علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

 

علم الآباء2 - نظرة إلى علم الباترولوجي
علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

أول من استعمل مصطلح (باترولوجيا  Patrologia)، هو اللوثري الألماني الجنسية (جون جرهارد  John Grehard)، القرن السابع عشر، حيث استخدم كلمة (Patorologia) كعنوان لكتاب نشره عام 1653م، يُقسّم فيه علم الآباء إلى عدة مراحل وإن كانت غير محددة، ألا وهي:

1- عصر الآباء الأولين:

أخذتْ أقوال الآباء فترة من الزمن تُسلّم من جيل إلى جيل شفهياً، لا لغرض دراسيّ، أو كهدف في ذاتها، بل كوديعة تحمل داخلها الإيمان الحيّ، فلم تُكتب أو تُدرَّس كفلسفة؛ ولهذا لم يُكتَب منها إلاّ القليل، وعلى مستوى فرديّ مثل كتابات يوحنا كاسيان.

ونحن بصدد الحديث عن أقوال اللآباء في العصر الأول، نلاحظ الآتي:

أ – محاولة المؤمنين حفظها قدر المستطاع لقُدسيتها، فيقول القديس أكلِمَنْضُس السكندريّ: “هؤلاء الرجال قد حفظوا التقليد الصحيح، تقليد التعليم المبارك، المُسلّم لهم مباشرةُ من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس… والذي وصل إلينا بعناية الله ابناً عن أب[1]، كما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصُص: “يليق بنا أن نحفظ التقليد الذي تسلّمناه بالتتابع من الآباء ثابتاً بغير تغير”، كما يقول القديس كيرلس الإسكندريّ: “إنني مُحب للتعليم الصحيح مقتفياً آثار آبائي الروحيّة” [2]..

 ساد هذا العصر روح التلمذة، فالتلميذ يسمع من معلّمه وخاصة في الحياة الرهبانية، ويحفظ لا أقواله فقط، إنما حياته ككل؛ فهو يأكل معه ويصلي معه ويسهر معه، يأخذ روح الإيمان العمليّ من أبيه، وغالباً بعد نياحة الأب يكتب التلميذ حياة أبيه وكل التعاليم التي أخذها منه.

ب – في الكنائس كان يميل البعض إلى كتابة تعاليم الآباء الأسبوعية، كشرح للكتاب المقدس أو المواضيع العقائدية أو الروحيّة، مثل عظات القديس يوحنا ذهبيّ الفم وعظات القديس أُغسطينوس.

ج – وفود قادة كثيرين إلى مصر للتلمذة على أيدي متوحدي مصر، أو داخل الأديرة، أو بمدرسة الإسكندرية، وتدوينهم أقوال الآباء وسيرهم وأفكارهم وترجمتها بلغاتهم سوء اليونانية أو السريانية أو اللاتينية، مثل يوحنا كاسيان (حوالي 360 -435م)[3]

أحد مشاهير الكُتَّاب الروحيّين في القرن الخامس في جنوب بلاد الغال (فرنسا)، خاصة في الفكر الرهبانيّ، وقد نجح في تطوير الحياة الرهبانية في فرنسا، فكان سفيراً للتراث الآبائي النُسكي القبطي في الغرب، وأحد أعمدة التقليد الكنسيّ النسكيّ فيما يختص بالطقس الرهبانيّ الحيّ، يربط بين نواحيه الخارجية والداخلية، وبين الطقس والروحانية بطريقة حية، وقد التقى بآباء الرهبنة في مصر، وسجل لنا خبرات الآباء في كتابين غاية الأهمية ألا وهما: (المناظرات) Conferences of John of Cassian   و(المؤسسات) Institutes of the Coenobia.

† كما جاء الراهب بلاديوس من القسطنطينية إلى مصر، وعاش فيها ما يقرب من خمس سنوات، في أديرة مختلفة، ودوَّن ملاحظاته وكتب سيَر وأقوال عددٍ كبيرٍ من الآباء، ثم أرسل مذكراته هذه إلى صديق له يُدعى (لوسيوس) ليتعرف على الحَياة النسكية، فصار هذا التراث الهام يُعرف بـ (التاريخ اللوزياكي) والآن يُعرف باسم بستان الرهبان (365 -425م)[4].

† كما سجّل لنا روفينوس (345 -410م)[5] أحاديث عن آباء مصر الرهبان، في كتابه تاريخ الرهبنة في مصر المعروف باسم (هستوريا موناخورم)، ويُذكر أنَّ روفينوس جاء إلى مصر حوالي سنة (373م) بمعيّة السيدة ميلانيا الشريفة الرومانية – التي كرّست حياتها بعد ترمّلها لخدمة القديسيو والعاملين في كنيسة الله – وقد قابل عدداً كبيراً من آبائها، وكان أحد تلاميذ القديس ديديموس الضرير[6].

هذا وقد جذبت مدرسة الإسكندرية الكثير من قادة الكنيسة في العالم، فجاءوا إليها ونقلوا منها تُراثها لكي يتتلمذوا عليه، وبلغ شَغف أوسابيوس أسقف قرسيل (بإيطاليا) بكتابات أوريجانوس، ووجد نفسه أنه لم يَر فلسفة حقيقية في غيرها.

د – كثير من رهبان مصر خرجوا من الأديرة إلى العالم، سواء إلى مدرسة الإسكندرية أو بغرض الكرازة حاملين معهم التراث الآبائي.

2 – عصر ظهور المؤرخين الكنسيين:

1- يوسابيوس القيصري (260 -340م)

هو أول مَن سجل تاريخ الكنيسة، وقد عَمَّد الملك قسطنطين الكبير، ورغم ميوله الأريوسية في بعض العقائد (نصف أريوسي)، إلا أنه صاحب فكرة نشر أقوال الآباء وكتاباتهم، يقول في كتابه (التاريخ الكنسي) The Church History of Eusebius (326م) عن هدف كتابات: “هذا هو هدفي أن أكتب تقريراً عن خلافات الرسل (التتابع الرسولي) القديسين، وأن أُشير إلى أولئك الذين في كل عصر نادوا بالكلمة الإلهية سواء كتابة أو شفاهاً، وأيضاً أسماء وأعداد أولئك الذين اندفعوا إلى طريق الخطأ وانحراف التعليم، الذين أبرزوا أنفسهم كدُعاة معرفة وعلم بالكذب”[7].

وقد كان الدافع لهذا العمل هو الهجوم الذي قام به اليهود والوثنيون، حيث اتهموا المسيحيين بأنهم جماعة سُذّجٌ بسطاء ليس لهم فكرٌ ولا علمُ ولا معرفة، فأراد يوسابيوس أن يكشف عن شخصية القيادات الكنسية، فاهتم أن يَذكُر أغلب قيادات الشرق، ويُبرز الجوانب العلمية لهم وكتاباته، وترجماتهم، وتفاسيرهم…. كما سجل لنا مُقتطفات صغيرة جداً من هذه الكتابات، وفعلاً قدّم يوسابيوس قائمة بكل الكُتاب وكتاباتهم، ويُعَدّ عمله هذا من أهم الأعمال حيث إن هناك شخصيات لم يتناول ذكرها أحد غيره.

جاء بعد يوسابيوس مؤرخون كثيرون حاولوا تكملّة عمله مثل: (سقراط Socrates)، و(سوزومين Sozomen) و(ثيؤدوريت Theodoret)… وكانت كتاباتهم مركّزة على الكنيسة الشرقية.

كما قام (روفينوس Rufinus) بترجمة تاريخ يوسابيوس من اليونانية إلى اللاتينية، وأضاف إليه بعض الأحداث حتى عصر الإمبراطور ثيؤدوسيوس سنة 392م.

2- القديس جيروم Jerome

سجل لنا (جيروم Jerome) تاريخ الأدب المسيحي اللاهوتي في كتاب (مشاهير الرجال) عام (392م) في (135) فصلاً، مستمداً معلوماته من تاريخ يوسابيوس، حتى إنه كرّر نفس أخطائه، وأضاف شخصيات، وحذف شخصيات، في (78) فصلاً منهم، وكان الدافع لهذا العمل أيضاً هو نفس الدافع لكتاب يوسابيوس وبصورة أقوى، وهو قول الوثنيين أمثال: (كيلسوس Celsus)، (بروفيريوس Prophyry)، (يوليان Julian)… بأن المسيحيين ليس لهم في الأدب أو الفكر.

وقد حدّد جيروم في مقدمة كتابه أن مجال عمله هو الآباء، الذين كتبوا عن الكتاب المقدس (رغم أنه شمل لاهوتيين)، وقد نقد القديس أغسطينوس هذا الكتاب، حيث إن جيروم لم يفصل بين الكُتّاب الأرثوذكسيين وبين الهراطقة مثل ذكره لشخصية (تاتيان Tatian)، و(بريسكيليان Priscillian)  و(أونوميس الأريوسيّ)، كما ذكر فلاسفة وثنيين مثل (سينيكا Seneca)، ويهوداً مثل (فيلون) و (يوسيفوس).

ولم يذكر جيروم في كتابه أيّ شيء عن كتابات أغسطينوس التي ظهرت في ذلك الوقت، ولعل هذا هو سر الخلاف بينهما.

ومن الأخطاء المنسوبة لجيروم أنه قد أغفل ذكر شخصيات كبيرة، أو ذكر القليل عن البعض الآخر مثل القديس أثناسيوس الرسولي والقديس باسيليوس الكبير وكبريانوس الأسقف.

فتح جيروم الباب أمام الشرق والغرب في الكتابة عن آباء الكنيسة وكتاباتهم وأفكارهم…

3- جيناديوس Gennadius

حوالي عام 480م كتب (جيناديوس Gennadius) كاهن “مرسيليا” – وهو نصف بيلاجيّ ومع ذلك يُحكم عليه من كتاباته أنه واسع الاطّلاع دقيق في أحكامه) – كتاباً بنفس اسم كتاب جيروم (مشاهير الرجال)، ويعتبر إضافة لعمل جيروم، ولكنه كان عملاً هزيلاً ليس ذا قيمة بالمقارنة بعمل جيروم، شمل 99 فصلاً حتى عام 495م.

4- آخرون

† بعد جيناديوس قام كُتاب كثيرون مثل: (إيسيذوروس Isidore of Serville) (تنيح عام 636م)، الذي اهتم بالكُتّاب الاسبان.

† كذلك في أواخر القرن الحادي عشر، قام راهب بندكتي ببلجيكا يُسمّى سيجبيرت (Sigebert of Gembloux) بالكتابة عن سير الآباء البندكت.

† وفي عام (1122م) كتب (هونوريوس Honorius Ausgusodunum ) باسم الكنيسة المنيرة Luminaaribus Ecclesaia.

† وفي سنة (1494م) ألّف أبٌ لدير بندكتي في (Sponheim)، يُسمى الراهب (جوهانس تريثيموس Johannes Trithemius) كتاباً باسم “الكُتّاب الكنسيون، يحوي سيرة (963) أب مع كتاباتهم، ويستقي معلوماته من كتابات جيروم وجيناديوس، وقد حصل على شهرة فائقة، إذ جمع مكتبة من حوالي (2000) مجلداً.

† أم في الشرق فلم يظهر ما يفيد بأن هناك كُتّاباً سجلوا الكُتّاب الكنسيين، مع ذلك كتب البابا (فوتيوس Photius) بطريرك القسطنطينية (تنيح عام 891م) كتابا مماثلاً تحت عنوان (Photil Bibliotheca) يمتاز بالدقة، وذكر فيه مؤلفين وثنيين.

† وفي الكنيسة القبطية ظهر السنكسار الذي يركز على سير الآباء القديسين، كما اهتم البعض بنسخ كتابات الآباء الأولين، وظهر بعض المؤرخين مثل يوحنا النيقيوسي وغيره.

† وفي عصر النهضة الأوروبية من القرن السادس عشر إلى التاسع عشر، بدأت التجميعات العظيمة والطبعات الخاصة الممتازة لنصوص الآباء، ففي القرن الخامس عشر قام في القسطنطينية (نسيفورس كالستوس) بوضع تاريخ الكنيسة منذ نشأتها حتى عام (911م) معتمداً على كتابات يوسابيوس وأضاف إليه سير بعض الرهبان، وقد عبر عبوراً سريعاً في حديثه عن الكنيسة اللاتينية بعد القرن الخامس الميلاديّ.

3- عصر النهضة العلمية والدراسات النقدية[8]:

† في عصر النهضة (القرن السادس عشر) بدأ الاهتمام بترجمة ونشر كتابات الآباء، إمّا بأعمال فردية للمؤلف أو كمجموعة كاملة، وقد ازدهر هذا العمل جداً في القرن السابع عشر، حيث نَشر (Marguerin de la Migne)، مجموعة كبيرة لأكثر من 200 كاتب في عمله (Bibliotheca Sanctorum Patrum) أُضيفت إليها أعمال أخرى بالتدريج، وقد صارت عام (1616) أربعة عشر مجلداً باسم Patrum (Magna Bibliotheca Veterum) أُعيد طبعها في ليون عام (1677م) في (27) مجلد باسم (Bibliotheca et antiq orum eccelsiasticorum).

† في القرن الثامن عشر قام (A. Galland) بنشر مجموعته في (14) مجلد بفينيس عام (1765 -1781) باسم (Bibliotheca Veterum Patrum).

† في القرن التاسع عشر اغتنت المكتبات بالكتب المسيحية القديمة، وظَهرت الحاجة إلى كتابتها بعد تحقيقها علمياً وتنقيتها من الدخيل عليها من النساخ، وتُعتبر أعظم مجموعة كاملة تلك التي قام بها (Migne) في القرن التاسع عشر باسم (Patrilogiae)، وهي عبارة عن إعادة طبع للنصوص السابق نشرها لتكون في متناول اللاهوتيين وهي عبارة عن مجموعتين:

1- مجموعة الآباء اللاتين (P.L.) طبعة باريس (1844 -1855) وتتكون من (221) مجلداً بها فهارس.

2- مجموعة الآباء الإغريق (P.G.) أي الكتابات اليونانية طبعة (1857 -1866م)، وتتكون من 161 مجلداً وَرد بها ترجمة كاملة باللغة اللاتينية وهي بغير فهارس، وقد تُرجم الكثير من هاتين المجموعتين إلى اللغات الحديثة من ألمانية وفرنسية وإنجليزية ولهجات عديدة أخرى.

كما توجد مجموعات أخرى تُعتبر ملحقاً لمجموعتي Migne وهي:

1- كُتاب القرون الثلاثة الأولى اليونان المسيحيين، وقد قامت بنشرها أكاديمية برلين عام 1897 مع مُقدمات وفهارس بالألمانية، وقد بلغ عددها (41) مجلداً.

2- (Coprus orum ecclesiasticorum Latinorum) وقد قامت بنشرها أكاديمية فيينا عام (1866) ونُشرت في (70) مجلداً.

3- (Bibliotheca Teubneriana, Leibzig) وتشمل كثير من كتابات الآباء.

4- (The Loeb Classical Library) وقام بنشرها (Rouse, Capps and Page) بلندن ونيويورك، وتشمل الكثير من كتابات الآباء اليونان واللاتين.

5- مجموعة (Patrologia Orientals) قام بنشرها (Nau, Graffin) بباريس عام (1907) في (28) مجلد.

6- (The ante-Nicene Fathers& Nicene and Post-Nicene Fathers) وتشمل ترجمة جميع أقوال الآباء مع غرض لسير هؤلاء الآباء ل (A Clevland Coxe)، وقام بوضعها (Wace & Scgaff) بنيويورك عام (1900) في (37) مجلداً، وهي تُعتبر الأكثر انتشاراً على الإطلاق في العالم كله لدقتها اللاهوتية والعلمية.

† أكاديمية فيينا وبرلين أول من طرقت هذا المجال، فقد طَبعت مجموعة مطبوعات لكتابات الآباء باللغتين اليونانية واللاتينية.

† منذ عام (1951) تُعقد مؤتمرات دولية بصفة استمرارية كل (4) سنوات للدراسات الآبائية في جامعة أُكسفورد بلندن، ويجتمع فيها جميع الدارسين لـ علم الآباء أو الآباء لتبادل الخبرات والدراسات، وينتج عن كل مؤتمر مُجلّد يُوضع فيه نتيجة أعمال المؤتمر، ويقوم مركز الدراسات الآبائية بترجمته.

في القرن العشرين كان الاهتمام أكثر بدراسة تاريخ الأفكار وتاريخ المفاهيم في الكتابات المسيحية القديمة، كما يقول البروفيسور (كواستين Quasten) أستاذ الآباء بجامعة واشنطن أن الاكتشافات الحديثة في القرن العشرين لأوراق البردي في مصر، قد مَكَّنت العلماء من استعادة الكثير من الأعمال الآبائية التي كانت مفقودة.

ومن مظاهر الاهتمام بذلك انعقاد مؤتمرات آبائية عالمية مثل مؤتمر جامعة أكسفورد بإنجلترا لدراسة الآبائيات سنة (1951م)، وينعقد مرة كل (4) سنوات، كما بدأت مؤتمرات دولية أخرى تُعقد في جامعات أوربا المختلفة، ويُخصص كل مؤتمر لدراسات أحد الآباء، مثل مؤتمر دراسة كتابات أغسطينوس، ومؤتمر دولي للتراث العربي المسيحي في جامعة سيدني بأُستراليا.

علم الآباء في مصر:

† إذ كانت الإسكندرية أكبر مركز هيلينيّ فلسفيّ (مدرسة الإسكندرية الفلسفية)، التزمت الكنيسة منذ عهد القديس مرقص الرسول بإنشاء مدرسة مسيحة قادرة على مواجهة التيار الهيلينيّ القوي، فظهرت مدرسة الإسكندرية بآبائها الذين لمعت أسماؤهم في الشرق والغرب.

† كذلك اهتم الآباء ولا سيما الرهبان بنسخ كتابات الآباء سواء باليونانية أو القبطية أو العربية، فهناك اهتمام كبير في مصر بـ علم الآباء وتاريخ الآباء، منع أنه في العصور الوسطى وبداية العصر الحديث حمل عُلماء الغرب كنوز أديرتنا إلى مكتباتهم ومتاحفهم وجامعاتهم، وصارت مادة أساسية في قيام علم الآباء…

منها المخطوطات السريانية التي لا تُقدر بثمن، والتي أُخِذت من دير السريان، النصيب الأعظم منها كان للمتحف البريطاني وجزءاً منها لمكتبة الفاتيكان وبعض متاحف أوروبا، رغم ذلك ما زالت المخطوطات والبرديات المصرية تفتح آفاقاً جديدة في علم الآباء – حسب شهادة الغرب – لا تزال حية بالروح الآبائية الأصيلةن نستطيع أن ننتفع بها في الأبحاث العلمية.

† في القرن السابع قام الأنبا يوحنا أسقف نيقيوس بالمنوفية، بكتابة تاريخ آدم حتى نهاية القرن السابع الميلاديّ، وهذا الكتاب كُتب باللغة القبطية، وتُرجم إلى الأثيوبية، وتُرجم من الأثيوبية إلى الفرنسية، وحدث أن فُقدت النسخة الأصلية القبطية وأخيراً صدرت ترجمة عربية لهذا الكتاب عن اللغة الحبشية.

† في القرن العاشر قام الأنبا ساويرس ابن المقفع أسقف الأشمونين بكتابة تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية، بدءاً من عصر مار مرقص حتى القرن العاشر، وكتبه باللغة العربية.

† وُجد مخطوط عربي مشهور من القرن الحادي عشر بعنوان (اعتراف الآباء) يضم تعاليم الآباء العقائدية فيما يخص الثالوث والتجسد وطبيعة المسيح، من مخطوطات البطريركية القديمة بالأزبكية، وتوجد نسخ أخرى في المتحف القبطي ودير المحرق وبعض الأديرة الأخرى.

† السنكسار يرجع إلى القرن الثاني عشر، كتبه الأنبا ميخائيل أسقف أتريب ومليج بالمنوفية، وراجعه الأنبا بطرس أسقف مليج، يُقرأ في الكنيسة بعد سفر أعمال الرسل، ويحتوي على سيراً مختصرة للقديسين والشهداء حسب أيام السنة القبطية، ولكنه لا يحتوي إلا على القليل من أقوال الآباء.

† في القرن العشرين قام الأرشدياكون حبيب جرجس، بجمع مؤلفات الآباء القديسين من أوروبا منذ العصر الرسولي حتى مجمع نيقية، وعَهد إلى بعض الخدام الأمناء بالترجمة إلى العربية ونشرها في أعداد مجلة الكرمة سنة (1923م)، وقدمها بقوله: “إن كتابات الآباء لها المقام الأسمى في عالم المؤلفات الدينية، لقُرب عهد مؤلفيها بالعصر الرسولي وأقوالهم حُججاً قوية على تعاليم الكنيسة في عصرها الأول”.

† كذلك قام القس مرقص داود بترجمة كتاب (تجسد الكلمة) للقديس أثناسيوس سنة (1946م)، ثم أكمل كتابات القديس أثناسيوس.

† في عصرنا الحالي تُوجد مؤسسة القديس أنطونيوس لترجمة ونشر كتابات الآباء حيث تأسست هذه المؤسسة سنة (1979م)، وقد كان للسيد صموئيل كامل عبد السيد أستاذ اللغة اليونانية دور بارز في تأسيس هذه المؤسسة، وتنيّح سنة (1986م).

† وفي عام (1991م) تأسس مركز دراسات الآباء، وبلغ عدد نصوص الآباء التي نشرها حتى الآن (138) عملاً، ويقوم المركز بعمل دراسات على هذه النصوص الآبائية المترجمة وتصدر في سلسلة باسم “دراسات آبائية” وصل عددها إلى 32 كتاباً، كما تُنشر مجلة دورة بدأت في يناير (1998م) وهي مجلة نصف سنوية.

اتباع أثر الآباء:

بعد أن تعرفنا على الآباء وعلى كتاباتهم التي كتبوها بإرشاد الروح القدس العامل في الكنيسة، يجب علينا اتباع أثر الآباء في حياتنا، فلا تستطيع الكنيسة أن تعيش دون أن تشرب وترتوي من تعاليم الآباء وحياتهم وكتاباتهم، وهذا ما قاله الله للكنيسة في نشيد الأنشاد “إِنْ لَمْ تَعْرِفِي أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَاخْرُجِي عَلَى آثَارِ الْغَنَمِ، وَارْعَيْ جِدَاءَكِ عِنْدَ مَسَاكِنِ الرُّعَاةِ” (نش 1: 8)، وهذا ما يقوله لنا معلمنا القديس بولس الرسول:

” اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ” (عب 13: 7)، فالآباء هم امتداد للرسل ونحن نفتخر أن لنا آباء، وهذا يتضح من قول القديس أثناسيوس الرسولي للأريوسيين “قد أظهرنا أن فكرنا قد سُلِّم من أب إلى أب، وأما أنتم أيها اليهود الجدد وتلاميذ قيافا (يقصد الأريوسية) فإلى أي أب من الآباء تستطيعون أن تنسبوا أقوالكم”[9]

اتباع الآباء ليس هو تعلقاً بشخصيات، إنما هو استقاء لكيفية كون هذا الأب عضواً في جسد المسيح الواحد. إنه علم الآباء.

[1] المتنوعات كتاب 51: 1: 11.

[2] القمص تادرس يعقوب ملطي: مفاهيم إيمانية (2): الكنيسة والتقليد، ص9

[3] J. Quasten. Patrology. Vol. 4 ,p.512 ff.

[4] نيافة الأنبا مكاريوس – الأسقف العام: فضيلة النسك الطبعة الأولى –  مارس 2006 م. ص 8، 9

[5] ولد بالقرب من مدينة أكويلا الواقعة على شاطئ البحر الأدرياتيكي بإيطاليا. درس في روما حيث التقى بالقديس جيروم، وكان روفينوس واحداً من مئات الشباب الذين استهوتهم الحياة النسكية فاندمجوا فيها بحرراة، عاش في جماعة نسكية في وطنه، ثم قصد الأراضي المقدسة حيث عاش بضع سنوات منع رهبانها. وحالما وصل رؤفينوس إلى الإسكندرية قصد لفوره إلى الصحراء حيث قابل عدداً كبيراً من آرائها. القمص تادرس يعقوب ملكي – قاموس آباء الكنيسة.

[6] القمص تادرس يعقوب ملطي – قاموس آباء الكنيسة وقديسيها (ح – ص) – 2001 – ص200.

[7] يوسابيوس القيصري – تاريخ الكنيسة 1: 1 – مرجع سابق – ص 9.

[8]  القمص تادرس يعقوب ملطي – المدخل لـ علم الباترولوجي ص 18.

[9] N&P.N.Fathers, 1st ser . Vol. IV p.168

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

يسوع التاريخي في المصادر القديمة (ملخص)

يسوع التاريخي في المصادر القديمة (ملخص)

 

يسوع التاريخي في المصادر القديمة (ملخص)

يسوع التاريخي في المصادر القديمة (ملخص)

يمكننا الآن أن نجمع خيوط دراسة يسوع التاريخي في عدّة نتائج أساسية: أولاً، نلاحظ تنوعاً كبيراً للشواهد على يسوع لدى الكتّاب الكلاسيكيين، فقد حظي الكتّاب الرومانيون المشهورون في مجال التاريخ والشؤون الإمبراطورية بالأهمية الكبرى هنا مثل: “سوتونيوس” و”تاسيتوس” و”بليني الأصغر”. في الطرف الآخر من المشهد، أسهم الكتّاب غير المعروفين لدرجةٍ كبيرة، مثل: “مارا” و”ثالوس” بأصواتهم أيضاً.

أما الفلاسفة المعارضون للمسيحيّة، مثل “لوقيان” و”كلسس“، فقد كتبوا أيضاً عن المسيح. لقد تنوعت آراء هؤلاء الكتّاب: فمنهم “مارا” الذي رٌبما كان متعاطفاً مع المسيح، ومنهم “بليني” الذي كان عدائياً إلى حدّ ما، وآخرون كانوا عدائين تماماً، لكنهم كانوا وصفيين مثل: “تاسيتوس” و”كلسس”.

ونلاحظ أيضاً تنوعاً في اللغات المستخدمة، مثل: اللاتينية، وهي اللغة الرسمية لروما، واليونانية، وهي اللغة الأدبية الشائعة ولغة التجارة، والسريانية، اللغة الرئيسية لشرق حوض المتوسط. وقد قدّموا معاً مجموعةً من المواضيع عن تعاليم يسوع، وحركته، وموته. وكانوا يعلمون أنً يسوع يُبجّل من قبل المسيحيين، الأمر الذي نسبوه إلى أنه موجد هذه الحركة.

ثانياً، حتّى مع إشارتنا إلى هذه الشواهد المتنوعة على يسوع التاريخي، يظهر السؤال المضادّ: لماذا لا يوجد المزيد من الإشارات الكلاسكية عن يسوع؟ وخاصّةً بين الكتّاب الرومان؟ فغالباً ما يشتكي الكتّاب عن موضوع يسوع خارج العهد الجديد من قلًة الإشارات إلى يسوع في الأدب الكلاسيكيّ.

على الرغم من أنّ تفسير “خلو الذكر” غالباً ما يكون أمراً صعباً، إلاّ أنّه يمكن الوصول إلى جواب محتمل لهذا الأمر. فبالنظر إلى العهد الجديد والكتابات المسيحيّة الأولى فعلاقة المسيح مع الدولة الرومانية كانت أمراُ مهماً بالنسبة للمسيحية على نحوٍ دائم.

إلاّ أنّ المسيح لم يكن بذات الأهمية بالنسبة لروما، وذلك بالنظر إلى الكتابات الرومانية. فقد كانت الإمبراطورية والحكومة مشغولةً بأمورٍ أخرى بدت أكثر أهمية بالنسبة لهم، كما يشير تناول “تاسيتوس” و”سوتونيوس” و”بليني” للمسيح بشكلٍ جزئيّ فقط. وقد رأينا أنّ المسيحيّة لقيت بعض الاهتمام، بينما لقي المسيح القليل من الاهتمام، أمّا “يسوع التاريخي” فلم يلق إلاّ قليلاً جداً من الاهتمام.

وتعكس النسخ الرسمية الثلاث من قاموس أوكسفورد الكلاسيكي اهتمام العالم الكلاسيكيّ المتزايد بالمسيحيّة، لكنه يظهر عدم الاهتمام النسبيّ بيسوع، حيث يوجد في هذه النسخ مقال أساسيّ حول “المسيحيّة” لكن لا يوجد أيّ مقال حول “يسوع”.

ويمكن تحديد الموضوع بشكلٍ أوضح من خلال السؤال: لماذا لم تكن الإشارات الكلاسيكية إلى يسوع أكثر معاصرةً له؟ حيث أنه كلما كان الشاهد على يسوع أقدم كلّما كان أكثر قيمةً. لقد كان المعاصر الأقرب ليسوع هو “ثالوس” لكنّ شهادته بسيطة وغير مؤكّدة. وجاءت كتابات “تاسيتوس” و”سوتونيوس” و”بليني الأصغر” بعد قرنٍ تقريباً من موت يسوع. أمّا كتابات “مارا” و”لوقيان” و”كلسس” فإنها على فترةٍ أبعد.

وقد أحتجّ أولئك الذين شككوا بوجود يسوع على مرّ القرنين الماضيين بأنّ نقص الإثباتات المعاصرة ليسوع من قبل كتّابٍ كلاسيكيين هو دلالةٌ واضحةٌ على عدم وجوده. إنّ هذا النقص في الدليل الروماني المعاصر قد يبدو أمراً غريباً لكلّ من الباحثين من أصلٍ مسيحيّ وللمسيحيين العاديين اليوم، حتّى ولو أنهم لم يكونوا ميّالين إلى الشكّ بوجود يسوع، فهم يعلمون من الأناجيل الكنسية عن شهرة يسوع في أرجاء الجليل وما بعده. (متّى 4:24، 9:31، 14:1، مرقص 1:28، لوقا 4:37، يوحنا 12:19).

وقد افترضوا أنّ شهرته هذه كانت لتثير الاهتمام الرومانيّ، إن كان بشكلٍ محتمل أثناء حياته، لكن بالتأكيد في الجيل التالي. كما أنهم يفترضون إمكانية وجود سجلّ رسميّ عن محاكمته ومعاقبته. كما أنّ النموّ الأوليّ السريع للمسيحيّة، ومواجهاتها الأولى مع السلطات الرومانية أثار بعض الاهتمام الأدبيّ بالمسيحيّة. ومما يُنقل: أنّ “بولس الرسول” قد قال للحاكم الرومانيّ “فيستوس” عن نشاطاته الخاصّة: “لم تحدث هذه الأمور في الزاوية”. (الأعمال- 26:26)، يمكن أن يُقال بالمثل حول أحداث حياة يسوع.

تجتمع العديد من العوامل لتفسّر لماذا ليس لدينا شواهد رومانية معاصرة ليسوع.

أولاً، لقد ذاعت تقريباً كافّة أعمال المؤرخين الرومانيين الذين عاصروا يسوع، أو عاشوا في فترة خمس وثمانين عاماً بعده. فقد طمست كتابات قرنٍ من التاريخ اللاتينيّ، كل الكتّاب من “ليفي” المتوفي عام 17 للميلاد، وحتّى “تاسيتوس”. والاستثناء الوحيد هو المدائحّ غير المترابطة لـ”فيليوس باتريكولوس”.

لكنه لا يمكننا أن نفترض أنه ذكر يسوع، وذلك لأنّه ما تناوله كان حتّى عام 29 للميلاد فقط، ومن المرجّح أنه كُتب عام 30 عن أحداثٍ جرى معظمها في روما. وبالتأكيد لا يجب أن نفترض أنّ الأعمال التي ضاعت في غياهب الزمن قد احتوت إشارات إلى يسوع. فكلّما كان العمل أقرب زمنياً إلى يسوع، كلّما قلّ احتمال احتوائه أي إشارةٍ إليه.

ثانياُ، يفسّر التأخر الزمنيّ النمطيّ للعالم القديم عدم إتيان الكتّاب الآخرين المعاصرين ليسوع على ذكره. فالتأويل التاريخيّ للأحداث لم يكن مثل “التحليل الفوري” الذي اعتدنا عليه في وقتنا الراهن. كما أنً معظم أعمال الكتّاب الأساسيين، خاصّة المؤرّخين الذين يتمتعون باحترام الذات، كانت تُبنى على مصادر أدبيّة معروفة من كتّاب أقدم وأقلّ شأناً.

وقد بدا هؤلاء غير راغبين أن يكونوا أول من يكتب عن أحداث جديدة نسبيّاً. على سبيل المثال، كان على “يوسيفوس” المؤرّخ اليهوديّ من القرن الأول، في مقدّمة كتابه الحرب اليهودية، أن يبرّر كتابته عن أحداث لم يُسبق أن سُجّلت من قبل. (مقدّمة الحرب اليهودية- 5§15).

ثالثاً، يبدو أنً الكتّاب الرومانيين لم يعتبروا المسيحيّة موضوعاً مهماً للكتابة عنه إلاّ عندما أصبحت تُرى خطراً على روما. ونعلم من العهد الجديد ومن “يوسيفوس” عن عدّة حركات مسيحيّة فاشلة في فلسطين خلال القرن الأول، لكنّ المؤرخين الرومان لا يتناولون أياُ منها. ولم يكونوا ليتناولوا المسيحيّة “اليسوعيّة” ما لم تصبح قضيّةً سياسيّةً واجتماعيّةً مهمّةً بالنسبة لروما، كما تشير رسائل “بليني” إلى “تراجان” وحتّى هنا لا يوجد سوى رسالة واحدة تتعامل مع المسيحيّة وتأتي على ذكر المسيح.

إضافةً لذلك، في حال لم تُرَ المسيحيّة على أنها تهديد للقوّة الرومانيّة، فلم تكُن على الأرجح لتُذكر من قبل كتّاب رسميين مثل: “تاسيتوس” و”سوتونيوس” و”بليني”. ولو أنها لم تُصبح حركةً دينيّةً مهمّةً، لم تكن لتُهاجم من قبل فلاسفة مثل “لوقيان” و”كلسس”. وبوضعها هذا، نظر إليها مؤرخون مثل: “تاسيتوس” و”سوتونيوس” بازدراء، ويبدو أنهم كتبوا عن موجدها على مضض.

سبب رابع يقف خلف النقص في الشواهد الرومانية المعاصرة ليسوع، فلم يكن لدى الرومان اهتمام كبير بالأصول التاريخيّة للمجموعات الأخرى، وخاصّة “الشعوذية” منها. فقد عد الرومان الفصل الذي أثنى عليه المفكرون اليونانيون أمراً عمليّ، وهو في الأغلب ما أبعدهم عن الاهتمام بأصول الآخرين. ويتضّح هذا التوجّه العمليّ في كيفيّة معاملة “تاسيتوس” للديانة الدورديّة[1] واليهوديّة.

يصف “تاسيتوس” الديانة الدروديّة في كتابه “جيرمانيكا” لكنّه لا يأخذ بالاعتبار أصولها أو تاريخها. وعندما يتناول اليهوديّة في كتبه الأخرى فإنه لا يتطرّق إلى تاريخها، ولا يأتي على ذكر حتّى أبرز شخصياتها مثل: موسى وإبراهيم وداود أو المكابين. وأدى المنهج العملي بالرومان إلى النظر إلى الديانات الأجنبية بما هي عليه آنذاك، وإلى ما قد تعنيه للحكم الروماني بغض النظر عن أصولها.

أخيراً، عندما نُدرك أنه لا يوجد أيّ من الكتابات المسيحيّة حول يسوع معاصرةً له، فالإنجيل الأول ربما لم يُكتب حتّى عام 70 للميلاد، عندها يُصبح من غير المنطقيّ أن نتوقّع أيّ كتاباتٍ رومانيّة معاصرة تتناوله. ولا يمكننا في ضوء هذه العوامل أن نتوقّع أن يكون هنالك العديد من الكتّاب الكلاسكيين الذين يكتبون عن يسوع.

وبالفعل، إنّ ما لدينا من إشارات إلى يسوع في كتابات الكتّاب الأساسيين لبداية القرن الثاني، مثل: “سوتونيوس” و”تاسيتوس” و”بليني الأصغر”، هو بالضبط ما يجب أن نتوقّعه، وذلك باعتبار طبيعة الكتابات التاريخيّة والنظرة الرومانية تجاه المسيحيّة. ومن منظورٍ رومانيّ من القرن الأول كان يسوع بالفعل، ونستخدم هنا عبارة “جون مئير” الشهيرة “يهودياً هامشياً” لكنّه انتقل مع بداية القرن الثاني بشكلٍ مذهل من “الهامش” إلى “المتن الأساسيّ”.

النتيجة الثالثة الرئيسة التي يمكننا استخلاصها من دراسة الكُتّاب الكلاسكيين في دراسة يسوع التاريخي هي أنهم يرون المسيح من خلال المسيحيّة. فالمسيحيّة كحركة كانت هي اهتمامهم الأساسيّ، وربّما الوحيد. وغالباً ما كانوا يذكرون المسيح بوصفه موجد هذه الحركة وقائدها ومعلّمها، وذلك إمّا من أجل تفسير اسمها، مثلما فعل “تاسيتوس” أو لتفسير مدحه أو لعنه بوصفه القائد الإلهي للحركة، مثلما فعل “بليني”، أو من أجل تضمين كون المسيحيين شراً، مثلما فعل “كلسس ولوقيان”.

وحده “مارا” كان يتعامل مع الملك اليهوديّ الحكيم بشكلٍ أساسيّ، ومع حركته بشكلٍ ثانويّ. أنّ هذا الترابط القوي بين المسيح والمسيحيّة في أذهان الكتّاب الكلاسكيين يُساعد في تفسير تسميتهم له “المسيح” وليس “يسوع” حتّى في حال أشارت معرفتهم للمسيحيّة بأنهم قد يعلمون الاسم الثاني مثلما كان: “تاسيتوس” و”بليني” و”لوقيان”.

النتيجة الرابعة الرئيسيّة هي بأنّ المعالجة التي تلقاها يسوع في هذه الكتابات كانت سطحيّةً جداً. فالمعالجة التي رأيناها في دراسة يسوع التاريخي تنوّعت بين عدةً كلمات، كما عند “سوتونيوس”، إلى ما هو أكثر من جملة واحدة بقليل، كما عند “تاسيتوس ومارا”، لكن ليس اكثر من ذلك. بالنسبة لأولئك المهتمين بالأصول المسيحيّة فإن هذا يبدو ضئيلاً وسطحياً بشكلٍ ملحوظ. مرّةً اخرى علينا أن نتذكر أنه في هذا الوقت، ما بين 50-150 للميلاد، لم تكن المسيحيّة تعني شيئاً لمعظم الرومانيين إلاّ في مناسبات معيّنة.

علاوةً على ذلك، فقد عرفوها على أنها “خرافات”، وهو مصطلحٌ ورثته المسيحيّة عن المنظور الروماني تجاه اليهوديّة. وربما تكون هذه التسمية، وهي توازي استخدمنا الإزدرائي لكلمة “طائفة” حديثاً، كل ذلك ساعد في إخماد أي اهتمام صغير بموجد المسيحيّة. وكما أشرنا سابقاً، لم يكن الرومان يهتمون بكيفيّة نشوء الطوائف الدخيلة. في الوقت الذي كان يُكتب فيه عن المسيحيّة، كانت حركةً مرفوضةً بشكلٍ كبير ومضطهدةً غالباً.

وبذلك فإن “بليني” يذكر المسيح بشكلٍ مختصر ليشرح العبادة المسيحية، وكيفيّة استعمال اسم المسيح في جعل المسيحيين يتوبون عن حماقتهم. ملاحظات “تاسيتوس” هي الأشمل مما لدينا، لكنّها تبقى أقلّ من جملة، وهي شبه اعتراضيّة. يذكر “ثالوس” يسوع بشكلٍ مختصرٍ فقط لأسبابٍ زمنيّة، ولا يذكر “سوتونيوس” اسمه ومكانه وتاريخه بشكلٍ صحيح.

النتيجة الخامسة، إنّ ما يعرفه الكتّاب الكلاسيكيون عن يسوع يأتي من المسيحيين بشكلٍ كاملٍ تقريباً. حيث يبدو واضحاً أنهم لا يعرفون عنه إلاّ القليل من مصادر بعيدة عن المسيحيّة. وبالنظر إلى العوامل المقدّمة مُسبقاً، لا يجب أن نتوقع مثل هذه المعلومات ولا نُفاجَأ لغيابها. الاستثناء الوحيد المحتمل هو “تاسيتوس”، لكن حتّى هنا من المرجّح أنه استقى معلوماته من مسيحيين، إمّا بشكلٍ مباشر أو عن طريق صديقه “بليني الأصغر”.

وبالنتيجة، لا نحصل على أية معلومات موثقة عن يسوع من الكتّاب الكلاسكيين غير المعلومات التي لدينا من الكتابات المسيحيّة في هذه الفترة. ويبدو أنّ المعارف الأولى عن يسوع لم تنتقل بشكلٍ مستقلّ عن المسيحيّة عبر العالم الروماني الكلاسيكيّ والمناطق المحيطة. والمرجّح أنّ “بيلاطس” لم يبعث بأي تقرير إلى روما عن يسوع، كما أنه لم يكن هنالك أي تقرير سابق عنه إلى الأباطرة.

وبالحكم في كتابة “تاسيتوس” و”بليني” فإن المسيحيّة لم تكن معروفة بشكلٍ جيّد بين الرومانيين عند منعطف القرن. وغالباُ ما يخلص أولئك الذين يكتبون اليوم عن موضوع المسيح ضمن الكتابات الكلاسيكيّة إلى العبارة المتكررة: “لم نحصل على شيء جديد عن يسوع من هذا الكتاب”. وقد يعود هذا إلى التوقع غير العقلانيّ بأنّ شيئاً جديداً عن يسوع يجب أن يصدر عنهم.

تتعلق النتيجة ما قبل الأخيرة بأولئك الذين مازالوا يرون أن يسوع لم يوجد أبداُ. وبما أن الكتابات الكلاسيكيّة لا تحتوي أي شواهد مستقلًة مؤكّدة عن يسوع، وعلى أساس المقاييس الأكثر تشدداُ للإثبات التاريخيّ، لا يكمننا أن نستخدمها لإثبات وجود يسوع. من الناحية الأخرى، وبالنظر إلى طبيعة الدلائل على يسوع من الكتابات الكلاسيكيّة، لا يمكننا أيضاً أن نستخدمها دليلاً حاسماً لدحض وجود يسوع. وللأفضل أو للأسوأ يجب أن يُحدد هذا النقاش بالعهد الجديد. وبمصادر مسيحيّة مبكّرة أخرى.

فعلى الرغم من أنّ الإثبات المستقلّ من قبل الكتّاب الكلاسيكيين المعاصرين هو أمرٌ مستبعد، إلاّ أننا نحصل على تأكيد لبعض النقاط الأساسيّة في حياة يسوع. إن تأكيد المعلومات هو أمرٌ مهم في علم التأريخ كما في العلوم الطبيعية. وإذا كان الكتّاب الكلاسيكيين لم يذكروا يسوع أبداً، أو بالأخصّ إذا كانوا قد ارتأوا أنه خلاصة صناعة الأسطورة المسيحيّة، عندها سيكون الأمر مختلفاً.

فقد عاملوا يسوع على أنه شخصيّة تاريخيّة، موجد حركة، ولم يكن لديهم أي سبب للشك بتاريخيته. وكان من الأسهل “في حال لم يوجد يسوع” تسديد ضربة قويّة للمسيحيّة من خلال إظهار أنها مبنيّة على أسطورة بينما تدعي أنها على أسس تاريخيّة. إلاّ أنّ هؤلاء الكتّاب قبلوا يسوع بوصفه شخصيّةً تاريخيّة، جميعهم ماعدا واحد فقط استخدموا أحداث حياته لتكون حججاً ضدّ المسيحيّة، فقد بدأ حركةً كانوا يدعونها بالخرافات المهلكة، ومن ثمّ أعدم لأنه مجرم.

أخيراً، أصبح من الشائع في البحث الأخير حول يسوع التاريخي اختزال شخصيّته وعمله في كلمة أو عبارةٍ واحدة. فيسوع هو: الحكيم، اليهوديّ الهامشيّ، ساحرٌ يهوديّ قرويّ، ساحر، مشعوذ، البشير المسيحيّ، وهكذا. ولكن ماذا دعاه هؤلاء الكتّاب الكلاسيكيون؟ إن كان بإمكاننا استنتاج ذلك من كتاباتهم؟ في عيون معظم الكتّاب الكلاسيكيين نجد أن يسوع يكون بكلمةٍ واحدة، صانه المشاكل. فقد أوجد وقاد حركةً شعوذة، وربّما كانت تحريضيّة. ويقدّمه “تاسيتوس” على أنه مجرم أُعدم، ويستحقّ أتباعه العقوبة ذاتها.

ويراه “بليني” شخصيّةً طائفيّةً تحمل خرافات خطيرة، وتؤكّد نظرته هذه السياسة التي يفرضها “تراجان”. لكن على الرغم من إمكانية حصوله على معلوماته بطريقةٍ خاطئة، إلاّ أنّ نظرة “سوتونيوس” إلى المسيح على أنه محرّض تناسب النظرة العامة “ليسوع صانع المشاكل”. بينما يرى “لوقيان” المسيحيّة على أنها حركة خطيرة فلسفياً ودينياً، ويعود ذلك جزئياً إلى أن يسوع كان “السفسطائيّ المصلوب”.

وعندما يدعو “كلسس” يسوع بالساحر، معتمداً على الجدلية اليهوديّة والوثنية، فإنه يحرّك مخاوف كامنة من حركاتٍ دينيّة. يرى هؤلاء الكتّاب الكلاسيكيون المسيح من خلال المسيحيّة، ولذلك لا يحبّون ما يرونه. “مارا” فقط، وهو الكاتب غير الرومانيّ الوحيد هنا، يرى ملك اليهود الحكيم شخصاً طيباً، شخصاً تستمر حركته بشكلٍ جيّد. لكنّ لا يمكن أن تكون مجردّ مصادفة أنً المعارض الوحيد للإمبراطورية هو الوحيد بين مصادرنا الكلاسيكيّة الباقية ليكون إيجابياً حيال يسوع.

[1]  الدوردية: عقيدة تعبد عدداً من الآلهة، وكان أتباعها من السلتيين في أوروبا، يعتقدون بقدسية بعض النباتات والأشجار. ويقولون إن الروح خالدة تتقمص جسداً آخر بالوفاة. ويقدمون القرابين التي ربما كان منها بشر. وقد حاول الرومان القضاء على الدوردية إلا أنها بقيت حتى القرن السادس م عندما تحول السلتيون إلى المسيحية.

يسوع التاريخي في المصادر القديمة (ملخص)

كلسس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

كلسس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

كلسس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

الجزء الخامس – كلسس

كلسس: المسيح الساحر

في وقتٍ ما حوالي عام 175 للميلاد، وبعد فترةٍ قصيرة من كتاب “لوقيان” “بيريغرينوس” كتب “كلسس” وهو مفكّر من أتباع الأفلاطونية المحدثة، هجوماً على المسيحيّة تحت عنوان “العقيدة الحقّة- True Doctrine”، وهذا العمل هو أقدم هجوم شامل معروف على المسيحيين. فقد تبنّى “كلسس” هجوماً شاملاً: ضدّ الأصل اليهوديّ للمسيحيّة، وقادتها الأوائل، وتعاليمها وممارستها.

مع أنّ كتاب العقيدة الحقّة فّقِد إلاً أن جزءاً كبيراً منه، يُقدّر من 60 إلى 90% موجود ضمن ردّ “أورجين” الشديد والمطوّل، على “كلسس”، الذي كتب حوالي 250 للميلاد. وبالنظر إلى الفاصل الزمني الطويل بين عمل “كلسس” وردّ “أورجين”، أي حوالي 70 عاماً، نجد أنّ كتاب العقيدة الحقّة تمتّع بأثر طويل. ولا يجب علينا التركيز على الصياغة والكلمات بشكلٍ كبير لأننا لا نملك كلمات “كلسس” الدقيقة، بل لدينا ما ينقله عنه خصمه الأدبيّ “أورجين”.

ومع أنّ “أورجين” ينقل معظم المقتطفات من “كلسس” بشكلٍ اقتباسات مباشرة إلاّ أنّ الحذر مطلوبٌ هنا. برغم ذلك، فإن معظم الباحثين يعتقدون أن “أورجين” نقل ملاحظات “كلسس” عن المسيحيّة بدرجةً كبيرةٍ من الدقّة.

يقدّم لنا كتاب “كلسس” منظوراً قّيماً عن المسيحيّة من قبل واحدٍ من أكثر مبغضيها المثقفين وضوحاً. كما أننا نحصل على معلومات عن ردود الفعل اليهوديّة تجاه المسيحيّة في القرن الثاني، وذلك لأن “كلسس” استفاد بشكلٍ كبير من الجدلية اليهوديّة المعاصرة ضد المسيحيين. وستكون هذه الجدلية ذات أهميّة عندما ندرس الروايات اليهودية الأولى عن يسوع في الفصل القادم.

يستهلً “كلسس” عمله بمقدًمة. أمّا الجزء الأساسيّ الأول من عمله، والذي أعيد سرده في الكتاب الأول من عمل “أورجين” المسمى “ضدّ كلسس”، فهو بحث في عدم أصالة العقيدة المسيحيّة. وهنا لا يظهر إلاً عدد قليل من الإشارات إلى يسوع التاريخيّ، والتي ستُكرر وتفصّل بشكلٍ أوسع لاحقاً، ( الجزء الأساسيّ الثاني- 1.28-1.79)، فهو يتضمن جدليّة ضدّ اليهود الذين أصبحوا مسيحيين، على لسان أحد اليهود.

يحتوي هذا الجزء الإشارة الأشمل ليسوع. بينما الجزء الثالث هو مقارنة بين المسيحيّة والفلسفة والدين الروماني اليوناني. والجزء الرابع هو نقد للعقيدة المسيحيّة وخاصةً النبواءات المسيحية، مع إشارةٍ بسيطة إلى يسوع. والجزء الخامس هو مقارنة غير إطرائية للمسيحية واليهودية، أما الجزء السادس فيمثّل هجوماً آخر على العقيدة المسيحية، مع إشارةٍ ضئيلة إلى يسوع. ويلي ذلك مناقشة للتعاليم المسيحيّة حول الله، ومن ثمّ جزء حول تعاليم إعادة البعث، وأخيراً هجوم على الحصريّة المسيحيّة.

ويشنّ “كلسس” هجوماً واسعاً ضدّ يسوع بوصفه موجد هذه العقيدة. ويقوم بانتقاص وذمّ نسب يسوع وحبل أمّه به وولادته وطفولته، ودعوته، وموته، وإعادة بعثه وتأثيره المستمرّ. وفقاً لـ”كلسس” فإن نسب يسوع يعود إلى قريةٍ يهوديّة (ضد كلسس-1.28)، وكانت أمّه امرأةً قرويّةً اكتسبت عيشها عن طريق غزل الملابس (1.28). وقام بمعجزاته عن طريق الشعوذة (1.28، 2.32، 2.49، 8.41). كان يبدو قبيحاً وصغيراً (6.75).

وقد أبقى يسوع على جميع التقاليد اليهودية، بما فيها التضحية في المعبد (2.6). وجمع حوله عشرة أتباعٍ فقط، وعلّمهم أسوأ عاداته، بما فيها التسوّل والسرقة (1.62، 2.44). كان هؤلاء الأتباع، العشرة من البحارة وجامعي الضرائب، الوحيدين الذين استطاع إقناعهم بإلوهيته، لكن الآن يقوم أتباعه بإقناع العديد من الناس (2.46). أتت أنباء إعادة بعثه من امرأة مخبولة، وكان التصديق بإعادة البعث نتيجة شعوذات يسوع، وتفكير أتباعه التوّاق، أو الهلوسات المنتشرة بينهم على نطاق واسع، كلّ ذلك كان من أجل إبهار الآخرين وزيادة احتمال أن يصبحوا متسوّلين (2.55).

تأتي إشارة “كلسس” الأشمل إلى يسوع في: (1.28)، حيث يلخّص “أورجين” هجوم “سيلسس” على يسوع، والكلمات التي يُرجّح أنها مقتبسة من “كلسس” وضعنا تحتها خطاً:

يقوم بتصوير اليهود يتحدّثون مع يسوع نفسه، ويواجهونه بعدّة تهم: أولاُ، أنه لفّق قصّة ولادته من عذراء. وقام “كلسس” بتعييره لأنه أتى من قريةٍ يهوديةٍ، ومن امرأةٍ ريفيّةٍ فقيرة كانت تكسب عيشها من الغزل. ويقول: إن زوجها، الذي كان يحترف النجارة، طردها عندما أُدينت بالزنا. ومن ثمّ يقول: إنه بعد أن طردها زوجها، وبينما كانت تجول بخزي، ولدت يسوع سراً. ثم يقول: إن “يسوع” عمل أجيراً في مصر لأنه كان فقيراً، وهناك تعلّم بعض الحيل السحريةً التي افتخر المصريون بامتلاكها. ومن ثمّ عاد مفتخراً بهذه القوى، وأعطى نفسه لقب إله. (ضد كلسس- 1.28).

وبعد ذلك يتوسّع “سيلسس” في تهمة عدم الشرعية، فيقول: على أية حال، دعنا نعد إلى الكلمات على لسان اليهوديّ التي وصفت والدة يسوع على أنها طُردت من قبل النجّار الذي كان مخطوباً لها، لأنها أدينت بالزنا، وكان لها طفلٌ من جنديّ يُدعى “بانتيرا”. (ضدّ كلسس- 1.32).

وأخيراً يقول “كلسس”:

هل كانت والدة يسوع جميلة؟ هل أقام الله علاقة معها لأنها كانت جميلة، على الرغم من أنه لا يستطيع أن يُحبّ جسداً فانياً بطبيعته؟ من غير المحتمل أن يكون الله قد وقع في حبها، حيث أنها لم تكن غنيّةً ولا من أصلٍ ملكيّ. بالفعل، لم تكن معروفةً حتّى لجيرانها. ويهزأ عندما يقول: عندما كرهها النجّار وطردها لم تستطع القوّة الإلهية ولا موهبة الأقناع بتخليصها. ويعلل ذلك بقوله: إنّ هذه الأشياء ليس لها علاقة بمملكة الله. (ضدّ سيلسس- 1.39).

تُعدّ هذه التهمة “بغير الشرعية” أقدم عبارات مؤرخّة من التهم اليهودية بأنّ ولادة يسوع كانت نتيجة زنا، وأنّ والده الحقيقيّ كان جندياً رومانياً يُدعى “بانتيرا”. كان اسم “بانتيرا” شائعاً بين الجنود الرومان في تلك الفترة، لكنّ معظم المحللين يعتقدون أنّ بعض اليهود استخدموا هذا الاسم بسبب تشابهه مع الأصل اليوناني لكلمة “عذراء”.

في هذه الحالة، سيعني هذا أنّ الأمر مجرّد ردّ فعل يهوديّ لعقيدة الحبل بلا دنس المسيحيّة، والتي لم تُصبح موضوعاً مسيحياً رئيسياً حتّى قرابة نهاية القرن الأول. كما نجد أن “سيلسس” يقدم يسوع الذي يعلن ولادته من عذراء وهو ما لم يظهر في الكتابات المسيحيّة بالتأكيد، لكنه أثبت في مناقشات يهوديّة لاحقة.

تتنوع المصادر التي استخدمها “كلسس” لأنه ثقف نفسه حول المسيحيّة إلى حدً كبير، وذلك من خلال الكتابات المسيحيّة، والتواصل الشخصيّ مع مسيحيين. فقد قرأ في إنجيل متّى كثيراً، وفي إنجيل لوقا وفي الرسالة الأولى إلى كورنثوس، كما كان مطلّعاً على كتبٍ مسيحيّةٍ أخرى. وقد علم برواية متّى عن موت يسوع وإعادة بعثه ببعض تفاصيلها.

وبيدو أنه قرأ كتابات بعض الاعتذاريين المسيحيين الأوائل غير المعروفين لنا الآن. كما عرف “سيلسس” عن المسيحيّة المارسونيّة[1] والطوائف الغنوصيّة، ولا نستطيع الجزم إن كانت معرفته هذه من خلال كتاباتهم أو من طرقٍ أخرى. يقدّم كتاب “كلسس” للجدلية اليهوديّة عن يسوع على أنها جدلية معاصرة. لكن “أورجين” يشكك بهذا، ويرى الباحثون أنها أداةً أدبيّةً وظّفها “سيلسس” ليعطي وحدةً لمعلومات متفرقة انتقاها من عدّة أدبيات يهوديّة.

إن قيمة تعليقات “كلسس” حول يسوع التاريخيّ محدّدة، لكن يجب أن لا تكون استنتاجاتنا نهائيّة لأننا لا نملك الكلمات الدقيقة من العقيدة الحقيقية، ولا يمكن التأكد من أنّ “أورجين” قدّم هذا الترتيب الدقيق لكتاب “سيلسس”. على أية حال، فإن هجوم “كلسس” على المسيحيّة كان هجوماً فلسفياً وليس تاريخياً. إن معلوماته الأكثر تفصيلاُ عن يسوع قد شُوهت بجدليّته الجادّة، التي يشكّل الهجاء جزءاً منها.

على أية حال، من الواضح أنّ “سيلسس” مصدر غنيّ للجدليّة اليهوديّة والوثنيّة ضدّ المسيحيّة، وبدرجةٍ أقلّ، ضدّ مسيحها. وبالفعل يتفرّد “كلسس” بين الكتّاب الوثنيين في نسب الاعتراضات اليهوديّة والرومانية اليونانية إلى المسيحيّة. ويُعدّ شاهده على العرف اليهوديّ قيماً جداً وسنتطرق له لاحقاً في الفصل الثالث. لكنّ تناوله للمسيح لا يحمل قيمةً كبيرةً في بحثنا عن يسوع التاريخيّ وذلك بسبب جدليته وتحيّزه.

لقراءة بقية السلسلة:

[1] المارسونيّة (الماركونية): تعدها الكنيسة المسيحيّة من الهرطقات الكبرى التي واجهتها، والمارسونيون هم أتباع مارسيون القائل بالإلهين: إله اليهود القاسي، والإله الحقيقي المحتجب، ويرى أن المسيح اختفى فجأة ثم رجع. انتشرت هذه الدعوة في روما في القرن الثاني الميلادي.

كلسس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

Exit mobile version