يسوع التاريخي في المصادر القديمة (ملخص)

يسوع التاريخي في المصادر القديمة (ملخص)

 

يسوع التاريخي في المصادر القديمة (ملخص)

يسوع التاريخي في المصادر القديمة (ملخص)

يمكننا الآن أن نجمع خيوط دراسة يسوع التاريخي في عدّة نتائج أساسية: أولاً، نلاحظ تنوعاً كبيراً للشواهد على يسوع لدى الكتّاب الكلاسيكيين، فقد حظي الكتّاب الرومانيون المشهورون في مجال التاريخ والشؤون الإمبراطورية بالأهمية الكبرى هنا مثل: “سوتونيوس” و”تاسيتوس” و”بليني الأصغر”. في الطرف الآخر من المشهد، أسهم الكتّاب غير المعروفين لدرجةٍ كبيرة، مثل: “مارا” و”ثالوس” بأصواتهم أيضاً.

أما الفلاسفة المعارضون للمسيحيّة، مثل “لوقيان” و”كلسس“، فقد كتبوا أيضاً عن المسيح. لقد تنوعت آراء هؤلاء الكتّاب: فمنهم “مارا” الذي رٌبما كان متعاطفاً مع المسيح، ومنهم “بليني” الذي كان عدائياً إلى حدّ ما، وآخرون كانوا عدائين تماماً، لكنهم كانوا وصفيين مثل: “تاسيتوس” و”كلسس”.

ونلاحظ أيضاً تنوعاً في اللغات المستخدمة، مثل: اللاتينية، وهي اللغة الرسمية لروما، واليونانية، وهي اللغة الأدبية الشائعة ولغة التجارة، والسريانية، اللغة الرئيسية لشرق حوض المتوسط. وقد قدّموا معاً مجموعةً من المواضيع عن تعاليم يسوع، وحركته، وموته. وكانوا يعلمون أنً يسوع يُبجّل من قبل المسيحيين، الأمر الذي نسبوه إلى أنه موجد هذه الحركة.

ثانياً، حتّى مع إشارتنا إلى هذه الشواهد المتنوعة على يسوع التاريخي، يظهر السؤال المضادّ: لماذا لا يوجد المزيد من الإشارات الكلاسكية عن يسوع؟ وخاصّةً بين الكتّاب الرومان؟ فغالباً ما يشتكي الكتّاب عن موضوع يسوع خارج العهد الجديد من قلًة الإشارات إلى يسوع في الأدب الكلاسيكيّ.

على الرغم من أنّ تفسير “خلو الذكر” غالباً ما يكون أمراً صعباً، إلاّ أنّه يمكن الوصول إلى جواب محتمل لهذا الأمر. فبالنظر إلى العهد الجديد والكتابات المسيحيّة الأولى فعلاقة المسيح مع الدولة الرومانية كانت أمراُ مهماً بالنسبة للمسيحية على نحوٍ دائم.

إلاّ أنّ المسيح لم يكن بذات الأهمية بالنسبة لروما، وذلك بالنظر إلى الكتابات الرومانية. فقد كانت الإمبراطورية والحكومة مشغولةً بأمورٍ أخرى بدت أكثر أهمية بالنسبة لهم، كما يشير تناول “تاسيتوس” و”سوتونيوس” و”بليني” للمسيح بشكلٍ جزئيّ فقط. وقد رأينا أنّ المسيحيّة لقيت بعض الاهتمام، بينما لقي المسيح القليل من الاهتمام، أمّا “يسوع التاريخي” فلم يلق إلاّ قليلاً جداً من الاهتمام.

وتعكس النسخ الرسمية الثلاث من قاموس أوكسفورد الكلاسيكي اهتمام العالم الكلاسيكيّ المتزايد بالمسيحيّة، لكنه يظهر عدم الاهتمام النسبيّ بيسوع، حيث يوجد في هذه النسخ مقال أساسيّ حول “المسيحيّة” لكن لا يوجد أيّ مقال حول “يسوع”.

ويمكن تحديد الموضوع بشكلٍ أوضح من خلال السؤال: لماذا لم تكن الإشارات الكلاسيكية إلى يسوع أكثر معاصرةً له؟ حيث أنه كلما كان الشاهد على يسوع أقدم كلّما كان أكثر قيمةً. لقد كان المعاصر الأقرب ليسوع هو “ثالوس” لكنّ شهادته بسيطة وغير مؤكّدة. وجاءت كتابات “تاسيتوس” و”سوتونيوس” و”بليني الأصغر” بعد قرنٍ تقريباً من موت يسوع. أمّا كتابات “مارا” و”لوقيان” و”كلسس” فإنها على فترةٍ أبعد.

وقد أحتجّ أولئك الذين شككوا بوجود يسوع على مرّ القرنين الماضيين بأنّ نقص الإثباتات المعاصرة ليسوع من قبل كتّابٍ كلاسيكيين هو دلالةٌ واضحةٌ على عدم وجوده. إنّ هذا النقص في الدليل الروماني المعاصر قد يبدو أمراً غريباً لكلّ من الباحثين من أصلٍ مسيحيّ وللمسيحيين العاديين اليوم، حتّى ولو أنهم لم يكونوا ميّالين إلى الشكّ بوجود يسوع، فهم يعلمون من الأناجيل الكنسية عن شهرة يسوع في أرجاء الجليل وما بعده. (متّى 4:24، 9:31، 14:1، مرقص 1:28، لوقا 4:37، يوحنا 12:19).

وقد افترضوا أنّ شهرته هذه كانت لتثير الاهتمام الرومانيّ، إن كان بشكلٍ محتمل أثناء حياته، لكن بالتأكيد في الجيل التالي. كما أنهم يفترضون إمكانية وجود سجلّ رسميّ عن محاكمته ومعاقبته. كما أنّ النموّ الأوليّ السريع للمسيحيّة، ومواجهاتها الأولى مع السلطات الرومانية أثار بعض الاهتمام الأدبيّ بالمسيحيّة. ومما يُنقل: أنّ “بولس الرسول” قد قال للحاكم الرومانيّ “فيستوس” عن نشاطاته الخاصّة: “لم تحدث هذه الأمور في الزاوية”. (الأعمال- 26:26)، يمكن أن يُقال بالمثل حول أحداث حياة يسوع.

تجتمع العديد من العوامل لتفسّر لماذا ليس لدينا شواهد رومانية معاصرة ليسوع.

أولاً، لقد ذاعت تقريباً كافّة أعمال المؤرخين الرومانيين الذين عاصروا يسوع، أو عاشوا في فترة خمس وثمانين عاماً بعده. فقد طمست كتابات قرنٍ من التاريخ اللاتينيّ، كل الكتّاب من “ليفي” المتوفي عام 17 للميلاد، وحتّى “تاسيتوس”. والاستثناء الوحيد هو المدائحّ غير المترابطة لـ”فيليوس باتريكولوس”.

لكنه لا يمكننا أن نفترض أنه ذكر يسوع، وذلك لأنّه ما تناوله كان حتّى عام 29 للميلاد فقط، ومن المرجّح أنه كُتب عام 30 عن أحداثٍ جرى معظمها في روما. وبالتأكيد لا يجب أن نفترض أنّ الأعمال التي ضاعت في غياهب الزمن قد احتوت إشارات إلى يسوع. فكلّما كان العمل أقرب زمنياً إلى يسوع، كلّما قلّ احتمال احتوائه أي إشارةٍ إليه.

ثانياُ، يفسّر التأخر الزمنيّ النمطيّ للعالم القديم عدم إتيان الكتّاب الآخرين المعاصرين ليسوع على ذكره. فالتأويل التاريخيّ للأحداث لم يكن مثل “التحليل الفوري” الذي اعتدنا عليه في وقتنا الراهن. كما أنً معظم أعمال الكتّاب الأساسيين، خاصّة المؤرّخين الذين يتمتعون باحترام الذات، كانت تُبنى على مصادر أدبيّة معروفة من كتّاب أقدم وأقلّ شأناً.

وقد بدا هؤلاء غير راغبين أن يكونوا أول من يكتب عن أحداث جديدة نسبيّاً. على سبيل المثال، كان على “يوسيفوس” المؤرّخ اليهوديّ من القرن الأول، في مقدّمة كتابه الحرب اليهودية، أن يبرّر كتابته عن أحداث لم يُسبق أن سُجّلت من قبل. (مقدّمة الحرب اليهودية- 5§15).

ثالثاً، يبدو أنً الكتّاب الرومانيين لم يعتبروا المسيحيّة موضوعاً مهماً للكتابة عنه إلاّ عندما أصبحت تُرى خطراً على روما. ونعلم من العهد الجديد ومن “يوسيفوس” عن عدّة حركات مسيحيّة فاشلة في فلسطين خلال القرن الأول، لكنّ المؤرخين الرومان لا يتناولون أياُ منها. ولم يكونوا ليتناولوا المسيحيّة “اليسوعيّة” ما لم تصبح قضيّةً سياسيّةً واجتماعيّةً مهمّةً بالنسبة لروما، كما تشير رسائل “بليني” إلى “تراجان” وحتّى هنا لا يوجد سوى رسالة واحدة تتعامل مع المسيحيّة وتأتي على ذكر المسيح.

إضافةً لذلك، في حال لم تُرَ المسيحيّة على أنها تهديد للقوّة الرومانيّة، فلم تكُن على الأرجح لتُذكر من قبل كتّاب رسميين مثل: “تاسيتوس” و”سوتونيوس” و”بليني”. ولو أنها لم تُصبح حركةً دينيّةً مهمّةً، لم تكن لتُهاجم من قبل فلاسفة مثل “لوقيان” و”كلسس”. وبوضعها هذا، نظر إليها مؤرخون مثل: “تاسيتوس” و”سوتونيوس” بازدراء، ويبدو أنهم كتبوا عن موجدها على مضض.

سبب رابع يقف خلف النقص في الشواهد الرومانية المعاصرة ليسوع، فلم يكن لدى الرومان اهتمام كبير بالأصول التاريخيّة للمجموعات الأخرى، وخاصّة “الشعوذية” منها. فقد عد الرومان الفصل الذي أثنى عليه المفكرون اليونانيون أمراً عمليّ، وهو في الأغلب ما أبعدهم عن الاهتمام بأصول الآخرين. ويتضّح هذا التوجّه العمليّ في كيفيّة معاملة “تاسيتوس” للديانة الدورديّة[1] واليهوديّة.

يصف “تاسيتوس” الديانة الدروديّة في كتابه “جيرمانيكا” لكنّه لا يأخذ بالاعتبار أصولها أو تاريخها. وعندما يتناول اليهوديّة في كتبه الأخرى فإنه لا يتطرّق إلى تاريخها، ولا يأتي على ذكر حتّى أبرز شخصياتها مثل: موسى وإبراهيم وداود أو المكابين. وأدى المنهج العملي بالرومان إلى النظر إلى الديانات الأجنبية بما هي عليه آنذاك، وإلى ما قد تعنيه للحكم الروماني بغض النظر عن أصولها.

أخيراً، عندما نُدرك أنه لا يوجد أيّ من الكتابات المسيحيّة حول يسوع معاصرةً له، فالإنجيل الأول ربما لم يُكتب حتّى عام 70 للميلاد، عندها يُصبح من غير المنطقيّ أن نتوقّع أيّ كتاباتٍ رومانيّة معاصرة تتناوله. ولا يمكننا في ضوء هذه العوامل أن نتوقّع أن يكون هنالك العديد من الكتّاب الكلاسكيين الذين يكتبون عن يسوع.

وبالفعل، إنّ ما لدينا من إشارات إلى يسوع في كتابات الكتّاب الأساسيين لبداية القرن الثاني، مثل: “سوتونيوس” و”تاسيتوس” و”بليني الأصغر”، هو بالضبط ما يجب أن نتوقّعه، وذلك باعتبار طبيعة الكتابات التاريخيّة والنظرة الرومانية تجاه المسيحيّة. ومن منظورٍ رومانيّ من القرن الأول كان يسوع بالفعل، ونستخدم هنا عبارة “جون مئير” الشهيرة “يهودياً هامشياً” لكنّه انتقل مع بداية القرن الثاني بشكلٍ مذهل من “الهامش” إلى “المتن الأساسيّ”.

النتيجة الثالثة الرئيسة التي يمكننا استخلاصها من دراسة الكُتّاب الكلاسكيين في دراسة يسوع التاريخي هي أنهم يرون المسيح من خلال المسيحيّة. فالمسيحيّة كحركة كانت هي اهتمامهم الأساسيّ، وربّما الوحيد. وغالباً ما كانوا يذكرون المسيح بوصفه موجد هذه الحركة وقائدها ومعلّمها، وذلك إمّا من أجل تفسير اسمها، مثلما فعل “تاسيتوس” أو لتفسير مدحه أو لعنه بوصفه القائد الإلهي للحركة، مثلما فعل “بليني”، أو من أجل تضمين كون المسيحيين شراً، مثلما فعل “كلسس ولوقيان”.

وحده “مارا” كان يتعامل مع الملك اليهوديّ الحكيم بشكلٍ أساسيّ، ومع حركته بشكلٍ ثانويّ. أنّ هذا الترابط القوي بين المسيح والمسيحيّة في أذهان الكتّاب الكلاسكيين يُساعد في تفسير تسميتهم له “المسيح” وليس “يسوع” حتّى في حال أشارت معرفتهم للمسيحيّة بأنهم قد يعلمون الاسم الثاني مثلما كان: “تاسيتوس” و”بليني” و”لوقيان”.

النتيجة الرابعة الرئيسيّة هي بأنّ المعالجة التي تلقاها يسوع في هذه الكتابات كانت سطحيّةً جداً. فالمعالجة التي رأيناها في دراسة يسوع التاريخي تنوّعت بين عدةً كلمات، كما عند “سوتونيوس”، إلى ما هو أكثر من جملة واحدة بقليل، كما عند “تاسيتوس ومارا”، لكن ليس اكثر من ذلك. بالنسبة لأولئك المهتمين بالأصول المسيحيّة فإن هذا يبدو ضئيلاً وسطحياً بشكلٍ ملحوظ. مرّةً اخرى علينا أن نتذكر أنه في هذا الوقت، ما بين 50-150 للميلاد، لم تكن المسيحيّة تعني شيئاً لمعظم الرومانيين إلاّ في مناسبات معيّنة.

علاوةً على ذلك، فقد عرفوها على أنها “خرافات”، وهو مصطلحٌ ورثته المسيحيّة عن المنظور الروماني تجاه اليهوديّة. وربما تكون هذه التسمية، وهي توازي استخدمنا الإزدرائي لكلمة “طائفة” حديثاً، كل ذلك ساعد في إخماد أي اهتمام صغير بموجد المسيحيّة. وكما أشرنا سابقاً، لم يكن الرومان يهتمون بكيفيّة نشوء الطوائف الدخيلة. في الوقت الذي كان يُكتب فيه عن المسيحيّة، كانت حركةً مرفوضةً بشكلٍ كبير ومضطهدةً غالباً.

وبذلك فإن “بليني” يذكر المسيح بشكلٍ مختصر ليشرح العبادة المسيحية، وكيفيّة استعمال اسم المسيح في جعل المسيحيين يتوبون عن حماقتهم. ملاحظات “تاسيتوس” هي الأشمل مما لدينا، لكنّها تبقى أقلّ من جملة، وهي شبه اعتراضيّة. يذكر “ثالوس” يسوع بشكلٍ مختصرٍ فقط لأسبابٍ زمنيّة، ولا يذكر “سوتونيوس” اسمه ومكانه وتاريخه بشكلٍ صحيح.

النتيجة الخامسة، إنّ ما يعرفه الكتّاب الكلاسيكيون عن يسوع يأتي من المسيحيين بشكلٍ كاملٍ تقريباً. حيث يبدو واضحاً أنهم لا يعرفون عنه إلاّ القليل من مصادر بعيدة عن المسيحيّة. وبالنظر إلى العوامل المقدّمة مُسبقاً، لا يجب أن نتوقع مثل هذه المعلومات ولا نُفاجَأ لغيابها. الاستثناء الوحيد المحتمل هو “تاسيتوس”، لكن حتّى هنا من المرجّح أنه استقى معلوماته من مسيحيين، إمّا بشكلٍ مباشر أو عن طريق صديقه “بليني الأصغر”.

وبالنتيجة، لا نحصل على أية معلومات موثقة عن يسوع من الكتّاب الكلاسكيين غير المعلومات التي لدينا من الكتابات المسيحيّة في هذه الفترة. ويبدو أنّ المعارف الأولى عن يسوع لم تنتقل بشكلٍ مستقلّ عن المسيحيّة عبر العالم الروماني الكلاسيكيّ والمناطق المحيطة. والمرجّح أنّ “بيلاطس” لم يبعث بأي تقرير إلى روما عن يسوع، كما أنه لم يكن هنالك أي تقرير سابق عنه إلى الأباطرة.

وبالحكم في كتابة “تاسيتوس” و”بليني” فإن المسيحيّة لم تكن معروفة بشكلٍ جيّد بين الرومانيين عند منعطف القرن. وغالباُ ما يخلص أولئك الذين يكتبون اليوم عن موضوع المسيح ضمن الكتابات الكلاسيكيّة إلى العبارة المتكررة: “لم نحصل على شيء جديد عن يسوع من هذا الكتاب”. وقد يعود هذا إلى التوقع غير العقلانيّ بأنّ شيئاً جديداً عن يسوع يجب أن يصدر عنهم.

تتعلق النتيجة ما قبل الأخيرة بأولئك الذين مازالوا يرون أن يسوع لم يوجد أبداُ. وبما أن الكتابات الكلاسيكيّة لا تحتوي أي شواهد مستقلًة مؤكّدة عن يسوع، وعلى أساس المقاييس الأكثر تشدداُ للإثبات التاريخيّ، لا يكمننا أن نستخدمها لإثبات وجود يسوع. من الناحية الأخرى، وبالنظر إلى طبيعة الدلائل على يسوع من الكتابات الكلاسيكيّة، لا يمكننا أيضاً أن نستخدمها دليلاً حاسماً لدحض وجود يسوع. وللأفضل أو للأسوأ يجب أن يُحدد هذا النقاش بالعهد الجديد. وبمصادر مسيحيّة مبكّرة أخرى.

فعلى الرغم من أنّ الإثبات المستقلّ من قبل الكتّاب الكلاسيكيين المعاصرين هو أمرٌ مستبعد، إلاّ أننا نحصل على تأكيد لبعض النقاط الأساسيّة في حياة يسوع. إن تأكيد المعلومات هو أمرٌ مهم في علم التأريخ كما في العلوم الطبيعية. وإذا كان الكتّاب الكلاسيكيين لم يذكروا يسوع أبداً، أو بالأخصّ إذا كانوا قد ارتأوا أنه خلاصة صناعة الأسطورة المسيحيّة، عندها سيكون الأمر مختلفاً.

فقد عاملوا يسوع على أنه شخصيّة تاريخيّة، موجد حركة، ولم يكن لديهم أي سبب للشك بتاريخيته. وكان من الأسهل “في حال لم يوجد يسوع” تسديد ضربة قويّة للمسيحيّة من خلال إظهار أنها مبنيّة على أسطورة بينما تدعي أنها على أسس تاريخيّة. إلاّ أنّ هؤلاء الكتّاب قبلوا يسوع بوصفه شخصيّةً تاريخيّة، جميعهم ماعدا واحد فقط استخدموا أحداث حياته لتكون حججاً ضدّ المسيحيّة، فقد بدأ حركةً كانوا يدعونها بالخرافات المهلكة، ومن ثمّ أعدم لأنه مجرم.

أخيراً، أصبح من الشائع في البحث الأخير حول يسوع التاريخي اختزال شخصيّته وعمله في كلمة أو عبارةٍ واحدة. فيسوع هو: الحكيم، اليهوديّ الهامشيّ، ساحرٌ يهوديّ قرويّ، ساحر، مشعوذ، البشير المسيحيّ، وهكذا. ولكن ماذا دعاه هؤلاء الكتّاب الكلاسيكيون؟ إن كان بإمكاننا استنتاج ذلك من كتاباتهم؟ في عيون معظم الكتّاب الكلاسيكيين نجد أن يسوع يكون بكلمةٍ واحدة، صانه المشاكل. فقد أوجد وقاد حركةً شعوذة، وربّما كانت تحريضيّة. ويقدّمه “تاسيتوس” على أنه مجرم أُعدم، ويستحقّ أتباعه العقوبة ذاتها.

ويراه “بليني” شخصيّةً طائفيّةً تحمل خرافات خطيرة، وتؤكّد نظرته هذه السياسة التي يفرضها “تراجان”. لكن على الرغم من إمكانية حصوله على معلوماته بطريقةٍ خاطئة، إلاّ أنّ نظرة “سوتونيوس” إلى المسيح على أنه محرّض تناسب النظرة العامة “ليسوع صانع المشاكل”. بينما يرى “لوقيان” المسيحيّة على أنها حركة خطيرة فلسفياً ودينياً، ويعود ذلك جزئياً إلى أن يسوع كان “السفسطائيّ المصلوب”.

وعندما يدعو “كلسس” يسوع بالساحر، معتمداً على الجدلية اليهوديّة والوثنية، فإنه يحرّك مخاوف كامنة من حركاتٍ دينيّة. يرى هؤلاء الكتّاب الكلاسيكيون المسيح من خلال المسيحيّة، ولذلك لا يحبّون ما يرونه. “مارا” فقط، وهو الكاتب غير الرومانيّ الوحيد هنا، يرى ملك اليهود الحكيم شخصاً طيباً، شخصاً تستمر حركته بشكلٍ جيّد. لكنّ لا يمكن أن تكون مجردّ مصادفة أنً المعارض الوحيد للإمبراطورية هو الوحيد بين مصادرنا الكلاسيكيّة الباقية ليكون إيجابياً حيال يسوع.

[1]  الدوردية: عقيدة تعبد عدداً من الآلهة، وكان أتباعها من السلتيين في أوروبا، يعتقدون بقدسية بعض النباتات والأشجار. ويقولون إن الروح خالدة تتقمص جسداً آخر بالوفاة. ويقدمون القرابين التي ربما كان منها بشر. وقد حاول الرومان القضاء على الدوردية إلا أنها بقيت حتى القرن السادس م عندما تحول السلتيون إلى المسيحية.

يسوع التاريخي في المصادر القديمة (ملخص)

لوقيان (لوسيان) السميساطي – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

لوقيان (لوسيان) السميساطي – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

لوقيان (لوسيان) السميساطي – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

الجزء الخامس – لوقيان (لوسيان) السميساطي

لوقيان (لوسيان) السميساطي، السفسطائيّ المصلوب

كان لوقيان (لوسيان) السميساطي “حوالي 115-200” هجاءً يونانياً معروفاً، ومُحاضراً متنقلاً، وهنالك أكثر من ثمانين كتاباً تحمل اسمه، معظمها واقعيّ تتعرض لعيوب زمانه ونقاط ضعفه. يصف “لوقيان (لوسيان) السميساطي” في كتابه حياة وموت “بيريغرينوس” المشهور في القرن الثاني، فلم يكن “بيريغرينوس” شخصيّةً ثانويّةً قام لوقيان (لوسيان) السميساطي بانتشاله من الغموض ليصبح هدفاً للسخرية، بل كان كلبياً، لم يكن أيّ رجلٍ مثقّف ليكفّ عن التفكير في آرائه الفلسفية والسياسية والدينيّة

فبعد أن نفي من مدينته لقتله والده، تحوّل “بيريغرينوس” إلى المسيحيّة، وأحرز تقدّماً فيها، ومن ثمّ تحوّل عنها إلى المذهب الكلبيّ والثورة السياسية، وأخيراً أنهى حياته على محرقةٍ قرب الألعاب الأولمبية عام 165. يهدف “لوقيان (لوسيان) السميساطي” إلى تحذير قرّائه من نمط الحياة التي يقودها “بيريغرينوس” ومن انفعالته وتكلّفه المناقضين للتوجه العقلانيّ الذي يؤيده “لوقيان”.

إن الجزء المتعلّق بالمسيحيين من كتاب “بيريغرينوس” يهزأ من أتباع تلك العقيدة، بسبب جهلهم وسذاجتهم، على الرغم من أنه يمنح المسيحيين مستوى معيّناً من الفضيلة. وفي سياق وصفه لمدى سهولة أن يخدعهم مشعوذً مثل “بيريغرينوس” يعقّب “لوقيان (لوسيان) السميساطي” على مؤسس المسيحية وتعاليمه:

خلال هذه الفترة ربط “بيريغرينوس” نفسه بكهنة وكتبة المسيحيين في فلسطين، وتعلّم حكمتهم المذهلة. بالتأكيد، جعلهم يبدون بوقتٍ قصير مثل الأطفال، كان نبيّهم وقائدهم ورئيس كنيسهم، وكلّ شيء بالنسبة لهم. قام بشرح بعض من كتاباتهم المقدّسة والتعليق عليها، وحتّى أنه كتب البعض منها بنفسه. تطلعوا إليه كأنه إله، وجعلوه مشرّعهم واختاروه الراعي الرسميّ لمجموعتهم، أو على الأقل نائبه. لقد كان الثاني فقط بعد ذلك الذي مازالوا يعبدونه اليوم، ذلك الرجل الفلسطيني الذي صُلب لأنه أحضر هذه الصيغة الجديدة من الشعائر إلى العالم (§11).

سُجن “بيريغرينوس” وذهب المسيحيون لمساعدته، محضرين له وجبات الطعام والنقود. ومن ثمّ يشرح “لوقيان (لوسيان) السميساطي” لما قاموا بذلك: احتقر هؤلاء الفقراء البائسون الموتَ، وقدّموا أنفسهم طواعيةً، حيث أنهم أقنعوا أنفسهم أنهم خالدون وسيحيون للأبد. علاوةً على ذلك، أقنعهم ذلك المشرّع الأوّل أنهم جميعاً يصبحون إخوةٍ في اللحظة التي ينكرون فيها الآلهة اليونانية، ويبدؤون عبادة ذلك السفسطائي المصلوب، ويعيشون بناءً على قوانينه.

فهم يحتقرون كلّ الملكيات دونما تمييز ويعتبرونها ملكيات شائعة، ويتقًبلون كلً هذه الأشياء على أساس العقيدة فقط دون أي دليل. وبالتالي إذا جاءهم شخصٌ محتال ومخادع يعلم كيف يستغلّ الوضع، سيستطيع أن يجعل من نفسه غنياً في وقتٍ قصير، بينما هو يضحك على هؤلاء الناس الحمقى (§13).

بعد ذلك حُرر “بيريغرينوس” من السجن من قبل حاكم سوريا الروماني، الذي لم يُرد تحقيق رغية “بيريغرينوس” بأن يُصبح شهيداً. عاد “بيريغرينوس” إلى منزله ليجد تُهماً بالقتل مازالت تحاصره. وتتابع القصّة بدون أي إشارة إلى المسيح ومع إشارةٍ ضمنيةٍ واحدة إلى المسيحيين، حيث يوقفون دعمهم الماليّ لـ”بيريغرينوس” لأنهم أمسكوا به يأكل بعضاً من الفاكهة المحرّمة (§16).

إنّ النصّ الذي يحمل إشارات إلى يسوع نصّ متوازن، وبذلك يمكننا الانتقال مباشرةً إلى التفسير. يتحدّث “لوقيان (لوسيان) السميساطي” عن المسيح في سياق هجومه على المسيحيّة، ويقدّم عدّة أمور بدقّة عن مسيحيّة القرن الثاني. فهو يعلم أن المسيحيين يعبدون إلهاً كان رجلاً من قبل، صُلب في فلسطين. ويؤمنون بقوّة بالحياة بعد الموت بشكلٍ يؤثّر على حياتهم الحاليّة.

“يعيش المسيحيون تبعاً لقوانينه، أي قوانين المسيح”،خاصّةً الحبّ الأخويّ (قارن: مثال على ذلك متّى- 23:8، حيث يقول: كلّكم إخوة). لدى المسيحيين نصوصهم المقّدسة يقرؤونها بانتظام ويفسّرونها. يزورون ويساعدون رفاقهم المؤمنين المسجونين (قارن: متّى- 25:35). ويتواصلون مع بعضهم بشكلٍ كبير. يقبل المسيحيون تعاليمهم الأساسيّة على أساس العقيدة وليس الاستدلال الفلسفيّ.

على الرغم من أنً معرفته هذه مؤثرة، إلاّ أنّ أموراً أخرى يذكرها “لوقيان (لوسيان) السميساطي” تجعلنا نشكك بدقّته: فهو يقول إنّ المسيحيين في فلسطين لديهم “كهنة- priests”. ولم يُثبت هذا التعبيرعن قادة المسيحيين حتّى القرن الثاني (مخطوطة الديداخي- 13:3، كليمنتس الأول-40، تيرتولين، المعمودية-17). فقد كان هنالك تعبير أكثر شيوعاً للدلالة على “الكهنة – presbyters”. أمّا تعبير “الكتبة” فقد يحمل دعماً ضمنياً في العهد الجديد كتسمية القادة في متّى (13:51-53 و23:34).

على أية حال، فإن ارتباطها السلبيّ الأعم في العرف الإنجيلي مع اليهوديّة جعلها غير محبّذة كلقب للقادة المسيحيين. ولم يُثبت بشكلٍ واضح في أي مكان على أنه لقب رسميّ للقادة الدينين المسيحيين. والمرجّح أنّ “لوقيان (لوسيان) السميساطي” استعار هذه التعابير من اليهودية وطبّقها على الفلسطينيين المسيحيين بغير تناسبٍ تاريخيّ، معتقداً أنها ستتوافق معها.

كما أن وصف المسيحيّة بـ”صيغة جديدة من الشعائر الغامضة” هو وصفّ غير مناسب. من غير المحتمل ان يكون “بيريغرينوس” قد أصبح نبياً او قائداً في كنيسة القرن الثاني أو حتّى “الراعي والحامي”. أخيراً، يقول “لوقيان (لوسيان) السميساطي” أنّ “بيريغرينوس” أصبح رئيس الكنيس اليهوديّ، وهذا ليس نوع القائد لمجموعة كبيرة كما تصوّرها “لوقيان”.

تُظهر هذه الأخطاء أنّ “لوقيان (لوسيان) السميساطي” كغيره من الكتّاب الكلاسيكيين، خلط بين اليهودية والمسيحية في بعض الجوانب، كما أنه فهم المسيحيّة على أنها دينٌ غامضٌ سواء كان ذلك مناسباُ أم لم يكن. فيهاجم “لوقيان (لوسيان) السميساطي” المسيح بغرض مهاجمة المسيحيين، فهو يعتبر المسيحيّة مجرّد طائفةٍ خرافيّةٍ في زمنٍ تغلبه السذاجة.

ويشير “لوقيان (لوسيان) السميساطي” إلى المسيحيين في عملٍ آخر له: ألكسندر، أو النبيّ الزائف (§25 و§38)، لكنّه لا يذكر المسيح هناك أو في أي عمل خلاف “بيريغرينوس”. وتتناسب المعلومات التي يقدّمها “لوقيان (لوسيان) السميساطي” مع موضوع هذا العمل. يتطلّع “بيريغرينوس”، كما المسيحيين وموجدهم، إلى أن يُصبح شهيداً. وعندما يدعو المسيحيون “بيريغرينوس” المسجون بـ”سقراط الجديد” (§12)، لا يشير ذلك إلى مكانته بينهم بوصفه معلماً وقائداً، لكنّه يلمّح إلى موته انتحاراً. وسابقاً في- §5، يقوم أحد الذين يثنون على “بيريغرينوس” في خطبةٍ قبل تضحيته بنفسه بمقارنته… حتّى بسقراط نفسه.

ماذا يقول “لوقيان (لوسيان) السميساطي” عن موجد هذه الطائفة؟ تمتلئ كلَ إشارة يقوم بها “لوقيان (لوسيان) السميساطي” إليه بالبغض، أولاً، نلاحظ أنه لا يعطي اسماً لموجد الطائفة، بل يستخدم تعبير الازدراء “ذلك” يقول: “ذلك الذي مازالوا يعبدونه اليوم (§11)، “وذلك المشرّع الأوّل (§13)، و”ذلك السفسطائي المصلوب (§13). فمن الواضح أنّ “لوقيان” يقصد يسوع بهذا الأمر، وذلك اعتماداً على الأمور الأخرى التي قيلت عنه في هذه الأقسام.

يدعوه “لوقيان” بشكلٍ ضمنيّ “الراعي” أو “المحامي” و “المشرّع” و”ذلك السفسطائيّ المصلوب”. إنّ تسمية يسوع بـ”الراعي”، الحامي” هي طريقةٌ أخرى للقول إنه قائد المجموعة. ويرى “لوقيان” أنّ هذه القيادة هي مسألة اتّباع قوانينه. عندما يشير “لوقيان (لوسيان) السميساطي” مرتّين إلى يسوع بأنه “مشرّع” فإنّه يشير إلى “قوانين” طريقة الحياة التي وضعها يسوع لأتباعه. ويرى أنّ طريقة حياة المسيحية صادرة من المسيح نفسه.

كما أنّ كلمة “المشرّع” لا توجد مشيرةً إلى يسوع في الأدب المسيحيّ الأول، على الرغم من أن تعاليم يسوع يمكن أن تُسمى قوانين (غلاطية 6:2، ورومية- 3:27، ويعقوب- 2:8 ،12). وفي بعض الأحيان تُدعى المسيحيّة بـ”القانون الجديد” مثال: (برنابا- 2:6، إغناطيوس-2). لقد كان موسى، موجد اليهوديّة، يُدعى المشرّع، كما يوجد مثال ذلك لدى الرومان اليونانيين. وبذلك ليس من الصعب أن نرى كيف تمّ إظهار يسوع على إنه “مشرّع”.

كما أن “لوقيان (لوسيان) السميساطي” يدعو يسوع بـ”السفسطائي”، لا تعتمد هذه التسمية على العهد الجديد او أي من الكتابات المسيحيّة القديمة، بل على التعابير الجدلية المعاصرة في الفلسفة اليونانية. في القرن الثاني، كان اللقب الساخر “سفسطائي” موجهاً إلى الشخص الذي يُعلّم من أجل النقود فقط، والذي يمكن ان يُدعى أحياناً، كما “بيريغرينوس”، “المخادع”. قدّم “لوقيان” المسيحيّة بشكلٍ تهكميّ على إنها “حكمة” وأنّ مؤسسها كان سفسطائياً. وقام المشرّع الثاني بالاحتيال عليهم تماماً كما فعل الأول. إن هذا المفهوم مُتضمّن لكنّه لا يُفصّل عند استعمال تعبير “السفسطائيّ”.

ويخصصّ “لوقيان (لوسيان) السميساطي” بشكلٍ أكبر بدعوة المسيح “ذلك السفسطائيّ المصلوب- §13″، حيث كان قد بيّن مُسبقاً أن المؤسس الأصلي كان الرجل من فلسطين الذي صُلب لأنه أحضر هذه الصيغة الجديدية من الشعائر إلى العالم (§11). إنّ الفعل الذي يستخدمه للدلالة على الصلب في الحالتين فعلٌ قليل الاستخدام، وغالباً ما استُخدم من قبل الكتّاب القدماء ويُستخدم دائماً في العهد الجديد وكتابات مسيحيّة أخرى قديمة.

المعنى الأصلي لهذا الفعل “يقيد شخصاً إلى عمود”، لكن من دون شكّ فإنه يُشير إلى الصلب. ويستخدم هذا الفعل بشكلٍ حصريّ للدلالة على الصلب. كما أنه يظهر في (بروميثوس- 10،7،2، وفي إديسيوم فوكاليوم-12). وسبب هذه الصلب: “أنه أحضر هذه الصيغة من الشعائر إلى العالم”. يبدو القصد الأساسيّ لـ”لوقيان (لوسيان) السميساطي” أن المسيحيّة كانت من البدء حركةً مذمومة. ويؤكّد تكراره لكلمة “المصلوب” وهو الشيء الوحيد الذي يكرره عن المسيح، الأصل المشين للمسيحيّة وذلك أنها أُوجدت من قبل مجرم أعدم.

في القسم 13، يلخّص “لوقيان (لوسيان) السميساطي” تعاليم يسوع. فيفسّر تعاليمه على أنها: “قوانين”، ويسوع هو “المشرّع الأول” للمسيحيين. كما رأينا، يتماشى هذا التفسير مع بعض الآراء المسيحيّة القديمة. ومن ثمّ يبيّن “لوقيان” أنّ يسوع علّم أتباعه: أن “ينكروا الآلهة اليونانيين”، ويربط ذلك بانتهاك القانون الرومانيّ على الأرحج. والاعتماد على دلائل العهد الجديد، فإن يسوع لم يُعلّم ذلك أبداً، باستثناء تأكيده على صلاة الشماع التي تنكر الآلهة الآخرين بشكلٍ ضمنيّ، وإن لم تنكر وجود الآلهة لكنّها تنكر الولاَء لهم.

وفي السياق اليهوديّ الداخليّ المرجّح لدعوته لم يكن هنالك سبب لعرض مثل هذه التعاليم. فقد كان على المسيحيين الذين نشروا الأناجيل بين غير اليهود أن يتعاملوا مع معتقد وجود آلهة آخرين، مثال: (تسالونكي الأولى- 1:9، وكورنثوس الأولى- 8:4-6)، لكنّ الأناجيل الكنسيّة لا تنسب هذا الموضوع إلى تعاليم يسوع. علاوةً على ذلك، لم يُثبت ربط يسوع للأخوّة بين المسيحيين بإنكارهم الآلهة اليونانية في العرف الأنجيليّ، الكنسيّ أو غير الكنسيّ.

هلّ علّم يسوع أتباعه أن يعبدوه كما يدّعي “لوقيان (لوسيان) السميساطي”؟ هنا أيضاً، يُسقط “لوقيان” “في هذه النقطة” معلوماته الدقيقة عن المسيحيين على حياة يسوع. ومع أنّ يسوع ربّما تلقّى شعائر عبادة خلال دعوته، إلاّ أنه لا يوجد في أيّ مكانٍ من العهد الجديد أنه علّم ذلك. أخيراً، يبيّن “لوقيان (لوسيان) السميساطي” أنّ المشاركة المتطرفة للممتلكات بين أتباعه كانت مما علمه يسوع بنفسه.

مرّةً أخرى، بالتأكيد علّم يسوع أتباعه سلوكاً متطرفاً تجاه الملكيات والحاجة للمشاركة، وهو موقف كان يُمكن أن يُعكس في إشارة “لوقيان” إلى أنّ المسيحيين “يبغضون كلّ أنواع الملكيات دونما تمييز”، إلاّ أنّ معاملة الممتلكات على أنها ممتلكات شائعة لم يُثبت في دعوة يسوع أو تعاليمة، بل في الجزء الأول من الأعمال (الفصول 4-5). ومن وجهة نظر “لوقيان” فإن هذا الموقف تجاه الملكيات مصحوباً بالسذاجة المزعومة والطيبة غير المناسبة للمسيحيين يجعل منهم فريسةً سهلةً لمحتالٍ مثل “بيريغرينوس”.

 ما هو مصدر معلومات “لوقيان (لوسيان) السميساطي” عن يسوع؟ يعلم “لوقيان (لوسيان) السميساطي” أنّ المسيحيين يمتلكون كتباً مقدّسة، وهذا يزيد من احتمالية أنه استقى معلوماته منها. لكن بالحكم على ما يقوله هنا فمن غير المحتمل أن يكون قد قرأها. ومعظم المعلومات الصحيحة التي يسردها عن المسيحية كانت معلومات شائعة في زمنه. علاوةً على ذلك، كانت قراءته للأناجيل لتصحح بعضاً من مفاهيمه الخاطئة، خاصّةً مفاهيمه أنّ يسوع علّم أتباعه بنفسه أن ينكروا آلهة اليونانيين، وأنّ القادة المسيحيين الأوائل كانوا يُدعون “كهنة”.

كما أن استخدمه لكلمات لا تنتمي للعهد الجديد مثل “الراعي” و “المشرّع” وبالأخصّ كلمته المميزة لـ”المصلوب” يدحض بشكلٍ قويّ أن يكون العهد الجديد مصدراً للمعلومات. وبذلك، ليس هنالك أيّ رابط كتابيّ أو شفهيّ بين “لوقيان (لوسيان) السميساطي” والعهد الجديد والكتابات المسيحيّة الأولى فيما يخصّ شخصيّة يسوع.

بالمجمل، فإن جوهر كتاب “لوقيان” “موت بيريغرينوس”، بما فيه ربط “بيريغرينوس” مع المسيحيين، صحيح على الأرجح، لكنّ “لوقيان (لوسيان) السميساطي” يغيّر فيه الكثير من أجل التأثير التهكميّ. إذاً من المحتمل أن بعض المعلومات عن يسوع ترافقت مع قصّة “بيريغرينوس” ولكنّها غُيّرت من قبل “لوقيان (لوسيان) السميساطي” لأغراضه الخاصّة، إلاّ أنّ هذا غير قابل للإثبات.

لقراءة بقية السلسلة:

لوقيان (لوسيان) السميساطي – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

المسيح في المصادر غير المسيحية القديمة – مايكل جلجورن

المسيح في المصادر غير المسيحية القديمة | مايكل جلجورن

المسيح في المصادر غير المسيحية القديمة | مايكل جلجورن

 

على الرغم من الأدلة الدامغة التي تبرهن على أن العهد الجديد وثيقة تاريخية تتمتع بالدقة وجديرة بالثقة، إلا أنه مازال هناك من يريد أن يؤمن به شريطة أن نقدم له بعض الشهادات من مصادر مستقلة غير كتابية، تثبت صحة ماورد بها.

في مقدمة أحد كتبه تحدث ف. ف بروس F.F. Bruce عن مرسل مسيحي قال له صديقه الملحد: “بغض النظر عما نقرأه في كتابات يوسيفوس وأمثاله من إشارات غامضة، فليست هناك أدلة تاريخية عن حياة السيد المسيح بعيدًا عن الكتاب المقدس1″، كما أخبر بروس أن هذا جعله يتشكك إيمانيًا ويضطرب روحيًا2.

وختم حديثه متسائلًا: “هل هناك أدلة كهذه متاحة؟ وإن لم تكن متاحة، ما هو السبب في ندرتها 3؟ وكانت الإجابة على هذا السؤال هي: نعم تتوافر مثل هذه الأدلة، وقد كتبت هذه المقالة لأسرد لك بعض من تلك الأدلة.

أدلة من تاسيتوس Tacitus:

دعنا نبدأ بدليل يدعوه “إدوين ياموتشي” بأنه ربما كان أكثر الإشارات أهمية عن حياة السيد المسيح خارج العهد الجديد4″. “بناء على الحكم الذي أصدره نيرون بإدانة المسيحيين وتحميلهم المسؤولية عن الحريق الذي دمر روما عام 64 ميلادية، كتب المؤرخ تاسيتوس:

“أصدر نيرون حكمه على طائفة مكروهة من أجل رجاستاها، أولئك هم المسيحيون كما يُطِلق عليهم عامة الشعب. ويسوع المسيح هذا، والذي تستمد تلك الطائفة اسمها منه، تمت محاكمته أثناء حكم طيباريوس قيصر ونال عقوبة صارمة على يد بيلاطس البنطي، وبموته توقفت أكثر الخرافات شناعة، ثم عادت لتنتشر مرة أخرى في اليهودية أصل كل الشرور، بل وفي روما أيضًا 5.”

فما الذي نتعلمه من هذه الإشارة القديمة عن المسيح والمسيحيين من مصدر غير متعاطف مع المسيح؟ أول ملاحظة نجدها عند تاسيتوس، حيث يرى أن المسيحيين اشتقوا اسمهم من شخصية تاريخية تدعى يسوع المسيح “Christus باللغة اللاتينية” وقد قيل إنه تلقى عقابًا شديدًا، في إشارة إلى طريقة الإعدام الرومانية أي الصلب. كما قال: إن هذا قد حدث في زمن حكم طيباريوس قيصر وبحكم صادر من بيلاطس البنطي. وهذا يؤيد ما جاء بالأناجيل عن موت المسيح.

ولكن لماذا نرى كلام تاسيتوس وقد لفه الغموض، إذ يقول: إن موت المسيح أوقف “خرافة شنيعة”، والتي عادت وانتشرت ثانية ليس في أرض اليهودية فقط بل وفي روما أيضًا؟ يرى أحد المؤرخين أن حديث تاسيتوس يحمل، بصورة غير مباشرة…. شهادة عن إيمان الكنيسة الأولى الراسخ بموت يسوع على الصليب وقيامته6. “وعلى الرغم من التضارب في هذا التفسير، إلا أنه وعلى الجانب الآخر يفسر لنا حادثة غريبة وهي النمو السريع لدينٍ قائم على عبادة إنسان صُلب كمجرم. فكيف نفسر هذا7؟”. 

أدلة من بليني الصغير Pliny the Younger: 

وإليك دليل من مصدر هام آخر يكشف الكثير عن حياة السيد المسيح والمسيحيين، نجد هذا الدليل في رسائل بليني الصغير إلى الإمبراطور تراجان. كان بليني الحاكم الروماني لأقليم بيثينية الواقع في آسيا الصغرى. وفي إحدى رسائله والتي تعود إلى عام 112م، طلب بليني نصيحة من الإمبراطور تراجان حول الطريقة المناسبة لاتخاذ الإجراءات القانونية ضد هؤلاء المتهمين بأنهم مسيحيون.

يقول بليني8 إنه كان في حاجة إلى استشارة الإمبراطور حول هذه القضية، نظرًا لأن الكثيرين من كل الأعمار، الفئات والأجناس متهمون بأنهم قد آمنوا بالمسيحية9.

وقد روى بليني بعض من المعلومات التي استقاها عن هؤلاء المسيحيين، قال: اعتاد هؤلاء المسيحيون أن يجتمعوا بانتظام في يوم معين وقبل بزوغ الفجر، يرنمون للمسيح بالتبادل فيما بينهم، كما لو أنهم يرفعون ترتيلهم لإله، ويلتزمون بعهود مقدسة قطعوها على أنفسهم، أن يبتعدوا عن الشر، الخداع، السرقة، الزنا وألا يتفوهوا بالكذب، وإن طُلبوا للشهادة فهم أهل للثقة. وما أن ينتهي اجتماعهم، يلتفون حول الموائد ويتشاركون طعاما عاديًا طاهرًا10.

تلقي هذه الفقرة الضوء على عدة أمور هامة فيما يتعلق بمعتقدات المسيحيين الأوائل وممارساتهم. الأمر الأول، اجتماع المسيحيين بشكل دوري في يوم محدد للعبادة.

الأمر الثاني، أنهم يوجهون عبادتهم للمسيح، مظهرين عمق إيمانهم بلاهوت المسيح. وعلاوة على ذلك، فسر أحد الدارسين كلام بليني على أنهم كانوا يرنمون للمسيح أيضًا، بوصفه الإله، في إشارة إلى حقيقة أنه، وعلى خلاف الآلهة الأخرى التي كانوا يعبدونها، فإن يسوع كان شخصًا عاش بينهم على الأرض11″.

وإن صح هذا التفسير، يكون بليني قد فهم أن المسيحيين كانوا يعبدون شخصًا تاريخيًا حقيقيًا بوصفه الإله! وبالطبع يتفق هذا تمامًا مع عقيدة العهد الجديد الذي يؤمن أن يسوع هو إله وإنسان.

إن رسائل بليني لا تساعدنا على فهم عقيدة الكنيسة الأولى في شخص المسيح فقط، بل تكشف لنا تقديرها العظيم لتعاليم يسوع أيضًا. وعلى سبيل المثال، لاحظ بليني أن المسيحيين يلزمون أنفسهم “بعهد مقدس” ألا ينتهكوا المعايير الأخلاقية تلك التي استقوها من تعاليم يسوع. 

بالإضافة إلى ما تقدم، أشار بليني إلى عادة المسيحيين في الشركة في تناول الطعام معًا، وعلى الأرجح أنه يشير إلى احتفالهم بالشركة في القربان المقدس ووليمة المحبة12. ومن خلال هذا التفسير نفهم ما يقوله المسيحيين عن تناول “طعامًا عاديًا طاهرًا”. لقد أرادوا أن يدفعوا عنهم الاتهام الذي يوجهه لهم غير المسيحيين، أنهم يمارسون طقوس وحشية، أي أنهم من ” آكلة لحوم البشر”13. كان المسيحيون يواجهون كثيرًا مثل تلك الافتراءات الموجهة إلى تعاليم المسيح.

أدلة من يوسيفوس Josephus:

لعل الإشارة الأبرز على يسوع المسيح تلك التي نجدها في كتابات يوسيفوس المؤرخ اليهودي من القرن الأول، فقد أتى على ذكر يسوع مرتين في كتابه “الآثار اليهودية”. وفي الإشارة الثانية يصف إدانة مجمع السنهدرين للقديس “يعقوب”. يقول يوسيفوس: “إن يعقوب هذا هو أخو يسوع الملقب بالمسيح14”.

ويشير ف. ف. بروس إلى أن هذا يتفق مع وصف بولس الرسول للقديس يعقوب في الرسالة إلى غلاطية 1: 19 أي “أخا الرب 15”. ويخبرنا إدوين ياموتشي أن هناك قلة من الدارسين يشككون في قول يوسيفوس هذا16.

وعلى قدر أهمية هذه الإشارة، إلا أن هناك إشارة أخرى تسبقها، وهي إشارة مثيرة للدهشة بالفعل وتدعى “Testimonium Flavianum “، وقد جاء بها: وفي ذلك الزمان عاش يسوع، إنسان حكيم، ذلك إن كان لنا أن ندعوه إنسانًا، فقد قام بأعمال عظيمة…. إنه المسيح. وحين حكم عليه بيلاطس بالصلب، ظل أحباؤه مخلصين له. وقد ظهر لهم في اليوم الثالث، إذ عاد إلى الحياة مرة ثانية، ولم ينقرض أولئك الذين آمنوا به17.

فهل حقًا يُنسب هذا القول إلى يوسيفوس؟ يعتقد معظم العلماء في صحة نسبه إلى يوسيفوس، وقد نقحها أحد المحررين المسيحيين في وقت لاحق، ربما ما بين القرنين الثالث والرابع الميلاديين18، والسؤال: لماذا يعتقد البعض أنه تم تنقيح هذه المقولة؟ ذلك أن يوسيفوس لم يكن مسيحيًا، ومثل هذه المقولات يصعب أن تصدر إلا من إنسان مسيحي19.

وعلى سبيل المثال، إن الادعاء بأن يسوع كان رجلًا حكيمًا، فتلك حقيقة لا مراء فيها، أما العبارة التي تقول: “إن جاز لنا أن ندعوه إنسانًا”، فهي المشكوك في صحتها. فهي تعني أن يسوع ليس مجرد إنسان، بل أكثر من إنسان، ومن الصعب أن يقول يوسيفوس مثل هذا القول! كما يصعب أن نصدق أن يوسيفوس قد أكد بشكل قاطع على أن يسوع كان هو المسيح، خاصة وأنه قد أشار إلى يسوع لاحقًا بوصفه “المسيح المزعوم”.

أخيرًا، الادعاء بأن يسوع ظهر في اليوم الثالث لتلاميذه أي أنه عاد إلى الحياة، فبقدر ما أنه يؤكد قيامة يسوع، إلا أنه من غير المرجح أن يصدر مثل هذا القول عن شخص غير مسيحي! ولكن، حتى لو تغاضينا عن الجزء المشكوك فيه من هذه الفقرة، فمازال لدينا قدر كبير من المعلومات الموثقة عن يسوع الكتاب المقدس. 

إذ نقرأ أن يسوع كان رجلًا حكيمًا وقد صنع أعمالًا عظيمة. وعلى الرغم من أنه قد صُلب على عهد بيلاطس البنطي، إلا أن أتباعه واصلوا تلمذتهم على تعاليمه وصاروا يُعرفون بأنهم “مسيحيون”. فحين نجمع هذا القول مع إشارة يوسيفوس اللاحقة عن يسوع بوصفه “المسيح المزعوم”، تلوح أمامنا صورة مغايرة، تتناغم إلى حد بعيد مع ما سجله الكتاب المقدس. ومن كل ما سبق يتضح لنا التطابق التام بين “المسيح الكتابي” و “المسيح التاريخي”.

أدلة من التلمود البابلي:

هناك القليل من الإشارات الواضحة عن يسوع في التلمود البابلي، وهناك مجموعة من الكتابات الحاخامية اليهودية جُمعت ما بين عامي 70- 500 م. وبالنظر إلى هذه الفترة الزمنية، فمن الطبيعي أن نفترض أن الإشارات السابقة عن يسوع تحظى بمصداقية تاريخية أكثر من الإشارات اللاحقة.

أما في حالة التلمود، فإن تجميع تلك الكتابات يعود للفترة ما بين 70-200م20. أما أهم إشارة عن يسوع في هذه الفترة فهي كالتالي: عُلَّق “يشوع” عشية عيد الفصح، وقبل ذلك بحوالي أربعين يومًا، كان رجل يجول مناديًا صارخًا: “سوف يتم رجمه لأنه يمارس السحر ويغوي إسرائيل لكي ترتد21”. فدعنا نفحص هذه الفقرة.

ربما لاحظت عزيزي القارئ تلك الإشارة إلى شخص يُدعى “يشوع -Yeshu” وهو النطق العبراني لأسم يسوع. ولكن، ما المقصود بأنه “عُلَّق”؟ ألم يقل العهد الجديد أنه صُلب؟

إن مصطلح “عُلَّق” يمكن أن يكون مرادفًا لمصطلح “صُلب”، وعلى سبيل المثال، نقرأ في الرسالة إلى غلاطية أن يسوع قد (عُلق) على خشبة -غل 3: 13. وقيل نفس المصطلح عن اللصين اللذين صُلبا مع يسوع في إنجيل لوقا 23: 39. لذا، فإن التلمود يقول إن يسوع صُلب عشية الفصح.

ولكن، ماذا عن المنادي الذي كان يجول صارخًا: أن يسوع سوف يُرجم؟ ربما كان هذا ما كان يفكر فيه قادة اليهود حينها23. وإن كان الأمر كذلك، إذن لابد وأن السلطات الرومانية قد غيرت خطتها24! كما تخبرنا هذه الفقرة عن السبب الذي من أجله صُلب يسوع. قالت إنه يمارس السحر ويغوي إسرائيل لكي ترتد! ولأن هذا الاتهام يأتي من مصدرٍ معاد للمسيح، لذا، لا ينبغي أن تصيبنا الدهشة حين نجده يصف يسوع بصفات لم يأت على ذكرها العهد الجديد.

ومع ذلك، إن أخذنا هذا بعين الاعتبار، فماذا تعني تلك الاتهامات التي وجهت ليسوع؟ من المثير للاهتمام أن تلك الاتهامات لها ما يماثلها في الأناجيل. وعلى سبيل المثال، وجه الفريسيون تهمة ممارسة السحر إلى يسوع حين رأوه يُخرج الشياطين، إذ أدعوا أنه ببعلزبول رئيس الشياطين يفعل ذلك25. ولكن لنلاحظ أن مثل هذا الاتهام يؤكد ما جاء بالعهد الجديد من أن يسوع صنع معجزات عظيمة.

ومن الجلي، أن معجزات يسوع موثقة بما لا يدع مجالًا لإنكارها، والبديل لذلك، أن تنسبها إلى السحر! وبالمثل، اتهام يسوع بأنه يغوي إسرائيل لكي ترتد تماثل رواية القديس لوقا عن قادة اليهود الذين اتهموا يسوع بأنه يُضل الأمة بتعاليمه26. ومثل هذا الاتهام يعزز ما سجله العهد الجديد عن قوة تعاليم يسوع لأنه كان يُعلَّم كمن له سلطان. لذلك، تؤكد القراءة الجيدة لهذه الفقرة من التلمود الكثير من معلوماتنا عن يسوع التي وردت في العهد الجديد.

أدلة من لوقيان السميساطي Lucian:

لوقيان السميساطي هو أحد الشعراء اليونان من القرن الثاني. وقد ذكر في أحد كتبه: أن المسيحيين يعبدون إنسانًا إلى هذا اليوم-ذلك الشخص الذي قدم لهم عقيدتهم الجديدة، وقد صُلب من أجل هذا، وقد علمهم أنه من لحظة تجددهم قد صاروا أخوة لبعضهم البعض، وقد أنكروا آلهة اليونان. وصاروا يعبدون الحكيم المصلوب ويعيشون وفقًا لشريعته27.

وعلى الرغم من أنه يهجو في هذه الفقرة المسيحيين الأوائل، إلا أنه ترك لنا بعض الإشارات الهامة عن “مؤسس المسيحية”. وعلى سبيل المثال، قال: إن المسيحيين يعبدون إنسانًا “وهو من قدم لهم عقيدتهم الجديدة”، ولذلك، فإن أتباعه يبجلونه أعظم تبجيلًا. كما أن تعاليمه أثارت غضب الكثيرين من معاصريه، فما كان منهم إلا أن صلبوه.

ومع أن لوقيان لا يذكر اسم يسوع، فمن الثابت أنه يشير إليه. والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا وجد هؤلاء في تعاليم يسوع حتى يشتعل غضبهم ضده؟ ووفقًا للوقيان السيمساطي، كان يسوع يُعلَّم بأن كل البشر أخوة منذ لحظة تجددهم. فأي ضررٍ في هذا؟ وماذا تتضمن تلك الأخوة؟ إنها تتضمن إنكار آلهة اليونان والتحول إلى عبادة يسوع، والعيش بحسب تعاليمه.

وليس من الصعب أن نتخيل إنسانًا يُقتل من أجل مثل هذه التعاليم. لذا، لا يتحدث لوقيان بوضوح في هذه المسألة، ذلك أن إنكار المسيحي للآلهة الأخرى وعبادته ليسوع المسيح تفترض ضمنًا أن يسوع ليس مجرد إنسان. كما أنهم بهذا يعترفون بأن يسوع أعظم من آلهة اليونان.

الخلاصة: 

دعنا نوجز ماتعلمناه عن يسوع المسيح من تلك المصادر غير المسيحية القديمة.

أولًا، أشار يوسيفوس ولوقيان إلى يسوع بوصفه رجلًا حكيمًا.

ثانيًا، أما بليني والتلمود ولوقيان فيتحدثون عن يسوع بكونه المعلم القوي المبجل،

ثالثًا، أشار كل من يوسيفوس والتلمود إلى أن يسوع كان يصنع عجائب عظيمة.

رابعًا، أشار كل من تاسيتوس، يوسيفوس، التلمود ولوقيان إلى صلب يسوع. قال تاسيتوس ويوسيفوس إن هذا حدث في عهد بيلاطس البنطي. أما التلمود فيكشف لنا أن الصلب حدث عشية الفصح.

خامسًا، هناك إشارات لدى تاسيتوس ويوسيفوس إلى إيمان المسيحيين بقيامة يسوع من بين الأموات. سادسًا، سجل يوسيفوس أن المسيحيين كانوا يقدمون العبادة ليسوع بوصفه الله!

وكم أتمنى أن تساعدكم تلك المختارات التي جمعناها من المصادر غير المسيحية القديمة في تثبيت ما تعلمناه عن يسوع من الأناجيل. وبالطبع هناك الكثير والكثير من المصادر المسيحية القديمة التي تتحدث عن يسوع أيضًا. وحيث أنه قد ثبتت المصداقية التاريخية للأناجيل القانونية كوثائق يُعتد بها، فإني أدعوكم أن تقرأوا عن “حياة يسوع” في تلك الأناجيل.

 

ملاحظات:
1- ف. ف بروسF. F. Bruce، يسوع وأصول المسيحية خارج العهد الجديد Jesus and Christian Origins Outside the New Testament (Grand Rapids, Michigan: William B.Eerdmans Publishing Company, 1974), 13.

2- المرجع السابق.

3- المرجع السابق.4- إدوين ياموتشي ، اقتباس من القضية المسيح، لي ستروبل.

The Case for Christ (Grand Rapids, Michigan: Zondervan Publishing House, 1998), 82.

5- اقتباس من المرجع السابق، ص 82

Tacitus, Annals 15.44

6- المسيحية : شهادة التاريخ، المسيح التاريخي N.D. Anderson, Christianity: The Witness of History (London: Tyndale, 1969), 19, cited in Gary R. Habermas, The Historical Jesus (Joplin, Missouri: College Press Publishing Company, 1996), 189190

7- إدوين ياموتشي، اقتباس من القضية المسيح، لي ستروبل، ص 82.

8- بليني الرسالة 96 ، اقتباس من بروس، الأصول المسيحية ،ص 25، يسوع التاريخي هابرماس، ص 198.

9- المرجع السابق، 27.

10- Pliny, Letters, transl. by William Melmoth, rev. by W.M.L. Hutchinson (Cambridge: Harvard Univ. Press, 1935), vol.II, X:96, cited in Habermas, The Historical Jesus, 199.

11- M. Harris, “References to Jesus in Early Classical Authors,” in Gospel Perspectives V, 35455, cited in E. Yamauchi, “Jesus Outside the New Testament: What is the Evidence?”, in Jesus Under Fire, ed. by Michael J. Wilkins and J.P. Moreland (Grand Rapids, Michigan: Zondervan Publishing House, 1995), p. 227, note 66.

12-Habermas, The Historical Jesus, 199.

13- Bruce, Christian Origins, 28.

14- Josephus, Antiquities xx. 200, cited in Bruce, Christian Origins, 36.

15-bid.

16-Yamauchi, “Jesus Outside the New Testament”, 212.

17- Josephus, Antiquities 18.6364,

cited in Yamauchi, “Jesus Outside the New Testament”, 212.

18-Ibid.

19- Another version of Josephus’ “Testimonium Flavianum” survives in a tenth-century

Arabic version (Bruce,Christian Origins, 41). In 1971, Professor Schlomo Pines published a study on this passage.

وهي فقرة مثيرة للاهتمام، ذلك لأنها خالية من عناصر التشكيك التي يدعي بعض الدارسين أنه إضافات مسيحية. وكما أوضح كل من شلومو بينز ودافيد فلسر، إنه من المعقول أن أيًا من الحجج ضد الكلمات الأصلية من كتابات يوسيفوس يمكن أن تنطبق على النص العربي، خاصة وأن الأخير لم تتح له الفرص لكي يقع تحت رقابة الكنيسة. انظر: (Habermas, The Historical Jesus, 194).

تقول هذه الفقرة : “في ذلك الزمان، كان هناك رجل حكيم يُدعى يسوع. وهو رجل صالح، ومشهود له بالفضيلة. وقد صار له تلاميذ من اليهود ومن الأمم الأخرى. ولكن حكم عليه بيلاطس بأن يُصلب ويموت. أما تلاميذه فظلوا مخلصين لتعاليمه، وقد قالوا أنه ظهر لهم بعد ثلاثة أيام من صلبه، وأنه حي، لذا فهم يعتقدون أنه المسيا الذي تنبأت عنه الكتب المقدسة أنه يصنع عجائب”.

Quoted in James H. Charlesworth, Jesus Within Judaism,(Garden City: Doubleday, 1988), 95, cited in Habermas, The Historical Jesus, 194).

20- Habermas, The Historical Jesus, 20203.

21- The Babylonian Talmud, transl. by I. Epstein (London: Soncino, 1935), vol. III, Sanhedrin 43a, 281, cited in

Habermas, The Historical Jesus, 203.

22- Habermas, The Historical Jesus, 203.

23- أنظر يو 8: 58- 59 و 10 : 31- 33.

24- Habermas, The Historical Jesus, 204. See also John 18:3132

(http://biblia.com/bible/esv/John%2018.3132).

25- انظر مت 12: 24، وقد اقتبست هذه الملاحظة من بروس، الأصول المسيحية، 65.

26- انظر لو 32: 2.

27- Lucian, “The Death of Peregrine”, 1113,in The Works of Lucian of Samosata, transl. by H.W. Fowler and F.G.Fowler, 4 vols. (Oxford: Clarendon, 1949), vol. 4., cited in Habermas, The Historical Jesus, 206.

المسيح في المصادر غير المسيحية القديمة | مايكل جلجورن

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

Exit mobile version