تعليم الخطية الجدية في كتابات آباء الكنيسة الجامعة – د. أنطون جرجس

تعليم الخطية الجدية في كتابات آباء الكنيسة الجامعة – د. أنطون جرجس

تعليم الخطية الجدية في كتابات آباء الكنيسة الجامعة – د. أنطون جرجس

 

تجميعة لآراء أهم الأساتذة والباحثين اللاهوتيين في العالم حول تعليم وراثة الخطية الجدية أو الأصلية بين اللاهوت اليوناني الشرقي واللاهوت اللاتيني الغربي من مختلف المذاهب والكنائس والطوائف والمدارس اللاهوتية على مستوى العالم.

سأستعرض رأي واحد من أهم شراح تاريخ العقيدة في العالم وهو جوزيف تكسرون (ﻻهوتي كاثوليكي) في كتابه “تاريخ العقائد” في اختلاف وجهة نظر آباء الشرق عن المفهوم اﻷوغسطيني في موضوع “وراثة الخطية اﻷصلية أو الجدية”، حيث يقول:

“من ناحية أخرى، أكد مجمع أفسس في خطابه إلى البابا كليستينوس على الحرمان الذي أصدره زوسيموس ضد البيلاجيين (epist. XX,3, 6, PL., L, 518, 522) وتبين هاتان الحقيقتان إن الشرقيين – منذ مجمع ديوبوليس- قد انتبهوا بعض الشيء إلى تلك المسألة، ولكننا بالرغم من ذلك، سنرى حاﻻً إنهم في العموم كانوا بعيدين جدًا عن المشاركة في آراء ق. أوغسطينوس” (History of dogmas vol.3 p198-199). هنا يؤكد جوزيف تكسرون على اختلاف اللاهوت الشرقي عن الغربي في موضوع “وراثة الخطية الجدية” يعني الموضوع محسوم في اﻷوساط اﻷكاديمية وليس إدعاءات النيوباترستيك neo-patristics بحسب إدعاء البعض.

 

يستكمل جوزيف تكسرون قائلاً:

“ينطوي السقوط في النظرية اﻷوغسطينية واللاتينية عن الخطية اﻷصلية على مرحلتين ودرجتين، أو بكلمات أخرى، سقوطين مختلفين. حيث لم يرث أبناء آدم ببساطة المأسي المادية (الموت واﻷلم …إلخ) والمأسي اﻷخلاقية (الجهل والشهوة) التي هي عقوبات الخطية، بل يرثون الخطية نفسها: إنهم مولودون خطاةً، ﻷنه بالنسبة لهم، ﻻ يوجد سقوط فقط، بل ذنب أيضًا” (Ibid, p2oo). هنا يؤكد جوزيف تكسرون أن أوغسطينوس واللاتين يؤمنون بوراثة الخطية نفسها، يعني يؤمنون بوراثة الذنب الشخصي ﻵدم.

يتحدث جوزيف تكسرون عن اللاهوتيين اليونانيين قائلاً:

“ثم بناءً على هذه النقطة، ﻻ توجد أية صعوبة، بل إن نفس اللاهوتيين (اليونانيين) الذين يؤكدون بكل وضوح أننا نقاسي عقوبة خطية آدم، هم أقل تأكيدًا إلى حد بعيد جدًا في التشديد على أننا نرث تلك الخطية عينها” Ibid, p201 وهنا يؤكد جوزيف تكسرون أن اﻵباء اليونانيين ﻻ يؤمنون بوراثة الخطية اﻷصلية كما شدّدنا كثيرًا على ذلك، وليس كما يدّعي البعض. 

يتحدث جوزيف تكسرون عن الكُتاب اﻷنطاكيين قائلاً:

“الكُتاب اﻷنطاكيون -على وجه الخصوص- الذين كانوا مشغولين جدًا بدعم وتأييد حقوق وسلامة الطبيعة البشرية، ﻻبد أنهم قد شعروا بالنفور أكثر من تبني وجهة النظر اﻷوغسطينية” Ibid, p201 هنا يؤكد جوزيف تكسرون على أن اللاهوتيين اﻷنطاكيين قاوموا وعارضوا المفهوم اﻷوغسطيني حول “وراثة الخطية اﻷصلية” ويعتقد البعض أن المدرسة اﻷنطاكية كانت تؤمن بوراثة الخطية اﻷصلية كما شرحها أوغسطينوس، وهذا للأسف عكس منهجية تلك المدرسة في التشديد على عدم وراثة الخطية الأصلية.

يتحدث لويس بيركهوف (لاهوتي بروتستانتي) عن مفهوم الآباء اليونانيين للخطية الأصلية كالتالي:

“لقد تأثرت نظرتهم للخطية أولاً – على وجه التحديد- كثيرًا وبشكل واسع بمعارضتهم ومقاومتهم للغنوصية وتأكيدها على الحتمية المادية للشر؛ وإنكارها لحرية الإرادة. لقد ركزوا على حقيقة أن خلق آدم على صورة الله لم يؤثر في كماله الأخلاقي، بل في الكمال الأخلاقي لطبيعته فقط. يستطيع آدم أن يخطئ، ولقد فعل الخطية، وهكذا صار تحت سلطان إبليس؛ والموت؛ والفساد الشرير. لقد انتقل هذا الفساد المادي في الجنس البشري، ولكنه ليس الخطية نفسها، ولم يؤثر في الجنس البشري بالذنب.

لا يوجد أي خطية أصلية بالمعنى الدقيق للكلمة.  لم ينكروا اشتراك وتضامن الجنس البشري؛ بل اعترفوا بارتباطه المادي مع آدم. ويتعلق هذا الارتباط بالرغم من ذلك بالطبيعة المادية والحسية فقط؛ التي تنتقل بالولادة من الأب إلى الابن، ولا يتعلق بالجانب الأسمى والعاقل للطبيعة البشرية؛ الذي يكون في كل حالة هو خلق مباشر من الله. لم تمارس (الطبيعة) أي تأثير مباشر على الإرادة؛ بل تؤثر فقط على تلك (الإرادة) بشكل متوسط من خلال العقل، تنبع الخطية دائمًا من الاختيار الحر للإنسان؛ ونتيجة للضعف والجهل. وبالتبعية؛ لا يمكن اعتبار الأطفال مذنبين؛ لأنهم قد ورثوا فقط الفساد المادي” The History of christian doctrines – Anthropology of the Greek fathers

لويس بيركهوف هو من أهم شراح تاريخ العقيدة ويؤكد بكل حيادية وموضوعية أنه لا يوجد ما يسمى بـ ” وراثة الخطية الأصلية” عند الآباء اليونانيين؛ وهو لاهوتي بروتستانتي وليس نيوباترستيك.

كما يتحدث عالم الآبائيات جوهانس كواستن (لاهوتي كاثوليكي) عن مفهوم الخطية الأصلية عند ق. يوحنا ذهبي الفم، موضحًا الاختلاف الشديد بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس في مفهوم وراثة الخطية الأصلية كالتالي:

“يشير ق. ذهبي الفم بالتفصيل في عظته” إلى المعمدين الجدد” (Ad neophytos) التي أعاد هايداشر اكتشافها إلى مفاعيل المعمودية قائلاً: “وبالتالي هل نعمد أيضًا الأطفال الصغار، بالرغم من أنهم ليس لديهم خطايا (άμαρτήματα)”. وقد استخلص يوليانوس أسقف إكلانوم البيلاجي أن ق. ذهبي الفم قد أنكر الخطية الأصلية، ويرد ق. أوغسطينوس في (Contra Julianaum 1, 22) أن كلا من الجمع “خطايا” والسياق يثبتان أن ق. ذهبي الفم قد قصد الخطايا الشخصية (propria peccata) ويدعم حجته بثمان اقتباسات إضافية من أعمال أخرى للقديس يوحنا ذهبي الفم ليوضح بأنه قد علّم بوضوح بوجود الخطية الأصلية. ومع ذلك، ففي كل هذه الفقرات، لا يتطابق مفهوم ق. يوحنا ذهبي الفم تمامًا مع أفكار ومصطلحات ق. أوغسطينوس*.

وبالرغم من أن ق. ذهبي الفم يؤكد مرارًا وتكرارًا أن نتائج وعواقب خطية آدم لم تؤثر فقط على والدينا الأولين، ولكن أيضًا على نسلهما، إلا أنه لم يذكر صراحةً أن ذريتهم قد ورثوا الخطية نفسها*، وأنها قد أصبحت موروثة في طبيعتهم*. وهو يعلق على (رو٥: ١٩) على سبيل المثال قائلاً:

“ما هي المشكلة؟ هي القول إنه بمعصية واحد جُعل كثيرون خطاة. لأن المبدأ أنه حينما أخطأ (آدم) وأصبح فانيًا، فهؤلاء الذين من نسله يجب أن يكونوا كذلك، ليس شيئًا غريبًا. ولكن كيف يكون أنه بمعصيته (آدم) يصبح آخر (المسيح) خطية؟ لأنه في هذه الحالة، لا يستحق كهذا عقابًا، لأنه لم يصبح خاطئًا من نفسه. إذًا، ماذا تعني هنا كلمة “خطاة”؟ بالنسبة لي يبدو أنها تعني خاضعًا لحكم الدينونة ومحكومًا عليه بالموت”

(Hom. 10 in Rom. 1. 2. 4, LFC).”

جواهانس كواستن، علم الآبائيات “باترولوجي” مج ٣، ترجمة: الراهب غريغوريس البراموسي ود. نادر مدحت، مراجعة: د

جوزيف موريس ود. عماد موريس، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي)، ص ٦٢٣، ٦٢٤.

 

نستعرض رأي أدولف فون هارناك Harnack (لاهوتي بروتستانتي) وهو أحد شراح العقيدة المسيحية المعتبرين في العالم حيث يشرح المفهوم الأوغسطيني عن “وراثة الخطية الأصلية” كالتالي:

“رُسم تعليم الخطية والسقوط والحالة الأولى من وجهة نظر النعمة الحرة والمسبقة، إنه يتبع تعليم النعمة؛ حيث أن الخطية تصف الجنس البشري كما هم موجودون حاليًا. تعلن الخطية عن نفسها بالأساس كوجود من دون الله (إنعدام وجود الله Carentia dei) نقص إرادي في القدرة على الوجود والكينونة، والفشل في امتلاك معية الله أي إنعدام الخير (Privatio boni)؛ وتمثل الخطية عدم ملازمة الله، وبالتالي يكون بالحقيقة المفهمومان – المفهوم الميتافزيقي أن الخطية هي نقص الكينونة، والمفهوم الآخر الأخلاقي الذي هو نقص الصلاح- متطابقين كما نفكر فيهما؛ تمامًا كما عند فحص النعمة يتألف ويتفق دائمًا العنصران الميتافزيقي والأخلاقي الديني (أي إيجاد الوجود من العدم).

تلك الخطية هي حالة: حيث تعجز الحتمية البائسة الرديئة عن الامتناع عن ممارسة الخطية. الحرية بمعنى “حرية الاختيار” لم تتلاشى تمامًا؛ بل الحرية التي مازالت موجودة دائمًا ما تقود إلى الخطية؛ وتلك الحالة هي الأكثر رهبةً وبغضةً بالتمام. حيث توجد معرفة محددة بالخير، بل وحتى رغبة ضعيفة له؛ ولكنها مستسلمة دائمًا. (نجد عند أوغسطينوس مسألتين هما: أن الخاطئ لا يريد الصلاح؛ وإنه مازال تحت تأثير حافز أعمى يسعى نحو النعم والبركات، بل وحتى نحو الخير، ولكن من دون الحصول عليهم أبدًا).

الشيء الإيجابي، مع ذلك، أن حالة الخطية تعلن عن نفسها إنها بمثابة سلطان إبليس على البشر من خلال الكبرياء (الكبرياء هو الميل إلى اللاكينونة والعدم وهو دائمًا في نفس الوقت السعي نحو الاستقلالية والانفصال؛ ويعتبر شيئًا خاطئًا؛ وينتهي بلا نتيجة) والشهوة (الكبرياء هو شهوة النفس، بينما الشهوة هي بالأساس شهوة الجسد التي تسود على النفس؛ والتطور الداخلي للخطية من انعدام الخير إلى الجهل والشهوة والإثم والحزن والخوف واختيار الموت “أنظر الانخيريديون : ٢٣” وما كان يعتبره أوغسطينوس كثيرًا في الخطية هو المرض والجرح).

ينتج من هذا الأساس إنه ينبغي خلاص الإنسان من الخارج بحيث يمكن مساعدته (عمل مسيح التاريخ هو بالأساس الخلاص من سلطان إبليس). الكبرياء هو فيما يتعلق بالله، وتبين الشهوة أن الإنسان خاطئ نفسًا وجسدًا؛ ومازال التأكيد إلى الآن يقع على الشهوة (يدخل هنا العنصر الجامع الشائع والمنتشر؛ ومازال يبرزه أوغسطينوس بالأكثر على الرغم من ذلك كما جاء في الانخيريديون: ١١٧).

إنها الرغبة الدنيئة والشهوة الحسية التي تعلن عن نفسها فوق كل شيء في شهوة الجسد. تعلّمنا الحركة الجنسية المعتمدة على الإرادة أن الطبيعة فاسدة، ولكنها لم تصبح رذيلةً أو فسادًا؛ بل فاسدة natura vitiata. المقالات المنفرة جدًا عن الزواج والشهوة في الكتابات الجدلية ضد يوليان؛ كذلك أيضًا في مدينة الله: ١٤ هي – كما فهم الأخير (يوليان) حقًا- مستقلة بشدة عن مانوية أوغسطينوس: (أقتفى يوليان أثر النظرية التوالدية traducianism وأرجعها إلى المانوية see op.imperf.III. 172)

علاوة على ذلك، تظهر المانوية بالفعل عند الحديث عن تعليم “الخلق من العدم” Ex nihilo كما لو كانت كيانًا شريرًا – وفي رأيي- لم تشرح الأفلاطونية المحدثة وحدها ذلك المفهوم؛ حيث لا يمكن إثبات الركيزة أعلاه بدقة (See Loofs, D. Gesch., 3Ed., p. 215) وليست المقالات بالتأكيد مجرد عمل في النسق الأوغسطيني؛ بل تخص محوره ومركزه.

الصفة المميزة جدًا في نطاق النشاط الجنسي كانت – في رأيه- لا إرادية الحافز؛ ولكن بدلاً من استنتاج إنه لا يمكن أن يكون خاطئًا بالتالي – ولا ينبغي أن يكون ذلك هو الاستنتاج بالحفاظ على المبدأ القائل: كل خطية هي من الإرادة- يستنتج (أوغسطينوس) بالحري إنه هناك خطية خاصة بالطبيعة أي خاصة بالطبيعة الفاسدة، ولا تخص نطاق الإرادة.

وتبعًا لذلك؛ يفهم الخطية على أنها متجذرة في الطبيعة بالتأكيد في الشكل الذي قد أتخذته؛ الخطية التي تنقل نفسها عن طريق الولادة في طبيعتنا، وإنه لمن السهل الآن إثبات إنه أثناء التفكير في الخطية الموروثة، كان ينظر بشكل رئيسي لتلك الخطية عينها أنها شهوة الإنجاب؛ ولكنه من غير العملي اقتباس تلك المادة هنا، وبالتالي فإنه من الواضح أن الخطية الموروثة هي أساس كل شر؛ وإنها في وضع مختلف تمامًا عن الخطايا الفعلية؛ لأنه في الخطية قد صارت الطبيعة شريرة؛ وتصيب الكيان بأكمله.

ولكنه من الواضح أن هذه كانت رواية مجهولة في الكنيسة، ولابد من شرحها وتفسيرها بالرجوع إلى المانوية. لم يقصد أوغسطينوس بالطبع أن يكون مانويًا؛ إنه يميز بوضوح بين الفساد والطبيعة الفاسدة (الزواج والشهوة: ٣٦؛ op. imp. III. 188 etc., etc.,) لقد كان يحاول إدخال “الإرادة” حتى إلى الخطية الموروثة (الاستدراكات ١: ١٣: ٥) ولكن لم يتم التغلب ببساطة على الثنائية dualism بالاعتقاد أن الطبيعة قد صارت شريرة mala ومازالت تنقل نفسها بالتناسل كشر، والإرادة هي مجرد تأكيد.

تقع الثنائية في الاعتقاد أن الأطفال لديهم خطية أصلية؛ لأن أبويهم قد أنجبوهم بالشهوة – ومن خلال هذا الاعتقاد الذي يتوقف على تعليم الخطية الأصلية (الزواج والشهوة ٢: ١٥)، وبالتالي المسيح لديه أيضًا عصمة من الخطية منسوبة إليه؛ لأنه لم يُولد من زواج (الانخيريديون ٤١: ٣٤)؛ وتصوّر أوغسطينوس الزواج الفردوسي في جنة عدن؛ حيث يُولد الأطفال بلا شهوة، أو كما يقول يوليان ساخرًا، بالاهتزاز من الأشجار. وكل ما يؤكده ويثبته هنا قد فهمه منذ زمن بعيد ماركيون والغنوسيون.

حيث قد يكون المرء – في الحقيقة- فظًا جدًا وعاجزًا عن – أي من دون المانوية- الانسجام مع هذا الشعور؛ بل للتسليم به كما فعل أوغسطينوس من دون رفض الزواج بالتبعية- يمكن أن يحدث فقط في الوقت حينما كانت التعاليم مشوشة في القرن الخامس. ولقد زاد أولئك بالحقيقة التشويش أكثر حتى الآن؛ الذين قد أعتقدوا إنهم يستطيعون الحفاظ على تعليم أوغسطينوس عن الخطية الموروثة، بينما يرفضون تعليمه بخصوص الشهوة.

ولكن تاريخ العقيدة هو تاريخ التشويشات المتزايدة دائمًا والاختلافات الناجمة ليس عن الجهل فقط؛ بل وعن التناقضات أيضًا؛ لأن الكنيسة كانت قادرة بصعوبة فحسب على التخلي عن كل شيء موجود في التقليد.

ويصعب القول أيضًا أن أوغسطينوس بنظريته قد عبّر ببساطة عن النزعة النسكية (قد ذهب چيروم في الحقيقة بعيدًا تمامًا في رفضه للزواج “أنظر مقالة ضد جوفينيان” See lib. Adv. Jovin.) لأن تلك كانت نزعة وليست نظرية. تقع النقطة المنطقية في تعليم أوغسطينوس في الدينونة التي يمر بها ابن الله في نفسه أي إنه يصير بائسًا من دون الله؛ وهذا البؤس هو الذنب، ولكن هذا التناقض الظاهري في رأي الإيمان ليس المفتاح لفهم التاريخ. وبالتالي فإنها (الطبيعة) تنقل الخطية بالولادة”.

Harnack, A. V., History of dogma Vol. 5, Ch. IV, p 210-212.

كما يتحدث البروفيسور ويليام شيدد William G. T. Shedd (ﻻهوتي بروتستانتي) وهو أستاذ تاريخ العقيدة واﻷدب الكتابي في معهد الاتحاد اللاهوتي بنيويورك أمريكا عن الاختلاف الجوهري في عقيدة وراثة الخطية اﻷصلية والأنثروبولوجي أي التعليم المسيحي عن اﻹنسان بين اللاهوت اليوناني الشرقي واللاهوت اللاتيني الغربي، حيث يقول التالي:

“اﻷنثروبولوجي المشار إليه في هذه اﻷقوال لكليمندس وأوريجينوس، بشكل متغير، صار نوعًا من التعليم في الكنيسة الشرقية بوجهٍ عامٍ.

ولكنه تغير في ثلاث تحديدات وهي:

١. تم رفض نظرية الوجود السابق للأرواح، وحلت محلها النظرية الخلقية.

٢. كان هناك اعتراف أكثر باﻵثار غير المباشرة لتعدي آدم على النفس ذاتها بما فيها اﻹرادة πνεϋμα.

٣. كان هناك تأكيد محدد أكثر على القدرة على القداسة في اﻹنسان الساقط. حيث تظهر هذه التغيرات بوضوح في كتابات المدرسة السكندرية المتأخرة، المكونة من أولئك اللاهوتيين اليونانيين الذين قد أدركوا تأثير أوريحينوس أي: أثناسيوس، وباسيليوس، وغريغوريوس النزينزي، وغريغوريوس النيسي، وكيرلس اﻷورشليمي، وكيرلس السكندري.

حيث سعى هؤلاء اﻵباء إلى إبراز التعليم عن عمومية الخطية في علاقتها بخطية آدم، ولكنهم لم يتبنوا عقيدة انتقال خطية اﻹرادة πνεϋμα بالتناسل التي سوف نقابلها في اﻷنثروبولوجي اللاتيني*. فلا تستحق الخطية اﻷصلية، عندهم أيضًا، اللوم*. ﻷنها فقط عبارة عن مرض أو سقم موروث للطبيعة الشهوانية، التي تصدر عنها الغواية، وتذعن اﻹرادة لها، بل لا توجد أية خطية، كما تُدعى من المفترض، في اﻹنسان حتى حدوث هذا الفعل اﻹرادي”.

ثم يستطرد البروفيسور ويليام شيدد متحدثًا عن المدرسة اﻷنطاكية واتفاقها مع المدرسة السكندرية، واختلافها عن المدرسة اللاتينية الغربية بخصوص تعليم وراثة الخطية اﻷصلية، حيث يقول التالي:

“لقد تبنت المدرسة اﻷنطاكبة، ممثلةً في ثيؤدور الموبسوستي، وذهبي الفم، ثيؤدوريت، باﻷساس نفس اﻷنثروبولوجي مع السكندريين المتأخرين. لقد نادوا بعقيدة العلاقة بآدم فقط فيما يتعلق بالطبيعة الجسدية، وعلموا بأنه هناك شر أو فساد موروث، ولكنهم لم يعلموا بخطية موروثة*. أفضل ممثل لهذه المدرسة هو ذهبي الفم.

حيث يقر بأنه يمكن ﻵدم المائت أن يلد أبناء مائتين، ولكن لا يمكن ﻵدم الخاطئ أن يلد أبناء خاطئين*.  حيث تنطبق عقيدة الانتقال بالتناسل، وفقًا له، على طبيعة اﻹنسان الجسدية، ولكنها لا تنطبق على طبيعته الروحية واﻹرادية. فقد جلبا الجدان اﻷوﻻن للجنس البشري الفساد، أي الشهوة الفاسدة، ولكنهما لم يجلبا اﻹرادة الخاطئة لمجموعات من البشر، وهكذا أتبعها هؤلاء فيما بعد (أي الشهوة)، وأستفحلوا فيها، عن طريق حرية إرادتهم الشخصية الراسخة”.

William G. T. Shedd, A History of Christian Doctrine vol. ii, (New York: Charles Scribnger’s Sons, 3rd ed., 1868), p. 36-37, 39-40.

كما يتحدث البروفيسور رينهولد سيبرج Reinhold Seeberg (لاهوتي بروتستانتي) وهو أستاذ اللاهوت في جامعة برلين ألمانيا (من المدرسة اللاهوتية الألمانية) عن الاختلاف بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية بخصوص تعليم وراثة الخطية الأصلية والنعمة الإلهية، واختلاف آباء الشرق في مفاهيمهم اللاهوتية بخصوص تعليم الخطية الجدية عن مفاهيم أوغسطينوس وبيلاجيوس بخصوص نفس التعليم، حيث يقول التالي:

“لقد تحدث الرجال (أي آباء الشرق) عن الخطية والنعمة بنفس التقوى البسيطة، أو العقلانية غير المعقدة في القرون التالية، كما في تلك القرون السابقة على الفترة النيقية. فلم تترك المشكلات التي استحوذت على اهتمام أوغسطينوس أدنى أثر في الشرق*. بل سيكون من الخطأ اعتبار الكنيسة الشرقية بأنها بيلاجية*، لأن المشكلة التي تنازع عليها بيلاجيوس وأوغسطينوس لم تأت حتى في عقولهم*.

حيث تم رسم حالة الإنسان الساقط في الخطية، بعد ذلك كما قبل الفترة النيقية بأبهت الألوان. لقد استحوذ الشيطان على النفس، وتحل الحية كنفس ثانية داخل أنفسنا (عظات مكاريوس، عظة ١٥: ٣٥، ٤٩): ‘وبنفس هذه الطريقة قد كسا الرئيس الشرير، النفس وكل جوهرها بالخطيئة، ولوثها كليتها، وأخذها بكليتها أسيرة إلى ملكوته، أو لم يدع عضوًا واحدًا منها حرًا منه، لا الأفكار، ولا القلب، ولا الجسد، بل كساها كلها بأرجوان الظلمة … فالشرير كسا النفس كلها التي هي الجزء او العضو الأساسي في الإنسان، كساها بشقائه الخاص، الذي هو الخطيئة، ولذلك أصبح الجسد قابلاً للألم والفساد (الاضمحلال)’ (عظات مكاريوس، عظة ٢: ١؛ ماركوس إرميتا Marcus Eremita، ضد نسطوريوس: ١٨).

وبالتالي اصطبغ الإنسان كله، بكل قواه بالخطيئة. لأنه منفصل عن الله، فتسلط الشيطان على نفسه. حيث تسيطر الشهوة على العقل. فيصير الإنسان، المعد في الأصل لعدم الموت، فانيًا وخاضعًا للموت – في كل الأشياء المضادة في حد ذاتها لسمته وحالته الأصلية (غريغوريوس النيسي، العظة التعليمية الكبيرة، ٥؛ أثناسيوس، ضد الوثنيين، ٣؛ ديونيسيوس الأريوباغي، الرتب الكنسية، ٣: ٣: ٢).

لقد أضاع النعمة والثبات نحو الله، وفاز لنفسه ‘بالموت وثقل الجسد’. ‘حُكم عليه بالموت’، وصار ‘عرضة للموت والهلاك’ (يوحنا الدمشقي ٣: ١)، وتم التأكيد في النهاية على الرأي الأخير. حيث لم يتم فهم الخطيئة في الوقت نفسه من جانب الذنب أكثر من جانب العجز أو الضعف – من جانب الهلاك والموت*. وهذا الاتجاه مختلف عن اتجاه الغرب*.

حيث لا تركز الأفكار فقط على غفران الخطايا*، بل على التأمل في حالة الخطية وسيادتها عن طريق حياة داخلية جديدة*. ويتم الاعتراف بأن الجنس البشري كله ساقط في هذه الحالة عن طريق سقوط آدم. بل، وعلى الرغم من ذلك، قد تبدو فكرة وراثة الخطية أنها فكرة متطورة في بعض الأوقات (غريغوريوس النيسي، العظة التعليمية الكبرى، ١٦): ‘حيث يعلم ألم الولادات البشرية اللذيذ…

لقد اجتازت بداية الموت، الذي قد صار بالواحد، إلى الطبيعة البشرية كلها’ (de orat. 5): ‘للحديث مجددًا عن الديون العامة للطبيعة البشرية، حيث يتحمل كل واحد والجميع مشترك في جزء من الطبيعة جزءًا’ (Oehler 3, 300. Dionys. Ar. Eccl. Hier. 3: 3: 2:’ لديها أصلها في الولادات الفاسدة، فتسير بالطبيعة في مسارها في طريق مشابه لبدايتها’) ، ولكن المقصود فقط، بعد كل شيء، أنه بسبب آدم، قد صار الجنس البشري عرضة للفساد.

وبالتالي في ضوء الصراع بين الاتجاهات الروحية والشهوانية في الإنسان، فإنه من الصعب، أو من غير الممكن تمامًا الامتناع بشكل كامل عن الخطية (Greg. Nyss. I, c., p. 302). وبالتالي نادرًا ما نجد الإشارة إلى طفل حديث الولادة بأنه ‘معصوم’ (Cyril. Cat. 4, 19 init.) ، أو نقرأ عن ‘الكثيرين’ الذين قد حفظوا أنفسهم ‘أحرارًا من الخطية’ (مثل إرميا ويوحنا) ، أو الرأي الذي يتم التعبير عنه بأن هذا قد كان ممكنًا لو قد تمت إطاعة الناموس (Athanas. C. Arianos Serm. 3, 33; de incarn. 12). بينما مفسرًا آية (رو٥: ١٩)، يعلق ذهبي الفم بأنه من المستحيل أننا قد صرنا خطأةً عن طريق خطية آدم*، بل قد صرنا أمواتًا أيضًا من خلال ارتكاب آدم للخطيئة وصيرورته مائتًا.

فلا يعني ذلك أن الجميع هم خطأة في آدم*، بل قد صرنا من خلاله مائتين، وهكذا فقدنا القدرة على منح الروح السيادة على الشهوة. فلم يكن الأمر الرهيب هو الذنب*، بل القابلية للموت*. [….] وبالتالي يمكن الحديث بشكل صحيح عن وراثة الموت فقط*، وليس وراثة الخطية*. […] فالنفس حرة وسيدة نفسها، ولا يمكن لإبليس أن يقودها إلى فعل أي شيء ضد إرادتها*، ولا يفعل الله كذلك، إذ لن ينل البر إكليله المستحق بطريقة أخرى (Cyril. Cat 4, 21. Macar. Hom. 15, 40; 27. 9, 11. Joh. Dam. 2, 25 f). وبالتالي مازال يوجد شيء صالح في كل إنسان. أي طبيعته الداخلية، أو عقله، أو حرية إرادته*”.

Reinhold Seeberg, Text-book of the History of doctrines Vol. i, Trans. By Charles E. Hay, (Philadelephia: Luthran Publication Society, 1905), p. 292-294.

وهكذا يؤكد البروفيسور رينهولد سيبرج Seeberg أحد أعلام اللاهوت في المدرسة الألمانية على أن اللاهوت الشرقي لا يعرف شيء اسمه وراثة الخطية الأصلية، وبالتالي لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار الكنيسة الشرقية بأنها بيلاجية، وإنه لم يخطر ببالهم أبدًا المشكلات والقضايا التي حدثث بين أوغسطينوس وبيلاجيوس في الغرب، بل قضيتهم الأساسية هي وراثة الموت أو القابلية للفساد والموت، وليست وراثة الخطية الأصلية كما في الغرب، ويختلف الاتجاه الشرقي عن الاتجاه الغربي في تركيزه على التأمل في حالة الخطية وسيادتها على الإنسان، وليس على غفران الخطايا فقط كما في الغرب. كما أن فكرة وراثة الخطية الأصلية هي فكرة متطورة عن اللاهوت الشرقي.

سأستعرض الآن تعليقات وآراء الباحثين والدارسين المعتبرين في العالم حول تفسير نص (رو٥: ١٢) واستخدام أوغسطينوس له ومن قبله أمبروسياستير الذي تأثر به أوغسطينوس في تعليمه حول وراثة الخطية الأصلية كالتالي:

 يؤكد البروفيسور N. P. Williams على ضعف الأساس الكتابي الذي ترتكز عليه رؤية ق. أوغسطينوس في تفسيره لنص (رو٥: ١٢) “حيث أن القارئ العادي يدرك أن النصوص الكتابية الخمسة التي يرتكز عليها مفهوم أوغسطينوس للخطية الأصلية ثلاثة منها على الأقل هي عبارة عن أخطاء في الترجمة اللاتينية الشعبية (Itala) الإيتالا التي كان يعتمد عليها ق. أوغسطينوس وكان دائم الشكاوى منها خاصةً في خطاباته المتبادلة مع جيروم وبالرجوع إلى التقليد نلاحظ أن أغلب الآباء الذين اعتمد عليهم أوغسطينوس في تفسيره كانوا غربيين” The ideas of the fall and Original Sin, London 1927, P. 379.

كما يؤكد البروفيسور J. M. Rist ذلك قائلاً: “لقد أسأ أوغسطينوس بصورة متكررة اقتباس الآيات من عند ق. بولس الرسول عن أثر الخطية على الجميع في آدم” Journal of Theological Studies XX 1969, P 430.

يتحدث البروفيسور جون كيلي J. Kelly عن أمبروسياستير الذي تأثر أوغسطينوس بعد ذلك به في تفسيره لنص (رو٥: ١٢) قائلاً: “تعليم أمبروسياستير يستحق الملاحظة والتمعن فيه بشكل خاص ومحدد لأنه مبني على تفسير نص (رو٥: ١٢) الذي رغم ذلك خاطئ ويعتمد على قراءة خاطئة صارت المحور الأساسي لعقيدة الخطية الأصلية.

يسير نص ق. بولس اليوناني كالتالي: وهكذا سار الموت إلى جميع البشر لأن έφ ώ الجميع ولكن الترجمة في النسخة اللاتينية القديمة التي استخدمها أمبروسياستير كانت تحتوي على ترجمة خاطئة كالتالي: فيه in quo أخطئ الجميع وبالتالي نجد تعليقه على نص (رو٥: ١٢) فيه أي في آدم أخطأ الجميع” Early Christian Doctrines, 1964, p 354 ويعلق كيلي في موضع آخر عن أوغسطينوس قائلاً: “قد وجد (أوغسطينوس) برهانًا كتابيًا عن الخطية الأصلية في (رو٥: ١٢) [حيث مثله مثل أمبروسياستير يقرأها فيه]” Ibid, p 363.

يعلق البروفيسور جوزيف تكسرون J. Tixeront في نفس السياق قائلاً: “لأنه “فيه” بعد التردد قليلاً لقد أشار (أوغسطينوس) بها إلى الإنسان لقد أصر دائمًا على ترجمتها “فيه” أي في آدم مهملاً المعنى الدقيق”. ويعلق البروفيسور تكسرون في حاشية رقم ١٢٥ من ص ٤٦٣ على هذا الموضوع قائلاً: “قرائنا الآن يعرفون أن المفسرين والمعلقين لا يتفقون مع أوغسطينوس في هذه النقطة”. History of Dogmas II, p 462, 463.

الخلاصة:

لقد اعتمد ق. أوغسطينوس على ترجمة خاطئة في إثبات مفهمومه وطرحه وعقيدته حول وراثة الخطية الأصلية.

أضم لهذه المجموعة من الآراء والاقتباسات من علماء اللاهوت في العالم، لينك رأي أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة برون Brown وجامعة يال Yale الأمريكيتين البروفيسور الأمريكي جورج فيشر بيكر George Fisher Baker (لاهوتي بروتستانتي) عن الجدل الأوغسطيني والصراع النصف بيلاجي.

الجدل حول وراثة الخطية الجدية – د. أنطون جرجس

 

وأضيف إلى آراء هؤلاء الأساتذة المعتبرين لينك بحثي المتواضع في تعليم الخطية الجدية بين آباء الشرق وأوغسطينوس بعنوان “وراثة الذنب الشخصي أم وراثة الفساد والموت” للوقوف على أفضل تصور عن تعليم الخطية الجدية عند الآباء اليونانيين واختلافه عن التعليم الغربي حول وراثة الخطية الأصلية.

الجدل الأوغسطيني والصراع النصف بيلاجي – د. أنطون جرجس

تعليم الخطية الجدية في كتابات آباء الكنيسة الجامعة – د. أنطون جرجس

وراثة الذنب الشخصي أم وراثة الفساد والموت؟ – د. أنطون جرجس

وراثة الذنب الشخصي أم وراثة الفساد والموت؟ – د. أنطون جرجس

وراثة الذنب الشخصي أم وراثة الفساد والموت؟ – د. أنطون جرجس

وراثة الذنب الشخصي أم وراثة الفساد والموت؟

الجدل حول وراثة الخطية الجدية – د. أنطون جرجس

تحميل هذا البحث

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس
 
هذا البحث عبارة عن مفهوم الخطية الأصلية في اللاهوت المدرسي حتى مجمع ترنت ١٥٤٦م.
 
ويحتوي البحث على النقاط التالية:
 
– جوتشالك GOTTSCHALK ومقاومة هينسمار HINCMAR لآرائه عن سبق التعيين في مجمع كويرسي QUIERCY.
– سكوتس إريجينا SCOTUS ERIGENA ومجمع كويرسي QUIERCY الثاني.
– أنسلم الكانتربري ومحاولة إرساء ”اللاهوت الطبيعي“.
– التمييز بين الفرد والجنس كنظرية للخطية الأصلية عند أنسلم.
– نظرية أنسلم عن حرية الإرادة.
– نقد نظرية أنسلم.
– توما الأكويني (١٢٢٧- ١٢٧٤ م).
– توما الأكويني ومفهومه عن الخطية الأصلية.
– توما الأكويني ومفهومه عن حرية الإرادة.
– توما الأكويني ومفهومه عن النعمة.
– جون دنس سكوتس JOHN DUNS SCOTUS.
– ويليام من أوكام WILLIAM OF OCKHAM.
– مجمع ترنت ١٥٤٦م والنزعة النصف بيلاجية في القرارات التريدنتينية

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس

تحميل هذا البحث

مفهوم الخطية الأصلية بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

مفهوم الخطية الأصلية بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

مفهوم الخطية الأصلية بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

مفهوم الخطية الأصلية بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس

يتحدث عالم الآبائيات جوهانس كواستن (لاهوتي كاثوليكي) عن مفهوم الخطية الأصلية عند ق. يوحنا ذهبي الفم، موضحًا الاختلاف الشديد بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس في مفهوم وراثة الخطية الأصلية كالتالي:

“يشير ق. ذهبي الفم بالتفصيل في عظته” إلى المعمدين الجدد” (Ad neophytos) التي أعاد هايداشر اكتشافها إلى مفاعيل المعمودية قائلاً: “وبالتالي هل نعمد أيضًا الأطفال الصغار، بالرغم من أنهم ليس لديهم خطايا (άμαρτήματα)”. وقد استخلص يوليانوس أسقف إكلانوم البيلاجي أن ق. ذهبي الفم قد أنكر الخطية الأصلية، ويرد ق. أوغسطينوس في (Contra Julianaum 1, 22) أن كلا من الجمع “خطايا” والسياق يثبتان أن ق. ذهبي الفم قد قصد الخطايا الشخصية (propria peccata) ويدعم حجته بثمان اقتباسات إضافية من أعمال أخرى للقديس يوحنا ذهبي الفم ليوضح بأنه قد علّم بوضوح بوجود الخطية الأصلية. ومع ذلك، ففي كل هذه الفقرات، لا يتطابق مفهوم ق. يوحنا ذهبي الفم تمامًا مع أفكار ومصطلحات ق. أوغسطينوس*.

وبالرغم من أن ق. ذهبي الفم يؤكد مرارًا وتكرارًا أن نتائج وعواقب خطية آدم لم تؤثر فقط على والدينا الأولين، ولكن أيضًا على نسلهما، إلا أنه لم يذكر صراحةً أن ذريتهم قد ورثوا الخطية نفسها*، وأنها قد أصبحت موروثة في طبيعتهم*. وهو يعلق على (رو٥: ١٩) على سبيل المثال قائلاً:

“ما هي المشكلة؟ هي القول إنه بمعصية واحد جُعل كثيرون خطاة. لأن المبدأ أنه حينما أخطأ (آدم) وأصبح فانيًا، فهؤلاء الذين من نسله يجب أن يكونوا كذلك، ليس شيئًا غريبًا. ولكن كيف يكون أنه بمعصيته (آدم) يصبح آخر (المسيح) خطية؟ لأنه في هذه الحالة، لا يستحق كهذا عقابًا، لأنه لم يصبح خاطئًا من نفسه. إذًا، ماذا تعني هنا كلمة “خطاة”؟ بالنسبة لي يبدو أنها تعني خاضعًا لحكم الدينونة ومحكومًا عليه بالموت” (Hom. 10 in Rom. 1. 2. 4,LFC).”

جواهانس كواستن، علم الآبائيات “باترولوجي” مج ٣، ترجمة: الراهب غريغوريس البراموسي ود. نادر مدحت، مراجعة: د

جوزيف موريس ود. عماد موريس، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي)، ص ٦٢٣، ٦٢٤.

مفهوم الخطية الأصلية بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تأثر أوغسطينوس بالمانوية في تعليمه عن الخطية الجدية – د. أنطون جرجس

تأثر أوغسطينوس بالمانوية في تعليمه عن الخطية الجدية – د. أنطون جرجس

تأثر أوغسطينوس بالمانوية في تعليمه عن الخطية الجدية – د. أنطون جرجس

تأثر أوغسطينوس بالمانوية في تعليمه عن الخطية الجدية

يتحدث البروفيسور لويس بيركهوف أستاذ تاريخ العقيدة عن التأثير المانوي في نظرية أوغسطينوس المتشائمة بخصوص وراثة الخطية اﻷصلية كالتالي:

“يجد البعض آثار للتأثير المانوي في نظرته المتشائمة للطبيعة البشرية باعتبارها شريرة في اﻷساس، وفي إنكاره لحرية اﻹرادة. ولكن على اﻷرجح أكثر فهمه للشر الموروث والعبودية الروحية هو بالضبط الذي جعله يميل إلى المانوية بشكل مؤقت، ﻷنه يقاوم المانويين في نفس النقاط محل الجدال، مناديًا بأن الطبيعة البشرية لم تكن بالضرورة شريرة في اﻷساس، ويصر على مقياس الحرية كأساس للمسئولية البشرية”.

Louis Berkhof, History of Christian Doctrines, (Michigen: Grand Rapids, 1949), pp. 98, 99.

 وهكذا يتحدث ريجينالد موكسون رئيس مدرسة لينكولين اللاهوتية والباحث بجامعة كامبريدج في نفس السياق عن تأثر تعليم أوغسطينوس عن وراثة الخطية اﻷصلية بالمانوية كالتالي:

“تعليم الدنس الفعلي للشهوة هو بالطبع تعليم مانوي في اﻷصل، وسبب إبقاء أوغسطينوس عليه هو أنه نبذ آرائه المانوية اﻷخرى، فبدا هذا له أنه يدعم مفهومه عن الخطية الموروثة”.

Reginald S. Moxon, The Doctrine of Sin, (New York: George H. Doran Co., 1922), p. 92.

ويستطرد موكسون في موضع آخر متحدثًا عن نقاط الاتفاق بين التعليم اﻷوغسطيني بوراثة الخطية اﻷصلية مع التعاليم المانوية كالتالي:

“إذن، مرةً أخرى، ينشئ فساد الجنس البشري عن سقوط آدم بسبب انتقال الشر بالتناسل، الذي يرث اﻹنسان به طبيعة فاسدة. وبالتالي، يعطي أوغسطينوس مكانًا للخطية داخل البشرية الذي هو بالفعل تعليم مانوي عن الثنائية اﻷزلية التي يؤسس لها. علاوة على ذلك، يوحي مفهومه عن الخطية الموروثة بأن فسادنا هو بسبب دنس الشهوة. فلا يضع هذا الرأي الشر فقط في الجسد، بل يربط بينه وبين الجسد أيضًا بشكل أو بآخر. وهكذا يدين الزواج في الحال على أنه دنس، بغض النظر عن محاولاته للدفاع عنه، ولا بد من الاعتراف بأنه السبب الوحيد في الانتقال المستمر للخطية. بالتالي الرهبنة هي النتيجة المنطقية الوحيدة لهذه النظرية”.

Ibid, pp. 105, 106.

تأثر أوغسطينوس بالمانوية في تعليمه عن الخطية الجدية – د. أنطون جرجس

تعليم الخطية الجدية عند الآباء السكندريين – د. أنطون جرجس

تعليم الخطية الجدية عند الآباء السكندريين – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند الآباء السكندريين

تعليم الخطية الجدية عند الآباء السكندريين

يتهافت البعض عن دون دراية لإثبات تعليم وراثة الخطية الأصلية بمفهومه الأوغسطيني باقتباس نصوص آبائية من عند العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير تتحدث عن وراثة الخطية الجدية، ولكنهم عن دون وعي ودراسة يعتقدون أن تعليم كل من أوريجينوس وديديموس بوراثة الخطية الجدية يتشابه مع التعليم الأوغسطيني عن وراثة الخطية الأصلية، وهكذا للأسف لا يفرقون بين مفاهيم كل من أوريجينوس وديديموس ومفهوم أوغسطينوس عن وراثة الخطية الأصلية.

يتحدث العلامة السكندري أوريجينوس بالفعل عن وراثة الدنس الفطري في الإنسان من آدم في سياق تعليمه عن الخطية الجدية، ولكن مفهوم أوريجينوس مختلف تمامًا ونهائيًا عن المفهوم اﻷوغسطيني عن الخطية الأصلية. حيث يرى أوريجينوس الخطية الجدية وآثارها على البشر بسبب فتور أرواح البشر في العالم الطوباوي السابق على وجودها في أجسادها عن محبة الله والشركة معه، وبالتالي سقوطها من العالم الطوباوي المسبق وانحباسها في أجسادها كعقوبة على ذنوبها السابقة في العالم السابق. حيث يتحدث أوريجينوس عن هذا الأمر كالتالي:

“بحسب الكتاب يجدر السؤال عن لفظ النفس، ألعله لا يُشتق مجازًا من هذه البرودة، ابتداءً من حالة إلهية فضلى*، أعني أن النفس لعلها لم تفتر من حرارتها الطبيعية والإلهية*، حتى تسلمت حالتها الراهنة وتسميتها* […] ولكننا نرى أن الكتاب قد أقرن الإجرام بالنفس، وأعرض عما يجدر مدحه.

أما الآن فحري بنا أن ننظر هل النفس، كما أسلفنا القول في معنى هذه اللفظة، قد نالت اسمها لأنها فترت* فاقدةً تقوى الصديقين والشركة بالنار الإلهية*، دون التخلي مع ذلك عن قدرتها عن الانصراف ثانيةً إلى حالة الورع هذه التي وُجِدت فيها منذ البداية […] إذا صدق هذا، يخيل إليَّ أنه لا يحسن الاعتقاد بأن سقطة الإدراك هذه* وهذا الانحطاط* لديه سواء لدى الجميع، بل ينطوي هذا التبدل عن تفاوت، كما يُبقي بعض المدارك على بضع عنفوانه الأول*، فيما لا يحتفظ غيره بشيء أو قلما. ولهذا نجد مَن ذو استيعاب أحد، منذ نعومة أظفاره*، ومَن استيعابه أبطأ، وآخرين يأتون الدنيا وهم خبلون تمام الخبل*، عاصون كل العصيان على تربيتهم*.

إن ما قلناه في موضع انقلاب الإدراك نفسه، وما يمت بصلة إليه، فليناقشه القارئ باعتناء وليدرسه في قرارة نفسه، إننا لا نفوه به كأنه العقائد، بل نطرقه على سبيل الدراسة والبحث*”.

أوريجانوس، في المبادئ، ترجمة: الأب جورج خوام البولسي، (لبنان: المكتبة البولسية، ٢٠٠٢)، ٢: ٨: ٣، ٤، ص٢١٧، ٢١٨.

 

أما بخصوص تعليم الخطية الجدية عند العلامة ديديموس الضرير، يمكن تتبع تعليمه من اقتباسات وتقارير العلامة الآبائي جوهانس كواستن، حيث يتحدث كواستن عن أن تعليم أوريجينوس عن الوجود السابق لأرواح البشر وسقوطها وانحباسها في أجسادها بسبب الخطية الجدية هو نفس تعليم تلميذه العلامة ديديموس. لذا يقول كواستن عن التعليم الأنثروبولوجي (التعليم عن الإنسان) عند العلامة ديديموس التالي:

“يمكننا أن نرى تأثير أوريجينوس في التعليم عن النفس الإنسانية عند ديديموس […] فهو يتبع أيضًا العلامة أوريجينوس في أفكاره عن أصل الروح. وهو مقتنع أن الروح قد خُلقت، ولكنه يشارك خطأ سابقيه في أن الروح قد وُجِدت قبل الجسد* الذي فيه سُجِنت كعقوبة على الخطايا التي اقترفتها (Ennarr. In Epist. Petr. 1, 1; De trin. 3, 1)، ويمثل نفس المعتقد بالوجود السابق للروح أساس المقالة التي أرسلها إلى روفينوس عن الموت المبكر للأطفال”.

جوهانس كواستن، علم الآبائيات (باترولوجي) مج٣، ترجمة: الراهب غريغوريوس البراموسي ود. نادر مدحت، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، ٢٠٢١)، ص ١٣٧.

 

ويستطرد كواستن في موضع آخر ناقلاً رواية ق. جيروم عن تعليم الوجود السابق للروح عند العلامة ديديموس الضرير، حيث يقول التالي:

“ويسجل جيروم أن العلامة ديديموس قد أعطى تفسيرًا أرثوذكسيًا لتعليم العلامة أوريجينوس عن الثالوث، ولكنه قَبِل بدون تردد أخطاءه الأخرى بخصوص خطيئة الملائكة*، والوجود السابق للنفس*، والخلاص الشامل للكل*… إلخ (Ad Rufin. 1, 6; 2, 16).

ويخبرنا نفس الراوي (أي جيروم) عن مقالة أخرى ذات ميول أوريجانية قد كُتِبت بناءً على اقتراح روفينوس، الذي قضى الأعوام من ٣٧١م إلى ٣٧٧م في مصر، وتجيب هذه الرسالة على السؤال لماذا يموت الأطفال بسبب الأخطاء الجسدية؟ وكان شرح العلامة ديديموس: ‘هم لم يخطئوا كثيرًا، ولذلك فإنه يكفيهم فقط أن تتلامس سجون أجسادهم بالعقاب*’ (جيروم، ضد روفينوس٣: ٢٨)”.

المرجع السابق، ص ١٢٠، ١٢١.

 

ويكرر العلامة الآبائي جوهانس كواستن حديثه عن تعليم ديديموس بالوجود السابق للأرواح، ويقرر حقيقة حرمان مجمع القسطنطينية الثاني عام ٥٥٣م للعلامة ديديموس لاتباعه هذا التعليم وتعاليم أخرى، حيث يقول التالي:

“ولسوء الحظ، فإن عددًا قليلاً جدًا متبقي من هذا الانتاج الأدبي الكبير، وذلك بسبب سحابة الشك التي علقت باسم العلامة ديديموس وسمعته أثناء الجدالات الأوريجانية. فبعد كل ذلك، تجاسر في الدفاع عن السكندري العظيم وكتابه ‘المبادئ’ بكونه كله أرثوذكسيًا. فلا عجب إذًا أن يُدان في القرن السادس الميلادي والقرون اللاحقة بكونه مؤمنًا بالوجود السابق للنفس وبالخلاص الشامل للكل. وقد قام الأساقفة المجتمعون في المجمع المسكوني الخامس بالقسطنطينية عام ٥٥٣م بحرم كل من العلامة أوريجينوس، والعلامة ديديموس، والشماس إيفاجروس البنطي بسبب هذه التعاليم، وبناءً على ذلك، فُقِدت تقريبًا كل أعمال العلامة ديديموس”.

المرجع السابق، ص١١٧.

 

وهكذا بعدما عرضنا تعاليم كل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير بخصوص الوجود السابق للنفس في سياق شرحهم للسقوط والخطية الجدية، يتضح إنه تعليمهما لا يتفق من قريب أو من بعيد مع تعليم وراثة الخطية الأصلية عند أوغسطينوس، بل ولا يتفق مع تعاليم الآباء السكندريين اللاحقين كالقديسين أثناسيوس وكيرلس عمود الدين اللذين رفضا التعليم بالوجود السابق للأرواح وانحباسها في أجسادها بسبب السقوط من عالم الغبطة، وفي نفس الوقت رفضا وراثة الخطية والذنب من آدم أو ارتكاب خطايا وذنوب قديمة سابقة في حياة سابقة للنفس قبل انحباسها في أجسادها كعقوبة على خطاياها السابقة.

وسوف نستعرض معًا رأي ق. كيرلس السكندري الذي أفرد جزءًا من تفسيره على إنجيل يوحنا، يمكن الرجوع إليه، لدحض تعليم الوجود السابق للأرواح وتعليم وراثة ذنب وخطية آدم بسبب التعليم السالف الذكر لكل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير. حيث يقول التالي:

“ولكنني أفترض أنه من الحماقة الإدعاء أن النفوس وُجدت قبل الأجساد، وإنها بسبب ذنوب قديمة* أُرسِلت لكي تُحبس في أجساد ترابية*. وسوف أبرهن على قدر استطاعتي بعدة براهين من الأسفار الإلهية، لأنني أعرف ما هو مكتوب: ‘أعط حكيمًا فيكون أوفر حكمةً. علَّم صديقًا فيزداد علمًا (أم٩: ٩)”.

كيرلس السكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ١: ٩، ص١١٦.

 

ويدحض ق. كيرلس السكندري هذا التعليم بالوجود السابق للأرواح مؤكدًا على أننا نرث نتائج عصيان آدم ألا وهي الفساد والموت، ولا نرث خطية آدم نفسها، لأن وراثة خطية آدم كانت أحد البراهين التي كان يستند عليها القائلون بالوجود السابق للأرواح وسقوطها بسبب وراثة خطية آدم من عالم الغبطة وانحباسها في أجسادها. حيث يقول التالي:

“يقول بولس موضحًا أن الفساد* قد انتشر وامتد إلى كل جنس آدم بسبب عصيان آدم*: ‘لكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ’ (رومية14:5). فكيف يقول إن الموت ملك حتى على الذين لم يخطئوا، إذا كان الجسد الميت قد أُعطي لنا بسبب خطايا سابقة؟ وأين هؤلاء الذين لم يخطئوا إن كان الوجود في الجسد هو عقاب على خطايا سابقة، وكأن وجودنا في الجسد في هذه الحياة هو اتهام مسبق قائم ضدنا؟ إن قول المخالفين ينم عن عدم دراية بالأسفار المقدسة”.

المرجع السابق، ص ١٢١.

 

ويدحض ق. كيرلس السكندري أيضًا التعليم بوراثة الخطية الأصلية وتعليم الوجود السابق للأرواح وانحباسها في الأجساد المترتب عليه، حيث يقول التالي:

“ولكن بعبارة واحدة قصيرة فإن المسيح أبطل حماقات هذين الفريقين، وأكد تمامًا أن لا المولود أعمى ولا أبواه أخطأ، وهو يدحض تعاليم اليهود بقوله إن الرجل لم يُولد أعمى بسبب أية خطية سواء منه أو من أجداده*، ولا حتى من أبيه أو أمه، وهو يطرح بعيدًا حماقة الآخرين السخيفة الذين يقولون إن النفوس تخطئ قبل وجودها في الجسد”.

المرجع السابق، ص ٦٥٥.

 

ونستنتج من هنا أن تعاليم ق. كيرلس السكندري بخصوص الخطية الجدية ونتائجها وآثارها على الجنس البشري لا يمكن أن تتفق وتعاليم أوغسطينوس عن وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج، حيث يعد هذا في نظره ارتدادًا ورجوعًا للتعاليم الأوريجانية عن الوجود السابق للأرواح، وسقوطها بسبب وراثة خطية آدم من الشركة مع الله، وانحباسها في أجسادها الترابية كعقوبة لها على ذنوب سابقة لها بسبب وراثة خطية آدم.

تعليم الخطية الجدية عند الآباء السكندريين – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية في فكر الأب غريغوريوس بالاماس – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية في فكر الأب غريغوريوس بالاماس – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية في فكر الأب غريغوريوس بالاماس – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية في فكر الأب غريغوريوس بالاماس – د. أنطون جرجس

تحميل الدراسة PDF

الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني ٤٣١م – د. أنطون جرجس

الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني ٤٣١م – د. أنطون جرجس

الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني ٤٣١م – د. أنطون جرجس

الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني ٤٣١م

 سوف أعتمد في هذا البحث عن العلاقة بين الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني ٤٣١م على البروفيسور كارل جوزيف هيفيليه Karl J. Hefele الأسقف الكاثوليكي لروتنبرج وأستاذ اللاهوت بجامعة توبينجين Tubingen بألمانيا، وأبو التاريخ المجمعي، وصاحب موسوعة “تاريخ مجامع الكنيسة” التي تعد المرجع الأهم والأول في تاريخ، وأحداث، وأعمال، وقوانين المجامع الكنسية عبر العصور.

 سوف نتتبع سويًا العلاقة بين مجمع أفسس المسكوني ٤٣١م برئاسة البابا كيرلس السكندري والهرطقة البيلاجية، لنعرف هل تم بالفعل هرطقة أتباع بيلاجيوس وكالستوس من البيلاجيين بسبب إنكارهم لوراثة خطية آدم الأصلية أم لا؟

 سوف نبدأ حيث يروي البروفيسور كارل هيفيليه عن عدم انصياع نسطوريوس لتحذيرات البابا كيرلس السكندري والبابا كليستينوس الروماني، بل وحمايتهم للبيلاجيين عنده في القسطنطينية، حيث يقول هيفيليه التالي:

“لم يلتفت نسطوريوس إلى التحذيرين من كيرلس، وإن كان الآن يرفض طاعة هذا التحذير الثالث، فلا بد من استبعاده من الكنيسة الجامعة المسيحية. فلم تكن مفاجأةً للبابا (كلستينوس) حماية نسطوريوس للبيلاجيين، لأنه كان أسوأ منهم. بالرغم من أنه كان من المرجو ألا يقضي على وحدة الكنيسة، فكانت علامة منه على تحسن موقفه، أن يستدعي أولئك جميعًا ليطردهم من الكنيسة، من أجل خاطر المسيح (أي بناءً على رواية أرثوذكسيتهم). فإن لم يحرم (نسطوريوس) بدعته عديمة التقوى خلال عشرة أيام، فلا بد من قطعه عن شركة الكنيسة الأرثوذكسية كلها، ويجب على كيرلس إعلان هذا الحكم ممثلاً عن البابا (كلستينوس)”.

Hefele, Charles J., History of The Councils of The Church Vol. III (431 A. D. To 451 A. D.), (Edinburgh: T & T Clark, 1986), p. 30.

 ثم يستطر هيفيليه في سرد أحداث مجمع أفسس المسكوني ٤٣١م مؤكدًا على وجود البيلاجيين في صف النساطرة مقابل المجمع برئاسة البابا كيرلس السكندري والأساقفة الذين معه والبابا كلستينوس وأسقفية أفريقيا كلها كالتالي:

“علاوة على ذلك، منذ وقت قريب، كان هناك العديد من الأساقفة الذين كانوا حتى هذه اللحظة في صف نسطوريوس، وقد صارت لهم رؤية أفضل للأمور، إلا أنهم استخفوا بالمجمع، وظل حتى الأن حوالي ٣٧ أسقفًا فقط مع نسطوريوس ويوحنا (الأنطاكي)، كان هؤلاء في الغالب بسبب خوفهم من العقاب لأجل ارتكابهم المخالفات، أو لأنهم كانوا هراطقة مثل البيلاجيين. في المقابل، كان كلستينوس أسقف روما وأسقفية أفريقيا كلها في صف المجمع، بالرغم من عدم حضورهم بشكل شخصي”.

Ibid, p. 59.

 ثم يروي هيفيليه أمر في منتهى الغرابة ألا وهو قراءة قرارات الغرب بحرم أتباع بيلاجيوس وكالستوس ويوليان وغيرهم من البيلاجيين، ولكنه يؤكد على عدم معرفة في أي جلسة تم ذلك، وأية قرارات تمت قراءتها في هذه الجلسة المجهولة، بل والأدهى لم يأت أي ذكر بحرم بيلاجيوس وكالستوس ويوليان وأتباعهم بسبب وراثة الخطية الأصلية بحسب المفهوم اﻷوغسطيني اللاتيني.

فأين وراثة الخطية الأصلية التي يملأ البعض الدنيا صياحًا بأنها كانت محور مجمع أفسس المسكوني، وكأن ق. كيرلس السكندري والمجمع ترك هرطقة نسطوريوس وأحداث المجمع المتصارعة، ولم يكن في بالهم سوى مناقشة موضوع وراثة الخطية الأصلية بحسب المفهوم اﻷوغسطيني، التي لم يأت أي ذكر عنها لا من قريب ولا من بعيد، فكيف نهرطق الآخرين على حدث غامض ومجهول، ليس لدينا أدلة كافية وواضحة عنه ألا وهو حرم بيلاجيوس وأتباعه بسبب وراثة الخطية الأصلية بالتناسل؟ حيث يسرد هيفيليه التالي:

“والأكثر أهمية هو الإضافة، أي قراءة قرارات الغرب بحرم البيلاجيين والكالستوسيين، أتباع بيلاجيوس وكالستوس ومؤيديهم، يوليان، وبيرسيديوس Persidius، ومارسيللينوس Marcellinus، وأورينتيوس Orentius …إلخ في مجمع أفسس (بالرغم من عدم إخبارنا في أية جلسة تم ذلك)، وقبول الحكم البابوي عليهم على مستوى العالم”.

Ibid, p. 65.

 ثم يستطر في نفس السياق مؤكدًا على تحالف واتحاد  البيلاجيين مع النساطرة ضد المجمع المسكوني برئاسة ق. كيرلس السكندري، مما جعل المجمع المسكوني يحرمهم ويقطعهم بسبب انضمامهم لنسطوريوس وجماعته، لأنه كان هدف المجمع بالأساس هو حرمان نسطوريوس وأتباعه. حيث يروي قائلاً:

“بالإضافة إلى ذلك، هناك الكثيرون بين هؤلاء الثلاثين – الذي قد حُرِموا في السابق، الكثير من البيلاجيين والنساطرة. وبالتالي يجب على الإمبراطور تثبيت وتفعيل ما قد قرره المجمع المسكوني المقدس ضد نسطوريوس وتعليمه عديم التقوى”.

Ibid.

 ثم يروي هيفيليه بكل وضوح أسباب حرم مجمع أفسس المسكوني ٤٣١م برئاسة البابا كيرلس السكندري للبيلاجيين، ولم يأت أي ذكر لحرمهم بسبب إنكار وراثة الخطية الأصلية كما يدّعي البعض، حيث يقول التالي:

“وقد حرم (المجمع) بالأحرى بشكل أكبر – وهذا ايضًا يمكن شرحه فقط على خلفية الخداع – أسماء يوحنا الأنطاكي ومؤيديه، وأولئك أيضًا الذين من أتباع كالستوس (البيلاجيين)، فبالرغم من حرمان المجمع المسكوني لهم، إلا أنه تم ضمهم بين أساقفة المجمع، وخاطبتهم المراسم الأمبراطورية كأنهم أساقفة من المجمع. ثم تم تقديم رواية مختصرة عن علاقتهم بالأنطاكيين، التي نحن على علم بها بالفعل، وبتاريخ انفصالهم عن المجمع، مع الإشارة إلى احتمالية عدم قبولهم جزئيًا في شركة الكنيسة، لأنهم لم يقبلوا عزل نسطوريوس*، وكانوا على اتفاق علني معه تمامًا*، وجزئيًا بسبب إهانتهم لرئيسي المجمع (أي بحكمهم ضد كيرلس وممنون*)، ولأنهم انتهكوا القوانين*، وإلى حد ما لأنهم قد تجرأوا على الكذب وخداع الأباطرة*”.

Ibid, p. 78.

 ويستطرد هيفيليه في نفس السياق موضحًا سبب حرمان البيلاجيين في مجمع أفسس المسكوني ٤٣١م برئاسة القديس كيرلس السكندري، ولم يأت أيضًا على ذكر موضوع وراثة الخطية الأصلية من قريب أو من بعيد، حيث يقول التالي:

“قبل كل شيء، ينبغي عليك رفض الشركة مع يوحنا الأنطاكي ومجمعه المارق، لأنهم رفضوا الاشتراك معنا في عزل نسطوريوس، ولأنهم كانوا حلفائه حتى وقت مغادرتك، ولأنهم تجرأوا على انتهاك جميع القوانين من أجل حرم كيرلس وممنون، بل بشكل خاص، لأنهم حتى هذا اليوم يدافعون عن تعاليم نسطوريوس، بالإضافة إلى أن الكثير منهم كانوا من أتباع كالستوس (البيلاجيين)*، ولهذا السبب هم محرمون**، في الأخير، لأنهم لم يترجعوا عن الافتراء على مجمع العالم كله باعتباره مجمعًا هرطوقيًا”.

Ibid, p. 87.

 وتظهر هنا الحقيقة بجلاء أن مجمع أفسس المسكوني ٤٣١م برئاسة البابا كيرلس السكندري عمود الدين لم يقم بحرم البيلاجيين بسبب إنكارهم لوراثة الخطية الأصلية، بل لأنهم تحالفوا مع النساطرة ضد المجمع المسكوني، وانضموا إلى مجمع يوحنا الأنطاكي الموازي المناهض للمجمع المسكوني برئاسة ق. كيرلس السكندري وممنون أسقف أفسس، هذا بالإضافة إلى انتهاكهم لقوانين المجمع واستخفافهم به وبقرارته، ورفضهم عزل نسطوريوس وقطعه من شركة الكنيسة.

وفي هذا كله لم تأت سيرة وراثة الخطية الأصلية لا من قريب ولا من بعيد، بل جُل ما في الأمر هو تحالف البيلاجيين وانضمامهم في صف النساطرة ورفضهم القبول بعزل نسطوريوس. رجائي إلى مَن يقومون بهرطقة الآخر أن يكفوا عن ذلك، ويفيقوا إلى ضمائرهم لعلهم يستدركون أخطاءهم تفاديًا للمزيد من الانقسامات والانشقاقات في الكنيسة.

الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني ٤٣١م – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي

 سأتحدث عن مفهوم الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي، تلميذ القديس بوليكاربوس أسقف أزمير، الذي كان تلميذًا للقديس يوحنا الحبيب بن زبدي، أحد تلاميذ الرب. ولكننا أثناء البحث في كتابات ق. إيرينيؤس لم نجد أية إشارات إلى موضوع وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج كما عند أوغسطينوس ومن بعده لاهوت العصر الوسيط والإصلاح.

وبالتالي هذا يؤكد على أن التعليم بوراثة الخطية الأصلية لم يكن تعليمًا رسوليًا من الأساس، والدليل أن ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي لم يأت على ذكره في كتاباته، بل الأدهى إنه كان يرى التعليم بالشر الطبيعي، أو الذنب الطبيعي، أو خطية الطبيعة هو تعليم غنوصي صرف يؤدي إلى الثنائية الغنوصية في طبيعة الله. لذا حارب ق. إيرينيؤس التعليم بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج كتعليم غنوصي غير أرثوذكسي كما سنرى.

 يؤكد ق. إيرينيؤس على رفضه لموضوع خطية الطبيعة أو الذنب الطبيعي، وأننا مخلوقون خطأةً، حيث يقول التالي:

“ولكن لو أن البعض خُلقوا أشرارًا بالطبيعة*، وآخرون خُلقوا صالحين، فإن هؤلاء الأخرين لن يكونوا مستحقين للمديح لكونهم صالحين، لأنهم خُلقوا هكذا، ولا الأولون مستحقون للتوبيخ، لأنهم خُلقوا هكذا أصلاً.

ولكن بما أن جميع البشر هم من نفس الطبيعة، قادرون أن يمسكوا بالحق وأن يعملوه – فالبعض بعدلٍ ينالون المديح بين الناس الذين هم تحت ضبط قوانين صالحة (وبالأكثر من الله)، ويحصلون على شهادة جديدة بسبب اختيارهم الصلاح عمومًا وثباتهم فيه، أما الآخرون يُلامون وينالون دينونة عادلة بسبب رفضهم كل ما هو جميل وصالح”. (ضد الهرطقات ٤: ٣٧: ٢)

 ويرفض ق. إيرينيؤس بشدة موضوع وراثة الخطية أو الذنب من الآباء إلى الأبناء في سياق حديثه عن معجزة شفاء السيد المسيح للمولود أعمى، حيث يقول التالي:

“أما الإنسان المولود أعمى فأعطاه البصر، ليس بكلمة بل بعمل خارجي، وقد فضل ذلك ليس بدون سبب، أو أنه حدث هكذا، بل لكي يبين يد الله، تلك التي شكلت الإنسان في البداية. ولذلك حينما سأله تلاميذه عن سبب ولادة هذا الرجل أعمى، هل بسبب خطيته* هو أم بسبب خطية أبوية*، أجاب: ‘لا هذا أخطأ ولا أبواه، بل لكي تظهر أعمال الله فيه’ (يو٩: ٣).

والآن إن عمل الله هو خلق الإنسان، لأن الكتاب يقول إنه صنع الإنسان بنوع من عملية: ‘وجبل الرب الإله الإنسان ترابًا من الأرض’ (تك٢: ٧)، ولذلك فإن الرب بصق على الأرض وصنع طينًا، وطلى بالطين عيني الأعمى مشيرًا إلى جبلة الإنسان الأصلية كيف تمت، ومظهرًا يد الله لأولئك الذين يمكنهم أن يفهموا بأي يد صنع الإنسان من التراب”. (ضد الهرطقات ٥: ١٥: ٢)

 وفي خضم حديثه عن معمودية الأطفال، لم يأت ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي على ذكر أن معمودية الأطفال كانت في العصر الرسولي لمغفرة خطية آدم الأصلية، بل تحدث عن أن معمودية الأطفال هي ولادة ثانية من الله وتقديس لهم من المسيح الذي قدسهم ببشريته المقدسة بأن مر بنفس مراحل سن الإنسان مقدسًا كل مرحلة من مراحل عمر الإنسان في نفسه كالتالي:

“لذلك لكونه معلم، فكان له عمر ثلاثون سنة، دون أن يحتقر أو يتجنب أي حالة من حالات البشرية*، ولم يهمل ذلك الناموس الذي كان قد وضعه للجنس البشري، بل قدس كل سن بواسطة المرحلة المقابلة لها في نفسه*، لأنه جاء ليخلص الكل من خلال نفسه*. أقول الكل، الذي من خلاله يُولد الأطفال ثانيةً لله*، والأولاد، والفتيان، والشبان، والكبار.

إذًا، فهو قد عبر بكل عمر، فصار طفلاً للأطفال، وهكذا قدس الأطفال*، وولدًا للأولاد وبذلك قدس أصحاب هذا السن، وصائرًا في نفس الوقت في البر والتقوى والخضوع، وصار شابًا للشبان، صائرًا مثالاً للشبان، وصار بالمثل كامل السن لكاملي السن لكي يكون معلمًا كاملاً للجميع، ليس فقط بأن يعلن الحق، بل أيضًا من جهة السن، مقدسًا في نفس الوقت كاملي السن، صائرًا مثالاً أيضًا”. (ضد الهرطقات ٢: ٢٢: ٤)

 ويستطرد ق. إيرينيؤس في حديثه عن مصير أطفال بيت لحم الذين استُشهدوا قبل موت المسيح على الصليب وقيامته، حيث يؤكد ق. إيرينيؤس على أنهم صاروا شهداءً من أجل المسيح المولود في بيت لحم، لذا نصيبهم السعيد هو الملكوت، على العكس من أوغسطينوس الذي يؤكد أن الأطفال الذين يموتون قبل المعمودية بسبب وراثتهم للخطية الأصلية لا يدخلون الملكوت، بل يدخلون الجحيم للعقاب والهلاك الأبدي. وبالتالي نرى الفرق واضحًا بين تعليم ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي وتعليم أوغسطينوس بخصوص مصير الأطفال الذين يموتون قبل المعمودية، حيث يقول التالي:

“ولهذا السبب أيضًا، أخذ هو فجأة أولئك الأطفال – الذين من بيت داود – الذين كان نصيبهم السعيد* أن يُولدوا في ذلك الوقت لكي يرسلهم مسبقًا إلى ملكوته*، وحيث أنه كان طفلاً، فقد رتب أن يصير الأطفال شهداءً، يُذبحون حسب الكتب لأجل المسيح المولود في بيت لحم اليهودية في مدينة داود (مت٢: ١٦)”. (ضد الهرطقات ٣: ١٦: ٤)

 كما يؤكد ق. إيرينيؤس على أن خصائص الأطفال البشريين أنهم لا يعرفون الخير من الشر، بسبب طبيعتهم البريئة، حيث يقول التالي:

“إذًا، فالروح القدس قد أشار بعناية بواسطة ما قيل إلى ميلاده من عذراء وإلى جوهره، أي أنه الله، لأن اسم عمانوئيل يوضح ذلك، ويبين إنه إنسان، حينما يقول: ‘زبدًا وعسلاً يأكل’، ومن قوله عنه أنه طفل يقول: ‘قبل أن يعرف الخير والشر’، فكل هذه هي خصائص الطفل البشري*، وأما أنه لا يوافق على الشر، وإنه يختار الخير، فهذا ما يخص الله”. (ضد الهرطقات ٣: ٢١: ٤)

 كما يتحدث ق. إيرينيؤس عن أن الشيطان أورث آدم الأول الموت، حيث يقول التالي:

“لأن آدم الأول صار إناءً للشيطان الذي امتلكه، وأمسكه تحت سلطانه بأن أدخل الخطية إليه ظلمًا، وتحت ستار عدم الموت أورثه الموت*. لأنه بينما وعد بأنهم ينبغي أن يكونوا آلهةً، وهو ما لا يمكن حدوثه، فإنه جلب الموت عليهم: لذلك، فهذا الذي أسر الإنسان، أسره الله بدوره بعدلٍ، بل وقد تم فك الإنسان المأسور من رباطات الدينونة”. (ضد الهرطقات ٣: ٢٣: ١)

 وهكذا يؤكد ق. إيرينيؤس أن الموت لم يكن عقوبة من الله على عصيان الإنسان، بل سمح به إشفاقًا على الإنسان، لئلا يصير خاطئًا للأبد، وتصير الخطية مؤبدة، حيث يقول التالي:

“لذلك أيضًا طرد الله الإنسان من الفردوس، ونقله بعيدًا عن شجرة الحياة، ليس لأنه يحسده على شحرة الحياة*، كما يزعم البعض، بل لأنه أشفق عليه*، ولم يرغب له أن يستمر خاطئًا إلى الأبد، ولا تكون الخطية التي أحاطت به خالدةً، ولا يكون الشر غير متناهٍ وعديم العلاج*. ولكنه وضع حدًا لخطيئته* بأن أدخل الموت، وهكذا أوقف الخطية* بأن وضع لها نهاية بإنحلال الجسد، الذي يحدث في داخل الأرض، حتى أن الإنسان، إذ يكف عن الحياة في الخطيئة، ويموت عنها يبدأ أن يحيا لله”. (ضد الهرطقات ٣: ٢٣: ٦)

 ويستطرد ق. إيرينيؤس مؤكدًا على نوال الإنسان لمعرفة الخير والشر قبل السقوط، ولكنه بعد العصيان والسقوط اختبر بقوته العقلية والإدراكية نتائج العصيان، لكي ما يتعلم أن يختار فيما بعد الأمور الأفضل. وهكذا يؤكد على وجود حرية الإرادة وحرية الاختيار قبل السقوط وبعده داحضًا بذلك التعليم بالإرادة المقيدة بالشر والخطية عند أوغسطينوس، حيث يقول التالي:

“الإنسان قد نال معرفة الخير والشر. فهو خير أن تطيع الله، وتؤمن به، وتحفظ وصاياه، وهذه هي حياة الإنسان، فعدم الطاعة شر، وهذا هو موت الإنسان. لذلك، حيث أن الله أعطى الإنسان مثل هذه القوة العقلية*، عرف الإنسان أن الطاعة خير كما عرف شر العصيان*، وأن عين الذهن إذ تنال اختبار الاثنين يمكن بالتمييز أن تختار الأشياء الأفضل، لكي لا يصير أبدًا متراخيًا أو مهملاً لأمر الله*.

وإذ يتعلم بالاختبار أن عصيان الله هو أمر شرير يحرمه من الحياة*، فلا يحاول أبدًا أن يعصى الله، بل إذ يعرف ما يحفظ حياته أي أن طاعة الله صالحه، فإنه يحفظ الطاعة باجتهاد وبكل جدية. لذلك، فهو يملك أيضًا اختبارًا مزدوجًا*، إذ له معرفة النوعين*، حتى بالتدريب يمكن أن يختار الأمور الأفضل”. (ضد الهرطقات ٤: ٣٩: ١)

 وهكذا نستنتج من عرض مفهوم الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي، عدم وجود التعليم بوراثة الخطية الأصلية أو الذنب الموروث، لأن هذا التعليم بالنسبة للقديس إيرينيؤس هو تعليم غنوصي صرف دأب طوال حياته على محاربته هو وباقي العقائد الغنوصية الخاطئة.

الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد

يُعد ق. يوستينوس أحد آباء الكنيسة المدافعين في القرن الثاني عن إيمان الكنيسة في مواجهة الفلاسفة الوثنيين، والغنوصيين الهراطقة، ولديه دفاعين عن المسيحية أرسلهما إلى للإمبراطور الروماني دفاعًا عن الإيمان المسيحي السليم، الذي كان يتم تشويهه عمدًا من قِبل الوثنيين.

سوف نفحص نصوص كتابات ق. يوستينوس الشهيد للوقوف على فكره بخصوص الخطية الجدية أي خطية آدم، وهل كان يؤمن بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج كما هي في المفهوم اﻷوغسطيني اللاحق، أم مثله مثل جميع الآباء اليونانيين يؤمن بوراثة نتائج الخطية فقط أي الفساد الموت.

يتحدث ق. يوستينوس عن أن الخطية هي فعل إرادي شخصي لا يُورث من الأب إلى الابن، ولا يهلك الأب عوضًا عن خطية الابن، والعكس صحيح، بل كل واحد يهلك أو يخلص بأعماله الصالحة أو الشريرة، كما يرفض سبق التعيين والاختيار من الله للبشر ليكونوا أبرارًا أو خطأةً، بل يؤكد على أن كل شخص بإرادته يصير بارًا أو خاطئًا كالتالي:

“ولما قال حزقيال إنه لو طلب نوح، أو دانيال، أو أيوب، أن يخلّصوا أبناء أو بنات لا يُعطى لهم، ولا يهلك أب عوضًا عن ابن، ولا الابن عن الأب، بل كل واحد بخطيته* يهلك أو بأعماله الصالحة يخلُص. ويقول إشعياء أيضًا: ‘يرون جثث العصاة، فإن دودهم لا يموت، ونارهم لا تُطفأ، ويكونون منظرًا لكل ذي جسد’ (إش٦٦: ٢٤)، ولما قال ربنا بحسب مشيئة الآب ورب الكل الذي أرسله: ‘إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب يتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت السماوات، أما بنو الملكوت فيُطرحون إلى الظلمة الخارجية’ (مت٨: ١١-١٢)، وقد أوضحت لكم قبلاً أن الذين عرفهم الله بسابق علمه كخطأة سواء كانوا أناسًا أو ملائكةً فهم يصيرون هكذا ليس بسبب الله*، بل كُلّ بسبب خطيته*”.

القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد، ترجمة: أ. آمال فؤاد، (القاهرة: إصدار باناريون للتراث الآبائي، ٢٠١٢)، الحوار مع تريفون اليهودي، الفصل ١٤٠، ص ٣١٩.

 

ويؤكد ق. يوستينوس أيضًا على حرية إرادة الإنسان منذ خلقه الله في مقابل تعليم القدرية والجبرية عند الفلاسفة الرواقيين، وأن الخطية فعل إرادي محض يفعله الإنسان بحرية إرادته دون تدخل من الله، على الرغم من أن الله أراده أن يسير بحسب مشيئته الإلهية الصالحة، إلا أنه ترك له حرية الاختيار كالتالي:

“أود أن أقول إن الله على الرغم من أنه أراد للناس والملائكة أن يسيروا بحسب إرادته، إلا أنه سُر أن يخلقهم بإرادة حرة من ناحية ممارسة الفضيلة واستخدام العقل لكيما يعرفوا خالقهم – الذي به جاءوا من العدم إلى الوجود – والذي أعطاهم ناموسًا يُحاكمون به في حالة عمل أي شيء مناف للعقل. ولذا ما لم نتب سريعًا فإننا – سواء أناس أو ملائكة – سنُدان بسبب خطايانا.

وإذا كانت كلمة الله تنبئ بأن بعض الناس والملائكة ستقع عليهم عقوبةً، فذلك لأن الله يعلم مسبقًا بخطيتهم التي بلا توبة، وليس لأن الله خلقهم هكذا. ولذا فإن كل مَن يتوب بإرادته ينال رحمة من الله، ويُدعى مباركًا في الكتاب المقدس الذي يقول: ‘طوبى لمَّن لا يحسب الرب له خطية'”.

المرجع السابق، الفصل ١٤١، ص ٣١٩.

 

ويؤكد ق. يوستينوس أيضًا على أن الخطية فعل إرادي يفعله الإنسان بمحض إرادته وليست خطية موروثة كالتالي:

“وتعلمنا أيضًا أن الله في صلاحه خلق كل شيء في البدء من مادة غير مهيأة لأجل الإنسان. وإذا أثبت المرء بأعماله أنه جدير بخطة الله فسيكون مستحقًا لأن يسكن معه ويملك معه ويتحرر من كل فساد وألم. وكما أنه في البدء خلقنا إذ لم نكن، هكذا نحن نؤمن أيضًا أن مَن يختار إرضاء الله فبسبب هذا الاختيار سيكون مستحقًا للحياة الأبدية في حضرة الله. إنه لم يكن في مقدورنا أن نخلق ذواتنا، ولكننا نؤمن أننا نستطيع أن نعمل الأعمال المرضية أمامه باختيارنا بحسب ما وهبنا من قدرات عقلية. هذه هي قناعتنا وهذا هو ما يقودنا إلى الإيمان به”.

المرجع السابق، الدفاع الأول، الفصل العاشر، ص ٣٦، ٣٧.

 

ويؤكد ق. يوستينوس في نفس السياق على حرية إرادة الإنسان في ارتكاب الفضيلة أو الرذيلة داحضًا التعليم بالإرادة المقيدة بالشر كالتالي:

“وعندما خلق الله الإنسان في البدء وهبه قوة الفهم، واختيار الحق، وعمل الصواب، ولذلك فإن كل الناس بلا عذر أمام الله، لأنهم وُلدوا قادرين على التفكير والتأمل*. وإذا كان أحد لا يؤمن أن الله يهتم بهذه الأمور، فكأنه يقول إما أن الله غير موجود، أو إنه موجود ولكنه يسعد بالشر*، أو إنه مثل الحجر [لا يتأثر] وعلى ذلك تكون أيضًا كل من الفضيلة والرذيلة أشياء غير حقيقية، بل إن الأمور تُعتبر فقط صالحة أو شريرة حسب وجهة نظر الناس*، وهذا هو أعظم الشرور وعدم التقوى”.

المرجع السابق، الفصل ٢٨، ص ٥٧.

 

ثم ينتقل ق. يوستينوس للحديث عن أسباب المعمودية وطقسها الذي يعود إلى الرسل. حيث يؤكد ق. يوستينوس على أن المعمودية باسم الثالوث القدوس هي تقليد رسولي من أجل الولادة الثانية من الماء والروح، ومن أجل استنارة العقول، ومن أجل غفران الخطايا السابقة للبالغين الذين أخطأوا قبل المعمودية، ولم يأت على ذكر أن المعمودية كانت لمغفرة الخطية الأصلية الموروثة من آدم بالتناسل، لأن هذا المفهوم بالنسبة للقديس يوستينوس هو مفهوم غنوصي حاربه ق. يوستينوس في جميع كتاباته بضراوة. حيث يقول التالي:

“ثم نقودهم إلى مكان به مياه فيُولدون من جديد* بنفس الطريقة التي قد وُلدنا بها ثانيةً* باسم الله أبي وسيد كل أحد ومخلصنا يسوع المسيح والروح القدس، ثم ينالون الاغتسال بالماء لأن المسيح قد قال: إن لم تُولدوا مرة ثانيةً فلن تدخلوا ملكوت السموات (يو٣: ٣) ، ومن الواضح للحميع أنه لا يمكن لأحد أن يدخل بطن أمه ويُولد ثانيةً […] وهذا هو السبب الذي علمنا إياه الرسل* لممارسة المعمودية بهذه الطريقة. فنحن لم ندرك ميلادنا الأول على الإطلاق، بل وُلدنا اضطرارًا من أصل سائل من خلال اتحاد أبوينا، ثم تمرسنا في عادات خاطئة وشريرة*.

ولكي لا نظل أبناءً للاضطرار والجهل، بل نصير ابناء الاختيار الحر والمعرفة* ولكي ننال مغفرة خطايانا السابقة*، ففي الماء يتم الدعاء باسم الله سيد وأبي الكل على الشخص الذي يريد أن يُولد من جديد*، وقد تاب عن خطاياه*، وهذه التسمية وحدها هي التي ينطق بها مَن يقود المعمد إلى جرن المعمودية، لأنه ليس لأحد أن يطلق أسماء على الله غير الموصوف، وإذا تجرأ أحد على ذلك فهو يُعتبر مختل العقل.

وهذا الاغتسال يُسمى استنارة* لأن الذين ينالون هذا السر تستنير عقولهم، وأيضًا الذي ينال الاستنارة* يعتمد باسم يسوع المسيح الذي صُلب في عهد بيلاطس البنطي، وباسم الروح القدس الذي سبق وبشر من خلال الأنبياء عن كل الأمور الخاصة بيسوع”.

المرجع السابق، الفصل ٦١، ص ٨٨، ٨٩.

 

ويدحض ق. يوستينوس مرة أخرى آراء الفلاسفة الرواقيين ومن ورائهم الغنوصيين بالقدرية والجبرية مؤكدًا على حرية إرادة الإنسان، وإنهم بقولهم ذلك إما يؤكدون على التحول والتغير الدائم لله أو وجود الله في كل خطية، فالتعليم بالشر الموروث أو الخطية الموروث، والإرادة المقيدة بالشر، وسبق تعيين الخطاة يرتد بالأساس على الله وهكذا يؤكد وجوده جزئيًا أو كليًا في كل خطية، حيث يقول التالي:

“فبقولهم إن أفعال البشر تخضع للقدر* هم يعترفون بأنه: إما أن الله ليس سوى تلك الأشياء التي تتحول وتتغير على الدوام*، وتذوب في العناصر ذاتها – ويبدو أنهم لا يدركون إلا الأمور الفانية – ويؤكدون أن الله ذاته جزئيًا أو كليًا يوجد في كل خطية*، وإنه لا يوجد ما يُسمى بالرذيلة والفضيلة على الإطلاق، وهذا ضد كل رأي، وعقل، ومنطق سليم”.

المرجع السابق، الدفاع الثاني، الفصل السابع، ص ١١٣.

 

ويؤكد ق. يوستينوس على أن البشر مثل آدم وحواء جلبوا على أنفسهم الموت بسبب تعديهم وصايا الله، ويؤكد على أن غاية الله من خلق الإنسان هو أن يمنحه التأله بالنعمة والتحرر من الألم والموت، حيث يقول التالي:

“ولكنني لا أنوي الخوض في هذه النقطة، بل أن أثبت لكم أن الروح القدس يوبخ الناس الذين خُلقوا على صورة الله متحررين من الألم والموت بشرط إطاعة وصاياه، وحُسبوا مستحقين أن يُدعوا أبناء الله ولكنهم مثل آدم وحواء جلبوا الموت على أنفسهم*، فلكم أن تفسروا المزمور السابق كما شئتم. لقد بيّن لنا المزمور أنهم حُسبوا مستحقين أن يصيروا آلهةً*، ويكون لهم السلطان أن يصيروا أبناء العلي، إلا أنهم سقطوا تحت الحكم والدينونة كما حدث مع آدم وحواء”.

المرجع السابق، الحوار مع تريفون اليهودي، الفصل ١٢٤، ص ٢٩٩.

 

ويؤكد ق. يوستينوس على أن المسيح لم يكن محتاجًا للتنازل والميلاد والصلب، بل فعل ذلك فقط من أجل الإنسان الساقط تحت سلطان الموت وغواية الحية، مؤكدًا على أن الخطية لا تُورث، بل هي فعل إرادي شخصي خاص بكل واحد من البشر حسب حرية إرادته كالتالي:

“كذلك فإن المسيح لم يتنازل ويُولد ويُصلب، لأنه كان محتاجًا للميلاد أو الصلب، بل فعل هذا فقط لأجل الإنسان الذي منذ وقت آدم هو ساقط تحت سلطان الموت وغواية الحية، إذ كان لكل إنسان تعدياته وشروره الخاصة*. وإذ أراد الله أن يفعل الملائكة والناس ما أعطاهم القدرة على فعله، وهبهم حرية الإرادة والقدرة على الاختيار* حتى إنهم إذا اختاروا أن يفعلوا ما يرضيه يحفظهم للحياة الأبدية بلا دينونة، ولكن إذا فضّلوا أن يفعلوا الشر فهو يعاقب كل واحد كما يشاء”.

المرجع السابق، الفصل ٨٨، ص ٢٥٤.

 

ويحذر ق. يوستينوس تحذيرًا شديدًا من مزاعم أن الجسد هو أصل الخطية، وإنه الذي يدفع النفس لارتكاب الخطية، بل العكس صحيح يأتي التحفيز على فعل الخطية من الإرادة في النفس، وهكذا يخطئ الاثنان معًا، وهنا يدحض مزاعم الغنوصية بانتقال الخطية بالتناسل والتزواج عن طريق الجسد، وهكذا يدحض تعليم الخطية الأصلية الموروثة بالتناسل والتزاوج كالتالي:

“إنهم يدّعون في مزاعمهم أن الجسد هو أصل الخطية*، وهو الذي يدفع الروح إلى السقوط معه، وبالتالي يلقون عليه وحده مسئولية سقوط كل من الروح والجسد معًا. ولكن هل يمكن للجسد أن يخطئ وحده بدون أن تحفزه الروح أولاً على الخطية*؟ […] كما أنه إذا كان الجسد وحده هو مصدر الخطية. إذًا، فقد جاء المخلص من أجله فقط*، حيث يقول الكتاب: ‘لم آت لأدعو أبرارًا، بل خطأةً إلى التوبة’ (مر٢: ١٧)، وقد أثبتنا قبلاً أن الجسد البشري ثمين في عيني الله* وهو أثمن مخلوقاته، لذا فقد جاء يسوع المسيح ليخلصه من الخطية”.

المرجع السابق، عن القيامة، الفصل ٨، ص ٤١٨.

 

نستنتج من هنا أن ق. يوستينوس الشهيد لم يعلم بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج مثله مثل جميع الآباء اليونانيين قبله وبعده، ولم يأت أي ذكر لتعليم الخطية الموروثة، أو الإرادة المقيدة بالشر، أو سبق التعيين للأبرار والخطاة في كتاباته كما هي في المفهوم اﻷوغسطيني.

الخطية الجدية عند القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد – د. أنطون جرجس

Exit mobile version