يسوع التاريخي في المصادر القديمة (ملخص)

يسوع التاريخي في المصادر القديمة (ملخص)

 

يسوع التاريخي في المصادر القديمة (ملخص)

يسوع التاريخي في المصادر القديمة (ملخص)

يمكننا الآن أن نجمع خيوط دراسة يسوع التاريخي في عدّة نتائج أساسية: أولاً، نلاحظ تنوعاً كبيراً للشواهد على يسوع لدى الكتّاب الكلاسيكيين، فقد حظي الكتّاب الرومانيون المشهورون في مجال التاريخ والشؤون الإمبراطورية بالأهمية الكبرى هنا مثل: “سوتونيوس” و”تاسيتوس” و”بليني الأصغر”. في الطرف الآخر من المشهد، أسهم الكتّاب غير المعروفين لدرجةٍ كبيرة، مثل: “مارا” و”ثالوس” بأصواتهم أيضاً.

أما الفلاسفة المعارضون للمسيحيّة، مثل “لوقيان” و”كلسس“، فقد كتبوا أيضاً عن المسيح. لقد تنوعت آراء هؤلاء الكتّاب: فمنهم “مارا” الذي رٌبما كان متعاطفاً مع المسيح، ومنهم “بليني” الذي كان عدائياً إلى حدّ ما، وآخرون كانوا عدائين تماماً، لكنهم كانوا وصفيين مثل: “تاسيتوس” و”كلسس”.

ونلاحظ أيضاً تنوعاً في اللغات المستخدمة، مثل: اللاتينية، وهي اللغة الرسمية لروما، واليونانية، وهي اللغة الأدبية الشائعة ولغة التجارة، والسريانية، اللغة الرئيسية لشرق حوض المتوسط. وقد قدّموا معاً مجموعةً من المواضيع عن تعاليم يسوع، وحركته، وموته. وكانوا يعلمون أنً يسوع يُبجّل من قبل المسيحيين، الأمر الذي نسبوه إلى أنه موجد هذه الحركة.

ثانياً، حتّى مع إشارتنا إلى هذه الشواهد المتنوعة على يسوع التاريخي، يظهر السؤال المضادّ: لماذا لا يوجد المزيد من الإشارات الكلاسكية عن يسوع؟ وخاصّةً بين الكتّاب الرومان؟ فغالباً ما يشتكي الكتّاب عن موضوع يسوع خارج العهد الجديد من قلًة الإشارات إلى يسوع في الأدب الكلاسيكيّ.

على الرغم من أنّ تفسير “خلو الذكر” غالباً ما يكون أمراً صعباً، إلاّ أنّه يمكن الوصول إلى جواب محتمل لهذا الأمر. فبالنظر إلى العهد الجديد والكتابات المسيحيّة الأولى فعلاقة المسيح مع الدولة الرومانية كانت أمراُ مهماً بالنسبة للمسيحية على نحوٍ دائم.

إلاّ أنّ المسيح لم يكن بذات الأهمية بالنسبة لروما، وذلك بالنظر إلى الكتابات الرومانية. فقد كانت الإمبراطورية والحكومة مشغولةً بأمورٍ أخرى بدت أكثر أهمية بالنسبة لهم، كما يشير تناول “تاسيتوس” و”سوتونيوس” و”بليني” للمسيح بشكلٍ جزئيّ فقط. وقد رأينا أنّ المسيحيّة لقيت بعض الاهتمام، بينما لقي المسيح القليل من الاهتمام، أمّا “يسوع التاريخي” فلم يلق إلاّ قليلاً جداً من الاهتمام.

وتعكس النسخ الرسمية الثلاث من قاموس أوكسفورد الكلاسيكي اهتمام العالم الكلاسيكيّ المتزايد بالمسيحيّة، لكنه يظهر عدم الاهتمام النسبيّ بيسوع، حيث يوجد في هذه النسخ مقال أساسيّ حول “المسيحيّة” لكن لا يوجد أيّ مقال حول “يسوع”.

ويمكن تحديد الموضوع بشكلٍ أوضح من خلال السؤال: لماذا لم تكن الإشارات الكلاسيكية إلى يسوع أكثر معاصرةً له؟ حيث أنه كلما كان الشاهد على يسوع أقدم كلّما كان أكثر قيمةً. لقد كان المعاصر الأقرب ليسوع هو “ثالوس” لكنّ شهادته بسيطة وغير مؤكّدة. وجاءت كتابات “تاسيتوس” و”سوتونيوس” و”بليني الأصغر” بعد قرنٍ تقريباً من موت يسوع. أمّا كتابات “مارا” و”لوقيان” و”كلسس” فإنها على فترةٍ أبعد.

وقد أحتجّ أولئك الذين شككوا بوجود يسوع على مرّ القرنين الماضيين بأنّ نقص الإثباتات المعاصرة ليسوع من قبل كتّابٍ كلاسيكيين هو دلالةٌ واضحةٌ على عدم وجوده. إنّ هذا النقص في الدليل الروماني المعاصر قد يبدو أمراً غريباً لكلّ من الباحثين من أصلٍ مسيحيّ وللمسيحيين العاديين اليوم، حتّى ولو أنهم لم يكونوا ميّالين إلى الشكّ بوجود يسوع، فهم يعلمون من الأناجيل الكنسية عن شهرة يسوع في أرجاء الجليل وما بعده. (متّى 4:24، 9:31، 14:1، مرقص 1:28، لوقا 4:37، يوحنا 12:19).

وقد افترضوا أنّ شهرته هذه كانت لتثير الاهتمام الرومانيّ، إن كان بشكلٍ محتمل أثناء حياته، لكن بالتأكيد في الجيل التالي. كما أنهم يفترضون إمكانية وجود سجلّ رسميّ عن محاكمته ومعاقبته. كما أنّ النموّ الأوليّ السريع للمسيحيّة، ومواجهاتها الأولى مع السلطات الرومانية أثار بعض الاهتمام الأدبيّ بالمسيحيّة. ومما يُنقل: أنّ “بولس الرسول” قد قال للحاكم الرومانيّ “فيستوس” عن نشاطاته الخاصّة: “لم تحدث هذه الأمور في الزاوية”. (الأعمال- 26:26)، يمكن أن يُقال بالمثل حول أحداث حياة يسوع.

تجتمع العديد من العوامل لتفسّر لماذا ليس لدينا شواهد رومانية معاصرة ليسوع.

أولاً، لقد ذاعت تقريباً كافّة أعمال المؤرخين الرومانيين الذين عاصروا يسوع، أو عاشوا في فترة خمس وثمانين عاماً بعده. فقد طمست كتابات قرنٍ من التاريخ اللاتينيّ، كل الكتّاب من “ليفي” المتوفي عام 17 للميلاد، وحتّى “تاسيتوس”. والاستثناء الوحيد هو المدائحّ غير المترابطة لـ”فيليوس باتريكولوس”.

لكنه لا يمكننا أن نفترض أنه ذكر يسوع، وذلك لأنّه ما تناوله كان حتّى عام 29 للميلاد فقط، ومن المرجّح أنه كُتب عام 30 عن أحداثٍ جرى معظمها في روما. وبالتأكيد لا يجب أن نفترض أنّ الأعمال التي ضاعت في غياهب الزمن قد احتوت إشارات إلى يسوع. فكلّما كان العمل أقرب زمنياً إلى يسوع، كلّما قلّ احتمال احتوائه أي إشارةٍ إليه.

ثانياُ، يفسّر التأخر الزمنيّ النمطيّ للعالم القديم عدم إتيان الكتّاب الآخرين المعاصرين ليسوع على ذكره. فالتأويل التاريخيّ للأحداث لم يكن مثل “التحليل الفوري” الذي اعتدنا عليه في وقتنا الراهن. كما أنً معظم أعمال الكتّاب الأساسيين، خاصّة المؤرّخين الذين يتمتعون باحترام الذات، كانت تُبنى على مصادر أدبيّة معروفة من كتّاب أقدم وأقلّ شأناً.

وقد بدا هؤلاء غير راغبين أن يكونوا أول من يكتب عن أحداث جديدة نسبيّاً. على سبيل المثال، كان على “يوسيفوس” المؤرّخ اليهوديّ من القرن الأول، في مقدّمة كتابه الحرب اليهودية، أن يبرّر كتابته عن أحداث لم يُسبق أن سُجّلت من قبل. (مقدّمة الحرب اليهودية- 5§15).

ثالثاً، يبدو أنً الكتّاب الرومانيين لم يعتبروا المسيحيّة موضوعاً مهماً للكتابة عنه إلاّ عندما أصبحت تُرى خطراً على روما. ونعلم من العهد الجديد ومن “يوسيفوس” عن عدّة حركات مسيحيّة فاشلة في فلسطين خلال القرن الأول، لكنّ المؤرخين الرومان لا يتناولون أياُ منها. ولم يكونوا ليتناولوا المسيحيّة “اليسوعيّة” ما لم تصبح قضيّةً سياسيّةً واجتماعيّةً مهمّةً بالنسبة لروما، كما تشير رسائل “بليني” إلى “تراجان” وحتّى هنا لا يوجد سوى رسالة واحدة تتعامل مع المسيحيّة وتأتي على ذكر المسيح.

إضافةً لذلك، في حال لم تُرَ المسيحيّة على أنها تهديد للقوّة الرومانيّة، فلم تكُن على الأرجح لتُذكر من قبل كتّاب رسميين مثل: “تاسيتوس” و”سوتونيوس” و”بليني”. ولو أنها لم تُصبح حركةً دينيّةً مهمّةً، لم تكن لتُهاجم من قبل فلاسفة مثل “لوقيان” و”كلسس”. وبوضعها هذا، نظر إليها مؤرخون مثل: “تاسيتوس” و”سوتونيوس” بازدراء، ويبدو أنهم كتبوا عن موجدها على مضض.

سبب رابع يقف خلف النقص في الشواهد الرومانية المعاصرة ليسوع، فلم يكن لدى الرومان اهتمام كبير بالأصول التاريخيّة للمجموعات الأخرى، وخاصّة “الشعوذية” منها. فقد عد الرومان الفصل الذي أثنى عليه المفكرون اليونانيون أمراً عمليّ، وهو في الأغلب ما أبعدهم عن الاهتمام بأصول الآخرين. ويتضّح هذا التوجّه العمليّ في كيفيّة معاملة “تاسيتوس” للديانة الدورديّة[1] واليهوديّة.

يصف “تاسيتوس” الديانة الدروديّة في كتابه “جيرمانيكا” لكنّه لا يأخذ بالاعتبار أصولها أو تاريخها. وعندما يتناول اليهوديّة في كتبه الأخرى فإنه لا يتطرّق إلى تاريخها، ولا يأتي على ذكر حتّى أبرز شخصياتها مثل: موسى وإبراهيم وداود أو المكابين. وأدى المنهج العملي بالرومان إلى النظر إلى الديانات الأجنبية بما هي عليه آنذاك، وإلى ما قد تعنيه للحكم الروماني بغض النظر عن أصولها.

أخيراً، عندما نُدرك أنه لا يوجد أيّ من الكتابات المسيحيّة حول يسوع معاصرةً له، فالإنجيل الأول ربما لم يُكتب حتّى عام 70 للميلاد، عندها يُصبح من غير المنطقيّ أن نتوقّع أيّ كتاباتٍ رومانيّة معاصرة تتناوله. ولا يمكننا في ضوء هذه العوامل أن نتوقّع أن يكون هنالك العديد من الكتّاب الكلاسكيين الذين يكتبون عن يسوع.

وبالفعل، إنّ ما لدينا من إشارات إلى يسوع في كتابات الكتّاب الأساسيين لبداية القرن الثاني، مثل: “سوتونيوس” و”تاسيتوس” و”بليني الأصغر”، هو بالضبط ما يجب أن نتوقّعه، وذلك باعتبار طبيعة الكتابات التاريخيّة والنظرة الرومانية تجاه المسيحيّة. ومن منظورٍ رومانيّ من القرن الأول كان يسوع بالفعل، ونستخدم هنا عبارة “جون مئير” الشهيرة “يهودياً هامشياً” لكنّه انتقل مع بداية القرن الثاني بشكلٍ مذهل من “الهامش” إلى “المتن الأساسيّ”.

النتيجة الثالثة الرئيسة التي يمكننا استخلاصها من دراسة الكُتّاب الكلاسكيين في دراسة يسوع التاريخي هي أنهم يرون المسيح من خلال المسيحيّة. فالمسيحيّة كحركة كانت هي اهتمامهم الأساسيّ، وربّما الوحيد. وغالباً ما كانوا يذكرون المسيح بوصفه موجد هذه الحركة وقائدها ومعلّمها، وذلك إمّا من أجل تفسير اسمها، مثلما فعل “تاسيتوس” أو لتفسير مدحه أو لعنه بوصفه القائد الإلهي للحركة، مثلما فعل “بليني”، أو من أجل تضمين كون المسيحيين شراً، مثلما فعل “كلسس ولوقيان”.

وحده “مارا” كان يتعامل مع الملك اليهوديّ الحكيم بشكلٍ أساسيّ، ومع حركته بشكلٍ ثانويّ. أنّ هذا الترابط القوي بين المسيح والمسيحيّة في أذهان الكتّاب الكلاسكيين يُساعد في تفسير تسميتهم له “المسيح” وليس “يسوع” حتّى في حال أشارت معرفتهم للمسيحيّة بأنهم قد يعلمون الاسم الثاني مثلما كان: “تاسيتوس” و”بليني” و”لوقيان”.

النتيجة الرابعة الرئيسيّة هي بأنّ المعالجة التي تلقاها يسوع في هذه الكتابات كانت سطحيّةً جداً. فالمعالجة التي رأيناها في دراسة يسوع التاريخي تنوّعت بين عدةً كلمات، كما عند “سوتونيوس”، إلى ما هو أكثر من جملة واحدة بقليل، كما عند “تاسيتوس ومارا”، لكن ليس اكثر من ذلك. بالنسبة لأولئك المهتمين بالأصول المسيحيّة فإن هذا يبدو ضئيلاً وسطحياً بشكلٍ ملحوظ. مرّةً اخرى علينا أن نتذكر أنه في هذا الوقت، ما بين 50-150 للميلاد، لم تكن المسيحيّة تعني شيئاً لمعظم الرومانيين إلاّ في مناسبات معيّنة.

علاوةً على ذلك، فقد عرفوها على أنها “خرافات”، وهو مصطلحٌ ورثته المسيحيّة عن المنظور الروماني تجاه اليهوديّة. وربما تكون هذه التسمية، وهي توازي استخدمنا الإزدرائي لكلمة “طائفة” حديثاً، كل ذلك ساعد في إخماد أي اهتمام صغير بموجد المسيحيّة. وكما أشرنا سابقاً، لم يكن الرومان يهتمون بكيفيّة نشوء الطوائف الدخيلة. في الوقت الذي كان يُكتب فيه عن المسيحيّة، كانت حركةً مرفوضةً بشكلٍ كبير ومضطهدةً غالباً.

وبذلك فإن “بليني” يذكر المسيح بشكلٍ مختصر ليشرح العبادة المسيحية، وكيفيّة استعمال اسم المسيح في جعل المسيحيين يتوبون عن حماقتهم. ملاحظات “تاسيتوس” هي الأشمل مما لدينا، لكنّها تبقى أقلّ من جملة، وهي شبه اعتراضيّة. يذكر “ثالوس” يسوع بشكلٍ مختصرٍ فقط لأسبابٍ زمنيّة، ولا يذكر “سوتونيوس” اسمه ومكانه وتاريخه بشكلٍ صحيح.

النتيجة الخامسة، إنّ ما يعرفه الكتّاب الكلاسيكيون عن يسوع يأتي من المسيحيين بشكلٍ كاملٍ تقريباً. حيث يبدو واضحاً أنهم لا يعرفون عنه إلاّ القليل من مصادر بعيدة عن المسيحيّة. وبالنظر إلى العوامل المقدّمة مُسبقاً، لا يجب أن نتوقع مثل هذه المعلومات ولا نُفاجَأ لغيابها. الاستثناء الوحيد المحتمل هو “تاسيتوس”، لكن حتّى هنا من المرجّح أنه استقى معلوماته من مسيحيين، إمّا بشكلٍ مباشر أو عن طريق صديقه “بليني الأصغر”.

وبالنتيجة، لا نحصل على أية معلومات موثقة عن يسوع من الكتّاب الكلاسكيين غير المعلومات التي لدينا من الكتابات المسيحيّة في هذه الفترة. ويبدو أنّ المعارف الأولى عن يسوع لم تنتقل بشكلٍ مستقلّ عن المسيحيّة عبر العالم الروماني الكلاسيكيّ والمناطق المحيطة. والمرجّح أنّ “بيلاطس” لم يبعث بأي تقرير إلى روما عن يسوع، كما أنه لم يكن هنالك أي تقرير سابق عنه إلى الأباطرة.

وبالحكم في كتابة “تاسيتوس” و”بليني” فإن المسيحيّة لم تكن معروفة بشكلٍ جيّد بين الرومانيين عند منعطف القرن. وغالباُ ما يخلص أولئك الذين يكتبون اليوم عن موضوع المسيح ضمن الكتابات الكلاسيكيّة إلى العبارة المتكررة: “لم نحصل على شيء جديد عن يسوع من هذا الكتاب”. وقد يعود هذا إلى التوقع غير العقلانيّ بأنّ شيئاً جديداً عن يسوع يجب أن يصدر عنهم.

تتعلق النتيجة ما قبل الأخيرة بأولئك الذين مازالوا يرون أن يسوع لم يوجد أبداُ. وبما أن الكتابات الكلاسيكيّة لا تحتوي أي شواهد مستقلًة مؤكّدة عن يسوع، وعلى أساس المقاييس الأكثر تشدداُ للإثبات التاريخيّ، لا يكمننا أن نستخدمها لإثبات وجود يسوع. من الناحية الأخرى، وبالنظر إلى طبيعة الدلائل على يسوع من الكتابات الكلاسيكيّة، لا يمكننا أيضاً أن نستخدمها دليلاً حاسماً لدحض وجود يسوع. وللأفضل أو للأسوأ يجب أن يُحدد هذا النقاش بالعهد الجديد. وبمصادر مسيحيّة مبكّرة أخرى.

فعلى الرغم من أنّ الإثبات المستقلّ من قبل الكتّاب الكلاسيكيين المعاصرين هو أمرٌ مستبعد، إلاّ أننا نحصل على تأكيد لبعض النقاط الأساسيّة في حياة يسوع. إن تأكيد المعلومات هو أمرٌ مهم في علم التأريخ كما في العلوم الطبيعية. وإذا كان الكتّاب الكلاسيكيين لم يذكروا يسوع أبداً، أو بالأخصّ إذا كانوا قد ارتأوا أنه خلاصة صناعة الأسطورة المسيحيّة، عندها سيكون الأمر مختلفاً.

فقد عاملوا يسوع على أنه شخصيّة تاريخيّة، موجد حركة، ولم يكن لديهم أي سبب للشك بتاريخيته. وكان من الأسهل “في حال لم يوجد يسوع” تسديد ضربة قويّة للمسيحيّة من خلال إظهار أنها مبنيّة على أسطورة بينما تدعي أنها على أسس تاريخيّة. إلاّ أنّ هؤلاء الكتّاب قبلوا يسوع بوصفه شخصيّةً تاريخيّة، جميعهم ماعدا واحد فقط استخدموا أحداث حياته لتكون حججاً ضدّ المسيحيّة، فقد بدأ حركةً كانوا يدعونها بالخرافات المهلكة، ومن ثمّ أعدم لأنه مجرم.

أخيراً، أصبح من الشائع في البحث الأخير حول يسوع التاريخي اختزال شخصيّته وعمله في كلمة أو عبارةٍ واحدة. فيسوع هو: الحكيم، اليهوديّ الهامشيّ، ساحرٌ يهوديّ قرويّ، ساحر، مشعوذ، البشير المسيحيّ، وهكذا. ولكن ماذا دعاه هؤلاء الكتّاب الكلاسيكيون؟ إن كان بإمكاننا استنتاج ذلك من كتاباتهم؟ في عيون معظم الكتّاب الكلاسيكيين نجد أن يسوع يكون بكلمةٍ واحدة، صانه المشاكل. فقد أوجد وقاد حركةً شعوذة، وربّما كانت تحريضيّة. ويقدّمه “تاسيتوس” على أنه مجرم أُعدم، ويستحقّ أتباعه العقوبة ذاتها.

ويراه “بليني” شخصيّةً طائفيّةً تحمل خرافات خطيرة، وتؤكّد نظرته هذه السياسة التي يفرضها “تراجان”. لكن على الرغم من إمكانية حصوله على معلوماته بطريقةٍ خاطئة، إلاّ أنّ نظرة “سوتونيوس” إلى المسيح على أنه محرّض تناسب النظرة العامة “ليسوع صانع المشاكل”. بينما يرى “لوقيان” المسيحيّة على أنها حركة خطيرة فلسفياً ودينياً، ويعود ذلك جزئياً إلى أن يسوع كان “السفسطائيّ المصلوب”.

وعندما يدعو “كلسس” يسوع بالساحر، معتمداً على الجدلية اليهوديّة والوثنية، فإنه يحرّك مخاوف كامنة من حركاتٍ دينيّة. يرى هؤلاء الكتّاب الكلاسيكيون المسيح من خلال المسيحيّة، ولذلك لا يحبّون ما يرونه. “مارا” فقط، وهو الكاتب غير الرومانيّ الوحيد هنا، يرى ملك اليهود الحكيم شخصاً طيباً، شخصاً تستمر حركته بشكلٍ جيّد. لكنّ لا يمكن أن تكون مجردّ مصادفة أنً المعارض الوحيد للإمبراطورية هو الوحيد بين مصادرنا الكلاسيكيّة الباقية ليكون إيجابياً حيال يسوع.

[1]  الدوردية: عقيدة تعبد عدداً من الآلهة، وكان أتباعها من السلتيين في أوروبا، يعتقدون بقدسية بعض النباتات والأشجار. ويقولون إن الروح خالدة تتقمص جسداً آخر بالوفاة. ويقدمون القرابين التي ربما كان منها بشر. وقد حاول الرومان القضاء على الدوردية إلا أنها بقيت حتى القرن السادس م عندما تحول السلتيون إلى المسيحية.

يسوع التاريخي في المصادر القديمة (ملخص)

تاسيتوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

تاسيتوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

تاسيتوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

الجزء الرابع – تاسيتوس 

تاسيتوس: المسيح المعدوم

يُعتبر “كورنيليوس تاسيتوس” بشكلٍ عام أعظم مؤّرخٍ رومانيّ، ومع ذلك فنحن لا نعرف نسبه، أو مكان وتاريخ ولادته وموته، ربّما عاش ما بين 56 و120م، وحتّى اسمه الأول ربّما كان بابليوس أو غايوس. لكننا نعرف أنه شغل عدداً من المناصب الإداريّة المهمّة، بما فيها القنصل الروماني لآسيا ما بين 112-113م، حيث كان قريباً من صديقه “بليني الأصغر”.

تناول عمله “التاريخ” من سنة 69 إلى 96 ميلادية، وهي فترة حكم الأباطرة “غالبا”، “أوثو”، “فيتيليوس”، “فيسباسيان”، “تيتوس”، “دوميشين”. ويتألف هذا العمل على الأرجح من اثني عشر كتاباً، بقى منها الكتب الأربعة الأولى وجزء من الكتاب الخامس. وكان آخر عمل غير منتهٍ لـ”تاسيتوس” هو “الحوليات”، الذي يرجع تاريخه إلى حوالي 116م، ويتناول الأحداث خلال الأعوام 14 حتى 68 للميلاد، أي منذ موت أوغسطس وحتى نيرون، وقد ضمنها 16 أو 18 كتاباً. ولم يبق من “الحوليات” إلاّ أجزاء الكتب 1-4، والكتب 12-15 فقط فهي التي بقيت سليمة.

يُعدّ “الحوليات” واسمه الفعليّ: “منذ موت أوغسطس المعظّم”، أفضل أعمال “تاسيتوس” كما حظي باعتراف المؤرّخين على أنه أفضل مصادرنا للمعلومات عن هذه الفترة. ويكتب “تاسيتوس” بشكلٍ موجز ولكنه مُعَبِّر. ويبدو أنه يستخدم مصادره بحذر، حيث يكتب رواياتٍ لم يُطعن في دقّة أساسها بشكلٍ جديّ ابداً. وخلافاً لـ”سوتونيوس” فهو لا يهبط إلى مستوى نشر الشائعات والفضائح لإثبات وجهة نظره عن الإباطرة.

ويتّصف أسلوبه العامِّ بالتشاؤميّة، حيث يروي محنة الشعب الروماني وحالته في ظلّ النظام الحاكم، الذي أنتج سلسلة من الإباطرة غير الأكفاء غالباً، وغير الأخلاقيين عامّةً، من “تيبريوس” وحتّي “نيرون”. وقد علم “تاسيتوس” أنّ الإمبراطورية الأولى سوف تبدو فترةً سيّئةً، ولذلك فإن تحليلاته كانت لها استخداماتها لكنها قلّما حققت أي متعة – (الحوليات 4.339).

إن إساءات النظام الإمبراطوريّ قد أدّت إلى فسادٍ دينيّ وأخلاقيّ وسياسيّ لدى الشعب الرومانيّ، وقد أدّي هذا الفساد إلى عدم قدرة الطبقة الأرستقراطيّة إلى نقد التصرفات الفاسدة للإباطرة، واعتناق الناس في روما ذاتها مناهج دخيلة، بما فيها دياناتٍ دخيلة كالمسيحيّة.

كانت روما في حالة انحدار، إلاّ أن “تاسيتوس” لم يعتقد أن سقوطها كان أمراً حتمياً، فكان يكتب مؤمناً بنبُل الكتابة التاريخية الجيدة وتأثيرها الإخلاقيّ الإيجابيّ، وخاصّة على الأفراد الذين صاغوا مسار التاريخ، وهذا ما كان يعتقده معظم الرومانيين.

ونحصل على هذا التأثير الإيجابيّ من خلال إطراء الأفعال الحميدة والثناء عليها من أجل الأجيال القادمة، وشجب الأفعال السيئة بغية التأثير على الحكّام إيجابياً- (3.65)، وأن يتعلّم القارئ كيف يميّز الصواب من الخطأ – (4.33). كانت أعمال “تاسيتوس” منتشرةً بشكلٍ كبير في زمنه، وقد لا يكون من المبالغة القول: إنّ الإصلاح الذي حصل في الحكومة الرومانية في القرن الثاني يعود جزئياً إلى تأثير كتاباته.

تصف الأجزاء 38 وحتّى 45 من الكتاب 15 من “الحوليات” الحريق الكبير في روما وآثاره في عام 64م، الأمر الذي أدّى إلى تقديم المسيحيين والمسيح إلى قرّائه. ويبدأ “تاسيتوس” وصفه المطوّل للحريق بطرح السؤال عن هويّة المسؤول عن الحريق. يقول: “وبعد هذا حلّت كارثةٌ أخطر وأسوأ من كلّ الحرائق التي حلّت بالمدينة. ولا يمكن التأكيد إن كانت الطبيعة أم سوء الإمبراطور وراء الحريق، حيث تعتمد كلّ نسخةٍ مراجعها الخاصّة”- (الحوليات 15.38.1). يقدّم “تاسيتس” وصفاً حياً مفصّلاً للحريق، حيث أن الوصف الموجز لا يفيه حقّه.

ويكفي القول هنا أنّه في الصباح المبكّر من 19 تمّوز عام 64 للميلاد، اندلع حريقٌ في منطقة “سيركس ماكسيموس- السرك الأعظم”، وظلّ ينتشر مدّة ستة أيام، وخاصّة في الأقسام السكنيّة من المدينة رغم كلّ الجهود المبذولة لإخماده. وتمكّنت السلطات في النهاية من إخماده عبر تدمير أجزاء من المدينة. لكنّ النار اندلعت من جديد وانتشرت مدّة ثلاثة أيام في مناطق أخرى من روما.

وبالمجمل، فمن أصل أربعة عشر قسماً من روما تمّ تدمير ثلاثة أقسام بالكامل، وتضررت سبعة أقسام، ولم يتبقّ إلاّ أربعة أقسام سليمة. وفضلاً عن الأضرار الماديّة والخسائر البشريّة فقد فُقد العديد من الكنوز الثقافية القديمة.

قدّم “نيرون” الكثير من العون في البداية في مساعدة المنكوبين والمشرّدين، ومن ثمّ في إعادة الإعمار الذي أدّى إلى مدينة مقاومة للنار وأجمل بكثير. لكن سرعان ما تبيّن أنه اراد استخدام قطعة أرضٍ خاصّة لبناء قصرٍ كبير، “القصر الذهبي- دوموس أورا”، في قلب روما. وقد أدّى هذا الأمر، بالأضافة إلى عدد من الأحداث المريبة التي جرت أثناء وعقب الحريق، إلى انتشار شائعات أنً “نيرون” هو من أمر بافتعال الحريق.

ويبدأ “تاسيتوس” الفصل 44 بغموضٍ مقصود، حيث يعدد في البداية الإجراءات الرسمية التي اتُخذت من أجل التعامل مع آثار الحريق، المرجّح حدوثه بتوجيهٍ من “نيرون”. وتمّ إرضاء الآلهة بمراسم خاصّة. كما تمت استشارة كتب العرافة، مما أدى لتقديم صلوات أكثر للآلهة: “فولكان”، “غيريس”، “بروسريين”، “جونو”. كما أقيمت مآدب عشاء وصلواتٌ استمرت طوال الليل من قبل نساءٍ متزوجات. ومن ثمَّ يكشف “تاسيتس” عن أسباب هذه الإجراءات:

– لم تُفلح الجهود البشرية ولا كرم الإمبراطور ولا حتّى استرضاء الآلهة بإنهاء الاعتقادات المشينة أنّ الحريق كان مفتعلاً. وبالتالي، ولإخماد الشائعات، قام “نيرون” بتحويل الأتهام إلى أولئك الذين كُرهوا لأعمالهم المشينة، ومعاقبتهم بأكثر الطرق غرابةً، والذين كانت العامّة تدعوهم “المسيحيين”. وقد أُعدم موجد هذا الاسم: المسيح، في فترة حكم “تايبريوس” على يد الإمبراطور “بيلاطس البنطي”.

وبعد إخمادها بفترة من الوقت، عادت الإشاعات الفتاكة للظهور مرّةً أخرى ليس في منطقة يهودا، مصدر هذا الشرّ، فحسب بل في مدينة روما أيضاً، حيث تجتمع كافّة الأشياء السيئة والمشينة من كلّ مكانٍ وتصبح شائعة. ولذلك، تمّ بدايةً اعتقال أولئك الذين اعترفوا بالأمر، ومن ثمّ وبناءً على معلوماتهم أُدين عددً كبير من الناس، ليس من أجل افتعال الحريق بل من أجل بغض الجنس البشريّ.

وأضيفت السخرية إلى نهايتهم، فقد كانوا يُغطّون بجلود الحيوانات الميّتة ويتركون للكلاب تمزّقهم، أو أنهم يصلبون وفي نهاية اليوم يحرقون كالمشاعل. قدّم “نيرون” حدائقه لتكون مكاناً للعرض، كما خصص عرضاً في سركه، مندمجاً مع الناس في ملابس سائق عربات، أو واقفاً على عربة السباق خاصتّه. ولذلك نشأ شعورٌ بالشفقة على الرغم من الذنب الذي يستحقّ أقسي العقوبات ليكون عبرةً يحتذى بها، وذلك لأن الجميع أحسّ أنهم يُعاقبون على هذا النحو إرضاءً لوحشيّة رجلٍ واحد وليس من أجل المصلحة العامّة.

تمّ التشكيك بأمانة هذا الجزء في موضوعٍ ما، حيث يحمل النصّ بعض الإشكليات المهمّة كما تُظهر النسخ القياسيّة النقديّة. أدّت هذه الإشكاليات وغيرها في تفسير النصّ إلى عددٍ من الإدعاءات حُرّفت كلّها، أو الأجزاء الرئيسيّة منها. لكن هنالك أسباباً وجيهة تجعلنا نوافق الغالبية العظمى من الباحثين على أنّ هذا النصّ صحيحٌ بشكلٍ أساسيّ، على الرغم من الإشكاليات الناتجة بشكلٍ كبير عن أسلوب “تاسيتس” المختصر.

فهذا الفصل عامَةً يحمل نمط “تاسيتس” من حيث أسلوبه ومحتواه، كما ينسجم النصّ مع سياقه، ويُعتبر الخاتمة اللازمة للنقاش السابق حول حريق روما. وبما أن كتاب التأريخ لـ”سلبيسيوس سيفيروس” يتطابق مع جزءٍ كبيرٍ منه في بداية القرن الخامس، فلا بُدّ أنّ معظم التحريفات قد حدثت في الفترة الممتدة بين القرنين الثاني والرابع.

وبسرور ظاهر تشير “نورما ميلر” إلى أن “مفسّري النصوص القديمة من الوثنيين، ذوي النوايا الحسنة، لا يعبّرون عن أنفسهم بأسلوب “تاسيتوس” اللاتيني”، ويمكن أن يُقال الشيء نفسه عن الكتبة المسيحيين. وأخيراً، لا يمكن أن يكون أيّ من المزورين المسيحيين قد أشار إلى المسيحيّة بهذا الازدراء كما رأينا في “الحوليات 15.44″، إضافة إلى أنه لم يكن موضوعاً وصفياً فقط عند إضافة معلوماتٍ عن المسيح في “15.44.3”.

وتأتي الصعوبة النصيّة الوحيدة ذات الأهمية الخاصّة بدراستنا من الاستخدام الأول والوحيد لكلمة “مسيحيين” في الفصل 44. فمعظم النسخ النقدية القديمة تَقرأ “Christianoi”: “مسيحيين”. على أية حال، فإن النصّ الأصليّ لأقدم مخطوطة باقية، من الحقبة الثانية لعائلة “ميديتشي” في القرن الحادي عشر الميلادي، والتي تُعدّ بشكل شبه مؤكّد مصدر كافّة المخطوطات الباقية الأخرى، يَقرأ Chrestianoi: “كريستونيين”.

ويصححها أحد المفسّرين الثانويين لتُصبح Christianoi، وهي القراءة الأكثر تفضيلاً على أنها الأقدم والأصعب، وتتبناها النسخ النقدية الحالية الثلاث، ويستخدمها الباحثون الحديثون، كما أنها تُعطي معنًى أفضل ضمن سياقها.

ويصحح “تاسيتوس”، بإسلوبٍ مطابقٍ لنمطه الاختزاليّ، الفهم الخاطئ لكلمة “العامّة” بكتابة أنّ موجد هذا الاسم هو “المسيح” وليس “كريستوس” الاسم الشائع الذي أعطته العامّة ضمنياً. كان يمكن لـ”تاسيتوس” أن يكتب “موجد هذه الخرافات”، أو شيئاً مشابهاً، لكنّه يلفت انتباهنا بعبارته، الغريبة إلى حدً ما، إلى اسم الحركة من أجل ربطها مباشرةً وبشكلٍ صحيح باسم المسيح. ولا يمكننا التأكد من قراءة “كريستونيين” بسبب النقص في المخطوطات، لكن على العموم فإنها مرجّحة أكثر من “مسيحيين”.

أمّا الأدب الثانوي الذي يناقش كتابات “تاسيتوس” فهو شامل، وتتمثل أكبر مشكلةٍ في الدراسة الإكاديمية للفصل 44 في الربط بين الحريق واضطهاد “نيرون” للمسيحيين. هل كان “تاسيتوس” على حقّ في الربط بينهما بهذه القوّة؟ أم هل هما حدثان غير مرتبطين؟ كما يؤكّد كافّة المؤرّخين القدماء الباقين الذين كتبوا عن الحريق، وهل كان “نيرون” من أمر بافتعال الحريق؟ أم أنه كان حادثةً وحسب، أم هل صحيحٌ أنّ المسيحيين هم من أشعل النار؟ وتحت أي سلطةٍ قانونيّة أو حكمٍ قضائيّ تمّ معاقبة المسيحيين؟

ويمكن أن نتناول هذه الإشكليات ها هنا لأنها تؤثّر على موضعنا الأساسيّ، من خلال ما يقوله “تاسيتوس” عن المسيح. فمن بين كافّة المؤلفين الرومان، يقدّم لنا “تاسيتوس” أكثر المعلومات دقّة حول المسيح. لكنّ ما يقوله بشكلٍ واضح حول المسيح ينحصر في بداية جملةٍ واحدة في 15.44.3:

“أُعدم موجد هذا الاسم، المسيح في فترة حكم “تايبريوس” على يد وكيل الإمبراطور “بيلاطس البنطي”.

وفيما يلي نتتبع العناصر الأساسيّة الثلاثة لهذه العبارة: “اسم المسيح”. والمسيح بوصفه موجد حركة المسيحيين. وإعدامه في فترة حكم “تايبريوس” على يد وكيل الإمبراطور “بيلاطس البنطي”.

وكما رأينا، فإن “تاسيتوس” يهجئ كلمة “المسيح” بشكلٍ صحيح، ويستخدم هذه التهجئة ليصحح الخطأ الشائع “كريستوس”. ويتسم عمله بالمجمل بالانتباه لدقة التفاصيل. وبالنسبة “لتاسيتوس” فإن المسيحيين، وبالتالي موجدهم، ليسوا بالتأكيد “الكريستونيين”، أي “الجيدين والطيبين”، وبالأحرى فهم مكرهون لأعمالهم الشائنة- (15.44.2).

إن الكلمة التي يستخدمها “تاسيتوس” لوصف الأعمال الشائنة هي “flagitia”، وهي الكلمة التي استخدمها من قبل في (15.37) عن نيرون. ويقول: إن المسيحيين أصحاب “خرافات مهلكة” – (15.44.3)، ويحملون ذنباً يستحقّ أقسى العقوبات ليكون عبرةً يحتذى بها – (15.44.5).

يستخدم “تاسيتوس” كلمة “مسيح” على أنها اسم شخصيّ. وعلى ضوء الدقة التوثيقيّة التي تميّز عبارات “تاسيتوس” عن المسيح، فلماذا لم يستخدم “تاسيتوس” الاسم الشخصيً “يسوع”؟ ولا يمكن أن ننتقص من دقّة “تاسيتوس” الكليّة بسبب اعتباره كلمة “مسيح” اسماً شخصياً، وعدم معرفته اسم “يسوع” وذلك لسببين: أولاً، توجّه العهد الجديد نفسه إلى استخدام كلمة “مسيح” على أنها اسم علم مستقلّ عن “يسوع”.

ويمكن أن يكون هذا التوجّه قد انعكس في الاستخدام الذي وصل “تاسيتوس”، كما كان الأمر بالتأكيد في الاستخدام المسيحيّ الذي وصل “بليني” – (الرسائل 10.96). ثانياً، وأكثر أهميّة، حتّى لو أن “تاسيتوس” كان يعرف اسم “يسوع” فعلى الأرجح أنه لم يكن ليستخدمه في هذا السياق، لأن ذلك كان ليتداخل مع تفسيره لأصل “المسيحيين” من “المسيح” مما سيُربك قرّاءه.

يدعو “تاسيتوس” المسيح بموجد هذا الاسم لـ”المسيحيين”. ولا يعني هنا أن المسيح قد أسمى حركته تيمناً باسمه، بل إنّ عبارة “موجد هذا الاسم” تعني أن المسيح هو موجد الحركة التي تحمل اسمه، وبذلك يكون هنالك رابطً ماديّ بين الاسمين. فهم يُدعون المسيحيين لأنهم ينتمون إلى جماعة المسيح. هذا الرابط مهمّ في كيفيّة ربطه الضمنيّ للعقاب الذي تلقّاه المسيح مع العقاب الذي تلقّاه أتباعه على يد “نيرون”. كما أن تصريف كلمة “Christianoi” باللاحقة “-ianoi” التي تدلّ على الازدراء، يتناسب تماماً مع هذا السياق، حيث لا يوجد أي شيء جيّد لدى “تاسيتوس” ليقوله عن المسيحيين.

كان من الممكن أن يكتفي “تاسيتوس” بهذا المقدار من وصفه للمسيح، بعد أن فسرّ أصل كلمة “المسيحيين” بنسبها إلى اسمه. لكنًه يتابع بإخبار قرّائه أن المسيح ” قد أعدم في فترة حكم “تايبريوس” على يد وكيل الإمبراطور “بيلاطس البنطي”. يقوم العديد من المترجمين الإنكليز بقلب ترتيب العبارتين” في فترة حكم “تايبريوس” “و” على يد وكيل الإمبراطور “بيلاطس البنطي” إلاّ أنّ “تاسيتوس” وضعها بالترتيب الأمثل الذي يتوجب عليه أثناء الترجمة.

أمّا عبارة “قد أُعدم” فالأصل اللاتينيَ لها يطول قليلاً ليعني “إنزال عقوبة” وخاصّةً عندما تكون عقوبة الموت. لتصبح في هذا السياق “إنزال عقوبة الموت على” أي “إعدام”. يُعبّر “تاسيتوس” عن فكرة الموت بعدّة طرقٍ، ويتناسب هذا التعبير مع أسلوبه. لكنّه لا يقول صراحةً أنّ يسوع قد صُلب. بل إن إعدام “نيرون” للمسيحيين يربط مصيرهم بمصير المسيح الذي أُعدم في فترة حكم “تايبريوس”.

وكما يُشير “هاريس” فإن تكرار الفعل الأساسيّ في الأصل اللاتينيّ يربط العبارتين ببعضهما، كان المسيحيون “يُعاقبون بأكثر الطرق غرابةً” على يد “نيرون” و” أُعدم المسيح” على يد “بيلاطس”. وتتناسب فكرة حرق بعض، أو كلّ، المسيحيين مع العقوبة الخاصّة بافتعال الحريق في القانون الروماني، على أساس الألواح العشر القديمة. وبذلك جعل “نيرون” العقوبة مناسبةً للجريمة، لكنّه طبقها بقسوة وهمجيّة أدّت إلى تعاطف الناس مع المسيحيين.

أخيراً يُشير “تاسيتوس” إلى أن المسيح قد أُعدم في فترة حكم “تايبريوس” على يد وكيل الإمبراطور “بيلاطس البنطي”. (حكم الإمبراطور “تايبريوس” منذ عام 14 وحتى 37 للميلاد). ولا يذكر “تاسيتوس” العام الذي مات فيه المسيح، أو بالطريقة الأنسب: “صُلب من أجلنا المسيح”، وربّما لم يكن مهماً، وكأن قُرّاءه قد فهموا أنها جريمةً ضدّ روما.

كان “بيلاطس البنطي” الحاكم الروماني على منطقة يهودا من عام 26 إلى عام 36، وهي فترة تقع ضمن حكم “تايبريوس”. أُعطي اسم “بيلاطس” المكان في يهودا، والزمان بشكلٍ دقيق متوافق مع الأناجيل الكنسية ومع كتابات فيلون ويوسيفوس. تتفق الأناجيل الكنسية الأربعة أنّ “بيلاطس” هو بالفعل من أعطى الأمر بإعدام يسوع. ويتناسب هنا حكم “بروس”: “يمكن اعتبار أنه من سخرية التاريخ أن الأشارة الوحيدة الباقية إلى بيلاطس، في الكتابات الوثنية، تذكره بسبب حكم الموت الذي أنزله على المسيح”.

يُعدّ وصف “تاسيتوس” لـ”بيلاطس” على أنه وكيل الإمبراطور مفارقةً تأريخيّة، فقبل أن يمنح “كلاوديوس” عام 41 للميلاد كلّ حاكم إقليميّ من طبقة الفرسان لقبَ “وكيل الإمبراطور” كان الحاكم الروماني يُدعى “والي”. وقد أُثبت هذا الأمر من خلال الاكتشاف المثير لحجر بيلاطس في مدينة قيصريّة فلسطين عام 1961، وهو أول دليل كتابيّ لبيلاطس يعود لحوالي عام 31م.

ويقرأ: “إن طبرية [قيصريّة][1]، بيلاطس [البنـ]ـطيّ، [وا]لي يهودا، يمـ[نح]”. حتّى بعد هذا التغيير عام 41م، لا بدّ أنه كان هنالك حرية محددة في استخدام هذين اللقبين، وخاصّة في الكتابات غير الرسميّة. ويتّفق معظم الباحثين أنّ “تاسيتوس” مثل غيره من الباحثين، قد استخدم لقب “وكيل الإمبراطور” الذي كان شائعاً بشكلٍ أكبر في زمنه، بدلاً من اللقب الأقدم والأصحّ تاريخياً “والي”.

وكما يشير “ويلز” فبالكاد يؤثر مثل هذا الخطأ على دقّة عبارات “تاسيتوس” الأخرى عن يسوع. فاسم “بيلاطس البنطيّ” ومكانه وتاريخه معلومات مؤكّدة، كما أنّ الوالي أو وكيل الإمبراطور في يهودا كان يتمتع بصلاحيّة إعدام المجرمين الذين لم يكونوا مواطنين رومانيين.

ولنختم نقاشنا حول مضمون ما قاله “تاسيتوس” عن يسوع، فنجد أنه من الملفت أن معظم ما يقوله “تاسيتوس” عن المسيحيين سلبيٌ بشدةً ويثير أسئلة المؤرّخين، بينما ما قاله بصراحةٍ عن المسيح حياديّ ومقبول على أنه دقيق. وتقتصر إشاراته إلى حياة المسيح إلى إيجاد لحركته وموته، ويقدّم موت المسيح على أنه مسألةٌ رومانيّة فقط. وحتّى في حال علم “تاسيتوس” بالأمر فلم يكن لديه أدنى سبب لذكر مشاركة اليهود فيه.

إضافة إلى أن “تاسيتوس” لا يأتي على ذكر تعاليم المسيح، ولا يفسّر إعادة انبعاث حركته بعد قيامته، كما أنه لا يذكر أن المسيح كان يُعبد من قبل المسيحيين. أخيراً، لا ينسب “تاسيتوس” أيّاً من “أفعال المسيحيين المشينة” إلى المسيح، ربّما أنه لم يستطع لكن “تاسيتوس” ما زال يرى رابطاً سيئاً بين الاثنين. فالمسيحيون يتبعون رجلاً تمّ إعدامه من قبل روما، وهم يستحقّون الموت بشدّة. لكنّ خطأ “نيرون” كان بعقابه للمسيحيين الذي أثار التعاطف العام مع حركةٍ كانت بحقّ مكروهة، حتّى أن “تاسيتوس” نفسه شاركهم هذا التعاطف.

ما هو مصدر معلومات “تاسيتوس” عن المسيح؟ اقترح المؤرخون عدّة أنواع من المصادر، مكتوبة أو شفهية، مسيحيّة ورومانية. وأن نبيّن من أين لم يستق معلوماته، أسهل بكثير من ابيان من أين حصل عليها. أولاً، بالتأكيد لم يعتمد، بشكل مباشر أو غير مباشر، على أيّ كتابات جاءت من العهد الجديد.

ولا يمكن إثبات أي اعتماد كتابي أو شفهي بين وصفه وروايات الأناجيل، فالصياغة مختلفة تماماً، ويتمثّل التقاطع الوحيد بينهما باسم “بيلاطس البنطي”، وهذا أمرٌ يمكن الحصول عليه بسهولة من أيّ مكانٍ آخر. ولم يعتمد “تاسيتوس” في معلوماته على أي وثيقة مسيحيّةٍ أخرى، وذلك بسبب بغضه للمسيحيين.

ثانياً، لا يبدو ان “تاسيتوس” قد اعتمد على أيّ من الشائعات العامّة، لأنه عندها كان سيشير ربّما إلي ذلك بتعبيرٍ مثل “أخبر أو تحدّث”، أو بدعوتها صراحةً بالإشاعات، كما فعل في روايته عن أن “نيرون” قد اعتلى مسرحه الخاصّ ورافق إحراق روما بإغنيةٍ – (15.39)، والتي تحوّلت إلى الفكرة الشعبيّة أنّ :نيرون” كان يعزف على الكمان بينما روما تُحرق.

علاوةً على ذلك، فإن الإشاعات لا تؤدّي عادةً إلى دقّةٍ توثيقيّة عن مواضيع جدليّة مثل المسيح والمسيحيّة. ولا يمكننا أن ننكر إمكانية أن يكون “تاسيتوس” قد وجد هذه المعلومات عن المسيح في تاريخ رومانيّ آخر مفقودٌ الآن، واستخدمها مصدراً له. على أية حال، لا يمكن إثبات هذا الامر أيضاً، لأن “تاسيتوس” نادراً ما يشير إلى المكان الذي يعتمد فيه على مصادره، أو حتّي يسميّها.

مصدرٌ آخر محتمل، لكن غير مؤكّد، هو تقريرٌ الشرطة أو القضاء كُتب خلال التحقيقات بعد الحريق، والذي يمكن أن يكون قد ذكر أصل المسيحيّة. هل وجد “تاسيتوس” سجلاً عن المسيح بين السجلات الرومانية عالية المستوى؟ وقد كان هنالك نوعان من هذه السجلات الرومانية، “كومنتاري برينسيبس- The commentarii principis” و “أكتا سيناتس- The Acta Senatus”. تمثّل “كومنتاري برينسيبس” سجلّ المحكمة للإباطرة.

وتحتوي على سجلاّت مثل الحملات العسكريّة، المراسيم والقرارات وغيرها من إجراءات الإمبراطور القانونية. ويبيّن “تاسيتوس” أنّ هذه السجلات كانت سريّةً ومصانةً، وبذلك لم يكن باستطاعته الاطلاع عليها. ويُسجل في كتايه (التاريخ 4.40) توضيحاً للطبيعة السريّة لهذه السجلاّت، ويبيّن أنّ مجلس الشيوخ كان يرغب باستخدام “كومنتاري برينسيبس” عند التحقيق في الجرائم، لكنّ طلبهم إليها قد رُفض من قبل الإمبراطور بالإدعاء القديم للامتياز الحصريّ.

على الرغم من عدم قدرة “تاسيتوس” على الوصول إلى “كومنتاري برينسيبس” إلاّ أنّه يحتّج على الحالة السيئة المُفترضة للسجلات. ومن المحتمل أن نجد إشارةً أخرى إلى حالة هذه السجلات في رسائل “بليني” إلى “تراجان”، حيث أن “بليني” يقدّم النصّ الكامل في كلّ مرّةٍ يُشير فيها إلي إجراءٍ إمبراطوريّ. النوع الآخر من السجلات الرسميّة “أكتا سيناتس” سجلّ الأعمال والنشاطات الخاصّة لمجلس الشيوخ.

هذه السجلات كانت متاحة، ويقرّ “تاسيتوس” أنه كان يستخدمها، لكنّ تقريراً عن يسوع لن يوجد هنا على الأغلب. لن يكون تقريراً من “بيلاطس” أو من أيّ مسؤولٍ رومانيّ في يهودا، لأن منطقة يهودا كانت ولايةً إمبراطورية وليست تابعة لمجلس الشيوخ، وبذلك فإن حكّام هذه المنطقة لن يبعثوا بتقاريرهم إلى مجلس الشيوخ. لكن من الممكن أن يكون مجلس الشيوخ قد حقق في موضوع الحريق عام 64 وأجرى بحثاً عن المسيح من أجل التوضيح، وانتهى هذا التقرير في أرشيفه.

لكن يبقى هذا الأمر مجرّد افتراض، حيث لا يوجد لدينا أيّ إشارة لها من أيّ مصدرٍ باقٍ. علاوةً على ذلك، يستخدم “تاسيتوس” تعبير “وكيل الإمبراطور” في غير مكانه التاريخيّ، وقد يشير ذلك إلى أنه لم يستخدم وثيقةً رسميّة من السجل الإمبراطوريّ ولا من سجلّ مجلس الشيوخ، لأن هكذا وثيقة لن تقوم بمثل هذا الخطأ.

مصدرٌ ممتعٌ لمعلومات “تاسيتوس” مع أنه غير مرجّح، يمكن أن يُستنتج من القلّة من الكتّاب المسيحيين القدماء. يذكر هؤلاء الكتّاب أنّ “بيلاطس البنطي” كتب تقريراً إلى روما مباشرةً بعد موت يسوع، أو عندما بدأت حركته بالاتساع بعد موته. ويبيّن “يوستونيوس الشهيد”، عند كتابته ” الأعتذار الأول” إلى الإمبراطور حوالي عام 150، أن تقريراً عن محاكمة يسوع ومعاقبته كان يُدعى “سجلات بيلاطس” قد أرسل إلى روما، وأنه كان يحتوي حتّى على دلائل على معجزات يسوع – (الاعتذار الأوّل 48،35).

على الرغم من أن “تيرتولين” يكرر هذا الادعاء ضدّ مارسيون – (19،4.7/ الاعتذار – 12،5)، إلاّ أنه يبدو غالباً غير محتمل. فلا يمكن دعم هذا الادعاء، ولا يوجد لدينا أي أشارة إلى أنّ الحكّام الرومان كانوا يكتبون تقارير عن أفراد من غير المواطنين الرومان الذين حُكم عليهم بالموت. ومن المحتمل أكثر أنّ “يوستونيوس” افترض وجود هذه الوثيقة بمخيّلته الدينيّة لكي يدعم موقف المسيحيّة في أعين الإمبراطور، كما كان يمكن أنّ يدّعي أنّ الإمبراطور يمتلك “سجلاً لإحصاءات السكّان” ويُثبت أنّ يسوع ولد في بيت لحم! – (الاعتذار الأول 34).

أو أنّ “يوستونيوس” كان يعرف وثيقةً مسيحيّة ملفّقة ويعتبرها موثوقةً، كما فعل “تيرتولين”. في العهد الجديد وفي كتابات “فيلون” و”يوسيفوس” اشتهر “بيلاطس” بقسوته وعدم عدله بين رعاياه، ومن غير الممكن تصوّر أنه كان سيبعث تقريراً إلى الإمبراطور يبيّن فيه تفاصيل ما سيصبح أحد أكبر إخفاقاته. حتّى لو أن “بيلاطس” قد نظم تقريراً عن محاكمة يسوع، وهو ما يعتقده قلّة فقط اليوم، فقد كان سيُدرج في الأرشيف الإمبراطوري السريّ ولم يكن ليتوفّر لـ”تاسيتوس” أو غيره من الكتّاب.

وإن تسمية “تاسيتوس” لـ”بيلاطس” بوكيل الإمبراطور بدلاً من الوالي هو دليلٌ على أنّ معلوماته لا تعتمد على وثائق من “بيلاطس” نفسه، فما كان “بيلاطس” يكتب لقبه الخاصّ إلا بشكلٍ صحيح، وعندها كان “تاسيتوس” على الأرجح سينقله بأمانة.

المصدر المرجّح لمعلومات “تاسيتوس” عن المسيح هو تعامله الخاصّ مع مسيحيين، بشكل مباشر أو غير مباشر. وبينما لا يأتي “تاسيتوس” على ذكر أيّ تجربةٍ مع مسيحيين، إلاّ أنه مرّ بفترتين من حياته حيث كان من الممكن أن يكتسب معلومات عنهم. تعود الفترة الثانية إلى كونه حاكم ولاية آسيا. في الوقت ذاته، كان صديقه المقرّب “بليني الأصغر”، حاكم ولاية بيثينيا المجاورة، قد واجه بعض الصعوبات في التعامل مع بعض المسيحيين. وكان من الممكن أن يجري “تاسيتوس” تحقيقاتٍ مشابهةٍ أو محاكماتٍ للمسيحيين، الذين تواجدوا في عدّة مدنٍ من آسيا، أو أنه اكتسب معلوماته من “بليني”.

أمّا الفترة الأولى التي قد يكون “تاسيتوس” تعلّم فيها عن المسيحيين فغالباً ما تلقى اهتماماً من قبل المؤرخين الذين يحاولون اكتشاف مصادر “تاسيتوس”. ففي عام 88 للميلاد، أصبح “تاسيتوس” عضواً في “كوينديسمفيري ساكريس فاسينديس- Quindecimviri Sacris Faciundis”. المنظمة الكهنوتية المكلفّة بعدة أمورٍ ومنها المحافظة على كتب العرافة، والإشراف على ممارسات الطوائف الدخيلة المُجازة رسمياً في المدينة.

ويتحدّث “تاسيتوس” في هذا الفصل عن استشارة كتب العرافة، ويعرف التدابير الشعائريّة التي تلت ذلك بدقّة –(15.44)، وهي أمورٌ كان يمكن أن يعلم عنها في خدمته في المنظمة الكهنوتية. وعلى الرغم من أنّ المسيحيّة لم تكن أبداً طائفةً مُجازة بشكلٍ رسميّ، فإنه من الطبيعي أن نفترض أن مجمعاً كهنوتياً مكلّفاً بتنظيم الأديان المشروعة سيعرف شيئاً عن الأديان غير المشروعة. ويصبح هذا الأمر محتملاً أكثر مع ازدياد ضرورة تمييز المسيحيّة غير المشروعة عن اليهوديّة المشروعة. وبذلك ربما تكون المعلومات عن طائفة المسيحيين المحظورة قد وصلت إليه في هذا الوقت.

على الرغم من أن ما قاله “تاسيتوس” عن المسيحيّة كان وسيبقى على الأرجح إشكالياً، إلاّ أنّ ما قاله عن المسيح واضحاٌ تماماً. ويقدّم “تاسيتوس” في معلوماته المتناثرة لكن الدقيقة أقوى دليل على موت يسوع خارج العهد الجديد. وقد يُعتقد أن ذكره المقتضب للمسيح يدعم بعض العناصر الأساسيّة للعهد الجديد.

ولكن هل تؤمّن “شهادة تاسيتوس” هذه دليلاً حاسماً على وجود يسوع؟ إذا استطعنا أن نتأكد أنّ رواية “تاسيتوس” كانت مستندة على مصدر غير مسيحيّ فإن الإجابة ستكون بالإيجاب، لكن وكما رأينا فلا يمكن تأكيد استقلالية مثل هذه المعلومات. وكما يستنتج “ر. ت. فرانس”: بينما يؤيّد دليل “تاسيتوس” روايات العهد الجديد عن موت يسوع، فلا يستطيع لوحده أن يثبت حصول هذه الأحداث كما تمّ إخبار “تاسيتوس”، أو حتّى إثبات وجود يسوع.

ويرى “فرانس” وهو محقّ بذلك، أنه يوجد عدد من الأدلة المقنعة عن وجود يسوع في العهد الجديد. ويفترض “تاسيتوس”، وهو مؤرّخ دقيق، وجود يسوع ولم يكن لديه سبب ليشك بذلك.

لقراءة بقية السلسلة:

[1]  ما بين الأقواس هو ما تمّ إكماله من الأحرف اللاتينية المفقودة.

تاسيتوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

سوتونيوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

سوتونيوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

سوتونيوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

الجزء الثالث – سوتونيوس

سوتونيوس: كريستوس المحرِّض

زاول الكاتب الروماني غايوس سوتونيوس ترانكيلوس Gaius Suetonius Tranquillus، الذي عاش حوالي 70-140م، مهنة المحاماة في روما، وكان صديقاً لـ”بليني الأصغر” (بليني، الرسائل 1.18). وحوالي عام 120م كان سكرتيراً للإمبراطور “هارديان” لفترة وجيزة ثم صَرَفه، ربّما بسبب سوء معاملته لزوجة الإمبراطور “سبارتيانوس” (حياة هارديان 11.3). وفيما عدا ذلك، لا نعرف إلا القليل على وجه اليقين عن الأحداث الأساسيّة في حياته.

لقد كان “سوتونيوس” كاتباً وفير الإنتاج، يكتب في عدّة أنواع مختلفة من الأدب، لكنّ كتابه “حياة القياصرة” كان الوحيد مما بقى من أعماله سليماً بشكلٍ رئيسيّ. يغطّي هذا الكتاب الذي نُشر عام 120م، حياة وسيرة أول أثني عشر إمبراطوراً، من “يوليوس قيصر”[1] إلى “دوميتيان”[2]، ويتناول كتاب “حياة القياصرة” التاريخ بصيغة سيرٍ شخصيّة، وذلك كما يشير عنوانه.

كما يتناول الجزء الأول من كلّ فصل لمحةً عن خلفية عائلة الإمبراطور وحياته، أمّا الجزء الأخير فيتناول مظهره الخارجيّ وحياته الخاصّة، وينظُمُ “سوتونيوس Suetonius” هذين الجزأين وفق الترتيب الزمني للأحداث، لكنَه يرتّب القسم الذي يتناول الحياة المهنية لكّل إمبراطور وفق المواضيع.

وفي هذا القسم المبني على أساس المواضيع من “كلاوديوس المعظّم”[3]، وهو الجزء الخامس من كتاب “حياة القياصرة”، يعدّد “سوتونيوس” باختصار الأفعال التي إتخذها الإمبراطور “كلاوديوس” الذي حكم ما بين 41-54م، تجاه مختلف الشعوب التابعة خلال فترة حكمه. عملياً، فإن كلّ جملة في “كلاوديوس المعظّم -25.3،5) تبيّن عملاً مختلفاً من أعمال “كلاوديوس” دون شرحٍ أو تفسيرٍ أو سياقٍ توضيحيّ. وبعد أن يسرد كيف تعامل “كلاوديوس” مع اليونان ومقدونيا ومع شعوب ليشيا ورودوس وطروادة[4] يكتب “سوتونيوس” بشكلٍ مختصر:

“طرد كلاوديوس اليهود من روما، حيث غالباً ما كانوا يثيرون القلاقل بسبب كريستوس المحرّض- 25.4”[5].

من الأرحج، وليس مؤكداً كما سنرى لاحقاً، أنّ كاتباً مسيحياً كان ليكتب حروف هذا الاسم بشكلٍ صحيح، كما أنه لم يكن ليضع المسيح في روما عام 49م، أو يدعوه بمسبب المشاكل. بالتأكيد فإن هذه الحجج مبنية على مطابقة كلمة كريستوس “Chrestus” بكلمة المسيح “Christus”[6]. ونستنتج كما الغالبية العظمى من الباحثين أن هذه الجملة غير ملفّقة.

غالباً ما تُترجم هذه الجملة بطريقةٍ مماثلةٍ لنسخة لوب[7] المؤثّرة: “بما أن اليهود كانوا يثيرون القلاقل بشكل مستمرّ بتحريضٍ من “كريستوس” طردهم “كلاوديوس” من روما”. ومع ذلك فإن الأصل اللاتيني “impulsor” لا تعني “تحريض” بل تعني “مُحَرّض”.

فبالنظر إلى النصّ اللاتيني، فإن كلمتي “Chresto impulsor” المتتابعتين تتوافقان بالجنس والعدد والتصريف، بما يجعل من كلمة “Chresto” تابعاً لـ”impulsor”، وبذلك يُفضّل ترجمتها “كريستوس المحرّض”، إن ترجمتها: بتحريض من كريستوس يوصل المعنى الأساسيّ، لكنّه يخفي الحكم الذي يُصدره “سوتونيوس” بأن “كريستوس” لم يكن قائداً للشغب فحسب بل كان هو نفسه مثيراً للمشاكل.

وبالترجمة التي قدّمناها “بسبب كريستوس المحرّض”، نحافظ على هذه النقطة بالتحديد. كما أنها تركّز على “كريستوس” بشكل أكبر مما تفعله الترجمات التقليديّة. وقد أدت هذه الجملة إلى ظهور مكتبة صغيرة من الأدب. فهي تفيض إلى حدّ ما بالمشاكل المرتبطة ببعضها البعض، فهل كان طرد “كلاوديوس” لليهود طرداً كاملاً أم جزئياً؟ أم أنه قام بإخماد ثورتهم فحسب؟ ما هو تاريخ هذا الحدث؟ وما علاقته بالأعمال – 18:2؟ وسوف نتطرق إلى هذه القضايا في مجرى تركيزنا على الموضوع الأساسيّ: من هو “كريستوس”؟

إن شبه الإجماع على مطابقته بالمسيح قد جعلت من الإجابة على هذا السؤال محسومةً إلى حدّ ما. على سبيل المثال، كتب “إي. إن .ويلسون” مؤخراً أن: “الباحثين الأكثر حمقاً هم فقط الذين شكّوا بكون “كريستوس” هو المسيح نفسه”.ومع ذلك، فلا يوجد في هذه الجملة أو سياقها ما يثبت بشكل صريح أن “سوتونيوس” يكتب هنا عن المسيح أو المسيحيّة.

كما أنّ أياً من نُسّاخ المخطوطات الباقية من كتاب “حياة القياصرة”، والذي يعود إلى القرن التاسع وحتى القرن الخامس عشر، أقدم على تغيير “كريستوس-Chresto” إلى”المسيح-Christo”، وهذا يشير إلى أنّ كريستوس كانت تعطي معناً كما هي. إن أبسط تفسير لهذه الجملة هي بكون “كريستوس” مثيراً للقلاقل آخر غير معروف الهوية، متواجداً في روما. وبذلك فإن النقاش حول “كريستوس” هو خلاف لا ينطوي على سوء نية، وليس لحماقة الباحثين أي علاقة بالأمر.

وقد رأى بعض المؤرّخين مؤخراً أن “كريستوس” هو بالفعل مثير للقلاقل مختلف غير معروف الهوية في روما، ولا يمكن مطابقته بيسوع. وعلى الرغم من أن أكثر الآراء شمولاً وأحدثها حول هذه المسألة كان رأي”هـ. ديسكون سلينغيرلاند”، إلاّ انّ أكثر الآراء إقناعاً كان ما قدّمه الباحث الكلاسيكيّ “ستيفن بينكو”. فهو يرى أن “سوتونيوس” لم يكن ليسيء فهم كلمة “مسيح-Christus” إلى “كريستوس-Chrestus” لأن “كريستوس” كان اسماً شائعاً جداً في روما.

علاوةً على ذلك، فإن “سوتونيوس” في كتابه “نيرون-16.2” يقوم بتهجئة كلمة “المسيحيّة-Christiani” بشكلٍ صحيح، فلا بُدّ أنه عِلمَ أن موجدها كان “المسيح-Christus” وليس “كريستوس-Chrestus”. ويخلص “بينكو” إلى أنً “كريستوس” هذا كان يهودياً متطرفاً، عضواً في مجموعة مماثلة للزيلوت[8]، الذين أرادوا أن يحثّوا حلول مملكة الله بالقوّة. عندما قام “كريستوس” بتحريض يهود روما للثورة على محاولة إفناء مملكة الله من الهيروديين من قبل “كلاوديوس” عام 44م، تصرف “كلاوديوس” ليحافظ على النظام في عاصمته عبر طرد اليهود عام 49م، وهو الحدث الذي يسرده “سوتونيوس” هنا.

بالدراسة المتأنية لآراء “بينكو” تظهر أنها ضعيفة، فأولاً، كان اسم “كريستوس”، بمقابلة اليوناني-“خريستو” اسماً شائعاً بالفعل بين الرومان واليونانيين. وكانت هذه الكلمة، والتي تعني “الجيّد، الممتاز، الطيّب، المفيد”، صفةً تُطلق على المواطنين العاديين أو الذين ينحدرون من نسبٍ رفيع، أمّا كاسم فكان شائعاً بين العبيد والأحرار على حدً سواء. أمّا بين اليهود، وهو ما يركّز عليه “سوتونيوس” هنا، حسب ما يعتقد جميع المحللين ومن بينهم “بينكو” فلم يكن هذا الاسم موثقاً على الإطلاق.

وبشكلٍ ملحوظ، لا يظهر اسم “كريستوس” بين مئات أسماء اليهود المعروفة لنا من خلال نقوش سرداب الموتى الروماني ومصادر أخرى. وهذه بدون شك حجة قائمة على: “الخلو من الذكر”، لكن خلو شواهد القبور هنا يحمل كناية واضحة. وبما أن “كريستوس” لم يكن اسماً يهودياً شائعاً بل كان اسماً شائعاً لدى غير اليهود، فإن ذلك يزيد من احتمال أنّ “سوتونيوس” أو مصدَرَه، قد خلط بين كلمتي “مسيح” و”كريستوس”.

يؤكّد “بينكو” أن عبارة “سوتونيوس” عن المسيحيين في كتاب “نيرون-16.2” تظهر معرفته بالتهجئة الصحيحة لكلمة “مسيح”، وبذلك كان سيكتب “مسيح” لو كان يعنيها. حيث يكتب “سوتونيوس” في قائمة يذكر فيها أعمال “نيرون” أنه: “تّم معاقبة المسيحيين، وهم طبقة من الناس يحملون معتقدات خرافية جديدة وآثمة”. وليس في هذا إشارة إلى حركة المسيحيين أو أيّ ذكرٍ لليهوديّة. وفي المقابل، فإن “كلاوديوس-25.4” لا يشير إلى المسيحيين، بل اليهود.

وتشير عبارات “سوتونيوس” إلى أنه لم يربط اليهودية بالمسيحيّة، أو حتّى أنه لم يعرف أنهما كانتا حركتين دينيتين مترابطتين في عام 49م. فهو يقول إن المسيحيين حملوا معتقدات خرافية “جديدة” ويشير إلى أنهم “طبقة” أي نوع مختلف، بينما كان يعلم أن اليهود يمارسون ديناً قديماً. كما تشير عباراته أيضاً إلى أنه لم يربط “كريستوس” اليهوديّ بـ”المسيحيّة”. ويتمّ إثبات سوء الفهم الروماني المنتشر في “الحوليات-15.22” حيث يوضّح “تاسيتوس” لقرّائه أن “المسيحيين” مشتقّة من “المسيح”.

وبالتالي، وبما أن “سوتونيوس” يستطيع تهجئة كلمة “مسيحيين” بشكلٍ صحيح في كتاب “نيرون”، فهذا لا يعني بالضرورة أنه سيتنبّه إلى أن “كريستوس” كُتبت خطأ في “كلاوديوس”.

ولا بدّ لنا من إيلاء موضوع التهجئة دراسةً موسّعةً هنا، لأنه سيظهر أيضاً في جزء “تاسيتوس” لاحقاً. غالباً ما كان غير المسيحيين، وأحياناً المسيحيون حتّى، يخلطون بين كلمتي “مسيح” و”كريستوس”. وقد نتج هذا الخلط من سببين، المعنى والصوت. فقد ألمح كلً من المقابل اليوناني والمقابل اللاتيني لكلمة “المسيح” إلى معنى غريب بالنسبة لمعظم القدماء، وخاصّة غير أولئك الذين ليسوا على معرفةٍ بالخلفية اليهودية للاسم.

حيث أنّ معناها اليونانيّ الأساسيّ في الحياة اليوميّة يشير إلى المصطلح الطبيّ، أي: “الذي يعالج بدهن الزيت”، أو المعنى البنائيّ للكلمة: “الذي يضع جبيرة الجبس”. ولن يكون لهذين المعنيين المضمون الدينيّ الذي يمكن أن تحمله كلمة “المسيح” لأيّ شخصٍ مسيحيّ. وقد تكون هذه المعاني غير المعتادة هي التي استحثّت هذا التغيير إلى اسم ذي معنى مألوفٍ أكثر وهو: “كريستوس”، الذي يعني: الجيّد، الممتاز، الطيّب، المفيد.

وقد كانت المقابلات اليونانية لكلمتي “مسيح” و”كريستوس” متقاربتين باللفظ أكثر مما تبدوان عليه اليوم، وذلك بسبب ميزةٍ صوتيّة عامّة في اللغة اليونانيّة، حيث تظهر اللغة الإغريقية القديمة تداخلاً في الأصوات “iotaɩ”وeta “η” وepsilon-iota “الصوت المدغم ɛɩ”. فقد كانت هذه الأصوات تُلفظ بشكلٍ متشابهٍ جداً إلى درجة أنه غالباً ما كان يخلط بينهما، في الكلام أو الكتابة، غير المثقفين والمثقفون على السواء.

قام “فرنسيس ت. جيغناك” بتوثيق هذه الظاهرة بشكلٍ كامل وخَلُصَ إلى أن “هذا التداخل بين أصوات ɩ وη وɛɩ يعكس التطور الفنولوجي للهجة اليونانية الأساسيّة، حيث يُمثّل الصوت أساساً بـη مدمج مع/i/  في القرن الثاني الميلادي”. وقد أثّر دمج الأصوات هذا، على الأقل في اسم المسيح، على اللغة اللاتينية أيضاً، كما شهد كتّاب الكنيسة اللاتينيّة قرب هذا الوقت لاحقاً. وعند اقتران هذا التشابه في الأصوات مع انتقال إلى تعبيرٍ ذي دلالةٍ أكبر، يصبح أمراً منطقياً أن نخلُص إلى أن “سوتونيوس” يعنى “مسيح” من وراء “كريستوس”.

ويمكن طرح الاعتراضٍ التالي هنا: وهو أنّ مصدراً مسيحياً، في حال كان هذا الاسم قد وصل إلى سوتونيوس عن طريق مصدر مسيحيّ، أو أن مؤرخاً رومانياً دقيقاً كان على علمٍ بالمسيحيّة، لم يكونا ليرتكبا مثل هذا الخطأ مع اسمٍ بهذه الأهميّة. يبدو هذا وكأنه جزء من وجهة نظر “بينكو”. وقد رأى “فريدرك بلاس” قبل أكثر من عام مضى أن الصيغ اليونانية: “οτοςιρΧ- مسيح” و”οτιανοςɩΧρ- مسيحيّة” كانت صيغاً مفضًلة بشكلٍ كبير من قبل الكتبة المسيحين منذ العهد الجديد، بينما استخدم غير المسيحيين وبشكٍل نمطيّ صيغتي “οτοςηρΧ- كريستوس” و”οτιανοςηΧρ- كريستونية”.

على أية حال، وبالاعتماد على دلائل النقوش والمخطوطات الباقية، فإن هذا الخلط بين صوتي “ι” iota وeta “η” كان ظاهراً لدرجة ملحوظة بين المسيحيين أيضاً. حيث يُظهر النصّ الأصلي للمخطوطة السينائية “كوديكس سينايتيكوس” من القرن الرابع، أن كلمة “مسيحيين” هُجّئت بـeta “η” في المرات الثلاث التي ذُكرت فيها في العهد الجديد – (الأعمال 11:26،26:8، بطرس الأولى 4:16).

كما أن مخطوطة البردية رقم “72”[9]، من القرن الثالث والرابع م، استخدمت οτοςηΧρ للدلالة على Χριοτος في “بطرس الأولى-2:3) في فريجية[10]، حيث نجد عدداً من النقوش الجنائزيّة من الفترة 420-310م تحمل كلمة “مسيحيين” وغالباً ما هجّئت هذه الكلمة οτιανοιηΧρ. ويظهر هذا اللبس بين الكتابتين على أحد شواهد القبور التي حملت كلا الكتابتين “مسيحيين” “وكريستونيين”.

كان هذا الخلط اللاتيني واليوناني بين الأصوات في اسم العقيدة مرتبطاً بالافتراض القائل أن موجدها “كريستوس”. وقد استطاع “يوستونيوس الشهيد” الذي كتب باليونانية، حوالي عام 150م أن يستخدم تورية لفظية على أساس التشابه بين هاتين الكلمتين: وإلى الدرجة التي يمكن فيها الحكم من خلال الاسم الذي نُتّهم به: “مسيحيين- Chistianoi” فإننا أفضل الناس “كريستونيين- Chrestianoi”. إننا متّهمون بكوننا مسيحيين، ومن الخطأ أن نكره ما هو ممتاز- (الاعتذار 4.1).

في 197م خاطب “تيرتولين” غير المسيحيين مدافعاً عن المسيحيين من الاضطهاد، فقال: إن كلمة “مسيحيّ”… مشتقّة من “المعالجة بدهن الزيت”. وحتى في حال أنكم لفظتموها بطريقة خاطئة لتصبح “كريستوني” فإنها تأتي من “العذوبة والطيبة”. فأنتم لا تعرفون الاسم الذي تكرهون!- (الاعتذار3.5). في عام 309 انتقد “لاكتانيوس” بشكلٍ مماثل خطأ الجهلة، الذين يدعونه “كريستوس” بتغيير حرف واحد فقط (المؤسسات الدينيّة 4.7.5)، وهو لم يُحدد من هم هؤلاء “الجهلة بالتحديد”.

وبينما يعرف معظم الكتبة المسيحيين الأوائل الفرق بين هاتين الكلمتين ويستخدمونها بحذرٍ وحتّي بذكاء، فإن العديد من المسيحيين العاديين يتشاطرون سوء الفهم هذا مع غير المسيحيين. وبالفعل، قد يكون التصحيح الذي يقدّمه هؤلاء الكتاب الثلاثة موجّهاً لمعظم قرّائهم المسيحيين. إن ما يستنتجه “إلسا غيبسون” عن استخدام هذه الكلمة في النقوش الفريجية هو صحيح في الغالب، وهو: ” إن استخدام صيغة eta “η” يبدو أمراً مقصوداً، فقد كان يُعتقد بشكلٍ خاطئ أن كلمة “مسيحيّ” مشتقَة من كلمة “كريستوس”.

فبإقل تغيير، إضافةً للأصوات المتقاربة، يقوم بعض المسيحيين والعديد من غير المسيحيين بتغيير الاسم الغريب “مسيح- Christos/Christus” إلى اسم أكثر شيوعاً وفهماً “كريستوس- “Chrestos/Chrestus”. وبالتالي، كان من الممكن أن يُخطئ “سوتونيوس” بكتابة هذا الاسم، أو أن يستخدم الاسم الخاطئ بناءَ على مصدره، دون أن يُدرك ذلك.

ننتقل الآن إلى النقطة الثانية لدى “بينكو” وهي: أن “كريستوس” ربما كان يهودياً متطرفاً يحاول فرض إحلال مملكة الله بالقوة، وأدّت نشاطاته إلى شغب بين يهود روما. ويعتقد “إريك كوستيرمان” أيضاً أنّ “الكريستونية” كانت تنتمي إلى حركة يهوديّة ثوريّة قادها شخص يدعى “كريستوس”. على أية حال، لا يوجد دليلٌ آخر يدعم هذه الثورة السياسية اليهودية المفترضة في روما والتي يقوم كلّ من “بينكو” و”كوستيرمان” بنسب كريستوس إليها.

إن التفسير المرجَح لهذه المشكلة والتي قادت إلى طرد اليهود، الحادثة التي تستند على تاريخ اليهودية الرومانية، يعود إلى نشاط التبشيريات اليهودية. وكما رأى “لويس فيلدمان” فإن التفسير المرجّح للحوادث الثلاث لطرد اليهود من مدينة روما يعود إلى المشاكل المتعلّقة بنشاط التبشيريات اليهودية ضمن الرومان من غير اليهود. في عام 139 ق.م، اُتهم اليهود باتباعهم نُهجاً تبشيريًة عدائية، وطردوا من المدينة بشكلٍ مؤقّت.

عام 19م طردهم الإمبراطور “تيبيريوس” من روما أيضاً بسبب: “أنهم كانوا يحوّلون العديد من السكان المحليين إلى منهجهم”. وفي منتصف القرن نفسه، أدت المشاكل حول التبشير بيسوع على أنه المسيح إلى طرد اليهود أيضاً، وبذلك فمن الواضح أن السلطات الرومانية رأت في انتشار اليهودية بين السكَان المحليين انتهاكاً يستحقّ الطرد.

وربما كان “سوتونيوس” يعلّق على حالةٍ من الاضطراب الأهليّ بين الرومان غير اليهود والرومان اليهود، والتي سببها إعلان أن يسوع هو المسيح. ويفترض العديد من مفسّري هذا النصّ أن هذه الاضطرابات كانت بين اليهود فقط، لكنّ “سوتونيوس” لا يقول ذلك، كما أن تفسير “فيلدمان” لأسباب هذا الاضطراب هو المرجّح. ولا يجب علينا افتراض ثورة دينية سياسية كمقابل للنشاط التبشيريّ. وبالخلاصة، فإن آراء “بينكو” رغم جدّيتها ما تزال غير مقنعة، وتبقى كلمة “كريستوس” في هذا النصّ على الأرجح خطأً عن كلمة “مسيح”.

إن مصدر معلومات “سوتونيوس” غير معروف، كما هي العادة. حيث أنّ مصدراً مسيحياً، مكتوباً أو شفهياً، كان ليعطي معلوماتٍ صحيحية عن يسوع أكثر منها خاطئة. فالأرجح أنه كان سيتهجى اسم المسيح بشكلٍ صحيح، وبالتأكيد لم يكن ليصفه بالمحرّض الذي يعيش في روما عام 49م. إذاً، من غير المحتمل أن “سوتونيوس” قد استقى معلوماته من مصدرٍ مسيحيّ. ولا يمكن أن يكون مصدر المعلومات يهودياُ أيضاُ، لأن تطرق النصّ لطرد اليهود لم يكن مدحاً لهم.

ويُرجّح الاحتمال القائل أنّ “سوتونيوس” يستخدم مصدراً رومانياً، ربّما من الأرشيف الإمبراطوريّ، فبوصفه سكرتير الإمبراطور، فقد كان بإمكانه الوصول إلى الأرشيف. لكنّه لا يقتبس أياً من المراسلات الإمبراطورية بعد الفصل المتعلّق بـ”أوغستوس” فربما كان قد صُرف من خدمة الإمبراطور في تلك المرحلة من بحثه وكتاباته. ويقترح “ب. مورو” و”ف. بروس” أن يكون مصدر “سوتونيوس” هو تقرير شرطة.

فمثل هذا التقرير لن يكون دقيقاً حيال اسم مثير للمشاكل، ولن يشير إلى السبب وراء هذه المشاكل، بل سيولي الإمبراطور وما قام به الأهمية الأكبر. قد يكون “سوتونيوس” نسخ الخطأ من مصدره، حيث كُتب المصدر في فترة قريبة من الأحداث عندما كان اسم “المسيح” غير معروفٍ بشكلٍ كبير في روما. ويُعتبر تكرار الخطأ الموجود في المصدر سمةً لدى “سوتونيوس” حيث أنه لم يكن يتناول مصادره بإسلوب نقديّ ويستخدمها كيفما اتفق.

إن النتائج الإيجابية من دراستنا لكلاوديوس ضئيلة جداً وخاصًة في ضوء الإشكليات التي تقدّمها هذه الجملة الشهيرة. كما أن تركيز هذه الجملة واضحٌ وهو أن كلاوديوس اتخذ تدابير ضدّ بعض اليهود علي الأقل في روما بعد اضطرابات مستمرّة. وتركّزت إشكالية هذه الجملة بتحديد هويّة “كريستوس”. وقد رأينا، أولاً، ان التفسير الأمثل لهذه الإشكالية هو أن “كريستوس” كتبت خطأً عن “مسيح”. وقد بيّنا أنّ هذا احتمال جائز لكن لا يمكننا ادّعاء اليقين على أساس هذا الدليل المبهم.

ثانياً، تشير عبارة “سوتونيوس” إلى مدى غموض وعدم صحّة معرفة أصول المسيحيّة، في القرن الأوّل وبداية القرن الثاني. فقد قادته الأصوات والتهجئة المتشابهة، كما قادت غيره، إلى الخطأ في قراءة “مسيح” إلى “كريستوس”. وقد دفعت البلبلة الشعبيّة المستمرّة حول هذا المسيح بـ”كلاوديوس” إلى اتخاذ الإجراء المعتمد من قبل القادة الرومان الآخرين في مثل هذه الحالات وهو طرد مسببي المشاكل.

ومن سوء الفهم الأولي هذا جاءت فكرة أن “كريستوس” هذا قد وُجد بالفعل في روما محرّضاً لأحداث العقد الرابع. وعلى الرغم من أن “سوتونيوس” رأى المسيح بوصفه شخصيّةً تاريخيّة قادرة على إثارة المشاكل، إلاّ أنّ أخطاءه الواضحة يجب أن تحذّرنا من إعطاء أهمية كبيرة لدليله على يسوع، وأهميّته للمسيحيّة الأولى.

لقراءة بقية السلسلة:

 

[1]  يوليوس قيصر: جيوس يوليوس قيصر (100ق.م-41ق.م) كان قائداً سياسياً وعسكرياً بارعاً، ويعد واحداً من أكثر الرجال نفوذاً في تاريخ العالم. وهو الذي قام بتحويل الجمهورية الرومانية إلى إمبراطورية وكان أول أباطرتها.

[2]  دوميتيان: تيتوس فيلافيوس دوميتيانوس ولد عام 51م – 18 سبتمبر 96) كان آخر إمبراطور من سلالة فلافيان، أمضى الكثير من شبابه في ظل شقيقه  تيتوس، والذي اكتسب شهرة أثناء الحملات العسكرية في جيرمانيا. وكذلك مع فسبسيان، الذي أصبح الإمبراطور. كان قاسياً وطاغية ولا يعرف الرحمة ولكنه كان متسلطاً كفوءاً.

[3]  كلاوديوس المعظّم: ماركوس كلاوديوس مارسيلوس ولد عام 268 ق.م تولى مناصب قيادية في الجيش، واحتل مكانة مرموقة فانتخب خمس مرات قنصلاً، شارك في الحرب ضد القبائل الغالية، كما شارك في الحرب البونيقية الثانية. وقتل في إحدى معاركها عام 208 ق.م.

[4]  – مقدونيا: كانت مملكة إغريقية، ظهر فيها الإسكندر الأكبر الذي وحد اليونان وغزا الشرق. ثم تبعت الإمبراطورية الرومانية.

– رودوس: جزيرة يونانية، تقع بالقرب من الساحل الجنوبي لتركيا، كان يعتقد بإنها مقر الإله أبولو، وكان تمثاله فيها واحداً من عجائب الدنيا السبع.

– طروادة: مدينة تاريخية قديمة تقع في غرب الأناضول، ازدهرت في الألف الثالث قبل الميلاد. وقد اشتهرت قصة حصان طروادة الخشبي الذي اختبأ داخله الجنود الإسبرطيون وتسللوا ليلاً لفتح أبواب المدينة أمام جيوش الملك مينلاوس ملك إسبرطة بقيادة أخيه أجاممنون، الذي حاصر المدينة المنيعة ردهاً من الزمن يقارب العشر سنوات، وما كان من الممكن إسقاطها إلا بالخدعة.

– ليشيا: منطقة في آسية الصغرى تقع على الساحل الجنوبي للأناضول، حول مدينة أنطاكيا الحالية. كانت ضمن اتحاد مدن للمنطقة ما بين القرن الرابع عشر والخامس عشر ق.م، وفيما بعد أصبحت إقليماً يتبع للإمبراطورية الرومانية.

[5]  النص هو: “Judaeos impulsore Chresto assidue tumultuantis Roma expulit”.

[6]  كلمة “مسيح” هي بالإنكليزية: كريست – Christ، وباللاتينية: كريستو-Christus،وباليونانية: خريستو Christos.

[7]  لوب: (Loeb classical library) مكتبة متخصصة في مخطوطات ودراسات الآداب والتاريخ للعصور الكلاسكية، أي اليونانية والرومانية.

[8]  الزيلوت: طائفة يهودية قديمة نشأت في القرن الأول الميلادي، عرفت بتعصبها الشديد ومقاومتها للرومان. ودعا الزيلوت إلى الثورة المسلحة والتحرر نهائياً من الحكم الروماني، ومن بين الزيلوت ظهر مجموعة تقوم بعمليات الاغتيال المنظمة كانوا يعرفون باسم السيكاري، أي حملة الخناجر، فقد كانوا يطعنون الرومان بخناجرهم.

[9]  بردية 72: تتضمن رسالة يهوذا، ورسالتي بطرس الأولى والثانية، وهي واحدة من أقدم المخطوطات اليونانية، وهي أجزاء غير كاملة للعهد الجديد مكتوبة على ورق البردي، ويرجع تاريخها إلى الفترة من منتصف القرن الثاني حتى القرن الرابع الميلاديين، ورغم أن هذه المخطوطات ترجع إلى زمن مبكر إلا أنها فقدت الكثير من أهميتها لأنها مكتوبة بخط كتبة غير مؤهلين، ويبدو فيها عدم الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة.

[10]  فريجية: إقليم روماني كان يقع في الوسط الغربي للأناضول، وقديماً كان يسكنه الفريجيون الذين حكموا آسيا الصغرى بعد انهيار الإمبراطورية الحثية في القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

سوتونيوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

ثالوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

ثالوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

ثالوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

الجزء الأول – ثالوس

سنناقش في هذا الفصل الإشارات إلى يسوع في كتابات سبعة من الكتّاب الكلاسيكيين من فترة ما بعد الميلاد، وهناك عدد كبير ومتزايد من الأدب الأكاديميّ الذي يدْرُس هؤلاء الكتّاب الكلاسكيين وخاصّة: “تاسيتوس” و”بليني الأصغر”. ويشير “رونالد ميلر” بناءً على ملاحظاته أن الكتّاب الأكاديميين الذين تناولوا “تاسيتوس” قد تجاوزوا الآن بكتابتهم قدرة القارئ الأكاديميّ، وبذلك يستطيع المرء قراءة جزء واحد من أبحاث “تاسيتوس”.

علاوة على ذلك، فإن تلك النصوص التي تذكر يسوع والمسيحيّة هي بشكلٍ نمطيّ من أكثر النصوص التي تُدرس بشموليّة من هذه الكتابات. ويمكن لنا أن نتطرّق إلى العديد من المواضيع الثانوية المرتبطة بهذا الموضوع مثل نمو الكنيسة، والثقافة المناهضة للمسيحيّة، والاضطهاد الروماني للمسيحييّن. على أية حال، يجب أن نبقي تركيزنا على ما تقوله هذه النصوص عن يسوع فقط.

الكتّاب الذين سنتناولهم هنا هم “ثالوس“، “بليني الأصغر“، “سوتونيوس”، “تاسيتوس”، “مارابارسيربيون”، “لوقيان السميساطي”، “كلسس”. وسنتابع هؤلاء الكتّاب حسب الترتيب الزمنيّ، على الرغم من أن التاريخ الدقيق غير مؤكّد غالباً. وسنعرض مع كلّ كاتب، بشكلٍ مختصر، السياق التاريخي والأدبيّ لنصوصه عن يسوع، وسنسرد هذه النصوص نفسها بترجمةٍ مباشرة، ونتعامل مع أي قضايا نقدية للنصّ، ونتحقق من مصادره ومن ثمّ نلخّص نتائج دراسته بشكلٍ مختصر.

ثالوس: الكسوف عند موت المسيح

تعود الإشارة الأولى المحتملة ليسوع إلى منتصف القرن الأول، فحوالي عام 55 بعد الميلاد، كتب مؤرّخ باللغة اليونانية يدعى “ثالوس” كتاباً من ثلاث أجزاء، يؤرّخ أحداث المنطقة الشرقيّة لحوض المتوسّط منذ سقوط طروادة وحتّى حوالي عام 55 بعد الميلاد. وكما هو حال أغلبية الأدب القديم، فإن أكثر أجزاء هذا الكتاب قد أتلفت، لكنّ ليس قبل أن يقتبسه الكاتب المسيحيّ “سيكستوس يوليوس الإفريقي” حوالي 160-240 م في كتابه “تاريخ العالم” حوالي 220 م. وقد فقد هذا الكتاب أيضاً، لكنّ واحداً من اقتباساته “لثالوس” كانت قد أًنقذت من قبل المؤرّخ البيزنطيّ “جورجوس سينسلوس” الذي أوردها في كتابه ” التأريخ” حوالي عام 800 م. ووفقاً “لسينسلوس” عندما يكتب “يوليوس الإفريقي” عن الظلمة التي حلّت عند موت يسوع، فقد أضاف:

في الجزء الثالث من كتبه التاريخيّة، يدعو “ثالوس” هذه الظلمة بأنها كسوف للشمس، وهو ما بيدو لي أمراً خاطئاً.

ويأتي هذا الجزء من “ثالوس” الُمستخدم من قبل “يوليوس الإفريقي” في القسم الذي يذكر فيه “يوليوس” الإشارات التي حصلت عند صلب يسوع. ويرى “يوليوس” أن “ثالوس” كان مخطئاً في رؤيته أن تلك الظلمة كانت كسوفاً شمسياً فحسب، لأن الكسوف الشمسيّ في فترة القمر المكتمل هو أمرّ مستحيل، وعيد الفصح اليهوديّ يحدث دائماً في فترة القمر المكتمل. ويردّ “يوليوس” دائماً بأن الكسوف كان معجزةً “ظلمةّ أحدثها الله”.

حيث أنه كان بإمكان “ثالوس” أن يذكر الكسوف دون الإشارة ليسوع. لكنّه مرجّحٌ أكثر أنّ “يوليوس” الذي عرف سياق الاقتباس في “ثالوس” والذي كان معروفاً، من خلال أجزاءٍ أخرى، بحرصه عند استخدام مصادره، كان محقاً في قراءته لهذه الإشارة على أنها إشارة عدائيّةٌ لموت يسوع. ويوضح السياق في نصّ “يوليوس” أنه يدحض رأي “ثالوس” القائل بأن الظلمة لم تكن ذات دلالةٍ دينيّة.

ويشير “موريس غوغل”: أنه في حال كان “ثالوس” يكتب بوصفه مؤرّخاً فحسب يذكر كسوفاً حصل في السنة الخامسة عشر من حكم “تيبريوس”[1]، فإن “يوليوس الإفريقي” ما كان ليقول عنه انه كان مخطئاً، بل لكان استخدم دلائله لإثبات العرف المسيحيّ. وكما يوضّح كتاب “سوتونيوس” حياة القياصرة، فإن العالم الروماني القديم غالباً ما كان مأخوذاً بإشارات البشائر والنُذُر التي تحدث عند موت أحد الشخصيّات البارزة، معتقدين أنها تشير إلى تغيير الحكم.

وعلى الأرجح فإن “ثالوس” كان يرى أن هذه الظلمة لم تكن إشارة ذات معنى بل مجرّد حدثٍ طبيعيّ. مع أنه لا يمكن التأكد من الأمر، إلاّ أن معظم الدلائل تشير إلى معرفة “ثالوس” بموت يسوع وبإشارة الظلمة التي يقول المسيحيّون بأنها صحبته (متّى 27:45، مرقص 15:33، لوقا 23:44).

من هو “ثالوس”؟ قد يكوه هو نفسه “ثالوس” الذي يشير إليه المؤرّخ اليهوديّ “يوسيفوس” وهو مواطنٌ سامريّ[2] من روما، وكان مقرباً إلى “أغريباس”[3] (تاريخ اليهود 18.6.4 §167)، وربّما كان سكرتيراً لـ”أوغسطس”[4].

لكنّ هذا يعتمد على تخمينين متتابعين، أحدهما نصيّ والآخر تاريخيّ: فكلمة “ثالوس” هي تعديلٌ نصيّ تخمينيّ تبنِّاه كافّة محرريّ “يوسيفوس” المحدثين ماعدا “نيس”، وتقرؤها كافّة النصوص القديمة: “سامريّ آخر”، وهو أمرٌ محيَرٌ بالفعل! لأن “يوسيفوس” لم يذكر أيّ سامريّ في سياق نصّه. على أية حال، فقد كان هذا التفسير مقبولاً بشكلٍ كافٍ لتجنّب هذا التعديل من قبل الكتبة.

فالتعديل المقترح يضيف حرفاً إلى الكلمة ليحوّلها إلى “ثالوس”. أمّا التخمين الثاني فيربط “ثالوس” المذكور في “يوسيفوس” مع “ثالوس” الذي يذكره “يوليوس الإفريقي” و”يوسبيوس”. ويمكن اعتبار هذا التعريف بـ”ثالوس” محتملاً على الأقلّ لأن المصدرين يعودان إلى القرن الأول حيث أن هذا الأسم لم يكن شائعاً. ولسوء الحظّ، ليس لدينا أي نصّ آخر عن “ثالوس” هذا بوصفه كاتباً.

في حال كان هذا التعريف بـ”ثالوس” دقيقاً، فإن هذا الشاهد على موت يسوع كان في روما في منتصف القرن الأول، وتبقى صحّة هذا التعريف أمراً محتملاً، لكن في حال لم يكن التعريف صحيحاً، فإن “ثالوس” هذا يبقى كاتباً آخر غير معروف. وليس هنالك صلّة قوية بين دقّة هويّة الكاتب ومسألة مصادر معلومات “ثالوس”، وذلك لأن الأعراف المتعلقة بموت يسوع كانت ستصل رومانياً كما كانت ستصل سامرياً، كما أنها لا تقدّم أي توضيح للنصّ نفسه.

كما أن تاريخ “ثالوس” وأعماله غير مؤكّدين إلى حدً ما، ويوضّح كتاب “يوسبيوس” “التأريخ” الذي لم يبق منه إلا جزء باللغة الأرمينيّة، أن “ثالوس” كتب عن الفترة الممتدّة من سقوط طروادة وفقط، حتّى عام 167 للأولمبياد أي ما بين 112-109 ق.م. على أية حال، فإن أجزاء أخرى من تاريخ “ثالوس” المحفوظة في العديد من المصادر الأخرى تشير إلى أنه كتب عن أحداثٍ جرت حتّى موت يسوع على الأقلّ.

يتمثّل أحد الحلول باعتبار أن “ثالوس” قد كتب بالفعل حتى عام 109 ق.م فقط، وأن “يوسبيوس” قد اعتمد هذه النسخة الأولى، لكنّها وسّعت من قبل كاتب آخر لتصبح النسخة التي عرفها “يوليوس الإفريقي” واستخدمها عام 221 للميلاد. ونجد حلاً آخر باعتبار أن السرد الذي لدينا من الأجزاء الأرمينيّة لكتاب “التأريخ” ليوسبيوس هو سردٌ خاطئ.

ويعدّل “سي.مولر” وبعده “ر.أيسلر” القراءة المحتملة للأصل اليونانيّ المفقود ليغيّرها من عام 167 للأولمبياد الواقع بين عامي 112-109 ق.م إلى 207 للأولمبياد، الواقع بين عامي 49-52 للميلاد. وفيما يبدو، فإن هذا الحلّ يلقى قبولاً لدى معظم الباحثين، لكن من المستحيل معرفة ما إذا كان هذا التغيير قد حصل عند نقل النصّ اليوناني، أو عند ترجمته من اليونانية إلى الأرمينيّة، أو أنه حصل عند نقل النصّ الأرمينيّ. بالمجمل، فإن الحلّ الثاني مرجّحٌ أكثر، مما يرجع “ثالوس” إلى حوالي العام 50م.

وبما أن “ثالوس” يبدو هنا أنه يدحض وجهة نظرٍ مسيحيّة. فالأرحج أنه عرف بأمر الظلمة التي حدثت عند موت يسوع من مسيحيّين، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وليس من مصدرٍ مستقلّ. لا يمكننا الجزم فيما إذا كان “ثالوس” قد استقى معلوماته من مصدرٍ شفهيّ أو مكتوب. ربّما كانت بعض الروايات المكتوبة عن آلام المسيح تُنشر في ذلك الوقت، إلاّ أنه لا يوجد في كلمات “ثالوس” ما يدفعنا للاعتقاد بأنه كان يستقي معلوماته من مصدر مسيحيّ مكتوب.

وقد كانت الظلمة عند موت يسوع مجرّد عنصرٍ من عناصر الدعاية المسيحيّة. وكما يُشير “كريغ إيفانز” فإن هذه الإشارة لا تُثبت أن الظلمة قد حدثت بالفعل أثناء صلب يسوع، لكن لا بُدّ من تفسيرها هنا. وبالاحرى، فإنها دليلً على العرف المسيحيّ المبكّر للظلمة أثناء موت المسيح.

ما الذي يمكن استخلاصه من “ثالوس”؟ لا يزال بعض الغموض يلفّ رواية “ثالوس” ويعود هذا إلى إيجازها الشديد، اقتباسها غير المباشر، وعدم الدقة في تحديد هويّة الكاتب وتأريخه. وبينما يمنعنا هذا الغموض من إدعاء إثبات معلوماتنا، إلاّ أننا حصلنا على معلومة عن موت يسوع. وبما يوافق العرف المسيحيّ الموجود في الأناجيل السينوبتيّة، فإن “ثالوس” يقول بحصول ظلمة عند موت يسوع.

لكن خلافاً لذلك العرف، فإنه يفسّرها على أنها كسوف طبيعيّ للشمس. ويمكننا أن نخلص إلى أنّ هذا العنصر من المعارف المسيحية كان معروفاً خارج المحيط المسيحيّ، وأن “ثالوس” شعر بضرورة دحض هذا العرف، إلا أنه بذلك كشفه بشكلٍ أكبر. ربّما كان “ثالوس” على اطلاع بتفاصيل أكثر من العرف المسيحيّ عن موت يسوع، فمن غير المحتمل أنه علم بهذا الجزء الصغير من قصّة موت يسوع دون معرفة السياق العام، لكنّ بقايا كتاباته لا تُقدّم أي تأكيدٍ لهذا الأمر.

إن رأيه هذا، إذا كان تأريخاً صحيحاً، يجعل منه أقدم كاتبٍ معروفٍ يُعرب عن معارضةٍ مكتوبةٍ للمسيحيّة. علاوةً على ذلك، فإن “ثالوس” هو الكاتب غير المسيحيَ الوحيد الذي كتب عن معلومة تخصّ يسوع قبل أن تُكتب هذه المعلومات في الأناجيل الكنسية القانونية.

لقراءة بقية السلسلة:

[1] تيبريوس: قيصر أوغسطس، ولد عام 42 ق.م، وهو الأمبراطور الروماني الثاني. وكان ابناً لأوغسطس بالتبني وصهره. بنى هيردوس أنتيباس حاكم الجليل مدينة طبرية على اسمه، وفي عهده صلب المسيح. وقد توفى عام 37 م، وخلفه كاليغولا.

[2] السامرة: طائفة دينية يرجع أصلها إلى بني إسرائيل، وينسبون إلى مدينة شامر أو سامر، ولهم توراتهم الخاصة. وقد ظهر الخلاف بين السامريين واليهود بعد العودة من السبي البابلي حيث تمسك كل منهم بتوراته على أنها التوراة الصحيحة.

[3] أغريباس: هيرودس أغريباس الأول ابن ارسطوبولس، وحفيد هيرودس الكبير. كان يعيش في روما، ثم عين حاكماً على قسم من فلسطين سنة 39 م، زمن الإمبراطور كاليجولا. يقول الكتاب المقدس إنه ذبح يعقوب أخا يوحنا المعمدان وسجن بطرس. مات أغريباس سنة 44 م.

[4] أوغسطس: 27 ق.م-14 م، هو جايوس أوكتافيوس وقد تبناه عمه يوليوس قيصر، وبعد مقتل يوليوس اشترك أوكتافيوس مع أنطونيوس في الحكم ثم أصطدما في معركة إكتيوم البحرية سنة 31 ق.م. حيث انتصر أوكتافيوس، وانتحر أنطونيوس وكليوباترا بعد حصار الإسكندرية، فانفرد أوكتافيوس بالحكم. وفي سنة 27 ق.م منحه مجلس الشيوخ لقب أوغسطس ومعناه: الجدير بالاحترام كإله. وأعلن أوغسطس قيصر الإمبراطورية سنة 23 ق.م وفي مدة حكمه وُلِدَ السيد المسيح.

ثالوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

Exit mobile version