الفكرة المجمعية المجامع المسكونية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية

الفكرة المجمعية المجامع المسكونية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية

الفكرة المجمعية المجامع المسكونية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية

إن رسائل العهد الجديد بما تضمنته من حث على الفضيلة وتحذير من السقوط في بعض الخطايا والانحرافات اللاهوتية والعقيدية والروحية، إنما تظهر يقظة الكنيسة الأولى وحرصها على أن يكون جميع أعضائها مقدسين جسداً وروحاً سالكين في وصايا الرب بلا لوم مدققين في حفظ الإيمان القويم الذي سُلم مرة واحدة للقديسين.

والمسيحية كدين جديد صاعد منبثق من اليهودية التقت أول ما التقت باليهودية نفسها، بل كان ينظر إلى المسيحية في أول أمرها على أنها شيعة يهودية جديدة وساعد على هذه النظرة حرص اليهود المتنصرين على الاستمرار في ممارسة عوائدهم اليهودية، لكن سرعان ما حدث الصدام الذي كان لا مندوحة عنه بين المسيحية الناشئة واليهودية العتيقة المتأصلة، صدام من الخارج ومتاعب من الداخل.

صدام من الخارج في صورة الاضطهادات التي أعلنتها اليهودية المتعصبة على الجماعات المسيحية الناشئة.

ومتاعب من الداخل أثارها اليهود المتنصرون الذين نادوا بضرورة التمسك بالناموس الموسوي والعوائد اليهودية وإلزام الأمم المتنصرين بضرورة مراعاتها وإلا فلا خلاص لهم.

وما لبثت المتاعب أن ظهرت من ناحية الأمميين الوثنيين بعد أن اتسعت دائرة الإيمان وكثر عدد المؤمنين منهم، أولاً: عن طريق الاضطهاد الخارجي الذي أثارته الوثنية ممثلة في الدولة الرومانية ضد الكنيسة المسيحية، وثانياً: عن طريق المحاولات التي قام بها بعض المفكرين والفلاسفة الوثنيين المتنصرين لتفسير المسيحية على ضوء الآراء والفلسفات الوثنية لتقريبها إلى عقول الوثنيين غير المؤمنين، وما نتج عن ذلك من انحرافات فكرية وعقيدية.

كان أمراً طبيعياً إذن أن تواجه الكنيسة المسيحية الناشئة هذه المشاكل الإيمانية العقيدية مجتمعة، وكان لابد أن تجد لها حلاً، وقد أخذت الكنيسة منذ أول عهدها بمبدأ حل المشاكل التي تواجهها بواسطة مجامع دينية، وعلى هذا فيمكن القول إن الفكرة المجمعية قد انبثقت في الكنيسة الأولى نتيجة إحساسها بالحاجة إليها.

 

الفكرة المجمعية

أ. في اليهودية.

وإذا أردنا تقصي النظام المجمعي المسيحي فإننا نلمس جذوره في اليهودية ومن أمثلته المجامع التي عقدها كهنة اليهود ورؤساؤهم على السيد المسيح (انظر مت 3:26-4 مر 1:15).

ومن أمثلتها أيضاً المجامع اليهودية التي انعقدت لتحاكم التلاميذ لكرازتهم بالإيمان المسيحي (انظر أع 21:5). وجدير بالذكر أن الرب يسوع في قوله الوارد في (مت 15:18-17) ” إن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما، إن سمع منك فقد ربحت أخاك، وإن لم يسمع فخذ معك أيضاً واحداً أو اثنين.. وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة. وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار ” يستعمل عبارة ” كنيسة ” ويتحدث عنها كهيئة قضائية كالمجمع اليهودي لها سلطة بعد مناقشات أن تصدر قرارات وتمارس نظاماً معيناً.

 

ب. في كنيسة الرسل.

ولعل أول مجمع عقدته الكنيسة المسيحية هو مجمع أورشليم الذي يحدثنا عنه كاتب سفر الأعمال في الأصحاح الخامس عشر، والذي التأم للنظر في أمر الداخلين من الأمم إلى الإيمان المسيحي، وما إذا كان لابد لهم أن يتهودوا أولاً وإلى أي حد يجب أن يلتزموا بالناموس الموسوي، انعقد هذا المجمع سنة 50م وحضره بطرس وبولس ويوحنا وبرنابا وتيطس -وربما غيرهم من الرسل ممن لم يذكرهم كاتب سفر الأعمال- لكن إلى جانب هؤلاء الرسل كان بعض القسوس والأخوة العلمانيين (انظر أع 6:15، 22، 23).

وقد رأس المجمع القديس يعقوب أسقف أورشليم باعتباره أسقف المكان وكان حله المؤقت الذي ارتآه هو الذي وافق عليه المجمع. والظاهرة الواضحة في هذا المجمع أن روح الله كان يعمل به وفيه ولذا لا نعجب إذا رأينا على الرغم من دقة الموضوع الذي كان يناقش وحدانية القلب والروح والفكر. وسنري كيف أن المجامع الكنسية كانت وسيلة هامة لتدعيم وتقوية الوحدة المسيحية والكنسية وإقرار كل ما يتعلق بالإيمان والنظام وهي ولا شك تحتل صفة بارزة في تاريخ الكنيسة المسيحية.

 

ج. ما بعد العصر الرسولي.

لا يقدم لنا التاريخ الكنسي دليلاً أكيداً على أي أثر لانعقاد مجامع من نوع مجمع أورشليم قبل منتصف القرن الثاني الميلادي حينما انعقدت مجامع في آسيا الصغرى للنظر في بدعة المونتانيين Montanists وهم أتباع منتانوس Montanus الذي زعم أنه هو الباراقليط الموعود به من السيد المسيح.

وعُقدت عدة مجامع في أفسس في أواخر القرن الثاني برئاسة بوليكراتس Polycrates، وفي فلسطين وبلاد ما بين النهرين Mesopotamia وفي بلاد البنطس، وغالباً برئاسة القديس إيريناوس Iranaous بخصوص موضوع عيد الفصح، وأول ذِكر لأمثال هذه المجامع ورد في رسالة من فرميليانوس أسقف قيصرية كبادوكية إلى القديس كبريانوس في أوائل القرن الثالث كما أشار إليها العلامة ترتليانوس في بعض كتاباته كنوع من التنظيم الكنسي في زمانه ويشير إلى أن هذه العادات التي كانت متبعة في الأقاليم الشرقية، بدأت تسترعي انظار اللاتين في الأقاليم الغربية.

على أن أول المجامع الغربية اللاتينية عقدت في مطلع القرن الثالث الميلادي في شمال أفريقيا برئاسة كبريانوس. ومن الرسالة التي أرسلها فرميليانوس والتي أشرنا إليها آنفاً، نتبين أن المجامع كانت تجتمع بانتظام مرتين في كل عام في آسيا الصغرى في أوائل القرن الثالث الميلادي كنظام كنسي ثابت.

 

عضوية المجامع

من له الحق في عضوية المجمع والحق في التصويت بالنسبة لقراراته.

يري البعض في عضوية المجمع المسيحي الأول ” مجمع أورشليم ” وفئات المؤمنين الذين اشتركوا فيه وبالصورة التي اجتمع بها دليلاً واضحاً على أن من حق المؤمنين العلمانيين أن يسهموا في إدارة الشئون الكنسية مع الإكليروس ويستندون في ذلك إلى ما قاله كاتب سفر الأعمال في معرض حديثه عن هذا المجمع ” فاجتمع الرسل والقسوس لينظروا في هذا الأمر “.

وبعد كلمتي بطرس ويعقوب الذي رأس هذا المجمع يقول القديس لوقا ” حينئذ رأي الرسل والقسوس مع الكنيسة.. ” وحينما أقروا قرارات المجمع كتبوا بأيدهم هكذا ” الرسل والقسوس والأخوة يهدون سلاماً إلى الأخوة الذين من الأمم في إنطاكية وسورية وكيليكية.. ” (أنظر أع 6:15، 22، 23).

وفي المجمع الذي التأم سنة 256 في عهد القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة لمناقشة موضوع إعادة معمودية الهراطقة كان حاضراً 87 أسقفاً بالإضافة إلى عديد من الكهنة والشمامسة وجمهرة من عامة الشعب وجدير بالذكر أن الأساقفة في هذا المجمع هم الذين كان لهم وحدهم دون سواهم حق التصويت.

ويتخذ البعض من ذلك دليل على أن العلمانيين والقسوس وليس لهم حق التصويت ولكن في بعض المجامع المكانية الأخرى كان القسوس والشمامسة يوقعون بأسمائهم بعد الأساقفة. وموضوع حق القسوس والشمامسة في التصويت رسمياً في المجامع الكنسية خاصة في المجامع الإقليمية كانت وما تزال موضوع جدل ولكن الواقع أنه على غرار ما يحدث الآن في الشئون السياسية، كان كل أسقف يصطحب معه مستشاريه من القسوس والشمامسة وبعد التشاور معهم كان يعلن رأيه بصفته أسقفاً. وإن كان هذا الرأي في واقع الأمر يعتبر محصلة رأيه وآراء مستشاريه.

ويؤكد هذا الذي نقوله رسالة بعث بها الإكليروس الروماني إلى القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة يتحدثون فيها عن المناقشات العامة المجمعية التي يجربها أساقفتهم مع القسوس والشمامسة والمعترفين والعلمانيين المعتبرين على أن الأمر أصبح قاطعاً وواضحاً عقب مجمع نيقية المسكوني الأول سنة 325م، حيث أصبح للأساقفة وحدهم بصفة عامة حق الحضور والتصويت وأصبح القسوس والشمامسة مجرد سكرتاريين أو مستشارين أو نواباً عن أساقفتهم، ويمكن أن نقسم المجامع الكنسية بصفة عامة إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي: مجامع مكانية، مجامع إقليمية، ومجامع عامة ” مسكونية “.

 

المجامع المكانية Diocesan Councils

وهي التي يجتمع فيها الأسقف والقسوس والشمامسة في مركز الإيبارشية لتدبير أمورهم الخاصة. وإن كان التاريخ لا يمدنا بمادة عن انعقاد أمثال هذه المجامع قبل القرن الثالث المسيحي، لكن من المحتمل أن تكون قد انعقدت مجامع كنسية من هذا النوع قبل هذا التاريخ لأن الدسقولية وهي تعاليم الرسل تقول في الباب الثامن منها (يكون “أي الأساقفة” اجتماعكم للأحكام يوم الاثنين. فإن كان ثمة خصومة فصلتموها وتكونون متفرغون لذلك طول الجمعة إلى يوم السبت لتنقضي الخصومة فان كان يوم الأحد المقدس تكونون قد أصلحتم بين المتخاصمين ليحضر معكم يا أساقفة الشمامسة والقسوس.. الخ) “.

 

المجامع الإقليمية Provincial Councils

وهذه بدأت تظهر مع التنظيم الكنسي وكانت تجتمع برئاسة مطران الإقليم ” أي أسقف المدينة الأولي في الأقاليم ” ونظراً لما تعرضت له الكنيسة من عواصف الاضطهادات العنيفة فقد عقدت هذه المجامع في عاصمة الإقليم مرة أو مرتين في العام برئاسة رئيس أساقفة الإقليم الذي كان له الإشراف على أساقفة الإقليم، وإن كان هذا لم يمنع من عقد اجتماعات غير عادية لهذه المجامع كلما استجدت ظروف تدعوا إلى ذلك.

والتاريخ مملوء بأمثلة كثيرة لهذه المجامع كالمجمع الذي عقده البابا ديمتريوس بالإسكندرية سنة 231 للنظر في أمر أوريجانوس وما نسب إليه، وكالمجمعين اللذين عقدهما البابا الكسندروس ضد آريوس سنة 319، 321 م وحكم فيهما بحرم آريوس ومن يتبعه.

 

المجامع المسكونية

وهذه اجتمعت منذ عصر قسطنطين الكبير، أو بعبارة أخرى من وقت أن بدأت المسيحية تأخذ طريقها كديانة مسموح بها في الدولة التي أخذت تحتضنها نتيجة اعتناق الأباطرة لهذه الديانة الجديدة، وقد اجتمعت هذه المجامع العامة لضرورات حتمية تختص بالإيمان والعقيدة، وإن كانت قد بحثت أموراً أخري تتعلق بنواحي التنظيم الكنسي وكان يحضر هذه المجامع أساقفة من أنحاء العالم المسيحي شرقاً وغرباً، والكنائس الأرثوذكسية تعترف بثلاثة مجامع عامة فقط هي مجامع نيقية القسطنطينية وأفسس الأول.

 

وهذه المجامع الثلاثة تعترف بها جميع كنائس العالم شرقاً وغرباً وتتمسك بما وضعته من قوانين تحفظ الإيمان المسيحي، وكإظهار لهذه الحقيقية تذكر كنيستنا هذه المجامع الثلاثة في قداسها الإلهي في تحليل الخدام وفي مجمع الآباء القديسين.

 

الأحكام الباطلة لبعض المجامع.

تعترف الكنيسة القبطية بما للمجامع الكنسية الأرثوذكسية من سلطان في إصدار القوانين سواء كانت هذه القوانين تنظيمية أو عبارة عن أحكام ضد المبتدعين والخارجين عن الإيمان السليم وهي تقبل هذه القوانين والأحكام بشرط ألا تتعارض مع الكتاب المقدس والعقيدة القويمة والقوانين الكنسية وإلا اعتبرت باطلة.

 

وتاريخ الكنيسة به عينات كثيرة من المجامع الباطلة ومن أمثلتها مجمع صور الذي انعقد لمحاكمة البابا أثناسيوس الرسولي سنة 334 م وقضي بعزله من وظيفته الكهنوتية وبالنفي، وذلك لأن أعضاء هذا المجمع، كانوا من الآريوسيين، وعلى الرغم من أن الإمبراطور أمر بتنفيذ قرارات هذا المجمع، فإن الكنيسة اعتبرته باطلاً وظلت متمسكة برئيسها الديني البابا أثناسيوس الرسولي على الرغم من نفيه.

 

ومن أمثلتها أيضاً المجمع المكاني الذي انعقد بالقسطنطينية على القديس يوحنا ذهبي الفم وعلى الرغم من أن البابا ثاؤفيلس البطريرك الإسكندري ال23 هو الذي رأس هذا المجمع إلا أن الكنيسة سرعان ما عادت في عهد خلفه البابا كيرلس عمود الدين واعترفت ببراءة يوحنا ذهبي الفم.

 

مجمع نيقية المسكوني سنة 325 م

انعقد هذا المجمع وهو بكر المجامع العامة المسكونية في مدينة نيقية في شهر مايو سنة 325م بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الكبير لحسم بعض المسائل الدينية وفي مقدمتها المشكلة الكبيرة التي أثارها آريوس، ونحاول الآن أن نقف عند بعض النقاط التي تعطينا صورة واضحة عن هذا المجمع.

 

أسباب انعقاد مجمع نيقية المسكوني 325م

لا شك أن الآراء الهرطوقية التي نادي بها آريوس هي السبب المباشر لانعقاد مجمع نيقية لكن كان هناك دواع نجملها في الآتي:

 

(1) الخلاف حول تحديد يوم عيد القيامة.

وقد ظهر هذا الخلاف منذ وقت مبكر بين كنائس آسيا الصغرى وبين كنيسة روما، حينما أعلن القديس بوليكاربوس أسقف أزمير ” سميرنا ” وتلميذ يوحنا الحبيب إنه ينبغي الاحتفال بذكري الصليب يوم 14 نيسان العبري وهو اليوم الذي صلب فيه السيد المسيح وتذكار القيامة في السادس عشر منه وهو اليوم الذي قام فيه المسيح بغض النظر إن كان هذان اليومان يوافقان يومي جمعة وأحد وهما اليومان اللذان تم فيهما الصلب والقيامة ولهما مدلولاتهما أم لا. كانت الكنيسة القبطية تحرص على الاحتفال بذكري هاتين المناسبتين في يومي الجمعة والأحد.

 

وفي ختام القرن الثاني حاول فيكتور أسقف روما إرغام كنائس آسيا الصغرى على الالتزام بيومي الجمعة والأحد لكن هذه الكنائس ردت عليه بعقد مجمع من خمسين أسقفاً، واعتبر فيكتور أسقف روما معتدياً وقرر عدم الالتفات إلى تهديده، وأخيراً حاول البابا الإسكندري ديمتريوس الكرام التوفيق بين الفريقين فعمل على أن يُعيد المسيحيون بذكري الصلب في يوم الجمعة والقيامة في يوم الأحد، على أن يرتبطا بيومي 14، 16 نيسان العبري.

 

فجمع لذلك علماء الإسكندرية الفلكيين (وكانوا أشهر الفلكيين في العالم آنذاك). ووضعوا قاعدتهم المشهورة وهي أن يُعيد المسيحيون عيد القيامة يوم الأحد الذي يلي فصح اليهود مباشرة، وعلى الرغم من هذا الحل إلا أن الخلاف ظل قائماً حتى حسمه مجمع نيقية مُقرًا مبدأ كنيسة الإسكندرية سالف الذكر.

 

(2) الشقاق الذي أحدثه ملاتيوس أسقف أسيوط.

كان ملاتيوس هذا معاصراً لدقلديانوس وقبض عليه وأودعه السجن، وكان من جراء ذلك أنه ضعف وبخر للأوثان، ورغم أنه عاد وندم ورجع إلى المسيحية لكنه بدأ يرسم أساقفة بدون إذن من رئيس الكنيسة البابا بطرس خاتم الشهداء، فرسم حوالي 30 أسقفاً، مما اضطر البابا بطرس أن يعقد مجمعاً مكانياً حرمه هو وأساقفته، لكن ملاتيوس لم يخضع لحكم المجمع واستمر في عصيانه الأمر الذي أتعب كنيسة الإسكندرية.

 

 

(3) موضوع إعادة معمودية الهراطقة.

وهذه مشكلة هامة شغلت الكنيسة ردحاً طويلاً من الزمان، والمشكلة هي، هل يعاد عماد الهراطقة التائبين، وما هو وضع الذين قبلوا العماد على أيديهم؟، ظهر هذا الخلاف كمشكلة بين القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة ” في شمال أفريقيا ” وإسطفانوس أسقف روما. كان كبريانوس يري أن المعمدين من يد الهراطقة هم وحدهم الذين يجب إعادة معموديتهم أما الذين قبلوا العماد من الكنيسة الأرثوذكسية فعمادهم صحيح لا يعاد، على عكس اسطفانوس الذي نادي بعدم جواز إعادة المعمودية إطلاقاً. تحرج الأمر وعقد كلا الفريقين بعض المجامع المكانية لتدعيم رأيه. تدخل القديس ديوناسيوس البطريرك الإسكندري لحسم هذا الخلاف وكان من كبار اللاهوتيين في عصره مؤيداً رأي كبريانوس، وإن كان بهذا التدخل قد هدأ الجو لكن الأمر أيضاً لم يحسم بصورة قاطعة إلا في مجمع نيقية.

 

(4) بدعة آريوس.

ولد آريوس في مدينة القيروان بليبيا سنة 270م ودرس الكثير من العلوم والمعارف، ثم نزح إلى الإسكندرية حيث التحق بمدرستها اللاهوتية فأظهر في دراسته نبوغاً كبيراً وعندئذ داخله الغرور وسعي للحصول على درجة من درجات الكهنوت، شجع في بادئ الأمر ملاتيوس في حركته العصيانية ثم عاد وأظهر خضوعاً مزيفاً للبابا بطرس خاتم الشهداء الذي سامه شماساً، فقساً سنة 306م، بدأ في إعلان تعاليمه الفاسدة في عهد البابا بطرس خاتم الشهداء، وتنحصر هذه التعاليم في إنكار لاهوت المسيح وأنه غير مساوٍ للآب في الجوهر، وحالما وقف البابا بطرس على هرطقته حاول إرجاعه عن تعاليمه الفاسدة هذه ولما لم يقبل أعلن حرمه، بعد ذلك قُبض على البابا بطرس وأودع السجن في زمان الاضطهاد الذي أثاره دقلديانوس على الكنيسة.

 

حاول بعض أتباع آريوس مع البابا بطرس وهو في سجنه لكي يعطى حلاً لآريوس، ولكنه أكد حرمه واستدعى تلميذيه أرشيلاوس وألكسندروس ـ وأنبأهما بأنه سينال إكليل الشهادة كما تنبأ أنهما سيرتقيا السّدة المرقسية خلفاً له. وقال لهما ضمن ما قال عن آريوس ” إن فيه مكراً مخفياً ولست أنا الذي حرمته بل السيد المسيح ـ لأني في هذه الليلة لما أكملت صلاتي ونمت رأيت شاباً قد دخل علىّ ووجهه يضئ كضوء الشمس وعليه ثوب متشح به إلى رجليه وهو مشقوق وأمسك بيديه القطعة الممزقة.

 

فصرختُ وقلتُ: يا سيدي من الذي شق ثوبك؟ أجابني: آريوس هو الذي مزق ثوبي فلا تقبله. واليوم يأتيك قوم طالبين إرجاعه فلا تطعهم، وأوصى أرشيلاوس وألكسندروس بأن يمنعاه من شركتهما “. وعلى الرغم من هذه النصيحة فإنه عندما تبوأ أرشيلاوس الكرسي الإسكندري قبل آريوس بعد إلحاح بعض أتباعه.

 

لكن أرشيلاوس لم يجلس على الكرسي البطريركي سوى أشهر وخلفه ألكسندروس فجدد حرمه وناهض بدعته. حاول آريوس عن طريق بعض أتباعه أن ينال الحلّ من فم البابا الكسندروس لكن هذا الأخير قال لهم: ” قولوا لأريوس أوصاني أبى ألا أقبلك فلا تدخل إلىّ ولا أجتمع بك وذلك حسب أمر السيد المسيح فاعترف للمخلص بخطيئتك فإذا قبلك فهو يأمرني بقبولك “.

 

منذ ذلك الحين بدأ آريوس في نشر ضلالته جهاراً فبينما كان البابا الكسندروس يعظ ذات مرة عن سلطان المسيح في إقامة الموتى مبيناً أن ابن الله الكلمة مساوٍ للآب وأن له طبيعة وذاتاً واحدة مع الآب. وكان آريوس في مكان آخر من الإسكندرية يعظ على الآية “أبي أعظم مني” مندداً برأي الكسندروس ومنادياً بأن المسيح غير مساوٍ للآب في الجوهر بل هو مخلوق بإرادة الآب..

 

ولكي يروج آريوس لتعاليمه الفاسدة نظم تعاليمه في مقطوعات شعرية ضمنها كتابه المُسمى ثاليا ولقنها لأتباعه فأذاعوها بين العامة لكي يرددوها بأنغام خاصة لِما للتلحين من أثر كبير في نفوس السامعين. كانت النتيجة أن جمع البطريرك الكسندروس مجمعاً سنة 319م.

 

وأصدر رسائل ومنشورات كثيرة توضح عقائد الإيمان القويم. وإذ لم يرتدع آريوس وأتباعه عقد البابا مجمعاً آخر سنة 321م حضره حوالي مائة أسقف من مصر وليبيا وحكم بتجريد آريوس من رتبته الكهنوتية وكل من تبعه. واتصل البابا الكسندروس بسميه بطريرك القسطنطينية مظهراً له فساد آريوس وضلالته وشارحاً له العقيدة الأرثوذكسية.

 

ولما وجد آريوس أنه قد ضيق عليه الخناق في الإسكندرية وكل مصر غادرها إلى فلسطين وآسيا الصغرى، حيث بعض أصدقائه من الأساقفة الذين انخدعوا بضلالته وسمحوا له بنشرها، ثم اتصلوا بالبابا الكسندروس راجين قبوله في شركة المؤمنين. لكن البابا رفض طالما هو باقٍ على ضلالته. اقتنع بعض الأساقفة بينما عقد البعض الآخر مجمعين متتاليين في عامي 322، 323 م قرروا فيها إلغاء الحرم الصادر من البابا الكسندروس، وعاد آريوس إلى الإسكندرية ثانية ينفث سموم تعاليمه ممعناً في عناده وضلالته.

 

فطرده البابا ثانية فعاد من حيث أتى. اتصل أوسابيوس أسقف نيقوميدية بالإمبراطور قسطنطين راجياً وساطته لحل هذا الخلاف. انتدب الإمبراطور، هوسيوس أسقف قرطبة لهذه العملية المهمة فأتى إلى الإسكندرية لكنه لم يفلح في مهمته. فعاد إلى الإمبراطور شارحاً الأمر طالباً عقد مجمع عام لعلاج هذه المشكلة الخطيرة.

 

جلسات مجمع نيقية 325م

انعقد المجمع في مدينة نيقية في شهر مايو سنة 325م وخصص لاجتماعاته الساحة الوسطى في القصر، الإمبراطوري بالمدينة نظراً لإتساعها. بعد أن أعدت فيها المقاعد الكثيرة ووضع في الوسط كرسي من الذهب ليجلس عليه الإمبراطور قسطنطين الذي رغب في حضور جلسات المجمع ” ومدينة نيقية هي العاصمة الثانية لولاية بيثينية وتقع في الشمال الغربي لآسيا الصغرى وقد تهدمت ولم يبق منها سوى أطلال وفى موضعها الآن قرية ” أسنيك ” التركية..

وكانت المدينة على جانب كبير من الجمال. وقد اختيرت مدينة نيقية لانعقاد المجمع لتوسط موقعها بين آسيا وأوربا بالإضافة إلى جوها الصحي. هذا ولم تختر مدينة نيقوميدية وهي العاصمة الأولى لمقاطعة بيثنينية نظراً لما كان معروف عن الميول الأريوسية لأسقفها أوسابيوس.

بدأت وفود الأساقفة تصل إلى نيقية قُبيل الموعد المحدد لانعقاد المجمع، وكان في مقدمة الحاضرين وفد كنيسة الإسكندرية وكان يتألف من البابا الكسندروس وشماسه أثناسيوس مع عدد من الأساقفة من بينهم الأنبا بفنوتيوس أسقف طيبة والأنبا بوتامون أسقف هرقلية بأعالي النيل اللذين قُلعت عيناهما بالسيف وكُويت حواجبهما بالحديد المحمى بالنار في زمان الاضطهاد.

وبلغ عدد الآباء الذين حضروا المجمع 318أسقفاً منهم 310 من الشرق وثمانية أساقفة فقط من الغرب، ولعل ذلك راجع إلى ضعف المسيحية في الغرب آنذاك، وإذ لم يتمكن سلفستروس أسقف روما من الحضور لكبر سنه أناب عنه القسين وتين وويكندس. لا شك أن الحاضرين في المجمع كانوا خليطاً من الأساقفة اللاهوتيين الجهابذة ومنهم البسطاء من أمثال القديس أسبريدون أسقف قبرص والقديس نيقولاوس أحد الآباء اليونان وكلاهما أظهر الرب قداسته وكرامته.  

ويثبت التاريخ أن وفد كنيسة الإسكندرية كان له الصدارة والمكانة الأولى في المجمع. قال المؤرخ الإنجليزي استانلي في كتابه ” محاضرات عن الكنائس الشرقية ” لم يكن الكسندروس أسقف أول كراسي العالم المسيحي من حيث سمو المنزلة والأهمية فحسب بل وأعلى هذه الكراسي كعباً من الوجهة العلمية. وكان هو المنفرد بلقب ” بابا ” لا يعرف به رسمياً في المجمع سواه. لأن كلمة ” بابا رومية ” كانت وقتئذ ما لم يتمخض به التاريخ.

وأما بابا الإسكندرية فكان علَمَ على رأسه نار ولقب وإعزاز وحب ومهابة وإجلال وعُرف به رأس كنيسة الإسكندرية، فكان هو الذي يخاطب به بصفة خاصة. وثمة اجتماعات تمهيدية كانت تعقد في الشوارع والمنازل كانت تدور خلالها مباحثات ومناقشات حول القضية الرئيسية التي سينعقد المجمع لأجلها ألا وهي بدعة أريوس. كما حضر إلى نيقية في الأيام القليلة السابقة لانعقاد المجمع الكبير كثير من الفلاسفة والوثنيين والمسيحيين وقيل أن بعضهم شارك في المباحثات التمهيدية التي أشرنا إليها.

وبعد أن أخذ الأساقفة أماكنهم في المجمع حضر الإمبراطور قسطنطين وجلس عن يمينه البابا الكسندروس، وأثناسيوس رئيس الشمامسة، وأوسابيوس القيصري الذي قام بأعمال السكرتارية. وجلس عن يساره أوسيوس أسقف قرطبة الذي أسند إليه رئاسة المجمع لكبر سنة، وآريوس وأكبر أعوانه، كما أصطف الجمهور على جانبي القاعة.

أُفتتح المجمع في 20 مايو وانتهى في 25 أغسطس من سنة 325م وكانت الجلسة الأولى جلسة افتتاحية ألقى فيها سكرتير المجمع خطاب الافتتاح ورد عليه الإمبراطور قسطنطين بخطاب آخر. ولما بدأ المجمع يزاول أعماله والنظر في بدعة آريوس حدث جدل ونقاش كثير مما دعى إلى رفع الجلسة وانفضاضها دون الوصول إلى نتيجة ما. وفى اليوم التالي انعقد المجمع وقدم آريوس صورة معتقده الفاسد وفيه ” إن الابن ليس مساوياً للآب في الأزلية وليس من جوهره وأن الآب كان في الأصل وحيد وأخرج الابن من العدم بإرادته وأن الابن إله لحصوله على لاهوت مكتسب “.

انبرى رئيس الشمامسة أثناسيوس وأفحم آريوس بردوده القوية وحججه الدامغة مظهراً ضلاله وفساد رأيه مما أثار إعجاب جميع الأساقفة الذين فرحوا لفصاحته وهو لم يبلغ بعد الثلاثين من عمره، حتى أن الإمبراطور قسطنطين أخذته الدهشة ونظر إليه وقال له: ” أنتَ بطل كنيسة الله ” وعندما ابتدأ الآباء في تحديد المعتقد السليم كان الآريوسيون يوافقون على ظاهر أقوالهم ثم يؤولونها بما هو لصالح معتقدهم، وأخيراً تدخل العظيم أثناسيوس واقترح أن تضاف إلى العقيدة عبارة:Homo- Ousious ومعناها ” مساوٍ في الجوهر ” للتعبير عن حقيقة صلة الآب بالابن غير أن الأريوسيين رفضوا هذه الكلمة، وأرادوا أن يستبدلوها بعبارة:

Homi- Ousious ومعناها ” مشابه في الجوهر “. وبعد نقاش كبير أخذ رأى المجمع فوافق على اقتراح أثناسيوس وتعبيره. وتوالت جلسات المجمع إلى أن تم وضع قانون الإيمان من أول ” نؤمن بإله واحد ” حتى ” نؤمن بالروح القدس ” وقد وقَّع على قانون الإيمان هذا أكثر من 300 أسقف، ولما امتنع آريوس وأنصاره عن التوقيع حرمهم المجمع وقرر نفى آريوس وحرق كتبه.

 

القضايا الأخرى التي نظرها مجمع نيقية 325م

بعد الانتهاء من الحكم في قضية آريوس نظر المجمع في بعض القضايا الأخرى وأصدر رأيه فيها. وأما هذه القضايا فكانت:

 

  1. موعد عيد القيامة:

وقد قرر المجمع أن يُعيد جميع المسيحيين في موعد واحد هو يوم الأحد الذي يلي الفصح لليهود، وقرر أن بابا الإسكندرية هو الذي يقوم سنوياً بإبلاغ أساقفة العالم عن موعد عيد القيامة.

  1. بخصوص الشقاق الذي أحدثه ملاتيوس أسقف أسيوط:

فقد قرر المجمع حفظ حقوق بابا الإسكندرية الواجبة في رئاسته على الأساقفة الذين في إقليم مصر.

  1. مشكلة معمودية الهراطقة:

أيد المجمع رأى الكنائس الشرقية في أنه لا تعاد معمودية من هرطق عند رجوعه وأوجب إعادة معمودية من يعمدهم الهراطقة.

  1. زواج الكهنة:

قرر المجمع السماح لمن يريد من الكهنة أن يتزوج مع الاحتفاظ ببتولية الأساقفة وعدم زواج الكهنة المترملين.

 

قوانين المجمع

سَنَّ الآباء المجتمعون بالمجمع عشرين قانوناً لسياسة الكنيسة عامة، وافق عليها بالإجماع جميع الأساقفة الذين حضروا هذا المجمع، كما قبلتها كقوانين صحيحة جميع الكنائس شرقاً وغرباً، لكن الكنيسة الرومانية طلعت على الكنيسة الجامعة بعد المجمع النيقاوي بما يقرب من مائة عام وادعت أن هذه القوانين عددها 84 قانون، أما بواعث هذا الادعاء فهي محاولة إثبات رئاسة أسقف روما على العالم المسيحي كخليفة للسيد المسيح على الأرض. وضمنوا ذلك القانونين المزورين 33، 44 من القوانين المنسوبة لنيقية.

وأول ما ظهر هذا التزوير كان عند اجتماع مجمع قرطاجنة سنة 418م الذي طلب القديس أغسطينوس انعقاده للنظر في بدعة البلاجيين، وقد أرسل أسقف روما لحضور هذا المجمع نائباً عنه. وفى أولى جلسات المجمع طلب نائب أسقف روما قراءة رسالة أسقفه فوجد الحاضرين وكان عددهم 217من الآباء أن هذه الرسالة تشير إلى قوانين منسوبة إلى مجمع نيقية دون أن يكون لها أى أساس في القوانين الثابتة بجميع الكنائس.

وإزاء هذه البلبلة قرر أعضاء المجمع إرسال مندوبين إلى الإسكندرية وأنطاكية والقسطنطينية للإطلاع على قوانين نيقية الأصلية وكان نتيجة ذلك أن أثبت المجمع أن جميع النسخ لقوانين مجمع نيقية المجودة بقرطاجنة خالية تماماً من هذه القوانين المزعومة. ونصح المجتمعون أسقف روما أن يوفد من قِبَله من يتحقق من ذلك من النسخ الأصلية الموجودة بالكراسي الرسولية الشرقية.

وقد أثبت كيرلس مقار في كتابه ” الوضع الإلهي في تأسيس الكنيسة ” أن هذه القوانين المزورة المنسوبة إلى نيقية إنما هي قوانين مجمع مكاني عقد في سرديكا سنة 347م ولا صلة له بمجمع نيقية …

وثابت تاريخياً ومنطقياً من مراجعة هذه القوانين أنها تشير إلى أشياء وإلى أحداث لم تظهر إلا بعد مجمع نيقية مما يثبت تزويرها. ومن أمثلة ذلك القانون المزور رقم 42 الذي يقول ” والحبش فلا يبطرك عليهم بطريرك من علمائهم ولا باختيار منهم أنفسهم لأن بطركهم إنما يكون من تحت يد صاحب كرسي الإسكندرية وهو الذي ينبغي أن يصلح عليهم جاثليقاً الذي هو من دون البطريرك ومن قبله …

وهذا القانون ينظم العلاقة بين الكنيسة الحبشية وكنيسة الإسكندرية وبديهي أنه مزور ولا يمكن أن يكون صادراً عن المجمع المسكونى الأول، لأنه ثابت تاريخياً أن الحبشة لم تخضع لكرسي الإسكندرية إلا بعد أن أرسل البابا أثناسيوس، فرومنتيوس إليها وسامه أسقفاً باسم ” الأنبا سلامة ” سنة 330 م. أى بعد الانتهاء من مجمع نيقية بخمس سنوات على الأقل أضف إلى هذا أن لقب بطريرك لم يستعمل ضمن الإصلاحات الكنسية إلا في القرن الخامس وعلى وجه التحديد بعد مجمع خلقيدونية. وحتى المجمع النيقاوى كان اللفظ المستعمل أسقف وأسقفية أو أسقفيات.

وهذا مثل واحد على تزوير هذه القوانين. ويعوزنا الوقت إن أردنا إثبات بطلانها تاريخياً ومنطقياً.

الفكرة المجمعية المجامع المسكونية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية

بدعة أريوس عن علاقة الابن بالآب

بدعة أريوس عن علاقة الابن بالآب

بدعة أريوس عن علاقة الابن بالآب

مفهوم أريوس عن علاقة الابن بالآب

وباستخدامه هذه التعبيرات في صياغة قانون الإيمان، كان مجمع نيقية بلا شك يضع بدعة أريوس و”عدم تقواه” أمام عينيه.[1] فقد علَّم أريوس بأنه بسبب أن طبيعة الله فريدة تمامًا وأزلية وفائقة الإدراك، فإن جوهر الله الواحد لا يمكن معرفته أو تمييزه أو الاتصال معه، وهذا التعليم كان بالضرورة يتضمَّن رفض فكرة أن الابن أو الكلمة هو أقنوم آخر له منذ الأزل نفس طبيعة الله ذاتها، لأن هذا الأمر كان يعني بالنسبة لأريوس أن جوهر الله قابل للتقسيم أو التعددية.[2]

فوجود كيان آخر غير “الآب” المصدر غير المبتدئ لكل حقيقة كان مقبولاً عند أريوس، فقط بشرط أن يكون هذا الكيان قد أُحضر إلى الوجود من العدم. وهكذا علَّم أريوس بأن ابن الله أو كلمة الله ليس (بالطبيعة) من الآب، بل خُلق من العدم بإرادة الله، وبالرغم من تبني الله له كابن، فإنه لا يكون بأي شكل من الأشكال مكافئًا لكيان الله أو مساويًا له أو له ذات جوهر الله الواحد (μοούσιος)، بل على العكس اعتقد أريوس بأن الابن مثله مثل كل الأشياء الأخرى المخلوقة من العدم غريب تمامًا ومختلف عن جوهر الآب[3].

وهذا يعني (بالنسبة لأريوس) أن الآب غير معروف وغير مدرَك تمامًا للابن، وبالتالي فإن الابن لا يستطيع أن تكون له أو أن ينقل معرفة حقيقية أصيلة بالآب، لأنه (أي الابن) يمكن أن يعرف ويفهم فقط “بقدر ما يتناسب مع قدرته” كمخلوق[4]. وفوق ذلك اعتقد أريوس بأن الكلمة “مخلوق ولكن ليس كأحدٍ من المخلوقات، وأنه عمل ولكن ليس كأحد الأعمال، وأنه مولود ولكن ليس كأحد المواليد[5]“.

ومعنى هذا أن الكلمة كان في نظر أريوس مخلوقًا متوسطًا بين الله والإنسان، وقد اعتبر أنه ليس هو إلهًا تمامًا ولا هو مخلوقًا تمامًا[6]. هذا بالإضافة إلى أنه بحسب رأي كل من إبيفانيوس وثيئودوريت، فإن مفهوم أريوس لإنسانية المسيح كان مفهومًا معيبًا، وقد وضح ذلك في اعتقاده بأنه في التجسد اتخذ الكلمة جسدًا مجردًا من النفس الإنسانية العاقلة، وقد حلّ هو نفسه (أي الكلمة) محل النفس الإنسانية[7].

 

موقف الكنيسة من الفكر الهرطوقي الأريوسي

ولا عجب في أن آباء نيقية اعتبروا أن الأريوسية هي أخطر الهرطقات على الإطلاق، لأنها طعنت في صميم جذور إيمان الكنيسة: بإثارة الشكوك حول حقيقة ألوهية المسيح وعمله الخلاصي، ناهيك عن الأمور المتعلقة بحقيقة إنسانيته. وقد جاء رد فعل الآباء قويًّا وحاسمًا وبتعبيرات وتحديدات لا لبس فيها، مؤكدين إيمانهم في أن الرب يسوع المسيح ابن الله الوحيد هو: مولود من صميم جوهر الله، وهو غير مخلوق، إله حق من إله حق، وأن له ذات الجوهر الواحد مع الآب[8].

وكانت النقطة الحاسمة في مناقشات مجمع نيقية هي كيفية فهم التعبيرات الإنجيلية: “بواسطة الله”، “من عند الله”، “من الله”، التي استخدمت عند الحديث عن الابن المتجسد. هل ينبغي أن تُفهم كما ادعى الأريوسيون على أنها تعني أن الابن المتجسد هو ابن الآب، فقط بعمل إرادته بالنعمة؟ أم نفهمها على أنها تعني أنه ابن الآب، من صميم جوهره (κ τς οσίας)، أي من طبيعته الذاتية كإله؟ لأنه إذا كان الابن فعلاً من صميم جوهر الآب كما علَّم آباء نيقية فإن “كل كيان الآب يكون هو الابن بجملته”، لأن الآب والابن كل منهما خاص (διος) بالآخر.

وعلى هذا الأساس تكون علاقة الآب والابن كائنة في داخل جوهر الله الواحد، حيث إنهما متلازمان ويتواجد كل منهما في الآخر (يحتوي الآخر) بشكل كامل ومطلق منذ الأزل. فالله هو آب لأنه بالتحديد هو منذ الأزل أبو الابن، وبالمثل أيضًا الابن هو إله من إله لأنه بالتحديد هو منذ الأزل ابن الآب. وهناك تبادلية أزلية مطلقة بين الآب والابن دون أي فارق أو فاصل في الوجود أو الزمن أو المعرفة بينهما[9].

وقد عبَّر القديس غريغوريوس النزينزي عن ذلك بقوله: إن ولادة الابن من الآب هي ولادة “غير زمنية”، و”غير سببية”، و”غير مبتدأة” (χρνως, νατως, νρχως)[10]. أما بالنسبة للقديس أثناسيوس وآباء نيقية، فقد كانت ولادة الابن من الآب أمر يتخطى ويفوق إدراك البشر[11].

ولا يجب أن يتصور أحد أنها (أي ولادة الابن) قد حدثت في “لحظة ما” أو بواسطة “فعل إرادة” من قِبَل الله كما تصور ذلك بالفعل كل من أريوس ويوسابيوس[12] بل هي علاقة لا يُنطق بها بين الآب والابن، كائنة منذ الأزل في الله، ولذلك يقول القديس أثناسيوس: “والله فيما هو على الدوام، هو على الدوام آب للابن[13]“.

المنهج الذي اتبعه الآباء للتعبير عن علاقة الابن بالآب

لقد أدرك ق.أثناسيوس وآباء نيقية أنه لا مفر أمامهم من استخدام أمثلة وتشبيهات (صور) من الخليقة، في السعي للتعبير عن فهمهم لعلاقة الابن بالآب، لأن هذا الأسلوب هو الكيفيّة التي تم بها نقل الإعلان الإلهي لنا من خلال لغة البشر. ومع أن هذه الأمثلة والتشبيهات (الصور) في حد ذاتها لا تفي بالغرض حتى إنه لا ينبغي التمادي فيها[14] إلاّ أنها وعلى الرغم من ذلك قد استُخدمت في الإعلان الإلهي بدقة مبهرة، حيث كانت تشير إلى أبعد من محتواها المحدود، إلى ما يكشفه الله عن علاقاته الإلهية الداخلية[15]. وهذا يعني أننا لا بد وأن نفسِّر هذه الأمثلة والتشبيهات وفقًا للمعنى المُعطى لها في الكتب المقدسة، وفي نطاق النظرة الشاملة والإطار العام للرسالة الإنجيلية[16].

وعلى هذا النحو، كما يقول القديس أثناسيوس، استطاع آباء نيقية استخدام المثال الإنجيلي الخاص ب “النور” (φς) و”الشعاع” (παύγασμα) ليساعدهم في شرح علاقة المسيح كابن الله الآب وكلمته[17]، مما أدى إلى تفادي تطبيق المفهوم البشري أو الجسدي لكلمات مثل “أب”، “ابن”، “مولود”، “ولادة”، “كلمة”… وبالإضافة إلى ذلك، أوضح هذا المثال أيضًا أنه كما أن النور لا يكون أبدًا بدون شعاعه فهكذا الآب لا يكون أبدًا بدون ابنه أو كلمته[18].

وبالضبط كما أن النور والشعاع هما واحد وكل منهما غير مختلف أو غريب عن الآخر، فكذلك الآب والابن هما واحد وكل منهما غير مختلف أو غريب عن الآخر بل لهما ذات الجوهر الواحد. وحيث إن الله هو نور أزلي، فكذلك ابن الله بكونه البهاء (الشعاع) الأزلي لله فإنه هو نفسه نور أزلي بلا بداية أو نهاية[19].

ويضيف القديس أثناسيوس أن الآباء استطاعوا (باستخدام هذا المثال) وعلى أساس إنجيلي “أن يتحدثوا بثقة عن المسيح: بكونه ابن الآب الحقيقي والطبيعي، وبكونه خاص بجوهر الآب (διος τς οσίας ατο)، وأنه هو نفسه إله حقيقي وله ذات الجوهر الواحد (μοούσιος) مع الآب الحقيقي، لأنه “هو رسم* أقنوم (πόστασις) الآب”، وهو نور من نور، وهو صورة كيان الآب الحقيقية وقوته[20]“.

ومن هذا المنطلق، أدخل آباء نيقية في قانون الإيمان هذه العبارة على وجه التحديد: “إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق”، وذلك لكي يوضِّحوا ويحددوا طبيعة العلاقة الفريدة التي بين الابن المتجسد والآب[21].

16 Athanasius, Ad episc., 13; De decr., 1f; De syn., 3; Con. Ar., 1.7; Basil, Ep., 52.2, etc.

[2] انظر المقاطع التي ذُكرت من أقوال وخطابات أريوس في كتابات كل من القديس أثناسيوس والقديس إبيفانيوس والبابا ألكسندروس:

See the citations from Arius’ Thalia in Athanasius, De syn., 15-16; Con. Ar., 1.5ff; De decr., 16; Ad episc., 12; Arius’ Letters to Alexander, in Athanasius, De syn., 16, and to Eusebius, in Epiphanius, Haer., 69.6.Cf. also the first Encyclical of Alexander on the Arian heresy, Theodoret, Hist. eccl., 1.3; and Socrates, Hist. eccl., 1.6.

18 Athanasius, Con. Ar., 1.5-6; De syn., 15.

19 Athanasius, ibid., and cf. also Ad episc., 12.

20 See Athanasius, Con. Ar., 2.19, and De syn., 16, for this citation from Arius’ Letter to Alexander.

21 Athanasius, Con. Ar., 2.24-26, 30; De decr., 8, 24.

22 Epiphanius, Anc., 33; Theodoret, Haer., 5.11. Cf. Eustathius, De an. adv. Ar., MPG, 18.689B; Athanasius, Ad Ant., 7; Gregory Naz., Ep., 101, MPG, 37, 134A; Gregory Nyss., Con. Eun., 2.124, Jaeger, II, p.365; Athanasius, Con. Apol., 1.15; 2.3, 17; Theodoret, Ep., 103. See also the evidence adduced by V. Pheidas from the Colluthian schism, Τό Κολλουθιανόν Σχίσμα καί Άρχαί το Άρειανισμο, 1973.

[8] انظر تفسير القديس أثناسيوس لهذه العبارات في:

Athanasius, De decr., 6ff; Con. Ar., 1.9ff; De syn., 41ff.

24 Athanasius, Con. Ar., 1.1-29, 34; 2.22ff, 33; 3.1ff; 65f; 4.1ff; De syn., 41-54; De decr., 24, 27; Basil, Ep., 52.2; Hilary, De syn., 25.

25 Gregory Naz., Or., 30.11&19; cf. 29.3f; 31.14.

[11] يقول القديس باسيليوس: “إن طريقة الولادة الإلهية (للابن)، هي أمر لا ينطق به ويفوق كل تخيلات الفكر البشري” (Ep., 52.3). انظر كذلك:

 Basil, Con. Eun., 2.16 & 24; Gregory Naz., Or., 29.8

27 Cf. C. Stead, Divine Substance, 1977, pp. 26 & 229.

28 Athanasius, De decr., 12; cf. 20. Also Ad Episc., 2;

إن هذا الفهم للأبوة والبنوة بكونها علاقات أزلية كائنة في الله، هو ما قد أيده بشده القديس غريغوريوس النزينزي ونفس الوضع ينطبق بالطبع على الروح القدس حيث نراه يشرح ذلك بوضوح في ’عظاته اللاهوتية‘، كما يمكننا أيضاً أن نجد نفس المعنى تقريباً عند بقية الآباء الكبادوك:

Gregory Naz., Or., 29.16 & 20; 31.9. Cf. Basil, (or his brother) Ep., 38.4; and Gregory Nyss., Con. Eun., 1.33; 8.5; 9.2; Or. Cat., 1.

29 Athanasius, In ill. om., 3.

30 Athanasius, In ill. om., 3-5.

ارجع إلى مفهوم القديس أثناسيوس عن الصور الإنجيلية بكونها ’أمثلة‘ (παραδείγματα):

De decr., 12; Con. Ar., 1.20; 2.30; 3.3, 10; De syn., 42; Ad Ser., 1.19f, etc.

[16] ارجع إلى كتاب المؤلف:

(Reality and Evangelical Theology, 1982, pp.100ff)

32 Athanasius, De decr., 21-24.

33 Athanasius, Con. Ar., 1.24; De decr., 27; In sent. Dion., 25.

34 Athanasius, De decr., 24; Con. Ar., 1.13, 25; 2.33; Ad episc. Aeg., 13; Ad Afr., 8.

* أي الصورة الكاملة المطابقة لأقنوم الآب. (المترجم)

35 Athanasius, Con. Ar., 1.9, with reference to Hebrews 1.3.

36 Jaroslav Pelikan, The Light of the World. A Basic Image in Early Christian Thought, 1962, pp.55ff.

بدعة أريوس عن علاقة الابن بالآب

أريوس – من هو أريوس ؟ ما هي أهم 3 أفكار لـ أريوس

أريوس – من هو أريوس ؟ ما هي أفكار أريوس

من هو أريوس .. وفرقته .

أريوس – من هو أريوس ؟ ما هي أفكار أريوس للبروفسور ب. ك خريستو أستاذ الآباء بجامعة تسالونيكى باليونان

 

ولد أريوس فى ليبيا بعد منتصف القرن الثالث بقليل، ودرس بمدرسة لوكيانوس بأنطاكية حيث كان زميل دراسة لبعض الأشخاص الذين أرتقوا فيما بعد إلى درجات الرئاسة الكهنوتية. وهم الذين عضدوه ودفعوا به للمضى في طريق الكفاح لأجل نشر أفكاره.

وكل هؤلاء الزملاء الذين درسوا في مدرسة لوكيانوس صاروا يلقبون بأسم “اللوكيانيين” أو “الاتحاد اللوكيانى”. وهذا لا يمنع أن اريوس درس أيضًا في مدرسة الأسكندرية اللاهوتية قبل دراسته بأنطاكية.

ويمكن أن يقال إن اريوس جمع في تعليمه بين إتجاهين مختلفين لمدرستى أنطاكية والأسكندرية. وفيما بعد أخذ المنتمون لمدرسة أنطاكية يهاجمونه ويتهمونه بأنه أسكندرى، في حين أن المنتمين إلى مدرسة الأسكندرية كانوا يحاربونه متهمينه بأنه أنطاكى.

إستوطن اريوس في الأسكندرية حيث رسمه الأسقف بطرس كاهنا .. وأظهر في أول حياته ميولاً متعصبة متمردة لأنه قبل رسامته وبعدها كان منضمًا للأسقف المنشق ميليتوس أسقف ليكوبوليس (أسيوط).

ولهذا السبب جرد من رتبته الكهنوتية، إلا أنه فيما بعد أعيد مرة أخرى إلى رتبته على يد الأسقف أخيلاس خليفة الأسقف بطرس. وما لبث أن عمل على تأييد إنتخاب الكسندروس أسقفًا للأسكندرية خلفًا لأخيلاس. وإن كان آريوس نفسه قد أستطاع بتأثير ثقافته وصفاته الشخصية أن يصير ذو شأن كبير في المدينة.

إلاّ أنه بعد بضعة سنوات (حوالي عام 318م) اصطدم مع الكسندروس بسبب الإختلاف حول تفسير نص في الكتاب المقدس خاص بشخص ابن الله. وكان الكسندروس قد أعطاه كما أعتاد الأسقف أن يفعل مع الكهنة موضوعًا ليبحثه. وفى الشرح الذي قدمه اريوس حاول أن يعبر عن ابن الله بمفاهيم مخالفة للإيمان المستقيم.

رأى الكسندروس في تقرير آريوس محاولة للتقليل من شأن ابن الله وتحقيره… وأثبتت الاتصالات بين الرجلين على أن اريوس أصر على رأيه وأعتبر أفكار الكسندروس أنها سابيلية (1). وبالرغم من هذا فإن الأسقف لم يتعجل في اتخاذ أى إجراء ضد كاهنه. إلا أنه فيما بعد أضطر الأسقف أن يتخذ قرارًا من مجمع قسوس الكنيسة، أدان فيه اريوس بسبب بدعته وقطعه من شركة الكنيسة.

رحل آريوس إلى فلسطين ثم اتجه إلى سوريا قاسيًا الصغرى. وتمكن من أن يجمع حوله عدد من الأساقفة وأفقوه على آرائه، وكان من بين هؤلاء “أوسابيوس أسقف فيقوميديا” اللوكيانى، و”أوسابيوس أسقف قيصرية” الأوريجانى. وأن الأساقفة الذين تجمعوا حوله قد أيدوه وبرأوه في مجمع عقدوه. وطالبوا بأن يعود مرة أخرى إلى الكنيسة.. وسرعان من كتب اريوس أقرارًا وافقوا عليه في مجمع عقدوه في نيقوميديا، وأرسله كرسالة إلى أسقف الأسكندرية الذي رفضه. ودعا بالطبع إلى مجمع بالأسكندرية سنة 318م اعتمد إدانة آريوس.

وبعد ذلك بقليل، بسبب الاضطرابات التي نشأت نتيجة للمصادمات التي وقعت بين قسطنطين الكبير وليكينيوس، تمكن اريوس من العودة مرة أخرى إلى الأسكندرية. حيث أخذ بعمل بحماس شديد وبأساليب مبتكرة لأجل ترويج أرائه ونشرها بين الجماهير عن طريق الأحاديث والأشعار… وقد ساعد على نشر آريوسيته ما كان يظهر به اريوس من مظاهر الورع والتقوى إلى جانب ما يتصف به من الكبرياء والتباهي وحبه للنضال.. وكان يجرى مباحثاته اللاهوتية مع الشعب. فأنتهز الوثنيون تلك الفرصة وأخذوا يسخرون من المسيحية في مسارحهم بسبب تلك المناقشات (2).

وهكذا أثار هذا الموقف قلق قادة الكنيسة. كما أزعج الإمبراطور أيضًا، الذي رأى أن هذه المشاكل ستكون خطرًا على السلام الذي حققه بجهود مضنية وكفاح مرير ولكنه لم يتوقع أن تكون خطرًا على السلام على المدى البعيد. لذلك فهو إذ رأى أن هذه المعركة تبدو أمرًا تافهًا لا يستحق أن يصدر له نطقًا ساميًا، فاكتفى بأن أرسل “هوسيوس” أسقف قرطبة بأسبانيا إلى الأسكندرية بخطاب إلى رؤساء الأطراف المتنازعة (3). ولكن هذه المحاولة لم تأت بأية نتيجة. عندئذ دعا الإمبراطور إلى مجمع عام يعقد في نيقية عام 325 والذي اشتهر باسم، “المجمع المسكوني الأول”…

وقد أدان هذا المجمع تعاليم اريوس وحرم أسقف نيقوميدية مع ثلاثة أساقفة آخرين لتأييدهم لتعاليم آريوس. أما اريوس فإنه في البدء أُرسل إلى نيقوميديا مكبلاً بالقيود، ثم نفى بعد ذلك إلى الليريا… ألا أنه على الرغم من هذه التدابير فإن هذه المحاولة للتهدئة لم تنجح، لأن أصدقاء اريوس استمروا في نشر مبادئه وتعاليمه… ولذا إقتنع قسطنطين بواسطة العناصر المهادنة للآريوسية والمحبة لها، وتأثر بهم. مما جعله يستدعى اريوس من منفاه عام 327.

وبعد تحريض من أسقف نيقوميديا عرضوا صيغة اعتراف إيمان على الإمبراطور أخفوا عنه فيها. حقيقة عقيدة آريوس، وكانت كنيسة نيقوميديا قد وافقت على هذه الصيغة في المجمع الذي عقد بها. إلا أن الأرثوذكسيين لم يجبروا على منح اريوس العفو. حتى أن الكسندروس أسقف الأسكندرية وأثناسيوس الذي خلفه لم يقبلاه في الأسكندرية.

ولم يرغب قسطنطين حينئذ أن يؤزم المسائل أكثر بأن يفرض على أسقف الأسكندرية بأن يقل آريوس. بل أنه في الواقع عندما طلب أنصار آريوس من الإمبراطور برسالة محررة بلهجة شديدة أن يتدخل لأجل تأمين عودة آريوس إلى الأسكندرية، غضب قسطنطين وأعاد أدانتهم بمرسوم آخر أسماهم فيه “بالبورفوريين” أى أنهم مشايعون لتعليم “بورفيريوس” (4).

وبعد وساطات متعددة غيروا مرة أخرى من مشاعر قسطنطين ورحل آريوس إلى القسطنطينية حيث أعترف بالإيمان الأرثوذكسي أمام الإمبراطور وتمسك بأن يصير مقبولاً بطريقة رسمية على نطاق أوسع بالكنيسة. إلا أن الأمر بتحديد موعد بقبوله في كنيسة القسطنطينية قد تلاشى نهائيًا، إذ أن آريوس سقط ومات في مرحاض عام فجأة ليلة الموعد المحدد لقبوله (5).

مؤلفات وكتب أريوس:

استحوذ آريوس على مركز هام في التاريخ الكنسي، لكنه لم يترك أثارًا كثيرة. فقد كتب أعمالاً قليلة نسبيًا وصلنا منها النذر اليسير. وهذه الكتابات التي وصلتنا عبارة عن رسائل خارجية. إلا أنها في واقع الأمر تحوى إعترافاته وهى:

 

(أ) رسالة اريوس إلى أسقف نيقوميدية:

وقد حفظها لنا إبيفانيوس في كتابه “باناريون” (6). وكذلك ثيئودوريتس في كتابه “التاريخ الكنسى” (7). وفى هذه الرسالة يحتج على تحامل الكسندروس ضده وضد أتباعه ويعرض آراءه وتعاليمه في صراحة تامة. ويقول أن الابن إله لكنه “ليس غير مولود Agenntos” “ولا جزء من غير المولود” وفى النهاية يستنجد باوسابيوس أسقف نيقوميديا مسميا إياه أنه من “الاتحاد اللوكيانى”.

 

(ب) رسالة اريوس إلى الكسندروس أسقف الأسكندرية:

حفظت هذه الرسالة في أعمال “أثناسيوس عن المجامع” (8). وفى كتاب “باناريون” لابيفانيوس (9). كما حفظت باللغة اللاتينية في كتاب “الثالوث لايلارى” (10). وهى الاعتراف الإجمالي إلى كان قد قدمه لمجمع نيقوميديا الأول والذي عقده الآريوسيون المنفيون. وفى هذه الرسالة تحاشى التعبيرات المثيرة وأعتبر أن “الابن قد ولد قبل كل الدهور”. إلا أنه لم يكن موجودًا من قبل أن يولد.

 

(ج) إعتراف الإيمان لاريوس:

حفظت هذه الرسالة في التاريخ الكنسي لسقراط (11) والتاريخ الكنسي لسوزومينوس (12). وفى هذه الرسالة حجب عقيدته الحقيقية وقال بأن الابن قد ولد قبل كل الدهور (لأنه لو كتبت كلمة gegennimenos المولود” بحذف حرف n منها أى gegenimenos لتغير معناها وأصبحت تعنى المخلوق وليس المولود.

 

(د) ”ثاليا” اريوس:

حفظ أثناسيوس في كتاباته بعض نصوص هذا الكتاب (13). وكلمة “ثالثا” معناها مأدبة أدبية. وقد دبجها كلها تقريبًا بأبيات منظومة وبلحن نسائي. وفى افتتاحيتها نجده يظهر نفسه أنه مملوء بالعقيدة والعواطف الشجية عندما يتعرض للحديث عن الله..

“بحسب إيمان مختارى الله… عارفى الله…

أبناء قديسين. ذوى التعاليم الشرعية الثابتة.. حاصلين على روح الله القدس…

أنا نفسى تعلمت هذا .. من حكمة المشاركين.. السابقين.. عارفى الله..

حسب كل أقوال الحكماء.. أتيت أنا مقتفيًا أثر كل هؤلاء..

وأنا ذو السمعة الحميدة.. متمش بنفس العقيدة..

ومتحمل كثيرًا من أجل مجد الله.. بنفس حكمة الله..

وفيما عدا هذا، يبدو أنه كان لآريوس مجموعة أخرى من الأشعار لكل مناسبة من مناسبات الحياة (14). (كما أشار بذلك أثناسيوس) في المجموعة التي تسمى “البحرية”، “الرحى” “الرحلة”.. الخ.

ووفقًا لما يقوله أثناسيوس فإن كل هذه القصائد قد دبجت بلهجة ونغمة داعرة مثل التي كان يكتب بها سوتيادوس أشعاره القومية.. كانوا يتغنون بها في مأدبهم بضجيج صخب وعبث..

تعاليم أريوس:

لا يتضح من تعاليم آريوس تناسقًا في كل ما وصلنا من نصوصه حيث أن بعضها كانت تخفى وراءها واقع الأمر وحقيقته. إذ كانت تعاليمه مضللة.. ويبدو هذا جليًا في رسالته إلى أسقف نيقوميدية، وفى باقته الشعرية “ثالثا”. ولم تقتصر تعاليمه هذه على مدرسة واحدة، كما قال كثيرون أى أنها لم تنطلق لا عن وحدانية الله الكتابية التي أعتنقها الأنطاكيون المتطرفون الذين اعتقدوا بأن الابن تهذب وتشكل بهبوط قوة إلهية مجردة على يسوع.

كما أنها لم تنطلق عن فكرة الوحدانية التي أعتنقها السكندريون المتطرفون الذين اعتقدوا بأن هذه الوحدانية الإلهية اتسعت لتحوى كل الموجودات الإلهية، بل هى نشأت عن فلسفة الوحدانية. وحيث أن آريوس كان موحدًا متطرفًا فإنه أراد أن يؤكد أن الله كان واحدًا وأنه في نفس الوقت متحول. أن حل وحدانية الله إنما سيعنى تمييز الله إلى أب وابن. أما حل التحول إنما سيكون بواسطة خليقة هذا العالم. وهو أمر سئ في كل الأحوال.

وبحسب هذه الأفكار، فإن الله واحد، غير مولود وحده، سرمدى وحده، ليس له بداية وحده. الحقيقي وحده، الذي له الخلود وحده (15). وبجانب الله، لا يوجد كائن آخر.. ولكن عن طريقه توجد قوة عامة (لا شخصية) هى “الحكمة والكلمة”.. وهذه التعاليم مأخوذة عن “الوحدانية المقتدرة” التي لبولس الساموساطى. ولكن فكره اللاهوتي يوضح إعتمادًا أكثر على “المدافعين”. وتأثيرات “الغنوسيين”. فيما أن الله كان واحدًا فهو لم يكن أبًا “الله لم يكن دائمًا أبًا. أما فيما بعد فقد صار أبًا”.

ولقد صار الله أبًا عندما أراد أن يخلق العالم. عندئذ خلق كائنًا واحدًا. هذا الكائن أسماه الابن، ويسمى استعاريًا الكلمة أو الحكمة.

إذن فحسب تعاليم اريوس توجد حكمتان:

1 قوة الله الواحدة العامة.

2 وكائن إلهي ذاتي واحد. وهذا الكائن هو الحكمة الثانية الذي جاء إلى الوجود من العدم. ومن ثم فهو مخلوق. إذ يقول “كلمة الله ذاته خلق من العدم.. وكان هناك وقت ما حينما لم يكن موجودًا. وقبل أن يصير لم يكن موجودًا.. بل أنه هو نفسه أول الخليقة لأنه صار” ويقول أيضًا “الله وحده كان وحده دون أن يكون هناك الكلمة والحكمة.. ومن بعد ذلك عندما أراد أن يخلقنا عندئذ بالضبط خلق شخصًا وهو الذي دعاه الكلمة والابن، وذلك كي يخلقنا بواسطته” (17).

ولكي يؤيد تعاليمه استخدم نصًا خاصًا اقتبسه من سفر الأمثال: “الرب أقامنى أول طرقه..” (أم22:8)، وكان أوريجانوس من قبل قد تحدث عن “خضوع الابن”، كما تحدث عن “ميلاد الكلمة الأزلي” وهنا أخذ اريوس الجزء الأول فقط من تعليم أوريجانوس، وذلك عندما أضطر فيما بعد أن يقر “بالميلاد قبل الدهور” مفسرًا ذلك بأنه يعنى فقط الزمن الذي سبق خلقه العالم.

فعند آريوس. يبدأ هذا العالم بخلق الابن، عندما بدأ الزمن أيضًا أن يوجد.. والابن هو المولود الأول ومهندس الخليقة.. ومن المستحيل عنده أن يعتبر الابن إله كامل. ويعتبر أن معرفته محدودة لأ،ه لا يرى الآب ولا يعرفه.. والأمر الأكثر أهمية أنه يمكن أن يتحول ويتغير كما يتحول ويتغير البشر.. “وبحسب الطبيعة فإنه مثل جميع الكائنات، هكذا أيضًا الكلمة ذاته قابل للتغيير والتحويل ولكن بنفس أرادته المطلقة، طالما أنه يرغب في أن يبقى صالحًا.. حينئذ عندما يريد فإنه في استطاعته هو أيضًا أن يتحول مثلنا، حيث أن طبيعته قابلة للتغير” (18).

أن بولس الساموساطى استعمل اصطلاح “القدرة على الاكتمال الذي أتخذ منه اريوس كل تعبيراته.. وفقًا لتعليمه وهو أن المسيح هو ظهور بسيط للكلمة في إنسان. ومن ناحية أخرى فهو يعتبر إنسان كامل فقط وليس إله كامل.. وبالتالي فإن الابن يمكن أن يدعى الله إستعاريًا فقط. وهو نفس الاسم الذي يمكن أن يدعى به البسطاء من الناس أيضًا حينما يصلون إلى درجة كاملة من الروحانية والأخلاق.. وهنا يتضح كل تعليم هرطقة “التبني Adoptionism” عن المسيح.

النتيجة الأولى لهذا التعليم:

هو أن الإيمان بالثالوث يتلاشى ويذوب.. بالطبع تحدث اريوس أيضًا عن الثالوث إلا أنه اعتبره أنه قد صدر متأخرًا ولم يكن أصليًا وأزليًا. لأنه وفقًا لتعليمه فإن الآب وحده كان إلهًا أزليًا.

أما النتيجة الثانية:

فهى أن الحياة الجديدة للإنسان التي صيغت كنتيجة لتأنس الكلمة، لا تتكون نتيجة تأليه بل بواسطة سمو روحي وأخلاقي.. وبهذا يتمكن أى شخص أن يقول أن هذا الموقف قد اقتبسه اريوس من المدافعين (19) الذين وفقًا للتقاليد نشأوا من مدارس فلسفية. وكانوا قد اتخذوا موقفًا مماثلاً عن الحياة الجديدة.. إلا أن موقف “المدافعين” يجد له مبررًا بسبب العصر الذي عاشوا فيه والعالم الذي كانوا يتوجهون إليه بالحديث. أما فيما يتعلق بآريوس فإن الموقف يظهر ركود أفكاره التي ولو أنها كانت حادة. إلا أنها خالية من الحركة والعمق.

ونتيجة لتعاليم اريوس بقوله أن كلمة الله مخلوق وقوله عن المسيح أنه إنسان مؤله (بضم الميم وفتح الواو). بسبب كمال روحي وخلقي. هذه التعاليم نجم عنها نزاع شديد زعزع أركان الكنيسة والدولة الرومانية.. أن البدعة الاريوسية لم يتم تنظيمها بطريقة سرية مثل غيرها من البدع والهرطقات. بل دخل في صفوفها رجال رسميين فى الكنيسة وفى الدولة. وهددت بالاستيلاء على التنظيم الكنسي بأكمله.. وقد استمرت المصالحة السياسية التي تبعت ذلك حتى موت اريوس وقسطنطين بدون أن تكون على حساب قرارات مجمع نيقية وذلك عن طريق تفسيرهم المتباين والمؤول بطريقة يشوبها الالتباس.. إلا أن تعاليمهم لم تأت بنتائج.

وذلك لأن زعماء الأرثوذكسية لم يقبلوا اريوس في الكنيسة وذلك بسبب اعترافاته المشتبه فيها.. حقًا إنه أثناء هذه الفترة لوحظ تقدم ملحوظ في الحركة التي قادت أيضًا إلى تفوق طفيف للآريوسية. وفى الواقع أن الآريوسيين بواسطة سلسلة المجامع التي أشرفوا عليها بأنفسهم – نجحوا في تنحية وأبعاد الرؤساء من خصومهم بإتهامات باطلة واهية. وهؤلاء الرؤساء هم أوستاتيوس الأنطاكي عام 330م. وأثناسيوس الأسكندرى عام 335م، وماركيلوس الانقيرى عام 336م.

ساءت الأحوال بعد وفاة قسطنطين الكبير، لأن حاكم الشرق قسطنديوس، فرض الاريوسية على المناطق التي كان يحكمها.. أما بعد وفاة أخيه قسطنس عام 350م، فقد فرضها على جميع أنحاء الإمبراطورية.. وسحق هذا الحاكم نشاط معارضيه ومقاوميه الأرثوذكسيين وانشغل بإحلال أساقفة آريوسيين بدلاً من الأساقفة الشرعيين في أهم مراكز الشرق وبعض جهات الغرب.

وبعد وفاة قسطنديوس أنهار فجأة بناء الآريوسيين الشامخ. لأن يوليانوس الذي كان يدين بالعقيدة الوثنية عامل جميع المذاهب المسيحية معاملة متساوية. وعندئذ عاد المنفيون إلى أماكنهم. وبدأت الأرثوذكسية في أعادة تنظيم شملها. مما جعلها تسود وتنتصر. وقد وصلت إلى أكبر درجة من السيادة أثناء حكم الإمبراطور الأرثوذكسي يوفيانوس…

 

الفرق الاريوسية :

كان البناء الآريوسى فى عهد قسطنديوس على الأقل، يبدو عظيمًا في الظاهر.. إلا أنه كان من البدء عملاً مزعزعًا. وذلك ليس فقط لأنه حصل على قوته من عناصر كنسية منشقة، ولكن أيضًا لأن إتجاهه اللاهوتي لم يكن متحدًا.. فإن جميع الآريوسيين رفضوا اصطلاحات مجمع نيقية.. ولكن ليس لأجل الأسباب دائمًا.. لذا فإن الخلافات فيما بينهم انكشفت وتحددت عند كثيرين منهم عن طريق موقفهم من اصطلاحات هذا المجمع.

ولقد استخدم أباء مجمع نيقية في قانون الإيمان إصطلاح؟ هومو أوسيوس” أى “الواحد في الجوهر مع .. أو المساوي في الجوهر ل..”. وأرادوا أن يثبتوا بهذا الاصطلاح أن الابن مع الآب هما واحد. وأن هذا الجوهر هو كيان أساسي واحد..

وأضاف نفس الآباء بعد قانون الإيمان بسبب المحرومين نصًا قالوا فيه بأن الابن “ليس من هيبوستاسيس آخر” أى ” ليس من جوهر أخر”.. وهكذا فقد أغضب الاصطلاح الأول الآريوسيين المتشددين، أما الإصطلاح الثاني فقد أغضب الآريوسيين المعتدلين.. (أو أنصاف الآريوسيين Semi – arians) ويبدو أن القانون دبجه لاهوتي غربي من المحتمل أن يكون “هوسيوس” أسقف قرطبة.

وكلمة “Hypostasis” (20) “هيبوستاسيس” فيه هى ترجمة للكلمة اللاتينية” Substantia” إلا أنه في الغرب – نظرًا لعجز اللغة اللاتينية حيث كانت كلمة Substantia تعنى كلاً من “أوسيا” Oucia أى الجوهر أو الكيان. وكلمة “هيبوستاسيس” Hypostasis أى القوام أو الأقنوم. لذا أوضح أباء نيقية وحدة تشابه هذين الاصطلاحين لأنهم كانوا يخشون لو أنهم اعترفوا باثنين هيبوستاسيس (أى قوامين) أن يتهموا بأنهم يقبلون الاعتراف بجوهرين أى يكونوا مثل الآريوسيين.

 

1 الآريوسيون المعتدلون:

كان الآريوسيون المعتدلون (Semi – Arians) أوريجانيين قدامى وكان يتزعمهم أسقف قيصرية أوسابيوس، وهم الذين قبلوا بتعاطف عن رضى تعليمًا واحدًا يرتكز على النظرية الأوريجانية الخاصة بخضوع الابن، هؤلاء أصروا على التمييز المشدد بين الآب والابن.. ورفضوا أيضًا اصطلاحي مجمع نيقيا واعتبروهما سابيليان. ولأنهما لم يردا بين نصوص الإنجيل.. إلا أنهم كانوا على استعداد لقبول معنى “التساوى في الجوهر Omooucios” لكن بتعبير مخالف.. لهذا تمسكوا بالتعبير “مماثل للآب فى كل شئ” (21).

وبعد موت أوسابيوس قام باسيليوس أسقف أنقيرا وجورجيوس اللاوديكى بتنظيمهم. وتميزوا بوضوح أكثر من الآريوسيين الآخرين. وذلك في مجمع ميديولانوس عام 355م. حيث أنهم قبلوا “تماثل الجوهر” أو التشابه في الجوهر “هوميوأوسيوس” الأمر الذي من أجله أطلق عليهم اسم “هوميوأوسيين” وكانوا يختلفون عن القائلين “بالتساوى في الجوهر” أى “الهوموأوسيين” قليلاً، ولذلك أطلق على النزاع بينهم أنه نزاع على لا شئ.

 

2 الآريوسيون المتشددون:

هؤلاء كانوا على عكس المعتدلين. وهؤلاء المتشددون كانوا قد نشأوا عن اللوكيانيين الذين قبلوا تعليم “بدعة التبني”.. وكان يرأسهم في البدء أوسابيوس النيقوميدى. وفيما بعد أوسابيوس القسطنطينى. وهذا الفريق تشدد في الفصل بين الآب والابن بدرجة أكبر.. وان كانوا أحيانًا يخفون آراءهم لأسباب تنظيمية. إلا أنهم كانوا متشددين.. وبعد موت أوسابيوس هذا فى عام 341. برز بين صفوفهم “ايتيوس” الأنطاكى الذي اندفع إلى تعليم أريوس الأشد تطرفًا من أجل تكوين فريق أريوسى جديد.

وهذا الفريق الجديد تشكل بطريقة أكثر تنسيقًا على يد تلميذه “يونوميوس”. أن المنتمين إلى هذا الفريق وضعوا مناهج وأساليب متكاملة.. وتدخلوا بفكرهم ليفحصوا جوهر كل الكائنات. بما فيها الله أيضًا.. وزعموا أن جوهر الله هو فى عدم الولادة. أما جوهر الابن فهو فى كونه مولود.. ومن ثم فإن جوهرى الآب والابن ليسا فقط لم يكونا شبيهين بل نقيضين تمامًا.. ولكى يؤكدوا تمييزهم لله الآب بفرادة خاصة وحده. اعتادوا أن يمارسوا المعمودية بغطسة واحدة فقط بدلاً من ثلاثة غطسات.

1 بسبب التباين بينهم، تشكل فريق ثالث بإيحاء من الإمبراطور قسطنديوس. هو فريق “الاوميويين” أى (الشبيهيين) وهؤلاء استخدموا الإصطلاح “أوميوس OMIOS” (أى شبيه أو مثيل)، ألا أنهم لم يكن لاهوتهم الخاص.. بل بحسب الظروف كانوا ينحازون لفريق أو لأخر.

وقد أدى ذلك إلى إضفاء تفسيرين على كلمة “أوميوس OMIOS” فصار من الممكن أن تعنى أما “تشابه الجوهر” أو تشابه المشيئة.. وأتخذ مشايعو هذا الفريق لزعامتهم أساقفة الحدود الشمالية أمثال أورساكيوس السنجدونى، وأولتتاس المورصى… وكذلك أكاكيوس القيصرى، وهؤلاء فرضوا وجهات نظرهم في المجمع الذي أنعقد فى سرميوس عام 359م.

 

مواجهة الاريوسية :

هز الآريوسيون أرجاء الكنيسة بسبب الطريقة التي ظهروا بها، حيث إنهم على وجه الخصوص نشروا وفرضوا أفكارهم بكل ضرب من ضروب البدع الغريبة على ذلك العصر. فهم لم يستعينوا فقط بالأحاديث الدينية، وتحرير الرسائل اللاهوتية ونشر عقائدهم على هيئة أفكار منتظمة قانونية، كما تأمر بذلك “أحكام الرسل” بل كما سبق أن قيل أيضًا، فإنهم استخدموا كذلك اشعارهم الغنائية التي كانوا يتغنون بها في كل مناسبة.

أما سلاحهم الأكثر مضاء وصلابة، فكان استغلالهم للقوى السياسية التي أقحموها للتدخل – لأول مرة في شئون الكنيسة الداخلية, وهكذا أبعدوا خصومهم بوسائل عنيفة.. وأرغموا أثناسيوس على أن يبارح كرسيه خمس مرات.. وفى مرتين منها أقاموا أساقفتهم على هذا الكرسى.. وكان تفوقهم الساحق أكثر ثباتًا واستقروا فى أنطاكيا، بعد عزل الأسقف أوستاتيوس عام 330م.. وفى عام 360 أقاموا هناك صديقهم ميليتيوس الذي ما لبث أن أعرب في الحال عن اتجاهه إلى قانون إيمان نيقيا..

أما في أسيا فكان نفوذهم أقل، ولو أن موقفهم هناك كان أكثر هدوءا، الأمر الذي لأجله كان موقف الأرثوذكسيين مرنًا..

وفى القسطنطينية على مدى أربعين سنة خلف أربعة أساقفة آريوسيين الواحد الآخر.. وهكذا عندما صار غريغوريوس الثيئولوغوس أسقفًا للقسطنطينية أستقر في بيت صغير للصلاة (Chapel) ، لأن الأريوسيين كانوا قد أستولوا على جميع الكنائس، ولكن غريغوريوس خلص القسطنطينية منهم.. وفى الغرب حصلوا على نجاح محدود حيث استولوا فقط على بعض مراكز هامة قليلة مثل المديولانيين وذلك لعدة سنوات قليلة فقط.. إلا أنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى كرسي أسقفية روما.

وكانت حالة المسيحية في ذلك العصر تثير الحزن والأسى. فبينما أعطيت لها الفرصة لأول مرة لكي تمد كرازتها في كل مكان، اضطر قادتها أن يهملوا ذلك قهرا. واضطروا للإنشغال بأمور عقائدية دقيقة.

كانت شوارع الأسكندرية تعج باستمرار للاشتراك بالأساقفة الذين، أما كانوا يفدون نحو منفاهم وأما كانوا يتوجهون للاشتراك في المجامع غير المكتملة. وفى وسط هذه المحازفات والمخاطر أظهرت قيادة الأرثوذكسية شجاعة مقترنة بدبلوماسية تجاه مضطهديهم، كما أظهرت تمسكًا شديدًا بالتقليد والإيمان المسلم.. فكانوا إما ينادون بعقائدهم وينفون بسببها وإما كانوا يحافظون على هذه العقائد ويمكثون في أماكنهم كي يصونوا الإيمان الأرثوذكسي الذي لا يطفأ، ومن حول هؤلاء كانت خلايا المؤيدين المخلصين تصارع وتتصادم من أجل عقيدة مجمع نيقية.

إن مسئولية الدفاع عن هذه العقيدة كان لها أولاً: مجموعة القادة الأول: الكسندروس السكندرى. وأوستاتيوس الأنطاكى، وهوسيوس القرطبى.

ثم بعد ذلك بقليل وقع عبء الدفاع عن عقيدة نيقية على أكتاف القديس أثناسيوس الكبير الذي أدار النضال طيلة خمسين عامًا تقريبًا.. معضدًا أيضًا من الآباء الآخرين أمثال كيرلس الأورشليمى وسرابيون أسقف تيميس، وديديموس الضرير، وهيلاريوس البكتافى وأخيرًا الآباء الكبادوكيين العظام:

باسيليوس أسقف قيصرية وغريغوريوس الثيئولوغوس وغريغوريس النيصصى، أن هؤلاء اللاهوتيين – باستنادهم على حجج وبراهين من الكتاب المقدس والتقاليد الشرعية الصحيحة – قاموا بتجريد لاهوت اريوس من غطائه المتستر بالكتاب المقدس. وكشفوا أن الاريوسية إنما هى دراسة فلسفية جافة وعميقة تظهر الله بدون حياة أو حركة..

كشف أثناسيوس الكبير أن تعاليم اريوس أدت إلى أمرين غير لائقين:

أولهما: أنه أذاب التعليم بالثالوث القدوس ولاشاه، وفتح الطريق أمام الاعتقاد بتعدد الآلهة، إذ أنه سمح بعبادة المخلوق.

وثانيهما: أنه قلب “بناء الخلاص” كلية. فإن المخلص الذي أخذ على عاتقه خلاص البشرية يلزم أن يكون هو نفسه حاصلاً على ملء اللاهوت، ما دام قد أخذ على عاتقه أن يؤله الإنسان. فكيف يكون من الممكن أن الكلمة الذي يقوم بعمل التأليه لا يكون واحدًا في الجوهر مع الله؟

إن قمة براهين أثناسيوس هى أن المسيح لم يصر أبنًا لله كجزاء لكماله الأدبي بل على العكس فإنه هو الذي إلهنا (بتشديد اللام) (أى جعلنا إلها). فيقول أثناسيوس “لذلك إذن فالمسيح لم يكن انسانًا وفيما بعد صار إلهًا، بل أنه كان إلها ثم صار إنسانًا لكي يؤلهنا” (المقالة الأولى ضد الآريوسيين فقرة 39).

وعلى الرغم من صرامته وحزمه لم يكن أثناسيوس متصلبًا بل كان يعرف كيف يتدبر الأمر بتفهم وتسامح .. وعندما تخلص من الضغط السياسي الخطير عرض المشكلة بحذر ويقظة أكثر. ووضع موقف الأرثوذكسيين تحت الفحص. وعندئذ تحقق من قصور وعجز حججهم وسعى لكي يجد لها علاجًا.. فإن المطابقة المشار إليها سابقًا بين الاصطلاحين “اوسيا” (أى الجوهر).

و”هيبوستاسيس” (أى القوام) صارت مقبولة في الغرب بدون اعتراض. ولكن في الشرق رأى كثير من اللاهوتيين أن فيها خطر البدعة “السابيلية”. وأدرك أثناسيوس هذه الحيرة وقام بحركة توفيق فعالة أثناء مجمع الأسكندرية عام 362م حيث أقر بأن كل من لا يرغب في الإعتراف بصيغة “الاوموأوسيوس” (أى المساواة أو الوحدة فى الجوهر)، ولكنه يقبل في نفس الوقت بوحدة “الآب والابن فإنه يوجد على الطريق المستقيم.

وقام بخطوة عوطة التسليم بالمبدأ الشرقى للثالوث مع التفريق بين معنى الاصطلاحين “أوسيا”، و”هيبوستاسيس” مع إضافة معنى “طريقة الوجود الخاص بالكيان” إلى “الهيبوستاسيس”.. وهكذا فإن الله يكون من جوهر واحد ولكنه يوجد في ثلاث أقانيم (هيبوستاسيس) أو أشخاص (بروسوبا)، وهذه الصيغة توسع فيها أكثر الآباء الكبادوكيوسن بعد ذلك.. ومن ذلك الوقت فتح الباب أمام جماعة “الهوميواوسيين”.

وأن غالبية الذين رجعوا وانضموا إلى أتباع مجمع نيقيا الأرثوذكسيين، وصلوا أيضًا بعد ذلك إلى قبول مبدأ “الهوموأوسيوس” (التساوي أو الوحدة في الجوهر) ولكن البعض من هؤلاء لم يكونوا على استعداد لقبول الاعتقاد بمساواة الروح فى الجوهر أيضًا (أى مع الآب والابن) .

ولهذا السبب ضمن مجمع نيقيا ضمن قانون الإيمان. مجرد عبارة “وبالروح القدس” بدون أية خاصية أو صفة أخرى، وكان هؤلاء يعتقدون بثنائى فقط في الله بدلاً من الثالوث. ولهذا أطلق عليهم أسم “أعداء الروح” ولأنه كان يتزعمهم “مقدونيوس” . الذى جرده “الأوميوون” من رتبته. لهذا أطلق عليهم أيضًا أسم “المقدونيون”. وهؤلاء حكم عليهم بواسطة مجمع أنطاكية سنة 379م. والمجمع المسكونى الثاني بالقسطنطينية سنة 381م.

ولكى يتجنب الاباء أى مخاطرات جديدة أو أى إساءة فهم للأمور. فانهم لم يستخدموا فى هذا المجمع الأخير أى اصطلاحات مثيرة، مثل “الهومواوسيوس” بل استخدموا عبارات متباينة وهى عبارات توضح “المساواة في الكرامة”. وهم في هذا قد أتبعوا السياسة الحكيمة التي كان يسير عليها باسيليوس الكبير. ثم أصدر الامبراطور ثيئودوسيوس قرارًا بوضع حد لهذا الصراع داخل إمبراطوريته، فكانت النهاية الحاسمة، مما أدى إلى الاعتراف بشكل دينى واحد وهو المسيحية الأرثوذكسية التي أقرها “داماسوس” أسقف روما. “وبطرس” أسقف الأسكندرية.

وبالتالي أنضم غالبية الآريوسيين إلى الكنيسة، أما البقية الذين تخلفوا فقد انضموا على التوالي إلى بدع وهرطقات أخرى، وخاصة انضموا إلى النسطورية وهى البدعة التي حاولت أن تنقص من ألوهية المسيح بطريقة أخرى.

اريوس – من هو اريوس ؟ ما هي أفكار أريوس

 

(1) نسبة إلى سابيليوس صاحبة البدعة السابيلية المعروفة باسمه، والذى ظهر فى روما أوائل القرن الثالث. والسابيلية تعلم بأن الآب والابن والروح القدس هم شخص واحد وليس ثلاثة أقانيم. فنقول “أن الآب أعطى الناموس في العهد القديم، ثم ظهر هو نفسه باسم الابن فى التجسد، وبعد أن اختفى المسيح بالصعود ظهر هو نفسه باسم الروح القدس. أى أن الثالوث هو ثلاث ظهورات متوالية في التاريخ لشخص واحد، وليس ثلاثة أقانيم لهم جوهر واحد (المعرب).

(2) انظر “حياة قسطنطين لأوسابيوس المؤرخ” (61:2) والتاريخ الكنسى لسقراط (7:1).

(3) أوسابيوس فى حياة قسطنطين (64:2).

(4) التاريخ الكنسي لسقراط (9:1) بوفيريوس هو أحد فلاسفة “الأفلاطونية الجديدة” الوثنيين قرب نهاية القرن الثالث. هاجم المسيحية بعنف وخاصة هاجم ألوهية المسيح (المعرب).

(5) الرسالة الدورية إلى الأساقفة بقلم أناسيوس 5:18.

(6) باناريون معناها سلة الخير.

(7) التاريخ الكنسى لثيئودوريتس (4:1) انظر “باناريون” لإبيفانيوس (6:69).

(8) “أثناسيوس عن المجامع” 16.

(9) “باناريون” لإبيفانيوس (7:29).

(10) “ايلاريوس عن الثالوث” (12:4، 5:6ه).

(11) “التاريخ الكنيسى لسقراط” (26:1).

(12) التاريخ الكنسى لسوزومينوس” (27:2).

(13) أثناسيوس ضد الأريوسيين (5:1-6).

(14) أثناسيوس عن مجمع نيقية 16 – فيلوستورغيوس التاريخ الكنسى (2:2).

(15) اريوس فى رسالته إلى الكسندروس وجدت فى كتاب أثناسيوس عن المجامع 16.

(17) المرجع السابق.

(18) “ثاليا” كما جاء فى أثنايوس ضد الأريوسيين مقالة 5:1.

(19) هم معلمى الكنيسة الذين قاموا بالدفاع عن المسيحية والمسيحيين أمام الأباطرة الوثنيين. وأمام الفلسفات الوثنية المعاصرة وأحيانًا ضد الهجمات اليهودية. خلال القرنين الثاني والثالث، ومن أشهر المدافعين يوستيتوس. وتاتيان واتيناغوراس وأوريجانوس (المعرب).

(20) كلمة “هيبوستاسيس Hyposasis” اليونانية تعنى القوام، أو الأساس أو ما يقف عليه الشئ “الدعامة” أو طبيعة الشئ، أو الشخص، أو أقنوم (المعرب).

(21) أوسابيوس: رسالة إلى كنيسته في كتاب “التاريخ الكنسى لسقراط”.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

Exit mobile version