أخلاقيات ممارسة العلم والطب – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

أخلاقيات ممارسة العلم والطب – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

أخلاقيات ممارسة العلم والطب – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

أخلاقيات ممارسة العلم والطب – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

أخلاقيات ممارسة العلم والطب

كتاب لغة الإله PDF – فرانسيس كولينز – للتحميل

 

الكثيرون في المجتمع يشعرون بالسعادة من الإمكانيات المحتملة لأبحاث الطب الحيوي في منع أو علاج الأمراض المستعصية، ولكنهم قلقون من أن هذه التقنيات الحديثة قد تقودنا إلى مناطق خطرة. الفرع الذي يعالج تأثير التكنولوجيا الحيوية والطب على البشر يسمى أخلاقيات الطب. في هذا الملحق، سنأخذ أمثلة من بعض المعضلات الأخلاقية التي تثير نقاشاً هاماً في الوقت الحالي، رغم أن هذه الأمثلة لا تمثل قائمة حصرية لهذه النقاشات. سأركز بشكل خاص على التطورات التي تنشأ من التقدم السريع في فهم الجينوم البشري.

الجينات الطبية

قبل بضع سنوات، جاءت امرأة شابة إلى عيادة الأورام في جامعة میشیغان في مهمة يائسة. في ذلك اليوم أدركت أن ثورة حقيقية في مجال الطب الوراثي قد بدأت. جمعني مع سوزان عدة ظروف تتعلق بإصابة أفراد من عائلتها بمرض عضال عندما كنا على وشك اكتشاف مهم في مجال الجينوم البشري. تعيش سوزان (ليس اسمها الحقيقي) وعائلتها في محنة. في البداية تم تشخيص أن والدتها مصابة بسرطان الرحم، وبعد ذلك خالتها، وبعدها أثنين من أولاد خالتها، وبعد ذلك أخت سوزان الكبرى. كانت سوزان في حالة قلق كبيرة، وكانت تراقب نفسها وتجري فحوصات تصوير الثدي بالأشعة السينية بشكل دوري، بينما كانت تتابع أختها وهي تخسر معركتها مع المرض. تم اختيار أحد بنات خالتها للخضوع لعملية استئصال الثديين الوقائية لتجنب نفس المصير، ثم اكتشفت جانيت وهي أخت سوزان المتبقية ورماً جسدها وتبين أنه سرطان.

وفي هذه الأثناء، كنت أقوم وطبيبة زميلة تدعى باربرا ويبر بمشروع في میشیغان في محاولة لتحديد العوامل الوراثية لسرطان الثدي. كانت عائلة سوزان مشاركة في هذا المشروع وكان يرمز لها بالعائلة رقم 15، ولكن في إحدى المصادفات الغريبة، عندما جاءت جانيت لأخذ استشارة بخصوص ورم سرطان الثدي الذي تم اكتشافه في جسمها حديثاً، كانت الدكتورة ويبر في العيادة واستمعت لتاريخ العائلة مع المرض وأدركت العلاقة.

بعد ذلك بعدة أشهر كان المهمة اليائسة لسوزان أن تعرف ما إذا كنت ودكتورة ويبر قد توصلنا إلى معلومات إضافية من البحث تجنبها الخضوع لعملية استئصال الثديين. لم يعد بإمكانها أن تستمر بالتفاؤل لمدة أطول من ذلك، ولذلك قررت إجراء العملية خلال ثلاثة أيام. لقد كان توقيت زيارتها مناسب جداً. كشف البحث الذي قمنا بها خلال الأشهر السابقة بأن من المحتمل جداً أن تكون عائلة سوزان حاملة الطفرة خطرة في جين موجود في الكروموسوم رقم 17. لقد بدأنا البحث مع تفاؤل قليل بأن يؤدي البحث لنتيجة إيجابية سريعة. أما الآن، فنحن نواجه حالة طارئة، ووجدت أنا والدكتورة ويبر أن من غير الأخلاقي أن نخفي هذه المعلومات عن سوزان.

ولكن عندما رجعنا إلى البيانات المختبرية تبين أن سوزان لا تحمل هذه الطفرة الجينية الخطيرة التي تحملها أمها وأخواتها، وبالتالي فإن خطر أصابتها بسرطان الثدي لا يزيد على احتمال إصابة عامة النساء. في ذلك اليوم، كانت سوزان أول شخص في العالم يعرف عن الطفرة الجينية المسماة BRCAl. كانت ردة فعلها مزيجا من الدهشة وعدم التصديق، وقامت بإلغاء إجراءات العملية.

انتشر الخبر بين أفراد عائلتها انتشار النار في الهشيم، ولم يتوقف جرس التلفون عن الرنين. وخلال أسابيع وجدت أنا ودكتورة ويبر نقدم استشارات الكثير من أفراد عائلتها الممتدة، وجميعهم يرغبون في معرفة إذا ما كانوا مصابين بهذه الطفرة الخطرة. كانت هناك لحظات مأسوية، فقد تم اكتشاف أن أبنة خالتها التي تم استئصال ثدييها لم تكن حاملة لهذه الطفرة الجينية. في البداية أصيب بالصدمة عندما علمت بالنتيجة ولكن بعد ذلك أدركت أنها كانت على صواب لأنها قامت بأفضل خيار ممكن في الوقت الذي قررت فيه إجراء العملية. ولكن أكثر اللحظات مأسوية عندما علم أحد فروع العائلة الذي كانت يعتقد أفراده أنهم بعيدون عن خطر الإصابة بالطفرة أنهم متأثرون عن طريق علاقة والدهم بالمصابات بهذا المرض.

لم تبدو فكرة انتقال الجين المؤثر عن طريق الذكور غير المتأثرين بالجين معقولة، ولكن هذه هي الطريقة التي يعمل بها الجين BRCA1. في الواقع، تبين أن والدهم حامل لهذه الطفرة وقام بنقلها إلى خمسة من أطفاله العشرة. إحدى هؤلاء وهي في التاسعة والثلاثين من العمر أصيب بالدهشة عندما علمت بانها معرضة للخطر. كنت ترغب بأن تعرف نتيجة حمضها النووي، وجاءت النتيجة موجبة. ومباشرة طلبت أن يتم لها عملية استئصال الثديين، وفي ذلك اليوم بالتحديد علمت بأنها مصابة بسرطان الثدي. لحسن الحظ أن الورم كان صغيرة، ولم يكن من الممكن اكتشافه قبل مرور سنتين أو ثلاث قادمة، وعندها لن يكون العلاج مشجعاً.

تم إبلاغ 35 فرد من أفراد العائلة بأنهم معرضون للإصابة بهذه الطفرة الجينية الخطرة، ونصف هذا العدد كانوا من النساء. الحاملات لهذا الجين كانت معرضات لسرطان الثدي والرحم معاً. كانت الآثار الطبية والنفسية المترتبة على ذلك كبيرة. حتى بالنسبة لسوزان التي نجت من خطر المرض مرت بمرحلة عصيبة من الاكتئاب وشعور العزلة عن عائلتها وهو ما يسمى بشعور الناجين بالذنب، وهو الاسم الذي أطلق على الناجين من محرقة الهولوكوست.

كانت حالة عائلة سوزان غير معتادة. ينتقل سرطان الرحم وراثية بين الأقارب بنسبة معينة، ولكن في حالة عائلة سوزان كان أثر الوراثة قوياً. ولكن لا يوجد بيننا عينات مثالية. الانتشار العالمي للطفرات الجينية في الحمض النووي هو الثمن الذي ندفعه مقابل التطور، وهو ما يعني أنه لا يوجد كمال جسدي كما أنه لا يوجد كمال روحي.

أصبح من الممكن قريباً التعرف على مواطن الخلل الوراثية في كل واحد منا التي تجعلنا معرضين للإصابة ببعض الأمراض في المستقبل، وقد تكون لدينا الفرصة، كما حدث مع عائلة سوزان لمعرفة ما يختبئ داخل كتيب تعليمات الحمض النووي الخاص بنا.

ومع بدأ تعرفنا على عواقب التقدم السريع في فهم البيولوجيا البشرية، تبرز الأسئلة الأخلاقية، وهذا ما ينبغي أن يحدث. المعرفة في ذاتها لا يوجد لديها قيمة أخلاقية؛ فالطريقة التي يتم فيها وضع هذه المعرفة موضع الاستخدام هو ما يكسبها بعداً أخلاقياً. وينبغي أن يكون هذا المبدأ مألوفاً في العديد من التطبيقات غير الطبية في تجارب الحياة اليومية. على سبيل المثال، يمكن عمل خليط معين من المواد الكيميائية تضيء السماء في عرض للألعاب النارية لتبهج نفوسنا في وقت الاحتفال، كما أن الخليط نفسه يمكن استخدامه كذلك لإطلاق قذيفة، أو صنع قنبلة تقتل عشرات المدنيين الأبرياء.

هناك العديد من الأسباب المقنعة التي تجعلنا نحتفل بالتطورات العلمية الناتجة عن مشروع الجينوم البشري. في نهاية الأمر، في كل الثقافات طوال التاريخ البشري يعتبر تخليص الناس من الأمراض أمر حسن، بل ربما يكون واجب أخلاقي. ولذلك فإن البعض قد يقول إن العلم يتقدم بسرعة كبيرة وانه لابد لنا أن نضع بعض القيود في تطبيقات معينة حتى يتم دراستها من الناحية الأخلاقية، أجد أن هذه الحجة لا يمكن أن تقنع أب في أمس الحاجة لمساعدة ابنه المريض. إلا بعد التقييد المتعمد للتقدم العلمي الذي ينقذ حياة البشر حتى تستطيع اللحاق به هو في حد ذاته غير أخلاقي؟

 

الطب الشخصي

ماذا يمكن للمرء أن يتوقع في السنوات القادمة من الثورة الحالية في مجال الجينات في البداية، فهم الفرق البسيط (0,1) في الحمض النووي بين شخص وأخر تقدم بسرعة، ومن المحتمل أن يكشف خلال السموات القادمة عن الخلل الوراثي المشترك التي تعرض الأفراد للإصابة بأمراض السكري والقلب والزهايمر وفي حالات أخرى عديدة. وسوف تسمح لكل واحد منا، إذا كنا مهتمين لذلك في الحصول على قراءات الشخصية توثق المخاطر المستقبلية للأمراض.

قليل من تلك التقارير سوف تكون وخيمة كما هو الحال في عائلة سوزان، وذلك لأن قلة منا سيكون لديهم أخطاء وراثية بهذه الآثار القاسية. هل تريد أن تعرف ذلك؟ كثير من الناس يقولون نعم، إذا كانت التدخلات تحد من المخاطر التي يتعرضون لها، وفي بعض الحالات، أصبح ذلك ممكناً بالفعل. إذا وجد أن شخصا معرض لخطر الإصابة بسرطان القولون على سبيل المثال فإنه يمكنه البدء بإجراء فحص القولون في عمر مبكر لاكتشاف الأورام الحميدة الصغيرة في وقت يمكن إزالتها بسهولة قبل أن تتحول إلى سرطان قاتل. الأشخاص الذين يتم اكتشاف أنهم معرضون لخطر الإصابة بمرض السكري يمكن أن يراقبوا وجباتهم لتجنب زيادة أوزانهم. أولئك الأشخاص المعرضون لخطر جلطات الدم في الأرجل يمكنهم تجنب حبوب منع الحمل حتى لا يصابوا بالشلل لفترات طويلة.

ومن المجالات الأخرى للطب الشخصي أصبح من الواضح أن استجابة الأشخاص للدواء يعتمد بشكل كبير على الجانب الوراثي. لقد أصبح من الممكن في العديد من الحالات تحديد من هو الشخص الذي يأخذ هذا العلاج وبأي مقدار وذلك عن طريق فحص عينة من الحمض النووي لهذا الشخص. هذا الاتجاه في علم الصيدلة أصبح مطبقاً على نطاق واسع وهو ما يؤدي إلى علاج دوائي فعال، والتقليل من حالات الأعراض الجانبية القاتلة.

الإشكاليات الأخلاقية الناتجة عن فحص الحمض النووي

كان للتطورات المذكورة أعلاه قيمة محتملة. ومع ذلك فإن هذه التطورات تواجه أيضا العديد من المعضلات الأخلاقية. في حالة عائلة سوزان، نشأ خلاف قوي حول ما إذا كان من المناسب اختبار الأطفال للكشف عن وجود طفرة BRCA1 لديهم. وبما أنه لم يكن هناك أي تدخل طبي متاح للأطفال، وبما أن التأثير النفسي إذا ما ثبت وجود هذه الطفرة لديهم يمكن أن يكون كبيراً، قمت أنا والدكتورة ويبر وبدعم من غالبية الخبراء الأخلاقيين بالتشاور، وتوصلنا إلى أنه يجب تأجيل مثل هذه التجارب حتى يبلغ الشخص سن الثامنة عشرة. في إحدى الحالات على الأقل، شعر أحد الآباء الحاملين للطفرة بالغضب لأنه لا يمكن اختبار بناته في الوقت الحالي. أحتج الأب بان من واجبه الأبوي أن يعارض قرارنا.

ثار نقاش أخلاقي حول ما إذا كان يحق لطرف ثالث للاطلاع على المعلومات الجينية للأفراد أو استخدامها. سوزان والعديد من أقرباءها كانوا خائفين من أنه أذا ثبت حملهم للطفرة الجينية أن تصل هذه المعلومة إلى شركات التأمين الصحي أو تصل إلى أيدي رؤساءهم في العمل، وعندها سوف يفقدون التأمين الصحي أو وظائفهم. بعد نقاش مستفيض، توصلنا إلى نتيجة مفادها أن الاستخدام المنحاز لاستخدام المعلومات الجينية مخالف لمبادئ العدالة والإنصاف لأن عيوب الحمض النووي عالمية، وليس باستطاعة أحد أن يختار تسلسل حمضه النووي. ومن ناحية أخرى، إذا علم المؤمن عليهم بأنهم حاملين للطفرة مع جهل شركات التأمين الصحي بذلك فإن ذلك يعد تلاعب على النظام والقوانين. وهذا ما سيكون له تأثير كبير على أنظمة التأمين. ولكن لم يكن من الواضح تأثيرها على التأمين الصحي. ومع ذلك فإن الأدلة رجحت وجوب أن يكون هناك تشريع ضد التمييز الجيني في مجال التأمين الصحي وأماكن العمل. ومع كتابة هذه السطور لا زلنا ننتظر أن يتم إصدار تشريع فعال على المستوى القومي في الولايات المتحدة. سيكون للفشل في إصدار مثل هذا التشريع تأثير سلبي كبير على مستقبل الطب الشخصي الاحترازي، لأن الأفراد سوف يتخوفون من الحصول على المعلومات الجينية مع أنها قد تكون مفيدة لهم.

طرحت في هذه النقاشات مسألة أخلاقية أخرى وهي مسألة الحصول على الرعاية. هذه المسألة بالخصوص تثير الحيرة في الولايات المتحدة، فحتى كتابة هذه السطور لا يزال هناك أكثر من 40 مليون أمريكي ليس لديه تأمين صحي. من بين كل الدول المتقدمة، يبدو أننا في الولايات المتحدة لا نهتم بذلك ونفشل في تحمل مسؤوليتنا الأخلاقية. أحد أكثر العواقب مأسوية أن يتم التركيز على العلاج في غرف الطوارئ بدلا من الاهتمام بالوقاية والتركيز على الكوارث الطبية عندما لا يكون مفر من حصولها. مسألة الحصول على الرعاية الصحية تصبح أكثر إلحاحا كلما تقدمنا في البحث، وخاصة في مجال الجينوم وهو ما يقودنا إلى معرفة طرق أفضل للوقاية من السرطان وأمراض القلب والأمراض العقلية والعديد من الحالات الأخرى.

 

 

الأخلاقيات البيولوجية تقوم على أساس القانون الأخلاقي

قبل الخوض في مزيد من المعضلات الأخلاقية، حري بنا النظر في الأسس التي قامت عليها أحكامنا الأخلاقية. العديد من الأخلاقيات البيولوجية معقدة. نقاش هذه الأخلاقيات واتخاذ قرارات بشأنها يعتمد بشكل كبير على خلفية ثقافية ودينية. هل يمكن أن يتفق الناس في مجتمع علماني متعدد على الإجراء الصحيح في مثل هذه الحالات الصعبة؟ في الحقيقة أنني وجدت أنه عندما تكون الأمور واضحة فإنه في أغلب الأحوال تكون النتيجة متشابهة على الرغم من الاختلاف الكبير في الرؤى بين الناس. في حين أنه قد يبدو مثيرة للدهشة، فإنني أعتقد أن ذلك مثال مقنع على أن القانون الأخلاقي عالمي. جميعنا لدينا المعرفة الفطرية فيما هو صائب وخاطئ، ورغم أن ذلك يمكن يصبح غامضاً بفعل سوء الفهم والتشويش، فإنه يمكن التوصل له عبر التأمل الدقيق. حاجج بوشامب وتشلدش أن هناك أربعة مبادئ أخلاقية تمثل الأساس للأخلاقيات البيولوجية وهي مشتركة وتشمل جميع الثقافات والمجتمعات تقريباً، وهذه المبادئ تشمل:

1- احترام الاستقلالية: مبدأ أن من حق الإنسان العاقل أن يتخذ قراره الخاص دون تدخل خارجي.

2- العدالة: توفير العلاج بطريقة أخلاقية منصفة دون تمييز لجميع الأشخاص.

3- الإحسان: معالجة الآخرين بأفضل طريقة تحقق مصلحتهم.

4- عدم إلحاق الأذى: لا تؤذي أحد (كما في قسم أبقراط)

ما هو دور الإيمان في نقاشات الأخلاقيات البيولوجية؟

الشخص المؤمن سوف يجد أن هذه المبادئ موجودة في النصوص المسيحية واليهودية والإسلامية والبوذية وبقية التعاليم الدينية. في الواقع، أنه يمكن العثور على بعض من أكثر العبارات بلاغة لهذه المبادئ في النصوص المقدسة. ولكن المرء لا يحتاج أن يكون مؤمناً حتى يتفق مع هذه مبادئ. فحتى الشخص غير المدرب على الموسيقى يمكن أن يعجب بمقطوعة موتسارت. القانون الأخلاقي يخاطبنا جميعاً، سواء كنا نتفق أو نختلف على أصوله.

يمكن أن نستقي المبادئ الأساسية للقيم الأخلاقية من القانون الأخلاقي. ولكن الخلاف يظهر عندما لا تلبية متطلبات هذه المبادئ في الوقت نفسه، ويختلف المراقبون في إعطاء أوزان لهذه المبادئ حتى يتحقق التوزان. في العديد من الحالات، يكون المجتمع قد توصل إلى إجماع على التعامل مع ذلك، وفي حالات أخرى في مثل الحالة التي سوف نناقشها بعد قليل يختلف العقلاء في تحديد القرار الأخلاقي المتوازن.

الخلايا الجذعية والاستنساخ

ما زلت أذكر بعد ظهر يوم الأحد قبل عدة سنوات عندما اتصل أحد المراسلين الصحفيين بي في المنزل ليسألني عن رأيي حول عدد من مجلة بارزة على وشك أن يصدر يتم فيه الإعلان عن استنساخ النعجة دوللي. لقد كان ذلك تطوراً مذهلاً وغير مسبوق، وكان جميع العلماء تقريباً (بما فيهم أنا) يعتقدون أنه سيكون من المستحيل استنساخ الثدييات. وعلى الرغم من أن هناك كتيب تعليمات للحمض النووي بأكمله من كائن حي في كل خلية من خلايا الجسم، وكان من المفترض أن التغيرات التي تحدث في الحمض النووي تجعل من المستحيل برمجة كتيب تعليمات الحمض النووي بصورة دقيقة بهذه الطريقة.

لقد كنا على خطأ. في الواقع، على مدى العقد الماضي، ومن خلال اكتشاف بعد اكتشاف ظهر بشكل لافت المرونة غير المتوقعة لأنواع من خلايا الحيوانات الثدية. وهذا ما أدى بدوره إلى وقوع الجدل الدائر حالياً حول الفوائد والمخاطر المحتملة لهذا النوع من البحوث، التي تتميز بالتباينات العلنية الشديدة التي لا يبدو أنها قابلة للحل. لقد كان النقاش حول الخلايا الجذعية بالخصوص محتدماً، وكانت المصطلحات المستخدمة غير مفهومة بحيث كان لابد من تكوين خلفية عن الموضوع. الخلايا الجذعية هي تلك الخلايا التي تملك القدرة على التطور إلى أنواع أخرى من الخلايا. على سبيل المثال، يمكن للخلايا الجذعية في نخاع العظام أن ترفع عدد كريات الدم الحمراء والبيضاء وخلايا العظم وخلايا عضلات القلب. هذا النوع من الخلايا يطلق عليه اسم “الخلايا الجذعية الناضجة” للتمييز بينها وبين الخلايا الجذعية التي تؤخذ من الأجنة.

يتكون الجنين البشري من اتحاد للسائل المنوي مع البويضة لتكوين خلية واحدة. وهذه الخلية مرنة وتمتلك القدرة بشكل ملفت على التحول إلى خلية كبد أو خلية مخ أو خلية عضلات أو خلايا أي نوع أخر من الأنسجة المعقدة لجسم الإنسان التي تتكون من 100 تريليون خلية. الدلائل الحالية تشير إلى أن قدرة الخلايا الجذعية الجنينية على التوالد الذاتي والتحول إلى أي نوع من الخلايا يفوق تلك القدرة الموجودة في الخلايا الجذعية الناضجة. وبحسب التعريف فإن الخلايا الجذعية الجنينية يمكن أن تنتج فقط أثناء تكون الجنين عندما يكون الجنينة على شكل كرة صغيرة من الخلايا أصغر من نقطة ضمن النقاط المكونة للحرف أ. ولكن النعجة دوللي لم تنتج عن أي من نوعي الخلايا الجذعية. الشي المثير وغير المسبوق فيما يخص إنتاج النعجة دوللي جاء عن طريق غير مسبوق في الثدييات، وهو أمر لا يحدث في الطبيعة. وكما هو موضح في الشكل 1.A تسمى هذه العملية “نقل نواة الخلية الجسدية” (SCNT) وهي تبدأ من خلية واحدة مستمدة من ضرع النعجة المتبرعة.

تحتوي نواة هذه الخلية على كامل الحمض النووي للنعجة المتبرعة، وبعد ذلك يتم نقلها إلى بيئة مناسبة مليئة بالبروتينات والجزئيات الموجودة في السيتوبلازم لخلية بويضة. ويكون قد تم استئصال نواة هذه الخلية بشكل كامل حتى لا تستطيع نقل التعليمات الجينية، وإنما يتم فقط نقل البيئة الحاضنة لهذه التعليمات. ثم يتم وضع هذه الخلية في رحم النعجة بحيث يعود الحمض النووي لضرع النعجة ومع مرور الوقت يتم مسح جميع التغيرات الحاصلة في الحمض النووي بحيث تصبح خلية خاصة يتم إنتاجها مع الحليب. وبعدها تعود نواة الخلية الضرع إلى الحالة البدائية لها، ومن ثم يعاد زرع الخلية في رحم النعجة لتلد النعجة دوللي التي يكون حمضها النووي مطابق تماما للنعجة المانحة.

اندهش الوسط الطبي والعلمي في العالم بالمرونة غير المتوقعة لكتيب تعليمات الحمض النووي. بناء على هذا الاكتشاف المذهل، يعتبر العلماء أن دراسة الخلايا الجذعية قد تؤدي إلى فرصة حقيقية للتعرف على كيفية تحول خلية واحدة إلى خلية كبد أو خلية مخ. بالطبع فإن كثير من هذه الأسئلة الأساسية تم الإجابة عليها من خلال دراسة الخلايا الجذعية للثديات عندما تكون الهواجس الأخلاقية محدودة جداً. الإثارة الحقيقية فيما يخص الفوائد الطبية من أبحاث الخلايا الجذعية، مازالت في مرحلة الإمكانية، ولم يتم البرهنة عليها لاستخدام هذا النهج لتطوير علاجات جديدة. تظهر العديد من الأمراض المزمنة بسبب موت نوع من الخلايا قبل أوانها. إذا كانت ابنتك تعاني من النوع الأول من مرض السكري فإن ذلك بسبب أن خلايا بنكرياسها التي تفرز الأنسولين عادة تعرضت لهجوم مناعي من الجسم مما تسبب في موتها. إذا كان والدك يعاني من الباركنسون فإن ذلك بسبب خلايا عصبية في مناطق معينة من المخ ماتت في وقت مبكر مما أدى إلى خلل في دوائر العمل الحركية المعتادة. إذا كان ابن عمك على قوائم الانتظار لنقل الكلى أو الكبد أو القلب فذلك لأن هذه الأعضاء قد تعرضت لأضرار شديدة بحيث لم تعد قادرة على إصلاح نفسها.

إذا أمكن إيجاد وسائل تستطيع إعادة إنتاج الأنسجة أو الأعضاء المتضررة فإن العديد من هذه الأمراض المزمنة يمكن علاجها أو القضاء عليها. ولهذا السبب، فإن “الطب التجديدي” يمثل موضوع ذو أهمية كبيرة للأبحاث الطبية. في الوقت، يبدو أن دراسة الخلايا الجذعية توفر فرصة عظيمة لتحقيق هذا الحلم.

ثار جدل اجتماعي وأخلاقي وسياسي حول استخدام الخلايا الجذعية.

العواطف الجياشة والعاطفة من جهات متعددة والاختلاف الشديد في وجهات النظر لم يسبق له مثيل من قبل، لدرجة أن بعض الحقائق العلمية ضاعت وسط هذه العاصفة. أولاً وقبل كل شيء، قلة يجادلون بأن الاستخدام العلاجي للخلايا الجذعية البالغة يمثل تحدياً أخلاقياً جديداً. هذه الخلايا يمكن استخلاصها من أنسجة أفراد على قيد الحياة. السيناريو المطلوب هو في إثبات أن هذه الخلايا بالفعل ضرورية لعلاج هذه الأمراض. إذا عرفنا على سبيل المثال، كيف نحول عدد قليل من خلايا نخاع العظم الجذعية إلى عدد كبير جدا من خلايا الكبد، فإن ذلك يمكن أن يتحقق ببساطة من خلال “زرع” نخاع المريض نفسه.

في حين كانت هناك بعض الخطوات المشجعة في هذا الاتجاه، وتم استثمار ذلك بشكل كبير جداً في متابعة أبحاث الخلايا الجذعية البالغة، فإننا نفتقر في الوقت الحاضر دليل مؤكد على أن الخلايا الجذعية للبالغين كافية لتلبية العديد من احتياجات الناس الذين يعانون من أمراض مزمنة. في حين تعتبر الخلايا الجذعية الجنينية أو استخدام نواة الخلية الجسدية البديل المحتمل لذلك. الخلايا الجذعية الجنينية تمتلك القدرة على التحول إلى أي نوع من أنواع الخلايا. ولكن هنا بالتحديد تبرز التحديات الأخلاقية باعتبار أن الجنين الذي تكون من اتحاد السائل المنوي مع البويضة هو عبارة عن حياة إنسانية محتملة. إنتاج خلايا جذعية من الجنين يعني تدمير لهذا الجنين (على الرغم من وجود نظريات تدعي إمكانية المحافظة على بقاء الجنين).

إذا كان المرء يعتقد بشكل قاطع أن الحياة تبدأ عند الحمل، وأن الحياة البشرية مقدسة من تلك اللحظة فصاعداً، فإن هذا الشكل من البحوث الطبية أو العلاج غير مقبول. الناس العقلاء سوف يختلفون بشدة حول صوابية مثل هذه البحوث وذلك يعتمد على إجابتهم على الأسئلة التالية:

هل تبدأ حياة الإنسان مع الحمل؟

لقد تجادل الفلاسفة ورجال الدين والعلماء لقرون طويلة حول مسألة متى تبدأ الحياة. الحصول على معلومات عن الخطوات الجزيئية والتشريحية التي تتعلق ببداية تكون الجنين لم تساعد في التوصل إلى نتيجة في هذه المسألة، لأن هذه المسألة ليست مسألة علمية. خلال قرون، قدمت الثقافات والديانات المختلفة تعاريف كثيرة لبداية الحياة، وحتى اليوم يوجد اختلاف بين المذاهب الدينية حول النقطة التي تدخل بها الروح إلى الجنين.

من منظور علم الأحياء، الخطوات التي تعقب اتحاد الحيوان المنوي والبويضة تحدث في ترتيب يمكن التنبؤ به بدقة، مما يؤدي إلى زيادة التعقيد، مما يجعل من الصعب وضع حدود فاصلة بين المراحل. وبالتالي فليس هناك خط فاصل بين الإنسان وبين مرحلة الجنين بحيث يمكن القول إنه هنا تبدأ الحياة. البعض يقول إن الوجود الإنساني الحقيقي لا يمكن أن يتم من دون جهاز عصبي، ولذلك فإن نمو الجنين من الشريط البدائي (يبدأ مع تكون الحبل الشوكي في اليوم الخامس عشر تقريبا). يمكن أن يعتبر علامة فاصلة. البعض يرد بالقول إن استعداد الجنين لتكوين نظام عصبي يتم بمجرد حصول الحمل، وبالتالي فإن الأمر لا علاقة له بتكون البناء التشريحي. تم تسليط الضوء على هذه المسألة من خلال توأمين متطابقين والذين نتجا عن تلقيح بويضة واحدة. في المرحلة الأولى للتكون انفصل الجنين إلى جنینین يحملان حمض نووي متطابق. ليس هناك رجل دين يمكن أن يقول إن الجنينين ليس لهما روح أو أنهما يتشاركان في روح واحدة. في هذه الحالات، نجد أن التأكيد على أن الطبيعة الروحية للشخص تتحدد في لحظة الحمل تواجه صعوبة.

هل هناك ظروف تبرر أخذ خلايا جذعية من الجنة البشرية؟

أولئك الذين يعتقدون أن الحياة تبدأ من لحظة الحمل وأنه من تلك اللحظة يصبح الجنين يستحق الاحترام الأخلاقي للإنسان الكامل سوف يجيب بالنفي على هذا السؤال. وبالتالي فإن جوابهم سوف يكون متسق من الناحية الأخلاقية. ولكن تجدر الإشارة إلى أن العديد من هؤلاء سوف ينظرون إلى الأمر من زاوية أخرى، أو على الأقل يتبنون النسبية الأخلاقية في حال كانت هذه الأجنة مدمرة.

هذه هي عملية التخصيب في المختبر (IVF)، وقد أصبحت متاحة على نطاق واسع للأزواج الذين يعانون من العقم، وينظر إليها على نطاق واسع باعتبارها حلاً لمشاكل مؤثرة. في هذا الإجراء، يتم أخذ البيض من الأم بعد العلاج الهرموني الذي ينتج مجموعة من البويضات في وقت واحد. ويتم تخصيب البويضات في إناء مع الحيوانات المنوية للأب. يتم مراقبة الأجنة لمدة ستة أيام لتحديد أي منها نما بشكل طبيعي وبعد ذلك يتم إعادة عدد قليل من هذه الأجنة (في العادة واحد أو أثنين) إلى رحم الأم على أمل تحقق الحمل.

في أغلب الأحيان يكون عدد الجنة الصالحة لإعادتها إلى رحم الأم أكثر مما هو مطلوب. في العادة يتم تجميد هذه الأجنة. في الولايات المتحدة وحدها، هناك مئات الآلاف من الجنة التي يتم تجميدها في الثلاجات، وهذا الرقم يزداد باستمرار. رغم أن عدد محدود من هذه الأجنة يمكن أن يستفيد منه أزواج أخرين، إلا أنه لا شك في أن أغلب هذه الأجنة يتم التخلص منها. وهنا يبرز الموقف الصارم المعارض لتدمير الجنة، مما يجعله يعارض فكرة التخصيب خارج الرحم. طرحت المطالبة بإعادة كل الجنة الناتجين عن عملية التخصيب إلى رحم الأم، ولكن هذه العملية تزيد من احتمالات حدوث موت الأجنة في عمليات الحمل المتكررة. لا يوجد حل سهل لهذه المعضلة في الوقت الحالي.

هذه الظروف تثير سؤالاً مطروحاً من قبل الكثيرين: إذا أمكن تحديد الإجراءات المطلوبة لضمان عدم تخصيب أجنة في المختبر لأغراض البحث، وإذا كانت الأبحاث الطبية سوف تقتصر فقط على تلك الأجنة التي بقيت بعد التلقيح الاصطناعي والتي من الواضح أنه سوف يتم التخلص منها، هل في ذلك انتهاك للقيم الأخلاقية؟

نقل الخلية الجسدية مختلف جذرياً

الأمر المفرح هنا هو أن النقاشات المحتدمة حول الخلايا الجذعية الناتجة عن الأجنة البشرية ليس من الضروري أن يتم استخدامها، لأن هناك طريق أقل إشكالية من الناحية الأخلاقية يمكن أن يمثل فتحة جديدة من الناحية الطبية. وأنا أشير هنا إلى عملية نقل نواة الخلايا الجسدية التي نتج عنها النعجة دوللي. إنه لمن المؤسف أن إنتاج الخلايا الجسدية أصبح مرادف من ناحية المفهوم ومن الناحية الأخلاقية مع إنتاج الخلايا الجذعية من الأجنة التي تأتي من اتحاد السائل المنوي والبويضة. هذه المعادلة تسللت إلى النقاش العام في مراحله الأولى وأصبحت خادعة لمعظم المشاركين في النقاش، وفي ذلك تجاهل للفرق العميق بين الكيانات الناتجة. الأرجح أن عملية نقل نواة الخلايا الجسدية سوف يكون أكثر فائدة من الناحية الطبية، ولذلك فمن المهم أن نحاول توضيح الخلط الحاصل في فهم هذه العملية.

كما أوضحنا فيما سبق وكما هو مبين في الشكل 1.A فإن عملية نقل نواة الخلايا الجسدية لا تنطوي على اتحاد للسائل المنوي مع البويضة. وبدلا من ذلك، يتم نسخ كتيب تعليمات الحمض النووي من خلية واحدة مأخوذة من جلد أو نسيج أخر حي من الحيوان (في حالة النعجة دوللي تم اخذ الخلية من الضرع، ولكن يمكن أخذها من أي عضو). سوف يتفق الجميع تقريبا أن خلية جلد المتبرع ليس لها قيمة من الناحية الأخلاقية، ففي نهاية الأمر نحن نفقد ملايين الخلايا كل يوم. وكذلك الحال مع الخلية منزوعة النواة التي فقدت كل حمضها النووي وليس لها القدرة على التحول إلى عضو حي، وبالتالي لا تسحق أي قيمة أخلاقية. وضع هذين الكيانين مع بعضهما البعض لا يحدث بصورة طبيعية، ولكن لديه قابلية كبيرة. هل يمكننا أن نسميه إنسان؟ إذا كان هناك من يقول إن توقعات الآثار المترتبة على نقل الخلية الجسدية تستحق التأمل فلماذا لا تنطبق هذه الحجة على نقل الخلية الجسدية قبل أن تتشكل؟ هي أيضا لها القابلية على ذلك.

خلال السنوات القليلة المقبلة من المرجح أن يكتشف العلماء الإشارات المتضمنة في بويضة خلية السيتوبلازم الخلية وهي الإشارات التي تسمح لنواة خلايا الجلد في محو تاريخها وتستعيد قدرتها الرائعة في التحول إلى العديد من أنواع الأنسجة المختلفة. وبالتالي، فمن المرجح أنه في غضون سنوات قليلة أن لا تحتاج هذه العملية لوجود البويضات على الإطلاق، وإنما يتم ذلك من خلال وضع أي نوع من الخلايا من متبرع فردي في خليط مناسب من جزيئات الإشارة. في أي نقطة، في هذه السلسلة الطويلة من الخطوات، يجب تطبيق الاعتبار الأخلاقي على الإنسان؟ ألا تشبه هذه النتيجة الخلية الجذعية البالغة أكثر من الخلية الجذعية الجنينية؟

هذه الضجة حول الخلايا الجسدية مستمدة من حقيقة غرابة اندماج خلية من ضرع نعجة وبويضة منزوعة النواة نتج عنها النعجة دوللي. حدث ذلك فقط لأن المنتج من عملية الخلايا الجسدية الناضجة وضعت بشكل مقصودا مرة أخرى في رحم الأغنام، وهو أمر لا يمكن أن يحدث عن طريق الصدفة. هناك خطوات مماثلة اتخذت في كثير من الثدييات الأخرى، بما في ذلك الأبقار والخيول والقطط، والكلاب.

لقد تم الشروع لمحاولة القيام بما يسمى الاستنساخ التناسلي في البشر من قبل مجموعتين من الأبحاث، واحدة منها يقودها فرد يرتدي سترة من الفضة ويدعي أنه اختطف من قبل أغراب. العلماء وعلماء الأخلاق، ورجال الدين، والمشرعون متفقون من الناحية الجوهرية أنه لا ينبغي تطبيق الاستنساخ التناسلي للإنسان تحت أي ظرف من الظروف.

في حين أن السبب الرئيسي لهذا الموقف يستند إلى اعتراضات أخلاقية ودينية قوية تعارض صنع نسخ من الإنسان بهذه الطريقة غير الطبيعية، في المقابل فإن هناك اعتراضات كبيرة أخرى تستند إلى اعتبارات السلامة، منذ استنساخ كل الثدييات الأخرى وقد تبين أنه جهد غير مجد وعرضة لوقوع كوارث، وخاصة أنه أدى إلى الإجهاض أو موت الرضع في وقت مبكر لمعظم الحيوانات المستنسخة. وفي بعض الحالات القليلة التي نجح فيها الاستنساخ وتجاوز مرحلة الولادة كان الناتج مختلف على نحو ما بما في ذلك النعجة دوللي (عانت من التهاب المفاصل والسمنة).

ونظرا لهذه النتائج، سيكون من المناسب تماما المطالبة بأن لا يتم أبدا زرع نتاج نقل نواة الخلية الجسدية البشري في رحم الأم المضيفة. عمليا يمكن لأي شخص أن يوافق على ذلك. النقاش يدور حول الظروف التي يمكن أن يسمح بها بنقل نواة الخلية الجسدية البشرية عندما لا يكون هناك نية لإنتاج إنسان كامل. المخاطر يمكن أن تكون عالية جداً. إذا كنت على وشك الموت من مرض باركنسون، فإنك لا تحتاج إلى الخلايا الجذعية من جهات مانحة أخرى، وإنما تحتاج إلى خلاياك الجذعية.

عبر عقود عديدة تعلمنا من خلال علم نقل الأعضاء أن زرع خلايا من شخص آخر في المتلقي من المتوقع أن يرفض الجسم تقبلها وهو ما يؤدي إلى نتائج مدمرة، وهو ما يمكن تقليل مخاطره فقط من خلال التأكد بدقة من تطابق الأنسجة بين المتبرع والمتلقي، بالإضافة إلى استخدام الأدوية القوية المثبطة للمناعة والمضاعفات المترتبة عليها.

العديد من السيناريوهات التي تدعو إلى استخدام خلايا جذعية جنينية من أشخاص أخرين لعلاج الأمراض المختلفة تواجه هذه التجربة الطويلة.

سيكون من الأفضل بكثير، أن تكون الخلايا الجذعية متطابقة وراثياً مع الشخص المتلقي. وهذه بالتحديد النتيجة التي قد تحدث بعد نقل نواة الخلية الجسدية البشرية. (وهذا ما يسمى “الاستنساخ العلاجي”). إنه من الصعب بالنسبة لمراقب موضوعي أن يجادل بأن هذا لن يحدث على المدى الطويل، حيث المستقبل واعد في نهاية المطاف بأننا سنصل إلى علاج قائمة طويلة من الأمراض المنهكة والقاتلة. ولذلك حري بنا أن ننظر بعناية فائقة، إلى الاعتراضات الأخلاقية لفوائد هذه العملية وتقييم ما إذا كانت تستحق أن تعطى أهمية في بعض الحالات. أنا أزعم أن الإنتاج الفوري لخلايا الجلد من خلية بويضة منزوعة النواة يبدو مختلفة من الناحية الأخلاقية عن اتحاد الحيوانات المنوية والبويضات. الأول هو خلق في المختبر لا يحدث في الطبيعة، وليس جزءاً من خطة الله الخلق فرد البشري. أما الثاني فمشابهاً جداً لخطة الله خلال آلاف السنين في خلق النوع البشري والأنواع الأخرى.

أنا مثل أي شخص آخر تقريباً أعارض بشدة فكرة الاستنساخ البشري. زرع نتاج نقل نواة الخلية الجسدية البشري الإنسان في الرحم عمل غير أخلاقي بشكل مطلق.

من جهة أخرى، يجري بالفعل تطوير بروتوكولات لإقناع خلية واحدة بتقبل اسُتمدت من نقل نواة الخلية الجسدية البشري لتحويلها إلى الخلية التي تستشعر مستويات الجلوكوز وتفرز الأنسولين، دون الوصول إلى أي من الخطوات الأخرى من التطور الجنيني. إذا كانت هذه الخطوات يمكن أن تؤدي إلى خلايا مطابقة من الناحية النسيجية بحيث يمكنها علاج مرض السكري عند الأحداث، لماذا لا يكون إجراء ذلك مقبولاً أخلاقياً؟

ليس هناك من شك في أن العلم سوف يستمر في التحرك بسرعة في هذا المجال. في حين أن الفوائد الطبية النهائية لأبحاث الخلايا الجذعية يظل غير معروف، فإن الأمل في ذلك يظل كبيراً. إن معارضة جميع هذا النوع من الأبحاث يعني أن الأخلاقية تفوقت على مبدأ تخفيف المعاناة بشكل مطلق. بالنسبة لبعض المؤمنين، قد يكون هذا الموقف دفاعي، ولكن يجب ألا نصل إلى هذا الموقف إلا بعد الأخذ بعين الاعتبار الكامل بالحقائق العلمية. أي شخص يصور هذا القضية باعتبارها معركة بسيطة بين الإيمان والإلحاد يجعل هذه القضايا أكثر تعقيداً.

ما وراء الطب

الجريدة التي أقرأها نشرت تحليلاً للتحديات التي يواجهها رئيس الولايات المتحدة. هذا الأمر يحدث عادة عندما لا تسير كما ينبغي بالنسبة للقائد الأعلى للقوات المسلحة، وهنا أنا أنقل عن صديق للرئيس يعمل كمحلل سياسي “لم أر الرئيس مطلقاً يعاني من الرئاسة. لقد نشأ على مواجهة القضايا الكبرى. هذه القدرة موجودة في حمضه النووي”. قد يكون صديق الرئيس قال هذا الكلام على سبيل المزاح، ولكن يمكن أنه يعنيه تماماً.

ما هو الدليل الحقيقي على وجود التوريث في السلوك البشري وسمات الشخصية؟ وهل ستقودنا ثورة الجينوم إلى أسئلة أخلاقية جديدة بسبب ذلك؟ كيف يمكن للمرء تقييم دور الوراثة والبيئة في خصائص الإنسان المعقدة؟ كتبت العديد من الأطروحات حول هذا الموضوع. ولكن قبل فترة طويلة من داروين، مندل، واتسون، کريك، وبقية العلماء، لاحظ البشر أن الطبيعة وفرت لنا فرصة رائعة لتقييم دور الوراثة في العديد من الجوانب المختلفة للوجود الإنساني، والتوائم المتماثلة مثال على ذلك.

إذا كنت قد صادفت توأمين متماثلين سوف تدرك أنهما يتشاركان في العديد من الصفات الجسمانية وكذلك في خصائص أخرى مثل نبرة الصوت وطريقة التصرف. ولكن إذا كان لك أن تتعرف عليهما عن قرب سوف تجد أن لهما شخصيتين مختلفتين. لقد درس العلماء عبر القرون التوأم المتماثلة لتحديد دور الطبيعة في شخصية الإنسان.

يمكن إجراء تحليل دقيق غير متحيز على التوائم المتطابقة الذين تم تبنيهم في منازل مختلفة عند الولادة، بحيث تكون بيئات الطفولة مختلفة تماماً. هذه الدراسات تسمح بتقدير نسبة توريث سمة معينة دون تحديد التركيب الجزيئي لها. الجدول 1.A يبين نسبة الوراثة في بعض سمات الشخصية في دراسة لتوأم متطابقة. ولكن لا يجب أن تؤخذ هذه النتائج على نحو الدقة.

 

 

الجدول 1.A: نسبة الوراثة في بعض الصفات عند الإنسان

الصفة

نسبة الوراثة

القدرة الذهنية العامة

50٪

قوة الشخصية

54٪

مدى التقبل

42٪

الاجتهاد

49٪

الغضب

48٪

الانفتاح

57٪

العدوانية

39٪

التقليدية

54٪

 

هذه الدراسات توصلت إلى نتيجة مفادها أن الوراثة تعتبر عامل مهم في سمات الشخصية. وهذه النتيجة لن تثير تعجب الأشخاص الذين يعيشون مع هذه العائلات. ولذلك علينا أن لا نصاب بالصدمة من حقيقة بعض تفاصيل الجزيئات في آلية التوريث بدأت بالتكشف من خلال دراسة الجينوم.

إلى الفصل السابق: فك رموز كتاب تعليمات الإله دروس من الجينوم البشري

الحياة على الأرض من الميكروبات والإنسان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

الحياة على الأرض من الميكروبات والإنسان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

الحياة على الأرض من الميكروبات والإنسان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

الحياة على الأرض من الميكروبات والإنسان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

كتاب لغة الإله PDF – فرانسيس كولينز – للتحميل

 

صب التطور الذي حصل في العلم الحديث لصالح الأسباب التقليدية للإيمان بالإله. عندما لا يكون لدينا فكرة عن الكيفية التي وجد بها الكون فإن من السهل نسبة ذلك إلى فعل إلهي، أو مجموعة أفعال إلهية. وبالمثل، فإن وضع كبلر وبرینكوس وغاليليو الأرض في وسط السماء المرصعة بالنجوم بدا وكأنه يمثل حجة قوية لوجود الإله. إذا كان الإله وضع الأرض في الوسط، فلابد أنه بنى كل ذلك من أجلنا. عندما أجبرت العلوم الشمسية على إعادة النظر في هذا المفهوم، اهتزت قناعات العديد من المؤمنين.

لكن الركن الثالث من أركان الإيمان لازال يحظى بقيمة كبيرة: تعقيد الحياة الدنيوية، مما يعني لأي مراقب أن لهذا عمل مصمم ذكي. وكما سنرى لاحقاً، فإن العلم قلب ذلك رأساً على عقب. وهنا كما في الحجتين السابقتين، أريد أن أشدد على أن المؤمن بالإله لا ينكر العلم، وإنما يتبناه. إن الأناقة التي تقف خلف تعقيد الحياة مدعاة للإعجاب والاعتقاد بالله، ولكن ليس بالطريقة المبسطة والمباشرة التي كان يعتقد بها الكثيرون قبل نظرية دارون.

تعود “حجة التصميم على الأقل إلى أيام شيشرون، ولقد تم تقديمها بشكل مؤثر بواسطة ويليم بالي William Paley في كتابه المهم اللاهوت الطبيعي Natural Theology أو براهين الوجودEvidences of the Existence and Attributes of the Deity Collected from the Appearance of Nature. طرح بالی وهو فيلسوف أخلاقي قياساً شهيراً على النحو التالي: “افترض أنه وأثناء مروري بأرض قاحلة أصدمت قدمي بحجر، وسألني أحدهم كيف جاء هذا الحجر إلى هنا، من الممكن أن أجيب بالقول إنه كان هنا منذ قديم الزمان. ولن يكون من السهل جداً إظهار سخافة هذه الإجابة. ولكن افترض إنني وجدت ساعة يد على الأرض وسُئلت كيف وصلت هذه الساعة إلى هنا، هنا من الصعب عليّ أن أفكر بالإجابة على هذا السؤال بنفس إجابة السؤال السابق، لأن القول بأن ساعة اليد كانت هنا منذ القدم يستلزم القول بأن لهذه الساعة صانع: وعليه تكون الساعة وجدت في زمان ما وفي مكان ما، وهناك صانع أو صناع قاموا بصناعتها لهدف معين، وهذا الصانع هو من يعلم تركيبها وقام بوضع كل الدلائل التي تشير إلى صنعها. كل مظاهر التصميم الموجودة في ساعة اليد موجودة في عالم الطبيعة، مع أفضلية لعالم الطبيعة لكونه أكبر، ولأن حسابات تصميمه تفوق كل الحسابات. برهان التصميم كان مقنعة للبشرية طوال التاريخ. داروين نفسه، قبل رحلته على سفينتي بيغل كان معجبا بكتابات بالي، وصرح بأنه مقتنع بهذا الرأي. ومع ذلك فإن هناك عيب في حجة بالي، ويمكن توضيح ذلك باختصار على النحو التالي:

1- ساعة اليد معقدة

2- لساعة اليد صانع ذكي

3- الحياة معقدة

4- لذلك، الحياة أيضا لها صانع

ولكن في الحقيقة كون شيئين يتشاركان في خاصية واحدة لا يستلزم أنهما يتشاركان في جميع الخصائص. لنأخذ المثال المشابه التالي:

1- التيار الكهربائي الموجود في بيتي يتكون من تدفق للإلكترونات

2- التيار الكهربائي يأتي من شركة الكهرباء

3- البرق يتكون من تدفق للإلكترونات

4- لذلك، البرق يأتي من شركة الكهرباء

على الرغم من أن الحجة تبدو جذابة، ولكنها لا تقول القصة بكاملها. لكي تختبر تعقيد الحياة وأصولنا في هذا الكوكب عليك أن تنقب عميقاً في الاكتشافات الرائعة حول طبيعة الكائنات الحية، وهي الاكتشافات التي نتجت عن الثورة الحديثة في علم المتحجرات وعلم الأحياء الجزيئي، وعلم الجينوم. على الشخص المؤمن أن لا يخشى من أن تسقط هذه الاكتشافات العرش الإلهي. إذا كان الله سبحانه وتعالى حقيقة، فسيكون من الصعب أن يتعرض للخطر من قبل مساعينا السقيمة في فهم طريقة عمل عالمه الطبيعي. ونحن كساعين للحقيقة ربما نعثر في العلم على أجوبة مقنعة على سؤال “كيف تعمل الحياة؟” ما لا نستطيع أن نكتشفه بواسطة العلم فقط هي الإجابة على الأسئلة “لماذا توجد حياة. لماذا نحن موجودون؟

أصل الحياة على كوكب الأرض

يبدأ العلم في الإجابة على السؤال عن تعقيد الحياة بجدول زمني. نحن نعلم في الوقت الحاضر أن عمر الأرض يبلغ 14 مليون سنة. قبل قرن من الزمن لم نكن نعلم عمر كوكبنا. ولكن الاكتشاف اللاحق للنشاط الإشعاعي والاضمحلال الطبيعي لبعض النظائر الكيميائية قدم لنا وسيلة أنيقة ودقيقة لتحديد عمر الصخور المختلفة على سطح الأرض. لقد تم شرح الأساس العلمي لهذه الطريقة بشكل مفصل في كتاب برنت داریمبل Brent Dalrymple عمر الأرض The Age of Earth، اعتماداً على معرفة نصف عمر ثلاثة عناصر كيميائية مشعة أنحلت بشكل مطرد، وتحولت إلى عناصر مختلفة ومستقرة: اليورانيوم تحول ببطء إلى الرصاص، والبوتاسيوم تحول ببطء إلى الأرجون، وتحول السترونتيوم الغريب إلى عنصر نادر يسمى الروبيديوم. عن طريق قياس كميات من أي من هذه الأزواج من العناصر، يمكننا تقدير عمر أي صخرة معينة. كل هذه الأساليب المستقلة تعطي نتائج متناغمة بشكل لافت للنظر، وجميعها يشير إلى أن عمر الأرض هو 4550000000 سنة، مع نسبة خطأ قريبة من الواحد بالمئة فقط. أقدم الصخور على سطح الأرض الحالي يعود تاريخها إلى ما يقرب من 4 مليارات سنة، ولكن ما يقرب من سبعين نيزك وعدد من الصخور القمرية يعود تاريخها إلى 4.5 مليارات سنة.

جميع الأدلة المتوفرة حالياً تشير إلى أن الأرض كانت مكاناً غير ملائم تماماً للعيش فيها في الخمسمائة مليون سنة الأولى. لقد تعرض الكوكب لهجوم مستمر ومدمر من كويكبات ونيازك عملاقة، وأحد هذه الهجمات جعلت القمر يخرج عن نطاق الأرض. ولذلك لا غرابة في أن الصخور التي تعود إلى 4 مليارات سنة لا يوجد فيها أي دلائل على الحياة.

فقط في وقت لاحق، أي ما يقارب من 150 مليون سنة، تم العثور على أنواع حياة ميكروبية. ومن المفترض أن هذه الكائنات ذات الخلية الواحدة كانت قادرة ربما باستخدام الحمض النووي على تخزين المعلومات، وكان قادرة على تكرار ذاتها، وقادرة على التطور إلى أنواع مختلفة متعددة. حديثاً، وضع کارل ووز Carl Woese فرضية محتملة لعمر محدد للأرض، وذلك عندما أصبح تبادل الحمض النووي بين الكائنات الحية سهلاً. بشكل أساسي، يتكون المحيط الحيوي للحمض النووي من عدد كبير من الخلايا الصغيرة المستقلة، ولكنها تتفاعل على نطاق واسع مع بعضها البعض.

إذا طور كائن معين بروتين أو سلسلة من البروتينات التي توفر ميزة معينة، فإنه يمكن لهذه الميزات الجديدة الانتقال بسرعة إلى جيرانها. بهذا المعنى، فإن التطور الذي حدث في وقت مبكر كان نشاطاً جماعياً أكثر منه نشاطاً فردياً. تم توثيق هذا النوع من “انتقال الجينات الأفقي” بشكل جيد في معظم الأشكال القديمة من البكتيريا الموجودة الآن على الأرض (العتائق)، وربما أتاح ذلك الفرصة لانتشار خصائص جديدة بسرعة.

ولكن كيف حدث التوالد الذاتي في المقام الأول؟ من المنصف القول إننا لا نعلم في الوقت الحالي كيف حدث ذلك. لا توجد فرضية حديثة اقتربت من تفسير كيف استطاع المكان الذي وجد قبل 150 مليون سنة من بيئة قبل حيوية أن يوجد حياة على سطح الأرض. هذا لا يعني عدم وجود فرضيات معقولة، ولكن الاحتمالات الإحصائية التي يمكن الاعتماد عليها لازالت تبدو بعيدة المنال.

قبل خمسين عاماً، شكلت التجارب الشهيرة التي قام بها ستانلي میلر Stanley Miller وهارولد أوري Harold Urey لخليط من المركبات العضوية والماء ما يمكن أن يكون الظروف البدائية للحياة على الأرض. استطاع هذان العالمان تكوين كميات قليلة من مركبات حيوية مثل الأحماض الأمينية من خلال تسليط شحنة كهربائية. مثل العثور على كميات صغيرة من مركبات مماثلة داخل النيازك القادمة من الفضاء الخارجي، حجة أيضا على أن مثل هذه الجزيئات العضوية المعقدة يمكن أن تنشأ من العمليات الطبيعية في الكون.

بعد هذه النقطة، تصبح التفاصيل ناقصة تماماً. كيف يمكن لجزيء حامل للمعلومات وذاتي الانقسام أن يتكون من هذه المركبات؟ الحمض النووي الذي يتكون عموده الفقري من السكر الفوسفاتي مرتب على شكل طبقات فوق بعضها بشكل منسق على صورة أزواج من الحلزون المزدوج، يبدو وكأن جزئياً قد خرج إلى الوجود كشكل أولي للحياة على نحو غير متوقع، وخاصة أن الحمض النووي لا يملك القدرة على نسخ نفسه، على عكس الحمض الريبي RNA، حيث يمكن للحمض الريبي أن يحمل المعلومات، وفي بعض الحالات يمكن أن يحفز تفاعلات كيميائية، في حين لا يستطيع الحمض النووي ذلك. الحمض النووي مثل الذاكرة الدائمة الموجودة في جهاز الكمبيوتر: إذ أنها يفترض أن تكون وسيلة ثابتة لحفظ المعلومات (وكما هو الحال مع الكمبيوتر يمكن أن يصاب الحمض النووي بالأخطاء البرمجية). على عكس ذلك، فإن الحمض الريبي أشبه بالذاكرة المؤقتة التي بمقدورها أن تقوم بنشاطات بمفردها. وعلى الرغم من الجهود المضنية التي بذلها عدد من الباحثين إلا أنه لم يمكن لحد الآن التوصل إلى مكونات الحمض الريبي في تجربة ميلر -أوري، كما لم يمكن تصميم حمض ريبي قادر على التوليد الذاتي.

دفعت الصعوبات الكبيرة في تحديد مسار مقنع لأصل الحياة بعض العلماء، وأبرزهم فرانسیس کريك Francis Crick (الذي أكتشف مع جيمس واتسون الحمض النووي المزدوج الحلزون)، إلى القول بأن أشكال الحياة وصلت إلى الأرض من الفضاء الخارجي، إما عبر جزيئات صغيرة عائمة عبر الفضاء بين النجوم وتقع تحت تأثير جاذبية الأرض أو أن ذلك تم بشكل مقصود أو غير مقصود من قبل بعض المسافرين القدماء الآتين من الفضاء. على الرغم من أن هذا التفسير قد يحل معضلة الحياة على الأرض، إلا أنه لا يقدم شيئا لحل السؤال الجوهري عن أصل الحياة، لأنه يدفع بالحدث المذهل إلى حقبة زمنية أقدم بكثير. وهي نقطة نظام نطرحها في وجه المعترضين على إمكانية الوجود العفوي للحياة على الأرض استناداً إلى القانون الثاني للميكانيكا الحرارية.

ينص القانون الثاني على أنه في نظام مغلق، حيث لا طاقة ولا مادة يمكنهما الدخول أو الخروج، فإن كمية من الاختلال سوف تميل إلى الزيادة مع مرور الوقت. بما أن أشكال الحياة في غاية الترتيب فإن البعض يعتبر أن من المستحيل أن تكون الحياة وجدت من دون خالق خارق القدرة. ولكن هذا ينم عن سوء فهم لمعنى القانون الثاني: الترتيب يمكن أن يزيد في بعض أجزاء النظام، ولكن هذا يحتاج إلى طاقة، وإلى أن لا تقل كمية الخلل في النظام ككل. في حالة أصل الكون، الكون ككل هو النظام المغلق، ويتم توفير الطاقة من الشمس، وبالتالي فإن الزيادة الداخلية المطلوبة ممثلة بالتجمع العشوائي للجزيئات لا يمكن أن يخالف القانون بأي حال من الأحوال.

عدم قدرة العلم حتى الآن على تفسير السؤال العميق عن أصل الحياة دفع بعض المؤمنين بالإله إلى القول بأن ظهور الحمض النووي والحمض الريبي هو تأكيد على القدرة الإلهية. إذا كان هدف الإله من خلق الكون هو خلق البشر، وإذا كان التعقيد المطلوب لبدء عملية الحياة يتجاوز قدرة المواد الكيميائية في الكون في صناعة الذات، ألا يمكن أن يكون الله قد تدخل لبدء هذه العملية؟

قد تبدو هذه الفرضية قوية، عطفاً على عدم قدرة العلماء على الادعاء بأن التفسير الطبيعي لتفسير أصل الحياة في متناول اليد. ولكن هذا التفسير قد يكون مقبولاً في الوقت الحالي، ولكنه قد لا يكون كذلك في الغد. ولذلك لابد أن نكون حذرين في التعامل مع الفعل الإلهي بشكل محدد في هذا المجال أو في مجالات أخرى لازال العلم قاصراً عن الوصول إليها. من كسوف الشمس في الأزمنة القديمة إلى حركة الكواكب في العصور الوسطى، وإلى أصل الحياة اليوم، كثيراً ما يسيء “إله الفجوات” God of Gaps للدين (وبالتالي يسيء للإله). الدين الذي يضع الله في ثغرات الفهم الحالي عن العالم الطبيعي قد يتسبب في أزمة في حال استطاع العلم ملاء تلك الثغرات في وقت لاحق.

في مواجهة عدم القدرة على فهم العالم الطبيعي ينبغي أن يكون المؤمنون بالإله حذرين في الاستناد إلى فرضية التدخل الإلهي في مجالات التي يلفها الغموض حالية، حتى لا تسبب ذلك في ضرر مستقبلي. هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بالله، بما في ذلك وجود المبادئ الرياضية والنظام في الخلق. هذه الأسباب إيجابية وتستند إلى أسس معرفية، وليس على أساس فرضيات تفتقر للدلائل. باختصار، على الرغم من أن السؤال عن أصل الحياة سؤال رائع، وعلى الرغم من عدم قدرة العلم الحديث على تطوير آلية إحصائية محتملة، إلا أن هذا ليس مكان ليمارس الإنسان المؤمن بالإله لإيمانه.

السجل الأحفوري

في حين أن العلماء الهواة والمحترفين توصلوا لاكتشاف الحفريات منذ عدة قرون، إلا أن هذه الاكتشافات بلغت مرحلة متقدمة في السنوات العشرين الماضية. الكثير من الفجوات التي كانت موجودة في فهم تاريخ الحياة على الأرض تم ملؤها بواسطة اكتشاف الأنواع المنقرضة من الكائنات الحية. وأكثر من ذلك، أصبح من المتاح التعرف على عمر هذه الأحافير بناءً على نفس عملية الاضمحلال الإشعاعي التي ساعدت في تحديد عمر الأرض. الغالبية العظمى من الكائنات الحية التي عاشت لم تترك أي أثر يدل على وجودها، لأن الأحافير تنشأ في ظروف غير عادية للغاية (على سبيل المثال، الكائن الذي يقع في نوع معين من الطين أو الصخور، ولا يتم التقاطه من قبل الحيوانات المفترسة تتعفن عظامه ومعظم هذه المخلوقات تتحلل). وعلى ضوء هذا الواقع، يبدو من المدهش أن يكون لدينا مثل هذه الثروة من المعلومات حول الكائنات الحية التي عاشت على الأرض.

الجدول الزمني التي كشفت عنه السجل الأحفوري غير مكتمل تماماً، ولكن يظل مفيد جداً. على سبيل المثال، فقط الكائنات الحية وحيدة الخلية تظهر في الرواسب التي تكونت قبل حوالي 550 مليون سنة، على الرغم من أنه من الممكن أن تكون هناك كائنات حية أكثر تعقيدا كانت موجودة قبل هذا الوقت. قبل ما يقرب من 550 مليون سنة مضت، ظهر فجأة عدد كبير من الأجسام اللافقارية المتنوعة على مخطط السجل الأحفوري.

غالبا ما يشار إلى هذا الحادثة على أنها “الانفجار الكمبري”، وتم تدوين ذلك بشكل مفهوم للغاية بواسطة الراحل ستيفن جاي غولد Stephen Jay Gould وهو أكثر كتاب عصره شاعرية، وذلك في كتابه “حياة رائعة” Wonderful Life. وفي الكتاب تساءل غولد كيف يمكن للتطور أن يكون مسؤولا عن التنوع في مخططات الجسم Body plans التي ظهرت في مثل هذه الفترة القصيرة من الزمن.

كان هناك خبراء آخرون أقل حماسية بكثير للادعاء بأن الانفجار الكمبري يمثل انقطاعاً في عملية تعقيد الحياة، على الرغم من أن كتاباتهم لم تكن معروفة على نطاق واسع للجمهور العام. ما يسمى بالانفجار الكمبري على سبيل المثال يعكس تغيراً في الشروط التي سمحت لكثير من الأنواع بالتحجر والتي كانت موجودة لملايين السنين. في حين بذلت محاولات من قبل بعض الموحدين لتأكيد أن الانفجار الكمبري هو دليل على تدخل قوة خارقة للطبيعة، ولكن الدراسة المتأنية للوقائع لا تبدو أنها تدعم ذلك. هذه صيغة جديدة من حجة “إله الفجوات”. مرة أخرى، من غير الحكمة أن يعلق المؤمنون بالله إيمانهم على مثل هذه الفرضية. تشير الأدلة الحالية إلى أن الأرض ظلت جرداء حتى قبل حوالي 400 مليون سنة، حين ظهرت النباتات على اليابسة مستمدة وجودها من أشكال الحياة المائية. بعد ما يقرب من 30 مليون سنة على نحو التقريب، انتقلت الحيوانات إلى اليابسة، وهذه الخطوة تشير إلى فجوة أخرى: يبدو أن هناك عدد قليل من الأشكال الانتقالية بين المخلوقات البحرية والبرية رباعية الأرجل في السجل الأحفوري. الاكتشافات الحديثة وثقت بشكل مقنع أمثلة على هذا النوع من التحول.

بداية من نحو 230 مليون سنة، هيمنت الديناصورات على الأرض. ويوجد قبول عام لدى الباحثين الآن بأن انقراضها كان نهاية مفاجئة وكارثية قبل ما يقرب من 65 مليون سنة مضت، في وقت اصطدام كوكب الأرض مع كويكب كبير وقع في محيط ما يعرف الآن بشبه جزيرة يوكاتان. تم التعرف على الغبار الدقيق الذي نتج عن هذا التصادم الرهيب في أجزاء مختلفة من العالم. التغيرات المناخية الكارثية التي نتجت على ما يبدو من كمية الغبار الهائلة في الغلاف الجوي كانت أكثر من اللازم لأنواع الديناصورات المهيمنة، مما أدى إلى انقراضها، وارتفاع فرص وجود الثدييات.

إن اصطدام الكويكب القديم هو حدث محير. إنه السبب الوحيد الذي قد يكون أدى إلى انقراض الديناصورات وظهور الثدييات. ربما لم نكن موجودين الآن لو لم يضرب هذا الكويكب المكسيك. معظمنا لديه اهتمام خاص بالسجل الأحفوري للبشر، وهنا أيضا ظهرت اكتشافات في العقود القليلة الماضية كشفت الكثير من الحقائق. تم اكتشاف عظام أكثر من اثني عشرة نوع من أنواع أسلاف الإنسان المختلفة في أفريقيا، مع ملاحظة وجود زيادة مطردة في حجم الجمجمة. تم اكتشاف أول العينات في تاريخ الإنسان قبل ما يقرب من 195000سنة تقريباً.

يبدو أن الفروع الأخرى التي تطورت من أسلاف الإنسان واجهت طريقاً مسدوداً: البشر البدائيون الذين كانوا موجودون في أوروبا حتى قبل 30000 سنة، وحديثا تم اكتشاف “الهوبيت” وهو عبارة عن مخ صغير لأناس عاشوا في جزيرة فلوريس في إندونيسيا حتى انقرضوا منذ ما يقرب من 13000سنة.

رغم أن هناك العديد من العيوب في السجل الأحفوري، ورغم وجود العديد من الألغاز المطلوب حلها، إلا أن جميع النتائج تقريبا تنسجم مع مفهوم شجرة الحياة المتعلقة بالكائنات الحية. يوجد دليل جيد على أشكال انتقالية من الزواحف للطيور، ومن الزواحف إلى الثدييات. الحجج التي تسند إلى نموذج لا يستطيع تفسير وجود بعض الأنواع، مثل الحيتان، يتعرض للسقوط كلما كشفت التحقيقات عن وجود أنواع انتقالية، في كثير من الأحيان في الزمان والمكان الذي تتنبأ به نظرية التطور.

فكرة داروين التطورية

ولد داروين في عام 1809، وقد درس في البداية ليصبح كاهناً في كنيسة إنجلترا، ولكن تولد لديه اهتمام عميق بالطبيعيات. على الرغم من أن داروين الشاب اقتنع في البداية بحجة “ساعة يد” بالي، ورأى أن التصميم الموجود في الطبيعة دليل على وجود مصدر إلهي، فإن وجهات نظره بدأت تتغير عندما سافر على سفينتي بيغل 1831-1836. زار داروين أمريكا الجنوبية وجزر غالاباغوس، حيث درس بقايا متحجرة من الكائنات القديمة، ولاحظ تنوع أشكال الحياة في بيئات معزولة.

بناء على هذه الملاحظات، وعلى أساس عمل إضافي قام به على مدى أكثر من عشرين عاما، طور داروين نظرية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي. في عام 1859، واجه داروين إمكانية أن يسبقه ألفرد راسل والاس إلى النظرية، ولكنه في النهاية كتب ونشر أفكاره في الكتاب عميق التأثير “أصل الأنواع” The Origin of Species.

ومع معرفته بأن الحجج في كتابه هذا من المحتمل أن يكون لها أصداء واسعة، كتب داروين تعليقا في نهاية الكتاب يقول فيه “وجهات النظر التي قدمتها في هذا الكتاب، وكذلك وجهات نظر السيد والاس، بخصوص أصل الأنواع، تمكننا من أن نتنبأ بأن قدراً قليلاً من التقدم لن يؤدي إلى ثورة كبيرة في التاريخ الطبيعي”.

اعتبر داروين أن جميع أنواع الكائنات الحية تنحدر من مجموعة صغيرة من أسلاف أكثر شيوعا، وربما تنحدر من مجموعة واحدة منها فقط. لقد اعتبر داروين أن التنوع داخل النوع الواحد يحدث بشكل عشوائي، وأن البقاء على قيد الحياة أو انقراض كل الكائنات الحية يعتمد على قدرتها على التكيف مع البيئة. لقد عبر داروين عن ذلك بالانتقاء الطبيعي. إدراكاً منه بالطابع الانفجاري لهذه الحجة، ألمح داروين إلى أن هذه العملية نفسها قد تنطبق على البشر، وطور ذلك بقدر أكبر من التفصيل في كتاب لاحق عنوانه “أسلاف الإنسان” The descent of Man.

أثار كتاب “أصل الأنواع” نقاشاً مباشراً ومحتدماً، ولكن ردة الفعل من قبل السلطات الدينية لم يكن بشكل عام سلبية كما يصور في الوقت الحالي. في الواقع، قبل رجل الدين اللاهوتي البروتستانتي المحافظ بنیامین ارفیلد برينستون Warfield of Princeton التطور على أنه “نظرية في الطريق إلى العناية الإلهية، ” بينما تمسك بحجة أن التطور في حد ذاته يجب أن يكون له خالق خارق القدرة. يوجد العديد من الأساطير حول رد فعل الجمهور على داروين. على سبيل المثال، كانت هناك محاورة شهيرة بين توماس هكسليH. Huxley Thomas (المروج المتحمس للتطور) والمطران صموئيل ويلبر فورس Wilberforce Bishop Samuel، وربما لم يقل هكسلي أنه لا يشعر بالعار من أنه من أحفاد قرد، ولكنه سوف يشعر بالعار إذا كان قريباً لأي شخص لا يقول الحقيقة. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من كونه منبوذاً من قبل المجتمع الديني، إلا أن دفن داروين في دير وستمنستر.

كان داروين نفسه يشعر بقلق بالغ إزاء تأثير نظريته على المعتقد الديني، وطوال كتاب “أصل الأنواع” عانى كثيراً ليشير إلى تفسير متناغم ممكن “أنا لا أرى أي سبب وجيه لأن تتسبب الآراء الواردة في هذا الكتاب في صدمة للمشاعر الدينية لأي شخص …. المؤلف الربوبي المشهور كتب لي أنه “لقد تعلمت تدريجياً أن أرى أن ذلك مجرد شعور نبيل للإله خلق أشكال أصلية أصبحت قادرة على تطوير ذاتها إلى أشكال أخرى محتاجة لها، إلى حد الاعتقاد أنه مطلوب عمل جديد من الخلق يؤدي إلى سد الفراغات الناجمة عن قوانينه”.

بل إن داروين ختم كتابه أصل الأنواع بالجملة التالية: “هناك عظمة في هذه النظرة مع وجود قوى عدة، جاءت إلى الحياة بواسطة الخالق على صورة أشكال أو شكل واحد، وأنه بينما هذا يدور الكوكب وفق قانون الجاذبية الثابت، فإنه ومن تلك البداية البسيطة، تكونت وتطورت أشكال لا حصر لها أكثر جمالا وروعة”. ظلت الآراء الشخصية لداروين غامضة، ويبدو أنها كانت متقلبة حتى السنوات الأخيرة من حياته. وفي إحدى المرات كتب يقول “لا أدري هو الوصف الأقرب لوضعي الإيماني”. وفي مرة أخرى كتب يقول إنه شعر بتحدي كبير من الصعوبة البالغة أو ربما استحالة تقبل فكرة أن هذا الكون العظيم الهائل بما في ذلك الإنسان القادر على النظر إلى الماضي وإلى الحاضر على أنه مجرد صدفة عمياء أو على انه ضرورة. عندما يدور ذلك في خلدي أجدني مقتنعاً بأن هناك مسبب أول صاحب عقل ذكي مشابه بنحو ما للإنسان، وأستحق أن يقال لي مؤمن”.

لا يوجد عالم بيولوجي اليوم يشك في قدرة نظرية التطور على شرح التعقيد الرائع لتنوع الحياة. في الحقيقة، علاقة جميع الأنواع ببعضها من خلال آلية التطور هو أساس عميق لفهم علم الأحياء بأكمله، بحيث أنه من الصعب أن نتصور كيف يمكن لأحد أن يدرس الحياة من دونه. ولكن هل يوجد وجهة نظر علمية أثارت الكثير من التصادم مع وجهات النظر الدينية أكثر من نظرية داروين الثورية؟ منذ عرض السيرك “محاولة القرد” ” Monkey trial” في عام 1925 مروراً بالمناظرات التي تعقد في الولايات المتحدة حول تدريس نظرية التطور في المدارس، يبدو أن هذه المعركة حول نظرية داروين لن تنتهي.

الحمض النووي – المادة الوراثية

كانت نظرية داروين أكثر تميزاً في ذلك الوقت، لأنها كانت تفتقر إلى الأساس الفيزيائي. تطلب الأمر جهد لقرن من الزمان لاكتشاف كيف يمكن أن يكون هناك تعليمات للحياة تجعل نظرية داروين تتوافق مع فكرة التغير. كان الراهب الغامض نسبيا جريجور مندل Gregor Mendel، والذي كان يعيش فيما تسمي حالياً بالجمهورية التشيكية، معاصراً لداروين، وكان قد قرأ كتاب “أصل الأنواع”، لكنهما ربما لم يتقابلا. كان مندل أول من أوضح أن الوراثة يمكن أن تنتقل على شكل حزم منفصلة من المعلومات. عبر تجارب مضنية على نباتات البازلاء في حديقة منزله في دير الكنيسة، وقد خلص مندل إلى أن عوامل وراثية تتشارك في سمات على نحو سلس أو متعسف في البازلاء، مما يعني أن ذلك يحكمه قواعد حسابية. لم يكن مندل يعرف ما هي الجينات، ولكنه أوضح أن شيئا ما من قبيل الجينات يجب أن يكون موجوداً.

لقد تم تجاهل أبحاث مندل لمدة 35 سنة. وبعد ذلك، وفي مصادفة عجيبة تحدث أحياناً في تاريخ العلم، تم إعادة اكتشاف نتائج أبحاث مندل بواسطة ثلاثة علماء خلال أشهر في نهاية القرن العشرين. في دراساته الشهيرة على “الأخطاء الوراثية في الأيض، للأمراض النادرة التي حدثت في بعض الأسر أثناء ممارسته للطب، كان أرشيبالد غارود Archibald Garrod واثقاً بشكل قاطع أن قواعد مندل تنطبق على البشر، وأن هذه الاختلالات جاءت كنتيجة لنفس النوع من الوراثة الذي كان مندل لاحظه في النباتات.

أضاف مندل وغارود خصوصية رياضية لفكرة التوريث في البشر، مع أن الخصائص الموروثة مثل الجلد ولون العين مألوفة بالفعل بالنسبة لأي شخص يدقق في الجنس البشري. ظلت الآلية التي تتحكم بهذه الأنماط غامضة، ومع ذلك، لم يقلل أحد من نجاح الأساس الكيميائي للوراثة. افترض معظم الباحثين في النصف الأول من القرن العشرين أن الصفات الموروثة يجب أن تنتقل عبر البروتينات، باعتبار أنها تبدو أكثر الجزيئات الحية تنوعاً.

حتى عام 1944 لم تكن التجارب المكروبيولوجية التي أجراها أوزوالد أفيري، کولن ماكلويد، ومكارتی قد أظهرت أن الحمض النووي، وليس البروتين هو القادر على نقل الخصائص الموروثة. وعلى الرغم من أن وجود الحمض النووي كان معروفاً لما يقرب من مائة سنة، إلا أنه لم يكن يعتبر سوى مجموعة حزم لا أهمية لها. وبعد أقل من عشر سنوات ظهر جواب جميل وأنيق للسؤال حول الطبيعة الكيمائية لعملية التوريث. لقد تم كسب الرهان في السباق المحتدم لتحديد طبيعة تركيب الحمض النووي في عام 1953 من قبل جيمس واطسون James Watson وفرانسیس کريك Francis Crick بالشكل الذي تم تدوينه في كتاب واتسون “مسلية الحلزون المزدوج”. قام واتسون، کريك، وموريس ویلکنز، بتوظيف البيانات التي تنتجها روزالیند فرانکلین Rosalind Franklin، لاستنتاج أن جزيء الحمض النووي له شكل مزدوج الحلزون، على شكل سلم ملتوي، وأن المعلومات الناقلة للقدرة يتم تحديدها من قبل سلسلة من المركبات الكيميائية التي تتكون من درجات السلم. ككيميائي يعرف صفات الحمض النووي الاستثنائية، وحلوله الرائعة لمشكلة ترميز تصميم الحياة، أشعر بالرهبة من هذا الجزيء. دعوني أحاول أشرح لكم مدى أناقة الحمض النووي.

جزيئات الحمض النووي كما هو موضح في الشكل 4.1 لها عدة خصائص مميزة. العمود الفقري الخارجي مكون من جزيئات على شكل أشرطة متراتبة مكونة من سكر الفوسفات، ولكن ما يثير الدهشة ما هو موجود في الداخل. تتكون درجات السلم من مزيج من أربعة مكونات كيميائية، تدعى “قواعد”. دعونا نسميها (بأسمائها الكيميائية الفعلية في الحمض النووي قواعد G, C, A, T، وكل من هذه القواعد الكيميائية لديه شكله الخاص به).

تخيل الآن أن من بين هذه الأشكال، الشكل A يمكنه أن يتلاءم بشكل دقيق فقط مع درجة السلم المجاورة للشكل T، والشكل G يمكنه أن ينسجم إلى جوار الشكل C. هذه هي “ثنائيات القاعدة”. ولذلك يمكنك تصور الحمض النووي على شكل سلم حلزوني، بحيث أن كل درجة فيه تتشكل من زوجين من قاعدة واحدة. هناك أربعة درجات محتملة: A -T , T – A , C – G , G – C إذا تعرضت إحدى القواعد للتلف، فإنه يمكن إصلاح التلف بسهولة من خلال المكمل في التركيب الزوجي: البديل الوحيد للقاعدة T قاعدة أخرى من نوع T. ولعل الأكثر أناقة، أن الحلزون المزدوج يسارع على الفور إلى طريقة للقيام بالنسخ الذاتي، لأن كل قسم يمكن استخدامه كقالب لإنتاج قسم جديد. إذا قسمت جميع الأزواج إلى النصف، وقطعت السلم نزولا إلى أسفل وسط كل درجة، فإن كل نصف من السلم سوف يحتوي على كافة المعلومات اللازمة لإعادة بناء نسخة كاملة من الأصل.

كتقريب للفكرة، يمكن للمرء أن يتصور الحمض النووي على أنه عبارة عن مخطط أوامر، أو إحدى البرمجيات، القابعة في نواة الخلية. لغة الحمض النووي الترميزية تتكون من أربعة حروف فقط. الأمر يتكون الأمر المحدد المسمى جين من الآلاف الأحرف. جميع الوظائف المتطورة للخلية، حتى في مثل عضو الكائن حي مثلنا، يجب أن تلتزم بترتيب الحروف الموجودة في هذا النص.

في البداية، لم يكن لدى العلماء أية فكرة عن كيفية عمل “البرنامج”. ولكن تم حل هذا اللغز بدقة عن طريق تحديد الحمض النووي الريبي الذي يعمل كناقل. يتم نسخ معلومات الحمض النووي التي تشكل نسخة من الجين عبر جزيئات الحمض الريبي، على شكل نصف سلم تتدلى درجاته من جانب واحد. يتحرك نصف السلم من نواة الخلية (مخزن المعلومات إلى السيتوبلازم مزيج هلامي معقد من البروتينات، والدهون، والكربوهيدرات)، حيث يدخل إلى مصنع أنيق للبروتين يسمى الريبوسوم. يقوم فريق من المترجمين المحترفين في المصنع بقراءة قواعد نصف سلم الحمض الريبي الناقل ليتم تحويل المعلومات الواردة في هذا الجزيء إلى بروتين معين، يتكون من الأحماض الأمينية. كل ثلاث درجات من الحمض الريبي تشكل حمض أمينية واحدة. البروتينات هي من تقوم بالعمل في الخلية وتجعلها تحافظ على تكامل تركيبها. (شكل 4, 2)

هذا وصف موجز يتناول قشور من أناقة الحمض النووي، والحمض الريبي، والبروتين، وهو ما يشكل باستمرار مصدر للرهبة والإعجاب. هناك أربعة وستين من المجموعات الثلاثية الحروف  G, T, C, A ولكن هناك عشرين حمضاً أمينياً فقط . وهذا يعني أن هناك وفرة داخلية. كشفت التجارب على العديد من الكائنات الحية، من البكتيريا إلى البشر أن “الشفرة الوراثية”، والتي يتم فيها تحويل المعلومات الموجودة في الحمض النووي والحمض النووي الريبي إلى بروتين، موجودة في جميع الكائنات الحية المعروفة. لا وجود لبرج بابل tower of Babel في لغة الحياة. GAG يعني حمض الجلوتاميك في لغة بكتيريا التربة.

مكنت هذه التطورات العلمية مثلت ولادة جديدة لعلم البيولوجيا الجزيئية. اكتشاف الكائنات الكيميائية العجيبة، بما في ذلك البروتينات التي تعمل مثل مقص أو صمغ العلماء مع معالجة الحمض النووي والحمض الريبي من خلال دمج التعليمات الموجودة في كل منهما من مصادر مختلفة. أدت مجموعة طرق التعامل مع الجزيئات الحيوية إلى ولادة حقل جديد هو التكنولوجيا الحيوية، وبمساعدة تطورات في مجالات أخرى بشر ذلك بثورة في مجال معالجة العديد من الأمراض.

الحقيقة البيولوجية وتبعاتها

سوف يجد المؤمن الذي اعتبر أن حجة التصميم حجة مقنعة على دور الإله في خلق الحياة، أن الاستنتاجات التي توصلنا لها في هذا الفصل غير كافية. لا شك أن العديد من القراء الذي يفكرون بشكل مستقل أو الذين نشأوا في بيئة دينية مقتنعون بان جمال الوردة الرائع وطيران النسر لا يمكن أن يوجد إلا من قبل قوة خارقة ذكية تقدر التعقيد والتنوع والجمال. حتى الآن تم عرض آلية عمل الجزيئات وأساليب الوراثة والانتخاب الطبيعي، ولشرح كل ذلك، ربما سيكون لك ميل للصراخ “كفى، إن تفسيراتكم العلمية تخرج السحر الإلهي من عالمنا”.

لا تقلق، فهناك الكثير من السحر الإلهي مازال موجودة. كثير من الذين بحثوا في البراهين العلمية والدينية لازالوا يؤمنون بان الإله خلاق ويقوم بالكثير من العمل. بالنسبة لي، ليس هناك أي شعور بخيبة الأمل في هذه الاكتشافات المتعلقة بطبيعة الحياة، بل على العكس تماماً! ما أروع هذه الحياة المعقدة المدهشة! ما أجمل أناقة الحمض النووي! ما أجمل مكونات الكائن الحي الساحرة بداية من الريبوسوم الذي يحول الحمض الريبي إلى البروتين إلى تحول اليرقة إلى فراشة إلى ريش الطاووس الرائع الذي يجذب إليه رفيقه. التطور مثل الآلية يمكن أن تكون بل لابد أن تكون حقيقة، ولكن ذلك لا يبين طبيعة صانعها. لأولئك الذين يؤمنون بالله، هناك أسباب عديدة لتكونوا أكثر إعجاباً.

إلى الفصل السابق: أصل الكون

إلى الفصل التالي: 

برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ2

برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ2

برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ2

برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ2

الجزء الأول: برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ1

السيناريو رقم 3: الصلات الكيميائية والأمر الذاتي

أشار مير إلى أنه في بداية عام 1970 لم يُفتن معظم العلماء الذين كانوا يبحثون في أصل الحياة باختيارات الفرصة العشوائية والاصطفاء الطبيعي. وكنتيجة لذلك، اكتشف البعض احتمالاً ثالثاً: نظريات مختلفة في التنظيم الذاتي للجزيئات الضخمة الحاملة لأصل المعلومات.

فمثلاً، وضع العلماء نظرية تقول بأن التفاعلات الكيميائية ربما تسببت في أن الأربعة حروف الأبجدية للحامض النووي DNA بأن يتجمع ذاتياً أو أن الانجذاب الطبيعي بين الأحماض الأمينية دفعتهم لأن يرتبطوا معاً من تلقاء ذاتهم ليخلقوا البروتين. وعندما تحدثت عن هذه الإمكانيات كانت إجابة مير هي التركيز على اسم صادفني أثناء بحثي.

قال مير: “كان من أوائل الذين تحدثوا عن هذا الاتجاه هو دين كيينيون، الذي شارك في وضع كتاب “قدر الكيمياء الحيوية المنهجية” ويعبر عنوان الكتاب عن المضمون. والفكرة تقول بأن تطور الحياة كان محتوماً لأن الأحماض الأمينية في البروتينات والأصول أو الحروف في أبجدية DNA لها طاقة تنظيم ذاتياً وهذا يعنى تفسيراً لأصل المعلومات في هذه الجزيئات”.

كنت اعرف أن كينيون قد تبرأ من استنتاجاته التي جاءت في كتابه وأعلن أنه: “ليست لدينا أدنى فرصة لأصل كيميائي تطوري حتى ولو لأبسط الخلايا”، والتصميم الذكي “يعطي قدراً كبيراً من المعنى لأنه يساير عن قرب الاكتشافات العديدة في الجزيئات الحيوية”[1]. وما زالت لدي الرغبة في التفكير في الدليل بنفسي.

سألت مير: “كيف يعمل هذا التجاذب الكيميائي؟”

قال: “سوف نستخدم البروتينات كمثل. تذكر بأن البروتينات تتكون من خط طويل من الأحماض الأمينية. والأمل في وجود بعض قوات التجاذب بي الأحماض الأمينية التي تساعد على تنظمها ثم تتشكل حتى يتمكن البروتين من القيام بالوظيفة التي تحفظ الخلية حية”.

قاطعته وقلت: “عليك بأن تعترف بوجود أمثلة في الطبيعة حيث ينتج عن التجاذب الكيميائي نوع من التنظيم الذاتي”.

قال مير: “هذا صحيح. أفضل توضيح لذلك هو بلورات الملح. والقوة الكيميائية للجذب تجعل أيونات الصوديوم Na+ لأن ترتبط بأيونات الكلوريد Ci لكي تكوّن نماذج منظمة تنظيماً عالياً داخل بلورة الملح. وهنا تحصل على تتابع جيد لـ Na، Ci ويتكرر ذلك عدة مرات. ولهذا فهناك العديد من الحالات في الكيمياء حيث الصلة التي تربط العناصر المختلفة توضح أصل تركيبتهم الجزيئية. وكان يرجو كينيون وآخرين أن هذا يحدث أيضاً للبروتينات والحامض النووي DNA”.

سألته: “ما المشكلة إذاُ؟”

قال: “عندما قام العلماء بعمل التجارب وجدوا أن الأحماض الأمينية لا توضح هذه العلاقة التي تربطهم معاً”.

قلت له: “هل لم يجدوا شيئاً على الإطلاق؟”

قال: “كانت هناك علاقات ضعيفة للغاية، ولكنها لا ترتبط بأي نماذج معروفة من التي نجدها في البروتينات العاملة. وهذه مشكلة كبرى، هناك صعوبة نظرية كبرى. وقد أثار كل من هيوبرت يوكي صاحب نظرية المعلومات والكيميائي مايكل بولاني قضية أعمق من ذلك: “ماذا يحدث إذا تمكنا من تفسير التتابع في الحامض النووي DNA والبروتينات كنتيجة لخواص التنظيم الذاتي؟ ألا تنتهي إلى شيء مثل بلورة الملح حيث يوجد فقط تتابع متكرر”[2].

عندما طلبت من مير مزيد من التفصيل قال: “للتفكير في المعلومات الجينية في الحامض النووي DNA، والتي وضحناها بالرموز الكيميائية A, C, G, T تخيل أنك في كل مرة يكون لديك A  فسوف تجذب G بطريقة أوتوماتيكية. وسيكون لديك تتابع متكرر AG – AG – AG – AG. هل سيعطيك هذا جيناً يمكنه أن ينتج بروتين؟ كلا على الإطلاق. إن التنظيم الذاتي لن يعطي رسالة جينية ولكن فقط تتابع متكرر”.

“ولكي تنقل المعلومات فأنت بحاجة إلى تتابع غير منتظم. افتح كتابي ولن ترى كلمة “الـ the” تتكرر. وبدلاً من ذلك سوف ترى تتابعاً غير منتظم للحروف. إنها تنقل المعلومات لأنها متطابقة مع نموذج معين معروف ومستقل، وهي قواعد اللغة. وهذا ما يساعدنا على التواصل وهذا ما يحتاج إلى أن يوضح في الحامض النووي DNA. والأربعة حروف في أبجديته هي غير منتظمة وفي نفس الوقت تتواصل مع احتياجات العمل، بأي الترتيب الصحيح للأحماض الأمينية لكي تنتج بروتيناً قادراً على العمل”.

“وسأقول لك مثل، إذا اتجهت شمالاً نحو ميناء فيكتوريا في كولومبيا البريطانية، فسوف تجد نموذجاً على جانب التل. وعندما يقترب القارب سوف تدرك إنها رسالة: الزهور الحمراء والصفراء مكتوب بها عبارة “مرحباً بكم في فكتوريا”. وهذا مثل لتتابع المعلومات”.

“لاحظ أن هذا ليس مجرد تكرار، فحرف W يتبعه E   ثم W ثم E أخرى وهكذا. وبدلاً من ذلك، هناك مجموعة من الحروف غير المنتظمة التي تتصل بنموذج مستقل أو مجموعة محددة لمتطلبات العمل – كلمات اللغة الإنجليزية وقواعدها. ولهذا فنحن ندرك على الفور أن هذا أمر غير رسمي. وحينما نواجه هذين العنصرين، أو ما نسميه “التعقيد المحدد” فنتبين أن هذه معلومات. وهذا النوع من المعلومات هو نتيجة عمل العقل وليس صدفة أو الاصطفاء الطبيعي أو عمليات تنظيمية ذاتيه”.

سألته: “وهذه هي نوع المعلومات التي نجدها في الحامض النووي DNA؟”

قال: “هذا صحيح. إذا كان كل ما لديك هو حروف أو صفات متكررة في الحامض النووي، فالتعليمات المتجمعة سوف تخبر الأحماض الأمينية لكي تتجمع بنفس الطريقة مرات عديدة. ولن تستطيع أن تبني الأنواع المختلفة من جزيئات البروتين والتي تحتاجها لكي تعمل الخلية. ويمكن أن نشبهها كما لو أنك تعطي شخصاً كتاب تعليمات عن كيفية تصنيع سيارة، ولكن كل ما قاله الكتاب هو كلمة “the, the, the, the “. ولا تستطيع أن تنقل كل المعلومات الضرورية بكلمة واحدة مثل “the”.

“بينما المعلومات تحتاج إلى التغيير وعدم الانتظام وصعوبة التنبؤ بها، – وهذا ما تسميه نظريات المعلومات بالتعقيد – والتنظيم الذاتي يعطينا نوعاً من التركيبة المتكررة والمسهبة والتي تُعرف بالأمر السهل. وكل من النظام والتعقيد هما متضادان”.

“وأصحاب نظريات التطور الكيميائي لن يتهربوا من ذلك. فقوانين الطبيعة تصف لنماذج منتظمة ومتكررة. ولهذا السبب لا يستطيع أحد أن يناشد عمليات التنظيم الذاتي لكي تفسر أصل المعلومات لأن التتابع المعلوماتي معقد وغير منتظم. إنهم يعرضون “التعقيد المحدد” الذي تحدثت عنه. ولن تغير الاكتشافات المستقبلية هذا المبدأ”.

وبالنسبة لي فإن هذا قضى على فكرة العلاقة والصلة الكيميائية التي كانت تفسر المعلومات في الحامض النووي DNA. ولكن مير لم ينه كلامه. فما زالت هناك مشكلة مدمرة لهذه النظرية.

وواصل مير حديثه: “إذا درست الحامض النووي DNA فستجد أن تركيبه يعتمد على روابط معينة التي تسببها التجاذبات الكيميائية. فمثلاً، هناك روابط في غاز الهيدروجين وروابط بين السكر وجزيئات الفوسفات التي تكون الجزيئين الأساسيين لجزيء DNA.

“ومع ذلك، يوجد مكان واحد ليس فيه روابط كيميائية وهو الذي بين البروتين والنيوترون، وهي الحروف الكيميائية في التعليمات المجتمعة في DNA. وبمعنى آخر فإن الحروف التي توضح المضي في رسالة DNA لا تتفاعل كيميائيا مع بعضها البعض بأي طريقة مهمة. وهي أيضاً متداخلة تماماً. فكل قاعدة يمكنها أن ترتبط بسهولة متساوية في أي موقع في العمود الفقري للحامض النووي DNA”.

وعندما شعر مير حاجتي إلى نوع من التوضيح، وقف وذهب إلى المكتب واستخرج من درج المكتب لعبة طفل، لوح معدني يصلح للكتابة عليه بالعديد من الحروف الممغنطة والتي يمكن أن تُلصق عليه. وضع مير اللوحة على رجليه وحرك الحروف حتى كتب كلمة “معلومات”.

قال مير: “كان أولادي صغاراً عندما كنت أدرس هذا، ولهذا ذكرت هذا المثل. نحن نعلم بوجود رابطة مغناطيسية بي الحرف واللوحة ولهذا تلتصق عليها هذه الحروف الممغنطة”. ولكي يوضح ذلك أخذ الحرف R وسمح للمغناطيس أن يجذبه إلى اللوحة”.

“ومع ذلك يجب أن تلاحظ أن القوة المغناطيسية هي ذاتها الموجودة في كل حرف من الحروف ولهذا فهي قابلة للتبادل. وبإمكانك استخدام الحروف لتكتب بها ما تريد. والآن لنعود إلى الحامض النووي DNA، فكل حرف مرتبط كيميائياً بالعمود الفقري لفوسفات السكر للجزيء. وهكذا نجد النقطة الهامة – لا توجد أية رابطة أو جاذبية بين الحروف المستقلة بذاتها. ولهذا فلا يوجد شيء كيميائي يجبرها على أي تتابع معين. وعلى هذا التتابع أن يأتي من مكان لآخر”.

“وعندما عرضت على الطلبة الحروف الممغنطة والملتصقة على اللوحة سألت: “كيف ظهرت كلمة معلومات؟” وكانت الإجابة: إن عنصر الذكاء الذي كتبها جاء من الخارج. لا الكيمياء ولا علم الطبيعة يمكنه أن ينظم هذه الحروف بهذه الطريقة. إنها اختياري أنا. وفي الحامض النووي، لا الكيمياء ولا الطبيعة نظمت الحروف بحسب تجمع التعليمات لعمل البروتينات. ومن هذا يتضح أن السبب يأتي من خارج هذا النظام. وهذا السبب هو “الذكاء””.

“إنها تقـريباً معـجـزة”

مثل الملاكم الماهر الذي يستبعد دفاعات خصمه، جرد مير بمهارة الثلاثة فئات للتفسيرات الطبيعية لأصل الحياة ومعلومات الحامض النووي DNA. وقد ناقشنا اختياراً آخر – إمكانية أن بعض القوة الخارجية قد تكون هي المسؤولة عن خلق التنظيم بنفس الطريقة التي تخلق بها الجاذبية دوامة عندما تخرج من المياه من البانيو. وبسرعة رفض مير هذه الفكرة وقال إن مثل هذه القوات قد تنتج نوعاً من النظام ولكن لا تستطيع أن تعطي معلومات[3].

والطريق المسدود التي توصلت إليه نظريات الأصل الطبيعي للحياة لم يدهش العلماء في هذا المجال. وعندما اصطدم الباحث المشهور عن أصل الحياة وهو ليزلي أورجيل بمؤمن آخر بنظرية التطور في مؤتمر بمدينة ديترويت منذ عدة سنوات، صرّح أورجيل بالصعوبات الشديدة التي واجهها في محاولة فهم كيف أن الأحماض النووية قد صُنعت طبيعياً على الأرض البدائية الأولى. ثم قال أورجيل بكل وضوح: “هناك مصاعب خطيرة بدرجة متساوية في كل النظريات”[4].

وباختصار، لم تقترب أية فرضية لتفسير كيف أن المعلومات الضرورية لأصل الحياة ظهرت بوسائل طبيعية. وكما قال الفيلسوف المادي كتشنج “إن الرجل الأمين والمسلح بكل المعرفة المتاحة لدينا الآن يمكنه أن يقول فقط بأن أصل الحياة الذي يظهر الآن هو معجزة، فلكي تسير تلك الحياة فهذا أمر يحتاج إلى شروط كثيرة”[5].

وبالنسبة لكثير من الباحثين، فإن المصدر الوحيد الذي يجب أن يستمر هو أن يكون لدينا إيمان بأن “مادة سحرية” لم تكن معروفة من قبل، سوف تُكتشف لتكون لها “الخواص الصحيحة لتحدث التفاعلات الضرورية لكي تظهر حتى تخلق الحامض النووي”[6].

قلت لمير: “قد يتوصل العلماء يوماً ما إلى فرضيات أخرى”.

فأجاب: “قد يحدث هذا. فليس بإمكانك أن تثبت ذلك بتأكيد 100٪، لأنك لا تعرف ما سيُظهره الدليل الجديد. ولهذا السبب فإن كل العلماء يقدمون الأسباب بطريقة مؤقتة. ومع ذلك فنحن لا نعرف أن بعض الاحتمالات يمكن استبعادها عن هذه الفئة. لقد وصلت إلى طريق مسدود. فمثلاً، أعتقد أنه بإمكانك استبعاد فكرة أن عمليات التنظيم الذاتي يمكنها أن تعطي معلومات جديدة. وأدلة أكثر من ذلك لا تغير هذا”.

قلت له: “بعض الشكاكين سيدعون أنك تجادل بسبب جهلك بالأمر. فقد صرح العلماء أنهم لا يعرفون كيف بدأت الحياة، ولهذا استنتجت أنت بأنه لا بد من وجود مصمم ذكي”.

قال بإصرار: “كلا، ليس هذا مطلقاً. فأنا لم أقل بأن التصميم الذكي يقدم لنا معنى حقيقياً لأن النظريات الأخرى فشلت. فأنا أحاول استنتاج أفضل تفسير، وكيف يفكر العلماء في الأمور التاريخية. وبناء على الأدلة يقيم العالم كل افتراض على أساس قدرته على توضيح الدليل الذي بين أيدينا. ومقياس ذلك ما إذا كان لهذا التفسير “قوة سببية” وهي القدرة على إحداث تأثير في المشكلة موضع السؤال”.

“وفي هذه الحالة، فإن الأثر الحقيقي لهذا الدليل هو إعطاء معلومات. وقد رأينا أنه لا الفرصة، ولا الفرصة المرتبطة بالاصطفاء الطبيعي، ولا عمليات التنظيم الذاتي لها قوة إعطاء أية معلومات. ولكننا نعلم بوجود واحد الذي لديه القوة الطارئة التي نحتاجها لتعطينا معلومات وهي الذكاء. ونحن لا نستبدل على هذ الكينونة أو الوجود على أساس ما لا نعلمه بل على أساس ما نعلمه فعلاً. إنها ليست مجادلة بسبب الجهل”.

سألته: “أليس هناك نوع من الضعف الأساسي في مجادلاتك. أنت تناقش باستخدام التشبيهات وتقارن المعلومات في الحامض النووي مع المعلومات التي نجدها في اللغة. إن المجادلات المبنية على قياس التمثيل أو التشبيه الجزئي هو ضعيفة وسيئة. والمؤيدون قد يؤكدون على التشبيهات بين أمرين ولكن المعارضون سيركزون على الاختلافات.

قال مير: “إنني أقول بأنه هناك طريقة للحديث عن المعلومات عن الحامض النووي التي تذهب بعيداً ثم تصبح مجرد تشبيهات. فعندما يتحدث الناس عن الحامض النووي على أنه رسالة تتضمن من يتلقاها ويفهم مضمونها. إنني لا أقول بأن الحامض النووي هو هذا النوع من المعلومات عن دلالات الألفاظ ومضمونها”.

“ومع ذلك، فأنا لا أجادل بالمضمون. ومجالات الشفرة في الحامض النووي لها نفس الخواص المشابهة لتلك التي للكمبيوتر أو اللغة. وكما ذكرت سابقاً. فحينما تجد أية ترتيبات مسلسلة ومعقدة وتتمشى مع نموذج مستقل أو متطلبات وظيفية معينة، فإن هذا النوع من المعلومات هو دائماً من نتاج الذكاء. فالكتب والكمبيوتر والشفرة والحامض كلها تتمتع بتلك الخاصتين. ونحن نعلم أن كل من الكتب وشفرات الكمبيوتر مصممة بالذكاء البشري، ووجود هذا النوع من المعلومات في الحامض النووي يشير أيضاً إلى وجود مصدر ذكي”.

” ويدرك العلماء في المجالات المتعددة هذه العلاقة بين المعلومات والذكاء. وعندما اكتشف علماء الآثار حجر رشيد، لم يعتقدوا بأن الكتابة التي كانت عليه هو من قبيل الصدفة العشوائية أو عمليات التنظيم الذاتي. وبكل وضوح وجدوا أن تسلسل الرموز وتنظيمها يعطي معلومات، وقد كان ادعاءً عاقلاً بأن الذكاء هو الذي صنع هذا. ونفس المبدأ هو حقيقي مع الحامض النووي”.

الانفجار البيولوجي الهائل

قال مير إن الذكاء وحده هو الذي يعطي تفسير لوجود معلومات محددة بداخل المادة الجينية. إن هذا في حد ذاته هو دليل قوي لوجود مصمم لهذه الحياة.

وبينما انا أنظر في يدي محاولاً فهم كميات المعلومات المعقدة والمحددة الموجودة في كل خلية ارتسمت ابتسامة على شفتي. والإجابة على السؤال ما إذا كان هناك خالق قد يكون قريباً مني مثل قرب أصابعي من يدي.

ومع ذلك فإن مير لم ينه حديثه. وكما ذكر في مقابلتنا السابقة، فقد كان مقتنعاً بأن ما يسمى “بالانفجار القديم” والذي تكونت فيه حياة جديدة ظهرت فجأة في سجل الحفريات، بدون أية حاجة إلى الأسلاف الذي احتاج إليهم المؤمنون بنظرية داروين، وهي أيضاً دليل قوي على وجود مصمم. والسبب: هو أ ن هذه الظاهرة الطبيعية كانت ستحتاج إلى سكيب مفاجئ لكميات هائلة من معلومات جينية جديدة وبيولوجية والتي مصدرها الوحيد هو مصدر ذكي.

“ومن بين الأماكن الأخرى، كتب مير هذه القضية في كتابه “معلومات الانفجار القديم” دليل على المصمم الذكي، وفي كتابه “مناظرة في التصميم” والذي نشر في جامعة كمبريدج. وكتب كتاباً آخر بعنوان: “الانفجار القديم: الانفجار الهائل البيولوجي” وقد شارك مير في تأليف هذه الكتب مع بول تشين، رئيس وأستاذ قسم علم الأحياء في جامعة سان فرانسيسكو، والذي عمل مع علماء صينيين في ترجمة حفريات فريدة عن الزمن القديم لإقليم تشينج جيانج؛ وبول أي. نيلسن، فيلسوف علم الأحياء الذي حاز الدكتوراه من جامعة شيكاغو؛ وعالم الدراسات القديمة ماركوس روس.

قال مير: “هذه الحفريات عن الانفجار القديم لا يمكن لنظرية داروين أن تفسرها أو حتى فكرة “التوازن المؤكد” التي تكونت بالتحديد بمجهود لتفسير سجل الحفرية المحيرة. وعندما ننظر إلى الموضوع من منظور معلومات بيولوجية فستجد أن أفضل تفسير لذلك هو أن الذكاء مسؤول عن هذا الأمر وإلا فلا يمكن تفسير هذه الظاهرة الطبيعية”.

قلت له: “هذا يبدو أمراً جذاباً. وضح ماذا تقصد”.

قال: “إن تطورات جديدة في علم الأجنة وعلم الأحياء تخبرنا بأنه بالرغم من أهمية الحامض النووي فليس هو كل شيء. إنه يعطينا بعض المعلومات وليست كلها التي نحتاجها لبناء كائن حي جديد بشكل وظيفة جديدة. إن الحامض النووي يبني البروتينات ولكن على هذه البروتينات أن تتجمع في هياكل أكبر. وهناك أنواع مختلفة من الخلايا التي عليها أن تنتظم في أنسجة، والأنسجة تنتظم في أعضاء، والأعضاء في خطة الجسم كله”.

“وطبقاً للدارونية الجديدة، فإن الأشكال البيولوجية الجديدة خلقت التحولات في الـ DNA، مع الاصطفاء الطبيعي الذي يحفظ ويبني هذه الأشكال البيولوجية ولكن الحامض النووي هو جزء واحد فقط من هذه القصة ثم يمكنك أن تنميه بطريقة غير محددة، ولن تبني بناء جسدياً جديداً”.

“ولهذا فعندما تواجه الانفجار القديم بظهوره الضخم والمفاجئ لخطط جسدية جديدة، سوف تدرك أنك بحاجة إلى كميات كبيرة من المعلومات البيولوجية الجديدة. والبعض منها سوف يوضح في شفرة في الحامض النووي وهو ما زال مشكلة لم تذلل بالنسبة للدارونيين. ولكن على قمة كل هذا، من أين جاءت تلك المعلومات الجديدة التي لا تُعزى إلى الحامض النووي؟ وكيف يتطور هذا التسلسل الهرمي التنظيمي للخلايا والأنسجة والأعضاء وخطط الجسم كله؟ ليس لدى الداروينيون إجابة على هذا السؤال”.

فـي طـرفة عـيـن

مستخدمي تقنيات الراديومتري radiometric (مقياس كثافة الطاقة الإشعاعية) لتحديد تاريخ بلورات الزكون* في سيبيريا، تمكن العلماء حديثاً في زيادة دقتهم في أن يحددوا بدقة الإطار الزمني للانفجار الهائل القديم، والذي قرروا بدايته بحوالي 630 مليون سنة.

“علماء الإحاثة* الآن يعتقدون أنه أثناء فترة زمنية حوالي 5 مليون سنة، على الأقل 20 أو 30 من الشعب الحيوانية والنباتية الأربعين في العالم نشأت وانطلقت بخطط جسمانية متفردة وفي الحقيقة يعتقد بعض الخبراء أن كل هذه الشعب قد ظهرت في نهاية الانفجار”[7].

ولكي تضع كل هذه السرعة التي لا تصدق في منظور معين، إذا كان بإمكانك ضغط كل تاريخ الأرض في 24 ساعة، فإن هذا الانفجار القديم سوف يحدث في دقيقة واحدة فقط[8].

قال مير: “إن هذا الانفجار القديم هو بمثابة قفزة كمية لا تصدق في التعقيدات البيولوجية. وقبل ذلك، كانت الحياة على الأرض سهلة للغاية، بكتريا ذات خلية واحدة، طحالب ذات لون أزرق وأخضر، وفيما بعد كان هناك بعض الاسفنج وحيوانات رخوية بدائية. وبدون أية أسلاف في سجلا الحفريات كان لدينا اختلافات مذهلة من مخلوقات معقدة ظهرت في طرفة عين وهنا نتحدث بلغة الجيولوجيا.

“فمثلاً، طائفة المفصليات المنقرضة الثلاثية الفصوص – لها جسم مفصلي وجهاز مفصل وجهاز عصبي معقد وعيون مركبة – ظهرت فجأة كاملة التكوين في بداية الانفجار. إنه لأمر مذهل. ثم تبع هذا نوع من الركود والذي يعني أن الخطط الجسمانية الأساسية ظلت واضحة عب الدهور”.

“وكل هذا يناقض مع الدارونية تماماً، التي تنبأت بالتطور التدريجي البطيء في الكائنات الحية عبر الزمن. وقد صرح داروين بأن الانفجار كامبريان القديم “لا يمكن تفسيره” وهذا ضد نظريته. وأصر على القول بأن الطبيعة لا تتخذ قفزات فجائية. وكان يعتقد أنه سوف يُبرر ويدافع عنه باكتشاف المزيد من الحفريات، ولكن الصورة أصبحت أكثر سوءً”.

“والقضية الكبرى هي من أين جاءت تلك المعلومات ليك تبني هذه البروتينات الجديدة والخلايا والخطط الجسمانية. فمثلاً، الحيوانات القديمة احتاجت إلى بروتينات معقدة مثل lysyl oxidase. وفي الحيوانات اليوم، يحتاج جزيء lysyl oxidase 400 حامض أميني. من أين جاءت المعلومات الجينية لكي تبني الجزيئات المعقدة؟ إن هذا يتطلب معلومات جينية معقدة من النوع الذي لا تنتجه لا الصدفة العشوائية ولا الاصطفاء الطبيعي ولا التنظيم الذاتي”.

في لقائي في الفصل الثالث مع عالم الأحياء جوناثان ويلز قام بالإجابة على اعتراضاتي على الانفجار الهائل القديم والذي قال فيه إن الكائنات الحية الانتقالية إما أنها كانت صغيرة للغاية أو لينة حتى أنها تترك أي ميراث من الحفريات. وهناك إمكانية أخرى تبادرت إلى الذهن.

قلت له: “ربما تكون بعض الظواهر الطبيعية البيئية التي لم تُفسر هي التي تسببت في فيضان هائل من التغير الإحيائي وهذا الذي أسرع في خلق كائنات حية جديدة”.

قال مير: “إن هذا لا يحل المشكلة. أولاً، حتى الادعاء بأن التغيير الإحيائي كان بمعدل كبير، فإن التغيير القديم كان قصيراً للغاية حتى أنه لا يسمح بمثل هذه التغييرات التي تعكسه الحفريات”.

“ثانياً، التغيرات الإحيائية في التطور الأولي للكائنات كانت لديه فرصة حقيقية لإنتاج تغير تطوري ضخم على نطاق واسع. وقد وجد العلماء أن التغيرات الإحيائية في هذه المرحلة كانت لها تأثيرات كارثية. والجنين عادة ما يموت أو يصاب بالكساح”.

وقد أطلق عالم الجينات جون إف. ماكدونالد على هذا “إنه تناقض داروني عظيم”[9]. إن نوع التغيير الهام والأساسي الذي يحتاجه التطور الهائل لا يظهر، في حين أن النوع الذي لا يحتاجه يظهر مع أنه نادر وغير نظامي.

وتبادرت إلى ذهني فكرة أخرى كان قد عرضها أصحاب نظرية داروين وسألت مير: “لماذا لم يتمكن هذا التغيير الهائل والأساسي من الظهور في جزء خامل من الحامض النووي، أي منطقة حيادية التي ليس لا أثر فوري على الكائن الحي؟ ثم بعد فترة طويلة من الزمن، يتراكم في خلالها هذا التغيير الهائل، يظهر جين جديد ويخلق بروتين جديد تماماً. وعندئذ سوف يحفظ الاصطفاء الطبيعي أية آثار نافعة لهذا الجين على الكائن الحي”.

ولم تكن هذه النظرية جديدة على مير، وأجاب قائلاً: “ليكن في ذهنك أن هذه التغييرات الهائلة كان عليها أن تظهر بالصدفة العشوائية، لأن الاصطفاء الطبيعي لا يستطيع أن يحفظ أين شيء حتى يعطي فائدة إيجابية للكائن الحي. والمشكلة هي أن ميزة خلق بروتين جديد يعمل بدون مساعدة الاصطفاء الطبيعي سوف يكون صغيراً للغاية. وتوجد الآن بعض الدراسات في الجزيئات الحيوية لها نفس الرأي. وهذا ما يسمى “النظرية المحايدة” للتطور وهو طريق مسدود آخر.

“وف الحقيقة هناك تفسير واحد فقط يوضح كل هذه الأدلة. إنه “المصمم الذكي”.

ملائمة النموذج “العلوي السفلي”

وافق مرة لغز الانفجار القديم على إمكانية وجود الخالق واعتبرها إحدى التفسيرات. وحتى واحد من أكثر الملامح حية في موضوع الانفجار – والذي يُدعى نموذج “العلوي السفلي” – فُسر بكفاءة على أن التصميم الذكي.

قال مير: “إن الداروينية الجديدة تتنبأ بنموذج “الأدنى الأعلى” والذي فيه اختلافات صغير في الشكل بين كائنات حية تتطور وتظهر قبل ظهور اختلافات كبيرة في الشكل وتنظيم خطة الجسم. فمثلاً، يمكنك أن تتخيل أن الاسفنج القديم يمكن أن يُحدث العديد من الاختلافات التي يمكن أن تتطور بمرور الزمن لكي تُنتج أنواعاً مختلفة. وباستمرار هذه العملية، ربما تكون قد ظهرت في العصر الكامبرياني مخلوقات مختلفة تماماً بتصميم جسدي جديد ومتكامل”.

“ومع ذلك، فالحفريات من الانفجار الكامبرياني القديم تُظهر نموذجاً مختلفاً “علوي سفلي” ويظهر أولاً اختلافات كبير في الشكل والتصميم الجسدي، مع عدم وجود مرحلة انتقالية قبلها. وفيما بعد، ظهرت بعض الفوارق الصغيرة في إطار هذه التصميمات الجسدية المنفصلة والمتباينة”.

“وهذا الأمر تحدى واستأصل الدارونية الجديدة. وآخرون حاولوا أن يفسروه باقتراح قفزات كبيرة من التغيير التطوري – ما يسمى بفكرة التوازن المنظم – ولكن حتى هذا لم يتمكن من تفسير الظاهرة الطبيعية “أعلى أسفل” وفي الحقيقة فإن التوازن المنظم تنبأ بنموذج “السفلي والعلوي” إنه يؤكد أن كمية التغيير التطوري سوف تكبر. ورغم هذا فإذا سلمت بفكرة التصميم الذكي فإن نموذج “العلوي والسفلي” يصبح له معنى لأنه نفس النموذج الذي نراه في تاريخ التصميم التقني البشري”.

سألته: “هل بالإمكان أن تعطيني مثال؟”

قال: “بالتأكيد، لتفكر في السيارات او الطائرات. إنهم يُظهرون نمط ظهور من “الأعلى للأسفل”. وفي كلا الحالتين فالرسم البياني الضخم أو الخطة تظهر فجأة وتظل مستمرة عبر التاريخ”.

“فمثلاً، كل السيارات لها خطة تنظيمية أساسية تشتمل على المحرك وعجلة القيادة ومحورين وأربعة عجلات… إلخ. وبعد ظهور الاختراع الأساسي، ظهرت أشكال مختلفة عبر الزمن. وهذا مثل من التغيير “العلوي والسفلي”.

الرسم البياني الأصلي كان من إنتاج الذكاء واستمراره عبر السنوات توضح بفكرة مروره من جيل إلى جيل لمهندسي السيارات.

“وبطريقة مشابهة، لماذا التصميم الجسدي للحيوانات القديمة يمكن أن يكون قد نبع من فكرة في عقل مصمم؟ وهذا يكن أن يفسر لماذا ظهرت الاختلافات الكبيرة في الشكل ظهرت أولاً ثم اختلافات أصغر تلت ذلك فيما بعد. وفي الحقيقة، فإن الذكاء هو السبب الوحيد الذي نعرفه الذي يمكنه أن يُعطي نموذج “أعلى أسفل” والذي نراه في سجل الحفريات وفي تقنية البشر مثلما توضح في كل شيء من السيارات والطائرات والبنادق والدرجات”[10].

” إن الذكاء أيضاً يفسر أصل طبقات المعلومات اللازمة لخلق الخطط الجسمية الجديدة في الحيوانات القديمة. وكما ذكرت سابقاً، إنك لكي تبني حيواناً جديداً أنت بحاجة إلى حامض نووي لكي تخلق البروتينات ومعلومات إضافية لكي تنظم هذه البروتينات تركيبات ذات مستوى أعلى. ونجد نفس شكل الطبقات للتنظيم في التقنيات البشرية مثل اللوحة الدائرية للكمبيوتر. إن البشر يستخدمون الذكاء لنتجوا مكونات معقدة، مثل الترانزستور والمكثفات بترتيباتها المحددة واتصالاتها داخل الدائرة تكاملية”.

“وحالما تسمح بتصميم ذكي كفكرة، يمكنك أن ترى بسرعة كيف يفسر مفتاح أشكال وملامح الظواهر الطبيعية القديمة. ولا توجد كينونة أخرى تنتج نموذج “العلوي السفلي” أو يمكنها أن تخلق المعلومات المعقدة التي يحتاجونها إليها لأشكال حية جديدة. ولا يوجد تفسير آخر يكفي لهذا”.

قلت له: “ولكن التصميم الذكي يبدو وكأنه فكرة قديمة. وقد قارن وليم بالي الأنظمة البيولوجية بطريقة عمل الساعة وحدث ذلك منذ 200 عام. وهذه أخبار قديمة”.

قال مير: “أعتقد أن العكس هو الصحيح. وقد تعلمنا الكثير عن علم الأحياء منذ الحرب الأهلية. ويحاول الذين يعتقدون في نظرية داروين للتطور والتي كانت في القرن التاسع عشر أن يطبقوا أسلوب تفكيرها على حقائق القرن الواحد والعشرين. وتفسيرات فترة القوارب البخارية لم تعد كافية لتفسير عالم البيولوجيا في عصر المعلومات”.

“ويقول الدارونيون بأنهم تحت نوع من الالتزام المعرفي لكي يواصلوا المحاولة، فإذا استشهدت بالتصميم فأنت بذلك تتخلى عن العلم. حسناً، إنني أقول إن الوقت قد حان لنعيد تعريف العلم. ولا يجب أن نبحث فقط عن أفضل تفسير طبيعي ولكن عن أفضل فترة للتفسير. والتصميم الذكي هو التفسير الذي يتمشى مع كيفية عمل هذا العالم”.

 

ســمة العـقـل

وعندما قارب لقاؤنا على الانتهاء، أثارت إشارة مير إلى القرن 21 استفساراً أخيراً فقلت له: “بع مضي عشرة أو عشرين سنة، ماذا ترى؟”

قال فيما كان يزيل نظارته ويضعها في جيبه: “أعتقد أن ثورة المعلومات الحادثة في علم الأحياء تدق ناقوس الموت لمبادئ داروين ونظريات التطور الكيميائي”.

“إن محاولة تفسير أصل الحياة بمعزل عن مكوناتها الكيميائية قد مات الآن. فمبدأ الطبيعة لم يعد بإمكانه أن يجيب على المشكلة الأساسية وهي كيفية الانتقال من المادة والطاقة إلى الوظائف البيولوجية بدون إدخال معلومات ذكية”.

“إن المعلومات ليست شيئاً مأخوذاً من خواص مادية، إنها تتجاوز المادة والطاقة. والنظريات الطبيعية التي تعتمد على المادة والطاقة لن تستطيع أن تفسر المعلومات والذكاء فقط هو الذي يستطيع ذلك. وأعتقد ان تحقيق ذلك سوف يبزغ فخره على أناس أكثر وأكثر وخاصة العلماء الصغار الذين نشأوا في عصر تقنية المعلومات”.

“إننا اليوم نشتري ونبيع المعلومات كسلعة، نقيمها ونبعثها عبر أسلاك وأقمار صناعية ونعلم أنها تأتي من وكلاء أذكياء. فماذا نفعل بحقيقة وجود معلومات في الحياة؟ وماذا نفعل بحقيقة أن الحامض النووي DNA يخزن معلومات في مكان صغير للغاية أكثر بكثير جداً من أي كمبيوتر متقدم على هذا الكوكب؟”

“إن المعلومات هي السمة المميزة للعقل. ومن خلال الأدلة الجينية والحيوية يمكننا أن نخمن بوجود عقل أعظم بكثير من عقلنا، عقل واع، وله هدف وحكيم ومصمم ذكي وهو خلاق مدهش. ولا شك في هذا”.

ازدادت الضوضاء القادمة من الشارع عبر النافذة. وكانت زوجة مير تعد لنا وجبة عشاء من السلمون، وقد حان الوقت لكي أرسل إلى الطريق السريع قبل زحمة المرور. وبعد انتهاء مناقشتنا، استأذن مير للذهاب لاجتماع في مكتب آخر، وذلك أعطاني فرصة للتفكير.

وكان سؤالاً مير للآخرين قد لخصا كل القضية. فالمعلومات في قلب الحياة قد ترتبت، وهي ليست مثل بلورات الملح، ولكنها معلومات معقدة ومحددة وتستطيع أن تحقق إنجازاً طيباً، بناء ماكينة بيولوجية تتخطى إمكانيات التقنية البشرية.

أي شيء آخر بإمكانه أن يعطي مثل هذه المعلومات غير الذكاء؟ وأي شيء آخر يمكنه أن يفسر الظهور السريع للاختلافات في المخلوقات المعقدة التي تكونت والتي لم تجتاز مرحلة انتقالية في سجل الحفريات؟ وقد فرض الاستنتاج نفسه: وجود ذكي فرض دليل وجوده من خلال أربعة رموز كيميائية في الشفرة الجينية. إن الخالق هو الذي وقع بخط يده كل خلية.

تنفست الصعداء واستندت على الكرسي وأنا أشعر بالإرهاق من السفر والمقابلات. إن قضية الخالق تتقدم بسرعة ملحوظة وأشعر أنني اقتربت من نهاية تساؤلاتي. ولكنني ما زلت أشعر أنه يوجد خبير آخر أود استشارته.

وفي الدقائق الأخيرة من لقائي مع مير ذكر لي كلمة “العقل” وأشار إلى النشاط الواعي. ومثلما انبهرت بالحامض النووي فكذلك انبهرت بالمخ البشري وهذا المخ الذي يزن ثلاثة أرطال به 10,000 مليون خلية عصبية، كل منها يرسل أليافاً أو نسيجاً كافياً لخلق آلاف الملايين من الروابط. وهذا يساوي عدد الأوراق في غابة كثيفة تغطي مليون ميل مربع[11].

كيف تخلق هذه الدورة الظاهرة الطبيعية المتفردة للوعي البشري؟ كيف تمكنني قوة العمليات البيولوجية من التفكير، او تكوين المعتقدات، أو تحديد اختياراتي الحرة؟ هل يعزى وعي إلى طبيعة وكيمياء مخي، أم إنني منحت أيضاً روحاً وعقلاً غير مادي؟ وإذا كان هناك دليل مقنع لوجود روح، فكيف يقنعني هذا بوجود خالق وحياة بعد الموت؟

قلبت في مفكرتي لكي أتصل بأحد الخبراء في الوعي البشري حالما أصل إلى لوس أنجلوس. ووضعت الورقة في جيب قميصي. وقد ذكرتني بشيء آخر هذه الكلمات القليلة كانت تمثل معلومات لها مصدرها في ذاكرتي. وكم كان وحياً واضحاً بأن نظاماً كثيفاً من أوامر وتعليمات مجمعة بيولوجية معقدة لا بد وأن لها مصدرها في عقل.

[1] Interview in Unlocking the Mystery of Life.

[2] See: Michael Polanyi, “Life’s Irreducible Structure,” Science 160 (1968), 1308-12.

[3] For a more detailed critique of this theory, see Hubert P. Yockey, “Self-Organization, Origin of Life Scenarios, and Information Theory, Journal of Theoretical Biology 91 (1981). 13-31, and Stephen C. Meyer, “DNA and the Origin of Life: Information, Specification, and Explanation,” in John Angus Campbell and Stephen C. Meyer, editors, Darwinism, Design, and Public Education (Lansing, Mich.: Michigan State Univ. Press, 2003), 252-55.

[4] Robert Shapiro, Origins: A Skeptic’s Guide to the Creation of Life on Earth, 188.

[5] Francis Crick, Life Itself, 88.

[6] Robert Shapiro, Origins: A Sdeptic’s Guide to the Creation of Life on Earth, 189.

* عنصر فلزي نادر

* يبحثوا في أشكال الحياة في العصور الجيولوجية السالفة

[7] See: J. W. Valentinc et al., “Fossils, Molecules, and Embryos: New Perspectives on the Cambrian Wxplosion,” Development 126 (1999).

[8] See: Chi Lili, “Traditional Theory of Evolution Challenged,” Beijing Review (March 31 – April 6, 1997).

[9] John F. McDonald, “The Molecular Basis of Adaptation: A Critical Review of Relevant Ideas and Observations,” Annual Review of Ecology and Systematics 14 (1983).

[10] See: Stuart Kauffinan, At Home in the Universe (Oxford: Oxford University Press, 1995).

[11] Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis, 330.

برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ2

برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ1

برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ1

برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ1

برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ1

 وأصل الحياة

يحتوي الـ DNA البشري على معلومات أكثر تنظيماً من دائرة المعارف البريطانية. وإذا كان ممكناً للنص الكامل لدائرة المعارف أن يصل إلى نظام شفرة الكمبيوتر من الفضاء الخارجي، فإن معظم الناس سوف يعتبرون ذلك أنه برهان على وجود ذكاء أرضي فائق. ولكن عندما يُرى في الطبيعة فيفسرونه على أنه من صنع قوى عشوائية.

جورج سم جونسون[1]

قال أينشتين: “إن الله لا يلعب النرد (الطاولة)” وقد كان محقاً في ذلك. إن الله يلعب اسكرابيل (لعبة تشكيل الكلمات).

فيليب جولد [2]

في عام 1953، عندما أخبر تشنج فرانسيز زوجته أودل أنه وأحد زملائه اكتشفا سر الحياة – التركيبة الكيميائية للحامض النووي DNA، حيث توجد التعليمات لبناء البروتينات بشفرة معينة – لم تصدقه. وبعد عدة سنوات اعترفت لزوجها قائلة: “كنت دائماً تعود للمنزل وتقول أشياء كهذه، ولهذا فكان أمراً طبيعياً ألا أفكر فيها”[3].

هذه المرة، لم يكن مبالغاً. فقد حاز هو وجيمس دي. واتسون على جائزة نوبل لاكتشافهما الحلزون المزدوج الشهير الآن بالحامض الريبوسي النووي الناقص الأوكسجين، والذي هو مخزن “اللغة الحياة”.

ولأكثر من 50 عاماً. بينما كان العلماء يدرسون الستة أقدام من الحامض النووي DNA الذي يلف بإحكام داخل كل خلية في أجسادنا والتي يبلغ عددها ماية تريليون خلية، تعجبوا من كيفية إمدادها للمعلومات الوراثية اللازمة لخلق كل البروتين الذي يبني أجسادنا. وفي الحقيقة فإن كل واحدة من 30,000 جين المطمورة في 32 زوج من الكروموسومات تستطيع إنتاج حوالي 20,500 أنواع مختلفة من البروتينات[4].

إن القدرة المذهلة للـDNA    الميكروسكوبي لإيواء هذا الجيل من المعلومات، والذي يرمز إليه بأربعة حروف من الرموز الكيميائية “يفوق بكثير أي نظام آخر معروف”، هكذا قال عالم الجينات مايكل دينتون.

وفي الحقيقة، قال إن المعلومات اللازمة لبناء البروتين لكل أنواع الكائنات الحية التي وجدت – وقد قدر عددها بألف مليون – “يمكن وضعها في ملعقة شاي وسيظل هناك مكان لكل المعلومات الموجودة في كل الكتب التي كُتبت”[5].

إن الـ DNA هو بمثابة مخزن المعلومات لعمليات تصنيع دقيقة والذي فيه ترتبط معاً الأحماض الأمينية بالروابط الصحيحة والتتابع الصحيح لكي تنتج الأنواع الصحيحة من البروتينات والتي تلف بالطريقة الصحيحة لكي تبني الأنظمة البيولوجية. والفيلم الوثائقي “فتح أسرار الحياة” الذي عرض في العديد من المحطات التلفزيونية PBS، يصف هذه العملية الضخمة بهذه الطريقة:

في عملية تُسمى بالنسخ، تبدأ الأدلة الجزيئية بحل او فك قسم من الحامض النووي DNA لعرض التعليمات الجينية الضرورية لتجميع جزيء معين من البروتين. وآلة أخرى تصور أن تنسخ هذه التعليمات لتكون جزيء يعرف بالرسول RNA. وعندما تكتمل عملية النسخ يحمل RNA المعلومات الجينية خارج نواة الخلية. ويتوجه الرسول RNA لمصنع الجزيئات المكون من جزأين ويدعى ribosome والذي بداخله يبنى خط تجميع الجزيئات مسلسلة متتابعة معينة من الأحماض الأمينية. وترسل هذه الأحماض الأمينية من أجزاء أخرى من الخلية وترتبط في شكل سلاسل طولها مئات الوحدات. ويقرر ترتيبها التتابعي نوع البروتين المصنع. وعندما تنتهي هذه السلسلة، تُنقل من ribosome لآلة تشبه البرميل والتي تساعد على لفها في شكل محدد مهم لتأدية عملها. وبعدها تندمج السلسلة في البروتين تنطلق وترعاها آلة جزيء أخرى للمكان الذي تحتاجها[6].

إن هذا الأسلوب “المرعب للذهن” والذي قاد أستاذ الأحياء دين كينون ليك يُنكر النتائج التي توصل إليها في كتابه عن الأصل الكيميائي للحياة ويستنتج بدلاً من ذلك بأنه لا شيء ينقصه عنصر الذكاء يستطيع أن يخلق هذا الجهاز المعقد للخلية”. وهذا المجال الجديد لجزيئات الجينات حيث يمكننا أن نرى أعظم دليل قوي على الأرض”. هكذا قال[7].

ويبدو أن هذا يطابق ما أعلنه العلماء أنهم أخيراً وضعوا خريطة لثلاثة بلايين شفرة للجينوم البشري – إنه موضوع شغل 75,490 صفحة في مجلة النيويورك تايمز وهذا ما تزخر به المراجع الإلهية. وقال الرئيس كلينيون “إن العلماء يتعلمون اللغة التي خلق الله بها الحياة”. وقال عالم الجينات فرانسيس أي. كولينز، رئيس مشروع الجينات البشرية، إن الحامض النووي DNA” هو كتاب تعليماتنا وهو معروف مُسبقاً لدى الله وحده”[8].

هل مثل هذا السجود العام للخالق هو مجرد تقليد اجتماعي مهذب يُقصد به احناء الرأس في أدب في بلد كان يسوده الإلحاد؟ هل كمية المعلومات الكبيرة الموجودة في الحامض النووي DNA تبرر النتيجة التي توصلوا إليها من أن مصمم ماهر وذكي غرس المواد الجينية وتعليمات بنائها للبروتين؟ هل هناك أية عمليات طبيعية تفسر ظهور المعلومات البيولوجية في الخلايا الأولية؟

أنا أعلم أين أذهب لكي أحصل على الإجابات. واحد من الخبراء القادرة في قضايا أصل الحياة والذي كتب باستفاضة عن مدلولات المعلومات في الحمض النووي DNA، يسكن في ولاية واشنطن. قد ناقشنا معاً التداخل بين العلم والإيمان في الفصل الرابع من هذا الكتاب، والآن لقد حان الوقت لكي أجلس معه مرة أخرى، وفي هذه المرة في معهد الاكتشافات في وسط مدينة سياتل.

المقابلة السابعة: ستيفن سي. مير – دكتوراه

منذ مناقشتنا الأخيرة انتقل الفيلسوف والعالم ستيفن مير وزوجته وثلاثة أولاد إلى ضواحي سياتل حتى يتمكن من التركيز على دوره كمدير لأحد المعاهد العلمية والثقافية[9]. وقد حصل مير على الدكتوراه من جامعة كمبريدج، حيث حلل قضايا علمية ومنهجية في أصل الحياة البيولوجية. ولكي يحصل على درجة الماجستير من كمبريدج أيضاً، درس تاريخ الجزيئات الحيوية ونظرية التطور.

كتب عن الـ DNA ومشكلة الحياة المعلومات الحيوية Debating Design، نشرته جامعة كامبردج؛ Darwinism, Design, and Public Education نشر بمطبعة جامعة ولاية ميتشجان؛ Science and Evidence for Design in the UniverseSigns of Intel Ligence؛ Mere Creation. وينهي مؤخراً كتاب اسمه DNA by Design: The Signature in the Cell الذي يتوسع أكثر، بتحليله للمعلومات الحيوية.

اجتمعنا معاً في يوم غير عادي من أيام الصيف، وتناولنا طعام الغذاء في إحدى المطاعم الآسيوية، ثم ذهبنا إلى مكتبه بمعهد Discovery Institute. وجهزنا أنفسنا للمناقشة.

لقد كان واضحاً بأن مير يحب الأخذ والعطاء في المقابلات. ولو أن مير نموذجياً أكثر أستاذية من مشاكس، وهو لا يبتعد أبداً عن الأسئلة الصعبة أو حتى النقاش المحتد وبشكل بلاغي مع الدارونيين المتحمسين.

في الواقع، لقد استعرت تسجيل لشريط فيديو لمناظرة بين مير وعالم إنسانيات ملحد، وكان موضوع المناظرة شرعية نظريات التصميم الذكي، وأتذكر تصرف مير الحاذق حيث كان يتقدم بقوة لتفكيك قضية الأستاذ، ثم يرتد في الوقت ذاته. لربما مرجع ذلك لسنوات عمره الأولى حين كان يتدرب على الملاكمة، حيث تعلم كيفية التغلب على الخوف من تلقي لكم من خصمه ليركز على نقاط ضعف خصمه.

وبالنسبة لي، كان كل هدفي في هذه المقابلة البحث عن إجابات مباشرة عن قضية أربكت العلماء الذين يبحثون عن أصل الحياة طوال الخمسة عقود الأخيرة. بالرغم من أن أكثر الدارونيين يعترفون بأنهم صدموا من الاستفسار عن كيف وُجدت الحياة والـ DNA[10]، ولم يقبلوا استنتاجات مير في هذا الموضوع. ولم يهمني هذا الأمر، وكان مقياس سهلاً: ما هو أقصى معنى يمكننا الحصول عليه من منظور علمي بحت؟

مناقشة حلة الـ DNA والتصميم

بدأت المناقشة مع مير بقراءة اقتباس قرأته أثناء بحثي وسجلته في ملاحظاتي. قلت له: “طبقاً لما قال بريند أولاف كيبيرس، مؤلف كتاب “معلومات عن أصل الحياة” يقول: “إن المشكلة في موضوع أصل الحياة تساوي مشكلة أصل الملومات البيولوجية”[11]. هل توافق على هذا القول؟”

أجاب مير: “نعم بكل تأكيد. فعندما أسأل تلاميذي ماذا يحتاجون حتى يجعلوا أجهزة الكمبيوتر تؤدي وظيفة جديدة، فأجابوا: “عليك أن تدخل فيه شفرة جديدة”. وهو نفس المبدأ فيما يخص الكائنات الحية”.

“إذا أردت لأي كائن حي أن يكتسب وظيفة أو تركيبة جديدة، عليك أن تمده بمعلومات في مكان ما في الخلية. إنك تحتاج إلى تعليمات عن كيفية بناء المكونات الهامة للخلية وهي في معظمها بروتينات. ونحن نعلم أن الحامض النووي هو المخزن للشفرة الرقمية التي تحوي على التعليمات التي تبلغ آلة الخلية بكيفية بناء البروتينات. وأدرك كيبيرس بأن هذه عقبة هامة في تفسير كيف بدأت الحياة: من أين تأتي هذه المعلومات الجينية؟”

“تخيل أنك تعمل حساء من وصفة معينة. يمكن أن تكون لديك كل المكونات، ولكن إن لم تعرف الكميات المناسبة، أو ما هو الشيء الذي يجب أن تضيفه، أو مدى الوقت الذي تأخذه لطهيها، فلا يمكنك أن تحصل على حساء جيد”.

“حسناً، كثير من الناس يتحدثون عن “الحساء الذي يسبق الكائن الحي – المواد الكيميائية التي وجدت على الأرض في بدايتها الأولى قبل وجود الحياة. حتى وإن كانت لديك المواد الكيميائية الصحيحة لخلق خلية حية، فسوف تحتاج إلى معلومات عن كيفية تنظيمها بطريقة محددة لكي تقوم بوظائف بيولوجية. ومنذ الخمسينات والستينات أدرك البيولوجيون (علماء الأحياء) أن الوظائف الهامة للخلية يؤديها البروتين الذي هو نتاج تجميع التعليمات المخزونة في الحامض النووي DNA.

قلت له: “دعنا إذاً نتحدث عن الحامض النووي DNA. وقد كتبت شيئاً عن تصميم الحامض النووي. ماذا تقصد بذلك؟”

قال: “أقصد أن أصل المعلومات في الحامض النووي – الذي هو ضروري لكي تبدأ الحياة – يمكن تفسيره بطريقة أفضل بسبب ذكي أفضل من الأسباب الطبيعية التي يصرح بها العلماء ليفسروا الظواهر البيولوجية”.

سألته: “عندما تتحدث عن المعلومات في الحامض النووي فماذا تقصد؟”

قال: “نحن نعلم من خبرتنا أننا يمكن أن ننقل المعلومات باستخدام ستة وعشرون حرفاً للحروف الأبجدية أو 22 أو 30 أو حتى حرفين مثل صفر أو ما يستخدم الشفرة الثنائية في جهاز الكمبيوتر وإحدى الاكتشافات غير العادية في القرن العشرين هو ذلك الحامض النووي DNA الذي يخزن المعلومات – التعليمات المفصلة لتجميع البروتينات – في صورة شفرة رقمية ذات أربعة صفات”.

“والصفات هي مواد كيميائية تسمى adenine وguanine وCytosine وthymine. ويرمز إليهم العلماء بالحروف A, G, C, T وهذا أمر مناسب لأنهم يعملوا مثل الحروف الأبجدية في النص الجيني. وترتيب هذه الأربعة “أسس” بحسب تسميتهم، سوف يعطي تعليمات للخلية لكي تبنى سياقاً مختلفاً من الأحماض الأمينية، وهي التي تبني البروتينات. والترتيبات المختلفة للصفات تعطي سياقاً وتسلسلاً مختلفاً للأحماض الأمينية”.

وهنا أصر مير أن يريني وسيلة توضيحية يستخدمها غالباً مع طلبته بالكلية. وإذ وصل إلى درج المكتب بعض الفقاعات البلاستيكية من النوع الذي يلعب به الأطفال. وقال بنوع من الهزل: “إنه مكتوب على هذه العلبة أنها علبة تناسب الأطفال ما بين سنتين وأربع سنوات، إنها كيمياء متقدمة”.

وأمسك بيده بعض الفقاعات ذات اللون البرتقالي والأخضر والأزرق والأحمر ولها أشكال مختلفة. وقال وهو يضع هذه الفقاعات بجوار بعضها على خط واحد: “هذه تمثل تركيبة البروتين. وأساساً، فإن هذا البروتين هو صف منظم من الأحماض الأمينية. وبسبب القوة بين الأحماض الأمينية يطوي في أشكال ذات ثلاثة أبعاد وهي غريبة الشكل وتشبه أسنان المفتاح، ولها مفتاح يناسب الجزيئات الأخرى في الخلية. وغالباً ما تُحفر هذه البروتينات التفاعلات، أو قد تكون جزيئات تركيبة أو روابط أو أجزاء من آلات الجزيئات التي كتب عنها مايكل بيه. وهذه الأشكال المحددة ذات الثلاثة أبعاد والتي تسمح للبروتينات أن تؤدي عملاً مشتقة مباشرة من تسلسل الأحماض الأمينية ذات البعد الواحد”.

ثم قام مير بجذب بعض الفقاعات البلاستيكية وأعاد ترتيبها وقال: “إذا غيرت أماكن فقاعة (خرزة) حمراء وأخرى زرقاء، فأنا بذلك أعمل تركيبة مختلفة للتفاعلات القوية وسيتكون بروتين بطريقة مختلفة تماماً. ولهذا فإن تسلسل الأحماض الأمينية هو ضروري حتى نحصل على سلسلة طويلة لتتشكل بطريقة مناسبة مكونة بروتين يؤدي وظيفته. والتتابع الخاطئ لا يعطي القدرة للأحماض الأمينية أن تؤدي وظيفتها”.

“وبالطبع فإن البروتينات هي مفتاح الجزيئات العاملة في الخلية، ولا يمكن وجود حياة بدونها. من أين أتت تلك البروتينات؟ حسناً، إن هذا السؤال يفرض قضية أعمق، ما هو مصدر التعليمات المجمعة في الحامض النووي DNA المسؤولة عن الأحماض الأمينية ذات البعد الواحد والتي تخلق الأشكال ذات الأبعاد الثلاثة للبروتينات؟ وإن الصفات العاملة في البروتينات مشتقة من المعلومات المخزونة في جزيء الحامض النووي”.

مكتبة الحياة

انبهرت كثيراً بالعملية التي وصفها مير فقلت له مستخدماً تشبيهاً كنت قد سمعته مرات عديدة من قبل “إن ما قلته هو أن الحامض النووي يشبه الرسم البياني لكيفية بناء البروتينات”.

تردد مير وقال: “في الواقع أنا لا أحب تشبيه الرسم البياني. ومن المحتمل أن يكون هناك مصادر أخرى للمعلومات في الخلية والكائنات الحية. ورغم أهمية السائل المنوي فهو لا يبني كل شيء. إنه يبني بروتين الجزيئات ولكنها مجرد وحدات بديلة لتركيبات ضخمة حتى أنها منظمة بحسب معلومات معينة”.

سألته: “ما هو التشبيه الأفضل من ذلك؟”

قال: “إن الحامض النووي يشبه المكتبة إلى حد كبير. والكائن الحي يسمح بدخول المعلومات التي يحتاجها من الحامض النووي حتى يمكنه بناء بعض مكوناته الأساسية. وتشبيه المكتبة أفضل لأنه يتبه الترتيب الأبجدي. ففي الحامض النووي توجد خطوط طويلة من A, C, G, T المرتبة بدقة لكي تخلق تركيبة البروتين وتشكيله. ولكي تبني بروتيناً واحداً فأنت بحاجة إلى ما بين 1200 – 2000 حرف أو أساس، والتي هي عبارة عن قدر كبير من المعلومات”.

قلت له: “هذا يثير سؤالاً للمرة الثانية عن أصل هذه المعلومات”.

فقال: “إنه ليس مجرد سؤال يثار. إن هذه القضية تسببت في انهيار كل التفسيرات الطبيعية عن أصل الحياة، لأنه السؤال المحرج والأساسي. وإن لم تتمكن من توضيح من أين جاءت تلك المعلومات، فأنت بذلك لم تفسر الحياة لأن المعلومات هي التي تجعل الجزيئات تؤدي وظيفتها بطريقة فعلية”.

سألته: “بماذا يخبرك وجود المعلومات؟”

قال: “أعتقد أن وجود المعلومات في الخلية يُفسر بطريقة أفضل بواسطة نشاط قوة ذكية. قال بيل جيتس “إن الحامض النووي يشبه برنامج حاسوب (السوفت وير) وهو أكثر تعقيداً من أي شيء قمنا باختراعه حتى الآن”. وهذا أمر مثير للغاية لأننا نعلم أنه في شركة ميكروسوفت يستخدم حيس مبرمجين أذكياء لإنتاج البرمجيات. وقد قال هنري كواسلير صاحب نظرية المعلومات في عام 1960 “إن خلق معلومات جديدة مرتبط بحكم العادة بالنشاط الواعي”[12].

قلت له: “ولكننا نتحدث عن شيء – أصل المعلومات والحياة – حدث منذ فترة طويلة. كيف يمكن للعلماء أن يُعيدوا بناء ما حدث في الماضي البعيد؟”

قال مير: “باستخدام مبدأ علمي للتفكير يسمى uniformitarian. وهذه هي الفكرة بأن معلوماتنا الحالية عن العلاقات بين السبب والأثر يجب أن تقود إعادة بنائنا لما تسبب في إثارة شيء في الماضي”.

قلت له: “مثلاً، دعنا نقول إنك وجدت نوعاً معيناً من علامات التموج محفوظة منذ عصور قديمة في طبقات رسوبية. ودعنا نقول أيضاً أنك رأيت نفس هذا النوع من التموج مكوناً في قاع بحيرات تبخر ماؤها. يمكنك عندئذ أن تستنتج مستخدماً منطق uniformitarian أن علامات التموج في الطبقات الرسوبية نتجت عن عمليات مشابهة”.

“لذا دعنا نعود إلى الحامض النووي. حتى أبسط خلية ندرسها اليوم أو نجد دليلاً عنها في سجل حفريات، تحتاج إلى معلومات مخزنة في الحامض النووي أو حامل معلومات آخر. ونحن من خبرتنا أن المعلومات مرتبطة بفعل العادة بالنشاط الواعي. وباستخدامنا لمنطق uniformitarian يمكننا أن نعيد بناء السبب لتلك المعلومات القديمة في الخلية الأولى كمنتج للذكاء”.

قلت لـ مير: “رغم كل ذلك فهناك تحذير”.

فسأل: “أي تحذير هذا؟”

قلت له: “كل هذا صحيح – إذا لم تتمكن من إيجاد تفسير أفضل”.

قال: “نعم بالطبع. يجب أن تستبعد الأسباب الأخرى لنفس الأثر. فالعلماء المشغولون بالبحث عن أصل الحياة نظروا إلى إمكانيات أخرى لفترات طويلة، وبصراحة لم يتوصلوا لشيء”.

وقبل أن نستمر في مناقشاتنا، كنت بحاجة لأن أرضي نفسي بأن السيناريوهات الأخرى الممكنة ينقصها نظرية التصميم الذكي.

الحساء المفقـود

في العام 1871 كتب تشارلز داروين خطاباً قال فيه إنه من الممكن أن تكون الحياة قد نشأت عندما “تكوّن كيميائياً بروتين مركب” في بقعة دافئة صغيرة بكل أنواع الأمونيا والأملاح الفوسفورية والضوء والحرارة والكهرباء… إلخ[13] ومنذ بضعة سنوات لخص أحد العلماء النظرية الأساسية بالطريقة الآتية:

من المفترض أن تكون المرحلة الأولى في الطريق إلى الحياة تكون قد نشأت بعمليات كيميائية حساسة وبحتة ظهرت على سطح الأرض المبكرة، وبها كل المركبات العضوية الأساسية والضرورية لتكوين خلية حية. ومن المفترض أن تكون قد تراكمت في المحيطات البدائية مكونة مرق الحساء المغذي والذي يسمى “الحساء الحيوي (خاص بالكائنات الحية)” وفي بعض البيئات المعينة والمتخصصة تجمعت هذه المركبات العضوية وكونت جزيئات ضخمة وبروتينات وأحماض نووية. وأخيراً على ملايين السنين ظهر تجمع لهذه الجزيئات الضخمة التي تجمعت بخاصية التكاثر الذاتي. ثم بعد ذلك هو مدفوعة بالاصطفاء الطبيعي وهي أكثر كفاءة وتعقيداً وأنظمة التكاثر الذاتي للجزيئات تطورت إلى أن ظهر أخيراً أبسط نظام للخلية[14].

قلت له: “إنني أسمع علماء يتحدثون بكثرة عن هذا “الحساء الحيوي”. كم عدد الأدلة التي تقول إنه موجود فعلاً؟”

أجاب: “إنه موضوع شيق للغاية. والإجابة أنه لا يوجد أي دليل على هذا”.

سألته: “ماذا تقصد؟”

قال: “إذا كان هذا الحساء الحيوي موجوداً لكان غنياً بالأحماض الأمينية. ولكان يوجد الكثير من النتروجين، لأن الأحماض الأمينية نتروجينية. ولهذا فعندما نفحص الطبقات الأولى للأرض، سنجد رواسب ضخمة لمعادن غنية بالنيتروجين”.

سألته: “وماذا وجد العلماء؟”

قال: “هذه الرواسب لم يحدد مكانها. وقد كتب جيم بروكس في عام 1985 “إن محتويات المواد العضوية الأولية منخفضة نسبياً وهي فقط 0,015٪ وقال في كتابه “أصول الحياة” مما تقدم يمكننا أن نتأكد من عدم وجود كميات مادية من “الحساء الأولي” على الأرض عندما تكونت أقدم طبقات الدهر القديم، ولو كان مثل هذا الحساء موجوداً لكان ذلك لفترة محدودة من الزمن”[15].

سألته: “ألا تعتقد بأن هذا أمر مدهش، لأن العلماء يتحدثون بطريقة روتينية عن “الحساء الحيوي” كما لو كان موجوداً فعلاً؟”

فأجاب: “نعم إنه لأمر مدهش، وقد علق دينتون على هذا الأمر في كتابه “التطور: نظرية في أزمة” عندما قال: “عندما نفكر في الطريقة التي يُشار فيه إلى الحساء الحيوي في مناقشات عددية عن أصل الحياة كحقيقة قائمة، فإنك تشعر بصدمة عندما تدرك إنه ليس هناك على الإطلاق أي دليل إيجابي على وجودها”[16]. وحتى إن افترضنا وجود الحساء الحيوي ستكون هناك مشاكل خطيرة مع التفاعلات المتضاربة”.

“ماذا تقصد بذلك؟”

“لنأخذ تجربة ستانلي ميلير عن أصل الحياة منذ خمسين عاماً، عندما حاول إعادة خلق الجو السائد في الأرض وأضاءها بالكهرباء, تمكن من خلق اثنين أو ثلاثة من البروتينات المكونة للأحماض الأمينية من مجموع الاثنين والعشرين الموجودة”.

قاطعت مير لأعطيه الفرصة لأن يعرف أن عالم الأحياء جوناثان ويلز كان قد أخبرني فعلاً كيف استخدمت تجربة ميلر غلافاً جوياً والذي يعرف العلماء الآن أنه غير حقيقي، وأن استخدام البيئة الصحيحة لا يعطي أية أحماض أمينية لها علاقة بعلم الأحياء.

وواصل مير كلامه قائلاً: “هذا صحيح. ومع ذلك، فما هو مشوق أيضاً أن الأحماض الأمينية التي اكتشفها ميلر تفاعلت بسرعة جداً مع المواد الكيميائية الأخرى الموجودة بالغرفة ونتج عنها رواسب بنية اللون غير صديقة للحياة على الإطلاق. وهذا ما كنت أقصده بالتفاعلات المضادة، وحتى وإن كانت الأحماض الأمينية موجودة في الحساء الحيوي لكانت قد تفاعلت مع المواد الكيميائية الأخرى. ولكان هذا حاجزاً هائلاً لتكوين الحياة. والطريقة التي تعامل بها العلماء الذين يبحثون عن أصل الحياة في تجاربهم كانوا يقصدون إزالة المواد الكيميائية الأخرى ولديهم الأمل في أن المزيد من التفاعلات قد تصل بتجاربهم في اتجاه صديق للحياة”.

“ولهذا فبدلاً من تقليد العمليات الطبيعية، تدخلوا لكي يحصلوا على الناتج الذي يريدونه. وهذا هو التصميم الذكي”.

وبدون أدنى شك، فإن العقبات لتكوين الحياة على الأرض الأولى لا بد وأنه كان أمراً مرعباً للغاية، حتى وإن كان العالم تتقاذفه الأمواج مع محيط من المواد الحيوية التي تشكل منها مواد أخرى. وما زلنا نسأل، هل هناك أي طريق طبيعي معقول للحياة؟ ومثل أي بوليس سري يحاول أن يحوم حول أية شكوك غير عادية، قررت البحث في الثلاثة سيناريوهات الممكنة لأرى ما إذا كان أي منها يعطينا معنى.

السيناريو رقم 1: الفرصة العشوائية

بدأت حديثي بملاحظة وقلت: “أنا أعلم أن فكرة الحياة التي تكونت بالصبغة العشوائية ليس رائجة الآن بين العلماء”.

قال مير: “إن كل خبراء أصل الحياة عملياً وفعلياً رفضوا تماماً هذه الفكرة”.

قلت له: “ومع ذلك فالفكرة ما زالت حية وشائعة. وبالنسبة لكثيرين من طلبة الكليات الذين يفكرون في هذه الأمور، يعتبرون فكرة الفرصة العشوائية هي السائدة. وهم يعتقدون بأنه إذا تركت الأحماض الأمينية تتفاعل بطريقة عشوائية على مر ملايين السنين، فسوف تظهر الحياة بطريقة ما”.

قال مير: “نعم، إن هذا السيناريو ما زال حياً بين الناس الذين لا يعرفون كل الحقائق ولكن ليس له أية ميزة”.

“تخيل أنك تحاول أن تكتب كتاباً بإلقائك بعض الحروف على الأرض. أو تخيل أنك تغلق عينيك وتحاول أن تلتقط بعض الحروف من حقيبة بطريقة عشوائية. فهل استنتج هملت ولو طوال الزمن المعروف بزمن الكون؟ وحتى جزيء البروتين البسيط أو الجين الذي يبني هذا الجزيء هو غني جداً بالمعلومات حتى أن الزمن منذ الانفجار الهائل الأولي، فهذا لن يعطيك شيئاً – كما يحب أن يسميه زميلي بيل ديمبسكي “المصادر المحتملة” – إنك بحاجة لأن تولد هذا الجزيء بالصدفة”.

سألته: “حتى وإن كان الجزيء الأول أكثر بساطة مما هو عليه اليوم؟

أجاب: “هناك حد أدنى من التعقيد ومستوى معين من التكوين يجب أن يكون عليه البروتين، يسمى بالتركيبة الثلثية وهي لازمة له حتى يؤدي وظيفته. ولن تحصل على هذه التركيبة الثلثية ما لم يكن لديك على الأقل 75 حامض أميني. والآن فكر فيما تحتاجه لجزيء البروتين لكي يتكون بالصدفة”.

“أولاً، تحتاج إلى الروابط الصحيحة بين الأحماض الأمينية. ثانياً، وفي الأحماض الأمينية ما له يد يسرى ويد يمنى، وعليك أن تحصل على ما له اليد اليسرى فقط. ثالثاً، يجب أن تترابط الأحماض الأمينية في تتابع معين مثل الحروف في الجملة”.

“دع هذه الأشياء الغريبة وغير النظامية توجد في أماكن بالصدفة وسترى أن احتمالات تكوني بروتين بالصدفة سوف يكون فرصة واحدة من مائة ألف تريليون تريليون…. إلخ. وهذا يعني 10 وبعدها 125 صفر!”

“وسوف يكون هذا جزيء بروتين واحد فقط، وعلى الأقل فإن الخلية المعقدة سوف تحتاج ما بين 300 إلى 500 جزيء بروتين. وبالإضافة إلى ذلك، يجب إنجاز كل هذا في مجرد 100 مليون سنة، وهذا هو الوقت التقريبي بين برودة الأرض وأول حفرية صغير وجدناها.

ولكي تقترح فكرة الصدفة ضد هذه الأشياء الغريبة وغير النظامية هو في واقع الأمر كأنك تجري معجزة طبيعية. إنه اعتراف بالجهل، وكأنك تقول “نحن لا نعرف”. ومنذ عام 1960 كان يرفض العلماء أن يقولوا إن الصدفة لعبت أي دور مهم في أصل الحامض النووي DNA أو البروتين، ورغم ذلك، مثلما قلت أنت، إنه ما زال لسوء الحظ اختيار قائم في تفكير الناس”.

السيناريو رقم 2: الاصطفاء الطبيعي

قد لا توضح الصدفة العشوائية شيئاً عن أصل الحياة، ولكن العالم المتخصص في علم الحيوان ريتشارد داوكنيس قال إنه عندما يعمل الاصطفاء الطبيعي على الاختلافات في الصدف، عندئذ سيكون التطور قادراً على القياس وإلا فسيكون الأمر مستحيلاً. هذه هي مقدمة كتابه “تسلق جبل المستحيل” الذي كتبه سنة 1996.

وقال إن التركيبة البيولوجية المعقدة هي مثل المنحدر الصخري الشاهق الذي لا يمكن قياسه في قفزة واحدة بدون وجود بعض الأحجار المعينة على التسلق، مثلما تعمل الفرصة. وينظر الناس إلى هذه القمة الشاهقة ويعتقدون أن عمليات التطور (نظرية التطور) لا يمكن أن تصعد بهم إلى القمة.

ومع ذلك فالجانب الخلفي لنفس الجبل به منحدر متدرج يسهل التسلق. وهذا يمثل فكرة داروين بأن الطبيعة تعطي فرصاً صغيرة مختلفة ثم يختار الاصطفاء الطبيعي الفرص التي لها امتيازات كبيرة. وعلى فترات طويلة من الزمن، تراكمت التغيرات الصغيرة وأصبحت اختلافات ضخمة. ولهذا فبينما تبدو الجبال صعبة للتسلق من ناحية المنحدر الصخري الشاهق، كان من السهل للغاية التسلق عبر خطوات داروين الصغيرة والتي هي الاصطفاء الطبيعي من ناحية الجانب الخلفي[17].

وعلى ضوء هذا سألت مير: “هل يمكن للاصطفاء الطبيعي أن يوضح لما كيف استطاعت نظرية التطور لقياس الجبل في بناء أول خلية حية”.

أجاب مير: “إذا كان الاصطفاء الطبيعي يعمل على مستوى التطور البيولوجي ولكنه بالتأكيد لن يعمل على مستوى التطور الكيميائي، الذي يحاول أن يوضح أصل الحياة الأولى من الكيماويات الأكثر سهولة. وكما قال ثيودوسيوس دوبزانساكي: “إن الاصطفاء الطبيعي الحيوي به نوع من التناقض”[18].

سألته: “كيف يحدث هذا؟”

قال: “يصرح اتباع داروين بأن الاصطفاء الطبيعي يحتاج إلى كائنات حية تتكرر ذاتياً حتى تعمل. فالكائنات الحية تتكاثر، ونتاجها به اختلافات، والكائنات التي تتأقلم مع بيئتها بطريقة أفضل تحيا وتُحفظ وتجتاز إلى الجيل التالي”.

“ومع ذلك، لكي يكون لديك نوع من التكاثر، يجب أن يكون هناك تقسيم للخلية. وهذا يفترض مسبقاً معلومات عن الحامض النووي DNA والبروتينات. ولكن هذه هي المشكلة فهذه هي نفس الأشياء التي يحاولون تفسيرها!”

“وبمعنى آخر، يجب أن يكون لديك كائنات حية تتكاثر ذاتياً لكي يحدث تطور داروين، ولكن لا تستطيع أن يكون لديك كائنات حية تتكاثر ذاتياً حتى تمتلك المعلومات الضرورية في الحامض النووي، وهو ما تحاول أن توضحه في المقام الأول. إنه مثل الشاب الذي يقع في حفرة عميقة ويدلاك أن بحاجة إلى سلم حتى يخرج من الحفرة. فيتسلق ويخرج ويذهب لمنزله ويحضر السلم، ثم يعود للحفرة مرة أخرى ويتسلق ويخرج”.

وأثرت احتمالاً آخراً: “ربما بدأ التكاثر أولاً في طريقة أكثر بساطة ثم تمكن الاصطفاء الطبيعي أن يقوم بالدور. فمثلاً، بعض الفيروسات الصغير تستخدم RNA كمواد جينية. وجزيئات RNA هي أكثر بساطة من DNA، وبإمكانها أيضاً تخزين المعلومات بل وأيضاً مضاعفتها. وماذا عما يسمى بافتراضية RNA والتي تقول بأن الحياة المتكاثرة بدأت أصلاً في مجال أقل تعقيداً من DNA؟”

قال مير: “هناك مشكلة كبيرة في هذا الموضوع. إنك لكي تستشهد فقط باثنين منها، يحتاج جزيء RNA معلومات حتى يعمل، تماماً مثل حاجة DNA، ونحن بذلك نعود إلى مشكلة التكرار والمضاعفة، ويجب أن يكون هناك جزيء مشابه وقريب من RNA. ولكي تكون لديك فرصة معقولة للحصول على جزيئين مشابهين من RNA بنفس الطول فهذا يتطلب مكتبة تحتوي على بلايين البلايين من جزيئات RNA وهذا يعلن عن عدم وجود أية فرصة لنظام التكرار الأولي”[19].

وبالرغم من انتشار هذا الرأي، فإن نظرية RNA قد أخذت نصيبها من الشك. روبرت شابيرو، أستاذ الكيمياء في جامعة نيويورك الذي يؤمن بنظرية التطور، قال إن هذه الفكرة “يجب أن نعتبرها إما فكرة للتأمل والتفكير أو أنه موضوع إيمان”[20]. كما أن الباحث في أصل الحياة جراهام كارنس سيمث قال “إن العديد من التجارب المفصلة والمثيرة في هذا المجال بينت أن النظرية[21] غير قابلة للتصديق بدرجة كبيرة كما لاحظ جوناثان ويلز، في لقائي السابق معه، وعالم الكيمياء الحيوية جيرالد جويس، بمركز بحوث سكريبس الذي كان أكثر حدة: “عليك أن تبني إنساناً من القش وعليه إنسان آخر من القش حتى يمكنك معرفة النقطة التي أصبح فيها RNA جزيء حيوي قابل للحياة”[22].

جاي روث، الأستاذ السابق في الخلايا وعلم الأحياء الجزيئي في جامعو كونيكتيت وهو أيضاً خبير في الأحماض النووية قال، سواء كانت الطبعة الأصلية للنظام الحي الأول هو RNA أو DNA، فالمشكلة ما زالت قائمة.

وقال: “حتى وإن خفضنا الأساسيات إلى أقصى حد فإن هذه الطبعة الأصلية لا بد وأنها كانت معقدة للغاية. لأن هذه الطبعة فقط هي القول المعقول الآن والذي يقترح بوجود خالق”[23].

الجزء الثاني: برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ2

[1] George sim Johnson, “Did Drwin Get It Right?” The Wall Street Journal (October 15, 1999).

[2] Quoted in Stephen C. Meyer, “Word Games: DNA, Design, and intelligence,” in William A Dembske and James M. Kushiner, Signs of intelligence, 102.

[3] Nicholas Wade, “A Revolution at 50; DNA Changed the World. Now What?” New York Times (February 25, 2003).

[4] See: Nancy Gibbs, “The Secret of Life,” Time (February 17,2003).

[5] Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis, 334.

[6]Unlocking the Mystery of Life, produced by Illustra Media, available at: www.illustramedia.com.

[7] Ibid.

[8] Quoted in Larry Witham, By Design, 172.

[9] The Discovery Institute is a think tank that deals with a wide variety of projects in the fields of technology, science and culture, legal reform, national defense, the environment and the economy, the future of democratic institutions, transportation, religion and public life, foreign affairs, and other areas. See: www.descovery.org.

[10] See: Fazale R. Rana and Hugh Ross, “Life from the Heavens? Not This way,” Facts for Faith, Quarter 1, 2002, an account of a 1999 international conference on the origin of life, where the mood among Darwinists was described as full of frustration, pessimism, and desperation.

[11] See: Bernd-Olaf Kiippers, Information and the Origin of Life (Cambridge, Mass.:1990), 170-72.

[12] Henry Quastler, the Emergence of Biological Organization (New Haven: Yale University Press, 1964), 16.

[13] Francis Darwin, The Life and Letters of Charles Darwin (New York: D. Appleton, 1887), 202.

[14] Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis, 206.

[15] See: J. Brooks, Origins of Life (Sydney: Lion, 1985).

[16] Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis, 261.

[17] See: Richard Dawkins, Climbing Mount Improbable (New York: W. W. Norton, 1996).

[18] See: S. W. Fox, editor, The Origins of Prebiological Systems and of their Molecular Matrices (New York: Academic Press, 1965), 309-15.

[19] For s summary of other arguments against the “RNA first” hypothesis, see: “Stephen C. Meyer Replies,” First Things (October 2000).

[20] Robert Shapiro, Origins: A Skeplics Guide to the Creation of Life on Earth (New York: Summit, 1986), 189.

[21] Ibid.

[22] See: Gerald F. Joyce, “RNA Evolution and the Origins of Life,” Nature 338 (1989), 217-24, and Robert Irion, “RNA Can’t Take the Heat,” Science 279 (1998), 1303.

[23] Jay Roth, “The Piling of Coincidence on Coincidence,” in: Henry Margenau and Roy Abraham Varghese, editors. Cosmos, Bios, Theos (Chicago: Open Court, 1992), 199.

برهان المعلومات الحيوية – تحدي الـ DNA جـ1

Exit mobile version