الجماهيري. فهل العلم يحتاج فعلاً للمذهب الطبيعي؟ أم أنه مفهوم أن الفلسفة الطبيعية أُقحمت على العلم وأنها ليست شيئاً يحتويه العلم أصلاً؟ بل هل يمكننا حتى أن نقول إن هذه الفلسفة قد تكون صورة من صور الإيمان، يشبه الإيمان الديني؟ وأرجو أن يغفروا لنا جرأتنا في الاعتقاد بذلك بسبب ما نراه من كيفية التعامل أحياناً مع من يجرؤون على طرح هذه الأسئلة. فقد يواجهون نوعاً من الاستشهاد بتجريدهم من كافة الامتيازات كما يحدث مع هراطقة الدين في العصور الغابرة.
فالمعروف عن أرسطو قوله إننا إن أردنا النجاح لا بد أن نسأل الأسئلة الصحيحة. إلا أن بعض الأسئلة خطيرة، ومحاولة الإجابة عنها أخطر. ولكن قبول هذا النوع من المخاطرة يمثل جزءًا أصيلاً من روح العلم واهتماماته. وإن نظرنا لهذه النقطة من زاوية تاريخية لن نجد عليها اختلافاً؛ ففي العصور الوسطى مثلاً، كان على العلم أن يحرر نفسه من بعض جوانب الفلسفة الأرسطية حتى ينطلق للأمام.
فقد علم أرسطو أنه بدءًا من القمر وما بعده لا يوجد سوى الكمال، ولما كانت الحركة الكاملة عنده هي الحركة الدائرية، فقد رأى أن الكواكب والنجوم تتحرك في دوائر تامة. ولكن الحركة تحت القمر خطية حيث تسود حالة من عدم الكمال. وقد سادت هذه النظرة على الفكرة لمدة قرون حتى نظر جاليليو في تلسكوبه ورأى حواف بارزة من الفوهات القمرية. لقد تحدث الكون وتبدد استنتاج أرسطو الذي بناه على ما اعتبر مفهوماً بديهياً للكمال.
ومع ذلك ظلت دوائر أرسطو مستحوذة على جاليليو: «حفاظاً على النظام التام فيما بين أجزاء الكون، لا بد أن نسلم بأن الأجسام المتحركة لا يمكنها إلا أن تتحرك في حركة دائرية.» ولكن فكرة الدوائر لم يحالفها الحظ عندما أخذ كبلر على عاتقه أن يخطو خطوته الجريئة ويقول إن الملاحظات الفلكية تعتبر دليلاً أقوى من الحسابات التي تقوم على نظرية مبنية على مجرد مفهوم بديهي يقول بدائرية حركة الكواكب.
وقد اقترح كبلر ذلك على أساس تحليله للملاحظات المباشرة والدقيقة لمدار المريخ التي قام بها سلفه تيكو براهي Tycho Brahe عالم الرياضيات التجريبي في مدينة براخ. أما الباقي فهو تاريخ كما يقولون. فقد قدم اقتراحه المذهل بأن الكواكب تتحرك في مدارات على شكل قطع ناقص “تام” الاستواء حول الشمس التي تقع في إحدى بؤرتيه، وهو استنتاج كشف غوامضه فيما بعد نيوتن عندما وضع نظريته في الجاذبية المبنية على قانون التربيع العكسي Inverse-square التي لخصت كل هذه التطورات في صيغة واحدة بسيطة مختصرة جداً. لقد غير كبلر العلم للأبد بتحريره إياه من فلسفة قاصرة قيدته على مدى قرون. لذا، قد يكون ضرباً من الغرور أن نفترض أن هذه الخطوة المحررة لن تتكرر أبداً.
وهنا يعترض العلماء أمثال “آتكينز” وكذلك “دوكينز” أنه منذ عصر جاليليو وكبلر ونيوتن قفز العلم قفزات واسعة وليس هناك ما يدل على أن الفلسفة الطبيعية التي يرتبط بها العلم حالياً ارتباطاً وثيقاً (على الأقل في أذهان الكثيرين) هي فلسفة قاصرة. وهم يرون طبعاً أن الفلسفة الطبيعية تعلم على تقدم العلم الذي أصبح الآن قادراً على المضي قدماً بعد أن تحرر من حمل حقيبة الأساطير الثقيلة التي كثيراً ما أعاقت سيره في الماضي. وهم يزعمون أيضاً أن أفضل ما يميز الفلسفة الطبيعية هو استحالة إعاقتها للعلم لأنها تؤمن بتفوق المنهج العلمي، فهي الفلسفة الوحيدة التي تتميز بالتوافق التام مع العلم انطلاقاً من صميم طبيعتها.
ولكن هل الأمر كذلك حقاً؟ فلا شك أن جاليليو وجد أن الفلسفة الأرسطية تعيق العلم بافتراضها البديهي عما يجب أن يكون عليه الكون. ولكن لا جاليليو ولا نيوتن ولا حتى معظم العلماء العظماء الذين ساهموا فيما أحرزه العلم من تقدم مبهر آنذاك رأى أن الاعتقاد بإله خالق يعيق العلم كما هو الحال مع الفلسفة الأرسطية. بل على العكس، فقد رأوا أن هذا الاعتقاد يزودهم بحافز قوي، وكان يمثل للكثيرين منهم الدافع الأساسي نحو البحث العلمي
وإن كان الأمر كذلك، فإن الألحاد العنيد الذي يميز بعض الكتاب المعاصرين يدفع المرء لطرح هذا السؤال: ما الذي يجعلهم مقتنعين تماماً أن الإلحاد هو الموقف الوحيد الصلب والمتماسك فكرياً؟ هل صحيح أن كل ما في العلم يشير إلى الإلحاد؟ هل العلم والإلحاد بطبعتهما صنوان لا يفترقان؟ إن الفيلسوف البريطاني “أنتوني فلو” Anthony Flew الذي كان أحد رواد الإلحاد على مدى سنوات طويلة لا يتفق مع هذه النظرة. فقد أعلن في حوار على قناة BBC أن التفسير الوحيد الوجيه لنشأة الحياة والتعقيد الذي تتميز به الطبيعة هو وجود ذكاء فائق وراء كل ذلك.
مناقشة التصميم الذكي
لقد أضاف مثل هذا التصريح لمفكر بحجم “فلو” بعداً جديداً للمناقشات الحادة، بل الغاضبة أحياناً، حول “التصميم الذكي”. ومما يزيد هذه المناقشات اشتعالاً أن مصطلح “التصميم الذكي” يبدو للكثيرين أنه توجه حديث نسبياً يخفي وراءه نزعة مؤيدة لنظرية الخلق ومناهضة للعلم هدفها الأساسي مهاجمة نظرية التطور. وهذا يعني أن مصطلح “التصميم الذكي” غير معناه على نحو خفي مما ينذر بخطورة مناقشة قضية بهذه الأهمية دون أن نتفق على ما نعنيه بها.
والآن يرى البعض مصطلح “التصميم الذكي” تعبيراً غريباً لأننا عادة ما نعتبر أن أي تصميم ينتج عن ذكاء، وهو ما يجعل الصفة “ذكي” زائدة ويمكن الاستغناء عنها. فإن اكتفينا بمصطلح “تصميم” أو استخدمنا تعبير “مسبب ذكي” “Intelligent causation“، فنحن نتحدث عن فكرة تحظى باحترام كبير في تاريخ الفكر، لأن فكرة وجود مسبب ذكي وراء الكون ليست حديثة على الإطلاق بل قديمة قدم الفلسفة والدين.
ثم إننا قبل أن نتناول السؤال ما إذا كان التصميم الذكي يخفي وراءه عقيدة الخلق أم لا، علينا أن نفحص معنى مصطلح “عقيدة الخلق” Creationism نفسه حتى لا نقع في سوء فهم آخر.
لأن هذا المصطلح أيضاً معناه تغير. فقد استخدم مصطلح “عقيدة الخلق” للإشارة إلى الاعتقاد بوجود خالق. ولكنه لم يعد يقتصر على مجرد الاعتقاد في وجود خالق ولكنه صار يشتمل كذلك على العديد من المعتقدات الأخرى، وأهمها تفسير معين لسفر التكوين يعتبر أن عمر الأرض لا تجاوز بضعة آلاف من السنين. وهذا التغيير الذي طرأ على معنى “عقيدة الخلق” أو “المؤمن بعقيدة الخلق” نتج عنه ثلاثة آثار سلبية:
أولها أنه يستقطب المناقشة ويقدم هدفاً سهلاً لمن يصرون على رفض أي فكرة تتعلق بوجود مسبب ذكي في الكون. والثاني أنه يتجاهل الاختلاف الكبير في تفسير رواية التكوين في هذا الأمر. أما الأثر الثالث، إن هذا التغيير يضعف الغرض (الأصلي) من استخدام مصطلح “التصميم الذكي”، ألا وهو التمييز بين الاعتراف بوجود تصميم، وتحديد المصمم؛ وهما أمران لا بد من التفريق بينهما.
هذه الآثار الثلاثة هي ثلاث قضايا مختلفة. والقضية الثانية لاهوتية في جوهرها وقد اتفق الأغلبية على أن تظل خارج نطاق العلم. والهدف من رسم الخط الفاصل بين القضايا هو تمهيد الطريق لاستكشاف وسيلة يمكن للعلم استخدامها للإجابة عن القضية الأولى. ولذلك، فمن المؤسف أن هذا التمييز بين قضيتين بينهما اختلاف جذري، دائماً ما يتلاشى بسبب الاتهام الموجه لفكرة “التصميم الذكي” باعتباره ملخصاً لفكر “عقيدة الخلق متخفية”.
وإن كنا نفهم مصطلح “التصميم الذكي” بمعناه الأصلي، يصبح السؤال الشائع عما إذا كان التصميم الذكي علماً سؤالاً مضللاً. فهب أننا نريد أن نسأل هذين السؤالين المتوازيين: هل الإيمان بالله الخالق الحافظ Theism علم؟ هل الإلحاد علم؟ معظم الناس سيجيبون بالنفي. ولكن إن قلنا إن ما نقصده هو ما إذا كان هناك أدلة علمية تؤيد الإيمان بالله الخالق الحافظ (أو الإلحاد)، فغالباً ما سيكون رد الطرف الآخر: فلماذا لم تقل هذا صراحة من البداية؟
وحتى نفهم معنى هذا السؤال يمكننا أن نصيغه هكذا: هل من أدلة علمية تشير إلى وجود تصميم؟ فإن كان هذا هو المعنى الذي يجب أن نفهمه من السؤال، فيجب التعبير عنه طبقاً لهذا المعنى حتى نتجنب سوء الفهم الذي ظهر في العبارة التي قيلت في “محاكمة دوفر”[3] Dover trial وهي أن «التصميم الذكي قضية لاهوتية مهمة، ولكنه ليس علماً.» وفي فيلم ” مطرود” Expelled (أبريل 2008) يبدو أن “ريتشارد دوكينز” نفسه يعترف أنه يمكن استخدام البحث العلمي لتحديد ما إذا كان أصل الحياة يعكس عمليات طبيعية أم أنه نتيجة لتدخل مصدر خارجي ذكي.
وكذلك “توماس ناجل” Thomas Nagel، وهو من أساتذة الفلسفة الملحدين البارزين في نيويورك، كتب في مقال مذهل بعنوان “التعليم الحكومي والتصميم الذكي” Public Education and Intelligent Design: «إن مقاصد الله ونياته، وطبيعة إرادته، إن كان يوجد إله، يستحيل أن تكون موضوعاً لنظرية علمية أو تفسير علمي. ولكن هذا لا يعني استحالة وجود أدلة علمية تؤيد أو تدحض تدخل مسبب غير محكوم بقانون في النظام الطبيعي.»
وهو يقول إن التصميم الذكي «لا يعتمد على تشويهات ضخمة للأدلة ولا على تنافرات جسيمة في تفسيره» وذلك بناء على قراءته لبعض الأعمال مثل كتاب “حدود التطور” Edge of Evolution لمؤلفه “مايكل بيهي” Michael Behe (كان “بيهي” أحد الشهود في “محاكمة دوفر”) أي أنه يرى أن التصميم الذكي لا يقوم على أساس الافتراض بأنه “يتمتع بحصانة ضد الأدلة التجريبية” كما يؤمن من يعتقدون بحرفية الكتاب المقدس بأنه محصن بحيث يستحيل تفنيده بأي أدلة كانت، وهو ينتهي إلى هذه الخلاصة: «التصميم الذكي مختلف تماماً عن علم الخلق.»
ويقول البروفسور “ناجل” أيضاً إنه «ظل فترة طويلة يشك أن مزاعم نظرية التطور التقليدية هي القصة الكاملة لتاريخ الحياة.» ويقول أيضاً إنه «يصعب أن نجد سنداً في المؤلفات المتاحة» يؤيد هذه المزاعم. وهو يرى أن «الأدلة المتاحة حالياً» تعجز عن تأكيد «كفاية الآليات المعيارية التي تتضمنها نظرية التطور لتقديم تفسير لنشأة الحياة بكاملها.»
والمعروف الآن أن بعض الكتاب أمثال “بيتر آتكينز”، و”ريتشارد دوكينز” و”دانيل دني” Daniel Dennett يزعمون وجود أدلة علمية قوية على الإلحاد. مما يتيح لهم الفرصة ليقدموا دفاعاً علمياً عن موقف ميتافيزيقي. ولذلك، فهم من دون الناس جميعاً، لا يحق لهم أن يعترضوا على الآخرين إن استخدموا الدليل العلمي لتأييد الموقف الميتافيزيقي المضاد، ألا وهو التصميم الذي يؤكد فكرة الخلق. وأنا طبعاً واع تماماً أن الرد الذي سيأتي به البعض على الفور أنه ليس هناك قضية بديلة يمكن طرحها. إلا أن هذا الحكم قد يكون سابقاً لأوانه.
ويمكن صياغة السؤال ما إذا التصميم الذكي علماً صياغة أخرى. وذلك بأن نسأل ما إذا كانت فرضية التصميم يمكنها أن تؤدي إلى فرضيات يمكن إخضاعها للاختبار العلمي. وسوف نرى لاحقاً قضيتين رئيسيتين أسفرت فيهما فرضية التصميم الذكي عن النتائج. وهاتان القضيتان هما: إمكانية فهم الكون بشكل عقلاني Rational intelligibility، بداية الكون.
إلا أن مصطلح “التصميم الذكي” يشكل صعوبة أخرى تتمثل في استخدام كلمة “تصميم” التي ترتبط في أذهان البعض ارتباطاً وثيقاً بالفكرة التي طرحها نيوتن عن الكون، إذ شبهه بالساعة التي تسير بانتظام دقيق معروف تحكمه القوانين الفيزيائية، ولكن أينشتاين سار بالعلم خطوات أبعد من هذه الفكرة.
بل إن الكلمة أيضاً تعيد إلى الذهن ذكريات الفيلسوف المسيحي “بيلي” Paley وما قدمه في القرن التاسع عشر من حجج مؤيدة لفكرة التصميم التي يعتقد الكثيرون أن “دافيد هيوم” David Hume قضى عليها. وحتى لا نصدر حكماً متعجلاً بخصوص هذه القضية الأخيرة، قد يكون من الحكمة أن نتحدث عن مسبب ذلك أو عن أصل ذكي، بدلاً من الحديث عن تصميم ذكي.
والحجج المعروضة في هذا الكتاب قدمتها في محاضرات وحلقات نقاشية وحوارات في العديد من بلدان العالم. ورغم شعوري أن الكثير لم ينجز بعد، ولكن استجابة لإلحاح الكثيرين ممن حضروا هذه الفعاليات، فقد قمت بهذه المحاولة من صياغة الحجج في شكل مدون في كتاب قصدت أن يكون قصيراً بناء على ما رآه البعض من أن المطلوب هو مقدمة موجزة ومركزة للقضايا الأساسية التي من شأنها أن تشكل أساساً لمزيد من المناقشة والاستكشاف لتفاصيل أكثر.
وأود أن أعبر عن امتناني لما تلقيته من الكثير من الأسئلة والتعليقات والنقد، مما ساعدني في مهمتي. أما أوجه القصور، فأنا فقط المسؤول عنها. أما عن الأسلوب المتبع في الكتاب، فسوف أحاول أن أتناول الموضوع في إطار الجدل الحالي حسب فهمي له. وسأقتبس كثيراً من أقوال العلماء والمفكرين البارزين لتقديم صورة واضحة لما يقوله من يتصدرون الحوار الدائر حول القضية. إلا أنني أدرك أن نزع الاقتباس من السياق الذي ورد فيه قد لا يكون منصفاً لقائل هذا الاقتباس، وقد يشوه الحق. ولذا، أتمنى أن أكون قد نجحت في تفادي هذه الخطوة بالذات.
ولكني إذا استخدمت كلمة الحق أخشى أن بعض المؤمنين بفكر ما بعد الحداثة Postmodernistقد يتوقفون عن القراءة، إلا أذا كان فضولهم يدفعهم لقراءة (وربما لهدم) نص كتبه شخص يؤمن فعلياً بالحق. وأنا أراه أمراً في غاية الغرابة أن من لا يعترفون بوجود شيء يسمى الحق يحاولون إقناعي بأن ما يقولونه حق! ربما أنا أسيء فهمهم، ولكن يبدو لي أنهم عندما يتحدثون إليّ أو يكتبون كتبهم، يستثنون أنفسهم من هذا المعيار العام الذي يقضى بعدم وجود حق. أي أنهم في نهاية الأمر يؤمنون بالحق.
وعلى أي حال، فالعلماء يهتمون بالحق، وإلا لماذا يتكبدون عناء العمل بالعلم؟ وبما أني أومن بالحق فقد حاولت أن أقتصر في اقتباساتي على ما يعبر نوعاً ما عن الموقف العام لكاتبها، وابتعدت عن اقتباس عبارات صدرت عن قائلها حينما لم يكن في أفضل حالاته، لأننا جميعاً معرضون للوقوع في ذلك.
ولكن ماذا عن التحيز؟ ليس هناك من يمكنه الهروب، لا الكاتب ولا القارئ. فكلنا منحازون من حيث إن كلاً منا له رؤية للعالم Worldview أو منظور خاص يرى به العالم من حوله، وهو يتكون من إجاباته الكاملة أو الجزئية عن الأسئلة التي يطرحها عليه الكون والحياة. وغالباً ما لا نكون هذه الفلسفة الحياتية أو المنظور بشكل دقيق قاطع، بل ربما تتكون حتى دون وعي منا، إلا أنها موجودة. وهذا المنظور يتشكل طبعاً بالخبرات وبالتفكير المتعمق فيها. وهو قابل للتغيير، بل إنه يتغير، بل إنه يتغير بالفعل إن وجد أدلة مقنعة، وهذا ما نرجوه.
والسؤال المحوري في هذا الكتاب هو سؤال يتعلق في جوهره بالفلسفة الحياتية أو المنظور: ما المنظور الأكثر توافقاً مع العلم: الإيمان بالله الخالق الحافظ أم الإلحاد؟ هل دفن العلم الله؟ فلنر إلى أي سيقودنا الدليل.
[1] تجربة يوضع فيها قط وسط ظروف تجعله حياً وميتاً في آن، مما يتطلب مزيداً من الملاحظة الدقيقة لتحديد حالته. (المترجم).
[2] يعرف “قاموس أكسفورد” Oxford Dictionary “الاختزالية” Reductionism بأنها تحليل ظاهرة معقدة ووصفها وفقاً لمكوناتها البسيطة أو الأساسية، وخاصة إذا كان الغرض تقديم تفسير واف. (المترجم).
[3] محاكمة جرت في مدينة دوفر الأمريكية حيث رفع بعض أولياء الأمور دعوى ضد منطقة دوفر التعليمية لأنها أقرت تدريس التصميم الذكي في المدارس التابعة لها. (المترجم)
لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ ولماذا يوجد الكون بالأخص؟
“لم يعد هناك إنسان يجادل صحة ما يُسمى بنظرية التطور، التي نعرفها الأن بصفتها حقيقة بسيطة”.
أرنست مير (عالم الأحياء المؤمن بالتطور)[1]
“العلماء الذين يرفضون تماماً نظرية التطور قد يكونوا إحدى أقلياتنا المثيرة للخلاف والأسرع نمواً… وكثير من العلماء الذين يؤيدون هذا الموقف لديهم مؤهلات عليا في العلم”.
لاري هاتفيلد (في خلاصة العلم [2](Science Digest
كان هناك مائة عالم منهم: علماء أحياء، وعلماء كيماء، وعلماء حيوان، وعلماء طبيعة، وعلماء علم الإنسان، وعلماء أحياء جزيئية وخلوية، وعلماء هندسة حيوية، وعلماء كيماء عضوية، وعلماء جيولوجيا، وعلماء فيزياء فلكية، وغيرهم. وقد حصلوا على درجات الدكتوراه من جامعات مرموقة مثل كامبردج، وستانفورد، وكورنل، وبيل، وروتجرز، وشيكاغو، وبرنستون، وبرردو، وديوك، وميتشغن، وسيراكوز، وتمبل، وبيركلي.
كان من ضمنهم أساتذة من كلية بيل، ومعهد ماساشوستس للتكنولوجيا، وتولين، ورايز، وإيموري، وجورج ماسون، ولاهاي، وجامعات كاليفورنيا، وواشنطن، وتكساس، وفلوريدا، وكارولينا الشمالي، وويسكونس، وأوهايو، وكولورادو، ونبراسكا، وميسوري، وأيوا، وجورجيا، ونيو مكسيكو، ويوتا، وبنسلفانيا، وغيرها.
وكان بينهم مدير مركز أبحاث الكيمياء الكمية، وعلماء من معمل فيزياء البلازما في جامعة برنستون، والمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في معهد سميثونيان، ومعهد لوس ألاموس الوطني، ومعامل لورانس ليفرمور.
وقد أرادوا أن يعلم العالم شيئاً واحداً: أنهم متشككين.
بعدما أكد المتحدثون الرسميون عن الحلقات التلفزيونية “التطور”، أن “كل الدلائل العلمية المعروفة تؤيد [الدارونية]، كما يؤيدها كل عالم محترم في العالم”، نشر هؤلاء الأساتذة، وباحثو المعامل، وعلماء آخرون إعلاناً من صفحتين في مجلة قومية تحت شعار “انشقاق علمي حول الدارونية”.
كانت حجتهم مباشرة وجريئة. قالوا “نحن نشك في ادعاءات القدرة على التحول العشوائي والاختيار الطبيعي كسبب لتعقد الحياة. ويجب تشجيع إجراء فحص دقيق للأدلة المؤيدة للدارونية”[3].
لم يكن هؤلاء أصوليين ضيقي الأفق، أو مثل محتجي فيرجينيا الغربية، أو متشددين دينين ثائرين، بل علماء عالميين محترمين مثل هنري شافر، الذي رشح لجائزة نوبل، وثالث أشهر كيميائي على مستوى العالم جيمس تور من مركز جامعة رايز لعلم الـ Nanoscale والتكنولوجيا، وفريد فيجوورث أستاذ علم وظائف الأعضاء الجزيئية والخلوية في جامعة بيل.
ورغم شبح الاضطهاد المهني، إلا أنهم طرقوا جميعاً الرأي غير اللائق اجتماعياً بأن إمبراطور نظرية التطور عاري.
بينما درست نظرية التطور في المدرسة الثانوية ثم الجامعة، لم يخبرني أحد على الإطلاق ان هناك علماء جديرين بالثقة لديهم تشكك بارز تجاه نظرية دارون. فقد كنت أعتقد أن القساوسة الجهلة هم فقط الذين يعترضون على نظرية التطور من منطلق أنها تتعارض بشكل ما مع تأكيدات الكتاب المقدس. ولم أكن أعلم – طبقاً للمؤرخ بيتر باولر، أن نقاداً علميين مهمين للاختبار الطبيعي بدأوا باكراً جداً لدرجة أن بحلول العام 1900 “كان خصومها مقتنعون أنها لن تستعيد نفسها”[4].
ومشاهدو الحلقات الشهيرة 2001 PBS لم يُخبروا بهذا الأمر أيضاً. في الحقيقة، أثار وصف التطور من جانب واحد تراجعا من قبل كثير من العلماء. وقد أكدت نشرة نقدية مفصلة من 151 صفحة ان النظرية “فشلت في تقديم المشكلات العلمية الخاصة بدلائل الدارونية بطريقة دقيقة وعادلة”. وأنها تجاهلت أيضاً بطريقة منظمة “الاختلافات بين علماء الأحياء المؤمنين بالتطور أنفسهم”[5].
في بحثي لتحديد ما إذا كان العلم المعاصر يؤيد أم يعارض الله، عرفت أنه ينبغي عليّ أولاً فحص تأكيدات نظرية التطور للوصول للنتيجة الحاسمة ما إذا كانت الدارونية تخلق أساساً معقول للإلحاد. لأنه إذا كانت مادية نظرية دارون حقيقة، فقد تكون النتائج الإلحادية التي توصلت إليها عندما كنت طالباً صحيحة. وفقط بعد حل هذه القضية يمكنني أن أتقدم لتقييم ما إذا كان هناك دليل مؤكد ومقنع على وجود خالق.
لهذا قررت العودة إلى أيام الدراسة لإعادة فحص صور التطور تلك – تجربة ميلر، وشجرة حياة دارون، وأجنة هايكل، وحلقة الطائر الأول المفقود – والتي أقنعتني بأن عمليات التطور الغير موجهة والتي بلا هدف تفسر أصل الحياة وتعقيد الحياة.
هذه الرموز بالية بشدة. وفي الحقيقة، حتى يومنا هذا، فإن نفس هذه الأيقونات القديمة ما زالت موجودة في كثير من كتب الأحياء، وفي أذهان الطلبة عبر أرجاء الدولة. ولكن هل هي دقيقة فيما تقوله؟ وماذا تقول لنا حقاً عن مصداقية الدارونية؟
كنت أفكر في هذه الأمور في وقت متأخر ذات ليلة بينما كنت منكباً على لوحة مفاتيح الكمبيوتر، وأبحث عن تذكرة طيران عبر الأنترنت. دخلت ليزلي مكتبي، واتكأت على كتفي.
“أين ستذهب؟”
فأجبتها: “إلى سياتل”، وأدرت مقعدي كي أكون مواجهاُ لها، وأضفت: “هناك عالم يمكنه أن يشرح صور التطور هذه التي أثرت عليّ. أعتقد أنه يمكنني الاستناد إليه”.
“ماذا تقصد؟”
“لقد درس نظرية التطور وهو طالب بالكلية، وخمني ماذا حدث؟”
فنظرت إليّ متحيرة: “ماذا حدث؟”
“صار ملحداً”
اللقاء الأول: جوناثان ويلز، دكتوراه في الأحياء، دكتوراه في اللاهوت
لم تتعمق حصص العلوم في شرح الدارونية عندما كان جوناثان ويلز طالباً في المدرسة الثانوية في أواخر الخمسينات، لكنه عندما بدأ في دراسة الجيولوجيا في جامعة برنستون، وجد أن كل شيء ينظر إليه من خلال نظرية التطور. ومع أنه تربى في الكنيسة المشيخية، إلا أنه في منتصف دراسته بالكلية اعتبر نفسه ملحداً.
سألته: “هل تأثر إلحادك بنموذج دارون؟”
“بكل تأكيد. إن قصة التطور حلت ببساطة محل كل الاستعارات الدينية التي نشأت عليها. لم أعد بحاجة للأمور الروحية ما عدا ذاك الشعور الغامض الذي كان يراودني للبحث عن الحق”.
كنت أجلس مع ويلز في أحد مكاتب معهد الاكتشاف، والواقع في الدور الرابع من مبنى مكتبي بسيط في وسط سياتل. يعمل ويلز كزميل اول في مركز العلم والثقافة بالمعهد، وهي منظمة تمزج عاطفته المزدوجة لكل من العلم المكثف وقضية تأثير العمل على المجتمع الأوسع.
كانت شهادته قبل التخرج من جامعة كاليفورنيا في بيركلي في الجيولوجيا والفيزياء، مع دراسة فرعية في الأحياء. أما في جامعة بيل، حيث حصل على درجة دكتوراه في الدراسات الدينية، فقد تخصص ويلز في مجادلات القرن التاسع عشر حول دارون. ونُشر كتابه “نقد تشارلز هوج للدارونية Charles Hodge’s Critique of Darwinism في العام 1988[6].
في العام 1994، حصل ويلز على درجة دكتوراه في الأحياء الجزيئية والخلوية من بيركلي، حيث ركز أساساً على علم أجنة الفقاريات والتطور. وعمل فيما بعد في بيركلي كباحث في علم الأحياء بعد نوال درجة الدكتوراه. كتب ويلز في المظاهر العلمية والثقافية للتطور في صحف مثل Origins & Design, The Scientist, Touchstone, The American Biology Teacher, Rhetoric and Public Affairs, في حين أن مقالاته الفنية – التي ظهرت بعناوين مثيرة مثل Microtubule – mediated transport of organelles and localization of beta-certain to the future dorsal side of Xenopus eggx – صدرت في Proceedings of the National Academy of Sciences USA,Development وBiosystems.
وكمعارض عنيد، لا يتجنب ويلز المعارضة. فبعد أن قضى سنتين في الجيش أصبح ناشطاً مناهضاً للحرب في بيركلي، وانتهى به الأمر بقضاء فترة في السجن لرفضه الذهاب إلى فيتنام كجندي احتياطي. وفيما عاش بعد ذلك مثل حياة عالم الطبيعة Thoreau، في مكان بعيد في كاليفورنيا، صار مفتوناً ومعجباً بجلال الخليقة وعظمتها، واكتسب ثقة جديدة في أن الله هو الذي وراءها. تجدد اهتمامه الروحي. واكتشف العديد من البدائل الدينية، وقام بزيارة معلمي الهندوس والقساوسة[7].
ومع ذلك، لم أحضر إلى سياتل بحثاً عن الحكمة الروحية من ويلز، لكني طلبته من أجل خبرته العلمية، ولأنه ألف كتاباً جذب عنوانه اهتمامي حالة رأيته.
كتاب “أيقونات التطور Icons of Evolution“، الذي نشر في العام 2000، ينظر نظرة علمية واضحة لنفس الصور المرئية التي أقنعتني بحقيقة نظرية دارون في التطور. وقد كانت هناك تجربة ميلر، وشجرة حياة دارون، وأجنة هايكل، وحلقة الجناح القديم المفقودة، جنباً إلى جنب مع رموز أخرى كثيرة عن التطور. أما العنوان الفرعي لكتابه فقد أثار فضولي بشكل خاص: لماذا يعتبر الكثير مما نُعلمه عن نظرية التطور خاطئاً[8].
وقد حانت فرصتي آنذاك لأضع هذه الصور، والسؤال الأعمق حول المصداقية النهائية للدارونية تحت الاختبار. استرخيت على كرسي وثير يواجه ويلز بلحيته ونظارته، والذي كان يجلس خلف مكتب خشبي. كان يرتدي قميصاً ذات خطوط قصير الأكمام. وبينما تحادثنا حديثاً غير رسمي بصوت رقيق قبل مقابلتنا سرعان ما صار مفعماً بالحيوية بينما بدأنا خوض موضوعه الحساس حول نظرية التطور.
قلبت صفحات مذكراتي القانونية الصفراء للوصول لصفحة فارغة، وأمسكت بيدي قلماً. فبعد أن قادتني هذه الصور الخاصة بالتطور في رحلة نحو المذهب الطبيعي والإلحاد بأكثر من 35 عاماً، كنت مهتماً بالحصول على القصة الحقيقية[9].
تحري في الأيقونات
في البداية، لخصت لويلز كيف أن صور التطور الأربع أثرت على اتجاهي نحو الإلحاد. وبتعبير رقيق عن تعاطفه، كان يومئ رأسه كلما تكلمت كما لو كان يؤكد لي أنه كان يفهم ما اجتزته. في ختام قصتي، أشرت إلى نسخة من كتابه كانت على المكتب.
قلت له: ” لقد وضعتَ هذه الرموز الأربعة في كتابك بالإضافة إلى غيرها، وأسميتها “أيقونات التطور”، فلماذا استخدمت هذا المصطلح؟”
انحنى ويلز للأمام، ووضع كوعه على المكتب، وقال: “لأنك إن طلبت من أي عالم أن يصف لك الدليل المؤيد للدارونية، فسوف يقدم لك مراراً نفس هذه الأمثلة. إنها موجودة في كتبنا المدرسية وهي التي نُعلمها لتلاميذنا. وبالنسبة لكثير من العلماء، هي الدليل المؤيد للتطور”.
“وماهي الأيقونات الأخرى؟”
“بالإضافة إلى الأربعة التي تأثرت بها، هناك تشابه في التركيبات العظيمة في جناح خفاش، وزعانف دولفين، وساق حصان، ويد إنسان. وتتخذ هذه كدليل على أصلها المشترك في سلالة مشتركة. كما توجد صور في كتب المدرسية لعث ملون على جذوع الأشجار تبين كيف أن التمويه والطيور الجارحة ينتجان عن الاختيار الطبيعي. وبالطبع، فإن هناك عصافير دارون – طيور جزيرة Galapagos التي تستخدم أيضاً لتدعيم الاختيار الطبيعي. ومع ذلك، ربما تكون أشهر الأيقونات هي الرسم الذي نشاهده على الكثير من رسوم الكارتون – مشي المخلوقات الشبيهة بالقرود بينما تتطور ببطء إلى بشر، وهذا ما يبين أننا مجرد حيوانات تطورت بأسباب طبيعية معدومة الهدف”.
توقفت للحظات بينما كنت أسجل بعض الملاحظات، ثم قلت: “قبل أن نواصل حديثنا، دعنا نصل إلى تعريفاتنا مباشرة. عندما يذكر الناس كلمة “تطور”، فهم يقصدون فقط أن تغيراً قد حدث بمرور الزمن. لكن هذا ليس وصفاً دقيقاً، أليس كذلك؟”
“بالقطع لا، لو كان هذا هو كل المقصود من الدارونية، لما وجد هناك أي تناقض، لأننا نتفق جميعاً على وجود التغير البيولوجي بمرور الزمن. آخرون يُعرفون التطور على إنه مجرد “سلالة بها تعديل”. لكني أقول مرة أخرى إن الجميع يتفقون على أن كل الكائنات الحية في فصيلة واحدة ترتبط من خلال سلالة بها تعديل. وهذا يحدث في المسيرة العادية للتكاثر البيولوجي”.
تؤكد الدارونية على أكثر من هذا، فالدارونية هي نظرية أن كل المخلوقات الحية هي سلالات معدلة لنسل مشترك عاش منذ زمن بعيد. فمثلاً، أنت وأنا، سلالة أسلاف شبه قرود – وفي الواقع، نشترك في نسل مشترك مع ذباب الفاكهة. تؤكد الدارونية على أن كل فصيلة جديدة ظهرت يمكن تفسيرها بفكرة سلاله بها تعديل. وتؤكد الدارونية الجديدة أن هذه التعديلات هي نتيجة الاختيار الطبيعي الذي يعمل في التحولات الجينية العشوائية”[10].
فقلت: “إن كانت هذه الأيقونات هي التفسيرات الأكثر وروداً كدليل مؤيد لنظرية التطور، عندئذ يمكنني أن أفهم لماذا هي مهمة، فماذا اكتشفت بينما فحصتها الواحدة تلو الأخرى؟”
فلم يتردد ويلز، وأجاب: “اكتشفت أنها إما زائفة أو مضللة”.
فرددت: “زائفة أو مضللة؟ مهلاً، هل تقصد أن معلمي في مادة العلوم كان يكذب عليّ؟ هذه تهمة خطيرة!”
فهز ويلز رأسه قائلاً: “كلا، لست أقصد هذا؛ فربما يكون هو قد صدّق هذه الأيقونات أيضاً. إني متأكد من أنه لم يكن حتى واعياً بالطريقة التي تشوه بها الدليل. لكن النتيجة النهائية هي نفس الشيء – فالكثير مما كان مدرسي العلوم يقولونه للتلاميذ ببساطة خاطئ. والكثير مما قيل لك شخصياً عن الأيقونات مثلاً من المحتمل أن يكون زائفاً”.
فكرت في تضمينات ذلك للحظات. وقلت: “حسناً، دعني أتابع طريقة تفكيرك. إن كانت هذه الأيقونات يستشهد بها العلماء كثيراً لأنها ضمن أفضل الأدلة المؤيدة للدارونية…”
فأضاف مواصلاً كلامي: “…. وإن كانت إما زائفة أو مضللة، فماذا يقول لنا هذا عن نظرية التطور؟ هذه هي القضية. والسؤال الذي أطرحه الآن هو ما إذا كان كل هذا هو حقاً علم، أم إنه نوع من الأساطير؟”
هذا هو نفس السؤال الذي أردت تتبعه. قررت أن يكون مدخلي هو أن أسأل ويلز عن قصة كل أيقونة تأثرت بها بصفة شخصية. بدأت بالصورة صاحبة التأثير الأقوى، وهي صورة الأنابيب والقوارير، والأقطاب الكهربية التي رسمها ستانلي ميلر في تجربة العام 1953، حيث أشعل فيها الكهرباء في جو شبيه بجو الأرض المبكرة، ومُنشأ الأحماض الأمينية – القوالب البنائية للحياة.
وقد كان التضمين الواضح – أن الحياة يمكن أن تُخلق بطريقة طبيعية دون تدخل خالق – هو المسؤول بصورة كبيرة عن تحرري من حاجتي إلى الله.
الصورة الأولى: تجربة ميلر
من الواضح أن أهمية تجربة ميلر – التي ما زالت حتى يومنا هذا مصورة في كثير من كتب الأحياء المدرسية – تتوقف على ما إذا كان قد استخدم جواً مماثلاً بدقة لبيئة الأرض المبكرة. في ذلك الوقت، كان ميلر يعتمد بقوة على نظريات الغلاف الجوي التي وضعها هارولد يوري، الذي أشرف على رسالة الدكتوراه الخاصة به، والحائز على جائزة نوبل.
“ما أفضل تقييم علمي اليوم. هل استخدم ميلر الغلاف الجوي الصحيح أم لا؟”
استند ويلز للخلف في كرسيه، وبدأ قائلاً: “حسناً، لا أحد يعرف على وجه التحديد كيف كان الغلاف الجوي، لكن الإجماع هو أن الجو لي يشبه على الإطلاق ذاك الذي استخدمه ميلر.”
“لقد اختار ميلر مزيجاً غنياً بالهيدروجين من الميثان، والأمونيا، وبخار الماء، الذي كان متناغماً مع فكر الكثير من العلماء آنذاك لكن العلماء لم يعودوا يصدقون ذلك. وكما قال أحد علماء الجيوفيزياء في معهد كارنيجي في الستينات “ما دليل وجود غلاف جوي بدائي من الميثان والأمونيا على الأرض؟ والإجابة هي أنه لا يوجد دليل على ذلك، ولكن على العكس يوجد الكثير ضده”[11].
“بحلول منتصف السبعينات، كان أستاذ الكيمياء الحيوية مارسيل فلوركين يصرح بأن مفهوم ما وراء نظرية ميلر عن الغلاف الجوي المبكر للأرض “قد هجر”[12] وأكد باحثان بارزان في أصل الحياة؛ وهما كلوس دوس، وسيدني فوكس أن ميلر قد استخدم المزيج الخاطئ من الغاز[13]. وفي العام 1995، قالت مجلة علوم Science إن الخبراء يرفضون الآن تجربة ميلر لأن “الغلاف الجوي المبكر لا يشبه بأي حال نموذج Miller-Urey”[14].
“ما هو الفكر الحالي للعلماء بخصوص محتوى الغاز للأرض المبكرة؟”
“أفضل فرضية الآن هي أنه كان هناك القليل جداً من الهيدروجين في الغلاف الجوي لأنه ريما يكون قد تسلل إلى الفضاء. وبدلاً من ذلك، فمن المحتمل أن الغلاف الجوي كان يحتوي على ثاني أكسيد الكربون، والنتروجين، وبخار الماء. وأعتقد ان الكتب المدرسية ما زالت تقدم تجربة ميلر كما لو أنها تعكس بيئة الأرض المبكرة، بينما يقول معظم علماء كيماء الأرض منذ الستينيات إنها كانت مختلفة تماماً عن تجربة ميلر”.
ثم سألته السؤال المنطقي التالي: “ماذا يحدث لو أعدت التجربة مستخدماً الغلاف الجوي الدقيق؟”
“أقول لك هذا: لن تحصل على أحماض أمينية، وهذا أمر مؤكد. بعض الكتب المدرسية غير أمينة عندما تقول: “حتى وإن استخدمت غلافاً جوياً واقعياً، فسوف تحصل أيضاً على جزيئات عضوية، كما لو ان هذا سيحل المشكلة”.
بدا هذا محفزاً بالفعل، فقلت: “جزيئات عضوية” لست عالماً بالكيمياء الحيوية، ولكن ألا يمكن أن تكون هذه مواداً مُشكلة للحياة؟”
“هذا ما تبدو عليه، ولكن هل تعرف ما هي؟ إنها الفورمالديهايد!* والسيانيد!”، قالها وصوته يرتفع للتأكيد. قد تكون جزيئات عضوية، لكن لا يمكنك حتى الاحتفاظ بزجاجة مغلقة من الفورمالديهايد في الغرفة في معملي في بيركلي، لأن مادتها سامة للغاية. فإذا فتحت الزجاجة، لأسهمت في قلي البروتينات في أرجاء المكان بمجرد الأدخنة. إنها تقتل الأجنة. فالفكرة التي تقول بأن استخدام غلاف جوي واقعي يوصلك للخطوة الأولى في معرفة أصل الحياة مجرد فكرة ساذجة”.
والآن، يمكن حقاً لعالم كيمياء عضوية جيد أن يحول الفورمالديهايد والسيانيد إلى جزيئات بيولوجية. ولكن أن تفترض أن الفورمالديهايد والسيانيد يعطيانك الجوهر الصحيح لأصل الحياة، فهذه مجرد دعابة”. قالها ضاحكاً.
توقف قليلاً قبل أن يُطلق خاتمته الحاسمة: “هل تعلم ما الذي تحصل عليه؟ سائل للتحنيط!”.
وضع المدعبل* سوية
أطاح التقدم العلمي بتجربة ميلر بشكل واضح، وحتى وإن لم تلاحظ بعض الكتب المدرسية ذلك حتى الآن، لكني كنت أولد الاستمرار واختبار سيناريوهات أخرى.
بدأت قائلاً: لنقل إن عالماً تمكن يوماً ما بالفعل من إنتاج أحماض أمينية من غلاف جوي واقعي للأرض المبكرة. وقد لاحظت آنذاك أن ويلز كان مستعداً لمقاطعتي، لذلك بادرته قائلاً: حسناً؛ أو لنفترض أن الأحماض الأمينية قد جاءت إلى الأرض في مذنب، أو بأية وسيلة أخرى. سؤالي هو: إلى أي مدى سيكون هذا الأمر من خلق خلية حية؟”
فقال بينما تفكر في السؤال: “أوه، إلى مدى بعيد جداً، بعيد للغاية. ستكون هذه أول خطوة في عملية معقدة للغاية. يجب عليك أن تحصل على العدد الصحيح من الأنواع الصحيحة من الأحماض الأمينية لترتبط معاً حتى تكون جزيئاً بروتينياً، وسوف يظل هذا بعيد للغاية عن خلية حية. عندئذ ستحتاج عشرات الجزيئات البروتينية، في التسلسل الصحيح من جديد، لخلق خلية حية. وشواذ هذه القضية مدهشة للغاية. فالفجوة بين الكيميائيات غير الحية وحتى أول كائن حي بدائي هائلة للغاية”.
كنت بحاجة لصورة مرئية تساعدني على فهم ذلك، فقلت: “هل يمكنك تقديم شرح؟”
“دعني أوضح لك الأمر هكذا: ضع محلول ملح متوازن معقم في أنبوبة اختبار. ثم ضع فيه خلية حقة واحدة واثقبها حتى تسيل محتوياتها في المحلول. وعندئذ سيكون بالأنبوبة كل الجزئيات التي ستحتاجها لخلق خلية حية. أليس كذلك؟ وإذا فعلت هذا، ربما تكون قد حققت أكثر بكثير مما حققته تجربة ميلر – فقد حصلت على المكونات التي تحتاجها للحياة”.
فأومأت قائلاً: “هذا صحيح”.
فقال: “المشكلة هي أنه لا يمكنك عمل خلية حية، حتى إنه ليس هناك أية فائدة من المحاولة. ويمكن تشبيه ذلك بعالم طبيعة يقوم بتجربة ليرى ما إذا كان بإمكانه أن يجعل صخرة تسقط إلى أعلى تجاه القمر. ولا يوجد عالم أحياء سليم العقل يعتقد أن بإمكانك ان تأخذ أنبوبة اختبار وبها تلك الجزيئات، وتحولها إلى خلية حية”.
فقلت: “بأسلوب آخر، إن أردت أن تخلق حياة، في قمة التحي الذي يدير المكونات الخلوية من مكونات كيميائية غير حية، فسوف تواجه مشكلة أكبر عند محاولة وضع المكونات معاً بالطريقة الصحيحة”.
“تماماً! ففي رسمي التوضيحي، الخلية ميتة، ولا يمكنك وضع المدعبل معاً من جديد. لهذا، حتى إن أنجزت آلاف الخطوات بين الأحماض الأمينية في تجربة ميلر – التي ربما لم تكن موجودة في العالم الواقعي على أي حال – والمكونات التي تحتاجها لخلية حية هي كل الأنزيمات، والـ DNA، إلخ، فسوف تكون أيضاً بعيداً عن الحياة بدرجة لا يمكن قياسها”.
فاعترضت قائلاً: “ولكن من المحتمل أن الخلية الأولى كان أكثر بدائية من حتى أبسط كائن حي وحيد الخلية اليوم.”
فقال: “موافق، لكن وجهة نظري تبقى كما هي – فمشكلة تجميع الأجزاء الصحيحة بالطريقة الصحيحة في الوقت الصحيح وف المكان الصحيح، وفي ذات الوقت تستبعد المادة الخطأ، أمر لا يقهر ببساطة. وبصراحة، ففكرة أننا على وشك شرح أصل الحياة من الناحية الطبيعية هي فكرة سخيفة بالنسبة لي”.
“إذا، لا توجد نظرية يمكنها أن تفسر كيف أن الحياة جاءت بطريقة طبيعية من ذاتها دون أي توجيه أو إرشاد؟”
فداعب ويلز لحيته، وقال: “إن كلمة [نظرية] مراوغة جداً. فأنا أستطيع أن أخترع قصة، لكنها لن تكون مدعمة في كل خطوة حاسمة بأي دليل عملي يمكن الاستناد عليه. وأنا رجل تجريبي في الأساس. وأود أن أرى نوعاً من الدليل، لكنه غير موجود”.
“على سبيل المثال، قالت نظرية شائعة أن الـ RNA، احدى قريبات الـ DNA، ربما كانت هي أصلاً جزيئياً تطورت منه الخلايا المبكرة. وقد أعلنت فرضية “عالم RNA” هذه كشيء ممكن حدوثه إلى حين. ولكن لم يتمكن أحد من توضيح كيف تشكلت الـ RNA قبل ظهور الخلايا الحية كي تصنعها، أو كيف تكون قد بقيت في ظل ظروف الأرض المبكرة.
“أستبعد جيرالد جويس، وهو عالم كيمياء حيوية في معهد أبحاث Scripps، نظرية RNA الأولى بكل وضوح قائلاً: “عليك أن تبني رجلاً من القش فوق رجل آخر من القش حتى تصل إلى أن الـ RNA جزيء حيوي قابل للحياة”[15].
أعلن ويلز” “باختصار، الأمر كله كان نهاية مسدودة – كما كانت كل النظريات الأخرى”.
“… ومن هنا جاءت معجزة”
بعد إدراك متأخر، بُنيت فلسفتي المادية على أساس أن التاريخ تفكك بالتتابع قطعة، قطعة. فتجربة ميلر، التي كانت سنداً عظيماً لإلحادي، تضاءلت لتكون مجرد فضول علمي.
سألت ويلز: “ما أهمية تجربة ميلر اليوم؟”
“بالنسبة لي، ليست لها أية أهمية علمية. إنها ممتعة تاريخياً؛ لأنها أقنعت الكثير من الناس عبر سنوات – بمن فيهم أنت – بأن الحياة ربما تكون قد نشأت تلقائياً، وهو أمر أثق في أنه زائف. هل لها مكان في كتب العلوم المدرسية؟ ربما كهوامش”.
“لكنها أكثر من مجرد هوامش في معظم الكتب. أليس كذلك؟”
“لسوء الحظ، نعم. إنها مشروحة بوضوح في الكتب الحالية، وغالباً موضحة بالصور. وأفضل مما يمكنني قوله عنها هو أنها مضللة. بل هي حتى مخطئة لأنها تعطي انطباع أن العلم قد أوضح تجريبياً كيف نشأت الحياة في الأصل. والآن، ربما يتنكرون للنص، قائلين بأن الغلاف الجوي للأرض ربما لم يكن كما فكر به ميلر. لكنهم سيقولون آنذاك إنه لو استخدمت بيئة واقعية، لحصلت أيضاً على جزيئات عضوية. وبالنسبة لي، هذا أمرُ مضلل.”
فكرت في الطالب الذي يواجه تجربة ميلر اليوم. هل سيتجنب تعقيدات خلق حياة؟ هل سيفهم الفروق الطفيفة في معنى قصة ميلر، أم سيسمع مصطلح “الجزئيات العضوية”، ويستنتج أن العلماء على وشك حل مشكلة كيف أصبحت الكيميائيات غير الحية خلايا حية بطريقة ما؟ هل الشاب الباحث عن عذر للهروب من مسؤولية حساب الله سيتعلق بالاستنتاج الزائف القائل بأن مشكلة أصل الحياة هي مجرد عقبة بسيطة في المسيرة المتواصلة لنظرية التطور؟
سألت ويلز: “لماذا تعتقد أن تجربة ميلر ما زالت تُنشر في الكتب المدرسية؟”
فهز أكتافه وقال: “إن الأمر يتضح لي أكثر فأكثر بأن هذه فلسفة مادية تتنكر في ثياب علم تجريبي. فالاتجاه السائد يقول إن الحياة لا بد وأنها تطور بهذه الطريقة لأنه لا يوجد أي تفسير مادي آخر. وإن حاولت أن توجد تفسيراً آخر – وجود تصميم ذكي على سبيل المثال – لاعتبرك أولئك المؤمنون بنظرية التطور بأنك لست عالماً”.
كان تفسير ويلز متناغماً مع مقابلة أخرى أجريتها مع خبير أصل الحياة والتر برادلي، وهو أستاذ سابق في جامعة Texas A&M، واشترك في تأليف كتاب “سر أصل الحياة”، أحد العلامات المميزة للعام 1984[16].
سألت برادلي عن النظريات المختلفة التي قدمها العلماء، والخاصة بكيفية ولادة أول خلية حية بطريقة طبيعية – بما فيها الفرصة العشوائية، والعلاقة الكيميائية، واتجاهات الطلب الذاتي self-ordering tendencies، والبَذر من الفضاء seeding from space، ومتنفسات محيط البحر العميقة deep-sea ocean vents، استخدام الطين لتشجيع تجميع المواد الكيميائية الحيوية، فقال إنه ولا واحدة من هذه النظريات يمكنها مواجهة الفحص العلمي[17].
وكثير من العلماء الآخرين توصلوا إلى نفس النتيجة. كتب الصحفي جريج ايستروبروك عن مجال أصل الحياة قائلاً: “العلم ليس لديه أدنى فكرة عن كيف بدأت الحياة ولا توجد نظرية مقبولة بشكل عام؛ فالخطوات التي تقود من عالم بدائي عقيم إلى كيمياء الحياة الضعيفة تبدو غير موزونة”[18].
لا يشارك برادلي فحسب وجهة النظر هذه، لكنه قال أيضاً أن الصعوبات المؤرقة للذهن لملء الفراغ بين عدم الحياة والحياة معناها أنه قد لا توجد إمكانية على الإطلاق حول إيجاد نظرية تشرح كيف يمكن أن تكون الحياة قد نشأت بطريقة تلقائية. ولهذا فهو مقتنع بأن “الدليل المطلق الحاسم ” يشير نحو وجود ذكاء من وراء خلق الحياة.
وقال: “في الواقع، أعتقد ان الناس المؤمنين بأن الحياة ظهرت بطريقة طبيعية هو بحاجة إلى قدر أكبر من الإيمان أكثر من أولئك المؤمنين بوجود مصمم ذكي”[19].
وحتى أولئك الذين ينظرون بارتياب نحو الإيمان الديني اضطروا لاستنتاج أن شواذ الخلق التلقائي للحياة مرتفعة للغاية على نحو مناف للعقل لدرجة أنه لا بد وأن يكون هناك المزيد لقصة الخلق أكثر من مجرد عمليات مادية. لا يمكنهم أن يمنعوا أنفسهم عن الاستشهاد بالكلمة الوحيدة التي تبدو وأنها تفسر حقاً هذا كله: معجزة. إنها شعار يستهله علماء كثيرون، ويبدو أن الظروف تتطلبه.
فعلى سبيل المثال، قال جون هورجان، أحد الصحفيين العمليين القادة في الولايات المتحدة في العام 2002، والذي يُعرف نفسه بصفته “كاثوليكي مرتد” إن العلماء ليست لديهم فكرة عن كيف خلق الكون، أو “كسف أن المواد غير الحية على كوكبنا الصغير التأمت وتحولت إلى مخلوقات حية”. ومن هنا جاءت الكلمة: “يمكنك أن تقول إن العلم اكتشف أن وجودنا امر غير محتمل بشكل مطلق، ومن هنا فهو معجزة”[20].
حتى عالم الكيمياء الحيوية، والمتشكك الروحي فرانسيس كريك الذي تشارك جائزة نوبل لاكتشافه الهيكل الجزيئي الـ DNA، استشهد بالكلمة محذراً منذ عدة سنوات: “الإنسان المخلص والمسلح بكل المعرفة المتاحة لنا الآن يمكنه أن يقول فقط أنه بمعنى ما يظهر أصل الحياة حالياً على أنه معجزة، حتى إن الظروف كثيرة جداً التي من الممكن أنها قد أرضت كي تجعلها تستمر”[21].
وهناك آخرون أكثر حدة. قال برادلي: “إن لم يكن هناك تفسير طبيعي، ولا تبدو هناك إمكانية إيجاد تفسير، فإن أومن عندئذ أنه من المناسب أن ننظر إلى تفسير خارق للطبيعة. وأعتقد ان هذا هو أكثر رأي عقلاني مبني على الدليل”[22].
الصورة الثانية: شجرة حياة دارون
حان الوقت كي أتقدم نحو الصورة الثانية من صور نظرية التطور. من أهم الأيقونات المعروفة هو الرسم الذي صممه لكتابه “أصل الأنواع” لكي يشرح نظريته أن كل المخلوقات الحية لها سلالة مشتركة، وأن الاختيار الطبيعي قاد إلى التطور الأخير للكائنات الحية التي لا تعد، والتي نراها في العالم الحديث. بالنسبة لي، فإن رسمه التوضيحي لشجرة التطور لخص لماذا كانت نظرية التطور مؤثرة للغاية: فقد بدا أنها تشرح كل شيء في التاريخ الطبيعي. ومع ذلك، فالسؤال هو ما إذا كانت الشجرة تمثل الحقيقة.
قلت لويلز: “لدينا الآن أكثر من قرن من الزمان من اكتشافات الحفريات منذ رسم دارون صورته. فهل صمدت شجرة التطور هذه؟”
فأتاني رده السريع: “بالقطع لا. فكرسم توضيحي لسجل الحفريات، كانت شجرة الحياة نوع من الفشل الذريع لكنها توضيح بشكل جيد لنظرية دارون.
“لقد آمن بأنه إن تعرض جمهور من الناس لمجموعة واحدة من الظروف، وجزء آخر من الجمهور اختبر ظروفاً أخرى، فعندئذ قد يتمكن الاختيار الطبيعي من تعديل كلا الجمهورين بطرف مختلفة. وبمرور الوقت، قد تنتج فصيلة واحدة تفرعات كثيرة، وإن استمرت هذه التفرعات في الانحراف، فسوف تصبح في النهاية فصائل منفصلة. ولهذا كان رسمه في شكل شجرة لها أغصان”.
“كان أحد مفاتيح نظريته هو أن الاختيار الطبيعي سيعمل – كما قال – “ببطء بجمع تنوعات خفيفة، ومتتالية، ومقبولة”، وأنه لم يكن ممكناً “أية تعديلات حاسمة أو مفاجئة”.
لم أرد أن تفوتني أهمية ما كان يؤكده ويلز، فسألته: “هل تقصد أن شجرة الحياة توضح أفكار دارون، لكن نظريته لا تؤيدها الأدلة الطبيعية التي اكتشفها العلماء في الحفريات؟”
فاستطرد: “هذا صحيح. في الحقيقة، علم دارون ان سجل الحفريات فشل في مساندة شجرته. واعترف بأن مجموعات رئيسية من الحيوانات – يدعوها هو انقسامات divisions، وتدعى الآن phyla – تظهر فجأة في سجل الحفريات[23]. وهذا ما لم تتنبأ به نظريته.
إن نظريته تتنبأ بتاريخ طويل لانحراف تدريجي عن سلالة مشتركة، مع اختلافات تزداد حتى تحصل على الاختلافات الرئيسية التي لدينا الآن. إن دليل الحفريات، حتى في زمن دارون، أظهر العكس: الظهور السريع لاختلافات مستوى الشعبة فيما يُسمى بـ “انفجار العصر الكمبري Cambrian explosion”.
آمن دارون بأن الاكتشافات المستقبلية للحفريات ستثبت نظريته، لكن هذا لم يحدث. في الواقع، فإن اكتشافات الحفريات طوال المائة وخمسين عاماً الماضية قلبت شجرته رأساً على عقب عندما أوضحت ان انفجار العصر الكمبري كان مفاجئاً وحاداً أكثر مما اعتقد العلماء”.
كان هذا يتطلب المزيد من الشرح، فقلت: “توسع عن انفجار العصر الكمبري”.
فقال: “كان العصر الكمبري فترة جيولوجية نعتقد أنها بدأت منذ أكثر من 540 مليون سنة. وقد سُمي انفجار العصر الكمبري بـ “الانفجار البيولوجي العظيم”، لأنه تسبب في الظهور الفجائي لمعظم الحيوانات الضخمة الحية حتى الآن، والتي انقرضت أيضاً”.
“وهذا ما يوضحه سجل الحفريات: كان هناك بعض قناديل البحر، والاسفنج، والديدان قبل فترة العصر الكمبري، ومع ذلك لا يوجد دليل يدعم نظرية دارون عن التاريخ الطويل للانحراف التدريجي.
“بعد ذلك في بداية انفجار العصر الكمبري، نرى فجأة ممثلين عن الحيوانات المفصلية، وممثلين عصريين منها الحشرات، والسرطانات، وما شابه ذلك؛ والقنافذ الجلدية التي تتضمن الفقاريات العصرية وما شابه. أما الثدييات فقد جاءت فيما بعد. لكن الحبليات – المجموعة الرئيسية التي تنتمي إليها – كانت موجودة آنذاك في بداية العصر الكمبري.
“وكل هذا يتناقض تماماً مع شجرة حياة دارون. فهذه الحيوانات – التي تختلف تماماً في شكلها الجسدي – تظهر أنها متطورة بشكل كامل فجأة، وهذا ما دعاه علماء الباليونتولوجي أكثر ظاهرة وحيدة مثيرة للإعجاب لسجل الحفريات”.
مثيرة للإعجاب حقاً. لقد كان الأمر مذهلاً! كنت أواجه المصاعب وأنا أفكر في المصطلحات الجيولوجية الضخمة مثل “فجأة Sudden، مفاجئ abrupt”؛ فهي تحمل معاني تختلف تماماً عن استخدامنا اليومي لها. وكنت بحاجة لتوضيح أكثر.
“كيف ظهرت هذه الحيوانات فجأة على الساحة؟ اشرح لي”.
“حسناً، تفحصت عيناه أرجاء الغرفة بحثاً عن شرح مناسب. وعندما لم يجد، رجع ببصره إليّ، وقال: “هل أنت مشجع لكرة القدم؟”
شعرت بورطة. لم أرد الاعتراف بأنن كنت أشجع فريق Chicago Bears سيء الحظ منذ كنت مراهقاً[24]. وفي النهاية كانت مصداقيتي في خطر! فاحتفظت بالإجابة غامضة: “أوه، نعم، إني أحب اللعبة”.
فقال: “حسناً، تخيل نفسك وأنت على أحد خطي المرمى في ملعب كرة قدم. هذا الخط يمثل الحفرية الأولى، كائن حي ميكروسكوبي وحيد الخلية. والآن أبدأ السير في أرض الملعب. تخطى خط العشرين ياردة، ثم الأربعين ياردة، ثم منتصف الملعب، وتكون بذلك تقترب من خط المرمى الأخر. ويكون كل ما رأيته طوال هذا الوقت هو هذه الكائنات الحية الميكروسكوبية وحيدة الخلية.
“ثم تأتي إلى خط الستين ياردة في نهاية الملعب، والآن ترى هذا الاسفنج، وربما بعض قناديل البحر والديدان. ثم بعد ذلك الانفجار! – في فضاء خطوة واحدة تظهر فجأة كل هذه الأشكال الأخرى للحيوانات. وكما قال أحد العلماء المؤمنين بنظرية التطور، فإن مجموعات الحيوانات الرئيسية “تظهر في سجل الحفريات كما ظهرت أثينا من رأس زيوس، متفجرة تماماً، وتواقة للانطلاق”.
“والآن، لا أحد يمكنه أن يدعو هذا شجرة ذات أغصان! رغم أن بعض علماء الباليونتولوجي قد يعتقدون بأن نظرية دارون صحيحة في مجملها؛ إلا أنهم يدعونها مجرد حشائش وليس شجرة، لأن لديك أوراق النبات المنفصلة هذه من الحشائش التي تنمو. يقول عالم باليونتولوجي في الصين إنه من السهولة قبول شجرة دارون، لأن المجموعات الرئيسية من الحيوانات، بدلاً من أن تأتي أخيراً في قمة الشجرة، تأتي أولاً عندما تظهر الحيوانات ظهورها الأول.
“بكلا الطريقتين، النتيجة واحدة: انفجار العصر الكمبري اقتلع شجرة دارون”[25].
الفرضية تفشل
ومع ذلك، بدا أن هناك عودة سهلة للأمر. فقلت: “ربما كان دارون على صواب؛ فسجل الحفريات ما زال ناقصاً. ومن يدري كيف أنه من الممكن أن تعاد كتابة التاريخ الطبيعي الأسبوع المقبل باكتشاف موقع حفريات في مكان ما. أو ربما كانت الكائنات الحية التي كانت موجودة قبل الانفجار العظيم البيولوجي صغيرة للغاية، أو أن أجسادها كانت لينة للغاية حتى انها لم تترك أي أثر في سجل الحفريات”.
بعد أن أثرت هذه الاعتراضات، استندت للوراء في مقعدي، وقلت في سخرية: “بصراحة، لا يمكنك أن تبرهن العكس”.
فهدأ ويلز للحظات ثم قال: “إنني مضطر كعالم أن أقبل إمكانية أنه في العام المقبل قد يكتشف أحدهم قاع حفرية في الكونغو أو في مكان آخر قد تسد الفراغات التي لدينا.
فأومأت لاعترافه، ومع ذلك لم يكن قد انتهى.
أضاف قائلاً: “لكني لا أعتقد بالتأكيد بإمكانية حدوث هذا. إنه لم يحدث بعد كل هذه الفترة الزمنية الطويلة، واكتشاف ملايين الحفريات. هناك بالتأكيد صخور رسوبية جيدة وكافية من قبل حقبة العصر الكمبري كان يمكنها أن تحفظ السلالات لو كانت موجودة. عليّ أن أتفق مع خبيرين في هذا المجال قالا بأن انفجار العصر الكمبري “من الضخامة بمكان حتى يخطئه سجل الحفريات”[26].
أما عن حفريات ما قبل العصر الكمبري، فقد كانت صغيرة للغاية أو لينة حتى أنه لا يمكن حفظها، كما أنه لدينا حفريات ميكروسكوبية من البكتيريا في الصخور يرجع تاريخها إلى أكثر من ثلاثة بلايين سنة. وقد وجدت في استراليا كائنات حية ذات أجساد لينة من فترة ما قبل الكمبري. وفي الحقيقة، فقد اكتشف العلماء حيوانات ذات أجسام لينة في انفجار العصر الكمبري ذاته. ولهذا لا أعتقد أن هذا تفسير جيد جداً. فاليوم يتحول أولئك المؤمنون بنظرية التطور إلى دليل جزيئي كي يحاولوا أن يُظهروا وجود سلالة شائعة قبل العصر الكمبري”.
“وكيف يسير هذا الأمر؟”
“ليس جيداً. ولكن هاك العملية: لا يمكنك أن تحصل منها على دليل الجزيئات من الحفريات ذاتها، فهو يأتي بكامله من كائنات حية. وأنت تأخذ جزيء أساسي للحياة، ولتكن RNA بلازمية، وتفحصها في قنديل بحر، ثم تدرس ما يماثلها في قوقعة، ودودة، وضفدعة. إنك تبحث على أوجه الشبه بينهم. وإن قارنت هذا الجزيء بتصنيفات مختلفة من أشكال جسم الحيوان، ووجدت تشابهات، وإن افترضت أنهم جاءوا من سلالة شائعة، عندئذ يمكنك بناء شجرة تطور نظرية.
ولكن توجد مشكلات عديدة جداً في هذا الأمر. فإن قارنت شجرة الجزيء هذه مع شجرة مبنية على التشريح، فسوف تحصل على شجرة مختلفة. يمكنك أن تفحص جزيء آخر، وتصل إلى شجرة جديدة تماماً. في الحقيقة، إن أعطيت جزيئاً واحداً لفحصه في معملين مختلفين، فبإمكانك الحصول على شجرتين مختلفتين. فليس هناك نوع من الثبات، بما في ذلك العمر. وبناء على هذا، أعتقد أنه من المعقول بالنسبة لي كعالم أن أقول إننا يجب أن نشك في افتراضنا بوجود هذه السلالة السائدة”.
توقف ويلز للحظات. وواصل حديثه قائلاً: “بالطبع، إن وجود نسل من سلالة شائعة هو أمر صحيح في بعض المستويات. ولا أحد ينكر ذلك. فمثلاً، يمكننا تتبع أجيال ذباب الفاكهة حتى نصل إلى أصل هذه السلالة. في إطار فصيلة وحيدة، كان بالإمكان ملاحظة سلسلة النسب الشائعة بطريقة مباشرة. ومن الممكن أن تكون سلسلة النسب الشائعة بطريقة مباشرة. ومن الممكن أن تكون كل القطط – النمور، والأسود، إلخ – قد انحدرت من سلالة واحدة شائعة. وإن لم تكن هذه حقيقة، فمن الممكن ان تكون استنتاج معقول مبنى على التهجين.
“لذلك ونحن نصعد هذه المستويات المختلفة من التصنيفات المتسلسلة – فصيلة، وجنس، وأسرة، ونوع، ونظام – فإن السلالة السائدة هي حقيقة بكل تأكيد على كل مستوى الفصائل، ولن هل هي كذلك في المستويات الأعلى؟ كلما ارتقينا للأعلى في التسلسل التصنيفي، كلما صار الأمر غير مؤكد بشكل متزايد. فعندما تصل إلى مستوى الأقسام phyla تجد مجموعات الحيوانات الرئيسية، إنها فرضية هشة للغاية. في الواقع، يمكنني القول بأنها غير مؤكدة. فالدليل لا يؤيدها”[27].
كانت الحقائق مؤثرة. لا أحد يمكنه أن يؤكد أن شجرة دارون وصف دقيق لما أنتجه سجل الحفريات. وبغض النظر عن احتجاجات الدارونيين، فإن الدليل قد فشل في تأييد تنبؤات دارون. ومع ذلك، فعندما واجهت الرسم وأنا طالب، استنتجت أنه أوضح نجاح لأفكاره التطورية.
“هل ما زال هذا الرسم موجود في الكتب المدرسية حتى اليوم؟”
فأجاب باندهاش: “إنه ليس موجود فقط، بل ويقولون إنه حقيقة. أنا لا أعارض وجوده؛ فأنا أعتقد أنه توضيح جيد لنظرية شيقة. لكن الذي أعارضه هو أن الكتب المدرسية تقول بأن الحقيقة هي أن كل الحيوانات تشترك في سلالة مشتركة. حسناً، هذه ليست حقيقي!
“إذا فكرت في كل هذه الأدلة، فإن شجرة دارون زائفة كوصف لتاريخ الحياة. بل وسأقول أكثر من هذا: إنها ليست حتى فرضية جيدة في هذه النقطة.
الصورة الثالثة: أجنحة هايكل
كأي طالب يدرس نظرية التطور، رأي ويلز رسومات ارنست هايكل للأجنة، والتي كانت توصف غالباً على أنها من بين أفضل الأدلة المؤيدة للدارونية. لكن ويلز لم ير هذه الرسوم على حقيقتها حتى قام بالدراسة لنوال درجة الدكتوراه في أجنة الفقاريات.
تصور أشهر صور هايكل أجنة سمكة، وسلمندر، وسلحفاة، وكتكوت، وخنزير، وعجل، وأرنب، وإنسان جنباً إلى جنب في ثلاث مراحل من النمو. وهذه الرسوم التوضيحية تدعم تأكيد دارون القائل بأن التشابهات المثيرة بين الأجنة المبكرة هو “أقوى درجة فريدة من الحقائق” المؤيدة لنظريته بأن كل الكائنات الحية تشترك معاً في سلالة كونية واحدة.
أعجبت للغاية برسومات القرن التاسع عشر عندما رأيتها لأول مرة كطالب. وبينما قارنت بعناية الأجنة في مرحلتها الأولى، متنقلاً بين الواحد والآخر. وجدت انه يصعب التمييز بينها. ففكرت كثيراً في هذا الأمر، لكني لم أجد تفسيراً منطقياً لهذه الظاهرة غير أن لها سلالة مشتركة. وكان حكمي سريعاً: دارون يكسب.
كان التفسير الحقيقي، كما سيتضح، غريباً عليّ جداً مما قد فكرت فيه.
“عندما رأيت هذه الرسومات، هل كان لديك نفس رد فعلي أنا – وهو أنها دليل قوي مؤيد للدارونية؟”
“نعم، حدث ذلك عندما نظرت إليها لأول مرة. لكني ما أن بدأت في عمل التخرج حتى بدأت في مقارنة الصور الواقعية للأجنة بما رسمه هايكل.”
“وماذا وجدت؟”
قال وعيناه تتسعان: “لقد ذهلت! لم تكن مناسبة. كان هناك تناقض كبير. كان الأمر يصعب تصديقه بالفعل”.
عندما كان ويلز يصف ما حدث، حركت رأسي ببطء مندهشاً لتضمينات ما كان يقوله. فاستطرد قائلاً: “إن الكتب المدرسية تبسط الحقائق أكثر من اللازم. ولكن بمرور الوقت بدأ الأمر يزعجني أكثر فأكثر”.
كنت متشوقاً لمعرفة التفاصيل، فسألته: “ماذا أزعجك بالتحديد؟”
“هناك ثلاث مشكلات في هذه الرسومات، أولها أن التشابهات في المراحل الأولى كانت مزيفة”.
كان ويلز قد سوى الاتهام دون نبرة انفعال في صوته، ومع ذلك كان اتهاماً مثيراً. فكررت الكلمة: “مزيفة؟ هل أنت متأكد؟” لقد بدا أن الأمر لا يصدق أن الكتب التي اعتمدت عليها وأنا طالب يمكن أن تكون قد ضللتني بدرجة صارخة.
“بإمكانك أن تقول إنها مغشوشة، أو مشوهة، أو مضللة، لكن الأهم هو أنها مزيفة. لقد استخدم هايكل في بعض الحالات وبشكل واضح نفس الكليشية الخشبي لطباعة الأجنة من درجات مختلفة، لأنه كان واثقاً للغاية من نظريته حتى أنه ظن انه ليس بحاجة كي يرسمها منفصلة. وفي حالات أخرى عدّل الرسومات كي تبدو أكثر تشابهاً مما هي عليه في الحقيقة. على أي حال، فإن رسوماته تشوه الأجنة”.
“إنه لأمر مدهش! إلى متى عرف هذا الأمر؟”
“لقد عُرضوا لأول مرة في ستينات القرن التاسع عشر عندما اتهمه زملائه بالخداع”.
“مهلاً، لقد رأيت هذه الرسومات في كتب درستها عندما كنت طالباً في الستينات والسبعينات، أي بعدها بمائة عام، فكيف يمكن هذا؟”[28]
“الأمر أسوء من هذا! فهي ما زالت تُستخدم في الكتب المدرسية، حتى في كتب الأحياء للفصول العليا. وفي الواقع، قمت بتحليل وتوصيف عشرة كتب مدرسية حديثة لمعرفة مدى دقتها في تناول هذا الموضوع. واضطررت أن أعطي ثمانية منها درجة F، والاثنين الباقيين كانا أفضل قليلاً، فأعطيتهما درجة D”.
كان الغضب يثور في أعماقي. فأنا قبلت الدارونية، وبالتالي الإلحاد، جزئياً على أساس رسومات عرفها العلماء لمدة قرن من الزمان أنها معدلة. قلت: “في الحقيقة يصعب تصديق هذا الأمر. ألا يدفعك هذا للجنون؟”
“بالطبع، لأنني نشأت على هذا الوضع أيضاً. لقد ضللت ولم يكن هناك عذر لذلك. عندما كشف بعض علماء الأحياء هذا الموضوع في مقال منذ سنوات قليلة، شكا ستيفن جاي جولد من هارفارد بأن هذا لم يضف جديداً. لقد كان يعرف هذا منذ عشرين عاماً! ولم يكن سراً بالنسبة للخبراء.
“لماذا تظل هذه الرسومات في الكتب المدرسية إذاً؟ قال جولد إن مؤلفي هذه الكتب يجب أن يخجلوا من الطريقة التي عدلت بها الرسومات لأكثر من قرن. وعلى الأقل كان أميناً لدرجة أنه دعاها “المرادف الأكاديمي للقتل”.
خطايا هايكل
كان كشف ويلز لأجنحة هايكل كشفاً مثيراً، لكنه قال إن هناك مجموعة من ثلاثة مشكلات بخصوص الرسومات. لم أحتمل الانتظار، فسألته: “ما هي المشكلتان الأخيرتان؟”
“المشكلة الصغرى هي أن هايكل اختار أمثلته من أفضل الاختيارات. فهو يبين فقط القليل من الفئات السبعة للفقاريات. على سبيل المثال، يتضمن أشهر أداء له على ثمانية أعمدة. أربعة للثديات، لكنها كلها ثدييات لها مشيمة. وهناك نوعان آخران من الثدييات لم يعرضهما، وهما مختلفان عما سبق. والفئات الأربع الأخرى التي عرضها – الزواحف، والطيور، والبرمائيات، والأسماك – أكثر تشابهاً من تلك التي حذفها. لقد استخدم سلمندر كي يمثل البرمائيات بدلاً من ضفدعة، والتي تبدو مختلفة للغاية.
ولهذا كدس الرسومات بما اختاره لكي يكون مناسباً لفكرته – وفعل أكثر من هذا بأنه زور المتشابهات”.
فقلت بسخرية: “هذا يبدو لي كخرق صريح للبروتوكول العلمي من وجهة نظري. فإن كانت هذه هي المشكلة الصغيرة، فما هي المشكلة الكبيرة؟”
تحرك ويلز إلى نهاية كرسيه، وقال: بالنسبة لي، كعالم أجنة، فإن المشكلة الكبرى هي أن ما ادعاه هايكل كونه المرحلة الأولى من التطور ليس هو كذلك. إنه في الحقيقة ملتقى التطور. إن رجعت للمراحل الأولى، ستجد أن الأجنة تبدو مختلفة تماماً عن بعضها البعض. لكنه يحذف عمداً المراحل المبكرة جميعاً”.
لم أفهم على الفور الأهمية الكاملة لذلك، فسألته: “ولماذا تعتبر هذا امراً مهماً؟”
“تذكر أن دارون ادعى أنه بسبب ان الأجنة متشابهة جداً في مراحلها المبكرة، فهذا دليل السلالة المشتركة. لقد اعتقد أن المرحلة المبكرة أظهرت ماذا كان يشبه الجد المشترك – كان يشبه سمكة.
لكن علماء الأجنة يتحدثون عن “الساعة الرملية التطورية”، التي تشير إلى شكل ساعة رملية، بعرضها الذي يبين قياس الاختلاف. وأنت تعلم أن أجنة الفقاريات تظهر مختلفة تماماً في مراحل الخلية المبكرة. فمثلاً تختلف تقسيمات الخلية في الثدييات اختلافاً أساسياً عن غيرهم في أية فئات أخرى. ولا توجد طريقة ممكنة تستطيع بها أن تخلطهم معاً. في الحقيقة، الأمر مختلف تماماً داخل الفئات. فالنماذج منتشرة في كل مكان.
“ثم في الملتقى، الذي زعم هايكل في رسوماته بأنه المرحلة المبكرة، تصبح الأجنة أكثر تشابهاً، رغم أن أحداً لم يدّع في أي مكان ما ادعاه هايكل. وبعد ذلك تصبح مختلفة تماماً من جديد”.
يا له من نقد ساحق! فرسومات هايكل التي نُشرت بلا حصر لأكثر من قرن من الزمان فشلت على ثلاثة مستويات. لم أحتمل سوى أن أسأل ويلز: “إن كان هذه الرسومات مضللة هكذا، فلماذا يستمر العلماء في نشرها للطلبة جيلاً بعد جيل؟”.
“هناك تفسير غالباً ما يقدم؛ وهو أنه رغم أن هذه الرسومات زائفة، إلا أنها تُعلم مفهوماً حقيقياً في أساسه. حسناً، هذا ليس حقيقياً. فعلماء الأحياء يعرفون أن الأجنة ليست متشابهة للغاية في مراحلها المبكرة”.
وعند هذه النقطة أخرج ويلز كتابه من المكتب، وقلب صفحاته حتى وصل إلى الفصل الذي يتحدث فيه عن هايكل، وقال: “استمع لما يلي: كتاب مدرسي يعرض رسومات هايكل، ويقول: المراحل التطورية المبكرة للحيوانات التي تظهر أشكال كبارها مختلفة تماماً متشابهة بطريقة مدهشة”. وهناك كتاب مدرسي طبع في العام 1999، فيه نسخة معدلة قليلاً لعمل هايكل، ويقول للطلبة: “لاحظوا أن المراحل الجنينية المبكرة لهذه الفقاريات تشبه بعضها البعض بدرجة كبيرة”.
“وكتاب آخر يصاحب رسوماته بالقول: “الأجنة المبكرة للفقاريات تشبه الواحد الآخر بدرجة كبيرة.” وكتاب آخر يقول: “حقيقة واحدة في علم الأجنة دفعت دارون نحو فكرة التطور وهي أن الاجنة المبكرة لمعظم الفقاريات تشبه بعضها البعض بدرجة كبيرة”.
أغلق ويلز الكتاب، وقال: “كما قلت أنا، إنه لأمر زائف أن الأجنة تتشابه للغاية في تطورها المبكرة. وبالطبع، فإن بعض المؤمنين بالدارونية يحاولون الالتفاف حول مشكلات هايك بتغيير نغمتها. إنهم يستخدمون نظرية التطور ليحاولوا أن يوضحوا لماذا توجد اختلافات بين الأجنة.
“لكن هذا هو نفس الشيء الذي كان يفعله المؤمنون بنظرية انفجار العصر الكمبري. فالذي كان من المفروض أن يكون دليلاً أولياً مؤيداً نظرية دارون – دليل الحفريات أو دليل الأجنة – يتضح خطأه، لهذا يقولون على الفور، حسناً، نحن نعلم أن النظرية صحيحة، لذلك دعونا نستخدم النظرية لنشرح لماذا لا يتوافق الدليل”.
وأضاف ويلز وصوته ينم على الإحباط: “ولكن أين هو الدليل على النظرية؟ هذا ما أود معرفته. لماذا يجب عليّ أن أقبل النظرية على أنها حقيقية تماماً؟”
حقيقة الخياشيم
كان تفسير ويلز قد جعلني أشعر بحماقة أنني صدقت رسومات الأجنة التي رأيتها وأنا طالب، والأيقونتان السابقتان اللتان شرحهما ويلز لي. وشعرت كما لو أنني ضحية لعبة خادعة، وأنا ألوم نفسي لسذاجتي في قبول ما ذكرته الكتب المدرسية ومدرسو الأحياء عن نظرية التطور دون نقد.
لكن رسومات هايكل لم تكن هو الدليل الوحيد الذي تعلمته عن السلالة الكونية. فقد قيلت لي أيضاً حقيقة جذابة ساعدت في إقناعي بأن أسلافنا سكنوا المحيط: كل الأجنة الإنسانية، كما قال معلميّ، تجتاز مرحلة تتطور لهم فيها هياكل شبيهة بالخياشيم على رقابهم.
وقد صرحت الموسوعة التي كنت أرجع إليها في حداثتي بصورة واضحة ان “أجنة الثدييات في مرحلة ما لها خياشيم مشقوقة كالتي للأسماك”، وكان هذا بالنسبة لي تأكيد قوي على سلالتنا المائية[29]. في العام 1996، وصفت مجلة Life كيف تنمو الأجنة الإنسانية إلى “شيء ما شديد الشبه بالخياشيم” يعد ” من أقوى الأدلة على نظرية التطور”[30]. وحتى بعض كتب الأحياء المعاصرة تؤكد أن الأجنة البشرية لها “أجربة مشقوقة” أو “خياشيم مشقوقة”[31].
ظل هذا الخبر السار باقياً معي منذ سمعته للمرة الأولى، فسألت ويلز: “أليست الخياشيم دليلاً قوياً على أن أجدادنا قد عاشوا في المحيط؟”
تنهد ويلز. كان من الواضح أنني لم أكن أول من أثير معه هذه القضية. فأجاب: “نعم، هذه هي الحجة المعيارية، ولكن أنظر إلى سرتك للحظات”. وفيما شعرت بالارتباك قليلاً. أحنيت رأسي. فقال: “والآن تحسس رقبتك. هناك تموجات في الجلد، أليس كذلك؟” فهززت رأسي مجيباً.
“حسناً، إذا نظرت إلى جنين، يكون هذا الأمر مضاعفاً. فهو لديه تموجات في الرقبة. لست أقصد أنها مجرد طبقات من الجلد، لكنها أكثر تعقيداً من هذا. إنها ببساطة صفة تشريحية تنمو من حقيقة أن هذه هي الطريقة التي تنمو بها أجنة الفقاريات”.
“دعني أكون واضحاً: إنها ليست خياشيم! قالها مؤكداّ. فحتى الأسماك ليست لها خياشيم في هذه المرحلة. ولكن في البشر تصبح هذه التموجات شيئاً واحداً، وفي الأسماك تتحول إلى خياشيم. إنها ليست حتى خياشيم مشقوقة. وأن تدعوها هياكل شبيهة بالخياشيم يكون بمثابة قراءة نظرية تطورية بحثاً عن دليل. إنها لا تصبح شبيهة بالخياشيم إلى بالمعنى السطحي، إنها خطوط في منطقة الرقبة. وكما قال عالم الأجنة البريطاني لويس وولبيرت إن التشابه خادع”[32].
استطرد قائلاً: “من الممتع كيف أن هذه الأفكار الخاطئة تستمر في النمو. فالمؤمنون بنظرية التطور اعتادوا أن يعلموا هذه العبارة المشهورة “تطور الكائن الفرد، يلخص التطور النوعي”، وهي طريقة خيالية للقول بأن الأجنة تُعيد تاريخ تطورها بالمرور عبر الأشكال لأسلافها في طريق نموها.
“لكن هذه النظرية رفضت لفترات طويلة على نطاق واسع لأنها زائفة من الناحية التجريبية. ومع ذلك، ما زالت بعض ملامحها تظهر. والخياشيم المشقوقة مثال على ذلك”.
الجناح، والزعنفة، والساق، واليد
في بداية لقائنا معاً، كان ويلز قد ناقش تصنيفاً آخر من الأدلة عن الأسلاف الكونية: التماثل في أطراف الفقاريات. عندما كنت طالباً أتذكر رؤية الرسومات التي تصور تركيبات العظام المتشابهة في جناح خفاش، وزعنفة دولفين، وساق حصان، ويد إنسان. وقد قيل لي إنه رغم أن هذه الأطراف قد تم تكييفها لاستخدامات مختلفة، إلا أن تشابهها الضمني أو “تشاكلها” هو دليل أنها تشترك جميعاً في سلالة واحدة.
لقد ذكر ويلز باختصار هذه الظاهرة في بداية لقائنا. وسألته: “أليس التشاكل دليل جيد مؤيد للدارونية؟”
“في الواقع، هذه التشاكلات وصفها وسماها أسلاف داروين، وهم لم يكونوا مؤمنين بالتطور. فقد قال ريتشارد أوين – أشهر خبراء علم التشريح في زمن داروين – أنهم كانوا يشيرون إلى نموذج أصلي أو تصميم مشترك، وليس إلى سلالة بها تعديلات”.
فاعترضت: “لكن التشابهات موجودة ولا يمكنك إنكار ذلك.”
فقال: “نعم، لكن التفسير قد يأخذ كلا الاتجاهين: التصميم، أو السلالة مع تعديلات. فكيف نقرر أيهما صادق؟ إن التشابه فقط لا يعرفنا بذلك. أنظر إلى خطأ بيرا الفاحش”.
أطلق تعليقه هذا مفترضاً أنني سأعرف ما كان يشير إليه. ورغم أن المصطلح قد بدا مألوفاً مع بعض الغموض، إلا إنني لم أستطع تحديد معناه، فسألته: خطأ بيرا الفاحش؟”
“لقد صاغ فيليب جونسون هذا المصطلح بناء على كتاب لعالم الأحياء تيم بيرا في العام 1900. قارن بيرا سجل الحفريات بسلسلة من نماذج السيارات، وقال إن قارنت طراز السيارة Corvette للعام 1953 مع العام 1954 جنباً إلى جنب، ثم طراز العام 1954 مع العام 1955 إلخ، فسوف يتضح لك أنه كانت هناك سلالة بتعديلات. وقال إن هذا ما يفعله علماء الباليونتولوجي مع الحفريات، “وبهذا يصبح الدليل قوياً شاملاً ولا يمكن للعقلانيين أن ينكرونه”.
“وبعيداً عن شرح فكرته، فإن الرسم التوضيحي يُظهر أن مصمماً من الممكن أن يكون قد كان مشاركاً. فهذه النماذج المتلاحقة من الطراز Corvette مبنية خطط رسمها مهندسون، ولهذا هناك ذكاء في العمل ليقود تنفيذ هذه العملية. إن أردت أن توضح أن الملامح المتشابهة نتجت عن عملية دارونية، فعليك أن توضح أنه حالما تكون لديك سيارة، فإن القوى الطبيعية للصدأ، والرياح، والماء، والجاذبية ستحول نموذجاً معيناً إلى خلفيته”.
“الفكرة التي أود توضيحها هي أن بيرا قد شرح دون أي قصد حقيقة ان مجرد أن يكون لديك تتابع من أشكال متشابهة لا يعطينا تفسير للأمر. التقنية مطلوبة. وفيما يختص بطراز Corvette، فإن هذه التقنية هي التصنيع الإنساني”.
“أية تقنية مقترحة للدارونية؟”
“تقنية اسمها “طرق تطورية مشتركة”، وهي تعني أنه إن كان لديك حيوانان مختلفان بصفات متماثلة، ثم قمت بتتبعهما حتى مرحلة الجنين، ستجد أنهما جاءا من خلايا وعمليات متشابهة. وهذا غير صحيح”.
“لقد ذكرت الضفادع قبل ذلك. فهناك بعض الضفادع تنمو إلى ضفادع، وأخرى تنمو إلى طيور، لكنها جميعاً تبدو وكأنها نفس الشكل عندما تصل إلى نهاية نموها. إنها ضفادع. ولهذا فطريقة تفسير الطرق التطورية زائف، ولست أعرف شخصاً واحداً يدرس النمو ويأخذ هذا الأمر بجدية”.
“هناك تفسير أكثر شيوعاً موجود الآن؛ وهو أن التشاكلات تأتي من الجينات المتشابهة. أي أن سبب تشاكل صفتان في حيوانيين مختلفين هو أنهما مبرمجان بجينات متشابهة في الجنين. ولكن يتضح أن هذا لا يفيد جيداً أيضاً. فنحن نعرف بعض الحالات حيث تكون لديك صفات متشابهة تأتي من جينات مختلفة، ولكن لدينا الكثير والكثير من الحالات لديها جينات متشابهة تنتج عنها صفات مختلفة”[33].
“سأعطيك مثالاً: العيون. هناك “جين” متشابه في الفئران، والأخطبوط، وذباب الفاكهة. إن نظرت إلى عين فأر وعين أخطبوط، ستجد تشابهاً سطحياً، وهو تشابه شاذ لأن لا أحد يعتقد أن سلالتهم المشتركة كان لديها عيناً مثل هذه. وما يدهشك بالأكثر هو أنه عندما تنظر إلى عين ذبابة فاكهة – وهي عين مركبة بعدسات متعددة – ستجد أنها مختلفة تماماً. ومع ذلك، فالثلاثة عيون تعتمد على نفس الجين أو الجين المشابه”.
“إنها في الواقع متشابهة تماماً لدرجة أنه يمكنك أن تضع حين الفأر في ذبابة فاكهة تفقد هذا الجين، وسترى أن ذبابة الفاكهة ستنمو عيونها كما لو كان الوضع طبيعياً. إن الجينات متشابهة هكذا. ولذلك، فلا تفسير الطرق التطورية ولا تفسير الجين المتشابه يفسر التشاكل حقاً.
“وما الحل إذاً؟”
“بصراحة، يظل الحل لغزاً. فإن قرات الأدب المتعلق بالتشاكل، فإن الخبراء يعرفون أنه لغز. ربما لا يتخلون عن دعم الدارونية، إلا أنهم يعلمون أنهم لم يحلوا المشكلة. وبالنسبة لي، إن لم تحل مشكلة تقنية ما، فأنت لم تميز بين السلالة المشتركة والتصميم المشترك. قد تكون إحداهما. فالدلي لا يشير إلى طريق واحد أو الآخر.
“أعتقد أن من حق الطلبة ان يعرفوا أن العلماء لم يحلوا هذه المشكلة. وبدلاً من ذلك، فإن بعض الكتب المدرسية تُعرف ببساطة التشاكل على أنه التشابه الذي يعزى إلى السلالة المشتركة. ومن هنا تصبح النظرية صحيحة بالتعريف. إن ما يقوله الكتاب المدرسي هو أن التشابه الذي يعزى إلى سلالة مشتركة يُعزى إلى سلالة مشتركة. وهذه متاهة عقلية”.
جينات البشر، وجينات القرود
حيث تحدث ويلز عن علم الوراثة، تذكرت سؤالاً آخر كنتُ أود ان أثيره معه عن نظرية السلالة المشتركة. فسألته: “ماذا عن دارسات علم الوراثة الحديثة التي توضح أن البشر والقرود تتشارك 98% أو 99% من جيناتها؟ أليس هذا دليلاً على أننا نتشارك سلالة مشتركة؟”
“وإذا افترضت – كما تفترض الدارونية الجديدة – أننا نتاج جيناتنا، فأنت بذلك تقول بأن الاختلافات الكبيرة بيننا وبين الشمبانزي تُعزى إلى 2% من جيناتنا. والمشكلة هي أن الجينات البانية للجسم تقع في مجال 98% ونسبة الـ 2% من الجينات التي هي مختلفة هي جينات تافهة حقاً لا علاقة لها بالتشريح. ولهذا فالتشابه المفترض بين الحامض النووي DNA بين الإنسان والشمبانزي يمثل مشكلة بالنسبة للدارونية الجديدة”.
“ثانياً، ليس من المدهش أنه عندما تنظر إلى كائنين متشابهين تشريحياً، غالباً ما تجدهما متشابهان وراثياً. وليس دائماً ما يكون هناك خلاف حاد مع بعض الكائنات. ولكن هي يبرهن هذا على السلالة المشتركة؟”
هز رأسه مجيباً على سؤاله: “كلا، إنه متناغم مع التصميم المشترك تناغمه مع السلالة المشتركة. فالمصمم يمكنه أن يحدد جيداً أن يستخدم مواد بناء مشتركة كي يخلق كائنات حية مختلفة، تماماً كما يستخدم البناؤون نفس المواد – عوارض صلبة، وبرشام، إلخ – لبناء كباري مختلفة تبدو في النهاية مختلفة تماماً عن بعضها البعض”.
بينما كنت أتصارع ذهنياً بخصوص هذا المفهوم، وقفت لأبسط رجلي. سرت نحو النافذة، ونظرت إلى السيارات على طول الشارع المزدحم، والناس المسرعين على جانبي الطريق. وإذا بفكرة أساسية تخطر على ذهني.
قلت وأنا أشير إلى النافذة: “دعني أرى ما إذا كنت أفهمك. لو كنت بصدد تحليل هذا الشارع وهذا الرصيف كيميائياً، سأجد أنهما متطابقان أو متشابهان جداً. فكلاهما مصنوع من الاسمنت. ولكن هذا لا يعني أنهما يتشاركان سلالة مشتركة – ممر لعربة لعبة الجولف مثلاً – صار أكثر اتساعاً وأكثر مادية بمرور ملايين السنين. لكن التفسير الأفضل هو أنه كان هناك مصمم مشترك قرر أن يستخدم أساساً نفس المواد لبناء هياكل متشابهة، لكنها مختلفة في الاستخدام”.
فكر ويلز في مثالي للحظات، ثم قال: “هذا صواب تماماً. فالأمر يبدو مضحكاً عندما تذكر أن ممراً للجولف يمكنه أن يتطور إلى رصيف أو شارع، لكنه لن يكون أكثر غرابة من بعض ادعاءات التطور البيولوجي. والنقطة المهمة هي أن التشابه في حد ذاته لا يميز بين التصميم والدارونية”.
لقد ابتعدنا عن أجنة هايكل، لكن الموضوعات كانت هي نفسها: هل هناك دليل مقنع من خلال علم الأجنة أو علم التناظر يثبت أن كل المخلوقات الحية تطورت بمرور الوقت من سلالة قديمة؟ استنتجت أن دارون كان على خطأ: ففحص الأجنة من مخلوقات مختلفة في مراحلها الأولى لا يدعم نظريته. والتشابهات الأكيدة بين بعض أطراف الفقاريات لا تميز بالتأكيد بين التصميم أو السلالة كعلة. ومرة أخرى، فإن قوة إقناع الأيقونات المتطورة قد تضاءلت.
نظرت إلى ساعتي؛ فلو كنت سألحق بالطائرة كي أعود إلى لوس أنجلوس، كنت بحاجة للعودة إلى الصورة الأخيرة من الصور التطورية الأربع التي درستها وأنا طالب: الحفرية المهيبة لمخلوق قبل التاريخ أسكتت كثيرين من ناقدي دارون.
الصورة الرابعة: الحلقة المفقودة للطائر الأولي
Archaeopteryx
عندما نُشر كتاب دارون “أصل الأنواع” في العام 1859 اعترف بأن: “أوضح وأخطر اعتراض يمكنه أن يُشن ضد نظريتي” هو أن سجل الحفريات قد فشل في تدعيم فرضيته التطورية.
تساءل ويلز: “إن كانت الفصائل قد جاءت من فصائل أخرى بمراحل غير مدركة، فلماذا لا نرى في كل مكان أشكال انتقالية بلا عدد؟” وقد نسب المشكلة إلى سجل الحفريات كونه غير متكامل. وتنبأ بأن الاكتشافات المستقبلية ستبرر نظريته.
وكما لو كان الأمر متوقعاً، اكتشف العلماء بعد عامين الطائر الأولي Archaeopteryx في محجر ألماني. فاستثار مؤيدو دارون؛ فهذه هي الحلقة المفقودة بين الزواحف والطيور الحديثة، التي كُشفت على الفور بعد ظهور كتاب دارون، ستكون مجرد الأولى من بين اكتشافات حفرية مستقبلية ستدعم تأكيدات دارون.
ومثل كثير من الناس، بما فيهم ذاك العالم الذي “ركع حقاً على ركبتيه في رهبة” عندما لمح لأول مرة هذا الطائر الأولي في متحف التاريخ القومي بإنكلترا[34]، فقد أسرتني الصور الدرامية لذاك المخلوق من عصور ما قبل التاريخ. وانتابني انطباع بأنه كان مصوراً في كتبي عن نظرية التطور لأنه مجرد مثال واحد فقط لحلقات انتقالية كثيرة تم اكتشافها. لكني كنت مخطئاً.
منذ ذلك الوقت عرفت أن سجل الحفريات قد أطاح حقاً بدارون. ففي كتابه “التطور: نظرية في أزمة Evolution: A Theory in Crisis”[35] لخص مايكل دينتون الموقف هكذا:
“…. إن الخبرة العالمية لعلم الباليونتولوجي …. [هي أنه] عندما نتجت عن الصخور على الدوام أشكالاً جديدة وممتعة للحياة، وأحياناً مثيرة… فإن ما لم ينتج عنها أبداً أي من الأشكال الانتقالية الوفيرة التي ذكرها دارون. ورغم الزيادة الهائلة في النشاط الجيولوجي في كل ركن من أركان العالم، ورغم اكتشاف الكثير من الأشكال الغريبة والمجهولة حتى الآن، إلا أن العدد اللامتناهي للحلقات المترابطة لم يكتشف بعد، كما أن سجل الحفريات غير متواصل مثلما كان عندما كان دارون يكتب “أصل الأنواع. لقد ظلت الحفريات المتوسطة محيرة، كما أن غيابها – بعد قرن من الزمان – من أكثر الصفات المثيرة للدهشة لسجل الحفريات”.
قال دينتون إنه نتيجة ذلك، فإن سجل الحفريات “يقدم تحدياً هائلاً لمفهوم التطور العضوي”[36]. ولكن ماذا عن الطائر الأولي؟ إن حفريات هذا المخلوق الرهيب، وصورته المفصلة المطبوعة على الحجر الجيري، لا تزال تبدو وكأنها تقف في تناقض صارم لهذا الاتجاه.
“ألا يسد الطائر الأولي الفراغ بين الزواحف والطيور الحديثة؟”
“هناك مشكلات عدة في هذا الأمر. فهل هو يبين التطورية الدارونية؟ كلا، وهو نفس سبب لماذا لا يبين طراز Corvettes التطورية الدارونية. نحن بحاجة لما هو أكثر من هيئة متوسطة لتوضيح هذا. نحن بحاجة لمعرفة كيف تنتقل من واحدة لأخرى”.
والسؤال هو، هل تنتقل من زاحف إلى طائر – وهي خطوة كبيرة مدهشة – بعملية طبيعية تماماً، أم أن هذا يحتاج تدخل مصمم؟ إن الطائر الأولي – ذاك الطائر الجميل – لا يوضح لنا طريقاً أو آخر. وبالإضافة إلى ذلك، فنحن نرى حيوانات غريبة من حولنا اليوم، مثل البلاتبوس* Platypus، ولا أحد يعتبره حيوان انتقالي، لكنه له صفات من درجات أخرى.”
فأصر قائلاً: “كلا، ولا حتى قريب من هذا. إنه طائر بريش حديث. والطيور تختلف جداً عن الزواحف بطرق مهمة كثيرة؛ أسلوب تربيتها، وتركيتها العظمي، ورئتها، وتوزيع وزنها وعضلاتها. لكن الطائر الأولي هو طائر، وليس جزء طائر وجزء زاحف.
وقال: “لكن هناك أمور أكثر تشويقاً في قصة هذا الطائر الأولي. الأمر الرئيسي يأتي من فرع من نظرية التطور يُسمى** cladistics. وهذا يأخذ نظرية دارون إلى وضع غير معقول. ويُعرف مؤيدو التصنيف وفق الخواص المشتركة التماثل، أو التشابهات الطبيعية كأمر يُعزى إلى السلالة المشتركة. ثم يقولون، حسناً، الطريقة الرئيسية التي تمكننا من وضع الحيوانات في مجموعات في شجرة التطور هي من خلال التماثلات التي هي فعلاً جزء من الحجج الغير مباشرة. وعندما يرجعون إلى سجل الحفريات، يدعون أن الطيور قد جاءت من الزواحف بالسلالة، ويبحثون عن زواحف أكثر شبهاً بالطيور في تركبيها الهيكلي”.
“وأين يجدونها؟”
فابتسم ويلز قائلاً: ” هذا هو الجزء الممتع. يتضح أنهم يكتشفونها بعد ملايين السنين من الطائر الأولي! ويكون لدينا الآن الطائر الأولي، الذي هو طائر بلا جدال، ومع ذلك فالحفريات التي تشبه كثيراً السلالات الزاحفة للطيور تظهر بعد عشرات الملايين من السنين فيما بعد في سجل الحفريات. وتظل الحلقة المفقودة مفقودة! والآن فإن المؤمنين بنظرية التطور في حيرة وهم يبحثون عن سلالة نظرية أخرى لمحاولة ملء الفراغات، لكنها لم تُكتشف”.
“إذاً الطائر الأولي ليس هو أصل سلالة الطيور الحديثة؟”
“إطلاقاً. وعلماء الباليونتولوجي يتفقون على هذا. فهناك اختلافات هيكلية كثيرة. في العام 1985، قال لاري مارتن – وهو عالم باليونتولوجي من جامعة كنساس – بكل وضوح إن الطائر الأولي ليس هو أصل سلالة أية طيور حديثة، بل عضو مجموعة منقرضة تماماً من الطيور”[37].
لقد قيل الكثير عن قوة الطائر الأولي لتوثيق ادعاءات دارون. وحتى العالم المتحمس المؤمن بنظرية التطور بيير ليكومتي من نوي Pierr Lecomte du Nouy يقول:
ليس مصرحاً لنا أن نعتبر الحالة الاستثنائية للطائر الأولي كحلقة حقيقية. وبكلمة حلقة نعني مرحلة ضرورية للانتقال بين فئات كالزواحف والطيور، أو بين المجموعات الأصغر. الحيوان الذي يبين خصائص تنتمي إلى مجموعتين مختلفتين لا يمكن معاملتها كحلقة حقيقية طالما أن المراحل الوسطية لم تُكتشف، وطالما أن تقنيات الانتقال بقت مجهولة[38].
ومع ذلك، فحتى إن اتضح أن الطائر الأولي مخلوق انتقالي، فسوف يكون مجرد احتجاج خافت أمام زئير سجل الحفريات الذي يصم الآذان ضد الدارونية الكلاسيكية.
قال فيليب جونسون: “إن كنا نختبر الدارونية، لا مجرد البحث عن مثال تأكيدي او مثالين، فإن مرشحاً جيداً واحداً لحالة السلالة غير كافية لإنقاذ نظرية لها تاريخ عالمي من الانتقال التطوري المستمر”[39].
المحتالون وديوك الرومي
رغم ذلك، كان علماء البليونتولوجي متلهفين لمحاولة تحديج سلالة زاحفة واقعية للطيور. وإذ كانوا مدفوعين بالتزام صارم نحو نظرية التطور، نتج عن حماسهم بعض المفاجآت المذهلة للعلم. وكان ويلز أكثر من متحمس ليمتعني ببعض الأمثلة.
“منذ بضع سنوات، أعلنت الجمعية الجغرافية القومية أن حفرية تم شراؤها في معرض أريزونا للمعادن اتضح أنها “الحلقة المفقودة بين الديناصورات الأرضية والطيور التي بإمكانها أن تطير حقاً”. وقد ظهر شكلها هكذا فعلاً. أطلقوا عليها اسم archaeoraptor، وكان لها ذيل ديناصور وأطراف طائر. ونشرت مجلة National Geographic مقالاً في العام 1999 قال إنه يوجد الآن دليل يقول بأن الديناصورات ذات الريش كان هي أصل سلالة الطائر الأولي”.
“هذا يبدو مقنعاً للغاية”.
“حسناً، المشكلة هي أن هذا كان أمر زائف! فقد أثبت عالم باليونتولوجي صيني أن شخصاً ما لصق ذيل ديناصور بطائر بدائي. وقد صممه ليبدو وكأنه ما كان يبحث عنه العلماء تماماً. وبدأت زوبعة من الانتقاد؛ فالمسؤول عن قسم الطيور في متحف Smithosoinan أشار إلى أن المجتمع أصبح منحازاً إلى “العلماء المتحمسين” الذين كانوا “مهتدين جدد للإيمان بأن الطيور قد تطورت عن الديناصورات”.
ثم أطلق ويلز جملة غريبة ساخرة أدهشتني آنذاك كونها ساخرة للغاية: “إن الزيف يأتي من هذه الحفريات طوال الوقت لأن المتعاملين مع الحفريات يعرفون أنها تتضمن أموالاً طائلة”.
بقيت متشككاً إزاء تلك التهمة حتى قرأت فيما بعد لقاءاً مع عالم الطيور آلان فيدوشيا، وهو بيولوجي تطوري في جامعة نورث كارولينا في Chapel Hill. عندما أثار أحد مراسلي مجلة Discover زيف حفرية الـ archaeoraptor، قال:
إن حفرية الـ archaeoraptor هي مجرد جزء صغير من مشكلة كبرى. فهناك العديد من الحفريات الزائفة ألقت بظلال قاتمة على الساحة بأكملها. وعندما تذهب إلى معارض تلك الحفريات، يصعب عليك معرفة أيها مزيف وأيها حقيقي. لقد سمعت بوجود مصنع حفريات مزيفة في شمال شرق الصين، في مقاطعة Liaoning، بالقرب من المستودعات التي اكتشفت فيها مؤخراً هذه الديناصورات المزعومة ذوات الريش[40].
وعندما سُئل فيدوشيا عما يُحفز مثل هذا الزيف، أجاب: “الأموال، فتجارة الحفريات الصينية أصبحت تجارة ضخمة. وقد بيعت تلك الحفريات المزيفة في السوق السوداء لعدة سنوات بمبالغ كبيرة. ومن يمكنه أن ينتج حفرية مزيفة جيدة يربح كثيراً”[41].
وقعت أحداث أخرى غريبة في نفس الوقت تقريباً الذي ظهرت فيه حفرية الـ archaeoraptor. كان ويلز يحضر مؤتمراً في فلوريدا، حيث كان العرض يتضمن حفرية تدعى bambiraptor، وهي ديناصور في حجم الدجاجة له افتراضاً صفات طائر.
“ومرة أخرى دعاها علماء الباليونتولوجي الحلقة المفقودة. كان هذا الحيوان المعروض الذي بُني من جديد عليه ريش أو هياكل شبيهة بالريش، والمشكلة أنهم لم يجدوا مع الحفرية أي ريش! ولكن لأن العلماء قالوا إنه يجب وجود ريش، أضيف إليها. وأصبح الديناصور أكثر شبهاً بطائر، لأن الشخص الذي أعاد تشكيله استخدم نفس العيون الصناعية التي يضعها محنطو الحيوانات النسور المحنطة”. وبينما كان هناك إنكار مختصر، كُتب هذا الأمر بشكل غامض.
“ثم أعلنت مجموعة من علماء الأحياء الجزيئية في المؤتمر عن وجود طائر DNA بعظام ديناصور عمرها 65 مليون عان. سيكون الأمر مشوقاً! فقد اقترحوا أن هذا كان دليل وراثي يقول بأن الطيور ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالديناصورات”.
“والمشكلة هي أن العظام التي استخرج منها الحامض النووي DNA افتراضاً هي من فرع ديناصورات لا علاقة لها بسلالة الطيور. والأكثر من ذلك، فالحامض النووي الذي اكتشفوه لم يكن مشابهاً للطيور بنسبة 90% أو 99%، لكنه كان يشبه الحامض النووي للديك الرومي بنسبة 100%! وحتى الدجاج ليس بها الحامض النووي المشابه للحامض النووي للديك الرومي بنسبة 100%. فالديك الرومي فقط هو الذي الحامض النووي المشابه للحامض النووي للديك الرومي بنسبة 100%.
ولهذا قال هؤلاء الناس إنهم وجدوا الحامض النووي للديك الرومي في عظام الديناصورات، ونشر هذا بالفعل في مجلة Science! وهذا أمر يصعب تصديقه بالنسبة لي! فقط كان العنوان الرئيسي في المجلة يقول بوضوح: “الديناصورات والديوك الرومي: هل مرتبطان بالحامض النووي؟”
هذه القصة الأخيرة أثارت السؤال التالي: “كيف نفس أن الحامض النووي كان هناك؟”
فقال ويلز وهو يهز رأسه: “ربما يكون أحدهم قد ألقى ساندويشاً من الديك الرومي في الحفرة، أو ريما كان هناك تلوث في المعمل. لو كنت قد سجلت شيئاً من قبيل هذا في أحد أبحاثي لسخروا مني قائلين: “أعد الاختبار مرة أخرى، إنه ملوث”.
“ولكن للأسف، أخذ الأمر بجدية لدرجة أن يُنشر في مجلة Science! فحتى العالم الذي سجل الاكتشاف صرح بأنه كان “متشككاً تماماً” من طريقة عمله في تلك النقطة، ومع ذلك كان الناس مستعدون للتمسك به لتدعيم إيمانهم بالدارونية”[42].
أسطورة إنسان جاوة
لم أتمكن من إنهاء حديثي دون أن أتطرق إلى أيقونة أخرى ترتبط بدليل الحفرية: الصور التي شاهدتها من وقت لآخر عن موكب لمخلوقات تشبه القرود، وتتطور إلى كائنات بشرية حديثة. في الحقيقة، فإن هذا الشكل التوضيحي مصور على غلاف أحد طبعات كتاب “أصل الأنواع” في العام 1998[43]. وبالنسبة لكثيرين، فإن هذه “الأيقونة الأساسية” ليست مجرد نظرية، بل حقيقة مؤكدة.
كتب والتر كرونكايت مذيع نشرة الأخبار الشهير في وثيقة عن التطور: “إن عدت للتاريخ البعيد، ستجد أننا نحن والشمبانزي نتشارك سلالة مشتركة. فجدي الرابع – إن عدنا بالتاريخ إلى نصف مليون جيل – أي حوالي خمسة ملايين عاماً مضت – كان أصله قرداً”[44].
وقد نشأ فيَّ هذا النوع من التأكيد عن التطور البشري عندما كنت شاباً، عندما كان بإمكاني استيعاب موسوعة World Book. كان من أحب مداخل الموسوعة بالنسبة لي مدخل “إنسان ما قبل التاريخ”، حيث كنت أقرأ فيه لساعات منجذباً بصورة الإنسان الذي جزؤه قرد وجزؤه إنسان، والذي اسمه “إنسان جاوة”. قال مؤلف كتاب عن الباليو أنثروبولوجي:
إنسان جاوة يشبه صديقاً قديماً. لقد تعلمنا عنه في المدرسة… في الحقيقة، فإن غالبية من يؤمنون بالتطور البشري من المحتمل أنهم كانوا متحمسون للاقتناع بهذا الإنسان. فهو ليس فقط أفضل حفرية إنسانية معروفة، بل وأيضاً أحد الحفريات الإنسانية الوحيدة التي يعرفها معظم الناس”[45].
وقد ركز تقرير موسوعة World Book المكون من صفحتين على موكب من بشر ما قبل التاريخ. وكان هناك تمثال نصفي نابض بالحياة لإنسان جاوة من المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي، يصاحبه ملخص يظهر نبذة عن حياته. وبجبهته المنحدرة، وحاجبه الكثيف، وفكه الناتئ وذقنه المتراجع للوراء، وتعبيراته المذهلة، كان يشبه تماماً مزيجاً من القرد والإنسان معاً. وبالنسبة لي، فإن دراسة وجهه، والنظر في عينيه أسهمت في ترسيخ حقيقة التطور البشري.
وصفت الموسوعة بثقة كيف أن العالم الهولندي يوجين دوبوا – وهو يحفر في جزيرة اندونيسية في عامي 1891، و1892 “عثر على بعض العظام من ضفة نهر”. إن إنسان جاوة – الذي أرجعه إلى نصف مليون سنة – يمثل مرحلة في تطور الإنسان الحديث من سلالة لها مخ أصغر[46]. وطبقاً لما قاله دوبوا، كان الحلقة المفقودة بين القرود والبشر[47].
وآمنت بهذه كله. ومع ذلك، كنت غافلاً عن القصة الكاملة لإنسان جاوة. كتب مؤلف فيما بعد: “ما ليس معروفاً جيداً هو أن إنسان جاوة لا يتكون من سطح جمجمة، وعظمة فخذ، وثلاث أسنان، وقد كبير من الخيال”[48]. وبكلمات أخرى، فإن الوصف الرائع لأنسان جاوة – الذي طالما أبهرني وأنا شاب – كان أكثر قليلاً من مجرد التفكير الذي تغذيه التوقعات التطورية لما كان يجب أن يبدو عليه لو كانت الدارونية حقيقية.
كشاب صغير يبدأ في تكوين أفكاره عن التطور البشري، لم أكن واعياً لما اكتشفته مؤخراً: أن عمليات حفر دوبوا الزائفة ستجرد الحفرية من أهميتها بحسب المقاييس اليوم. أو أن عظم الفخذ لم يكن مرتبطاً بسطح الجمجمة بشكل واضح حقاً. أو أن سطح الجمجمة – وفقاً لعالم التشريح البارز في جامعة كامبردج السير آرثر كيث – كان إنسانياً بلا ريب، وقد عكس سعة مخية جيداً في مستوى البشر الأحياء اليوم[49]. أو أن تقريراً علمياً مسجلاً في 342 صفحة من حملة تقصي حقائق مكونة من 19 عالماً مؤمناً بنظرية التطور دحضوا ادعاءات دوبوا، واستنتجوا أن إنسان جاوة لم يسهم في التطور البشري[50].
وباختصار، فإن إنسان جاوة لم يكن الإنسان – القرد كما أقنعوني، لكنه كان “عضواً حقيقاً في الأسرة البشرية”[51]. وكانت هذه الحقيقة تائهة في مجلة Time التي عاملت إنسان جاوة في العام 1994 كسلالة شرعية للتطور[52].
قصة التطور البشري
كان ويلز يصغي بكثب شديد وأنا أصف له كيف أن تعرضي للمعلومات المضللة حول إنسان جاوة قد مهد الطريق لقبولي التطورية الدارونية قبولاً حاسماً. أشار ويلز إلى أن العوامل التي أسهمت في هذا الانهيار ما زالت متعلقة بالموضوع.
قال ويلز: “من أكبر المشكلات التي تواجه علم الباليوأنثروبولوجي هي أنه مقارنة بكل الحفريات التي لدينا، فإن عدداً قليلاً جداً منها يُعتقد أنه مخلوقات من سلالات البشر. وغالباً ما تكون بقايا جمجمة أو أسنان.
ولذلك فإن هذا يعطي كثيراً من المرونة أكثر لإعادة تكوين العينات للتلاؤم مع نظرية التطور. فمثلاً، عندما استأجرت مجلة ناشيونال جيوجرافيك National Geographic أربعة فنانين لإعادة تكوين شكل أنثى من عظام سبع حفريات اكتشفت في كينيا، خرجوا عليهم بأشكال مختلفة تماماً. أحداها ظهرت في شكل امرأة افريقية – أمريكية حديثة، وأخرى في شكل ذنب، وثالثة لها حاجب كثيف كحاجب الغوريلا، ورابعة بلا جبهة ولها فكوك تشبه قليلاً ديناصور ذات منقار.
“وبالطبع، فإن افتقاد دليل الحفريات هذا يجعل الأمر مستحيلاً أيضاً لإعادة بناء علاقات مفترضة بين الأسلاف والأحفاد. قام عالم أنثوبولوجي بتشبيه مهمة محاولة إعادة بناء حبكة درامية لرواية “الحرب والسلام” باستخدام مجرد 13 صفحة عشوائية من الكتاب”[53].
وصل ويلز من جديد للتكلم عن أيقونات التطور. قال وهو يبحث عن الصفحة الصحيحة: “لقد اعتقدت أن هنري جي – الكاتب العلمي الرئيسي لمجلة Nature – كان صريحاً تماماً عندما تحدث عن هذا الموضوع في العام 1999. كتب جي: “إن الفترات الزمنية التي تفصل بين الحفريات ممتدة جداً حتى إنه لا يمكننا قول أي شيء مطلق عن ارتباطها المحتمل من خلال الأجداد والأحفاد”.
“أطلق على كل حفرية “نقطة منعزلة، بلا علاقة معروفة بأية حفرية أخرى موجودة، وكلها تطفو في بحر رهيب من الفجوات”. وفي الواقع، قال إن كل دليل الحفريات عن التطور البشري “ما بين 10: 5 مليون سنة مضت، فإن آلاف عدة من أجيال الكائنات الحية، يمكن وضعها كلها في صندوق صغير”.
“ومن هنا، استنتج أن الصورة المألوفة لدينا عن التطور البشري هي: “اختراع بشري تماماً صمم وفقاً للحقيقة، وتشكل ليتلاءم مع تحيزات البشر”. ثم قال بكل حدة: “أن تأخذ خطاً من الحفريات وتدعي أنها تمثل نسلاً، ليست فرضية علمية يمكن فحصها، لكنها تأكيد يحمل نفس الصلاحية مثل قصة قبل النوم؛ فهي مسلية، وربما تكون حتى تثقيفية، لكنها ليست علمية”[54].
وضع ويلز الكتاب، وواصل كلامه: “أي إنك لن تعيد بناء تاريخ التطور البشري بناءً فقط على فحص الحفريات القليلة التي لدينا. والسبب الوحيد الذي يجعل أي فرد يعتقد أن الدليل يؤيد التطور البشري هو أن الدارونية من المفترض أنها حقيقية على أسس أخرى. إن كانت كذلك، يكون من المعقول تماماً أن تنسبها للتاريخ البشري، وهذا ما فعله دارون في كتابه “أصل الإنسان The Descent of Man“[55].
“ولكن ماذا لو كان الدليل الآخر للدارونية خاطئاً، وهو في الحقيقة هكذا؟ أنت وأنا لم نتطرق حتى للعيوب الرئيسية لمجموعات كثيرة من أيقونات تطور أخرى تستخدم في تعليم الطلبة اليوم. ولا يوجد نقص في الكتب التي تكشف دارون. وبدون أي دليل مقتنع مؤيد للدارونية في هذا الجوانب، ستظل مسألة التطور البشري محل جدال.
“بدلاً من ذلك، يدعي أنصار دارون أن قصة الحياة البشرية هي قصة تطور، ومن هنا وضعوا الحفريات في قصة مسبقة بدا أنها تناسبها. وهذه القصة يمكنها أن تأخذ أشكالاً عديدة اعتماداً على تحيزات الفرد. وكما قال أحد علماء الإنسان، فإن العملية كلها “سياسية وشخصية” إلى الحد الذي اقترح فيه أن “البايلوأنثروبولوجي له هيئة العلم لا جوهره”.
“في الواقع، كتبت عالمة بابلوأنثروبولوجي تدعى ميزيا لانداو كتاباً تحدثت فيه عن التشابهات بين قصة التطور البشري والحكايات الشعبية القديمة. واستنتجت أن الكثير من النصوص الكلاسيكية في هذا المجال كانت تحددها إلى حد بعيد إطارات الحكايات التقليدية بنفس درجة الأدلة المادية”، وأن هذه الموضوعات تفوق بمراحل ما يمكن أن يُشار إليه من دراسة الحفريات بمفردها”[56].
أخذت بضعة دقائق لأفكر فيما قاله ويلز. لقد كان على حق؛ فانهيار مصداقية إنسان جاوة أمر مهم. إنه يركز على كيف أن كثيرين – ومنهم أنا – صاروا تابعين للدارونية من خلال الحفريات او الأدلة الأخرى التي قوضتها أو دحضتها الاكتشافات اللاحقة. لكن الدمار وقع فعلاً في حالات كثيرة؛ فالطالب الذي لا يعي هذه الاكتشافات الملاحقة قد انتمى أصلاً للمذهب الطبيعي بصورة كاملة.
بينما أقلب من جديد صفحات موسوعة World Book البالية، يمكنني الآن أن أفهم كيف أن الافتراضات المسبقة المخطئة للعلم وللدارونية قد دفعت صديقي السابق إنسان جاوة إلى موكب تطوري مبني على الخيال أكثر منه على الحقيقة. ولسوء الحظ، فإن إنسان جاوة ليس هو المثل الوحيد لتلك الظاهرة التي تميل للاعتقاد بأن سجل التطور البشري المزعوم كله غير جدير بالثقة تماماً”.
اعترف عالم الأحياء التطوري في بيركلي كلارك هاويل: لا توجد نظرية شاملة للتطور [البشري]. ويا للأسف، لم توجد على الإطلاق”[57].
إهمال، وتشويه، وتزيف، وفشل
في نهاية نقاشنا عن سجل الحفريات، رجعت بتفكيري إلى الصور الأربع التي مهدت الطريق إلى إلحادي. ولم يسعني إلا أن أهز رأسي.
لم تبق في ذهني إلا تجربة واحدة لأصل الحياة كانت نتائجها لا معنى لها، وشجرة حياة اقتلعت بواسطة الانفجار البيولوجي العظيم في العصر الكمبري، ورسومات الأجنة التي لا تعكس الحقيقة، وسجل حفريات يرفض بعناد اعتبار أن الأشكال الانتقالية حاسمة بالنسبة لنظرية التطور. شكوك تراكمت فوق شكوك.
هل هذه الأيقونات هي الدليل الوحيد المؤيد للدارونية؟ بالطبع لا. لكن مصيرها يوضح ماذا يحدث وقتاً بعد الآخر عندما توضع التطور الكبير macroevolution تحت مجهر الفحص، وبينما واصلت تحري الأسس العلمية والفلسفية لنظرية التطور، في تحقيق مستمر يعود إلى ما قبل لقائي مع ويلز، كنت لا أزال أحصل على نفس النتائج. ولا عجب أن مائة عالم وقعوا انشقاقاً عاماً على الدارونية.
ومع ذلك، كلما تُكذب أيقونة تطور، يدعي أنصار دارون بحماسة دينية أن هذه لم تكن حقاً القصة بكاملها في المقام الأول، ويصرون على أن الاكتشافات الحديثة تدعم التطور الكبير حقاً. ومن ثم، تختلق حكايات جديدة، وتتلى قصص جديدة. إن نظرية التطور – التي لا تدعمها الآن الأيقونة الأصلية – ليست موضع نقاش، لكنها تستخدم من جديد لتكييف نموذج معاد تصميمه.
على سبيل المثال، منذ عدة سنوات قدم جولد ودارس آخر فرضية جديدة اسمها “التوازن المؤكد” في محاولة يائسة لشرح فراغات الحفرية. واقترحا أن فصائل جديدة تماماً تمكنت نوعاً ما أن تتطور بسرعة وسط سكان منعزلين، ولم تترك ورائها أية حفريات لتوثيق هذه العملية. وعندما انضمت هذه المخلوقات الجديدة مرة أخرى بالسكان الأكثر في المركز، نتج عن ذلك حفظ الحفريات الذي فسر الظهور المفاجئ لفصائل جديدة. وقد انتقد هذا النموذج على نطاق واسع، وهو يستحق هذا، لأنه اختلق أسئلة أكثر من إجابات[58]. وأخيراً، فإن الدارونية ظلت فلسفة لا تزال في مراحل البحث عن بيانات تجريبية مقنعة لتساندها.
وبالمثل، فإن الدارونيين المحدثين عرضوا بافتخار ذباب فاكهة رباعي الأجنحة كدليل على أن التغيرات الوراثية البسيطة يمكن أن تنتج عنها اختلافات فسيولوجية رئيسية في الكائنات الحية. ومع ذلك، كما يكشف ويلز في كتابه، فإن ذباب الفاكهة هذا لا بد أن يُربى بعناية من ثلاثة سلالات مختلفة وراثياً ومحافظ عليها صناعياً، وهو ظرف مغاير تماماً لما يحدث في الطبيعة.
والأبعد من ذلك، فإن الذكور تعاني من صعوبة في التزاوج، وبسبب أن الأجنحة الإضافية غير عاملة، فإن هذا الذباب المختلف وراثياً معاق بدرجة كبيرة. وقال: “كدليل لنظرية التطور، فإن ذبابة الفاكهة رباعي الأجنحة ليس أفضل حالاً من عجل ثنائي الرأس في عرض سيرك”.
مرة أخرى، كشف التحري الدقيق أنه حتى الأيقونات الأخيرة لا يمكنها أن تدعم المصداقية الهشة لنظرية التطور. وفي رأيي الشخصي، أدركت أخيراً أنه لم يكن لديّ إيمان كاف لاحتفاظ باعتقادي بالدارونية. وفي تقديري، فإن الدليل كان ببساطة غير قادر على تدعيم أقوى ادعاءاتها.
صرخة “التصميم!”
قبل أن أحزم أمتعتي وأوقف سيارة أجرة للذهاب للمطار، أردت أن أسأل ويلز أسئلة ختامية قليلة حول مشمول الدارونية. فقلت: “بعد سنوات من دراستها، وحيث تأخذ في الاعتبار أكثر الأدلة العلمية شيوعاً، ما استنتاجك الأخير عن نظري دارون؟”
فبدأت إجارة ويلز بمجرد أن فارقت الكلمات لساني. قال بحزم: “استنتاجي هو أن الدفاع عنها عاجز، فالدفاع عن الدارونية ليس مجرد غير كاف بصورة جسيمة، لكنه مشوه تماماً. وإني متيقن أنه في وقت ما في المستقبل القريب – في خلال عشرين أو ثلاثين سنة من الآن – سينظر الناس إليها في دهشة قائلين: “كيف كان يمكن لأي إنسان أن يؤمن بهذا؟” الدارونية مجرد فلسفة مادية تتنكر في ثياب العلم، والناس يعرفونها على حقيقتها.
واستطرد قائلاً: “والآن، بقولي هذا، ما زلت أرى مجالاً لعمليات تطورية في لحظات محدودة. لكن القول بأن التطور يُجدي في بعض الحالات هو أبعد من توضيح أنه يفسر كل شيء”.
“إن كان التطور الكبير قد فشل في إثبات انه نظرية قابلة للتطبيق، فإلى أين يشير دليل العلم من وجهة نظرك؟”[59].
لم يكن هناك أي غموض في صوت ويلز. فقال بإقناع: “أومن أن العلم يشير بقوة نحو التصميم. وفي رأيي كعالم، فإن نمو جنين يصرخ “التصميم!” انفجار العصر الكمبري – الظهور المفاجئ للحياة المعقدة، دوم دليل للسلالات – أكثر تناغماً مع التصميم عنه مع التطور. وفي رأيي، فإن التماثل يتناغم أكثر مع التصميم. وبالتأكيد فإن أصل الحياة يعلن بوضوح وجود مصمم. ولا شيء من هذه الأمور له معنى من وجهة نظر دارونية أكثر من كما تبدو من وجهة نظر تصميمية”.
فقلت له: “دعني أفهم الموضوع مباشرة. أنت لا تقصد فقط أن الدليل المؤيد للتطور هش، ومن هنا لا بد أن يكون هناك مصمم ذكي. بل تقترح أيضاً أن هناك دليلاً مؤكداً على وجود تصميم”.
فأجابني: “بالضبط. ومع ذلك فالاثنان مرتبطان؛ لأن أحد الوظائف الرئيسية للنظرة الدارونية هي محاولة جعل التصميم غير ضروري. وهذا ما اختبرته أنا أيضاً. ولهذا فإن توضيح أن الحجج المؤيدة لنظرة التطور ضعيفة سيفتح الأبواب حتماً أمام التصميم.
“وعندئذ، عندما تحلل معظم الأدلة المؤكدة السائدة من علم الكونيات، والفيزياء، والفلك، والأحياء، إلخ، فإني أعتقد أنك ستكتشف أن الدفاع الإيجابي عن مصمم ذكي يصبح قوياً تماماً.”
عندئذ وقفت وصافحت ويلز قائلاً: “وهذا ما سأكتشفه”.
العلم ضد الإيمان
كانت الرحلة الجوية ممتعة عبر الأجواء المخملية لساحل المحيط الهادئ في تلك الليلة. أغلقت عيني بينما بسطت مقعدي بقدر استطاعتي. وشعرت بالرضى بلقائي مع ويلز، وكنت متوجساً بخصوص ما إذا كانت الأدلة العلمية الأحدث تدعم وجود المصمم الذكي الذي تحدث عنه. ومع ذلك، كانت هناك أسئلة مزعجة لا تزال تضايقني.
بقيت منزعجاً إثر التداخل بين العلم والإيمان. كنت بحاجة لأن أعرف ما إذا كان قد قدر لهذين الأمرين أن يكونا في صراع مع بعضهما البعض كما يدعى البعض. هل يمكن لشخص علمي أن يؤمن بفكرة ما فوق الطبيعة؟ إلى أي مدى يمكن للبيانات التجريبية أن تخبرنا عن السماويات؟ هل يجب على العلماء أن يتمسكوا فقط بأنابيب الاختبار تاركين اللاهوتيين يتأملون في الله؟ هل يجب على القساوسة أن يشتركوا في معامل الأبحاث؟ هل يمكن للعلم والإيمان أن يشتركا حقاً في البحث عن الإجابات الحاسمة للحياة؟
عرفت أنني كنت بحاجة للحصور على إجابات هذه الأسئلة قبل الاستمرار. جذبت البطانية حتى رقبتي وقررت أن آخذ قسطاً من النوم. ففي الغد سأخطط لرحلة أخرى.
لمزيد من الأدلة
مصادر أخرى حول هذا الموضوع
Denton, Michael, Evolution: A Theory in Crisis.
Bethesda, Md.: Adler & Adler. 1986.
Hanegraaff, Hank. The Face that Demonstrates the Face of Evolution. Nashville: Word. 1998.
Johnson. Phillip. Darwin on Trial. Downers Grove, III.: InterVarsity Press, second edition, 1993.
Jonathan. Icons of Evolution. Washington. D. C: Reg-nerv. 2000.
[1] Quoted in Scientific American (July 2000).
[2] Larry Hatefield, “Educators Against Darwin,’ Science Digest (Winter 1979).
[3] “A Scientific Dissent From Darwinisin,” two-page advertisement, The Weekly Standard (October 1, 2001).
[4] See: Getting the Facts Straight (Sealtle: Discovery Institute Press, 2001), 11.
[5] Ibid., 9.
[6] Jonathan Wells, Charles Hodge’s Critique of Darwinism: An Historical- Critical Analysis of Concepts Basic to the 19th Century Debate (Lewiston, N.Y.:Edwing Mellen, 1988).
[7] What Wells called his “faith Jouney” even Brought him to the Unification Church, Partly because he Shared its strong anticommunist Stance. For Critiques of this group, whose theology I thoroughly disagree with. See: Ruth A. Tucker, Another Gospel (Grand Rapids, Mich.: Zondervan 1989), 245- 66.
[8] See: Jonathan Wells, Icons of Evolution (Washington, D.C.: Regnery, 2000).
[9] Note that all interviews have been edited for conciseness, clarity, and content.
[10] While Wells’s definition of neo-Darwinism is valid, I generally have used the term “Darwinism” in this book to encompass the concept of neo-Dar-Winism.
[11] See: Philip H. Abelson, “Chemical Event on the primitive Earth,” Pro-ceedings of the National Academy of Sciences USA 55 (1966). 1365-72.
[12]See: Michael Florkin, “Ideas and Experiments in the Field of prebio-logical Chemical Evolution,” Comprchensive Biochemistry 29B (1975), 231-60.
[13] See: Sidney W. Fox and Klaus Dose, Molecular Evolution and the Origin of Life (New York: Marcel Dekker, revised edition 1977), 43, 74-76.
[14] John Cohen, “Novel Center Seeks to Add Spark to Origins of Life,” Science 270 (1995), 1925-26.
* غاز عديم اللون ونافذ الرائحة.
* كلمة تعبيرية تعني جمع بيض الضفدع مع الناقة القوية! للدلالة على عدم الإمكان.
[15] See: Gerald F. Joyce, “RNA Evolution and the Origins of Life,” Nature 338 (1998), 217-24; and Robert Irion, “RNA Can’t Take the Heat,” Science 279 (1998), 1303.
[16] Charles B. Thaxton, Walter L. Bradley, and Roger L.Olsen, The Mystery of Life’s Origin (Dallas: Lewis and Stanley, 1984).
[17] See: Lee Strobel, The Case for Faith, 87-112.
[18] Gregg Easterbrook, “The New Convergence”.
[19] Lee Strobel, The for Faith, 108.
[20] John Horgan, “A Holiday Made for Believing,” New York Tiroes (December 25, 2002).
[21] Francis Crick, Life Itself (New York: Simon and Schuster, 1981), 88.
[22] Lee Strobed, The Case for Faith, 108.
[23] The biological classifications in ascending order are: species, genus, famity, order, class, phylum, and kingdom. For example, for human beings, the classifications would be: species (sapiens); genus (homo); family (hominids). Order (primates); class (mammals); phylum (chor- dates); and king dom (animals).
[24] The big bright spot, of course was the > 46-10 victory over New England in Super Bowl XX, which was played on January 26, 1986, at the Louisian> 46-10 victory over New England in Super Bowl XX, which was played on January 26, 1986, at the Louisiana Superdome.
[25] See: Jeffrey II. Schwartz, “Homeobox Genes, Fossils, and the Origin of Species,” Anatomical Record (New Anatomist) 257 (1999), 15 – 31.
[26] See: James W. Valentine and Douglas H. Erwin, “Interpreting Great Developmental Experiments: The Fossil Record, “in: Rudolf A. Raff and Elizabeth C. Raff, editors, Development as Evolutionary Process (New York: Alan R. Liss, 1987), 84-85.
[27] See: Stephen Jay Gould, “Abscheulich! Atrocious!” Natural History (March, 2002).
[28] For A description of how various textbook use embryo drawings, see: Jonathan Wells, Icons of Evolution, 101-104.
[29] The World Book Encyclopedia, Volume 2, 242.
[30] See: Kenneth Miller, “What Does It Mean To Be One Of Us?” Life (November 1996).
[31] See: Jonathan Wells, Icons of Evolution, 105.
[32] Lewis Wolpert, The Triumph of the Embryo (Oxford: Oxford University Press, 1991), 185.
[33] See: Tim Berra Evolution and the Myth of Creationism (Stanford: Stanford University Press, 1990), 117-19.
[34] R. Gore “Dinosaurs,” National Geographic (January 1993).
[35] Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis Chevy Chase, Md: Adler and Adler, 1986), 162.
[36] Ibid 172.
* حيوان مائي ثدي له منقار بطة.
** نظام تصنفي يعتمد على علاقات التاريخ النوعي والتاريخ التطوري لمجموعات من الكائنات الحية.
[37]Larry D. Martin, “The Relationship of Archaeopteryx to other Birds,” in: M. K. Hechl, J. H. Ostrom , G. Vilhs, And P. Wellnhofer, editors, The Behinnings of Birds (Eichstatt: Freunde des Jura-Museums. 1985), 182, quoted in : Jonathan Wells, Icons of Evolution, 116.
[38] Pierre Lecomte du Nouy, Human Destiny (New York: Longmaus, Green and Co., 1947), quoted in: Hank Hanegranff, The Face That Demonstrates the Farce of Evolution (Nashville: Word, 1998), 37.
[39] Phillip E. Hohnson, Darwin on Trial, 81.
[40] Kathy A. Svitil, “Plucking Apart the Dino-Birds,” Discover (February 2003).
[41] Ibid.
[42] Discovery of what news articles described as a “four-winged dinosaur” caused a stir in early 2003. In a letter to the New York Times, however, Howard Zimmerman, co-editor of The Scientific American Book of Dinosaurs, said he doubted whether this finding “will cast new light on the evolution of birds.” He said that “since the geographix strata in which the fossils were found are about 125 million years old, this animal could not have been the progenitor of the avian line” In oterh words, Zimmerman indicated it was not “the missing evolutionary link.” See: “Do Birds and Dinosaurs Flick Together?” New York Times (January 26, 2003).
[43] See: Charles Darwin, The Origin of Species (New York: Grammercy, 1998).
[44] “Ape Man: The Story of Human Evolution,” hosted by Walter Cronkite, Arts and Entertainment network, September 4, 1994, quoted in: Hank Hanegraaf, The Face That Demonstrates the Farce of Evolution, 57.
[45] Marvin L. Lubenow, Bones of Contention (Grand Rapids, Mich.: Baker, 1998). 86.
[46] World Book Encyclopedia, Volume 10, 50.
[47] Martin L. Lubenow, Boncs of Contention, 87.
[48] Hank Hanegraaff, The Face That Demonstrates the Farce of Evolution, 50.
[49] See: Martion L Lubenow, Boncs of Contention, 86-99.
[50] Hank Hancgraaff, The Face That Demonstrates the Farce of Evolution, 52.
[51] Martin L. Lubenow, Boncs of Contention, 87.
[52]Michael D. Lcmonick, “How Man Began,” Time (March 14, 1994). Quoted in: Hank Hancgraaff, The Face That Demonstrates the Farce of Evolution, 52.
[53] See: Constance Holden, “The Politics of Paleaoanthropology,” Science 213(1981).
[54] See: Henry Gee, In Search of Deep Time: Beyond the Fossil Record to a New History of Life (New York: The Free Press, 1999).
[55]See: Lan Tattersail, “Paleoanthropology and Preconception,” in: W. Eric Meikle, F. Clard Howell, and Nina G. Jablonski, editors, Contemporary issues in Human Evolution, Menoir 21 (San Francisco: California Academy of Sciences, 1996); Geoffrey A. Clark, “Through a Glass Darkly: Conceptual Issues in Modern Human Origins Research, ” in G. A. Clark and C. M. Willermet, editors, Concptual Issues in Modern Human Origins Research (New York: Aldinc de Gruyler, 1997), quoted in: jonathan wells, Icons of Evolution, 223.
[56] See: Misia Landau, Narratives of Human Evolution (New Haven: Yale University Press. 1991).
[57] F. Clark Howell, “Thoughts on the Study and Interpretation of the Human Fossil Record” in W. Eric Meikl, F. Clark, and Nina G. Jablonski, editiors contemporary issues in Human Evolution, Memoir21.
[58] For a critique of “punctuated equilibrium,” see: Phillip E. Johnoson, Dar-win on trial,50, 52, 58, 60-61, 120, 141, 153, 184-185, 187.
“المشكلة هي أن تقنع الناس برفض التفسيرات اللاعقلانية والفوق طبيعية للعالم، والشياطين التي تعيش فقط في خيالاتهم، وأن يقبلوا جهازاً اجتماعياً ومعرفياً، وهو العلم، كالمصدر الوحيد للحق”.
ريتشارد لونتن (أخصائي علم الوراثة بجامعة هارفارد) [1]
“العلم…. أصبح مرادفاً لفلسفة تعرف بالمادية أو الطبيعية العلمية. وهذه الفلسفة تصر بأن الطبيعة هي كل ما لدينا، أو على الأقل الشيء الوحيد الذي يمكننا أن نستقي منه أية معرفة. ويتبع ذلك أن الطبيعة اضطرت لخلق ذاتها، ووسيلتها لهذا الخلق لا بد ألا تشتمل على أي دور لله”.
فيليب جونسون (ناقد نظرية التطور) [2]
عد بالتاريخ إلى العام 1966. كان البرنامج الإذاعي الأشهر هو البرنامج الغنائي “Michelle” لبول مكارتني. وفي العرض التلفزيوني I Spy، صار بيل كوسبي أول إفريقي أمريكي يشارك بالبطولة في حلقات درامية، كان الرغيف سعره 19 سنتاً، وسيارة الفورد من طراز Fairlane سعرها 1600 دولاراً.
حين كنت في الرابعة عشرة من عمري، تلميذاً في المرحلة الأولى في مدرسة Prospect الثانوية في ضاحية شيكاغو الشمالية، كنت أجلس في فصل العلوم بالدور الثالث، الذي يطل على ساحة انتظار. كنت في الصف الثاني من النافذة، والمقعد الثالث من الأمام، حين سمعت لأول مرة المعلومات المتحررة التي دفعتني لحياة الإلحاد.
لقد راقت لي حقاً حصة الأحياء التمهيدية تلك. كانت تناسب تماماً أسلوبي المنطقي للتفكير في العالم، وكان هذا بمثابة مدخل يدفعني نحو ميادين الصحافة والقانون. كنت بطبعي فضولياً أبحث دائماً عن إجابات، وأحاول باستمرار معرفة كيف تعمل الأشياء.
في طفولتي، أهداني والدي قطاراً كهربائياً كهدية الكريسماس. وبعد فترة وجيزة وجدني أبي في الجراج وأقذف بقوة هذا القطار على الأرضية الصلبة كي أفتحه. ولم أفهم لماذا انزعج للغاية. فقد شرحت له بهدوء أن كل ما كنت أفعله هو معرفة ما الذي كان يجعل القطار يدور.
ولهذا السبب أحببت العلم. وقد شجعني المعلم بالفعل للقيام بتشريح ضفدعة حتى أعرف كيف تعيش. أهداني العلم مبرراً أن أطرح كل أسئلة “لماذا؟” التي كانت تنتابني، وأن أجرب إجراء تجارب جينية بتربية ذباب الفاكهة، وأن أقوم بإزالة القشة عن النباتات لأعرف كيف تنمو. كان العلم بالنسبة لي يقدم الحقائق الثابتة الأكيدة التجريبية المبرهنة بالتجربة. تعمدت ان أرفض كل شيء آخر كونه مجرد رأي أو تخمين أو خرافة أو إيمان بلا عقل.
وأردد هنا ما كتبه الفيلسوف مورلاند بعد عدة سنوات، حين قال إن كلمة “علمي” بالنسبة لكثير من الناس معناها شيء “جيد، وعقلاني” وحديث” في حين أن ما هو غير علمي هو شيء عتيق، ولا يستحق إيمان من يفكرون[3].
تشكلت ثقتي بالعلم إثر نشأتي في أمريكا ما بعد سبوتنك Sputnik، حيث تم الإعلاء من قدر العلم والتكنولوجيا لدورهما في الإمساك بمفاتيح بقاء بلادنا. وقد حثت إدارة الرئيس ايزنهاور الشباب للبحث عن العمل في حقل العلم، حتى تلحق أمريكا بل وتتفوق على غريمنا السوفيت الذي أذهلوا العالم في العام 1957 بإطلاق أول قمر صناعي في مدار بيضاوي حول الأرض.
وفيما بعد – عندما بدأت أمتنا تحل الكثير من الألغاز في الستينات وبدأت المواثيق الاجتماعية تنقلب رأساً على عقب، وبدأت النسبية وأخلاقيات الموقف تخلق إطاراً هشاً من الأخلاقية، وإذ بالتقاليد تنهار الواحد تلو الآخر، رأيت العلم هو الثابت الباقي، أساساً، ملاذاً، والحصن المنيع في منهجه، بينما في نفس الوقت يتقدم للأمام باستمرار في التفكير في روح الإرادة الأمريكية.
هل يمكن أن تضع إنساناً على سطح القمر؟ لم يشك أحد أننا سنفعل ذلك. فالتكنولوجيا الجديدة، من الترنزستور إلى التلفون، جعلت مستوى الحياة في أمريكا أفضل وأفضل. هل يمكن أن يكون علاج السرطان بعيد المنال؟
ليس من قبيل الصدفة أن اعجابي بالتفكير العلمي كان ينمو، وفي نفس الوقت تضعف ثقتي بالله. عندما كنت في مدارس الأحد ودروس تثبيت الإيمان وأنا بالمرحلة الثانوية، فإن أسئلتي الكثيرة “لماذا؟” لم تكن تلقى الترحيب المستمر. فبينما بدا أن التلاميذ الآخرين يقبلون الحقائق الكتابية بطريقة أوتوماتيكية، كنت أنا بحاجة لأسباب تدفعني للإيمان بها. لكن كثيراً ما كان بحثي عن إجابات يقابل بالصد. وبدلاً من ذلك، طالبوني بقراءة وحفظ الآيات الكتابية، وكتابات مارتن لوثر، ولاهوتيين آخرين من الماضي البعيد لا يبدو أن لهم علاقة بالموضوع.
من كان يهتم بما آمن به هؤلاء المتحمسين الذين ماتوا منذ زمن؟ لم أكن أهتم بالقضايا “الساذجة” للإيمان والروحانيات، بل بالحري كنت منجذباً نحو الحقائق “الأكيدة” للعلم. وكما قال يوجين سكوت من المركز القومي للتعليم العلمي: “لا يمكنك أن تضع إله كلي القدرة في أنبوبة اختبار”[4]. إن لم يكن هناك أي دليل علمي أو عقلي للإيمان بمثل هذا الوجود، فلا يهمني الأمر.
ولهذا، ففي هذا اليوم المشهود في درس الأحياء في العام 1966، بدأت أتعلم عن الاكتشافات العلمية التي – كما قال عالم الحيوان البريطاني ريتشارد داوكنز – “التي جعلت من الممكن أن تكون ملحداً مكتفياً من الناحية المعرفية”[5].
صور التطور
أميل لأكون مفكراً مرئياً. فالصور تلتصق بذهني لفترات طويلة من الوقت. فعندما أستعيد ذكريات أيام الدراسة الثانوية، وما تعلمته في الفصل، ومن خلال انكبابي على الكتب الخارجية، يمكنني أن ألخص هذا كله في سلسلة من الصور:
الصورة الأولى: أنابيب اختبار، وقوارير، وأقطاب كهربية في تجربة ستانلي ميلر
كانت هذه الصورة هي أقوى الصور جميعاً – جهاز المعمل الذي استخدمه ستانلي ميلر، ومن بعده طالب في السنة النهائية في جامعة شيكاغو، في العام 1953، لكي ينتج بطريقة صناعية القوالب البانية للحياة. بإعادة إنتاج بيئة الأرض البدائية، ثم تصوير شرارات كهربية من خلالها لإنتاج البرق، تمكن ميلر من إنتاج مادة لزجة حمراء تحتوي على أحماض أمينية.
عندما علمت بنجاح ميلر، سطع في ذهني التضمين المنطقي: إذا كان من الممكن تفسير أصل الحياة من خلال عمليات طبيعية، فالله إذاً لا وجود له! وفي النهاية، لا حاجة لنا لإله إذا كانت الكائنات الحية بإمكانها أن تخرج من تلقاء نفسها من حساء بدائي، ثم التطور طبعياً بالأيونات إلى كائنات أكثر وأكثر تعقيداً – وهو سيناريو سوف تشرحه الصورة الثانية من التطور.
الصورة الثانية: “شجرة حياة” دارون
عندما قرأت “أصل الأنواع” لتشارلز دارون، صُدمت لوجود تفسير واحد: رسم تخطيطي وصف فيه تطور الحياة كشجرة، مبتدئاً من سلف قديم في أصل الشجرة، ثم تزهر إلى أعلى حتى الأطراف والفروع والأغصان، كما تطورت بتنوع وتعقيد متزايد.
وكما شرح كتاب حديث، فإن الدارونية تعلم أن كل أشكال الحياة “ترتبط من خلال سلالة جاءت من نموذج أصلي مجهول عاش في الماضي البعيد[6].
بدا من الواضح لي أن ظاهرة مثل التطور المجهري او التنوع داخل الأنواع المختلفة من الحيوانات موجودة حقاً. واستطعت أن أرى هذا مشروحاً في المنطقة المجاورة لي؛ فقد كانت لدينا عشرات الأنواع من الكلاب. لكني كنت مفتوناً بتأكيد التطور الكبير macroevolution الأكثر طموحاً – وهو أن الاختيار الطبيعي الذي يعمل في تنوع عشوائي يمكنه أن يوضح كيف أن الخلايا البدائية قد تحولت خلال فترات طويلة من الزمن إلى كل أنواع الكائنات، بما فيها البشر. وبمعنى آخر، تحولت الأسماك إلى برمائيات، ثم تحولت البرمائيات إلى زحافات، والزحافات إلى طيور وثدييات، والبشر لهم نفس السلف كالقرود.
بينما كان يبدو أن ميلر ينادي بأن الحياة ربما تكون قد نشأت تلقائياً في المحيطات الكيميائية للأرض العتيقة، تكون نظرية دارون قد فسرت كيف أن ملايين كثيرة من أنواع الكائنات تطورت ببطء وبالتدريج على مدى فترات طويلة من الزمن. ثم جاء تأكيد آخر لسلالتنا المعروفة، كما ستوضحه الصورة الثالثة.
الصورة الثالثة: رسومات الأجنة لأرنست هايكل
قدم عالم الأحياء الألماني أرنست هايك – الذي يمكن أن توجد رسوماته للأجنة في كل الكتب التي درستها عن نظرية التطور تقريباً – دليلاً أقوى على أن كل أنواع الحياة لها نفس السلف. عندما وضع هايكل رسومات لسمكة جنينية، وسلمندر، وسلحفاة، وكتكوت، وخنزير، وعجل، وأرنب، وإنسان بجانب بعضها البعض، صرح بطريقة تصويرية بأن هذه الكائنات قد ظهرت متشابهة بصورة مدهشة في مراحلها الأولية من التطور. وفيما بعد أصبحت مختلفة بدرجة مميزة.
بينما فحصت عيني الصف الأعلى من رسومات هايكل، والتي كانت تمثل المرحلة المبكرة من تطور الأجنة، اندهشت؛ فكيف أن هذا الفقاريات – التي ستنمو أخيراً لتصير متمايزة تماماً عن بعضها البعض – كان لا يمكن تمييزها أصلاً؟
من كان يمكنه أن يفرق بينها؟ كان الجنين الإنساني يمكنه بسهولة أن يكون أي من هذه المخلوقات الأخرى. من الواضح أن دارون كان على صواب حين قال: “علينا أن نعترف بصراحة” بالسلف الكوني المشترك. وبالتأكيد، فإن التسلسل العنيد نحو التعقيد المتزايد باستمرار يمكنه أن يتضح في الصورة التالية.
الصورة الرابعة: الحلقة المفقودة
إن الحفرية مذهلة حتى أن أحد علماء الباليونتولوجي Paleonotologist* دعاها “أثر مقدس من الماضي أصبح رمزاً قوياً لعملية التطور ذاتها”[7]. إنها أشهر حفرية في العالم؛ والتي تسمى “الطائر الأول archaeopteryx”**؛ وهي مخلوق يرجع تاريخه إلى 150 مليون سنة. هذا المخلوق له أجنحة وريش وعظم الترقوة التي لطير، ولكن له ذيل كذيل السحلية، ومخالب في أجنحته، واعتبروه الحلقة المفقودة بين الزواحف والطيور الحديثة.
نظرة واحدة لصورة هذه الحفرية تطارد أية شكوك حول إذا كان سجل الحفرية يدعم نظرية دارون. فها نحن نرى نصف طائر، ونصف زاحفة، ولم أعد بحاجة لمزيد من البحث لأصدق أن علم الباليونتولوجي قد دعم دارون. في الحقيقة، بعد اكتشاف “الطائر الأول” في ألمانيا بعد نشر كتاب “أصل الأنواع” على الفور، فقد “ساعد هذا بشكل كبير في الإقرار بمصداقية الدارونية وتكذيب المشككين” كما قال جونسون[8].
كانت هذه الصور مجرد بداية تعليمية لنظرية التطور. فبمجرد أن أكملت دراستي في هذا الموضوع، أصبحت مقتنعاً تماماً أن دارون قد استبعد أية حاجة لله. وهي ظاهرة رأيتها مراراً.
لم أعد أذكر عدد المتشككين الروحيين الذي قالو لي أن بذور شكوكهم قد زرعت في المرحلة الثانوية او الجامعية عندما درسوا الدارونية. في العام 2002، عندما قرأت عن طرد عضو من فريق كشافة Eagle Scout لأنه رفض تعظيم الله، لم أندهش عندما اكتشفت “أنه أصبح ملحداً بعد أن درس نظرية التطور في الطف التاسع”[9].
قال عالم التطور في جامعة أكسفورد داوكنز “كلما ازداد فهمك لأهمية التطور، كلما ابتعدت عن اللا أدرية واتجهت نحو الإلحاد”[10].
دارون ضد الله
ومع ذلك، لا يعتقد كل إنسان بأن نظرية دارون تتناقض مع الله. فبعض العلماء واللاهوتيين لا يرون تعارضاً بين الإيمان بتعاليم دارون وتعاليم المسيحية.
عالم الأحياء كريستيان دي دوف الفائز بجائزة نوبل أصرّ على القول بأنه “لا معنى في أن الإلحاد مجبر ومفروض بالعلم”[11]، بينما أعلن أستاذ الأحياء كينيث ميلر من جامعة براون أن نظرية التطور “ليست ضد الله”[12]. وأجاب الفيلسوف مايكل روز، وهو عالم متحمس للتاريخ الطبيعي، على السؤال: “هل يمكن لمن يؤمن بنظرية دارون أن يكون مسيحياً؟” بالرد: “نعم، بكل تأكيد!”، وقال: “لم تثر حجة سليمة توضح أن الدارونية تشير إلى الإلحاد”[13].
وعالمة الأحياء جين بوند، التي درست سابقاً في كلية ويتوورث تصف نفسها مفتخرة بصفتها “عالمة، ومؤمنة بنظرية التطور، ومعجبة جداً بدارون، ومسيحية”[14]. وشرحت ذلك بالقول “إن إيماني بأن التطور قد حدث – أي إن البشر وكل المخلوقات الحية الأخرى مرتبطة كجزء من شجرة عائلة الخلق العملاقة، وأنه من الممكن أن تكون الخلية الأولى قد نشأت بالعمليات الطبيعية للتطور الكيميائي – لا يتطلب أو حتى يستوجب وجهة نظر إلحادية عالمية”[15].
ومع ذلك، فأنا شخصياً لم أستطع ان أفهم كيف أن الدارونية التي تعلمتها تركت أي دور ذي معنى لله. لقد قيل لي إن عملية التطور غير موجهة، وبالنسبة لي، كان هذا يستبعد أوتوماتيكياً إله فوق الطبيعة يشد الخيوط خلف الستار.
كانت هذه النقطة واضحة للغاية في كتاب صدر حديثاً “يجمع التنوع الغير موجه والذي بلا هدف لعملية الاختيار الطبيعي المعتمة، جعل التفسيرات اللاهوتية أو الروحية لعمليات الحياة غير ضرورية”[16]. كما تؤكد كتب أخرى بأن التطور “عشوائي وغير موجه”، وأنه “بلا خطة أو هدف”، وأن دارون “أعطى علم الأحياء أساساً علمياً قوياً عندما نسب تنوع الحياة لأسباب طبيعية أكثر منه لعملية خلق فوق طبيعية”[17].
إن كان العلماء يعرفون الدارونية هكذا، فقد بدا لي أن الله قد طرد بالفعل. ومحاولة إيجاد دور غامض له يبدو أمراً تافهاً، والذي يقول عنه ويليام بروفاين من جامعة كورنيل “توجد الآن رؤية لاهوتية واسعة الانتشار تقول بأن الله قد خلق العالم، وهو يدعمه، ويعمل من خلال قوانين الطبيعة بمهارة فائقة، حتى إن عملها لا يمكن اكتشافه، ولكن مثل هذا الإله لا يختلف في الواقع بالنسبة لذهني عن الإلحاد”[18].
بكل تأكيد، سوف يقول المسيحيون إن الله ليس إلهاً محتجباً او غير مهتم يخفي نشاطه تماماً، بل إنه بالحري قد تدخل بقوة في العالم حتى إن الكتاب المقدس يقول “لأن منذ خلق العالم ترى أموره المنظورة وقدرته السرمدية ولاهوته مدركة بالمصنوعات حتى أنهم بلا عذر”[19]. قال فيلسوف العلم ستيفن مير الذي تعلم في جامعة كامبردج، ومدير مركز العلوم والثقافة في معهد الاستكشاف في سياتل:
يصرح العديد من علماء الأحياء المؤمنين بالتطور بأن العلم لا يمكنه بشكل مطلق أن يستثني إمكانية ان نوعاً من الألوهية من الممكن أن يزال موجوداً. ولا يمكنهم أن ينكروا احتمالية وجود مصمم إليه يحجب نشاطه الخلاق في عمليات طبيعية ظاهرة للتهرب من الفحص العلمي. ومع ذلك، فبالنسبة لمعظم العمليين الماديين، فإن مثل هذه الكينونة غير المكتشفة من الصعب أن تستحق التقدير والاعتبار[20].
ورغم ذلك، فقد أكد مير على أن “الدارونية المعاصرة لا ترى التغير الناتج عن نظرية التطور عملية يقودها الله”[21] وينوه بملاحظة شهيرة لعالم الأحياء الراحل والمؤمن بالدارونية جورج جايلورد سمبسون، والذي يقول بأن الدارونية تنادي بأن “الإنسان هو نتيجة لعملية طبيعية لا هدف لها لم تحسب له حساباً”[22]. وبالنسبة لماير، فإن التشعبات واضحة، إذ يقول: “إن القول بأن الله يقود عملية طبيعية غير موجهة فطرياًن أو أن الله قد صمم تقنية طبيعية كبديل لتصميمه أمر متناقض بوضوح”[23].
نانسي بيرسي – التي كتبت بتوسع عن العلم والإيمان – تصر على القول “إما أن تختار الله أو الاختيار الطبيعي، وليس الاثنين”[24] وأشارت إلى أن دارون نفسه أدرك ان حضور إله كلي القدرة سيقوض نظريته بالفعل. وقالت “إن اعترافنا بوجود الله في العملية، كما جادل دارون، فإن الله سيؤكد أن مجرد “التنوعات الصحيحة قد حدثت… وأن الاختيار الطبيعي سيكون غير ضروري”[25].
أما أستاذ القانون فيليب جونسون، مؤلف الكتاب ذائع الصيت لنقد الدارونية “محاكمة دارون Darwin On Trial“، فيوافق أن “الهدف كله من الدارونية هو إظهار أنه لا حاجة إلى خالق يسمو فوق الطبيعة لأن الطبيعة يمكنها أن تقوم بعملية الخلق من تلقاء نفسها”[26].
في الحقيقة كثيرون ممن يؤمنون بنظرية التطور الذين شعروا بلدغة نقد جونسون يجدون أنفسهم متفقين معه في هذه النقطة تحديداً. فمثلاً العالم البيولوجي التطوري أرنست مير أكد أن “الجوهر الحقيقي للدارونية” هو الاختيار الطبيعي، الذي “يسمح بتفسير التكيف… بالوسائل الطبيعية، بدلاً من التدخل الإلهي”[27].
تطوري بارز آخر، وهو فرنسيسكو آيالا، رُسما قساً دومينيكياً قبل عمله بالعلوم، ومع ذلك، رفض في لقاء أخير أن يؤكد ما إذا كان لا يزال يؤمن بالله[28]، قال “كان أعظم إنجاز لدارون” هو أنه أوضح أن “الكائنات الحية يمكن تفسيرها بصفتها نتيجة عملية طبيعية، واختيار طبيعي، دون أدنى حاجة للجوء إلى خالق، أو أي عامل خارجي آخر”[29].
عندما سأل أحد المحامين روفاين الصريح ما إذا كان هناك “وضع تطوري مسيحي أمين من الناحية المعرفية… أم علينا ببساطة أن نترك عقولنا على أبواب الكنائس”، كانت إجابة بروفاين صريحة: “عليك أن تترك عقلك”[30] فقد كان من الواضح بالنسبة له أن مصطلح “مسيحي مؤمن بالتطور” يجمع لفظتين متناقضتين.
كان ادوارد ويلسون – عالم الأحياء الاجتماعي، والفائز بجائزة بولتزر – عنيداً تجاه هذه القضية، حيث قال “إذا كانت البشرية قد تطورت طبقاً لنظرية دارون في الاختيار الطبيعي، فإن الفرصة الجينية، والضرورة البيئية، وليس الله، هي التي خلقت الأنواع”[31]. وهذا كلام لا غموض فيه.
وقد لخصت مجلة Time الأمر كله ببراعة “لم يرد تشارلز دارون أن يقتل الله وهو يصيغ نظرية التطور، لكنه قتله”[32].
حمض دارون العالمي
لم أكن واعياً بمثل تلك الملاحظات عندما كنت طالباً. فقد كنت أعرف بالبديهة أن نظريات دارون قد منحتني أساساً عقلياً لرفض أسطورة المسيحية التي حاول والدي فرضها عليّ عندما كنت صغيراً.
أتذكر قراءتي موسوعة World Book التي أعطاها لي والداي كهدية عيد ميلادي لترد على أسئلة “لماذا” التي كنت أزعجهم بها دائماً. وقد أسهمت قراءتي عن التطور في تدعيم إحساسي بتعارض المسيحية ونظرية دارون.
ذكرت الموسوعة “في الكتاب المقدس، يعامل الله بصفته الخالق، والداعم، والهدف النهائي لجميع الأشياء. يؤمن كثير من المسيحين بأنه من المستحيل الموافقة بين هذا الاقتناع بفكرة ان النمو التطوري حدث نتيجة قوى طبيعية موجودة في الحياة العضوية”[33].
بالنسبة لي، وُضع كل شيء في مكانه. وكان تقديري هو أنك لست بحاجة إلى خالق إن كانت الحياة بإمكانها أن تخرج بدون أية مساعدة من الطين البدائي للأرض المبكرة، وأنك لست بحاجة إلى الله لكي يخلق البشر على صورته إن كنا مجرد نتاج لقوى مجهولة بالاختيار الطبيعي. وباختصار، أنت لست بحاجة للكتاب المقدس إن كان لديك كتاب “أصل الأنواع”.
كنت أختبر شخصياً ما قاله الفيلسوف دانيال دينيت: الدارونية “حمض كوني يلتهم تقريباً كل مفهوم تقليدي، ويترك ورائه وجهة نظر عالمية تؤمن بالتطور”[34].
وقد خضعت شخصياً لنظرية التطور؛ ففي تفاؤلي الشبابي لم أكن على استعداد لفحص بعض التضمينات المحيطة لفلسفتي الجديدة. تجاهلت بارتياح الصورة المؤلمة التي رسمها الملحد البريطاني برتراند رسل، الذي كتب عن كيفي أن العلم قدم لنا عالماً “بلا هدف” و”خالي من المعنى”[35]:
ذاك الإنسان هو نتاج الأسباب التي لم تكن لها رؤية سابقة للغاية التي كانت تسعى لتحقيقها. فأصله، ونموه، وآماله، ومخاوفه، ورغباته، ومعتقداته هي مجرد نتيجة تنظيمات عرضية للذات. لا نيران، ولا بطولة، ولا حدة تفكير أو مشاعر يمكنها أن تحفظ حياة فرد بعد الموت. فكل جهود العصور، وكل التكريس، وكل الوحي، وكل وهج العبقرية الإنسانية مقدر لها الانقراض… وكل هيكل إنجاز الإنسان لا بد أن يُدفه حتماً. كل هذه الأمور مؤكدة تماماً بلا جدال، حتى إنه لا توجد فلسفة ترفضها يمكنها أن ترجو البقاء. وبقبول هذه الحقائق، وعلى الأساس الراسخ ليأس لا يستسلم، يمكن أن يُبنى سكنى النفس في أمان”[36].
بدلاً من مواجهة هذا “اليأس الذي لا يستسلم” الذي يتضمنه عالم بدون الله، وجدت متعتي في حريتي الجديدة التي حققتها من الانتقاد الأخلاقي لله. بالنسبة لي، كانت الحياة بدون الله معناها ان أعيش لنفسي بنسبة 100%. وحيث كنت قد تحررت من أن أحاسب بوماً على أفعالي، أطلقت العنان لنفسي للحصول على السعادة والمتعة الشخصية مهما كان الثمن.
كانت الثورة الجنسية في الستينات والسبعينات قد بدأت في الظهور، وكنت متحرراً للانغماس في الملذات بأقصى ما يمكن، دون أن أعمل حساباً لرقابة الله الذي لا يوافق على هذا. وبصفتي صحفي، تحررت من الأغلال للمنافسة دون أن أضطر دائماً للخضوع لمثل تلك القوانين والقواعد الأخلاقية المزعجة. لم أسمح لشيء أو لشخص أن يحول بيني وبين طموحاتي.
ومن كان يبالي ما إذا كانت المادية العلمية تعلم بأنه لا شيء سوى المادة، ومن هنا لن يتمكن إنسان من تجنب الموت. كنت صغيراً جداً للعبث بتضمينات هذه الأمور. وبدلاً من ذلك، أسرعت وراء الخلود الذي يمكنني تحقيقه بترك بصمتي كصحفي ناجح تدعم تحقيقاته ومقالاته التشريع الجديد والإصلاح الاجتماعي. أما بالنسبة لحقيقة الموت المطلقة، فقد كان لديّ الكثير من الوقت لكي أفكر فيها فيما بعد. كان هناك الكثير جداً الذي سأعمله في ذلك الوقت.
وهكذا زُرعت بداخلي بذور الإلحاد وأنا شاب عندما بدا ان السلطات الدينية غير مستعدة أو غير قادرة على إجابة أسئلتي عن الله. وازدهر عدم إيماني بعد اكتشافي أن الدارونية تستبعد الحاجة إلى إله. واكتمل ازدهار إلحادي عندما درست يسوع في الكلية، وقيل لي إنه لا إنسان يتمتع بالتفكير العلمي يمكنه أن يؤمن بما يقوله العهد الجديد عنه.
طبقاً لأعضاء الجناح اليساري في سيمينار يسوع*، فإن نفس الدافع الذي حفز العلم التجريبي “الذي سعى لوضع كل المعرفة تحت اختبار الملاحظة الدقيقة والمتكررة”، دفع جهودهم أيضاً حتى يميزوا أخيراً “الحقيقة من الخيال” في حياة يسوع. وتوصلوا إلى أنه في “عصر العلم هذا”، لا يمكن للمفكرين المحدثين أن يعودوا يؤمنوا بأن يسوع قد فعل أو قال معظم ما يؤكده الكتاب المقدس. وصاغوا الأمر هكذا:
إن مسيح العقيدة والإيمان، الذي كان ثابتاً في مكانه في العصور الوسطى، لم يعد قادراً أن يستحق قبول من رأوا السماوات من خلال تليسكوب جاليليو. لقد أزيلت الآلهة والشياطين القديمة من السماوات بهذه العدسة الهامة. وقد جرد كل من كوبرنيكوس، وكبلر، وجاليليو مقار الآلهة والشياطين الأسطورية، وورثونا سماوات مدنية[37].
عندما وصلت منتصف دارستي بالكلية، كانت اتجاهاتي الإلحادية قد ترسخت حتى صرت لا أحتمل أصحاب الإيمان غير العقلاني كهؤلاء المحتجين الذين كنت سأواجههم لاحقاً في فرجينيا الغربية. لم أتمكن من فهم مقاومتهم العنيدة لوضع معتقداتهم المهجورة في هذا “الحمض الكوني” للفكر العلمي الحديث.
شعرت بالتعالي عليهم. دعهم يظلون عبيداً لتفكيرهم الساذج عن مكان لهم في السماء، وعن الأخلاقية المستقيمة لإلههم الخيالي. أما بالنسبة لي، فسوف أتبع بنزاهة النتائج التي توصل إليها العلماء والمؤرخون، والتي اختصرت أبحاثهم المنطقية المنسقة العالم إلى مجرد عمليات مادية.
بداية التحري
لو كنت قد توقفت عن توجيه الأسئلة لبقيت في مكاني. ولكن بخلفيتي الصحفية والقانونية، كانت المطالبة بإجابات منسوجة في طبيعتي. ولهذا، بعد خمس سنوات من مغامرتي في فرجينيا الغربية، عندما أعلنت زوجتي ليزلي أنها قررت أن تتبع يسوع، كان أمراً عادياً أن تكون أولى كلماتي في صورة استفسار.
ولم أوجه استفساري بطريقة مهذبة، لكنه بدلاً من ذلك وجه بنغمة اتهامية حادة “ماذا حل بك؟” ببساطة، لم أستطع أن أفهم كيف يمكن لشخص عاقل أن يؤمن بعقيدة دينية ملفقة وغير منطقية من التفكير الساذج والتصديق والأسطورة.
ومع ذلك، ففي الشهور التالية عندما بدأت شخصية ليزلي في التغيير، وبينما مرت قيمها بتحول، وبينما صارت أكثر حباً ورعايةً وصدقاً، بدأت أسأل نفس السؤال، ولكن هذه المرة بنغمة أكثر نعومة صدقاً في اندهاش حقيقي “ماذا حل بك؟” شيء ما، أو كما أعلنت، شخص ما كان يغيرها للأفضل دون جدال.
بصراحة، كنت بحاجة لتحري ما كان حدث. ولهذا بدأت أسأل أسئلة أكثر، وكانت غالبيتها عن الإيمان والله والكتاب المقدس. وصممت على الذهاب إلى حيث تقودني الأسئلة، رغم إنني بصراحة لم أكن مستعداً تماماً لما ستسفر عنه النتائج.
استمر هذا البحث الروحي حوالي عامين. وفي كتاب السابق القضية …المسيح، الذي استفاض في هذه الرحلة، ناقضت الإجابات التي تلقيتها من 13 خبيراً بارزاً عن البرهان التاريخي المؤيد ليسوع الناصري[38]. وفي كتابي التالي القضية … الإيمان*، تتبعت إجابات الأسئلة “الثمانية العنيدة” حول المسيحية، وهي من نوعية القضايا التي كانت تؤرقني في حداثتي، ولم أجد من كان مستعداً لإجابتها[39].
ومع ذلك، في هذين الكتابين المبكرين لمست بعداً هاماً آخر لبحثي. فلأن العلم لعب دوراً مؤثراً في دفعي نحو الإلحاد، فقد كرت أيضاً وقتاً طويلاً لطرح أسئلة عما تقوله آخر الأبحاث عن الله. بذهن منفتح بدأت أتساءل؟
هل مقدر لكل من العلم والإيمان أن يظلا في حرب دائمة؟ هل كنت على صواب في تفكيري بأن الإنسان ذي التفكير العلمي يجب أن يتجنب المعتقدات الدينية؟ أم أن هناك أساساً طريقة مختلفة لرؤية العلاقة بين ما هو روحي وما هو علمي؟
هل الأدلة العلمية الأخيرة تميل لتأييد ام معارضة وجود الله؟
هل ما زالت صور التطور تلك التي دفعتني للإلحاد صالحة في ضوء أحدث الاكتشافات العلمية؟
عندما بدأت في استكشاف تلك القضايا للمرة الأولى في بداية الثمانينيات، وجدت أنه كان هناك قدر كاف من الأدلة يمكنه أن يرشدني لخاتمة أكيدة. ومع ذلك، فقد تغير الكثير منذ ذلك الوقت. فالعلم يتقدم للأمام دائماً، وقد أضيفت الكثير من البيانات والاكتشافات في مستودع المعرفة العلمية خلال السنوات العشرين الأخيرة.
وقد دفعني كل هذا لأن أطرح سؤالاً جديداً: هل هذا الكم الأعمق والأثري من البحث العلمي المعاصر يعارض أم يؤيد النتائج التي توصلت إليها منذ عدة سنوات؟ والسؤال بطريقة أخرى: إلى أين يشير سهم العلم: نحو دارون أم نحو الله؟
قال لينوس باولنج الحاصل على جائزة نوبل مرتين: “العلم هو البحث عن الحقيقة”[40]. وهذا ما قررت عمله: رحلة استكشافية جديدة توسع وتجدد البحث الأصلي الذي قمت به في مجال العلم منذ عقدين من الزمن.
سيكون أسلوبي في هذا هو استجواب قيادات في فروع علمية عديدة حول أحدث المكتشفات في حقول أبحاثهم. وعند اختياري لهؤلاء الخبراء، بحثت عن الأساتذة حاملي درجات الدكتوراه، ولهم خبرات أكيدة، ولديهم القدرة على التواصل مع الآخرين، ويرفضون أن يحصروا أنفسهم في مجرد إطار عالم الطبيعة أو المادية اللائق اجتماعياً. سيكون الأمر بلا معنى إن استبعدت أية فرضية في البداية. أردت الحرية لتتبع كل الإمكانيات.
آثرت أن آخذ موقف المتشكك، طارحاً الموضوع من كافة جوانبه، وموجهاً أقسى الاعتراضات المثارة. والأهم من كل ذلك، قررت أن أسأل الخبراء نفس الأسئلة التي عصفت بتفكيري عندما كنت ملحداً. وفي الحقيقة، ربما تكون هو نفس الموضوعات التي واجهتك أنت في رحلتك الروحية. وربما تكون قد تساءلت أيضاً ما إذا كان الإيمان بإله خارق للطبيعة يتناغم مع ما كشف عنه العلم عن العالم المادي.
إذا كان الأمر هكذا، أرجو ان تشاركني بحثي. تخلص من مفاهيمك المسبقة بقدر ما تستطيع، واجعل ذهنك مفتوحاً بينما تنصت إلى محادثاتي مع هؤلاء العلماء والفلاسفة المتدربين بالعلم الرائعين. وفي النهاية، يمكنك أن تقرر بنفسك ما إذا كانت إجاباتهم وتفسيراتهم يمكنها أن تواجه الفحص.
ومع ذلك، دعني أحذرك بأنه يصعب علينا التغلب على انحيازنا، على الأقل كان هذا بالنسبة لي. ففي احدى المرات، كان لدي دافع قوي لأن أظل ملحداً. لم أكن أريد أن يكون هناك إله يحملني مسؤولية أسلوب حياتي اللا أخلاقي. وبصفتي محرر للشؤون القانونية في أقوى صحيفة، كنت معتاداً التعامل مع الناس باستخفاف، ولا أخضع نفسي لأي سلطة روحية خفية.
تدربت ألا أطرح فقط أسئلة، بل أذهب إلى حيث تقودني الإجابات. وأثق أن لك نفس الاتجاه. وأرجو أن تكون مستعداً لتحدي ما تعلمته سابقاً في المدرسة – معلومات ربما تكون الاستكشافات العلمية الحديثة قد حجبتها.
سيقول لك العلماء بأنفسهم بأن هذا أمر مناسب تماماً. قال مصدر ليس أقل شأناً من الأكاديمية الوطنية للعلوم: “إن كل المعرفة العلمية – أساساً – عرضة للتغيير كلما تتاح أدلة جديدة”[41].
ما الذي يوضحه هذا الدليل الجديد؟ هيئ نفسك للدهشة بل والذهول بالتقرير الجديد المذهل الذي كان العلم مشغولاً بكتابته طوال العقود القليلة الأخيرة.
كتب عالم الطبيعة النظري جورد ستانشيو، وفيلسوف العلم روبرت أوجر: “إن القصة القديمة للعلم هي المادية العلمية التي تنادي بأن المادة وحدها هو الموجودة، وأن كل الأشياء يمكن شرحها من خلال المادة وحدها”[42]. لكنهم قالوا إنه في السنوات الأخيرة “اجتاز العلم سلسلة من الثروات الدرامية غيرت المفهوم الحديث للإنسان ومكانه في العالم”[43].
إن “القصة الجديدة للعلم” المدهشة هذه – بحبكتها المثيرة، وشخصياتها الآسرة – تنكشف في الصفحات القادمة بدءً بمقابلة تعيد كتابة الكتب التي قادتني من قبل إلى الإلحاد.
[1] Review of Carl Sagan. The Demon-Haunted World: Science as a Candle in the Dark (New York: Ballantine, 1997) in the New York Teview of Books (January 9, 1997). Emphasis in original.
[2] Phillip E. Johnson, “The Church of Darwin”. Wall Street Journal (August 16. 1999).
[3] J. P. Moreland, Christianity and the Nature of Science (Grand Rapids, Mich: Baker. 1989), 19.
[5] Richard Dawkins, The Blind Watchmaker (New York: Norton, 1986), 6.
[6]Neil Campbell, Jane Reece, and Lawrence Mitchell, Biology (Menlo Park, Calif: Benjamin/Cummings, 1999), 419.
* علم يبحث في أشكال الحياة في العصور الجيولوجية القديمة.
[7] Alan Feduccia, The Origin and Evolution Of Birds (New Haven: Yale University Press 1996), 38.
** طائر بدائي منقرض شبيه بالزحافات
[8] Phillip E. Johnson, Darwin on Trial, 80.
[9] Dean E. Murphy of the New York Times, “Eagle Scout Faces Ultimatum over Atheism,” Orange County Register (November 3, 2002).
[10] Richard Dawkins, “On Debating Religion,” The Nullifidian (Deccember 1994).
[11] Quoted in Gregg Easterbrook, “The New Convergence,” Wired (December 2002).
[12] Quoted in Holly J. Morris, “Life>$ Grand Design,” U.S. News and World Report (July 29, 2002).
[13] Michael Ruse. Can a Darwinian Be a Christian? (Cambridge, England: Cambridge University Press. 2001), 217, 128.
[14] Richard F. Carlson. Editor, Science and Christianity: Four Views (Downers Grove, III.: InterVarsity Press, 2000), 81,
[15] Ibid., 187.
[16] Douglas Futuyma, Evolutionary Biology (Sunderland, Mass.: Sinauer, 1986), 3.
[17] William A. Dembski and James M. Kushiner, editors, Signs of Intelligence (Grand Rapids, Mich.: Brazos. 2001). 44.
[18] Quoted in Michael Ruse, Can a Darwinian Be a Christian? 98.
[19] Romans 1:20.
[20] Richard F. Carlson, editor, Science and Christianity: Four Views, 139.
[21] Ibid., 118.
[22] George Gaylord Simpson, The Meaning of Evolution (Cambridge, Mass: Harvard University Press, 1967), 345.
[23] Richard F. Carlson, editor, Science and Christianity: Four Views, 118.
[24] Nancy Pearcey, “Design and the Discriminating Public: Gaining a Hear-ing from Ordinary People.” In William A. Dembski and James M. Kushiner, editors, Signs of Intelligence. 44. Emphasis in original.
[25] Ibid., quoting Gertrude Himmekfarb, Darwin and the Darwinian Revo-Lution (Garden City, N.Y.: Doubleday Anchor, 1959), 329-30.
[26] Phillip E. Johnson, quoted in World (July/August 2002)
[27] Erast Mayr, foreword to Darwinism Defended, by Michael Ruse (New York: Addison-Wesley, 1982, xi-xii.
[28]See: Gordy Slack, “A Good Life,” UCI Journal (Spring 1999). Available al: www.today.uci.edu/journal/99spring/12html (January 2, 2002).
[29] John H. Campbell and J. William Schopf, editors, Creative Evolution?! (Boston: Jones and Barlett, 1994). 4-5.
[30] William Provine, “Scientists Face It! Science and Religion Are Incompatible,” The Scientist 2 (1988).
[31] Edward 0. Wilson, On Human Nature (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1978), I. Emphasis added.
[32]”Lconoclast of the Century: Charles Darwin (1809-1882), ” Time (December31, 1999).
[33] World Book Encyclopedia, volume 5 (Chicago: Field Enterprises Edu-cational Corp., 1962 edition), 334.
[34] Quoted in: Phillip E. Johnson, “The Intelligent Design Movement: Chal-lenging the Modernist Monopoly on Science,” in: William A. Dembski and James M. Kushiner, editors, Signs of Intelligence, 34.
[35] Bertrand Russell, Why I Am Not a Christian (New York: Simon & Schuster, 1957), 106.
[36] Ibid., 107.
* يتناول الكتاب أفكار هذه الجماعة بالتفصيل في كتابه “القضية المسيح”، لي ستروبل، مكتبة دار الكلمة، 2007.
[37] Robert W. Fund, Roy W. Hoover, and The Jesus Seminar, The Five Gospels (San Francisco: HarperSanFrancisco, 1993), 2.
[38] See: Lee Strobel, The Case for Christ (Grand Rapids Mich: Zondervan. 1998).
* صدرت ترجمته العربية عن مكتبة دار الكلمة، ترجمة حنا يوسف، القاهرة 2007.
[39] See: Lee Strobel, The Case for Faith (Grand Rapids, Mich: Zondervan, 2000).
[40] Linus Pauling. No More War! (New York Dodd, Mead & Co, 1958), 209.
[41] Available at Search nap. Edu/readingroom/books/evolution98/evol4.html (January 5, 2003).
[42] Robert M. Augros and George N. Stanciu. The New Story of Science (New York: Bantam, 1986), xiv.