الفكرة المجمعية المجامع المسكونية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية

الفكرة المجمعية المجامع المسكونية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية

الفكرة المجمعية المجامع المسكونية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية

إن رسائل العهد الجديد بما تضمنته من حث على الفضيلة وتحذير من السقوط في بعض الخطايا والانحرافات اللاهوتية والعقيدية والروحية، إنما تظهر يقظة الكنيسة الأولى وحرصها على أن يكون جميع أعضائها مقدسين جسداً وروحاً سالكين في وصايا الرب بلا لوم مدققين في حفظ الإيمان القويم الذي سُلم مرة واحدة للقديسين.

والمسيحية كدين جديد صاعد منبثق من اليهودية التقت أول ما التقت باليهودية نفسها، بل كان ينظر إلى المسيحية في أول أمرها على أنها شيعة يهودية جديدة وساعد على هذه النظرة حرص اليهود المتنصرين على الاستمرار في ممارسة عوائدهم اليهودية، لكن سرعان ما حدث الصدام الذي كان لا مندوحة عنه بين المسيحية الناشئة واليهودية العتيقة المتأصلة، صدام من الخارج ومتاعب من الداخل.

صدام من الخارج في صورة الاضطهادات التي أعلنتها اليهودية المتعصبة على الجماعات المسيحية الناشئة.

ومتاعب من الداخل أثارها اليهود المتنصرون الذين نادوا بضرورة التمسك بالناموس الموسوي والعوائد اليهودية وإلزام الأمم المتنصرين بضرورة مراعاتها وإلا فلا خلاص لهم.

وما لبثت المتاعب أن ظهرت من ناحية الأمميين الوثنيين بعد أن اتسعت دائرة الإيمان وكثر عدد المؤمنين منهم، أولاً: عن طريق الاضطهاد الخارجي الذي أثارته الوثنية ممثلة في الدولة الرومانية ضد الكنيسة المسيحية، وثانياً: عن طريق المحاولات التي قام بها بعض المفكرين والفلاسفة الوثنيين المتنصرين لتفسير المسيحية على ضوء الآراء والفلسفات الوثنية لتقريبها إلى عقول الوثنيين غير المؤمنين، وما نتج عن ذلك من انحرافات فكرية وعقيدية.

كان أمراً طبيعياً إذن أن تواجه الكنيسة المسيحية الناشئة هذه المشاكل الإيمانية العقيدية مجتمعة، وكان لابد أن تجد لها حلاً، وقد أخذت الكنيسة منذ أول عهدها بمبدأ حل المشاكل التي تواجهها بواسطة مجامع دينية، وعلى هذا فيمكن القول إن الفكرة المجمعية قد انبثقت في الكنيسة الأولى نتيجة إحساسها بالحاجة إليها.

 

الفكرة المجمعية

أ. في اليهودية.

وإذا أردنا تقصي النظام المجمعي المسيحي فإننا نلمس جذوره في اليهودية ومن أمثلته المجامع التي عقدها كهنة اليهود ورؤساؤهم على السيد المسيح (انظر مت 3:26-4 مر 1:15).

ومن أمثلتها أيضاً المجامع اليهودية التي انعقدت لتحاكم التلاميذ لكرازتهم بالإيمان المسيحي (انظر أع 21:5). وجدير بالذكر أن الرب يسوع في قوله الوارد في (مت 15:18-17) ” إن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما، إن سمع منك فقد ربحت أخاك، وإن لم يسمع فخذ معك أيضاً واحداً أو اثنين.. وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة. وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار ” يستعمل عبارة ” كنيسة ” ويتحدث عنها كهيئة قضائية كالمجمع اليهودي لها سلطة بعد مناقشات أن تصدر قرارات وتمارس نظاماً معيناً.

 

ب. في كنيسة الرسل.

ولعل أول مجمع عقدته الكنيسة المسيحية هو مجمع أورشليم الذي يحدثنا عنه كاتب سفر الأعمال في الأصحاح الخامس عشر، والذي التأم للنظر في أمر الداخلين من الأمم إلى الإيمان المسيحي، وما إذا كان لابد لهم أن يتهودوا أولاً وإلى أي حد يجب أن يلتزموا بالناموس الموسوي، انعقد هذا المجمع سنة 50م وحضره بطرس وبولس ويوحنا وبرنابا وتيطس -وربما غيرهم من الرسل ممن لم يذكرهم كاتب سفر الأعمال- لكن إلى جانب هؤلاء الرسل كان بعض القسوس والأخوة العلمانيين (انظر أع 6:15، 22، 23).

وقد رأس المجمع القديس يعقوب أسقف أورشليم باعتباره أسقف المكان وكان حله المؤقت الذي ارتآه هو الذي وافق عليه المجمع. والظاهرة الواضحة في هذا المجمع أن روح الله كان يعمل به وفيه ولذا لا نعجب إذا رأينا على الرغم من دقة الموضوع الذي كان يناقش وحدانية القلب والروح والفكر. وسنري كيف أن المجامع الكنسية كانت وسيلة هامة لتدعيم وتقوية الوحدة المسيحية والكنسية وإقرار كل ما يتعلق بالإيمان والنظام وهي ولا شك تحتل صفة بارزة في تاريخ الكنيسة المسيحية.

 

ج. ما بعد العصر الرسولي.

لا يقدم لنا التاريخ الكنسي دليلاً أكيداً على أي أثر لانعقاد مجامع من نوع مجمع أورشليم قبل منتصف القرن الثاني الميلادي حينما انعقدت مجامع في آسيا الصغرى للنظر في بدعة المونتانيين Montanists وهم أتباع منتانوس Montanus الذي زعم أنه هو الباراقليط الموعود به من السيد المسيح.

وعُقدت عدة مجامع في أفسس في أواخر القرن الثاني برئاسة بوليكراتس Polycrates، وفي فلسطين وبلاد ما بين النهرين Mesopotamia وفي بلاد البنطس، وغالباً برئاسة القديس إيريناوس Iranaous بخصوص موضوع عيد الفصح، وأول ذِكر لأمثال هذه المجامع ورد في رسالة من فرميليانوس أسقف قيصرية كبادوكية إلى القديس كبريانوس في أوائل القرن الثالث كما أشار إليها العلامة ترتليانوس في بعض كتاباته كنوع من التنظيم الكنسي في زمانه ويشير إلى أن هذه العادات التي كانت متبعة في الأقاليم الشرقية، بدأت تسترعي انظار اللاتين في الأقاليم الغربية.

على أن أول المجامع الغربية اللاتينية عقدت في مطلع القرن الثالث الميلادي في شمال أفريقيا برئاسة كبريانوس. ومن الرسالة التي أرسلها فرميليانوس والتي أشرنا إليها آنفاً، نتبين أن المجامع كانت تجتمع بانتظام مرتين في كل عام في آسيا الصغرى في أوائل القرن الثالث الميلادي كنظام كنسي ثابت.

 

عضوية المجامع

من له الحق في عضوية المجمع والحق في التصويت بالنسبة لقراراته.

يري البعض في عضوية المجمع المسيحي الأول ” مجمع أورشليم ” وفئات المؤمنين الذين اشتركوا فيه وبالصورة التي اجتمع بها دليلاً واضحاً على أن من حق المؤمنين العلمانيين أن يسهموا في إدارة الشئون الكنسية مع الإكليروس ويستندون في ذلك إلى ما قاله كاتب سفر الأعمال في معرض حديثه عن هذا المجمع ” فاجتمع الرسل والقسوس لينظروا في هذا الأمر “.

وبعد كلمتي بطرس ويعقوب الذي رأس هذا المجمع يقول القديس لوقا ” حينئذ رأي الرسل والقسوس مع الكنيسة.. ” وحينما أقروا قرارات المجمع كتبوا بأيدهم هكذا ” الرسل والقسوس والأخوة يهدون سلاماً إلى الأخوة الذين من الأمم في إنطاكية وسورية وكيليكية.. ” (أنظر أع 6:15، 22، 23).

وفي المجمع الذي التأم سنة 256 في عهد القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة لمناقشة موضوع إعادة معمودية الهراطقة كان حاضراً 87 أسقفاً بالإضافة إلى عديد من الكهنة والشمامسة وجمهرة من عامة الشعب وجدير بالذكر أن الأساقفة في هذا المجمع هم الذين كان لهم وحدهم دون سواهم حق التصويت.

ويتخذ البعض من ذلك دليل على أن العلمانيين والقسوس وليس لهم حق التصويت ولكن في بعض المجامع المكانية الأخرى كان القسوس والشمامسة يوقعون بأسمائهم بعد الأساقفة. وموضوع حق القسوس والشمامسة في التصويت رسمياً في المجامع الكنسية خاصة في المجامع الإقليمية كانت وما تزال موضوع جدل ولكن الواقع أنه على غرار ما يحدث الآن في الشئون السياسية، كان كل أسقف يصطحب معه مستشاريه من القسوس والشمامسة وبعد التشاور معهم كان يعلن رأيه بصفته أسقفاً. وإن كان هذا الرأي في واقع الأمر يعتبر محصلة رأيه وآراء مستشاريه.

ويؤكد هذا الذي نقوله رسالة بعث بها الإكليروس الروماني إلى القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة يتحدثون فيها عن المناقشات العامة المجمعية التي يجربها أساقفتهم مع القسوس والشمامسة والمعترفين والعلمانيين المعتبرين على أن الأمر أصبح قاطعاً وواضحاً عقب مجمع نيقية المسكوني الأول سنة 325م، حيث أصبح للأساقفة وحدهم بصفة عامة حق الحضور والتصويت وأصبح القسوس والشمامسة مجرد سكرتاريين أو مستشارين أو نواباً عن أساقفتهم، ويمكن أن نقسم المجامع الكنسية بصفة عامة إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي: مجامع مكانية، مجامع إقليمية، ومجامع عامة ” مسكونية “.

 

المجامع المكانية Diocesan Councils

وهي التي يجتمع فيها الأسقف والقسوس والشمامسة في مركز الإيبارشية لتدبير أمورهم الخاصة. وإن كان التاريخ لا يمدنا بمادة عن انعقاد أمثال هذه المجامع قبل القرن الثالث المسيحي، لكن من المحتمل أن تكون قد انعقدت مجامع كنسية من هذا النوع قبل هذا التاريخ لأن الدسقولية وهي تعاليم الرسل تقول في الباب الثامن منها (يكون “أي الأساقفة” اجتماعكم للأحكام يوم الاثنين. فإن كان ثمة خصومة فصلتموها وتكونون متفرغون لذلك طول الجمعة إلى يوم السبت لتنقضي الخصومة فان كان يوم الأحد المقدس تكونون قد أصلحتم بين المتخاصمين ليحضر معكم يا أساقفة الشمامسة والقسوس.. الخ) “.

 

المجامع الإقليمية Provincial Councils

وهذه بدأت تظهر مع التنظيم الكنسي وكانت تجتمع برئاسة مطران الإقليم ” أي أسقف المدينة الأولي في الأقاليم ” ونظراً لما تعرضت له الكنيسة من عواصف الاضطهادات العنيفة فقد عقدت هذه المجامع في عاصمة الإقليم مرة أو مرتين في العام برئاسة رئيس أساقفة الإقليم الذي كان له الإشراف على أساقفة الإقليم، وإن كان هذا لم يمنع من عقد اجتماعات غير عادية لهذه المجامع كلما استجدت ظروف تدعوا إلى ذلك.

والتاريخ مملوء بأمثلة كثيرة لهذه المجامع كالمجمع الذي عقده البابا ديمتريوس بالإسكندرية سنة 231 للنظر في أمر أوريجانوس وما نسب إليه، وكالمجمعين اللذين عقدهما البابا الكسندروس ضد آريوس سنة 319، 321 م وحكم فيهما بحرم آريوس ومن يتبعه.

 

المجامع المسكونية

وهذه اجتمعت منذ عصر قسطنطين الكبير، أو بعبارة أخرى من وقت أن بدأت المسيحية تأخذ طريقها كديانة مسموح بها في الدولة التي أخذت تحتضنها نتيجة اعتناق الأباطرة لهذه الديانة الجديدة، وقد اجتمعت هذه المجامع العامة لضرورات حتمية تختص بالإيمان والعقيدة، وإن كانت قد بحثت أموراً أخري تتعلق بنواحي التنظيم الكنسي وكان يحضر هذه المجامع أساقفة من أنحاء العالم المسيحي شرقاً وغرباً، والكنائس الأرثوذكسية تعترف بثلاثة مجامع عامة فقط هي مجامع نيقية القسطنطينية وأفسس الأول.

 

وهذه المجامع الثلاثة تعترف بها جميع كنائس العالم شرقاً وغرباً وتتمسك بما وضعته من قوانين تحفظ الإيمان المسيحي، وكإظهار لهذه الحقيقية تذكر كنيستنا هذه المجامع الثلاثة في قداسها الإلهي في تحليل الخدام وفي مجمع الآباء القديسين.

 

الأحكام الباطلة لبعض المجامع.

تعترف الكنيسة القبطية بما للمجامع الكنسية الأرثوذكسية من سلطان في إصدار القوانين سواء كانت هذه القوانين تنظيمية أو عبارة عن أحكام ضد المبتدعين والخارجين عن الإيمان السليم وهي تقبل هذه القوانين والأحكام بشرط ألا تتعارض مع الكتاب المقدس والعقيدة القويمة والقوانين الكنسية وإلا اعتبرت باطلة.

 

وتاريخ الكنيسة به عينات كثيرة من المجامع الباطلة ومن أمثلتها مجمع صور الذي انعقد لمحاكمة البابا أثناسيوس الرسولي سنة 334 م وقضي بعزله من وظيفته الكهنوتية وبالنفي، وذلك لأن أعضاء هذا المجمع، كانوا من الآريوسيين، وعلى الرغم من أن الإمبراطور أمر بتنفيذ قرارات هذا المجمع، فإن الكنيسة اعتبرته باطلاً وظلت متمسكة برئيسها الديني البابا أثناسيوس الرسولي على الرغم من نفيه.

 

ومن أمثلتها أيضاً المجمع المكاني الذي انعقد بالقسطنطينية على القديس يوحنا ذهبي الفم وعلى الرغم من أن البابا ثاؤفيلس البطريرك الإسكندري ال23 هو الذي رأس هذا المجمع إلا أن الكنيسة سرعان ما عادت في عهد خلفه البابا كيرلس عمود الدين واعترفت ببراءة يوحنا ذهبي الفم.

 

مجمع نيقية المسكوني سنة 325 م

انعقد هذا المجمع وهو بكر المجامع العامة المسكونية في مدينة نيقية في شهر مايو سنة 325م بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الكبير لحسم بعض المسائل الدينية وفي مقدمتها المشكلة الكبيرة التي أثارها آريوس، ونحاول الآن أن نقف عند بعض النقاط التي تعطينا صورة واضحة عن هذا المجمع.

 

أسباب انعقاد مجمع نيقية المسكوني 325م

لا شك أن الآراء الهرطوقية التي نادي بها آريوس هي السبب المباشر لانعقاد مجمع نيقية لكن كان هناك دواع نجملها في الآتي:

 

(1) الخلاف حول تحديد يوم عيد القيامة.

وقد ظهر هذا الخلاف منذ وقت مبكر بين كنائس آسيا الصغرى وبين كنيسة روما، حينما أعلن القديس بوليكاربوس أسقف أزمير ” سميرنا ” وتلميذ يوحنا الحبيب إنه ينبغي الاحتفال بذكري الصليب يوم 14 نيسان العبري وهو اليوم الذي صلب فيه السيد المسيح وتذكار القيامة في السادس عشر منه وهو اليوم الذي قام فيه المسيح بغض النظر إن كان هذان اليومان يوافقان يومي جمعة وأحد وهما اليومان اللذان تم فيهما الصلب والقيامة ولهما مدلولاتهما أم لا. كانت الكنيسة القبطية تحرص على الاحتفال بذكري هاتين المناسبتين في يومي الجمعة والأحد.

 

وفي ختام القرن الثاني حاول فيكتور أسقف روما إرغام كنائس آسيا الصغرى على الالتزام بيومي الجمعة والأحد لكن هذه الكنائس ردت عليه بعقد مجمع من خمسين أسقفاً، واعتبر فيكتور أسقف روما معتدياً وقرر عدم الالتفات إلى تهديده، وأخيراً حاول البابا الإسكندري ديمتريوس الكرام التوفيق بين الفريقين فعمل على أن يُعيد المسيحيون بذكري الصلب في يوم الجمعة والقيامة في يوم الأحد، على أن يرتبطا بيومي 14، 16 نيسان العبري.

 

فجمع لذلك علماء الإسكندرية الفلكيين (وكانوا أشهر الفلكيين في العالم آنذاك). ووضعوا قاعدتهم المشهورة وهي أن يُعيد المسيحيون عيد القيامة يوم الأحد الذي يلي فصح اليهود مباشرة، وعلى الرغم من هذا الحل إلا أن الخلاف ظل قائماً حتى حسمه مجمع نيقية مُقرًا مبدأ كنيسة الإسكندرية سالف الذكر.

 

(2) الشقاق الذي أحدثه ملاتيوس أسقف أسيوط.

كان ملاتيوس هذا معاصراً لدقلديانوس وقبض عليه وأودعه السجن، وكان من جراء ذلك أنه ضعف وبخر للأوثان، ورغم أنه عاد وندم ورجع إلى المسيحية لكنه بدأ يرسم أساقفة بدون إذن من رئيس الكنيسة البابا بطرس خاتم الشهداء، فرسم حوالي 30 أسقفاً، مما اضطر البابا بطرس أن يعقد مجمعاً مكانياً حرمه هو وأساقفته، لكن ملاتيوس لم يخضع لحكم المجمع واستمر في عصيانه الأمر الذي أتعب كنيسة الإسكندرية.

 

 

(3) موضوع إعادة معمودية الهراطقة.

وهذه مشكلة هامة شغلت الكنيسة ردحاً طويلاً من الزمان، والمشكلة هي، هل يعاد عماد الهراطقة التائبين، وما هو وضع الذين قبلوا العماد على أيديهم؟، ظهر هذا الخلاف كمشكلة بين القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة ” في شمال أفريقيا ” وإسطفانوس أسقف روما. كان كبريانوس يري أن المعمدين من يد الهراطقة هم وحدهم الذين يجب إعادة معموديتهم أما الذين قبلوا العماد من الكنيسة الأرثوذكسية فعمادهم صحيح لا يعاد، على عكس اسطفانوس الذي نادي بعدم جواز إعادة المعمودية إطلاقاً. تحرج الأمر وعقد كلا الفريقين بعض المجامع المكانية لتدعيم رأيه. تدخل القديس ديوناسيوس البطريرك الإسكندري لحسم هذا الخلاف وكان من كبار اللاهوتيين في عصره مؤيداً رأي كبريانوس، وإن كان بهذا التدخل قد هدأ الجو لكن الأمر أيضاً لم يحسم بصورة قاطعة إلا في مجمع نيقية.

 

(4) بدعة آريوس.

ولد آريوس في مدينة القيروان بليبيا سنة 270م ودرس الكثير من العلوم والمعارف، ثم نزح إلى الإسكندرية حيث التحق بمدرستها اللاهوتية فأظهر في دراسته نبوغاً كبيراً وعندئذ داخله الغرور وسعي للحصول على درجة من درجات الكهنوت، شجع في بادئ الأمر ملاتيوس في حركته العصيانية ثم عاد وأظهر خضوعاً مزيفاً للبابا بطرس خاتم الشهداء الذي سامه شماساً، فقساً سنة 306م، بدأ في إعلان تعاليمه الفاسدة في عهد البابا بطرس خاتم الشهداء، وتنحصر هذه التعاليم في إنكار لاهوت المسيح وأنه غير مساوٍ للآب في الجوهر، وحالما وقف البابا بطرس على هرطقته حاول إرجاعه عن تعاليمه الفاسدة هذه ولما لم يقبل أعلن حرمه، بعد ذلك قُبض على البابا بطرس وأودع السجن في زمان الاضطهاد الذي أثاره دقلديانوس على الكنيسة.

 

حاول بعض أتباع آريوس مع البابا بطرس وهو في سجنه لكي يعطى حلاً لآريوس، ولكنه أكد حرمه واستدعى تلميذيه أرشيلاوس وألكسندروس ـ وأنبأهما بأنه سينال إكليل الشهادة كما تنبأ أنهما سيرتقيا السّدة المرقسية خلفاً له. وقال لهما ضمن ما قال عن آريوس ” إن فيه مكراً مخفياً ولست أنا الذي حرمته بل السيد المسيح ـ لأني في هذه الليلة لما أكملت صلاتي ونمت رأيت شاباً قد دخل علىّ ووجهه يضئ كضوء الشمس وعليه ثوب متشح به إلى رجليه وهو مشقوق وأمسك بيديه القطعة الممزقة.

 

فصرختُ وقلتُ: يا سيدي من الذي شق ثوبك؟ أجابني: آريوس هو الذي مزق ثوبي فلا تقبله. واليوم يأتيك قوم طالبين إرجاعه فلا تطعهم، وأوصى أرشيلاوس وألكسندروس بأن يمنعاه من شركتهما “. وعلى الرغم من هذه النصيحة فإنه عندما تبوأ أرشيلاوس الكرسي الإسكندري قبل آريوس بعد إلحاح بعض أتباعه.

 

لكن أرشيلاوس لم يجلس على الكرسي البطريركي سوى أشهر وخلفه ألكسندروس فجدد حرمه وناهض بدعته. حاول آريوس عن طريق بعض أتباعه أن ينال الحلّ من فم البابا الكسندروس لكن هذا الأخير قال لهم: ” قولوا لأريوس أوصاني أبى ألا أقبلك فلا تدخل إلىّ ولا أجتمع بك وذلك حسب أمر السيد المسيح فاعترف للمخلص بخطيئتك فإذا قبلك فهو يأمرني بقبولك “.

 

منذ ذلك الحين بدأ آريوس في نشر ضلالته جهاراً فبينما كان البابا الكسندروس يعظ ذات مرة عن سلطان المسيح في إقامة الموتى مبيناً أن ابن الله الكلمة مساوٍ للآب وأن له طبيعة وذاتاً واحدة مع الآب. وكان آريوس في مكان آخر من الإسكندرية يعظ على الآية “أبي أعظم مني” مندداً برأي الكسندروس ومنادياً بأن المسيح غير مساوٍ للآب في الجوهر بل هو مخلوق بإرادة الآب..

 

ولكي يروج آريوس لتعاليمه الفاسدة نظم تعاليمه في مقطوعات شعرية ضمنها كتابه المُسمى ثاليا ولقنها لأتباعه فأذاعوها بين العامة لكي يرددوها بأنغام خاصة لِما للتلحين من أثر كبير في نفوس السامعين. كانت النتيجة أن جمع البطريرك الكسندروس مجمعاً سنة 319م.

 

وأصدر رسائل ومنشورات كثيرة توضح عقائد الإيمان القويم. وإذ لم يرتدع آريوس وأتباعه عقد البابا مجمعاً آخر سنة 321م حضره حوالي مائة أسقف من مصر وليبيا وحكم بتجريد آريوس من رتبته الكهنوتية وكل من تبعه. واتصل البابا الكسندروس بسميه بطريرك القسطنطينية مظهراً له فساد آريوس وضلالته وشارحاً له العقيدة الأرثوذكسية.

 

ولما وجد آريوس أنه قد ضيق عليه الخناق في الإسكندرية وكل مصر غادرها إلى فلسطين وآسيا الصغرى، حيث بعض أصدقائه من الأساقفة الذين انخدعوا بضلالته وسمحوا له بنشرها، ثم اتصلوا بالبابا الكسندروس راجين قبوله في شركة المؤمنين. لكن البابا رفض طالما هو باقٍ على ضلالته. اقتنع بعض الأساقفة بينما عقد البعض الآخر مجمعين متتاليين في عامي 322، 323 م قرروا فيها إلغاء الحرم الصادر من البابا الكسندروس، وعاد آريوس إلى الإسكندرية ثانية ينفث سموم تعاليمه ممعناً في عناده وضلالته.

 

فطرده البابا ثانية فعاد من حيث أتى. اتصل أوسابيوس أسقف نيقوميدية بالإمبراطور قسطنطين راجياً وساطته لحل هذا الخلاف. انتدب الإمبراطور، هوسيوس أسقف قرطبة لهذه العملية المهمة فأتى إلى الإسكندرية لكنه لم يفلح في مهمته. فعاد إلى الإمبراطور شارحاً الأمر طالباً عقد مجمع عام لعلاج هذه المشكلة الخطيرة.

 

جلسات مجمع نيقية 325م

انعقد المجمع في مدينة نيقية في شهر مايو سنة 325م وخصص لاجتماعاته الساحة الوسطى في القصر، الإمبراطوري بالمدينة نظراً لإتساعها. بعد أن أعدت فيها المقاعد الكثيرة ووضع في الوسط كرسي من الذهب ليجلس عليه الإمبراطور قسطنطين الذي رغب في حضور جلسات المجمع ” ومدينة نيقية هي العاصمة الثانية لولاية بيثينية وتقع في الشمال الغربي لآسيا الصغرى وقد تهدمت ولم يبق منها سوى أطلال وفى موضعها الآن قرية ” أسنيك ” التركية..

وكانت المدينة على جانب كبير من الجمال. وقد اختيرت مدينة نيقية لانعقاد المجمع لتوسط موقعها بين آسيا وأوربا بالإضافة إلى جوها الصحي. هذا ولم تختر مدينة نيقوميدية وهي العاصمة الأولى لمقاطعة بيثنينية نظراً لما كان معروف عن الميول الأريوسية لأسقفها أوسابيوس.

بدأت وفود الأساقفة تصل إلى نيقية قُبيل الموعد المحدد لانعقاد المجمع، وكان في مقدمة الحاضرين وفد كنيسة الإسكندرية وكان يتألف من البابا الكسندروس وشماسه أثناسيوس مع عدد من الأساقفة من بينهم الأنبا بفنوتيوس أسقف طيبة والأنبا بوتامون أسقف هرقلية بأعالي النيل اللذين قُلعت عيناهما بالسيف وكُويت حواجبهما بالحديد المحمى بالنار في زمان الاضطهاد.

وبلغ عدد الآباء الذين حضروا المجمع 318أسقفاً منهم 310 من الشرق وثمانية أساقفة فقط من الغرب، ولعل ذلك راجع إلى ضعف المسيحية في الغرب آنذاك، وإذ لم يتمكن سلفستروس أسقف روما من الحضور لكبر سنه أناب عنه القسين وتين وويكندس. لا شك أن الحاضرين في المجمع كانوا خليطاً من الأساقفة اللاهوتيين الجهابذة ومنهم البسطاء من أمثال القديس أسبريدون أسقف قبرص والقديس نيقولاوس أحد الآباء اليونان وكلاهما أظهر الرب قداسته وكرامته.  

ويثبت التاريخ أن وفد كنيسة الإسكندرية كان له الصدارة والمكانة الأولى في المجمع. قال المؤرخ الإنجليزي استانلي في كتابه ” محاضرات عن الكنائس الشرقية ” لم يكن الكسندروس أسقف أول كراسي العالم المسيحي من حيث سمو المنزلة والأهمية فحسب بل وأعلى هذه الكراسي كعباً من الوجهة العلمية. وكان هو المنفرد بلقب ” بابا ” لا يعرف به رسمياً في المجمع سواه. لأن كلمة ” بابا رومية ” كانت وقتئذ ما لم يتمخض به التاريخ.

وأما بابا الإسكندرية فكان علَمَ على رأسه نار ولقب وإعزاز وحب ومهابة وإجلال وعُرف به رأس كنيسة الإسكندرية، فكان هو الذي يخاطب به بصفة خاصة. وثمة اجتماعات تمهيدية كانت تعقد في الشوارع والمنازل كانت تدور خلالها مباحثات ومناقشات حول القضية الرئيسية التي سينعقد المجمع لأجلها ألا وهي بدعة أريوس. كما حضر إلى نيقية في الأيام القليلة السابقة لانعقاد المجمع الكبير كثير من الفلاسفة والوثنيين والمسيحيين وقيل أن بعضهم شارك في المباحثات التمهيدية التي أشرنا إليها.

وبعد أن أخذ الأساقفة أماكنهم في المجمع حضر الإمبراطور قسطنطين وجلس عن يمينه البابا الكسندروس، وأثناسيوس رئيس الشمامسة، وأوسابيوس القيصري الذي قام بأعمال السكرتارية. وجلس عن يساره أوسيوس أسقف قرطبة الذي أسند إليه رئاسة المجمع لكبر سنة، وآريوس وأكبر أعوانه، كما أصطف الجمهور على جانبي القاعة.

أُفتتح المجمع في 20 مايو وانتهى في 25 أغسطس من سنة 325م وكانت الجلسة الأولى جلسة افتتاحية ألقى فيها سكرتير المجمع خطاب الافتتاح ورد عليه الإمبراطور قسطنطين بخطاب آخر. ولما بدأ المجمع يزاول أعماله والنظر في بدعة آريوس حدث جدل ونقاش كثير مما دعى إلى رفع الجلسة وانفضاضها دون الوصول إلى نتيجة ما. وفى اليوم التالي انعقد المجمع وقدم آريوس صورة معتقده الفاسد وفيه ” إن الابن ليس مساوياً للآب في الأزلية وليس من جوهره وأن الآب كان في الأصل وحيد وأخرج الابن من العدم بإرادته وأن الابن إله لحصوله على لاهوت مكتسب “.

انبرى رئيس الشمامسة أثناسيوس وأفحم آريوس بردوده القوية وحججه الدامغة مظهراً ضلاله وفساد رأيه مما أثار إعجاب جميع الأساقفة الذين فرحوا لفصاحته وهو لم يبلغ بعد الثلاثين من عمره، حتى أن الإمبراطور قسطنطين أخذته الدهشة ونظر إليه وقال له: ” أنتَ بطل كنيسة الله ” وعندما ابتدأ الآباء في تحديد المعتقد السليم كان الآريوسيون يوافقون على ظاهر أقوالهم ثم يؤولونها بما هو لصالح معتقدهم، وأخيراً تدخل العظيم أثناسيوس واقترح أن تضاف إلى العقيدة عبارة:Homo- Ousious ومعناها ” مساوٍ في الجوهر ” للتعبير عن حقيقة صلة الآب بالابن غير أن الأريوسيين رفضوا هذه الكلمة، وأرادوا أن يستبدلوها بعبارة:

Homi- Ousious ومعناها ” مشابه في الجوهر “. وبعد نقاش كبير أخذ رأى المجمع فوافق على اقتراح أثناسيوس وتعبيره. وتوالت جلسات المجمع إلى أن تم وضع قانون الإيمان من أول ” نؤمن بإله واحد ” حتى ” نؤمن بالروح القدس ” وقد وقَّع على قانون الإيمان هذا أكثر من 300 أسقف، ولما امتنع آريوس وأنصاره عن التوقيع حرمهم المجمع وقرر نفى آريوس وحرق كتبه.

 

القضايا الأخرى التي نظرها مجمع نيقية 325م

بعد الانتهاء من الحكم في قضية آريوس نظر المجمع في بعض القضايا الأخرى وأصدر رأيه فيها. وأما هذه القضايا فكانت:

 

  1. موعد عيد القيامة:

وقد قرر المجمع أن يُعيد جميع المسيحيين في موعد واحد هو يوم الأحد الذي يلي الفصح لليهود، وقرر أن بابا الإسكندرية هو الذي يقوم سنوياً بإبلاغ أساقفة العالم عن موعد عيد القيامة.

  1. بخصوص الشقاق الذي أحدثه ملاتيوس أسقف أسيوط:

فقد قرر المجمع حفظ حقوق بابا الإسكندرية الواجبة في رئاسته على الأساقفة الذين في إقليم مصر.

  1. مشكلة معمودية الهراطقة:

أيد المجمع رأى الكنائس الشرقية في أنه لا تعاد معمودية من هرطق عند رجوعه وأوجب إعادة معمودية من يعمدهم الهراطقة.

  1. زواج الكهنة:

قرر المجمع السماح لمن يريد من الكهنة أن يتزوج مع الاحتفاظ ببتولية الأساقفة وعدم زواج الكهنة المترملين.

 

قوانين المجمع

سَنَّ الآباء المجتمعون بالمجمع عشرين قانوناً لسياسة الكنيسة عامة، وافق عليها بالإجماع جميع الأساقفة الذين حضروا هذا المجمع، كما قبلتها كقوانين صحيحة جميع الكنائس شرقاً وغرباً، لكن الكنيسة الرومانية طلعت على الكنيسة الجامعة بعد المجمع النيقاوي بما يقرب من مائة عام وادعت أن هذه القوانين عددها 84 قانون، أما بواعث هذا الادعاء فهي محاولة إثبات رئاسة أسقف روما على العالم المسيحي كخليفة للسيد المسيح على الأرض. وضمنوا ذلك القانونين المزورين 33، 44 من القوانين المنسوبة لنيقية.

وأول ما ظهر هذا التزوير كان عند اجتماع مجمع قرطاجنة سنة 418م الذي طلب القديس أغسطينوس انعقاده للنظر في بدعة البلاجيين، وقد أرسل أسقف روما لحضور هذا المجمع نائباً عنه. وفى أولى جلسات المجمع طلب نائب أسقف روما قراءة رسالة أسقفه فوجد الحاضرين وكان عددهم 217من الآباء أن هذه الرسالة تشير إلى قوانين منسوبة إلى مجمع نيقية دون أن يكون لها أى أساس في القوانين الثابتة بجميع الكنائس.

وإزاء هذه البلبلة قرر أعضاء المجمع إرسال مندوبين إلى الإسكندرية وأنطاكية والقسطنطينية للإطلاع على قوانين نيقية الأصلية وكان نتيجة ذلك أن أثبت المجمع أن جميع النسخ لقوانين مجمع نيقية المجودة بقرطاجنة خالية تماماً من هذه القوانين المزعومة. ونصح المجتمعون أسقف روما أن يوفد من قِبَله من يتحقق من ذلك من النسخ الأصلية الموجودة بالكراسي الرسولية الشرقية.

وقد أثبت كيرلس مقار في كتابه ” الوضع الإلهي في تأسيس الكنيسة ” أن هذه القوانين المزورة المنسوبة إلى نيقية إنما هي قوانين مجمع مكاني عقد في سرديكا سنة 347م ولا صلة له بمجمع نيقية …

وثابت تاريخياً ومنطقياً من مراجعة هذه القوانين أنها تشير إلى أشياء وإلى أحداث لم تظهر إلا بعد مجمع نيقية مما يثبت تزويرها. ومن أمثلة ذلك القانون المزور رقم 42 الذي يقول ” والحبش فلا يبطرك عليهم بطريرك من علمائهم ولا باختيار منهم أنفسهم لأن بطركهم إنما يكون من تحت يد صاحب كرسي الإسكندرية وهو الذي ينبغي أن يصلح عليهم جاثليقاً الذي هو من دون البطريرك ومن قبله …

وهذا القانون ينظم العلاقة بين الكنيسة الحبشية وكنيسة الإسكندرية وبديهي أنه مزور ولا يمكن أن يكون صادراً عن المجمع المسكونى الأول، لأنه ثابت تاريخياً أن الحبشة لم تخضع لكرسي الإسكندرية إلا بعد أن أرسل البابا أثناسيوس، فرومنتيوس إليها وسامه أسقفاً باسم ” الأنبا سلامة ” سنة 330 م. أى بعد الانتهاء من مجمع نيقية بخمس سنوات على الأقل أضف إلى هذا أن لقب بطريرك لم يستعمل ضمن الإصلاحات الكنسية إلا في القرن الخامس وعلى وجه التحديد بعد مجمع خلقيدونية. وحتى المجمع النيقاوى كان اللفظ المستعمل أسقف وأسقفية أو أسقفيات.

وهذا مثل واحد على تزوير هذه القوانين. ويعوزنا الوقت إن أردنا إثبات بطلانها تاريخياً ومنطقياً.

الفكرة المجمعية المجامع المسكونية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية

المجامع المسكونية – نظرة سريعة

المجامع المسكونية – نظرة سريعة

المجامع المسكونية – نظرة سريعة

المجامع المسكونية – نظرة سريعة

1- مجمع نيقيا 325: حرم آريوس الذي ألأنكر ألوهية يسوع المسيح ووضع قانون الايمان.

2- مجمع القسطنطينية الاول 381: حرم مقدونيوس والماسيدنيين الذين ينكرون الوهة الروح القدس ومساواته للآب والابن في الجوهر.

3- مجمع أفسس 431: حرم نسطوريوس الذي أنكر ان تكون مريم العذراء أم الله.

4- مجمع خليقدونية 451: حدد طبيعتي المسيح الالهيه والانسانية وحرم اصحاب الطبيعة الواحدة.

5- مجمع القسطنطسنية الثاني 552: شجب نسطوريوس واوريجانوس.

6- مجمع القسطنطينية الثالث 680ــ 681: شجب المونوتولية او مذهب المشيئة الواحدة.

7- مجمع نيقيا الثاني 787: شجب محاربي الايقونات.

8- مجمع القسطنطينية الرابع 869ــ 870: عزل فوتيوس عن كرسي بطريركية القسطنطينية.

9- مجمع لاتران الاول 1123: تدخل فى مسألة الرتب الكنسية. وقد نشأت المسألة من جراء الصراع العنيف الذي قام بين البابوية وأباطرة المانيا حول سيامة الأساقفة. واستمر من سنة 1074 ــ 1122، وبلغ أشدة أيام غريغوريوس السابع والأمبراطور هنري السابع، وانتهى بمبدأ الفصل بين السلطتين. فالسلطة الزمنية يمنحها الأمبراطور والسلطة الروحية يمنحها البابا.

10- مجمع لاتران الثاني 1139: شجب السيمونيا (بيع الرتب الكنسية) وسوء استعمال السلطة الروحية، ونصح بعدم زواج الكهنة.

11-مجمع لاتران الثالث 1179 ــ 1180: اتخذ اجراءات اولية ضد بدعة الكاثار.

12- مجمع لاتران الرابع 1215: شجب بدعة الألبيجوا (أو الكاثار) وحدد عقيدة الاستحالة الجوهرية ونظم قوانين الكنيسة.

13- مجمع ليون الاول 1245: ضد فردريك الثاني.

14- مجمع ليون الثاني 1274: وهو محاولة للتقارب مع الكنيسة الشرقية، واتحاد الكنائس.

15- مجمع فيينا 1311 ــ 1312: حل منظمة الهيكل.

16- مجمع كونستانس 1414 ــ 1418: وضع حداً للأنشقاق في الغرب، وشجب جان هوس.

17- مجمع فلورنسا 1438 ــ 1445: وهو محاولة للتقارب من جديد مع الكنيسة الشرقية، ضمن مخطط اتحاد الكنائس.

18- مجمع لاتران الخامس 1512 ــ 1517: محاولة أصلاح الاكليروس، وتحديد خلود النفس. ولكن محاولة الاصلاح كانت فاشلة.

19- مجمع ترانت (التريدنتيني) 1545 ــ 1563: أصلاح الكنيسة الكاثوليكية: قرارات عقائدية البروتستانت.

20- مجمع الفاتيكان الأول 1869 ــ 1870: حدد موقف الكنيسة من الايمان والمذهب العقلاني وأعلن عصمة البابا.

21- مجمع الفاتيكان الثاني:

الدورة الأولى: من 11 تشرين الأول الى 8 كانون الأول 1962.

 الدورة الثانية: من 29 ايلول الى 4 كانون الاول 163.

الدورة الثالثة : من 14 أيلول الى 2 تشرين الثاني 1964.

الدورة الرابعة: من 14 أيلول الى 8 كانون الأول 1965.

حضر هذا المجمع 2300 أسقف وتألف من 12 لجنة، وأستغرق 140 جلسة، وأجرى حوالي 550 تصويتاً.

نتائجة: 4 دساتير و9 مراسيم و3 أعلانات. النص الاساسي: دستور عقائدى للكنيسة. أما باقى النصوص فموزعة على مجموعتين:

1- وثائق التجديد: قرارات فى رسالة العلمانيين والاساقفة والرسالات. ودستور عقائدي فى الوحي والليتورجيا.

2- وثائق الحوار: مع غير الكاثوليك، وغير المسيحيين، وغير المؤمنين، ومع العالم أجمع.

3- أسس الحوار ووسائلة: الحرية الدينية، الكنيسة وعالم اليوم ــ وسائل الأعلام الأجتماعية.

 

المجامع المسكونية – نظرة سريعة

مفهوم الإحتكام إلى المجامع والآباء في الكنيسة الأولى

 مفهوم الإحتكام إلى المجامع والآباء في الكنيسة الأولى

مفهوم الإحتكام إلى المجامع والآباء في الكنيسة الأولى

مفهوم الإحتكام إلى المجامع والآباء في الكنيسة الأولى

المجامع في الكنيسة الأولى

إن مجال هذه المقال محدود، لأنها مجرَّد مقدمة. فدور المجامع في تاريخ الكنيسة ووظيفة التقليد بُحثاً عن السنوات الأخيرة. ولذلك كان الهدف من هذه المقالة تقديم بعض الاقتراحات التي قد تثبت فائدتها في تدقيقنا في الشواهد النصيّة وفي تقويمنا اللاهوتي وفي تفسيرنا لها. والواقع أن المشكلة كنسيّة، وأن المؤرخ الكنسي يجب أن يكون لاهوتياً أيضاً وأن يورد خياره الشخصي وموقفه.

فعلى اللاهوتيين بالمقابل أن يعُوا المنظور التاريخي الواسع الذي نوقشت فيه الأمور الإيمانية والعقيدية وفُهمت، وعليهم أن يتجنبوا المفارقات التاريخية في اللغة، لأن الواجب يقتضي أن يدرسوا كلّ عصر بلغته الخاصة.

ويجب على تلميذ الكنيسة القديمة أن يبدأ بدراسة مجامع معيَّنة وأن يتناولها في وضعها التاريخي المحدَّد من دون أن يحاول إعطاء تحديد مسبق بشكل كيفيّ. وهذا ما يفعله المؤرخون. ففي الكنيسة القديمة لم تكن هناك “نظرية مجمعية” ولا لاهوت محكم عن المجامع ولا نظم قانون محدَّدة، لأن مجامع الكنيسة، في القرون الثلاثة الأولى، التأمت عند الضرورة لأهداف خاصة وفي ظروف طارئة لبحث أمور معيِّنة تعمّ الجميع. فكانت أحداثاً أكثر منها مؤسسة. والأفضل أن نستعمل عبارة غريغوري ديكس التي تنص على أن المجامع كانت:

“قبل نيقية جهازاً اقتضائياً لا مكان محدَّد له في نظام الحكم الكنسي”.

وما سلَّم به الجميع ووافق عليه في تلك الفترة هو أن اجتماع وتشاور أساقفة يمثلون كنائسهم المحلية و”جماعاتهم”، وبالأحرى يجسِّدونها، كان نهجاً صحيحاً وطبيعياً لإظهار الوحدة وتحقيقه وللاتفاق في أمور الإيمان والتنظيم. فكان الشعور بوحدة الكنيسة قوياً في العصور الأولى، على الرغم من أن هذا الشعور لم يكن قد انعكس بعد على الصعيد التنظيمي.

“فمجمعية” الأساقفة كان أمراً مسلَّماً به مبدئياً، وكان مفهوم “الأسقفية الواحدة” قد ابتدأ بالنموّ، وكان أساقفة منطقة معيَّنة يجتمعون لاختيار الأساقفة الجدد ولوضع الأيدي عليهم، وكانت أسس المنهج المتروبوليتي في طور التثبيت. لكنَّ هذه الأمور حدثت بطريقة عفوية. وظهر أن “المجامع” برزت إلى حيِّز الوجود في آسيا الصغرى أولاً في أواخر القرن الثاني أثناء الدفاع القوي ضد انتشار “النبوَّة الجديدة” أي ضد الانفجار المونتاني العنيف. وكان من الطبيعي في هذه الحالة أن تشدد الكنيسة على “التقليد الرسولي” الذي كان الأساقفة حرَّاساً له وشهوداً في رعاياهم.

وفي شمال أفريقيا تأسس نوع من النظام المجمعي في القرن الثالث، إذ وُجد أن المجامع هي الأداة المثلى للشهادة والإفصاح والإعلان عن الفكر المشترك في الكنيسة وعن الانسجام والتآلف بين الكنائس المحلِّية. لقد أصاب البروفسور جورج كريتسثمار (George Kretschmar) عندما قال في دراسته عن مجامع الكنيسة القديمة إن اهتمام المجامع الأولى الأساسي كان اهتماماً بوحدة الكنيسة: “فمنذ البدء وحتى الوقت الحاضر هناك موضوع واحد وهو الإعلان عن وحدة صحيحة وروحية في كنيسة الله”. أمَّا هذه الوحدة فكانت تقوم على وحدة التقليد وعلى الإجماع في الإيمان أكثر مما تقوم علي أي نموذج مؤسساتي.

 

المجمع المسكوني

بعد اهتداء الإمبراطور تغيرت الظروف. فمنذ أيام قسطنطين وبالأحرى منذ أيام ثيوذوسيوس اعترف المجمع بأن الكنيسة أصبحت تعايش الإمبراطورية المسكونية المتنصرة. إن “اهتداء الإمبراطورية” جعل مسكونية الكنيسة مرئية أكثر منها في أي وقت مضى. وهذا الاهتداء لم يضف شيئاً إلى المسكونية الأساسية والأصلية في الكنيسة المسيحية. لكن الظرف الجديد هيأ لها ظهوراً مرئياً. في هذا الظرف التاريخي التأم المجمع المسكوني الأول في نيقية وصار نموذجاً للمجامع اللاحقة.

“فوضع الكنيسة الجديد استلزم عملاً مسكونياً، لأن الحياة المسيحية لم تعد معاشة في عالم منظم على أسس إقليمية، بل في إمبراطورية شاملة… وبما أن الكنيسة خرجت إلى العالم فأصبح من واجب الكنائس المحلية أن تتعلم ألا تعيش كوحدات مستقلة (مثلما عاشت سابقاً عملياً لا نظرياً)، بل كجزء من سلطة روحية واسعة” (Eduard Schwartz).

إننا نقدر أن نصف المجامع العامة، كما دُشنت في نيقية، بأنها بمعنى من المعاني “مجامع إمبراطورية” (die Reichskonzile) وربما كان هذا الوصف المعنى الأول والأصلي للفظة “مسكوني” كما أطلقت على المجامع (Eduard Schwartz). ولا مجال هنا للبحث المطول في المشكلة الصعبة والشائكة المتعلقة بطبيعة وخاصية هذه البنية التي كانت “الكومنولث” (commonwealth) المسيحي الجديد و الجمهورية المسيحية الثيوقراطية (Res publica Christiana)  التي صارت فيها الكنيسة مرتبطة بالإمبراطورية بشكل غريب، لأن هدفنا المباشر لا علاقة له بهذا الموضوع. كانت مجامع القرن الرابع ما تزال اجتماعات اقتضائية وأحداثاً فردية. وكان سطانها النهائي مستنداً إلى اتفاقها مع “التقليد الرسولي”.

فعدم وجود آية محاولة في القرن الرابع وفيما بعد لتوسيع نظرية قانونية عن “المجامع العامة” بكونها مركزاً للسلطان النهائي وبكونها ذات ونماذج معينة لإجراءات متعددة هو أمر ذو دلالة، رغم أن الكنيسة اعترفت بهذه المجامع في الواقع بأنها مكان مناسب لمعالجة مشاكل الإيمان والعقيدة ومرجع  في هذه الأمور. لن نبالغ إذا قلنا أن المجامع لم تُعتبر أبداً مؤسسة قانونية، بل اعتُبرت أحداثاً اقتضائية تتجلى فيها المواهب الروحية.

فهي لم تُعتبر سلفاً بشرعية أي مجمع، بل إن الكنيسة رفضت عدداً منها، رغم قانونيتها الشكلية. يكفي أن نذكر المجمع اللصوصي الذي عُقد سنة 449. فالكنيسة اعترفت “بمسكونية” المجامع التي لها سلطة دامغة. إنها اعترفت بها فور وبعد زمن لا لأهليتها القانونية، بل لطابعها المواهبي، إذ شهدت بالروح القدس للحقيقة الموجودة في الكتاب المقدس كما سُلم في التقليد الرسولي.

لا مجال هنا لبحث “نظرية الاستلام”، لأن هذه النظرية لم تكن موجودة. فهناك رؤية إيمانية فقط. إن هانس كونغ (Hans Küng) في كتابه (Sturkturen der Kirche) “بنية الكنيسة” اقترح طريقة تساعد في فهم هذه المسألة. ورغم أن هذا المؤلف ليس مؤرخاً فإن المؤرخين يقدرون أن يطبقوا مخططه اللاهوتي على نحو مثمر. فاقترح كونغ أن يُنظر إلى الكنيسة “كمجمع” يدعوه الله نفسه إلى الانعقاد (“بدعوة إلهية”Aus göttlicher Berufung)، وإل المجامع التاريخية أي المسكونية والعامة كمجامع يدعوها الإنسان للانعقاد (“بدعوة إنسانية”Aus monschlicher Berufung)، لأنها تمثل الكنيسة بشكل حقيقي، لكنها لا تكون أكثر من ممثلة.

وتجدر الاشارة إلى أن المؤرخ الروسي بولوتوف (V.V.Bolotov) أورد منذ سنوات مفهوماً مشابها في “محاضراته عن تاريخ الكنيسة القديمة”، فقال إن الكنيسة اجتماع (ecclesia) لا ينفض أبداً. والسلطان السامي ومقدرة تمييز حقيقة الإيمان أودعا في الكنيسة التي هي “مؤسسة إلهية” بالمعنى الصحيح والدقيق للكلمة. ولكن لا يوجد مجمع و”مؤسسة مجمعية ذات حق إلهي” (de Jure Divino) إلاَّ بمقدار ما تكون صورة حقيقية وتجلياً للكنيسة. وقد نبقى في دائرة مفرغة إذا شددنا على ضمان شكلية في الأمور العقيدية، لأن هذه “الضمانات” غير موجودة ولا يمكن إبرازها مسبقاً. فبعض “المجامع” كان مخفقاً، لأنه لم يكن سوى اجتماع غير شرعي (Conciliabula) وقع في الخطأ.

ولذلك رُفضت هذه المجامع فيما بعد. إن تاريخ المجامع في القرن الرابع مفيد جداً في هذا المجال. وما أعلنته المجامع لم تقبله الكنيسة و ترفضه على أساس شكلي و”قانوني”. فحكم الكنيسة كان انتقائياً إلى أبعد الحدود. إذن، لم يكن المجمع فوق الكنيسة. فهو على وجه التحديد “تمثيل” لها. وهذا يُفسر سبب عدم احتكام الكنيسة القديمة إلى “السلطان المجمعي” بشكل مطلق (in abstracto) وعام، فهي احتكمت دائماً إلى مجامع خاصة وبالأحرى إلى “إيمان” هذه المجامع وشهادتها.

نشر الأب كونغار (Yves Congar) مقالة جيدة جداً عن “أولوية المجامع المسكونية الأربعة الأولى” أورد فيها شواهد مهمة. فأولوية نيقية وأفسس وخلقيدونية كانت في تحديداتها العقيدية، مما اعتبره الجميع تعبيراً صادقاً وكافياً عن حقيقة الإيمان الذي أودع سابقاً في الكنيسة. إن التشديد لم يكن هنا على السلطان “القانوني”، بل على الحقيقة. وهذا يقودنا إلى المسألة الحاسمة والمعقدة وهي ما هي أفض مقاييس الحقيقة المسيحية؟

 

المسيح مقياس للحق

إنه لا يوجد جواب سهل عن هذا السؤال. لكن، في الواقع، هناك جواب سهل جداً: المسيح هو الحق. فمصدر الحق المسيحي ومقياسه هو الإعلان الإلهي في بنيته المزدوجة وتدبيره المضاعف. مصدر الحق هو كلمة الله. هذا الجواب أعطي بسهولة وقُبل في الكنيسة القديمة بشكل عام، مثلما يُقبل في مسيحية هذا العصر المنقسمة. لكنَّ هذا الجواب لا يحلّ المشكلة.

والحق، أنه كان يُقوَّم ويُفسر بطرق مختلفة إلى حدّ التفاوت الجذري. وعنى فقط أن المشكلة انتقلت خطوة أخرى وبرز سؤال جديد وهو كيف يجب أن نفهم الإعلان؟ إن الكنيسة الأولى لم تشكّ في “كفاية” الكتاب ولم تحاول أن تتجاوزه، بل ادَّعت دوماً أنها لم تتجاوزه. لكن المسألة التفسيرية برزت ابتداء من العصر الرسولي بروزاً حادّاً. فما هو المبدأ التفسيري الصحيح الذي كان يُتبع؟ إننا لا نجد سوى جواب الاحتكام إلى “إيمان الكنيسة الذي هو إيمان الرسل وبشارتهم، أي إلى التقليد الرسولي. فالكتاب لا يُفهم إلاَّ في الكنيسة، كما أكَّد أوريجنس، وكما أكَّد القديس إيريناوس وترتليان قبله. كان الاحتكام إلى التقليد احتكاماً في فكر الكنيسة (phronrma)، وكان منهجاً لاكتشاف الإيمان المسلَّم به دائماً ومنذ البدء (semper creditum) وتثبيته.

كانت ديمومة الإيمان المسيحي إشارة واضحة إلى حقيقته وأمارة لها، حيث لا مجال للتجديد والأفكار المبتدعة. ويمكن أن تُبرهن على نحو ملائم ديمومة إيمان الكنيسة المقدسة من شهادات الماضي.

ولذلك يُستشهد عادة “بالقدماء” في المباحثات اللاهوتية. ولكن يجب أن تُستخدم “حجة القِدَم” بشيء من الحذر، لأن الرجوع الاتفاقي إلى الأزمنة القديمة والاستشهاد العرضي بمؤلفين قدماء قد يكونان غامضين ومضللين. وهذا الأمر فُهم فهماً تاماً أيام الجدل الكبير حول المعمودية في القرن الثالث، عندما أثيرت مسألة شرعية “العادات القديمة” وسلطانها. فترتليان أكد أن العادات (consuetudines) في الكنيسة يجب أن تُفحص تحت ضوء الحقيقة، لأن “سيدنا المسيح لم يظهر نفسه عادة وعرفاً، بل حقيقة” (في غطاء العذارى 1، 1).

والقديس كبريانوس استعمل هذه العبارة ومجمع قرطاجة الذي عُقد سنة256 تبناها. ولعلَّ “القدم” في ذاته يمكن أن يكون خطأ متأصلاً “لأن القِدَم بلا حقيقة خطأ قديم متأصل” كما قال القديس كبريانوس، (الرسالة 74، 9). وأوغسطين أيضاً استخدم العبارة نفسها فقال “يقول الرب في الإنجيل: أنا هو الحق، ولم يقل : أنا هو العادة” (في المعمودية 3، 6، 9).

“فالقِدَم” في حدّ ذاته لا يكون حقاً بالضرورة مع أن الحق المسيحي كان فعلياً حقاً “قديماً”، ولذلك قاومت الكنيسة كلّ البدع. أمَّا الهراطقة وعلى الأخص العرفانيون فكانو ومن استخدم البرهان المرتكز على التقليد. وهذا ما دفع القديس إيريناوس إلى إحكام مفهومه الخاص عن “التقليد” الذي يقاوم “التقاليد” الخاطئة التي أوردها الهراطقة والتي كانت غريبة عن فكر الكنيسة. فكان لا بد للاحتكام إلى “القدم” أو “التقليد” أن يكون انتقائياً وتميزياً، لأن بعض “التقاليد” التي تعلل بها الهراطقة كانت خاطئة.

فيجب على المرء أن يبحث بدقة عن “التقليد الحقيقي”، الذي قدر أن يرجعه إلى سلطان الرسل والذي يثبته ويؤكده إجماع (consesio) الكنائس. لكن لا يكتشف هذا الإجماع بسهولة، لذلك بقيت بعض الأسئلة مطروحة. أما مقياس القديس إيريناوس فكان سليماً وصحيحاً: التقليد هو التقليد الرسولي الجامع. وأوريجنس حاول في مقدمة كتابه “المبادئ” أن يضف غاية “الاتفاق” القائم الذي كان ضرورياً وإلزامياً بالنسبة إليه، فأورد مجموعة من النقاط المهمة التي تحتاج إلى مزيد من الدرس.

فكانت هناك تقاليد محلية تختلف في اللغة والنظام حتى ضمن الشركة الدائمة في الإيمان و”القدسات” (in sacris). يكفي أن نذكر الخلاف الفصحي بين روما والشرق، حين برزت مشكلة سلطة العادات القديمة. ويجب أيضاً أن نذكر الصراع الذي دار بين قرطاجة وروما والصراع الذي دار بين الإسكندرية وإنطاكية الذي بلغ قمته المأساوية وطريقه المسدود في القرن الخامس. ففي هذا العصر من الصراع اللاهوتي الحاد احتكمت جميع الأطراف إلى التقليد و “القدم”. ولذلك تراكمت على كل الجوانب “سلاسل” من الشهادات القديمة.

فكان يجب أن تُفحص بدقة هذه الشهادات على أسس تتجاوز مبدأ “القدم” وحده. فبعض التقاليد المحلية الليتورجية واللاهوتية طرحها جانباً ونبذها سلطان الإجماع (consensus) “المسكوني”. ففي مجمع أفسس وقعت مجابهة حادة بين التقاليد اللاهوتية المختلفة، فانشطر إلى اثنين – مجمع القديس كيرلس وكنيسة روما (المسكوني) ومجمع الشرق. وقد تمت المصالحة لكن التوتر بقي قائماً. وكان أمر الفصول الثلاثة الحالة الأكثر إثارة في شجب تقليد لاهوتي قديم ومعتبر، وإن كان محلياً. فأثير آنذاك سؤال مبدئي وهو إلى أي حد كان إنكار إيمان الذين رقدوا بسلام واتحاد بالكنيسة شرعياً؟ قام جدل عنيف حول هذه القضية، وخاصة في الغرب، وأعطيت براهين قوية ضد العودة إلى الأحداث الماضية وضد إعطاء حكم فيها.

 

معنى الاحتكام إلى الآباء

لوحظ أن الاحتكام إلى القدم تتغير وظيفته وخاصيته مع مرور الزمن. ففي أيام القديس إيريناوس أو ترتليان كان الماضي الرسولي قريباً وحاضراً في الذاكرة البشرية. والقديس إيريناوس سمع في شبابه تعاليم القديس بوليكربوس الذي كان تلميذ مباشراً ليوحنا اللاهوتي. وهذا الجيل كان الجيل الثالث بعد المسيح. فذكرى العصر الرسولي كان لا يزال نضراً، ومجال التاريخ المسيحي كان لا يزال قصيراً ومحدوداً. في ذلك العصر المبكر دار الاهتمام حول الأسس الرسولية وحول الإعلان الأول للبشارة (Kerygma).

وهكذا عنى التقليد آنذاك “النقل” أو “الإبداع”. وكانت مسألة النقل الدقيق بسيطة نسبياً في فترة تزيد على قرن كامل وخاصة في الكنائس التي أسسها الرسل أنفسهم. فاتجه الانتباه إلى لوائح التعاقب الرسولي (كما عند القديس ايريناوس وايسيبيس) التي كان جمعها سهلاً. لكن مسألة “التعاقب” ظهرت أكثر تعقيداً في الأجيال اللاحقة الأكثر بعداً عن العصر الرسولي.

وفي هذه الظروف الجديدة صار انتقال التشديد من مسألة “الرسولية” الأصلية إلى مسألة حفظ “الوديعة” الإيمانية طبيعياً. وصار التقليد يعني “انتقالاً” أكثر منه تسليماً. وصارت مسألة “التعاقب” بمعناها الواسع والشامل ملحّة جداً. فبرزت مسألة الشهادات الصادقة. في هذا الظرف أُثير ولأول مرة سلطان الآباء بشكل رسمي: هم كانوا شهوداً لديمومة البشارة (Kerygma) وأصالتها كما انتقلت من جيل إلى جيل. ولفظتا الرسل والآباء تقارنتا بشكل عام عند استخدام حجة التقليد في القرنين الثالث والرابع. وكان الرجوع المزدوج إلى الأصل وإلى الحفاظ المستمر والثابت عليه ضامناً لأصالة الإيمان. أما الكتاب فاعتُرِف به رسمياً أساساً للإيمان بكونه كلمة الله وكتاب الروح. لكن بقيت مشكلة تفسيره الصحيح. ولذلك استُشهد بالآباء والكتاب معاً أي بالبشارة (Kerygma) والتفسير (exegesis).

كانت عبارة الرجوع “إلى الآباء” أو الاحتكام إليهم علامة مميزة وبارزة في البحث اللاهوتي زمن المجامع المسكونية ابتداء من مجمع نيقية. لكن اللفظة لم تُحدد بشكل رسمي، مع أن بعض الكتّاب الكنسيين الأوائل استخدموها أحياناً بشكل متفرق. فكانت تشير غالباً إلى معلّمي الحقبات السابقة وقادتها المسيحيين. ومن ثم أصبحت تدريجياً لقباً  للأساقفة، لأنهم يُقَامون معلِّمين للإيمان وشهوداً له. بعد ذلك أُطلقت بشكل خاص على الأساقفة الأعضاء في المجامع. ما يجمع كلّ هذه الحالات كان المهمة التعليمية.

“فالآباء” هم اللذين نقلوا ونشروا العقيدة القويمة وتعليم الرسل، فكانوا قادة في التعليم المسيحي والتوجيه. بهذا  المعنى أُطلقت بقوة على الكتّاب المسيحيين الكبار. ويجب أن نتذكر أن الكتيِّب الرئيسي، ولعله الكتيِّب الأوحد، في الكنيسة القديمة عن الإيمان والعقيدة كان تحديداً الكتاب المقدس. ولذلك اعتبر المفسِّرون المشاهير للكتاب المقدس “آباء” بالمعنى البارز. كان “الآباء” معلِّمين بالدرجة الأولى (didascali، doctores)، بل كانوا معلِّمين بمقدار ما كانوا شهوداً (testes). لكن يجب أن نميِّز بين هاتين الوظيفتين، رغم أن كل وظيفة منسوجة مع الأخرى. “فالتعليم” كان مهمة رسولية: “علِّموا جميع الأمم”. وفي هذا الالتزام يتأصل “سلطانهم”: فهو في الواقع سلطان حمل الشهادة. هنا يجب أن نشير إلى نقطتين مهمتين:

أولاً: إلى أن عبارة “آباء الكنيسة” توكيداً واضحاً فيه شيء من الحصرية، لأنهم لم يتصرفوا كأفراد فقط، بل كرجال كنسيين (viri ecclesiastice على حد تعبير أوريجنس المفضّل)، بالنيابة عن الكنيسة وباسمها. فهم الناطقون باسم الكنيسة ومفسِّرو إيمانها وحافظوا تقليدها وشهود حقيقتها وإيمانها ومعلِّمون بارزون (magistri probabiles على حد تعبير القديس فكنديوس) وعلى هذا الأساس يقوم سلطانهم. وهو يرجعنا إلى مفهوم “عرض” الإيمان. أشار G.L.Prestig بحق إلى “أن دساتير الكنيسة الإيمانية انبثقت من تعليمها. وأن تأثير الهراطقة هو الذي جعل الدساتير القديمة موثوقة أكثر مما كانت سبباً في خلق دساتير جديدة.

وهكذا كان الدستور النيقاوي الشهير -والذي أصبح أهم دساتير الإيمان- نسخة جديدة عن اعتراف إيمان كان يستعمل في فلسطين. وهناك حدث أكثر أهمية يجب أن نتذكره دائماً وهو أن العمل العقلي الأصيل والفكر التفسيري الحي لم تقدمه المجامع التي أصدرت دساتير الإيمان، بل المعلِّمون اللاهوتيون الذين قدَّموا وفسرَّروا الصيغ الإيمانية التي تبنتها المجامع. فتعليم نيقية، الذي صار موضوع احترام وثقة، يمثِّل أفكار المفكِّرين العمالقة الذين جاهدوا طوال مئة سنة قبل هذا المجمع وطوال خمسين سنة بعده”.

كان الآباء الملهمين الحقيقين للمجامع في حضورهم وغيابهم (in absentia)، وحتى بعد انتقالهم إلى الراحة الأبدية. لذلك أكَّدت المجامع أنها “تابعة للآباء القديسين”، كما قال مجمع خلقيدونية.

ثانياً: كان إجماع الآباء (consensus patrum) يعوّل عليه إذ لم يعوّل على آرائهم الخاصة التي يجب مع ذلك ألا ننبذها بسرعة وتهور-وهذا الإجماع كان أكثر من اتفاق عملي بين الأفراد. فالإجماع (consensus) الحقيقي والموثوق به عَكَسَ فكر الكنيسة الجامعة. وهذا النوع من “الإجماع” رجع إليه القديس ايريناوس عندما أكّد أن قدرة قادة الكنائس في التعبير وعجزهم عنه لا يقدران أن يؤثرا في تماثل شهادتهم، لأن “قوة التقليد” (traditionis virtus) كانت دائماً وفي كلّ مكان هي نفسها (ضد الهراطقة 1، 10، 2).

فبشارة الكنيسة تبقى هي هي “مستمرة وثابتة ومتماثلة” (Constans et aepualiter perseverans) (المراجع نفسه 3، 24، 1). إن “الإجماع” الحقيقي يظهر ويعلن عن التماثل الدائم في إيمان الكنيسة (aepualiter perseverans) (*).

تقوم السلطة التعليمية في المجامع المسكونية على عصمة الكنيسة، لأن السلطة العليا منوطة بالكنيسة التي هي عمود الحق وأساسه. وهذه السلطة ليست قانونية بالمعنى الدقيق للفظة، مع أن الأحكام القانونية والتشريعات يمكن إلحاقها بالقرارات المجمعية التي تتعلق بالإيمان. فهي سلطة مواهبية تقوم على مؤازرة الروح القدس: “فظهرت حسنة للروح القدس ولنا”.

 

________________________________________

(*) “تنطلق الروح التي تحافظ على تقليد الكنيسة مباشرة من موقفها الأساسي المتمحور حول المسيح. ومن هذا الموقف خرجت الكنيسة لتقاوم طغيان الشخصيات القيادية وطغيان المدارس والاتجاهات، لأن الوعي المسيحي والبشارة المنقولة من المسيح يظهران من خلال هذه المدارس مضطربين ومهدّدين. والكنيسة لم تتردّد في أن تتخطّى بنفسها أولادها الكبار أمثال أوريجنس وأوغسطين وحتى توما الأكويني نفسه. فلا التقليد ولا التشبّث بأرض التاريخ ولا المعطيات المسيحية الأولى ولا الجماعة الحيّة الدائمة هي التي يجب أن تحمل رسالة المسيح، بل التفكير الخاص والخبرة الصغيرة والأنا الوضيعة عند الناس في كلّ مكان. ولذلك عبّرت الكنيسة عن إبسالها… فما تاريخ البشارة سوى ثبات أمام شخص المسيح وتنفيذ ملحّ لوصيته. ليكن المسيح وحده معلّمكم”.

في الواقع إن هذا المقطع المحزن هو إعادة صياغة للفصل الأول من كتاب “Commonitorium” للقديس فكنديوس الذي يميّز فيه بين فكر الكنيسة المشترك وبين الآراء الخاصة عند الأفراد:

“Vero, quamquis ille sanctus et doctus, quamvis episcopus, quamvis contessor et martyr, praeter omnes aut etiam contra omnes senserit”.

Exit mobile version