أنكر ماثيو أرنولد المعجزات وقال أنها لا تحدث. أما جوليان هكسلي التلميذ النجيب لدارون فإنه رفض المعجزات

أنكر ماثيو أرنولد المعجزات وقال أنها لا تحدث. أما جوليان هكسلي التلميذ النجيب لدارون فإنه رفض المعجزات

أنكر ماثيو أرنولد المعجزات وقال أنها لا تحدث. أما جوليان هكسلي التلميذ النجيب لدارون فإنه رفض المعجزات

 

70- أنكر ماثيو أرنولد المعجزات، وقال أنها لا تحدث. أما جوليان هكسلي التلميذ النجيب لدارون فإنه رفض المعجزات

س70: أنكر ” ماثيو أرنولد ” Matthew Arnold  المعجزات، وقال ” أنها لا تحدث”(1). أما “جوليان هكسلي” Julian Huxley التلميذ النجيب لدارون فإنه رفض المعجزات 

قائلًا “لم تعد هناك حاجة أو مكان لكائنات خارقة قادرة على التأثير في مسار الأحداث في نمط التفكير المؤمن بالتطور”(2) وجاء في خطابه بجامعة شيكاغو تخليدًا للذكرى المئوية لنظرية التطور لدارون ” أن الأرض لم تُخلق، لقد تطورت، وهكذا حدث بالنسبة لجميع الحيوانات والنباتات التي تسكنها، بما فيها ذواتنا البشرية وعقولنا ونفوسنا. وكذلك أمخاخنا وأجسامنا”(3) كما قال أيضًا متهكمًا ” إن إنسان التطور لم يعد يلجأ زاحفًا هربًا من وحدته، للبحث عن مأوى بين ذراعي أب إلهي، قد خلقه بنفسه”(4).

ج: إن المأساة “أن كثيرين ممن يسمون أنفسهم مبشرين ومعلمين مسيحيين، عصريون في نظرتهم، يطبقون نفس هذه الفكرة على المعجزات، فهم يقولون أن هناك تفسيرًا مناسبًا للمعجزات في الكتاب المقدَّس، فمعجزات الكتاب هي ببساطة غطاء خارجي للحقيقية الروحية، فهي تشبيهات تمت صياغتها ببراعة.

ومما يؤسف له أن عدة مدارس وكليات لاهوتية، متحررة أو عصرية في عقائدها اللاهوتية تنكر معجزات الكتاب المقدَّس عن عمد، وتزج بالشباب إلى مجال الخدمة وهم يرفضون الخوارق. فيقولون أن معجزات الكتاب المقدَّس خرافية وأسطورية وتتكوَّن من هالة كبيرة من الخيال حول نواة من الحقيقة”(5).

نحن نثق في الأنبياء والرسل الذين سجلوا لنا أحداث التاريخ ومعجزات الله مع شعبه بأمانة كاملة، فالشك في المعجزات يعني الشك في رجال الله القديسين الذين سجلوا هذه الأحداث، والشك في شهود العيان من المؤيدين والرافضين. وأيضًا الشك في المعجزات بلا شك يقودنا إلى الشك في بقية أجزاء الكتاب المقدَّس، ويضيع الإيمان من بين أيدينا، ويقول ” هربرت لوكير ” أن ” معجزات الكتاب المقدَّس مدوَّنة كحقائق ونحن نقبلها بالإيمان.

فلو رفضنا المعجزات، خاصة معجزات يسوع ورسله، باعتبارها تلفيقات من خيال كتَّاب العهد الجديد. إذًا فنحن ننسب لشهود عيان هذه الخوارق عدم الجدارة والاستحقاق، أو التخريف المبني على الخرافات أو الخديعة. إن معجزات الأناجيل قد أُجريت في حضور الأعداء. ومن ثمَ فقد أُخضعت لأشد أنواع الفحص والتدقيق، ولكنها خرجت كأوثق الأشياء التي يؤمن بها التلاميذ”(6).

وكان لوقا البشير مع بولس الرسول في رحلاته وسجل لنا سفر الأعمال، وذكر بعض المعجزات التي أجراها الله على يد بولس الرسول، وشهادة لوقا الطبيب البارع لها قدرها لأنه يعي جيدًا الأمراض وخطورتها وطريقة علاجها، والمدة التي يستغرقها المريض حتى ينال البرء منها، وجاء في دائرة المعارف الكتابية ” يجب أن تذكر على الدوام -مهما كان رأي النقاد- أن هذه الشهادات جاءت من شهود عيان عاصروا الأحداث.

وهناك أمر بالغ الأهمية ينفرد به الإنجيل الثالث، فقد أثبتت أبحاث دكتور ” هوبارت ” Hobart إثباتًا قاطعًا، أقنع أستاذًا عالمًا مثل ” هارناك ” Harnak بأن لوقا كان طبيبًا متمرسًا بارعًا، ولذلك فشهادته عن هذه المعجزات تعتبر دليلًا حازمًا، فهي شهادة رجل علم، فعندما يحدثنا لوقا مثلًا عن شفاء حمى (لو 4: 38، 39)..

فإنه يستخدم مصطلحًا فنيًا لوصف {الحمى الشديدة} كما كانت تُعرف في أيامه، فشهادته هي شهادة متخصص يعرف ما هي الحمى وما يعنيه الشفاء منها، وهذا الأمر له أهميته الكبيرة فيما يتعلق بالمعجزات التي سجلها للرسول بولس في الجزء الأخير من سفر أعمال الرسل، فيجب أن نذكر على الدوام أنها شهادة شاهد عيان من طبيب بارع”(7).

“إن المعجزات التي أجراها الرب وتلاميذه -في مرات لا حصر لها- ليس فيها أدنى شك أو جدال، إلاَّ إذا افترضنا في البشيرين الكذب والخداع عن قصد أو عن تفسيرات خرافية، وهو افتراض جائر لا يمكن أن يقبله حكم عادل نزيه”(8).

ومن يصدق معجزات العهد الجديد يسهل عليه تصديق معجزات العهد القديم ” فإذا كانت معجزات العهد الجديد ممكنة، فمعجزات العهد القديم ممكنة أيضًا، وحيث أن معجزات العهد الجديد تعلن طبيعة الرب يسوع المسيح ومشيئته بالفعل والقول، فكذلك معجزات العهد القديم تعلن وجود الله وطبيعته ومشيئته”(9).

_____

(1) هربرت لوكير – ترجمة ادوارد وديع عبد المسيح – كل المعجزات في الكتاب المقدَّس ص 19.

(2) المرجع السابق ص 19.

(3) المرجع السابق ص 19.

(4) المرجع السابق ص 19.

(5) هربرت لوكير – ترجمة ادوارد وديع عبد المسيح – كل المعجزات في الكتاب المقدَّس ص 19.

(6) المرجع السابق ص 20.

(7) دائرة المعارف الكتابية جـ 5 ص 193.

(8) المرجع السابق ص 193.

(9) المرجع السابق ص 195.

أنكر ماثيو أرنولد المعجزات وقال أنها لا تحدث. أما جوليان هكسلي التلميذ النجيب لدارون فإنه رفض المعجزات

صور التطور – لي ستروبل

صور التطور – لي ستروبل

صور التطور – لي ستروبل

صور التطور – لي ستروبل

 

“المشكلة هي أن تقنع الناس برفض التفسيرات اللاعقلانية والفوق طبيعية للعالم، والشياطين التي تعيش فقط في خيالاتهم، وأن يقبلوا جهازاً اجتماعياً ومعرفياً، وهو العلم، كالمصدر الوحيد للحق”.

ريتشارد لونتن (أخصائي علم الوراثة بجامعة هارفارد) [1]

“العلم…. أصبح مرادفاً لفلسفة تعرف بالمادية أو الطبيعية العلمية. وهذه الفلسفة تصر بأن الطبيعة هي كل ما لدينا، أو على الأقل الشيء الوحيد الذي يمكننا أن نستقي منه أية معرفة. ويتبع ذلك أن الطبيعة اضطرت لخلق ذاتها، ووسيلتها لهذا الخلق لا بد ألا تشتمل على أي دور لله”.

فيليب جونسون (ناقد نظرية التطور) [2]

 

عد بالتاريخ إلى العام 1966. كان البرنامج الإذاعي الأشهر هو البرنامج الغنائي “Michelle” لبول مكارتني. وفي العرض التلفزيوني I Spy، صار بيل كوسبي أول إفريقي أمريكي يشارك بالبطولة في حلقات درامية، كان الرغيف سعره 19 سنتاً، وسيارة الفورد من طراز Fairlane سعرها 1600 دولاراً.

حين كنت في الرابعة عشرة من عمري، تلميذاً في المرحلة الأولى في مدرسة Prospect الثانوية في ضاحية شيكاغو الشمالية، كنت أجلس في فصل العلوم بالدور الثالث، الذي يطل على ساحة انتظار. كنت في الصف الثاني من النافذة، والمقعد الثالث من الأمام، حين سمعت لأول مرة المعلومات المتحررة التي دفعتني لحياة الإلحاد.

لقد راقت لي حقاً حصة الأحياء التمهيدية تلك. كانت تناسب تماماً أسلوبي المنطقي للتفكير في العالم، وكان هذا بمثابة مدخل يدفعني نحو ميادين الصحافة والقانون. كنت بطبعي فضولياً أبحث دائماً عن إجابات، وأحاول باستمرار معرفة كيف تعمل الأشياء.

في طفولتي، أهداني والدي قطاراً كهربائياً كهدية الكريسماس. وبعد فترة وجيزة وجدني أبي في الجراج وأقذف بقوة هذا القطار على الأرضية الصلبة كي أفتحه. ولم أفهم لماذا انزعج للغاية. فقد شرحت له بهدوء أن كل ما كنت أفعله هو معرفة ما الذي كان يجعل القطار يدور.

ولهذا السبب أحببت العلم. وقد شجعني المعلم بالفعل للقيام بتشريح ضفدعة حتى أعرف كيف تعيش. أهداني العلم مبرراً أن أطرح كل أسئلة “لماذا؟” التي كانت تنتابني، وأن أجرب إجراء تجارب جينية بتربية ذباب الفاكهة، وأن أقوم بإزالة القشة عن النباتات لأعرف كيف تنمو. كان العلم بالنسبة لي يقدم الحقائق الثابتة الأكيدة التجريبية المبرهنة بالتجربة. تعمدت ان أرفض كل شيء آخر كونه مجرد رأي أو تخمين أو خرافة أو إيمان بلا عقل.

وأردد هنا ما كتبه الفيلسوف مورلاند بعد عدة سنوات، حين قال إن كلمة “علمي” بالنسبة لكثير من الناس معناها شيء “جيد، وعقلاني” وحديث” في حين أن ما هو غير علمي هو شيء عتيق، ولا يستحق إيمان من يفكرون[3].

تشكلت ثقتي بالعلم إثر نشأتي في أمريكا ما بعد سبوتنك Sputnik، حيث تم الإعلاء من قدر العلم والتكنولوجيا لدورهما في الإمساك بمفاتيح بقاء بلادنا. وقد حثت إدارة الرئيس ايزنهاور الشباب للبحث عن العمل في حقل العلم، حتى تلحق أمريكا بل وتتفوق على غريمنا السوفيت الذي أذهلوا العالم في العام 1957 بإطلاق أول قمر صناعي في مدار بيضاوي حول الأرض.

وفيما بعد – عندما بدأت أمتنا تحل الكثير من الألغاز في الستينات وبدأت المواثيق الاجتماعية تنقلب رأساً على عقب، وبدأت النسبية وأخلاقيات الموقف تخلق إطاراً هشاً من الأخلاقية، وإذ بالتقاليد تنهار الواحد تلو الآخر، رأيت العلم هو الثابت الباقي، أساساً، ملاذاً، والحصن المنيع في منهجه، بينما في نفس الوقت يتقدم للأمام باستمرار في التفكير في روح الإرادة الأمريكية.

هل يمكن أن تضع إنساناً على سطح القمر؟ لم يشك أحد أننا سنفعل ذلك. فالتكنولوجيا الجديدة، من الترنزستور إلى التلفون، جعلت مستوى الحياة في أمريكا أفضل وأفضل. هل يمكن أن يكون علاج السرطان بعيد المنال؟

ليس من قبيل الصدفة أن اعجابي بالتفكير العلمي كان ينمو، وفي نفس الوقت تضعف ثقتي بالله. عندما كنت في مدارس الأحد ودروس تثبيت الإيمان وأنا بالمرحلة الثانوية، فإن أسئلتي الكثيرة “لماذا؟” لم تكن تلقى الترحيب المستمر. فبينما بدا أن التلاميذ الآخرين يقبلون الحقائق الكتابية بطريقة أوتوماتيكية، كنت أنا بحاجة لأسباب تدفعني للإيمان بها. لكن كثيراً ما كان بحثي عن إجابات يقابل بالصد. وبدلاً من ذلك، طالبوني بقراءة وحفظ الآيات الكتابية، وكتابات مارتن لوثر، ولاهوتيين آخرين من الماضي البعيد لا يبدو أن لهم علاقة بالموضوع.

من كان يهتم بما آمن به هؤلاء المتحمسين الذين ماتوا منذ زمن؟ لم أكن أهتم بالقضايا “الساذجة” للإيمان والروحانيات، بل بالحري كنت منجذباً نحو الحقائق “الأكيدة” للعلم. وكما قال يوجين سكوت من المركز القومي للتعليم العلمي: “لا يمكنك أن تضع إله كلي القدرة في أنبوبة اختبار”[4]. إن لم يكن هناك أي دليل علمي أو عقلي للإيمان بمثل هذا الوجود، فلا يهمني الأمر.

ولهذا، ففي هذا اليوم المشهود في درس الأحياء في العام 1966، بدأت أتعلم عن الاكتشافات العلمية التي – كما قال عالم الحيوان البريطاني ريتشارد داوكنز – “التي جعلت من الممكن أن تكون ملحداً مكتفياً من الناحية المعرفية”[5].

 

صور التطور

أميل لأكون مفكراً مرئياً. فالصور تلتصق بذهني لفترات طويلة من الوقت. فعندما أستعيد ذكريات أيام الدراسة الثانوية، وما تعلمته في الفصل، ومن خلال انكبابي على الكتب الخارجية، يمكنني أن ألخص هذا كله في سلسلة من الصور:

الصورة الأولى: أنابيب اختبار، وقوارير، وأقطاب كهربية في تجربة ستانلي ميلر

كانت هذه الصورة هي أقوى الصور جميعاً – جهاز المعمل الذي استخدمه ستانلي ميلر، ومن بعده طالب في السنة النهائية في جامعة شيكاغو، في العام 1953، لكي ينتج بطريقة صناعية القوالب البانية للحياة. بإعادة إنتاج بيئة الأرض البدائية، ثم تصوير شرارات كهربية من خلالها لإنتاج البرق، تمكن ميلر من إنتاج مادة لزجة حمراء تحتوي على أحماض أمينية.

عندما علمت بنجاح ميلر، سطع في ذهني التضمين المنطقي: إذا كان من الممكن تفسير أصل الحياة من خلال عمليات طبيعية، فالله إذاً لا وجود له! وفي النهاية، لا حاجة لنا لإله إذا كانت الكائنات الحية بإمكانها أن تخرج من تلقاء نفسها من حساء بدائي، ثم التطور طبعياً بالأيونات إلى كائنات أكثر وأكثر تعقيداً – وهو سيناريو سوف تشرحه الصورة الثانية من التطور.

الصورة الثانية: “شجرة حياة” دارون

عندما قرأت “أصل الأنواع” لتشارلز دارون، صُدمت لوجود تفسير واحد: رسم تخطيطي وصف فيه تطور الحياة كشجرة، مبتدئاً من سلف قديم في أصل الشجرة، ثم تزهر إلى أعلى حتى الأطراف والفروع والأغصان، كما تطورت بتنوع وتعقيد متزايد.

وكما شرح كتاب حديث، فإن الدارونية تعلم أن كل أشكال الحياة “ترتبط من خلال سلالة جاءت من نموذج أصلي مجهول عاش في الماضي البعيد[6].

بدا من الواضح لي أن ظاهرة مثل التطور المجهري او التنوع داخل الأنواع المختلفة من الحيوانات موجودة حقاً. واستطعت أن أرى هذا مشروحاً في المنطقة المجاورة لي؛ فقد كانت لدينا عشرات الأنواع من الكلاب. لكني كنت مفتوناً بتأكيد التطور الكبير macroevolution الأكثر طموحاً – وهو أن الاختيار الطبيعي الذي يعمل في تنوع عشوائي يمكنه أن يوضح كيف أن الخلايا البدائية قد تحولت خلال فترات طويلة من الزمن إلى كل أنواع الكائنات، بما فيها البشر. وبمعنى آخر، تحولت الأسماك إلى برمائيات، ثم تحولت البرمائيات إلى زحافات، والزحافات إلى طيور وثدييات، والبشر لهم نفس السلف كالقرود.

بينما كان يبدو أن ميلر ينادي بأن الحياة ربما تكون قد نشأت تلقائياً في المحيطات الكيميائية للأرض العتيقة، تكون نظرية دارون قد فسرت كيف أن ملايين كثيرة من أنواع الكائنات تطورت ببطء وبالتدريج على مدى فترات طويلة من الزمن. ثم جاء تأكيد آخر لسلالتنا المعروفة، كما ستوضحه الصورة الثالثة.

 

الصورة الثالثة: رسومات الأجنة لأرنست هايكل

قدم عالم الأحياء الألماني أرنست هايك – الذي يمكن أن توجد رسوماته للأجنة في كل الكتب التي درستها عن نظرية التطور تقريباً – دليلاً أقوى على أن كل أنواع الحياة لها نفس السلف. عندما وضع هايكل رسومات لسمكة جنينية، وسلمندر، وسلحفاة، وكتكوت، وخنزير، وعجل، وأرنب، وإنسان بجانب بعضها البعض، صرح بطريقة تصويرية بأن هذه الكائنات قد ظهرت متشابهة بصورة مدهشة في مراحلها الأولية من التطور. وفيما بعد أصبحت مختلفة بدرجة مميزة.

بينما فحصت عيني الصف الأعلى من رسومات هايكل، والتي كانت تمثل المرحلة المبكرة من تطور الأجنة، اندهشت؛ فكيف أن هذا الفقاريات – التي ستنمو أخيراً لتصير متمايزة تماماً عن بعضها البعض – كان لا يمكن تمييزها أصلاً؟

من كان يمكنه أن يفرق بينها؟ كان الجنين الإنساني يمكنه بسهولة أن يكون أي من هذه المخلوقات الأخرى. من الواضح أن دارون كان على صواب حين قال: “علينا أن نعترف بصراحة” بالسلف الكوني المشترك. وبالتأكيد، فإن التسلسل العنيد نحو التعقيد المتزايد باستمرار يمكنه أن يتضح في الصورة التالية.

الصورة الرابعة: الحلقة المفقودة

إن الحفرية مذهلة حتى أن أحد علماء الباليونتولوجي Paleonotologist* دعاها “أثر مقدس من الماضي أصبح رمزاً قوياً لعملية التطور ذاتها”[7]. إنها أشهر حفرية في العالم؛ والتي تسمى “الطائر الأول archaeopteryx”**؛ وهي مخلوق يرجع تاريخه إلى 150 مليون سنة. هذا المخلوق له أجنحة وريش وعظم الترقوة التي لطير، ولكن له ذيل كذيل السحلية، ومخالب في أجنحته، واعتبروه الحلقة المفقودة بين الزواحف والطيور الحديثة.

نظرة واحدة لصورة هذه الحفرية تطارد أية شكوك حول إذا كان سجل الحفرية يدعم نظرية دارون. فها نحن نرى نصف طائر، ونصف زاحفة، ولم أعد بحاجة لمزيد من البحث لأصدق أن علم الباليونتولوجي قد دعم دارون. في الحقيقة، بعد اكتشاف “الطائر الأول” في ألمانيا بعد نشر كتاب “أصل الأنواع” على الفور، فقد “ساعد هذا بشكل كبير في الإقرار بمصداقية الدارونية وتكذيب المشككين” كما قال جونسون[8].

كانت هذه الصور مجرد بداية تعليمية لنظرية التطور. فبمجرد أن أكملت دراستي في هذا الموضوع، أصبحت مقتنعاً تماماً أن دارون قد استبعد أية حاجة لله. وهي ظاهرة رأيتها مراراً.

لم أعد أذكر عدد المتشككين الروحيين الذي قالو لي أن بذور شكوكهم قد زرعت في المرحلة الثانوية او الجامعية عندما درسوا الدارونية. في العام 2002، عندما قرأت عن طرد عضو من فريق كشافة Eagle Scout لأنه رفض تعظيم الله، لم أندهش عندما اكتشفت “أنه أصبح ملحداً بعد أن درس نظرية التطور في الطف التاسع”[9].

قال عالم التطور في جامعة أكسفورد داوكنز “كلما ازداد فهمك لأهمية التطور، كلما ابتعدت عن اللا أدرية واتجهت نحو الإلحاد”[10].

دارون ضد الله

ومع ذلك، لا يعتقد كل إنسان بأن نظرية دارون تتناقض مع الله. فبعض العلماء واللاهوتيين لا يرون تعارضاً بين الإيمان بتعاليم دارون وتعاليم المسيحية.

عالم الأحياء كريستيان دي دوف الفائز بجائزة نوبل أصرّ على القول بأنه “لا معنى في أن الإلحاد مجبر ومفروض بالعلم”[11]، بينما أعلن أستاذ الأحياء كينيث ميلر من جامعة براون أن نظرية التطور “ليست ضد الله”[12]. وأجاب الفيلسوف مايكل روز، وهو عالم متحمس للتاريخ الطبيعي، على السؤال: “هل يمكن لمن يؤمن بنظرية دارون أن يكون مسيحياً؟” بالرد: “نعم، بكل تأكيد!”، وقال: “لم تثر حجة سليمة توضح أن الدارونية تشير إلى الإلحاد”[13].

وعالمة الأحياء جين بوند، التي درست سابقاً في كلية ويتوورث تصف نفسها مفتخرة بصفتها “عالمة، ومؤمنة بنظرية التطور، ومعجبة جداً بدارون، ومسيحية”[14]. وشرحت ذلك بالقول “إن إيماني بأن التطور قد حدث – أي إن البشر وكل المخلوقات الحية الأخرى مرتبطة كجزء من شجرة عائلة الخلق العملاقة، وأنه من الممكن أن تكون الخلية الأولى قد نشأت بالعمليات الطبيعية للتطور الكيميائي – لا يتطلب أو حتى يستوجب وجهة نظر إلحادية عالمية”[15].

ومع ذلك، فأنا شخصياً لم أستطع ان أفهم كيف أن الدارونية التي تعلمتها تركت أي دور ذي معنى لله. لقد قيل لي إن عملية التطور غير موجهة، وبالنسبة لي، كان هذا يستبعد أوتوماتيكياً إله فوق الطبيعة يشد الخيوط خلف الستار.

كانت هذه النقطة واضحة للغاية في كتاب صدر حديثاً “يجمع التنوع الغير موجه والذي بلا هدف لعملية الاختيار الطبيعي المعتمة، جعل التفسيرات اللاهوتية أو الروحية لعمليات الحياة غير ضرورية”[16]. كما تؤكد كتب أخرى بأن التطور “عشوائي وغير موجه”، وأنه “بلا خطة أو هدف”، وأن دارون “أعطى علم الأحياء أساساً علمياً قوياً عندما نسب تنوع الحياة لأسباب طبيعية أكثر منه لعملية خلق فوق طبيعية”[17].

إن كان العلماء يعرفون الدارونية هكذا، فقد بدا لي أن الله قد طرد بالفعل. ومحاولة إيجاد دور غامض له يبدو أمراً تافهاً، والذي يقول عنه ويليام بروفاين من جامعة كورنيل “توجد الآن رؤية لاهوتية واسعة الانتشار تقول بأن الله قد خلق العالم، وهو يدعمه، ويعمل من خلال قوانين الطبيعة بمهارة فائقة، حتى إن عملها لا يمكن اكتشافه، ولكن مثل هذا الإله لا يختلف في الواقع بالنسبة لذهني عن الإلحاد”[18].

بكل تأكيد، سوف يقول المسيحيون إن الله ليس إلهاً محتجباً او غير مهتم يخفي نشاطه تماماً، بل إنه بالحري قد تدخل بقوة في العالم حتى إن الكتاب المقدس يقول “لأن منذ خلق العالم ترى أموره المنظورة وقدرته السرمدية ولاهوته مدركة بالمصنوعات حتى أنهم بلا عذر”[19]. قال فيلسوف العلم ستيفن مير الذي تعلم في جامعة كامبردج، ومدير مركز العلوم والثقافة في معهد الاستكشاف في سياتل:

يصرح العديد من علماء الأحياء المؤمنين بالتطور بأن العلم لا يمكنه بشكل مطلق أن يستثني إمكانية ان نوعاً من الألوهية من الممكن أن يزال موجوداً. ولا يمكنهم أن ينكروا احتمالية وجود مصمم إليه يحجب نشاطه الخلاق في عمليات طبيعية ظاهرة للتهرب من الفحص العلمي. ومع ذلك، فبالنسبة لمعظم العمليين الماديين، فإن مثل هذه الكينونة غير المكتشفة من الصعب أن تستحق التقدير والاعتبار[20].

ورغم ذلك، فقد أكد مير على أن “الدارونية المعاصرة لا ترى التغير الناتج عن نظرية التطور عملية يقودها الله”[21] وينوه بملاحظة شهيرة لعالم الأحياء الراحل والمؤمن بالدارونية جورج جايلورد سمبسون، والذي يقول بأن الدارونية تنادي بأن “الإنسان هو نتيجة لعملية طبيعية لا هدف لها لم تحسب له حساباً”[22]. وبالنسبة لماير، فإن التشعبات واضحة، إذ يقول: “إن القول بأن الله يقود عملية طبيعية غير موجهة فطرياًن أو أن الله قد صمم تقنية طبيعية كبديل لتصميمه أمر متناقض بوضوح”[23].

نانسي بيرسي – التي كتبت بتوسع عن العلم والإيمان – تصر على القول “إما أن تختار الله أو الاختيار الطبيعي، وليس الاثنين”[24] وأشارت إلى أن دارون نفسه أدرك ان حضور إله كلي القدرة سيقوض نظريته بالفعل. وقالت “إن اعترافنا بوجود الله في العملية، كما جادل دارون، فإن الله سيؤكد أن مجرد “التنوعات الصحيحة قد حدثت… وأن الاختيار الطبيعي سيكون غير ضروري”[25].

أما أستاذ القانون فيليب جونسون، مؤلف الكتاب ذائع الصيت لنقد الدارونية “محاكمة دارون Darwin On Trial“، فيوافق أن “الهدف كله من الدارونية هو إظهار أنه لا حاجة إلى خالق يسمو فوق الطبيعة لأن الطبيعة يمكنها أن تقوم بعملية الخلق من تلقاء نفسها”[26].

في الحقيقة كثيرون ممن يؤمنون بنظرية التطور الذين شعروا بلدغة نقد جونسون يجدون أنفسهم متفقين معه في هذه النقطة تحديداً. فمثلاً العالم البيولوجي التطوري أرنست مير أكد أن “الجوهر الحقيقي للدارونية” هو الاختيار الطبيعي، الذي “يسمح بتفسير التكيف… بالوسائل الطبيعية، بدلاً من التدخل الإلهي”[27].

تطوري بارز آخر، وهو فرنسيسكو آيالا، رُسما قساً دومينيكياً قبل عمله بالعلوم، ومع ذلك، رفض في لقاء أخير أن يؤكد ما إذا كان لا يزال يؤمن بالله[28]، قال “كان أعظم إنجاز لدارون” هو أنه أوضح أن “الكائنات الحية يمكن تفسيرها بصفتها نتيجة عملية طبيعية، واختيار طبيعي، دون أدنى حاجة للجوء إلى خالق، أو أي عامل خارجي آخر”[29].

عندما سأل أحد المحامين روفاين الصريح ما إذا كان هناك “وضع تطوري مسيحي أمين من الناحية المعرفية… أم علينا ببساطة أن نترك عقولنا على أبواب الكنائس”، كانت إجابة بروفاين صريحة: “عليك أن تترك عقلك”[30] فقد كان من الواضح بالنسبة له أن مصطلح “مسيحي مؤمن بالتطور” يجمع لفظتين متناقضتين.

كان ادوارد ويلسون – عالم الأحياء الاجتماعي، والفائز بجائزة بولتزر – عنيداً تجاه هذه القضية، حيث قال “إذا كانت البشرية قد تطورت طبقاً لنظرية دارون في الاختيار الطبيعي، فإن الفرصة الجينية، والضرورة البيئية، وليس الله، هي التي خلقت الأنواع”[31]. وهذا كلام لا غموض فيه.

وقد لخصت مجلة Time الأمر كله ببراعة “لم يرد تشارلز دارون أن يقتل الله وهو يصيغ نظرية التطور، لكنه قتله”[32].

حمض دارون العالمي

لم أكن واعياً بمثل تلك الملاحظات عندما كنت طالباً. فقد كنت أعرف بالبديهة أن نظريات دارون قد منحتني أساساً عقلياً لرفض أسطورة المسيحية التي حاول والدي فرضها عليّ عندما كنت صغيراً.

أتذكر قراءتي موسوعة World Book التي أعطاها لي والداي كهدية عيد ميلادي لترد على أسئلة “لماذا” التي كنت أزعجهم بها دائماً. وقد أسهمت قراءتي عن التطور في تدعيم إحساسي بتعارض المسيحية ونظرية دارون.

ذكرت الموسوعة “في الكتاب المقدس، يعامل الله بصفته الخالق، والداعم، والهدف النهائي لجميع الأشياء. يؤمن كثير من المسيحين بأنه من المستحيل الموافقة بين هذا الاقتناع بفكرة ان النمو التطوري حدث نتيجة قوى طبيعية موجودة في الحياة العضوية”[33].

بالنسبة لي، وُضع كل شيء في مكانه. وكان تقديري هو أنك لست بحاجة إلى خالق إن كانت الحياة بإمكانها أن تخرج بدون أية مساعدة من الطين البدائي للأرض المبكرة، وأنك لست بحاجة إلى الله لكي يخلق البشر على صورته إن كنا مجرد نتاج لقوى مجهولة بالاختيار الطبيعي. وباختصار، أنت لست بحاجة للكتاب المقدس إن كان لديك كتاب “أصل الأنواع”.

كنت أختبر شخصياً ما قاله الفيلسوف دانيال دينيت: الدارونية “حمض كوني يلتهم تقريباً كل مفهوم تقليدي، ويترك ورائه وجهة نظر عالمية تؤمن بالتطور”[34].

وقد خضعت شخصياً لنظرية التطور؛ ففي تفاؤلي الشبابي لم أكن على استعداد لفحص بعض التضمينات المحيطة لفلسفتي الجديدة. تجاهلت بارتياح الصورة المؤلمة التي رسمها الملحد البريطاني برتراند رسل، الذي كتب عن كيفي أن العلم قدم لنا عالماً “بلا هدف” و”خالي من المعنى”[35]:

ذاك الإنسان هو نتاج الأسباب التي لم تكن لها رؤية سابقة للغاية التي كانت تسعى لتحقيقها. فأصله، ونموه، وآماله، ومخاوفه، ورغباته، ومعتقداته هي مجرد نتيجة تنظيمات عرضية للذات. لا نيران، ولا بطولة، ولا حدة تفكير أو مشاعر يمكنها أن تحفظ حياة فرد بعد الموت. فكل جهود العصور، وكل التكريس، وكل الوحي، وكل وهج العبقرية الإنسانية مقدر لها الانقراض… وكل هيكل إنجاز الإنسان لا بد أن يُدفه حتماً. كل هذه الأمور مؤكدة تماماً بلا جدال، حتى إنه لا توجد فلسفة ترفضها يمكنها أن ترجو البقاء. وبقبول هذه الحقائق، وعلى الأساس الراسخ ليأس لا يستسلم، يمكن أن يُبنى سكنى النفس في أمان”[36].

بدلاً من مواجهة هذا “اليأس الذي لا يستسلم” الذي يتضمنه عالم بدون الله، وجدت متعتي في حريتي الجديدة التي حققتها من الانتقاد الأخلاقي لله. بالنسبة لي، كانت الحياة بدون الله معناها ان أعيش لنفسي بنسبة 100%. وحيث كنت قد تحررت من أن أحاسب بوماً على أفعالي، أطلقت العنان لنفسي للحصول على السعادة والمتعة الشخصية مهما كان الثمن.

كانت الثورة الجنسية في الستينات والسبعينات قد بدأت في الظهور، وكنت متحرراً للانغماس في الملذات بأقصى ما يمكن، دون أن أعمل حساباً لرقابة الله الذي لا يوافق على هذا. وبصفتي صحفي، تحررت من الأغلال للمنافسة دون أن أضطر دائماً للخضوع لمثل تلك القوانين والقواعد الأخلاقية المزعجة. لم أسمح لشيء أو لشخص أن يحول بيني وبين طموحاتي.

ومن كان يبالي ما إذا كانت المادية العلمية تعلم بأنه لا شيء سوى المادة، ومن هنا لن يتمكن إنسان من تجنب الموت. كنت صغيراً جداً للعبث بتضمينات هذه الأمور. وبدلاً من ذلك، أسرعت وراء الخلود الذي يمكنني تحقيقه بترك بصمتي كصحفي ناجح تدعم تحقيقاته ومقالاته التشريع الجديد والإصلاح الاجتماعي. أما بالنسبة لحقيقة الموت المطلقة، فقد كان لديّ الكثير من الوقت لكي أفكر فيها فيما بعد. كان هناك الكثير جداً الذي سأعمله في ذلك الوقت.

وهكذا زُرعت بداخلي بذور الإلحاد وأنا شاب عندما بدا ان السلطات الدينية غير مستعدة أو غير قادرة على إجابة أسئلتي عن الله. وازدهر عدم إيماني بعد اكتشافي أن الدارونية تستبعد الحاجة إلى إله. واكتمل ازدهار إلحادي عندما درست يسوع في الكلية، وقيل لي إنه لا إنسان يتمتع بالتفكير العلمي يمكنه أن يؤمن بما يقوله العهد الجديد عنه.

طبقاً لأعضاء الجناح اليساري في سيمينار يسوع*، فإن نفس الدافع الذي حفز العلم التجريبي “الذي سعى لوضع كل المعرفة تحت اختبار الملاحظة الدقيقة والمتكررة”، دفع جهودهم أيضاً حتى يميزوا أخيراً “الحقيقة من الخيال” في حياة يسوع. وتوصلوا إلى أنه في “عصر العلم هذا”، لا يمكن للمفكرين المحدثين أن يعودوا يؤمنوا بأن يسوع قد فعل أو قال معظم ما يؤكده الكتاب المقدس. وصاغوا الأمر هكذا:

إن مسيح العقيدة والإيمان، الذي كان ثابتاً في مكانه في العصور الوسطى، لم يعد قادراً أن يستحق قبول من رأوا السماوات من خلال تليسكوب جاليليو. لقد أزيلت الآلهة والشياطين القديمة من السماوات بهذه العدسة الهامة. وقد جرد كل من كوبرنيكوس، وكبلر، وجاليليو مقار الآلهة والشياطين الأسطورية، وورثونا سماوات مدنية[37].

عندما وصلت منتصف دارستي بالكلية، كانت اتجاهاتي الإلحادية قد ترسخت حتى صرت لا أحتمل أصحاب الإيمان غير العقلاني كهؤلاء المحتجين الذين كنت سأواجههم لاحقاً في فرجينيا الغربية. لم أتمكن من فهم مقاومتهم العنيدة لوضع معتقداتهم المهجورة في هذا “الحمض الكوني” للفكر العلمي الحديث.

شعرت بالتعالي عليهم. دعهم يظلون عبيداً لتفكيرهم الساذج عن مكان لهم في السماء، وعن الأخلاقية المستقيمة لإلههم الخيالي. أما بالنسبة لي، فسوف أتبع بنزاهة النتائج التي توصل إليها العلماء والمؤرخون، والتي اختصرت أبحاثهم المنطقية المنسقة العالم إلى مجرد عمليات مادية.

بداية التحري

لو كنت قد توقفت عن توجيه الأسئلة لبقيت في مكاني. ولكن بخلفيتي الصحفية والقانونية، كانت المطالبة بإجابات منسوجة في طبيعتي. ولهذا، بعد خمس سنوات من مغامرتي في فرجينيا الغربية، عندما أعلنت زوجتي ليزلي أنها قررت أن تتبع يسوع، كان أمراً عادياً أن تكون أولى كلماتي في صورة استفسار.

ولم أوجه استفساري بطريقة مهذبة، لكنه بدلاً من ذلك وجه بنغمة اتهامية حادة “ماذا حل بك؟” ببساطة، لم أستطع أن أفهم كيف يمكن لشخص عاقل أن يؤمن بعقيدة دينية ملفقة وغير منطقية من التفكير الساذج والتصديق والأسطورة.

ومع ذلك، ففي الشهور التالية عندما بدأت شخصية ليزلي في التغيير، وبينما مرت قيمها بتحول، وبينما صارت أكثر حباً ورعايةً وصدقاً، بدأت أسأل نفس السؤال، ولكن هذه المرة بنغمة أكثر نعومة صدقاً في اندهاش حقيقي “ماذا حل بك؟” شيء ما، أو كما أعلنت، شخص ما كان يغيرها للأفضل دون جدال.

بصراحة، كنت بحاجة لتحري ما كان حدث. ولهذا بدأت أسأل أسئلة أكثر، وكانت غالبيتها عن الإيمان والله والكتاب المقدس. وصممت على الذهاب إلى حيث تقودني الأسئلة، رغم إنني بصراحة لم أكن مستعداً تماماً لما ستسفر عنه النتائج.

استمر هذا البحث الروحي حوالي عامين. وفي كتاب السابق القضية …المسيح، الذي استفاض في هذه الرحلة، ناقضت الإجابات التي تلقيتها من 13 خبيراً بارزاً عن البرهان التاريخي المؤيد ليسوع الناصري[38]. وفي كتابي التالي القضية … الإيمان*، تتبعت إجابات الأسئلة “الثمانية العنيدة” حول المسيحية، وهي من نوعية القضايا التي كانت تؤرقني في حداثتي، ولم أجد من كان مستعداً لإجابتها[39].

ومع ذلك، في هذين الكتابين المبكرين لمست بعداً هاماً آخر لبحثي. فلأن العلم لعب دوراً مؤثراً في دفعي نحو الإلحاد، فقد كرت أيضاً وقتاً طويلاً لطرح أسئلة عما تقوله آخر الأبحاث عن الله. بذهن منفتح بدأت أتساءل؟

  • هل مقدر لكل من العلم والإيمان أن يظلا في حرب دائمة؟ هل كنت على صواب في تفكيري بأن الإنسان ذي التفكير العلمي يجب أن يتجنب المعتقدات الدينية؟ أم أن هناك أساساً طريقة مختلفة لرؤية العلاقة بين ما هو روحي وما هو علمي؟
  • هل الأدلة العلمية الأخيرة تميل لتأييد ام معارضة وجود الله؟
  • هل ما زالت صور التطور تلك التي دفعتني للإلحاد صالحة في ضوء أحدث الاكتشافات العلمية؟

عندما بدأت في استكشاف تلك القضايا للمرة الأولى في بداية الثمانينيات، وجدت أنه كان هناك قدر كاف من الأدلة يمكنه أن يرشدني لخاتمة أكيدة. ومع ذلك، فقد تغير الكثير منذ ذلك الوقت. فالعلم يتقدم للأمام دائماً، وقد أضيفت الكثير من البيانات والاكتشافات في مستودع المعرفة العلمية خلال السنوات العشرين الأخيرة.

وقد دفعني كل هذا لأن أطرح سؤالاً جديداً: هل هذا الكم الأعمق والأثري من البحث العلمي المعاصر يعارض أم يؤيد النتائج التي توصلت إليها منذ عدة سنوات؟ والسؤال بطريقة أخرى: إلى أين يشير سهم العلم: نحو دارون أم نحو الله؟

قال لينوس باولنج الحاصل على جائزة نوبل مرتين: “العلم هو البحث عن الحقيقة”[40]. وهذا ما قررت عمله: رحلة استكشافية جديدة توسع وتجدد البحث الأصلي الذي قمت به في مجال العلم منذ عقدين من الزمن.

سيكون أسلوبي في هذا هو استجواب قيادات في فروع علمية عديدة حول أحدث المكتشفات في حقول أبحاثهم. وعند اختياري لهؤلاء الخبراء، بحثت عن الأساتذة حاملي درجات الدكتوراه، ولهم خبرات أكيدة، ولديهم القدرة على التواصل مع الآخرين، ويرفضون أن يحصروا أنفسهم في مجرد إطار عالم الطبيعة أو المادية اللائق اجتماعياً. سيكون الأمر بلا معنى إن استبعدت أية فرضية في البداية. أردت الحرية لتتبع كل الإمكانيات.

آثرت أن آخذ موقف المتشكك، طارحاً الموضوع من كافة جوانبه، وموجهاً أقسى الاعتراضات المثارة. والأهم من كل ذلك، قررت أن أسأل الخبراء نفس الأسئلة التي عصفت بتفكيري عندما كنت ملحداً. وفي الحقيقة، ربما تكون هو نفس الموضوعات التي واجهتك أنت في رحلتك الروحية. وربما تكون قد تساءلت أيضاً ما إذا كان الإيمان بإله خارق للطبيعة يتناغم مع ما كشف عنه العلم عن العالم المادي.

إذا كان الأمر هكذا، أرجو ان تشاركني بحثي. تخلص من مفاهيمك المسبقة بقدر ما تستطيع، واجعل ذهنك مفتوحاً بينما تنصت إلى محادثاتي مع هؤلاء العلماء والفلاسفة المتدربين بالعلم الرائعين. وفي النهاية، يمكنك أن تقرر بنفسك ما إذا كانت إجاباتهم وتفسيراتهم يمكنها أن تواجه الفحص.

ومع ذلك، دعني أحذرك بأنه يصعب علينا التغلب على انحيازنا، على الأقل كان هذا بالنسبة لي. ففي احدى المرات، كان لدي دافع قوي لأن أظل ملحداً. لم أكن أريد أن يكون هناك إله يحملني مسؤولية أسلوب حياتي اللا أخلاقي. وبصفتي محرر للشؤون القانونية في أقوى صحيفة، كنت معتاداً التعامل مع الناس باستخفاف، ولا أخضع نفسي لأي سلطة روحية خفية.

تدربت ألا أطرح فقط أسئلة، بل أذهب إلى حيث تقودني الإجابات. وأثق أن لك نفس الاتجاه. وأرجو أن تكون مستعداً لتحدي ما تعلمته سابقاً في المدرسة – معلومات ربما تكون الاستكشافات العلمية الحديثة قد حجبتها.

سيقول لك العلماء بأنفسهم بأن هذا أمر مناسب تماماً. قال مصدر ليس أقل شأناً من الأكاديمية الوطنية للعلوم: “إن كل المعرفة العلمية – أساساً – عرضة للتغيير كلما تتاح أدلة جديدة”[41].

ما الذي يوضحه هذا الدليل الجديد؟ هيئ نفسك للدهشة بل والذهول بالتقرير الجديد المذهل الذي كان العلم مشغولاً بكتابته طوال العقود القليلة الأخيرة.

كتب عالم الطبيعة النظري جورد ستانشيو، وفيلسوف العلم روبرت أوجر: “إن القصة القديمة للعلم هي المادية العلمية التي تنادي بأن المادة وحدها هو الموجودة، وأن كل الأشياء يمكن شرحها من خلال المادة وحدها”[42]. لكنهم قالوا إنه في السنوات الأخيرة “اجتاز العلم سلسلة من الثروات الدرامية غيرت المفهوم الحديث للإنسان ومكانه في العالم”[43].

إن “القصة الجديدة للعلم” المدهشة هذه – بحبكتها المثيرة، وشخصياتها الآسرة – تنكشف في الصفحات القادمة بدءً بمقابلة تعيد كتابة الكتب التي قادتني من قبل إلى الإلحاد.

 

 

[1] Review of Carl Sagan. The Demon-Haunted World: Science as a Candle in the Dark (New York: Ballantine, 1997) in the New York Teview of Books (January 9, 1997). Emphasis in original.

[2] Phillip E. Johnson, “The Church of Darwin”. Wall Street Journal (August 16. 1999).

[3] J. P. Moreland, Christianity and the Nature of Science (Grand Rapids, Mich: Baker. 1989), 19.

[4] Eugenie Scott, “Keep Science Free from Creationism”. Insight (February 21, 1994).

[5] Richard Dawkins, The Blind Watchmaker (New York: Norton, 1986), 6.

[6]Neil Campbell, Jane Reece, and Lawrence Mitchell, Biology (Menlo Park, Calif: Benjamin/Cummings, 1999), 419.

* علم يبحث في أشكال الحياة في العصور الجيولوجية القديمة.

[7] Alan Feduccia, The Origin and Evolution Of Birds (New Haven: Yale University Press 1996), 38.

** طائر بدائي منقرض شبيه بالزحافات

[8] Phillip E. Johnson, Darwin on Trial, 80.

[9] Dean E. Murphy of the New York Times, “Eagle Scout Faces Ultimatum over Atheism,” Orange County Register (November 3, 2002).

[10] Richard Dawkins, “On Debating Religion,” The Nullifidian (Deccember 1994).

[11] Quoted in Gregg Easterbrook, “The New Convergence,” Wired (December 2002).

[12] Quoted in Holly J. Morris, “Life>$ Grand Design,” U.S. News and World Report (July 29, 2002).

[13] Michael Ruse. Can a Darwinian Be a Christian? (Cambridge, England: Cambridge University Press. 2001), 217, 128.

[14] Richard F. Carlson. Editor, Science and Christianity: Four Views (Downers Grove, III.: InterVarsity Press, 2000), 81,

[15] Ibid., 187.

[16] Douglas Futuyma, Evolutionary Biology (Sunderland, Mass.: Sinauer, 1986), 3.

[17] William A. Dembski and James M. Kushiner, editors, Signs of Intelligence (Grand Rapids, Mich.: Brazos. 2001). 44.

[18] Quoted in Michael Ruse, Can a Darwinian Be a Christian? 98.

[19] Romans 1:20.

[20] Richard F. Carlson, editor, Science and Christianity: Four Views, 139.

[21] Ibid., 118.

[22] George Gaylord Simpson, The Meaning of Evolution (Cambridge, Mass: Harvard University Press, 1967), 345.

[23] Richard F. Carlson, editor, Science and Christianity: Four Views, 118.

[24] Nancy Pearcey, “Design and the Discriminating Public: Gaining a Hear-ing from Ordinary People.” In William A. Dembski and James M. Kushiner, editors, Signs of Intelligence. 44. Emphasis in original.

[25] Ibid., quoting Gertrude Himmekfarb, Darwin and the Darwinian Revo-Lution (Garden City, N.Y.: Doubleday Anchor, 1959), 329-30.

[26] Phillip E. Johnson, quoted in World (July/August 2002)

[27] Erast Mayr, foreword to Darwinism Defended, by Michael Ruse (New York: Addison-Wesley, 1982, xi-xii.

[28]See: Gordy Slack, “A Good Life,” UCI Journal (Spring 1999). Available al: www.today.uci.edu/journal/99spring/12html (January 2, 2002).

[29] John H. Campbell and J. William Schopf, editors, Creative Evolution?! (Boston: Jones and Barlett, 1994). 4-5.

[30] William Provine, “Scientists Face It! Science and Religion Are Incompatible,” The Scientist 2 (1988).

[31] Edward 0. Wilson, On Human Nature (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1978), I. Emphasis added.

[32]”Lconoclast of the Century: Charles Darwin (1809-1882), ” Time (December31, 1999).

[33] World Book Encyclopedia, volume 5 (Chicago: Field Enterprises Edu-cational Corp., 1962 edition), 334.

[34] Quoted in: Phillip E. Johnson, “The Intelligent Design Movement: Chal-lenging the Modernist Monopoly on Science,” in: William A. Dembski and James M. Kushiner, editors, Signs of Intelligence, 34.

[35] Bertrand Russell, Why I Am Not a Christian (New York: Simon & Schuster, 1957), 106.

[36] Ibid., 107.

* يتناول الكتاب أفكار هذه الجماعة بالتفصيل في كتابه “القضية المسيح”، لي ستروبل، مكتبة دار الكلمة، 2007.

[37] Robert W. Fund, Roy W. Hoover, and The Jesus Seminar, The Five Gospels (San Francisco: HarperSanFrancisco, 1993), 2.

[38] See: Lee Strobel, The Case for Christ (Grand Rapids Mich: Zondervan. 1998).

* صدرت ترجمته العربية عن مكتبة دار الكلمة، ترجمة حنا يوسف، القاهرة 2007.

[39] See: Lee Strobel, The Case for Faith (Grand Rapids, Mich: Zondervan, 2000).

[40] Linus Pauling. No More War! (New York Dodd, Mead & Co, 1958), 209.

[41] Available at Search nap. Edu/readingroom/books/evolution98/evol4.html (January 5, 2003).

[42] Robert M. Augros and George N. Stanciu. The New Story of Science (New York: Bantam, 1986), xiv.

[43] Ibid., xv.

صور التطور – لي ستروبل

نظرية التطور تفسر الحياة: لذا فالله ليس مطلوباً – لي ستروبل

نظرية التطور تفسر الحياة: لذا فالله ليس مطلوباً

نظرية التطور تفسر الحياة: لذا فالله ليس مطلوباً – لي ستروبل

نظرية التطور تفسر الحياة: لذا فالله ليس مطلوباً
“لم يرد تشارلز دارون أن يقتل الله وهو يصيغ نظرية التطور، لكنه قتله.”

مجلة تايم(1) 

“مازالت نظرية التطور، وكما كانت في زمن دارون، فرضية تأملية على درجة عالية دون دعم واقعي مباشر وبعيد جداً عن تلك الحقيقة البديهية في ذاتها، والتي قد يجعلنا بعض مؤيديها الأكثر تعصباً نصدقها.”

مايكل دنتون، متخصص في البايولوجيا الجزيئية(2) كان المحققون يبحثون في حالة من اليأس عن دليل مادي لربط المشتبه به رونالد كيث وليامسون بإحدى جرائم الذبح التي عكرت صفو مجتمع آداAda ، أوكلاهوما الهادئ، قبل ذلك بثلاث سنوات.

لقد قضوا وقتاً عصيباً في بناء قضية قوية ضد ويليامسون الذي أنكر بشدة ذبح ديبرا سو كارتر البالغة من العمر 21عاماً. إحتوى دليلهم الوحيد الى حد بعيد على أحد الشهود، رأى ويليامسون يتحدث مع ديبرا مبكراً في المساء الذي ذبحت فيه، وإعتراف من قبل ويليامسون بأنه حلم ذات مرة أنه قتلها، وشهادة إحدى واشيات السجن التي إدعت إنها سمعته يتكلم عن الجريمة. ومن الواضح أن الشرطة إحتاجت الى أدلة أكثر إذا أرادت أن تدينه.

وأخيراً أتى المحققون بالبرهان الحاسم. لقد أخذ أحد الخبراء أربع شعرات وجدت على جثة الضحية وفي مكان آخر بمسرح الجريمة، وتم فحصها تحت ميكروسكوب، وإنتهى الى أنها كانت “متوافقة” مع العينات التي تم أخذها من ويليامسون، وفقاً لتقرير الصحافة. ولأن قضيتهم دعمت ببرهان علمي، فقد قبض المحققون على ويليامسون وقدموه للمحاكمة.

لم يمض وقت طويل على هيئة المحلفين حتى أدانت المتهم الأول بالذبح وتحويله الى المحكوم عليهم بالإعدام. وبعد حل الجريمة الشيطانية أخيراً تنفس شعب آدا الصعداء، فقد تحققت العدالة، والمجرم ماض ليدفع حياته ثمناً.

ورغم ذلك كانت هناك مشكلة كبيرة وهي أن ويليامسون كان يقول الحقيقة بشأن براءته. فبعد أن فترت همته في السجن لمدة 12عاماً- 9 منها في إنتظار الاعدام- أثبت تحليل الـDNA في مسرح الجريمة أن شخصاً آخر هو الذي إرتكب جريمة القتل. وفي 15 أبريل 1999 تم أخيراً إطلاق سراح ويليامسون(3).

ولكن مهلاً، ماذا عن دليل مقارنة الشعر المشار إليه تجاه إثم ويليامسون؟ فإذا كان قد تم إيجاد شعره في مسرح الجريمة، أفلا يورطه هذا في الجريمة؟ الإجابة محبطة: إن دليل الشعر غالباً مايوهم إنه يبرهن على أكثر مما يقدم في الواقع.

لقد تجاهل التقرير الصحفي بعض الإلماحات الهامة. فالشعر الذي من مسرح الجريمة لم “يتوافق” في الواقع مع شعر ويليامسون. وقد أستنتج أحد الباحثين في الجريمة بمجردإنها كانت “متوافقة” مع بعضها البعض. ومن ناحية أخرى فإن لونها وشكلها ومادتها بدت متشابهة. وهكذا يمكن أن تكون قد جاءت من ويليامسون- أو ربما تكون قد جاءت من شخص آخر.

لقد اطلق على تحليل الشعر “علماً كاذباًpseudo- science ” من قبل محللين قانونيين وذلك بعيداص عن تورطها في الجريمة مثل آثار الأصابع. غالباً مايسمع أعضاء هيئة المحلفين شهادة مؤثرة بشأن مايظهر وكأنه برهان واضح علمياً، وختموا- بشكل غير صحيح- بأنها تثبت إثم المدعي عليه. وعرف بعض القضاة بالوطأة بأنهم حتى لايميزوا أو يبالغوا في قيمة تحليل الشعر أثناء مناظراتهم الختامية.(4)   

  وفي قضية ويليامسون أطلق أحد القضاة الفيدراليين على دليل الشعر بأنه “غير جدير بالإعتماد عليه علمياً”. وقال إنه كان لايجب أبداً إستخدامه ضد المدعي عليه. والأكثر صعوبة هو إن دليل الشعر قد تم إستخدامه ضد 18 سجيناً محكوم عليهم بالإعدام، وقد تم إعلان براءتهم فيما بعد في ربع القرن الأخير.(5)

تعد قضية رونالد كيث ويليامسون مثالاً واضحاً على إنحراف العدالة. فإدانته غير المبررة تظهر مدى سهولة أن يصور المحلفون خاتمات جارفة لاتبررها الحقائق العلمية الواقعية في الحقيقة. والى حد ما، فإن قصة ويليامسون ضارعت تحقيقي لأحد الأجزاء الأكثر إقناعاً للدليل العلمي الذي يستخدم عادة ضد وجود الله.

إنجاز دارون

رغم وجود الكثير من الأشياء التي قادتني للإيمان، إلا انني أعتقد أنك يمكنك أن تقول أنني فقدت البقايا الأخيرة لإيماني بالله أثناء حصة الأحياء في المدرسة. لقد كانت التجربة شديدة جداً حتى انني أستطيع ان أرجع بك الى المقعد الذي كنت أجلس عليه عندما كنت أتعلم لأول مرة أن نظرية التطور تفسر أصل وتطور الحياة. وكانت المتضمنات واضحة: لقد أزالت نظرية تشارلز دارون الحاجة الى خالق خارق للطبيعة بتوضيح كيف يمكن لعملية طبيعية أن تكون سبباً في زيادة وتعقد وتنوع الكائنات الحية.

لم تكن تجربتي غير عادية، وقد وصف الباحث باتريك جلين كيف سلك سبيلاً مشابهاً إنتهى به الى الإلحاد:

إعتنقت مذهب الشك في عمر مبكر، عندما تعلمت أولاً عن نظرية دارون الخاصة بالتطور في المدرسة الكاثولوكية. إنتابني في الحال فكر بأنه إما أن نظرية دارون صحيحة أو أن قصة الخليقة في سفر التكوين صحيحة. لايمكن لكليهما أن تكونا صحيحتين. ووفقت في الفصل وأخبرت الراهبة المسكينة أيضاً. وهكذا بدأت ملحمة طويلة بعيدة عن الإيمان والممارسة الدينية التقية التي ميزت طفولتي تجاه نظرة مادية وواقعية على نحو متزايد.(6)

في الثقافة الشائعة تعتبر القضية المتعلقة بالتطور مغلقة بوجه عام. لقد صرحت مجلة تايمTime  في خلاصتها في الإلفية الثانية بأن “الدارونية تظل إحدى أكثر النظريات العلمية الناجحة المعلنة على الدوام.”(7) بالنسبة لتشارلز تمبلتون فإن عبارة “كل الحياة هي نتيجة قوى تطورية سرمدية”(8) لاتقبل الخلاف.

قال عالم البيولوجيا فرانسيسكو أيالا إن “أعظم إنجازات” دارون هو الطريقة التي أوضح بها أن تطور الحياة هو”نتيجة عملية طبيعية، إختيار طبيعي، دون أي حاجة للجوء الى خالق.”(9) وقد وافق مايكل دينتون، عالم البيولوجيا الجزيئية الاسترالي والفيزيائي، أن الدارونية “قطعت علاقة الإنسان بالله” ونتيجة لذلك “وضعته تحت رحمة الرياح تجرفه في العالم حيث تشاء دون هدف.”(10) وأضاف قائلاً:

بقدر ماكانت المسيحية مهتمة، فلقد كان ورود نظرية التطور..فاجعاً.. فمن المحتمل أنه يمكن للإنحدارفي الإيمان الديني أن ينسب أكثر الى النشر والتأييد من قبل المجتمع الفكري والعلمي للتفسير الداروني للتطور أكثر من أي عامل آخر.(11)

كما يصرح كتاب البيولوجيا التطورية Evolutionary Biology:

“إنه بإزدواج التنوع الغير مباشر الذي بلاهدف بالعملية العمياء الغير حريصة للإختيار الطبيعي، جعل دارون تفسيرات لاهوتية أو روحية لعمليات الحياة غير ضرورية.”(12) كان المتخصص البيولوجي البريطاني ريتشارد داوكينيز يتحدث للكثيرين عندما قال إن دارون “جعل من الممكن أن تكون أحد الملحدين المحققين فكرياً.”(13) 

وفي الحقيقة فقد سلم  وليام بروفين المؤمن البارز بمذهب النشوء بجامعة كورنيل على نحو صريح إنه إذا ماكانت الدارونية صحيحة، إذاً فهناك خمسة مضمنات لايمكن الهروب منها: لايوجد دليل في صالح الله، لاتوجد حياة بعد الموت، لايوجد معيار مطلق للصحيح والخطأ، لايوجد معنى نهائي للحياة، ولايملك الناس بالفعل إرادة حرة.(14)

ولكن هل الدارونية صحيحة؟ لقد ابتعدت عن تعليمي المنهجي وأنا مقتنع بأنها صحيحة. ورغم ذلك، عندما بدأت رحلتي الروحية تأخذني الى دنيا العلم بدأ ينتابني شعور قلق على نحو متزايد. وكما هو الحال مع دليل مقارنة الشعر في قضية ويليامسون، هل كان المقصود من الدليل على التطور بأنه يبرهن على أكثر مما يبرهن عليه في الواقع؟

كلما تحققت من القضية أكثر، كلما رأيت أكثر كيف تجنبت إلماحات ذات مغزى بشكل متسرع في الحكم، متذكراً محاكمة جريمة قتل اوكلاهوما. وعندما فحصت الموضوع بشكل شامل، بدأت أتسائل ما إذا ماكانت الخاتمات الجارفة لمؤيدي الدارونية تبررها بالفعل الحقائق العلمية العسرة.]ساعدت رحلة مشابهة- على نحوإتفاقي- على إهتداء جلين الى الإيمان بالله مرة أخرى[.

اكتشفت بعدها بوقت قصير أن هذه ليست قضية الدين مقابل العلم، بل بالأحرى هذه قضية العلم مقابل العلم. لقد أثار الكثير والكثير من علماء البيولوجيا والكيمياء الحيوية وباحثون آخرون- ليس فقط المسيحيين- اعتراضات شديدة على نظرية التطور في السنوات الأخيرة، مدعين أن إستدلالاتها الواسعة ترتكز أحياناً على معلومات واهية، وناقصة، أو معيبة.

وبتعبير آخر، فإن مايبدو في البداية مثل قضية علمية محكمة للتطور يبدأ في الإنحلال بالفحص الأكثر إحكاماً. لقد أثارت إكتشافات حديثة أثناء الثلاثين عاماً الماضية عدداً متزايداً من العلماء يناقضون دارون بالوصول الى إنه كان يوجد مصمم ذكي وراء خلق وتطور الحياة.

قال عالم الكيمياء الحيوية مايكل بيهي من جامعة ليهاي في نقده الشديد للدورانية:”إن نتيجة هذه الجهود المتراكمة لفحص الخلية – لفحص الحياة على المستوى الجزيئي- هي صرخة مدوية واضحة خارقة للـ تصميم!”(15) وأستطرد قائلاً:

تتدفق خاتمة التصميم الذكي بشكل عام من المعلومات ذاتها- وليس من الكتب الدينية أو المعتقدات الطائفية…إن معارضة العلم لإعتناق خاتمة التصميم الذكي… ليس له أساس مبرر…لايريد الكثير من الناس، ومن بينهم الكثير من العلماء الهامين والذين لهم مكانة سامية، أن يكون هناك أي شئ بعيد عن الطبيعة.(16)

لقد وصفتني تلك الجملة الأخيرة، وكنت سعيداً جداً للتعلق بالدرواينية كمبرر لنبذ فكرة وجود الله، لذلك يمكنيي بدون إرتباك تتبع برنامجي الخاص في الحياة دون قيود أخلاقية.

ومع ذلك فذات مرة وصفني أحد الأشخاص الذين يعرفونني جيداً كـ (غافل عن الحقيقة).(17) إن تدريبي في الصحافة والقانون يجبرني على أن أتعمق في الرأي، والتأمل، والنظريات الى أن أجد أعمق الحقائق الراسخة، وأحاول كما لو إنني لم أستطع أن ادير ظهري للشكوى من التعارضات التي كانت تشوه أساس نظرية دارون.

قصة بوليسية أساسية

يسلم الجميع بأن نظرية التطور صحيحة الى حد ما، فلايمكن إنكار وجود تباين في أنواع الحيوانات والنباتات، والذي يفسر السبب لوجود أكثر من 200 نوع مختلف من الكلاب، والبقر يمكن تربيته للحصول على إنتاج محسن من اللبن، والبكتريا يمكن أن تهيئ وتطور مناعة المضادات الحيوية. وهذا مايعرف باسم التطور المجهري”micro- evolution”.

لكن نظرية دارون تمضي بعيداً عن هذا جداً مدعية أن الحياة بدأت منذ ملايين السنين بكائنات بسيطة أُحادية الخلية، وتطورت عبر التوالد والإختيار الطبيعي الى العدد الهائل من الحياة النباتية والحيوانية التي أهلت الكوكب بالسكان. وجاء البشر الى مسرح الوجود من نفس السلف الشائع مثل القرد، ويطلق العلماء على هذه النظرية الأكثر جدلاً “macro-evolution”.

وبشكل مبدأي كانت قلة برهان الحفريات للتحولات الى انواع مختلفة من الحيوانات مصدر قلق لي. فحتى دارون سلم بأن نقص هذه الحفريات “ربما هو أوضح وأقوى إعتراض” على هذه النظرية، رغم إنه تنبأ بثقة بأن الاكتشافات المستقبلية سوف تبرئه.

بالتقدم للأمام سريعاً الى العام 1979 قال ديفد إم روب، أمين المتحف الميداني للتأريخ الطبيعي في شيكاغو:

نحن الان على مقربة من 120 عاماً بعد نظرية دارون، وقد إمتدت معرفة السجل الحفري بشكل كبير. ولدينا ربع مليون نوع من الحفريات، لكن الموقف لم يتغير كثيراً… وأيضاً لدينا عدد من أمثلة التحول التطوري أقل مما كان لدينا في زمن دارون.(18)

إن مايبينه السجل الحفري هو أنه في الصخور التي يرجع تأريخها الى 570 مليون سنة يوجد الظهور المفاجئ لكل تصنيفات الحيوانات تقريباً، وتظهر متشكلة على نحو تام ” دون تتبع الأسلاف التطورية التي يتطلبها مؤيدو دارون.”(19) إنها ظاهرة تشير بسهولة لوجود خالق أكثر منها الى الدارونية.

ليس هذا هو الإعتراض الوحيد على نظرية التطور، ففي كتابه أصل الأنواعOrigin of Species ، إعترف دارون أيضاً أنه: ” إذا ماكان يمكن توضيح وجود أي أصل معقد والذي لايمكن أن يتشكل بتعديلات متعددة ناجحة قوية، إذاً فإن نظريتي تتحطم بشكل جذري.” (20) وبأخذ ذلك التحدي فقدأظهر كتاب بيهي الأشهر: صندوق دارون الأسودDarwin Black Box كيف وجدت الإكتشافات الكيميائية الحيوية أمثلة متعددة لهذا النوع من “التعقيد المتعذر تحويله.”

ومع ذلك كنت مهتماً على نحو خاص بقضية أكثر جوهرية، فالتطور البيولوجي يمكن أن يحدث فقط بعد أن يكون هناك نوع من الكائنات الحية التي يمكن ان تضاعف ذاتها ثم تنمو الى شكل معقد عبر التغير الأحيائي وبقاء الأصلح. لقد أردت أن أرجع أكثر أيضاً وان أطرح السؤال الأساسي للوجود البشري: أين بدأت الحياة في المقام الأول؟

لقد خدع أصل الحياة كلاً من اللاهوتيين والعلماء لعدة قرون. قال عالم الكونيات ألان سانداج: “إن أكثر شئ مدهش بالنسبة لي هو الوجود ذاته. كيف يمكن لذلك الشئ، الغير حي، أن ينظم ذاته ويتدبر أمره؟” (21)

كيف حقاً؟ تفترض نظرية دارون أنه يمكن لمواد كيميائية غير حية- إذا توفر لها الوقت والظروف الكافية- أن تطور نفسها الى كائنات حية. بلا شك ان تلك النظرة قد نالت قبولاً واسعاً على مدار السنين. ولكن هل هناك أية معلومات علمية لتأييد ذلك المعتقد؟ أو مثل دليل مقارنة الشعر في محاكمة جريمة قتل أوكلاهوما- هل ذلك التحليل طويل في التأمل لكن قصير في الحقائق الراسخة؟

لقد عرفت أنه إذا ماأستطاع العلماء أن يوضحوا بشكل مقنع كيف يمكن أن تبرز الحياة على نحو غير مشوب، عبر عمليات كيميائية طبيعية، فليست هناك حاجة الى الله. ومن ناحية أخرى إذا ماكان الدليل يشير في الإتجاه الآخر الى مصمم ذكي، فسوف تنهار جميع حيثيات نظرية دارون في التطور.

أخذتني هذه القصة البوليسية الأساسية في رحلة الى هيوستن بولاية تكساس، حيث إستأجرت سيارة وقمت بقيادتها عبر الريف ومزارع  الماشية الى مقر سكنCollege Station، وهو مقر جامعة Texas A & M Univ. أدنى مجموعة مباني من الجامعة، وفي منزل متواضع مطوق، طرقت باب أحد الخبراء الأكثر تأثيراً في كيفية نشوء الحياة على كوكب الأرض البدائي.

اللقاء الثالث: والتر برادلي- دكتوراه في الفلسفة

أحدث والتر إل برادلي ضجة في العام 1984 عندما شارك في تأليف الكتاب المنوي لغز أصل الحياةThe Mystery of Life Origin الذي كان يمثل تحليلاً مدمراً للنظريات حول الطريقة التي خلقت بها الكائنات الحية. لقد إرتفعت الأنظار مندهشة لأن مقدمة الكتاب كتبها العالم البيولوجي دين كينيون، من جامعة ولاية سان فرانسيسكو، الذي جادل كتابه القضاء والقدر البيولوجي سابقاً بأن المواد الكيميائية لها قدرة متأصلة لإنشاء خلايا حية تحت الظروف الملائمة. ومع تسمية كتاب برادلي “المقنع، والأصلي، والمفروض” ختم كينيون: “يؤمن المؤلفون، وأنا الآن أتفق معهم، بأنه يوجد خلل أساسي في كل النظريات الحالية المتعلقة بالأصول الكيميائية للحياة.”(22)

منذ ذلك الحين كتب برادلي وتحدث على نطاق واسع عن موضوع كيف بدأت الحياة. لقد ساهم في كتابةMere Creation،Three Views of Creation and Evolution، بينما كتب هو والكيميائي تشارلز بي ثاكستون جزء ” المعلومات وأصل الحياة” لكتاب فرضية الخليقةThe Creation Hypothesis. وتتضمن مقالاته التقنية المشاركة في تأليف “A statistical Examination of Ordering of Amino Acids in Proteins”المنشور في كتاب “Origins of Life and Evolution of the Biosphere”، الذي يعكس بحثه الشخصي في ميدان أصل الحياة.

تسلم برادلي درجة الدكتوراه في علم المواد من جامعة تكساس في أوستين، وكان أستاذاً جامعياً للهندسة الميكانيكية في جامعة Texas A & M Univ لمدة 24 عاماً، عاملاً كرئيس للقسم لمدة أربعة أعوام. ولما كان برادلي خبيراً في البوليمرات والديناميكية الحرارية، واللذان كلاهما يمثلان أهمية شديدة في مناظرة أصل الحياة، فقد كان مديراً لمركز تكنولوجيا البلمرة في Texas A & M وتسلم منحاً بحثية تقدر بمبلغ 4 مليون دولاراً.

كان مستشاراً لنقابات مثل B. F.Go- ,M 3,  Dou chemical,  Odrich,  General Dynamics ,  Boeing,  Shell، وكان شاهداً خبيراً في حوالي 75 قضية قانونية. بالإضافة الى إنه زميل لمركز معهد الإكتشاف لتجدد العلم والثقافة، وقد نم إنتخابه زميلاً للجمعية الأميريكية للمواد، والإتحاد العلمي الأميريكي.

برادلي المتحدث الرقيق الذي يمحو ذاته بعيداً عن الأضواء، ويتحدث على مهل، رجل أسري قوي. إن طفليه وأحفاده الخمسة يعيشون جميعاً قرب بعضهم البعض في مدينة College Station، ويجتمعون معاً مراراً. في الحقيقة، إنضمت إلينا زوجته آن وإبنته شارون، والأحفاد راشيل ودانيال وإليزابيث لتناول وجبة الغداء في متجر محلي لبيع الأطعمة المعلبة بعد مقابلتنا.

وبرادلي كعالم مهتم بالدقة يجيب على أسئلة بعبارات صريحة وكاملة، مؤكداً على معرفة الفروق الطفيفة وعدم المغالات في إستنتاجاته. إنه يتحدث بطريقة محترمة عن المؤمنين بمذهب النشوء الذي أجريت معهم مناظرات على مدار السنين، بما في ذلك أستاذ الكيمياء الشهير روبرت شابيرو من جامعة نيويورك، الذي أطلق على كتاب حل لغز أصل الحياة “إسهام مهم”…”يجمع الجدالات العلمية الأساسية التي توضح عدم كفاية النظريات الحالية.”(23)

بعد تقاعده من Texas A & M بثلالثة شهور فقط، كان برادلي الذي يبلغ من العمر 56 عاماً أنيساً ولطيفاً بينما كنا نجلس على مائدة حجرة تناول الطعام. وكان يرتدي على نحو فضفاض قميصاً رياضياً ذات لون أزرق خفيف، وبنطلون جينز أزرق، وجورب أبيض بدون حذاء. كان من الواضح من المظهر الخارجي أنه جاء مستعداص لمناقشتنا. كانت كومة من أوراق البحث تتكدس بشكل منظم بالقرب منه. وكعالم، أراد أن يكون قادراً على دعم كل شئ كان يقوله.

ولكي أضع أساساً، بدأت محادثتنا بالرجوع الى دارون نفسه، فقلت: ” سعت نظريته في التطور لتوضيح كيف يمكن لأشكال الحياة البسيطة أن تتطور عبر فترات طويلة من الزمن الى مخلوقات معقدة على نحو متزايد، لكن ذلك يهمل القضية الهامة الخاصة بكيف نشأت الحياة في المقام الأول. ماذا كانت نظرية دارون بشأن ذلك؟

إلتقط برادلي كتاباً بينما بدأ في الإجابة، وقال وهو يرتدي نظاراته ذات الإطار الذهبي التي يستخدمها في القراءة: “حسناً، لم تكن لديه بالفعل فكرة جيدة بشأن كيف نشأت الحياة. في العام 1871 كتب رسالة قام فيها ببعض التأمل- لم تكن إفتراضاً، بل مجرد خاطر بالبال.” بعد ذلك قرأ برادلي كلمات دارون:

يقال غالباً إن كل الظروف للإنتاج الأول للكائن الحي موجودة الآن، والتي كان يمكن أن تكون موجودة دائماً. ولكن (وياله من افتراض كبير!) إذا كان يمكننا أن نتصور في إحدى البرك الصغيرة الدافئة، وفي ظل وجود كل أنواع النشادر والأملاح الفسفورية والضوء والحرارة والكهرباء…إلخ، أن مركب البروتين قد تكون كيميائياً بشكل يجعله مستعداً للمرور بتغيرات أخرى أكثر تعقيداً، فإنه في الأيام الحالية سيتبدد هذا الأمر في الحال أو يتشتت، وهذا ماكان سيمثل القضية قبل أن تتشكل المخلوقات الحية.(24)

أغلق برادلي الكتاب وقال: “لذلك كان دارون أول من يضع نظرية بأن الحياة نشأت من مواد كيميائية متفاعلة في إحدى البرك الدافئة الصغيرة.”

علقت قائلاً: “إنه يجعل الأمر يبدو سهلاً الى حد ما.”

فأجاب قائلاً: “ربما قلل دارون من تقدير المشكلة لانه ظن كثيراً في الماضي أن الحياة تتطور بشكل طبيعي في كل مكان. إعتقد الناس أن اليرقات يمكن أن تتطور تلقائياً من لحمة محللة. لكن قبل نشر كتاب دارون “أصل الأنواع” بمائتي عام، أوضح فرانسيسكو ريدي أن اللحمة التي تم حفظها بعيداً عن الذباب لاتنتج يرقات أبداً. وفيما بعد أظهر لويس باستر أن الهواء يحتوي على كائنات دقيقة يمكن أن تتضاعف في الماء، مبرهناً على سراب النشوء التلقائي للحياة. لقد أعلن في جامعة السوربون بباريس أنه “لن يشفى مذهب الجيل التلقائي من الضربة القاضية لهذه التجربة البسيطة.”(25)

سمح برادلي بهذا التسجيل الشامل معي قبل الإستمرار. “لكن فيما بعد في العشرينيات قال بعض العلماء إنهم وافقو باستير على أن التكوين التلقائي لايحدث في إطار مدة قصيرة، لكنهم وضعوا نظرية بأن- إذا كان عمرك مليارات ومليارات من السنين- كما كان الفلكي الراحل كارل ساجان يود أن يقول- إذاً فقد يحدث هذا رغم كل شئ.”

فإستنتجت قائلاً: “وذلك هو أساس فكرة أنه لايمكن للمواد الكيميائية الغير حية أن تتحد مع خلايا حية إذا ماأتيح لها الوقت الكافي.” فأجاب قائلاً: “ذلك صحيح تماماً.”

 

بناء قوالب الحياة

أخبرت برادلي انني في المدرسة الثانوية والكلية تعلمت أن الأرض البدائية كانت مغطاة ببرك مواد كيميائية وكان لها غلاف جوي يساعد على تشكيل الحياة. ففي ظل الطاقة التي يمد بها الضوء أرتبطت المواد الكيميائية في هذا “الحساء السابق للحياةprebiotic soup”- خلال فترة تمتد لمليارات السنين- معاً ونشأ شكل بسيط من الحياة. ومن هنا بدأ التطور.

سألت “من الذي أعطى مفهوماً لذلك السيناريو؟”

أجابني قائلاً “إقترح عالم الكيمياء الحيوية الروسي ألكسندر أوفارين Alexander Oparin في العام 1924 أن ترتيبات ووظائف جزيئية معقدة للكائن الحي نشأت من جزيئيات أبسط كانت موجودة سابقاً على الأرض المبكرة. ثم في العام 1928 وضع العالم البيولوجي البريطاني هالدين J. B. S. Haldane نظرية أن الأشعة فوق البنفسجية التي كانت في الغلاف الحيوي البدائي للأرض تسببت في تركز السكريات والأحماض الأمينية في المحيطات، ثم نشأت الحياة في النهاية من هذا الحساء البدائي Primordial broth.

أقترح هارولد يوري، الحائز على جائزة نوبل مؤخراً، أن الغلاف الجوي البدائي للأرض جعل من المواتي أن تنشأ المركبات العضوية. كان يوري إستشاري الدكتوراه الفلسفية لستانلي ميلر في جامعة شيكاغو، وميلر هو الذي قرر أن يختبر هذا تجريبياً.”

لقد أصبح اتسم ميلر صدى كبيراً. إنني أتذكر تعليمي في المدرسة عن تجربته المميزة التي أعاد فيها خلق الغلاف الجوي للأرض البدائية في معمل، وسلط  ضوءاً عليه ليحفز تأثيرات الإضاءة. وقبل مرور فترة طويلة وجد أن الأحماض الأمينية- القوالب البنائية للحياة- قد خلقت. يمكنني أن أتذكر معلمي في الأحياء وهو يسرد التجربة بحماس شديد، مقترحاً أنها برهنت بشكل حاسم أن الحياة يمكن أن تنشأ من مواد كيميائية غير حية. فتسائلت “أكان ينادي بهذه التجربة كإنجاز هائل في ذلك الوقت، أليس كذلك؟”

فأعلن برادلي قائلاً: “أوه، بالقطع! فقد أطلق عليها ساجان الخطوة الفريدة الأهم في إقناع الكثير من العلماء بأن الحياة من المرجح أن تكون متناغمة الى حد كبير.(26) وقال الكيميائي ويليام دي إن إن التجربة أظهرت أن الخطوة الأولى في خليقة الحياة لم تكن حادثاً إتفاقياً، لكنها كانت حتمية.(27) وقال عالم الفلك هارلو شابلي إن ميلر برهن على أن مظهر الحياة هو في الأساس تطور بيوكيميائي ذاتي يأتي بشكل طبيعي عندما تكون الظروف ملائمة.”(28)

كان هذا مثيراً بالتأكيد. سألت أيضاً: ” هل هذا أنهى القضية؟” فأجاب برادلي: “بالكاد لا، فقد ظل المؤمنون بالتطور النشوئي نشطين لفترة، لكن كانت هناك مشكلة رئيسية في التجربة والتي أضعفت نتائجها.”

لم أتعلم أبداً أي شئ في المدرسة عن أن تجربة ميلر معيبة بشكل يهدد صحتها، فسألت “ماذا كانت المشكلة؟”  

“لم يكن لدى ميلر وأوفارين أي دليل حقيقي على أن الغلاف الحيوي المبكر للأرض كان مكوناً من النشادر والميثان والهيدروجين التي أستخدمها ميلر في تجربته. لقد ركزا نظريتهما على الكيمياء الطبيعية. أرادا أن يحصلا على تفاعل كيميائي سيكون مواتياً، وإقترحا أن الغلاف الجوي كان غنياً بتلك الغازات. لقد كان أوبارين ذكياً بدرجة كافية لأن يعرف إنه إذا بدأت بغازات خاملة مثل ثاني أكسيد النيتروجين والكربون، فإنها لن تتفاعل.”

إتسعت نظرتي. كان هذا نقد مدمر لتجربة ميلر، فسألت بصوت يحمل نبرة شك: “هل تقول أن كل شئ كان مرتباً مسبقاً حتى يحصلا على النتائج التي يرغبانها؟”

فأجابني: “في الأساس نعم.”

وتسائلت أيضاً: “ماذا كانت تبدو البيئة الحقيقية للأرض المبكرة؟” فقال لي: “منذ العام 1980فصاعداً، أظهر علماء ناسا NASA أن الأرض البدائية لم يكن بها أبداً مقدار يذكر من الميثان أو النشادر أو الهيدروجين. لكنها كانت تتكون من الماء وثاني أكسيد الكربون والنيتروجين- وأنت بلا ريب لايمكنك ان تحصل على نفس النتائج التجريبية بذلك الخليط. إنه ببساطة لن ينجح. وقد أكدت تجارب مؤخرة أكثر أن هذا هو الحقيقة الواقعية.”

أسندت ظهري للخلف على الكرسي مندهشاً من متضمنات ماكشفه برادلي، ورجعت بذاكرتي الى معلمي في الأحياء الذي كان يبدو واثقاً تماماً من أن تجربة ميلر أثبتت النشوء الكيميائي للحياة. بالتأكيد كان ذلك هو الفكر السائد في عصره، لكن الإكتشافات الحديثة غيرت الآن كل شئ- ومع ذلك هناك أجيال من التلاميذ السابقين الذين مازالو يعيشون تحت إنطباع أن قضية أصل الحياة قد تم حلها.

بدأت أقول- حاثاً برادلي على إنهاء عبارتي: “لذلك فإن المغزى العلمي لتجربة ميلر اليوم …”

فقال: “…معدوم. عندما تقدم الكتب المدرسية تجربة ميلر، يجب أن تكون صادقة بدرجة كافية لأن تقول إنها كانت ممتعة تأريخياً، لكنها ليست متصلة بشدة بالطريقة التي تطورت بها الحياة بالفعل.” (29)

أطلقت صافرة منخفظة الصوت. لقد كان التشابه الجزئي لمحاكمة جريمة قتل أوكلاهومايبرهن على إنه أدق حتى مما كنت أظن.

تجميع خلية 

قبل أن نمضي في الحديث أكثر، إعتقدت إنه من المهم فهم بعض الأمور الأساسية عن الكائن الحي لتحديد ماإذا كان من المعقول تصديق أنه كان يمكن أن يكون نتاج تفاعلات كيميائية غير موجهة.

فقلت لبرادلي: “دعنا نبدأ بتعريف الفرق بين النظام الحي والنظام غير الحي.” فأجابني: “النظام الحي لابد أن يقوم على الأقل بثلاثة أشياء: وهي إنتاج طاقة، وتخزين معلومات، والتضاعف. كل الكائنات الحية تفعل ذلك. البشر يقومون بهذه الوظائف الثلاث رغم أن البكتريا تقوم بها بطريقة أسرع وأكثر فاعلية الى حد بعيد. أما الأشياء الغير حية فلاتفعل أياً من هذه الأشياء.”

سألت مرة أخرى، عائداً بذاكرتي الى عصر دارون: “هل أعتبر دارون أحد الكائنات الحية الأساسية- وليكن على سبيل المثال كائن حي يتكون من خلية واحدة- أنه بسيط الى حد ما؟”

فاجابني: “نعم، بلا شك، فمن المحتمل أن دارون لم يعتقد أنه سيكون من الصعب جداً أن يخلق حياة من دون حياة لأن الفجوة بين الأثنين لم تظهر كبيرة جداً له. في العام 1905 وصف ايرنست هيكل الخلايا الحية كمجرد “كريات صغيرة متجانسة من البلازما.”(30) في تلك الأيام لم تكن لديهم أي طريقة لرؤية التعقيد الموجود في غشاء الخلية. لكن الحقيقة هي أن الكائن الحي الذي يتكون من خلية واحدة أكثر تعقيداً من أي شئ كنا قادرين على إعادة خلقه من خلال الحاسبات الآلية المتفوقة – super computers.

وصف أحد الأشخاص على نحو مبدع جداً- لكن دقيق تماماً- الكائن الحي الذي يتكون من خلية واحدة كمصنع عالي التكنولوجيا، كامل بلغات متكلفة وأنظمة مشفرة، وبنوك ذاكرة مركزية تخزن وتسترجع كميات هائلة من المعلومات، أنظمة تحكم دقيقة تنظم التجع الذاتي للمكونات، تقنيات التحكم في تصحيح التجارب الطباعية والجودة التي تحمي من الأخطاء، أنظمة تجميعية تستخدم مبادئ الصنع المقدم وبناء مركب، ونظام تكرار كامل يسمح للكائن الحي أن يضاعف ذاته بسرعات مذهلة.”

فقلت: “هذا مذهل للغاية، لكن ربما تكون الكائنات التي تحتوي على خلية واحدة أكثر تعقيداً اليوم نظراً لحقيقة أنها تطورت ونشأت على مدار دهور. ربما كانت الخلايا الأولى المنتجة على الأرض البدائية أكثر أساسية في تكوينها الى حد بعيد ومن ثم أسهل في خلقها.”

فجاء رد برادلي: “دعنا نقبل تلك النظرية. لكن حتى عندما تحاول أن تتخيل ماذا كان سيبدو شكل الخلية الحية الأدنى، فإن هذا مازال غير بسيط على الإطلاق.”

سألت قائلاً:”ماذا يسهم في لعملية بناء كائن حي؟” ثم أضفت سريعاً قبل ان يجيب برادلي: “ويحفظه أساسياً.”

فأجابني: “حسناً، في الأساس انت بدأت بالأحماض الأمينية. إنها تأتي في ثمانية نماذج مختلفة، لكن هناك عشرون فقط منها في الكائنات الحية. البراعة إذاً هي أن تعزل الأحماض الأمينية الصحيحة فقط، ثم ينبغي أن تتحد الأحماض الأمينية الصحيحة معاً في التسلسل الصحيح لإنتاج المركبات البروتينية. تصور تلك السلاسل المتلاصقة معاً التي يلعب بها الأطفال- ينبغي أن تجمع الأحماض الأمينية الصحيحة بالطريقة الصحيحة لكي تحصل في النهاية على الوظيفة البيولوجية.”

إن تخيل الأطفال يلعبون بدمى من البلاستيك جعل العملية تبدو مثل لعب الطفل. فقلت: “هذا لايبدو صعباً.”

“ماكان سيحدث هذا إذا كنت تطبق ذكاءك على المشكلة وتختار وتجمع على نحو متعمد الأحماض الأمينية واحد في كل مرة. لكن تذكر أن هذا نشوء كيميائي سيكون غير موجه من أية مساعدة خارجية، ويوجد العديد من العوامل الأخرى المعقدة التي يجب أخذها في الإعتبار.”

“مثل ماذا؟”

“على سبيل المثال، تميل تركيبات أخرى الى أن تتفاعل مع الأحماض الأمينية بأكثر يسر عما تتفاعل الأحماض الأمينية مع بعضها البعض. أنت الآن تواجه مشكلة كيفية إزالة هذه التركيبات الدخيلة. حتى في تجربة ميلر، فإن 2% فقط من المادة التي أنتجها كانت مركبة من الأحماض الأمينية، لذلك ستكون لديك العديد من المواد الكيميائية الأخرى التي تعوق العملية.

“يوجد تعقيد آخر، وهو أن هناك عدداً مساوياً من الأحماض الأمينية اليمينية واليسارية، واليسارية فقط هي التي تعمل في الكائن الحي. ينبغي عليك الآن أن تحصل فقط على هذه الأحماض المختارة لتتحد معاً في التسلسل الصحيح، وتحتاج أيضاً النوع الصحيح من الروابط الكيميائية- أي روابط الببتيد peptide bonds- في الأماكن الصحيحة حتى يمكن للبروتين أن ينطوي بطريقة خاصة ثلاثية الأبعاد، وإلا فلن توظف.

“إنها تشبه آلة طابعة تأخذ حروفاً من سلة وتضع النماذج بالطريقة التي تعودوا أن يضعوها بها يدوياً. إذا كنت توجهها بذكائك، فلا توجد مشكلة. لكن إذا كنت تختار الحروف بطريقة عشوائية وتجمعها معاً كيفما أتفق- بما في ذلك الأوضاع المقلوبة والخلفية- إذاً فما هي الفرص التي ستحصل بها على كلمات وجمل وفقرات معقولة؟ إنها غير محتملة للغاية.

“بنفس الطريقة ربما يجب وضع مائة حمض أميني معاً بالطريقة الصحيحة لصنع مركب بروتين. وتذكر أن ذلك مجرد الخطوة الأولى. فخلق مركب بروتين واحد لايعني أنك خلقت حياة. ينبغي عليك الآن أن تجمع مجموعة من مركبات البروتين- ربما 200 منها- بالوظائف الصحيحة فقط للحصول على خلية حية نموذجية.”

واو! بدأت الآن أن أرى  ضخامة التحدي. وحتى إن كان ميلر على حق بشأن السهولة التي يمكن بها إنتاج الأحماض الأمينية في الغلاف الجوي البدائي للأرض، ومع ذلك فإن عملية جمعها معاً في مركبات بروتين ثم جمع تلك في خلية وظيفية سيكون مخلاً للذهن.

إستمر برادلي: “في الأنظمة الحية فإن التوجيه المطلوب لجمع كل شئ يأتي من مركب DNA، فكل خلية لكل نبات وحيوان ينبغي أن يكون بها مركب DNA. فكر فيه كميكرو وبروسيسور صغير ينظم كل شئ. يعمل حمض DNA بشكل حميم مع RNA لتوجيه التسلسل الصحيح للأحماض الأمينية. يمكن أن يفعل ذلك عبر تعليمات بيوكيميائية- أي المعلومات المشفرة على الـ DNA.”

أثار ذلك القضية الواضحة، فسألت: “من أين أتى الـ DNA؟”

فأجاب: “إن صنع الـ DNA والـRNA مشكلة أكبر من خلق البروتين. إنها تمثل تعقيداً أكبر بكثير، وهناك الكثير من المشاكل العلمية. فعلى سبيل المثال، لايمكن عمل تركيب القوالب البنائية الرئيسية للـ DNA والـRNA بنجاح إلا تحت ظروف غير معقولة الى حد كبير بدون أي تشابه لتلك الخاصة بالأرض المبكرة. أقر كلوس دوز Klaus Dose- من معهد الكيمياء الحيوية في ماينز Mainz بألمانيا بأن الصعوبات في تركيب الـ DNA والـRNA “ليست في الحاضر بعيدة عن خيالنا.”(31)

“بصراحة، فإن أصل هذا النظام المعقد الغني في المعلومات والقادر أيضاً على إعادة إنتاج ذاته بلاشك أحبط علماء أصل الحياة. وكما قال الحائز على جائزة نوبل سير فرانسيس كريك: “يبدو أن أصل الحياة معجزة تقريباً، لذلك فظروف كثيرة كان سينبغي إرضائها لجعلها تستمر.”(32)

وبرغم ذلك حاول العلماء أن يأتو بنظريات خلاقة لمحاولة توضيح كيف صارت التبلمرات الحيوية (كالبروتينات) متجمعة مع القوالب البنائية الصحيحة فقط (الأحماض الامينية) وأرتبطت المركبات الكيميائية المتجازئة الصحيحة فقط (الأحماض الأمينية اليسارية) مع روابط الببتيد الصحيحة فقط في التسلسل الصحيح فقط. قررت أن أسأل برادلي عن تحليله لأكثر الإفتراضات الشائعة التي أقترحها العلماء في السنوات الأخيرة.

 

النظرية الأولى: الإتفاق العشوائي Random Chance        

تعلمت في المدرسة أنه إذا كانت المواد الكيميائية قد إستغرقت وقتاً طويلاً للتفاعل في “البرك الصغيرة الدافئة” الخاصة بالأرض المبكرة، فإن الغير محتمل سيصبر محتملاً في النهاية، وسوف تنشأ الحياة. ورغم ذلك، مع قبول وصف برادلي لما كان سينبغي أن يحدث، يمكنني أن أفهم لماذا فقدت هذه النظرية التأييد في السنوات الأخيرة.

قال برادلي: “لقد آمن العلماء ذات مرة بفكرة أن الإتفاق العشوائي والوقت أيضاً يهبان الحياة، لأنهم آمنوا ايضاً بنظرية العالم الذي في حالة ثابتة. كان هذا معناه أن العالم كان قديماً على نحو مطلق، ومن الذي يعرف ماكان يمكن أن يحدث إذا ماكان لديك مقدار غير متناه من الوقت؟ لكن مع إكتشاف الإشعاع الخلفي في العام 1965، جاءت نظرية الإنفجار العظيمBig Bang لتسود في علم الكونيات. كانت الاخبار السيئة للتطور أن هذا معناه أن العالم عمره حوالي 14 مليار عاماً. وقد أثبت العمل المؤخر أن عمر الأرض من المحتمل أن يكون أقل من 5مليار عاماً.

قاطعته قائلاً: “هذا وقت طويل، فأشياء كثيرة يمكن أن تحدث في 5 مليار عاماً.”

“في الواقع ليست هذه فترة طويلة كما تعتقد، فالأرض قضت وقتاً طويلاًلتخفيض درجة الحرارة حيث يمكن أن توفر الحياة. وبناءاً على أساس إكتشاف الحفريات الدقيقة قيم العلماء أن فجوة الوقت بين وصول الأرض لدرجة الحرارة الملائمة والنشوء الأول للحياة كانت حوالي 4 مليار عاماً فقط. وهذا ليس وقت طويل لحدوث التطور الكيميائي. ففي الحقيقة إقترح سيريل بونامبروماCyril Ponnamperuma  من جامعة مريلاند، وكارل ويز من جامعة إلينوي أن الحياة قد يكون عمرها مساو لعمر الأرض، وأن أصلها قد تزامن في النهاية مع ميلاد الكوكب.(33)  

“لم يكن الوقت فقط قصير جداً، لكن الإحتمالات الإحصائية لجمع كائن حي هائلة جداً حتى إنه لايؤمن بأن الإتفاق العشوائي هو السبب في أصل الحياة. إذا جعلت الظروف متفائلة، فإن هذا لن ينجح. فإذا ماأخذت كل الكربون الموجود في العالم ووضعته في وجه الأرض، وسمحت له أن يتفاعل كيميائياً بأقصى معدل سرعة ممكن، وتركته مليار عاماً، فإن إحتمالات خلق مركب بروتين وظيفي واحد فقط ستكون فرصة واحدة من 10 وأمامها 60 صفراً.”

تعد تلك الإحتمالات متناهية الصغر حتى إن الذهن البشري لايقدر أن يشملها. فسخرت قائلاً: “هذا يجعل الفوز باليانصيب يبدو كشئ مضمون.”

“بالقطع، فقد قال بيهي إن إحتمالية جمع 100 حمض أميني فقط لخلق مركب بروتين واحد إتفاقاً سيكون كرجل معصوب العينين يجد حبة رمل واحدة مميزة في مكان ما من الصحراء الكبرى- وعمل ذلك ليس مجرد مرة بل ثلاث مرات مختلفة.(34) لقد أوضح ذلك سير فريدريك هويل بشدة عندما قال إن هذا السيناريو محتمل مثل إعصار يهب في فناء به خردوات ويجمع إتفاقاً طائرة بوينج 747 العظيمة بشكل كامل وظيفياً.

“وبإسلوب آخر، فإن إحتمالات الأغراض العملية هي صفر. وهذا هو السبب في إنه بالرغم من أن بعض الناس الغير متعلمين في هذا المجال مازالوا يؤمنون بأن الحياة نشأت إتفاقاً، إلا أن العلماء لايعودوا يؤمنون بهذا تماماً بعد الآن.”

النظرية الثانية: الإتحاد الكيميائي Chemical Affinity   

في ظل رفض الإتفاق العشوائي كتفسير لأصل الحياة، تحول العلماء لنظرية أخرى: وهي لابد أن هناك إنجذاباً متأصلاً يجعل الأحماض الأمينية تتحد تلقائياً في التسلسل الصحيح لخلق مركبات بروتينية تنتج منها الخلايا الحية. إنتشرت هذه الفكرة في كتاب صدر في العام 1969 شارك في تأليفه كينيون، والذي ناقش أن نشوء الحياة ربما يكون “قد قدر سلفاً على نحو بيوكيميائي” في الواقع بسبب هذه الأفضليات الكيميائية المرتبطة. (35)

في الحقيقة درس الباحثون أصل تسلسل البروتين والبناء لتحديد ما إذا كانت هناك أحماض أمينية معينة على نحو مفضل تضع ذاتها بالقرب من مجاور خاص. لقد فحصوا عشرة بروتينات، وقاموا بتجربة مدعمة بدت وكأنها تقترح وجود فائدة في هذا الإفتراض.

فقلت لبرادلي: “هذا يبدو تفسيراً معقولاً، فما الخطأ فيه؟”

رغم أنني لم أعرف في ذات الوقت، إلا إنني كنت أسأل العالم الذي كان جزءاً من فريق فند ذلك الإعتراض في العام 1986.

أجاب برادلي: “لقد كتبنا برنامج كومبيوتر لنحلل ليس فقط عشرة بروتينات، ولكن كل واحد من الـ 250 بروتيناً في الأطلس. وأوضحت النتائج على نحو قاصر أن التسلسل لم يكن له علاقة بالأفضليات الكيميائية. ونتيجة ذلك فشلت تلك النظرية.(36)وحتى كينيون- أحد كبار مؤيديها- أنكر هذه الفكرة.

 النظرية الثالثة: الميل الى الترتيب الذاتي Self – Ordering Tendencies           

تقدم هذه النظرية عنواناً مرعباً “ديناميات حرارية غير متوازنة.” تقول هذه الفكرة في الأساس إنه تحت ظروف معينة إذا مرت الطاقة من خلال نظام عند معدل مرتفع الى حد ما، فإن النظام سيصير غير مستقر، وسوف يرتب ذاته ثانية في الواقع الى بديل وشكل أكثر تعقيداً الى حد ما.

مثال ذلك المياه التي تتصرف خارج حوض الإستحمام، في البداية تسقط مركبات المياه بشكل عشوائي فقط أسفل المصرف، لكن بالقرب من النهاية، يصير التصريف مرتباً أكثر الى حد كبير بينما تشكل المركبات دوامة تلقائياً.

قلت لبرادلي: “بعض العلماء إقترحوا أن هذا الميل للمركبات كي تصير أكثر ترتيباً يمكن أن يكون تشابهاً جزئياً للطريقة التي تنظم بها الطبيعة ذاتها تلقائياً تحت ظروف معينة.”

لقد كان حسن الإطلاع تماماً على هذه الفرضية. المشكلة هي أن مستوى التنظيم الذي تتحدث عنه منخفض جداً، وحتى ايليا بريجوجين Ilya Prigogine المتخصص في الديناميكا الحرلرية الذي تأمل في هذه النظرية، أقر مؤخراً إنه “مازالت هناك فجوة بين البنيات الأكثر تعقيداً التي يمكننا أن ننتجها في المواضع الغير متوازنة في الكيمياء، والتعقيد الذي نجده في البيولوجيا.” (37)

“إنه على حق. قارن الدوامة التي في حوض الإستحمام للخلل الذهني الذي وصفته في خلق كائن حي، وسوف ترى إنها فجوة كبيرة بشكل لايصدق.”

قدم علماء آخرون “ديناميات حرارية متزنة equilibrium thermodynamics” كحل آخر محتمل. وكمثال، إذا تم تبريد الماء، فإنها تتحول الى ثلج، والمركبات في الثلج أكثر ترتيباً من المركبات العشوائية للماء. أشار البعض الى هذا كطريقة أخرى تنظم بها الطبيعة ذاتها.

لكن برادلي برهن على خطأ هذه النظرية لسبب مشابه. فقال: “مرة أخرى لديك مستوى منخفض جداً من المعلومات مطلوباً لخلق بلورات الثلج مقارنة بالمستوى العالي من المعلومات المطلوب لترتيب الاحماض الأمينية لخلق مركبات البروتين. وهذا هو السبب فب أن هذه النظرية تم نقدها أيضاً.”

قال برادلي إن هناك إختلاف جوهري بين “الترتيب order” الموجود في بعض الأشياء الغير الحية و”التعقيد الخاص specified complexity” للخلايا الحية.

“كرات الثلج بها مقدار معين من الترتيب، لكنه مقدار بسيط ومتكرر، وبها مقدار قليل من المعلومات تشبه ملئ كتاب فيه كلمات “أحبك، أحبك، أحبك” مرات ومرات. وعلى النقيض من ذلك، فإن نوع التعقيد الذي نراه في الكائن الحي به محتوى معلومات كثيرة تحدد كيف يجب جمع الأحماض الأمينية في التسلسل الصحيح، مثل كتاب مملوء بعبارات لها معنى تنقل قصة حب.

“بلاشك، يمكن للطاقة أن تخلق نماذج من الترتيب البسيط، فعلى سبيل المثال يمكنك أن ترى التموجات فوق الرمال على أحد الشواطئ، وتعرف إنها تشكلت بفعل الأمواج، ولكن إذا رايت الكلمات ” جون يحب ماري”، وهناك قلب مرسوم يخرج منه سهم في الرمال، فسوف تعرف أن الطاقة وحدها لم تشكل ذلك. وهذا سبب أن واضع نظريات المعلومات البارز يوكي H. P. Yockey قال: “لابد من النظر الى محاولات ربط فكرة الترتيب …بالتنظيم البيولوجي…كتلاعب بالكلمات لايمكنه أن يواجه الفحص الحريص.” (38)

النظرية الرابعة: النشوء من الفضاء Seeding from Space

نظراً لإحباط بعض العلماء- ومنهم كريك المساعد في إكتشاف الـDNA- من العوائق التي تبدو وكأنها لاتقهر للتطور الكيميائي على وجه الأرض، أقترحوا أن القوالب البنائية للحياة تأتي من مكان آخر في الفضاء. تأمل هويل، وويكراما سنغ Wickramasinghe في أن الجسيمات التي في حجم الخلايا الحية يمكن أن تصل الأرض بدون أن تتحول الى رماد بواسطة الغلاف الجوي. بينما في الفضاء يمكن أن تحميها طبقة رقيقة من غبار الجرافيت من الأشعة المدمرة للأشعة الفوق بنفسجية.

تم تأييد هذه النظرية بإستكشاف أحماض أمينية في الحجر النيزكي مارشيزون Murchison المشهور الذي سقط في استراليا في العام 1969، وحجر نيزكي آخر سقط عمودياً على أنتاركتيكا منذ حوالي 3.8 مليار عاماً.(39)

لقد ذهب كريك وليزلي أورجيل الى أبعد من ذلك أيضاً بإقتراح أن جراثيم الحياة ربما أرسلت عمداً الى الأرض من قبل حضارة سابقة- ربما بغرض جعل الأرض منطقة برية أو حديقة حيوان أو كآبة كونية كما تأمل البعض.(40)

قلت لبرادلي: “كل هذا يبدو غريباً الى حد ما، لكن فيما بعد، ربما لايكون غريباً مثل فكرة أن الله خلق كل شئ.”

نم وجه برادلي عن نفوره لهذا المنهاج، فقال: “حقيقة أن العلماء قد جاءوا بهذه الأنواع من الإقتراحات الغريبة توضح إنهم لايمكنهم أن يتخيلوا كم من الممكن أن تتطور الحياة طبيعياً على الأرض، ولهم الحق في ذلك. أحب الطريقة التي يصيغها فيليب جونسون: “عندما يشعر عالم في مكانة كريك أنه مضطر للإستشهاد برجال فضاء لايمكن إكتشافهم، يكون قد حان وقت التفكير فيما إذغ كان مجال تطور ماقبل البيولوجي قد وصل الى نهاية مسدودة.”(41)

أوضح برادلي قائلاً: “إن الخلل الأكبر في هذه النظرية هو إنها لاتحل مشكلة أصل الحياة. فكر في هذا: إذا كنت تقول إن الحياة نشأت في مكان آخر، فإن هذا ينقل المشكلة الى مكان آخر فقط! بينما العوائق لاتزال موجودة.”

رغم إن ذلك كان صحيحاً بالتأكيد، رأيت إحتمالاً آخر، فإقترحت قائلاً: “ربما سيكون في كوكب آخر غلافاً جوياً من النشادر، والميثان، والهيدروجين، والذي سيكون أكثر مساعدة على إنتاج القوالب البناءة للحياة.”

فأجاب قائلاً: “حتى إذا كانت تلك هي القضية، فكيف تجمعت هذه الأحماض الأمينية والبروتينات الى كائن حي؟ هذه مشكلة معلومات- كيف ترتب في تسلسل الذرات بالطريقة الصحيحة- وتلك المشكلة مستقلة عما يمثله الغلاف الجوي. وحتى إذا ألقت أحجار النيزكي أحماضاً أمينية الى الأرض، فلا تزال أمامك مشكلة التجميع.

“كما قال دوفيلييه A. Dauvillier في كتاب “الأصل الكيميائي الضوئي للحياة The photochemical origin of life” إن هذه النظرية “افتراض سطحي، وحيلة تسعى لتجنب المشكلة الأساسية لأصل الحياة”(42) وحتى ستانلي ميلر ليس لديه استخدام لهذه النظرية، فقد أورد لمجلة Discover أن “العضويات من الفضاء الخارجي تعد نفايات-حقاً نفايات.”(43)

إلتقط برادلي تقريراً حول مؤتمر دولي لعلماء أصل الحياة في يوليو من العام 1999، وقرأ لي جزءاً: “قبل نهاية اليوم الثاني من المؤتمر، كان لابد على الباحثين أن يوافقوا على أن الإلقاء الكائن خارج الأرض لم يقدر أن يقدم كل المركبات القبل حيوية.”(44)مضى التقرير ليقول إن المؤمن بنظرية النشوء شابيرو قد درس الجمر النيزكي مارشيسون، و”أظهر أن التفاعلات الجانبية ستمنع بشكل فعال أية مركبات قبل حيوية في حجر النيزكي من تكوين جزيئات حيوية بشكل تلقائي أبداً.”(45)

وأضاف برادلي: “في نفس الوقت قال كريستوفر شيبا- عالم كواكب من ناسا- إنه رغم أن سفينة الفضاء قد أكدت وجود بعض المركبات العضوية في المذنبات في الفضاء وعند هذه السرعات- على الأقل 10- 15 ميلاً\ثانية- فإن درجات الحرارة التي تصل الى تأثيرها عالية جداً حتى ينتهي بك الأمرالى إنك تقلى مثل أي شئ.”(46) هذا بالإضافة الى إنهم إذا طبقوا هذا على الأرض، فإنك مازلت تواجه كيف ستتجمع الى كائن حي.”

النظرية الخامسة: فجورات في المحيط vents in the ocean  

في العام 1977 إكتشف علماء على متن الغواصة الإستكشافية ألفين Alvin- تحت سطح الغرب الأطلسي للأكوادور بنصف ميل- فجوات مياه حارة غريبة على سطح البحر. كانت الديدان الأنبوبية، والرخويات، والبكتريا التي يعد مصدرها الأول للطاقة هو مركبات الكبريت من هذه الفجوات تزدهر بالقرب منها. ومنذ ذلك الحين تم العثور على عشرات الفجواتالأخرى في مواقع مختلفة تحت سطح الأرض.

قاد هذا جاد كورليس- بيولوجي بحري يعمل الآن في مركز طيران الفضاء جودارد Goddard التابع لناسا- الى أن يقترح أن هذه الفجوات ربما تكون قد وفرت بيئة حيث نشأت بداية الحياة.

أورد لمجلة Discover: “الأمر الخاص بالينابيع الساخنة هو إنها توفر عملية لطيفة آمنة مستمرة يمكنك بها أن تسير كل الطريق من المركبات البسيطة جداً الى الخلايا الحية والبكتريا البدائية.”(47)

عززت بعض الفترات الدورية الشائعة الطويلة في التأمل، لكن قصيدة الأمور المحددة هذا المفهوم، ورغم ذلك عندما سأل كاتب العلم بيتر راديتكي باحث أصل الحياة ميلر عنه، حصل على عداء غير مخف، فقد أخبره الغاضب ميلر أن “فرضية الفجوة خسارة حقيقية، فأنا لاأفهم لماذا يجب حتى أن نناقشها.”(48)

كان برادلي أيضاً شكاكاً عندما قدمت هذه النظرية، فقال: “أفترض أن الفجوات ربما توفر مصدر طاقة غير عادي يمكن أن يحفز بعض المواد الكيميائية على أن تصير متفاعلة، لكنها لاتخاطب حتى مشكلة التجمع مطلقاً. هذه النظرية لاتقدم شيئاً لحل مشكلة طريقة جمع القوالب البناءة للحياة بالتسلسل الصحيح وبالروابط الصحيحة.”

وقال إن ماهو أكثر هو أن التجارب التي أجراها ميلر وجيفري بادا في جامعة كاليفورنيا في سان دييجو أقترحت أن درجات الحرارة المرتفعة لهذه الفجوات الشديدة السخونة سوف تدمر بدلاً من أن تخلق مركبات عضوية معقدة.

أوضح برادلي قائلاً: “يعتقد الآن أن كل المياه في المحيط يعاد إنتشارها دورياً من خلال هذه الفجوات. إذا كنت تحصل في النهاية على بعض المركبات التي تبدأ في الكبر وتصبح أكثر تعقداً، فسوف تكون هشة جداً حتى إنها ستدمر بفعل الحرارة عندما يعاد إنتشارها. وهذا معناه أن مقياس الوقت للتطور الكيميائي سيتضائل بشكل مثير، والفجوات ستجعلك تعود وتبدأ من جديد عند فواصل قصيرة الى حد ما- وهذا سيعمل ضد تطور الحياة.”

النظرية السادسة: الحياة من الطين Life from Clay

شاعت فرضية أخرى من قبل وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة، وهو إقتراح الكيميائي الأسكتلندي كايرنز سميث G. Cairns-Smith A. بأن الحياة نشأت بطريقة ما من الطين الذي يحتوي بناؤه البلوري على تعقيد كاف لتشجيع المواد الكيميائية القبل حيوية على التجمع معاً بطريقة ما. (49)

فسالت برادلي: “ماذا عن ذاك المنهاج؟”

فأجابني: “ربما يساعد الطين لأن المركبات لاتميل للتفاعل في الماء، وربما يعطيها سطح الطين بيئة أقل رطوبة.”

“ولكن كيف سيكون الطفل قادراً على نقل المعلومات المطلوبة لنقل المواد الكيميائية بالطريقة الصحيحة؟ أفضل شئ يمكن أن يقوم به الطين البللوري هو الإمداد بمعلومات تسلسلية منخفضة جداً جداً، وستكون تكرارية الى حد كبير. إنها تشبه الكتاب الذي تحدثت عنه منذ لحظات الممتلئ بعبارة “أنا أحبك، أنا أحبك، أنا أحبك” عدة مرات. هل هو مرتب؟ نعم. هل يحتوي على معلومات كثيرة؟ لا. هذا ماتمثله البللورة- لاشئ أكثر من معلومات مطولة، إنها قصيرة جداً عن التعقيد المفصل الذي يحتاجه الكائن الحي.

حتى كايرنز- سميث Cairns- Smith أدرك المشكلات المتعلقة بفكرته، فقد أقر في العام 1991 أن أحداً لم يكن قادراً أن يشكل الطين الى شئ يشبه التطور في أحد المعامل، ولم يجد أحد أي شئ يشبه كائن حي أساسه الطين في الطبيعة.” (50)

الإستنتاج الأكثر عقلانية

غالباً ماكان علماء أصل الحياة وقتاً بعد الآخر يفشلون في محاولة وضع نظرية للطريقة التي يمكن بها أن تتطور المواد الكيميائية الى كائن حي. وقد أستخدم الوضع مؤخراً نماذج من الحاسب الآلي لمحاولة إظهار كيف ربما حدثت تفاعلات كيميائية على الأرض البدائية، لكن هذه السيناريوهات تنجح فقط إذا كان الحاسب الآلي مبرمجاً على أزلة بعض العوائق التي لاتقهر، والتي كانت ستواجهها المواد الكيميائية بالفعل في العالم الواقعي.

عندما علق أحد العلماء في معهد سانتا فيSanta Fe- حيث تمت إدارة بعض الأشياء الزائفة الخاصة بالحاسب الآلي- علق خبير أصل الحياة جون هورجان قائلاً: “إذا كان دارون لديه حاسباً آلياً على مكتبه، فمن يعلم ماكان يمكن أن يكتشفه. ماذا حقاً؟ ربما إكتشف تشارلز دارون مقداراً كبيراً من الحاسبات الآلية، ومقداراً قليلاً جداً عن الطبيعة.”(51)

في ظل تبخر نظريات كثيرة جداً تحت الفحص الشامل الدقيق، طلبت من برادلي مساعدته الشخصية لحالة البحث في كيفية نشأة الحياة.

فأجاب: “لايوجد أدنى شك في أن العلم- على الأقل في الوقت الحالي- في نهاية مسدودة. إن تفائل الخمسينيات يتحطم، وقد وصفت الحالة في مؤتمر العام 1999 الدولي على أصل الحياة بأنها مقيتة، مليئة بالإحباط والتشاؤم واليأس.(52) لاأحد يدعي أي بديل يمد بسبيل معقول للطريقة التي مرت بها الحياة دون توجيه من المواد الكيميائية البسيطة الى البروتينات الى أشكال الحياة الأساسية.”

وصل برادلي الى كتاب، وحدد سريعاً الإقتباس الذي كان يتعقبه. وقال قارئاً كلماته: “أوجز كلوس دوز- الكيميائي الحيوي الذي يعتبر أحد الخبراء الرئيسيين في هذا المجال- الموقف بطريقة جيدة الى حد ما:

أكثر من 30 عاماً من التجريب على أصل الحياة في حقول التطور الكيميائي والمركب أدت الى إدراك أفضل لمناعة مشكلة أصل الحياة على الأرضأكثر مما أدت الى حلها. وفي الوقت الحالي، فإن كل المناقشات حول تجارب ونظريات أساسية في هذا المجال إما أن تنتهي بمأزق أو بإعتراف بالجهل.(53)

واصل برادلي: “يجادل شابيرو بقوة بأن كل النظريات الحالية مفلسة.(54) وعبر كريك عن الإحباط قائلاً: “كلما أكتب ورقة عن أصل الحياة، أقسم بأنني لن أكتب ورقة أخرى أبداً، لأن هناك الكثير جداً من التأمل الذي يتعقب حقائق قليلة جداً.”(55) وحتى ميلر- بعد 40 عاماً من تجربته الشهيرة- في فهم عظيم لكتاب “الامريكي العلميScientific American “: “تحولت مشكلة أصل الحياة الى أكثر صعوبة الى حد كبير مما تصورت أنا ومعظم الناس الآخرين.”(56)

وبالتزامن، في نفس الوقت تقريباً لمقابلتي مع برادلي، طلب من ستيفن جي جولد النشوئي المتحدث بأسم جامعة هارفارد أن يكتب مقالاً لمجلة تايمTime  على ماإذا كان العلماء سوف يستنتجون كيف بدأت الحياة في أي وقت. كانت النتيجة قطعة غامضة ومراوغة ترددت وتلعثمت، لكنها لم تقترب أبداً من إقتراح فرض واحد لكيف تمكنت الحياة من النشوء من عدم الحياة.(57)

“ماذا يفعل المرء أزاء هذا المأزق العلمي؟”

هذا يعتمد كثيراً على ميتافيزيقا الإنسان. يقول شابيرو الذي أحترمه بشدة إنه لابد أن تكون هناك بعض القوتنين الفيزيائية التي لم نكتشفها بعد تبين لنا في النهاية كيف نشأت الحياة بشكل طبيعي. لكن لايوجد شئ في العلم يضمن تفسيراً طبيعياً لكيفية بداية الحياة. العلم محايد فيما يتعلق بالنتيجة. من الصعب أن تتخيل قوانين طبيعية جديدة، لأنه سيكون لها صفات تتوافق مع القوانين الموجودة.”

فقلت: “إذاً ماذا؟ هل إفتراضك هو الأفضل؟”

لم يجب برادلي في الحال، بل حدق بصره على مجموعة أوراق الأبحاث، متوانياً للحظة قبل أن ينظر الي مرة أخرى. وعندما إلتقت عينانا واصل كلامه قائلاً:

“إذا لم يكن هناك تفسير طبيعي ولاتبدو هناك إمكانية إكتشاف تفسير، فأنا أؤمن إنه من الملائم أن ننظر الى تفسير خارق للطبيعة. أعتقد إن ذلك هو الإستنتاج الأكثر منطقية المبني على البرهان.”

بدا ذلك وكأنه إمتياز كبير لشخص مدرب في العلم، فتسائلت: “ألا ترى مشكلة في قول إن أفضل تفسير هو إنه يبدو أن هناك مصمماً ذكياً”

“بالقطع لا. أعتقد إن الناس الذين يؤمنون بأن الحياة نشأت بشكل طبيعي يجب أن يكون لديهم إيمان عظيم أكبر من الناس الذين يستنتجون أن هناك مصمماً ذكياً.”

“ماذا يمنع العلماء أكثر من تصور تلك الخاتمة؟”

كثيرون وصلوا الى تلك الخاتمة، لكن بالنسبة للبعض تقف فلسفتهم عقبة في الطريق. إذا كانوا مقتنعين في وقت سابق بأنه لايوجد إله، فلايهم إذاً مدى فرض البرهان، فإنهم سيقولون دائماً: “إنتظروا، وسوف نكتشف شيئاً أفضل في المستقبل.” لكن ذلك يعتبر جدالاً ميتافيزيقياً، فالعلماء ليسوا أكثر موضوعية من أي إنسان آخر. إنهم جميعاً يصلون الى أسئلة مثل هذه بأفكارهم المتصورة سلفاً.”

فقاطعته سريعاً وقلت: “نعم، لكنك أتيت بفكرة متصورة سلفاً بأن هناك الله.”

فأومأ برادلي برأسه وقال: “بالتأكيد، ولقد إندهشت مسروراً لأن مستوى أقل من البرهان كان من الممكن أن يرضيني. لكن ماوجدته هو دليل غامر بلا ريب، والذي يشير الى أن هناك مصمماً ذكياً.”

“لذلك فأنت تعتقد أن الحقائق تشير بشكل مقنع لوجود خالق؟”

“بشكل مقنع تعبير ضعيف للغاية. البرهان قوي. فكلمة مقنعconvincing تقترح أرجحية أكثر قليلاً من لا النفي، أما “مفروض compelling” تقول إنه لابد أن تعمل بجد للوصول الى تلك الخاتمة.”

فقلت: “ولكن هذا يبدو…”، متعثراً قليلاً في البحث عن الكلمة الصحيحة، “غير علمي.”

فأجاب برادلي: “على النقيض، إنه يبدو علمياً جداً. فعلى مدار الـ150 عاماً الماضية استخدم العلماء جدالات مبنية على تشابهات جزئية لأشياء نفهمها لصياغة إفتراضات جديدة في نشوء حقول للعمل العلمي، وذلك هو موضوع هذا.”

أعمال العقل بواسطة التماثل                        

 وصفت العملية التماثلية في القرن الثامن عشر بواسطة عالم الفلك جون هيرشيل John F. W. Herschel الذي كتب: “إذا كان التشابه الجزئي بين زهرتين مقارباً جداً ولافتاً للنظر بينهما، وفي نفس الوقت سبب أحدهما واضح جداً، فإنه يصبح من المحتمل على نحو نادر أن نرفض الإعتراف بتأثير سبب مشابه في الأخرى رغم إنها غير واضحة جداً في حد ذاتها.” (58)

“كيف ينطبق هذا على قضية أصل الحياة؟”

“غذا كان الوقت الوحيد الذي نرى فيه المعلومات المكتوبة- سواء منقوشة على جدار كهف أو قصة من على شبكة الإنترنت- هو عندما يكون هناك ذكاء ورائها، إذاً فهل ذلك سيكون منطبقاً على الطبيعة ذاتها؟”

“وبتعبير آخر ماهو مشفر على الـDNA داخل كل خلية لكل كائن حي هو معلومات مكتوبة بشكل صرف وبسيط. إننا نستخدم في الإنجليزية 26 حرفاً، وفي الـDNA هناك أبجدية كيميائية تتكون من أربعة حروف، والتي ترتبط حروفها في تسلسلات متنوعة كي تكون كلمات، وجملاً، وفقرات. وتشمل هذه كل التعليمات المطلوبة لتوجيه توظيف الخلية. إنها توضح في شكل مشفر تعليمات بالطريقة التي تصنع بها الخلية البروتينات. إنها تعمل مثل الطريقة التي تعمل بها تسلسلات الحروف الأبجدية في لغتنا.

“والآن، عندما نرى لغة مكتوبة، يمكننا أن نستنتج- بناءاً على خبرتنا- أنها تحمل علة ذكية، ويمكننا أن نستخدم بشكل صحيح منطقاً مشابهاً لننتهي الى أن تسلسل المعلومات اللافت للنظر في الـDNA كان يحمل أيضاً علة ذكية. ومن ثم فهذا معناه أن الحياة على الأرض نشأت من فاعل عاقل “who”، بدلاً من شئ غير عاقل “what”.

وبشكل لايمكن إنكاره، كان هذا برهان قوي ومقنع كما أن برادلي يتأمل فيه للحظات قليلة قبل عرض تفسير يحسم قصده.

“هل شاهدتم فيلم “contact”؟ “

“بالتأكيد، لقد كان مبنياً على كتاب كارل ساجان.” 

“هذا صحيح. في هذا الفيلم يفحص العلماء السموات لأجل علامات للحياة الذكية في الفضاء. وتتلقى تلسكوباتهم اللاسلكية مجرد أصوات وتشويشات عشوائية من الفضاء. ومن المنطق إفتراض إنه لايوجد ذكاء وراء ذلك. وبعد ذلك تبدأ ذات يوم في تلقي إنتقال لأعداد أولية، وهي أعداد قابلة للقسمة على ذاتها وعلى رقم  1 فقط.

“يستدل العلماء على أنه من غير المحتمل للغاية حتى إنه سيكون هناك سبب طبيعي وراء سلسلة من الأعداد مثل تلك. لم يكن هذا شواش غير منظم فقط بل كان معلومات- رسالة لها محتوى. ومن ذلك إنتهوا الى أنه كان يوجد مبرر ذكي وراءها. وكما قال ساجان بنفسه ذات مرة: “إن تلقى رسالة واحدة من الفضاء سيكون كافياً لمعرفة إن هناك ذكاء.(59) ذلك إستنتاج بواسطة التشابه الجزئي- إننا نعرف أنه حيثما يوجد إتصال ذكي، فهناك سبب ذكي.”

شخصت الى عيني برادلي بينما لفظ كلماته الأخيرة وهو يرتفع بصوته مؤكداً: “وإذا كانت رسالة واحدة من الفضاء كافية لنا كي نستنتج أن هناك ذكاء ورائها، فماذا إذاً عن الكميات الهائلة للمعلومات التي تحتويها الـDNA لكل نبات وحيوان حي؟”

“تحتوي كل خلية في الجسم على معلومات أكثر من تلك الموجودة في المجلدات الثلاثين في الموسوعة البريطانية. من المنطقي بشكل مؤكد إستنتاج إن هذا ليس هو الإنتاج العشوائي للطبيعة الغير موجهة، بل إنه العلامة الغير قابلة للخطأ على وجود مصمم ذكي.”

لقد كان برهان بدون إجابة: “قلت، إذاً فأصل الحياة ضعف مصيري للتطور.”

“هذا صحيح. كما قال فيليب جونسون: “إذاً كان ينبغي على أتباع دارون أن يبعدوا الخالق عن الصورة، فينبغي أن يقدموا تفسيراً طبيعياً لأصل الحياة.”(60)

“إنهم لم يكونوا قادرين على القيام بهذا. ورغم كل جهودهم، إلا إنهم حتى لم يأتو بإحتمال واحد معقول، ولو على نحو ضئيل، ولايوجد توقع بأنهم سيأتون به. في الحقيقة يشير كل شئ الى الطريق الآخر في الإتجاه الذي لايحتمل الخطأ لله. في الوقت الحالي لكي تكون عالماً أميناً ملحداً، فهذا يتطلب إيماناً كبيراً.”

 

“أنا أبني جزيئات” 

 أنهى عالم الوحدات جيمس تور- أستاذ بقسم الكيمياء بجامعة رايسCenter for Nano scale Science and Technology, Rice، بالصدفة بالقرب من مدينة هوستون مؤخراً إلقاء حديث.

يحمل تور شهادة دكتوراه في الكيمياء العضوية من جلمعة بوردو، وعمل بعد الدكتوراه بجامعة ستانفورد، وجامعة ويسكونسون. وهو في المرحلة الأكثر تقدماً للبحث في عالم الجزيئيات. لقد كتب أكثر من 140 مقالاً بحثياً تقنياً ويحمل 17 براءة إختراع أمريكي.

قال في تقديم نفسه: “إنني أبني جزيئات لما يتعلق بالأحياء، ولايمكنني أن أبدأ بإخباركم بمدى صعوبة تلك المهمة.”

لم يكن الهدف من حديثه إبهار الجمهور بمواصفات آخر جهوده التكنولوجية العالية لتخزين كميات هائلة من المعلومات على مقياس ميكروسكوب مستبدلاً رقائق السليكون الكبيرة والغير عملية بالمقارنة لكنه كان لوصف شئ آخر وجد إنه كلما تحقق أكثر وأكثر في عجائب مستوى المركب المثيرة: بصمات أصابع المصمم الذكي.

قال: “إنني أقف في مخافة الله بسبب ماقام به من خلال خليقته. المبتدئ فقط الذي لايعرف شيئأ عن العلم سيقول إن العلم بعيد عن الإيمان أما إذا كنت حقاً تدرس العلم، فإنه سيقربك من الله.” (61)

إعتقدت إنه أمر ساخر، فذات مرة دفعني فهم بدائي لعلم التطور تجاه الإلحاد، والآن يعزز فهم أعمق للعلم الجزيئي ثقتي في الله. لقد كان حكمي الأول مثل قضية أوكلاهوما مبنية على دليل خاطئ تسبب في خاتمة خاطئة.

إن الإعتقاد بأن عمليات غير موجهة يمكن أن تكون مسؤولة بطريقة ماعن تحويل المواد الكيميائية الجامدة الى كل تعقيد الكائنات الحية هي بالتأكيد- كما لاحظ عالم الأحياء المجهري دينتون “ليست أكثر ولاأقل من إسطورة أصل الكون العظيمة” لأزمنتنا. (62)

لقد كانت مجلة تايمTime مخطئة، فدارون لم يقتل الله، بل هناك ببساطة الكثير جداً من مفاتيح الحل القوية- خاصة في التعقيد المذهل للذرات الغير مرئية، واللغة الكيميائية المشفرة على اللولب المزدوج للـDNA – لتقرير أن الخالق حي.

مشاورات

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  • صف التعليم الدراسي الذي تلقيته حول نظرية التطور. كيف أثر على نظرتك لله؟
  • قبل قراءة هذا اللقاء مع برادلي، كيف كنت تؤمن أساساً بنشأة الحياة على الأرض؟ هل غيرت المناظرة رؤيتك؟ كيف.. ولماذا؟
  • بناءاً على الدليل، هل تؤمن إنه من المعقول أن تؤيد وجود مصمم ذكي؟ لماذا؟ لماذا لا؟ في ضوء الحقائق، هل تؤمن أن الأمر سيتطلب إيماناً أكثر لتصديق أن الحياة قد نشأت طبيعياً أم من خلال علة ذكية؟

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع

                     

  • Charles B. Thaxton, Walter L. Bradly, and Roger L. Olsen. The Mystery of Life Origin Dallas: Lewis and Stanley, 1984.
  • Philip E. Johnson, Darwin on Trial, 2d ed. Downers Grove, III. Inter Varsity Press, 1993.
  • William A. Dembski, ed. Mere Creation. Downers Grove, III. Inter Varsity Press, 1998.
  • P. Moreland, ed. The Creation Hypothesis. Downers Grove, III. Inter Varsity Press, 1994.
  • Michael J. Behe. Darwin Black Box. New York: The Free Press, 1996.      
  • Michael Denton. Evolution: A theory in Crisis. Chevy Chase, Md.: Adler & Adler, 1986.
  • Hank Hanegraaff. The face that demonstrates the Farce of Evolution. Nashville: word, 1998.

 

  1. “Iconoclast of the Century, Charles Darwin (1809-1882),” Time, December 31, 1999.
  2. Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis (Chevy Chase, Md.: Adler & Adler, 1986), 77.
  3. See: Charles T. Jones, “DNA Tests Clear Two Men in Prison,” The Oklahoman, April 16, 1999.
  4. See: Steven Mills and Ken Armstrong, “Convicted By a Hair,” The Chicago Tribune, November 18, 1999.
  5. Ibid.
  6. Patrick Glynn, God: The Evidence, 2 – 3.
  7. “Iconoclast of the Century: Charles Darwin (1809-1882),” Time, December 31, 1999.
  8. Charles Templeton, Farewell to God, 232.
  9. Francisco Ayala, <Creative Evolution, John H. Campbell and J. W. Schoff, eds. (New York: James and Bartlett, 1994), 4 – 5.
  10. Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis, 67.
  11. Ibid., 66.
  12. Douglas Futuyma, Evolutionary Biology (Sunderland, Mass.: Sinauer, 1986), 3.
  13. Richard Dawkins, the Blind Watchmaker (New York: Norton, 1987), 6.
  14. Phillip E. Johnson, Darwin on Trial, 2d ed. (Downers Grove, III.: Inter-varsity press, 1993), 126-27.
  15. Michael Behe, Darwin’s Black Box (New York: The Free Press, 1996), 232.
  16. Ibid., 193, 251, 243 (emphasis in original).
  17. Introduction by Bill Hybels in: Lee Strobel, Inside the Mind of Unchurched Harry and Mary (Grand Rapids, Mich.: Zondervan, 1993), 7.
  18. David M. Raup, “Conflicts Between Darwin and Paleontology,” Bulletin, Field Museum of Natural History, January 1979, quoted in Paul S. Taylor, The Illustrated origins Answer Book, 4th ed., (Meda, Ariz.: Eden, 1993), 108; and in Hank Hanegraaff, The Face that Demonstrates the Farce of Evolution (Nashville, Tenn.: Word, 1998), 34.
  19. Phillip E. Johnson, Darwin on Trial, 2d ed., 54.
  20. Charles Darwin, Origin of Species, 6th ed. (New York: New York University Press, 1988), 154.
  21. George Johnson, “Science and Religion: Bridging the Great Divide,” The New York Times, June 30, 1998.
  22. Charles B. Thaxton, Walter L. Bradley, and Roger L. Olsen, The Mystery of Life’s Origin (Dallas, Tex.: Lewis and Stanley, 1984), back cover.
  23. Ibid.
  24. Francis Darwin, The Life and letters of Charles Darwin (New York: D. Appletion, 1887), 202.
  25. R.Vallery-Radot, the Life of Pasteur, Trans. By R. L. Devonshire (New York: Doubleday, 1920), 109.
  26. Robert Shapiro, Origins (New York: Summit Books, 1986), 99.
  27. William Day, Genesis on l’lanet Earth (East Lansing, Midi.: House of Talos, 1979), 7.
  28. Quoted in: S. Tax, ed., Evolution After Darwin (Chicago: University of Chicago Press, 1960), 1:57.
  29. See: Gordon C. Mills, Malcolm Lancaster, and Walter L. Bradley, “Origin of Life and Evolution in Biology Textbooks –A Critique,” The American Biology Teacher, February 1993.
  30. Ernst Haechel, the Wonders of Life, Trans. By J. McCabe (London: Watts, 1905), 111, quoted in Stephen C. Meyer, “The Explanatory Power of Design” in Mere Creation (Downers Grove, 111.: InterVarsity Press, 1998), 114.
  31. Klaus Dose, “The Origin of Life: More Questions Than Answers,” in Interdisciplinary Science Reviews 13 (1988), 348.
  32. Francis Crick, Life Itself (New York: Simon and Schuster, 1981).
    33. “How Did Life Begin?” Newsweek, August 6, 1979.
  33. J. Buell and G. Hearn, eds., Darwinism: Science or Philosophy? (Dallas, Tex.: Foundation for Thought and Ethics, 1994), 68-69; quoted in: Stephen C. Meyer, “The Explanatory Power of Design,” Mere Creation, 126.
  34. See: Dean Kenyon and G. Steinman, Biological Predestination (New York: McGraw Hill, 1969).
  35. See: Randal A. Kok, John A. Taylor, and Walter L Bradley, “A Statistical Examination of Self-Ordering of Amino Acids in Proteins,” Origins of Life and Evolution of the Biosphere 18 (1988).
  36. Ilya Prigogine and Isabelle Stengers, the End of Certainty: Time, Chaos, and the New Laws of Nature (New York: The Free Press, 1997), 71.
    38. H. P. Yockey, “A Calculation of the Probability of Spontaneous Biogenesis by Information Theory,” Journal of Theoretical Biology 67, 380.
  37. See: Charles B. Thaxton, Walter L. Bradley, and Roger L. Olsen, The Mystery of Life’s Origin, 191-96.
  38. Ibid., 194.
  39. Phillip E. Johnson, Darwin on Trial, 111.
  40. A Dauvillier, the Photochemical Origin of Life (New York: Academic Press, 1965), 2.
    43. Peter Radetsky, “How Did Life Start?” Discover, November 1992.
  41. Fazale R. Rana and Hugh Ross, “Life from the Heavens? Not This Way,” Facts for Faith, October 2000 (emphasis in original).
  42. Ibid (emphasis in original).
  43. Pter Radetsky, “How Did Life Start?” Discover, November 1992.
  44. Ibid.
  45. Ibid.
  46. See: A. G. Cairns-Smith, Genetic Takeover and the Mineral Origins of Life (New York: Cambridge University Press, 1982).
  47. Quoted in: Walter L. Bradley and Charles B. Thaxton, “Information and the Origin of Life,” The Creation Hypothesis (Downers Grove, 111.: Inter-Varsity Press, 1994), 194.
  48. William A. Dembski, ed., Mere Creation, 46.
  49. Fazale R. Rana and Hugh Ross, “Life from the Heavens? Not This Way,” Facts for Faith, Quarter 1, 2000.
  50. Klaus Dose, “The Origin of Life: More Questions than Answers,” Interdisciplinary Science Review 13 (1998), 348.
  51. Robert Shapiro, Origins, 99.
  52. Francis Crick, Life Itself, 1.53.
  53. J. Morgan, “In the Beginning …” Scientific American February 1991.
  54. See: Stephen Jay Gould, “Will We Figure Out How Life Began?” Time, April 10, 2000.
  55. J. F. W. Hersehel, Preliminary Discourse on the Study of Natural Philosophy (London: Longman, Rees, Orme, Brown and Green, 1831), 149.
  56. Carl Sagan, Rroca’s Brain (New York: Random House, 1979), 275.
  57. Phillip E. Johnson, Darwin on Trial, 103.
  58. See: Candace Adams, “Leading Nanoscientist Builds Big Faith,” Baptist Standard, March 15, 2000.
  59. Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis, 358.

نظرية التطور تفسر الحياة: لذا فالله ليس مطلوباً

Exit mobile version