الحياة على الأرض من الميكروبات والإنسان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

الحياة على الأرض من الميكروبات والإنسان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

الحياة على الأرض من الميكروبات والإنسان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

الحياة على الأرض من الميكروبات والإنسان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

كتاب لغة الإله PDF – فرانسيس كولينز – للتحميل

 

صب التطور الذي حصل في العلم الحديث لصالح الأسباب التقليدية للإيمان بالإله. عندما لا يكون لدينا فكرة عن الكيفية التي وجد بها الكون فإن من السهل نسبة ذلك إلى فعل إلهي، أو مجموعة أفعال إلهية. وبالمثل، فإن وضع كبلر وبرینكوس وغاليليو الأرض في وسط السماء المرصعة بالنجوم بدا وكأنه يمثل حجة قوية لوجود الإله. إذا كان الإله وضع الأرض في الوسط، فلابد أنه بنى كل ذلك من أجلنا. عندما أجبرت العلوم الشمسية على إعادة النظر في هذا المفهوم، اهتزت قناعات العديد من المؤمنين.

لكن الركن الثالث من أركان الإيمان لازال يحظى بقيمة كبيرة: تعقيد الحياة الدنيوية، مما يعني لأي مراقب أن لهذا عمل مصمم ذكي. وكما سنرى لاحقاً، فإن العلم قلب ذلك رأساً على عقب. وهنا كما في الحجتين السابقتين، أريد أن أشدد على أن المؤمن بالإله لا ينكر العلم، وإنما يتبناه. إن الأناقة التي تقف خلف تعقيد الحياة مدعاة للإعجاب والاعتقاد بالله، ولكن ليس بالطريقة المبسطة والمباشرة التي كان يعتقد بها الكثيرون قبل نظرية دارون.

تعود “حجة التصميم على الأقل إلى أيام شيشرون، ولقد تم تقديمها بشكل مؤثر بواسطة ويليم بالي William Paley في كتابه المهم اللاهوت الطبيعي Natural Theology أو براهين الوجودEvidences of the Existence and Attributes of the Deity Collected from the Appearance of Nature. طرح بالی وهو فيلسوف أخلاقي قياساً شهيراً على النحو التالي: “افترض أنه وأثناء مروري بأرض قاحلة أصدمت قدمي بحجر، وسألني أحدهم كيف جاء هذا الحجر إلى هنا، من الممكن أن أجيب بالقول إنه كان هنا منذ قديم الزمان. ولن يكون من السهل جداً إظهار سخافة هذه الإجابة. ولكن افترض إنني وجدت ساعة يد على الأرض وسُئلت كيف وصلت هذه الساعة إلى هنا، هنا من الصعب عليّ أن أفكر بالإجابة على هذا السؤال بنفس إجابة السؤال السابق، لأن القول بأن ساعة اليد كانت هنا منذ القدم يستلزم القول بأن لهذه الساعة صانع: وعليه تكون الساعة وجدت في زمان ما وفي مكان ما، وهناك صانع أو صناع قاموا بصناعتها لهدف معين، وهذا الصانع هو من يعلم تركيبها وقام بوضع كل الدلائل التي تشير إلى صنعها. كل مظاهر التصميم الموجودة في ساعة اليد موجودة في عالم الطبيعة، مع أفضلية لعالم الطبيعة لكونه أكبر، ولأن حسابات تصميمه تفوق كل الحسابات. برهان التصميم كان مقنعة للبشرية طوال التاريخ. داروين نفسه، قبل رحلته على سفينتي بيغل كان معجبا بكتابات بالي، وصرح بأنه مقتنع بهذا الرأي. ومع ذلك فإن هناك عيب في حجة بالي، ويمكن توضيح ذلك باختصار على النحو التالي:

1- ساعة اليد معقدة

2- لساعة اليد صانع ذكي

3- الحياة معقدة

4- لذلك، الحياة أيضا لها صانع

ولكن في الحقيقة كون شيئين يتشاركان في خاصية واحدة لا يستلزم أنهما يتشاركان في جميع الخصائص. لنأخذ المثال المشابه التالي:

1- التيار الكهربائي الموجود في بيتي يتكون من تدفق للإلكترونات

2- التيار الكهربائي يأتي من شركة الكهرباء

3- البرق يتكون من تدفق للإلكترونات

4- لذلك، البرق يأتي من شركة الكهرباء

على الرغم من أن الحجة تبدو جذابة، ولكنها لا تقول القصة بكاملها. لكي تختبر تعقيد الحياة وأصولنا في هذا الكوكب عليك أن تنقب عميقاً في الاكتشافات الرائعة حول طبيعة الكائنات الحية، وهي الاكتشافات التي نتجت عن الثورة الحديثة في علم المتحجرات وعلم الأحياء الجزيئي، وعلم الجينوم. على الشخص المؤمن أن لا يخشى من أن تسقط هذه الاكتشافات العرش الإلهي. إذا كان الله سبحانه وتعالى حقيقة، فسيكون من الصعب أن يتعرض للخطر من قبل مساعينا السقيمة في فهم طريقة عمل عالمه الطبيعي. ونحن كساعين للحقيقة ربما نعثر في العلم على أجوبة مقنعة على سؤال “كيف تعمل الحياة؟” ما لا نستطيع أن نكتشفه بواسطة العلم فقط هي الإجابة على الأسئلة “لماذا توجد حياة. لماذا نحن موجودون؟

أصل الحياة على كوكب الأرض

يبدأ العلم في الإجابة على السؤال عن تعقيد الحياة بجدول زمني. نحن نعلم في الوقت الحاضر أن عمر الأرض يبلغ 14 مليون سنة. قبل قرن من الزمن لم نكن نعلم عمر كوكبنا. ولكن الاكتشاف اللاحق للنشاط الإشعاعي والاضمحلال الطبيعي لبعض النظائر الكيميائية قدم لنا وسيلة أنيقة ودقيقة لتحديد عمر الصخور المختلفة على سطح الأرض. لقد تم شرح الأساس العلمي لهذه الطريقة بشكل مفصل في كتاب برنت داریمبل Brent Dalrymple عمر الأرض The Age of Earth، اعتماداً على معرفة نصف عمر ثلاثة عناصر كيميائية مشعة أنحلت بشكل مطرد، وتحولت إلى عناصر مختلفة ومستقرة: اليورانيوم تحول ببطء إلى الرصاص، والبوتاسيوم تحول ببطء إلى الأرجون، وتحول السترونتيوم الغريب إلى عنصر نادر يسمى الروبيديوم. عن طريق قياس كميات من أي من هذه الأزواج من العناصر، يمكننا تقدير عمر أي صخرة معينة. كل هذه الأساليب المستقلة تعطي نتائج متناغمة بشكل لافت للنظر، وجميعها يشير إلى أن عمر الأرض هو 4550000000 سنة، مع نسبة خطأ قريبة من الواحد بالمئة فقط. أقدم الصخور على سطح الأرض الحالي يعود تاريخها إلى ما يقرب من 4 مليارات سنة، ولكن ما يقرب من سبعين نيزك وعدد من الصخور القمرية يعود تاريخها إلى 4.5 مليارات سنة.

جميع الأدلة المتوفرة حالياً تشير إلى أن الأرض كانت مكاناً غير ملائم تماماً للعيش فيها في الخمسمائة مليون سنة الأولى. لقد تعرض الكوكب لهجوم مستمر ومدمر من كويكبات ونيازك عملاقة، وأحد هذه الهجمات جعلت القمر يخرج عن نطاق الأرض. ولذلك لا غرابة في أن الصخور التي تعود إلى 4 مليارات سنة لا يوجد فيها أي دلائل على الحياة.

فقط في وقت لاحق، أي ما يقارب من 150 مليون سنة، تم العثور على أنواع حياة ميكروبية. ومن المفترض أن هذه الكائنات ذات الخلية الواحدة كانت قادرة ربما باستخدام الحمض النووي على تخزين المعلومات، وكان قادرة على تكرار ذاتها، وقادرة على التطور إلى أنواع مختلفة متعددة. حديثاً، وضع کارل ووز Carl Woese فرضية محتملة لعمر محدد للأرض، وذلك عندما أصبح تبادل الحمض النووي بين الكائنات الحية سهلاً. بشكل أساسي، يتكون المحيط الحيوي للحمض النووي من عدد كبير من الخلايا الصغيرة المستقلة، ولكنها تتفاعل على نطاق واسع مع بعضها البعض.

إذا طور كائن معين بروتين أو سلسلة من البروتينات التي توفر ميزة معينة، فإنه يمكن لهذه الميزات الجديدة الانتقال بسرعة إلى جيرانها. بهذا المعنى، فإن التطور الذي حدث في وقت مبكر كان نشاطاً جماعياً أكثر منه نشاطاً فردياً. تم توثيق هذا النوع من “انتقال الجينات الأفقي” بشكل جيد في معظم الأشكال القديمة من البكتيريا الموجودة الآن على الأرض (العتائق)، وربما أتاح ذلك الفرصة لانتشار خصائص جديدة بسرعة.

ولكن كيف حدث التوالد الذاتي في المقام الأول؟ من المنصف القول إننا لا نعلم في الوقت الحالي كيف حدث ذلك. لا توجد فرضية حديثة اقتربت من تفسير كيف استطاع المكان الذي وجد قبل 150 مليون سنة من بيئة قبل حيوية أن يوجد حياة على سطح الأرض. هذا لا يعني عدم وجود فرضيات معقولة، ولكن الاحتمالات الإحصائية التي يمكن الاعتماد عليها لازالت تبدو بعيدة المنال.

قبل خمسين عاماً، شكلت التجارب الشهيرة التي قام بها ستانلي میلر Stanley Miller وهارولد أوري Harold Urey لخليط من المركبات العضوية والماء ما يمكن أن يكون الظروف البدائية للحياة على الأرض. استطاع هذان العالمان تكوين كميات قليلة من مركبات حيوية مثل الأحماض الأمينية من خلال تسليط شحنة كهربائية. مثل العثور على كميات صغيرة من مركبات مماثلة داخل النيازك القادمة من الفضاء الخارجي، حجة أيضا على أن مثل هذه الجزيئات العضوية المعقدة يمكن أن تنشأ من العمليات الطبيعية في الكون.

بعد هذه النقطة، تصبح التفاصيل ناقصة تماماً. كيف يمكن لجزيء حامل للمعلومات وذاتي الانقسام أن يتكون من هذه المركبات؟ الحمض النووي الذي يتكون عموده الفقري من السكر الفوسفاتي مرتب على شكل طبقات فوق بعضها بشكل منسق على صورة أزواج من الحلزون المزدوج، يبدو وكأن جزئياً قد خرج إلى الوجود كشكل أولي للحياة على نحو غير متوقع، وخاصة أن الحمض النووي لا يملك القدرة على نسخ نفسه، على عكس الحمض الريبي RNA، حيث يمكن للحمض الريبي أن يحمل المعلومات، وفي بعض الحالات يمكن أن يحفز تفاعلات كيميائية، في حين لا يستطيع الحمض النووي ذلك. الحمض النووي مثل الذاكرة الدائمة الموجودة في جهاز الكمبيوتر: إذ أنها يفترض أن تكون وسيلة ثابتة لحفظ المعلومات (وكما هو الحال مع الكمبيوتر يمكن أن يصاب الحمض النووي بالأخطاء البرمجية). على عكس ذلك، فإن الحمض الريبي أشبه بالذاكرة المؤقتة التي بمقدورها أن تقوم بنشاطات بمفردها. وعلى الرغم من الجهود المضنية التي بذلها عدد من الباحثين إلا أنه لم يمكن لحد الآن التوصل إلى مكونات الحمض الريبي في تجربة ميلر -أوري، كما لم يمكن تصميم حمض ريبي قادر على التوليد الذاتي.

دفعت الصعوبات الكبيرة في تحديد مسار مقنع لأصل الحياة بعض العلماء، وأبرزهم فرانسیس کريك Francis Crick (الذي أكتشف مع جيمس واتسون الحمض النووي المزدوج الحلزون)، إلى القول بأن أشكال الحياة وصلت إلى الأرض من الفضاء الخارجي، إما عبر جزيئات صغيرة عائمة عبر الفضاء بين النجوم وتقع تحت تأثير جاذبية الأرض أو أن ذلك تم بشكل مقصود أو غير مقصود من قبل بعض المسافرين القدماء الآتين من الفضاء. على الرغم من أن هذا التفسير قد يحل معضلة الحياة على الأرض، إلا أنه لا يقدم شيئا لحل السؤال الجوهري عن أصل الحياة، لأنه يدفع بالحدث المذهل إلى حقبة زمنية أقدم بكثير. وهي نقطة نظام نطرحها في وجه المعترضين على إمكانية الوجود العفوي للحياة على الأرض استناداً إلى القانون الثاني للميكانيكا الحرارية.

ينص القانون الثاني على أنه في نظام مغلق، حيث لا طاقة ولا مادة يمكنهما الدخول أو الخروج، فإن كمية من الاختلال سوف تميل إلى الزيادة مع مرور الوقت. بما أن أشكال الحياة في غاية الترتيب فإن البعض يعتبر أن من المستحيل أن تكون الحياة وجدت من دون خالق خارق القدرة. ولكن هذا ينم عن سوء فهم لمعنى القانون الثاني: الترتيب يمكن أن يزيد في بعض أجزاء النظام، ولكن هذا يحتاج إلى طاقة، وإلى أن لا تقل كمية الخلل في النظام ككل. في حالة أصل الكون، الكون ككل هو النظام المغلق، ويتم توفير الطاقة من الشمس، وبالتالي فإن الزيادة الداخلية المطلوبة ممثلة بالتجمع العشوائي للجزيئات لا يمكن أن يخالف القانون بأي حال من الأحوال.

عدم قدرة العلم حتى الآن على تفسير السؤال العميق عن أصل الحياة دفع بعض المؤمنين بالإله إلى القول بأن ظهور الحمض النووي والحمض الريبي هو تأكيد على القدرة الإلهية. إذا كان هدف الإله من خلق الكون هو خلق البشر، وإذا كان التعقيد المطلوب لبدء عملية الحياة يتجاوز قدرة المواد الكيميائية في الكون في صناعة الذات، ألا يمكن أن يكون الله قد تدخل لبدء هذه العملية؟

قد تبدو هذه الفرضية قوية، عطفاً على عدم قدرة العلماء على الادعاء بأن التفسير الطبيعي لتفسير أصل الحياة في متناول اليد. ولكن هذا التفسير قد يكون مقبولاً في الوقت الحالي، ولكنه قد لا يكون كذلك في الغد. ولذلك لابد أن نكون حذرين في التعامل مع الفعل الإلهي بشكل محدد في هذا المجال أو في مجالات أخرى لازال العلم قاصراً عن الوصول إليها. من كسوف الشمس في الأزمنة القديمة إلى حركة الكواكب في العصور الوسطى، وإلى أصل الحياة اليوم، كثيراً ما يسيء “إله الفجوات” God of Gaps للدين (وبالتالي يسيء للإله). الدين الذي يضع الله في ثغرات الفهم الحالي عن العالم الطبيعي قد يتسبب في أزمة في حال استطاع العلم ملاء تلك الثغرات في وقت لاحق.

في مواجهة عدم القدرة على فهم العالم الطبيعي ينبغي أن يكون المؤمنون بالإله حذرين في الاستناد إلى فرضية التدخل الإلهي في مجالات التي يلفها الغموض حالية، حتى لا تسبب ذلك في ضرر مستقبلي. هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بالله، بما في ذلك وجود المبادئ الرياضية والنظام في الخلق. هذه الأسباب إيجابية وتستند إلى أسس معرفية، وليس على أساس فرضيات تفتقر للدلائل. باختصار، على الرغم من أن السؤال عن أصل الحياة سؤال رائع، وعلى الرغم من عدم قدرة العلم الحديث على تطوير آلية إحصائية محتملة، إلا أن هذا ليس مكان ليمارس الإنسان المؤمن بالإله لإيمانه.

السجل الأحفوري

في حين أن العلماء الهواة والمحترفين توصلوا لاكتشاف الحفريات منذ عدة قرون، إلا أن هذه الاكتشافات بلغت مرحلة متقدمة في السنوات العشرين الماضية. الكثير من الفجوات التي كانت موجودة في فهم تاريخ الحياة على الأرض تم ملؤها بواسطة اكتشاف الأنواع المنقرضة من الكائنات الحية. وأكثر من ذلك، أصبح من المتاح التعرف على عمر هذه الأحافير بناءً على نفس عملية الاضمحلال الإشعاعي التي ساعدت في تحديد عمر الأرض. الغالبية العظمى من الكائنات الحية التي عاشت لم تترك أي أثر يدل على وجودها، لأن الأحافير تنشأ في ظروف غير عادية للغاية (على سبيل المثال، الكائن الذي يقع في نوع معين من الطين أو الصخور، ولا يتم التقاطه من قبل الحيوانات المفترسة تتعفن عظامه ومعظم هذه المخلوقات تتحلل). وعلى ضوء هذا الواقع، يبدو من المدهش أن يكون لدينا مثل هذه الثروة من المعلومات حول الكائنات الحية التي عاشت على الأرض.

الجدول الزمني التي كشفت عنه السجل الأحفوري غير مكتمل تماماً، ولكن يظل مفيد جداً. على سبيل المثال، فقط الكائنات الحية وحيدة الخلية تظهر في الرواسب التي تكونت قبل حوالي 550 مليون سنة، على الرغم من أنه من الممكن أن تكون هناك كائنات حية أكثر تعقيدا كانت موجودة قبل هذا الوقت. قبل ما يقرب من 550 مليون سنة مضت، ظهر فجأة عدد كبير من الأجسام اللافقارية المتنوعة على مخطط السجل الأحفوري.

غالبا ما يشار إلى هذا الحادثة على أنها “الانفجار الكمبري”، وتم تدوين ذلك بشكل مفهوم للغاية بواسطة الراحل ستيفن جاي غولد Stephen Jay Gould وهو أكثر كتاب عصره شاعرية، وذلك في كتابه “حياة رائعة” Wonderful Life. وفي الكتاب تساءل غولد كيف يمكن للتطور أن يكون مسؤولا عن التنوع في مخططات الجسم Body plans التي ظهرت في مثل هذه الفترة القصيرة من الزمن.

كان هناك خبراء آخرون أقل حماسية بكثير للادعاء بأن الانفجار الكمبري يمثل انقطاعاً في عملية تعقيد الحياة، على الرغم من أن كتاباتهم لم تكن معروفة على نطاق واسع للجمهور العام. ما يسمى بالانفجار الكمبري على سبيل المثال يعكس تغيراً في الشروط التي سمحت لكثير من الأنواع بالتحجر والتي كانت موجودة لملايين السنين. في حين بذلت محاولات من قبل بعض الموحدين لتأكيد أن الانفجار الكمبري هو دليل على تدخل قوة خارقة للطبيعة، ولكن الدراسة المتأنية للوقائع لا تبدو أنها تدعم ذلك. هذه صيغة جديدة من حجة “إله الفجوات”. مرة أخرى، من غير الحكمة أن يعلق المؤمنون بالله إيمانهم على مثل هذه الفرضية. تشير الأدلة الحالية إلى أن الأرض ظلت جرداء حتى قبل حوالي 400 مليون سنة، حين ظهرت النباتات على اليابسة مستمدة وجودها من أشكال الحياة المائية. بعد ما يقرب من 30 مليون سنة على نحو التقريب، انتقلت الحيوانات إلى اليابسة، وهذه الخطوة تشير إلى فجوة أخرى: يبدو أن هناك عدد قليل من الأشكال الانتقالية بين المخلوقات البحرية والبرية رباعية الأرجل في السجل الأحفوري. الاكتشافات الحديثة وثقت بشكل مقنع أمثلة على هذا النوع من التحول.

بداية من نحو 230 مليون سنة، هيمنت الديناصورات على الأرض. ويوجد قبول عام لدى الباحثين الآن بأن انقراضها كان نهاية مفاجئة وكارثية قبل ما يقرب من 65 مليون سنة مضت، في وقت اصطدام كوكب الأرض مع كويكب كبير وقع في محيط ما يعرف الآن بشبه جزيرة يوكاتان. تم التعرف على الغبار الدقيق الذي نتج عن هذا التصادم الرهيب في أجزاء مختلفة من العالم. التغيرات المناخية الكارثية التي نتجت على ما يبدو من كمية الغبار الهائلة في الغلاف الجوي كانت أكثر من اللازم لأنواع الديناصورات المهيمنة، مما أدى إلى انقراضها، وارتفاع فرص وجود الثدييات.

إن اصطدام الكويكب القديم هو حدث محير. إنه السبب الوحيد الذي قد يكون أدى إلى انقراض الديناصورات وظهور الثدييات. ربما لم نكن موجودين الآن لو لم يضرب هذا الكويكب المكسيك. معظمنا لديه اهتمام خاص بالسجل الأحفوري للبشر، وهنا أيضا ظهرت اكتشافات في العقود القليلة الماضية كشفت الكثير من الحقائق. تم اكتشاف عظام أكثر من اثني عشرة نوع من أنواع أسلاف الإنسان المختلفة في أفريقيا، مع ملاحظة وجود زيادة مطردة في حجم الجمجمة. تم اكتشاف أول العينات في تاريخ الإنسان قبل ما يقرب من 195000سنة تقريباً.

يبدو أن الفروع الأخرى التي تطورت من أسلاف الإنسان واجهت طريقاً مسدوداً: البشر البدائيون الذين كانوا موجودون في أوروبا حتى قبل 30000 سنة، وحديثا تم اكتشاف “الهوبيت” وهو عبارة عن مخ صغير لأناس عاشوا في جزيرة فلوريس في إندونيسيا حتى انقرضوا منذ ما يقرب من 13000سنة.

رغم أن هناك العديد من العيوب في السجل الأحفوري، ورغم وجود العديد من الألغاز المطلوب حلها، إلا أن جميع النتائج تقريبا تنسجم مع مفهوم شجرة الحياة المتعلقة بالكائنات الحية. يوجد دليل جيد على أشكال انتقالية من الزواحف للطيور، ومن الزواحف إلى الثدييات. الحجج التي تسند إلى نموذج لا يستطيع تفسير وجود بعض الأنواع، مثل الحيتان، يتعرض للسقوط كلما كشفت التحقيقات عن وجود أنواع انتقالية، في كثير من الأحيان في الزمان والمكان الذي تتنبأ به نظرية التطور.

فكرة داروين التطورية

ولد داروين في عام 1809، وقد درس في البداية ليصبح كاهناً في كنيسة إنجلترا، ولكن تولد لديه اهتمام عميق بالطبيعيات. على الرغم من أن داروين الشاب اقتنع في البداية بحجة “ساعة يد” بالي، ورأى أن التصميم الموجود في الطبيعة دليل على وجود مصدر إلهي، فإن وجهات نظره بدأت تتغير عندما سافر على سفينتي بيغل 1831-1836. زار داروين أمريكا الجنوبية وجزر غالاباغوس، حيث درس بقايا متحجرة من الكائنات القديمة، ولاحظ تنوع أشكال الحياة في بيئات معزولة.

بناء على هذه الملاحظات، وعلى أساس عمل إضافي قام به على مدى أكثر من عشرين عاما، طور داروين نظرية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي. في عام 1859، واجه داروين إمكانية أن يسبقه ألفرد راسل والاس إلى النظرية، ولكنه في النهاية كتب ونشر أفكاره في الكتاب عميق التأثير “أصل الأنواع” The Origin of Species.

ومع معرفته بأن الحجج في كتابه هذا من المحتمل أن يكون لها أصداء واسعة، كتب داروين تعليقا في نهاية الكتاب يقول فيه “وجهات النظر التي قدمتها في هذا الكتاب، وكذلك وجهات نظر السيد والاس، بخصوص أصل الأنواع، تمكننا من أن نتنبأ بأن قدراً قليلاً من التقدم لن يؤدي إلى ثورة كبيرة في التاريخ الطبيعي”.

اعتبر داروين أن جميع أنواع الكائنات الحية تنحدر من مجموعة صغيرة من أسلاف أكثر شيوعا، وربما تنحدر من مجموعة واحدة منها فقط. لقد اعتبر داروين أن التنوع داخل النوع الواحد يحدث بشكل عشوائي، وأن البقاء على قيد الحياة أو انقراض كل الكائنات الحية يعتمد على قدرتها على التكيف مع البيئة. لقد عبر داروين عن ذلك بالانتقاء الطبيعي. إدراكاً منه بالطابع الانفجاري لهذه الحجة، ألمح داروين إلى أن هذه العملية نفسها قد تنطبق على البشر، وطور ذلك بقدر أكبر من التفصيل في كتاب لاحق عنوانه “أسلاف الإنسان” The descent of Man.

أثار كتاب “أصل الأنواع” نقاشاً مباشراً ومحتدماً، ولكن ردة الفعل من قبل السلطات الدينية لم يكن بشكل عام سلبية كما يصور في الوقت الحالي. في الواقع، قبل رجل الدين اللاهوتي البروتستانتي المحافظ بنیامین ارفیلد برينستون Warfield of Princeton التطور على أنه “نظرية في الطريق إلى العناية الإلهية، ” بينما تمسك بحجة أن التطور في حد ذاته يجب أن يكون له خالق خارق القدرة. يوجد العديد من الأساطير حول رد فعل الجمهور على داروين. على سبيل المثال، كانت هناك محاورة شهيرة بين توماس هكسليH. Huxley Thomas (المروج المتحمس للتطور) والمطران صموئيل ويلبر فورس Wilberforce Bishop Samuel، وربما لم يقل هكسلي أنه لا يشعر بالعار من أنه من أحفاد قرد، ولكنه سوف يشعر بالعار إذا كان قريباً لأي شخص لا يقول الحقيقة. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من كونه منبوذاً من قبل المجتمع الديني، إلا أن دفن داروين في دير وستمنستر.

كان داروين نفسه يشعر بقلق بالغ إزاء تأثير نظريته على المعتقد الديني، وطوال كتاب “أصل الأنواع” عانى كثيراً ليشير إلى تفسير متناغم ممكن “أنا لا أرى أي سبب وجيه لأن تتسبب الآراء الواردة في هذا الكتاب في صدمة للمشاعر الدينية لأي شخص …. المؤلف الربوبي المشهور كتب لي أنه “لقد تعلمت تدريجياً أن أرى أن ذلك مجرد شعور نبيل للإله خلق أشكال أصلية أصبحت قادرة على تطوير ذاتها إلى أشكال أخرى محتاجة لها، إلى حد الاعتقاد أنه مطلوب عمل جديد من الخلق يؤدي إلى سد الفراغات الناجمة عن قوانينه”.

بل إن داروين ختم كتابه أصل الأنواع بالجملة التالية: “هناك عظمة في هذه النظرة مع وجود قوى عدة، جاءت إلى الحياة بواسطة الخالق على صورة أشكال أو شكل واحد، وأنه بينما هذا يدور الكوكب وفق قانون الجاذبية الثابت، فإنه ومن تلك البداية البسيطة، تكونت وتطورت أشكال لا حصر لها أكثر جمالا وروعة”. ظلت الآراء الشخصية لداروين غامضة، ويبدو أنها كانت متقلبة حتى السنوات الأخيرة من حياته. وفي إحدى المرات كتب يقول “لا أدري هو الوصف الأقرب لوضعي الإيماني”. وفي مرة أخرى كتب يقول إنه شعر بتحدي كبير من الصعوبة البالغة أو ربما استحالة تقبل فكرة أن هذا الكون العظيم الهائل بما في ذلك الإنسان القادر على النظر إلى الماضي وإلى الحاضر على أنه مجرد صدفة عمياء أو على انه ضرورة. عندما يدور ذلك في خلدي أجدني مقتنعاً بأن هناك مسبب أول صاحب عقل ذكي مشابه بنحو ما للإنسان، وأستحق أن يقال لي مؤمن”.

لا يوجد عالم بيولوجي اليوم يشك في قدرة نظرية التطور على شرح التعقيد الرائع لتنوع الحياة. في الحقيقة، علاقة جميع الأنواع ببعضها من خلال آلية التطور هو أساس عميق لفهم علم الأحياء بأكمله، بحيث أنه من الصعب أن نتصور كيف يمكن لأحد أن يدرس الحياة من دونه. ولكن هل يوجد وجهة نظر علمية أثارت الكثير من التصادم مع وجهات النظر الدينية أكثر من نظرية داروين الثورية؟ منذ عرض السيرك “محاولة القرد” ” Monkey trial” في عام 1925 مروراً بالمناظرات التي تعقد في الولايات المتحدة حول تدريس نظرية التطور في المدارس، يبدو أن هذه المعركة حول نظرية داروين لن تنتهي.

الحمض النووي – المادة الوراثية

كانت نظرية داروين أكثر تميزاً في ذلك الوقت، لأنها كانت تفتقر إلى الأساس الفيزيائي. تطلب الأمر جهد لقرن من الزمان لاكتشاف كيف يمكن أن يكون هناك تعليمات للحياة تجعل نظرية داروين تتوافق مع فكرة التغير. كان الراهب الغامض نسبيا جريجور مندل Gregor Mendel، والذي كان يعيش فيما تسمي حالياً بالجمهورية التشيكية، معاصراً لداروين، وكان قد قرأ كتاب “أصل الأنواع”، لكنهما ربما لم يتقابلا. كان مندل أول من أوضح أن الوراثة يمكن أن تنتقل على شكل حزم منفصلة من المعلومات. عبر تجارب مضنية على نباتات البازلاء في حديقة منزله في دير الكنيسة، وقد خلص مندل إلى أن عوامل وراثية تتشارك في سمات على نحو سلس أو متعسف في البازلاء، مما يعني أن ذلك يحكمه قواعد حسابية. لم يكن مندل يعرف ما هي الجينات، ولكنه أوضح أن شيئا ما من قبيل الجينات يجب أن يكون موجوداً.

لقد تم تجاهل أبحاث مندل لمدة 35 سنة. وبعد ذلك، وفي مصادفة عجيبة تحدث أحياناً في تاريخ العلم، تم إعادة اكتشاف نتائج أبحاث مندل بواسطة ثلاثة علماء خلال أشهر في نهاية القرن العشرين. في دراساته الشهيرة على “الأخطاء الوراثية في الأيض، للأمراض النادرة التي حدثت في بعض الأسر أثناء ممارسته للطب، كان أرشيبالد غارود Archibald Garrod واثقاً بشكل قاطع أن قواعد مندل تنطبق على البشر، وأن هذه الاختلالات جاءت كنتيجة لنفس النوع من الوراثة الذي كان مندل لاحظه في النباتات.

أضاف مندل وغارود خصوصية رياضية لفكرة التوريث في البشر، مع أن الخصائص الموروثة مثل الجلد ولون العين مألوفة بالفعل بالنسبة لأي شخص يدقق في الجنس البشري. ظلت الآلية التي تتحكم بهذه الأنماط غامضة، ومع ذلك، لم يقلل أحد من نجاح الأساس الكيميائي للوراثة. افترض معظم الباحثين في النصف الأول من القرن العشرين أن الصفات الموروثة يجب أن تنتقل عبر البروتينات، باعتبار أنها تبدو أكثر الجزيئات الحية تنوعاً.

حتى عام 1944 لم تكن التجارب المكروبيولوجية التي أجراها أوزوالد أفيري، کولن ماكلويد، ومكارتی قد أظهرت أن الحمض النووي، وليس البروتين هو القادر على نقل الخصائص الموروثة. وعلى الرغم من أن وجود الحمض النووي كان معروفاً لما يقرب من مائة سنة، إلا أنه لم يكن يعتبر سوى مجموعة حزم لا أهمية لها. وبعد أقل من عشر سنوات ظهر جواب جميل وأنيق للسؤال حول الطبيعة الكيمائية لعملية التوريث. لقد تم كسب الرهان في السباق المحتدم لتحديد طبيعة تركيب الحمض النووي في عام 1953 من قبل جيمس واطسون James Watson وفرانسیس کريك Francis Crick بالشكل الذي تم تدوينه في كتاب واتسون “مسلية الحلزون المزدوج”. قام واتسون، کريك، وموريس ویلکنز، بتوظيف البيانات التي تنتجها روزالیند فرانکلین Rosalind Franklin، لاستنتاج أن جزيء الحمض النووي له شكل مزدوج الحلزون، على شكل سلم ملتوي، وأن المعلومات الناقلة للقدرة يتم تحديدها من قبل سلسلة من المركبات الكيميائية التي تتكون من درجات السلم. ككيميائي يعرف صفات الحمض النووي الاستثنائية، وحلوله الرائعة لمشكلة ترميز تصميم الحياة، أشعر بالرهبة من هذا الجزيء. دعوني أحاول أشرح لكم مدى أناقة الحمض النووي.

جزيئات الحمض النووي كما هو موضح في الشكل 4.1 لها عدة خصائص مميزة. العمود الفقري الخارجي مكون من جزيئات على شكل أشرطة متراتبة مكونة من سكر الفوسفات، ولكن ما يثير الدهشة ما هو موجود في الداخل. تتكون درجات السلم من مزيج من أربعة مكونات كيميائية، تدعى “قواعد”. دعونا نسميها (بأسمائها الكيميائية الفعلية في الحمض النووي قواعد G, C, A, T، وكل من هذه القواعد الكيميائية لديه شكله الخاص به).

تخيل الآن أن من بين هذه الأشكال، الشكل A يمكنه أن يتلاءم بشكل دقيق فقط مع درجة السلم المجاورة للشكل T، والشكل G يمكنه أن ينسجم إلى جوار الشكل C. هذه هي “ثنائيات القاعدة”. ولذلك يمكنك تصور الحمض النووي على شكل سلم حلزوني، بحيث أن كل درجة فيه تتشكل من زوجين من قاعدة واحدة. هناك أربعة درجات محتملة: A -T , T – A , C – G , G – C إذا تعرضت إحدى القواعد للتلف، فإنه يمكن إصلاح التلف بسهولة من خلال المكمل في التركيب الزوجي: البديل الوحيد للقاعدة T قاعدة أخرى من نوع T. ولعل الأكثر أناقة، أن الحلزون المزدوج يسارع على الفور إلى طريقة للقيام بالنسخ الذاتي، لأن كل قسم يمكن استخدامه كقالب لإنتاج قسم جديد. إذا قسمت جميع الأزواج إلى النصف، وقطعت السلم نزولا إلى أسفل وسط كل درجة، فإن كل نصف من السلم سوف يحتوي على كافة المعلومات اللازمة لإعادة بناء نسخة كاملة من الأصل.

كتقريب للفكرة، يمكن للمرء أن يتصور الحمض النووي على أنه عبارة عن مخطط أوامر، أو إحدى البرمجيات، القابعة في نواة الخلية. لغة الحمض النووي الترميزية تتكون من أربعة حروف فقط. الأمر يتكون الأمر المحدد المسمى جين من الآلاف الأحرف. جميع الوظائف المتطورة للخلية، حتى في مثل عضو الكائن حي مثلنا، يجب أن تلتزم بترتيب الحروف الموجودة في هذا النص.

في البداية، لم يكن لدى العلماء أية فكرة عن كيفية عمل “البرنامج”. ولكن تم حل هذا اللغز بدقة عن طريق تحديد الحمض النووي الريبي الذي يعمل كناقل. يتم نسخ معلومات الحمض النووي التي تشكل نسخة من الجين عبر جزيئات الحمض الريبي، على شكل نصف سلم تتدلى درجاته من جانب واحد. يتحرك نصف السلم من نواة الخلية (مخزن المعلومات إلى السيتوبلازم مزيج هلامي معقد من البروتينات، والدهون، والكربوهيدرات)، حيث يدخل إلى مصنع أنيق للبروتين يسمى الريبوسوم. يقوم فريق من المترجمين المحترفين في المصنع بقراءة قواعد نصف سلم الحمض الريبي الناقل ليتم تحويل المعلومات الواردة في هذا الجزيء إلى بروتين معين، يتكون من الأحماض الأمينية. كل ثلاث درجات من الحمض الريبي تشكل حمض أمينية واحدة. البروتينات هي من تقوم بالعمل في الخلية وتجعلها تحافظ على تكامل تركيبها. (شكل 4, 2)

هذا وصف موجز يتناول قشور من أناقة الحمض النووي، والحمض الريبي، والبروتين، وهو ما يشكل باستمرار مصدر للرهبة والإعجاب. هناك أربعة وستين من المجموعات الثلاثية الحروف  G, T, C, A ولكن هناك عشرين حمضاً أمينياً فقط . وهذا يعني أن هناك وفرة داخلية. كشفت التجارب على العديد من الكائنات الحية، من البكتيريا إلى البشر أن “الشفرة الوراثية”، والتي يتم فيها تحويل المعلومات الموجودة في الحمض النووي والحمض النووي الريبي إلى بروتين، موجودة في جميع الكائنات الحية المعروفة. لا وجود لبرج بابل tower of Babel في لغة الحياة. GAG يعني حمض الجلوتاميك في لغة بكتيريا التربة.

مكنت هذه التطورات العلمية مثلت ولادة جديدة لعلم البيولوجيا الجزيئية. اكتشاف الكائنات الكيميائية العجيبة، بما في ذلك البروتينات التي تعمل مثل مقص أو صمغ العلماء مع معالجة الحمض النووي والحمض الريبي من خلال دمج التعليمات الموجودة في كل منهما من مصادر مختلفة. أدت مجموعة طرق التعامل مع الجزيئات الحيوية إلى ولادة حقل جديد هو التكنولوجيا الحيوية، وبمساعدة تطورات في مجالات أخرى بشر ذلك بثورة في مجال معالجة العديد من الأمراض.

الحقيقة البيولوجية وتبعاتها

سوف يجد المؤمن الذي اعتبر أن حجة التصميم حجة مقنعة على دور الإله في خلق الحياة، أن الاستنتاجات التي توصلنا لها في هذا الفصل غير كافية. لا شك أن العديد من القراء الذي يفكرون بشكل مستقل أو الذين نشأوا في بيئة دينية مقتنعون بان جمال الوردة الرائع وطيران النسر لا يمكن أن يوجد إلا من قبل قوة خارقة ذكية تقدر التعقيد والتنوع والجمال. حتى الآن تم عرض آلية عمل الجزيئات وأساليب الوراثة والانتخاب الطبيعي، ولشرح كل ذلك، ربما سيكون لك ميل للصراخ “كفى، إن تفسيراتكم العلمية تخرج السحر الإلهي من عالمنا”.

لا تقلق، فهناك الكثير من السحر الإلهي مازال موجودة. كثير من الذين بحثوا في البراهين العلمية والدينية لازالوا يؤمنون بان الإله خلاق ويقوم بالكثير من العمل. بالنسبة لي، ليس هناك أي شعور بخيبة الأمل في هذه الاكتشافات المتعلقة بطبيعة الحياة، بل على العكس تماماً! ما أروع هذه الحياة المعقدة المدهشة! ما أجمل أناقة الحمض النووي! ما أجمل مكونات الكائن الحي الساحرة بداية من الريبوسوم الذي يحول الحمض الريبي إلى البروتين إلى تحول اليرقة إلى فراشة إلى ريش الطاووس الرائع الذي يجذب إليه رفيقه. التطور مثل الآلية يمكن أن تكون بل لابد أن تكون حقيقة، ولكن ذلك لا يبين طبيعة صانعها. لأولئك الذين يؤمنون بالله، هناك أسباب عديدة لتكونوا أكثر إعجاباً.

إلى الفصل السابق: أصل الكون

إلى الفصل التالي: 

صور التطور – لي ستروبل

صور التطور – لي ستروبل

صور التطور – لي ستروبل

صور التطور – لي ستروبل

 

“المشكلة هي أن تقنع الناس برفض التفسيرات اللاعقلانية والفوق طبيعية للعالم، والشياطين التي تعيش فقط في خيالاتهم، وأن يقبلوا جهازاً اجتماعياً ومعرفياً، وهو العلم، كالمصدر الوحيد للحق”.

ريتشارد لونتن (أخصائي علم الوراثة بجامعة هارفارد) [1]

“العلم…. أصبح مرادفاً لفلسفة تعرف بالمادية أو الطبيعية العلمية. وهذه الفلسفة تصر بأن الطبيعة هي كل ما لدينا، أو على الأقل الشيء الوحيد الذي يمكننا أن نستقي منه أية معرفة. ويتبع ذلك أن الطبيعة اضطرت لخلق ذاتها، ووسيلتها لهذا الخلق لا بد ألا تشتمل على أي دور لله”.

فيليب جونسون (ناقد نظرية التطور) [2]

 

عد بالتاريخ إلى العام 1966. كان البرنامج الإذاعي الأشهر هو البرنامج الغنائي “Michelle” لبول مكارتني. وفي العرض التلفزيوني I Spy، صار بيل كوسبي أول إفريقي أمريكي يشارك بالبطولة في حلقات درامية، كان الرغيف سعره 19 سنتاً، وسيارة الفورد من طراز Fairlane سعرها 1600 دولاراً.

حين كنت في الرابعة عشرة من عمري، تلميذاً في المرحلة الأولى في مدرسة Prospect الثانوية في ضاحية شيكاغو الشمالية، كنت أجلس في فصل العلوم بالدور الثالث، الذي يطل على ساحة انتظار. كنت في الصف الثاني من النافذة، والمقعد الثالث من الأمام، حين سمعت لأول مرة المعلومات المتحررة التي دفعتني لحياة الإلحاد.

لقد راقت لي حقاً حصة الأحياء التمهيدية تلك. كانت تناسب تماماً أسلوبي المنطقي للتفكير في العالم، وكان هذا بمثابة مدخل يدفعني نحو ميادين الصحافة والقانون. كنت بطبعي فضولياً أبحث دائماً عن إجابات، وأحاول باستمرار معرفة كيف تعمل الأشياء.

في طفولتي، أهداني والدي قطاراً كهربائياً كهدية الكريسماس. وبعد فترة وجيزة وجدني أبي في الجراج وأقذف بقوة هذا القطار على الأرضية الصلبة كي أفتحه. ولم أفهم لماذا انزعج للغاية. فقد شرحت له بهدوء أن كل ما كنت أفعله هو معرفة ما الذي كان يجعل القطار يدور.

ولهذا السبب أحببت العلم. وقد شجعني المعلم بالفعل للقيام بتشريح ضفدعة حتى أعرف كيف تعيش. أهداني العلم مبرراً أن أطرح كل أسئلة “لماذا؟” التي كانت تنتابني، وأن أجرب إجراء تجارب جينية بتربية ذباب الفاكهة، وأن أقوم بإزالة القشة عن النباتات لأعرف كيف تنمو. كان العلم بالنسبة لي يقدم الحقائق الثابتة الأكيدة التجريبية المبرهنة بالتجربة. تعمدت ان أرفض كل شيء آخر كونه مجرد رأي أو تخمين أو خرافة أو إيمان بلا عقل.

وأردد هنا ما كتبه الفيلسوف مورلاند بعد عدة سنوات، حين قال إن كلمة “علمي” بالنسبة لكثير من الناس معناها شيء “جيد، وعقلاني” وحديث” في حين أن ما هو غير علمي هو شيء عتيق، ولا يستحق إيمان من يفكرون[3].

تشكلت ثقتي بالعلم إثر نشأتي في أمريكا ما بعد سبوتنك Sputnik، حيث تم الإعلاء من قدر العلم والتكنولوجيا لدورهما في الإمساك بمفاتيح بقاء بلادنا. وقد حثت إدارة الرئيس ايزنهاور الشباب للبحث عن العمل في حقل العلم، حتى تلحق أمريكا بل وتتفوق على غريمنا السوفيت الذي أذهلوا العالم في العام 1957 بإطلاق أول قمر صناعي في مدار بيضاوي حول الأرض.

وفيما بعد – عندما بدأت أمتنا تحل الكثير من الألغاز في الستينات وبدأت المواثيق الاجتماعية تنقلب رأساً على عقب، وبدأت النسبية وأخلاقيات الموقف تخلق إطاراً هشاً من الأخلاقية، وإذ بالتقاليد تنهار الواحد تلو الآخر، رأيت العلم هو الثابت الباقي، أساساً، ملاذاً، والحصن المنيع في منهجه، بينما في نفس الوقت يتقدم للأمام باستمرار في التفكير في روح الإرادة الأمريكية.

هل يمكن أن تضع إنساناً على سطح القمر؟ لم يشك أحد أننا سنفعل ذلك. فالتكنولوجيا الجديدة، من الترنزستور إلى التلفون، جعلت مستوى الحياة في أمريكا أفضل وأفضل. هل يمكن أن يكون علاج السرطان بعيد المنال؟

ليس من قبيل الصدفة أن اعجابي بالتفكير العلمي كان ينمو، وفي نفس الوقت تضعف ثقتي بالله. عندما كنت في مدارس الأحد ودروس تثبيت الإيمان وأنا بالمرحلة الثانوية، فإن أسئلتي الكثيرة “لماذا؟” لم تكن تلقى الترحيب المستمر. فبينما بدا أن التلاميذ الآخرين يقبلون الحقائق الكتابية بطريقة أوتوماتيكية، كنت أنا بحاجة لأسباب تدفعني للإيمان بها. لكن كثيراً ما كان بحثي عن إجابات يقابل بالصد. وبدلاً من ذلك، طالبوني بقراءة وحفظ الآيات الكتابية، وكتابات مارتن لوثر، ولاهوتيين آخرين من الماضي البعيد لا يبدو أن لهم علاقة بالموضوع.

من كان يهتم بما آمن به هؤلاء المتحمسين الذين ماتوا منذ زمن؟ لم أكن أهتم بالقضايا “الساذجة” للإيمان والروحانيات، بل بالحري كنت منجذباً نحو الحقائق “الأكيدة” للعلم. وكما قال يوجين سكوت من المركز القومي للتعليم العلمي: “لا يمكنك أن تضع إله كلي القدرة في أنبوبة اختبار”[4]. إن لم يكن هناك أي دليل علمي أو عقلي للإيمان بمثل هذا الوجود، فلا يهمني الأمر.

ولهذا، ففي هذا اليوم المشهود في درس الأحياء في العام 1966، بدأت أتعلم عن الاكتشافات العلمية التي – كما قال عالم الحيوان البريطاني ريتشارد داوكنز – “التي جعلت من الممكن أن تكون ملحداً مكتفياً من الناحية المعرفية”[5].

 

صور التطور

أميل لأكون مفكراً مرئياً. فالصور تلتصق بذهني لفترات طويلة من الوقت. فعندما أستعيد ذكريات أيام الدراسة الثانوية، وما تعلمته في الفصل، ومن خلال انكبابي على الكتب الخارجية، يمكنني أن ألخص هذا كله في سلسلة من الصور:

الصورة الأولى: أنابيب اختبار، وقوارير، وأقطاب كهربية في تجربة ستانلي ميلر

كانت هذه الصورة هي أقوى الصور جميعاً – جهاز المعمل الذي استخدمه ستانلي ميلر، ومن بعده طالب في السنة النهائية في جامعة شيكاغو، في العام 1953، لكي ينتج بطريقة صناعية القوالب البانية للحياة. بإعادة إنتاج بيئة الأرض البدائية، ثم تصوير شرارات كهربية من خلالها لإنتاج البرق، تمكن ميلر من إنتاج مادة لزجة حمراء تحتوي على أحماض أمينية.

عندما علمت بنجاح ميلر، سطع في ذهني التضمين المنطقي: إذا كان من الممكن تفسير أصل الحياة من خلال عمليات طبيعية، فالله إذاً لا وجود له! وفي النهاية، لا حاجة لنا لإله إذا كانت الكائنات الحية بإمكانها أن تخرج من تلقاء نفسها من حساء بدائي، ثم التطور طبعياً بالأيونات إلى كائنات أكثر وأكثر تعقيداً – وهو سيناريو سوف تشرحه الصورة الثانية من التطور.

الصورة الثانية: “شجرة حياة” دارون

عندما قرأت “أصل الأنواع” لتشارلز دارون، صُدمت لوجود تفسير واحد: رسم تخطيطي وصف فيه تطور الحياة كشجرة، مبتدئاً من سلف قديم في أصل الشجرة، ثم تزهر إلى أعلى حتى الأطراف والفروع والأغصان، كما تطورت بتنوع وتعقيد متزايد.

وكما شرح كتاب حديث، فإن الدارونية تعلم أن كل أشكال الحياة “ترتبط من خلال سلالة جاءت من نموذج أصلي مجهول عاش في الماضي البعيد[6].

بدا من الواضح لي أن ظاهرة مثل التطور المجهري او التنوع داخل الأنواع المختلفة من الحيوانات موجودة حقاً. واستطعت أن أرى هذا مشروحاً في المنطقة المجاورة لي؛ فقد كانت لدينا عشرات الأنواع من الكلاب. لكني كنت مفتوناً بتأكيد التطور الكبير macroevolution الأكثر طموحاً – وهو أن الاختيار الطبيعي الذي يعمل في تنوع عشوائي يمكنه أن يوضح كيف أن الخلايا البدائية قد تحولت خلال فترات طويلة من الزمن إلى كل أنواع الكائنات، بما فيها البشر. وبمعنى آخر، تحولت الأسماك إلى برمائيات، ثم تحولت البرمائيات إلى زحافات، والزحافات إلى طيور وثدييات، والبشر لهم نفس السلف كالقرود.

بينما كان يبدو أن ميلر ينادي بأن الحياة ربما تكون قد نشأت تلقائياً في المحيطات الكيميائية للأرض العتيقة، تكون نظرية دارون قد فسرت كيف أن ملايين كثيرة من أنواع الكائنات تطورت ببطء وبالتدريج على مدى فترات طويلة من الزمن. ثم جاء تأكيد آخر لسلالتنا المعروفة، كما ستوضحه الصورة الثالثة.

 

الصورة الثالثة: رسومات الأجنة لأرنست هايكل

قدم عالم الأحياء الألماني أرنست هايك – الذي يمكن أن توجد رسوماته للأجنة في كل الكتب التي درستها عن نظرية التطور تقريباً – دليلاً أقوى على أن كل أنواع الحياة لها نفس السلف. عندما وضع هايكل رسومات لسمكة جنينية، وسلمندر، وسلحفاة، وكتكوت، وخنزير، وعجل، وأرنب، وإنسان بجانب بعضها البعض، صرح بطريقة تصويرية بأن هذه الكائنات قد ظهرت متشابهة بصورة مدهشة في مراحلها الأولية من التطور. وفيما بعد أصبحت مختلفة بدرجة مميزة.

بينما فحصت عيني الصف الأعلى من رسومات هايكل، والتي كانت تمثل المرحلة المبكرة من تطور الأجنة، اندهشت؛ فكيف أن هذا الفقاريات – التي ستنمو أخيراً لتصير متمايزة تماماً عن بعضها البعض – كان لا يمكن تمييزها أصلاً؟

من كان يمكنه أن يفرق بينها؟ كان الجنين الإنساني يمكنه بسهولة أن يكون أي من هذه المخلوقات الأخرى. من الواضح أن دارون كان على صواب حين قال: “علينا أن نعترف بصراحة” بالسلف الكوني المشترك. وبالتأكيد، فإن التسلسل العنيد نحو التعقيد المتزايد باستمرار يمكنه أن يتضح في الصورة التالية.

الصورة الرابعة: الحلقة المفقودة

إن الحفرية مذهلة حتى أن أحد علماء الباليونتولوجي Paleonotologist* دعاها “أثر مقدس من الماضي أصبح رمزاً قوياً لعملية التطور ذاتها”[7]. إنها أشهر حفرية في العالم؛ والتي تسمى “الطائر الأول archaeopteryx”**؛ وهي مخلوق يرجع تاريخه إلى 150 مليون سنة. هذا المخلوق له أجنحة وريش وعظم الترقوة التي لطير، ولكن له ذيل كذيل السحلية، ومخالب في أجنحته، واعتبروه الحلقة المفقودة بين الزواحف والطيور الحديثة.

نظرة واحدة لصورة هذه الحفرية تطارد أية شكوك حول إذا كان سجل الحفرية يدعم نظرية دارون. فها نحن نرى نصف طائر، ونصف زاحفة، ولم أعد بحاجة لمزيد من البحث لأصدق أن علم الباليونتولوجي قد دعم دارون. في الحقيقة، بعد اكتشاف “الطائر الأول” في ألمانيا بعد نشر كتاب “أصل الأنواع” على الفور، فقد “ساعد هذا بشكل كبير في الإقرار بمصداقية الدارونية وتكذيب المشككين” كما قال جونسون[8].

كانت هذه الصور مجرد بداية تعليمية لنظرية التطور. فبمجرد أن أكملت دراستي في هذا الموضوع، أصبحت مقتنعاً تماماً أن دارون قد استبعد أية حاجة لله. وهي ظاهرة رأيتها مراراً.

لم أعد أذكر عدد المتشككين الروحيين الذي قالو لي أن بذور شكوكهم قد زرعت في المرحلة الثانوية او الجامعية عندما درسوا الدارونية. في العام 2002، عندما قرأت عن طرد عضو من فريق كشافة Eagle Scout لأنه رفض تعظيم الله، لم أندهش عندما اكتشفت “أنه أصبح ملحداً بعد أن درس نظرية التطور في الطف التاسع”[9].

قال عالم التطور في جامعة أكسفورد داوكنز “كلما ازداد فهمك لأهمية التطور، كلما ابتعدت عن اللا أدرية واتجهت نحو الإلحاد”[10].

دارون ضد الله

ومع ذلك، لا يعتقد كل إنسان بأن نظرية دارون تتناقض مع الله. فبعض العلماء واللاهوتيين لا يرون تعارضاً بين الإيمان بتعاليم دارون وتعاليم المسيحية.

عالم الأحياء كريستيان دي دوف الفائز بجائزة نوبل أصرّ على القول بأنه “لا معنى في أن الإلحاد مجبر ومفروض بالعلم”[11]، بينما أعلن أستاذ الأحياء كينيث ميلر من جامعة براون أن نظرية التطور “ليست ضد الله”[12]. وأجاب الفيلسوف مايكل روز، وهو عالم متحمس للتاريخ الطبيعي، على السؤال: “هل يمكن لمن يؤمن بنظرية دارون أن يكون مسيحياً؟” بالرد: “نعم، بكل تأكيد!”، وقال: “لم تثر حجة سليمة توضح أن الدارونية تشير إلى الإلحاد”[13].

وعالمة الأحياء جين بوند، التي درست سابقاً في كلية ويتوورث تصف نفسها مفتخرة بصفتها “عالمة، ومؤمنة بنظرية التطور، ومعجبة جداً بدارون، ومسيحية”[14]. وشرحت ذلك بالقول “إن إيماني بأن التطور قد حدث – أي إن البشر وكل المخلوقات الحية الأخرى مرتبطة كجزء من شجرة عائلة الخلق العملاقة، وأنه من الممكن أن تكون الخلية الأولى قد نشأت بالعمليات الطبيعية للتطور الكيميائي – لا يتطلب أو حتى يستوجب وجهة نظر إلحادية عالمية”[15].

ومع ذلك، فأنا شخصياً لم أستطع ان أفهم كيف أن الدارونية التي تعلمتها تركت أي دور ذي معنى لله. لقد قيل لي إن عملية التطور غير موجهة، وبالنسبة لي، كان هذا يستبعد أوتوماتيكياً إله فوق الطبيعة يشد الخيوط خلف الستار.

كانت هذه النقطة واضحة للغاية في كتاب صدر حديثاً “يجمع التنوع الغير موجه والذي بلا هدف لعملية الاختيار الطبيعي المعتمة، جعل التفسيرات اللاهوتية أو الروحية لعمليات الحياة غير ضرورية”[16]. كما تؤكد كتب أخرى بأن التطور “عشوائي وغير موجه”، وأنه “بلا خطة أو هدف”، وأن دارون “أعطى علم الأحياء أساساً علمياً قوياً عندما نسب تنوع الحياة لأسباب طبيعية أكثر منه لعملية خلق فوق طبيعية”[17].

إن كان العلماء يعرفون الدارونية هكذا، فقد بدا لي أن الله قد طرد بالفعل. ومحاولة إيجاد دور غامض له يبدو أمراً تافهاً، والذي يقول عنه ويليام بروفاين من جامعة كورنيل “توجد الآن رؤية لاهوتية واسعة الانتشار تقول بأن الله قد خلق العالم، وهو يدعمه، ويعمل من خلال قوانين الطبيعة بمهارة فائقة، حتى إن عملها لا يمكن اكتشافه، ولكن مثل هذا الإله لا يختلف في الواقع بالنسبة لذهني عن الإلحاد”[18].

بكل تأكيد، سوف يقول المسيحيون إن الله ليس إلهاً محتجباً او غير مهتم يخفي نشاطه تماماً، بل إنه بالحري قد تدخل بقوة في العالم حتى إن الكتاب المقدس يقول “لأن منذ خلق العالم ترى أموره المنظورة وقدرته السرمدية ولاهوته مدركة بالمصنوعات حتى أنهم بلا عذر”[19]. قال فيلسوف العلم ستيفن مير الذي تعلم في جامعة كامبردج، ومدير مركز العلوم والثقافة في معهد الاستكشاف في سياتل:

يصرح العديد من علماء الأحياء المؤمنين بالتطور بأن العلم لا يمكنه بشكل مطلق أن يستثني إمكانية ان نوعاً من الألوهية من الممكن أن يزال موجوداً. ولا يمكنهم أن ينكروا احتمالية وجود مصمم إليه يحجب نشاطه الخلاق في عمليات طبيعية ظاهرة للتهرب من الفحص العلمي. ومع ذلك، فبالنسبة لمعظم العمليين الماديين، فإن مثل هذه الكينونة غير المكتشفة من الصعب أن تستحق التقدير والاعتبار[20].

ورغم ذلك، فقد أكد مير على أن “الدارونية المعاصرة لا ترى التغير الناتج عن نظرية التطور عملية يقودها الله”[21] وينوه بملاحظة شهيرة لعالم الأحياء الراحل والمؤمن بالدارونية جورج جايلورد سمبسون، والذي يقول بأن الدارونية تنادي بأن “الإنسان هو نتيجة لعملية طبيعية لا هدف لها لم تحسب له حساباً”[22]. وبالنسبة لماير، فإن التشعبات واضحة، إذ يقول: “إن القول بأن الله يقود عملية طبيعية غير موجهة فطرياًن أو أن الله قد صمم تقنية طبيعية كبديل لتصميمه أمر متناقض بوضوح”[23].

نانسي بيرسي – التي كتبت بتوسع عن العلم والإيمان – تصر على القول “إما أن تختار الله أو الاختيار الطبيعي، وليس الاثنين”[24] وأشارت إلى أن دارون نفسه أدرك ان حضور إله كلي القدرة سيقوض نظريته بالفعل. وقالت “إن اعترافنا بوجود الله في العملية، كما جادل دارون، فإن الله سيؤكد أن مجرد “التنوعات الصحيحة قد حدثت… وأن الاختيار الطبيعي سيكون غير ضروري”[25].

أما أستاذ القانون فيليب جونسون، مؤلف الكتاب ذائع الصيت لنقد الدارونية “محاكمة دارون Darwin On Trial“، فيوافق أن “الهدف كله من الدارونية هو إظهار أنه لا حاجة إلى خالق يسمو فوق الطبيعة لأن الطبيعة يمكنها أن تقوم بعملية الخلق من تلقاء نفسها”[26].

في الحقيقة كثيرون ممن يؤمنون بنظرية التطور الذين شعروا بلدغة نقد جونسون يجدون أنفسهم متفقين معه في هذه النقطة تحديداً. فمثلاً العالم البيولوجي التطوري أرنست مير أكد أن “الجوهر الحقيقي للدارونية” هو الاختيار الطبيعي، الذي “يسمح بتفسير التكيف… بالوسائل الطبيعية، بدلاً من التدخل الإلهي”[27].

تطوري بارز آخر، وهو فرنسيسكو آيالا، رُسما قساً دومينيكياً قبل عمله بالعلوم، ومع ذلك، رفض في لقاء أخير أن يؤكد ما إذا كان لا يزال يؤمن بالله[28]، قال “كان أعظم إنجاز لدارون” هو أنه أوضح أن “الكائنات الحية يمكن تفسيرها بصفتها نتيجة عملية طبيعية، واختيار طبيعي، دون أدنى حاجة للجوء إلى خالق، أو أي عامل خارجي آخر”[29].

عندما سأل أحد المحامين روفاين الصريح ما إذا كان هناك “وضع تطوري مسيحي أمين من الناحية المعرفية… أم علينا ببساطة أن نترك عقولنا على أبواب الكنائس”، كانت إجابة بروفاين صريحة: “عليك أن تترك عقلك”[30] فقد كان من الواضح بالنسبة له أن مصطلح “مسيحي مؤمن بالتطور” يجمع لفظتين متناقضتين.

كان ادوارد ويلسون – عالم الأحياء الاجتماعي، والفائز بجائزة بولتزر – عنيداً تجاه هذه القضية، حيث قال “إذا كانت البشرية قد تطورت طبقاً لنظرية دارون في الاختيار الطبيعي، فإن الفرصة الجينية، والضرورة البيئية، وليس الله، هي التي خلقت الأنواع”[31]. وهذا كلام لا غموض فيه.

وقد لخصت مجلة Time الأمر كله ببراعة “لم يرد تشارلز دارون أن يقتل الله وهو يصيغ نظرية التطور، لكنه قتله”[32].

حمض دارون العالمي

لم أكن واعياً بمثل تلك الملاحظات عندما كنت طالباً. فقد كنت أعرف بالبديهة أن نظريات دارون قد منحتني أساساً عقلياً لرفض أسطورة المسيحية التي حاول والدي فرضها عليّ عندما كنت صغيراً.

أتذكر قراءتي موسوعة World Book التي أعطاها لي والداي كهدية عيد ميلادي لترد على أسئلة “لماذا” التي كنت أزعجهم بها دائماً. وقد أسهمت قراءتي عن التطور في تدعيم إحساسي بتعارض المسيحية ونظرية دارون.

ذكرت الموسوعة “في الكتاب المقدس، يعامل الله بصفته الخالق، والداعم، والهدف النهائي لجميع الأشياء. يؤمن كثير من المسيحين بأنه من المستحيل الموافقة بين هذا الاقتناع بفكرة ان النمو التطوري حدث نتيجة قوى طبيعية موجودة في الحياة العضوية”[33].

بالنسبة لي، وُضع كل شيء في مكانه. وكان تقديري هو أنك لست بحاجة إلى خالق إن كانت الحياة بإمكانها أن تخرج بدون أية مساعدة من الطين البدائي للأرض المبكرة، وأنك لست بحاجة إلى الله لكي يخلق البشر على صورته إن كنا مجرد نتاج لقوى مجهولة بالاختيار الطبيعي. وباختصار، أنت لست بحاجة للكتاب المقدس إن كان لديك كتاب “أصل الأنواع”.

كنت أختبر شخصياً ما قاله الفيلسوف دانيال دينيت: الدارونية “حمض كوني يلتهم تقريباً كل مفهوم تقليدي، ويترك ورائه وجهة نظر عالمية تؤمن بالتطور”[34].

وقد خضعت شخصياً لنظرية التطور؛ ففي تفاؤلي الشبابي لم أكن على استعداد لفحص بعض التضمينات المحيطة لفلسفتي الجديدة. تجاهلت بارتياح الصورة المؤلمة التي رسمها الملحد البريطاني برتراند رسل، الذي كتب عن كيفي أن العلم قدم لنا عالماً “بلا هدف” و”خالي من المعنى”[35]:

ذاك الإنسان هو نتاج الأسباب التي لم تكن لها رؤية سابقة للغاية التي كانت تسعى لتحقيقها. فأصله، ونموه، وآماله، ومخاوفه، ورغباته، ومعتقداته هي مجرد نتيجة تنظيمات عرضية للذات. لا نيران، ولا بطولة، ولا حدة تفكير أو مشاعر يمكنها أن تحفظ حياة فرد بعد الموت. فكل جهود العصور، وكل التكريس، وكل الوحي، وكل وهج العبقرية الإنسانية مقدر لها الانقراض… وكل هيكل إنجاز الإنسان لا بد أن يُدفه حتماً. كل هذه الأمور مؤكدة تماماً بلا جدال، حتى إنه لا توجد فلسفة ترفضها يمكنها أن ترجو البقاء. وبقبول هذه الحقائق، وعلى الأساس الراسخ ليأس لا يستسلم، يمكن أن يُبنى سكنى النفس في أمان”[36].

بدلاً من مواجهة هذا “اليأس الذي لا يستسلم” الذي يتضمنه عالم بدون الله، وجدت متعتي في حريتي الجديدة التي حققتها من الانتقاد الأخلاقي لله. بالنسبة لي، كانت الحياة بدون الله معناها ان أعيش لنفسي بنسبة 100%. وحيث كنت قد تحررت من أن أحاسب بوماً على أفعالي، أطلقت العنان لنفسي للحصول على السعادة والمتعة الشخصية مهما كان الثمن.

كانت الثورة الجنسية في الستينات والسبعينات قد بدأت في الظهور، وكنت متحرراً للانغماس في الملذات بأقصى ما يمكن، دون أن أعمل حساباً لرقابة الله الذي لا يوافق على هذا. وبصفتي صحفي، تحررت من الأغلال للمنافسة دون أن أضطر دائماً للخضوع لمثل تلك القوانين والقواعد الأخلاقية المزعجة. لم أسمح لشيء أو لشخص أن يحول بيني وبين طموحاتي.

ومن كان يبالي ما إذا كانت المادية العلمية تعلم بأنه لا شيء سوى المادة، ومن هنا لن يتمكن إنسان من تجنب الموت. كنت صغيراً جداً للعبث بتضمينات هذه الأمور. وبدلاً من ذلك، أسرعت وراء الخلود الذي يمكنني تحقيقه بترك بصمتي كصحفي ناجح تدعم تحقيقاته ومقالاته التشريع الجديد والإصلاح الاجتماعي. أما بالنسبة لحقيقة الموت المطلقة، فقد كان لديّ الكثير من الوقت لكي أفكر فيها فيما بعد. كان هناك الكثير جداً الذي سأعمله في ذلك الوقت.

وهكذا زُرعت بداخلي بذور الإلحاد وأنا شاب عندما بدا ان السلطات الدينية غير مستعدة أو غير قادرة على إجابة أسئلتي عن الله. وازدهر عدم إيماني بعد اكتشافي أن الدارونية تستبعد الحاجة إلى إله. واكتمل ازدهار إلحادي عندما درست يسوع في الكلية، وقيل لي إنه لا إنسان يتمتع بالتفكير العلمي يمكنه أن يؤمن بما يقوله العهد الجديد عنه.

طبقاً لأعضاء الجناح اليساري في سيمينار يسوع*، فإن نفس الدافع الذي حفز العلم التجريبي “الذي سعى لوضع كل المعرفة تحت اختبار الملاحظة الدقيقة والمتكررة”، دفع جهودهم أيضاً حتى يميزوا أخيراً “الحقيقة من الخيال” في حياة يسوع. وتوصلوا إلى أنه في “عصر العلم هذا”، لا يمكن للمفكرين المحدثين أن يعودوا يؤمنوا بأن يسوع قد فعل أو قال معظم ما يؤكده الكتاب المقدس. وصاغوا الأمر هكذا:

إن مسيح العقيدة والإيمان، الذي كان ثابتاً في مكانه في العصور الوسطى، لم يعد قادراً أن يستحق قبول من رأوا السماوات من خلال تليسكوب جاليليو. لقد أزيلت الآلهة والشياطين القديمة من السماوات بهذه العدسة الهامة. وقد جرد كل من كوبرنيكوس، وكبلر، وجاليليو مقار الآلهة والشياطين الأسطورية، وورثونا سماوات مدنية[37].

عندما وصلت منتصف دارستي بالكلية، كانت اتجاهاتي الإلحادية قد ترسخت حتى صرت لا أحتمل أصحاب الإيمان غير العقلاني كهؤلاء المحتجين الذين كنت سأواجههم لاحقاً في فرجينيا الغربية. لم أتمكن من فهم مقاومتهم العنيدة لوضع معتقداتهم المهجورة في هذا “الحمض الكوني” للفكر العلمي الحديث.

شعرت بالتعالي عليهم. دعهم يظلون عبيداً لتفكيرهم الساذج عن مكان لهم في السماء، وعن الأخلاقية المستقيمة لإلههم الخيالي. أما بالنسبة لي، فسوف أتبع بنزاهة النتائج التي توصل إليها العلماء والمؤرخون، والتي اختصرت أبحاثهم المنطقية المنسقة العالم إلى مجرد عمليات مادية.

بداية التحري

لو كنت قد توقفت عن توجيه الأسئلة لبقيت في مكاني. ولكن بخلفيتي الصحفية والقانونية، كانت المطالبة بإجابات منسوجة في طبيعتي. ولهذا، بعد خمس سنوات من مغامرتي في فرجينيا الغربية، عندما أعلنت زوجتي ليزلي أنها قررت أن تتبع يسوع، كان أمراً عادياً أن تكون أولى كلماتي في صورة استفسار.

ولم أوجه استفساري بطريقة مهذبة، لكنه بدلاً من ذلك وجه بنغمة اتهامية حادة “ماذا حل بك؟” ببساطة، لم أستطع أن أفهم كيف يمكن لشخص عاقل أن يؤمن بعقيدة دينية ملفقة وغير منطقية من التفكير الساذج والتصديق والأسطورة.

ومع ذلك، ففي الشهور التالية عندما بدأت شخصية ليزلي في التغيير، وبينما مرت قيمها بتحول، وبينما صارت أكثر حباً ورعايةً وصدقاً، بدأت أسأل نفس السؤال، ولكن هذه المرة بنغمة أكثر نعومة صدقاً في اندهاش حقيقي “ماذا حل بك؟” شيء ما، أو كما أعلنت، شخص ما كان يغيرها للأفضل دون جدال.

بصراحة، كنت بحاجة لتحري ما كان حدث. ولهذا بدأت أسأل أسئلة أكثر، وكانت غالبيتها عن الإيمان والله والكتاب المقدس. وصممت على الذهاب إلى حيث تقودني الأسئلة، رغم إنني بصراحة لم أكن مستعداً تماماً لما ستسفر عنه النتائج.

استمر هذا البحث الروحي حوالي عامين. وفي كتاب السابق القضية …المسيح، الذي استفاض في هذه الرحلة، ناقضت الإجابات التي تلقيتها من 13 خبيراً بارزاً عن البرهان التاريخي المؤيد ليسوع الناصري[38]. وفي كتابي التالي القضية … الإيمان*، تتبعت إجابات الأسئلة “الثمانية العنيدة” حول المسيحية، وهي من نوعية القضايا التي كانت تؤرقني في حداثتي، ولم أجد من كان مستعداً لإجابتها[39].

ومع ذلك، في هذين الكتابين المبكرين لمست بعداً هاماً آخر لبحثي. فلأن العلم لعب دوراً مؤثراً في دفعي نحو الإلحاد، فقد كرت أيضاً وقتاً طويلاً لطرح أسئلة عما تقوله آخر الأبحاث عن الله. بذهن منفتح بدأت أتساءل؟

  • هل مقدر لكل من العلم والإيمان أن يظلا في حرب دائمة؟ هل كنت على صواب في تفكيري بأن الإنسان ذي التفكير العلمي يجب أن يتجنب المعتقدات الدينية؟ أم أن هناك أساساً طريقة مختلفة لرؤية العلاقة بين ما هو روحي وما هو علمي؟
  • هل الأدلة العلمية الأخيرة تميل لتأييد ام معارضة وجود الله؟
  • هل ما زالت صور التطور تلك التي دفعتني للإلحاد صالحة في ضوء أحدث الاكتشافات العلمية؟

عندما بدأت في استكشاف تلك القضايا للمرة الأولى في بداية الثمانينيات، وجدت أنه كان هناك قدر كاف من الأدلة يمكنه أن يرشدني لخاتمة أكيدة. ومع ذلك، فقد تغير الكثير منذ ذلك الوقت. فالعلم يتقدم للأمام دائماً، وقد أضيفت الكثير من البيانات والاكتشافات في مستودع المعرفة العلمية خلال السنوات العشرين الأخيرة.

وقد دفعني كل هذا لأن أطرح سؤالاً جديداً: هل هذا الكم الأعمق والأثري من البحث العلمي المعاصر يعارض أم يؤيد النتائج التي توصلت إليها منذ عدة سنوات؟ والسؤال بطريقة أخرى: إلى أين يشير سهم العلم: نحو دارون أم نحو الله؟

قال لينوس باولنج الحاصل على جائزة نوبل مرتين: “العلم هو البحث عن الحقيقة”[40]. وهذا ما قررت عمله: رحلة استكشافية جديدة توسع وتجدد البحث الأصلي الذي قمت به في مجال العلم منذ عقدين من الزمن.

سيكون أسلوبي في هذا هو استجواب قيادات في فروع علمية عديدة حول أحدث المكتشفات في حقول أبحاثهم. وعند اختياري لهؤلاء الخبراء، بحثت عن الأساتذة حاملي درجات الدكتوراه، ولهم خبرات أكيدة، ولديهم القدرة على التواصل مع الآخرين، ويرفضون أن يحصروا أنفسهم في مجرد إطار عالم الطبيعة أو المادية اللائق اجتماعياً. سيكون الأمر بلا معنى إن استبعدت أية فرضية في البداية. أردت الحرية لتتبع كل الإمكانيات.

آثرت أن آخذ موقف المتشكك، طارحاً الموضوع من كافة جوانبه، وموجهاً أقسى الاعتراضات المثارة. والأهم من كل ذلك، قررت أن أسأل الخبراء نفس الأسئلة التي عصفت بتفكيري عندما كنت ملحداً. وفي الحقيقة، ربما تكون هو نفس الموضوعات التي واجهتك أنت في رحلتك الروحية. وربما تكون قد تساءلت أيضاً ما إذا كان الإيمان بإله خارق للطبيعة يتناغم مع ما كشف عنه العلم عن العالم المادي.

إذا كان الأمر هكذا، أرجو ان تشاركني بحثي. تخلص من مفاهيمك المسبقة بقدر ما تستطيع، واجعل ذهنك مفتوحاً بينما تنصت إلى محادثاتي مع هؤلاء العلماء والفلاسفة المتدربين بالعلم الرائعين. وفي النهاية، يمكنك أن تقرر بنفسك ما إذا كانت إجاباتهم وتفسيراتهم يمكنها أن تواجه الفحص.

ومع ذلك، دعني أحذرك بأنه يصعب علينا التغلب على انحيازنا، على الأقل كان هذا بالنسبة لي. ففي احدى المرات، كان لدي دافع قوي لأن أظل ملحداً. لم أكن أريد أن يكون هناك إله يحملني مسؤولية أسلوب حياتي اللا أخلاقي. وبصفتي محرر للشؤون القانونية في أقوى صحيفة، كنت معتاداً التعامل مع الناس باستخفاف، ولا أخضع نفسي لأي سلطة روحية خفية.

تدربت ألا أطرح فقط أسئلة، بل أذهب إلى حيث تقودني الإجابات. وأثق أن لك نفس الاتجاه. وأرجو أن تكون مستعداً لتحدي ما تعلمته سابقاً في المدرسة – معلومات ربما تكون الاستكشافات العلمية الحديثة قد حجبتها.

سيقول لك العلماء بأنفسهم بأن هذا أمر مناسب تماماً. قال مصدر ليس أقل شأناً من الأكاديمية الوطنية للعلوم: “إن كل المعرفة العلمية – أساساً – عرضة للتغيير كلما تتاح أدلة جديدة”[41].

ما الذي يوضحه هذا الدليل الجديد؟ هيئ نفسك للدهشة بل والذهول بالتقرير الجديد المذهل الذي كان العلم مشغولاً بكتابته طوال العقود القليلة الأخيرة.

كتب عالم الطبيعة النظري جورد ستانشيو، وفيلسوف العلم روبرت أوجر: “إن القصة القديمة للعلم هي المادية العلمية التي تنادي بأن المادة وحدها هو الموجودة، وأن كل الأشياء يمكن شرحها من خلال المادة وحدها”[42]. لكنهم قالوا إنه في السنوات الأخيرة “اجتاز العلم سلسلة من الثروات الدرامية غيرت المفهوم الحديث للإنسان ومكانه في العالم”[43].

إن “القصة الجديدة للعلم” المدهشة هذه – بحبكتها المثيرة، وشخصياتها الآسرة – تنكشف في الصفحات القادمة بدءً بمقابلة تعيد كتابة الكتب التي قادتني من قبل إلى الإلحاد.

 

 

[1] Review of Carl Sagan. The Demon-Haunted World: Science as a Candle in the Dark (New York: Ballantine, 1997) in the New York Teview of Books (January 9, 1997). Emphasis in original.

[2] Phillip E. Johnson, “The Church of Darwin”. Wall Street Journal (August 16. 1999).

[3] J. P. Moreland, Christianity and the Nature of Science (Grand Rapids, Mich: Baker. 1989), 19.

[4] Eugenie Scott, “Keep Science Free from Creationism”. Insight (February 21, 1994).

[5] Richard Dawkins, The Blind Watchmaker (New York: Norton, 1986), 6.

[6]Neil Campbell, Jane Reece, and Lawrence Mitchell, Biology (Menlo Park, Calif: Benjamin/Cummings, 1999), 419.

* علم يبحث في أشكال الحياة في العصور الجيولوجية القديمة.

[7] Alan Feduccia, The Origin and Evolution Of Birds (New Haven: Yale University Press 1996), 38.

** طائر بدائي منقرض شبيه بالزحافات

[8] Phillip E. Johnson, Darwin on Trial, 80.

[9] Dean E. Murphy of the New York Times, “Eagle Scout Faces Ultimatum over Atheism,” Orange County Register (November 3, 2002).

[10] Richard Dawkins, “On Debating Religion,” The Nullifidian (Deccember 1994).

[11] Quoted in Gregg Easterbrook, “The New Convergence,” Wired (December 2002).

[12] Quoted in Holly J. Morris, “Life>$ Grand Design,” U.S. News and World Report (July 29, 2002).

[13] Michael Ruse. Can a Darwinian Be a Christian? (Cambridge, England: Cambridge University Press. 2001), 217, 128.

[14] Richard F. Carlson. Editor, Science and Christianity: Four Views (Downers Grove, III.: InterVarsity Press, 2000), 81,

[15] Ibid., 187.

[16] Douglas Futuyma, Evolutionary Biology (Sunderland, Mass.: Sinauer, 1986), 3.

[17] William A. Dembski and James M. Kushiner, editors, Signs of Intelligence (Grand Rapids, Mich.: Brazos. 2001). 44.

[18] Quoted in Michael Ruse, Can a Darwinian Be a Christian? 98.

[19] Romans 1:20.

[20] Richard F. Carlson, editor, Science and Christianity: Four Views, 139.

[21] Ibid., 118.

[22] George Gaylord Simpson, The Meaning of Evolution (Cambridge, Mass: Harvard University Press, 1967), 345.

[23] Richard F. Carlson, editor, Science and Christianity: Four Views, 118.

[24] Nancy Pearcey, “Design and the Discriminating Public: Gaining a Hear-ing from Ordinary People.” In William A. Dembski and James M. Kushiner, editors, Signs of Intelligence. 44. Emphasis in original.

[25] Ibid., quoting Gertrude Himmekfarb, Darwin and the Darwinian Revo-Lution (Garden City, N.Y.: Doubleday Anchor, 1959), 329-30.

[26] Phillip E. Johnson, quoted in World (July/August 2002)

[27] Erast Mayr, foreword to Darwinism Defended, by Michael Ruse (New York: Addison-Wesley, 1982, xi-xii.

[28]See: Gordy Slack, “A Good Life,” UCI Journal (Spring 1999). Available al: www.today.uci.edu/journal/99spring/12html (January 2, 2002).

[29] John H. Campbell and J. William Schopf, editors, Creative Evolution?! (Boston: Jones and Barlett, 1994). 4-5.

[30] William Provine, “Scientists Face It! Science and Religion Are Incompatible,” The Scientist 2 (1988).

[31] Edward 0. Wilson, On Human Nature (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1978), I. Emphasis added.

[32]”Lconoclast of the Century: Charles Darwin (1809-1882), ” Time (December31, 1999).

[33] World Book Encyclopedia, volume 5 (Chicago: Field Enterprises Edu-cational Corp., 1962 edition), 334.

[34] Quoted in: Phillip E. Johnson, “The Intelligent Design Movement: Chal-lenging the Modernist Monopoly on Science,” in: William A. Dembski and James M. Kushiner, editors, Signs of Intelligence, 34.

[35] Bertrand Russell, Why I Am Not a Christian (New York: Simon & Schuster, 1957), 106.

[36] Ibid., 107.

* يتناول الكتاب أفكار هذه الجماعة بالتفصيل في كتابه “القضية المسيح”، لي ستروبل، مكتبة دار الكلمة، 2007.

[37] Robert W. Fund, Roy W. Hoover, and The Jesus Seminar, The Five Gospels (San Francisco: HarperSanFrancisco, 1993), 2.

[38] See: Lee Strobel, The Case for Christ (Grand Rapids Mich: Zondervan. 1998).

* صدرت ترجمته العربية عن مكتبة دار الكلمة، ترجمة حنا يوسف، القاهرة 2007.

[39] See: Lee Strobel, The Case for Faith (Grand Rapids, Mich: Zondervan, 2000).

[40] Linus Pauling. No More War! (New York Dodd, Mead & Co, 1958), 209.

[41] Available at Search nap. Edu/readingroom/books/evolution98/evol4.html (January 5, 2003).

[42] Robert M. Augros and George N. Stanciu. The New Story of Science (New York: Bantam, 1986), xiv.

[43] Ibid., xv.

صور التطور – لي ستروبل

Exit mobile version