من المهين الادعاء أن يسوع هو الطريق الوحيد إلى الله – لي ستروبل

من المهين الادعاء أن يسوع هو الطريق الوحيد إلى الله – لي ستروبل

من المهين الادعاء أن يسوع هو الطريق الوحيد إلى الله – لي ستروبل

 

أنا أعارض تماماً أية ديانة تقول إن إيماناً أسمى من إيمانٍ آخر. وأدرك أن ذلك ما هو إلا عنصرية روحية. فهو طريق للقول بأننا أقرب إلى الله منكم، وهذا ما يؤدي للكراهية.

الحاخام شمولي بوتيتش(1)

استطاع موسى أن يتأمل في الناموس، واستطاع محمد أن يُشهر السيف، واستطاع بوذا أن يُقدّم المشورة الشخصية، واستطاع كونفوشيوس أن يعرض الأقوال الحكيمة، لكن أياً من هؤلاء لم يكن مؤهلاً لتقديم كفارة عن خطايا العالم … المسيح وحده يستحق التكريس والعبادة بلاحدود.

اللاهوتي أر.سي.سبرول(2)

كان والتر شابلنسكي لديه آراء متشددة حول الدين، ولم يكن يخجل من التعبير عنها. في العام 1940 أثار اضطراباً في روشيستر، نيو هامبشاير، باستنكاره الصريح للدين المنظم كـ((خدعة)) وإدانة الكثير من التجمعات المسيحية بالاسم. وكانت النتيجة أنه وجد نفسه مقبوضاً عليه ومُداناً من قَبل قانون الدولة الذي يُجرِّم أن تتحدث ((اية كلمة مزعجة أو احتقارية أو مهينة قانونياً لأي إنسان يمشي في أي شارع أو أي مكان عام آخر.))

مؤمناً أن حقوق حرية تعبيره قد انتُهكت، استأنف شابلنسكي قضيته حتى وصلت محكمة الولايات المتحدة العليا. ومع ذلك، في العام 1942 أكدً القضاة بالاجماع على إدانته، قائلين بأن مثل ((الكلمات الهجومية)) التي صرًح بها تقع خارج إطار حماية التعديل الأول(3). وبعد 30 عاماً أوضحت المحكمة العليا تعريفها ل ((الكلمات الهجومية)) بتسميتها ((القاب تعسفية شخصياً من المحتمل أساساً أن تُثيررد الفعل العنيف.))(4)

أثارت ((الكلمات الهجومية)) استجابةً عميقة في الناس؛ إذ جعلت أحشائهم تضطرب، واياديهم تتكوًر إلى قبضات. فهذه اللغة المُهينة تؤثر في الأعماق بالهجوم على أكثر معتقداتهم تأثيراً، وتُثيرهم فعلياً للاندفاع إلى الانتقام. بالنسبة للبعض ينطبق نفس الشئ على الكلمات المفرطة ليسوع المسيح: )) أنا هو الطًريق والحق والحياة. ليس أحدٌ يأتي إلى الآب إلاً بي.))(5)

كثير من الناس يعتبرون أنه من الكبرياء والأفق الضيق والتحيز بالنسبة للمسيحيين أن يؤكدوا أن الطريق الحيد إلى الله لا بدً أن يكون من خلال يسوع الناصري. ففي زمن التعددية والتسامح الديني، يكون هذا الادعاء المقصور غير لائق اجتماعياً، ويمثل صفعةً لفظية في وجه الأنظمة العقيدية الأخرى. فالتعددي روزماري رادفورد روثر اعتبر ذلك ((مبالغةً وطنية دينية سخيفة))(6)، بينما دعاها حاخام يهودي ((ديكتاتورية روحية)) تشجع نوع الاتجاه الأنيق الذي يمكنه أن يقود إلى الكراهية والعنف تجاه الناس الذين يؤمنون إيماناً مختلفاً.(7)

وبالطبع فإن مدخلاً مثل الذي عبرً عنه الفيلسوف الهندي سوامي فيفيكيناندا أكثر قبولاً اليوم: ((نحن (الهندوس) نقبل صحة كل الديانات.)) – وقد قالها للبرلمان العالمي للديانات في العام 1983. وقال إن الخطية الحقيقية هي أن تدعو أي إنسان آخر خاطئاً.(8)

هذا النوع من انفتاح الفكر والتحرر يتناسب جيداً مع ثقافتنا الحالية من النسبية، حيث لا يمكن اعتبار ((حقيقة)) بأنها حقيقية على نطاقٍ كوني طوال العصور، وفي كل الأماكن، ولكل الناس، وفي كل الثقافات. ففي الواقع، ينكر ثلثا الأمريكان اليوم أي شئٍ باعتباره الحق.(9)

عندما كنتُ ملحداً، تعجبتُ من تأكيدات المسيحيين بأنهم يحتكرون المدخل الصحيح الوحيد إلى الدين. وكنتُ أشكو: ((مَن يظنون انفسهم؟ مَن هم حتى يدينوا أي إنسان آخر؟ أين حب يسوع في ذلك؟))

لقد دعا تشارلز تمبلتون ذلك بـ((الافتراض الذي لا يُطاق))(10) أن يزعم الكتاب المقدس أنه بالإضافة إلى يسوع ((لَيسَ اسمٌ آخَرُ تَحتَ السًمَاءَ قَد أُعطي بين النًاسَ به ينبغي أن نَخلُصَ)).(11)، وأضاف تمبلتون:

المسيحيون أقلية صغيرة في العالم. فتقريباً أربعة من كل خمسة اشخاص على وجه الأرض يؤمنون بآلهة تختلف عن إله المسيحية. وعدد السكان الأكثر من خمسة مليار إنسان الذين يعيشون على الأرض يوًقرون أو يعبدون أكثر من 300 إلهاً. ولو أضاف أحد الديانات القبلية أو الروحانية، لارتفع الرقم لأكثر من 3000 إله. فهل علينا ان نؤمن ان المسيحيين وحدهم على حق؟(12)

رغم تقرير تمبلتون المرعب حول عدد الآلهة التي تُعبد في العالم، إلا إنه على حق. إن تأكيد يسوع المقصور واحد من أفظع العقبات أمام الباحثين الروحيين اليوم. فمع موضوع متفجر مثل هذا، عرفتُ أنني كنتُ بحاجة للتكلم مع خبير له ذهن تحليلي واضح، وخلفية فلسفية سليمة، وخبرة ممتدة بمدى واسع من ديانات العالم المختلفة. هذه المعايير قادتني إلى إحدى ضواحي أتلانتا، جورجيا، إلى مكتب رافي زكريا، الذي وُلد ونشأ في الهند.

 

اللقاء الخامس: رافي زكريا – دكتوراه في اللاهوت، دكتوراه في الحقوق

قال لي رافي زكريا فيما كان يخلع معطفه الأسمر، وجلس حول مائدة خشبية مستديرة في مكتبه: ((هناك قول هندي قديم يقول إن هناك طريقتان تصل بهما إلى أنفك.))

قال مشيراً مباشرةً لأنفه: ((هذه طريقة.)) ثم مدَ يده خلف رأسه ولمس أنفه من الناحية البعيدة، وقال مبتسماً: ((وهذه طريقة.))

بأسلوبٍ آخر، أحياناً ما يُفضل الهنود اتخاذ طريقاً طويلاً غير مباشر لإجابةٍ ما أكثر من الوصول السريع إلى الحل. وأحياناً ما ينطبق هذا على زكريا الذي اشتهر كونه بين أشهر المدافعين عن المسيحية وضوحاً وذكاءً في العالم.

وديع القلب، ثاقب الفكر، لُقب زكريا بأنه ((رجل إدراك روحي عظيم واستقامة فكرية)) من قبل بيللي جراهام.(13) لقد تحدًث عن المسيحية، والفلسفة، وديانات العالم، والعبادات في 50 دولة، والكثير من الجامعات. تتضمن كتبه الكتاب الشهير ((هل يستطيع الإنسان الحياة بدون الله؟)) وهو مؤسس جزئياً على سلسلة من المحاضرات النافذة التي ألقاها في جامعة هارفرد؛ المظهر المُحطًم: الوجه الحقيقي للإلحاد A Shattered Visage: The Real Facce of Atheism؛ نجنا من الشرير Deliver Us From Evil؛ صرخات القلب Cries of the Heart؛ يسوع بين الآلهة الأخرى Jesus Among Other Gods. وقد صدر كتابه الأول للأطفال ((التاجر واللص ((The Merchant and the Thief في العام 1999.

تعلم زكريا في مدرسة ترينيتي اللاهوتية الإنجيلية، حيث حصل على شهادة الماجستير في اللاهوت، وكان أستاذاً زائراً في جامعة كامبردج. وتمً تكريمه بمنحة شهادة دكتوراه اللاهوت من كلية Houghton ومعهد وكلية تيندال Tyndale، وشهادة الدكتوراه في الحقوق من كلية أسبوري. وهو الرئيس السابق لقسم الكرازة والفكر المعاصر في المعهد اللاهوتي الاتحادي.

حالياً يراس زكريا خدمات رافي زكريا الدولية Ravi Zacharias International Ministries التي تنتشر مكاتبها في الولايات المتحدة، وكندا، والهند، وانجلترا. وله – مع زوجته مارجريت – ثلاثة أطفالٍ.

زكريا شخصية مهيبة بابتسامة شبابية. وبشرته البرونزية نوعاً تتعارض مع شعره الأبيض تماماً لدرجة أنه يكاد يلمع. يتكلم بصوت قوي ناعم بلهجة هندية مميزة. وبأدبه وضيافته، كان كريماً بوقته ومنتبهاً تماماً في لقائنا، رغم أن طاقمه كان يقوم بإعدادات متواصلة خلف الستار لرحلة دولية أخرى كان يستعد لإطلاقها.

أتيتُ لأسأله عن تاكيد يسوع بانه الطريق الوحيد إلى الله، وهو التأكيد الذي قدًمه لتلميذه توما. فطبقاً للتقليد، كان إيمان توما الذي شكً مرة قد تدًعم بلقائه مع المسيح القائم، فسافر بعدها إلى الهند لتوصيل البشارة المسيحية، وقُتل أخيراً بالقرب من مَدراس Madras. حيث وُلد زكريا على بُعد ستة أميال تقريباً من النصب التذكاري لاستشهاده. بمعنى ما، فإن رحلة زكريا الروحية هي تذكار لرحلة توما. فبعد قضاء سنواته المبكرة كمسيحي بالاسم فقط، وجد زكريا نوعاً مؤقتاً من الإيمان في سن السابعة عشرة بعد سماع مبشر أمريكي يتحدث في اجتماع حاشد. وبعد ذلك انتهى به الأمر في المستشفى بعد محاولة انتحار بسبب لا معنى الحياة – وهو اختبار صار من خلاله تابعاً مكرساً تماماً ليسوع، ومرسلاً من الهند إلى أرجاء العالم.

عرفتُ أن اختباره في هذه البيئة متعددة الثقافات والديانات، حيث نما بين المسلمين، والهندوس، والسيخ، سوف يًثري منظوره لذلك السؤال المُربك حول مقصورية المسيح. وفيما ارتشف الشاي الساخن، سحبتُ مذكراتي من حقيبتي. وعلى الفور بدأتُ في إثارة الموضوع.

 

كبرياء المسيحية

قلتُ في مستهل سؤالي: ((اغفر لي فظاظتي، ولكن أليس من الكبرياء الجسيمة بالنسبة للمسيحيين أن يدًعوا أن يسوع هو الطريق الوحيد الفريد إلى الله؟ لماذا يعتقد المسيحيون أن لهم حق تأكيد أنهم على حق، وكل إنسان آخر في العالم خاطئ؟))

بينما كانت لهجة زكريا وحُلة عمله المُحافَظة – قميص أبيض رسمي ورابطة عنق خافتة – قد أضفتا عليه جواً من الرسمية، كان منهمكاً، دافئاً، ومتحمساً بشكلٍ ثابت في إجاباته.

فقال وصوته مفعم بالحيوية، وعيناه صادقتان مهتمتان: ((لي Lee، إنني أسمع هذا السؤال كثيراً جداً، ولا سيما في الشرق. والشئ الأول الذي أفعله هو محاولة التعامل مع المعلومات المضللة التي يتضمنها.

((المعلومات المُضللة؟ مثل ماذا؟))

((أولاً، من المهم أن نفهم أن المسيحية ليست هي الديانة الوحيدة التي تزعم بالمقصورية. فعلى سبيل المثال يزعم المسلمون تماماً بالمقصورية – ليس لاهوتياً فقط، بل لغوياً أيضاً. فالمسلمون يؤمنون أن معجزة الإسلام المطلقة الكافية الفريدة هي القرآن. ومع ذلك فهم يقولون إنه مميز فقط في العربية، وإن أية ترجمة أخرى تُقلل من قداسته. والمطلوب ليس مجرد فهمً أساسيً للعربية، بل معرفة سوفسطائية باللغة.

((وبالنسبة للبوذية، فقد وُلدتُ عندما رفض جاوتاما بوذا تأكيدين جوهريين للهندوسية – السلطان المطلق للفيدا التي تعتبر كتابهم الخاص، ونظام الطوائف الاجتماعية الوراثية. فالهندوسية نفسها عنيدة للغاية في موضوعين أو ثلاثة: قانون الكارما Karma، الذي هو قانون العلة والنتيجة الأخلاقية، لدرجة أن كل ميلاد يعتبر ميلاداً جديداً يُعوِض عن الحياة السابقة، وسلطان الفيدا، وتناسخ الأرواح.))

فقاطعته: ((لكنني سمعتُ الهندوس يقولون بنبلٍ شديد إن الهندوسية إيمان متسامح جداً.)) قلتُ ذلك وأنا أفكر في عبارات مثل تلك التي قالها سوامي فيفيكينادا في مستهل هذا الفصل.

فابتسم قائلاً: ((حينما تسمع هذه العبارة، فلا تأخذها مأخذ الجدية فمعناها الحقيقي هو أن الهندوسية تسمح لك بممارسة ديانتك طالما أنها تندرج تحت مفهومهم عن الحق الذي هو أمر توفيقي.)) والتوفيقية هي محاولة لمزج المعتقدات المختلفة أو حتى المتعارضة معاً.

ثم واصل كلامه: ((أما بالنسبة للسيخية، فقد جاءت كتحدٍ لكلٍ من الهندوسية والبوذية. وهناك الملحدون الذن يرفضون آراء من يؤمنون بالله. وحتى البهائية – التي تزعم أنها حضن كوني لكل الديانات – ينتهي بها الحال وهي تستعبد المُستعبدين! ومن هنا فإن عبارة أن المسيحيين متكبرون بادعاء المقصورية تتجاهل حقيقة أن كل ديانة رئيسية أخرى تفعل نفس الشئ. ولذلك حين يتحدث الناس عن الكبرياء، فلا يمكن أن يكون هذا هجوماً منطقياً.))

بدأتُ بالإستعداد لصياغة سؤالي التالي، لكن زكريا توًقع إتجاه السؤال، فقفز لإكمال عبارتي:

بدأتُ: ((أنت تؤمن أن الحق كله …….))

فقال: ((مقصور بالتعريف. نعم، نعم، أؤمن. فلو كان الحق لا يُستثنى، فلا يمكن عمل أي تأكيدٍ لادعاء الإيمان، بل يكون مجرد رأي يُقرَر. فكلما تقوم بعمل تأكيد إيمان، فأنت تقصد ان شيئاً مضاداً له هو خاطئ. الحق يُستثنى ضده.))

فاشرتُ قائلاً: ((هناك من ينكرون هذا.))

((نعم، ولكن فكر في الأمر: أن تنكر طبيعة الحق المقصورة هو أن تقوم بعمل تأكيد حق، فهل لا يكون هذا الشخص متكبراً إذاً؟ هذا هو التأثير المرتد الذي لا يتأمل فيه الذين يدينون. إن تضمينات يسوع الواضحة التي تقول إنه هو الطريق والحق والحياة هي: أولاً، أن الحق مطلق. ثانياً، أن الحق يمكن معرفته.

 

فقوله بالمقصورية معناه تصنيفياً أن أي شئ يعارض ما يقوله هو خاطئ بالتعريف.))

فقلتُ: ((أن يؤمن المسيحيون بذلك شئ، وأن ينقلونه دون أن يبدو شيئاً أنيقاً أو سامياً شئ آخر. لكن المسيحيون عادةً ما يحيدون عن هذا الطريق.))

فتنهد زكريا،  فقد كان هذا الاتهام يسمعه على الدوام، وقال: ((نعم، لو لم يكن الحق محصناً بالحب، فهذا سيجعل مالك الحق كريهاً، والحق نفسه بغيضاً. بما أنني تربيتُ في الهند، ولديً أصدقاء هندوس، ومسلمين، وبوذيين، وسيخ، يمكنني أن أقدّر بعض انتقاداتهم للمسيحيين. فتاريخ المسيحية لديه تفسير طريق منهجه. العنف، والخصومة، والعدوانية تناقض حب المسيح. فالإنسان لا يمكنه توصيل حب المسيح بمصطلحات الكراهية.

ثم واصل كلامه: ((لدينا في الهند مثلٌ يقول حالما تقطع أنف إنسان، فلا حاجة أن تهديه وردةً ليشمها.)) فلو كانت كبرياء المسيحي تُبعد إنساناً، فلن يكون هذا الإنسان قابلاً للبشارة المسيحية. قال المهاتما غاندي: ((إني أحب مسيحهم، ولا أحب مسيحيتهم.)) وقال فريدريك نيتشه: ((سوف أؤمن بالفادي حينما يبدو الإنسان المسيحي أكثر شعوراً بالفداء.)) وملحوظاتهم هذه تستحق التأمل.

وأضاف قائلاً: ((ومع ذلك، من الممكن أن تعلن الحق المقصور في محبة، كما يمكن لعالم أن يقول بكل أدب: ((هذا هو القانون الثاني للديناميكا الحرارية. فهلا يمكننا الآن التصويت للتعاون معه أم لا؟))

((لذلك فإن نقد المسيحيين غالباً ما يكون صالحاً))

((نعم، فأحياناً ما تجاوزنا الحساسيات الثقافية. ومع ذلك في نفس الوقت، فإن الديانات الشرقية فيها الكثير من فحص النفس بهذا الخصوص اليوم. فبوضع الصراعات السياسية والقبلية جانباً، لستُ اعرف أية دولة مسيحية تكون حياتك فيها معرَضة للخطر بسبب اختلاف إيمانك. لكن اليوم هناك الكثير من الدول في العالم مثل باكستان، والسعودية، وإيران، يكون فيها أن تكون تابعاً للمسيح هو أن تعرِض حياتك وحياة أسرتك للخطر.))

لقد قرأتُ تقارير صحفية في السنوات الأخيرة لمعرفة دقة ذلك بما فيها موطن زكريا الأصلي، حيث قُتل مسيحيون كثيرون على يد الهندوس المسلحين مؤخراً. لكن أحياناً لا يكون الأسلوب الذي يحاول به المسيحيون نشر إيمانهم هو الأسلوب المهين. فأحياناً ما يكون رد فعل الناس ببساطة على قدر البشارة نفسها.

فقال زكريا: ((حتى الإنسان الذي عاش بكل كمال إنتهت حياته على صليب. فمقاومة الحق ممكن أن تكون قوية جداً لدرجة أنها يمكنها أن تُعرٍض الخطر والعنف والكراهية حتى حينما لا يكون المرء قد فعل شيئاً خاطئاً على الإطلاق.))

الأصل، والمعنى، والأخلاق، والمصير

أي إنسان يمكنه أن يزعم الطريق الوحيد لله. في الواقع هناك القليل جداً من المجانين زعموا بهذا على مر التاريخ. والموضوع الحقيقي هو لماذا يجب على أي إنسان أن يتأكد من أن يسوع كان يتكلم الحق حين نطق بذلك.

سالتُ زكريا: ((على أي أساسٍ تؤمن أن تأكيد يسوع هذا حقيقي؟))

فأجابني: ((آه، نعم، هو لُب السؤال. فمن ناحية يمكنك أن تقول إن قيامة يسوع قد جعلته ابن الله. ولو كان هذا صحيحياً، تكون كل أنظمة الإيمان الأخرى غير صحيحية، لأن كلاً منها تؤكد على شئ مضاد لألوهيته. وبالطبع فإن السجل التاريخي المتعلق بالقيامة قويً جداً.

((ومن الناحية الأخرى، يمكنك الاقتراب لهذا الموضوع بالنظر للأسئلة الأربعة الجوهرية التي تسعى كل ديانة لإجابتها: الأصل، والمعنى، والأخلاق، والمصير. أؤمن أن إجابات يسوع المسيح وحدها هي التي تتعلق بالواقع. فهناك ترابط بين إجاباته على خلاف إجابات أية ديانة أخرى.))

كانت هذه عبارة جريئة؛ فتساءلتُ: ((هل يمكنك تأييد ذلك بأمثلة كيف أن الإيمانات الأخرى تفشل في هذه الاختبارات؟ فأجابني: )) تأمل البوذية. فإجابة بوذا على سؤال الأخلاق لا تتوافق مع إجابته بخصوص الأصول. فبوذا ليس موًحداً بالله؛ إن لم يكن ملحداً. ولكن إن لم يكن هناك الخالق؛ فمن إذاً سيصل الإنسان إلى قانون أخلاقي؟ أو فكر في الرؤية الهندوسية لتناسخ الأرواح. لو كان كل ميلاد جديد؛ وكل حياة تُعوًض عن الحياة السابقة؛ فما الذي كنت تُعوِض عنه في ميلادك الأول؟ لاحظ أن عدم الترابط هو السائد.))

كان زكريا سريعاً لإضافة انه لم يكن يحاول تشويه سُمعة تلك الديانات. فقال: ((الدارسون الكبار سيقولون لك بعدم الترابط. فحتى غاندي قال إنه لو اُتيحت له الفرصة، لحذفَ بعض الأسفار من الهندوسية لأنها متعارضة جداً مع بعضها البعض. وعلى النقيض يُقدٍم يسوع إجابات هذه الاسئلة الجوهرية الأربعة للحياة بطريقة تتناسب مع الواقعية والتناغم الداخلي؛ على عكس أي نظام ايماني آخر.))

أثارت هذه العبارة التحدي؛ فقلتُ له: ((تعمًق في كل واحد؛ وقُل لي كيف.))

فأجاب: ((حسناً جداً، بخصوص الأصول يقول الكتاب المقدس إننا لسنا مماثلين لله على خلاف إدعاء الهندوسية – بل متميزين عنه. وبأسلوب آخر إننا لم نأتَ بانفسنا إلى الوجود؛ بل نحن خليقة الله. وحيث خُلقنا على صورته هذه، فهذا معناه أن البشر لديهم قوة أخلاقية للرجوع إليها. لا نظام يمكنه أن يشرح هذا إلا الأنظمة التوحيدية. فحتى الطبيعيين ليس لديهم تفسير لإطار الإنسانية الأخلاقي، ومع ذلك فإن الإطار الأخلاقي هذا يتجاوب مع واقعية الإختبار الإنساني.

((تقول المسيحية أيضاً إننا رفضنا الإرادة الإلهية. فقد قال المُجرّب في الجنة إن أكلت هذه الثمرة ستصير مثل الله عارفاً الخير والشر. والمعنى المُتضمن هنا هو أنك تصير مُحدِد الخير والشر. لقد وُلدت الحركة الإنسانية Humanism ها هنا؛ فالإنسان أصبح مقياس كل الأشياء. وهذا التمرد العنيد ورفض الله يتناسب مع الواقع. وكما قال مالكوم ماجريدج؛ فإن الفساد الإنساني هو الحقيقة الأكثر تأكيداً تجريبياً، لكنها أيضا الأكثر مقاومة فلسفياً.

((وبعد ذلك موضوع المعنى. مرةً أخرى يقف الإيمان المسيحي منفرداً، فأسهل طريقة لوصفه هي أن الله لا يدعونا للمعنى بأن يطلب منا أن نكون أناساً أخيار. ولا يدعونا إلى المعنى بمجرد أن يقول لنا أن نحب الواحد الآخر. بل في خبرة العبادة فقط يظهر المعنى. شئٌ ما أعظم من السعادة يمكنه أن يمنح المعنى؛ وهذه هي فرادة الله الخالدة في العبادة. يخبرنا الكتاب المقدس أن نحب الرب إلهنا من كل قلبنا، ونفسنا، وعقلنا، وعندما نفعل ذلك نبدأ أن نحب جيراننا كأنفسنا. وهذا أيضاً يرتبط بالاختبار.

((وبعد ذلك تقول المسيحية إن الأخلاق ليست موضوعة ثقافياً؛ بل بالأحرى تنمو من شخصية الله نفسها. وإلا لانتهى بك الأمر بعقدة فلسفة الماضي: هل القانون الأخلاقي متسلطاً عليك، أم أن قانوناً أخلاقياً خاضعا لك؟ الطريق الوحيد لتفسير ذلك هو أن تجدها في الله الغير محدود، كُلِي القدرة، الأخلاقي، الأبدي، الذي لا ينفصل عن شخصيته. وهكذا فالمسيحية تفسر الأخلاق بأسلوبٍ مترابط.

((وأخيراً، فالمصير مؤسس على قيامة يسوع المسيح؛ ذاك الحدث التاريخي الذي أثبت ألوهيته، وفتح الباب للسماء لكل من يتبعه. اين يمكنك أن تجد شيئاً يتقارب مع ذلك؟

((حكى بيللي جراهام ذات مرة عن مقابلته كونراد أدينيه عمدة كولونيا الذي سجنه هتلر لمعارضة الحكم النازي، ثم صار فيما بعد المستشار المعتبر لألمانيا الغربية منذ العام 1949 إلى العام 1963. نظر أدينيه إلى عيني جراهام وسأله: ((هل تؤمن بقيامة يسوع المسيح من الأموات.)) فأجابه جراهام: ((بالطبع أؤمن.))

فرد عليه أدينيه: ((مستر جراهام، بعيداً عن قيامة يسوع، لا أعرفُ أي رجاءٍ آخر لهذا العالم.))

((لقد كان على حق. فلأن القيامة هي حدث تاريخي فعلي؛ يمكننا أن يُغفر لنا، وأن نتصالح مع الله، وأن نقضي معه الأبدية، ونثق بتعاليم يسوع على أنها من الله.

((كان أحد أصدقائي متحولاً عن الإسلام اُستشهد فيما بعد. أتذكر زيارته في المستشفى بعد بتر رجليه، فقال لي: ((كلما أفهم ماذا قال الآخرون وماذا علًموا، كلما يبدو يسوع المسيح أكثر جمالاً بالنسبة لي. لم انس ذلك على الإطلاق، وأؤمن انه حقيقي تماماً.))

((لم يتكلم إنسانٌ قط مثل يسوع. ولم يجب إنسانٌ قط على الأسئلة كما أجاب هو، لا افتراضياً فقط، بل شخصياً أيضاً. وجودياً، يمكننا التأكد من ذلك. وتجريبياً، يمكننا التأكد من ذلك. الكتاب المقدس ليس مجرد كتاب تصوف أو روحانية، لكنه كتاب يُقدِم لك أيضاً الحقائق التاريخية – فلو كنتَ متشككاً أميناً، فهو لا يدعوك إلى مجرد إحساس، بل يدعوك إلى اقنوم حقيقي، ولهذا قال الرسول بطرس: ((لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ.))(14)

((إنه يقول: هذا حقيقي. هذا واقعي. هذا يمكن الوثوق به. نعم، هذا يمكنه أن يستثنى ما يناقضه.))

عن الأفيال والإيمان

حتى لو كان زكريا على حق بخصوص المسيحية، فهل معنى ذلك بالضرورة أن كل الديانات الأخرى خاطئة؟ ربما تُعلٍم نفس الحقائق الاساسية في جوهرها، مستخدمةً لغةً مختلفة، وصوراً متنوعة، وتقاليد متعددة لتوصيل المعتقدات المتطابقة أساساً.

قلتُ: ((يقول البعض إنه عندما تُجرِد كل شئ، فكل ديانات العالم تُعلِم أساساً الأبوة الكونية لله والإخوة الكونية للجنس البشري. وسوف يكون معنى هذا أن كل أنظمة الإيمان في العالم صالحة بشكلٍ متساوٍ.

فهز زكريا رأسه، وكان وجهه ينم عن الفزع، وقال: ((الإنسان الذي لا يفهم ديانات العالم هو الوحيد الذي سيزعم أنها أساساً نفس الشئ.))

ماذا يقصدون بالإبوة الكونية لله بينما البوذية لا تزعم حتى بوجود الله؟ ماذا نقصد بأبوة الله بينما بينما شانكارا – أحد أكثر الفلاسفة الهندوس احتراماً – قال إن التوحيد هو مجرد أسلوب طفل للصعود أخيراً إلى القمة، وهناك ستكتشف أن الله ليس مختلفاً عنك؟ ما معنى أبوة الله إذاً؟ إنها وهم. إن أبوة الله هذه ليست تعليماً متشاركاً بين الديانات.

ثانياً، إخوة البشرية – نعم، نحن إخوة وأخوات كبشر، ولكن السبب الوحيد في ذلك هو أن الله قد صممنا جميعاً. فحالما تضع هذا الأساس جانباً – قالها ضاحكاً – فسوف تنتهي بك الإخوًة بأغطية أكثر من إخوة، ففي الغالب، الإسلام، والبوذية والهندوسية، والمسيحية لا تقول نفس الشئ. فهي تعاليم دينية متمايزة ومقصورة تبادلياً. ولايمكن أن تكون كلها على حق في نفس الوقت.

حتى هذه اللحظة لم أحاول التوفيق بينها. فاقترحتُ قائلاً: ((ربما تحتوي كل ديانة على جزء من الحق. فقد قال اللاهوتي جون هيك إن ديانات العالم هي استجابات مختلفة متلائمة ثقافياً لـ ((الحقيقة))، أو الله. أليس هذا مثل القصة القديمة عن الرجال العميان الثلاثة الذين يشعرون بوجود الفيل – فكل ديانة هي محاولة صادقة لكنها غي كافية لتفسير سر الله، وهكذا تكون كل ديانة صالحة بأسلوبها الخاص؟))

فبدأ زكريا بقليل من الجودو الفلسفي قائلاً: ((إما أن يكون هيك نتاج ثقافته الخاصة، أو إنه قد سما بثقافته لصياغة هذه العبارة. فلو كان سما بثقافته، فلماذا لم يسمو إنسانٌ آخر بالثقافة؟ هذا يبدو سوفسطائياً جداً من الناحية الأكاديمية، لكنها تحتوي على مشكلات كثيرة جداً في جوهرها))

فسألته: مثل ماذا؟))

((مثلا، هل الملحد لديه جزء من الحق، أم أن الملحد مُهمشاً هنا؟ لو كان الملحد لديه جزء من الحق، فاي جزء يكون، حيث ان عقيدة الإلحاد الرئيسية هي إنكار حتى وجود الله؟))

توقف حتى يسمح للسؤال أن يحل نفسه، ثم اضاف: ((سأقولُ هذا: هناك ملامح للحق في كل الديانات الرئيسية فعلياً. وهي تحتوي على بعض الأفكار والتاملات العظيمة. فقراءة فلاسفة الشرق المشهورين مُحفزة جداً جداً. لكن الأمر ليس كما لو أننا عمياناً نستكشف الفيل، أحدنا يشعر بوجود القدم ويعتبره شجرة، والآخر يشعر بوجود الخرطوم ويعتبره حبلاً، والثالث يشعر بوجود الأذن ويعتبرها مروحة.

قال وصوته يتصاعد للتأكيد: ((إن فكرتي هي أن المَثل قد كشف بالفعل حقيقة أن هذا هو بالحقيقة فيلاً! فالأعمى يمكنه أن يقول لك أنه شجرة، لكنه على خطأ. إنه ليس شجرة او حبلاً أو مروحة. لكن المُبصر يعرف ان هذا فيلاً. إنه يعرف الحق، فبصره قد كُشف له هذا. ويسوع المسيح اوضح الأمر ان الحقائق الأبدية عن الله يمكن أن تُعرف. يسوع المسيح هو مركز الإنجيل – ففيه جاء كل الحق معاً. ولذلك فبينما يمكن أن تكون هناك لمحات من الحق في مكانٍ آخر، فإن مجموع الحق الكُلي يوجد في المسيح.

((إن هكذا تفسير يتجاهل إمكانية ان الله يكشف عن نفسه، ومن ثم يمكننا أن ننال المعرفة عن ما هو. لكن بدلاً من ذلك، جعل هذا الثقافة والحدس ساميان. لكن الكتاب المقدس يقول إن الله كشف عن نفسه: ((فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَ الْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَ كَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. … وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا.))(16)

الفداء والبر والعبادة

قال الكوميديان كوينتن كريسب ذات مرة: عندما اخبرتُ شعب ايرلندا الشمالية أنني كنتُ ملحداً، وقفت امرأة من الجمهور وقالت: حسناً، ولكن أي إلهٍ لم تؤمن به – إله الكاثوليك أم إله البروتستانت؟))

لقد كانت دعابته بالفعل تعليقاً حزيناً على عمق الصراع الطائفي في تلك الأرض. فعبر القرن شهد العالم الكثير من القسوة والعنف وفقاً لاختلاف رؤية الناس لله. وفيما سأم البعض التشاحن الديني، أعلنوا أن العلم سيكون مكاناً أفضل لو توًقف الناس ببساطة عن الدخول في المجادلات التعليمية والتركيز بدلاً من ذلك على الحياة في سلامٍ مع الآخر.

أشرتُ إلى زكريا قائلاً: ((هناك مسلمون ويهود ومسيحيون ومرمون وهندوس يعيشون بصورة أخلاقية. أليس أسلوب حياة الإنسان وعلاقته مع جاره أهم مما يؤمن به لاهوتياً؟

فأجابني: ((طريقة حياة الإنسان وطريقة معاملته لجاره مهمة جداً، لكن ليست أهم مما يؤمن به، لأن ما يؤمن به ينعكس على الطريقة التي يحيا بها. وبغض النظر عن ما إذا كان قد قرر عبارة تعليمية، فما يؤمن به حقاً هو ما سيحياه أخيراً. لكن هذا السؤال يقدم افتراض أن الأخلاق هي الحياة كلها.))

فقلتُ: ((إن لم تكن الحياة هي ان تكون اخلاقياً، فماذا إذاً؟))

فقال: ((يسوع المسيح لم يأتَ هذا العالم ليجعل الأشرار اخياراً، بل جاء ليجعل الموتى أحياءً. جاء حتى أن الموتى عن الله يقومون لله. لو كانت  هذه الحياة كانت عن الأخلا ق فقط، فسوف يكون الشئ الأهم هو كيف تعيش، رغم أنه سيبقى متصلاً بما تؤمن به. لكن هذا يُسئ فهم المفهوم المسيحي الذي يقول مهما عشنا جيداً، لا يمكننا ان نبلغ مستوى وشخصية الله.

 ((إن كلمة ((خطية)) معناها فقد الهدف. ولو كان هذا تعريفً صحيحً، تصبح نعمة الله الحق الأكثر أهمية. فبعيداً عن الله، لا يمكننا حتى أن نؤمن بما هو صحيح، بغض النظر عن الحياة بالأسلوب الصحيح.

((نعم، الحياة بعطف وبأخلاق أمر مهم إن كان نابعاً من أجل البقاء. لكن الفلاسفة من سقراط، أفلاطون، وارسطو، حتى مفكري التنوير أمثال ايمانويل كانت كانوا غير قادرين حتى على تعريف معنى الأخلاق. وأخيراً استطاعوا فقط أن يُهدونا ما قدمته الأخلاق للمجتمع.

((عندما درستُ الاختيارات التي يمكن للناس من خلالها أن يحيوا حياةً صالحةً، وصلتُ إلى ستة أو سبعة منها، مثل موقف أخلاقيات جوزيف فليتشر؛ إنسانية آين راند الفردية؛ فكرة كانت عن الواجب، وهكذا. لكنها كانت تتناقض معاً بشدة، وسبب ذلك هو أنه لم يكن هناك منطقً أخلاقي مؤثرً ساميً. لقد انخفضوا جميعاً لمجرد البقاء. وهكذا آمنتُ أن الخير أو الشر هو نقطة البداية الخاطئة، وأن الحياة والموت – روحياً- هو حيثما تبدأ.

فقلتُ: ((ولكن كما افترضتَ، من المهم كيف يعيش الناس. فغاندي مثلاً عاش حياة أكثر فضيلة من معظم المسيحيين. فلماذا يجب أن يُطرح في الجحيم فقط لأنه لم يكن تابعاً يسوع؟))

فقال مبتسماً: ((هذا موضوعٌ شائك. فعندما أُسئل هذا السؤال أمام حشدٍ كبير، أريدُ حينها أن آخذ استراحة قصيرة! لكن الكتاب المقدس يُقدَم لنا إرشاداً لحل هذا.

((أولاً من المهم أن نعرف أنه لا إنسان يُودع إنساناً آخر إلى السماء أو الجحيم. ففي الواقع الله نفسه لا يرسل أي إنسان إلى السماء او إلى الجحيم، بل أن الشخص بنفسه يختار إما الاستجابة لنعمة الله أو رفض نعمة الله، رغم أن حتى هذا القرار قد تمكن بنعمته.

((ثانياً، سأل ابراهيم الله في قضية سدوم وعمورة ما إذا كان سيدع الأبرار يموتون مع الأشرار، وكان من الرائع كيف أن إبراهيم قد أجاب على سؤاله الخاص. فقد قال: ((ادَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلاً؟))(17) وهذا معناه أنه يمكننا أن نكون واثقين تماماً أنه مهما يفعل الله لتحديد مصير غاندي أو أي إنسانٍ آخر، فسوف يفعل ما هو حق.

((والآن فكر في هذا: يقول الكتاب المقدس إن كل إنسان يقضي الأبدية مع الله في السماء هو هناك بفضل نعمة وتدبير يسوع المسيح الذي آمن به الإنسان وقبله. ولكن لو رفض الإنسان تلك النعمة، فهل كان صالحاً أو شريراً؟ هذا سؤالٌ مثير لأن الكتاب المقدس يقول لنا لا أحد صالح حقاً حتى يُفدى.))

فقلتُ: ((اشرح ذلك. ))

((إن نموذج الخروج نموذجً ثلاثيً. فالله اخرج الشعب من مصر، واعطاهم الناموس الأخلاقي، ثم اعطاهم خيمة الاجتماع. بتعبير آخر: الفداء، والبر، والعبادة. لا يمكنك أبداً أن تنتهك هذا التسلسل. فإن لم تُفدى، لا يمكنك أن تكون باراً. وإن لم تُفدى وتتبرر، لا يمكنك أن تعبد لأن الكتاب المقدس يقول: ((مَنْ يَصْعَدُ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ؟ وَمَنْ يَقُومُ فِي مَوْضِعِ قُدْسِهِ؟ اَلطَّاهِرُ الْيَدَيْنِ، وَالنَّقِيُّ الْقَلْبِ.))(18)

((وهكذا فإن الفداء هو أهم خطوة نحو البر. لو حاولتُ أن اجاهد بنفسي نحو الخير، فأنا اقول اساساً إنني لستُ بحاجةٍ لفداء الله. فأنا فادي نفسي. أي إنسان – صالحاً – أو شريراً في اعيننا – يقول هذا ينتهك بذلك مبدأ أساسياً لوحي الله، وهو أن الفداء هو الخطوة الأولى.))

وماذا عن غاندي إذاً؟

كان عقلي لا يزال مُرًكزا على غاندي، فقلتُ: ((غاندي لم يتبع يسوع، لذلك اعتقد أنك ستقول إنه لم يُفدى.))

فأجابني زكريا: ((هذا شئٌ سيحدده الله. ومع ذلك، فما الذي آمن به غاندي؟ لقد لخصه في عبارةٍ واحدة: ((الله هو الحق، والحق هو الله)). وسؤالي له سيكون: ((ما معنى هذا؟)) نحن نجلس في غرفة، وهذه عبارة صحيحة. فما علاقة ذلك بكون هذه الغرفة إلهاً أم لا؟ لا علاقة. فهي تُطابق عبارة قلتُها تواً. الله موجود – هل هذه عبارة صحيحة؟ لو كانت هذه عبارة صحيحة، فمن هو هذا الله؟))

فقاطعته قائلاً: ((ولكننا هنا نتكلم عن إنسان مثل غاندي الذي عاش حياةً صالحة في نظر الناس، بينما قاتل محترف مثل ديفيد بيركوفيتز ابن سام، قتل الكثير من الأبرياء، وهو الآن يقول إنه يصلي صلاةً ليصير مسيحياً. وسوف يقول المسيحيون إن بيركوفيتز سيذهب إلى السماء بينما غاندي لا. أين العدل ههنا؟

((نحن نريدُ أن نرى العدل لأننا مخلوقات بشرية أخلاقية. ولكن حين نُقلل العدل إلى موضوعات من قبيل مَن تصرًفَ باي أسلوبٍ خلال فترة ممنوحة من الوقت، فسوف نفقد المفهوم الأشمل للعدل. نحن نحكم على ذلك من وجهة نظر نظامنا. فلو كان على الله ان يمنح حقاً ما يستحقه كل منا، لما وصل أيٌ منا إلى السماء.

((هناك نكتة حول أخين عاشا حياةً خليعة، وعندما مات أحدهما فجأة ذهب الأخ الاخر إلى خادم وطلب منه ما إذا كان يمكنه ان يعظ في جنازة اخيه قائلاً له: ((لديَ طلبٌ واحد فقط: ان تشير إلى أخي باعتباره قديساً. فقال له الكاهن إنه سيبذل قصارى جهده لذلك.

((جاءت الجنازة، وكان الخادم يؤبن المرحوم قائلاً: ((أريدُ أن تعرفوا أن هذا الرجل كان خادعاً، كاذباً، غشاشاً، ولصاً، ولكن مقارنةً بأخيه كان قديساً!))

(هناك شفرة حادة لهذه العقدة. فنحن نحاول يائسين ان ندًعي الصلاح بمقارنة أنفسنا بالآخرين. ديفيد بيركوفيتز يمكنه أن يقول: ((مهلاً، انا لستُ هتلر! لم أقتل الملايين، بل قتلتُ مجرد القليلين. أو يقول: ((لم أكن جيفري دامر، فلم آكل ضحاياي.))

نحن نميلُ لاستخدام هذا النوع من المقارنات التي نظهر بها دائماً أفضل من أي إنسانٍ آخر، ونعتقد أننا صالحين. ولكن حسب مقياس الله الأخلاقي الكامل، نفشل جميعاً. كلنا نحتاج غفران الله ونعمته.

((بصراحة ما فعله ديفيد بيركوفيتز كان عنيفاً وشريراً ولا جدال حول ذلك. ومع ذلك، علينا أن ننظر إلى ذلك في ضوء خطة الله الكلية. فانت تعرف أن هناك أموراً اسوأ من الموت أو القتل.))

فتساءلتُ: ((مثل ماذا؟))

فقال: ((رغم صعوبة فهم ذلك، إلا ان أسوأ شئ هو ان تقول لله إنك لا تحتاجه. لماذا؟ لأن الميت يمكنه أن يعود إلى الحياة من قَبل الله، والمحروم يمكنه ان يجد السلام من قَبل الله، والمجروح يمكنه أن يجد عون الله وقوته، ويرى حتى الله يحارب في الظلام لغز الشر. بأسلوب آخر هناك ملاذٌ اثناء هذه الأهوال. ولكن بالنسبة لمن لا يحتاج الله، فما هو الملاذ؟ لا يوجد.

((لذلك السؤال ليس هو ما اذا كنتُ ديفيد بيركوفيتز، أو مهاتما غاندي، أو ادولف هتلر، أو الأم تيريزا. السؤال هو: ((هل بلغتُ لإدراك أنني قد خبتُ عن مقياس الله الكامل، ومن ثم من نعمة الله، وليست لديً إمكانية لأكون معه في السماء؟))

((بصراحة لو عشتُ حياة أعتقد انها جيدة جداً لدرجة أنني لا أحتاج الله، فمن السخرية أن بيركوفيتز سيكون قد وجد الحق المطلق الذي أعمتني كبريائي وذاتي عن رؤيته. فما الجحيم إلا غياب الله؟ بالنسبة لي أن أحيا حياتي مع غياب الله هو أن أكون حقاً على الطريق إلى الجحيم.))

فعارضته قائلاً: ((لكن هل من العدل أن يفلت بيركوفيتز دون عقاب؟))

فقال زكريا: ((لستُ متاكداً أنه افلت. نعم الله غفر له لو كان قد اعترف وتاب وطلب رحمة الله. لكن كلما انسجم مع من هو المسيح، كلما تعمق المه لما فعله.

((دعني أُقدّم لك مثالاً. افترض أنك تقود سيارتك وشرد ذهنك للحظات. وفجأة هناك طفل يركض أمامك فصدمته. كلما كنتَ على علاقةٍ أقرب بالماساة، كلما تعاظم ثقلك لبقية حياتك. لن تكون قادراً أبداً أن تنظر وجه طفلٍ آخر دون أن تفكر: ((ماذا فعلتُ؟ ماذا فعلتُ؟))

ربما نعتقد أن بيركوفيتز قد افلتَ بمعنى أنه لم يذهب إلى المشنقة، لكن هناك شئٌ مثيل وهو مشنقة القلب. فقلبك يمكن أن يكون متناغماً جداً للجحيم الذي أطلقتَ سراحه. لا أؤمن أن الإنسان المهتدي حقاً يمكن أن يجلس في زنزانته ويقول: ((حسناً، لقد عرفتُ المسيح، ولذلك لن أموت بسبب ذلك، لا، فأحياناً ما يكون جحيم القلب الداخلي عميقً ومؤلمً جداً.

((أعتقد أن هناك جحيماً لخلاص متأخر لأن الدموع المسكوبة هي دموع ما فُقدَ قبل أن تصل لمعرفة الله. فهل يغير ماضيك؟ نعم، ولكن احياناً لا يمكنك أن تنساه.))

يقول هذا، توقف زكريا ورجع للخلف في كرسيه. وعندما واصل الكلام قائلاً: ((كلما يُساء فهم النعمة، سيؤدي الأمر دوماً إلى المقارنة والغيرة أو السخط وتهمة الظلم. ومن المثير بشكلٍ كافٍ ان يسوع يناقش هذا الموضوع نفسه.

((في أحد امثاله، سخط الفعلة الذين عملوا اليوم كله أن الذين جاءوا في الساعة الأخيرة قد نالوا أيضاً نعمة المالك.(19) إن احد أكثر الحقائق المذهلة للكتاب المقدس هي فهم أننا لا نربح طريقنا إلى السماء. فنحن نقرأ أيضاً في الكتاب المقدس قصة  المراة الخاطئة التي قبلها يسوع. فاستنكر الفريسي رحمة الله.(20) الأعمال لها مكان – ولكن كإعلان نوال غفران الله، وليس كإشهار الحصول عليه.))

وماذا عن الذين لم يسمعوا؟

كان القاتل المحترف ديفد بيركوفيتز محظوظاً. فهو يعيش في دولة يتحدث فيها الناس بحرية عن المسيحية. إنسان ما كلمه عن عرض المسيح بالغفران، وهو يقول إنه اعترف بخطاياه وآمن بيسوع. ولكن ماذا عن الناس الذين يعيشون في أماكن لا يُناقش فيه الإنجيل بصورة عادية أو حيث يحظر القانون نشره اصلاً؟

تساءلتُ: )) أليس من الظلم إدانتهم بينما لم يسمعوا عن يسوع بل تبعوا فحسب تقاليد آبائهم الدينية؟))

مدً زكريا يده للكتاب المقدس. وفيما فتحه وقلًب صفحاته حتى سفر الأعمال، لمحتُ الكثير من الصفحات أوضح فيها الآيات الذهبية باللون الأصفر.

((يقول الكتاب المقدس أول كل شئ إنه لا إنسان سيكون في محضر الله بعيداً عن حقيقة ان شخص وعمل المسيح جعلا ذلك بالإمكان. فهذا هو الثمن المُستلزم: موت المسيح على الصليب بديلاً عنا، دافعاً العقوبة التي كُنا مستحقين أن ندفعها. والآن يُولد البعض في ثقافة أو أخرى، لكن الرسول بولس قال شيئاً مثيراً جداً عن ذلك عندما كان يتكلم إلى الأثينيين.

رفع زكريا نظارته الخاصة بالقراءة من جيبه وضبطها حول وجهه بانتظام. وبعدها قرأ جزءاً من فقرة كان بولس يحاجج فيها بعض الفلاسفة اليونانيين:

((وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ، لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا.))

خلع زكريا نظارته وتطلًع إليً قائلاً: ((هذا أمرٌ مهم لأنه يشير إلى أن هناك خطة خلاصية في الخلق، حيث أن كل إنسان مخصص له محل ميلاد. فالله يعرف أين سنولد واين سنُربى، وهو يصنعنا في موضع يمكننا فيه أن نطلبه. نحن نعرفُ بوضوح أنه حيثما عشنا – في اية ثقافة، وفي أية أمة – يكون الله في متناول كل منا. وهناك دائماً إمكانية إنسان يصرخ على ركبته قائلاً: ((ساعدني يا الله))، ولو حدث ذلك فهناك طرق يمكن لله فيها أن يرعاه تتخطى إدراك عقولنا.

((مثلاً؟))

((مثلاً، يمكنه أن يُرسل له إنساناً يتشارك معه الإنجيل. أو دعني أقول لك ما حدث في حالة امرأة مسلمة عملت في معهد مشهور جداً في دولتها. قالت لي كيف كانت تُغادر مكتبها في نهاية يوم عملها وهي غير سعيدة أبداً في قلبها. وبينما كانت سائرة، تمتمت قائلة: لستُ أدري لماذا أنا فارغة جداً، وبعد ذلك قالت فجأة: يسوع، هل يمكنك أن تساعدني؟ توقفت على الرصيف وقالت لنفسها: ((لماذا دعوته؟ حسناً، لقد صارت هذه المرأة مسيحية.

بالنسبة لها، أعتقد أن الله قد رأى قلباً جائعاً له، لكنه لم يعرف كيف يصل إليه في عزلة وجودها. أعتقد أن الله كان يجتاز حدود بيئتها لأنها كانت بالفعل تخترق حدود حياتها الداخلية، وتسعى نحوه. وبهذا، يمكن لله أن يصل إلى أي وضع ثقافي استجابةً لأي إنسان يريد أن يعرفه.

((طريقة أخرى للنظر إلى هذا الموضوع تأتينا من الرومان، حيث يقول بولس: ((لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ تُرَى أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ.))(22) ثم يقول بولس: ((لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ، الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً))(23) ويتكلم عن كلمة المسيح الضرورية للإنسان الذي يريد معرفته: «فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَا أَجْمَلَ أَقْدَامَ الْمُبَشِّرِينَ بِالسَّلاَمِ، الْمُبَشِّرِينَ بِالْخَيْرَاتِ».(24) أعتقدُ أكثر فاكثر أن كلمة المسيح هذه تأتي داخل إطار الثقافات المختلفة.

((ماذا أقصد بذلك؟))

((لقد تكلمتُ في بلدان إسلامية كثيرة، حيث يكون الأمر عسيراً أن تتحدث عن يسوع. ففي الواقع أن كل مسلم تحول لتبعية المسيح قد فعل ذلك. أولاً بسبب محبة المسيح المُعبّر عنها من خلال إنسان مسيحي، أو ثانياً بسبب رؤية أو حلم أو أي تدخل آخر فائق للطبيعة. والآن لا توجد ديانة بها تعاليم معقدة حول الملائكة والرؤى أكثر من الإسلام. وأعتقد أنه من الاستثنائي أن يستخدم الله هذه الحساسية للعالم الفائق للطبيعة الذي يتحدث فيه بالرؤى والأحلام ويُعلن نفسه.

 ((واحد من أعظم المتحولين في الهند كان من السيخ، ويدعى سوندار سنغ، عرف المسيح من خلال ظهور المسيح له في غرفته في حلم ذات ليلة. كان له تأثيرٌ هائل على حياته فصار مسيحياً. لذلك هناك طرق يمكن ان يكشف بها الله عن نفسه تتخطى عقولنا البشرية.

((والان، إن كان الله قادراً أن يقدم كلمة المسيح بأوضاع عديدة، وبطرق لا يمكننا حتى أن نفهمها – وإن لم يكن بعيداً عنا اينما كنا، وإن كان يمكنه أن يتحدث من خلال الإعلان العام للخليقة، ومن خلال الضمير – فعلينا إذاً أن نقبل حقيقة أننا بلا عذر. فكل إنسان سيعرف الحق بطريقةٍ كافية حتى لو استجاب لذلك الحق المعروف، فسوف يكشف له الله المزيد. هل هذا معناه أنه عليهم أن يكون لديهم مقدار من الحق كمن هو في وضع اخر؟ لا أعتقد ذلك.))

حاولتُ تلخيص فكرته، فقلت: ((هل تقصد أنه بغض النظر عن أين يعيش إنسان في العالم، وبغض النظر عن الثقافة التي يعيش فيها، عندما يستجيب فهم أنه يطلب الله بطريقةٍ ما، فسوف تتاح له فرصة أن يستجيب الله له؟))

فيما تكلمتُ كان زكريا يزن كلماتي بحرصٍ فأجابني: ((أعتقد ذلك. علينا أن نكون حريصين جداً ههنا، ولكني أؤمن أنه لو طلب إنسان الله بعمق وبإخلاص، فسوف تكون هناك طريقة يُتيحها الله لذلك الإنسان ان يسمع عنه. ولو لم يستجب ذلك الإنسان لله تحت أية ظروف، فربما لن يسمع عنه. لكن كل البشر يعرفون ما يكفي لدينونتهم، فهم ليسوا بحاجة لسماع يوحنا 3: 16 حتى يضلوا. فهم ضالون لأنهم رفضوا حقاً ما قاله الله لهم من خلال الخليقة، وضميرهم، وبطرقٍ أخرى. وبسبب ذلك، سوف نقف جميعاً نُقدٍم حسابنا أمامه.))

((الإخلاص مهم إذاً؟))

((الإخلاص ليس هو الخلاص . لكني أعتقد أن الإخلاص يجلب إمكانية أن يعلن الله عن نفسه لك. يمكن أن يبدو البعض مخلصين، وعندما  يُقدًم المسيح لهم يرفضونه. إنهم يفشلون في اختبار الحق.))

فقلتُ: ((أنت تؤمن إذاً أن كمّ المعلومات التي يحتاجها الإنسان بخصوص المسيح يمكنها أن تتفاوت إلى حدٍ كبير؟

((نعم، أؤمن بذلك. فخطر المنظور الغربي هو الاعتقاد بانه إن لم يُغلًف شئٌ ما بترتيب، فهو غير جيد.)) ولسوء الحظ، فإن بعض المسيحيين الغرب يعتقدون أنه إن لم يقل المرء قانون الإيمان كما يقولونه هم، فهو لا يعرف الله.

((ومع ذلك، ماذا يعرف الطفل عن امه؟ إنه يعرف انها تُربيه، وتُغير ملابسه، وتحتضنه، وتُقبله – فلا بدً أن يكون صديقة. هذا الطفل لا يعرف أمه كما سيعرفها عندما يكون في الثامنة عشر. لكنه يعرفها بدرجة كافية لدرجة انه يحبها. أؤمن أنه بينما يُعلن الله عن نفسه، فهناك مستويات من الفهم خاضعة للتنوع.))

لماذا ليس يسوع؟

لو كان يسوع هو الحق، فلماذا يرفضه الكثيرون جداً؟ وإن كانت المسيحية حقيقية، ألا يجب أن تنتصر أخيراً؟ هذا ما لا تُوضحه الإحصاءات. فالمسيحية تُحرز تقدماً ضئيلاً نسبياً في ربح مهتدين من ديانات العالم الرئيسية الأخرى. وأساساً يميل الناس في أرجاء العالم لتبني ديانة آبائهم.

سألتُ زكريا عن ذلك، وقال إن هذه الأمور تُحيرّه كمدافعٍ عن المسيحية، لكن هناك بعض التفسيرات.

((لرؤية هذا النموذج من منظورٍ مختلف، لماذا البوذية شائعة جداً في أمريكا اليوم؟ إجابتي بسيطة: لأنه يمكنك أن تصير صالحاً بدون الله. فلو أمكنك أن تكون لديك جرعة مناسبة من الروحانية من الثالثة حتى الخامسة مساء، ثم تُقسّم حياتك من جديدٍ وتحياها كما تشاء، فحسنا، لم لا؟ ديانة كهذه سيكون لها الكثير من الجاذبية.

 ((لماذا الإسلام جذاب للبعض؟ بسبب الاعتبارات السياسية الجغرافية. لماذا الإيمان الهندوسي جذاب؟ لأنه ثري في الفلسفة، وعقيدته لمعاملة الأرض بتوقير تنال بعض الإعجاب اليوم.))

فتساءلتُ: ((لماذا ليس المسيح؟))

فأجابني: ((لأنه يدعوكَ أن تموت عن ذاتك. فكلما يتضمن الحق تكريس كامل تُخضع فيه نفسك للإتضاع الكامل، واستسلام الإرادة، كلما تواجه المقاومة على الدوام. إن المسيح يخترق قوتنا واستقلاليتنا. إنه يتحدانا في مجالات الطهارة. يوحنا المعمدان جاء معطياً الناموس. ولم يحب الناس هذا. يسوع جاء معطياً رسالة النعمة، فقالوا: ((لماذا لا تعطينا برهان الناموس؟ كل ما يُقدّمه يسوع للثقافة، تريد الثقافة ان تغيره. ففي عمق الرفض هناك مقاومة تاكيد من هو.

((البوذية والأنظمة الدينية الأخرى تقول للناس اساساً كيف يُحسّنوا انفسهم عن طريق أنفسهم. لم تكن لديً مشكلة أبداً لمعرفة ما هو صحيح وما هو خطأ في معظم المواقف، لكن ما كنتُ اريده هو إرادة فعل الصحيح. هنا يأتي دور المسيح. فهو يقول إن قدمت له نفسك بأكملها، فلن يمنحك الحياة الأبدية فحسب، بل سيغير أيضاً ما تريد ان تفعله في هذه الحياة.))

بما أنني أعرفُ مستوى التكريس الذي تتطلّبه المسيحية، كنتُ فضولياً لمعرفة ما الذي دفع زكريا للاستجابة الإيجابية لرسالة يسوع. فقلتُ له: أخبرني القليل عن قصتك.))

فنظر للأسفل للحظات، ثم مدً يده لكوب الشاي وشرب قبل الإجابة.

بدا قائلاً: ((في الهند تعيش الحياة التي وُلدتَ فيها. فابي وأمي كانا مسيحيان بالاسم. وفي الحقيقة كان السبب انهما مسيحيان هو ببساطة انهما لم يكونا بوذيان او مسلمان أو هندوسيان. لا يمكنني أن أذكر أبداً سمع كرازة الإنجيل في كنيستي التي كانت متحرّرة الفكر.

((قبل مجيئي إلى المسيح بقليل، كانت اخواتي قد اكتشفن الإنجيل وقمن بتكريسهن الشخصي. آمنتُ بيسوع في مرحلتين. الأولى كانت عندما سمعتُ الإنجيل مُعلناً بشكلٍ عام في قائمة استماع عندما كنتُ في السابعة عشرة. قلتُ لنفسي: ((هناك شئٌ حقيقي بخصوص هذا وأنا اريده.)) تقدمتُ وحصلتُ على النُصح، لكني لم أفهم كان التعليم كثيراً جداً.

((في ذلك الوقت كنتُ واقعاً تحت الكثير من الضغوط في ثقافةٍ كان الأداء الأكاديمي فيها يتمتع بأهميةٍ قصوى. فإن لم تكن في قمة الطبقة، فلن تنجح. لم أستطع التكيف مع ذلك. وأيضاً كان لي أب صارم جداً، وقد تصارعتُ مع ذلك، فقد تلقيتُ الكثير من العقاب الجسدي.

((بعد شهورٍ قليلة قرّرت إنهاء حياتي. لم أكن مكتئباً، فلقد صُدمّ اصدقائي عندما سمعوا أنني افكر في الانتحار. ولكن بالنسبة لي، كانت الحياة بلا معنى او هدف. ذهبتُ للمدرسة يوماً ما واستخدمتُ مفاتيح معمل العلوم لفحص بعض السموم. وضعتها في كوبٍ من الماء، وتجرعتها، منهاراً على ركبتي.))

حملقتُ وأنا لا أصدق. فمع إنسان محنك، رفيع الثقافة، واسع المعرفة، واضح، ومؤثر اليوم مثل زكريا، كان من المستحيل بالنسبة لي أن أتخيله مراهقاً مرتبكاً مقطوع الرجاء منهاراً على ركبتيه لاهث النفس لأن السموم قد تغلغلت في أوردته.

واصل قائلاً: ((أسرعَ بي خادمي في البيت إلى المستشفى. ولو لم يكن هناك حينها، كنتُ قد مُتُ. افرغوا كل السموم من داخلي. وبينما كنتُ مُستلقياً على الفراش، دخل صديقٌ بعهدٍ جديد وأظهر لي يوحنا 14. لم أستطع أن امسك الكتاب، فقد كان جسدي خالياً جداً من الماء. كان على أمي أن تقرأه لي.

((كانت تقرأ حيث كان يسوع يتكلم إلى توما قائلاً: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي.» ثم جاءت إلى آية 18 حيث يقول يسوع لتلاميذه: ((إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ.))

لقد لمست هذه الآية نفسي. فقلتُ في صلاة: ((يسوع، لا أعرفُ عنك الكثير، لكنكَ تقول لي إنك رئيس الحياة الحقيقية.)) لم أفهم مفهوم الخطية. ففي تلك الثقافة لم أستطع ذلك. لكن ما فهمته كان أنه يُقدّم لي ذاته كي يمنحني الحياة.))

((لذلك قلتُ: ((لو أخرجتني من غرفة المستشفى هذه، لسعيتُ جاهداً في بحثي عن الحق.)) وقد خرجتُ من تلك الغرفة بعد خمسة ايام إنساناً جديداً تماماً. بدأتُ في دراسة الكتاب المقدس، وقد غيًر حياتي بصورة درامية. ثم اتى إخوتي لاتباع يسوع، ووالديً أيضاً قبل موتهما.

((لكن في غرفة المستشفى تلك قال لي المسيح إنه يمكنه أن يهبني معنى الحياة حقاً دون ان يشرح إنسان لي هذا. لم أنظر ابداً إلى الوراء. فسنوات الدراسة أكدًت قراري لاتباعي. درستُ بعض محاضرات الفلسفة في كامبردج تحت إشراف ملحد مشهور، واتذكر التفكير في اندهاش: ((هل هذه هي أفضل الحجج لدى الملحدين؟)) لقد كانت تؤكد فحسب على حق الكتاب المقدس.

فقلتُ: ((أنت تتعامل مع الكثير من الباحثين الروحيين الآن، فماذا تقول لهم؟))

((يقول الكتاب المقدس: ((وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ.))(25) فكر في ذلك – فهذا وعدٌ مدهش. اشجعهم لتهيئة قلوبهم وعقولهم لوضع القبول، وعدم إرهاق اذهانهم لاختبار حق الكتاب المقدس. بالنسبة لأي إنسان حقيقي يقدم رؤية غير متحيزة، لا أفهم كيف يمكنه أن يحيا دون أن يقول إنه ليس هناك شئً مثل هذا على وجه الأرض.

((لقد سافرتُ عبر ارجاء العالم. بحثتُ عن كل شئ. ولم اجد ما يُرضي ذهني وقلبي وأعمق اشتياقات نفسي كما في يسوع. فهو ليس مجرد الطريق والحق والحياة، لكنه شخصي بالنسبة لي. إنه طريقي، وحقي، وحياتي – تماماً كما يمكن ان يكون لأي إنسانٍ يصل إليه.

((تذكر ما قاله بولس للأثينيين: ((إنه ليس بعيداً عن أي منا.))

مشاورات

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  • ماذا كان رد فعلك الشعوري لأول مرة سمعت فيها تأكيد أن يسوع هو الطريق الوحيد إلى الله؟ هل تغيرت رؤيتك بعد قراءة مناظرة رافي زكريا؟ كيف؟
  • قال زكريا: ((إن التضمينات الواضحة ليسوع وهو يقول إنه الطريق والحق والحياة هي أولاً لأن الحق مُطلق، ثانياً لأن الحق يمكن معرفته.)) هل تؤمن بهذين التاكيدين حول الحق؟ لماذا؟ لماذا لا؟
  • كيف تؤمن ان المسيحية تتعامل مع موضوعات الحياة الأساسية العقلية الأربعة: الأصل، والمعنى، والأخلاق، والمصير؟ هل تعليم الكتاب المقدس حول هذه الموضوعات يتوافق مع اختبارك؟
  • هل فكرت شخصياً في أية ديانة عالمية اخرى؟ لو نعم، ماذا وجدته جذاباً بخصوصها؟ ما ملامح المسيحية التي تجذبك، وما الملامح التي تصدّك؟
  • يقول الكتاب المقدس عن الله: ((وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ.))، فما الاقتراحات العملية الثلاثة التي تُقدّمها لصديق يريد أن يعرف كيف يمكنه أن يجد الله بهذه الطريقة؟ هل اتخذتَ هذه الخطوات بنفسك؟ ماذا كانت النتيجة حتى الآن؟

لمزيد من الأدلة – مصادر اخرى حول هذا الموضوع

Ravi Zacharias. Jesus Among Other Gods. Nashville: Word, 2000

Paul Copan. True for You, But Not for Me. Minneapolis: bethany House, 1998.

Frank Beck with and Gregory Koukl. Relativism: Feet Firmly Planted in mid-Air. Grand Rapids, Mich.: Baker,1998.

Millard J. Erickson. How shall They Be Saved? Grand Rapids, Mich.: Baker, 1996.

 

من المهين الادعاء أن يسوع هو الطريق الوحيد إلى الله – لي ستروبل

نظرية التطور تفسر الحياة: لذا فالله ليس مطلوباً – لي ستروبل

نظرية التطور تفسر الحياة: لذا فالله ليس مطلوباً

نظرية التطور تفسر الحياة: لذا فالله ليس مطلوباً – لي ستروبل

نظرية التطور تفسر الحياة: لذا فالله ليس مطلوباً
“لم يرد تشارلز دارون أن يقتل الله وهو يصيغ نظرية التطور، لكنه قتله.”

مجلة تايم(1) 

“مازالت نظرية التطور، وكما كانت في زمن دارون، فرضية تأملية على درجة عالية دون دعم واقعي مباشر وبعيد جداً عن تلك الحقيقة البديهية في ذاتها، والتي قد يجعلنا بعض مؤيديها الأكثر تعصباً نصدقها.”

مايكل دنتون، متخصص في البايولوجيا الجزيئية(2) كان المحققون يبحثون في حالة من اليأس عن دليل مادي لربط المشتبه به رونالد كيث وليامسون بإحدى جرائم الذبح التي عكرت صفو مجتمع آداAda ، أوكلاهوما الهادئ، قبل ذلك بثلاث سنوات.

لقد قضوا وقتاً عصيباً في بناء قضية قوية ضد ويليامسون الذي أنكر بشدة ذبح ديبرا سو كارتر البالغة من العمر 21عاماً. إحتوى دليلهم الوحيد الى حد بعيد على أحد الشهود، رأى ويليامسون يتحدث مع ديبرا مبكراً في المساء الذي ذبحت فيه، وإعتراف من قبل ويليامسون بأنه حلم ذات مرة أنه قتلها، وشهادة إحدى واشيات السجن التي إدعت إنها سمعته يتكلم عن الجريمة. ومن الواضح أن الشرطة إحتاجت الى أدلة أكثر إذا أرادت أن تدينه.

وأخيراً أتى المحققون بالبرهان الحاسم. لقد أخذ أحد الخبراء أربع شعرات وجدت على جثة الضحية وفي مكان آخر بمسرح الجريمة، وتم فحصها تحت ميكروسكوب، وإنتهى الى أنها كانت “متوافقة” مع العينات التي تم أخذها من ويليامسون، وفقاً لتقرير الصحافة. ولأن قضيتهم دعمت ببرهان علمي، فقد قبض المحققون على ويليامسون وقدموه للمحاكمة.

لم يمض وقت طويل على هيئة المحلفين حتى أدانت المتهم الأول بالذبح وتحويله الى المحكوم عليهم بالإعدام. وبعد حل الجريمة الشيطانية أخيراً تنفس شعب آدا الصعداء، فقد تحققت العدالة، والمجرم ماض ليدفع حياته ثمناً.

ورغم ذلك كانت هناك مشكلة كبيرة وهي أن ويليامسون كان يقول الحقيقة بشأن براءته. فبعد أن فترت همته في السجن لمدة 12عاماً- 9 منها في إنتظار الاعدام- أثبت تحليل الـDNA في مسرح الجريمة أن شخصاً آخر هو الذي إرتكب جريمة القتل. وفي 15 أبريل 1999 تم أخيراً إطلاق سراح ويليامسون(3).

ولكن مهلاً، ماذا عن دليل مقارنة الشعر المشار إليه تجاه إثم ويليامسون؟ فإذا كان قد تم إيجاد شعره في مسرح الجريمة، أفلا يورطه هذا في الجريمة؟ الإجابة محبطة: إن دليل الشعر غالباً مايوهم إنه يبرهن على أكثر مما يقدم في الواقع.

لقد تجاهل التقرير الصحفي بعض الإلماحات الهامة. فالشعر الذي من مسرح الجريمة لم “يتوافق” في الواقع مع شعر ويليامسون. وقد أستنتج أحد الباحثين في الجريمة بمجردإنها كانت “متوافقة” مع بعضها البعض. ومن ناحية أخرى فإن لونها وشكلها ومادتها بدت متشابهة. وهكذا يمكن أن تكون قد جاءت من ويليامسون- أو ربما تكون قد جاءت من شخص آخر.

لقد اطلق على تحليل الشعر “علماً كاذباًpseudo- science ” من قبل محللين قانونيين وذلك بعيداص عن تورطها في الجريمة مثل آثار الأصابع. غالباً مايسمع أعضاء هيئة المحلفين شهادة مؤثرة بشأن مايظهر وكأنه برهان واضح علمياً، وختموا- بشكل غير صحيح- بأنها تثبت إثم المدعي عليه. وعرف بعض القضاة بالوطأة بأنهم حتى لايميزوا أو يبالغوا في قيمة تحليل الشعر أثناء مناظراتهم الختامية.(4)   

  وفي قضية ويليامسون أطلق أحد القضاة الفيدراليين على دليل الشعر بأنه “غير جدير بالإعتماد عليه علمياً”. وقال إنه كان لايجب أبداً إستخدامه ضد المدعي عليه. والأكثر صعوبة هو إن دليل الشعر قد تم إستخدامه ضد 18 سجيناً محكوم عليهم بالإعدام، وقد تم إعلان براءتهم فيما بعد في ربع القرن الأخير.(5)

تعد قضية رونالد كيث ويليامسون مثالاً واضحاً على إنحراف العدالة. فإدانته غير المبررة تظهر مدى سهولة أن يصور المحلفون خاتمات جارفة لاتبررها الحقائق العلمية الواقعية في الحقيقة. والى حد ما، فإن قصة ويليامسون ضارعت تحقيقي لأحد الأجزاء الأكثر إقناعاً للدليل العلمي الذي يستخدم عادة ضد وجود الله.

إنجاز دارون

رغم وجود الكثير من الأشياء التي قادتني للإيمان، إلا انني أعتقد أنك يمكنك أن تقول أنني فقدت البقايا الأخيرة لإيماني بالله أثناء حصة الأحياء في المدرسة. لقد كانت التجربة شديدة جداً حتى انني أستطيع ان أرجع بك الى المقعد الذي كنت أجلس عليه عندما كنت أتعلم لأول مرة أن نظرية التطور تفسر أصل وتطور الحياة. وكانت المتضمنات واضحة: لقد أزالت نظرية تشارلز دارون الحاجة الى خالق خارق للطبيعة بتوضيح كيف يمكن لعملية طبيعية أن تكون سبباً في زيادة وتعقد وتنوع الكائنات الحية.

لم تكن تجربتي غير عادية، وقد وصف الباحث باتريك جلين كيف سلك سبيلاً مشابهاً إنتهى به الى الإلحاد:

إعتنقت مذهب الشك في عمر مبكر، عندما تعلمت أولاً عن نظرية دارون الخاصة بالتطور في المدرسة الكاثولوكية. إنتابني في الحال فكر بأنه إما أن نظرية دارون صحيحة أو أن قصة الخليقة في سفر التكوين صحيحة. لايمكن لكليهما أن تكونا صحيحتين. ووفقت في الفصل وأخبرت الراهبة المسكينة أيضاً. وهكذا بدأت ملحمة طويلة بعيدة عن الإيمان والممارسة الدينية التقية التي ميزت طفولتي تجاه نظرة مادية وواقعية على نحو متزايد.(6)

في الثقافة الشائعة تعتبر القضية المتعلقة بالتطور مغلقة بوجه عام. لقد صرحت مجلة تايمTime  في خلاصتها في الإلفية الثانية بأن “الدارونية تظل إحدى أكثر النظريات العلمية الناجحة المعلنة على الدوام.”(7) بالنسبة لتشارلز تمبلتون فإن عبارة “كل الحياة هي نتيجة قوى تطورية سرمدية”(8) لاتقبل الخلاف.

قال عالم البيولوجيا فرانسيسكو أيالا إن “أعظم إنجازات” دارون هو الطريقة التي أوضح بها أن تطور الحياة هو”نتيجة عملية طبيعية، إختيار طبيعي، دون أي حاجة للجوء الى خالق.”(9) وقد وافق مايكل دينتون، عالم البيولوجيا الجزيئية الاسترالي والفيزيائي، أن الدارونية “قطعت علاقة الإنسان بالله” ونتيجة لذلك “وضعته تحت رحمة الرياح تجرفه في العالم حيث تشاء دون هدف.”(10) وأضاف قائلاً:

بقدر ماكانت المسيحية مهتمة، فلقد كان ورود نظرية التطور..فاجعاً.. فمن المحتمل أنه يمكن للإنحدارفي الإيمان الديني أن ينسب أكثر الى النشر والتأييد من قبل المجتمع الفكري والعلمي للتفسير الداروني للتطور أكثر من أي عامل آخر.(11)

كما يصرح كتاب البيولوجيا التطورية Evolutionary Biology:

“إنه بإزدواج التنوع الغير مباشر الذي بلاهدف بالعملية العمياء الغير حريصة للإختيار الطبيعي، جعل دارون تفسيرات لاهوتية أو روحية لعمليات الحياة غير ضرورية.”(12) كان المتخصص البيولوجي البريطاني ريتشارد داوكينيز يتحدث للكثيرين عندما قال إن دارون “جعل من الممكن أن تكون أحد الملحدين المحققين فكرياً.”(13) 

وفي الحقيقة فقد سلم  وليام بروفين المؤمن البارز بمذهب النشوء بجامعة كورنيل على نحو صريح إنه إذا ماكانت الدارونية صحيحة، إذاً فهناك خمسة مضمنات لايمكن الهروب منها: لايوجد دليل في صالح الله، لاتوجد حياة بعد الموت، لايوجد معيار مطلق للصحيح والخطأ، لايوجد معنى نهائي للحياة، ولايملك الناس بالفعل إرادة حرة.(14)

ولكن هل الدارونية صحيحة؟ لقد ابتعدت عن تعليمي المنهجي وأنا مقتنع بأنها صحيحة. ورغم ذلك، عندما بدأت رحلتي الروحية تأخذني الى دنيا العلم بدأ ينتابني شعور قلق على نحو متزايد. وكما هو الحال مع دليل مقارنة الشعر في قضية ويليامسون، هل كان المقصود من الدليل على التطور بأنه يبرهن على أكثر مما يبرهن عليه في الواقع؟

كلما تحققت من القضية أكثر، كلما رأيت أكثر كيف تجنبت إلماحات ذات مغزى بشكل متسرع في الحكم، متذكراً محاكمة جريمة قتل اوكلاهوما. وعندما فحصت الموضوع بشكل شامل، بدأت أتسائل ما إذا ماكانت الخاتمات الجارفة لمؤيدي الدارونية تبررها بالفعل الحقائق العلمية العسرة.]ساعدت رحلة مشابهة- على نحوإتفاقي- على إهتداء جلين الى الإيمان بالله مرة أخرى[.

اكتشفت بعدها بوقت قصير أن هذه ليست قضية الدين مقابل العلم، بل بالأحرى هذه قضية العلم مقابل العلم. لقد أثار الكثير والكثير من علماء البيولوجيا والكيمياء الحيوية وباحثون آخرون- ليس فقط المسيحيين- اعتراضات شديدة على نظرية التطور في السنوات الأخيرة، مدعين أن إستدلالاتها الواسعة ترتكز أحياناً على معلومات واهية، وناقصة، أو معيبة.

وبتعبير آخر، فإن مايبدو في البداية مثل قضية علمية محكمة للتطور يبدأ في الإنحلال بالفحص الأكثر إحكاماً. لقد أثارت إكتشافات حديثة أثناء الثلاثين عاماً الماضية عدداً متزايداً من العلماء يناقضون دارون بالوصول الى إنه كان يوجد مصمم ذكي وراء خلق وتطور الحياة.

قال عالم الكيمياء الحيوية مايكل بيهي من جامعة ليهاي في نقده الشديد للدورانية:”إن نتيجة هذه الجهود المتراكمة لفحص الخلية – لفحص الحياة على المستوى الجزيئي- هي صرخة مدوية واضحة خارقة للـ تصميم!”(15) وأستطرد قائلاً:

تتدفق خاتمة التصميم الذكي بشكل عام من المعلومات ذاتها- وليس من الكتب الدينية أو المعتقدات الطائفية…إن معارضة العلم لإعتناق خاتمة التصميم الذكي… ليس له أساس مبرر…لايريد الكثير من الناس، ومن بينهم الكثير من العلماء الهامين والذين لهم مكانة سامية، أن يكون هناك أي شئ بعيد عن الطبيعة.(16)

لقد وصفتني تلك الجملة الأخيرة، وكنت سعيداً جداً للتعلق بالدرواينية كمبرر لنبذ فكرة وجود الله، لذلك يمكنيي بدون إرتباك تتبع برنامجي الخاص في الحياة دون قيود أخلاقية.

ومع ذلك فذات مرة وصفني أحد الأشخاص الذين يعرفونني جيداً كـ (غافل عن الحقيقة).(17) إن تدريبي في الصحافة والقانون يجبرني على أن أتعمق في الرأي، والتأمل، والنظريات الى أن أجد أعمق الحقائق الراسخة، وأحاول كما لو إنني لم أستطع أن ادير ظهري للشكوى من التعارضات التي كانت تشوه أساس نظرية دارون.

قصة بوليسية أساسية

يسلم الجميع بأن نظرية التطور صحيحة الى حد ما، فلايمكن إنكار وجود تباين في أنواع الحيوانات والنباتات، والذي يفسر السبب لوجود أكثر من 200 نوع مختلف من الكلاب، والبقر يمكن تربيته للحصول على إنتاج محسن من اللبن، والبكتريا يمكن أن تهيئ وتطور مناعة المضادات الحيوية. وهذا مايعرف باسم التطور المجهري”micro- evolution”.

لكن نظرية دارون تمضي بعيداً عن هذا جداً مدعية أن الحياة بدأت منذ ملايين السنين بكائنات بسيطة أُحادية الخلية، وتطورت عبر التوالد والإختيار الطبيعي الى العدد الهائل من الحياة النباتية والحيوانية التي أهلت الكوكب بالسكان. وجاء البشر الى مسرح الوجود من نفس السلف الشائع مثل القرد، ويطلق العلماء على هذه النظرية الأكثر جدلاً “macro-evolution”.

وبشكل مبدأي كانت قلة برهان الحفريات للتحولات الى انواع مختلفة من الحيوانات مصدر قلق لي. فحتى دارون سلم بأن نقص هذه الحفريات “ربما هو أوضح وأقوى إعتراض” على هذه النظرية، رغم إنه تنبأ بثقة بأن الاكتشافات المستقبلية سوف تبرئه.

بالتقدم للأمام سريعاً الى العام 1979 قال ديفد إم روب، أمين المتحف الميداني للتأريخ الطبيعي في شيكاغو:

نحن الان على مقربة من 120 عاماً بعد نظرية دارون، وقد إمتدت معرفة السجل الحفري بشكل كبير. ولدينا ربع مليون نوع من الحفريات، لكن الموقف لم يتغير كثيراً… وأيضاً لدينا عدد من أمثلة التحول التطوري أقل مما كان لدينا في زمن دارون.(18)

إن مايبينه السجل الحفري هو أنه في الصخور التي يرجع تأريخها الى 570 مليون سنة يوجد الظهور المفاجئ لكل تصنيفات الحيوانات تقريباً، وتظهر متشكلة على نحو تام ” دون تتبع الأسلاف التطورية التي يتطلبها مؤيدو دارون.”(19) إنها ظاهرة تشير بسهولة لوجود خالق أكثر منها الى الدارونية.

ليس هذا هو الإعتراض الوحيد على نظرية التطور، ففي كتابه أصل الأنواعOrigin of Species ، إعترف دارون أيضاً أنه: ” إذا ماكان يمكن توضيح وجود أي أصل معقد والذي لايمكن أن يتشكل بتعديلات متعددة ناجحة قوية، إذاً فإن نظريتي تتحطم بشكل جذري.” (20) وبأخذ ذلك التحدي فقدأظهر كتاب بيهي الأشهر: صندوق دارون الأسودDarwin Black Box كيف وجدت الإكتشافات الكيميائية الحيوية أمثلة متعددة لهذا النوع من “التعقيد المتعذر تحويله.”

ومع ذلك كنت مهتماً على نحو خاص بقضية أكثر جوهرية، فالتطور البيولوجي يمكن أن يحدث فقط بعد أن يكون هناك نوع من الكائنات الحية التي يمكن ان تضاعف ذاتها ثم تنمو الى شكل معقد عبر التغير الأحيائي وبقاء الأصلح. لقد أردت أن أرجع أكثر أيضاً وان أطرح السؤال الأساسي للوجود البشري: أين بدأت الحياة في المقام الأول؟

لقد خدع أصل الحياة كلاً من اللاهوتيين والعلماء لعدة قرون. قال عالم الكونيات ألان سانداج: “إن أكثر شئ مدهش بالنسبة لي هو الوجود ذاته. كيف يمكن لذلك الشئ، الغير حي، أن ينظم ذاته ويتدبر أمره؟” (21)

كيف حقاً؟ تفترض نظرية دارون أنه يمكن لمواد كيميائية غير حية- إذا توفر لها الوقت والظروف الكافية- أن تطور نفسها الى كائنات حية. بلا شك ان تلك النظرة قد نالت قبولاً واسعاً على مدار السنين. ولكن هل هناك أية معلومات علمية لتأييد ذلك المعتقد؟ أو مثل دليل مقارنة الشعر في محاكمة جريمة قتل أوكلاهوما- هل ذلك التحليل طويل في التأمل لكن قصير في الحقائق الراسخة؟

لقد عرفت أنه إذا ماأستطاع العلماء أن يوضحوا بشكل مقنع كيف يمكن أن تبرز الحياة على نحو غير مشوب، عبر عمليات كيميائية طبيعية، فليست هناك حاجة الى الله. ومن ناحية أخرى إذا ماكان الدليل يشير في الإتجاه الآخر الى مصمم ذكي، فسوف تنهار جميع حيثيات نظرية دارون في التطور.

أخذتني هذه القصة البوليسية الأساسية في رحلة الى هيوستن بولاية تكساس، حيث إستأجرت سيارة وقمت بقيادتها عبر الريف ومزارع  الماشية الى مقر سكنCollege Station، وهو مقر جامعة Texas A & M Univ. أدنى مجموعة مباني من الجامعة، وفي منزل متواضع مطوق، طرقت باب أحد الخبراء الأكثر تأثيراً في كيفية نشوء الحياة على كوكب الأرض البدائي.

اللقاء الثالث: والتر برادلي- دكتوراه في الفلسفة

أحدث والتر إل برادلي ضجة في العام 1984 عندما شارك في تأليف الكتاب المنوي لغز أصل الحياةThe Mystery of Life Origin الذي كان يمثل تحليلاً مدمراً للنظريات حول الطريقة التي خلقت بها الكائنات الحية. لقد إرتفعت الأنظار مندهشة لأن مقدمة الكتاب كتبها العالم البيولوجي دين كينيون، من جامعة ولاية سان فرانسيسكو، الذي جادل كتابه القضاء والقدر البيولوجي سابقاً بأن المواد الكيميائية لها قدرة متأصلة لإنشاء خلايا حية تحت الظروف الملائمة. ومع تسمية كتاب برادلي “المقنع، والأصلي، والمفروض” ختم كينيون: “يؤمن المؤلفون، وأنا الآن أتفق معهم، بأنه يوجد خلل أساسي في كل النظريات الحالية المتعلقة بالأصول الكيميائية للحياة.”(22)

منذ ذلك الحين كتب برادلي وتحدث على نطاق واسع عن موضوع كيف بدأت الحياة. لقد ساهم في كتابةMere Creation،Three Views of Creation and Evolution، بينما كتب هو والكيميائي تشارلز بي ثاكستون جزء ” المعلومات وأصل الحياة” لكتاب فرضية الخليقةThe Creation Hypothesis. وتتضمن مقالاته التقنية المشاركة في تأليف “A statistical Examination of Ordering of Amino Acids in Proteins”المنشور في كتاب “Origins of Life and Evolution of the Biosphere”، الذي يعكس بحثه الشخصي في ميدان أصل الحياة.

تسلم برادلي درجة الدكتوراه في علم المواد من جامعة تكساس في أوستين، وكان أستاذاً جامعياً للهندسة الميكانيكية في جامعة Texas A & M Univ لمدة 24 عاماً، عاملاً كرئيس للقسم لمدة أربعة أعوام. ولما كان برادلي خبيراً في البوليمرات والديناميكية الحرارية، واللذان كلاهما يمثلان أهمية شديدة في مناظرة أصل الحياة، فقد كان مديراً لمركز تكنولوجيا البلمرة في Texas A & M وتسلم منحاً بحثية تقدر بمبلغ 4 مليون دولاراً.

كان مستشاراً لنقابات مثل B. F.Go- ,M 3,  Dou chemical,  Odrich,  General Dynamics ,  Boeing,  Shell، وكان شاهداً خبيراً في حوالي 75 قضية قانونية. بالإضافة الى إنه زميل لمركز معهد الإكتشاف لتجدد العلم والثقافة، وقد نم إنتخابه زميلاً للجمعية الأميريكية للمواد، والإتحاد العلمي الأميريكي.

برادلي المتحدث الرقيق الذي يمحو ذاته بعيداً عن الأضواء، ويتحدث على مهل، رجل أسري قوي. إن طفليه وأحفاده الخمسة يعيشون جميعاً قرب بعضهم البعض في مدينة College Station، ويجتمعون معاً مراراً. في الحقيقة، إنضمت إلينا زوجته آن وإبنته شارون، والأحفاد راشيل ودانيال وإليزابيث لتناول وجبة الغداء في متجر محلي لبيع الأطعمة المعلبة بعد مقابلتنا.

وبرادلي كعالم مهتم بالدقة يجيب على أسئلة بعبارات صريحة وكاملة، مؤكداً على معرفة الفروق الطفيفة وعدم المغالات في إستنتاجاته. إنه يتحدث بطريقة محترمة عن المؤمنين بمذهب النشوء الذي أجريت معهم مناظرات على مدار السنين، بما في ذلك أستاذ الكيمياء الشهير روبرت شابيرو من جامعة نيويورك، الذي أطلق على كتاب حل لغز أصل الحياة “إسهام مهم”…”يجمع الجدالات العلمية الأساسية التي توضح عدم كفاية النظريات الحالية.”(23)

بعد تقاعده من Texas A & M بثلالثة شهور فقط، كان برادلي الذي يبلغ من العمر 56 عاماً أنيساً ولطيفاً بينما كنا نجلس على مائدة حجرة تناول الطعام. وكان يرتدي على نحو فضفاض قميصاً رياضياً ذات لون أزرق خفيف، وبنطلون جينز أزرق، وجورب أبيض بدون حذاء. كان من الواضح من المظهر الخارجي أنه جاء مستعداص لمناقشتنا. كانت كومة من أوراق البحث تتكدس بشكل منظم بالقرب منه. وكعالم، أراد أن يكون قادراً على دعم كل شئ كان يقوله.

ولكي أضع أساساً، بدأت محادثتنا بالرجوع الى دارون نفسه، فقلت: ” سعت نظريته في التطور لتوضيح كيف يمكن لأشكال الحياة البسيطة أن تتطور عبر فترات طويلة من الزمن الى مخلوقات معقدة على نحو متزايد، لكن ذلك يهمل القضية الهامة الخاصة بكيف نشأت الحياة في المقام الأول. ماذا كانت نظرية دارون بشأن ذلك؟

إلتقط برادلي كتاباً بينما بدأ في الإجابة، وقال وهو يرتدي نظاراته ذات الإطار الذهبي التي يستخدمها في القراءة: “حسناً، لم تكن لديه بالفعل فكرة جيدة بشأن كيف نشأت الحياة. في العام 1871 كتب رسالة قام فيها ببعض التأمل- لم تكن إفتراضاً، بل مجرد خاطر بالبال.” بعد ذلك قرأ برادلي كلمات دارون:

يقال غالباً إن كل الظروف للإنتاج الأول للكائن الحي موجودة الآن، والتي كان يمكن أن تكون موجودة دائماً. ولكن (وياله من افتراض كبير!) إذا كان يمكننا أن نتصور في إحدى البرك الصغيرة الدافئة، وفي ظل وجود كل أنواع النشادر والأملاح الفسفورية والضوء والحرارة والكهرباء…إلخ، أن مركب البروتين قد تكون كيميائياً بشكل يجعله مستعداً للمرور بتغيرات أخرى أكثر تعقيداً، فإنه في الأيام الحالية سيتبدد هذا الأمر في الحال أو يتشتت، وهذا ماكان سيمثل القضية قبل أن تتشكل المخلوقات الحية.(24)

أغلق برادلي الكتاب وقال: “لذلك كان دارون أول من يضع نظرية بأن الحياة نشأت من مواد كيميائية متفاعلة في إحدى البرك الدافئة الصغيرة.”

علقت قائلاً: “إنه يجعل الأمر يبدو سهلاً الى حد ما.”

فأجاب قائلاً: “ربما قلل دارون من تقدير المشكلة لانه ظن كثيراً في الماضي أن الحياة تتطور بشكل طبيعي في كل مكان. إعتقد الناس أن اليرقات يمكن أن تتطور تلقائياً من لحمة محللة. لكن قبل نشر كتاب دارون “أصل الأنواع” بمائتي عام، أوضح فرانسيسكو ريدي أن اللحمة التي تم حفظها بعيداً عن الذباب لاتنتج يرقات أبداً. وفيما بعد أظهر لويس باستر أن الهواء يحتوي على كائنات دقيقة يمكن أن تتضاعف في الماء، مبرهناً على سراب النشوء التلقائي للحياة. لقد أعلن في جامعة السوربون بباريس أنه “لن يشفى مذهب الجيل التلقائي من الضربة القاضية لهذه التجربة البسيطة.”(25)

سمح برادلي بهذا التسجيل الشامل معي قبل الإستمرار. “لكن فيما بعد في العشرينيات قال بعض العلماء إنهم وافقو باستير على أن التكوين التلقائي لايحدث في إطار مدة قصيرة، لكنهم وضعوا نظرية بأن- إذا كان عمرك مليارات ومليارات من السنين- كما كان الفلكي الراحل كارل ساجان يود أن يقول- إذاً فقد يحدث هذا رغم كل شئ.”

فإستنتجت قائلاً: “وذلك هو أساس فكرة أنه لايمكن للمواد الكيميائية الغير حية أن تتحد مع خلايا حية إذا ماأتيح لها الوقت الكافي.” فأجاب قائلاً: “ذلك صحيح تماماً.”

 

بناء قوالب الحياة

أخبرت برادلي انني في المدرسة الثانوية والكلية تعلمت أن الأرض البدائية كانت مغطاة ببرك مواد كيميائية وكان لها غلاف جوي يساعد على تشكيل الحياة. ففي ظل الطاقة التي يمد بها الضوء أرتبطت المواد الكيميائية في هذا “الحساء السابق للحياةprebiotic soup”- خلال فترة تمتد لمليارات السنين- معاً ونشأ شكل بسيط من الحياة. ومن هنا بدأ التطور.

سألت “من الذي أعطى مفهوماً لذلك السيناريو؟”

أجابني قائلاً “إقترح عالم الكيمياء الحيوية الروسي ألكسندر أوفارين Alexander Oparin في العام 1924 أن ترتيبات ووظائف جزيئية معقدة للكائن الحي نشأت من جزيئيات أبسط كانت موجودة سابقاً على الأرض المبكرة. ثم في العام 1928 وضع العالم البيولوجي البريطاني هالدين J. B. S. Haldane نظرية أن الأشعة فوق البنفسجية التي كانت في الغلاف الحيوي البدائي للأرض تسببت في تركز السكريات والأحماض الأمينية في المحيطات، ثم نشأت الحياة في النهاية من هذا الحساء البدائي Primordial broth.

أقترح هارولد يوري، الحائز على جائزة نوبل مؤخراً، أن الغلاف الجوي البدائي للأرض جعل من المواتي أن تنشأ المركبات العضوية. كان يوري إستشاري الدكتوراه الفلسفية لستانلي ميلر في جامعة شيكاغو، وميلر هو الذي قرر أن يختبر هذا تجريبياً.”

لقد أصبح اتسم ميلر صدى كبيراً. إنني أتذكر تعليمي في المدرسة عن تجربته المميزة التي أعاد فيها خلق الغلاف الجوي للأرض البدائية في معمل، وسلط  ضوءاً عليه ليحفز تأثيرات الإضاءة. وقبل مرور فترة طويلة وجد أن الأحماض الأمينية- القوالب البنائية للحياة- قد خلقت. يمكنني أن أتذكر معلمي في الأحياء وهو يسرد التجربة بحماس شديد، مقترحاً أنها برهنت بشكل حاسم أن الحياة يمكن أن تنشأ من مواد كيميائية غير حية. فتسائلت “أكان ينادي بهذه التجربة كإنجاز هائل في ذلك الوقت، أليس كذلك؟”

فأعلن برادلي قائلاً: “أوه، بالقطع! فقد أطلق عليها ساجان الخطوة الفريدة الأهم في إقناع الكثير من العلماء بأن الحياة من المرجح أن تكون متناغمة الى حد كبير.(26) وقال الكيميائي ويليام دي إن إن التجربة أظهرت أن الخطوة الأولى في خليقة الحياة لم تكن حادثاً إتفاقياً، لكنها كانت حتمية.(27) وقال عالم الفلك هارلو شابلي إن ميلر برهن على أن مظهر الحياة هو في الأساس تطور بيوكيميائي ذاتي يأتي بشكل طبيعي عندما تكون الظروف ملائمة.”(28)

كان هذا مثيراً بالتأكيد. سألت أيضاً: ” هل هذا أنهى القضية؟” فأجاب برادلي: “بالكاد لا، فقد ظل المؤمنون بالتطور النشوئي نشطين لفترة، لكن كانت هناك مشكلة رئيسية في التجربة والتي أضعفت نتائجها.”

لم أتعلم أبداً أي شئ في المدرسة عن أن تجربة ميلر معيبة بشكل يهدد صحتها، فسألت “ماذا كانت المشكلة؟”  

“لم يكن لدى ميلر وأوفارين أي دليل حقيقي على أن الغلاف الحيوي المبكر للأرض كان مكوناً من النشادر والميثان والهيدروجين التي أستخدمها ميلر في تجربته. لقد ركزا نظريتهما على الكيمياء الطبيعية. أرادا أن يحصلا على تفاعل كيميائي سيكون مواتياً، وإقترحا أن الغلاف الجوي كان غنياً بتلك الغازات. لقد كان أوبارين ذكياً بدرجة كافية لأن يعرف إنه إذا بدأت بغازات خاملة مثل ثاني أكسيد النيتروجين والكربون، فإنها لن تتفاعل.”

إتسعت نظرتي. كان هذا نقد مدمر لتجربة ميلر، فسألت بصوت يحمل نبرة شك: “هل تقول أن كل شئ كان مرتباً مسبقاً حتى يحصلا على النتائج التي يرغبانها؟”

فأجابني: “في الأساس نعم.”

وتسائلت أيضاً: “ماذا كانت تبدو البيئة الحقيقية للأرض المبكرة؟” فقال لي: “منذ العام 1980فصاعداً، أظهر علماء ناسا NASA أن الأرض البدائية لم يكن بها أبداً مقدار يذكر من الميثان أو النشادر أو الهيدروجين. لكنها كانت تتكون من الماء وثاني أكسيد الكربون والنيتروجين- وأنت بلا ريب لايمكنك ان تحصل على نفس النتائج التجريبية بذلك الخليط. إنه ببساطة لن ينجح. وقد أكدت تجارب مؤخرة أكثر أن هذا هو الحقيقة الواقعية.”

أسندت ظهري للخلف على الكرسي مندهشاً من متضمنات ماكشفه برادلي، ورجعت بذاكرتي الى معلمي في الأحياء الذي كان يبدو واثقاً تماماً من أن تجربة ميلر أثبتت النشوء الكيميائي للحياة. بالتأكيد كان ذلك هو الفكر السائد في عصره، لكن الإكتشافات الحديثة غيرت الآن كل شئ- ومع ذلك هناك أجيال من التلاميذ السابقين الذين مازالو يعيشون تحت إنطباع أن قضية أصل الحياة قد تم حلها.

بدأت أقول- حاثاً برادلي على إنهاء عبارتي: “لذلك فإن المغزى العلمي لتجربة ميلر اليوم …”

فقال: “…معدوم. عندما تقدم الكتب المدرسية تجربة ميلر، يجب أن تكون صادقة بدرجة كافية لأن تقول إنها كانت ممتعة تأريخياً، لكنها ليست متصلة بشدة بالطريقة التي تطورت بها الحياة بالفعل.” (29)

أطلقت صافرة منخفظة الصوت. لقد كان التشابه الجزئي لمحاكمة جريمة قتل أوكلاهومايبرهن على إنه أدق حتى مما كنت أظن.

تجميع خلية 

قبل أن نمضي في الحديث أكثر، إعتقدت إنه من المهم فهم بعض الأمور الأساسية عن الكائن الحي لتحديد ماإذا كان من المعقول تصديق أنه كان يمكن أن يكون نتاج تفاعلات كيميائية غير موجهة.

فقلت لبرادلي: “دعنا نبدأ بتعريف الفرق بين النظام الحي والنظام غير الحي.” فأجابني: “النظام الحي لابد أن يقوم على الأقل بثلاثة أشياء: وهي إنتاج طاقة، وتخزين معلومات، والتضاعف. كل الكائنات الحية تفعل ذلك. البشر يقومون بهذه الوظائف الثلاث رغم أن البكتريا تقوم بها بطريقة أسرع وأكثر فاعلية الى حد بعيد. أما الأشياء الغير حية فلاتفعل أياً من هذه الأشياء.”

سألت مرة أخرى، عائداً بذاكرتي الى عصر دارون: “هل أعتبر دارون أحد الكائنات الحية الأساسية- وليكن على سبيل المثال كائن حي يتكون من خلية واحدة- أنه بسيط الى حد ما؟”

فاجابني: “نعم، بلا شك، فمن المحتمل أن دارون لم يعتقد أنه سيكون من الصعب جداً أن يخلق حياة من دون حياة لأن الفجوة بين الأثنين لم تظهر كبيرة جداً له. في العام 1905 وصف ايرنست هيكل الخلايا الحية كمجرد “كريات صغيرة متجانسة من البلازما.”(30) في تلك الأيام لم تكن لديهم أي طريقة لرؤية التعقيد الموجود في غشاء الخلية. لكن الحقيقة هي أن الكائن الحي الذي يتكون من خلية واحدة أكثر تعقيداً من أي شئ كنا قادرين على إعادة خلقه من خلال الحاسبات الآلية المتفوقة – super computers.

وصف أحد الأشخاص على نحو مبدع جداً- لكن دقيق تماماً- الكائن الحي الذي يتكون من خلية واحدة كمصنع عالي التكنولوجيا، كامل بلغات متكلفة وأنظمة مشفرة، وبنوك ذاكرة مركزية تخزن وتسترجع كميات هائلة من المعلومات، أنظمة تحكم دقيقة تنظم التجع الذاتي للمكونات، تقنيات التحكم في تصحيح التجارب الطباعية والجودة التي تحمي من الأخطاء، أنظمة تجميعية تستخدم مبادئ الصنع المقدم وبناء مركب، ونظام تكرار كامل يسمح للكائن الحي أن يضاعف ذاته بسرعات مذهلة.”

فقلت: “هذا مذهل للغاية، لكن ربما تكون الكائنات التي تحتوي على خلية واحدة أكثر تعقيداً اليوم نظراً لحقيقة أنها تطورت ونشأت على مدار دهور. ربما كانت الخلايا الأولى المنتجة على الأرض البدائية أكثر أساسية في تكوينها الى حد بعيد ومن ثم أسهل في خلقها.”

فجاء رد برادلي: “دعنا نقبل تلك النظرية. لكن حتى عندما تحاول أن تتخيل ماذا كان سيبدو شكل الخلية الحية الأدنى، فإن هذا مازال غير بسيط على الإطلاق.”

سألت قائلاً:”ماذا يسهم في لعملية بناء كائن حي؟” ثم أضفت سريعاً قبل ان يجيب برادلي: “ويحفظه أساسياً.”

فأجابني: “حسناً، في الأساس انت بدأت بالأحماض الأمينية. إنها تأتي في ثمانية نماذج مختلفة، لكن هناك عشرون فقط منها في الكائنات الحية. البراعة إذاً هي أن تعزل الأحماض الأمينية الصحيحة فقط، ثم ينبغي أن تتحد الأحماض الأمينية الصحيحة معاً في التسلسل الصحيح لإنتاج المركبات البروتينية. تصور تلك السلاسل المتلاصقة معاً التي يلعب بها الأطفال- ينبغي أن تجمع الأحماض الأمينية الصحيحة بالطريقة الصحيحة لكي تحصل في النهاية على الوظيفة البيولوجية.”

إن تخيل الأطفال يلعبون بدمى من البلاستيك جعل العملية تبدو مثل لعب الطفل. فقلت: “هذا لايبدو صعباً.”

“ماكان سيحدث هذا إذا كنت تطبق ذكاءك على المشكلة وتختار وتجمع على نحو متعمد الأحماض الأمينية واحد في كل مرة. لكن تذكر أن هذا نشوء كيميائي سيكون غير موجه من أية مساعدة خارجية، ويوجد العديد من العوامل الأخرى المعقدة التي يجب أخذها في الإعتبار.”

“مثل ماذا؟”

“على سبيل المثال، تميل تركيبات أخرى الى أن تتفاعل مع الأحماض الأمينية بأكثر يسر عما تتفاعل الأحماض الأمينية مع بعضها البعض. أنت الآن تواجه مشكلة كيفية إزالة هذه التركيبات الدخيلة. حتى في تجربة ميلر، فإن 2% فقط من المادة التي أنتجها كانت مركبة من الأحماض الأمينية، لذلك ستكون لديك العديد من المواد الكيميائية الأخرى التي تعوق العملية.

“يوجد تعقيد آخر، وهو أن هناك عدداً مساوياً من الأحماض الأمينية اليمينية واليسارية، واليسارية فقط هي التي تعمل في الكائن الحي. ينبغي عليك الآن أن تحصل فقط على هذه الأحماض المختارة لتتحد معاً في التسلسل الصحيح، وتحتاج أيضاً النوع الصحيح من الروابط الكيميائية- أي روابط الببتيد peptide bonds- في الأماكن الصحيحة حتى يمكن للبروتين أن ينطوي بطريقة خاصة ثلاثية الأبعاد، وإلا فلن توظف.

“إنها تشبه آلة طابعة تأخذ حروفاً من سلة وتضع النماذج بالطريقة التي تعودوا أن يضعوها بها يدوياً. إذا كنت توجهها بذكائك، فلا توجد مشكلة. لكن إذا كنت تختار الحروف بطريقة عشوائية وتجمعها معاً كيفما أتفق- بما في ذلك الأوضاع المقلوبة والخلفية- إذاً فما هي الفرص التي ستحصل بها على كلمات وجمل وفقرات معقولة؟ إنها غير محتملة للغاية.

“بنفس الطريقة ربما يجب وضع مائة حمض أميني معاً بالطريقة الصحيحة لصنع مركب بروتين. وتذكر أن ذلك مجرد الخطوة الأولى. فخلق مركب بروتين واحد لايعني أنك خلقت حياة. ينبغي عليك الآن أن تجمع مجموعة من مركبات البروتين- ربما 200 منها- بالوظائف الصحيحة فقط للحصول على خلية حية نموذجية.”

واو! بدأت الآن أن أرى  ضخامة التحدي. وحتى إن كان ميلر على حق بشأن السهولة التي يمكن بها إنتاج الأحماض الأمينية في الغلاف الجوي البدائي للأرض، ومع ذلك فإن عملية جمعها معاً في مركبات بروتين ثم جمع تلك في خلية وظيفية سيكون مخلاً للذهن.

إستمر برادلي: “في الأنظمة الحية فإن التوجيه المطلوب لجمع كل شئ يأتي من مركب DNA، فكل خلية لكل نبات وحيوان ينبغي أن يكون بها مركب DNA. فكر فيه كميكرو وبروسيسور صغير ينظم كل شئ. يعمل حمض DNA بشكل حميم مع RNA لتوجيه التسلسل الصحيح للأحماض الأمينية. يمكن أن يفعل ذلك عبر تعليمات بيوكيميائية- أي المعلومات المشفرة على الـ DNA.”

أثار ذلك القضية الواضحة، فسألت: “من أين أتى الـ DNA؟”

فأجاب: “إن صنع الـ DNA والـRNA مشكلة أكبر من خلق البروتين. إنها تمثل تعقيداً أكبر بكثير، وهناك الكثير من المشاكل العلمية. فعلى سبيل المثال، لايمكن عمل تركيب القوالب البنائية الرئيسية للـ DNA والـRNA بنجاح إلا تحت ظروف غير معقولة الى حد كبير بدون أي تشابه لتلك الخاصة بالأرض المبكرة. أقر كلوس دوز Klaus Dose- من معهد الكيمياء الحيوية في ماينز Mainz بألمانيا بأن الصعوبات في تركيب الـ DNA والـRNA “ليست في الحاضر بعيدة عن خيالنا.”(31)

“بصراحة، فإن أصل هذا النظام المعقد الغني في المعلومات والقادر أيضاً على إعادة إنتاج ذاته بلاشك أحبط علماء أصل الحياة. وكما قال الحائز على جائزة نوبل سير فرانسيس كريك: “يبدو أن أصل الحياة معجزة تقريباً، لذلك فظروف كثيرة كان سينبغي إرضائها لجعلها تستمر.”(32)

وبرغم ذلك حاول العلماء أن يأتو بنظريات خلاقة لمحاولة توضيح كيف صارت التبلمرات الحيوية (كالبروتينات) متجمعة مع القوالب البنائية الصحيحة فقط (الأحماض الامينية) وأرتبطت المركبات الكيميائية المتجازئة الصحيحة فقط (الأحماض الأمينية اليسارية) مع روابط الببتيد الصحيحة فقط في التسلسل الصحيح فقط. قررت أن أسأل برادلي عن تحليله لأكثر الإفتراضات الشائعة التي أقترحها العلماء في السنوات الأخيرة.

 

النظرية الأولى: الإتفاق العشوائي Random Chance        

تعلمت في المدرسة أنه إذا كانت المواد الكيميائية قد إستغرقت وقتاً طويلاً للتفاعل في “البرك الصغيرة الدافئة” الخاصة بالأرض المبكرة، فإن الغير محتمل سيصبر محتملاً في النهاية، وسوف تنشأ الحياة. ورغم ذلك، مع قبول وصف برادلي لما كان سينبغي أن يحدث، يمكنني أن أفهم لماذا فقدت هذه النظرية التأييد في السنوات الأخيرة.

قال برادلي: “لقد آمن العلماء ذات مرة بفكرة أن الإتفاق العشوائي والوقت أيضاً يهبان الحياة، لأنهم آمنوا ايضاً بنظرية العالم الذي في حالة ثابتة. كان هذا معناه أن العالم كان قديماً على نحو مطلق، ومن الذي يعرف ماكان يمكن أن يحدث إذا ماكان لديك مقدار غير متناه من الوقت؟ لكن مع إكتشاف الإشعاع الخلفي في العام 1965، جاءت نظرية الإنفجار العظيمBig Bang لتسود في علم الكونيات. كانت الاخبار السيئة للتطور أن هذا معناه أن العالم عمره حوالي 14 مليار عاماً. وقد أثبت العمل المؤخر أن عمر الأرض من المحتمل أن يكون أقل من 5مليار عاماً.

قاطعته قائلاً: “هذا وقت طويل، فأشياء كثيرة يمكن أن تحدث في 5 مليار عاماً.”

“في الواقع ليست هذه فترة طويلة كما تعتقد، فالأرض قضت وقتاً طويلاًلتخفيض درجة الحرارة حيث يمكن أن توفر الحياة. وبناءاً على أساس إكتشاف الحفريات الدقيقة قيم العلماء أن فجوة الوقت بين وصول الأرض لدرجة الحرارة الملائمة والنشوء الأول للحياة كانت حوالي 4 مليار عاماً فقط. وهذا ليس وقت طويل لحدوث التطور الكيميائي. ففي الحقيقة إقترح سيريل بونامبروماCyril Ponnamperuma  من جامعة مريلاند، وكارل ويز من جامعة إلينوي أن الحياة قد يكون عمرها مساو لعمر الأرض، وأن أصلها قد تزامن في النهاية مع ميلاد الكوكب.(33)  

“لم يكن الوقت فقط قصير جداً، لكن الإحتمالات الإحصائية لجمع كائن حي هائلة جداً حتى إنه لايؤمن بأن الإتفاق العشوائي هو السبب في أصل الحياة. إذا جعلت الظروف متفائلة، فإن هذا لن ينجح. فإذا ماأخذت كل الكربون الموجود في العالم ووضعته في وجه الأرض، وسمحت له أن يتفاعل كيميائياً بأقصى معدل سرعة ممكن، وتركته مليار عاماً، فإن إحتمالات خلق مركب بروتين وظيفي واحد فقط ستكون فرصة واحدة من 10 وأمامها 60 صفراً.”

تعد تلك الإحتمالات متناهية الصغر حتى إن الذهن البشري لايقدر أن يشملها. فسخرت قائلاً: “هذا يجعل الفوز باليانصيب يبدو كشئ مضمون.”

“بالقطع، فقد قال بيهي إن إحتمالية جمع 100 حمض أميني فقط لخلق مركب بروتين واحد إتفاقاً سيكون كرجل معصوب العينين يجد حبة رمل واحدة مميزة في مكان ما من الصحراء الكبرى- وعمل ذلك ليس مجرد مرة بل ثلاث مرات مختلفة.(34) لقد أوضح ذلك سير فريدريك هويل بشدة عندما قال إن هذا السيناريو محتمل مثل إعصار يهب في فناء به خردوات ويجمع إتفاقاً طائرة بوينج 747 العظيمة بشكل كامل وظيفياً.

“وبإسلوب آخر، فإن إحتمالات الأغراض العملية هي صفر. وهذا هو السبب في إنه بالرغم من أن بعض الناس الغير متعلمين في هذا المجال مازالوا يؤمنون بأن الحياة نشأت إتفاقاً، إلا أن العلماء لايعودوا يؤمنون بهذا تماماً بعد الآن.”

النظرية الثانية: الإتحاد الكيميائي Chemical Affinity   

في ظل رفض الإتفاق العشوائي كتفسير لأصل الحياة، تحول العلماء لنظرية أخرى: وهي لابد أن هناك إنجذاباً متأصلاً يجعل الأحماض الأمينية تتحد تلقائياً في التسلسل الصحيح لخلق مركبات بروتينية تنتج منها الخلايا الحية. إنتشرت هذه الفكرة في كتاب صدر في العام 1969 شارك في تأليفه كينيون، والذي ناقش أن نشوء الحياة ربما يكون “قد قدر سلفاً على نحو بيوكيميائي” في الواقع بسبب هذه الأفضليات الكيميائية المرتبطة. (35)

في الحقيقة درس الباحثون أصل تسلسل البروتين والبناء لتحديد ما إذا كانت هناك أحماض أمينية معينة على نحو مفضل تضع ذاتها بالقرب من مجاور خاص. لقد فحصوا عشرة بروتينات، وقاموا بتجربة مدعمة بدت وكأنها تقترح وجود فائدة في هذا الإفتراض.

فقلت لبرادلي: “هذا يبدو تفسيراً معقولاً، فما الخطأ فيه؟”

رغم أنني لم أعرف في ذات الوقت، إلا إنني كنت أسأل العالم الذي كان جزءاً من فريق فند ذلك الإعتراض في العام 1986.

أجاب برادلي: “لقد كتبنا برنامج كومبيوتر لنحلل ليس فقط عشرة بروتينات، ولكن كل واحد من الـ 250 بروتيناً في الأطلس. وأوضحت النتائج على نحو قاصر أن التسلسل لم يكن له علاقة بالأفضليات الكيميائية. ونتيجة ذلك فشلت تلك النظرية.(36)وحتى كينيون- أحد كبار مؤيديها- أنكر هذه الفكرة.

 النظرية الثالثة: الميل الى الترتيب الذاتي Self – Ordering Tendencies           

تقدم هذه النظرية عنواناً مرعباً “ديناميات حرارية غير متوازنة.” تقول هذه الفكرة في الأساس إنه تحت ظروف معينة إذا مرت الطاقة من خلال نظام عند معدل مرتفع الى حد ما، فإن النظام سيصير غير مستقر، وسوف يرتب ذاته ثانية في الواقع الى بديل وشكل أكثر تعقيداً الى حد ما.

مثال ذلك المياه التي تتصرف خارج حوض الإستحمام، في البداية تسقط مركبات المياه بشكل عشوائي فقط أسفل المصرف، لكن بالقرب من النهاية، يصير التصريف مرتباً أكثر الى حد كبير بينما تشكل المركبات دوامة تلقائياً.

قلت لبرادلي: “بعض العلماء إقترحوا أن هذا الميل للمركبات كي تصير أكثر ترتيباً يمكن أن يكون تشابهاً جزئياً للطريقة التي تنظم بها الطبيعة ذاتها تلقائياً تحت ظروف معينة.”

لقد كان حسن الإطلاع تماماً على هذه الفرضية. المشكلة هي أن مستوى التنظيم الذي تتحدث عنه منخفض جداً، وحتى ايليا بريجوجين Ilya Prigogine المتخصص في الديناميكا الحرلرية الذي تأمل في هذه النظرية، أقر مؤخراً إنه “مازالت هناك فجوة بين البنيات الأكثر تعقيداً التي يمكننا أن ننتجها في المواضع الغير متوازنة في الكيمياء، والتعقيد الذي نجده في البيولوجيا.” (37)

“إنه على حق. قارن الدوامة التي في حوض الإستحمام للخلل الذهني الذي وصفته في خلق كائن حي، وسوف ترى إنها فجوة كبيرة بشكل لايصدق.”

قدم علماء آخرون “ديناميات حرارية متزنة equilibrium thermodynamics” كحل آخر محتمل. وكمثال، إذا تم تبريد الماء، فإنها تتحول الى ثلج، والمركبات في الثلج أكثر ترتيباً من المركبات العشوائية للماء. أشار البعض الى هذا كطريقة أخرى تنظم بها الطبيعة ذاتها.

لكن برادلي برهن على خطأ هذه النظرية لسبب مشابه. فقال: “مرة أخرى لديك مستوى منخفض جداً من المعلومات مطلوباً لخلق بلورات الثلج مقارنة بالمستوى العالي من المعلومات المطلوب لترتيب الاحماض الأمينية لخلق مركبات البروتين. وهذا هو السبب فب أن هذه النظرية تم نقدها أيضاً.”

قال برادلي إن هناك إختلاف جوهري بين “الترتيب order” الموجود في بعض الأشياء الغير الحية و”التعقيد الخاص specified complexity” للخلايا الحية.

“كرات الثلج بها مقدار معين من الترتيب، لكنه مقدار بسيط ومتكرر، وبها مقدار قليل من المعلومات تشبه ملئ كتاب فيه كلمات “أحبك، أحبك، أحبك” مرات ومرات. وعلى النقيض من ذلك، فإن نوع التعقيد الذي نراه في الكائن الحي به محتوى معلومات كثيرة تحدد كيف يجب جمع الأحماض الأمينية في التسلسل الصحيح، مثل كتاب مملوء بعبارات لها معنى تنقل قصة حب.

“بلاشك، يمكن للطاقة أن تخلق نماذج من الترتيب البسيط، فعلى سبيل المثال يمكنك أن ترى التموجات فوق الرمال على أحد الشواطئ، وتعرف إنها تشكلت بفعل الأمواج، ولكن إذا رايت الكلمات ” جون يحب ماري”، وهناك قلب مرسوم يخرج منه سهم في الرمال، فسوف تعرف أن الطاقة وحدها لم تشكل ذلك. وهذا سبب أن واضع نظريات المعلومات البارز يوكي H. P. Yockey قال: “لابد من النظر الى محاولات ربط فكرة الترتيب …بالتنظيم البيولوجي…كتلاعب بالكلمات لايمكنه أن يواجه الفحص الحريص.” (38)

النظرية الرابعة: النشوء من الفضاء Seeding from Space

نظراً لإحباط بعض العلماء- ومنهم كريك المساعد في إكتشاف الـDNA- من العوائق التي تبدو وكأنها لاتقهر للتطور الكيميائي على وجه الأرض، أقترحوا أن القوالب البنائية للحياة تأتي من مكان آخر في الفضاء. تأمل هويل، وويكراما سنغ Wickramasinghe في أن الجسيمات التي في حجم الخلايا الحية يمكن أن تصل الأرض بدون أن تتحول الى رماد بواسطة الغلاف الجوي. بينما في الفضاء يمكن أن تحميها طبقة رقيقة من غبار الجرافيت من الأشعة المدمرة للأشعة الفوق بنفسجية.

تم تأييد هذه النظرية بإستكشاف أحماض أمينية في الحجر النيزكي مارشيزون Murchison المشهور الذي سقط في استراليا في العام 1969، وحجر نيزكي آخر سقط عمودياً على أنتاركتيكا منذ حوالي 3.8 مليار عاماً.(39)

لقد ذهب كريك وليزلي أورجيل الى أبعد من ذلك أيضاً بإقتراح أن جراثيم الحياة ربما أرسلت عمداً الى الأرض من قبل حضارة سابقة- ربما بغرض جعل الأرض منطقة برية أو حديقة حيوان أو كآبة كونية كما تأمل البعض.(40)

قلت لبرادلي: “كل هذا يبدو غريباً الى حد ما، لكن فيما بعد، ربما لايكون غريباً مثل فكرة أن الله خلق كل شئ.”

نم وجه برادلي عن نفوره لهذا المنهاج، فقال: “حقيقة أن العلماء قد جاءوا بهذه الأنواع من الإقتراحات الغريبة توضح إنهم لايمكنهم أن يتخيلوا كم من الممكن أن تتطور الحياة طبيعياً على الأرض، ولهم الحق في ذلك. أحب الطريقة التي يصيغها فيليب جونسون: “عندما يشعر عالم في مكانة كريك أنه مضطر للإستشهاد برجال فضاء لايمكن إكتشافهم، يكون قد حان وقت التفكير فيما إذغ كان مجال تطور ماقبل البيولوجي قد وصل الى نهاية مسدودة.”(41)

أوضح برادلي قائلاً: “إن الخلل الأكبر في هذه النظرية هو إنها لاتحل مشكلة أصل الحياة. فكر في هذا: إذا كنت تقول إن الحياة نشأت في مكان آخر، فإن هذا ينقل المشكلة الى مكان آخر فقط! بينما العوائق لاتزال موجودة.”

رغم إن ذلك كان صحيحاً بالتأكيد، رأيت إحتمالاً آخر، فإقترحت قائلاً: “ربما سيكون في كوكب آخر غلافاً جوياً من النشادر، والميثان، والهيدروجين، والذي سيكون أكثر مساعدة على إنتاج القوالب البناءة للحياة.”

فأجاب قائلاً: “حتى إذا كانت تلك هي القضية، فكيف تجمعت هذه الأحماض الأمينية والبروتينات الى كائن حي؟ هذه مشكلة معلومات- كيف ترتب في تسلسل الذرات بالطريقة الصحيحة- وتلك المشكلة مستقلة عما يمثله الغلاف الجوي. وحتى إذا ألقت أحجار النيزكي أحماضاً أمينية الى الأرض، فلا تزال أمامك مشكلة التجميع.

“كما قال دوفيلييه A. Dauvillier في كتاب “الأصل الكيميائي الضوئي للحياة The photochemical origin of life” إن هذه النظرية “افتراض سطحي، وحيلة تسعى لتجنب المشكلة الأساسية لأصل الحياة”(42) وحتى ستانلي ميلر ليس لديه استخدام لهذه النظرية، فقد أورد لمجلة Discover أن “العضويات من الفضاء الخارجي تعد نفايات-حقاً نفايات.”(43)

إلتقط برادلي تقريراً حول مؤتمر دولي لعلماء أصل الحياة في يوليو من العام 1999، وقرأ لي جزءاً: “قبل نهاية اليوم الثاني من المؤتمر، كان لابد على الباحثين أن يوافقوا على أن الإلقاء الكائن خارج الأرض لم يقدر أن يقدم كل المركبات القبل حيوية.”(44)مضى التقرير ليقول إن المؤمن بنظرية النشوء شابيرو قد درس الجمر النيزكي مارشيسون، و”أظهر أن التفاعلات الجانبية ستمنع بشكل فعال أية مركبات قبل حيوية في حجر النيزكي من تكوين جزيئات حيوية بشكل تلقائي أبداً.”(45)

وأضاف برادلي: “في نفس الوقت قال كريستوفر شيبا- عالم كواكب من ناسا- إنه رغم أن سفينة الفضاء قد أكدت وجود بعض المركبات العضوية في المذنبات في الفضاء وعند هذه السرعات- على الأقل 10- 15 ميلاً\ثانية- فإن درجات الحرارة التي تصل الى تأثيرها عالية جداً حتى ينتهي بك الأمرالى إنك تقلى مثل أي شئ.”(46) هذا بالإضافة الى إنهم إذا طبقوا هذا على الأرض، فإنك مازلت تواجه كيف ستتجمع الى كائن حي.”

النظرية الخامسة: فجورات في المحيط vents in the ocean  

في العام 1977 إكتشف علماء على متن الغواصة الإستكشافية ألفين Alvin- تحت سطح الغرب الأطلسي للأكوادور بنصف ميل- فجوات مياه حارة غريبة على سطح البحر. كانت الديدان الأنبوبية، والرخويات، والبكتريا التي يعد مصدرها الأول للطاقة هو مركبات الكبريت من هذه الفجوات تزدهر بالقرب منها. ومنذ ذلك الحين تم العثور على عشرات الفجواتالأخرى في مواقع مختلفة تحت سطح الأرض.

قاد هذا جاد كورليس- بيولوجي بحري يعمل الآن في مركز طيران الفضاء جودارد Goddard التابع لناسا- الى أن يقترح أن هذه الفجوات ربما تكون قد وفرت بيئة حيث نشأت بداية الحياة.

أورد لمجلة Discover: “الأمر الخاص بالينابيع الساخنة هو إنها توفر عملية لطيفة آمنة مستمرة يمكنك بها أن تسير كل الطريق من المركبات البسيطة جداً الى الخلايا الحية والبكتريا البدائية.”(47)

عززت بعض الفترات الدورية الشائعة الطويلة في التأمل، لكن قصيدة الأمور المحددة هذا المفهوم، ورغم ذلك عندما سأل كاتب العلم بيتر راديتكي باحث أصل الحياة ميلر عنه، حصل على عداء غير مخف، فقد أخبره الغاضب ميلر أن “فرضية الفجوة خسارة حقيقية، فأنا لاأفهم لماذا يجب حتى أن نناقشها.”(48)

كان برادلي أيضاً شكاكاً عندما قدمت هذه النظرية، فقال: “أفترض أن الفجوات ربما توفر مصدر طاقة غير عادي يمكن أن يحفز بعض المواد الكيميائية على أن تصير متفاعلة، لكنها لاتخاطب حتى مشكلة التجمع مطلقاً. هذه النظرية لاتقدم شيئاً لحل مشكلة طريقة جمع القوالب البناءة للحياة بالتسلسل الصحيح وبالروابط الصحيحة.”

وقال إن ماهو أكثر هو أن التجارب التي أجراها ميلر وجيفري بادا في جامعة كاليفورنيا في سان دييجو أقترحت أن درجات الحرارة المرتفعة لهذه الفجوات الشديدة السخونة سوف تدمر بدلاً من أن تخلق مركبات عضوية معقدة.

أوضح برادلي قائلاً: “يعتقد الآن أن كل المياه في المحيط يعاد إنتشارها دورياً من خلال هذه الفجوات. إذا كنت تحصل في النهاية على بعض المركبات التي تبدأ في الكبر وتصبح أكثر تعقداً، فسوف تكون هشة جداً حتى إنها ستدمر بفعل الحرارة عندما يعاد إنتشارها. وهذا معناه أن مقياس الوقت للتطور الكيميائي سيتضائل بشكل مثير، والفجوات ستجعلك تعود وتبدأ من جديد عند فواصل قصيرة الى حد ما- وهذا سيعمل ضد تطور الحياة.”

النظرية السادسة: الحياة من الطين Life from Clay

شاعت فرضية أخرى من قبل وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة، وهو إقتراح الكيميائي الأسكتلندي كايرنز سميث G. Cairns-Smith A. بأن الحياة نشأت بطريقة ما من الطين الذي يحتوي بناؤه البلوري على تعقيد كاف لتشجيع المواد الكيميائية القبل حيوية على التجمع معاً بطريقة ما. (49)

فسالت برادلي: “ماذا عن ذاك المنهاج؟”

فأجابني: “ربما يساعد الطين لأن المركبات لاتميل للتفاعل في الماء، وربما يعطيها سطح الطين بيئة أقل رطوبة.”

“ولكن كيف سيكون الطفل قادراً على نقل المعلومات المطلوبة لنقل المواد الكيميائية بالطريقة الصحيحة؟ أفضل شئ يمكن أن يقوم به الطين البللوري هو الإمداد بمعلومات تسلسلية منخفضة جداً جداً، وستكون تكرارية الى حد كبير. إنها تشبه الكتاب الذي تحدثت عنه منذ لحظات الممتلئ بعبارة “أنا أحبك، أنا أحبك، أنا أحبك” عدة مرات. هل هو مرتب؟ نعم. هل يحتوي على معلومات كثيرة؟ لا. هذا ماتمثله البللورة- لاشئ أكثر من معلومات مطولة، إنها قصيرة جداً عن التعقيد المفصل الذي يحتاجه الكائن الحي.

حتى كايرنز- سميث Cairns- Smith أدرك المشكلات المتعلقة بفكرته، فقد أقر في العام 1991 أن أحداً لم يكن قادراً أن يشكل الطين الى شئ يشبه التطور في أحد المعامل، ولم يجد أحد أي شئ يشبه كائن حي أساسه الطين في الطبيعة.” (50)

الإستنتاج الأكثر عقلانية

غالباً ماكان علماء أصل الحياة وقتاً بعد الآخر يفشلون في محاولة وضع نظرية للطريقة التي يمكن بها أن تتطور المواد الكيميائية الى كائن حي. وقد أستخدم الوضع مؤخراً نماذج من الحاسب الآلي لمحاولة إظهار كيف ربما حدثت تفاعلات كيميائية على الأرض البدائية، لكن هذه السيناريوهات تنجح فقط إذا كان الحاسب الآلي مبرمجاً على أزلة بعض العوائق التي لاتقهر، والتي كانت ستواجهها المواد الكيميائية بالفعل في العالم الواقعي.

عندما علق أحد العلماء في معهد سانتا فيSanta Fe- حيث تمت إدارة بعض الأشياء الزائفة الخاصة بالحاسب الآلي- علق خبير أصل الحياة جون هورجان قائلاً: “إذا كان دارون لديه حاسباً آلياً على مكتبه، فمن يعلم ماكان يمكن أن يكتشفه. ماذا حقاً؟ ربما إكتشف تشارلز دارون مقداراً كبيراً من الحاسبات الآلية، ومقداراً قليلاً جداً عن الطبيعة.”(51)

في ظل تبخر نظريات كثيرة جداً تحت الفحص الشامل الدقيق، طلبت من برادلي مساعدته الشخصية لحالة البحث في كيفية نشأة الحياة.

فأجاب: “لايوجد أدنى شك في أن العلم- على الأقل في الوقت الحالي- في نهاية مسدودة. إن تفائل الخمسينيات يتحطم، وقد وصفت الحالة في مؤتمر العام 1999 الدولي على أصل الحياة بأنها مقيتة، مليئة بالإحباط والتشاؤم واليأس.(52) لاأحد يدعي أي بديل يمد بسبيل معقول للطريقة التي مرت بها الحياة دون توجيه من المواد الكيميائية البسيطة الى البروتينات الى أشكال الحياة الأساسية.”

وصل برادلي الى كتاب، وحدد سريعاً الإقتباس الذي كان يتعقبه. وقال قارئاً كلماته: “أوجز كلوس دوز- الكيميائي الحيوي الذي يعتبر أحد الخبراء الرئيسيين في هذا المجال- الموقف بطريقة جيدة الى حد ما:

أكثر من 30 عاماً من التجريب على أصل الحياة في حقول التطور الكيميائي والمركب أدت الى إدراك أفضل لمناعة مشكلة أصل الحياة على الأرضأكثر مما أدت الى حلها. وفي الوقت الحالي، فإن كل المناقشات حول تجارب ونظريات أساسية في هذا المجال إما أن تنتهي بمأزق أو بإعتراف بالجهل.(53)

واصل برادلي: “يجادل شابيرو بقوة بأن كل النظريات الحالية مفلسة.(54) وعبر كريك عن الإحباط قائلاً: “كلما أكتب ورقة عن أصل الحياة، أقسم بأنني لن أكتب ورقة أخرى أبداً، لأن هناك الكثير جداً من التأمل الذي يتعقب حقائق قليلة جداً.”(55) وحتى ميلر- بعد 40 عاماً من تجربته الشهيرة- في فهم عظيم لكتاب “الامريكي العلميScientific American “: “تحولت مشكلة أصل الحياة الى أكثر صعوبة الى حد كبير مما تصورت أنا ومعظم الناس الآخرين.”(56)

وبالتزامن، في نفس الوقت تقريباً لمقابلتي مع برادلي، طلب من ستيفن جي جولد النشوئي المتحدث بأسم جامعة هارفارد أن يكتب مقالاً لمجلة تايمTime  على ماإذا كان العلماء سوف يستنتجون كيف بدأت الحياة في أي وقت. كانت النتيجة قطعة غامضة ومراوغة ترددت وتلعثمت، لكنها لم تقترب أبداً من إقتراح فرض واحد لكيف تمكنت الحياة من النشوء من عدم الحياة.(57)

“ماذا يفعل المرء أزاء هذا المأزق العلمي؟”

هذا يعتمد كثيراً على ميتافيزيقا الإنسان. يقول شابيرو الذي أحترمه بشدة إنه لابد أن تكون هناك بعض القوتنين الفيزيائية التي لم نكتشفها بعد تبين لنا في النهاية كيف نشأت الحياة بشكل طبيعي. لكن لايوجد شئ في العلم يضمن تفسيراً طبيعياً لكيفية بداية الحياة. العلم محايد فيما يتعلق بالنتيجة. من الصعب أن تتخيل قوانين طبيعية جديدة، لأنه سيكون لها صفات تتوافق مع القوانين الموجودة.”

فقلت: “إذاً ماذا؟ هل إفتراضك هو الأفضل؟”

لم يجب برادلي في الحال، بل حدق بصره على مجموعة أوراق الأبحاث، متوانياً للحظة قبل أن ينظر الي مرة أخرى. وعندما إلتقت عينانا واصل كلامه قائلاً:

“إذا لم يكن هناك تفسير طبيعي ولاتبدو هناك إمكانية إكتشاف تفسير، فأنا أؤمن إنه من الملائم أن ننظر الى تفسير خارق للطبيعة. أعتقد إن ذلك هو الإستنتاج الأكثر منطقية المبني على البرهان.”

بدا ذلك وكأنه إمتياز كبير لشخص مدرب في العلم، فتسائلت: “ألا ترى مشكلة في قول إن أفضل تفسير هو إنه يبدو أن هناك مصمماً ذكياً”

“بالقطع لا. أعتقد إن الناس الذين يؤمنون بأن الحياة نشأت بشكل طبيعي يجب أن يكون لديهم إيمان عظيم أكبر من الناس الذين يستنتجون أن هناك مصمماً ذكياً.”

“ماذا يمنع العلماء أكثر من تصور تلك الخاتمة؟”

كثيرون وصلوا الى تلك الخاتمة، لكن بالنسبة للبعض تقف فلسفتهم عقبة في الطريق. إذا كانوا مقتنعين في وقت سابق بأنه لايوجد إله، فلايهم إذاً مدى فرض البرهان، فإنهم سيقولون دائماً: “إنتظروا، وسوف نكتشف شيئاً أفضل في المستقبل.” لكن ذلك يعتبر جدالاً ميتافيزيقياً، فالعلماء ليسوا أكثر موضوعية من أي إنسان آخر. إنهم جميعاً يصلون الى أسئلة مثل هذه بأفكارهم المتصورة سلفاً.”

فقاطعته سريعاً وقلت: “نعم، لكنك أتيت بفكرة متصورة سلفاً بأن هناك الله.”

فأومأ برادلي برأسه وقال: “بالتأكيد، ولقد إندهشت مسروراً لأن مستوى أقل من البرهان كان من الممكن أن يرضيني. لكن ماوجدته هو دليل غامر بلا ريب، والذي يشير الى أن هناك مصمماً ذكياً.”

“لذلك فأنت تعتقد أن الحقائق تشير بشكل مقنع لوجود خالق؟”

“بشكل مقنع تعبير ضعيف للغاية. البرهان قوي. فكلمة مقنعconvincing تقترح أرجحية أكثر قليلاً من لا النفي، أما “مفروض compelling” تقول إنه لابد أن تعمل بجد للوصول الى تلك الخاتمة.”

فقلت: “ولكن هذا يبدو…”، متعثراً قليلاً في البحث عن الكلمة الصحيحة، “غير علمي.”

فأجاب برادلي: “على النقيض، إنه يبدو علمياً جداً. فعلى مدار الـ150 عاماً الماضية استخدم العلماء جدالات مبنية على تشابهات جزئية لأشياء نفهمها لصياغة إفتراضات جديدة في نشوء حقول للعمل العلمي، وذلك هو موضوع هذا.”

أعمال العقل بواسطة التماثل                        

 وصفت العملية التماثلية في القرن الثامن عشر بواسطة عالم الفلك جون هيرشيل John F. W. Herschel الذي كتب: “إذا كان التشابه الجزئي بين زهرتين مقارباً جداً ولافتاً للنظر بينهما، وفي نفس الوقت سبب أحدهما واضح جداً، فإنه يصبح من المحتمل على نحو نادر أن نرفض الإعتراف بتأثير سبب مشابه في الأخرى رغم إنها غير واضحة جداً في حد ذاتها.” (58)

“كيف ينطبق هذا على قضية أصل الحياة؟”

“غذا كان الوقت الوحيد الذي نرى فيه المعلومات المكتوبة- سواء منقوشة على جدار كهف أو قصة من على شبكة الإنترنت- هو عندما يكون هناك ذكاء ورائها، إذاً فهل ذلك سيكون منطبقاً على الطبيعة ذاتها؟”

“وبتعبير آخر ماهو مشفر على الـDNA داخل كل خلية لكل كائن حي هو معلومات مكتوبة بشكل صرف وبسيط. إننا نستخدم في الإنجليزية 26 حرفاً، وفي الـDNA هناك أبجدية كيميائية تتكون من أربعة حروف، والتي ترتبط حروفها في تسلسلات متنوعة كي تكون كلمات، وجملاً، وفقرات. وتشمل هذه كل التعليمات المطلوبة لتوجيه توظيف الخلية. إنها توضح في شكل مشفر تعليمات بالطريقة التي تصنع بها الخلية البروتينات. إنها تعمل مثل الطريقة التي تعمل بها تسلسلات الحروف الأبجدية في لغتنا.

“والآن، عندما نرى لغة مكتوبة، يمكننا أن نستنتج- بناءاً على خبرتنا- أنها تحمل علة ذكية، ويمكننا أن نستخدم بشكل صحيح منطقاً مشابهاً لننتهي الى أن تسلسل المعلومات اللافت للنظر في الـDNA كان يحمل أيضاً علة ذكية. ومن ثم فهذا معناه أن الحياة على الأرض نشأت من فاعل عاقل “who”، بدلاً من شئ غير عاقل “what”.

وبشكل لايمكن إنكاره، كان هذا برهان قوي ومقنع كما أن برادلي يتأمل فيه للحظات قليلة قبل عرض تفسير يحسم قصده.

“هل شاهدتم فيلم “contact”؟ “

“بالتأكيد، لقد كان مبنياً على كتاب كارل ساجان.” 

“هذا صحيح. في هذا الفيلم يفحص العلماء السموات لأجل علامات للحياة الذكية في الفضاء. وتتلقى تلسكوباتهم اللاسلكية مجرد أصوات وتشويشات عشوائية من الفضاء. ومن المنطق إفتراض إنه لايوجد ذكاء وراء ذلك. وبعد ذلك تبدأ ذات يوم في تلقي إنتقال لأعداد أولية، وهي أعداد قابلة للقسمة على ذاتها وعلى رقم  1 فقط.

“يستدل العلماء على أنه من غير المحتمل للغاية حتى إنه سيكون هناك سبب طبيعي وراء سلسلة من الأعداد مثل تلك. لم يكن هذا شواش غير منظم فقط بل كان معلومات- رسالة لها محتوى. ومن ذلك إنتهوا الى أنه كان يوجد مبرر ذكي وراءها. وكما قال ساجان بنفسه ذات مرة: “إن تلقى رسالة واحدة من الفضاء سيكون كافياً لمعرفة إن هناك ذكاء.(59) ذلك إستنتاج بواسطة التشابه الجزئي- إننا نعرف أنه حيثما يوجد إتصال ذكي، فهناك سبب ذكي.”

شخصت الى عيني برادلي بينما لفظ كلماته الأخيرة وهو يرتفع بصوته مؤكداً: “وإذا كانت رسالة واحدة من الفضاء كافية لنا كي نستنتج أن هناك ذكاء ورائها، فماذا إذاً عن الكميات الهائلة للمعلومات التي تحتويها الـDNA لكل نبات وحيوان حي؟”

“تحتوي كل خلية في الجسم على معلومات أكثر من تلك الموجودة في المجلدات الثلاثين في الموسوعة البريطانية. من المنطقي بشكل مؤكد إستنتاج إن هذا ليس هو الإنتاج العشوائي للطبيعة الغير موجهة، بل إنه العلامة الغير قابلة للخطأ على وجود مصمم ذكي.”

لقد كان برهان بدون إجابة: “قلت، إذاً فأصل الحياة ضعف مصيري للتطور.”

“هذا صحيح. كما قال فيليب جونسون: “إذاً كان ينبغي على أتباع دارون أن يبعدوا الخالق عن الصورة، فينبغي أن يقدموا تفسيراً طبيعياً لأصل الحياة.”(60)

“إنهم لم يكونوا قادرين على القيام بهذا. ورغم كل جهودهم، إلا إنهم حتى لم يأتو بإحتمال واحد معقول، ولو على نحو ضئيل، ولايوجد توقع بأنهم سيأتون به. في الحقيقة يشير كل شئ الى الطريق الآخر في الإتجاه الذي لايحتمل الخطأ لله. في الوقت الحالي لكي تكون عالماً أميناً ملحداً، فهذا يتطلب إيماناً كبيراً.”

 

“أنا أبني جزيئات” 

 أنهى عالم الوحدات جيمس تور- أستاذ بقسم الكيمياء بجامعة رايسCenter for Nano scale Science and Technology, Rice، بالصدفة بالقرب من مدينة هوستون مؤخراً إلقاء حديث.

يحمل تور شهادة دكتوراه في الكيمياء العضوية من جلمعة بوردو، وعمل بعد الدكتوراه بجامعة ستانفورد، وجامعة ويسكونسون. وهو في المرحلة الأكثر تقدماً للبحث في عالم الجزيئيات. لقد كتب أكثر من 140 مقالاً بحثياً تقنياً ويحمل 17 براءة إختراع أمريكي.

قال في تقديم نفسه: “إنني أبني جزيئات لما يتعلق بالأحياء، ولايمكنني أن أبدأ بإخباركم بمدى صعوبة تلك المهمة.”

لم يكن الهدف من حديثه إبهار الجمهور بمواصفات آخر جهوده التكنولوجية العالية لتخزين كميات هائلة من المعلومات على مقياس ميكروسكوب مستبدلاً رقائق السليكون الكبيرة والغير عملية بالمقارنة لكنه كان لوصف شئ آخر وجد إنه كلما تحقق أكثر وأكثر في عجائب مستوى المركب المثيرة: بصمات أصابع المصمم الذكي.

قال: “إنني أقف في مخافة الله بسبب ماقام به من خلال خليقته. المبتدئ فقط الذي لايعرف شيئأ عن العلم سيقول إن العلم بعيد عن الإيمان أما إذا كنت حقاً تدرس العلم، فإنه سيقربك من الله.” (61)

إعتقدت إنه أمر ساخر، فذات مرة دفعني فهم بدائي لعلم التطور تجاه الإلحاد، والآن يعزز فهم أعمق للعلم الجزيئي ثقتي في الله. لقد كان حكمي الأول مثل قضية أوكلاهوما مبنية على دليل خاطئ تسبب في خاتمة خاطئة.

إن الإعتقاد بأن عمليات غير موجهة يمكن أن تكون مسؤولة بطريقة ماعن تحويل المواد الكيميائية الجامدة الى كل تعقيد الكائنات الحية هي بالتأكيد- كما لاحظ عالم الأحياء المجهري دينتون “ليست أكثر ولاأقل من إسطورة أصل الكون العظيمة” لأزمنتنا. (62)

لقد كانت مجلة تايمTime مخطئة، فدارون لم يقتل الله، بل هناك ببساطة الكثير جداً من مفاتيح الحل القوية- خاصة في التعقيد المذهل للذرات الغير مرئية، واللغة الكيميائية المشفرة على اللولب المزدوج للـDNA – لتقرير أن الخالق حي.

مشاورات

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  • صف التعليم الدراسي الذي تلقيته حول نظرية التطور. كيف أثر على نظرتك لله؟
  • قبل قراءة هذا اللقاء مع برادلي، كيف كنت تؤمن أساساً بنشأة الحياة على الأرض؟ هل غيرت المناظرة رؤيتك؟ كيف.. ولماذا؟
  • بناءاً على الدليل، هل تؤمن إنه من المعقول أن تؤيد وجود مصمم ذكي؟ لماذا؟ لماذا لا؟ في ضوء الحقائق، هل تؤمن أن الأمر سيتطلب إيماناً أكثر لتصديق أن الحياة قد نشأت طبيعياً أم من خلال علة ذكية؟

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع

                     

  • Charles B. Thaxton, Walter L. Bradly, and Roger L. Olsen. The Mystery of Life Origin Dallas: Lewis and Stanley, 1984.
  • Philip E. Johnson, Darwin on Trial, 2d ed. Downers Grove, III. Inter Varsity Press, 1993.
  • William A. Dembski, ed. Mere Creation. Downers Grove, III. Inter Varsity Press, 1998.
  • P. Moreland, ed. The Creation Hypothesis. Downers Grove, III. Inter Varsity Press, 1994.
  • Michael J. Behe. Darwin Black Box. New York: The Free Press, 1996.      
  • Michael Denton. Evolution: A theory in Crisis. Chevy Chase, Md.: Adler & Adler, 1986.
  • Hank Hanegraaff. The face that demonstrates the Farce of Evolution. Nashville: word, 1998.

 

  1. “Iconoclast of the Century, Charles Darwin (1809-1882),” Time, December 31, 1999.
  2. Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis (Chevy Chase, Md.: Adler & Adler, 1986), 77.
  3. See: Charles T. Jones, “DNA Tests Clear Two Men in Prison,” The Oklahoman, April 16, 1999.
  4. See: Steven Mills and Ken Armstrong, “Convicted By a Hair,” The Chicago Tribune, November 18, 1999.
  5. Ibid.
  6. Patrick Glynn, God: The Evidence, 2 – 3.
  7. “Iconoclast of the Century: Charles Darwin (1809-1882),” Time, December 31, 1999.
  8. Charles Templeton, Farewell to God, 232.
  9. Francisco Ayala, <Creative Evolution, John H. Campbell and J. W. Schoff, eds. (New York: James and Bartlett, 1994), 4 – 5.
  10. Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis, 67.
  11. Ibid., 66.
  12. Douglas Futuyma, Evolutionary Biology (Sunderland, Mass.: Sinauer, 1986), 3.
  13. Richard Dawkins, the Blind Watchmaker (New York: Norton, 1987), 6.
  14. Phillip E. Johnson, Darwin on Trial, 2d ed. (Downers Grove, III.: Inter-varsity press, 1993), 126-27.
  15. Michael Behe, Darwin’s Black Box (New York: The Free Press, 1996), 232.
  16. Ibid., 193, 251, 243 (emphasis in original).
  17. Introduction by Bill Hybels in: Lee Strobel, Inside the Mind of Unchurched Harry and Mary (Grand Rapids, Mich.: Zondervan, 1993), 7.
  18. David M. Raup, “Conflicts Between Darwin and Paleontology,” Bulletin, Field Museum of Natural History, January 1979, quoted in Paul S. Taylor, The Illustrated origins Answer Book, 4th ed., (Meda, Ariz.: Eden, 1993), 108; and in Hank Hanegraaff, The Face that Demonstrates the Farce of Evolution (Nashville, Tenn.: Word, 1998), 34.
  19. Phillip E. Johnson, Darwin on Trial, 2d ed., 54.
  20. Charles Darwin, Origin of Species, 6th ed. (New York: New York University Press, 1988), 154.
  21. George Johnson, “Science and Religion: Bridging the Great Divide,” The New York Times, June 30, 1998.
  22. Charles B. Thaxton, Walter L. Bradley, and Roger L. Olsen, The Mystery of Life’s Origin (Dallas, Tex.: Lewis and Stanley, 1984), back cover.
  23. Ibid.
  24. Francis Darwin, The Life and letters of Charles Darwin (New York: D. Appletion, 1887), 202.
  25. R.Vallery-Radot, the Life of Pasteur, Trans. By R. L. Devonshire (New York: Doubleday, 1920), 109.
  26. Robert Shapiro, Origins (New York: Summit Books, 1986), 99.
  27. William Day, Genesis on l’lanet Earth (East Lansing, Midi.: House of Talos, 1979), 7.
  28. Quoted in: S. Tax, ed., Evolution After Darwin (Chicago: University of Chicago Press, 1960), 1:57.
  29. See: Gordon C. Mills, Malcolm Lancaster, and Walter L. Bradley, “Origin of Life and Evolution in Biology Textbooks –A Critique,” The American Biology Teacher, February 1993.
  30. Ernst Haechel, the Wonders of Life, Trans. By J. McCabe (London: Watts, 1905), 111, quoted in Stephen C. Meyer, “The Explanatory Power of Design” in Mere Creation (Downers Grove, 111.: InterVarsity Press, 1998), 114.
  31. Klaus Dose, “The Origin of Life: More Questions Than Answers,” in Interdisciplinary Science Reviews 13 (1988), 348.
  32. Francis Crick, Life Itself (New York: Simon and Schuster, 1981).
    33. “How Did Life Begin?” Newsweek, August 6, 1979.
  33. J. Buell and G. Hearn, eds., Darwinism: Science or Philosophy? (Dallas, Tex.: Foundation for Thought and Ethics, 1994), 68-69; quoted in: Stephen C. Meyer, “The Explanatory Power of Design,” Mere Creation, 126.
  34. See: Dean Kenyon and G. Steinman, Biological Predestination (New York: McGraw Hill, 1969).
  35. See: Randal A. Kok, John A. Taylor, and Walter L Bradley, “A Statistical Examination of Self-Ordering of Amino Acids in Proteins,” Origins of Life and Evolution of the Biosphere 18 (1988).
  36. Ilya Prigogine and Isabelle Stengers, the End of Certainty: Time, Chaos, and the New Laws of Nature (New York: The Free Press, 1997), 71.
    38. H. P. Yockey, “A Calculation of the Probability of Spontaneous Biogenesis by Information Theory,” Journal of Theoretical Biology 67, 380.
  37. See: Charles B. Thaxton, Walter L. Bradley, and Roger L. Olsen, The Mystery of Life’s Origin, 191-96.
  38. Ibid., 194.
  39. Phillip E. Johnson, Darwin on Trial, 111.
  40. A Dauvillier, the Photochemical Origin of Life (New York: Academic Press, 1965), 2.
    43. Peter Radetsky, “How Did Life Start?” Discover, November 1992.
  41. Fazale R. Rana and Hugh Ross, “Life from the Heavens? Not This Way,” Facts for Faith, October 2000 (emphasis in original).
  42. Ibid (emphasis in original).
  43. Pter Radetsky, “How Did Life Start?” Discover, November 1992.
  44. Ibid.
  45. Ibid.
  46. See: A. G. Cairns-Smith, Genetic Takeover and the Mineral Origins of Life (New York: Cambridge University Press, 1982).
  47. Quoted in: Walter L. Bradley and Charles B. Thaxton, “Information and the Origin of Life,” The Creation Hypothesis (Downers Grove, 111.: Inter-Varsity Press, 1994), 194.
  48. William A. Dembski, ed., Mere Creation, 46.
  49. Fazale R. Rana and Hugh Ross, “Life from the Heavens? Not This Way,” Facts for Faith, Quarter 1, 2000.
  50. Klaus Dose, “The Origin of Life: More Questions than Answers,” Interdisciplinary Science Review 13 (1998), 348.
  51. Robert Shapiro, Origins, 99.
  52. Francis Crick, Life Itself, 1.53.
  53. J. Morgan, “In the Beginning …” Scientific American February 1991.
  54. See: Stephen Jay Gould, “Will We Figure Out How Life Began?” Time, April 10, 2000.
  55. J. F. W. Hersehel, Preliminary Discourse on the Study of Natural Philosophy (London: Longman, Rees, Orme, Brown and Green, 1831), 149.
  56. Carl Sagan, Rroca’s Brain (New York: Random House, 1979), 275.
  57. Phillip E. Johnson, Darwin on Trial, 103.
  58. See: Candace Adams, “Leading Nanoscientist Builds Big Faith,” Baptist Standard, March 15, 2000.
  59. Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis, 358.

نظرية التطور تفسر الحياة: لذا فالله ليس مطلوباً

Exit mobile version