الصلاة للقديس يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الصلاة للقديس يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الصلاة للقديس يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

 

الصــــــــــــــــــلاة

للقديس يوحنا ذهبى الفم

 

          الأمر الذى لا يجهله أحد هو أن الصلاة هى سبب كل الخيرات وهى مرشد للخلاص والحياة الأبدية . لهذا فإنه من الضرورى أن نتكلم بكل ما نملك من قوة فى هذا الموضوع .

          هذه العظة ستكون أكثر قبولاً لأولئك الذين اعتادوا أن يحيوا حياة الصلاة مهتمين بعبادة الله. أما الذين عاشوا فى خمول وتركوا أنفسهم دون ممارسة أية صلاة، فإنهم سينتبهون ويدركون مدى ما أصابهم من أضرار فى الفترة التى مضت من حياتهم . لهذا ففى الزمن المتبقى من حياتهم لن يحرموا أنفسهم من الخلاص (بالصلاة).

          بداية نقول إن الصلاة هى حقيقة أساسية، بحيث إن كل من يصلى فهو يتحدث مع الله . فأنت تتحدث مع الله على الرغم من أنك إنسان فانٍ، ولا يستطيع أحد أن ينكر ذلك .

          لكن أن يتقدم أحد إلى هذه الكرامة بالكلام فقط ، فهذا أمر غير مقبول لأن هذه الكرامة تسمو عظمة الملائكة . هذا الأمر يدركه الملائكة أنفسهم . يظهر الملائكة فى نصوص الأنبياء وهم يقدمون تسابيحهم وصلواتهم إلى السيد الرب بخوف ورعدة، مغطين وجوههم وأرجلهم بورعٍ ومخافة وهم يطيرون بغير أن يبقوا فى سكون .

          هكذا يعلموننا أن ننسى طبيعتنا الإنسانية الفانية وقت الصلاة، وننحصر فى الغيرة المقدسة ومخافة الله، غير مهتمين بالأمور الحاضرة. ولكن علينا أن نتشجع ونقف في صفوف الملائكة لنؤدى نفس الصلاة معهم  فنحن نختلف عن الكائنات الملائكية فى الطبيعة وأسلوب الحياة والحكمة والفهم، أما فيما يخص الصلاة فهو عمل مشترك بيننا (وبينهم). الصلاة تميزك عن الحيوانات غير العاقلة، وتضمك إلى صفوف الملائكة. ويستطيع الإنسان أن يتحول بسرعة إلى طريق الملائكة وأسلوب حياتهم وكرامتهم ونبلهم وحكمتهم وفهمهم لو قضى حياته في الصلاة وعبادة الله .

          أى شئ أكثر برًا من حديث الإنسان مع الله؟

          أى أمر أكثر بهاء؟ أى شئ أكثر حكمة؟

          فلو أن أولئك الذين يتحدثون مع أناس حكماء سيصلون بالحديث المستمر معهم إلى التشبه بهم فى أسلوب التفكير، فماذا نقول عن أولئك الذين يلهجون بالصلاة لله (دون انقطاع)؟ ألاّ تملأهم الصلاة من كل حكمة وكل فضيلة وكل فهم وكل عفة ووداعة .

          هكذا لا نكون مخطئين إن قلنا إن الصلاة هى بداية كل فضيلة وكل قداسة، ولا يستطيع شئ أكثر من الصلاة والتضرع أن يقود النفس الخالية من النعمة، إلى التقوى والورع .

          فالمدينة غير المحصنة بأسوار، من السهل جدًا أن تقع فى أيدى الأعداء. هكذا أيضًا فإن النفس غير المحاطة بأسوار الصلاة من السهل أن يسود عليها الشيطان ويملأها بكل خطية. فهو عندما يرى النفس محتمية بالصلوات وقوية فإنه لن يتجرأ على الاقتراب منها، لأنه يهرب من قوتها وثباتها . فالصلوات هى التى تمنحها هذه القوة، وهى التى تغذى النفس أكثر مما يغذى الخبز الجسد.

          والأشخاص الملازمون للصلاة، لا يحتملون أن يجوز فى فكرهم أى شئ غير ملائم للصلاة، لأنهم يخجلون من الله الذين يتحدثون إليه فيصدون كل حيل المضاد على الفور، لأنهم يعرفون حقيقة الخطية.

          لأنه ليس من المقبول أن يُسلّم الإنسان للشيطان ويفتح أبوابه  للشهوات الرديئة ويتيح للشيطان منفذًا إلى أعماقه، التى كانت قبل ذلك بوقت قليل جدًا موضعًا لحضور الله، هذا الإنسان الذى كان يتحدث مع الله لتوه ويطلب منه وداعة وبرًا. كيف نسمح للشياطين أن تدخل إلى داخل نفوسنا، بينما نعمة الروح القدس قد أظهرت محبة وعناية فائقة بنا.

          اسمع كيف يكون هذا ؟ لا يستطيع الإنسان أن يتحدث مع الله بدون نعمة الروح القدس . ولكى يستطيع الإنسان أن يحنى ركبتيه فى الصلاة والتضرع، فهو يحتاج إلى مؤازرة هذه النعمة التى يجب أن تكون حاضرة وهى التى تحتضن الجهادات الروحية . فالحديث مع الله هو أمر سامى يفوق طاقة الإنسان . لهذا فإنه يحتاج إلى نعمة الروح القدس لكى تهبه وتعطيه حكمة وتعرفه مقدار هذه الكرامة وعظمتها .

          إذن فعندما تدرك أنك تتحدث مع الله بنعمة الروح القدس وأن أبديتك مرتبطة بالصلاة التى تقدس النفس بواسطة الروح القدس، فإنك لن تترك منفذًا للشيطان ليتسلل داخل نفسك.

          فكما أن أولئك الذين يتحدثون مع الملك ويتمتعون بحديث الشرف والكرامة، لا يقبلون التحدث مع المتسولين، هكذا فإن من يصلى إلى الله ويتحدث معه لا يقبل الدخول فى حوار مع الشرير ويخطئ. لأن من يترك نفسه للشيطان وحماقته هو فى الحقيقة عبد للشهوة. لكن من يتضع ويحيا فى القداسة، فإنه يحيا مع الملائكة ويشتاق إلى طريقة حياتهم المجيدة. لهذا فإن قال لى إنسان إن الصلاة هى قوة النفس فهو يدرك الحقيقة .

          فالجسد بواسطة الأعصاب يتشدد  ويتقوى ويجرى ويقف ويحيا، فإذا قُطع أحد هذه الأعصاب يفقد الجسد إتزانه. وهكذا فإن النفوس تكتسب بالصلوات المقدسة، نعمة وتميزًا واتزانًا، وتركض بسهولة فى طريق الفضيلة. فإن حرمت نفسك من الصلاة، فكأنك تطرح سمكة خارج الماء. فكما أن الماء هو سبب حياة للسمكة، هكذا الصلاة بالنسبة لنفسك. بالصلاة تستطيع أن تسمو عاليًا وأن تجتاز إلى السموات وأن تعيش بالقرب من الله.

          يكفى ما قلناه لكى ندلل على قوة الصلاة المقدسة. لكن من الأفضل مادمنا نتكلم من الكتاب المقدس ، أن نعرف من فم المسيح مقدار النعمة التى نحصل عليه بالصلاة ، كل من يريد أن يعيش كل حياته فى الصلاة .

          يقول الإنجيل ” وقال لهم أيضًا مثلاً فى أنه ينبغى أن يُصلى كل حين ولا يُمل ” (لو1:18ـ8). لنعرف أيها الاخوة الحكمة المختفية فى كلام الروح القدس باحثين على قدر طاقتنا ليس فيما هو أمامنا الآن ولكن أيضًا فيما يمكن أن نناله مستقبلاً .

          الذين يعملون فى البحار ويهبطون  للقاع يجلبون إلى السطح أحجارًا كثيرة الثمن. ونحن إذ نفحص بحر الكتاب المقدس لننزل إلى أعماق الحكمة الروحية على قدر المستطاع فإننا، نُحضر لكم كنزًا ثمينًا ، هذا الكنز يزين النفوس أكثر من زينة التيجان المطعمة بالأحجار الكريمة على جباه الملوك ، لأن بهاء الملوك مرتبط فقط بهذه الحياة الحاضرة ، بينما من يتوج نفسه بكلام الروح القدس يكمل مسيرة حياته بأمان فى هذا الدهر والدهر الآتى أيضًا ، ويقف أمام منبر المسيح مبررًا مملوءًا بكل فضيلة وطاهرًا من كل شر .

          أى كنز يمكننا أن نحصل عليه من أعماق الكتاب المقدس، ونحن لم نتلامس بعد مع كل أعماق الحكمة، إذ أننا نزلنا فقط إلى العمق الذى تسمح به إمكانياتنا .

          السيد المسيح هو الذى يجذب الناس نحو الصلاة لتنتفع نفوسهم بها . ويسوق مثل القاضى الظالم والقاسى الذى طرح عنه كل خجل وطرد من نفسه مخافة الله. على الرغم من أنه كان يكفى أن يستخدم فى المثل شخص عادل ورحوم وعندما يقارن عدله مع محبة الله للإنسان ستظهر أهمية التضرع. لأنه إن كان إنسان صالح ووديع يقبل كل من يتضرع إليه من أجل أمر ما، فكيف يكون الله بمحبته المطلقة للإنسان وليس فقط المحبة التى تتجاوز فكرنا ولكن أيضًا التى تتجاوز الملائكة أنفسهم؟

          كان يكفى كما قلت أن يستخدم فى المثل قاضيًا عادلاً ولكنه استخدم فى المثل قاضيًا قاسيًا شريرًا وغير محب للناس بل هو إنسان متوحش. ولكن الذين يترجونه يظنون أنه سيكون شجاعًا وكريمًا معهم ـ لكى تدرك أن كل توسل حتى ولو كان موجهًا إلى إنسان قاسٍ لا يعرف الرحمة، فمن السهل أن يشمله بالشفقة والرحمة.

          إذن لماذا ضرب المسيح هذا المثل ؟   لكى لا يتجاهل أحد مدى فاعلية الصلاة . ولهذا ساق مثل الأرملة فى تضرعها إلى أكثر الناس قسوة . وحين أظهر هذا الظالم رحمة على عكس طبيعته ـ حوَّل المسيح الحديث من موضوع القاضى الظالم إلى صلاح أبيه السماوى الوديع والشفوق ومحب البشر، الذى يغفر الخطايا الكثيرة، الذى يُجدف عليه فى كل يوم ويصبر، يحتمل إهانات لأسمه المبارك وتجديف على اسم ابنه، فبينما هو يجدف عليه يحتمل بكل وداعة، وإن رآنا نسجد أمامه برعدة فهو يرحمنا  ويعفوا عنا سريعًا ؟

          اسمعوا ما يقول قاضى الظلم ” إن كنت لا أخاف الله ولا أهاب إنسانًا فإنى لأجل أن هذه الأرملة تزعجنى أنصفها، لئلا تأتى دائمًا فتقمعنى ” (لو4:18ـ5) فماذا نقول ؟!

          إن الأرملة بتضرعها حملت هذا القاضى على العدل، لقد ترفق بها هذا الوحش القاسى. إذن فماذا نستنتج من جهة الله محب البشر إن كان غير الرحوم قد أثّرت فيه الأرملة بتوسلها إليه. فكم من العطايا وكم من محبة البشر سوف يظهرها الله لنا. إنه الوحيد الذى يريد أن يرحم على الدوام وألاّ يعاقب أبدًا . ومن أين تأتى العقوبات أمام كل هذه المحبة التى أظهرها تجاهنا نحن الذين أعد لنا كرامات كثيرة . بالمخافة التى تعوقنا عن فعل الشر وعلى رجاء التكريم الذى يجعلنا نحيا الفضيلة، لا أستطيع أن لا أفكر فى قاضى الظلم، وأرى فيه وداعة على عكس طبيعته ـ لأنه وإن كان لم يُرد أن يظهر فى وقت ما من حياته شيئًا حسنًاـ، نجده فجأة يغير اتجاهه ويرحم المرأة التى توسلت إليه. ألاّ تضمن لنا الصلاة عناية خاصة من الله؟

          يستطيع الإنسان أن يعرف مقدار القوة والفاعلية التى تتحقق بالصلوات المقدسة، عندما ينظر ويلاحظ مقدار الخيرات التى يتمتع بها كل يوم، بل كل ساعة أولئك الذين ألقوا بأنفسهم أمام الله. من يجهل نور الشمس والنجوم والقمر والأهوية الحسنة وغذاء الفكر والغنى والحياة وأمور كثيرة التى يمنحها الله للأبرار والأشرار بسبب محبته الكبيرة لنا ؟!

          إذن، لو أن أولئك الذين لا يتضرعون ولا يطلبون، يرحمهم الله ويخفف عنهم، فكم بالحرى أن يتمتع بالخيرات أولئك الذين يقدمون الصلوات والتضرعات لله كل أيام حياتهم؟!

           كم من الأبرار استطاعوا بصلواتهم أن ينقذوا شعوبًا ومدنًا وكل المسكونة، لنتذكر هذا .

          عندما نتحدث عن الصلاة، فإن أول من يستحق الذكر هو القديس بولس الذى لا يكف عن الصلاة إلى الله. حارس كل المسكونة. فبصلاته وبتضرعه المستمر أنقذ كل الأمم، فهو يقول لنا “.. بسبب هذا أحنى ركبتى لدى أبى ربنا يسوع المسيح الذى منه تُسمى كل عشيرة فى السموات وعلى الأرض، لكى يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه فى الإنسان الباطل ليحل المسيح بالإيمان فى قلوبكم” (أف14:3ـ17).

كم هى عظيمة قوة الصلاة والتضرع.

          البشر هم هياكل المسيح. فكما تُصنع بيوت الملوك بالذهب والأحجار الكريمة والمرمر، هكذا الصلاة تصنع هياكل المسيح. يقول الرسول بولس “ ليحل المسيح بالإيمان فى قلوبكم“. وأى مدح تُمدح به الصلاة أعظم من أنها تصنع هياكل لله؟

          هذا الذى لا تسعه السموات يأتى ويسكن فى النفس بالصلاة. ” السموات كرسيّ والأرض موطئ قدميّ. أين البيت الذى تبنون لى، هكذا قال الرب وأين مكان راحتى؟ ” (إش1:66).

          الرسول بولس يبنى البيت بالصلوات المقدسة فيقول ” أحنى ركبتى لدى أبى ربنا يسوع المسيح ليحل بالإيمان فى قلوبكم”. وهنا يستطيع الإنسان أن يرى قوة الصلوات المقدسة، إذ أن بولس الذى جال كل المسكونة كما لو كان يطير بأجنحة، وأيضًا احتمل الجلد وقُيد بسلاسل حديدية وعاش فى آلام وأخطار، أخرج شياطين وأقام موتى وشفى مرضى، لكنه فى كل هذه الأمور اعتمد فقط على الصلوات المقدسة لأجل خلاص البشر. لقد صارع فى الصلاة مثل مناضل على مسرح المصارعة لينال الإكليل، فإقامة الموتى وعمل المعجزات الأخرى هى عطية الصلاة. ومثل أهمية المياه للأشجار، هكذا تكون أهمية الصلاة لحياة القديسين.

          وفى مساء اليوم الذى جُلد فيه، صلى بولس فارتوت نفسه واحتملت الضيقات بمسرة. وأعطى ظهره للجلد كما لو كان تمثالاً.

          هكذا سُجن فى مقدونية وانحلت القيود بصلواته وأنقذ السجان من خطاياه، هكذا أيضًا أبطل طغيان الشياطين. ولذلك يكتب للجميع ” واظبوا على الصلاة ساهرين فيها بالشكر مصلين فى ذلك لأجلنا نحن أيضًا ليفتح  الرب لنا بابًا لنتكلم بسر المسيح الذى من أجله أنا موثق أيضًا ” (كو2:4ـ3). ماذا يقول ؟ أتعطينا الصلاة دالة بهذا المقدار حتى نتضرع إلى الله من أجل بولس ؟

          أى جندى يستطيع أن يترجى الملك من أجل قائد الجيش؟

          على الرغم من أنه لا يوجد ضابط صديق للملك على قدر علاقة بولس بالله، هكذا تعطينا الصلوات كل هذه الكرامة حتى نستطيع أن نتجرأ ونطلب من أجل بولس . وأيضًا فإن العظيم بطرس خرج من السجن بنور من السماء، ومن المؤكد أن هذا بسبب فضيلته وبسبب صلوات الكنيسة . لقد فُتحت أبواب السجن المُحكمة على الفور . لأن لوقا لم يضف مصادفة أن الصلاة قد صارت من كل الكنيسة من أجل بطرس بل لكى نتعلم نحن أيضًا مدى فاعلية الصلاة عند الله ، حتى أنها خلصت بولس وبطرس من الأخطار، وهما أعمدة الكنيسة وقمم الرسل المعروفين فى السماء وحصن المسكونة، الحرس المشترك لكل أرض وكل بحر .

          أخبرنى كيف أنقذ موسى الإسرائيليين؟ ألم يسلم الأسلحة وقيادة الجيش لتلميذه وواجه هو جموع محاربيه بالصلوات؟

          هكذا عرفنا أن لصلوات الأتقياء قوة أعظم بكثير من الأسلحة والأموال والمعسكرات. لهذا فإن جيشًا ومدنًا بأكملها صار لها خلاص بصلوات موسى النبى. لأنه حين كان موسى يصلى، كان شعب إسرائيل ينتصر، وعندما كان يتوقف عن الصلاة كان ينتصر محاربوه .

          وهكذا نحن أيضًا عندما نصلى نهزم الشيطان بسهولة، ولكن عندما نهمل الصلاة يقوى علينا الشرير .

          وعندما هجر الشعب تقواه أُنقذ بصلوات موسى وبالظهورات الإلهية وأمور أخرى كثيرة. الصلاة أبطلت قوة النيران وقوة وحوش ضارية. هذا ما حدث مع الفتية الثلاثة ومع دانيال النبى.

          يتضح لنا من كل هذه الأمور أنه عندما يتعرض الإنسان لخطر ما، فمن السهل أن تنقذه الصلاة، الصلاة هى بداية الخلاص، وسفير لخلود النفس، سور الكنيسة الحى، الحارس الذى لا يتزعزع ولا ينهزم. الصلاة مفزعة للشياطين وخلاص لنا نحن الأتقياء .

          الصلاة هى سبب ولادة النبى القديس صموئيل. لأن الطبيعة حرمت أمه من أن تلد، ولكن بواسطة الصلاة تغير عقم الطبيعة. هذا هو ثمرة الصلاة، هذا هو النبى الذى نما بالصلاة.

          هكذا صار صموئيل معروفًا فى السماء وأعلى من أى إنسان متشبه بالملائكة. لأنه كان يجب أن يظهر كثمرة للصلاة، بمعنى أن يفوق الجميع من جهة الصلاح وطرق الفضيلة، وأن يفوق من سبقه من القديسين كما تتميز وتتفرد السنابل الناضجة فى حقول القمح .

          بالصلاة صد داود حروبًا كثيرة دون أن يحرك أسلحة أو يطلق رماحًا، ولكن الصلوات فقط هى التى سندته .

          بالصلاة جعل حزقيا جموع الفرس يهربون .

          هؤلاء حاصروا أسوار المدينة بآلات الحرب وأما هو فأقام سورًا آخر بالصلوات. انتهت الحرب بالصلاة فقط دون استخدام أسلحة. لم يُسمع صوت نفير، ظل الجيش هادئًا، ولم تتحرك الأسلحة، والأرض لم تُلطخ بالدماء. كانت الصلاة كافية لإثارة الخوف فى نفوس الأعداء .

          الصلاة أنقذت أهل نينوى ورجع الغضب عنهم، واقتعلت حياة الفساد من جذورها .

          الصلاة لها قوة وفاعلية، حتى أن أهل نينوى بينما كانوا يعيشون حياة الخطية والشر حتى ذلك الحين، لكنهم بمجرد أن انتشرت الصلاة فى المدينة غيرت كل شئ ونشرت الوداعة والبر والمحبة والوفاق، ورعاية الفقراء، وكل الأمور الحسنة الأخرى .

          عندما يدخل ملك إلى مدينة ما، فمن الطبيعى أن يتبعه كل غنى وصولجان . هكذا أيضًا عندما تملك الصلاة داخل النفس تُحضر معها كل فضيلة وبر . كما أن أساس البيت ضرورى جدًا للبيت ، هكذا فإن الصلاة هامة جدًا لبناء النفس.

          لذا يجب أن تدخل الصلاة كأساس إلى أعماق النفس وينبنى عليها الوداعة، واللطف، والتقوى، ورعاية الفقراء وكل ما يوصى به السيد المسيح.

          هكذا يجب أن نحيا من أجل وصاياه ونؤهل للخيرات السماوية بالنعمة والرأفة ومحبة البشر اللواتى لربنا يسوع المسيح الذى له مع أبيه الصالح والروح القدس المجد والقوة إلى أبد الآبدين . آمين .

 

 

عظة أخرى

عن الصلاة

 

يجب على المرء أن يُطوّب كل من خدموا الله وأن يتمثل بهم، لسببين :  أولاً: لأنهم وضعوا كل رجاء خلاصهم فى الصلوات المقدسة.

ثانيًا: لأنهم حفظوا ما كتبوه في التسابيح والعبادات التى قدموها لله برعدة وفرح، ناقلين لنا بذلك كنوزهم الروحية هذه، جاذبين كل الأجيال التالية إلى غيرتهم المقدسة.

          فمن الطبيعى أن ينتقل سلوك المعلمين لمن يعلمونهم. وأيضًا من الطبيعى أن يتشبه المتعلمون بسلوك المعلمين وفضائلهم حتى نحيا فى صلاة وعبادة لله وتفكير دائم فى إرادته. فالحياة والغنى والسعادة هى أن نصلى لله بنفس نقية غير دنسة، فكما أن الشمس هى نور لعينى الجسد، هكذا الصلاة هى نور للنفس. فإن كانت تعتبر خسارة فادحة ألاّ يرى الأعمى الشمس فكم بالحرى تكون الخسارة عندما لا يصلى المسيحى دائمًا، أو لا يقدس نفسه بنور المسيح بواسطة الصلاة ؟!

          كيف لا يندهش ويعجب الإنسان لهذه المحبة التى أظهرها الله لنا مانحًا إيانا كرامة كبيرة حتى جعلنا مستحقين أن نصلى إليه ونتحدث معه؟

حينما نصلى فإننا نتكلم مع الله آخذين طبيعة الملائكة وبهذا يتضح أننا نختلف كثيرًا عن الحيوانات غير العاقلة.

          فإن كانت الصلاة هى عمل الملائكة إلا أن الصلاة فى ذاتها هى أعظم من الملائكة. إن حديثنا مع الله هو عمل يفوق عمل الملائكة: وكون الصلاة هو أمر يفوق الملائكة ، فهذا ما نعرفه من منهم، عندما يقدمون صلواتهم في خوف ورعدة، معطين إيانا إمكانية أن نعرف ونتعلم أنه عندما نقدم صلاة إلى الله، فيجب أن تكون بمخافة وفرح. فمن ناحية نقدمها بمخافة معتبرين أنفسنا غير مستحقين أن نتحدث مع الله. ومن ناحية أخرى نقدمها بملء الفرح بسبب ما أعطانا من كرامة عظيمة، إذ أن جنسنا البشرى الفانى قد نال مثل هذه النعمة العظيمة حتى أنه يتمتع دائمًا بالحديث مع الله والذى من خلاله نتجاوز وضعنا كمائتين وزائلين.

          فمن جهة، إننا بحسب الطبيعة مائتين، ومن جهة أخرى فإننا ندخل إلى الحياة الأبدية بالحديث مع الله.  ونحن نثق أن من يصلى إلى الله يرتفع فوق الموت وكل فساد.

          وكما أننا عندما نتمتع بنور الشمس لا نكون فى ظلام، هكذا عندما نتمتع بالحديث إلى الله عن طريق الصلاة، فلا نكون بعد فى حالة فساد، وبسبب عظم هذه الكرامة الموهوبة لنا، فإننا نعبر إلى الحياة الأبدية.

          إن كل الذين يتحدثون إلى الملك يأخذون كرامة منه. ولا يمكن أن يبقوا بعد فقراء. وبالأكثر جدًا فإن أولئك الذين يصلّون إلى الله ويتحدثون معه لن تكون لهم نفس فاسدة، فهذا أمر مستحيل. فموت النفس هو فى عدم التقوى والانغماس في الخطية. وعكس ذلك فإن انتعاش النفس هو فى الصلاة إلى الله، وهذه الصلاة تنعكس على السلوك الروحى.

          إذن فحياة البر والصلاة تنير نفوسنا وتغنيها بأسلوب فائق.

          أيحب أحد البتولية ؟ أيريد أحد أن يكرم العفة داخل الزواج ؟ أيريد أحد أن يكبح غضبه وأن يعامل رفيقه بلطف ورقة؟ أيريد أن يكون نقيًا من الدنس؟ أيشتهى أحد الأمور المستقيمة ؟

          فالصلاة هى التى تجعلنا نسمو، وهى التى تصقل حياتنا، وتجعل طريق التقوى أسهل وأيسر. لأنه عندما نطلب من الله عفة أو قداسة أو وداعة أو كرامة، فلا يمكن أبدًا أن تذهب طلباتنا سُدى. يقول الكتاب: “اسألوا تُعطوا اطلبوا تجدوا اقرعوا يُفتح لكم” (مت7:7) وأيضًا يقول “لأن من يسأل يأخذ. ومن يطلب يجد ومن يقرع يُفتح له” (لو10:11)، وفى موضع آخر يقول “فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحرى الآب الذى من السماء يعطى الروح القدس للذين يسألونه” (لو13:11). واضح من هذا الكلام وبهذا الرجاء أن الرب يحث الجميع على الصلاة. ونحن من جانبنا يجب أن نخضع لله وأن نعيش دومًا بالتسابيح والصلوات وأن نهتم جدًا بالصلاة لله.   وبهذا نستطيع أن نحيا الحياة التى تليق بالإنسان.

والنفس التى لا تصلى، ولا تشتهى أن تتمتع بالعشرة الدائمة مع الله هى نفس بلا حياة وهى غير حكيمة.

           أيوجد برهان على الجهالة أكثر من هذا ـ عندما نتجاهل حجم هذه الكرامة التى صارت لنا بالصلاة ؟ ألا تعرف أن الموت الحقيقى للنفس هو  في عدم الصلاة إلى الله ؟

          إن جسدنا يصير ميتًا عندما تغادره النفس ويصير نتنًا. هكذا فإن النفس عندما لا تتجه للصلاة تكون مائتة وتعسة ونتنة. فتجاهل الصلاة هو الموت ذاته. وهذا ما علمنا إياه النبى العظيم دانيال الذى فضل أن يموت على ألاّ يُحرم من الصلاة، ولو لثلاثة أيام. لأن ملك الفرس لم يأمره أن يجدف، لكن فقط راقبه ثلاثة أيام ربما يصلى إلى إلهه وليس إلى الملك.

          عندما تفارقنا القوة الإلهية يختفى كل صلاح من نفوسنا. فى حين أن قوة الله تحتضن أتعابنا وتيسرها وذلك عندما يرانا الله محبين للصلاة ومنتظرين الخيرات السمائية على الدوام.

          إذن فعندما أرى شخصًا غير محب للصلاة ولا تحترق نفسه شوقًا إليها فيتضح لى أن هذا الإنسان لا يملك فى نفسه شيئًا من الكرامة. وعندما أرى شخصًا متعطشًا للصلاة، ويعتبر أن الإهمال الدائم للصلاة هو من الأمور المميتة للنفس، أستنتج أنه يحيا كل فضيلة وهو هيكل حقيقى لله.

          الإنسان المتعقل يظهر من سلوكه : كيف يتزين، كيف يمشى ، كيف يفتح فاه ويضحك. كما يقول سليمان الحكيم. بالأكثر فإن الصلاة والسجود لله هى علامة القداسة الكاملة، هى الزينة الإلهية والروحية التى تنثر البهاء والجمال الفائق فى إنساننا الداخلى، وتهذب حياة كلٍ منا. ولا تدع أى شئ غير لائق أن يسود داخلنا، مقنعة إيانا أن نهتم بالأمور الإلهية أكثر من أى شئ آخر وتعلمنا أن نطرد عنا كل حيل الشرير، ملقين كل الأفكار غير اللائقة، وتجعل نفوسنا رافضة للمتع الشريرة.

          هذا هو افتخارنا الذى يكلل كل من يؤمن بالمسيح. هو ألاّ نُستعبد لأي شئ مضل وأن نحمى نفوسنا فى حرية وحياة تقوية نقية.

يتضح لى إذن وهو أمر جلى لكل أحد أنه لا يصح أن يحيا الإنسان بدون صلاة وفضيلة، وأن الصلاة تكمل مسيرة الحياة.

          لكن كيف يمارس الإنسان الفضيلة لو لم يأت ويلق بنفسه على واهب الفضيلة ومانحها ؟ وكيف يشتهى أحد أن يكون عفيفًا ونقيًا دون أن يتكلم بفرح مع ذاك الذى يطلب منا هذه الأمور وأمور أخرى أكثر منها ! وأريد أن أخبركم إننا إن كنا ممتلئين بالخطايا فإن لقاءنا مع الله بالصلاة سوف يطهرنا بسرعة من هذه الخطايا.

          أى شئ أعظم وأفضل من الصلاة ـ فهى الدواء الفعال لكل مرض داخل النفس. فأهل نينوى قديمًا غُفرت خطاياهم بالصلاة أمام الله لأنهم عندما داوموا على الصلاة ـ صاروا أنقياء. والمدينة التى كانت مشهورة بالفجور والشرور وحياة العبث تحولت جذريًا بالصلاة ـ منتصرة على العادات القديمة وتزينت بالشرائع السمائية مزدانة بالعفة ومحبة الناس، واللطف والعناية بالفقراء.          لأن الصلاة لا يمكن أن تلازم النفس دون أن تؤثر على كل سكان المدينة. وهى أيضًا عندما تسكن نفس الإنسان تملأه بالتقوى وتنميه فى الفضيلة طاردة الشر خارجًا.

          لهذا لو أن شخصًا ما دخل مدينة نينوى وكان يعرفها جيدًا من قبل فإنه سوف لا يعرفها بعد توبتها. هكذا تحولت المدينة فجأة من تلك الحياة غير اللائقة إلى حياة التقوى. مثل امرأة فقيرة كانت تلبس ملابس ممزقة بالية لو رآها أحد فيما بعد مزينة بملابس ذهبية، سيجد صعوبة في التعرف عليها. هذا ما حدث مع هذه المدينة.

          لأن من يعرف فقر المدينة وخلوها من كنوز الروح سوف لا يعرف أى مدينة هذه التى يراها الآن والتى استطاعت الصلاة أن تغيرها بهذا الشكل، وأن تقود سلوكها وحياتها نحو الفضيلة. فالمرأة التى قضت كل حياتها فى الفجور والزنا حصلت على خلاصها بمجرد أن وقعت على أقدام المسيح. إن الصلاة لا تطهر النفس فقط لكنها أيضًا تصد عنها أخطارًا كثيرة. فعلى سبيل المثال، أن الملك والنبى الرائع داود أُنقذ من حروب كثيرة ومخيفة بواسطة الصلاة. وهى الوسيلة الوحيدة التى قدمها لجيشه كسلاح مؤكدًا لجنوده للحصول على الانتصار دون أن يتحركوا أو يبذلوا جهدًا. الملوك الآخرون اعتمدوا فى آمالهم للحصول على النصر، على خبرة ضباطهم وعلى ضاربى السهام المشاة والفرسان. بينما نجد أن داود العظيم قد بنى جيشه بالصلوات المقدسة غير مكترث بغرور ضباطه ولواءاته وفرسانه وغير جامع للأموال ولا صانع للأسلحة ولكنه أحضر قوات سمائية من السماء إلى الأرض ـ وهذه الأسلحة الإلهية الحقيقية ـ هى الصلاة و الملاذ الوحيد لأولاد الله.

          إن قوة ودراية المسلحين وضاربى السهام، وخبراتهم ومكرهم تظهر مرارًا أنها أمور باطلة أمام الشجاعة التى يُظهرها الطرف الآخر.

          فى حين أن الصلاة هى السلاح الروحى والحماية الأكيدة التى تصد ليس محاربًا واحدًا بل ألوية كثيرة. هكذا فإن داود العظيم عندما أتى إليه جليات مثل شيطان مخيف طرحه أرضًا لا بسلاح ولا بسيف لكن بالصلاة.          فكما تمثل الصلاة سلاحًا قويًا بالنسبة للملوك فى المعارك هكذا تمثل لنا أيضًا سلاحًا قويًا ضد محاربات الشياطين. إن الملك حزقيا هزم الفرس فى الحرب دون أن يسلح جيشه لكنه وقف للصلاة فى مقابل جموع محاربيه. وهكذا تجنب الموت إذ أنه ارتمى بورع وخشوع فى أحضان الله وأعطى مرة أخرى حياة للمملكة بالصلاة فقط.

          فكون الصلاة تطهر النفس الخاطئة فهذا ما علمنا إياه العشار الذى طلب من الله الغفران وأخذه، وعلمنا إياه أيضًا الأبرص الذى شُفى على الفور بمجرد أن ارتمى فى أحضان الله.

          فإن كان الله قد شفى الجسد الفانى فى الحال، فإنه بالحرى قادر بمحبته للإنسان أن يشفى النفس المريضة ويصيرها أفضل. لأنه بقدر ما للنفس من قيمة أفضل من الجسد بقدر ما يبدى الله اهتمامًا أكبر نحوها.

          يستطيع الإنسان أن يتحدث عن أمور كثيرة قديمًا وحديثًا لو أراد أن يعدد أولئك الذين أنقذتهم الصلاة. وربما أن شخصًا من المتهاونين الذين لا  يقدمون صلواتهم باهتمام وحرص يستند إلى كلام الرب: ” ليس كل من يقول لى يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات بل الذى يفعل إرادة أبى الذى فى السموات” (مت21:7).

          فلو كنت أقول أن الصلاة وحدها تكفى لخلاصنا، لكان من الممكن قبول هذا الاعتراض. لكنى أقول إن الصلاة هى باب الخيرات، أساس ومنبع الحياة الفاضلة. إذن لا يستطيع أحد أن يبرر تهاونه بهذا المفهوم الخاطئ. فلا العفة وحدها تستطيع أن تُخلص بدون باقى الفضائل ولا رعاية الفقراء وحدها، لكن يجب أن تجتمع الفضائل كلها معًا داخل النفس، وتكون الصلاة هى أساس ومنبع الفضائل كلها. وكما أنه يلزم لتثبيت المنزل، أن يكون أساسه قويًا، هكذا فإن الصلاة تشدد حياتنا وتقويها. لهذا فإن القديس بولس يوصى بالصلاة كل حين ” واظبوا على الصلاة ساهرين فيها بالشكر” (كو2:4). وفى موضع آخر يقول ” صلوا بلا انقطاع. اشكروا فى كل شئ لأن هذه هي مشيئة الله فى المسيح يسوع من جهتكم” (1تس17:5ـ18). وفى موضع آخر يقول “مصلين بكل صلاة وطلبة كل وقت فى الروح وساهرين لهذا بعينه بكل مواظبة وطلبة …” (أف18:6). هكذا يدعونا عميد الرسل بكلام متنوع إلى الصلاة .

          إذن ووفقًا لهذا التعليم المقدم من الرسول بولس يجب علينا أن نكمل مسيرة حياتنا بالصلاة. وبهذه الصلاة المستمرة نسُد عطش إنساننا الداخلى. لأننا جميعًا متعطشون للارتواء ليس بأقل من احتياج الأشجار للمياه.

          فكما أن الأشجار لا تستطيع أن تثمر إن لم ترتوِ من جذورها هكذا نحن  لا نستطيع أن نقدم الثمر كثير الثمن الذى للتقوى، إن لم نرتوِ بالصلاة. لهذا يجب أن نستيقظ ونبدأ صلواتنا لله مبكرين مع كل شروق للشمس. وأن نصلى لله كل حين.

          في وقت الشتاء علينا أن نقضي الجزء الأكبر من المساء فى الصلوات وأن نحنى ركبنا وبرعدة كثيرة نلهج فى التضرع. هكذا نصير مغبوطين إذ نعبد الله.

          أخبرنى كيف تنظر للشمس إن لم تسجد لذاك الذى يُرسل لعينيك هذا النور الباهر ؟ كيف تتمتع بالمأكولات إن لم تسجد لواهب ومعطى كل هذه الخيرات ؟ وكيف ستعيش يومك حتى المساء ؟

وأى أحلام سترى (أثناء الليل) إن لم تحصن نفسك بالصلوات. كيف تذهب للنوم بدون قلق ؟ فإن الشياطين المتربصة ستزدرى بك وتقتنصك بسهولة، هؤلاء الذين يجولون بلا هوادة لترويعنا واقتناص الضعفاء الذين لا يتسلحون بالصلاة. لكن لو واظبنا على الصلاة فإنهم سيضمحلون كالبخار سريعًا. لكن لو ابتعد الإنسان عن حياة الصلاة فإن الشياطين ستدفعه نحو الشرور والمتاعب والنكبات. فلنحترس إذن من هذه الأمور ولنبنى أنفسنا بالصلوات والتسابيح وإله الجميع يرحمنا ويجعلنا مستحقين لملكوت السموات بابنه الوحيد الذى به ومعه يليق له المجد والقوة إلى أبد الآبدين آمين.

 

الصلاة للقديس يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

من هو القديس يوحنا ذهبي الفم، ولماذا لقب بهذا اللقب، وما هو دوره وأهميته في الكنيسة الأرثوذكسية؟

من هو القديس يوحنا ذهبي الفم، ولماذا لقب بهذا اللقب، وما هو دوره وأهميته في الكنيسة الأرثوذكسية؟

من هو القديس يوحنا ذهبي الفم، ولماذا لقب بهذا اللقب، وما هو دوره وأهميته في الكنيسة الأرثوذكسية؟

من هو القديس يوحنا ذهبي الفم، ولماذا لقب بهذا اللقب، وما هو دوره وأهميته في الكنيسة الأرثوذكسية؟

 

القديس يوحنا ذهبي الفم هو بولس الثاني، أفصح خطباء الكنيسة المسيحية وواعظيها على مر العصور، بل ربما كان أخطب رجل في التاريخ، وهو أشهر شارح للكتاب المقدس، وهو رجل كنسي قدير، لمعت خصائصه وحنكته أيام الملمات والأزمات.

ولد يوحنا ذهبي الفم (347-407) من أب وثني وأم مؤمنه هي أنثوسا التي ترملت في العشرين من عمرها ونذرت نفسها لتربية ابنها، وكانت زينة الأمهات المسيحيات الأنطاكيات، وقد قال عنها ليبانيوس، المعلم الوثني المشهور آنئذ: «آه، أية نسوة رائعات بين المسيحيات».

تتلمذ يوحنا في الخطابة والفصاحة العلوم الوثنية على يد الفيلسوف الوثني ليبانيوس الذي اشتهى أن يخلفه يوحنا بعد مماته. وتتلمذ مسيحياً على يد الأسقف المشهور القديس ملاتيوس الأنطاكي لمدة ثلاث سنوات، فعمده.

لم يستطع يوحنا أن يترهبن في دير قبل رقاد أمه، إلا أنه عاش النذور الرهبانية في بيته الذي حوله إلى قلاية. بعد رقادها انعزل ست سنوات في أديرة قرب أنطاكية يدرس اللاهوت والصلاة والهذيذ تحت توجيه رئيس الدير ديودوروس (أسقف طرسوس لاحقاً).

صار يوحنا قارئاً ثم شماساً ثم كاهناً في أنطاكية. وفي العام 398 صار رئيس أساقفة القسطنطينية. كان خلاص النفوس همه الأول والأخير. تجنب الجدالات العقائدية واللاهوتية رغم أنه كان لاهوتياً عظيماً. كانت عظاته النارية تشع محبة مقدسة ونوراً إلهياً لمستمعيه.

لقب “ذهبي الفم”، لأنه كان أعظم واعظ وخطيب في تاريخ الكنيسة المسيحية حتى يومنا الحالي، بشهادة أحبائه وخصومه معاً. كان محنكاً بارعاً، اتخذ بولس الرسول مثالاً له.

إخلاصه للمسيحية وقيمها ومثلها جعله موضع حسد وغيرة الكثيرين، وعلى رأسهم الإمبراطورة أفدوكسيا وثيئوفيلوس رئيس أساقفة الإسكندرية آنذاك، الذين حاكوا ضده المؤامرات تلو المؤمرات التي انتهت بنفيه. رقد في يوم عيد الصليب المقدس 14 أيلول العام 407 في المنفى بعد أن تناول جسد الرب ودمه قائلاً جملته المشهورة:

«المجد لله على كل شيء». أعلنت قداسته بعد رقاده ونقل رفاته إلى القسطنطينية العام 438 في احتفال مهيب على يد تلميذه القديس بروكلوس رئيس الأساقفة.

ويعتبر أنه رقد شهيداً. تعيد الكنيسة المقدسة له في 13 تشرين الثاني، ولعيد نقل رفاته إلى القسطنطينية يوم 27 كانون الثاني.

اشتهر الذهب الفم بعظاته وخطاباته وفصاحة لسانه. أيضاً اشتهر بشروحاته للكتاب المقدس الذي حفظه عن ظهر قلب بسهولة. كانت لغته نارية، قوية، ومسيطرة، ويشرح الأسفار بحرية إلى درجة تشعر معها أنه الكاتب الأصلي لها. مع ذلك، لم يحاول يوحنا ذهبي الفم أبداً أن يسحر مستمعيه بفصاحته وبراعته اللغوية والكتابية. همه الوحيد كان وصول الكلمة الإلهية حية وقوة إلى قلوبهم.

كان يشجع على قراءة الكتاب المقدس يومياً في المنازل، وعلى زيارات الأديرة والرهبنات، وعلى التصدق للفقراء بكل وسيلة ممكنة. ينسب إليه القداس الإلهي الحالي الذي ساهم على الأرجح بتنسيقه وتعديله وصياغته وإخراجه.

عبقرية يوحنا ذهبي الفم لم تسمح بتحجيمه ضمن إطار المدرسة الأنطاكية وطريقتها التاريخية – الحرفية في التفسير. لقد تجاوزها إلى درجة أعتقد معها، شخصياً، أنه صار مدرسة متكاملة أفضل من المدرسة الأنطاكية والإسكندرية على حد سواء[1]. (د. عدنان طرابلسي).

 

نشأته وتتلمذه:

ولد القدّيس يوحنّا الذهبي الفم في مدينة أنطاكية العظمى في تاريخ لا نعرفه بالتحديد، يتراوح بين العامين 344 و354 للميلاد ولعله 347. كان أبواه من عليّة القوم. والده سكوندوس كان قائداً للجيش الشرقي في الإمبراطورية وكان وثنياً، وقد رقد بعد ولادة يوحنا بقليل. والدته أنتوزا هي التي حضنته وربّته للمسيح. كانت، في تقدير المؤرخين، زينة الأمهات المسيحيات الأنطاكيات، وفي مصاف الكبيرات كنونا أم القدّيس غريغوريوس اللاهوتي ومونيكا أم أوغسطينوس المغبوط.

حتى الفيلسوف الوثني ليبانيوس اعترف بقدرها وعظمة الأمهات المسيحيات مثيلاتها. ترملت وهي في سن العشرين، وأبت أن تتزوج من جديد مؤثرة الانصراف إلى حياة الفضيلة ومكتفية بتربية ابنها. وإلى جانب يوحنا يبدو أنه كانت لأنتوزا ابنة تكبر الصبي ببضع سنوات.

تتلمذ يوحنا في أنطاكية، وهو في الرابعة عشرة من عمره، للفيلسوف الأفلاطوني الجديد ليبانيوس، إلى سن الثامنة عشرة. أخذ عنه فنون الخطابة والآداب الإغريقية. ويبدو أن معلمه كان معجباً به لدرجة أنه قبل وفاته بقليل، سئل بمن يوصي معلماً بعد موته فأجاب: “بيوحنا لو لم يكن المسيحيون قد سرقوه مني!”.

 

معموديته ورهبنته:

اقتبل يوحنا المعمودية في سن متقدمة قد تكون الثامنة عشرة أو الثالثة والعشرين. ولم يكن سبب ذلك والدته ولا لأنه كان غير مؤمن بل لأن النظرة إلى المعمودية اختلفت يومها عما هي عندنا. والحق أن ممارسة المعمودية في سن الرشد كانت أكثر شيوعاً من معمودية الأطفال. السبب كان التوقير الشديد الذي أحاط به المؤمنون السر من حيث هو سر إعادة الولادة. وثمّ اعتقاد شعبي شاع يومها أن المعمودية المبكرة يمكن أن تكون سبباً في خسران صاحبها النعمة في الكبر.

وهذا ما يفسّر أن كثيرين كانوا يرجئون معموديتهم إلى وقت متأخر من حياتهم، وبعضهم، كقسطنطين الكبير، لم يعتمد إلا على فراش الموت. على أن يوحنا نفسه انتقد، فيما بعد، عادة المعمودية المتأخرة هذه وحث على معمودية الأطفال. ويفيد بالاديوس، صديق الذهبي الفم، عن يوحنا أنه بعد معموديته “لم يعرف القسم ولا افترى على أحد ولا تكلم زوراً ولا لعن ولا حتى سمح لنفسه بالمزاح”.

معمّده كان ملاتيوس الأنطاكي القدّيس، أسقف أنطاكية العظمى، الذي رأى فيه نجماً ساطعاً للكنيسة فاتخذه قندلفتاً ثم قارئاً بضع سنوات. أما يوحنا فكانت رغبة قلبه أن يترهّب، لاسيما بعدما التقى ديودوروس الراهب وتأثّر به. ولكن، حالت أنتوزا من ناحيتها والقدّيس ملاتيوس من ناحيته دون تحقيق يوحنا رغبة قلبه، ولو مؤقتاً، فأقام راهباً في بيته إلى أن توفيت والدته.

أما العلم الدنيوي الذي كان قد تعاطاه بلهفة ونهم كما لو كان أرقى ما تتشوّف إليه النفس فقد تخلّى عنه وتحوّل ضده متبعاً قول الرسول بولس القائل: “ما كان لي من ربح اعتبرته خسارة من أجل المسيح.. وأني أعتبر كل شيء نفاية لكي أربح المسيح ويكون لي فيه مقام” (فيليبي 8:3-9). نظرة القدّيس يوحنا إلى الإقبال بشغف على مثل هذا العلم أضحت أنه كالإقبال على الفجور حتى أنه تحدث عما أسماه “فجور التعلم”.

وحوّل يوحنا بيته إلى دير. انقطع عن العالم والعالميات وصار ناسكاً صارماً، لا يأكل إلا قليلاً. يستغرق في الأسهار والصلوات وحفظ الصمت. كان حريصاً على قمع شهوة البطن والغضب. ويبدو أنه اقتنى الصلاة النقيّة وهدوء الذهن ووداعة لا تتزعزع. معارفه اعتبروه انطوائياً كئيباً. فقط اثنان من التلامذة أقرانه شاركاه نزعته النسكية: مكسيموس، أسقف سلفكيا العتيد وثيودوروس مصيصة، بالإضافة إلى باسيليوس الذي صار، فيما بعد أسقف رفانية القريبة من أنطاكية. وهذا كان صنو نفسه.

 

أربع سنوات راهباً:

وبعدما توفيت أنتوزا، والدة يوحنا، انصرف إلى الجبال، جنوبي أنطاكية، حيث أمضى ست سنوات، راهباً ثم ناسكاً، في عهدة شيخ اسمه هزيخيوس. وقد وصف هو طريقة عيش الرهبان هناك، فقال أنهم يسكنون في قلالي أو أكواخ ويسلكون بحسب قانون مشترك، ولهم شيخهم، وأن ثيابهم خشنة من شعر الإبل أو الماعز يلبسونها فوق أقمصتهم الكتانية، وأنهم ينهضون صباحاً قبل الفجر.

ويبدأون يومهم بالتسابيح والصلوات المشتركة، ثم يتفرقون كل إلى عمله، بعضهم ليقرأ وبعضهم ليكتب وبعضهم ليعمل عملاً يدوياً يساعد به الفقراء أربع ساعات في اليوم كانت للصلاة والترتيل.

كان طعامهم الخبز والماء إلا في حالات المرض وكانوا ينامون على بسط من القش. كل شيء كان بينهم مشتركاً، وعبارات كهذه: “هذه لي وهذا لك” لم يكن لها موضع في حياتهم ومتى رقد أحدهم في الرب فلا نحيب عليه بل شكر لله. كان الأخوة يحملونه إلى القبر وهم يرتلون ويسبحون لأنه لم يمت بل كمّل طريقه وأهّل لمعاينة وجه السيد. كيف لا والحياة بالنسبة إليهم هي المسيح والموت ربح؟!

ومرت أربع سنوات على يوحنا في الحياة الرهبانية المشتركة توحّد بعدها في احدى المغاور. هناك تسنّى له أن يخوض غمار حرب ضروس لروحنة جسده. الشهادات التاريخية تفيد انه لم يكن يستلقي أبداَ. وكان متى شاء أن يرياح قليلاَ يعلّق نفسه من الكتفين بحبل ثبّته في سقف المغارة. وقته كان يقضيه في الصلاة و التأمل في الكتاب المقدس.

وقد كان مفرطاَ في نسكه لدرجة أنه بثأثير البرد والأصوام والأسهار أصيب في كليتيه ومعدته واضطر إلى مغادرة مغارته و النزول إلى انطاكية للعلاج, على أمل العودة إلى نسكه بعد حين.لكنه بتدبير من الله بقي في المدينة, لأن العطل في صحته كان دائماَ.

 

شماساً فكاهناً واعظاً:

سامه البطريرك ملاتيوس شماساً في العام 380 أو 381 للميلاد. فتسنى له على امتداد خمس سنوات قضاها في الشموسية أن يطلع بصورة عملية تفصيلية على حاجات الناس، كما خاض في خدمة الفقراء والمرضى.

وفي العام 386 م وضع فلافيانوس، أسقف أنطاكية الجديد، يده على يوحنا وجعله كاهناً. يومها ألقى الذهبي الفم أولى مواعظه في حضور الأسقف. وكان هذا حدثاً فريداً لأنه لم يكن شائعاً في الكنيسة أن يتعاطى الكهنة الوعظ، فالواعظ كان الأسقف.

وتجلى يوحنا، تجلّى كواعظ، كأهم وأبلغ وأخصب واعظ عرفته الكنيسة الجامعة المقدّسة على مدى الأيام. وفي أنطاكية، بصورة خاصة، أغنى القدّيس يوحنا المسكونة بمواعظه على امتداد اثني عشر عاماً. ولكن، أي مدينة كانت أنطاكية؟ كلمة عنها تنفعنا.

 

أنطاكية؟

أنطاكية هي إحدى المدن الأربع العظمى في الإمبراطورية الرومانية غير روما والقسطنطينية والإسكندرية. فيها التحم الفن بالطبيعة فجعلاها مقاماً ولا أبدع رغم كونها عرضة للفيضانات والزلازل. سخي عليها نهر العاصي بمياه نقيّة دفاقة ومنّت عليها الطبيعة ببحيرة واسعة. أحاطت بها التلال من كل صوب وامتدت سهولها غنيّة خصبة. كانت لها تجارة البحر، وقامت فيها أبنية جلل، هذه آسيوية الطراز وتلك إغريقية ورومانية.

والحدائق غنّاء والحمامات فخمة تنتشر في كل مكان. الشوارع تزدان بالأعمدة. ومن الشرق إلى الغرب شارع طوله أربعة أميال أعمدته ضخمة من هنا ومن هنا، من الصوّان الأحمر. ثم التماثيل والقناديل كانت من الكثرة بحيث جعلت ليل المدينة نهاراً. هنا أيضاً في ضاحية أنطاكية على نهر العاصي كانت غيضة دفني، وكانت غابة الغار والأس والسرو والشجيرات العطرة.

وكثرت في أنطاكية المدارس الجيدة والكنائس. الكنيسة التي اعتاد الذهبي الفم أن يعظ فيها كانت أعظمهن. أما السكان فكانوا من السوريين والإغريق واليهود والرومانيين. العنصر الآسيوي غلب، والسكان ناهزوا المئتي الألف عدداً، نصفهم من المسيحيين. الوثنية كانت بعد قوية ورموزها تملأ المكان وتطغى على النفوس.

وفي عظات الذهبي الفم صورة عن أحوال أهل أنطاكية وخصالهم وواقع الكنيسة فيهم. أبرز العيوب والرذائل كانت البخل والترف والفجور والتعلق الشديد بالمسرح والمباريات. كان القدّيس يشكو من أن الفساد بلغ في أيامه حداً أنه “لو أراد إنسان غريب أن يقارن بين أحكام الإنجيل وما يمارسه المجتمع لانتهى إلى أن الناس ليسوا هنا تلامذة المسيح بل أعداؤه”. كيف لا وإتباع الموضة كان القاعدة، والمتعة ما يسعى الناس إليه.

يكرمون فنون الترف فيما الفضائل والرصانة موضع استهزاء، وكذا خفر النسوة والوقار. قسم كبير من دخل المدينة كان يذهب لتمويل المباريات العامة والمسارح. هذه كانت شهوة أنطاكية ومجدها. بلى، كانت المدينة فردوساً مزدهراً، ولكن، فردوساً للخطيئة والفساد والانحلال أولاً.

وكانت الكنيسة في أنطاكية، يومها، قد خرجت حديثاً من صراعات وانقسامات دامت أكثر من ستين سنة. الهرطقات، ولاسيما الآريوسية، كانت ما تزال بعد تلوث الأجواء وإن همد أكثرها.

 

الواعظ:

هذه هي المدينة التي ألقى فيها الذهبي الفم أهم عظاته مصلحاً ومؤدباً، مشدداً ومعزياً. ميزته الأولى أنه ركّز على كيفية السلوك بحسب الإنجيل في الحياة اليومية: كيف نترجم الإنجيل إلى واقع شخصي واجتماعي في مدينة صاخبة مضروبة بالشهوات والفساد وتعاني من التفاوت بين طبقات الناس كأنطاكية. وهو إلى جانب كونه سيداً في الفصاحة والبلاغة وله معرفة بالكتاب المقدس لا تدانى، كان سيداً في نقل الإنجيل إلى الناس بلغة يفهمونها.

كلماته كانت تتدفق كمياه النهر تدفقاً، تلج القلوب عميقاً وترفع النفوس عالياً وتحرك في الأفئدة حب الفضيلة. كان يسبر غور الأسرار الإلهية ويفسّر الإيمان ويربط الكل بحياة الفضيلة، إحساناً وبراً واتضاعاً وتوبة ونخس قلب وثقة بالله ورحمته التي لا تحد. تسمية “الذهبي الفم” أطلقها عليه المتأخرون في القرن السادس للميلاد.

كان يجتذب المدينة بأسرها إلى عظاته. وكان الحماس يدب في النفوس إلى درجة أنهم كثيراً ما كانوا، عن وعي أو عن غير وعي، يستسلمون لعواصف من التصفيق. حتى عندما كان يأبى عليهم ذلك يصفقون. كان يعظ كل يوم أحد وفي الصوم الكبير وخلال الأسبوع مرتين أو أكثر، وأحياناً خمس مرات متتالية. وما كان ليأسر القلوب بمواهبه الخطابية وحسب بل، أولاً، بسيرة لا عيب فيها وقلب كبير وجرأة لا تخبو وعزم لا يلين.

ولكن، غريباً كان أمر أهل أنطاكية يومها! كان يعزّ عليهم أن يفوّتوا واحدة من عظاته ويتهللون. يقرّعهم ويقسو بشأن تعلقهم بالمسارح والمباريات وسباق العربات فيسكرون بكلماته ويصفقون. وما أن تنتهي العظة حتى يهرول الكثيرون منهم إلى المسارح والمدارج كأنما الكلام لا يعنيهم.

 

ملامحه وخصاله:

ولعل المرء يظن أن الذهبي الفم كان عملاقاً في القامة، جهوري الصوت، ذا مظهر مهيب، وما كان كذلك. كان قصير القامة، أصلع الرأس، نحيلاً، غائر الخدّين والعينين، عريض الجبين، أجعده، رمادي اللحية. صوته كان عذباً لكنه ضئيل.

لذلك كثيراً ما كان يدعو الناس إلى أخذ الأماكن الأمامية القريبة من المنبر. حركاته كانت تنقصها الرشاقة وكان يقول عن نفسه أنه “عنكبوتي”. كما كانت له هزالة الناسك وخفة مشيته. كان يكره الضجيج وخشخشة السلاح وتجميل الوجوه عند النساء والابتسامات المتكلفة عند الكهنة. أما صوته، ذاك الصوت الرفيع، فكان ينفجر رعداً أحياناً. 
الوعظ أيضا وأيضاً:

الوعظ بالنسبة للقديس يوحنا كان حاجة لذلك كان يتحدث عن “الجوع إلى الوعظ”، وأنه لا طاقة له على ترك المؤمنين يوماً واحداً دون تعزية من كنوز الكتاب المقدس، وأن للوعظ عليه أثراً علاجياً. “الوعظ شفاء لي. حالما أفتح فمي يزول تعبي”.

لم يكن يسجل مواعظه سلفاً. الكتّاب كانوا يلتقطونها. ويبدو أنه كان يراجعها أحياناً قبل نشرها. كانت تطول أحياناً مدة ساعتين. تناول كافة موضوعات الوعظ: الوعظ التفسيري (تفسير أسفار الكتاب المقدس) والوعظ العقائدي والوعظ الجدلي والتعليم المسيحي لمن يستعدون للمعمودية والعظات الرعائية والأخلاقية والعظات الليتورجية والعظات الرثائية وعظات المناسبات.

أبرز مواعظه الأحدى والعشرون الموعظة بشأن التماثيل وهي التي ألقاها في أنطاكية خلال الصوم الكبير من العام 387 للميلاد على أثر المحنة التي عصفت بالمدينة يومها. تلك حقبة خطيرة في تاريخ عاصمة المشرق. وقد لعب القدّيس يوحنا دوراً في تخطيها.

 

ماذا جرى يومها؟

محنة أنطاكية:
صدر عن الإرادة الإمبراطورية مرسوم يقضي بفرض ضريبة جديدة لصالح الجيش وكان الشعب مثقلاً بالضرائب والنفوس مهيأة للتظاهر والاحتجاج. فدخل بين الناس بعض مثيري الشغب وهيّجوهم فاندفعوا يحطمون كل ما يجدونه في طريقهم، إلى أن حطموا، في قاعة اللقاءات الكبرى، تماثيل كل من الإمبراطور ثيودوسيوس وزوجته فلاسيلا ووالده وولديه أركاديوس وهونوريوس، وجرّوها عبر الشوارع الموحلة. وكانت هذه جريمة يعاقب عليها القياصرة بالموت.

وتسارعت الأحداث. ففي غضون ساعات انتشر العسكر وتفرّق المتظاهرون وساد في المدينة صمت جنائزي. ألقى الجنود القبض على عدد من المشتبه بهم وبدأت الاستجوابات والمحاكمات، وأودع الكثيرون السجون. وبعث الحاكم برسول إلى القسطنطينية، على جناح السرعة، لتقديم تقرير عن الجريمة والعودة بقرار إمبراطوري في حق المدينة. ولحسن التدبير أن الثلوج أخّرت وصول الرسول بعضاً من الوقت.

في هذه الأثناء قام فلافيانوس، أسقف المدينة، وكان قد شاخ وبلغ الثمانين، إلى القسطنطينية مسترحماً.

وتمكن من الوصول إليها في الوقت المناسب، فيما نفّذ في أنطاكية حكم الإعدام بعدد ممن اعتبروا محرّضين على الفتنة واعتقل آخرون. وسيق عدد من وجهاء المدينة إلى غرف التعذيب بعدما صودرت ممتلكاتهم وشردت عائلاتهم وبات الناس في خوف ورعدة على أنفسهم وعلى أولادهم وممتلكاتهم، لا يعرفون من يشي بهم ولا متى تداهم منازلهم، فيما لجأ بعضهم إلى التلال المجاورة التي كثرت فيها قلالي الرهبان والمغاور، ونزل الرهبان بصورة عفوية إلى المدينة للدفاع عنها وعن الأبرياء فيها استعطافاً.

وجثمت خيمة الموت ثقيلة فوق أنطاكية أسابيع طويلة وكان الوقت وقت الصوم الكبير. الكل بانتظار خبر من القسطنطينية والقلوب بين مهابة ورجاء. قلة ظنّوا أن شفاعة أسقف المدينة ستثمر، فالرجل مسنّ والمسافة إلى القسطنطينية ثمانمئة كيلومتر، كيف يقطعها؟!.

ولزم يوحنا الصمت سبعة أيام فيما استمرت المداهمات والاعتقالات والاعدامات، ثم خرج إلى الناس بعظاته الإحدى والعشرين حول التماثيل. آخرها كان يوم الفصح بعدما وصل فلافيانوس إلى المدينة وقد نجح في مهمته.

لم يكن موضوع هذه العظات التماثيل بل رحمة الله وكيف أن هناك أموراً أصعب من الموت أو العبودية. شدّد يوحنا المؤمنين وثبتهم ونفخ فيهم روح القوة وعلّمهم كيف يقتبلون الموت، إذا كان لا بد منه، كما يقتبلون الحياة، وبالجرأة عينها. قال لهم أن الخوف علامة الخطيئة وأنهم لو لم يطلقوا العنان لرذائلهم لما حلّت بهم المصيبة. لو لم يتكالبوا على الغنى والترف ويتهالكوا على الشهوات ويستسلموا لكل عادة أثيمة لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه ولما استبد بهم الخوف من الإمبراطور. أوليس الإمبراطور إنساناً فلماذا نرتعد منه؟

ونزل النسّاك، كما ذكرنا، إلى شوارع المدينة وتدفقوا على الحاكمية يسالون الرأفة بالمدينة. وثمّ قصة عن ناسك مسن اسمه مقدونيوس لقب بآكل الشعير لأنه كان يكتفي من الطعام ببعض حبات الشعير كل يوم. هذا كان يسير في الشارع حافي القدمين، لا تغطي بدنه غير أثمال. فلما صادف المبعوثين الإمبراطوريين استوقفهما وقال لهما:” يا صديقيّ اذهبا إلى الإمبراطور وقولا له: “أنت قيصر لكنك إنسان أيضاً وتسود على كائنات من ذات طبيعتك!

الإنسان خلقه الله على صورته ومثاله فلا تأمر أنت بلا شفقة بتحطيم صورة الله لئلا تجلب غضب الله على نفسك. قولا له إنه سهل عليه أن يصنع تماثيل، لكنه كيف يصنع شعرة واحدة من إنسان حكم عليه بالموت؟!”.

وكان عبء هذه الأيام ثقيل جداً على يوحنا حتى بدا يومها وكأنه في الستين فيما لم يكن قد تجاوز الإحدى والأربعين. وما أن انتهت الأزمة حتى مرض مرضاً شديداً ولازم الفراش طويلاً. وبقي الذهبي الفم في أنطاكية بعد ذلك عشر سنوات مبشراً إلى أن انتقل أو نقلوه سراً إلى القسطنطينية.

 

إلى القسطنطينية:

ففي أواخر العام 397 للميلاد توفي القدّيس نكتاريوس (11 تشرين الأول) رئيس أساقفة القسطنطينية مخلفاً وراءه كرسياً يشتهي الكثيرون ملأه. أول هؤلاء كان رئيس أساقفة الاسكندرية، ثيوفيلوس، الذي طالما كان في صراع خفي وأسقف المدينة المتملكة.

هذا سارع إلى التحرك في كل اتجاه علّه ينجح في تنصيب أحد أعوانه، ايسيدوروس، فيتمكن من خلاله من وضع اليد على الكرسي القسطنطيني. ولكن حسابات اوتروبيوس الخصي، رئيس الوزراء القوي، كانت غير ذلك فأقنع الإمبراطور أركاديوس بإصدار مرسوم يقضي بتعيين يوحنا، كاهن أنطاكية، رئيس أساقفة على القسطنطينية.

طبعاً، صيت يوحنا قبل ذلك كان قد انتشر في كل أرجاء الإمبراطورية. ولكن، كانت هناك مشكلة صعبة: كيف يؤتى بيوحنا من أنطاكية؟ الأنطاكيون لن يرضوا بأن ينتزع منهم واعظهم الأول، وهو نفسه، يوحنا، راهب راهب، لا يحب السلطة فكيف يقنعونه بقبول المنصب الأول في الكنيسة في الشرق؟

لا بد من الحيلة! فبعث أوتربيوس برسالة إلى أستاريوس، حاكم سورية، أمره فيها باستدراج يوحنا سراً إلى خارج المدينة ثم نقله بمواكبة مشدّدة إلى القسطنطينية. وهكذا كان.

 

وارتسم سؤال: من يسم يوحنا؟

وأجاب أوتربيوس: ثيوفيلوس! فأحضر إليه فامتنع. فأخذ رئيس الوزراء ورقة وخط عليها بضعة أسطر ودفعها إلى أسقف الإسكندرية قائلاً: أما أن تسم يوحنا أو توجّه إليك الاتهامات المذكورة في هذه الورقة وتحال إلى المحاكمة. فشحب وجه ثيوفيلوس وسلّم بالأمر الواقع. وفي السادس والعشرين من شهر شباط من العام 398 للميلاد جلس يوحنا على عرش الكنيسة في القسطنطينية.

ذاك الذي كان يكره أن يكون في موقع السلطة بات الآن في سدة السلطة الأولى. ذاك الذي كان يكره الترف وجد نفسه محاطاً بمظاهر الفخامة وسكن في قصر بالقرب من القصر الملكي. ذاك الذي كان نصير الفقراء وراعيهم وجد نفسه محاطاً بالأغنياء وعلية القوم. فماذا كان يمكن أن تكون النتيجة؟ صراع مرير وسيرة استشهاد.

هذا ما كابده القدّيس يوحنا الذهبي الفم خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته كرئيس لأساقفة القسطنطينية.

 

بعض من أسقفيته:

طبعاً، الكل في المدينة كان، حال وصول الأسقف الجديد، في ترقّب، لاسيما المتنفذون من رجال الدولة والموظفين والأغنياء: أي نوع من الأساقفة يكون؟ أما هو فحالما تسلّم عصا الرعاية انطلق في مواعظه النارية فاستقطب جموعاً غفيرة أخذت تتقاطر عليه لتسمعه بغيرة وحماس.

ولم يطل به المقام حتى أخذ نهجه يتكّشف وبدأ الناس يتبيّنون أنه راهب جاء يلقي بظله الرهباني على القصر الأسقفي والمؤمنين أجمعين. المتنفذون والأغنياء، لاسيما جماعة القصر الملكي، كان عادياً في التعاطي معهم ولم يبد أية علامة من علامات التذلل والإكرام الزائد لهم.

ثم أنه ما لبث أن حمل على حياة البذخ والترف وتقوى الأغنياء المصطنعة المرائية. من جهته هو، التزم خط الفقر الإنجيلي وأخذ يزيل معالم الترف من المقر الأسقفي. يقال في هذا الشأن أنه أفرغ داره من الأثاث الثمين والأواني الفضية وباع الأعمدة المرمرية التي كان سلفه، نكتاريوس، قد اشتراها ليزيّن بها إحدى الكنائس المهمة في المدينة وحوّل الأموال المجتمعة لبناء المستشفيات ومضافات الغرباء والتوزيع على الفقراء.

شخصياً، لم يكن عنده شيء. أزال عادة إقامة المآدب الرسمية في مقره ولم يعد يقبل أية دعوة بهذا المعنى، كائناً من كان الداعي، للأجواء الموبوءة التي كانت تسود مثل هذه الموائد لجهة المسايرات واللياقات والأحاديث الدنيوية ومظاهر البذخ مما لم تكن مقاييسه للأمور لتسمح له به.

كان يتناول وجباته منفرداً ويكتفي من الطعام والشراب بالقليل يسند به جسده الضعيف المريض. في مقابل ذلك كان كريماً جوّاداً حيال الفقراء والمحتاجين، يهتم بالمرضى والمساجين ويعزّي قلوب المضنوكين والمسحوقين. ولكي يحوّل أنظار الشعب عن الألعاب والمباريات والمسارح وما إليها من تسليات مفسدة للنفس، اعتاد أن ينظم من وقت إلى آخر مسيرات صلوات وترتيل تجوب المدينة من الصباح إلى المساء، ويقيم السهرانات ويدعو الناس إلى حلاوات الصلاة في هدأة الليل.

إلى ذلك بدأ حملة لإصلاح ما اعوّج من أوضاع الكهنة. ويشير التاريخ بصورة خاصة، في هذا الشأن، إلى عادة يبدو أنها كانت مستشرية في أيام الذهبي الفم وكانت عثرة للكثيرين: مساكنة الكهنة العازيين للأرامل والعذارى المكرسات.

هذه الممارسة أزالها القديس يوحنا تماماً. كما أشار على الأغنياء أن يكّفوا عن الإغداق على الكهنة لأنه رأى البذخ الذي كانوا يعيشون فيه. ولم يوفر الأساقفة، خوفاً منهم، بل ألزمهم بتقديم تقارير مالية بنفقاتهم.

وكان طبيعياً أن تؤدي عظاته وإجراءاته إلى تباين المواقف بشأنه. والحق أن الناس انقسموا فريقين: واحداً تحمّس له وآخر تحمّس ضده. المتضرّرون من التدابير الجديدة والذين لم ترق لهم مواعظه المتشدّدة كانوا كثيرين: أساقفة وكهنة وكثيراً من أبناء المجتمع المخملي، والمتنفذين وسيدات القصر المتأنقات المتحذلقات.

كل هؤلاء أخذوا يلفقون ويشيعون أخباراً ضده، أنه غير سوي وشاذ ومتكبر وأن انكفاءه وعزلته، يوماً بعد يوم، إن هي سوى للعربدة والمجون وإشباع النهم إلى المآكل الفاخرة المميّزة.

 

القصر: علاقة صعبة

ويبدو أن علاقة قديسنا بالقصر الملكي، لاسيما بالإمبراطورة أفدوكسيا، كانت حسنة في أول الأمر، كما كان له بعض التأثير على الإمبراطور أركاديوس نفسه. ولكن، ما لبثت العلاقة أن فترت وساءت لأن أفدوكسيا كانت إنسان طموحات وشهوات، وقد تبيّن بعد حين أنها ترمي إلى أبعد من الحكم، إلى نوع من التأليه على طريقة الأباطرة الرومان، وطلب العبادة. وقد عبّر الذهبي الفم عن عدم ثبات علاقتها به بقوله: “تارة تعتبرني ثالث عشر الرسل وتارة تنعتني بيهوذا”.

ويبدو كذلك أنها كانت تخشى من تأثيره على زوجها وكانت حانقة عليه لتشدده في الكلام على الترف والفسق والرذيلة. كل ذلك ما لبث أن جعلها في صف أعداء يوحنا، وجعل المتضرّرين من تدابيره يسعون إلى إيغار صدرها عليه. ولكن، لم تكن الفرصة قد حانت للإيقاع به والتخلص منه.

 

حسّاد وأعداء:

وكان يتربص بيوحنا عدو لدود آخر هو أسقف الإسكندرية، ثيوفيلوس. هذا كان رجلاً من أبناء هذا الدهر، ذكياً لبقاً متآمراً خبيراً في شؤون التعاطي مع الكبار والمتنفذين.

ومع ذلك استمر يوحنا قوياً واستمر صوت الكلمة يرتفع عالياً وتدابيره الإصلاحية طالما لم يرتكب زلة يأخذها أعداؤه عليه. غير أن أموراً حدثت بين العامين 401 403 للميلاد رفعت درجة التوتر ضدّه. فخلال شهر كانون الثاني من العام 401 للميلاد وبعد دعوات متكّررة وجهها إليه اكليروس مدينة أفسس وأساقفة الجوار، خرج الذهبي الفم من كرسيه في جولة دامت ثلاثة أشهر إلى آسيا الصغرى. وقد كلّف صديقاً له، سويريانوس، أسقف جبلة السورية، بتصريف الأعمال في غيابه.

فأما جولته فتمخضت عن مجمع عقده في آسيا الصغرى اتخذ قراراً بعزل ستة أساقفة اتهموا بالسيمونية، أي بالوصول إلى سدّة الأسقفية بالرشوة. وثمة من يلقي بظلال الشك على حق يوحنا في عقد مجمع كهذا خارج حدود أبرشيته. هذه كانت ذريعة جعلت أعداءه يتحركون ضدّه بقوة أكبر. من جهة أخرى تبيّن أن سويريانوس، الأسقف وكيل يوحنا، استغل الفرصة وانقلب على صاحبه واتصل بأعدائه.

ولما عاد الذهبي الفم إلى كرسيّه كانت الأجواء مشحونة ضده.

 

الحملة ضده:

ثم إن قديسنا، في العام نفسه، 401 للميلاد، واجه مشكلة جديدة هي مشكلة “الأخوة الأربعة الطوال” الذين كانوا رهباناً مصريين على مذهب أوريجنوس طردهم ثيوفيلوس الإسكندري مع ثلاثمئة من أتباعهم. هؤلاء لجأوا إلى القسطنطينية واستجاروا بأسقفها.

وقد أحسّ القديس يوحنا بأن المسألة ظلماً فبعث برسالة إلى أسقف الإسكندرية يلتمس منه فيها، وبلهجة تكاد تقرب من التوسل، أن يحلًّ القضية بالحسنى قبل أن تصل إلى القصر. فاعتبر ثيوفيلوس أن هذا تدخل سافر من قبل يوحنا في شؤون لا تعنيه وأنه يأخذ جانب الهراطقة.

وحضر ثيوفيلوس إلى القسطنطينية خلال شهر آب من العام 403 للميلاد وتحرك بسرعة لدى الملكة أفدوكسيا والجماعات الموتورة من أعداء يوحنا. وقد تمكن من عقد مجمع في ضاحية من ضواحي مدينة خلقيدونيا، في قصر السنديانة، هو وستة وثلاثون أسقفاً، تسعة وعشرون منهم حملهم معه من مصر.

وقرار المجمع كان عزل يوحنا عن منصبه، كأسقف على القسطنطينية، بناء للائحة اتهامية تضمنت تسعة وعشرين تهمة، تراوحت بين التعرض للملكة بالقدح والذم والتدخل في شؤون أبرشيات أخرى والعادات الصحية المشبوهة التي كانت له كالأكل على انفراد واستعمال الملبّس المحشو بالعسل مباشرة بعد تناول القدسات الإلهية!

موقف يوحنا حيال هذا المجمع كان هادئاً. رفض قراراته وطالب بمجمع عام. ولكن لما رأى أن أركاديوس وقّع عليه وأمر بنفي يوحنا لزم الصمت وسلّم بالأمر الواقع.


يوم لك ويوم عليك:

ولكن، حدث ما لم يكن في الحسبان فإن زلزالاً هزّ المدينة في اليوم التالي جعل الإمبراطورة أفدوكسيا تشعر بأن الله غاضب عليها فأقنعت زوجها الإمبراطور، للحال، باستعادة يوحنا والتمست منه المغفرة.

وعاد يوحنا إلى كرسيه ولكن لفترة شهرين وحسب لأن الإمبراطورة أقامت لنفسها تمثالاً فضياً على عمود الرخام السمّاقي في مقابل كنيسة الحكمة المقدسة (آجيا صوفيا). وقد أثار الحدث حفيظة يوحنا لاسيما للاحتفالات والصخب الذي رافقه.

ففي عيد استشهاد القديس يوحنا المعمدان، رفع صوته وقال:”ها هي هيروديا ترقص من جديد وتسخط من جديد، ومن جديد تطلب رأس يوحنا”. وطبعاً حمل جواسيس أقواله إلى الملكة فساءها الأمر جداً وعزمت على التخلص منه نهائياً.

ومن جديد، صدر مرسوم ملكي يقضي بتجريد الذهبي الفم من سلطاته، فرفض الانصياع. قال: “تلقيت سلطتي في الكنيسة من الله ولا أتركها…”. وفي يوم الفصح، السادس عشر من نيسان عام 404 للميلاد، هاجم أربعمئة من النشّابة جموع المؤمنين الملتفين حول القديس يوحنا فلّوثوا الكنائس ونهبوها وضربوا الكهنة وطردوا الموعوظين الذين كانوا ينتظرون دورهم في المعمودية، وفرّقوهم نصف عراة في الشوارع، رجالاً ونساء.

في تلك الفترة تعرّض الذهبي الفم لمحاولتي اغتيال نجا منهما بأعجوبة. ولما لم يرد قديسنا أن يعرّض الشعب المؤمن للمهانة وخطر الموت أكثر من ذلك قرّر تسليم نفسه. فودّع خاصته وخرج من الباب الشرقي للكاتدرائية فيما كانت الجموع تنتظره عند الباب الغربي وأسلم نفسه للعسكر. هذه المرة ودّعهم بلا رجعة. ودّعهم وارتحل إلى الشهادة فالموت.

وقد عبّر الذهبي الفم، فيما بعد، في رسالة وجهها إلى أسقف اسمه كيرياكوس، عن موقفه الداخلي العميق حيال نفيه الأول والثاني فقال: “عندما أخرجوني من المدينة لم أكن قلقاً بل قلت لنفسي: إذا كانت الإمبراطورة ترغب في نفيي فلتفعل، للرب الأرض بكمالها. إذا كنت ترغب في تقطيعي إرباً فحسبي أشعياء مثلاً. إذا كانت ترغب في رميي في المحيط فلي يونان. إذا ألقيت في النار فالفتية الثلاثة لاقوا المصير عينه.

ولو ألقيت للوحوش ذكرت دانيال في جب الأسد. إذا كانت ترغب في رجمي بالحجارة فاستفانوس، اول الشهداء ماثل أمام عيني. عرياناً خرجت من بطن أمي وعرياناً أترك هذا العالم. وبولس الرسول يذكرني: لو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبداً للمسيح”.

وخرج إلى المنفى:

بهذا الشعور خرج القديس يوحنا إلى المنفى. جرّوه جلادوه حتى الموت ثلاث سنوات وثلاثة أشهر باتجاه الحدود بين كيليكيا وأرمينيا، على قرية منعزلة اسمها كوكوزا ومن ثم نحو كومانا في بلاد البنطس. عانى من الحر وعانى من البرد. عانى من المرض وعانى من الإرهاق.

في خوف من اللصوص وخوف من الأعداء. كم من مرة بلغ حدّ القبر ثم عاد. مرات ومرات استبدت به آلام الرأس وكابد الحمى. وهذا كله حمله في جسد ضعيف معطوب. وما كان أطيب على قلوب الجنود، مواكبيه، من أن يسقط صريعاً على الطريق هنا أو هناك. هذا كان عجّل في إتمامهم المهمة الموكولة إليهم وحصولهم على المكافآت والترقيات.

ومع ذلك، ومن وسط المعاناة، ازداد قديسنا ثباتاً وتسليماً ورقة وإحساسا. أكثر الرسائل المئتين والاثنتين والأربعين المنسوبة إليه كتبها في تلك الفترة من حياته. وهذه وجهها إلى أساقفة في الشرق والغرب وإلى كهنة وشمامسة وشماسات ورهبان ومرسلين.

وقد ضمنها وصفاً لأتعابه، ونصحاً لأصحابها في موضوعات شتى، كما شدّد وعزّى خراف الحظيرة وأوعز بضرورة دكّ المعابد الوثنية في فينيقيا واستئصال الهرطقة من قبرص، وحث على إيفاد المبشرين إلى بلاد الفرس وسكيثيا. رسالتان وجههما إلى أسقف رومية، وسبع عشرة إلى أوليمبيا الشماسة التي كان يكنّ لها محبة وتقديراً كبيرين.

المجد لله على كل شيء:

وقد بدا لبعض الوقت أنه كان للذهبي الفم في المنفي دور وتأثير في أمور الكنيسة أكبر مما كان له وهو في كرسيه في القسطنطينية. فتنبّه المسؤلون في العاصمة المتملكة إلى خطورة الأمر، والحال هذه، فبعثوا بتوجيهاتهم إلى الجنود المرافقين ليوحنا أن يمنعوا عنه الرسائل ويزيدوا تضييقهم عليه. تلك كانت المرحلة الأخيرة من رحلة استشهاده. فقد أرهقه معذّبوه إلى درجة لم يعد بإمكانه تحملها.

وفي موضع قريب من كومانا في بلاد البنطس ظهر له في الحلم قديس شهيد اسمه باسيليكوس كان موارى هناك وقال له: “تشدّد يا أخي فغداً نلتقي!”. وفي صباح اليوم التالي طلب ثياباً بيضاء واشترك في سر الشكر ثم أسلم الروح. كلماته الأخيرة كانت: ” المجد لله على كل شيء!”. كان ذلك في الرابع عشر من شهر أيلول من العام 407 للميلاد، وكان قد أتم الستين من عمره والعاشرة من أسقفيته.

إكرام المؤمنين للذهبي الفم كقديس بدأ حتى في حياته. وقد جرى نقل رفاته إلى القسطنطينية بعد إحدى وثلاثين سنة من رقاده، في السابع والعشرين من شهر كانون الثاني من العام 438 للميلاد.

 

جمجمة القديس يوحنا الذهبي الفم ويده اليمنى

توجد في الجبل المقدس آثوس رفات من جسد القديس يوحنا الذهبي الفم، جمجمته التي تُحفظ في دير الفاتوبيذي Βατοπαίδι، ويده اليمنى في دير فيلوثيو Φιλοθέου، وهي تُحفظ وتُكرَّم ككنزٍ مفيضٍ نعماً وبركات.

في جمجمة القديس، لا تزال أذنه باقية غير منحلّة رغم مرور القرون الستة عشر على رقاده. يروى أنها الأذن التي بها سمع القديس الكلمات الإلهية، كما شهد تلميذه بروكلوس الذي رأى بولس الرسول يلقنه فيها تفسير تعاليمه ورسائله.

يد القديس اليمنى حُفظت بنعمة الله غير منحلّة، هذه اليد التي طالما بارك بها القديس رعيته وأغنامه الناطقة، ولكن أيضاً مضطهديه في طريقه إلى المنفى: “أيها الآب القدوس اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون”

في حياته كان القديس يعي قدسيّة يد الكاهن التي تتمم الأسرار الإلهية فيقول في مقالته “الكاهن والكهنوت“: “الآب والابن والروح القدس يتممّون تجميع الأسرار في الكنيسة، أما الكاهن فيعير يده الله لاتمام هذه الأسرار”.

 القديس بولس الرسول والقديس يوحنا الذهبي الفم

كان القديس يوحنا الذهبي الفهم معروفًا بقدرته على تفسير الكتاب المقدس. وكان مُعجبًا كلّ الإعجاب ببولس الرسول، ففسّر رسائله. ولكي يتأكّد من صحّة تفسير الرسائل سأل الربّ أن يعطيه علامة. في ذلك الزمن، تمرّد على الأمبراطور أركاديوس رجل من النبلاء. فاستولى الإمبراطور على ممتلكات الرجل، وهدّده بالإعدام. فشعر الرجل النبيل باليأس، وقرّر أن يستنجد بالقدّيس يوحنا.

فلمّا وصل إلى الصرح البطريكيّ، لم يستطع القدّيس بوحنا أن يقابله حالاً، وطلب منه أن يعود إليه في المساء. وقال القديس يوحنا لأحد الكهنة المعاونين، واسمه بروكلوس، وقد خلف القديس يوحنا لاحقًا كبطريرك القسطنطينيّة، أن يدلّ الرجل على مكان غرفته عند وصوله. فعاد الرجل النبيل وذهب بروكلوس إلى البطريرك ليعلن له قدوم الزائر. 

كان باب الغرفة مغلقًا، وسمع بروكلوس أصوات نقاش، فنظر من ثقب الباب. كان القديس يوحنا جالسًا يكتب، ورجلٌ أصلع محدودب قليلاً، واقف خلف كتفه ينظر ويكلّم القديس. فعاد بروكلوس إلى الرجل النبيل وقال له إنّ البطريرك في اجتماع. وتكرّر ذلك مراراً، فكان بروكلوس يعود في كلّ مرّة إلى غرفة البطريرك في تلك الليلة، وما زال الرجل يكلّم القديس يوحنا. فانتظر الرجل الشريف الليل بطوله من دون جدوى.

وفي الصباح، عاد الرجل النبيل إلى دار البطريركيّة، نظرًا لأهمّيّة الموضوع، ضرورة مقابلة البطريرك. فذهب بروكلوس لإعلام البطريرك وشاهد الرجل ذاته في الغرفة. بدا يوحنّا مأخوذًا بكلام الرجل. واستغرب بروكلوس كيف دخل ذلك الرجل من غير أن يعبر به. 

وعاد الرجل النبيل للمرّة الرابعة، فأكّد له بروكلوس أنّ البطريرك ليس عنده أحد، وأنّه لم يدع أحدًا يدخل عليه من دون علمه. فلما وصل إلى غرفة البطريرك، انصدم لرؤية الزائر الغريب. فعاد إلى الرجل النبيل وقال له أن يعود أدراجه لاستحالة مقابلة البطريرك.

في ذلك اليوم ، تذكر القديس يوحنا الرجل النبيل واستفسر عنه. فأخبره بروكلوس أن الرجل قد جاء ثلاث مرات، ولكن في كلّ مرة كان البطريرك مشغولا بالتحدث إلى الرجل نفسه. سأل القديس يوحنا بروكلوس عمّن رأى في الغرفة. أجاب بروكلوس أنه يشبه الرسول بولس، الذي إيقونته على مكتب القديس.  حينئذ أدرك القديس يوحنا بفرح أنّ هذه هي العلامة التي طلبها إلى الله فيما يتعلق بتفسيراته لرسائل بولس.

وبعد مقابلته الرجل النبيل، وافق البطيرك على التوسّط بينه وبين الإمبراطور، فتصالح الرجلان في وقت قصير، واستعاد الرجل أملاكه. إنّ جمجمة القدّيس يوحنا الذهبي الفم المباركة فيها أذُن غير بالية، بقيت كما هي، فيما انحلّت الأذن الأخرى تمامًا حسب الطبيعة.

 

[1] راجع قصة حياة القديس ذهبي الفم في الدراسة الكتابية الثانية (د. عدنان طرابلسي) في شرح إنجيل متى للذهبي الفم، الجزء الثاني، وفي كتاب السنسكار (الجزء الأول) لقدس الأب توما (ص 379)، وكتاب فيرجيل جورجيو (منشورات السائح)، وكتاب القديس يوحنا ذهبي للأب الياس كويتر.

من هو القديس يوحنا ذهبي الفم، ولماذا لقب بهذا اللقب، وما هو دوره وأهميته في الكنيسة الأرثوذكسية؟

Exit mobile version