التعليم العام والخاص في الكتاب المقدس – التعرف على الأشخاص المقصودين بالرسالة

التعليم العام والخاص في الكتاب المقدس – التعرف على الأشخاص المقصودين بالرسالة

التعليم العام والخاص في الكتاب المقدس – التعرف على الأشخاص المقصودين بالرسالة

التعليم العام والخاص في الكتاب المقدس – التعرف على الأشخاص المقصودين بالرسالة

المبدأ الإرشادي: كل تعليم في الكتاب المقدس يجب أن نقبله بصورة عامة، إلا إذا قام الكتاب المقدس نفسه بتحديد الأشخاص الموجه لهم هذا التعليم، سواء في سياق المقطع نفسه أو في تعليم كتابي آخر.

بعد التأكد من معنى مقطع ما، يجب أن يتم تطبيقه على الحياة. وفي الفصل الأخير سنقوم بدراسة الإرشادات الخاصة بتطبيق الكتاب المقدس. لكن قبل أن نستطيع القيام بذلك، يجب الإجابة على سؤال أساسي، وهو: “هل الرسالة الموجودة في هذا المقطع موجهة للناس في كل الأزمنة، أم أنها موجهة لشخص معين أو لجماعة معينة من الناس لا تشملني؟”

للإجابة على هذا السؤال الجوهري، سنتجه الآن إلى المعايير المبنية على الافتراض المسبق بأن الكتاب المقدس وحده هو السلطة المطلقة والنهائية للإيمان والحياة. ولذلك فإننا يجب أن نتجه إلى الكتاب المقدس نفسه لكي نقرر من هم المتلقين الذين كان الله يقصدهم في أي مقطع من المقاطع الكتابية. توجد عدة طرق لتحديد الأشخاص الموجهة لهم الرسالة، وهي: السياق، الأشخاص الذين حددهم مؤلف السفر نفسه، التاريخ، والأجزاء الكتابية الأخرى.

السياق

قد يوضح السياق المباشر للمقطع أشخاصاً محددين. فقد يذكر المؤلف بوضوح المتلقي المقصود للرسالة التي يقولها، أو قد يكون من الممكن فهم ذلك ضمنياً من السياق.

الأشخاص الذين عينهم مؤلف السفر الكتابي

حدد إنجيل متى الأشخاص المتلقين لرسالته عندما سجل كلمات يسوع: “طوبى للمساكين بالروح” (مت 5: 3). فكل من هم مساكين بالروح مؤهلون لنوال البركة. وعندما سجل إنجيل لوقا كلمات يسوع، “طوباكم إيها المساكين لأن لكم ملكوت الله” (لو 6: 20)، كان يحدد المتلقين من بين كل المساكين مادياً في العالم، فهؤلاء الناس الذين كان يسوع يخاطبهم كانوا مباركين. لكن بالتأكيد ليس كل الفقراء والمساكين مباركين، وقد نشأ ارتباك كبير من تفنيد هذين المقطعين، الذين تم فيهما بوضوح تحديد المتلقين.

كان كل من يسوع وبولس أعزباً، وقد علما أسباباً لتفوق هذه الحالة من العزوبية (مت 19: 12؛ 1كور 7: 8). لكن كل من يسوع وبولس، في سياقي هذين المقطعين، قد قصر تطبيق ذلك التعليم على فئة معينة. فقد قال يسوع، في إجابته على ملاحظة التلاميذ بأنه من الأفضل أن يظل المرء عازباً (حيث أن خيار الطلاق قد تم استبعاده)، “ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أعطي لهم”.

كما قال بولس أنه رغم أنه سيكون جيداً لو كان الجميع غير متزوجين مثله، إلا أنه ليس كل إنسان لديه القدرة على أن يظل عازباً. وهكذا فإن هذا التعليم ليس موجهاً لجميع المسيحيين، بل فقط لمن أعطيت لهم هذه القدرة. لذلك من المهم أن نحدد من السياق نفسه، وليس بحسب تفضيل المرء اللاهوتي أو الثقافي أو الشخصي، الأشخاص الذين قصدهم المؤلف، سواء كانوا الناس كلهم أم المؤمنين فقط؛ مسيحيي القرن الأول أم جميع المسيحيين؛ الأشخاص الموجه لهم الكلام فقط أم الآخرين أيضاً.

التاريخ كإعلان

هناك سجل موحى به لتاريخ الفداء، وهو مدون كمثال لنا ولأجل إنذارنا (1كور 10: 11). فكل ما يدونه الكتاب المقدس هو حق وصحيح؛ والتاريخ قد حدث بالطريقة المذكورة فعلاً في الكتاب المقدس. لكن يكون التاريخ سلطوياً كنموذج للسلوك – باعتباره معياراً معطى من الله لجميع الناس في كل الأزمنة – فإن أي حدث تاريخي يجب أن يتم تعيينه بهذا الاعتبار بواسطة شخص مخول بسلطة التحدث باسم الله. فمجرد تدوين حدث ما وقع بالفعل، لا يجعل منه بالضرورة اعلاناً لمشيئة الله العامة الشاملة.

غالباً ما يتم تدوين الأحداث التاريخية بدون تعليق عن رضى الله أو عدم رضاه عنها، كما في حالة بنات لوط والأمر المحرم الذي فعلتاه (تك 19: 34). فحتى عندما يتم عمل تقييم أخلاقي – بإدانة فعل ما أو مدحه – فإن السبب في ذلك التقييم قد لا يكون مدوناً. لهذا السبب، ربما لا تشير الكتب المقدسة في أي مكان فيها لأي حدث، بسبب وجوده في الكتاب المقدس، أنه قد أصبح معيارياً لجميع الناس في كل الأزمنة.

فكم بالحري تكون الدلائل أقل، على أن الأنشطة غير المدونة فيه يجب أن تكون محظورة. ومع ذلك فالدارسين المتحمسين للكتاب المقدس يقومون باستمرار بوضع معايير للسلوك من سفر الأعمال مثلاً. فمبادئ النشاط الارسالي الأصيل، التي تشمل ما يجب فعله وما لا يجب فعله، يتم استنتاجها مما كان الرسل يفعلونه أو لا يفعلونه.

فالمعمودية الفورية للمنضمين إلى المسيحية، وحظ الآلات الموسيقية في أبنية الكنيسة، والكثير من الأمور المحددة غير ذلك، قد أصبحت معيارية على أساس كونها موجودة أو غير موجودة في الكنيسة الرسولية. كثيرون من الناس يستخدمون سفر أعمال الرسل بهذه الطريقة مثلاً لبناء عقيدة أن التكلم بألسنة هي علامة ضرورية للملء بالروح القدس.

لكن هذا استخدام غير سليم للتاريخ المدون في الكتاب المقدس. (يوجد استخدام سليم للتاريخ، والذي سندرسه فيما بعد). فكر مثلاً في نوعين من التعاليم المرتبطة بالتاريخ: الأحداث التاريخية والتعاليم الموجهة إلى شخص معين أو إلى جماعة معينة.

الأحداث التاريخية. حديث أليهو إلى أيوب مثلاً، قد يكون له معنى أو قد لا يكون، إذ ليست له سلطة كحق معلن. فالوحي المعطى في سفر أيوب يقصد به فقط أن تدوين حديث أليهو صحيح ودقيق.

إننا نقوم باستمرار باعتبار رد بولس على السجان معيارياً “آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك” (أع 16: 31)، ولكننا نرفض بإصرار أن نجعل رد المسيح على سؤال مماثل من الشاب الغني معيارياً، “اذهب وبع أموالك وأعط الفقراء وتعال اتبعني”. ونحن نرفض ذلك رغم أن المسيح يكرره في لوقا 12: 33 كعبارة معيارية.

ولماذا نميل لاعتبار أن سلوك بولس هو نموذجي دائماً، بينما سلوك بطرس (في معظم الأحيان) هو عكس ذلك دائماً؟ ربما كان بعض مما فعله بولس سيئاً، وربما كان بعض ما فعله بطرس جيداً!

وهكذا فأي حدث أو سلوك معين يجب ألا يتم اعتباره معيارياً بالنسبة لنا اليوم، فقط لأنه مدون في الكتاب المقدس، إذ يجب أن يتم تقييمه في ضوء التعليم الكتابي المباشر.

التعاليم الموجهة إلى شخص معين أو جماعة معينة. توجد العديد من المقاطع في الكتاب المقدس موجهة لفرد أو لجماعة معينة. فعندما تتفق هذه الأوامر والتعاليم الموجهة إلى شخص أو جماعة معينة وتتوازى مع التعاليم العامة الموجودة في مكان آخر. يمكن عندئذ اعتبارها معيارية، ولكن لا يجوز القيام بهذا الأمر على أساسها هي وحدها.

فعندما قال الله لموسى “اخلع حذاءك من رجليك لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة” (خر 3: 5)، أو عندما قال المسيح للتلميذين “تجدان أتان مربوطة وجحشاً معها فحلاهما وأتياني بهما” (مت 21: 2)، يتفق الجميع على أن هذه الأوامر كان أموراً تاريخية معينة، وليس يجب أن يتم تطبقها على أي إنسان غير موسى أو التلميذين. لكن هذا المبدأ يمكن أن يساء استخدامه، بحيث أن كل تعاليم المسيح أو تلك التعاليم الموجودة في الرسائل يعتبرها البعض معينة تاريخياً، وليس معيارية.

فالبعض يعتقد أن المسيح كان يتحدث إلى تلاميذه فقط أو لأناس معينين، وبالتالي فإن مثل هذه التعاليم لا تنطبق بالضرورة علينا اليوم. كما يسعى البعض للتمييز بين الرسائل، فيعتبرون بعض الرسائل أقل سلطوية من غيرها، لأنها كانت مكتوبة لمواقف محددة ولم تكن موجهة للكنيسة عامة، ولهذا السبب لا يعتبرها البعض أنها سلطوية بالنسبة لنا اليوم.

هناك سؤال مشابه يثار بخصوص مزامير اللعنات، والسؤال هو، هل نموذج كاتب المزمور هذه صحيح أم خاطئ؟[1] فتلك المزامير تدعو الله لكي يلعن أعداء كاتبي هذه المزامير. لكن الحقيقة أن هذه المزامير هي كشف أصيل عن مشاعر واختبارات مؤلفيها. لكن البعض يتساءلون إن كان أمراً سليماً أن نمنح هذه الأجزاء مكانة الشهادة الموحى به أم لا.

إلا أننا مرة أخرى يجب أن نصر على أن أي اتجاه نحو الكتاب المقدس لا بد أن يكون هو الاتجاه الذي يأخذه الكتاب المقدس عن نفسه، وإلا لن يكون الكتاب المقدس هو السلطة النهائية المطلقة. وقد تعامل الرسل مع تعاليم المسيح باعتبار أن لها سلطة مطلقة. والأكثر من ذلك، لا يوجد شيء داخل الكتاب المقدس يفترض أن هناك تمييز بين الرسائل وبعضها البعض أو بين شهادة كاتب المزمور وإعلان إرادة الله.

فالعهد الجديد يتعامل مع المزامير باستمرار باعتبارها إعلانات عن إرادة الله. كما يتعامل بطرس مع كتابات بولس بنفس الطريقة (2بط 3: 15-16).

يجب أن نتعامل مع المزامير، ومع تعاليم المسيح، ومع تعاليم الرسائل باعتبارها شاملة وعامة في تطبيقها ومعيارية بالنسبة لنا اليوم لأنه هذه هي الطريقة التي تعامل بها الرسل الأوائل مع تلك التعاليم. ويجب أن يظل هذا الأمر صحيحاً إلا إذا أظهر السياق نفسه قصراً تاريخياً واضحاً على الشخص أو الجماعة التي يخاطبها.

فمثلاً، عندما يقدم بولس قائمة بالتحيات والتعليمات الخاص في نهاية كل رسالة، فإن يكون من الواضح أن السياق يقصر تطبيق هذا الأمر على شخص ومناسبة معينة. وفي الحالات التي يكون من الصعب فيها التمييز، فلأجل الحفاظ على السلطة المستقلة للكتاب المقدس، يجب أن نفترض الطبيعة المعيارية لتعاليم الكتاب المقدس بدلاً من الاستغناء عنها بمنتهى السهولة.

إذ أن توسيع مجال هذا المبدأ سيكلفنا الكثير فيما يختص بالسلطة المستقلة للكتاب المقدس.

باختصار، يمكن للكتاب المقدس نفسه أن يقوم بتحديد الأشخاص الموجه لهم الكلام في السياق المباشر من خلال عبارة معينة يقولها المؤلف أو من خلال مطلب واضح للخلفية التاريخية.

الإعلان اللاحق

يمكن للإعلان اللاحق أن يقوم بتوضيح الأشخاص المتلقين لأي تعليم ما. فعلى سبيل المثال، لا تنطبق جميع تعاليم العهد القديم على المسيحيين في العهد الجديد.

وأوضح مثال على ذلك هو نظام الذبائح بأكمله الذي انتهى بمجيء المسيح (عب 9-10). لكن الكتاب المقدس نفسه هو الذي يجب أن يحدد أي تغيير في المتلقي يقصده المؤلف، وإلا يفقد الكتاب المقدس سلطته المستقلة، لصالح الشخص الذي يقوم باستبعاد أي تعليم دون الرجوع إلى السلطة الكتابية.

إلا أن البعض يقومون بعدم السماح باستخدام أي تعليم من العهد القديم باعتباره معيارياً، إذ يعتقدون أنه لا يوجد أي تعليم ملزم في العهد القديم بالنسبة للمسيحي إلا إذا تكرر في العهد الجديد. لكن الحاجة إلى تكرار العهد الجديد للتعاليم هو إلزام خطير لا ينص عليه العهد الجديد في أي موضع فيه. فقد تعامل مؤلفو العهد الجديد ويسوع نفسه مع العهد القديم (وكان هو الكتاب المقدس الوحيد الذي لديهم حينئذ) باعتباره كلمة الله السلطوية الجديرة بالثقة.

لذلك فليس من الصواب أن نستبعد أي تعليم من العهد القديم بدون تخويل الإعلان اللاحق في العهد الجديد. فالعديد من وصايا العهد القديم، مثل تلك الوصايا التي تناهض البهيمية والاغتصاب، لا يتم تكرارها في العهد الجديد، فهل لذلك لم تعد معيارية؟! لا بد أن نقوم بالتعامل مع الكتاب المقدس كما يتعامل هو مع نفسه، باعتباره كلمة الله التي لها السلطة المطلقة على حياة المسيحي.

بالطبع، يمكن للعهد الجديد أن يستبعد فئة كاملة من التعاليم، لأنه ليس من المعقول أن يتم استبعاد كل التفاصيل المحددة واحدة فواحدة. فمثلاً، جميع التعاليم التي تلخص طريقة الله في التواصل مع شعبه كمواطنين في الدولة (إسرائيل) يتم تعديلها بواسطة تعاليم العهد الجديد عن الكنيسة. فقد قال المسيح “إن مملكتي ليست من هذا العالم”، وهو أمر لا ينطبق بنفس الطريقة على زمن العهد القديم.

والتفاصيل داخل تلك الفئة من التعاليم يمكن رفضها، وكمثال على ذلك، أوامر المسيح الخاصة باستبعاد السيف، فالكنيسة يجب ألا تتقدم بالسيف، كما كان يحدث بالنسبة لإسرائيل القديمة. لكن هناك الكثير من التعاليم الأخرى في العهد القديم هي من نفس هذه الفئة، والتي لا نقوم باستبعادها بالتحديد في العهد الجديد، ولكن هذه التعاليم لم يعد لها فائدة لأن كل هذه الفئة من التعاليم قد تم تعديلها في العهد الجديد.

فمثلاً، القوانين الخاصة بتعاقب الملوك هي مقصورة في تطبيقها على إسرائيل، ولا تنطبق على الكنيسة أو على الحكومة المدنية اليوم، لأن مملكة المسيح “ليست من هذا العالم”.

وفي غلاطية، لم يقم بولس فقط بمنع الختان كعلامة ضرورية على عهد العلاقة مع الله، ولكنه استبعد النظام بأكمله بما فيه الختان. وأعيد تصنيف جميع أنواع الطعام باعتبارها صالحة ومحللة بالنسبة للمسيحيين (مر 7: 13؛ أع 10: 15)، ولذلك فإن القواعد الغذائية، رغم أنها قد تكون مفيدة، لم تعد معيارية بالنسبة للمسيحيين اليوم.

بهذه الطريقة، فإن مناطق معينة من تعاليم العهد القديم – مثل السمة الطقسية للناموس، وعلاقة العهد مع شعب معين من خلال الختان، والحكومة المدنية، والقوانين الغذائية – قد تم بالتحديد استبعادها في العهد الجديد.

إن ظاهرة التعديل اللاحق يتم رؤيتها أيضاً داخل العهد الجديد نفسه. ففي متى 10: 9-10، لم يكن المسيح يخبر المسيحيين في القرن العشرين أن يسافروا بلا نقود، ونحن نعرف ذلك فيما بعد قام المسيح بإلغاء هذا التعليم الأولي (لو 22: 36). لكن ضعف الحجة المعروف، فيما يختص بصمت الكتاب المقدس تجاه أمر كتابي ما، يجب ألا يكون له مكان هنا.

فعندما نعتقد أن التكلم بألسنة لم يعد قائماً، على أساس أن مؤلفي أسفار العهد الجديد توقفوا عن الحديث عنه بعد كتابة بولس لأهل كورنثوس، فهذا معناه أننا نفرض معايير خارجية خاصة بتغيير المتلقين لتعليم كتابي واضح.

لكن ماذا لو أن هناك مبدأ أو سلوك تم تعليمه في جزء معين من الكتاب المقدس كان يبدو أن يتناقض مع ما تم تعليمه في مكان آخر؟ كيف يمكن توجيه كل من التعليمين إلى الكنيسة المعاصرة؟ في عدة مرات، كان هناك مقطعان أو أكثر من الكتاب المقدس يبدو أنهم يقدمون عبارات متناقضة. لكن حيث أننا ملتزمون بالعقيدة الأساسية بأن كل الكتاب هو موحى به من الله، وبالتالي أنه حق وصادق كله، فإن التناقضات الظاهرية يجب أن يتم حسمها بقدر الإمكان.

قم باستخدام جميع مبادئ التفسير لكي تتأكد من المعنى المقصود، وافحص الغرض الذي قصده المؤلف، والأشخاص الموجه إليهم هذا الكلام، والنحويات والقواعد، والخلفيات التاريخية والثقافية للكتابة. فإن ظل المعنى أو المتلقي أو التطبيق غير أكيد، يمكن للمرء أن يطبق ما يطلق عليه “قياس الإيمان” (انظر الفصل 16 للتعرف على التفاصيل الخاصة بهذا المفهوم). يعرف سيليرير هذا المصطلح في دليله التقليدي عن التفسير بالقول:

إن وسيلة التفسير التي يطلق عليها “قياس الإيمان” تلجأ إلى السمة العامة للحق عند تفسير مقطع معين. وبرهانها وسلطتها تختلف بحسب عدد وإجماع ووضوح وتوزيع المقاطع التي تبنى عليها هذه الوسيلة.[2]

بكلمات أخرى، فإن التعليم الذي يجب قبوله للإيمان والطاعة، عندما يكون هناك تناقض ظاهري غير محسوم، هو التعليم الذي يحظى بتأكيد وتركيز ووضوح شديد.

كل هذه المناهج سليمة عند السعي لحسم التناقضات الظاهرية بين تعاليم الكتاب المقدس. ومن المناهج السليمة لتوفيق التعاليم المتناقضة هو أن نرى إن كان كل من هذه التعاليم موجه لنفس الأشخاص أم لا. فمثلاً، يبدو أن بولس يشير إلى أن الشعر الطويل للرجال هو منافي للطبيعة (1كو 11: 4).

لكن الشعر غير المقصوص كان من علامات القداسة بالنسبة للنذير في العهد القديم (قض 13: 5؛ اصم 1: 11). لكن الأشخاص الموجه لهم الكلام في العهد القديم يختلفون عن أولئك الموجه لهم الكلام في العهد الجديد، وهذا الأمر يساعد على تخفيف التوتر والتناقض بين هذين التعليمين. لكن هذا بالطبع لا يحسم مسألة أي من هذين الأمرين، إن كان، ينطبق علينا اليوم.

إذ يجب أن نقوم بتطبيق العديد من الإرشادات التي درسناها في السعي للإجابة على هذا السؤال. لكن المقارنة ستكون مفيدة، إذ تشير إلى أن الشعر الطويل ليس مسألة أخلاقية في جوهرها بالنسبة لكل الرجال في كل الأزمان.

لاحظ أن تطبيق أي من التعاليم التي لم يتم حسمها يجب أن يكون مؤقتاً، وليس بسلطة العقيدة. إن موضوع هذا الفصل واضح، وهو: يجب أن نقبل كل الكتاب المقدس باعتباره معيارياً لكل إنسان في كل المجتمعات وفي كل الأزمنة، إلا إذا قام الكتاب المقدس نفسه بتحديد الأشخاص الموجه لهم الكلام وهذا التحديد يمكن أن يحدث إما في السياق المباشر أو في أجزاء أخرى من الكتاب المقدس.

لكن هناك الكثيرون من الناس الذين يقومون بقصر الأشخاص المتلقين للكلام على الأشخاص الذين كانوا في زمن الكتاب المقدس فقط، بحسب أسس أخرى. لكن إذا كان المرء يقبل السلطة المطلقة والنهائية للكتاب المقدس، فإن أي منهج مثل ذلك لن يكون صائباً. لذلك، قبل المواصلة في دراسة الإرشادات الخاصة بتطبيق التعاليم الموجهة لنا اليوم، دعونا ندرس بعضاً من هذه المناهج، غير الصائبة.

مناهج خاطئة

لتحديد الأشخاص المقصودين بالكلام، وتعيين التطبيق

يعتقد البعض أنه إذا كان الكتاب المقدس صحيحاً، فلا بد أن نؤمن به ونطيعه، لكنه حيث يخطئ لا يكون معيارياً. فعندما تكلم الكتاب المقدس عن خلق الزوجين الأوائل، وعندما تعامل المسيح مع الشياطين باعتبارها موجودة، وعندما أعطى بولس دوراً مميزاً للزوج في الزواج، فإن هذه التعاليم كانت خاطئة، ولذلك فإنها غير ملزمة لنا في الإيمان والسلوك.

أما النظرة الأكثر تطرفاً، فينتهجها اللاهوتيون المتحررون، الذين يقومون بدراسة اللاهوت بالبدء بما يفعله الله في العالم اليوم، ويقولون إن عمل الله في التاريخ، في الثورة الاجتماعية مثلاً، هو إعلان إرادته. وبذلك يستخدم الكتاب المقدس فقط كمصدر لأمثلة أخرى عن عمل الله في التاريخ. وعلى الرغم من أن هذه المناهج تستبعد سلطة الكتاب المقدس، فقد نادى بكل منها أناس يدعون أنفسهم إنجيليين.

كما توجد مناهج أخرى لا تبدو أنها غير كتابية بمثل هذا الوضوح الشديد، ولكننا لا نستطيع أن ندرسها جميعاً، بل سنقوم بالتعرف على المناهج التي لها أكبر تأثير بين من يؤمنون بالكتاب المقدس. سنقوم باختصار بفحص منهجين يستخدمان عوامل ثقافية لتحديد المعنى أو الأشخاص الموجه لهم الكلام أو لتحديد التطبيق. ثم نقوم بعد ذلك بدراسة منهجين يستخدمان مبادئ معينة لتحديد المعنى أو الأشخاص الموجه لهم الكلام أو لتحديد التطبيق.

استخدام الثقافة لتحديد المعنى، أو الأشخاص المعنيين بالكلام، أو لتحديد التطبيق

الاستجابة التي يرغب فيها الله اليوم. يقوم هذا المنهج بفحص كلمات الكتاب المقدس لتحديد المعنى. والهدف من ذلك هو الوصول إلى ما وراء معنى المقطع، لكي نميز ما الاستجابة التي كان يرغب فيها المؤلف من سامعيه الأصليين.

وعندما يتم التعرف على هذه الاستجابة، من خلال عملية يطلق عليها “تفسير المكافئ الديناميكي”، يقوم المفسر المعاصر بطرح السؤال التالي، “كيف يمكنني انتاج هذه الاستجابة في سامعي اليوم؟” الإجابة على هذا السؤال ستكون هي الإعلان عن مشيئة الله، وستكون هي الرسالة السلطوية اليوم.

بالنسبة لمن يتبعون هذا المنهج، فإن المفاهيم هي، كما يقولون، مرتبطة بالثقافة. ومهمة المفسر هي أن يميز الثقافة العامة في البيانات الكتابية، وينتج التأثير الذي كان يرغب فيه الله في المجتمع المعاصر.

في هذا المنهج، يعكس الكتاب المقدس كله – مثل كل الكتابات البشرية الأخرى – ثقافة الكاتب. لذلك، تكون مهمة دارس الكتاب المقدس هي أن يحرر من ثقافته التي تغلفه، بحيث يمكن تطبيقه على الحياة المعاصرة. ولكي يقوم بذلك فإنه يستخدم كل أدوات علم دراسة الإنسان وثقافته. وعندما يكون واضحاً ما قصد المؤلف أن يحدثه في خلفيته الثقافية من خلال كتاباته، عندها نكون مهيئين لأن نطلب نفس الاستجابة في سامعينا اليوم بالطريقة التي تناسب ثقافتنا.

فمثلاً، علم بولس أن القادة الروحيين يجب أن يكون لهم زوجة واحدة فقط (1تيمو 3: 2؛ تي 1: 6). هذا هو ما قاله بولس، ولكنه في الحقيقة ما يبدو أنه كان يعنيه. لكن، ترى إلام كان يرمي؟ قد يقول أحد المفسرين أنه يحاول أن يضمن أن الكنيسة سيكون بها قادة مؤهلين للقيادة، في عيني رفاقهم المؤمنين، إذ كان يضع معايير لقيادة كانت مرتبطة ثقافياً بمجتمعهم.

لكن ماذا عن اليوم؟ في إحدى القبائل الأفريقية المعينة، نجد أن متطلبات القيادة لديهم هي عكس ذلك تماماً، إذ لا يكون الرجل مؤهلاً للقيادة إلا إذا استطاع أن يتزوج على الأقل بامرأة ثانية ويعولها. والآن كيف يمكن للمرء أن يتفق مع أمر بولس لتيموثاوس وتيطس؟ في هذه القبيلة، لا بد للرجل لكي يخدم كشيخ أو شماس في الكنيسة أن يكون لديه زوجتين على الأقل. لا يهم إذا كان ذلك عكس ما قاله بولس، إذ أنه لا بد من اكتشاف الهدف من الوصية من خلال التحليل الثقافي وتطبيقه اليوم بطريقة تتفق مع الثقافة الحالية في مكان معين.

من خلال هذا المنهج في دراسة الكتاب المقدس، يكون الفهم الثقافي الحالي قد حل محل الرسول كسلطة في حياة الكنيسة. وهكذا تكون النتيجة النهائية ليس مجرد أن تكون الكنيسة حرة في أن تعمد أم لا، بحسب ما تتطلبه الثقافة، أو أن يتم تنظيم حكم الكنيسة بما يتفق مع معايير الثقافة المحلية، بل أن التعاليم اللاهوتية الأساسية كذلك يتم تعديلها من خلال الفهم الثقافي.

فمثلاً، يتم تعليم أن الناس يمكن أن يخلصوا بدون معرفة يسوع المسيح، من خلال الإيمان بما يعرفوه بالفعل عن الله، وبما تسمح ثقافتهم أن يقبلوه.

النمط الثقافي العام. التعليم الكتابي الذي يعكس نمط ثقافي عام هو فقط التعليم المعياري بالنسبة لجميع البشر في كل المجتمعات. هذا الاتجاه يقبل أن يتم تطبيق اليوم فقط تلك التعاليم الموجودة في الكتاب المقدس (بسلطان باعتبارها مشيئة الله الأكيدة) التي تعكس معاييراً ثقافية عامة. كمثال على ذلك، الوصية القائلة “لا تسرق” (خر 20: 15). أما بقية التعاليم الكتابية فهي مرتبطة بالثقافة، وتتحدث عن أمور خاصة بثقافة معينة فقط.

مهمة المفسر إذاً هي تحرير التعليم من قيوده الثقافية لأجل تقرير حق أو مبدأ عام وشامل. وبحسب رأي المفسر، فإن تعاليم المسيح ضد الطلاق، وتعاليم بولس ضد الجنس المثلي، والمعايير الكتابية لدور المرأة في الزواج، هي جميعها تعاليم مرتبطة بالثقافة، وغير معيارية. ولذلك، فهي لا تتطلب الطاعة في كل الثقافات وفي كل الأزمنة.

يشبه هذا الاتجاه الاتجاه السابق، فيما عدا أن المفسر لا يحاول أن يذهب إلى ما وراء معنى المقطع، لكي يكتشف التأثير الذي يقصد المؤلف أن يحدثه. بل بدلاً من ذلك، إنه يسعى للمبدأ الثابت الباقي في المعنى نفسه. في هذا الاتجاه، يكون المعنى نفسه سليماً، ولكنه يكون معيارياً (أي يمكن تطبيقه بصورة عامة) فقط عندما يتم تعليم حق عام ثقافياً.

جلست في إحدى المرات على مائدة غداء مقابل أحد الرواد اللغويين في الكتاب المقدس. وكنا نناقش مسألة أي من تعاليم الكتاب المقدس معيارية.

فسألته، “ماذا في رأيك الأمور التي يجب أن تُطلب من جميع الناس في كل قبيلة وثقافة؟”

فأجاب على الفور، “تلك التعاليم التي تكون عامة ثقافياً”.

فقلت له، “هل يمكن أن تعطيني مثالاً؟”

فقال بتردد، “حسناً… لست متأكداً تماماً.”

فاقترحت قائلاً، “هل شيء مثلاُ مثل حظر القتل؟”

فقال، “نعم، هذا أمر عام ثقافياً.”

فأجبته، “إني مندهش لسماع هذا الأمر، كنت أعتقد أن القتل، وربما أكل الضحية أيضاً، هو فضيلة في بعض المجتمعات”.

فقال، “نعم، أعتقد أنك على حق.”

واستمر الحوار في نفس المسار، بقدر كبير من عدم اليقين مما إذا كانت هناك أية معايير ثقافية عامة على الإطلاق. وحيث أن الكتاب المقدس نفسه لا يضع أي تمييز بين الأمور العامة ثقافياً والأمور الخاصة بثقافات ما، فإننا عندما نسعى نحن لعمل ذلك التمييز، ونقوم بالمهمة الضخمة لتعريف الأمور العامة ثقافياً، فإن هذا أمر يقترب من المستحيل.

وعندما نحاول القيام بهذا التمييز فإن هذا سيؤدي إلى جعل التعليم النسبي ثقافياً لا يتفق مع معظم الكتاب المقدس، وبذلك نستبعد السلطة المستقلة للكتاب المقدس.

في الفصل الثامن ناقشنا استخدام السياق الثقافي في فهم المعنى الذي يقصده المؤلف، وفي مقدمة هذا الفصل افترضنا منهجاً يحدد الأشخاص الموجه لهم الكلام بواسطة التعرف على الخلفية التاريخية. فكيف تختلف هذه المناهج عن النسبية الثقافية التي انتقدناها للتو؟

الاستخدامات المشروعة وغير المشروعة للثقافة

واحد من المناهج الأخرى غير السليمة في تحديد المستمعين والتطبيق هو الاستخدام الخاطئ للثقافة فدعونا نفكر في التمييز بين الاستخدام المشروع وغير المشروع للثقافة.

التاريخ والثقافة. هل هناك تمييز سليم بين التاريخ والثقافة؟ أليس التاريخ هو تسجيل للسلوك كما للأحداث أيضاً؟ أليست الثقافة جزءًا من التاريخ؟ إن كلاً منهما يتداخل مع الآخر، ويظهر تفاعلاً كبيراً معه، حتى أنه في بعض الأحيان يكون من الصعب التمييز بينهما. ولكني أعتقد أن التمييز هو أمر جوهري لأجل التوصل إلى التفسير الكتابي السليم.

ما هي الثقافة؟ رغم وجود العديد من التعريفات، إلا أن المفسرين المعاصرين يستخدمون مصطلح الثقافة بالمعنى الفني للتعبير عن اللغة والسلوك والأخلاقيات والقيم وطرق القيام بالأشياء، لدى أية جماعة معينة من البشر.

دعونا نتفق في البداية على أن العناصر الثقافية التي لم يتم تقييمها أو تفسيرها في الكتاب المقدس قد لا تكون معيارية مثلها مثل الأحداث التاريخية التي لم يتم تقييمها أو تفسيرها، لكن الاختلاف بينهما عظيم. فالكثير من تاريخ الكتاب المقدس لم يتم تقييمه وتفسيره، وبالتالي، يجب ألا يكون معيارياً بالنسبة لأناس آخرين في أزمنة أو أماكن أخرى.

ومع ذلك، فكل تعاليم الكتاب المقدس تقريباً تقدم تقييماً ثقافياً. فيتم باستمرار تقييم السلوك البشري والأخلاقيات والقيم وطرق القيام بالأمور، سواء باستهجانها أو بمدحها. لذلك فليس كثيراً أن نقول إن هدف الإعلان الإلهي هو خلق ثقافة، وشعب مميز لله. يعمل الله على تغيير الثقافة، ولكنه يعمل في نفس الوقت على استخدام الثقافة البشرية كأداة لإعلان نفسه وحقه.

إن تعاليم الكتاب المقدس في معظم الأحيان لا تكون تاريخاً “نسعى إليه”. ورغم أنه يتم إظهار أحداث التاريخ في كثير من الأحيان باعتبارها أعمال الله، لكن الإعلان يقوم ببساطة بتدوين الخلفية. أما معظم التعاليم الكتابية فهي ثقافية “نسعى إليها” مباشرة، وهذا لأن السلوك البشري هو موضوع وهدف الإعلان.

إنني أعتقد أن السياق التاريخي للتعاليم يكون معيارياً فقط إذا تعامل معه الكتاب المقدس هكذا، بينما السياق الثقافي لا يكون معيارياً إلا إذا تعامل معه الكتاب المقدس باعتباره محدداً. فكما رأينا، أن التاريخ غالباً ما يتم تدوينه بدون أي تقييم لما إذا السلوك جيداً أم سيئاً، فيجب على الله أن يأخذ المبادرة من خلال الإعلان لكي يجعله معيارياً.

فتعدد زوجات داود، والذي لم يدنه الكتاب المقدس، يجب ألا يتم اعتباره نموذجاً معيارياً اليوم. لكن رد الرسل بالقول، “ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس” (أع 5: 29)، رغم أنه لم يتم تقييمه في السياق المباشر، فإنه من الواضح أنه يعتبر نموذجاً يجب اتباعه بسبب التعاليم الكثيرة التي تتفق معه في أجزاء أخرى من الكتاب المقدس.

كما أنه من الصحيح كذلك أن الثقافة يمكن أيضاً أن تدون بدون تقييم ما إذا كانت تؤخذ باعتبارها معيارية أم لا. في مثل هذه الحالات، لا تعتبر الثقافة معيارية مثلها مثل السجل التاريخي. فهل سلوك السيد في جعل عبيده يعدون المائدة بعد العمل في الحقول طوال النهار – دون تقديم الشكر لهم – هو نموذج معياري يجب اتباعه في العلاقة بين العامل والمدير (لو 17)؟ لا يمكننا أن نستنتج ذلك.

لكن السلوك الثقافي الذي لم يتم تقييمه هو أقل شيوعاً بكثير من الأحداث التاريخية التي لم يتم تقييمها، وهذا لأن الغرض من الإعلان هو خلق نمط للسلوك، وثقافة جديدة. ولذلك فإن السجلات النسبية ثقافياً للسلوك ليست نموذجية، بل أن التغيير الثقافي هو هدف الإعلان، ولا بد أن يأخذ الله المبادرة من خلال الإعلان لكي يجعل التعليم الثقافي غير معياري.

ولذلك تعاليم الله الخاصة بالسلوك البشري هي نهائية في سلطتها، ولا يجب أن يتم استبعادها إلا إذا قام الكتاب المقدس نفسه بتحديد الأشخاص الموجه لهم الكلام أو الاستجابة التي يرغب فيها الله. فإن قام أي شخص آخر بوضع مثل هذه التعاليم “الثقافية” جانباً واستبعادها، فإن يصبح بذلك هو السلطة التي تفرض حكمها على الكتاب المقدس.

قد يتفق معظمنا على أن غسل قدمي شخص آخر عند العشاء، وترك شعر النساء بدون قص، وغيرها من الوصايا الأخرى، هي تفاصيل ثقافية وبالتالي لا يجب تطبيقها بصورة عامة، فهي بالتحديد، لا تنطبق علينا! ومع ذلك، فقد اكتشفنا أن نفس المبدأ يمكن أن ينطبق تقريباً على أي تعليم من تعاليم الكتاب المقدس.

لكن أن نقوم باستبعاد أي جزء من الكتاب المقدس، فقط على أساس أنه ثقافي، وبالتالي فهو ينطبق فقط على خلفية ثقافية واحدة محددة، فهذا معناه تأسيس مبدأ يمكن استخدامه لاستبعاد أي تعليم أو حتى كل التعاليم الكتابية. بمثل هذه النظرة تصبح سلطة المفسر فوق سلطة الكتاب المقدس. فيقوم باعتبار أن الأمور المعيارية للإيمان والسلوك البشري هي فقط عناصر التعليم الكتابي أو تلك المبادئ التي تم استنتاجها من التعليم الكتابي، والتي يثبت أنها سليمة على وجه العموم بحسب نوع من المعايير الثقافية.

 وبسبب الاختلاف بين السجل التاريخي والتعليم المؤسس على الثقافة، يمكننا أن نقول إن الأحداث التاريخية التي لا يقيمها الكتاب المقدس، يجب ألا تكون معيارية. لكننا نقول بالنسبة للسلوك الإنساني (ما يجب أن يحدث، بتمييزه عما حدث بالفعل) أننا يجب أن نخلص إلى أن السلوك المطلوب معياري، إلا إذا قام الكتاب المقدس بتحديد المتلقي أو التطبيق.

فالكتاب المقدس ليس سجيناً للثقافة، بل أن الثقافة بلغة مؤلفي الكتاب المقدس، والسياق الذي كتبوا فيه، هي أداة ووسيلة للإعلان، وفي نفس الوقت، فإن نفس هذه الثقافة هي هدف التغيير الذي يسعى إليه الكتاب المقدس. فعندما نرفض أي تعليم كتابي لأنه ثقافي، فهذا معناه أننا نجعل الكتاب المقدس كله مهدداً بهذا المنهج النسبي.

البرهان الثقافي السليم. هل السياق الثقافي إذاً ليس له قيمة على الإطلاق؟ ألا يمكن أن تستخدم الثقافة على الإطلاق لتحديد المتلقي أو الاستجابة التي يرغبها الله؟ ربما تكون الثقافة مهمة عندما يعطي الكتاب المقدس نفسه سبباً مبنياً على الثقافة لتعليم معين. فمثلاً، استخدم بولس برهان ثقافي لتأييد حثه على أن يعمل المرء بيديه (1تس 1: 11).

فقد لا يعطي الكتاب المقدس سبباً لتعليم ما، لكنه عندما يعطي، فإن هذا السبب يصبح جزءًا من التعليم. وهنا، السبب الذي يقدمه بولس ليس نوعاً من المبدأ الأخلاقي الأبدي، ولكن برهان ثقافي، “لكي تسلكوا بلياقة عند الذين هم من خارج ولا تكون لكم حاجة إلى أحد” (1تس 4: 12). بكلمات أخرى، يتم إعطاء المبدأ الثابت وهو أن المسيحي يجب أن يكسب قوته بعمله كشهادة لغير المسيحيين. وهذا يعكس النمط الثقافي “بلياقة”، والذي بالنسبة للمسيحيين في تسالونيكي كان يعني العمل اليدوي.

فحيث أن البرهان مبني على الثقافة، فإن لم يكن هذا الموقف الثقافي موجوداً، فإن المبدأ فقط (وليس الوصية أو الأمر) هو الذي يجب أن يكون معيارياً. وفي هذه الحالة، لا يكون العامل الثقافي مفروضاً من الخارج، ولكنه يكون جزءًا من برهان بولس. لم يقم بولس بجعل السياق الثقافي للأمر معيارً عاماً، ونحن كذلك غير ملزمين بأن نقوم بعمل نسخة مطابقة من السياق الثقافي للوصية الخاصة بالعمل.

توجد حالة أخرى يمكن فيها وضع العامل الثقافي في الاعتبار عند تحديد المتلقي، دون التعدي على سلطة الكتاب المقدس. يمكن للكتاب المقدس أن يخاطب الناس من خلفيات ثقافية أو مواقف تاريخية ليست موجودة في ثقافات أخرى. فإذا عبر الكتاب المقدس عن عدم وجود أمر أخلاقي بتكرار الموقف من جديد، فإن المبدأ العام الذي يكمن خلف الأمر الكتابي، وليس الأمر الثقافي أو التاريخي المحدود نفسه، هو الذي يجب تطبيقه على المواقف الأخرى.

وهذا مبدأ إرشادي من السليم أن نتبعه إلا إذا تعامل الكتاب المقدس نفسه مع الشكل الثقافي باعتبار أن له أهمية ثابتة. مثال على ذلك، الأوامر الكتابية التي تحث على المعاملة الرفيقة للحيوانات أو للعبيد، لا تتطلب أن يكون لدى الشخص حيوانات أو عبيد، بل أن مبدأ العطف والترفق يجب تطبيقه على أي إنسان أو مخلوق يحس، ممن يكون معتمداً على مؤمن القرن العشرين. فليس عليه أن يكون مزارعاً أو سيداً لديه عبيد، لكي يطيع هذه الوصية.

تمييز المعنى الذي قصده المؤلف. قد يفيد فهم العوامل الثقافية التي تقدم خلفية للمقطع الكتابي في توضيح معنى المقطع إن لم يكن واضحاً أو أكيداً، أو يحوي عدم توافق ظاهري مع تعليم كتابي أوضح (انظر الفصلين 8، 15 لمناقشة هذا الأمر). لكن الفهم الثقافي يجب ألا يستخدم لتعديل المعنى الواضح الذي قصده المؤلف؛ أو أن يستخدم لتحديد متلقي المقطع الذي كان الله يقصده. إذ يجب أن تتحكم البيانات الكتابية في هذه القرارات، لأن الكتاب المقدس نفسه هو سلطتنا.

الثقافة الحالية. يفيد فهم أنماط الثقافة الحالية بطريقتين:

أولاً، أن الحقائق الحالية تتحدى دارس الكتاب المقدس لكي يعيد فحص التفسيرات المقبولة. فمثلاً، دفعتنا النظرية العلمية لكي نلقي نظرة أدق على التفسيرات التقليدية لسفر التكوين. كما أجبرتنا الحركة الاجتماعية على إعادة دراسة دور المرأة، كما أجبرت إحدى الحركات أسلافنا على إعادة تقييم مشيئة الله بشأن العبودية.

ثانياً، إن الفهم الدقيق لعوامل الثقافة الحالية هو أمر أساسي إن كان المرء يريد أن يصنع تطبيقاً سليماً في ثقافته للحق الأبدي. لكن العادات المعاصرة ونظريات الدارسة الإنسانية يجب ألا يتم استخدامها كالمعيار الذي يجبر المعنى الواضح للكتاب المقدس على أن يتكيف معه. فمثلاً، الأمر بأن يحب الزوج زوجته ويرعاها (أف 5: 25، 28-29) يجب تطبيقه بطرق متنوعة بحسب الثقافات المختلفة.

ففي أمريكا، إذا لم يمدح الزوج زوجته أمام الآخرين ورفض أن يعانقها عندما يودعها قبل أن يغادر صالة المطار، فإنه ربما يكون بذلك مخالفاً للأمر الرسولي. لكن بالنسبة للزوج الياباني، فإن فعل هذه الأمور قد لا يكون تعبير عن الحب قدر كونه فضيحة عامة تجلب العار على اسم العائلة. لذلك يجب أن يتم تطبيق الحق بطريقة أصيلة بحسب كل سياق ثقافي معين، بحيث أنه بفعل ذلك لا يتم تجاهل التعاليم الواضحة للكتاب المقدس.

أخيراً، لا بد أن نمارس الاتضاع في استخدام الأدوات الثقافية، حيث أننا بعيدون للغاية عن لغة وتاريخ وثقافة وجغرافية الخلفية التي جاء منها الإعلان الأصلي. لذلك يجب أن نستخدم نحن هذه الأدوات، لكن نرفض أن تقوم هي باستخدامنا أو استغلالنا.

استخدام مبادئ معينة لتعريف المعنى، أو لتحديد المتلقي، أو لتقرير المعنى

المبادئ فقط هي التي تسري. فالمبادئ فقط هي التي تسري، وليس التعليم المحدد نفسه. هذا الاتجاه هو عكس الرأي السائد بأن الأوامر والوصايا المباشرة فقط هي التي تكون سلطوية بالنسبة لسلوك المسيحي المعاصر، وبالطبع فإن ذلك الزعم الأخير غير سليم، حيث أن الكتاب المقدس مليء بالتعاليم التي تكون في شكل مبادئ عامة، وليست أوامر محددة.

فالحقيقة أن الكتاب المقدس يعتبر كتاب مبادئ أكثر منه مجموعة من الحكم والقواعد المحددة. إلا أن الزعم المضاد يبدو أنه يحظى بمؤيدين، وهو أن التعليم المحدد والأوامر المباشرة لا يتم تطبيقها بطريقة عامة، لكن الذي يطبق فقط هو المبادئ التي تكمن خلف التعليم المباشر.

هذا المنهج مغري للغاية، ليس فقط لأنه يجعل الحياة أسهل، من ناحية، لكن لأن هناك عنصر قوي في المنهج يتفق مع سلطة الكتاب المقدس. إن منهج قصر التعليم المعياري على المبادئ المستقاة من التفاصيل الكتابية لا يجب أن يكون محاولة للإفساد أو للالتفاف حول الكتاب المقدس، لكنه يمكن أن يعمل على تحقيق سلطة الكتاب المقدس.

لكن، أين يتم تعليم مثل هذا المنهج في الكتاب المقدس؟ أين يخبرنا الكتاب المقدس أن الإعلانات المحددة لحق الله ومشيئته للإنسان ليس معيارية، لكن فقط المبادئ التي تكمن خلفها؟ إن الإعلانات الواضحة للكتاب المقدس يتم التعامل معها باعتبارها معيارية سواء في العهد القديم أو الجديد.

لذلك فإن رفض سلطة العبارات الواضحة على هذا الأساس معناه ألا نسمح للكتاب المقدس بأن يقوم بالاختبار، إذ أن الكتاب المقدس يقدم كل من المبادئ المحددة والعامة.

من الصواب أن نشتق مبادئ عامة من تعليم معين، لكن المبدأ يجب ألا يرجع عندئذ إلى التعليم المعين لكي يعدله أو يمنع تطبيقه اليوم. فعملية استبعاد أي تعليم معين من الكتاب المقدس، والسماح فقط للمبدأ الذي تم استنتاجه أن يكون معيارياً، معناه فرض مفهوم غير كتابي والتعدي على سلطة الكتاب المقدس.

التعاليم التي تكون مؤسسة على طبيعة الله هي فقط المعيارية. فقط التعاليم المؤسسة على طبيعة الله أو على نظام الخلق هي المعيارية للجميع. فالتعاليم الأخرى قد تكون عابرة أو مؤقتة، بمعنى أنها لا تنطبق على المؤمن اليوم. لكن المشكلة هنا هي نفس مشكلة الحالة السابقة: أن الكتاب المقدس نفسه لا ينص على مثل هذا المبدأ للتمييز بين تعاليمه، ولذلك فإن المفسر يصبح هو السلطة التي تحكم على تعاليم الكتاب المقدس التي لا يراها قائمة على طبيعة الله أو على نظام الخليقة.

الأكثر من ذلك، توجد مشكلة في تطبيق هذا المبدأ، وهي: هل سقوط الإنسان مبني على طبيعة الله أم على نظام الخليقة؟ يبدو أنه غير مبني على أي منهما، رغم أنه بطبيعته لاهوتي. وهل التعليم الخاص بالعشاء الرباني واتباعه مؤسس على أي شيء إلا على كلام المسيح السلطوي؟ إنه غير مؤسس بالطبع لا على طبيعة الله ولا على نظام الخليقة، بل هو نمط ثقافي جعله المسيح معيارياً.

وماذا عن الوصية التي تنادي بخضوع الزوجة لسلطة زوجها، أو بأن الجنس المثلي خاطئ؟ إن كانت كل التعاليم الواضحة التي لم يقصرها الكتاب المقدس نفسه على فئة معينة يتم اعتبارها معيارية، فإن تلك التعاليم معيارية. ومع ذلك، لو أن تلك التعاليم التي يمكن أن تظهر أنها لاهوتية في طبيعتها أو تكون مبنية بالتأكيد على طبيعة الله أو على نظام الخليقة هي فقط التي يتم اعتبارها معيارية، فإن تلك التعاليم والوصايا السابق ذكرها، بجانب الكثير غيرها، تصبح قضايا مشروعة خاضعة للمناقشة.

إن السعي نحو الأسس اللاهوتية لأي تعليم أو البحث عن أساسه في طبيعة الله أو في نظام الخليقة مفيد جداً من عدة نواح. فإظهار هذا النوع من الأسس يمكنه أن يدعم أو يوضح تعليم معين، كما أنه يساعد على التمييز بين المبادئ العامة التي تكمن خلف تعليم معين.

يمكن استخدام هذا المنهج بجانب مؤشرات أخرى في النص نفسه لكشف تلك الأمور التي لم يقصد الكتاب المقدس أن تكون معيارً عاماً. لكن استبعاد أي تعليم محدد لمجرد أننا لا نستطيع اثبات طبيعته اللاهوتية، فهذا معناه ادخال مبدأ تفسيري غير كتابي، يتعدى على السلطة المستقلة للكتاب المقدس.

ملخص

الكتاب المقدس نفسه هو الذي يجب أن يقرر من الذي يريده الله أن يؤمن بتعليم معين ويطيعه. فإن لم يوضح السياق نفسه هذا الأمر، يمكن الرجوع إلى مقاطع أخرى. لكن في النهاية، يجب ألا يتم فرض معايير خارجية على الكتاب المقدس تقوم بمنع تطبيق تعاليمه على الحياة المعاصرة.

فالكتاب المقدس هو إعلان الله عن مشيئته لجميع البشر؛ ولذلك، أي تعليم في الكتاب المقدس يجب أن يتم التعامل معه باعتباره معيارياً للإيمان والحياة المعاصرة، إلا إذا أوضح الكتاب المقدس نفسه خلاف ذلك. ومع ذلك فالتعرف على المتلقي المقصود لتعليم معين لا يشير تلقائياً إلى آثار ذلك المحددة على التلمذة الأمينة. فما الاستجابة التي يرغب فيها الله؟ سيقوم الفصل العشرون بالإجابة على هذه السؤال.

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

– كارسون، دونالد إيه. Biblical Interpretation and the Church: Test and Context. Grand Rapids: Baker، 1988.

– لاركين، ويليام جي. Culture and Biblical Hermeneutics: Interpreting and Applying the Authoritative Word in a Relativistic Age. Grand Rapids: Baker، 1988.

[1] انظر تي نورتون ستيريت، How to Understand Your Bible (Downers Grove, 1III.: InterVarsity, 1974)، صفحة 176.

[2] إم سيلير، Biblical Hermeneutics (New York: Randolph, 1981) ترجمة تشارلز إليوت الصفحات 172-181.

التعليم العام والخاص في الكتاب المقدس – التعرف على الأشخاص المقصودين بالرسالة

الأمثال – أمثال المسيح – ما هي وما هي أنواعها وكيفية فهمها؟ – بحث مفصل

الأمثال – أمثال المسيح – ما هي وما هي أنواعها وكيفية فهمها؟ – بحث مفصل

الأمثال – أمثال المسيح – ما هي وما هي أنواعها وكيفية فهمها؟ – بحث مفصل

الأمثال – ما هو وما هي أنواعه وكيفية فهمه ؟ – بحث مفصل

المبدأ الإرشادي: قم بتفسير الأمثال بدقة بحسب المبادئ الخاصة التي يتطلبها هذا النوع من الأساليب الأدبية.

عندما صار الكلمة الأزلي بشراً، ظهر إعلان الله عن ذاته في كل من أعمال وأقوال يسوع المسيح. ومع ذلك كان من اللازم أن يتم تفسير أعماله بالكلمات – سواء كلماته هو أو كلمات الأشخاص الذين اختارهم لكي يتحدثوا عنه، أي الرسل. لذلك فإن تواصل المسيح اللفظي مع الناس هو أمر جوهري لفهم الله وحقه. وقد اختار المسيح أن يكون الكثير من تواصله اللفظي مع الناس عن طريق الأمثال. ولذلك فإنه من الأهمية بمكان أن نفهم هذا النوع الخاص من الصيغ الأدبية.

المثل هو قصة قصيرة من قصص الحياة الواقعية، وهو مصمم لتعليم حقيقة ما أو للإجابة على سؤال معين. وفي تعاليم يسوع، كان للمثل هدف إضافي، فقد أخبرنا، كان رأينا، أنه من إحدى أهدافه إخفاء الحق عن الأشخاص غير المتجاوبين، بينما جعله واضحاً للمستجيبين. وقد لاحظنا في الفصل الأخير أن المثل هو جزء من صيغة أدبية مميزة تسمى “تشبيه المقارنة”. وهو يشبه الاستعارة، لأن المقارنة عادة ما تكون ضمنية أكثر مما تكون مذكورة بوضوح.

ولا بد أن نقوم بالتمييز بين المثل والحدث التاريخي. فكثيراً ما تستخدم الأحداث التاريخية كشرح توضيحي، لكن المثل هو صياغة في صورة قصة تهدف خصيصاً إلى تعليم حق معين. ورغم أن المثل، تعريفياً، ليس تسجيلاً لحدث تاريخي، ولكنه لكي يكون مثلاً لا بد وأن ينطبق على الحياة الواقعية. لذلك فالمثل يختلف عن تشبيهات المقارنة الأخرى، مثل المجاز والرموز النبوية، التي قد تنطبق على الحياة أو لا تنطبق عليها.

سوف نقوم هنا باستكشاف ستة إرشادات أساسية لفهم الأمثال، وهي: ابدأ بالسياق المباشر القريب، تعرف على الهدف المحوري، حدد التفاصيل غير ذات الصلة بالموضوع، حدد التفاصيل ذات الصلة بالموضوع، قارن بين المقاطع المتشابهة والمتضادة، وابن العقيدة أو التعليم على مقاطع حرفية واضحة.

 

ابدأ بالسياق المباشر

في مثل الابن الضال (لوق 15: 11-32)، ترى من هو الشخصية الرئيسية؟ ما الأمر الذي تعتبره هو الهدف الأساسي من القصة؟ بالتأكيد يشير العنوان الذي أعطيناه للمثل إلى الشخصية الرئيسية في نظر معظم المسيحيين. لكن هناك من يعتبرون أن الأب هو الشخصية الرئيسية. لكن هذا المقطع يستخدم عادة لتوصيل تلك الرسالة التبشيرية: أنه مهما كان بعدك و ضلالك، ارجع إلى بيت أبيك السماوي، وهو سوف يقبلك.

لكن هل هذا هو الغرض الذي كان في ذهن يسوع في الأصل عندما روى هذا المثل؟ أول وأهم مبدأ إرشادي لفهم الأمثال هو فحص السياق المباشر. فعادة ما يوجد في المثل عنصران جوهريان في السياق، وهما: المناسبة التي قيل فيها المثل، وتفسير معناه.

 

المناسبة التي قيل فيها المثل

كل الأمثال تقريباً لها مناسبة تاريخية واضحة هي التي أدت إلى رواية القصة. وعلى الرغم أنه قد يكون من المقبول أن نطبق مثل الابن الضال (لو 15) بطريقة تبشيرية، إلا أن الموقف الذي كان يسوع يتحدث بشأنه في الأساس يشير بوضوح تام إلى هدف آخر. كان يسوع يتحدث إلى أشخاص متدينين اعترضوا على قبوله السريع والمرحب بالخطاة. لذلك يمكن للمرء أن يستنتج أن الشخصية الرئيسية في القصة هي الابن الأكبر.

بالتأكيد كان الفريسيون الذين يمثلون “الأخ الأكبر”، هم الذين يخاطبهم يسوع بالمثل. والحقيقة أن الهدف من القصة كان هو التضاد بين الأخ الأكبر والأب المحب الغفور كما يتمثل في يسوع نفسه. ويكون سياق المثل في تلك الحالة، كما في كل حالة، له أهمية أساسية في اكتشاف المناسبة والتعرف على الهدف من المثل.

في بعض الأحيان يتم تفسير معنى المثل في شكل تطبيق. ونجد مثل هذا التطبيق في متى 24: 44، “لذلك كونوا أنتم مستعدين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان”. وفي متى 25: 13، “فاسهروا إذاً لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التي يأتي فيها ابن الإنسان”.

إلا أنه ليست كل الأمثال يكون هناك تفسيرات لمعناها. لكن عندما يقوم يسوع بتفسير معناها أو عمل تطبيق لها، يكون هذا هو العامل المتحكم في التفسير. فيجب عندنا ألا نقحم معان أخرى على المثل.

 

التعرف على الهدف المحوري

بعد مثل الابن مباشرة، يسجل لوقا المثل الخاص بوكيل الظلم في لوقا 16: 1-15. من الواضح في هذا المقطع أن الخلفية يتم وصفها قبل وبعد المثل، مصحوبة بتفسير للمثل نفسه. فما هو الهدف من المثل؟ حيث أنه يقال عن يسوع في نهاية مثل الابن الضال، “وقال أيضاً لتلاميذه”، يمكن أن يظهر أن لوقا كان يقصد ربط تلك القصة بالمواجهة التي قام بها مع الفريسيين في المثل السابق.

ويتضح هذا الأمر أكثر في نهاية الرواية، حيث يكتب لوقا، “وكان الفريسيون أيضاً يسمعون هذا كله وهم محبون للمال فاستهزأوا به” (ع 14). لذلك فالمواجهة مع الفريسيين لا تزال مستمرة، لكن ما هو الهدف؟ هل كان يعلم الناس أن يغشوا؟ هل كان يعلم تلاميذه أن يستغلوا الآخرين؟ لقد اجتهد كينيث تيلور في تفسير هذا القسم، ثم توصل إلى استنتاج الترجمة التالية:

“لكن ترى هل أقول لكم أن تنصرفوا بهذه الطريقة، أن تشتروا الصداقة عن طريق الخداع؟ هل هذا يضمن لكم الدخول إلى البيت الأبدي في السماوات؟ كلا! لأنه إن لم تكونوا أمناء في الأمور الصغيرة، فلن تكونوا في الأمور الأكبر. ولو غششتم ولو قليلاً، فلن تكونوا أمناء في المسؤوليات الأعظم”. (لوقا 16: 9-10، TLB).

لقد قام المترجم هنا بتفسير المقطع ليعني عكس تماماً ما يبدو أن المقطع يقوله. هذا المقطع بلا شك مثير للارتباك بالنسبة للكثيرين. لذلك فإن التعرف على الهدف المحوري الذي يقصده التركيز عليه هو أمر أساسي في هذه الحالة ويقود المرء إلى الحل سريعاً. والهدف المحوري من هذا المثل واضح، لأن المسيح شرحه بوضوح في السياق. فهدف المثل ليس له علاقة بموضوع الخداع أو الغش.

ففي هذا المثل، لم يتم مدح وكيل الظلم بسبب خداعه، بل لقد تم مدحه لأنه “بحكمة فعل” بمعنى أنه استخدم موارده الحالية في التخطيط لأجل المستقبل، وهذه تعتبر حكمة. واستكمل يسوع بالشرح أن تلاميذه عليهم أن يستغلوا مواردهم الحالية للتخطيط للمستقبل “أبناء النور” في الحقيقة لم يقوموا بذلك، ولهذا السبب لم يكونوا حكماء. فقد كانوا يستخدمون مواردهم المادية الحالية لكي يعيشوا بها فقط، بينما كان يجب عليهم أن يستخدموها بحكمة للإعداد للبركات الأبدية في السماء. إذاً فإن يسوع يفسر بالتفصيل لماذا يجب مدح هذا الوكيل الحكيم.

إن الهدف المحوري هو السمة الرئيسية التي تميز المثل عن القصة الرمزية. ففي القصة الرمزية يقصد أن يكون هناك عدد من التشابهات المهمة بين القصة وحق روحي معين. أما في حالة المثل، فليس من المشروع ان نتعامل مع كل واحد من التفاصيل باعتبار أن له تطبيق روحي.

 

التعرف على التفاصيل غير ذات الصلة بالموضوع

تحوي الأمثال العديد من التفاصيل التي لا يقصد منها تعليم حقائق روحية على الإطلاق، إذ ليست لها أهمية روحية. هذه التفاصيل يجب التعرف عليها ووضعها جانباً. فإن أية محاولة لتفسيرها يمكن أن تضلل الإنسان وتبعده عن المعنى الذي كان يقصده المسيح.

“ومن منكم له عبد يحرث أو يرعى يقول له إذا دخل من الحقل تقدم سريعاً واتكئ، بل ألا يقول له أعدد ما أتعشى به وتمنطق واخدمني حتى آكل وأشرب وبعد ذلك تأكل وتشرب أنت. فهل لذلك العبد فضل لأنه فعل ما أمر به. لا أظن” (لو 17: 7-9).

لو أنك رأيت هذه القصة يتم تصويرها في التليفزيون فكيف ستشعر بشأنها؟ هل كان المسيح هنا يقدس العبودية؟ هل كان يقوم بإرساء مبادئ العلاقة بين العامل ومديره؟ هل كان يعلم عن مواصفات السلوك الطيب والعطوف والمهذب؟ كلا، ليس لأي من هذه المفاهيم أهمية في المعنى المقصود من المثل. لقد قام المسيح بإنشاء قصة تتفق مع الحياة الواقعية في زمنه لكي يوضح هدفاً واحداً بعينه.

بفحص السياق سنجد أن المسيح كان يعلم التلاميذ عن توبيخ الأخر الذي يخطئ والغفران له عندما يتوب. فالهدف من القصة هو أننا لا نستحق الفضل أو المدح عندما نقوم بعمل الصواب. لذلك فإن هذه التفاصيل الأخرى لا علاقة بها بهذا الهدف المحوري، ويجب وضعها جانباً.

 

 التعرف على التفاصيل ذات الصلة بالموضوع

التفاصيل ذات الصفة بالموضوع هي تلك المقصود بها أن تعلم حقيقة ما، ولذلك يكون من المشروع تفسيرها وتطبيقها. لكن كيف يمكن للمرء أن يعرف أية تفاصيل هي التي لها صلة بالموضوع وأي منها ليست له صلة بالموضوع؟ التفاصيل ذات الصلة بالموضوع هي التي تدعم دائماً الهدف المحوري.

ففي مثل الاين الضال، حقيقة أن الأب بقي في البيت، ولم يذهب للبحث عن ابنه، هي أمر ليس له علاقة بالموضوع. فيسوع لم يكن يعلن أن الأب لا يسعى لعودة الخطاة، لأنه قد أوضح عكس ذلك الأمر بالفعل في المثلين السابقين، الذي فيها قامت الأرملة بالبحث عن الدرهم المفقود، وذهب الراعي للبحث عن خروفه الضال. لكن إسراع الأب لملاقاة ابنه هو أمر له علاقة بالموضوع، ولذلك فإن له أهمية روحية.

كيف نعرف ذلك؟ لأنه يدعم الهدف المحوري، الذي كان يعبر عن إظهار ما في قلب الأب. وحقيقة أنه كان ينتظر الابن بشوق، وأنه لاقاه بفرح وقبول هو واحد من التفاصيل المهمة كذلك. عندما نفكر في هذا المبدأ الإرشادي، قد يكون من المفيد أن نقارن بين منهج الأمثال والأحداث التاريخية من ناحية، وبين الأمثال والاستعارات من ناحية أخرى.

 

الأمثال والأحداث التاريخية

هناك اختلاف كبير ما إذا كانت قصة الغني ولعازر (لو 16: 19-31) هي تسجيل لحدث تاريخي أم مثل. يعتقد البعض أن تاريخية القصة يجب الحفاظ عليها، خشية أن يضعف الحق الخاص بالجحيم والعقاب الأبدي نوعاً ما. لكن هذا معناه إساءة تفسير اللغة المجازية عامة والأمثال على وجه الخصوص. فالحق الذي يتم توصيله من خلال مثل ما هو في مثل حقيقة وأهمية الحق الذي يتم توصيله من خلال الصيغ الأدبية الأخرى.

ومع ذلك فمن المهم أن نميز بين الأحداث التاريخية والأمثال، لأن الإرشادات التي تستخدم لتفسير كل منها تختلف عن الأخرى. كما أن تطبيق القصة سيختلف في حالة الرواية التاريخية، وذلك لأن كل عبارة حرفية هي حقيقة ويجب قبولها باعتبارها هكذا، كما أن لها أهمية مستقلة عن كل الحقائق الأخرى في القصة. لكن هذا ليس معناه ان كل حقيقة لها أهمية روحية أو يمكن تطبيقها على الظروف الحالية. فالمؤلف الكتابي أو الرب يسوع نفسه قد يستخدم الحدث التاريخي كشرح توضيحي، ويقوم بتحديد التطبيقات المناسبة له.

فلو كانت قصة الغني ولعازر حدث تاريخي، يكون لكل التفاصيل فيها معنى. مثلاً، إن الأشخاص الذين في السماء، على الأقل في بعض الأحيان، يعرفون حالة الناس الذين في الجحيم ويستطيعون أن يتواصلوا معهم. هذا الفعل له معنى لاهوتي عميق. ومن ناحية أخرى، حقيقة أن هناك رجل غني وآخر فقير قد لا يكون لها أي معنى روحي أو لاهوتي.

إنها مجر حقيقة تاريخية أن الرجل الغني يتعذب في الجحيم والفقير الذي كان يستعطي ذهب إلى السماء. لكن بالطبع، إذا كنت تعتقد أن كل الأغنياء يذهبون إلى السماء، كما كان الكثيرون يؤمنون بذلك بالفعل، فإن حقيقة أن واحداً فقط ذهب إلى الجحيم يكون لها أهمية عظمى.

من ناحية أخرى، إذا كانت القصة مثلاً، فإن حقيقة أن هناك رجل غني وآخر شحاذ هي بلا شك من التفاصيل المهمة. لقد تم رواية هذه القصة بعد مواجهة الفريسيين مع المسيح مباشرة حور موضوع محبتهم للمال، والسلوك غير الحكيم بأن ينفق المرء موارده الحالية دون التفكير في الأبدية. ففي هذا السياق، يقول المسيح شيئاً إضافياً عن الثروة والإعداد للمستقبل. وهكذا، فباعتباره مثلاً، يكون للتفاصيل الخاصة بالثروة والفقر معنى معيناً.

كل من الروايات التاريخية والأمثال يمكن أن يحوي تعبيرات مجازية وأيضاً حرفية. فمثلاً، سواء تم اعتبار القصة السابقة حدث تاريخي أو مثل، فإن وجود لعازر في حضن إبراهيم ليس من الضروري أن يفهم باعتباره وضعاً جسدياً يصرخ فيه عبر الهوة التي تفصل بينه وبين الغني. في كلتا الحالتين يمكن أن يكون هذا تعبير مجازي عن “مكان المباركين”.

أما السؤال الخاص بما إذا كان أي من التفاصيل له أهمية روحية أو لاهوتية فهو أمر سيتم تقريره على أسس مختلفة، بحسب ما إذا كانت القصة تاريخاً يتم استخدامه للتوضيح أو أنه تمت صياغتها لتعليم حق معين. قد يكون من المفيد أن نذكر كل التعاليم المتعلقة بالجحيم التي يمكن أن نتعلمها من هذا المقطع لو كان مثلاً، وكل التعاليم عن الجحيم التي يمكن أن نتعلمها لو كانت القصة حدثاً تاريخياً. لكننا سنكون متيقنين بشأن العديد من التفاصيل الأخرى عن الوضع في الجحيم لو كانت هذه القصة حدثاً تاريخياً.

والآن، هل قصة الغني ولعازر مثل أم رواية تاريخية؟ يبدو أنها تحمل سمات المثل. فالعدد الأول من لوقا 16، يقول، “وقال أيضاً لتلاميذه كان إنسان غني”. ثم تبعها بقصة وكيل الظلم وفي عدد 19 يقول مرة أخرى، “كان إنسان غني” وتبعه قصة الغني وهو في الجحيم ولعازر وهو في “حضن إبراهيم” يجادل البعض بأن ذكر اسم لعازر أمر لا ينطبق على المثل.

لكنه افتراض غريب بالحق أن نعتقد أن المثل لا يمكن أن يحتوي على أسماء للشخصيات، إذ أن المثل هو قصة تم بناؤها بصورة متعمدة، كما أنها تشبه الحياة اليومية، لذلك فإن الشخص الذي يرويها له كل الحرية في أن يستخدم أية عناصر يجدها ضرورية لتوضيح هدفه. وفي هذه الحالة، فإن اسم لعازر الذي يعني “الذي يساعده الله”، ربما يكون واحداً من تلك التفاصيل التي تدعم التعليم الأساسي. (ستتم دراسة الإرشادات الخاصة بتطبيق الأحداث التاريخية على المواقف المعاصرة في الفصل 20).

على أية حال، من المهم أن نلاحظ أن تفسير القصة كمثل يجب ألا يضعف من معناها. فالمثل ليس خرافة أو قصة أسطورية، بل هو قصة مشابهة لما يحدث في الحياة الواقعية يتم بناؤها لتعليم حق كامل. في هذا الحالة، ربما يكون الحق هو استكمال للحق الموجود في الجزء الأول من الأصحاح، بأن المرء يجب أن يستغل موارده الحالية لكي يكون مستعداً للمستقبل وأنه إن لم يفعل ذلك، فإنه سيعاني بالفعل من الضياع الأبدي.

 

الأمثال والاستعارات

يمكن للأمثال والمجاز أو الاستعارة أن تتداخل معاً (انظر الرسم في الفصل 11)، من حيث أن كل منهما تم تصميمه لكي يعلم حقيقة روحية، عن طريق مقارنة شيء ما بحقيقة روحية. لكن على الرغم من تداخلهما، فإنهما يختلفان من ناحيتين:

1 – المثل يكون واقعياً، ولكن المجاز قد لا يكون كذلك. ففي المجاز، يمكن للمسيح أن يكون باباً أو كرمة؛ ويمكن للمؤمنين أن يكونوا خرافاً أو أغصاناً.

2 – رغم أن كلاً منهما قد يكون له موضوع أو هدف محوري، فإن المثل يتم صياغته للتركيز على هدف أساسي واحد، بينما تقوم الاستعارة غالباً بتعليم العديد من الحقائق المرتبطة أو حتى غير المرتبطة بها.

عندما يتضح التمييز بين المثل والاستعارة، من المهم أن نتبع الإرشادات المختلفة لتفسير كل منهما. نجد في متى 13: 1-23 وفي مرقص 4: 1-20، المثل الذي قدمه المسيح عن أربعة أنواع من التربة (مثل الزارع). وهو يطلق عليه مثل، ولكنه لا يتفق مع استخدامنا الفني لمصطلح المثل، ويمكن أن يكون استعارة. الحقيقة أنه في تفسير المسيح للأربعة أنواع من التربة يقوم بعمل تطبيق روحي على كل نقطة في القصة تقريباً.

فالبذور هي الكتاب المقدس، والطيور هي الشيطان، والتربة المحجرة هي القلب الحجري. لكن كيف يمكننا أن نتأكد من ذلك؟ لأن يسوع نفسه قام بتفسير القصة بهذه الطريقة. ومع ذلك فإن السياق الذي يتبع يشير بوضوح إلى موضوع واحد: بأن خلاصة حياة الإنسان تعتمد على استجابته لكلمة الله. هناك الكثير من التفاصيل التي يتم تصميمها عن عمد لتدعيم تلك الرسالة المحورية.

ورغم أن العديد من تفاصيل القصة لها أهمية روحية، إلا أن ذلك لا يعني أن جميعها له تلك الأهمية. فعندما نستخدم الاستعارة أو المثل بهذه الطريقة، فإننا نسيء استغلالها وتفسيرها. فعلى سبيل المثال، يقول أحد المفسرين عن مثل الزارع:

هل تعلمون أن حوالي 25٪ فقط هم الذين سيحصلون عليها؟ لكن يحصلون عل ماذا؟ على السماء… لكن 25٪ من ماذا؟ من أولئك الذين يسمعون بشارة الإنجيل، الأخبار السارة بموت يسوع عن الخطاة، ودفنه، وقيامته من القبر. فقط 25٪ منهم سيذهبون للسماء. نعم، هذه هي الحقيقة، بحسب ما ورد في مثل الزارع وأنواع التربة. ارجعوا لكتبكم المقدسة وتأكدوا من هذا الأمر.[1]

لكن لا توجد أية إشارة في المثل أو في تفسيره على أنه تم التنبؤ بنسبة الاستجابة، لكن فقط بأن هناك استجابات مختلفة يمكن توقعها. لذلك يجب أن يكون السياق هو المتحكم في المعنى، لأنه لا توجد تقريباً أية حدود للتفسيرات الخيالية، إذا تركنا الأمر لخيال المفسر الجامح.

في حالة الاستعارة شديدة الوضوح، يكون من المناسب أن نستنتج العديد من التشابهات بين نقاط الاستعارة. فمثلاً، استعارة الراعي الصالح (يوحنا 10) مبنية بهدف أن يكون هناك العديد من نقاط المشابهة. فالراعي، والسارق، والأجير، والذئب – يمكن أن يتم تشخيصهم جميعاً والتعرف عليهم في الحياة المعاصر. والعلاقة الموصوفة بين الراعي والخراف يمكن تطبيقها بالكامل على استجابة كل من المؤمن وغير المؤمن لدعوة الله اليوم. وكل من التفاصيل تقريباً يكون له معنى. هذه هي الطريقة التي يتم بها فهم الاستعارة.

 

المقارنة بين المقاطع المتشابهة والأخرى المتعارضة.

هذا المبدأ الإرشادي العام سوف نقوم بدراسته فيما بعد، لكن المقارنة بين المقاطع المتشابهة والمتعارضة هو أمر مفيد أيضاً في دراسة الأمثال. بعض الأمثال تكون مشابهة لبعضها البعض بحيث يمكن مقارنتها معاً.

يحوي لوقا 19: 11-23 مثل الإمناء: إنسان شريف، إذ يسافر إلى بلد بعيد، يعطي لكل من عبيده العشرة نفس كمية النقود، ثم يكافئهم بنسب مختلفة عند عودته، عندما يكتشف أن بعضهم قد ربح أكثر من الآخرين. كما أن متى 25: 14-30، من ناحية أخرى، يحكي عن مثل الوزنات الذي فيه يتسلم ثلاثة عبيد كميات مختلفة من المال. أما المكافآت بحسب سير المثل، فلا تختلف إلا بالنسبة للعبد الذي لم يكن أميناً، وكما حدث في المثل الأول، كان الحكم عليه قاسياً.

نجد تعاليم أخرى خاصة بالعبيد والاستعداد لمجيء الرب في متى 24: 45-51، والتي فيها يتم التضاد بين العبيد الأمين المستعد وبين العبد الذي كان يظن أن سيده سيبطئ في مجيئه، فلم يكن أميناً. نفس هذا التعليم يتم تقديمه بتفاصيل أكثر في لوقا 12: 35-48، حيث الوكيل الأمين الذي استعد يتناقض مع العبد الذي لم يستعد وكان بالفعل غير أمين.

وهكذا يظهر موضوع محوري في المقارنة بين الأمثال الأربعة، وهو: كن مستعداً. لكن كلاً من هذه الأمثال يعلم حقائق مختلفة أيضاً. فمثلاً، يعلم مثل الأمناء أن الشخص الذي له أمانة عظيمة سوف يُعطى مسؤولية أكبر. وهناك مكافآت مختلفة لدرجات الأمانة المتباينة. أما قصة الوزنات فتؤكد لنا أن المكافأة لا تعتمد على قدر النجاح وذلك بسبب قدراتنا المختلفة. وهناك مثل خامس عن العاملين في الكرم (متى 20: 1-16)، والذي يؤكد لنا أن الرب يكافئ بالحياة الأبدية كل من يأتون إليه، سواء أتو إليه مبكراً أو في أواخر حياتهم.

 

المبدأ الأساسي لدراسة المقاطع الحرفية الواضحة

يمكن أن يسهم المثل في فهم المبدأ الكتابي؛ ولكن المبدأ الكتابي يجب أن يبنى على مقاطع حرفية واضحة. وعندما يتم تفسير مثل ما، يمكن أن يتم استخدامه بصورة مشروعة كأي مقطع كتابي حرفي واضح في تأسيس المبدأ والتعليم الكتابي. لكن بصفة عامة، لا تعتبر اللغة المجازية هي أفضل عنصر لبناء المبدأ التعليمي.

على سبيل المثال، سيكون من الخطأ أن نأخذ مثل الحنطة والزوان (متى 13: 24-30)، والذي فيه تلقى العبيد في الحقل تعليمات بأن يدعوا الحنطة تنمو مع الزوان حتى الحصاد، ونستنتج منه أن التأديب الكنسي خاطئ. وهذا لأن مبدأ التأديب الكنسي لا بد أن يبنى على تعاليم أخرى من الكتاب المقدس. لكن الأمر الصحيح هو أن المسيح فسر هذا المثل وأوضح أنه في يوم الدينونة سيكون هناك فصل عظيم بين الأبرار (الحنطة) وفاعلي الإثم (الزوان)، الأعداد 40-43.

كما أن المسيح في تفسيره للمثل أوضح كذلك أن الحقل هو العالم (ع 38)، وليس الكنيسة. على أية حال، لا المثل نفسه ولا تفسيره، يقدم أي تعليم مباشر عن الموضوع من الذي يجب أن يعتمد، أو ما إذا كان يجب أن يكون هناك تأديب لمن يخطئون في الكنيسة.

إنه لخطأ فاحش أن نستخدم المثل، كما يفعل الكثيرون، لكي نعلم أن كل من يرغب في المعمودية يجب أن يعمد دون تمييز، وأنه يجب ألا تبذل أية محاولة لتقييم من يتقدمون لعضوية الكنيسة، أو لتأديب من يخطئون في الكنيسة، مهما كانت خطاياهم خطيرة. لكن المسيح علم بدلاً من ذلك أن هناك أناس صالحون وأناس أشرار في العالم، وأنه في يوم الدينونة الأخيرة سوف يتم تصفية كل الحسابات.

 

دراسة حالة

دعونا نأخذ المثل الموجود في لوقا 11: 5-13، ونطبق عليه الإرشادات الستة التي درسناها:

“ثم قال لهم من منكم يكون له صديق ويمضي إليه نصف الليل ويقول له يا صديقي أقرضني ثلاثة أرغفة لأن صديقاً لي جاءني من سفر وليس لي ما أقدم له فيجيب ذلك من داخل ويقول لا تزعجني البال مغلق الآن وأولادي معي في الفراش لا أقدر أن أقوم وأعطيك. أقول لكن وإن كان لا يقوم ويعطيه لكونه صديقه فإنه من أجل لجاجته يقوم ويعطيه قدر ما يحتاج” (لوقا 11: 5-8).

 

البدء بالسياق المباشر

كان المسيح قد علم التلاميذ للتو نموذجاً للصلاة رداً على طلبهم. والأكثر من ذلك، في الآيات التي تلي المثل مباشرة، قدم يسوع تفسيراً لمعناه: “وأنا أقول لكم أسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يفتح لكم. لأن كل من يسأل يأخذ. ومن يطلب يجد. ومن يقرع يفتح له” (لو 11: 9-10).

في حالة هذا المثل، توجد فرصة لرواية القصة وشرح معناها.

 

التعرف على الهدف المحوري

إن فحص القصة بجانب التفسير، يكشف عن أنها رويت لكي تعلم أن الله يستجيب الصلاة، خاصة الصلاة التي تكون بلجاجة. فالشخص الذي يستمر ويثابر على الطلب هو الشخص الذي سيأخذ، والشخص الذي يستمر في السعي هو الذي سيجد. (لاحظ أن زمن الفعل له أهمية في فهم هذا المقطع المحدد: “Keep on asking” أي في الزمن المستمر، وهذا هو زمن الفعل في اليونانية، وليس الزمن البسيط الذي فيه يتم الطلب مرة واحدة فقط.)

 

تحديد التفاصيل غير ذات الصلة بالموضوع

رغم أن الصديق لم يستجب في البداية، بسبب أمور شخصية أنانية، إلا أن هذا لا يكشف عن شيء يتعلق بالله أو باستجابته لنا. وتوجد تفاصيل أخرى أيضاً غير ذات صلة بالموضوع، مثل حقيقة أن هذا الطلب قد تم في منتصف الليل، وأن الصديق طلب ثلاثة أرغفة وليس أربعة؛ وأن هذا الخبز كان لأجل شخص آخر غيره. هناك الكثير مما يقال عن هذه النقاط، ولكنها ببساطة تم إدراجها كجزء من القصة لاستكمال حبكتها.

تحديد التفاصيل ذات الصلة بالموضوع

من ناحية أخرى، توجد حقائق أساسية. فاستمرار الجار في الطلب هو في الحقيقة جوهر القصة. فلن يفيد أن نطلب من الله ببساطة أمراً ما مرة واحدة فقط، ونترك الأمر بعد ذلك، أو أن نعلم أننا يجب ألا نكرر الطلبة أمام الله. إن تفسير المثل يوضح أننا يجب أن نلح ونستمر في طلب الله لتسديد احتياجاتنا.

 

مقارنة المثل مع المقاطع المشابهة والأخرى المناقضة

يوجد مقطعان يمكن مقارنتهما بهذا المثل، سواء من ناحية التشابه او الاختلاف. فحيث أن خلفية هذا المثل هو طلب التلاميذ من المسيح أن يعلمهم الصلاة، ورده عليهم كان بنموذج للصلاة (11: 1-4)، فمن الطبيعي جداً أن نقارن هذا المقطع بمتى 6: 7-15، الذي يقدم الصيغة الأكثر شيوعاً للصلاة الربانية. ففي متى، علمهم يسوع أن يصلوا هكذا، بدلاً من تكرار الكلام باطلاً. وهكذا بمقارنة المقطعين معاً، نركز على حقائق يكمل بعضها البعض.

فالصلاة بإلحاح ومثابرة ليس معناها التكرار الباطل لنفس الطلبة. ومن ناحية أخرى، رغم أن التكرار الباطل محظور، فهذا لا يعني أن الشخص يجب ألا يصلي بلجاجة. وهكذا يقوم المقطعان بتفسير أحدهما الآخر.

بعد تفسير المسيح لمثل الثلاثة أرغفة، قدم أيضاً شرحاً آخر للمثل:

“فمن منكم وهو أب يسأله ابنه خبزاً أفيعطيه حجراً. أو سمكة أفيعطيه حية بدل السمكة. أو إذا سأله بيضة أفيعطيه عقرباً. فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه” (لو 11: 11-13).

نجد هنا حقيقة إضافية تقدم لنا بخصوص الصلاة. فمثلاً لو أن القارئ قد استنتج من قصة الأرغفة الثلاثة أن الله يسمع بامتعاض لصلوات أبنائه، فإن هذا التعليم الإضافي سوف يضع حداً بسرعة لسوء التفسير هذا. والأمر المهم هو أن الشيء الوحيد الذي نحتاجه أكثر من أي شيء آخر يتم تعريفه ليس هو خبز الجسد، بل هو شخص الله الروح القدس نفسه، وهذا هو أكثر ما يبعث على الاطمئنان.

 

بناء المبدأ على مقاطع واضحة

بالنظر إلى السياق ومقارنته بالمقاطع الأخرى، نجد أن التعليم الذي يقدمه هذا المثل له مكانته في المبدأ التعليمي العام للصلاة. ففيه يتم تعليم العديد من العناصر المفتاحية للتعليم الخاص بالصلاة. وكما رأينا، سيكون من الخطأ أن نبني تعليماً عن الصلاة على قصة الأرغفة الثلاثة. ولكن الحقيقة المركزية في المثل هي عنصر مشروع يمكن إدراجه مع غيره من التعاليم الكتابية في بناء التعليم الكتابي عن الصلاة، وهي، استمر في الصلاة وسوف يستجيب الله.

 

ملخص

كانت الأمثال دائماً مصدراً لبركات لا توصف في تنوير شعب الله بالحقائق الروحية. وفي نفس الوقت، كانت الأمثال أيضاً مصدراً لارتباك لا يوصف في كل من العقيدة والممارسة والتطبيق في الكنيسة. ويجب ألا يدهشنا هذا الأمر، حيث أن المسيح نفسه أخبرنا أن الأمثال ستقوم بكل من التنوير والإرباك لسامعيها. لذلك فإن المطلب الأول لفهم معنى الأمثال، هو بالطبع أن يكون الشخص منتمياً ليسوع المسيح وملكاً له، وأن تكون لديه استنارة الروح القدس في ذهنه المتجدد.

ومع ذلك، فإن هذا بمفرده لن يضمن الفهم الواضح والتفسير الدقيق للأمثال، كما يشهد بذلك تاريخ التفسير. لذلك فإن المبادئ الإرشادية البسيطة التي حددناها هنا ستفيد الدارس الجاد للكتاب المقدس في استخدام الأمثال بطريقة سليمة وفعالة.

 

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

– بلومبرج، كريج إل. Interpreting the Parables. Downers Grove, III. InterVarsity، 1989.

– كابون، روبرت فارار. The Parables of Grace, Grand Rapids: Eerdmans,،  1988.

– _______ The Parables of the Kingdom. Grand Rapids: Eerdmans. 1985.

– _______ The Parables of Judgment. Grand Rapids: Eerdmans 1986.

– جيريمياز، جوشيم. The Parables of Jusus، طبعة ثانية. London: SCM، 1963.

– كيسترماكر، سيمون. The Parables of Jesus. Grand Rapids: Baker، 1980.

كيسنجر، وارين إس. The Parables of Jesus: Metuchen, N. J.: A History of Interpretation and Bibliography, Scarecrow، 1979.

– لوكير، هيربرت. All the Parables of the Bible. Grand Rapids: Zondrvan، 1963.

– ماكويلكين، روبرت سي. Studying Our Lord’s Parables. طبعة ثانية 1935. Grand Rapids: Zondervan، 1980.

– بنتيكوست، جي داويت. The Parables of Jesus. Grand Rapids: Zondervan، 1982.

– ترينش، ريتشارد سي. Notes on the Parables of Our Lord. 1861 طبعة ثانية. Grand Rapids: Baker، 1979.

– وينهام، ديفيد. The Parables of Jesus. Downers Grove, InterVarsity، 1989.

[1] أرني ميفز، Only 25% Will Make It, Come, نوفمبر – ديسمبر 1975، صفحة 5.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

الأمثال – ما هو وما هي أنواعه وكيفية فهمه ؟ – بحث مفصل

فحص السياق – كيفية فحص السياق لمعرفة ما يقصده الكتاب المقدس؟

فحص السياق – كيفية فحص السياق لمعرفة ما يقصده الكتاب المقدس؟

فحص السياق – كيفية فحص السياق لمعرفة ما يقصده الكتاب المقدس؟

فحص السياق – كيفية فحص السياق لمعرفة ما يقصده الكتاب المقدس؟

المبدأ الإرشادي: قم بفحص السياق القريب: المقطع ككل؛ والسفر ككل.

كما رأينا، المصدر الأساسي لفهم خلفية مقطع ما هو سياقه. وأهم عنصر في دراسة كلمة هو استخدام تلك الكلمة في سياقها. مرة أخرى، فإن الغموض الذي قد يتواجد في البنية النحوية غالباً ما يتم حسمه من خلال الرجوع إلى السياق. في الإرشادات التي سنقوم بدراستها الآن. سيكون السياق جوهرياً، سواء تضمن لغة مجازية، أو أمثال، أو شعر عبري. وفي الحقيقة، يمكننا أن نقول إن “السياق هو الملك”.

فمن خلال سياق أي مقطع، في التحليل النهائي، نستطيع أن نحدد المعنى.

لقد استخدمنا في الفصل الخامس مصطلح “السياق” بمعناه الواسع، مشيرين إلى الخلفية التاريخية والأدبية كلها التي كان المؤلف يكتب فيها. بهذا المعنى الواسع، يُشتق سياق الكاتب من حقيقة أن الكتاب المقدس قد قام بشر بكتابته.

وقد استخدمنا هذا المصطلح بمعنى آخر في الفصل الثاني عندما تحدثنا عن الأشخاص الذين يقتربون من الكتاب المقدس من وجهة نظر النسبية الثقافية. واكتشفنا مستويات متنوعة من “تكييف السياق”. وذلك الاستخدام الأضيق للمصطلح تم ذكره مرة أخرى في الفصل الثامن، عندما ناقشنا الخلفية الثقافية، أو السياق الثقافي.

وحيث أننا سنستخدم كلمة “سياق” بالطريقة التقليدية في هذا الفصل، فيمكننا أن نقسمها إلى ثلاثة عناصر: الغرض من السفر الكتابي؛ وتخطيط السفر؛ والسياق القريب (المباشر).

الغرض من السفر

رغم أننا ندرك أن كل سفر من الكتاب المقدس يشترك في غرض واحد مع بقية الأسفار وهو إعلان الله وخلاصه، إلا أن كل سفر غالباً في الكتاب المقدس يختلف في هدفه عن بقية الأسفار الأخرى. لذلك فمن الأهمية البالغة أن نعرف لماذا كتب المؤلف سفره الخاص. بعض الأسفار يبدو وكأن لها أكثر من هدف واحد – بل حتى عدة أهداف. لكن معظم الأسفار يكون لها هدف رئيسي، أو موضوع محوري.

كيف يمكن للمرء أن يكتشف الهدف من سفر من أسفار الكتاب المقدس؟ عدد قليل من الأسفار تكشف بوضوح عن هدفها. فمثلاً، يقول سفر يوحنا: “وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه” (يوحنا 20: 31). تساعدنا العديد من العناصر المفتاحية في هذا الهدف على فهم سفر يوحنا. فكلمة “هذه” تشير إلى المصطلح الذي يستخدمه يوحنا لوصف المعجزات، ويطلق عليها “آيات” (عدد 30).

فهي ليست مجرد أعمال عظيمة مدهشة، لكن لها هدف. فهي آيات تشير إلى ألوهية المسيح: “أن يسوع هو المسيح ابن الله” (عدد 31). وهذا يعني أن يوحنا كان ينتقي بصورة خاصة في اختياره للمعجزات التي أدرجها. فالحقيقة أنه دون كيف استخدمها يسوع لكي يعلم حقائق محددة.

يبدو أن هذا كان أسلوبه في كل أنحاء السفر. فأولاً، يكتب عن إعطاء المسيح “آية” (مثلاً، إطعام الخمسة آلاف)؛ ثم يتبع رواية المعجزة بتفسير للمعنى الذي تشير إليه هذه “الآية”. في هذه الواقعة، كان المعنى هو حديثه الرائع عن نفسه كخبز الحياة. الأكثر من ذلك، تنبهنا عبارة يوحنا الخاصة بتوضيح الهدف إلى موضوع مزدوج – أي ألوهية المسيح ومعنى الإيمان.

فبدون شك، كل من ألوهية المسيح ومعنى الإيمان يتم تعليمهما بوضوح في سفر يوحنا أكثر مما يحدث في أي مكان آخر من الكتاب المقدس. وهكذا فإن فهم هدف يوحنا من كتابة إنجيله يساعدنا على فهم معنى مقاطعه المحددة.

لكن كيف يمكن للمرء أن يحدد هدف السفر إن لم يكن مذكوراً بوضوح؟ في معظم أسفار الكتاب المقدس، لا يذكر الهدف المفتاحي أو المحوري بكلمات كثيرة. لذلك قد يكون من الضروري قراءة السفر بأكلمه بتركيز، مع تتبع مسار الفكرة، والبحث عن الموضوع. بهذه الطريقة، يكون من الممكن في معظم الأحيان تمييز الهدف من السفر.

فمثلاً، في غلاطية يركز بولس على مشكلة التأثيرات اليهودية على الكنيسة في غلاطية. وكان تصحيح هذا الخطأ واحداً من الأهداف الواضحة للكتابة إليهم. وذلك الهدف، بدوره، يؤثر على تفسير مقاطع معينة. فمثلاً، إلى أي شيء تشير كلمة “ناموس” في غلاطية؟ لا بد أنها ترتبط بنظرة المتهودين.

لذلك فإن الناموس في الرسالة إلى كنيسة غلاطية لا يمكن أن يشير إلى أي ناموس، أو إلى جميع النواميس بصفة عامة. وهكذا فإن هدف السفر يساعدنا على فهم المعاني المحددة للكلمات.

كما توجد مفاتيح أخرى مفيدة لتمييز الهدف. ففي الرسائل يمكننا أن ندرس الشكر الافتتاحي، والتحية والسلام (رو 1: 1-7؛ كو 1: 2؛ 1تس 1: 1-4؛ يع 1: 1)، والوصف الختامي (رو 15: 14-16؛ يع 5: 19-20). وفي الأناجيل أيضاً، قد يكون هناك مفاتيح في البداية وفي النهاية. أما في الأسفار التي يكون بها مجموعة من المواد المختلفة، فقد يكون للسفر موضوعاً، مثل الحكمة العملية (الأمثال)، أو تسبيح الله (المزامير)، ولكن الهدف من كل وحدة (مثلاً، من كل مزمور) يجب أن يكون هو الدليل في السعي نحو الفهم.

في بعض الأحيان يقوم المؤلف بتوضيح المناسبة التي تمت فيها الكتابة، ويمكن أن يكون هذا مفتاحاً لتمييز هدفه. لكن يجب مراعاة الحذر، فمثلاً، كتب بولس رسالة شكر للكنيسة في فيلبي، وكانت هذه هي مناسبة الكتابة. فمن ناحية، يمكن أن يكون هذا هو هدفه من الكتابة، لكن من الصعب أن نرى هذا على أنه الهدف الأسمى الذي كان في ذهن بولس أثناء كتابته للسفر بأكمله.

لهذا السبب يكون علينا أن نبحث عن موضوع، أو تركيز محوري، للتعليم. فموضوع “الفرح في الآلام”، وهو الموضوع الذي كان بولس يعود إليه من وقت إلى آخر، يبدو أنه هو الموضوع السائد في رسالة فيلبي.

الأسفار التي لها أكثر من هدف واحد

في بعض الأحيان يكون للسفر عدة أهداف، كما في حالة الرسالة الأولى إلى كورنثوس، التي تتعامل مع سلسلة من القضايا. في مثل هذه الحالات، يجب التعرف على كل هدف، ويجب عدم فرض أي هدف رئيسي على مقطع معين بطريقة تتعدى على المعنى الواضح في السياق المباشر.

لذلك فمن المهم أن نسعى لفهم الهدف من خلال القراءة المباشرة للسفر قبل الرجوع إلى آراء الآخرين. لكن سيكون من الخطأ أن نتخذ القرار النهائي بدون الرجوع إلى ما استنتجه المتخصصون. فإذا كان هناك كتاب عن مقدمة للكتاب المقدس، ودليل للكتاب المقدس، ومقدمة للسفر الكتابي، في واحد أو اثنين من التفاسير يتفقون جميعاً على هدف السفر، يمكن للمرء أن يتابع بنوع من الثقة على هذا الأساس أثناء دراسته للسفر.

لكن إن لم يكن هناك اتفاق عام بين المتخصصين، فربما يرجع ذلك إلى أنه لم يكون هناك هدف محدد واضح تماماً. في تلك الحالة، لا يجب استخدام أي هدف كمبدأ إرشادي لتفسير مقطع معين، إلا بطريقة عامة.

لكن هناك استثناءات. فمثلاً، يوجد رأيان شديدا التباين بشأن الهدف من سفر نشيد الأنشاد، فالحقيقة أن سفر نشيد الأنشاد ربما يكون هو السفر الوحيد في الكتاب المقدس الذي يوجد خلاف كثير حوله. فهل كتبه سليمان كأنشودة محبة. موضحاً فيه جمال العلاقة الكتابية الحبية بين الزوج وزوجته؟ أم أنه كتبه خصيصاً لكي يعلم حقيقة روحية خفية؟ فإن تفسير كل أصحاح، وتقريباً كل عدد، سيتحدد بواسطة الإجابة على ذلك السؤال الأولي الأساسي المتعلق بالهدف.

في مثل هذه الحالة، من الضروري أن نفحص السبب في التباين. فيجب على الدارس أن يبحث في السفر عن أي تلميح كان مقصود به أن يكشف عن معنى روحي. فإن كان السفر نفسه يظهر أنه يتحدث عن أنشودة محبة جميلة، فيجب إذاً أن يكون هناك دليل خارجي دامغ يجعلنا نفترض هدفاً آخر له.

كما يجب على السياق أن يقرر الهدف. فهل يخبرنا سليمان، في أي موضع من السفر، أن معناه يعبر عنه برموز روحية؟ إن لم يكن كذلك، يجب ألا يفرض المفسر رموزه الروحية باعتبارها هدف السفر، ثم يستمر في تفسيره على هذه الضوء.

أما بالنسبة لسفري أخبار الأيام الأول والثاني، فإنهما يهدفان إلى ما هو أكثر من مجرد رواية لتاريخ شعب الله. فقد كان هدفهما تقديم تفسير للمعنى الروحي للأحداث التاريخية. فغالباً يقوم الكاتب بتقديم “القصة من الداخل”، أي رؤية الحدث من وجهة نظر الله.

وهذا أمر مفيد ليس فقط في تفسير الأحداث كما هي مدونة في أخبار الأيام الأول والثاني، بل أيضاً في إعطاء فهم أعمق لنفس الأحداث التي في أغلب الأحيان يتم تقديمها بصورة أكثر “موضوعية” في روايات صموئيل الأول والثاني، وملوك الأول والثاني. على سبيل المثال، تسجيل كلمات داود الأخيرة بخصوص الهيكل وتحميل مسؤوليته إلى سليمان (1أخ 28-29) يقدم بعداً روحياً غير موجود في رواية صموئيل. كما أن النهضة التي حدثت في عهد حزقيا (2أخ 29-31) وتقييم الله لحزقيا (2أخ 32) مملوءان بالفهم لوجهة نظر الله.

وهكذا فإن الهدف الذي يكون في ذهن المؤلف عند كتابته للسفر يؤثر في كل مقطع من مقاطع هذا السفر. وعندما يمكن تمييز هدفه، فإن ذلك يقدم السياق الأوسع الذي يجب أن يوضع فيه كل مقطع قبل التوصل إلى النتائج النهائية بشأن المعنى الذي يقصده المؤلف. كما أنه من المنطقي أن نفترض أن تفسير كل مقطع يجب أن يتفق مع هدف السفر ككل.

تخطيط السفر

إن العقل البشري، الذي يعمل بحسب نموذج الله في التفكير، يسعى للفهم عن طريق تفسير الأشياء بطريقة متسقة ومترابطة، أي بإظهار العلاقات بينها. تلك العلاقات قد تكون تتابع أحداث تاريخي بسيط، أو ترتيب شعري للجمال أو للتأثير العاطفي، أو حديث لاهوتي منطقي مباشر. لكن يمكن للمؤلف ببساطة أن يكتب مجموعة من الحكم التي لا ترتبط ببعضها البعض، أو ينظم أشعار ليست لها علاقة ببعضها البعض.

كما يمكن للسفر أن يكون عبارة عن سلسلة من الرؤى. وقد يكون ترتيب الأحداث مسلسلاً زمنياً أو مسلسلاً بحسب ترتيب آخر لكي يؤدي إلى تأثير معين. بعض المؤلفين يكونون منطقيين بعناية في عرض أفكارهم، بينما آخرون قد تكون أفكارهم غير مترابطة. ويمكن لأحد المؤلفين أن يستخدم عدداً من الخطط أو الصيغ الأدبية، فيجب على المفسر أن يسعى لفهم كل مقطع بما يتفق مع الصيغة التي اختارها المؤلف.

على سبيل المثال، يبدو أن سفر الأمثال ليست له خطة كلية عامة. فأن نقوم بفرض مسار للفكر أو رابطة بين عدد معين والعدد التالي له، هذا الأمر قد يقود المفسر إلى الضلال بعيداً عن المعنى المقصود. فإن كان الأرجح ألا يكون هناك اتصال وعلاقة بين الأعداد وبعضها البعض، يجب اعتبار تلك الأعداد مستقلة عن أحدها الآخر.

تبدو خطة إنجيل متى أنها تعنى بالموضوع أكثر مما تعنى بالترتيب الزمني للأحداث. لذلك فعندما يسعى المفسر للربط بين حدثين كما لو أن أحدهما قد قاد أو سبب الآخر، أو عندما يفسر كما لو كان في السياق التاريخي لذلك المقطع الذي يسبقه أو يتبعه، فإنه قد يضل في تفسيره.

فإنجيل متى لم يكتب بتسلسل زمني دقيق، لكن هذا لا يعني أن متى لم تكن لديه خطة. فهو غالباً يقوم بتجميع الأحداث أو الأمثال للإشارة إلى علاقاتها الموضوعية أو اللاهوتية. تلك المقاطع مفيدة في فهم المعنى الداخلي للأحداث والعلاقة بين تعاليم المسيح المتنوعة.

تأثير خطة المؤلف

تؤثر خطة السفر على التفسير. فالفكرة الفردية لا يمكن تفسيرها بمعزل عن ارتباطها بالأفكار المجاورة لها. فمثلاً خطة بولس في رومية كان أن يبني فكرة على أخرى، فيقوم بترتيب المبدأ الأساسي نظامياً في ترتيب منطقي. فلا يمكن أن تنتزع فكرة واحدة وتعامل بمفردها عندما نتعامل مع رسالة رومية، وإلا فإن المعنى الذي يقصده بولس يصاب بالتشويه.

لتوضيح هذا المبدأ، دعونا نفكر في تفسير 1كورنثوس 12: 31 “ولكن جدوا للمواهب الحسنى” فما هي المواهب الحسنى؟ في عدد 28 يصف هذه المواهب: “فوضع الله أناساً في الكنيسة أولاً رسلاً ثانياً أنبياء ثالثاً معلمين ثم قوات وبعد ذلك مواهب شفاء أعوناً تدابير وأنواع ألسنة” يعتقد البعض أن “أولاً… ثانياً… ثالثاً” هو ترتيب بحسب التسلسل الزمني؛ بأنه أولاً يأتي مبتدئو الكنيسة الرسوليون، ثم يأتي الأنبياء المتجولون، وأخيراً يأتي المعلمون المقيمون.

لكن بحسب خطة السفر، لن يثبت هذا التفسير. فمقطع 1كورنثوس 12-14 بأكمله تمت كتابته لتصحيح إساءة حدثت في كنيسة كورنثوس. وكانت هذه الإساءة تركز على موهبة معينة (الألسنة) التي قال بولس أنها لم تكن شديدة الأهمية. المقطع بأكمله إذاً، يتعامل مع الأهمية المتأصلة للمواهب المتنوعة. فعندما يتحدث بولس عن “المواهب الحسنى”، فإنه يقصد أن بعضاً من المواهب أكثر أهمية من غيرها.

وهذا واضح تماماً عندما يتم التفكير في السياق. في هذه الحالة، يعني “السياق” سياق السفر بأكمله. فأن ننتزع من ذلك القسم عدد يقول “أولاً، وثانياً، وثالثاً” ونجعله يعني شيئاً آخر مختلف عن موضوع السفر بأكمله، فهذا معناه أن نفقد النقطة الأساسية التي يقصدها المؤلف.

التصميم

لكي نميز خطة السفر، نحتاج أن نقوم بعمل تصميم له. وهذا أمر مهم فقط بالنسبة للخطة الكلية للسفر لكن أيضاً بالنسبة للمقطع المحدد الذي نقوم بدراسته. فكيف يمكن للمرء أن يقوم بتصميم مقطع أو سفر من الكتاب المقدس؟

أولاً، تحذير: لا تستخدم التقسيم بحسب الأصحاحات والأعداد. فهذه التقسيمات ليست موضع سلطة أو ثقة بالنسبة للفكرة، فهي لم تكن في النص الأصلي، ولكن تم إضافتها بعد ذلك بكثير. إن فائدتها الكبيرة هي أنها تمكن جميع الناس الذين يتعاملون مع الكتاب المقدس من تحديد نفس المقطع. لكن عند تصميم مسار الفكرة، لا تكون الأصحاحات والأعداد مفيدة دائماً.

فمثلاً، المقطع الرائع عن المحبة الذي يبدأ بيوحنا الأولى 4: 7 لا ينتهي بنهاية أصحاح 4. فالحقيقة أن القارئ يجد تعريفاً مفتاحياُ في أصحاح 5: 3 “وهذه هي محبة الله ان نحفظ وصاياه” فإذا أنهى المرء دراسته بنهاية الأصحاح الرابع، فسوف يفقد الجزء المكمل لتحليل يوحنا للمحبة، بما فيه هذا التعريف.

كيف يمكن للمرء إذاً أن يقوم بتصميم مسار الفكرة؟ ببساطة، بأن يبحث الشخص عن التغيير. فإن كان هناك تغير في الأحداث، بأن تنتهي مثلاً قصة ما وتبدأ قصة أخرى، فإن التصميم يكون شديد البساطة. لكن في الأناجيل، يجب على المرء أن يكون حذراً لكي يدمج الوعظ أو التعليق التالي مع الحدث نفسه. قد يكون من السهل تتبع تغير الحدث، لكن تغير الفكرة، رغم أنه أكثر صعوبة، إلا أن أهميته أعظم بكثير.

في رسالة أفسس، الفاصل بين الأصحاحين 3، 4 واضح للغاية. فقد كان بولس يتعامل مع أمور تختص بالعقيدة، وخاصة بالكنيسة. وفي أفسس 3: 21، يختتم صلاته بالقول: “له المجد في الكنيسة في المسيح يسوع إلى جميع أجيال دهر الدهور. آمين”، والعدد التالي (4: 1) يقول: “فأطلب إليكم أنا الأسير في الرب أن تسلكوا كما يحق للدعوة التي دعيتم بها”. لقد انتقل بولس بوضوح هنا من المبدأ إلى الممارسة العملية، تاركاً القسمين الرئيسيين للسفر متميزين بوضوح.

أما بالنسبة للتغيرات الأٌقل جذرية في الفكرة، والتي فيها قد تتداخل فكرة واحدة تدريجياً مع فكرة أخرى، فيكون تمييزها أكثر صعوبة. وتشكل التقسيمات الفرعية تحت التصميم الأساسي.

ففي حالة رسالة أفسس، على سبيل المثاال، قد يتعرض المرء لإغراء أن يقوم بعمل فاصل بين أصحاحين 5 و6، لأن أصحاح 5 يتعامل مع الأزواج والزوجات، بينما أصحاح 6 يبدأ بالعلاقة بين الأبناء والوالدين. ومع ذلك، فالنظر إلى العلاقة بين الأصحاحين تفترض وجود موضوع مشترك، وهو الخضوع لبعضنا البعض.

وهكذا يمكن للمرء أن يبدأ بأية نقطة في النص ويتحرك منها للخلف أو للأمام للبحث عن تغيير في الفكرة. فإذا بدأ الشخص بنهاية الأصحاح الخامس في أفسس واتجه للوراء، فسوف يجد الموضوع يتركز على العلاقة بين الزوجات والأزواج كتشبيه لعلاقة الكنيسة بالمسيح.

هناك فاصل واضح بين العددين 21 و22، لأن عدد 21 يتحدث عن خضوعنا بعضنا لبعض في مخافة المسيح. لذلك فإن معظم الترجمات تقوم بعمل مقطع جديد عند هذه النقطة. المقطع الجديد هو بلا شك مشروع، لكن العلاقة بين خضوعنا لبعضنا البعض في عدد 21، والتعليم الذي يبدأ في عدد 22، بأن الزوجات يجب أن يخضعن لأزواجهن، من الواضح أن بينهما علاقة ما.

عندما نعود إلى 6: 1، ونبدأ بالنظر في اتجاه مضاد بتغيير الفكرة، فإننا نجد في الحال مثالاً آخر للخضوع. هذه المرة نجد خضوع الأبناء للوالدين. وبتتبع مسار الفكرة أكثر، يحدث فاصل بين 4: 4 و6: 5، حيث يتغير الموضوع من الأبناء والوالدين إلى العبيد والسادة.

ومع ذلك، يستمر خيط الفكرة في أن العبيد يجب أن يخضعوا لسادتهم. حتى نصل إلى عدد 10، حيث نجد انفصالاً كاملاً عن الفكرة الأصلية للخضوع لبعضنا البعض في مخافة المسيح. وعندما نقوم بتصميم مسار الفكرة بهذه الطريقة، فإننا نجد أن هذا يلقي بالضوء بوضوح شديد على مقطع عليه كثير من الخلاف.

وفيما يلي إحدى التصميمات الممكنة لرسالة أفسس، مع إعطاء قدر كبير من التفصيل للقسم الثاني منها:

مقدمة (1: 1-2)

1 – عقيدة: وضع ومقام المؤمن (1: 3 – 3: 21).

2 – الممارسة العملية: مسيرة المؤمن (4: 1 – 6: 20)

      أ) الحياة والخدمة (4: 1 – 6: 9)

      1-6. ستة موضوعات (4: 1 – 5: 20)

  1. الخضوع المتبادل (5: 21 – 6: 9)

               أ – الزوجة / للزوج (5: 22 – 33)

               بـ – الابن / للوالدين (6: 1 – 4)

               جـ – العبيد / للسادة (6: 5 – 9)

      ب) الحرب الروحية (6: 10 – 20)

الختام (6: 21 – 24).

لاحظ أن نقطة التقسيم بين العقيدة والممارسة العملية تمثل تغييراً رئيسياً في الفكرة، وهي شديدة الوضوح. وقد ميزنا هذه القسمين برقمي 1، 2. وداخل القسم الثاني (2) نجد التغيير من فكرة لأخرى أكثر مهارة وأقل تحديداً. لكن يوجد على الأقل موضوعان متميزان (الحياة والخدمة (أ)؛ والحرب الروحية (ب)). وقد وضعناهما معاً تحت تقسيم رئيسي واحد (2) لأن كل منهما يشتركان في فكرة الحياة المسيحية الفعلية – وليس المقام اللاهوتي او علاقة المؤمن بالله (1).

مرة أخرى، داخل قسم “الحياة والخدمة” توجد عدة موضوعات. وقد قمنا بتقسيمها إلى نقاط فرعية لأنها متميزة عن بعضها البعض (1 – 7). وداخل النقطة الفرعية “الخضوع المتبادل”، نجد ثلاثة أمثلة أو تطبيقات لنفس المبدأ، لذلك فقد قمنا بتجميعها تحت عنوان واحد، لكننا عرفنا كل منها بطريقة منفصلة (أ، بـ، جـ).

باستخدام التصميم السابق، أصبح مسار الفكرة واضحاً بإظهار التقسيمات الأساسية والفرعية، أو التغيير في الفكرة. نتيجة لذلك، يمكن للمفسر أن يستخدم تلك البنية في تحليل معنى أي مقطع كتابي محدد. يتضح من ذلك أن تصميم بنية سفر بكل المقاطع التي يحتويها أهم بكثير من مجرد تقديم إطار للفكرة لتذكير المحتوى بسهولة. إنها وسيلة منظمة لتتبع مسار الفكرة. ولذلك فإن مسار الفكرة، بالتالي، له أهمية عظيمة في تفسير كل فكرة داخل السفر ككل.

السياق القريب (المباشر)

إن تمييز هدف وخطة سفر يفيد في وضع كل مقطع في سياقه الأوسع. لكن السياق المباشر هو أهم وسيلة إرشادية لتحديد معنى المقطع؛ ومما يثير السخرية، إن هذا الأمر ربما يعتبر من أكثر الأمور التي يتم تجاهلها. لكن دراسة السياق المباشر يساعد القارئ على فهم المعنى الذي قصده المؤلف بصورة أفضل، كما سنرى في دراسة ثلاثة مقاطع مختلفة من غلاطية ورومية وتسالونيكي.

غلاطية 5: 4: السقوط من النعمة

عندما تحدث بولس عن السقوط من النعمة (غلاطية 5: 4)، هل كان يتحدث عن شخص فقد خلاصه؟ إن الفحص السريع للسياق يوضح أن هذا أبعد ما يكون عن المعنى الذي يعبر عنه هذا المقطع. لقد كان بولس يتحدث عن جماعة الختان (اللذين كانوا يسعون للإتيان بالمؤمنين تحت عبودية العهد القديم)، وكان يحذر أهل غلاطية أنه إذا سعى الشخص للتبرير من خلال إطاعة الناموس، فإنه يكون قد رفض طريق النعمة، وهكذا يكون قد سقط من النعمة.

رومية 14: 13 – 15: 1 القوي والضعيف

ربما نظن أن الشخص القوي هو الشخص الذي يكون قوياً في آرائه أو معتقداته او شخصيته أو في روحانيته. والشخص الضعيف هو الذي يكون ضعيفاً في واحد أو أكثر من هذه المجالات. هذه نظرة مشروعة، لكن هل هذا هو ما كان بولس يقارن بينه في رومية 14، عندما تحدث عن القوي والضعيف؟ يجب على السياق أن يقرر ذلك. لقد كان بولس يتحدث عن الشخص القوي أو الضعيف في الإيمان.

فالشخص القوي في الإيمان لديه ثقة في أنه يستطيع أن يأكل أي شيء. أما الشخص الضعيف في الإيمان فإنه يفتقر إلى تلك الثقة. في حالة بولس هذه، كان بولس هو الشخص القوي والكتابي في اقتناعاته. ومع ذلك، فمن الممكن جداً أن يكون الشخص قوياً ولكن على خطأ. فمثل هذا الشخص قد يكون ضعيفاً في الشخصية أو ضعيفاً روحياً، ولكنه لا يزال “قوياً” بالمعنى الذي استخدم به بولس هذا المصطلح هنا.

من المهم بالنسبة لمفسر المقطع بأكمله أن يعرف من السياق ما هو المعنى المقصود. وها هو على سبيل المصادفة، مثال جيد آخر لكيفية امتداد السياق إلى ما هو أبعد من تقسيم الأصحاحات. ففي رومية 15: 1 نجد حثاً إضافياً وتضاداً بين القوي والضعيف: “فيجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء ولا نرضي أنفسنا” ثم يقدم لنا بولس المسيح كمثال لكي يظهر لنا أن الوصايا الصعبة يمكن إطاعتها – كل هذا في أصحاح آخر تماماً ولكنه يعتبر جزء من نفس الفكرة.

تسالونيكي الأولى 5: 2: يوم الرب

هنا يخبرنا بولس أن يوم الرب سيأتي كلص في الليل. فكيف يأتي اللص في الليل؟ يتعامل الكثيرون من الناس مع هذا المقطع ليك يوضحوا أن الرب سوف يأتي بصورة خفية أو متلصصاً. لكن مرة أخرى، يجب على السياق أن يتحكم في المعنى. فالعدد التالي يستخدم رمزاً آخر، فالطريقة التي تلد بها المرأة تأتي فجأة، وبدون إنذار.

إذاً في عدد 4، يستخدم التضاد بين النهار والليل بطريقة أخرى، ولكنها طريقة تلقي بالضوء على طبيعة اللص بحسب استخدام بولس لها: “وأما أنتم أيها الإخوة فلستم في ظلمة حتى يدرككم ذلك اليوم كلص”.

نجد هنا بولس يتحدث مرة أخرى عن اللص الذي يقتحم أو يأتي فجأة. لذلك فإنه يبدو من السياق أن سمة الص الذي يأتي في الليل لا تشير إلى الخفاء أو السرية، كما لا تشير أبداً إلى السلوك غير الأخلاقي للص، بل إلى فجائية وعدم توقع مجيئه.

لمزيد من النور، يبدو السياق السابق أنه يقول عكس التلصص أو السرية تماماً: “لأن الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء والأموات في المسيح سيقومون أولاً”. (1تس 4: 16).

فإن كان 1تسالونيكي 5: 2، يؤخذ بمعنى أن مجيء اللص يشير إلى السرية، فلا بد إذاً أن هذين العددين يشيران إلى حدثين مختلفين، ولكان سيتم تدعيم التفسير بأن “يوم الرب” و”مجيء الرب” هما حدثان مختلفان. لكن إن كان تشبيه اللص بمجيء المسيح لا يمت بصلة إلى سمة اللص إلا بأن مجيئه غير متوقع، عندها إذاً يتفق العددان معاً تماماً. لقد استخدمت العديد من الوسائل الإرشادية في تحليل هذه العبارة، لكن السياق أساساً هو الذي حدد فهماً أكثر دقة للمعنى.

ملخص

لقد رأينا أمثلة للأهمية الاستراتيجية للفحص الدقيق للسياق، حيث أن كلاً من هدف وتخطيط السفر، وتدفق مسار الفكرة في مقطع معين، والسياق المباشر، في التحليل النهائي، هو الذي يحدد ويقرر المعنى: إن أشهر أخطاء التفسير الشائعة هي التعدي على المبدأ البسيط والأساسي القائل بأن “السياق هو الذي يجب أن يتحكم في المعنى.

وحيث أن السياق هو الذي يحب أن يتحكم، فإننا يجب أن نبدأ بالغرض الذي كان في ذهن المؤلف عندما كتب سفره.  ويجب أن نسمح لغرضه وهدفه، وليس لأهدافنا وأغراضنا نحن، أن تتحكم في التفسير. وعندها، لكي نفهم أين يمكن أن يتفق المقطع مع مسار الفكرة، فإننا يجب أن نقوم بتصميم بنية للسفر، وأن نعطي أهمية عظمى للتغيرات الواضحة في الفكرة التي تقع قبل وبعد المقطع مباشرة.

وأخيراً، يجب أن نركز على السياق المباشر، وأن نسمح له بأن يتحكم في التفسير. ونستطيع أن نقوم بذلك عندما نرفض أن نقحم معنى على كلمة، أو عبارة، أو وحدة فكر، بما يتعدى على أي معنى واضح للسياق.

ليست فقط الوسيلة الإرشادية الخاصة بالسياق هي أكثر الوسائل وضوحاً وبساطة، ولكنها وسيلة عندما يتم التعدي عليها تكون عواقب ذلك بعيدة المدى. وذلك لأن الشخص الذي يتجاهل السياق دون مبالاة أثناء إعداده لعظة مثلاً أو لتخطيط لدراسة، يكون قد عصى الوصية القائلة: “اجتهد أن تقيم نفسك لله مذكى عاملاً لا يخزى مفصلاً كلمة الحق بالاستقامة” (2تيمو 2: 15). إنه لأمر مخجل أن نتجاهل السياق بإهمال. أما أن نتعمد التعدي على السياق فهو أمر أكثر من مخجل، إنه خطية، لأنه استبدال متعمد لكلمة الله بكلامنا نحن الشخصي.

إن دارس الكتاب المقدس، رغم أنه قد لا يفهم اللغات الأصلية، إلا أن لديه تحت تصرفه أهم أداة للفهم – السياق. فليته يستخدمها باجتهاد!

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

– كيشولم، روبرت بي. Interpreting the Minor Prophets. Grand Rapids: Zondervan, 1990.

– جولدنجاي، جون. Approaches to Old Testament Interpretation. Downers Grove, 1II.: InterVarsity, 1981.

– لونجمان، تريمبر، Literary Approaches to Biblical Interpretation . Grand Rapids: Zondervan, 1987.

– ماكنايت، سكوت، محرر. Introducing New Testament Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1990.

– مارشال، آي هوارد. New Testament Interpretation: Essays on Principles and Methods. Grand Rapids: Eerdmans, 1977.

– شريندر، توماس آر. Interpreting the Pauline Epistles. Grand Rapids: Baker, 1990.

– ستيوارت، دوجلاس Old Testament Exegesis: A primer for Students. and Pastors. Philadelphia: Westminster, 1980.

فحص السياق – كيفية فحص السياق لمعرفة ما يقصده الكتاب المقدس؟

تحليل بنية الفكرة – كيفية فهم مقطع ما في الكتاب المقدس؟

تحليل بنية الفكرة – كيفية فهم مقطع ما في الكتاب المقدس؟

تحليل بنية الفكرة – كيفية فهم مقطع ما في الكتاب المقدس؟

تحليل بنية الفكرة – كيفية فهم مقطع ما في الكتاب المقدس؟

المبدأ الإرشادي: قم بتحليل بنية الوحدة الأساسية للفكرة، الجملة.

الكلمات الفردية لا تكون معلقة في عزلة عن بعضها البعض، ولكنها تكون مرتبطة معاً بالكلمات الأخرى لكي تشكل وتصيغ بنية الفكرة. وحيث أن الهدف المبدئي الأولي لدراسة الكتاب المقدس هو تحديد المعنى المنفرد الذي يقصده المؤلف، فإننا قد فكرنا في إرشادات لاكتشاف الخلفية التاريخية والمادية والثقافية للمقطع، ولتحديد الكلمات الفردية التي لها أهمية خاصة، أو التي لا تفهم بسهولة. ونحن الآن نتجه إلى الإرشادات لفهم المعنى من خلال تحليل بنية الفكرة.

هناك عاملان يشكلان بنية الفكرة: الجملة والسياق. فالوحدة الأساسية للفكرة في البنية النحوية هي الجملة، والتي سوف ندرسها في هذا الفصل. لكن الجمل بدورها، ترتبط معاً ببعضها البعض. لذلك، فلكي نتتبع مسار الفكرة، يجب دراسة أيضاً سياق كل جملة. وذلك السياق سيكون هو موضوع دراستنا في الفصل الحادي عشر.

وحدة الفكرة الأساسية: الجملة

إننا نقوم بدراسة بنية الجملة لكي نحلل مسار تدفق الفكرة ونحصل على فهم لمعناها. ويعتمد التحليل النحوي، أكثر من أي جزء آخر في الدراسة الكتابية، على معرف اللغة الأصلية.

فمسار الفكرة لا تحدده البنية في اللغة الإنجليزية، بل البنية في اللغة الأصلية. بالطبع، تلك البنية تكون ظاهرة بالنسبة للمترجم ويمكن أن تتم ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية. في بعض الأحيان لا يكون مسار الفكرة واضحاً في اللغة الأصلية أيضاً، لكن في أحيان أخرى يكون واضحاً في النص العبري أو اليوناني لكن حيث أن الإنجليزية ليس في مثل بنية هاتين اللغتين، يكون من الصعب الترجمة بوضوح.

لهذه الأسباب فإن المفسر الذي لا تكون لديه معرفة عملية باللغات الأًصلية، يعتمد على المترجم وعلى المعلق في تحليل مسار الفكرة في بنية الجملة. هذا الأمر ينطبق على الدراسة النحوية أكثر مما ينطبق على أي من الإرشادات الأخرى التي تستخدم لتحديد معنى المقطع. وعلى الرغم من أن المعرفة العملية باللغات مفيدة مع الإرشادات الأخرى، ومهمة في دراسة الكلمات، إلا أنها أساسية بالنسبة للتحليل النحوي.

في معظم الأحيان يكون مسار الفكرة واضحاً بما يكفي في اللغة الأصلية، ولكن قد تنشأ المشاكل في بعض الأحيان. وغالباً ما تكون هذه المشاكل واضحة بطريقة مباشرة في الترجمة، حيث أن المترجم الجيد يكون مسؤولاً عن مهمة جعل سير الأفكار مفهوماً.

فكيف يمكن لقراء الإنجليزية (أو العربية) أن يعي مثل هذه المشاكل؟ بطريقتين، أساساً: (1) عن طريق المقارنة بين ترجمات مختلفة، و(2) بمراجعة التفاسير النقدية. فإذا لم تتفق عدد من الترجمات على مسار الفكرة المعين، يمكنك أن تتأكد تماماً أن النص الأصلي به نوع من الغموض الذي يحتاج إلى البحث.

لكن توجد أخبار سارة للدارسين باللغة الإنجليزية (أو العربية)، والذين يشعرون بالإعاقة عند هذه النقطة.

أولاً، حيث أنهم محدودون في قدرتهم على تحليل البنية النحوية، فإنهم من المحتمل أن يعطوا اهتماماً أكبر للإرشادات الأخرى لتحديد معنى المقطع. وبالطبع فإن هذه الإرشادات الأخرى متاحة كذلك للدراس باللغات الأصلية. لكن أولئك الذين لديهم معرفة باللغات الأًصلية يكون لديهم اتجاه للتركيز أكثر من التحليل النحوي.

نتيجة لذلك، قد يتعرضون لإغراء ألا يعطوا اهتماماً مماثلاً للمهارات والإرشادات الأخرى التي قد تكون حتى أكثر جوهرية في تحديد معنى مقطع محدد. بكلمات أخرى، إن الدراس بالإنجليزية قد يجد من الأسهل أن تكون له عدة كاملة من الأدوات إذ يقوم ببناء فهم للمقطع.

ثانياً، إن الإرشادات الأساسية الأخرى متاحة بالكامل للدارس بالإنجليزية (أو العربية)، لذلك فإن يكون معتمداً بالكامل فقط في مجال التحليل النحوي. فمن المهم أن نؤكد على أن قارئ الإنجليزية لا بد أن يستشير الآخرين لأجل التوصل إلى أي قرار نهائي أو تفسيرات مهمة مؤسسة على البنية النحوية.

وعلى الرغم من أن التحليل الموثوق به للبنية النحوية قد لا يتم بدون معرفة باللغة الأًصلية إلا أنه في الغالبية العظمى من مقاطع الكتاب المقدس يمكن للدارس أن يحلل بثقة مسار الفكرة في الترجمة الإنجليزية الجيدة.

لكن ما هي الترجمة “الجيدة”؟ لا بد لكل المترجمين أن “يفسروا” أو يفهموا ويميزوا المعنى الذي قصد المؤلف لكي يقوموا بصياغة هذا المعنى في لغة أخرى. لكن ماذا يفعل المترجم عندما يكون المعنى غير واضح؟ يقوم بعض المترجمين بالتركيز على الصياغة، ويسعون لإعادة استنتاج اللغة الأصلية بأقرب صورة ممكنة.

فإن كان هناك عدم يقين أو غموض في اللغة الأصلية، يقوم المترجمون بالسعي لإظهار ذلك في الترجمة. وبالنسبة للدارس الجاد، تكون هذه ترجمة “جيدة” حيث أنها تنبه لأسئلة تتعلق بالتفسير، وتعطيه الفرصة لاستخدام إرشاداته ومهاراته لتحديد المعنى. وتعتبر الترجمات: الطبعة القياسية الأمريكية (ASV)، والكتاب المقدس القياسي الأمريكي الجديد، والطبعة القياسية المنقحة (RSV) أمثلة لهذا النوع من الترجمة.

بينما يقوم مترجمون آخرون بالتركيز على المعنى أكثر من النقل الحرفي من النص الأصلي إلى الترجمة. فبالنسبة لهم تكون مهمة المترجم هي تقرير المعنى وصياغته في اللغة الأخرى.

وهكذا يتم القيام بمهمة التفسير بأكبر قدر ممكن بالنسبة للقارئ بالإنجليزية. وبالنسبة للقارئ العادي للكتاب تعتبر هذه ترجمة “جيدة” حيث أنها تفسر مقاطع صعبة ومبهمة بالنسبة له. تعتبر إعادة الصياغة من هذا النوع. ونجد مثالاً لهذا المنهج في الترجمات: الأخبار السارة للإنسان الحديث (الطبعة الإنجليزية اليوم TEV)، الكتاب المقدس الإنجليزي الجديد (NEB)، وترجمة كتاب الحياة (TLB).

الترجمات الأخرى تقع فيما بين هذين النوعين. فترجمة الطبعة الدولية الجديدة هي مثال للترجمة المتوسطة، وهي جيدة باعتبارها تنقل أكثر دقة من الأصل، أكثر منها إعادة صياغة، ولكنها ليست هي الأفضل بالنسبة للدراسة الجادة.

في مسار الفكر التالي، من المفيد أن نطرح الأسئلة التالية بشأن كل وحدة من وحدات الفكرة:

1 – ما هو أو من هو الفاعل الأساسي للفكرة؟ وهذا الفاعل سيكون إما اسماً، أو ضميراً أو عبارة تحل محل الاسم.

2 – ما الفعل الذي يقوم به الفاعل؟ الفعل يشير إلى العمل، أو الحالة، أو الظرف، ويطلق عليه المسند.

3 – ما أو من هو المفعول به أو الذي وقع عليه فعل الفاعل؟ يمكن لهذا إما أن يكون مفعول به مباشرة أو مفعول به غير مباشر.

4 – كيف يتم وصف أجزاء الفكرة بواسطة كلمة أو عبارة؟ المقيدات النحوية تشمل الصفات والظروف.

5 – ما هي الصلات بين الأجزاء المختلفة للفكرة؟ حروف الجر وأدوات الربط هي كلمات توضح العلاقات.

6 – كيف ترتبط الفكرة الأساسية بالأفكار التي قبلها والتي بعدها؟

دعونا ننظر إلى بعض الأمثلة التي فيها يؤثر مسار الفكرة وبنية الجملة على معنى النص. لن أحاول أن أحل كل مشكلة في كل نص، ولكني سأوضح ببساطة كيف يكون من الأساسي أن نحلل البنية النحوية لو أردنا أن نتأكد من المعنى.

يقوم فاعل الجملة والفعل الذي يقوم بتعريف عمل أو حالة الفاعل بتشكيل نواة كل جملة، فكل جملة بها كل من الفعل والفاعل، وهما يحتاجان أن يكونا العنصرين الأولين اللذين يتم التعرف عليهما في بنية الجملة.

الفاعل

في بعض الأحيان يكون الفاعل مفهوماً ضمنياً ولا يُذكر أو يعبر عنه مباشرة، كما في الوصايا. فمثلاً في الآية “فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده” (لو 10: 2)، من هم بالضبط الذين سيطلبون؟ لا يتفق جميع المفسرين في ذلك. ويمكن للفاعل أن يكون جمعاً، حيث يقوم أكثر من شخص واحد أو شيء واحد بفعل الفعل.

قد يكون هناك عمل إضافي آخر ضروري بالنسبة للمفسر، عندما يكون الفاعل ضميراً. فعندما تستخدم الضمائر، هو، هي، أنتم، نحن، وغيرها، يكون من المهم أن نعرف من أو ما هو المشار إليه، وما إذا كان الفاعل مفرداً أو جمعاً، مؤنثاً أم مذكراً. فمثل هذه الأمور لا تكون واضحة دائماً في الترجمات الإنجليزية.

فمثلاً، يخبرنا يوحنا أن يسوع “إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله” (1: 11). لاحظ الطرف التالية التي تترجم بها الآية بالإنجليزية:

“جاء إلى خاصته، وخاصته من تقبله”. (KJV).

“جاء على ذلك الذي كان خاصته، ولكن خاصته لم تقبله” (NIV).

“جاء إلى وطنه الخاص، ولكن شعبه لم يقبله” (RSV).

“حتى في أرضه الخاصة وبين شعبه، لم يكن مقبولاً” (TLB).

“دخل إلى عالمه الخاص، ولكنه لم يقبله” (NEB).

هذه الترجمات الخمس توضح أن فاعل الفكرة ليس واضحاً تماماً. فمن هم أو ما هو “خاصته”؟ وبالرجوع إلى التفسير يمكن للمرء أن يكتشف أن “خاصته” لها جنس مختلف في المرتين المذكورتين في تلك الآية. فأول مرة نجد “خاصته” متعادلة الجنس ويمكن ترجمتها “أموره الخاص”، بينما المرة الثانية التي تذكر فيها كلمة “خاصته” هي في صيغة المذكر، وتشير إلى الشعب.

في بعض الأحيان لا يكون هذا واضحاً لكن التفسير يتوقف على هذا الإدراك: إن شعبهن الشعب اليهودي الذي كان يجب أن يقبله كانوا هم نفس الأشخاص الذين رفضوه.

الفعل

تمتلك الأفعال عدة خواص تجعل تحليلها ربما من أكثر النواحي أهمية في فحص بنية الفكرة. يحتاج المفسرون أن يطرحوا الأسئلة التالية: هل الفعل في الزمن الماضي أم المضارع أم المستقبل؟ هل الفعل يعبر عن حقيقة واقعية، أم أمر، أم تخمين، أم اقتراح؟ هل الفاعل هو الذي يقوم بأداء الفعل أم أنه يستقبل الفعل (هل هو مبني للمعلوم أم مبني للمجهول؟)، وهل الفعل تام أم ناقص؟

على سبيل المثال، في المقطع الشهير رومية 12: 1-2، من المهم ملاحظة تغير الزمن في الأفعال اليونانية:

“فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية. لا تشاكلوا هذا الدهر بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة”.

إنه أمر أساسي أن نعرف أن العدد الأول يتحدث عن فعل بسيط يمكن تتميمه، “فأطلب إليكم… أن تقدموا أجسادكم”. من ناحية أخرى، فإن الأفعال في عدد 2 هي في صيغة المضارع المستمر، بالتوقف عن التشكل بحسب تأثيرات هذا العالم، والاستمرار في مقاومة ضغط مسايرته ومشاكلته.

ومرة أخرى، فإن الفعل “تغيروا” ليس شيئاً يتم القيام به على مذبح الكنيسة، مرة واحدة وإلى الأبد، أو بقرار فوري سريع. فقوة الفعل تكمن في استمراريته: “استمروا في التغيير عن شكلكم بتجديد أذهانكم”. الأكثر من ذلك، إن الفعلين في عدد 2 هما في صيغة الأمر. فالطاعة ليست اختيارية.

إن نوع الفعل الذي يوصف قد لا يكون دائماً واضحاً في الترجمة الإنجليزية لأن اللغة الإنجليزية ليس بها نفس أنواع الفعل في اللغة الأصلية. لذلك فإن الدارس بالإنجليزية لا بد أن يطور حساسية تجاه الفروق الدقيقة الخفية في معنى أي فعل. فإذا كان معنى جملة ما سيتأثر كثيراً، بحسب احتمالية تأثير الفعل في اللغة الأصلية في اتجاه معين مختلف، فيجب عليه أن يتأكد من مراجعة ذلك في أحد التفاسير.

المفعول به

في معظم الحالات، يقوم الفاعل بالقيام بالفعل الذي يقع على مفعول به مباشر أو غير مباشر. فعندما قال يسوع “وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات” (مت 16: 19)، فإن المفاتيح هي مفعول به مباشر، إذ يتم إعطاؤها، والضمير المستتر “أنت” هو المفعول به غير المباشر الذي يتلقى نتيجة الفعل.

لكن من هو المقصود بـ “أنت”؟ وهل “أنت” هي في صيغة المفرد أم الجمع “أنتم”؟ هل يسوع يخاطب بطرس ومن سيأتون بعده، كما تعتقد ذلك الكنيسة الرومانية الكاثوليكية؟ أم أنه يخاطب قادة الكنيسة أم جميع المسيحيين؟

بالرجوع إلى التفسير أو إلى النص اليوناني، سنكتشف أن الضمير في صيغة المفرد في الأًصل، “أنت”. فيكون السؤال إذاً ما إذا كان يشير إلى بطرس وحده أم إلى أشخاص مثل بطرس. في السعي للوصول إلى إجابة، من المفيد أن ننظر إلى مقاطع موازية بعد ذلك بأصحاحين، حيث يتكرر نفس هذا الوعد. “كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء.

وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء” (مت 18: 18). في هذه الحالة نجد الضمير المستتر “أنتم” في صيغة الجمع. ويتبعه ما يبدو أنه تفسير، يوضح أنه إذا اتفق اثنان على الأرض في أي شيء يطلبانه فإنه سيكون لهما بواسطة الآب الذي في السماء. ويتبع ذلك مباشرة الوعد بأنه “حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم” (مت 18: 20).

أليس هذا الوعد إذاً هو لمن يصلون باتحاد باسم المسيح، وفي حضور ربهم؟ فبطرس، ومن هم مثله يستطيعون، من خلال الصلاة، أن يتحدثوا مع الله بخصوص أهدافه. يمكن هنا استخدام مبادئ أخرى أو إرشادات أخرى لتحديد ما هو المفعول به، بمجرد أن يتقرر من البنية النحوية ما هي الاختيارات أو الموانع.

كما أن هناك تفسيرات مختلفة تعطى للوعد “وتلذذ بالرب فيعطيك سؤل قلبك” (مز 37: 4). هل المرنم يريد أن يوضح أن الله سيجيب الصلاة بأن يعطي الشخص ما يرغب فيه؟ أم يعنى أن رغبة أو “سؤل” الشخص الذي يجب أن يكون لديه، هو الذي سوف يُعطى له؟

يمكن حسم الإجابة على هذا السؤال بواسطة دراسة بسيطة للكلمة والتي توضح أن الكلمة العبرية المترجمة “سؤل تعني في الحقيقة “التضرعات والتوسلات”. الطريقة الأخرى لتحديد المعنى تكون بفحص المقاطع المشابهة. فعلى سبيل المثال، يقول مزمور 78: 29: 31: “فأكلوا وشبعوا جداً وأتاهم بشهوتهم لم يزوغوا عن شهوتهم طعامهم بعد في أفواههم فصعد عليهم غضب الله وقتل من أسمنهم وصرح مختاري إسرائيل”.

يتضح من ذلك المقطع أنه لم يكن لديهم نوع السؤل أو الرغبة الصحيحة، ولكنهم أخذوا ما توسلوا في طلبه. لذلك فإن المرنم يعد بأن أولئك الذين يتلذذون بالرب هم الأشخاص الذين سوف تستجاب صلواتهم.

المقيدات النحوية

المقيدات النحوية مثل الصفات والظروف تعدل أو تغير معنى الكلمات الأخرى. فالصفات قد تخبرنا بالإجابة على أسئلة مثل “أي منها”؟ أو “كم عدد؟” أو “ما نوع؟”.

والظروف ستجيب على أسئلة مثل متى؟ أين؟ كيف؟ وإلى أية درجة؟ فحتى أبسط المقيدات النحوية يمكن أن تكون لها أهمية عظيمة. فمثلاً، بنوتنا لله يتم تمييزها عن بنوة المسيح لأنه، بحسب يوحنا 3: 16، يسوع هو ابن الله الوحيد. وهكذا فإن معنى وأهمية ذلك المقيد النحوي هو الفارق بين الهرطقة والحق. كما يمكن لعبارات كاملة أن تعمل كصفات.

أما الظروف أو الأحوال فإنها غالباً تكون مقيدات للفعل من كلمة واحدة. فمن المثير للاهتمام أن يهوه يخبر قراءه بأن “تجتهدوا لأجل الإيمان” (عدد 3)، وأن يسوع يعد بأن “يأتي سريعاً” (رؤ 22: 20). ويمكن للظروف والأحوال أن تكون عبارة كاملة أيضاً، مثال على ذلك، أننا نعرف أن الكمال في تشبهنا بصورة المسيح ينتظر حدثاً مستقبلياً محدداً لأن يوحنا يقول “أنه إذا أظهر نكون مثله”. (1يو 3: 2).

لذلك يجب ملاحظة الحالات التي تفرضها الظروف والأحوال والصفات بعناية.

الكلمات التي تظهر العلاقات

الكلمات التي تظهر العلاقات بين الكلمات الأخرى التي تأتي قبلها والتي بعدها يجب أن تحظى باهتمام خاص.

حروف الجر. إنها تسبق الأسماء أو الضمائر بهدف إظهار العلاقة بين ذلك الاسم أو الضمير

بفعل أو حالة معينة، أو بكلمة أخرى في الجملة. فمثلاً “إله الرجاء” في الإنجليزية (the God of Hope) يمكن أن يعنى أن الله هو إله كله رجاء، وأن الرجاء هو واحد من صفاته؛ أو أن هذا الإله هو مصدر رجائنا والسبب الذي لأجله يكون لدينا رجاء. نحوياً، كل من التفسيرين مسموح به، لكن المفسر يجب أن يفحص السياق ويختار التفسير المناسب.

أدوات الربط. غالباً ما تكون أدوات الربط هي مفتاح الفهم، لأنها تربط بين الأفكار. وهذه الأفكار قد تكون كلمات أو أجزاء قصيرة من الجملة، أو وحدات كبيرة من الفكرة. غالباً ما توضح أدوات الربط العلاقة بين الأفكار التي تصل بينها. ومن أدوات الربط التي تستخدم في التعرف على هذه العلاقات، الأدوات التي تعبر عن:

1 – الزمن: بعد، بينما، قبل، الآن، ثم، حتى، عندما.

2 – المكان: حيث، حيثما، في.

3 – السبب: لأن، لأجل، حيث، بينما.

4 – النتيجة: لذلك، إذاً.

5 – التفسير: لذلك، لأن.

6 – الهدف: من أجل، بحيث، أن.

7 – التضاد: لكن، مع ذلك، بينما.

8 – المقارنة: أيضاً، مثل، بالمثل، الأكثر من ذلك، أكثر من.

9 – الاستمرارية: و، أو، إما…أو، ولا هذا… ولا ذاك.

10 – بالرغم من، رغم.

11 – الشرط: إذاً.

12 – التأكيد: بالحقيقة، فقط.

كمثال لكيفية استخدام أدوات الربط نجد في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس: “لكي لا يكون انشقاق في الجسد بل تهتم الأعضاء اهتماماً واحداً بعضها لبعض” (1كو 12: 25).

والآن هل كلمة “لكي” تشير فقط إلى عدد 24، أم إلى الفكرة السابقة بأكملها؟ هل خطط الله لأن يعطي كرامة أعظم لتلك الأجزاء الضعيفة حتى لا يكون هناك انشقاق في الجسد؟ إن كان كذلك، فإن “لكي” لا بد وأنها تشير فقط إلى الفكرة السابقة لها مباشرة. لذلك يكون المفسر ملزماً بأن يعرف لماذا يكون إعطاء الكرامة للأعضاء الأضعف يحفظ الجسد من الانشقاق.

نحوياً، يمكن أن تشير “لكي” أيضاً إلى الفكرة السابقة بأكلمها، وهكذا يكون المعنى هو أن كل عضو مصمم ليؤدي وظيفته في اندماج مع الكل، مما يمنع حدوث الانشقاقات في الجسد. لذلك من المهم أن نكون حساسين إلى كلمات الربط بحيث يمكن فحص كل الاختيارات.

السياق

بالتفكير في البنية النحوية، يجب أن نضع في الاعتبار السياق المباشر. فيجب أن نحدد كيف ترتبط الفكرة المفتاحية بالأفكار الأخرى داخل السياق.

في كثير من الأحيان تكون الجمل طويلة ومعقدة. فكولوسي 1: 9-20 هي مثال لجملة طويلة في اليونانية. لذلك فبعد أن تمت ترجمتها إلى الإنجليزية كجملة واحدة طويلة (حتى رغم تقسيمها أجزاء أصغر باستخدام الفصلة، والفصلة المنقوطة) لا يزال تتبعها شديد الصعوبة. تستخدم ترجمة الكتاب المقدس القياسي الأمريكي الجديد سبعة جمل لهذه الفقرة، بينما تستخدم ترجمة كينج جيمس ثلاثة جمل فقط. وغالباً ما تساعد المقارنة بين عدة ترجمات، الدارس بالإنجليزية (أو العربية) على فهم تسلسل الفكرة.

رسالة بطرس الثانية أصحاح 1 هي مثال آخر لسلسلة طويلة ومعقدة ومترابطة من الأفكار. ويجب على المفسر أن يتتبع هذه العلاقة من آية إلى أخرى، مميزاً مسار الفكرة من عدد 1 وحتى عدد 11. فمثلاً، يقول عدد 4: “اللذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية”

فماذا يمكن أن يكون له أهمية أعظم من معرفة ما يمكننا من أن نصبح شركاء الطبيعة الإلهية؟ هل هو معرفة الله الآب ويسوع ربنا (ع2)؟ أم قوته الإلهية (ع3)؟ هل هو كل الأمور التي أعطتها لنا القدرة الإلهية (ع3)؟ أم هو مجده وفضيلته (ع3)؟ الإجابة الوحيدة على هذا السؤال الحيوي هي أن نتتبع مسار الفكرة منذ البداية وحتى النهاية، ملاحظين الكلمات الرابطة.

قم بفحص تسلسل الفكرة في صلاة بولس الجميلة في أفسس 3: 14-19:

“بسبب هذا أحني ركبتي لدى أبي ربنا يسوع المسيح الذي منه تسمى كل عشيرة في السماوات وعلى الأرض لكي يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله”.

لاحظ كلمتي الربط “لكي”، “حتى”، وكيف تقومان ببناء تصاعد للغرض في صلاة بولس، وفيها يقود كل طلب إلى احتمال الوصول إلى غرض أعلى وأعظم. نحوياً، يمكن لكلمة “لكي” أن تقدم ثلاثة طلبات صلاة منفصلة، ولكن الأفكار نفسها يبدو أنها تشير إلى رابطة تُبنى فيها كل فكرة على الفكرة السابقة لها. عملياً، بمثل هذا التصاعد في الطلبات والذي فيه تقود كل طلبة إلى نتيجة أعظم، يكون لدينا خطة عمل.

التحليل بالرسم التخطيطي

لقد سعيت فيما سبق، لتحديد منهج بسيط لمساعدة الدارس للكتاب المقدس بالإنجليزية على أن يطرح النوع الصحيح من الأسئلة عن مسار الفكرة، كما رأينا في البنية النحوية. وهناك مناهج أخرى، إلا أن البعض ممن لديهم معرفة قوية بقواعد اللغة الإنجليزية سيفضلون أن يبدأوا بتحليل للأجزاء المختلفة من الكلام.

لكن بطريقة أو بأخرى، لكي يفهم الدارس المعنى الذي كان في ذهن المؤلف، يجب عليه أن يفهم كيف يتفق كل جزء من الكلام مع الرسالة العامة للمقطع بأكمله. فكل فكرة يجب أن يتم فهمها كجزء من الخيط المتصل للمقطع كله. هناك منهجان مفيدان لتحليل بنية أو مسار الفكرة وتسلسلها، هما (1) تمثيل المقطع تخطيطياً، (2) تطويره في “تصميم ميكانيكي”.

الرسم التخطيطي النحوي

التخطيط النحوي يساعد الدارس على إعادة ترتيب كلمات المقطع بطريقة يمكنه بها أن يرى من نظرة واحدة الموضوع المحوري والبنية النحوية والفكرية الفعلية للمقطع. يجب أن يوضح هذا التخطيط العلاقات بين الكلمات والعبارات والجمل.

يستخدم الرسم التخطيطي، فقط الكلمات الموجودة في المقطع نفسه، في إعادة بعث للنص بدون اقحام تعليق من الخارج. يتطلب هذا النوع من التخطيط تغيير ترتيب الكلمات. الأشخاص الذين لديهم مهارة في استخدام هذا المنهج قد يفضلون أن يحللوا بنية الفكرة بهذه الطريقة.

التصميم الميكانيكي

من الأنواع المبسطة للتخطيط، التصميم الميكانيكي للنص. فبخلاف التخطيط النحوي، يتم ترك الكلمات في التصميم الميكانيكي في نفس ترتيبها الذي وجدت به في النص. مثل هذا التصميم يركز على العلاقة بين أجزاء الجملة، أكثر مما يركز على الوظيفة النحوية للكلمات الفردية.

هناك هدفان لتطوير تصميم ميكانيكي. الأول، هو أن النتيجة النهائية تسمح للدارس بأن يرى، من نظرة واحدة، العناصر الرئيسية للمقطع وعلاقتها ببعضها البعض. فيمكنه على الفور أن يرى الجزء الأساسي من الجملة، والمقيدات النحوية، وعلاقتها ببعضها البعض كذلك.

ثانياً، إن عملية تطوير التصميم تجبر المفسر على طرح أسئلة والقيام بملاحظات عن بنية المقطع. فإن كانت هناك أجزاء مبهمة من مسار الفكرة، لا بد وأن يجتهد لكي يقرر أين هو مكان الفكرة في التصميم.

ويكون عليه أن يقدم أحكاماً بخصوص كل جزء من أجزاء الجملة. وهذا سيمنعه من افتراض أنه يفهم مسار الفكرة قبل أن يكون قد درس بالفعل كل جزء من الجملة ومن المقطع. وهكذا تصبح التفاصيل كثيرة – وهذا أمر حيوي في دراسة الكتاب المقدس، حيث أن كل كلمة موحى به من الله.

لذلك فإن التصميم الميكانيكي له فائدتان عمليتان: (1) أنه يصبح ورقة عمل مثالية لتسجيل الملاحظات والتعليقات الناتجة عن تطبيق الارشادات التفسيرية على النص؛ (2) كما أنه خطة وسيطة جيدة بين دراسة النص وتكوين مخطط التعليم من المقطع. فكل جزء أساسي من الجملة والمقيدات النحوية الخاصة به، والمتصل بكل أدوات الربط، يساعد المرء على التفكير في النقاط الأساسية والثانوية التي يعرضها المؤلف.

لا توجد طريقة واحدة فقط هي الصحيحة لتصميم كل مقطع من الكتاب المقدس، رغم أن الدارسين الحذرين والمتمرسين سيتفقون على العلاقات بين معظم أجزاء الجمل وبعضها البعض. ومع ذلك، يجب على المرء أن يكون ثابتاً في الطريقة التي يقوم بها بهذا العمل لكي يحتفظ بثمار الدارسة لاستخدامها في المستقبل.

تعتمد الدقة التي يتم بها عمل التصميم على المقطع وعلى الغرض من الدراسة. فبعض المقاطع مثل معظم الروايات التاريخية، تتطلب تصميماً بسيطاً أو لا تتطلب تصميماً على الإطلاق.

وبعض المقاطع قد تصبح واضحة بتصميم بسيط، لكن العديد من المقاطع الأخرى في الرسائل مثلاً، تكون شديدة التعقيد. فالجدل فيها يكون شديد الإقناع والترابط والشمولية. تصيح هذه المقاطع واضحة، ومسار الفكرة فيها أكثر تأكيداً، من خلال تصميم ميكانيكي تفصيلي مخطط بعناية.

بالرغم من أن ميكانيكيات التصميم بسيطة للغاية، فإنها تتطلب قدراً من الوعي النحوي. فكر في الهياكل النحوية الثلاثة التالية.

أجزاء الجمل ذات الفكرة المستقلة. قم بوضع أجزاء الجملة ذات الفكرة المستقلة (أفكار كاملة) على يسار الهامش، وفي نفس السطر قم بكتابة الفاعل، والفعل، والكلمة أو العبارة التي تشير إلى المفعول به المباشر. سيمثل هذا السطر ما تتحدث عنه الجملة بصورة أساسية.

أجزاء الجملة ذات الفكرة غير الكاملة. وتوضع في السطر المقابل تحت الكلمة التي تصفها. المقيدات النحوية تشمل الجمل الظرفية، والأحوال، وأشباه الجمل، وجمل الربط. وهذه الأجزاء قد تشمل أيضاً مقيدات لغوية أخرى يمكن وضعها تحتها، بحيث قد تظهر النتيجة النهائية مدرجة تحت بعضها البعض.

حروف العطف وأدوات الربط. يمكن وضعها فوق السطر أو ربطها بجزء الجملة التي تربطه مع توصيل الأداة بالجزئيين اللذين تربطهما بخطين.

بالإضافة لذلك، يجب على الدارس أن يترك مسافة كافية بين الأسطر بحيث يمكنه أن يكتب فيها ملاحظاته وتعليقاته. ومن الأفضل أن يكتب ملاحظاته بلون مختلف بحيث عندما يتم استخدام الدراسة في وقت لاحق، يمكن أن يكون النص الكتابي مميز وواضح بلون مختلف عن تعليقات المفسر.

نص متى 6: 1 – 4

إن دراسة المثال التالي للتصميم بعناية سيكون هو أفضل وسيلة لتعلم ما تتضمنه عملية صنع التصميم.

متى 6: 1 – 4

(عدد 1)
(عدد 2)
(عدد 3)

والآن بعد أن اختبرت القيام بهذه العملية، قد يكون من المفيد تجربتها على مقطع بسيط تهتم به اهتماماً خاصاً، قبل أن تفكر في المثال التالي الأكثر تعقيداً.

نص فيلبي 1: 9 – 11

فكر الآن في النص المهم والصعب والجميل في فيلبي 1: 9 – 11. هناك مشاكل أساسية في هذا المقطع، فمسار الفكرة ليس واضحاً تماماً، رغم أنه قد يبدو كذلك للوهلة الأولى.

فيلبي 1: 9 – 11:

(عدد 9)

 

تعليق على فيلبي 1: 9 – 11

يصور التصميم السابق مسار الفكرة كما حددها أحد المفسرين. ولكن هناك احتمالات أخرى. فكر في الخمسة أسئلة الأساسية الخاصة بالبنية في هذا المقطع.

1 – “أن” (عدد 9) عندما قال بولس أنه كان يصلي “أن”، ربما كان يعني:

1) “إنني أصلي الأمور التالية”.

2) “إنني أصلي لكي تتحقق الأمور التالية”.

فالقصد الواضح في التخطيط لا يشير أي من الاختيارين هو الصحيح، كما لا تشير إلى ذلك بنية الجملة. لذلك فربما يتم اتخاذ القرار على أسس أخرى، مثل لاهوت الشخص في الصلاة. فمثلاً، الشخص الذي يؤمن بقوة بقرارات الله السيادية من الأرجح أن يختار الاختيار الأول.

2 – “حتى” (عدد 10). هل هذا يعني أن القدرة على تمييز ما هو متخالف هي نتيجة للمحبة التي ستزداد في المعرفة والفهم؟

يشير التصميم إلى مثل هذا المعنى. لكن، من ناحية أخرى، إن كان بولس يقصد بذلك أن تكون طلبة ثانية، فإنه سيتم وضعها تخطيطياً في نفس مستوى الطلبة الأولى مبتدئاً من نفس مكان هامش الطلبة الأولى، كالآتي:

أن تزداد محبتكم

                      حتى تميزوا الأمور.

3 – “لكي تكونوا” (عدد 10). يشير التصميم إلى أن كونهم مخلصين وبلا عثرة إلى يوم المسيح هو نتيجة تمييز الأمور المتخالفة. لكن إن كان بولس يعني أن الحالة الجيدة إلى يوم المسيح هي نتيجة ازدياد المحبة، كان يجب كتابة هذه العبارة في توازي مع العبارة السابقة، “حتى تميزوا الأمور”، كما يلي:

أن تزداد محبتكم

                     حتى تميزوا الأمور

                                             لكي تكونوا مخلصين وبلا عثرة.

4 – “مملوئين من ثمر” (عدد 11). يتم فهم الفاعل هنا باعتباره الضمير “أنتم”، أي المسيحيون في كنيسة فيليب. لاحظ أنهم لا يملؤون أنفسهم. لاحظ أيضاً أن الحالة كاملة وتامة – “مملوئين”. لكن تلك الحالة سوف يتم تكميلها في يوم المسيح بعد أن تكون صلاة بولس لأجلهم قد استجيبت.

التصميم الأصلي، بجعل “مملوئين” متوازية مع “لكي تكونوا مخلصين”، وهو المقصود أن يكون نتيجة “حتى تميزوا الأمور”، يشير إلى معنى أن كونهم مملوئين من ثمر البر هي حالة أو شرط مسبق لقدرتهم على تمييز الأمور المتخالفة. ويمكن القراءة كالآتي: “يمكنكم أن تميزوا الأمور المتخالفة، إذ تمتلئون من ثمر البر”. ولكنها يمكن أن تعني أنهم سيكونون مخلصين وبلا عثرة لأنهم قد امتلئوا من ثمر البر. فإن كان ذلك هو المعنى، لكان سيتم التخطيط كالآتي:

إلى يوم

           المسيح

                      مملوئين من ثمر

                                           البر.

5 – “الذي بيسوع المسيح” (عدد 11). هل الثمر هو الذي يأتي بيسوع المسيح، أم البر؟ يشير التصميم الأصلي إلى أن الثمر هو الذي يأتي من خلال المسيح. وقد تم اختيار هذا المعنى بسبب اتفاق الحالة في النص اليوناني. أما المعنى الثاني غير الصحيح هنا، بأن بولس يتحدث في هذا المقطع عن البر من خلال المسيح، فيمكن تخطيطه كالتالي؟

مملوئين من ثمر

                     البر

                          الذي

                                 بيسوع المسيح

وهكذا يتم التعبير عن مسار الفكرة كما تم تخطيطها كالآتي:

أصلي أن تنمو محبتكم وتزداد أكثر فأكثر، في كل من المعرف والفهم الحقيقي. نتيجة ذلك أنكم ستتمكون من تمييز الأمور المتخالفة. وهذا بدوره، سوف يؤدي إلى حياة مخلصة وبلا لوم أو عثرة، تمتد حتى يوم مجيء المسيح. كيف يمكنكم أن تعيشوا هذا النوع من الحياة؟ فقط لأنكم قد امتلأتم بالفعل من ثمر البر. وكيف حدث ذلك؟ لقد حدث ذلك من خلال يسوع المسيح. والغرض من ملئه لكم بهذه الطريقة هو أن يأتي المجد والحمد لله.

ملخص

لقد ذكرنا في هذا الفصل أربعة مناهج مختلفة لتتبع مسار الفكرة في مقطع، وقد قمنا بعمل شرح مفصل لاثنين منهم: (1) أسئلة أساسية يتم طرحها بخصوص المقطع، و(2) التصميم الميكانيكي. في الحقيقة أنهما يكونان أكثر فعالية عندما يتم دمجهما معاً كمنهج واحد، رغم أن كل منهما يمكن استخدامه بمفرده بطريقة مستقلة. وعندما يتم دمجهما معاً في منهج واحد، يتم طرح الأسئلة الخاص بالمقطع، ثم تصوير الإجابات على شكل تصميم ميكانيكي.

لكن أياً كان المنهج الذي سيستخدم من الأمور الأساسية أن نقوم بتتبع تدفق الفكرة بأكثر دقة ممكنة. وعندما يكون هناك غموض أو إبهام بشأن مسار الفكرة، فإن الدارس بالإنجليزية يمكنه أن يتأكد تماماً من الاختيارات المشروعة في تفسير معنى النص عن طريق مقارنة عدد من التفاسير النقدية أو الترجمات المختلفة للكتاب المقدس.

في بعض الأحيان يستمر الغموض لأن سير الفكرة قد لا يكون واضحاً تماماً في اللغة الأصلية. وفي الحالات التي تسمح فيها البنية النحوية بأكثر من معنى واحد، يكون تقرير أي معنى هو المقصود بواسطة المؤلف مبنياً عادة على إرشادات أخرى، بمجرد أن تتضح الاختيارات الأخرى. لكن لا يجب القيام بالاختيار أبداً بناء على ما يرغب المرء في أن يقوله المقطع، بل على أساس الاستخدام الحريص للإرشادات مثل دراسة السياقين القريب والبعيد، والمقاطع الموازية المشابهة، ودراسة الكلمات، والخلفية التاريخية والمادية والثقافية للمقطع.

فإن لم يكن لدينا عدة الأدوات الكاملة، سنكون معاقين عن الفهم الصحيح، حيث أن كل الإرشادات مترابطة معاً. فمثلاً، إننا نحتاج إلى السياق لكي نفهم معنى الكلمة، ونحتاج إلى معنى الكلمة لكي نفهم مسار الفكرة. لكن حيث أننا لا نستطيع أن ندرس كل الإرشادات في نفس الوقت، لا بد أن نكون صبورين، ونعمل على اتقان تلك المهارات الواحدة تلو الأخرى إلى أن نتمكن من استخدامها كلها معاً.

 

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

– جنسن، إيرفينج إل. Chicago: Moody, 1963. Independent Bible Study.

– كايزر، ولتر سي. Toward an Exegetical Theology: Biblical Exegesis for Preaching and Teaching. Grand Rapids: Baker, 1981.

– ترينا، روبرت إيه. Methodological Bible Study: A New Approach to Hermeneutics. Wilmore, Ky.: Robert A. Traina, 1952.

– والد، أوليتا. The Joy of Discovery. طبعة منقحة. Minneapolis: Augsburg, 1975.

تحليل بنية الفكرة – كيفية فهم مقطع ما في الكتاب المقدس؟

Exit mobile version