رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

النظافة في المسيحية

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

ليه المسيحيين ريحتهم وحشه؟

يخرج علينا أحمد سبيع بين الحين والآخر، بفيديو يصعب تصنيفه، أهو للبحث العلمي حقًا، أم للدعابة والمرح. وعلى الرغم من أن ما يقوله لهو أقرب للدعابة عن كونه حتى رأيًا يُحترم، إلا أننا كنا في السابق نرد عليه بموضوعية شديدة ونبين قصور علمه في الكتاب المقدس والعقيدة المسيحية، وإلى الآن لم يرد. لكن اليوم يقدم لنا أحمد سبيع تأكيدًا أنه لا يقصد أي بحث علمي بل لا يفهم ما هو البحث العلمي من الأساس، بل يقوم بتصوير الفيديو تلو الآخر لإضحاكنا بما يقول، فاليوم، مثلا، خرج علينا بفيديو يتكلم فيه عن نظافة المسيحيين، وهل لهم رائحة كريهة كما يدعي البعض؟

ولشمول الرد على الفكرة العامة والكلام الساذج الذي طرحه، سنقسم الرد إلى جزئين رئيسيين، لأن أحمد لم يكتف بدعوة المسيحيين للرد عليه في أكاذيبه، بل دعاهم أيضًا للاقتداء بما يعتقده في دينه من النظافة، فوجب علينا نحن المسيحيين أن نستعرض النظافة التي يدعونا أحمد وأن نرد على ما قاله في حق المسيحيين. فالذي يريد معرفة هذه النظافة الحقيقية التي يتكلم عنها أحمد سبيع، فليذهب إلى “رابعًا” مباشرًة، وسيجد هناك ما يسره ويُحزن أحمد سبيع.

 

الجزء الأول: النظافة مسيحيًا

أولاً: المبدأ المنطقي المغلوط الذي بنى عليه أحمد الشبهة كلها.

ثانيًا: هل يدعونا الكتاب المقدس للاهتمام بنظافة الجسد أم يدعونا لإهماله؟

ثالثًا: الرهبنة والرهبان، والأمثلة التي ذكرها أحمد سبيع.

 

الجزء الثاني: النظافة إسلاميًا

رابعًا: النظافة حسب الإسلام كما يحبها أحمد سبيع (تعلموا يا مسيحيين!)

 

 

 أولاً: المبدأ المنطقي المغلوط الذي بنى عليه أحمد الشبهة كلها.

 

من المتعارف عليه بين أصحاب العقول، أن النظافة الشخصية – كما يظهر من اسمها- لهي أمر شخصي، فهي تخص الشخص وحده وفق عدة عوامل تختلف من انسان لآخر. فمن يعيش في البلاد الحارة مثل الدول الافريقية بشكل عام سيتعرق مثلاً أكثر من الذي يعيش في دولة مثل روسيا وشمال كندا. وهذا ربما يلاحظه كل شخص سافر إلى هذه البلدان او غيرها من البلدان التي تحمل نفس الصفات. وهذا أمر طبيعي ومنطقي، حيث أن حرارة الشمس والرطوبة العالية في هذه البلدان تجعل الجسد يخرج العرق لا سيما عند بذل المجهود. ومن يعمل طوال اليوم في أعمال تتطلب مجهودًا عضليًا سيتعرق أكثر من ذا الذي يجلس على مكتبٍ ليدير أعماله من الكمبيوتر المحمول الخاص به مستمتعًا بمكيف الهواء. ومن لديه سيارة خاصة حديثة يختلف عمن يرتاد المواصلات العامة كل يوم ذهابًا وإيابًا، فضلا عن هؤلاء الذين يذهبون لأعمالهم سيرًا على الأقدام.

كل هذا لهو من سبيل التعريف بالبدهيات المعروفة لكل ذي عقل. وتبعًا لهذا فإن من يعمل في أعمال البناء سيختلف عمن يعمل على مكتب، فالأول سيتعرق كثيرا والآخر بالكاد سيتعرق. وعملية التنظيف لكل منهما تختلف، فالأول غالبًا ما يكون ذا حياة بسيطة وليس معه المال الكثير الذي ينفقه على أدوات ووسائل النظافة الحديثة، رغم انه الذي تعرق أكثر، بينما الآخر، الذي بالكاد يتعرق، إن كان ميسور الحال، فسيستخدم أدوات ووسائل حديثة لإزالة العرق ورائحته والمنظفات الخاصة بالاستحمام، مما تجهله نظيفًا أكثر ورائحته أفضل جدًا.  هذا يعرفه كل من له عقل.

لكن، أحمد سبيع يعترض على هذا، ربما لكون كل ذي عقل يعرف هذا، ويريد أن يخصص مسألة النظافة من عدمها في دين معين، المسيحية. فكأنه يريد أن يقول إن كل مسيحي حقيقي لابد وألا يكون مهتمًا بنظافته الشخصية. وعلى العكس، فإن كل مسلمٍ حقيقيٍ فلابد وأن يكون مهتما بمظهره وبنظافته الخارجية والداخلية. ولا يشك عاقل أن هذا هراء محض، مخلوط بجهل مدقع. فأحمد للأسف يعتقد بخفه عقله أن الشخص الأكثر نظافة تكون عقيدته هي الصحيحة، وعلى العكس، فكلما لم تعتن بنفسك كان دينك خاطئ.  فقد تجد ملحدًا يعيش في السويد أو الدنمارك مثلاً أكثر نظافة جسدية من غالبية المؤمنين في البلاد العربية، فهل يدل هذا لصحة معتقده؟ وخطأ معتقد من هم أكثر اتساخًا منه؟

العامل الثاني هنا، والذي تناساه أحمد عمدًا، هل يمكن أن يقول إنسان أن كل مسيحي هو غير نظيف، وكل مسلم هو نظيف؟ وأنا لا أعتقد أن أحمد يقول بهذا، فسيقول إن المسألة ليست مسألة البشر بل مسألة ما يأمره به دينهم وعقيدتهم. وهنا نرد عليه ونقول:

 

الأول: إذن لماذا لم تعرض أي نص كتابي أو تعليم آبائي بعدم الاستحمام مثلاً أو بعدم النظافة بشكل عام؟ فكل ما عرضته هو مجموعة من الكتب تقول كلامًا غير موثقًا بأي حال من الأحوال (وهذا يدل على أن أحمد لا يعرف كيفية الاستشهاد ولا توثيق المعلومة، فهو كحاطب ليل يجمع كل ما يراه يناسب فكره وهواه السقيمان) ثم عرض فيديو سنأتي إليه فيما بعد. فمدار ما عرضه أحمد، حتى بفرض صحته، هو أفعال لأشخاص معينة لها ظروف معينة في عصور معينة لأسباب معينة، ولم يعرض أي تعليم يخص الكنيسة أو الكتاب المقدس أو حتى من هؤلاء الأشخاص أنفسهم للشعب كدعوة للتمثل بهم مثلا، هذا على فرض صحة ما نقله أصلاً. في نهاية هذا البحث سنرى كيف أن أحمد يرضى أن يستشهد بأفعال أشخاص غير ملزمة لأي شخص آخر غيرهم، ويتغاضى عن التعليم الموحى به في دينه، وهل هذه التعاليم تجعل الإنسان نظيفا أم لا.

الثاني: إن مسألة النظافة الجسدية بشكل عام هي أمر نسبي متغير من عصر لعصر ومن منطقة جغرافية لأخرى ومن ثقافة لأخرى. فلا يمكن أن نحصر أنفسنا في خطوات أو وسائل معينة للتنظيف، فكل وسائل النظافة الحالية، سواء للبشر أو للمسكن أو للملبس لم يتكن موجودة منذ عصر قريبٍ جدًا، فكم بالأحرى تلك العصور المظلمة التي لم يكن يجد المرء فيها ماء ليشرب هو وقبيلته وماشيته، فكانوا يترحلون من مكان لمكان تبعًا للماء. فكما سنرى أن النظافة التي يتغنى بها أحمد لهي مصدر للميكروبات والجراثيم، لكن أحمد يجهل كل هذا مادام سيهاجم المسيحيين بما عنده. وسوف يأتي تفصيل كل ما تكلم عنه أحمد في الأجزاء التالية.

 

أيضًا، فإنه من الأخطاء المرصودة للجهلة، التعميم. فأنهم يضربون مثالاً ثم يقيسون عليه ما لا يمكن قياسه وفقا لهذا المثال. ولكي نوضح كلامنا، فأحمد ضرب مثال بالأنبا أنطونيوس والراهب إبيفانيوس الأنبا بولا، ثم عمم هذا المثال على كل مسيحي، فما علاقة كل مسيحي بهذا المثال؟ فهما مجرد رهبان، وليس كل مسيحي هو راهب، وفضلا عن ذلك ما علاقة كل المسيحيين من كل الطوائف في كل بلدان العالم؟ فهؤلاء رهبان مُعينون من طائفة معينة، فهل إن فعل شخص مسيحي شيء حسن، فيكون كل مسيحي هو شخص جيد لأجل هذا الذي فعله ذلك الشخص؟ وعلى العكس، هل إن فعل شخص مسيحي شيء غير جيد، فيكون كل مسيحي هو شخص غير جيد لأجل هذا الذي فعله ذلك الشخص؟ فحتى لو افترضنا صحة كلام أحمد جدلاً، فلا علاقة لهؤلاء الرهبان بكل مسيحي العالم ولا علاقة لكل مسيحي في العالم بهؤلاء الرهبان.

فيكفيك مثلاً أن تدخل المترو في القاهرة والجيزة ولو كان في بداية يوم جديد، وستجد أن الرائحة العامة للمترو كريهة، وتبعا لنظرية أحمد سبيع، فأن العدد الأكبر من الركاب يوميا لن يكونوا من المسيحيين، بل سيكونون قطعا من المسلمين، فهل يمكننا -وفقا لأحمد- أن نقول أنه بما أن رائحة المترو الذي يرتاده العدد الأكبر من المسلمين، رائحة كريهة، فالمسلمون بعمومهم رائحتهم كريهة، ثم نشطح أكثر وأكثر بالقول فنقول أن الإسلام يحرضهم على عدم النظافة؟ هل يقول بهذا عاقل؟ بالطبع لا، لكن أحمد سبيع قال به.

 

ثانيًا: هل يدعونا الكتاب المقدس للاهتمام بنظافة الجسد أم يدعونا لإهماله؟

يقول أحمد سبيع (بالعامية المصرية):

لما بنشوف النظافة عند المسيحيين، خاصة الرهبان والمتدينين منهم، بنلاقي أشياء عجيبة. حتى أنهم شايفيين إن اعتزال الماء والبعد عن النظافة قربة لله! لا أدري، هل الله عز وجل يريد الإنسان قذرًا أم نظيفًا، يعني إنسان لديه القدرة على تنظيف جسده، ومع ذلك لا يفعل، فهل هذا الفعل يحبه الله؟ هل يحب الله من الإنسان أن يكون قذرا؟ وأن يهلك نفسه بالأمراض؟ هل يريد الله الإنسان جميلاً أم قذرًا؟ هل الإنسان القذر يكون صورة جميلة للدين عند غير المؤمنين؟ لما بنقرأ التاريخ المسيحي نجد حالات عجيبة لرهبان وعلماء مسيحيين كبار بيعتبروا ان الاستحمام جريمة وعار.

 

كما رأينا، يدعي البعض ومنهم أحمد سبيع، ان للمسيحيين رائحة كريهة. ويروجون لهذا الطرح بين العامة من الجهلاء، ويتم تلقين الأطفال منهم بهذا التعليم الجهولي فيتشبع اطفالهم بأفكار مغلوطة تنم على الجهل ثم يسلمها هؤلاء الأطفال عندما يصيروا آباء وأمهات لأطفالهم وهكذا تستمر الخرافات بين الجهلاء من العامة. لكن على النقيض، فقد علَّم الكتاب المقدس عن النظافة القلبية وأيضًا النظافة الجسدية في مواضع عديدة. فنجد انه منذ بدء الكتاب المقدس، فإن التشريعات حول الطهارة والنظافة متواجدة حتى في أسفار موسي الخمسة ووصلت لمراحل متطورة في البيئات القديمة البدائية حيث يندر وجود الماء. فالكتاب المقدس لم يمنع الاستحمام والنظافة الجسدية بل، على العكس، أثنى عليه بحسب سفر يهوديت.

 

يهودت 10: 1- 4

1 وكان لما فرغت من صراخها الى الرب انها قامت من المكان الذي كانت فيه منطرحة امام الرب 2 ودعت وصيفتها ونزلت الى بيتها والقت عنها المسح ونزعت عنها ثياب ارمالها 3 واستحمت وادهنت بأطياب نفيسة وفرقت شعرها وجعلت تاجا على راسها ولبست ثياب فرحها واحتذت بحذاء ولبست الدمالج والسواسن والقرطة والخواتم وتزينت بكل زينتها 4 وزادها الرب ايضا بهاء من اجل ان تزينها هذا لم يكن عن شهوة بل عن فضيلة ولذلك زاد الرب في جمالها حتى ظهرت في عيون الجميع ببهاء لا يمثل.

 

نجد انها استحمت وتزينت بأطياب نفسية، فهل اغاظ الرب هذا؟ على النقيض تمامًا، فقد أثنى الرب على تزينها وزادها الرب جمال، لان تزينها لم يكن لأجل خطية جسدية بل عن فضيلة وورع. فنستعجب اين وجد أحمد سبيع النهي عن الاستحمام في الكتاب المقدس؟ فهل يسقط طارح الشبهة ما به على المسيحيين؟ فالجسد المسيحي هو هيكل لله. وهيكل الله ينبغي ان يكون نظيف قلبياً وايضاً جسدياً:

 

رسالة كورنثوس الأولى 3: 16

أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم.

 

وايضاً الرب يريد ان نكون اصحاء جسدياً والنظافة أحد شروط الصحة الجسدية.

 

رسالة يوحنا الثالثة 1: 2

ايها الحبيب في كل شيء اروم ان تكون ناجحا وصحيحا كما ان نفسك ناجحة.

أفسس 5: 29

فانه لم يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربيه كما الرب ايضا للكنيسة.

 

وفي هذا ا لنص السابق يظهر مدى اهتمام المسيحية بجسد المسيحي، حيث أن الرسول بولس قد عقد مقارنة بين المسيح وجسده، أي الكنيسة من جهة، والإنسان وجسده من جهة أخرى، فكان المقابل للكنيسة هو جسد الإنسان، ووصف الاهتمام الذي يجب أن يكون عليه المسيحي تجاه جسده بأنه على نفس قدر الاهتمام الذي يقدمه المسيح للكنيسة. فأي اهتمام أعظم من هذا؟

 

سفر خروج 19: 10

فقال الرب لموسى: «اذهب إلى الشعب وقدسهم اليوم وغدا، وليغسلوا ثيابهم،

سفر العدد 31: 20

وكل ثوب، وكل متاع من جلد، وكل مصنوع من شعر معز، وكل متاع من خشب، تطهرونه»

 

سفر العدد 31: 24

٢٤ وتغسلون ثيابكم في اليوم السابع فتكونون طاهرين، وبعد ذلك تدخلون المحلة.

 

ولم يقتصر الأمر على الإستحمام وغسل الملابس، بل إمتد للتعطر ايضاً، ونجد ان العطر مستخدم في العهد الجديد وقد سكبت قارورة طيب على راس الرب يسوع وكانت القارورة غالية الثمن وسكبت ايضاً على راسه وهو يتكئ على الطاولة، حيث سبب هذا الغضب الكثير من بعض الحضور قائلين ان هذا المال كان يجب ان يعطى للفقراء. لكن يسوع وضح لهم ان هذه المرأة فعلت شيء نبيل وجميل وأثنى على فعلها. وقال لهم انا معكم زمناً قليلاً لكن الفقراء سيكونون بينكم. وسيكون فعل هذه المرأة ذكرى عبر العصور وهذه القصة جاءت في (متى 26: 6 – 13). وفي العهد القديم نجد ان العطور كانت تستخدم كدهن للمسحة.

 

خروج 30: 25

وتصنعه دهنا مقدسا للمسحة. عطر عطارة صنعة العطّار. دهنا مقدسا للمسحة يكون.

 

ويضرب لنا الكتاب مثال رائع للحفاظ على الصحة في موضوع التغوط (التبرز) وقد كتب فيه كثيرون وهو ما جاء في سفر التثنية 23: 12 – 14 والتغوط في مثل هذه البيئة الصعبة والقديمة، لم يكن هناك ما يوازي هذا التشريع فيها. فقد كان هذا حفاظاً على الانسان وصحته. ويطول شرحه. فالرب امرهم بدفن التغوط لكي يقيهم من الامراض التي اصابت البلدان الأخرى.

 

تثنية 23: 12 – 14

12 ويكون لك موضع خارج المحلة لتخرج اليه خارجا. 13 ويكون لك وتد مع عدّتك لتحفر به عندما تجلس خارجا وترجع وتغطي برازك. لان الرب إلهك سائر في وسط محلتك لكي ينقذك ويدفع اعداءك امامك.

كورنثوس الثانية ٧: ١

فاذ لنا هذه المواعيد ايها الاحباء لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح مكملين القداسة في خوف الله. المواعيد

 

فالرب امر الناس ان يتطهروا من كل دنس يشوِّه الجسد، وشمل هذا التدخين والادمان بأنواعه فكل هذا يقلل من خطر الاصابة المرضية.  فيعلمنا الكتاب المقدس، أن أجسادنا هي هياكل لله، ويسكن فيها روح الله، وأن من يفسد جسده سيفسده الله:

 

كورنثوس الأولى 3: 16 – 17

16 أما تعلمون انكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم. 17 ان كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله لان هيكل الله مقدس الذي أنتم هو.

 

وبحسب الخلفيات الحضارية كان يتم ايضاً غسل الارجل نتيجة ان الصندل يكون مفتوح فيكون استقبال الضيف بغسل رجيله. والرب نفسه غسل أرجل تلاميذه. فغسل الارجل علامة، من حيث الخلفيات الحضارية، على اكرام الضيف وايضاً نظافة الارجل من أي غبار.

يوحنا 13: 5

ثم صبّ ماء في مغسل وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متزرا بها.

 

نجد ان الرب يسوع غسل أرجل تلاميذه ثم مسحها فهنا يظهر إن استعمال الماء كان قبل القرن السادس الميلادي وهي إشارة واضحة إلى تطور اليهود عن غيرهم من العرب الذين كانوا يستنجون بعد تبرزهم بحجرات ثلاث.

وأيضًا: متى 6: 17

وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ،

ركزت المسيحية على النظافة الداخلية للقلب لان في بداية المسيحية كان الفكر موجه لليهود فاليهود على علم بجميع شرائع النظافة وأكثر المتزمتين بها حتى أنهم ركزوا على هذا النوع من الطهارة الجسدية على حساب طهارة القلب والفكر. فبعبارة اخرى كانت النظافة لديهم امر مُسلم به. لذلك كان تركيز الرب يسوع ان النظافة الداخلية اهم من أي نظافة خارجية. فالنظافة الخارجية لا تحتاج لمواقيت لتحديدها أي مثلا خمس مرات! فبفرض ان شخصًا قد سار أسفل الشمس الحارة جداً في وقت غير وقت الصلاة الرسمي، فهل لا يستحم ويكتفي بالوضوء؟ ولماذا لم يأمره دينه بالاستحمام الكامل بدلا من غسل بعض المناطق بشكل صوري مما لا يفيد في النظافة لجسدية شيء؟

وماذا عن الذين يعملون في جمع القمامة هل يقول المعترض انهم ليسوا من دينه! اين تشريع الاستحمام بعد الاجهاد هل لديه اية صريحة؟! هل النظافة بالمسح السريع للأجزاء الظاهرية؟ أم أن الأجزاء الداخلية من الجسد هي التي تحتاج أكثر إلى التنظيف من تلك الظاهرية؟ فبالطبع هناك مواضع أخرى في الجسد تحتاج للنظافة. فإن كان دين المعترض يحثه على النظافة، فلماذا لم يحثه على النظافة الحقيقية أو الكاملة واكتفى فقط بمسح الماء الصوري على الأجزاء الظاهرية التي لا تفيد في النظافة شيء؟ وهل التيمم بالرمال نظافة؟ وهذا التيمم يحدث في حالة انقطاع الماء؟ فاين النظافة في جلب تراب ووضعه على الجسد! هل يستخدم التراب للتنظيف أم يستخدم الماء للتنظيف من التراب؟

 

فالفكر المسيحي يقول ان الاهتمام بالقلب والروح هو الاولوية وهذا لكون الانسان يمكن أن يراعي جسده ونظافته لكنه وفي نفس الوقت يغفل عن نظافة قلبه من الحقد والطمع والكرة والرياء والنميمة، فهناك ملحدون أنظف جسدياً من المعترض نفسه بكثير، فما الذي يفيده بنظافة جسده؟ فالمعيار المسيحي صحيح ولا يتنافى مع نظافة الجسد فقد اسردت بالأعلى العديد من الامثلة.

 

الطهارة في المسيحية عدة أوجه وهي: جسديّة، وروحيّة، وعقليّة، وأدبيّة. فجسديًا مطلوب من المؤمن المسيحي الاهتمام بنظافة بدنه، وفي مظهره الخارجي وفي نظافة ثيابه والاهتمام بالطيب والتعطر بالروائح العطرة، أما روحيًا فتعني الابتعاد عن النجاسة الروحيّة وهي الخطيئة حسب المفهوم المسيحي والتي تنبع من القلب ومصدرها القلب وحده حسب المفهوم المسيحي، أمّا من الناحية العقلية فهي اجتناب الأفكار النجسة مثل الاشتهاء.

 

أمر الكتاب المقدس أيضًا بالاغتسال بعد قذف السائل المنوي وبعد عملية الجماع الزوجي، وذلك لتجنب الامراض الجنسية، بحسب لاويين 15: 18،16 وبعد مسّه شخصا مصابا بداء السيلان أو أيا من أغراضه لتجنب الامراض الجنسية، بحسب لاويين 15: 12،11 وبعد رجوعه من الحرب لتجنب الامراض الجنسية (حيث ان الشعوب المجاورة لإسرائيل في ذاك الزمان كانت في حالة انحطاط اخلاقي مما يعتبر بيئة رطبة لنشر الامراض الجنسية المميتة) بحسب سفر العدد 31: 24،19.
وبعد مسّه حيوان غير طاهر او حيوان مات من جراء اسباب طبيعية لتجنب الامراض المعدية، انظر لاويين 11: 42،30،29. وبعد مسّه امرأة في طمثها لتجنب نقل الالتهابات بواسطة الدم، انظر الى لاويين 15: 27،21.
فهناك العديد والعديد من الامثلة في الكتاب بالكامل التي تتكلم عن النظافة الشخصية في كل مناحي الحياة اليومية له، لكن نعذر طارح الشبهة لأنه لم يدرس الكتاب المقدس لأنه لا ليس بطاهرٍ وفقا حتى للعهد القديم فقط.

 

ثالثًا: الرهبنة والرهبان، والأمثلة التي ذكرها أحمد سبيع.

على الرغم من أن أحمد افتتح الفيديو الخاص به بالحديث عن المسيحيين عمومًا، وهذه هي قيمة الفيديو، فالفيديو يهدف أصلا إلى تأكيد أن المسيحيين بشكل عام تكون رائحتهم منفرة، ورغم عن ذلك لم يتكلم عن أي شيء عقيدي أو يخص المسيحيين بعمومهم بل أنه انتقل فجأة للحديث عن الأنبا أنطونيوس أب الرهبان، ثم قفز مرة أخرى إلى آمون، ثم إلى أثناسيوس الرسولي، ثم قفز مرة ثالثة إلى القمص إبيفانيوس (التي نطقها بشكل خاطئ وكأنها كلمة غير معروفة ولم يسمعها من قبل) الأنبا بولا والمعروف باسم القمص فانوس الأنبا بولا.

 

وكتعليق عام نقول:

أولاً: من المعروف عند الباحثين المدققين، أن هناك ما يسمى المصادر الأولية والمصادر الثانوية، فالمصادر الأولية هي التي كُتبت بيد المؤلف نفسه أو على أقصى تقدير يكون قد اطلع عليها المؤلف ووافق عليها او تكون مصادر معاصرة لفترة حياته. أما المصادر الثانوية فهي تلك المصادر التي كتبت عن الشخص أو الشيء وجاءت بعده. أما ما فعله أحمد فهو يدل على مستواه البحثي الحضيضي، فقد أتى بكتاب ليس من المصادر الأولية ولا الثانوية ولا حتى الكتاب نفسه ذكر مصدراً، ولو كان لا أولي ولا ثانوي، لكلامه عن الأنبا أنطونيوس! فهل يظن أحمد أن المسيحي يقبل أي كلام مكتوب من غير مصدر طالما أن كاتبه مسيحي أيضًا؟ يبدو أنه يظن ذلك! فمن هذه النقطة وحدها، ينتهي اقتباسات سبيع جميعها إلا الأخير! لأنها كلها بلا مصدر.

ثانيًا: حتى بفرض أن كل ما جاء به صحيح، فهؤلاء أشخاص في ظروف تاريخية ومعيشية ونسكية تختلف تمامًا حتى عن الرهبان المعاصرين أنفسهم بل تختلف حتى عن تلاميذهم هم، فكم بالأحرى اختلاف كل تلك الظروف عنا نحن؟ فإما أن أحمد يظن أنهم طالما هم رهبان فتكون أفعالهم، سواء حسنة أو سيئة، حجة عليها أو يجب ان يقتدي بها كل مسيحي! وهذا لن يكون غريبا عن مستوى جهله المعروف لدينا. لكن المفاجئة ستكون لو أنه يظن أنهم بأفعالهم هذه يعطونا نحن المسيحيين هذه التعاليم لننفذها مثلهم، فإن كان يقصد هذا فذلك سيكون مستوى جديدًا من الجهل وعدم الفهم الذي ما كنا نتوقعه في سبيع، لكنه غير مستبعد. فلا هم قالوا هذا، ولا نحن يجب علينا فعل ما يفعلوه.

 

الأنبا أنطونيوس أب الرهبان

تكلم أحمد سبيع عن الأنبا أنطونيوس، ورغم أن للأنبا أنطونيوس رسائل يمكن معرفة أفكاره وفضائله ومعجزاته منها، وللبابا أثناسيوس الرسولي كتاب يشرح فيه حياة الأنبا أنطونيوس، إلا أن أحمد لم يجد في أي منهما ضالته الخبيثة، وكيف له أن يجد ضالته في مثل تلك الكتب الموثوقة؟ فذهب لأي شيء يدعى كتاب، فحتى ان كان من خصوم الأقباط أنفسهم، وحتى إن كان بلا دليل أو مصدر أو عزو، فطالما أنه كتاب ليس لمسلم وطالما أن كاتبه يقول ما نريد فيكون كلامه صحيحًا قطعا، وكيف لا وهو يقول ما نريد؟ فهذه سمة أحمد والمهاجمين للمسيحية عمومًا من المسلمين، وللرد نقول في عجالة:

 

  1. في العصور القديمة لم يكن الماء متوفر لكل واحد كما الآن. ونحن سنستعرض ما هو مفهوم النظافة الحقيقية عند مؤسس الإسلام ألا وهو رسول الإسلام ومعاصريه، فأحمد يعتمد في نقده للمسيحية على كلام هنا وهناك من كتب غير موثقة، فعلى العكس من هذا، سنأتي بشهادات صحيحة صريحة في تعريف النظافة بحسب مفهوم أحمد من كل الأدلة الصحيحة، لتعرفوا لماذا يهاجم أحمد المسيحيين.
  2. الأنبا أنطونيوس كان يعيش في الصحراء المقفرة التي لا طعام ولا شراب فيها، وأحمد نفسه قال [يعني إنسان لديه القدرة على تنظيف جسده، ومع ذلك لا يفعل، فهل هذا الفعل يحبه الله؟]، فهل كان للأنبا أنطونيوس القدرة على توفير؟ وهو معتكفا في الصحراء البعيدة وحده، ويصوم عن الماء والطعام لأيام عديدة متتالية ولا يرى وجه إنسان؟
  3. لم يطلعنا أحمد على شهادة من معاصري الأنبا أنطونيوس أو غيره تقول إن رائحته كانت رائحة كريهة مثلاَ أو أن أصابه القروح أو الأمراض الناتجة عن قلة النظافة (هذا بفرض صحة الكلام الذي أتى به أصلا)، بل سنجد الشهادات الكثيرة تفيض بعكس هذا، فقد تنيح الأنبا أنطونيوس عن عمر 105 عام وكان يتلمذ رهبان آخرين ويعلمهم.
  4. هذا الذي يقول عنه احمد أنه لم يستحم، كان يفعل المعجزات العظيمة ويقهر ويخرج الأرواح الشريرة من الناس، وغيرها من المعجزات التي حكى عنها التاريخ كله، حتى أنه أب لجميع رهبان العالم من شدة ما وجدوه فيه من كرامة ونسك وحب للإله، فكيف لشخص مثل ما يصوره أحمد أن يكون بهذا الورع والتقوى والقوة إن كان هناك علاقة بين ما يقوله وما تنقله المصادر الصحيحة عن الأنبا أنطونيوس (هذا بافتراض صحة كلامه الأول أصلا).
  5. كيف عرف صاحب الاستشهاد الذي نقل عنه أحمد، أن الأنبا أنطونيوس لم يستحم طوال حياته والأنبا أنطونيوس كان في عزلة تامة أغلب حياته الرهبانية؟

البابا أثناسيوس الرسولي

 

جاء أحمد كعادته بكتاب للسيدة Edith Louisa تتكلم فيه عن القديس آمونيوس الراهب، وأيضًا تنقل كلامًا على لسان القديس أثناسيوس، ولم تعط لأي من هذين القولين أي مصدر من كلام القديس أثناسيوس على الإطلاق، فقط قالت الكلام ونسبته له. وهذا الكلام نفسه يختلف عما موجود في النسخة الإنجليزية التي تُرجمت عنها هذه الترجمة العربية في النص نفسه، إلا أن معنى الكلام هو نفسه. فكيف يستشهد أحمد سبيع بكلام غير موثق لمجرد أن يهاجم البابا أثناسيوس؟ ولا يطعن في البابا أثناسيوس فقط، بل يعمم -بجهل- هذا الكلام الذي هو أصلا ليس عليه دليل، يعممه على كل مسيحي، فهكذا نرى كيف أنهم فقراء لا يملكون دليلاً ضد الإيمان المسيحي.

ولنبطل هذا الكلام الذي لا يقوم عليه دليل أو منطق، سنعطي نحن دليلًا موثقًا من كلام القديس أثناسيوس نفسه عن نظيف إفرازات الأنف والفم والبطن (التبرز)، ونسأل المعترض بعدها، كيف للذي يقول بتنظيف الأنف والفم والبطن أن يمنع من الاستحمام؟!

يقول البابا أثناسيوس في رسالته لآمون ومخاطبًا إياه:

For tell me, beloved and most pious friend, what sin or uncleanness there is in any natural secretion,—as though a man were minded to make a culpable matter of the cleanings of the nose or the sputa from the mouth? And we may add also the secretions of the belly, such as are a physical necessity of animal life.[1]

 

الترجمة:

ولكن أخبرني، أيها الصديق المحبوب والتقي جدًا، ما الخطية أو الدنس في أي من الإفرازات الطبيعية، وكأن تنظيف الأنف واللُعاب يُعد شيئًا ملوما لو فعله إنسان!؟ ويمكن أن نضيف أيضًا إفرازات البطن، والتي هي من الضرورات الجسمية للحياة الحيوانية (الجسدانية).

 

ويمكن الرجوع لكامل الرسالة في السلسلة الثنية في مجموعة آباء نيقية وما بعدها، في المجلد الرابع. فإن كان هذا رأي أثناسيوس فلماذا يدلس عليه أحمد ويأتي بأقوال بلا مصدر من كلام أثناسيوس نفسه؟ أهو الهوى والزيغان فقط؟

 

ثم يستشهد بأفعال بعض الرهبان وهم قله لكي يوحي للمستمع ان هؤلاء هم اكثرية وان المسيحية تدعوا لعدم النظافة بإهمال الجسد. ولا يعلم ان هؤلاء قلة قليله قد فهموا ترك العالم وقمع الجسد بهذا الشكل. فهذا فهمهم هم كما اوضحنا ان الكتاب يتكلم عن نظافة الجسد والروح والعقل وغيره. فمعيارنا كمسيحين هو الكتاب. فوجود رهبان في بيئة صحراوية غير متوفر بها الماء ليس مقياس على وجودنا نحن الان.

 

 

 

إلى هنا ينتهي الشق المتعلق بالنظافة عند المسيحيين، ولكن يبدأ من هنا أيضا فصل جديد حول الطهارة عند المسلمين، فلنتعلم نحن المسيحيين النظافة التي يدعونا إليها أحمد سبيع.

 

رابعًا: النظافة كما يحبها أحمد سبيع (تعلموا يا مسيحيين!)

 

قبل البدء في عرض مظاهر النظافة الإسلامية التي يريدنا أحمد سبيع أن نترك المسيحية ونتجه إليها، علينا التنبيه لعدة أمور:

  1. عرض أحمد سبيع من كتب لا تمثل أي مصدر للمسيحيين، فلم يعرض لآباء الكنيسة تعلميًا أو نصوصا من الكتاب المقدس تمنع الاستحمام مثلاً أو تمدح الشخص كلما كان أقل نظافة جسدية، ولكننا سنعرض له من أمهات كتبه المعترف بها عند أهل السنة والجماعة المنتمي إليهم أحمد، وسنعرض أحاديث صحيحة، ومن المذاهب المعتمدة لديه. فلن نفعل مثله بأن نأتي بأي كلام وكفى، بل سنأتي له من أمهات كتبه التي يعترف بها هو.
  2. سنتعرض لأكثر من مظهر من مظاهر النظافة الإسلامية عند أحمد، وليس مظهراً واحدا، داعمين كلامنا بالأبحاث العلمية والنصوص الإسلامية الصحيحة في كل هذه المظاهر، وهذا لكي يتعرف القاريء على مظاهر النظافة التي يريدها أحمد ويحبها ويعيش فيها.
  3. لن نعلق بتعليقات كثيرة في هذا الجزء، بل سنترك أغلب الكلام للمصادر الإسلامية فهي المتحدثة عن نفسها وسنترك لعلماء الإسلام أنفسهم شرح ما يقصدون. لكن سنحاول بيان الكلام الذي لربما لا يكون مفهوما للجميع.
  4. نحن هنا لا يهمنا الجانب الفقهي الإسلامي من القضية بل جانب النظافة فقط، فهذا محور كلامنا كله. فعندما نتكلم عن الوضوء مثلاً فنحن لا نتكلم عن النواقض الشرعية التي يقرها علماء الإسلام للوضوء، بل نتكلم عن جانب النظافة في الوضوء وهل يحقق الوضوء النظافة وهل يرتبط الوضوء بالنظافة أم أنه مجرد طقس فقهي لا يتعلق بنظافة الإنسان الحقيقية. نقول هذا لكي لا يأتي متعالم ومتذاكي ويقول أن كذا لا ينقض الوضوء، فنقول له: وهل ترانا في حلقة فقه نتباحث فيما ينقض الوضوء عند المذاهب وما لا ينقضها؟ نحن نتكلم في جانب النظافة فقط، بغض النظر عن نظرتك الفقهية له.
  5. ليس مقصدنا من هذا التالي إلا بيان تناقض أحمد سبيع بين ما يشنعه على المسيحيين كاذبًا، وبين ما يؤمن به هو. وأيضًا إنما وضعنا التالي لبيان كيف أنه صاحب هوى وزيغ، يصحح ما يروق له ويخطيء ما لا يروق له، فصار ذوقه حكما على الحقيقة، فظهر من هذا كيف أنه يكيل بأكثر من مكيال.

 

الوضوء الإسلامي، هل يؤدي إلى النظافة فعلاً؟

قال أحمد سبيع في بداية الفيديو ما نصه:

فالإسلام اهتم جدا بنظافة الإنسان وجعل الوضوء شرط لصحة الصلاة، لا تصح الصلاة بدون تنظيف الجسد بالوضوء، وهكذا ستجد نصوص الإسلام مجمعة على أهمية النظافة، وجعلت النظافة عبادة لله، فالجسد غير النظيف يكون عرضة للجراثيم والأمراض المعدية أكثر بكثير من الجسد النظيف.

فكما قرأنا، فأحمد سبيع قد ربط بين الوضوء من ناحية وبين النظافة من ناحية أخرى. وسوف نثبت بالدليل القاطع خلاف ذلك. وفي النقاط القادمة سيكون هذا تركيزنا الذي دعانا إليه أحمد، ألا وهو: النظر في العلاقة بين النظافة والممارسات التي يقبلها أحمد كمعيار للنظافة، غير ناظرين لغير ذلك من أمور سنجدها في خضم بحثنا.

 

التعليق:

 

ما هو الوضوء؟ وكيف يكون؟ يمكنكم مشاهدة هذه الفيديوهات لمعرفة كيفية الوضوء، والقصد هنا هو مراقبة أماكن وصول الماء إلى أجزاء الجسم، إلى أي الأجزاء سيصل الماء وإلى أيها لن يصل أبدًا؟

https://www.youtube.com/watch?v=ryY2syEVKe8

https://www.youtube.com/watch?v=wP32W46GWwA

https://www.youtube.com/watch?v=dP7cr1JTdok

 

أولا: بعدما شاهدتم هذه الفيديوهات التي تبين تفصيلا كيف يكون الوضوء، هل لاحظتم الأماكن التي لا يصل إليها الماء أبدًا؟ هل يصل الماء إلى منطقة الرقبة (الزور) أي بداية الصدر من الأعلى؟ الإجابة لا، هل يصل الماء إلى الإبطين؟ الإجابة لا، هل يصل الماء إلى الفخذ؟ الإجابة: لا، هل يصل الماء إلى الصدر أو الظهر؟ الإجابة لا، هل يصل الماء إلى المؤخرة؟ الإجابة لا، هل يصل الماء إلى محل الفرج (العضو الذكري أو الأنثوي)؟ الإجابة لا. فما الذي تم تنظيفه إذن في هذا الطقس؟ تقريبًا، لا شيء. هذه الأماكن التي لم يصل إليها الماء معروفة عند كل إنسان أنها أكثر الأماكن التي تتعرق (مع الجبهة) والعرق هذا ينتج عنه أمراض إذا تُرك. فجل المناطق المتحركة التي تحتك بعضها ببعض مثل منطقة الإبطين والفخذين والمؤخرة تتعرق كثيرا، وبالأخص في البلاد الحارة مثل بلادنا، فهل زالت هذه الأوساخ بهذا الشكل من الوضوء؟ بالطبع لا، وهل زالت رائحة العرق والملابس المتعرقة؟ بالطبع لا. إذن فما العلاقة بين الوضوء والنظافة التي يتكلم عنها أحمد؟ لنضرب مثالاً، لنفترض أن انسانا مسلما يعمل في أعمال البناء (بَنَّى) أو يعمل في جمع القمامة وفرزها وتصنيفها، وحان وقت الصلاة وهو يعمل، فقام مسرعًا وتوضأ، فهل أزال هذا الشخص عرق جسده؟ هل أزال رائحته؟ هل يكفي لغسل يديه ورجليه ورأسه وذقنه تمرير هذا القليل من الماء لتنظيف كل هذه المناطق؟ فكم بالأحرى المناطق التي لم تلمسها المياه مطلقًا! ثم يدعونا أحمد بالاقتضاء به للنظافة!

ثانيًا: هل الوضوء بغرض النظافة أم أنه طقس؟ لقد ربط أحمد بين الوضوء والطهارة، بإعتبار أن الطهارة هنا هي النظافة، فماذا لو لم يجد الإنسان ماء وأراد أن يصلي؟ فإن كان الوضوء بالماء للنظافة الجسدية، فسوف يكون البديل هو أيضا للنظافة الجسدية في حال عدم وجود ماء، لكن المفاجئة التي لربما لا يعرفها أغلب المسيحين، أنه لدى الإخوة المسلمين شيء أسمه التيمم، وهو عبارة عن استخدام التراب بترتيب معين لجواز الصلاة بعده، فهل في استخدام التراب على الوجة أي نوع من أنواع النظافة؟ هل يكون الإنسان نظيفا عندما يضع التراب على وجهه أم أنه يستخدم الماء ليزيل الأتربة وغيرها على وجهه؟ لنعرف أولا كيفية التيمم:

https://youtu.be/TodMQFcq-4U?t=173

https://www.youtube.com/watch?v=9ubHzWIJYkQ

https://www.youtube.com/watch?v=B0vii9W1-W0

https://www.youtube.com/watch?v=5psXVs-KZ3o

وهنا نسأل، كيف لمن أراد النظافة أن يضع يده في التراب وهو الذي يعتبره الإنسان وسخًا ويغسل يديه منه؟ وكيف يكون وضع اليدين في التراب ثم مسح الوجه كاملاً بالتراب لهو من النظافة؟ هل إذا جاءت الأتربة على وجة الإنسان، فيكون قد إتسخ أم تنظف؟ فالأتربة يمكن ان يكون بها بعض الحشرات الدقيقة المؤذية جدًا، فكيف يكون التراب نظافة؟

 

مرة أخرى أذكر أني لا أتكلم في القصد الشرعي من التيمم ولا أنه بديلا عن الوضوء متى تعذر إستخدام الماء، لكني هنا أنقض المبدأ الذي يستخدمه أحمد سبيع في الربط بين النظافة من ناحية، والوضوء او التيمم من ناحية، فقد رأينا أن الوضوء لا يجعل الإنسان نظيف البدن أو الرائحة، ورأينا ان التيمم بالتراب يعتبره الإنسان في الظروف العادية إتساخًا ويغسل نفسه منه ليكون نظيفًا، فكيف يقول احمد سبيع هذا الكلام الخاطيء؟

 رائحة الفم في وقت صيام رمضان

ربما يعرف كل من تحدث مع شخص صائم في رمضان أن رائحة فمه تكون كريهة، ولذلك سبب علمي معروف، فلماذا تكون رائحة فم أحمد سبيع في رمضان رائحة كريهة؟ السبب ببساطة لأنه يصوم كما أمره دينه، ويعرف أن رائحة فمه تكون سيئة جدًا، ومع ذلك يستمر ف صومه، وأنا هنا لا أدعوه لعدم الصيام، بل أني أوجه نظره لما أراد هو عدم الحديث فيه تبعا للهوى والكيل بمكيالين. فأحمد إن سألته عن رائحة فمه، فسيقول لك أن هذا شيء طبيعي في نهار رمضان وهو صيام مفروض علينا كمسلمين ولا يحق لنا عدم الصيام إلا بعذر شرعي، وهذا صحيح، لكن بيت القصيد هنا أن هذا الصيام الذي فرضه عليه دينه هو السبب في أن رائحة فمه تكون كريهة. فهنا يمكن ببساطة أن يقول شخص له تبعا لمنهج احمد في الحكم “إن دينك هو السبب في رائحة فمك الكريهة، فهل تتقرب لله برائحة فمك الكريهة؟ أين الطهور شطر الإيمان، وأين النظافة من الإيمان”؟ وسيرد أحمد أن الله هو من فرض عليه هذا، وهذا هو المطلوب إثباته، أن أحمد يسير خلف أوامر دينه حتى إن أدت إلى نتائج ينتقضها هو بنفسه في الآخرين، لكن يقبلها عنده برحابة صدر بلا مشكلة لأنه دينه! فلماذا يلوم الآخرين حتى إن كان دينهم يأمرهم -جدلا- بعدم النظافة (قد أثبتنا خطأ ذلك سابقًا)؟ فطالما أن لأحمد الحق في إتباع دينه الذي يكون من ضمن نتائجه أن تكون رائحة فمه كريهة، ولا يكف عن الصيام إن قال له أحد إن رائحة فمك كريهة، فلماذا يلوم غيره على اتباع تعاليم دينهم -جدلا-؟ إنه الهوى والزيغ. وكما قال الرب يسوع المسيح: 

متَّى 7: 5

1 «لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا، 2 لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ. 3 وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ 4 أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْني أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟ 5 يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!

 

اللحية

إن أحمد سبيع لهو شخص ملتحي، وقد ظهر بلحيته هذه في هذا الفيديو الذي يتكلم فيه عن “النظافة”، فهو يتكلم عن النظافة وهو ملتح. قد يكون كلامي غامضًا، فما العلاقة بين النظافة واللحية التي يطلقها أحمد سبيع؟ العلاقة -وهنا المفاجئة- أن اللحية تساعد على وجود بعض البكتريا التي تتواجد بكثرة فيها. وقبل أن نعلق، دعوني أثبت لكم أولا كلامي. ففي دراسة علمية نُشرت في دورية European Radiology على لحية 18 رجل وفروة 30 كلب، وكانت الدراسة تهدف أصلاً إلى معرفة هل من الآمن اصطحاب كلبًا معك قبل الدخول إلى جهاز الرنين المغناطيسي لفحصك؟ فقد وجدت الدراسة أن لحية الرجال تحتوي على بكتريا أكثر من تلك الموجودة في فراء الكلاب! وهذه هي النتيجة الرسمية:

Our study shows a significantly higher bacterial load in specimens taken from men’s beards compared with dogs’ fur (p = 0.036). All of the men (18/18) showed high microbial counts, whereas only 23/30 dogs had high microbial counts and 7 dogs moderate microbial counts. Furthermore, human-pathogenic microorganisms were more frequently found in human beards (7/18) than in dog fur (4/30), although this difference did not reach statistical significance (p = 0.074). More microbes were found in human oral cavities than in dog oral cavities (p < 0.001). After MRI of dogs, routine scanner disinfection was undertaken and the CFU found in specimens isolated from the MRI scanning table and receiver coils showed significantly lower bacteria count compared with “human” MRI scanners (p < 0.05).[2]

للمزيد برجاء مراجعة الروابط:

http://www.bbc.com/arabic/media-48051406

https://p.dw.com/p/3HOlj

https://www.hespress.com/varieties/430128.html

https://ar.rt.com/lq5v

 

 وفي دراسة أخرى، وُجدَ أن اللحية بها بعض البكتريا التي تتواجد في الأمعاء والبراز![3] وأنا هنا لا أعيب على أحمد اللحية، فهو حر أن يتركها أو يطلقها، لكن العيب كله أن يخرج ويربط بين النظافة والدين حصرًا (لأن أحمد يطلق لحيته لأن هذه سُنة عن نبي الإسلام) ويكون في الوقت نفسه يربي لحيته التي بها البكتريا أكثر من تلك الموجودة في فراء الكلاب والموجودة في البراز والامعاء.

وهنا ربما يقول قائل أن الأنبياء والمسيح والكهنة والقساوسة والرهبان يربون لحاهم، فنرد عليهم ونقول أننا هنا لسنا ضد اللحية، بل ضد ربطها كسُنة بالنظافة، فلا الأنبياء ولا المسيح ولا الكهنة ولا القساوسة أو الرهبان ربطوا بين اللحية والنظافة ودعونا لإطلاقها لزيادة النظافة!

 

وفي نهاية هذا الجزء، نهدي لأحمد سبيع هذا الفيديو ليعرف من هم أصحاب الرائحة غير الجيدة من فم الشيخ خالد الجندي نفسه:

https://www.youtube.com/watch?v=W8NfpC0O7wk

 

فإن كان الشيخ خالد الجندي يشهد بذلك بنفسه عند المسلمين، فلماذا يدعونا أحمد بما عنده؟

 

من هنا، سنبدأ في عرض الأحاديث الصحيحة الصريحة التي يعتمد عليها أحمد سبيع في دينه، ولا نريد من عرض هذه الأحاديث إلا أن نبين لأحمد ما هو مقياس النظافة التي يدعونا لها والذي وفقا لهذا المقياس يقول إن رائحة المسيحيين كريهة. فسنعرض العديد من الأحاديث وسنعلق بتعليق قصير بعد كل منها إما لإيضاح الغرض من الاستشهاد به أو لإيضاح بعض الألفاظ الواردة فيها.

 

الصلاة في مكان التبول

174 – وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَتْ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. (البخاري)

 

التعليق:

استشهدنا بهذا الحديث فقط لأن أحمد سبيع أتى بفيديو لراهب يقول إن المقص فانوس كان يسجد على سطح قلايته وسط الفضلات، فأتينا له بهذا الحديث لنثبت له أن نبي الإسلام نفسه ومعه الصحابة كانوا يصلون صلوات كاملة في المسجد بينما كانت الكلاب تبول في هذا المسجد، ولم يكن أي من الصحابة يرشون هذا البول! فمن أعظم، أهو نبي الإسلام والصحابة عند أحمد سبيع أم القمص فانوس عند المسيحيين؟ بالطبع نبي الإسلام أعظم عند المسلمين، فهو نبي ورسول وآخر الأنبياء والرسل والشفيع وخير خلق الله ..إلخ. فإن كان خير خلق الله يصلي مع صحابته صلوات كاملة في مسجد كانت الكلاب تبول فيه، فلماذا يستنكر أحمد على مجرد راهب أن يسجد (فقط) في مكان به فضلات ويسمي هذا “قرف” ولا يسمي ذلك قرفًا؟ ألانه يؤمن بهذا فقط؟ هل رأيتم كيف أنه صاحب هوى وليس بصاحب حق؟

 

النوم في مكان التبول

14014 – وَعَنْ حَكِيمَةَ بِنْتِ أُمَيْمَةَ، عَنْ أُمِّهَا قَالَتْ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدَحٌ مِنْ عِيدَانٍ يَبُولُ فِيهِ وَيَضَعُهُ تَحْتَ سَرِيرِهِ، فَقَامَ فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَسَأَلَ فَقَالَ: ” أَيْنَ الْقَدَحُ؟ “. قَالُوا: شَرِبَتْهُ بَرَّةُ – خَادِمُ أُمِّ سَلَمَةَ الَّتِي قَدِمَتْ مَعَهَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ – فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” لَقَدِ احْتَظَرْتِ مِنَ النَّارِ بِحِظَارٍ».

رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَحَكِيمَةَ وَكِلَاهُمَا ثِقَةٌ.[4]

 

وأخرج الطبراني والبيهقي بسند صحيح عن حكيمة بنت أميمة عن أمها قالت كان للنبي {صلى الله عليه وسلم} قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت سريره فقام فطلبه فلم يجده فسأل عنه فقال أين القدح قالوا شربته برة خادم أم سلمة التي قدمت معها من أرض الحبشة فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} لقد احتظرت من النار بحظار.[5]

 

1426 – حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيُّ، بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي حُكَيْمَةُ بِنْتُ أُمَيْمَةَ، عَنْ أُمِّهَا أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبُولُ فِي قَدَحٍ مِنْ عِيدَانٍ، ثُمَّ يُوضَعُ تَحْتَ سَرِيرِهِ».

رقم طبعة با وزير = (1423)

[تعليق الألباني] حسن صحيح – «صحيح أبي داود» (16).

 

19 – عن حُكَيمة بنت أُميمة بنت رُقيقة عن أمها أنها قالت: كان للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدح من عَيْدان تحت سريره، يبول فيه بالليل. (قلت: حديث صحيح، وقال الحاكم: “صحيح الإسناد”، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان).[6]

 

4832 – «كان له قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل». (صحيح) [د ن ك] عن أميمة بنت رقيقة. المشكاة 362: صحيح أبي داود 19: ن – عائشة.[7]

 

32 – أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَتْنِي حُكَيْمَةُ بِنْتُ أُمَيْمَةَ، عَنْ أُمِّهَا أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ قَالَتْ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ يَبُولُ فِيهِ، وَيَضَعُهُ تَحْتَ السَّرِيرِ» [حكم الألباني] حسن صحيح[8]

 

التعليق:

تعليقي هنا كسابقه، فقد استشهدتُ بهذه الروايات الصحيحة الكثيرة التي تقول إن رسول الإسلام كان ينام في مكان فيه قدح (إناء) يبول فيه وموجود أسفل سريره، أي أنه ينام على سرير كان تحته هذا الإناء وبه البول الذي يبوله فيه، وجميعنا يعلم رائحة البول السيئة جدًا.

فأحمد سبيع قد استشهد براهب يحكي عن القمص فانوس أنه كان يسجد في مكان فيه فضلاته وقال عن هذا الكلام أنه مقذذ ومقرف، فماذا يقول إن كان هذا القمص ينام في قلايته وتحت سريره إناء يبول فيه ثم ينام أعلاه ورائحة البول يشمها طوال الليل؟ فكان سيقول كيف ينام هذا الراهب في مكان أشبه بالمراحيض (الحمَّامات) وأن هذه علامة على عدم نظافة ليس الراهب فقط، وليس كل الرهبان فقط وليس طائفة هذا الراهب فقط، بل كل المسيحيين!

هكذا بكل بساطة، فهل يستطيع أن يستنكر هذا الفعل الذي قام به رسول الإسلام ويقول عنه ذات الكلام بل يعمم كلامه على كل المسلمين مثلما عمم كلامه على كل المسيحيين؟ فصدقوني إن فعل هذا، ولا يجرؤ أن يفعل، فستكون فعلته هذه منطقية أكثر، لأن القمص فانوس ليس نبيًا ولا طلب من أحد اتباع سنته ولا هو قائد للمسيحيين …إلخ، لكن على العكس، فأحمد سبيع يؤمن أن كل فعل أو قول صادر عن رسول الإسلام لهو من السنة الفعلية أو القولية، والتي إن فعلها يؤجر عليها حسنات في الآخرة.

ولكي تعرف عزيزي القارئ كيف أن أحمد سبيع يكيل بمكيالين، فتخيل معي ان أحد المسيحيين جاء بهذه الروايات ليقول لأحمد كيف لنبيكم ان ينام وأسفل منه إناء فيه بول، فهل يسوغ عقلا أن يرد عليه سبيع ويقول له، إن الراهب فانوس كان يسجد وسط الفضلات؟ فالمسيحي هنا يستطيع بكل سهولة أن يقول له أن الراهب فانوس أفعاله له وعليه هو وحده، وليس سيد الخلق وإمام النبيين وسيد المرسلين، وليست أفعاله بحجة على المسيحيين، بينما رسول الإسلام له كل هذه الصفات وأكثر بكثير! فما وجه المقارنة؟

 

 

الصحابة يشربون ماء الوضوء بعد الوضوء

189 – حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ وَهُوَ الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِهِ وَهُوَ غُلَامٌ مِنْ بِئْرِهِمْ وَقَالَ عُرْوَةُ عَنْ الْمِسْوَرِ وَغَيْرِهِ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ.

 

190 – حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ الْجَعْدِ قَالَ سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ. (صحيح البخاري)

 

التعليق:

تعرفنا سابقا على الوضوء وكيفيته، ورأينا أنه ماء يغسل فيه الإنسان كفيه ويديه وقدميه ووجهه جزء من رأسه، ويمضمض فيه ويدخل الماء في أنفه ويخرجه مرة أخرى. جيد؟ ما رأيكم في هذا الماء الآن؟ أهو نظيف أم غير نظيف؟

إن كنت مسلما ستقول أنه ماء نظيف لأن من توضأ به هو رسول الله، وهذه إجابة عاطفية إيمانية فقط، أما إن كنت غير مسلم فستقول أن الماء غير نظيف بالطبع لأنه فائدته أصلا -حسب أحمد سبيع- هي التنظيف، فبعد التنظيف يكون الإنسان نظيفا (كما يعتقد أحمد)، ويتسخ الماء. فهنا في الرواية تقول إن هذا الماء هو ماء قد توضأ به رسول الإسلام ومج (لفظ) الماء فيه، وشربه السائب بن يزيد، بل كان الصحابة يتسابقون لكي يشربوه! فهل هذه هي النظافة التي تدعونا إليها يا أحمد؟!

ربما يقول أحمد أن هذا الفعل خاص برسول الله فقط وأنه طاهر وان وضوئه طاهر ..إلخ، وهنا نجد أن أحمد قد خالف الشيء المنطقي المعروف عن كل البشر لكون هذا الفعل فعله إنسان يُجله ويكرمه أحمد لأنه نبي ورسول. فنرد عليه ونقول إذن، نفس الشيء عند غيرك، فعندما يؤمن غيرك ان هناك شخص قديس لله ومكانته عند الله عالية جدا وان له معجزات تظهر قيمته عند الله، فهو يفهم هذه الأفعال بنفس الطريقة التي تفهم بها أنت أفعال سيد ولد آدم وخاتم الأنبياء والمرسلين، كما تعتقد عندك.

 

الصحابة يتلقفون النخامة ويدلكون بها وجوهم وجلودهم

2732- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ قَالَا …. وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ وَقَالَ لَهُ أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ مَنْ هَذَا قَالُوا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ أَيْ غُدَرُ أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ وَكَانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَيْنَيْهِ قَالَ فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيْ قَوْمِ وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ ….[9]

 

التعليق:

كلمة “نخامة” تعني البلغم، الذي يخرجه الإنسان من حلقه. ونجد هنا الرواية لا تتكلم فقط عن شرب ماء الوضوء الذي ينظف الإنسان به جسده (كما يعتقد احمد)، فيصبح الماء متسخًا جدًا، بل تقول الرواية أنه في كل مرة تنخم (أخرج البلغم) رسول الإسلام إلا وقد جاء أحد الصحابة واستلمها على يده، أي أخذ هذه النخامة، البلغم، على يده. وليس هذا فحسب، بل أن الرواية تقول أن من كان يمسكها بيده كان يدلك (يدهن) بها وجهه وجلده. أريدكم أن تتخيلوا معي هذا الذي تحكيه الرواية! الرواية تقول أنه في كل مرة أخرج النبي محمد هذا البلغم إلا وقد استقبل أحد الصحابة هذا البلغم على يده ووضعه على وجهه وجسده!

وهنا سيقول لنا أحمد سبيع أن هذه بركة لأنها نخامة النبي …إلخ، وليست هذه قضيتي الآن، فلتؤمن بما تريد. فقضيتي أن ما تعتبره أنت “بركة” قد يعتبره غيرك “قرفًا” ويشمئز منه جدًا. تماما، كما تعتبر أنت أفعال غيرك “قرفًا” ويعتبرها غيرك “بركة”، فأنت تضع إيمانك هو الحكم، فتقبل به هذه الأفعال بين رسول الإسلام وصحابته بصدر رحب جدا وتتبسم وتقول في نفسك “اللهم صلي وسلم وبارك عليك يا رسول الله” بناء على عاطفة إيمانية فقط! فلماذا تلوم على غيرك إن إعتقد أن عدم إستحمام راهب أو سجود راهب ليس لهما أي صفة تشريعية على بقية المسيحيين، لهو من القذارة والعفن؟!! لماذا تناقض نفسك وتكيل بمكيالين؟ قم بتوحيد المعيار الذي تقيس عليه القذارة والنظافة، وقس به الأفعال وأسمها بالأسماء الحقيقية.

ونسأل هنا السؤال المباشر: هل هذا الفعل الذي فعله الصحابة، لهو من أفعال النظافة أم عدمها؟

 

البصاق في العجين ثم طبخه وأكله

4102 – حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي فَقُلْتُ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتْ الشَّعِيرَ فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي وَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَنْ مَعَهُ فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنَّا صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ فَصَاحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُورًا فَحَيَّ هَلًا بِهَلّكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ بِكَ وَبِكَ فَقُلْتُ قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ ثُمَّ قَالَ ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعِي وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا وَهُمْ أَلْفٌ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ. (صحيح البخاري)

 

التعليق:

يقول هذا الحديث باختصار، أن امرأة قدمت للنبي عجين، فماذا فعل النبي؟ بثق فيه وأعطاها لتخبزه، فخبزته وأكلته. وليس لي تعليق على هذه الرواية سوى أني أطلب من كل قارئ أن يتخيل أنه يقرأ هذه الرواية عند المسيحيين عن شخص مسيحي! فماذا سيقول عن هذا الفعل؟ أهو فعل نظيف أم غير نظيف؟!! أحمد سبيع ينتقد النظافة عند المسيحيين ويقبل تلك الروايات بكل رحابة صدر!

 

دعوة الصحابة لشرب ماء الوضوء بعد الوضوء وصبه على وجوههم وأجسامهم

4328 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ أَلَا تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِي فَقَالَ لَهُ أَبْشِرْ فَقَالَ قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ فَقَالَ رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلَا أَنْتُمَا قَالَا قَبِلْنَا ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا وَأَبْشِرَا فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلَا فَنَادَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ أَنْ أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً.

 

التعليق:

هذه الرواية قريبة مما قرأناه سابقًا، لكن المختلف هنا أن نبي الإسلام بعدما غسل يديه ووجهه وأخرج الماء من فمه في هذا القدح، قال هو بنفسه لأبي موسى وبلال أن يشربها من هذا الماء الذي غسل فيه يديه ووجهه ومج فيه، وأن يضعوا هذا الماء على وجوههم ونحورهم! والسؤال هنا هو سابقه: تخيل أنك تقرأ أن كاهن أو راهب فعل هذا الفعل، فماذا ستقول عنه وعن فعلته هذه إن كنت غير مسيحي؟

 

مجامعة 9 أو 11 امرأة بغُسلٍ واحد[10]

28 – (309) وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ يَعْنِي ابْنَ بُكَيْرٍ الْحَذَّاءَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ» (صحيح مسلم)

 

268 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ قَالَ قُلْتُ لِأَنَسٍ أَوَكَانَ يُطِيقُهُ قَالَ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ إِنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ تِسْعُ نِسْوَةٍ. (صحيح البخاري)

 

التعليق:

الكثير ممن تناولوا هذا الحديث، حتى من علماء المسلمين علقوا على أن النبي قد أعطاه الله قوة جسدية تعادل 30 رجل، ورأى غير المسلمين من وجهة نظر أخرى وهي عن عدم الزهد في الدنيا وخلافه. وأنا هنا لا يهمني هؤلاء أو هؤلاء أو ما قالوه. فقط أريد التركيز على أنه جامع زوجاته كلهم بغسل واحد! والغسل المقصود به هنا هو استخدام الماء بعد عملية الجماع الجنسي بين الرجل وزوجته. فالروايات هنا تقول إنه جامع كل زوجاته في ليلة (أو ساعة) واحدة، دون أن يغتسل ولا مرة واحدة بين الزوجة والأخرى.

ولا يخفى على جميعكم الأمراض الجنسية المنقولة حتى بين الزوجين الفردين، فكم وكم بالأمراض المنقولة بين كل هذا العدد من النساء مع رجل واحد في ليلة واحدة بدون حتى غُسل واحد؟ المشكلة أن أحمد سبيع يرى كل هذا ولا يستطيع أن ينطق ببنت شفه! بل يرى أن هذا كله لا مشكلة فيه، بل هو قمة الطهور والنظافة التي من الإيمان.

لكنه يستنكر على رجل عاش حياته في الصحراء الجرداء وحده بأقل الماء والغذاء، وبعيدا عن البشر لفترات طويلة جدا، ألا يستحم! يعترض على عدم الاستحمام ولا يعترض على عدم الغسل ولو لمرة واحدة بين كل هذا العدد من النساء الذي بلغ 11 امرأة!! صدقوني إنها مشكلة الكيل بالمكاييل!

ونسأل هنا السؤال المباشر: هل مجامعة الرجل لزوجاته الأربعة لهو من أفعال النظافة؟

 

الصلاة بعد أكل الشاة وعدم غسل اليد

(355) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفٍ يَأْكُلُ مِنْهَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» (صحيح مسلم)

 

(354) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ح، وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ عَرْقًا، أَوْ لَحْمًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً»

 

التعليق:

السؤال المباشر هنا: هل الحياة في صحراء شبه الجزيرة العربية في هذا الوقت من التاريخ، والأكل من اللحم أو العرق باليد، حيث لا ملعقة أو شوكة للأكل كالتي نستخدمها الآن، ثم بعدها الذهاب للصلاة دون أن يغسل الإنسان يده بالماء، من النظافة؟ أترك لحضراتكم الإجابة الصادقة، فقد عرفنا ان أحمد سبيع يكيل بمكيالين تبعًا للهوى!

ونسأل هنا السؤال المباشر: هل عدم غسل اليد بعد الأكل لهو من أفعال النظافة؟

 

الأكل بعد التبرز وعدم غسل اليد

(374) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حُوَيْرِثٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: «إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى حَاجَتَهُ مِنَ الْخَلَاءِ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فَأَكَلَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً»، قَالَ: وَزَادَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ؟ قَالَ: «مَا أَرَدْتُ صَلَاةً فَأَتَوَضَّأَ» وَزَعَمَ عَمْرٌو، أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ (صحيح مسلم)

 

2016 – حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ” أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَرَّزَ، فَطَعِمَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً[11] (مسند أحمد وتعليق شعيب الأرنؤوط)

 

1932 – حدثنا سفيان/ عن عمرو عن سعيد بن الحُوَيْرث سمع ابن عباس يقولِ: كنا عند النبي – صلى الله عليه وسلم – فأتى الغائطَ، ثم خرج فدعا بالطعام، وقال مرةً: فأُتى بالطعام، فقيل: يا رسول الله، ألا توضَّأُ؟ قال: “لم أُصَلِّ فأتَوضَّأَ“. (مسند أحمد، تعليق أحمد شاكر)[12]

 

2016 – حدثنا يحيى عن ابن جُريِج قال: حدِثني سعيد بن الحُوَيِرْث عن ابن عباس: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تَبرَّز فَطعِمَ ولم يمسَّ ماءً. (مسند أحمد، تعليق أحمد شاكر)[13]

 

رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَجَاءَ مِنْ الْغَائِطِ وَأُتِيَ بِطَعَامٍ فَقِيلَ: أَلَا تَتَوَضَّأُ فَقَالَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَمْ أُصَلِّ فَأَتَوَضَّأَ»[14]

 

التعليق:

تعليقي هنا لن يكن تعليقي الخاص، بل تعليق الصحابة أنفسهم! الرواية تقول أن النبي ذهب ليقضي حاجته، أي كما تقول رواية أخرى أنه ذهب ليتبرز، ثم جاء، فتم تقديم الطعام له، فإستنكر الصحابة أنفسهم هذا الفعل، وسألوه سؤالا استنكاريا وقالوا: ألا توضأ؟ أي: ألن تتوضأ؟!، فماذا كان رد النبي؟ قال لهم أنه لن يصلي لكي يتوضأ! أي أنه يقول لهم، ولماذا أتوضأ وأنا لن أصلي؟!

فالصحابة استنكروا أنه سيأكل بيده وهو للتو عائد من قضاء الحاجة ولم يمس ماء! فسألوه لعله نسى، فأكل وقال لهم أنه لن يتوضأ لأنه لن يصلي! فواضح من هذه الرواية أن الصحابة أنفسهم كانوا ينبهونه أن يغسل يده. ولكنه أكل ولم يمس ماء!

السؤال المحوري هنا: هل لو فعل أحد القادة المسيحيين هذا الفعل، ماذا سيقول أحمد سبيع لنا؟!

ويحضرني هنا كلام اليهود أنفسهم، الذي ادعى أحمد سبيع أنه مثلهم، فلنقارن بين ما قالوه وبين هذه الأحاديث أعلاه:

مرقس 7: 2-5

2 ولما رأوا بعضا من تلاميذه يأكلون خبزا بايد دنسة اي غير مغسولة لاموا. 3 لان الفريسيين وكل اليهود ان لم يغسلوا ايديهم باعتناء لا يأكلون. متمسكين بتقليد الشيوخ. 4 ومن السوق ان لم يغتسلوا لا يأكلون. واشياء اخرى كثيرة تسلموها للتمسك بها من غسل كؤوس واباريق وآنية نحاس واسرّة. 5 ثم سأله الفريسيون والكتبة لماذا لا يسلك تلاميذك حسب تقليد الشيوخ بل يأكلون خبزا بأيد غير مغسولة.

فنجد هنا أن هؤلاء اليهود المغضوب عليهم والأنجاس وأحفاد القردة والخنازير، يغسلون أيديهم عند الأكل بإعتناء، ويغسلون الأطعمة التي أتت من الأسواق ويغسلون الكؤوس والأباريق وأواني النحاس، في حين أن النظافة الاسلامية في قِمتها بحسب احمد سبيع تعني الأكل بعد التبرز دون مس الماء حتى! 

ونسأل هنا السؤال المباشر: هل التبرز وعدم غسل اليد ثم الأكل بها، لهو من أفعال النظافة؟

 

الوضوء بماء بئر يُطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن

59 – عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خَديج عن أبي سعيد الخدري:

أنه قيل لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أنتوضأ من بئر بُضاعة؟ وهي بئر يُطرح فيها الحِيَض ولحم الكلاب والنَّتْن؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “الماء طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ”.

قال أبو داود: “وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع”. (قلت: حديث صحيح، وكذا قال النووي، وقال الترمذي: “حسن”، وصححه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين)[15].

 

60 – عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثمّ العدوي عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وهو يقال له: إنه يُستقى لك من بئر بُضاعة، وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض وعَذِر الناس؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “إن الماء طهور لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ”. (قلت: حديث صحيح)[16].

 

326 – أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَتَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُطْرَحُ فِيهَا لُحُومُ الْكِلَابِ وَالْحِيَضُ وَالنَّتَنُ؟ فَقَالَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» [حكم الألباني] صحيح[17]

 

327 – أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ – وَكَانَ مِنَ الْعَابِدِينَ – عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي نَوْفٍ، عَنْ سَلِيطٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَرْتُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ فَقُلْتُ: أَتَتَوَضَّأُ مِنْهَا وَهِيَ يُطْرَحُ فِيهَا مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّتَنِ؟ فَقَالَ: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» [حكم الألباني] صحيح[18]

 

التعليق:

كما أسلفنا، فأحمد سبيع يربط بين الوضوء والنظافة، وهذه الروايات ترد على هذا الزعم تمامًا، فالصحابة قد استنكروا استخدام ماء البئر الذي ترمي فيه الناس لحوم الكلاب الميتة، والحيض، والنتن، فسألوه، فقال لهم أن الماء طهور لا ينجسه شيء! وأني لأسأل، كيف لماء بئر معروفة بين الناس أن بها كل هذه القذارات أن تكون ماء نظيفة؟!! لا تعليق!

 

حك النخامة باليد، والدعوة للبصاق في المسجد أو على الملابس وفركها

405 – حدثنا قتيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه، فقام فحكه بيده، فقال: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدميه» ثم أخذ طرف ردائه، فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض، فقال: «أو يفعل هكذا» (البخاري)

 

التعليق:

هذا الحديث غريب جدًا، ويضرب كل ما قاله أحمد سبيع عن نظافة الملبس في مقتل! فالرواية تقول أن النبي وهو داخل المسجد رأى نخامة (أي: بلغم) في القبلة، أي حيثما يوجِّه المصلون وجوههم ويصلون ناظرين إليها. فماذا فعل؟ ذهب إليها وأزالها بيده! وإلى هنا يمكن أن يقبل أي إنسان هذا الفعل، فالنبي لا يريد بيت الله أن يتسخ بهذه الأفعال. لكن ما لا يقبله أي إنسان، أن يقوم النبي بتعليم الصحابة أنفسهم ألا يبصقوا أمامهم لأن الله يكون بينهم وبين القبلة! وأن يبصقوا في المسجد عن يسارهم، أو تحت أرجلهم!

 

والسؤال هنا لأحمد، هل من سمات ومظاهر النظافة التي تؤمن بها وتدعونا إليها، أن يبصق الإنسان في المسجد وهو يصلي ويسجد برأسه على هذا البصاق؟ فأحمد استنكر على القمص فانوس أنه كان يسجد وسط الفضلات، ورغم ان القمص فانوس عندنا ليس بمثابة نبي الإسلام عند أحمد، إلا أن أحمد يعيب على القمص فانون فعلته هذه ويسميها قذارة وقرفا، ويسمي هذا الفعل في المسجد في وقت الصلاة نظافة وطهارة!!

 

الرواية لا تقف عند هذا الحد! بل تكمل فتقول أن النبي أعطاهم خيارا آخرا غير البصاق عن اليسار او اسفل أقدامهم، فماذا هو؟ هل قال لهم مثلا أن من أراد البصق فليخرج خارج المسجد ويبصق في الخلاء على التراب مثلا؟! لا، بل قال لهم أن من يريد البصاق، فليبصق على ثوبه ويدهس هذا البصاق بالثوب نفسه، كما يسميها المصريون بالعامية المصرية (دعك الهدوم) أو باللغة العربية “الفَرك”، وقام النبي بشرح هذا عمليا امامهم حيث بثق أمامهم على ثيابه وفركه!

وللتعليق على هذا، أقول: لا تعليق!

 

 

في النهاية أؤكد أن مسألة النظافة مسألة شخصية تتبع ظروف كثيرة جدًا وتختلف من أخ لأخيه، فضلا عن بقية البشر. وقد أكد الكتاب المقدس على كل هذا بإعتبار أن أي مسيحي هو هيكل لله وروح الله يسكن فيه، فكيف لا يعتني الإنسان المسيحي بجسده؟ وما عرضتُ هذه الروايات الإسلامية إلا لبيان أن أحمد يتبع هواه ولا يطلب الحق ولا يقوله، ويميت ما تبقى من ضميره ويكيل بمكيال العقل تارة ومكيال الهوى البغيض تِئار.

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

[1]ECF 3.4.1.21.3.0.

[2] https://link.springer.com/article/10.1007%2Fs00330-018-5648-z

[3] https://www.medicaldaily.com/your-hipster-beard-may-have-more-fecal-matter-dirty-toilet-it-really-unhygienic-332002

[4] الكتاب: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد – المؤلف: أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (المتوفى: 807هـ) – المحقق: حسام الدين القدسي – الناشر: مكتبة القدسي، القاهرة – عام النشر: 1414 هـ، 1994 م، جـ8، صـ271.

[5] الكتاب: الخصائص الكبرى – المؤلف / أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي – دار النشر / دار الكتب العلمية – بيروت – 1405هـ – 1985م. – جـ2، صـ 377.

[6] الكتاب: صحيح سنن أبي داود – المؤلف: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: 1420 هـ) – الناشر: مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت – الطبعة: الأولى، 1423 هـ – 2002 م، جـ1، صـ53.

[7] الكتاب: صحيح الجامع الصغير وزياداته – المؤلف: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420هـ) – الناشر: المكتب الإسلامي، جـ2، صـ874.

[8] المجتبى من السنن = السنن الصغرى للنسائي – المؤلف: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: 303هـ) – تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة – الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب – الطبعة: الثانية، 1406 – 1986 – عدد الأجزاء: 9 (8 ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج ومذيل بأحكام الألباني، وهو متن مرتبط بشرح السيوطي والسندي]، جـ1، صـ 31.

[9] اختصرنا هذا الحديث قدر الإمكان، فالحديث قد بلغت عدد كلماته ما يزيد عن 1600 كلمة، فلعدم الإطالة اختصرناه، وعلى من يريد قراءته كاملا اتباع الرابط التالي: https://bit.ly/2XNvZcN.

[10] يمكن الاستزادة من هذه الروايات عبر الضغط هنا: https://bit.ly/2xBD9Sw .

[11] قال شُعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير سعيد بن الحويرث، فمن رجال مسلم. وأخرجه النسائي في “الكبرى” (6736) من طريق يحيى القطان، بهذا الإسناد.

[12] قال أحمد شاكر: إسناده صحيح، سعيد بن الحويرث المكي مولى آل السائب: تابعي ثقة، وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، وترجمه البخاري في الكبير 2/ 2 / 424. والحديث رواه مسلم 1: 111 من طريق ابن عيينة وغيره، وأشار في التهذيب 4: 11 إلى أنه رواه أيضاً الترمذي في الشمائل والنسائي، وأنه ليس لسعيد في الكتب الستة إلا هذا الحديث الواحد، قوله “لم أصل فأتوضأ” أي لا أريد الصلاة حتى أتوضأ لها، وضبطه النووي في شرح مسلم 4: 69 “لم” بكسر اللام، و”أصلي” بإثبات الياء في آخره، وقال: “وهو استفها م إنكار”.

[13] إسناده صحيح، وهو مختصر 1932.

[14] الكتاب: المحلى بالآثار – المؤلف: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: 456هـ) – الناشر: دار الفكر – بيروت، جـ1، صـ 223، 224. مما أحتج به وقال في مقدمة الكتاب: وَلْيَعْلَمْ مَنْ قَرَأَ كِتَابَنَا هَذَا أَنَّنَا لَمْ نَحْتَجَّ إلَّا بِخَبَرٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ مُسْنَدٍ وَلَا خَالَفْنَا إلَّا خَبَرًا ضَعِيفًا فَبَيَّنَّا ضَعْفَهُ، أَوْ مَنْسُوخًا فَأَوْضَحْنَا نَسْخَهُ.

[15] صحيح سنن أبي داود – الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: 1420 هـ) – الناشر: مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت – الطبعة: الأولى، 1423 هـ – 2002 م – جـ1، صـ110.

[16] المصدر السابق: جـ1، صـ115.

[17] المجتبى من السنن = السنن الصغرى للنسائي – المؤلف: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: 303هـ) – تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة – الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب – الطبعة: الثانية، 1406 – 1986 – عدد الأجزاء: 9 (8 ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج ومذيل بأحكام الألباني، وهو متن مرتبط بشرح السيوطي والسندي]، جـ1، صـ 174.

[18] المصدر السابق: جـ1، صـ 174.

 

رائحة المسيحيين الكريهة (لماذا المسيحيين لا يتطهرون) – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

بحث عن خلق الله الانسان على صورته ومثاله – خلق الله الإنسان على صورته ومثاله

بحث عن خلق الله الانسان على صورته ومثاله – خلق الله الإنسان على صورته ومثاله

بحث عن خلق الله الانسان على صورته ومثاله

بحث عن خلق الله الانسان على صورته ومثاله – خلق الله الإنسان على صورته ومثاله

وقال الله: “وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ. 27 فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ” (تك1: 26،27).

يسأل النقاد: ما معنى أن الإنسان خُلِق على صورة الله؟ وما هي صورة الله في الإنسان؟

ويتساءل ليوتاكسل بتهكم: “إن الله صنع الإنسان على صورته ومثاله”. إذاً ما الذي يميز التصوُّر اليهودي والمسيحي لله عن تصوُّر الديانات الأخرى له، الديانات التي “وصمتها” المسيحيًّة بالوثنية؟ فالرومان الذين أخذوا معتقداتهم من الإغريق، لم يتصوَّروا الآلهة إلَّا في صورة بشرية، الأمر الذي يرغمنا على القول: ليس الله هو الذي صنع الإنسان على صورته ومثاله، بل الإنسان هو الذي تخيل الآلهة على صورته ومثاله”.

وللإجابة على هذه الأسئلة أقول:

بكل تأكيد عندما قال الله: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا» لم يكن يقصد الصورة الخارجية لأننا نؤمن أن الله روح وليس جسد، غير محدود، أزلي أبدي، فنقرأ:

“اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا” (يو4: 24).

” أَمَا أَمْلأُ أَنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، يَقُولُ الرَّبُّ؟” (إر23: 24).

وقال عنه سليمان: “لأَنَّهُ هَلْ يَسْكُنُ اللهُ حَقًّا عَلَى الأَرْضِ؟ هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لاَ تَسَعُكَ” (1مل8: 27).

وقال استفانوس: “كَمَا يَقُولُ النَّبِيُّ: السَّمَاءُ كُرْسِيٌّ لِي، وَالأَرْضُ مَوْطِئٌ لِقَدَمَيَّ” (أع7: 48-49).

والسؤال: ما معنى أن الإنسان مخلوق على صورة الله؟ وما هي صورة الله في الإنسان؟

*عندما نقرأ قصة الخلق نجد أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي خُلِق على صورة الله. ونجد أن الله بعد أن خلق الكون وكل ما فيه، خلق الإنسان وأبدع في صنعه، وجعله تاجاً للخليقة وسيداً لها. ونجد الله عند خلق سائر المخلوقات كان يستخدم ضمير المفرد الغائب فيقول مثلاً: «لِيَكُنْ نُورٌ»، «لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ الْمِيَاهِ. وَلْيَكُنْ فَاصِلاً بَيْنَ مِيَاهٍ وَمِيَاهٍ»، «لِتَجْتَمِعِ الْمِيَاهُ …. وَلْتَظْهَرِ الْيَابِسَةُ»، «لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْبًا …»، «لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ .. » .. الخ.

أما عن خلق الإنسان فإنه استخدم ضمير المتكلم الجمع فقال: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا» (تك1: 26). وكأن الثالوث يتحاور في كيفية صنع الإنسان. بل ومن يقرأ بتدقيق يرى أنه في نهاية كل يوم يذكر الوحي “وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ”، ولكننا نقرأ في نهاية اليوم السادس بعد أن خلق الله الإنسان “وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا”.

*إن الكلمة العبرية ” صُورَتِنَا” هي (صَلم) وقد وردت في العهد القديم 17 مرة، وتعني (representative، resemblance) “يمثلنا، يعبر عنا، شبهنا، مثلنا”.

ولذلك ترد آيتنا في بعض الترجمات الإنجليزية كالتالي:

(CEB) “Let us make humanity in our image to resemble us.

وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإنسان على صُورَتِنَا ليمثلنا.

(MSG) “Let us make human beings in our image, make them reflecting our nature.

وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإنسان على صُورَتِنَا ليعكس طبيعتنا.

لذلك يقول القديس توما الأكويني عن صورة الله في الإنسان إنها القدرات الروحية في الإنسان، ومنها القدرة على التفكير، ويراها أوريجانوس النفس البشرية الخالدة، وهناك من يرى أنها القدرة على إقامة علاقات مع الله ومع الناس ومع الكائنات البشرية كلها. فالإنسان هو الكائن الوحيد من كل مخلوقات الله الذي له القدرة على إقامة العلاقات.

ولاشك أننا لا يمكن أن نحصر صورة الله في الإنسان في عدة صفات محددة، فالله غير محدود وصفاته غير محدودة ولاشك في أن الله وضع في الإنسان العقل المفكر والإرادة الحرة والضمير الحساس والقدرة على الإبداع والإبتكار، والقدرة على التعلم المستمر والتواصل مع الآخرين، والمشاعر والعواطف والأحاسيس… الخ.

*عندما نتأمل في كلمات الوحي: ” وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً” (تك2:7).

إن الفعل (وجَبَلَ) يعني صور أو شكل (formed) والفعل يشير إلى أمرين هما المهارة، والسلطان. فالله بمهارته الفائقة وسلطانه المُطلق صوّرنا وشكّلنا في أجمل صورة.

والفعل (نَفَخَ) (breathed) يعني قُبله تحمل معنى عطاء النفس والذات، وتدل على علاقة شخصية حارة، فالله أعطى نفسه للإنسان، أعطى حياته، وهذا يُذكّرنا بما جاء في (يو20: 22) بعد قيامة المسيح نفخ في التلاميذ وقال لهم اقبلوا الروح القدس، إنها النعمة الميية للخليقة الجديدة.

وكلمة (نَسَمَةَ) تعني العطية الإلهية التي تميز الإنسان عن الحيوان.

لقد قال المرنم عن الإنسان: “وَبِمَجْدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُهُ. 6 تُسَلِّطُهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ. جَعَلْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ: 7الْغَنَمَ وَالْبَقَرَ جَمِيعًا، وَبَهَائِمَ الْبَرِّ أَيْضًا، 8وَطُيُورَ السَّمَاءِ، وَسَمَكَ الْبَحْرِ السَّالِكَ فِي سُبُلِ الْمِيَاهِ” (مز8: 5-8).

وقال الرسول بولس: “لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ” (اف2: 10). وكلمة عمله في أصلها اليوناني تعني “مجده أو شِعرَهُ”، بمعنى نحن عمل رائع من إبداع الخالق. منظومة جميلة وليس مجرد عملاً عادياً، نحن لسنا مجرد أعداد في قطيعن وكننا أفراد متميزون عنده فهو يدعو خرافه الخاصة بأسماء، يقول لكل واحد منا: “دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ. أَنْتَ لِي” (إش43: 1). ولا يقول إله الآباء بل إله إبراهيم وإسحق ويعقوب.

أخيراً أقول:

  • الإنسان مخلوق على صورته أي لديه قدرة على التواصل، فنحن خُلقنا لنكون في شركة مع الله ذاته، ومع الآخرين.
  • الإنسان مخلوق على صورة الله أي يمكنه أن يعيش حياة القداسة، البر، والطهارة.

وهذا يتحقق من خلال قبولنا لعمل الله الفدائي في المسيح يسوع فنلبس الإنسان الجديد بدل الذي تشوه بسبب الخطية “وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ” (أف4:24).

  • الإنسان مخلوق على صورة الله لذا هو خالد وأبدي، هو الكائن الوحيد الذي لن تنتهي حياته بنهاية عمره على الأرض كباقي الخلائق ” فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ” (في3 :20). “جَعَلَ الأَبَدِيَّةَ فِي قَلْبِهِمِ” (جا3: 11).
  • الإنسان مخلوق على صورة الله أي له مشاعر وأحاسيس فهو يحب، ويفرح، ويحزن، ويغضب، ويتضايق، لذا يجب ألا ننكر مشاعرنا أن نكبتها، بل نعبر عنها، نروضها، ونضبطها أيضاً “وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ” (1كو9: 27).
  • الإنسان مخلوق على صورة الله اي له إرادة حرة والله ذاته يحترم ذلك ولا يرغمنا على شيء حتى عبادته أو تبعيته.
  • الإنسان مخلوق على صورة الله وهذا معناه إمتياز ومسؤولية فهو المخلوق الوحيد الذي كلفه الله برعاية باقي المخلوقات ” وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا” (تك2: 15)، كما أنه مسول أن يمجد الله على الأرض بأن يعكس صفاته وطبيعته ألا وهي الحب.

عزيزي القارئ: إن الحيوان ليس له دور يلعبه في هذا الكون، بينما الإنسان هو الذي يصنع الأحداث ويلعب الأدوار. الإنسان هو الذي جعل للذهب قيمة، وإن أراد يمكن أن ينزعها منها. فهو لا يحتل المكانة الأولى وسط الموجودات فقط بل هو الذي يمنحها المراتب والدرجات، وهو سيدها، والمتسلط عليها.

الإنسان أقام مزارع الدجاج والأغنام والأبقار وسمًنها ليذبحها وياكلها وهي جاهلة بذلك. ليس للكون قيمة بدون الإنسان. تخيّل أنك دخلت قرية أو مدينة بلا سكان سترتعب وتخاف إذ لا فرق بينها وبين الصحراء أو الغابات، أو المدافن.

في الكلمة الختامية لمجمع الفاتيكان الثاني التي ألقاها البابا بولس السادس قال: “نحن نؤمن بالإنسان”. ما أروع هذه العبارة!! هل تؤمن بنفسك وبقدراتك التي أودعها الله فيك؟ هل أنت تعكس صورته؟ هل أنت وكيل أمين على خليقته؟ هل تؤمن أن كل إنسان مخلوق على صورته؟ هل تتعامل مع كل إنسان باحترام شديد لنه مخلوق على صورة الله؟

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

بحث عن خلق الله الانسان على صورته ومثاله – خلق الله الإنسان على صورته ومثاله

الأمثال – أمثال المسيح – ما هي وما هي أنواعها وكيفية فهمها؟ – بحث مفصل

الأمثال – أمثال المسيح – ما هي وما هي أنواعها وكيفية فهمها؟ – بحث مفصل

الأمثال – أمثال المسيح – ما هي وما هي أنواعها وكيفية فهمها؟ – بحث مفصل

الأمثال – ما هو وما هي أنواعه وكيفية فهمه ؟ – بحث مفصل

المبدأ الإرشادي: قم بتفسير الأمثال بدقة بحسب المبادئ الخاصة التي يتطلبها هذا النوع من الأساليب الأدبية.

عندما صار الكلمة الأزلي بشراً، ظهر إعلان الله عن ذاته في كل من أعمال وأقوال يسوع المسيح. ومع ذلك كان من اللازم أن يتم تفسير أعماله بالكلمات – سواء كلماته هو أو كلمات الأشخاص الذين اختارهم لكي يتحدثوا عنه، أي الرسل. لذلك فإن تواصل المسيح اللفظي مع الناس هو أمر جوهري لفهم الله وحقه. وقد اختار المسيح أن يكون الكثير من تواصله اللفظي مع الناس عن طريق الأمثال. ولذلك فإنه من الأهمية بمكان أن نفهم هذا النوع الخاص من الصيغ الأدبية.

المثل هو قصة قصيرة من قصص الحياة الواقعية، وهو مصمم لتعليم حقيقة ما أو للإجابة على سؤال معين. وفي تعاليم يسوع، كان للمثل هدف إضافي، فقد أخبرنا، كان رأينا، أنه من إحدى أهدافه إخفاء الحق عن الأشخاص غير المتجاوبين، بينما جعله واضحاً للمستجيبين. وقد لاحظنا في الفصل الأخير أن المثل هو جزء من صيغة أدبية مميزة تسمى “تشبيه المقارنة”. وهو يشبه الاستعارة، لأن المقارنة عادة ما تكون ضمنية أكثر مما تكون مذكورة بوضوح.

ولا بد أن نقوم بالتمييز بين المثل والحدث التاريخي. فكثيراً ما تستخدم الأحداث التاريخية كشرح توضيحي، لكن المثل هو صياغة في صورة قصة تهدف خصيصاً إلى تعليم حق معين. ورغم أن المثل، تعريفياً، ليس تسجيلاً لحدث تاريخي، ولكنه لكي يكون مثلاً لا بد وأن ينطبق على الحياة الواقعية. لذلك فالمثل يختلف عن تشبيهات المقارنة الأخرى، مثل المجاز والرموز النبوية، التي قد تنطبق على الحياة أو لا تنطبق عليها.

سوف نقوم هنا باستكشاف ستة إرشادات أساسية لفهم الأمثال، وهي: ابدأ بالسياق المباشر القريب، تعرف على الهدف المحوري، حدد التفاصيل غير ذات الصلة بالموضوع، حدد التفاصيل ذات الصلة بالموضوع، قارن بين المقاطع المتشابهة والمتضادة، وابن العقيدة أو التعليم على مقاطع حرفية واضحة.

 

ابدأ بالسياق المباشر

في مثل الابن الضال (لوق 15: 11-32)، ترى من هو الشخصية الرئيسية؟ ما الأمر الذي تعتبره هو الهدف الأساسي من القصة؟ بالتأكيد يشير العنوان الذي أعطيناه للمثل إلى الشخصية الرئيسية في نظر معظم المسيحيين. لكن هناك من يعتبرون أن الأب هو الشخصية الرئيسية. لكن هذا المقطع يستخدم عادة لتوصيل تلك الرسالة التبشيرية: أنه مهما كان بعدك و ضلالك، ارجع إلى بيت أبيك السماوي، وهو سوف يقبلك.

لكن هل هذا هو الغرض الذي كان في ذهن يسوع في الأصل عندما روى هذا المثل؟ أول وأهم مبدأ إرشادي لفهم الأمثال هو فحص السياق المباشر. فعادة ما يوجد في المثل عنصران جوهريان في السياق، وهما: المناسبة التي قيل فيها المثل، وتفسير معناه.

 

المناسبة التي قيل فيها المثل

كل الأمثال تقريباً لها مناسبة تاريخية واضحة هي التي أدت إلى رواية القصة. وعلى الرغم أنه قد يكون من المقبول أن نطبق مثل الابن الضال (لو 15) بطريقة تبشيرية، إلا أن الموقف الذي كان يسوع يتحدث بشأنه في الأساس يشير بوضوح تام إلى هدف آخر. كان يسوع يتحدث إلى أشخاص متدينين اعترضوا على قبوله السريع والمرحب بالخطاة. لذلك يمكن للمرء أن يستنتج أن الشخصية الرئيسية في القصة هي الابن الأكبر.

بالتأكيد كان الفريسيون الذين يمثلون “الأخ الأكبر”، هم الذين يخاطبهم يسوع بالمثل. والحقيقة أن الهدف من القصة كان هو التضاد بين الأخ الأكبر والأب المحب الغفور كما يتمثل في يسوع نفسه. ويكون سياق المثل في تلك الحالة، كما في كل حالة، له أهمية أساسية في اكتشاف المناسبة والتعرف على الهدف من المثل.

في بعض الأحيان يتم تفسير معنى المثل في شكل تطبيق. ونجد مثل هذا التطبيق في متى 24: 44، “لذلك كونوا أنتم مستعدين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان”. وفي متى 25: 13، “فاسهروا إذاً لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التي يأتي فيها ابن الإنسان”.

إلا أنه ليست كل الأمثال يكون هناك تفسيرات لمعناها. لكن عندما يقوم يسوع بتفسير معناها أو عمل تطبيق لها، يكون هذا هو العامل المتحكم في التفسير. فيجب عندنا ألا نقحم معان أخرى على المثل.

 

التعرف على الهدف المحوري

بعد مثل الابن مباشرة، يسجل لوقا المثل الخاص بوكيل الظلم في لوقا 16: 1-15. من الواضح في هذا المقطع أن الخلفية يتم وصفها قبل وبعد المثل، مصحوبة بتفسير للمثل نفسه. فما هو الهدف من المثل؟ حيث أنه يقال عن يسوع في نهاية مثل الابن الضال، “وقال أيضاً لتلاميذه”، يمكن أن يظهر أن لوقا كان يقصد ربط تلك القصة بالمواجهة التي قام بها مع الفريسيين في المثل السابق.

ويتضح هذا الأمر أكثر في نهاية الرواية، حيث يكتب لوقا، “وكان الفريسيون أيضاً يسمعون هذا كله وهم محبون للمال فاستهزأوا به” (ع 14). لذلك فالمواجهة مع الفريسيين لا تزال مستمرة، لكن ما هو الهدف؟ هل كان يعلم الناس أن يغشوا؟ هل كان يعلم تلاميذه أن يستغلوا الآخرين؟ لقد اجتهد كينيث تيلور في تفسير هذا القسم، ثم توصل إلى استنتاج الترجمة التالية:

“لكن ترى هل أقول لكم أن تنصرفوا بهذه الطريقة، أن تشتروا الصداقة عن طريق الخداع؟ هل هذا يضمن لكم الدخول إلى البيت الأبدي في السماوات؟ كلا! لأنه إن لم تكونوا أمناء في الأمور الصغيرة، فلن تكونوا في الأمور الأكبر. ولو غششتم ولو قليلاً، فلن تكونوا أمناء في المسؤوليات الأعظم”. (لوقا 16: 9-10، TLB).

لقد قام المترجم هنا بتفسير المقطع ليعني عكس تماماً ما يبدو أن المقطع يقوله. هذا المقطع بلا شك مثير للارتباك بالنسبة للكثيرين. لذلك فإن التعرف على الهدف المحوري الذي يقصده التركيز عليه هو أمر أساسي في هذه الحالة ويقود المرء إلى الحل سريعاً. والهدف المحوري من هذا المثل واضح، لأن المسيح شرحه بوضوح في السياق. فهدف المثل ليس له علاقة بموضوع الخداع أو الغش.

ففي هذا المثل، لم يتم مدح وكيل الظلم بسبب خداعه، بل لقد تم مدحه لأنه “بحكمة فعل” بمعنى أنه استخدم موارده الحالية في التخطيط لأجل المستقبل، وهذه تعتبر حكمة. واستكمل يسوع بالشرح أن تلاميذه عليهم أن يستغلوا مواردهم الحالية للتخطيط للمستقبل “أبناء النور” في الحقيقة لم يقوموا بذلك، ولهذا السبب لم يكونوا حكماء. فقد كانوا يستخدمون مواردهم المادية الحالية لكي يعيشوا بها فقط، بينما كان يجب عليهم أن يستخدموها بحكمة للإعداد للبركات الأبدية في السماء. إذاً فإن يسوع يفسر بالتفصيل لماذا يجب مدح هذا الوكيل الحكيم.

إن الهدف المحوري هو السمة الرئيسية التي تميز المثل عن القصة الرمزية. ففي القصة الرمزية يقصد أن يكون هناك عدد من التشابهات المهمة بين القصة وحق روحي معين. أما في حالة المثل، فليس من المشروع ان نتعامل مع كل واحد من التفاصيل باعتبار أن له تطبيق روحي.

 

التعرف على التفاصيل غير ذات الصلة بالموضوع

تحوي الأمثال العديد من التفاصيل التي لا يقصد منها تعليم حقائق روحية على الإطلاق، إذ ليست لها أهمية روحية. هذه التفاصيل يجب التعرف عليها ووضعها جانباً. فإن أية محاولة لتفسيرها يمكن أن تضلل الإنسان وتبعده عن المعنى الذي كان يقصده المسيح.

“ومن منكم له عبد يحرث أو يرعى يقول له إذا دخل من الحقل تقدم سريعاً واتكئ، بل ألا يقول له أعدد ما أتعشى به وتمنطق واخدمني حتى آكل وأشرب وبعد ذلك تأكل وتشرب أنت. فهل لذلك العبد فضل لأنه فعل ما أمر به. لا أظن” (لو 17: 7-9).

لو أنك رأيت هذه القصة يتم تصويرها في التليفزيون فكيف ستشعر بشأنها؟ هل كان المسيح هنا يقدس العبودية؟ هل كان يقوم بإرساء مبادئ العلاقة بين العامل ومديره؟ هل كان يعلم عن مواصفات السلوك الطيب والعطوف والمهذب؟ كلا، ليس لأي من هذه المفاهيم أهمية في المعنى المقصود من المثل. لقد قام المسيح بإنشاء قصة تتفق مع الحياة الواقعية في زمنه لكي يوضح هدفاً واحداً بعينه.

بفحص السياق سنجد أن المسيح كان يعلم التلاميذ عن توبيخ الأخر الذي يخطئ والغفران له عندما يتوب. فالهدف من القصة هو أننا لا نستحق الفضل أو المدح عندما نقوم بعمل الصواب. لذلك فإن هذه التفاصيل الأخرى لا علاقة بها بهذا الهدف المحوري، ويجب وضعها جانباً.

 

 التعرف على التفاصيل ذات الصلة بالموضوع

التفاصيل ذات الصفة بالموضوع هي تلك المقصود بها أن تعلم حقيقة ما، ولذلك يكون من المشروع تفسيرها وتطبيقها. لكن كيف يمكن للمرء أن يعرف أية تفاصيل هي التي لها صلة بالموضوع وأي منها ليست له صلة بالموضوع؟ التفاصيل ذات الصلة بالموضوع هي التي تدعم دائماً الهدف المحوري.

ففي مثل الاين الضال، حقيقة أن الأب بقي في البيت، ولم يذهب للبحث عن ابنه، هي أمر ليس له علاقة بالموضوع. فيسوع لم يكن يعلن أن الأب لا يسعى لعودة الخطاة، لأنه قد أوضح عكس ذلك الأمر بالفعل في المثلين السابقين، الذي فيها قامت الأرملة بالبحث عن الدرهم المفقود، وذهب الراعي للبحث عن خروفه الضال. لكن إسراع الأب لملاقاة ابنه هو أمر له علاقة بالموضوع، ولذلك فإن له أهمية روحية.

كيف نعرف ذلك؟ لأنه يدعم الهدف المحوري، الذي كان يعبر عن إظهار ما في قلب الأب. وحقيقة أنه كان ينتظر الابن بشوق، وأنه لاقاه بفرح وقبول هو واحد من التفاصيل المهمة كذلك. عندما نفكر في هذا المبدأ الإرشادي، قد يكون من المفيد أن نقارن بين منهج الأمثال والأحداث التاريخية من ناحية، وبين الأمثال والاستعارات من ناحية أخرى.

 

الأمثال والأحداث التاريخية

هناك اختلاف كبير ما إذا كانت قصة الغني ولعازر (لو 16: 19-31) هي تسجيل لحدث تاريخي أم مثل. يعتقد البعض أن تاريخية القصة يجب الحفاظ عليها، خشية أن يضعف الحق الخاص بالجحيم والعقاب الأبدي نوعاً ما. لكن هذا معناه إساءة تفسير اللغة المجازية عامة والأمثال على وجه الخصوص. فالحق الذي يتم توصيله من خلال مثل ما هو في مثل حقيقة وأهمية الحق الذي يتم توصيله من خلال الصيغ الأدبية الأخرى.

ومع ذلك فمن المهم أن نميز بين الأحداث التاريخية والأمثال، لأن الإرشادات التي تستخدم لتفسير كل منها تختلف عن الأخرى. كما أن تطبيق القصة سيختلف في حالة الرواية التاريخية، وذلك لأن كل عبارة حرفية هي حقيقة ويجب قبولها باعتبارها هكذا، كما أن لها أهمية مستقلة عن كل الحقائق الأخرى في القصة. لكن هذا ليس معناه ان كل حقيقة لها أهمية روحية أو يمكن تطبيقها على الظروف الحالية. فالمؤلف الكتابي أو الرب يسوع نفسه قد يستخدم الحدث التاريخي كشرح توضيحي، ويقوم بتحديد التطبيقات المناسبة له.

فلو كانت قصة الغني ولعازر حدث تاريخي، يكون لكل التفاصيل فيها معنى. مثلاً، إن الأشخاص الذين في السماء، على الأقل في بعض الأحيان، يعرفون حالة الناس الذين في الجحيم ويستطيعون أن يتواصلوا معهم. هذا الفعل له معنى لاهوتي عميق. ومن ناحية أخرى، حقيقة أن هناك رجل غني وآخر فقير قد لا يكون لها أي معنى روحي أو لاهوتي.

إنها مجر حقيقة تاريخية أن الرجل الغني يتعذب في الجحيم والفقير الذي كان يستعطي ذهب إلى السماء. لكن بالطبع، إذا كنت تعتقد أن كل الأغنياء يذهبون إلى السماء، كما كان الكثيرون يؤمنون بذلك بالفعل، فإن حقيقة أن واحداً فقط ذهب إلى الجحيم يكون لها أهمية عظمى.

من ناحية أخرى، إذا كانت القصة مثلاً، فإن حقيقة أن هناك رجل غني وآخر شحاذ هي بلا شك من التفاصيل المهمة. لقد تم رواية هذه القصة بعد مواجهة الفريسيين مع المسيح مباشرة حور موضوع محبتهم للمال، والسلوك غير الحكيم بأن ينفق المرء موارده الحالية دون التفكير في الأبدية. ففي هذا السياق، يقول المسيح شيئاً إضافياً عن الثروة والإعداد للمستقبل. وهكذا، فباعتباره مثلاً، يكون للتفاصيل الخاصة بالثروة والفقر معنى معيناً.

كل من الروايات التاريخية والأمثال يمكن أن يحوي تعبيرات مجازية وأيضاً حرفية. فمثلاً، سواء تم اعتبار القصة السابقة حدث تاريخي أو مثل، فإن وجود لعازر في حضن إبراهيم ليس من الضروري أن يفهم باعتباره وضعاً جسدياً يصرخ فيه عبر الهوة التي تفصل بينه وبين الغني. في كلتا الحالتين يمكن أن يكون هذا تعبير مجازي عن “مكان المباركين”.

أما السؤال الخاص بما إذا كان أي من التفاصيل له أهمية روحية أو لاهوتية فهو أمر سيتم تقريره على أسس مختلفة، بحسب ما إذا كانت القصة تاريخاً يتم استخدامه للتوضيح أو أنه تمت صياغتها لتعليم حق معين. قد يكون من المفيد أن نذكر كل التعاليم المتعلقة بالجحيم التي يمكن أن نتعلمها من هذا المقطع لو كان مثلاً، وكل التعاليم عن الجحيم التي يمكن أن نتعلمها لو كانت القصة حدثاً تاريخياً. لكننا سنكون متيقنين بشأن العديد من التفاصيل الأخرى عن الوضع في الجحيم لو كانت هذه القصة حدثاً تاريخياً.

والآن، هل قصة الغني ولعازر مثل أم رواية تاريخية؟ يبدو أنها تحمل سمات المثل. فالعدد الأول من لوقا 16، يقول، “وقال أيضاً لتلاميذه كان إنسان غني”. ثم تبعها بقصة وكيل الظلم وفي عدد 19 يقول مرة أخرى، “كان إنسان غني” وتبعه قصة الغني وهو في الجحيم ولعازر وهو في “حضن إبراهيم” يجادل البعض بأن ذكر اسم لعازر أمر لا ينطبق على المثل.

لكنه افتراض غريب بالحق أن نعتقد أن المثل لا يمكن أن يحتوي على أسماء للشخصيات، إذ أن المثل هو قصة تم بناؤها بصورة متعمدة، كما أنها تشبه الحياة اليومية، لذلك فإن الشخص الذي يرويها له كل الحرية في أن يستخدم أية عناصر يجدها ضرورية لتوضيح هدفه. وفي هذه الحالة، فإن اسم لعازر الذي يعني “الذي يساعده الله”، ربما يكون واحداً من تلك التفاصيل التي تدعم التعليم الأساسي. (ستتم دراسة الإرشادات الخاصة بتطبيق الأحداث التاريخية على المواقف المعاصرة في الفصل 20).

على أية حال، من المهم أن نلاحظ أن تفسير القصة كمثل يجب ألا يضعف من معناها. فالمثل ليس خرافة أو قصة أسطورية، بل هو قصة مشابهة لما يحدث في الحياة الواقعية يتم بناؤها لتعليم حق كامل. في هذا الحالة، ربما يكون الحق هو استكمال للحق الموجود في الجزء الأول من الأصحاح، بأن المرء يجب أن يستغل موارده الحالية لكي يكون مستعداً للمستقبل وأنه إن لم يفعل ذلك، فإنه سيعاني بالفعل من الضياع الأبدي.

 

الأمثال والاستعارات

يمكن للأمثال والمجاز أو الاستعارة أن تتداخل معاً (انظر الرسم في الفصل 11)، من حيث أن كل منهما تم تصميمه لكي يعلم حقيقة روحية، عن طريق مقارنة شيء ما بحقيقة روحية. لكن على الرغم من تداخلهما، فإنهما يختلفان من ناحيتين:

1 – المثل يكون واقعياً، ولكن المجاز قد لا يكون كذلك. ففي المجاز، يمكن للمسيح أن يكون باباً أو كرمة؛ ويمكن للمؤمنين أن يكونوا خرافاً أو أغصاناً.

2 – رغم أن كلاً منهما قد يكون له موضوع أو هدف محوري، فإن المثل يتم صياغته للتركيز على هدف أساسي واحد، بينما تقوم الاستعارة غالباً بتعليم العديد من الحقائق المرتبطة أو حتى غير المرتبطة بها.

عندما يتضح التمييز بين المثل والاستعارة، من المهم أن نتبع الإرشادات المختلفة لتفسير كل منهما. نجد في متى 13: 1-23 وفي مرقص 4: 1-20، المثل الذي قدمه المسيح عن أربعة أنواع من التربة (مثل الزارع). وهو يطلق عليه مثل، ولكنه لا يتفق مع استخدامنا الفني لمصطلح المثل، ويمكن أن يكون استعارة. الحقيقة أنه في تفسير المسيح للأربعة أنواع من التربة يقوم بعمل تطبيق روحي على كل نقطة في القصة تقريباً.

فالبذور هي الكتاب المقدس، والطيور هي الشيطان، والتربة المحجرة هي القلب الحجري. لكن كيف يمكننا أن نتأكد من ذلك؟ لأن يسوع نفسه قام بتفسير القصة بهذه الطريقة. ومع ذلك فإن السياق الذي يتبع يشير بوضوح إلى موضوع واحد: بأن خلاصة حياة الإنسان تعتمد على استجابته لكلمة الله. هناك الكثير من التفاصيل التي يتم تصميمها عن عمد لتدعيم تلك الرسالة المحورية.

ورغم أن العديد من تفاصيل القصة لها أهمية روحية، إلا أن ذلك لا يعني أن جميعها له تلك الأهمية. فعندما نستخدم الاستعارة أو المثل بهذه الطريقة، فإننا نسيء استغلالها وتفسيرها. فعلى سبيل المثال، يقول أحد المفسرين عن مثل الزارع:

هل تعلمون أن حوالي 25٪ فقط هم الذين سيحصلون عليها؟ لكن يحصلون عل ماذا؟ على السماء… لكن 25٪ من ماذا؟ من أولئك الذين يسمعون بشارة الإنجيل، الأخبار السارة بموت يسوع عن الخطاة، ودفنه، وقيامته من القبر. فقط 25٪ منهم سيذهبون للسماء. نعم، هذه هي الحقيقة، بحسب ما ورد في مثل الزارع وأنواع التربة. ارجعوا لكتبكم المقدسة وتأكدوا من هذا الأمر.[1]

لكن لا توجد أية إشارة في المثل أو في تفسيره على أنه تم التنبؤ بنسبة الاستجابة، لكن فقط بأن هناك استجابات مختلفة يمكن توقعها. لذلك يجب أن يكون السياق هو المتحكم في المعنى، لأنه لا توجد تقريباً أية حدود للتفسيرات الخيالية، إذا تركنا الأمر لخيال المفسر الجامح.

في حالة الاستعارة شديدة الوضوح، يكون من المناسب أن نستنتج العديد من التشابهات بين نقاط الاستعارة. فمثلاً، استعارة الراعي الصالح (يوحنا 10) مبنية بهدف أن يكون هناك العديد من نقاط المشابهة. فالراعي، والسارق، والأجير، والذئب – يمكن أن يتم تشخيصهم جميعاً والتعرف عليهم في الحياة المعاصر. والعلاقة الموصوفة بين الراعي والخراف يمكن تطبيقها بالكامل على استجابة كل من المؤمن وغير المؤمن لدعوة الله اليوم. وكل من التفاصيل تقريباً يكون له معنى. هذه هي الطريقة التي يتم بها فهم الاستعارة.

 

المقارنة بين المقاطع المتشابهة والأخرى المتعارضة.

هذا المبدأ الإرشادي العام سوف نقوم بدراسته فيما بعد، لكن المقارنة بين المقاطع المتشابهة والمتعارضة هو أمر مفيد أيضاً في دراسة الأمثال. بعض الأمثال تكون مشابهة لبعضها البعض بحيث يمكن مقارنتها معاً.

يحوي لوقا 19: 11-23 مثل الإمناء: إنسان شريف، إذ يسافر إلى بلد بعيد، يعطي لكل من عبيده العشرة نفس كمية النقود، ثم يكافئهم بنسب مختلفة عند عودته، عندما يكتشف أن بعضهم قد ربح أكثر من الآخرين. كما أن متى 25: 14-30، من ناحية أخرى، يحكي عن مثل الوزنات الذي فيه يتسلم ثلاثة عبيد كميات مختلفة من المال. أما المكافآت بحسب سير المثل، فلا تختلف إلا بالنسبة للعبد الذي لم يكن أميناً، وكما حدث في المثل الأول، كان الحكم عليه قاسياً.

نجد تعاليم أخرى خاصة بالعبيد والاستعداد لمجيء الرب في متى 24: 45-51، والتي فيها يتم التضاد بين العبيد الأمين المستعد وبين العبد الذي كان يظن أن سيده سيبطئ في مجيئه، فلم يكن أميناً. نفس هذا التعليم يتم تقديمه بتفاصيل أكثر في لوقا 12: 35-48، حيث الوكيل الأمين الذي استعد يتناقض مع العبد الذي لم يستعد وكان بالفعل غير أمين.

وهكذا يظهر موضوع محوري في المقارنة بين الأمثال الأربعة، وهو: كن مستعداً. لكن كلاً من هذه الأمثال يعلم حقائق مختلفة أيضاً. فمثلاً، يعلم مثل الأمناء أن الشخص الذي له أمانة عظيمة سوف يُعطى مسؤولية أكبر. وهناك مكافآت مختلفة لدرجات الأمانة المتباينة. أما قصة الوزنات فتؤكد لنا أن المكافأة لا تعتمد على قدر النجاح وذلك بسبب قدراتنا المختلفة. وهناك مثل خامس عن العاملين في الكرم (متى 20: 1-16)، والذي يؤكد لنا أن الرب يكافئ بالحياة الأبدية كل من يأتون إليه، سواء أتو إليه مبكراً أو في أواخر حياتهم.

 

المبدأ الأساسي لدراسة المقاطع الحرفية الواضحة

يمكن أن يسهم المثل في فهم المبدأ الكتابي؛ ولكن المبدأ الكتابي يجب أن يبنى على مقاطع حرفية واضحة. وعندما يتم تفسير مثل ما، يمكن أن يتم استخدامه بصورة مشروعة كأي مقطع كتابي حرفي واضح في تأسيس المبدأ والتعليم الكتابي. لكن بصفة عامة، لا تعتبر اللغة المجازية هي أفضل عنصر لبناء المبدأ التعليمي.

على سبيل المثال، سيكون من الخطأ أن نأخذ مثل الحنطة والزوان (متى 13: 24-30)، والذي فيه تلقى العبيد في الحقل تعليمات بأن يدعوا الحنطة تنمو مع الزوان حتى الحصاد، ونستنتج منه أن التأديب الكنسي خاطئ. وهذا لأن مبدأ التأديب الكنسي لا بد أن يبنى على تعاليم أخرى من الكتاب المقدس. لكن الأمر الصحيح هو أن المسيح فسر هذا المثل وأوضح أنه في يوم الدينونة سيكون هناك فصل عظيم بين الأبرار (الحنطة) وفاعلي الإثم (الزوان)، الأعداد 40-43.

كما أن المسيح في تفسيره للمثل أوضح كذلك أن الحقل هو العالم (ع 38)، وليس الكنيسة. على أية حال، لا المثل نفسه ولا تفسيره، يقدم أي تعليم مباشر عن الموضوع من الذي يجب أن يعتمد، أو ما إذا كان يجب أن يكون هناك تأديب لمن يخطئون في الكنيسة.

إنه لخطأ فاحش أن نستخدم المثل، كما يفعل الكثيرون، لكي نعلم أن كل من يرغب في المعمودية يجب أن يعمد دون تمييز، وأنه يجب ألا تبذل أية محاولة لتقييم من يتقدمون لعضوية الكنيسة، أو لتأديب من يخطئون في الكنيسة، مهما كانت خطاياهم خطيرة. لكن المسيح علم بدلاً من ذلك أن هناك أناس صالحون وأناس أشرار في العالم، وأنه في يوم الدينونة الأخيرة سوف يتم تصفية كل الحسابات.

 

دراسة حالة

دعونا نأخذ المثل الموجود في لوقا 11: 5-13، ونطبق عليه الإرشادات الستة التي درسناها:

“ثم قال لهم من منكم يكون له صديق ويمضي إليه نصف الليل ويقول له يا صديقي أقرضني ثلاثة أرغفة لأن صديقاً لي جاءني من سفر وليس لي ما أقدم له فيجيب ذلك من داخل ويقول لا تزعجني البال مغلق الآن وأولادي معي في الفراش لا أقدر أن أقوم وأعطيك. أقول لكن وإن كان لا يقوم ويعطيه لكونه صديقه فإنه من أجل لجاجته يقوم ويعطيه قدر ما يحتاج” (لوقا 11: 5-8).

 

البدء بالسياق المباشر

كان المسيح قد علم التلاميذ للتو نموذجاً للصلاة رداً على طلبهم. والأكثر من ذلك، في الآيات التي تلي المثل مباشرة، قدم يسوع تفسيراً لمعناه: “وأنا أقول لكم أسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يفتح لكم. لأن كل من يسأل يأخذ. ومن يطلب يجد. ومن يقرع يفتح له” (لو 11: 9-10).

في حالة هذا المثل، توجد فرصة لرواية القصة وشرح معناها.

 

التعرف على الهدف المحوري

إن فحص القصة بجانب التفسير، يكشف عن أنها رويت لكي تعلم أن الله يستجيب الصلاة، خاصة الصلاة التي تكون بلجاجة. فالشخص الذي يستمر ويثابر على الطلب هو الشخص الذي سيأخذ، والشخص الذي يستمر في السعي هو الذي سيجد. (لاحظ أن زمن الفعل له أهمية في فهم هذا المقطع المحدد: “Keep on asking” أي في الزمن المستمر، وهذا هو زمن الفعل في اليونانية، وليس الزمن البسيط الذي فيه يتم الطلب مرة واحدة فقط.)

 

تحديد التفاصيل غير ذات الصلة بالموضوع

رغم أن الصديق لم يستجب في البداية، بسبب أمور شخصية أنانية، إلا أن هذا لا يكشف عن شيء يتعلق بالله أو باستجابته لنا. وتوجد تفاصيل أخرى أيضاً غير ذات صلة بالموضوع، مثل حقيقة أن هذا الطلب قد تم في منتصف الليل، وأن الصديق طلب ثلاثة أرغفة وليس أربعة؛ وأن هذا الخبز كان لأجل شخص آخر غيره. هناك الكثير مما يقال عن هذه النقاط، ولكنها ببساطة تم إدراجها كجزء من القصة لاستكمال حبكتها.

تحديد التفاصيل ذات الصلة بالموضوع

من ناحية أخرى، توجد حقائق أساسية. فاستمرار الجار في الطلب هو في الحقيقة جوهر القصة. فلن يفيد أن نطلب من الله ببساطة أمراً ما مرة واحدة فقط، ونترك الأمر بعد ذلك، أو أن نعلم أننا يجب ألا نكرر الطلبة أمام الله. إن تفسير المثل يوضح أننا يجب أن نلح ونستمر في طلب الله لتسديد احتياجاتنا.

 

مقارنة المثل مع المقاطع المشابهة والأخرى المناقضة

يوجد مقطعان يمكن مقارنتهما بهذا المثل، سواء من ناحية التشابه او الاختلاف. فحيث أن خلفية هذا المثل هو طلب التلاميذ من المسيح أن يعلمهم الصلاة، ورده عليهم كان بنموذج للصلاة (11: 1-4)، فمن الطبيعي جداً أن نقارن هذا المقطع بمتى 6: 7-15، الذي يقدم الصيغة الأكثر شيوعاً للصلاة الربانية. ففي متى، علمهم يسوع أن يصلوا هكذا، بدلاً من تكرار الكلام باطلاً. وهكذا بمقارنة المقطعين معاً، نركز على حقائق يكمل بعضها البعض.

فالصلاة بإلحاح ومثابرة ليس معناها التكرار الباطل لنفس الطلبة. ومن ناحية أخرى، رغم أن التكرار الباطل محظور، فهذا لا يعني أن الشخص يجب ألا يصلي بلجاجة. وهكذا يقوم المقطعان بتفسير أحدهما الآخر.

بعد تفسير المسيح لمثل الثلاثة أرغفة، قدم أيضاً شرحاً آخر للمثل:

“فمن منكم وهو أب يسأله ابنه خبزاً أفيعطيه حجراً. أو سمكة أفيعطيه حية بدل السمكة. أو إذا سأله بيضة أفيعطيه عقرباً. فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه” (لو 11: 11-13).

نجد هنا حقيقة إضافية تقدم لنا بخصوص الصلاة. فمثلاً لو أن القارئ قد استنتج من قصة الأرغفة الثلاثة أن الله يسمع بامتعاض لصلوات أبنائه، فإن هذا التعليم الإضافي سوف يضع حداً بسرعة لسوء التفسير هذا. والأمر المهم هو أن الشيء الوحيد الذي نحتاجه أكثر من أي شيء آخر يتم تعريفه ليس هو خبز الجسد، بل هو شخص الله الروح القدس نفسه، وهذا هو أكثر ما يبعث على الاطمئنان.

 

بناء المبدأ على مقاطع واضحة

بالنظر إلى السياق ومقارنته بالمقاطع الأخرى، نجد أن التعليم الذي يقدمه هذا المثل له مكانته في المبدأ التعليمي العام للصلاة. ففيه يتم تعليم العديد من العناصر المفتاحية للتعليم الخاص بالصلاة. وكما رأينا، سيكون من الخطأ أن نبني تعليماً عن الصلاة على قصة الأرغفة الثلاثة. ولكن الحقيقة المركزية في المثل هي عنصر مشروع يمكن إدراجه مع غيره من التعاليم الكتابية في بناء التعليم الكتابي عن الصلاة، وهي، استمر في الصلاة وسوف يستجيب الله.

 

ملخص

كانت الأمثال دائماً مصدراً لبركات لا توصف في تنوير شعب الله بالحقائق الروحية. وفي نفس الوقت، كانت الأمثال أيضاً مصدراً لارتباك لا يوصف في كل من العقيدة والممارسة والتطبيق في الكنيسة. ويجب ألا يدهشنا هذا الأمر، حيث أن المسيح نفسه أخبرنا أن الأمثال ستقوم بكل من التنوير والإرباك لسامعيها. لذلك فإن المطلب الأول لفهم معنى الأمثال، هو بالطبع أن يكون الشخص منتمياً ليسوع المسيح وملكاً له، وأن تكون لديه استنارة الروح القدس في ذهنه المتجدد.

ومع ذلك، فإن هذا بمفرده لن يضمن الفهم الواضح والتفسير الدقيق للأمثال، كما يشهد بذلك تاريخ التفسير. لذلك فإن المبادئ الإرشادية البسيطة التي حددناها هنا ستفيد الدارس الجاد للكتاب المقدس في استخدام الأمثال بطريقة سليمة وفعالة.

 

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

– بلومبرج، كريج إل. Interpreting the Parables. Downers Grove, III. InterVarsity، 1989.

– كابون، روبرت فارار. The Parables of Grace, Grand Rapids: Eerdmans,،  1988.

– _______ The Parables of the Kingdom. Grand Rapids: Eerdmans. 1985.

– _______ The Parables of Judgment. Grand Rapids: Eerdmans 1986.

– جيريمياز، جوشيم. The Parables of Jusus، طبعة ثانية. London: SCM، 1963.

– كيسترماكر، سيمون. The Parables of Jesus. Grand Rapids: Baker، 1980.

كيسنجر، وارين إس. The Parables of Jesus: Metuchen, N. J.: A History of Interpretation and Bibliography, Scarecrow، 1979.

– لوكير، هيربرت. All the Parables of the Bible. Grand Rapids: Zondrvan، 1963.

– ماكويلكين، روبرت سي. Studying Our Lord’s Parables. طبعة ثانية 1935. Grand Rapids: Zondervan، 1980.

– بنتيكوست، جي داويت. The Parables of Jesus. Grand Rapids: Zondervan، 1982.

– ترينش، ريتشارد سي. Notes on the Parables of Our Lord. 1861 طبعة ثانية. Grand Rapids: Baker، 1979.

– وينهام، ديفيد. The Parables of Jesus. Downers Grove, InterVarsity، 1989.

[1] أرني ميفز، Only 25% Will Make It, Come, نوفمبر – ديسمبر 1975، صفحة 5.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

الأمثال – ما هو وما هي أنواعه وكيفية فهمه ؟ – بحث مفصل

هل لحم الخنزير حرام / حلال في المسيحية؟ – لحم الخنزير في المسيحية

هل لحم الخنزير حرام / حلال في المسيحية؟ – لحم الخنزير في المسيحية

هل يحلل المسيحيون أكل لحم الخنزير هل لحم الخنزير حرام / حلال في المسيحية؟

هل يحلل المسيحيون أكل لحم الخنزير مع العلم أن الخنزير من الحيوانات النجسة ولحمة مضر بالصحة ويقال أنه يسبب الأمراض؟

هل لحم الخنزير حرام في المسيحية؟

للإجابة على هذا السؤال، تجدر الإشارة أولاً إلى أن الخنزير كان يعتبر من الحيوانات النجسة في العهد القديم، أي في الفترة التي سبقت مجيء المسيح، وكان أكله محرماً من قبل اليهود كما أن الجمل والوبر (وهو حيوان يشبه الأرنب البري) والأرنب أيضاً، كانت تعتبر من الحيوانات النجسة المحرم أكلها بالنسبة للناس في العهد القديم.

وكانت هذه الحيوانات، أي الخنزير والجمل والأرنب الوبر، تعتبر مع عدد من الطيور والأسماك نجسة لا يجوز أكلها، ولا يجوز لمس جثثها، لأن الذي يلمسها يتنجس. وقد ورد ذلك ضمن شريعة العهد القديم. التي كانت تحلل أكل بعض اللحوم، وتحرم البعض الآخر.

فقد ورد في سفر التثنية أسماء الحيوانات النجسة وغير النجسة. وهي كما يلي: “لا تأكل رجساً ما. هذه هي البهائم التي تأكلونها. البقر والضأن والمعز والإبل والظبي واليحمور والوعل والرئم والثيتل والمهاة. وكل بهيمة من البهائم تشق ظلفاً وتقسمه ظلفين وتجتر فإياها تأكلون إلا هذه فلا تأكلوها مما يجتر ومما يشق الظلف المنقسم.

والجمل والأرنب والوبر لنها تجتر لكنها لا تشق ظلفاً فهي نجسة لكم والخنزير لأنه يشق الظلف لكنه لا يجتر فهو نجس لكم. فمن لحمها لا تأكلوا وجثثها لا تلمسوا. وهذا تأكلونه من كل ما في المياه. كل ما له زعانف وحرشف تأكلونه. لكن كل ما ليس له زعانف وحرشف لا تأكلوه. إنه نجس لكم.

كل طير طاهر تأكلون. وهذا ما لا تأكلون منه. النسر والانوق والعقاب والحدأة والباشق والشاهين على أجناسه وكل غراب على أجناسه والنعامة والظليم والسأم والباز على أجناسه والبوم والكركي والبجع والقوق والرخم والغواص واللقلق والببغاء على أجناسه والهدهد والخفاش. وكل دبيب الطير نجس لكن لا يؤكل كل طير طاهر تأكلون” (تثنية 3: 14-20).

والمعروف أن شريعة العهد القديم كانت تقيد الناس بقوانين معينة وتفرض عليهم شرائع مختلفة، لها علاقة بالأكل والشرب واللبس والتعامل في الحياة اليومية والأعياد. وقد ظل الناس في العهد القديم يمارسون تلك العادات ويأكلون المحللات، ويمتنعون عن المحرمات إلى مجيء السيد المسيح، الذي أبطل هذه العادات، وحلل للناس أن يأكلوا ما يشاؤون.

وبعد مجيء السيد المسيح: بدأ الناس أكل لحم الخنزير بعد مجيء السيد المسيح، لأن المسيح لم يربط إيمان الإنسان بما يأكله من لحوم أو غيرها. وبما أن المسيح جاء ليحررنا من الناموس ومن قيود العهد القديم، فإنه لم يحلل أو يحرم أي نوع من اللحوم باعتبار أن “ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان” (متى 11: 15). أي الشتائم والتجديف والكلام البطال والكذب والخداع إلخ.

وعلى هذا الأساس يستطيع المسيحي أن يأكل ما يطيب له من اللحوم، لأن النجاسة ليست بالأكل والشرب، بل بعمل الخطية وعدم إطاعة شريعة الله، وأيضاً “ما طهره الله لا تدنسه أنت” (أعمال 10: 15).

هل يسبب لحم الخنزير بعض الأمراض؟

– صحيح أن جميع أنواع اللحوم تسبب الأمراض ومضرة بالصحة إن لم تطبخ جيداً، ويمكن القول إن لحم الخنزير يتأثر بالبكتيريا، أي الجراثيم أسرع من غيره، فإنه يعطب قبل غيره من اللحوم. فإذا لم يحفظ جيداً في الثلاجة فإنه يعطب أسرع من غيره من اللحوم. وعندها فإن تناوله يضر بالصحة، وقد يسبب أحياناً بعض الأمراض الخطيرة.

ولكن إذا حفظ الخنزير وطبخ جيداً، فلا يسبب الأمراض أو يضر بالصحة مطلقاً، والدليل على ذلك أن معظم الدول الراقية التي تحافظ على صحة مواطنيها تأكل لحم الخنزير بكثرة، فلو كان لحم الخنزير يسبب الأمراض ويضر بالصحة العامة، لما سمح بذبحه وبيع لحمه هذا طبعاً إذا لم تكن الخنازير مصابة أصلاً بأمراض معينة قبل ذبحها، والمعروف أن أحد الأمراض الشائعة التي يسببها لحم الخنزير المريض هو “التريشينويز” الذي يؤثر على الجهاز العصبي عند الإنسان، وقد تكون الإصابة به خطيرة إن لم يعالج جيداً.

على كل حال، هناك عدد من الناس لا يأكلون لحم الخنزير والأرنب والجمل، وليس لأنه لحم نجس، ولكن لأن أكل هذه اللحوم لا يروق لهم. كما أن هناك من يحرم أكل لحم الخنزير لأسباب شخصية أو دينية ونحن نحترم رأيهم. أما تعاليم الدين المسيحي بهذا الخصوص تشير إلى أن “ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم ينجس الإنسان” (متى 11: 15).

هل الله يتغير؟ وهل يعبد المسيحيون الجسد؟ – المذيع المسلم يذيعها مدوية: أنا لا أعرف شيء

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

هل لحم الخنزير حرام / حلال في المسيحية؟

هل لحم الخنزير محرم عند المسيحيين, لماذا ياكل المسيحيين الخنزير, هل لحم الخنزير حلال في المسيحية, لحم الخنزير في المسيحية, هل اكل لحم الخنزير حرام في المسيحية, هل الخنزير حرام في المسيحية, لماذا يأكل النصارى لحم الخنزير, لحم الخنزير في المسيحية, هل لحم الخنزير محرم عند المسيحيين, هل أكل الخنزير حرام في المسيحية,

هل لحم الخنزير محرم في المسيحية, هل الخنزير محرم في المسيحية, هل الخنزير حرام في المسيحية, هل اكل الخنزير حلال عند المسيحيين, اكل الخنزير في المسيحية, لماذا يأكل النصارى لحم الخنزير, هل لحم الخنزير حلال في المسيحية, هل لحم الخنزير حرام في المسيحية,

اكل لحم الخنزير في المسيحية, هل المسيحيين يأكلون لحم الخنزير, هل اكل لحم الخنزير حرام في المسيحية, هل لحم الخنزير حرام عند المسيحيين,

 

هل لحم الخنزير حرام / حلال في المسيحية؟ – لحم الخنزير في المسيحية

كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث

كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث

كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث

كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث

محتوى كتاب الراعي لهرماس

لقد تميز كتاب «الراعي» بعمقه الروحي، وبسعة المواضيع التي طرحها، عن باقي المؤلفات الأخرى التي وصلتنا من القرن الثاني المسيحي. فهو يحتوي على خمس رؤى واثنتي عشرة وصية وعشرة أمثال ضمّت جميع الإرشادات والتوجيهات والتعاليم التي تلقّاها من الامرأة، التي تمثل الكنيسة، ومن الراعي، الذي يمثل الملاك المرسل إليه من الله.

كل ذلك ضمن وحدة الموضوع ووحدة العقيدة. أمّا الرؤى فهي تحدد الغاية التي من أجلها كتب الكتاب، وأمّا الوصايا والأمثال فهي توسيع وشرح لما جاء في الرؤى. والغاية الأخيرة للكتاب هي الدعوة إلى التوبة والتجدّد الروحي. وهذه التوبة على هرماس نفسه أن يبدأ بها أولاً، ثم عليه أيضاً أن يبشّر بها أفراد عائلته والكنيسة والمؤمنين ورجال الدين أنفسهم. إنها دعوة لتهيئة النفس قبل عودة المسيح المنتظر.

أ/ الرؤى في كتاب الراعي لهرماس:

يبدأ كتاب «الراعي» بخمس رؤى تأخذ طابع الوحي، وهي تذكرّنا برؤى حزقبال النبي وبرؤيا القديس يوحنا الرسول، وهذا ما يحرّك القارئ ويجعله مشدوداً إلى ما جاء فيها وما هو منتظر من الذي يقرأها. وبعد أن يخبرنا هرماس عن الأحداث التي حصلت له وهو في طريقه إلى «كوماس»، وعن الدعوة إلى التوبة، تتراءى له الكنيسة بشكل امرأة مسنّة أعطته كتاباً لينقله على نسختين وتحذرّه من أن أبناءه قد اخطأوا ضد الله وجدّفوا على السيد، وأن امرأته قد أخطأت بنميمتها، الأمر الذي يستدعي توبة عميقة ليغفر الله لهم خطاياهم.

ثم تتراءى له الامرأة، في الرؤيا الثالثة، وتجلسه عن شمالها لأن اليمين هو محفوظ للذين تألموا وماتوا في سبيل الله، وتريه برجاً مبنياً على الماء، بواسطة الملائكة، بحجارة من قلب الأرض، متراصّة في ما بينها، طالبةً منه أن يحافظ على السلام، وأن يساعد المحتاجين، وأن يشدّد على رؤساء الكنيسة بأن يتحاشوا النزاعات المميتة، وبأن يحافظوا على التعاليم السماوية ويعملوا بها.

وبعد عشرين يوماً، وهو في طريقه إلى «كوماس»، جلس يصلي ويطلب من الله أن يفهمه معنى هذه الرؤى. وإذ هو في هذه الحال شاهد وحشاً كبيراً مخيفاً يخرج من الأرض، فابتدأ بالبكاء وبالصلاة حتى ظهرت له المرأة من جديد وهي في ثياب بيضاء ناصعة، وشدّدت عزيمته وقالت له: إن الوحش ينذر بغضب كبير لا خلاص منه إلا بالتوبة والارتداد إلى الله والمثابرة في حياة طاهرة وبالثقة التامة به تعالى.

وأمّا الرؤيا الخامسة، التي حصلت وهو في بيته، فلقد ظهر له رجل يلبس ثياب راعٍ، وعلى كتفيه جراب وفي يده عصى، يمثل ملاك التوبة الذي أتى ليذكره بالرؤى السابقة ويملي عليه الوصايا والأمثال. من هنا تسمية الكتاب باسم «الراعي».

ب/ الوصايا في كتاب الراعي لهرماس:

الوصايا تشدّد على واجبات الإنسان نحو الله ونحو القريب ونحو الذات. وأسا هذه الواجبات هو الإيمان بإله واحد، خالق كل شيء، والعودة إلى الفضيلة كوسيلة خلاصية. فلإيمان، ومخافة الله، والامتناع عن الشر، التي تتحدث عنها الوصية الأولى، هي الفضائل الثلاث التي تعطي القوة وتشدّد عزيمة الإنسان في مسيرته نحو الله. والوصية الثانية تفرض البساطة والبرارة في العيش، وتمنع النميمة والحقد، وتؤكد على أعمال الرحمة لجميع البشر.

والوصية الثالثة تأمر بأعمال المحبة وبعيش الحقيقة وبالهروب من الخداع والكذب. والوصية الرابعة تشدّد على الطهارة وتفرض التعامل الشريف في الحياة، الأمر الذي دفع بهرماس إلى طرح بعض الأسئلة عن الزواج والزنى والتوبة. والوصية الخامسة تدور حول العدل والفطنة لكي يبقى الروح القدس في داخلنا ونطرد الشيطان من حياتنا اليومية، هذا الشيطان الذي يحاول، بجميع الوسائل، أن يبعدنا عن الله ويحتل قلبنا بدل أن يكون هذا القلب هيكل الروح القدس نفسه. وفي الوصايا اللاحقة يتحدث عن وجود ملاكين عند الإنسان: ملاك الخير وملاك الشر.

فعلى الإنسان أن يتّبع إرشادات ملاك الخير، وأمّا التجارب التي هي من وحي ملاك الشر فعليه أن يبعدها عنه ويرفضها كليّا. وهذا يعود إلى مدى تعمقه بإيمانه وبمحبة الله. وأمّا بالنسبة إلى الخوف فهناك خوفان: خوف الله الذي يبني ويقدّس وخوف الشيطان الذي يهلك. كذلك بالنسبة إلى الامتناع عن أعمال الشر، فالخير هو ضمانة الخلاص، أمّا الشر فهو طريق الهلاك.

الوصية التاسع تشدّد على الابتعاد عن الشك والتردد في طلب الله بحجّة أن الخطيئة تبعد عن الحق. فتنقية القلب هي السبيل إلى عدم الشك، ولبوس الإيمان هو القوة بالذات لأنه يأتي من الله ويبعد الشيطان وأحابيله عن قلب الإنسان.

الوصية العاشرة تتحدث عن الحزن الذي هو أخ الشك والغضب. هذا الحزن هو أشرّ الأرواح وأكثرها قساوة وإفساداً للإنسان. إنه يطرد الروح القدس ويسبّب الغضب للذين ينجرّون وراء أباطيل الدنيا. فتنقية القلب من الحزن المميت تحيي الإنسان في الله. وتعطيه نقاوة ومحبة له تعالى، كاملة في الفرح، ومتجددة في النقاوة.

الوصية الحادية عشرة تذكّر بأن أقوياء الإيمان هم المتشحون بأثواب الحقيقة، البعيدون عن الشيطان الذي يملأ الإنسان بروحه الشريرة ويجعله عرضةً للاستماع إلى الأنبياء الكذبة وإلى عبادة الأوثان الفارغة من الحقيقة.

أمّا الوصية الثانية عشرة والأخيرة فتأمر بالابتعاد عن الرغبات الشريرة والوحشية التي تستهلك الإنسان بقسوة وتسلمه للموت. ثم تشدّد على الابتعاد عن رغبة المرأة الغريبة وعن الثروات والتنعم بالباطل والسكر وكل شهوة الملذات الصبيانية، وتفرض ممارسة الفضيلة والعدل والمسلك الحسن في الحق وفي خوف الله، وفي الوداعة التي هي ميزة الإنسان الصالح.

وينهي «الراعي» وصاياه الاثنتي عشرة بقوله: «إنك تعرف هذه الوصايا فاسلك وفقاً لها وعلّم الآخرين أن يسلكوا كذلك، واطلب أن تكون توبتهم طوال حياتهم نقية خالصة. أتم هذه الخدمة التي ألقيها عليك بجدٍّ، وإذا ما عملت جاهداً فإنك تقوم بعمل عظيم وستجد نعمة عند أولئك الذين سيتوبون وسيثقون بكلامك، وإني سأكون معك وسأجبرهم على الاعتقاد بك» (الوصية الثانية عشرة، 3، 3).

ج/ الأمثال في كتاب الراعي لهرماس:

هذا القسم الأخير من «الراعي» له الطابع الرؤيوي كما القسم الأول من الكتاب، مرتكزاً على بعض الأمثال التي وردت في الإنجيل المقدس. فالصور التي يعطيها تشدّد على نقاط أساسية وجوهرية في العقيدة المسيحية. ففي المثلين الأولين يتكلم «الراعي» عن المقتنيات والأملاك التي هي بحوزة المؤمنين، وعن طريقة استعمالها الحسن في هذه الدنيا.

وبما أنه ليس للإنسان مدينة أرضية ثابتة، فعليه أن لا يعلّق قلبه بثروات الأرض لأن هذه الثروات أعطيت من الله لتكون في خدمة المحتاجين. وبهذا المعنى يقول: «لماذا تقتنون الحقول الواسعة والعمارات الكبيرة والقصور والأبنية والبيوت ما دمتم تعرفون أن المدينة التي ستستوطنوها ليست هنا؟» (المثل الأول، 1). فالغني يملك ثروة كبيرة إلا أنه فقير في خدمة الله لأن أمواله تستنزف كل تفكيره وأوقاته. أما إذا التصق الغني بالفقير وأعطاه ما يحتاج إليه، فعطيته له باستطاعتها أن تحقق له أجره عند الله.

صلاة الفقير واعترافه بخطاياه زاخران بالغنى، ولصلاته قوة عظيمة عند الله. وعلى الغني أن يعطي الفقير كل شيء وبدون تردد لأن الفقير الذي يعطيه الغني فإنه يعطيه شكر الله عمّا أعطاه. وهكذا إذا ضاعف الغني اهتمامه بالفقير، وبقي في شركة دائمة مع حياته، فإن صلاة الفقير تساعده ليكون مقبولاً عند الله.

الغني والفقير يتمّان عملاً واحداً، هذا بالصلاة، وهي ثروته التي أخذها من الرب ويقدمها للرب مختاراً، وذاك بماله الذي أعطاه الرب ليعطي المحتاج بدون تردد. وهكذا يتم عملاً عظيماً يرضي الله لأنه استعمل ثروته بتعقّل وروية واستخدمها لصالح الإنسان وحقق إرادة الرب.

ثم ينتقل «الراعي» إلى شرح التصوّف المسيحي في المثل الخامس، مشدّداً على الصوم ودوره الخلاصي، فيقول: «الصوم الذي تصومه ليس بصوم، إني سأعلمك معنى الصيام الكامل المقبول لدى الله. انتبه أن الله لا يريد صياماً بطالاً كهذا الصوم وإنك لا تفعل شيئاً عادلاً إذا صمت كما تصوم. صم للرب هذا الصوم: لا تصنع الشر واعمل بقلب نقي وحافظ على وصايا الله وسر حسب أوامره ولا تدخلن إلى قلبك رغبة شريرة وآمن بالله.

فإذا فعلت ذلك وخشيت الله تكون قد صمت صياماً عظيماً مقبولاً عند الله» (المثل الخامس، 1، 3-4). فالمحافظة إذاً على الوصايا، والقيام بالأعمال الحسنة التي ترضي الله، وتطبيق تعاليم الله، ومساعدة الفقراء والأرامل، والبعد عن الكلام الشرير والرغبة الخبيثة، والمحافظة على الشريعة والناموس… جميع هذه تكون أفضل من الصوم، لا بل هي جوهر الديانة المسيحية.

في المثل السادس يرى هرماس راعيين مع قطيعيهما، يمثلان ملاك الشهوة وملاك العقاب. الأول يفسد أرواح عبيد الله ويصرفها عن الحقيقة إلى الشهوة الخبيثة حيث تضيع فتنسى وصايا الله الحي وتسلك طريق الشهوات الخداعة البطالة، منقادة إلى الفساد والموت، والثاني يستلم البشر الذين ضلوا طريق الله وغرقوا في الشهوات والملذات العالمية ليعذبهم حسب خطاياهم ويعاقبهم عقوبات مخيفة متنوعة.

فكل إنسان يغرق في لذة الشهوات يخضع لعقوبات عديدة لأنه يسلم نفسه للموت في الوقت الذي يملك فيه على الحياة. لذلك نرى أن الذين يعملون الخير يشعرون بلذة فعلهم، وهذه اللذة تكون مفيدة وتمنحهم الحياة، أما الذين يتّبعون الشهوات المضرّة فإنهم يجلبون عليهم المحن والعقاب الذي يقود إلى الموت الأبدي.

وفي المثل السابع يطلب هرماس من «الراعي» أن يبعد عن بيته ملاك العقاب. غير أن الراعي يقول له: «إن خطاياك كثيرة ولكنها لا تستحق أن تسلم بسببها إلى هذا الملاك إلا أن بيتك قد اجترح الخطايا والآثام الكبرى التي مرمرت الملاك العظيم، لذلك أمر أن تتعذّب ليتوب أهل بيتك ويتنقوا… ولا يمكن أن يتألم أولئك إذا لم يروا رب البيت متألماً. فالملاك يضطرهم بواسطتك إلى الألم. أمّا إذا انتفى عنك الألم فإنهم يشعرون أن المهم قد زال» (المثل السابع، 2-4).

وفي المثلين الثامن والتاسع تظهر الكنيسة بصورة صفصافة وبرج. ففي الصفصافة المتشعبة ينال كل مؤمن غصناً يمثله، فإذا كان الغصن فارغاً فهذا يعني أن المؤمن في حياة روحية نامية وعلى اتصال عميق بالله، أمّا إذا كان الغصن ذابلاً فيدل على حالة المؤمن النفسية التي تشوبها الأخطاء والنقائص، وهذا يعني أن كل إنسان سينال جزاءه أو عقابه حسب الحالة التي يكون عليها الغصن الذي يمثله.

أمّا الخطأة الخاضعون للتوبة فإذا عملوا بها نجواـ وإذا لم يعملوا هلكوا. وأمّا بالنسبة إلى البرج فإن حياتهم لله وعملوا الخير وكانوا مثالاً صالحاً في هذه الدنيا، غير أن الأشرار فلقد أبعدوا عن المساهمة في هذا البناء الذي يجب أن يكون كاملاً على صورة الكمال الذي رسمه المسيح لكنيسته.

أخيراً يبقى المثل العاشر الذي هو بمثابة خلاصة يشدّد فيها الملاك على هرماس لكي يتوب عن خطاياه هو وأهل بيته. كذلك يأمره الملاك بأن يعلن للجميع وسيلة خلاصهم، هذا الخلاص الذي لا يتم إلا بالتوبة، وبالتوبة الحقيقية، طالما أن البرج يُبنى. ولكن إذا لم يتب الجميع قبل نهاية بناء البرج، فإن التوبة بعد نهاية البناء لا تنفع مطلقاً.

وينهي الملاك كلامه قائلاً لهرماس: «قم برسالتك حق قيام وأذع على الناس عظائم الله، وستلقى استحقاقك من جرّاء خدمتك. من يتبع وصاياك يتمتع بحياة ووجود مغبوط. أما الذين يهملونها فإنهم لا ينالون الحياة وسيشقون في حياتهم» (المثل العاشر، 4، 1).

خلاصة تعليم كتاب الراعي لهرماس

أ: الثالوث الأقدس وسر التجسد في كتاب الراعي لهرماس:

إن المطلع على كتاب «الراعي» يلحظ بوضوح أنه كتاب توجيهي، همّه معالجة الأمراض التي ضربت الكنيسة، لا محاولة رفض البدع التي كانت سائدة إلى حد ما، ولا محاولة عرضٍ لاهوتي للعقيدة المسيحية ولشؤون الإيمان، رغم أننا تجد فيه تأكيداً واضحاً على وحدة الله وعلى الخلق من العدم (المثل الخامس، 5، 2؛ المثل السابع، 4). لذلك نراه غير قاطع في تحديده للثالوث الأقدس ولسرّ التجسد.

فكره غامض, ولغته غير واضحة. ولذلك أيضاً حاول كثيرون من اللاهوتيين والمؤرخين، من خلال مؤلفاتهم، التأكيد على أرثوذكسيته، مثل «جاكمان» (Jackman)، و «فريبل» (Freppel)، و «هارناك» (Harnack)، وغيرهم من اللاهوتيين الذين رأوا ثبات العقيدة فيه رغم الغموض الذي فرضته لغة الرؤى والوصايا والأمثال.

وباختصار، فإن لغته تشكو من عدم الوضوح، بيد أن عقيدته لا غبار عليها. والمثال على ذلك هو هذا المقطع الثاني من المثل الخامس الذي نورده هنا لنرى علاقة الآب والابن بالعبد. يقول «الراعي»: «كان لإنسان حقل وعبيد وقد زرع قسماً منه كرماً واختار له عبداً أميناً يحترمه.

ولمّا دعاه قال له: خذ هذا الحقل الذي غرسته وسيّجه حتى أعود ولا تفعل غير ذلك. حافظ على وصيتي فتحيا حياة سعيدة في بيتي. ثم سافر سيد الحقل إلى مكان بعيد. فأخذ العبد بعد سفر سيده بتسييج الحقل، وعندما أنهى عمله رأى أن الحقل مليء بالأشواك.

ففكر في نفسه وقال: ها إني قد أتممت العمل كما أمرني سيدي، فلماذا لا أفلح الكرم وأنقّيه من الأعشاب ليصبح جميل المنظر وتزادا ثماره؟ وبالفعل فلح العبد الكرم واقتلع منه كل الأشواك فصار الكرم جميلاً خالياً من الأعشاب التي كانت تعيق نموّه. بعد مضي وقت طويل عاد سيد الحقل وذهب لزيارة أرضه فوجد أن الكرم لم يكن مسيّجاً فقط، بل ومفلوحاً فلاحة حسنة ومنقى من الأعشاب المضرّة، والدوالي مليئة بالعناقيد، فدهش من عمل عبده وأعجب.

فاستدعى ابنه الحبيب ووريثه وكل المستشارين أصدقائه وأخبرهم بالأمر الذي أمر به وبالأفعال التي رأى عبده قد فعلها بعد عودته فهنأ هؤلاء العبد على الشهادة التي نالها من سيده. وقال لهم السيد: لقد وعدت هذا العبد بحريته إذا أتّم أوامري إلا أنه لم يتمّم أوامري فحسب بل عمل أكثر بكثير ممّا أمرته به، لذلك سأجعله، مكافأة على أعماله، شريكاً مساوياً لابني يرث معه لأنه يملك تفكيراً صائباً وقد حقق هذا التفكير ولم يهمله» (المثل الخامس، 2، 1-7).

في هذا النص نرى ثلاثة أشخاص: السيد والابن والعبد. فمن هم هؤلاء الثلاثة في نظر «الراعي»؟. الحقل يمثل ، أولاً، العالم، والسيد هو الله خالق كل شيء، وابن السيد هو الروح القدس، والعبد، الذي حرّره السيد، وقد أصبح أيضاً ابن الله لأنه اقتلع، من الكنيسة، التي هي الحقل، الشرور والخطايا بواسطة أعماله وآلامه وعذاباته. وهذا هو عمل الخلاص. ولكن الملفت للنظر أن «الراعي» لا يذكر مطلقاً اسم «المسيح» «يسوع» و«كلمة الله»، وحتى أنه لا يفرّق بين البنوّة الإلهية والروح القدس.

أمّا بالنسبة إلى سر التجسد، فالمقطع السادس من المثل الخامس يذكره كالتالي: «انتبه أن ابن الله لم يظهر بشكل عبد بل ظهر متشحاً بقدرة عظيمة وسلطان عظيم. قلت: كيف؟ إني لا استطيع أن أفهم ذلك. أجابني: إن الله الذي غرس كرمه، أي عندما خلق شعبه أوكل أمره لابنه والابن جعل الملائكة لحمايتهم وهو الذي نقّىشعب الله من خطاياهم وقد تعب كثيراً لأن كل كرمة تحتاج إلى تعب شديد لفلاحتها وتنقيتها.

هو الذي نقى خطايا البشر وأرشدهم إلى سبيل الحياة وأعطاهم الناموس الذي تسلّمه من أبيه. أرأيت كيف أنه سيد البشر وأن أباه أعطاه كل سلطان؟ قلت لك إن السيد قد استشار ابنه والملائكة القديسين بشأن اشتراك العبد بالميراث. إليك مل يعني ذلك.

الروح القدس كان قبل الخليقة، البسه اللباس الذي أراده. وهذا الجسد الذي لبسه الروح القدس خدم الروح بكرامة وسلك نقياً طاهراً دون أن يسبب له أي دنس. وبمسلكه النقي هذا وتعبه مع الروح وبتعاونه معه في كل الأمور ماشاه بقوة وشجاعة وأراد أن يجعله شريكاً لروحه المقدس. إن مسلك الجسد أعجب الله لأنه لم يتدنس في هذه الأرض وهو يحمل الروح. ولقد استشار الابن والملائكة الممجدين ليعطي لهذا الجسد الذي خدم الروح بأمانة كلية مكاناً يستريح فيه لا يبقى إخلاصه بدون مكافأة.

كل جسد سكنه الروح وخدمه بإخلاص ينال المكافأة بشرط أن يبقى نقياً طاهراً خالياً من كل دنس» (المثل الخامس، 6، 1-7). ويعلق اللاهوتي «باردنهيفر» على هذا النص قائلاً: «ماذا بإمكاننا أن نستنتج من ذلك سوى أن التجسد وحده هو الذي أوضح لنا الفارق بين الروح القدس وابن الله.

فإن ابن الله والروح القدس، لم يكونا سوى واحد قبل التجسد» (باردنهيفر: آباء الكنيسة، الترجمة الفرنسية، باريس 1898، الجزء الأول، ص94). وبمعنى آخر، فإن فكرة الثالوث، في نظر «باردنهيفر»، لم توضح كلياً إلا بعد التجسد، وبالتالي بعد أن تمجّدت إنسانية المخلّص بارتفاعها إلى مستوى الآب والروح القدس.

يذكر «الراعي» مراراً أن هناك ملاكاً هو، في الدرجة، أعلى من الملائكة الستة الكبار الذين يشكلون مجلس استشارة الله، وهذا الملاك يدعوه مرّة «المحترم» ومرّة أخرى «القديس» ومرّة ثالثة «الممجّد»، ولقد رأى فيه البعض «المسيح» (الرؤيا الخامسة، 2؛ الوصية الخامسة، 1، 7؛ المثل الخامس، 4، 4؛ 7، 1، 5). ولن هرماس يسمّيه «ميخائيل» (المثل السابع، 3،3). فهل هذا يعني أنه لا يفرّق بين ابن الله ورئيس الملائكة ميخائيل؟ ربما الأمر كذلك لأن «الراعي» يعتبر أن مهمة الاثنين هي إياها غالب الأحيان.

فهما (أعني ابن الله والملاك ميخائيل) مقلّدين بقوة الله نفسها بالنسبة إلى سلطتهما على شعب الله (المثل الخامس، 6؛ المثل الثامن، 3،3)، وهما اللذين يعلنان عن مصير المؤمنين (المثل الثامن، 3،3؛ المثل التاسع، 5، 2-7؛ 6، 3-6؛ 10، 4)، وهما اللذين يوكلان أمر الخطأة إلى ملاك التوبة لإصلاحهم (المثل الثامن، 2، 5؛ 4، 3؛ المثل التاسع، 7، 1-2). ولكن هذا التشابه بالرسالة وبالحالة لا يعني، حقيقة، أن الشخصين هما واحد.

فالملاك ميخائيل يسميه دائماً ملاكاً، بينما ابن الله ليس وحسب سيد الشعب (المثل الخامس، 5، 6، 4)، بل هو أيضاً سيد البرج ومالكه وربّه. إنه مطلق السلطة عليه (المثل التاسع، 5، 2، 6، 7؛ 7، 1). وبينما الملاك ميخائيل يضع الشريعة في قلب المؤمنين، يذكر «الراعي» أن هذه الشريعة هي «ابن الله» بذاته.

إذاً، رغم الغموض في مفردات «الراعي»، فإن التأكيد على سر الثالوث الأقدس وسر التجسد هو واضح جدا، وأن هرماس كان واعياً إلى هذا الأمر، لذلك شدّد على دور الآب والابن والروح القدس، وخصوصاً على دور الابن بعد التجسد. وإذا أردنا أن نفسر هذا الغموض، فربما الفكرة الوحيدة التي تعبّر عن ذلك هي أن اللغة الرؤيوية هي التي جعلتنا لا نرى الأمور بوضوح كما في التحديدات اللاهوتية التي نجدها عند آباء الكنيسة الذين كان همّهم توضيح الأمور بكل دقة ووعي.

ب/ الملائكة:

بالنسبة إلى الملائكة، فإن هرماس لا يتكلم عن طبيعتهم وهويتهم، ولكنه يشدّد على عددهم الكبير وعلى المهمات العديدة التي يأمرهم الله للقيام بها. وهو يقسمهم إلى قسمين: الملائكة القديسون الذين يسهرون على شعب الله وهم مستشاروه، أعني رؤساء الملائكة، والملائكة المرؤوسون الذين أوكل إليهم أمر الكنيسة (المثل الخامس، 5، 3).

هؤلاء الملائكة يبنون البرج الروحي بإدارة رؤساء الملائكة الممجدين (المثل التاسع، 6، 2). ورؤساء الملائكة يشكّلون مجلس الاستشارة لله ويسهرون على عبيده لكي يعملوا حسب إرادته ليرثوا الملكوت السماوي الذي هو مكافأة للصلّاح والمؤمنين (المثل الخامس، 6، 4-7).

أمّا مهمات الملائكة فهي: الحثّ على التوبة، والسهر على الإنسان لكي يعيش بخوف الله. وكما أن هناك الملاك الحارس (ملاك العدل) الذي يرشد إلى الخير، كذلك هناك الشيطان (ملاك الظلم) الذي يسعى لإبعاد الإنسان عنه تعالى: «هدف هذه الوصية تثقيفك في الإيمان ونمّوك في أعمال ملاك العدل. إنك إذا طبقت أعماله تحيا في الله.

كن واثقاً أن أعمال ملاك الظلم هي خاطئة وبتجنّبك لها تعيش لله» (الوصية السادسة، 2، 10). لذلك، على الإنسان أن يبعد عنه ملاك الظلم لكي لا يعيقه عن حفظ الوصايا ويمنع عنه الخلاص الذي يرجوه من الله. ولكن، رغم كل محاولات الشيطان (ملاك الظلم) ضد خدّام الله، فإن ملاك التوبة يسيطر عليه ويبعده عنهم: «عودوا أيها الذين يسلكون طريق الشيطان القاسية الوعرة ولا تخشوه لأنه ضعيف لا قوة له.

سأكون أنا ملاك التوبة معكم وأنا الذي سأسوده. الشيطان يثير المخاوف، إلا أن خوفه فارغ كليّاً. لا تخافوه فيبتعد عنكم» (الوصية الثانية عشرة، 4، 6-7). وهكذا، عندما يخذل هذا الشيطان أمام القلوب المليئة بالإيمان يفتش عن القلوب الفارغة ليسكن فيها: «كذلك الشيطان يجرّب عبيد الله، فمن كانت قلوبهم مليئة بالإيمان وقفوا بوجهه بقوة فارتدّ عنهم خائباً لأن قلوبهم مملوءة. لذلك يفتش عن القلب الذي يجد فيه فراغاً ليملأه فيدخله ويوجهه وفقاً لإرادته» (الوصية الثانية عشرة، 5، 4).

ج/ الكنيسة في كتاب الراعي لهرماس:

هرماس ليس واضحاً في كتاب «الراعي» عندما يتكلم عن تنظيم الكنيسة، لكنه يذكّر بدور الأسقف والشيوخ والمتقدّمين فيها عندما تطلب منه المرأة إعطاء الكتيّب إلى «كليمنضوس» لإرساله إلى المدن التي في الخارج: «اكتب كتيّبين، كتيّب إلى كليمنضوس وكتيّب إلى غرابتي. ويسمح لكليمنضوس أن يرسل ذلك إلى المدن التي في الخارج، وعلى غرابتي أن تنصح الأرامل والفقراء.

أمّا أنت فعليك أن تقرأ ذلك في هذه المدينة على الشيوخ ومتقدّمي الكنيسة» (الرؤيا الثانية، 4، 3). كذلك نراه يؤكد على أن الرسل والأساقفة والمعلمين والشمامسة هم الحجارة المربعة البيضاء في البرج الذي يمثل الكنيسة: «إليك ما تعنيه الحجارة التي دخلت البناء. الحجارة المربعة البيضاء المتشابهة كليّاً تمثل الرسل والأساقفة والمعلمين والشمامسة الذين سلكوا طريق الرب المقدس ورعوا وعلموا وخدموا بإخلاص وطهارة مختاري الله.

بعضهم مات وبعضهم لا يزال على قيد الحياة وكانوا دائماً على وفاق فيما بينهم، يسودهم السلام ويطيعون بعضهم بعضاً. لذلك تراهم في هذا البرج حجارة متلاحمة كليّاً وفي اتّساق عظيم» (الرؤيا الثالثة، 5، 1). وبعد ذلك نراه يشدّد على التفاهم بين أعضاء الكنيسة، وعلى عدم الشقاق، وعلى الثبات في الإيمان والمحبة: «أقول هذا الآن لمتقدّمي الكنيسة ولمتصدّري المجالس.

لا تكونوا كبائعي السموم الذين يحفظون سمومهم في علب، وعلبكم هي قلوبكم بأحقادكم وخبثكم. إنكم قساة عتاة لا تريدون أن تنقوا قلوبكم وتحققوا الدمج الكليّ لحكمتكم بنقاوة قلوبكم فتنالوا رحمة الملك العظيم. احذروا يا أبنائي أن تفقدكم شقاقاتكم حياتكم. كيف تريدون أنتم المختارين أن تنقوا أولئك الذين لا نقاوة فيهم؟ نقوا نفوسكم أولاً وتسالموا فيما بينكم حتى إذا ما وقفتم أمام الآب، أقف أنا بثبات أمامه لأقدم له مسردة الحساب عن جميعكم» (الرؤيا الثالثة، 9، 7-10).

وفي زمن كانت المواهب النبوية تزوّر، والأنبياء الكذبة يحاولون استغلال المؤمنين، نجده يشدّد على النبي الحقيقي الذي يُعرف من استقامة سيرته، ومن تواضعه، ومن حياته الروحية الصوفية، ومن رصانته وفطنته، ومن إعلانه الحقيقة أمام الجميع دون خوف ولا تراجع، ومن التزامه بكلام الرب الذي يوحيه إليه بواسطة الروح القدس: «قلت: كيف نميّز بين النبي الكاذب والنبي غير الكاذب؟

قال: من حياة المرء نستطيع أن نميّز النبي الكاذب والنبي الحقيقى. من كان فيه روح الله، فروح الله يأتي من فوق، يكون لطيفاً متواضعاً يهرب من الشر ومن الرغبات البطّالة ويجعل نفسه دون هذا الجيل.

لا يجيب على سؤال ولا يتكلم إلا علانية. الروح القدس لا يعطي وزناً لرغبات البشر ولا يتكلم إلا عندما يريد الله منه. عندما يدخل الإنسان الذي فيه روح الله إلى نجلس الصالحين المؤمنين بالله، يصلي المجلس فتتحرك روح النبوّة فيه ويملآه ويتكلم بملء إيمانه أمام الجميع كما يأمره الرب. بهذا نعرف النبوة الحقيقية من النبوة الكاذبة، ومن قوتها نعرف الألوهة الموحية» (الوصية الحادية عشرة، 7-10).

وباختصار، فإن الذي يشدّد عليه هرماس هو كنيسة القديسين الموحّدين بالله. ولقد حاول لمرّتين أن يشبهها بالبرج المبني على الماء، تلميحاً إلى شفافية العماد: هذا البرج الذي يضم القديسين الذين مات بعضهم وبقي البعض الآخر على هذه الأرض. فهم الحجارة المنتقاة البيضاء التي تمثل الرسل والأساقفة والمعلمين والشمامسة الذي عاشوا في القداسة وسلكوا طريق الرب ورعوا وعلموا وخدموا، بإخلاص وطهارة، مختاري الله (الرؤيا الثالثة). ومرّة ثانية (المثل التاسع) نرى البرج مبنياً على صخرة صلدة صامدة هي المسيح، باب الكنيسة.

والحجارة التي يُبنى فيها هذا البرج هي المعمّدون والخطأة والصديقون، وذلك لأن البناء يجب أن نبعد عنه كل حجر لا يجمّله ونسلمه إلى ملاك التوبة لكي يعيده إلى البرارة التي يريدها الله من مختاريه. وهذا الملاك هو وحده الذي يحم إذا كان المؤمنون قد أصبحوا أهلاً للبناء أم لا، بحيث أن الكنيسة يجب أن لا تضم إليها إلا الحجارة المصقولة البيضاء، أعني النفوس التي لها الفكر نفسه والعاطفة نفسها والإيمان نفسه والمحبة نفسها.

وهكذا، فعندما تصبح النفوس جميعها كاملة بالله تكون الكنيسة كاملة هي أيضاً، وتكون قد قامت بالمهمات الملقاة على عاتقها لخلاص البشرية جمعاء.

د/ العماد والحياة المسيحية في كتاب الراعي لهرماس:

يقول هرماس: «أريد أن أسألك أموراً أخرى. قال: ماذا تريد؟ قلت: لماذا أخرجت هذه الحجارة من الأعماق لتوضع في جدران البرج، ما دام الرجال الذين تمثلهم هذه الحجارة كانوا يحملون في ذواتهم هذه الأرواح؟ أجابني: كان عليهم أن يخرجوا من الماء لينالوا الحياة، ولم يكن بإمكانهم أن يدخلوا إلى الملكوت قبل أن يطرحوا الطبيعة الميتة لوجودهم الأول.

مع أن هؤلاء البشر كانوا أمواتاً فقبلوا ختم ابن الله ودخلوا الملكوت. وقد سبق وقال لي الراعي: الذين لا يحملون اسم ابن الله هم أموات، إلا أنهم عندما ينالون الختم يخلعون عنهم الموت ويلبسون الحياة. الختم هو ماء المعمودية. ننحدر أمواتاً إلى الماء ونصعد أحياء. هؤلاء سمعوا بالختم فاختتموا لكي يدخلوا إلى الملكوت» (المثل التاسع، 16، 1-4).

هذا النص يؤكد لنا على أن سر العماد يغفر جميع الخطايا السابقة، وهو ضروري ليصبح الإنسان في شراكة الكنيسة، وليساهم في بناء البرج المقدس. غير أنه من الضروري أيضاً أن يبقى الإنسان، بعد العماد، بدون خطيئة لأنه لا يجوز لمن غفرت خطاياه أن يخطئ من جديد. وبهذا المعنى يجيب «الراعي» هرماس عندما سأله: «أيمكنني يا سيدي أن أسألك سؤالاً آخر؟ قال: قل. قلت: سمعت بعض المعلمين يقولون إنه لا توبة إلا التوبة التي نلناها بعد المعمودية حيث نلنا مغفرة الخطايا. قال: صحيح ما سمعت وهذه هي الحقيقة بعينها.

لا يجوز لمن غفر له أن يخطئ، عليه أن يبقى في النقاوة» (الوصية الرابعة، 3، 1-2). فالعماد يمنح المعمّد قداسة ويجعله هيكل الروح القدس، شرط أن يحافظ على جسده نقياً، بلا دنس: «انتبه، احفظ جسدك نقياً بلا دنس حتى ينال شعادة الروح القدس القاطن فيه. احذر أن تأتيك الفكرة بأن جسدك فان ومعد للدمار، ولا تفسح المجال لتدنيسه لأنك إذا دنّست جسدك دنّست روحك، وإذا دنّست روحك فلن تحيا.

قلت: ما هو نصيب من فعل ما يدنس جسده قبل سماعه لهذه الكلمات؟ أيمكنه أن يخلص؟ اله هو الذي يشفي الخطايا الحاصلة عن جهل. انتبه الآن. الله الغفور يغفر لك خطاياك السابقة بشرط أن يبقى جسدك الآن بدون دنس. أنت ترى الاتصال الوثيق بين الجسد والروح. إنك إذا دنّست الجسد دنّست الروح، فإحفظهما نقيّين حتى تحيا لله» (المثل الخامس، 7، 1-4).

وأمّا عن الحياة المسيحية، فالإيمان ومخافة الله، وخصوصاً العفّة، هي الفضائل الأساسية للخلاص: «إليك ما تعنيه الأولى ذات الأيدي القوية. إنها تسمّى الإيمان. وبه يخلص مختاروا الله. والثانية المزنّرة ذات الهيئة الرجولية تسمّى العفّة، إنها ابنة الإيمان، ومن يتبعها تصبح حياته مغبطة لأنها تبعد كل الأفعال الشريرة. ومن يبتعد عن العمل الشرير يرث الحياة الأبدية» (الرؤيا الثالثة، 8، 3-4).

والعفّة، في نظر «الراعي»، تعني الامتناع عن كل الشرور وعمل الخير. والشرور التي يجب الامتناع عنها هي: الزنى، والفسق، والسكر، والكبرياء، والكذب، والشتم، والخبث، والرياء، والمكر، والسرقة، والغش، وشهادة الزور، والبخل، والشهوات غير المرتبة. وأن يكون الإنسان عفيفاً، فذلك يعني أن يعيش إيمانه بخوف الله، وأن يعيش المحبة والعدل والحقيقة والصبر، وأن يساعد الأرامل واليتامى والفقراء، ويكون مضيفاً للغرباء. هذه جميعها مفروضة على المسيحي ليكون مخلصاً، أو بالأحرى عليه أن يطبّق إيمانه بأعمال الخير وبالبعد عن جميع الشرور.

وفي حالة البرارة، التي ينالها الإنسان، من مجرّد قبوله سر العماد، يحصل على استحقاقات كثيرة إذا ما حفظ الوصايا، وتبع المشورات، وعاش الفضائل البطولية التي تحقق له مكافأة خاص من الله. إنه بذلك ينتقل من العبودية إلى البنوّة، والله يتبنّاه ويجعله وارثاً وشريكاً: «حافظ على وصايا الله لتصير مقبولاً عنده ومستحقاً لتكون من المسجلين في سجل حافظي وصاياه.

فإذا فعلت حسنة، علاوة على أوامر الله، فإنك تحقق مجداً عظيماً، وتكون ممجّداً عند الله حيث تدعى لتكون. إذا حافظت على وصاياه وأضفت إليها أعمالاً صالحةً بتطبيقك لها فإنك تحقق لنفسك الغبطة» (المثل الخامس، 3، 2-4).

وردّاً على هرماس الذي اعتبر أن إتباع الوصايا هو أمر صعب جداً يقول «الراعي»: ليس هناك من صعوبة إذا أراد الإنسان ذلك: «قلت: يا سيدي، إن هذه الوصايا عظيمة وصالحة وممجّدة ويمكنها أن تفرح القلب، قلب الإنسان الذي يستطيع أن يحافظ عليه. لكني لا أعتقد أن هناك من يستطيع أن يحافظ عليها لأنها صارمة جداً. أجابني قائلاً: إذا اعتقدت أنك تستطيع أن تحافظ فستحافظ ولن تكون صارمة بالنسبة لك.

أما إذا أهملتها ولم تحافظ عليها واعتقدت أنه يصعب على البشر أن يحافظوا عليها فلن تخلص لا أنت ولا أهل بيتك. بقولك إنك لا تستطيع أن تحافظ على الوصايا تدين نفسك وتحكم عليها حكماً قاطعاً» (الوصية الثانية عشرة، 3، 4-6). وعندما لفت هرماس «الراعي» إلى أن الشيطان يحارب الإنسان ويمنعه من إتباع الوصايا أجابه قائلاً: «قلت: أن الإنسان، يا سيدي، مستعد ليحافظ على وصايا الله ويطيعها، إلا أن الشيطان قاس ويتغلّب على الإنسان.

قال: إنه لا يستطيع أن يتغلّب على عبيد الله الذين يؤمنون من أعماق قلوبهم. الشيطان يجيد الصراع لكنه لا يغلب إذا صمدتم في وجهه بل يندحر ويهرب خجلاً. الأشخاص الفارغون هم الذين يخافون الشيطان كقوي» (الوصية الثانية عشرة، 5، 1-2).

وهكذا، باختصار، فإن العماد، بعد أن يغفر الخطايا، يعطي الإنسان قوة ليحارب الشيطان ولينتصر عليه، وليعيش بخوف الله، بعيداً عن كل الشرور، محققاً خلاصه الأبدي، شرط أن لا يعود إلى الخطيئة ثانية.

هـ/ التوبة والخلاص الأبدي في كتاب الراعي لهرماس:

السؤال المطروح الآن هو التالي: كيف بإمكاننا أن نحافظ على وسم العماد، ونعيش العفة في الحقيقة، ونصل إلى الكمال الذي دعانا إليه الله، والضعف البشري يجعلنا عرضةً للسقوط في الخطيئة كل لحظة؟ وهل المسيحي الذي يسقط، من جديد، في الخطيئة، بإمكانه أن يخلص؟ هناك رأيان متناقضان في ذلك: رأي الغنوصيين المتساهلين، ورأي المتشددين المبالغين. فالغنوصيين يعتبرون أن كل خطيئة مقترفة، بعد العماد، غير مهمة بحيث أنهم لا يتركون عبيد الله يتوبون توبة حقيقية.

وهذا ما يذكرّ به «الراعي» في المثل الثامن، 6، 5، قائلاً: «أمّا الذين سلموا أغصانهم يابسة ولم ينخرها السوس، هؤلاء يشبهون الأول. ‘نهم مراؤون، يحملون تعاليم غريبة ويضللون عبيد الله، وخصوصاً الخطأة. إنهم لا يتركونهم يتوبون ويعملون لإقناعهم بتعاليمهم البطالة السطحية، مع أن مجال التوبة مفتوح أمام هؤلاء». وأما المتشدّدون المبالغون، فلقد بشرّوا بتقشّف متطرّف، وفرضوا تصوفاً كاملاً في الحياة المسيحية، وعفة مطلقة في كل شيء.

ولكن هرماس طالب بحلّ إنساني إذ قبل بإمكانية مغفرة الخطايا بعد العماد، وبالتالي بالعودة إلى حالة البرارة بعد التوبة. وبهذا المعنى يقول: «بعد أن أنهى الراعي تفسير معاني الأغصان كلها قال لي: اذهب وقل لجميع الخطأة أن توبوا ليحيوا في الله لأن الرب، لرأفته بالجميع، يوزع التوبة على الجميع حتى لو كان البعض لا يستحقونها بسبب أعمالهم فالله طويل الأناة يريد أن يحقق دعوة ابنه للخلاص» (المثل الثامن، 11، 1).

وفي موضع آخر يقول: «المعمودية تغفر الخطايا، والمخلص وضع التوبة للذين آمنوا قبل هذه الأيام لأنه هو العارف خفايا القلوب والمالئ الكل رأى الضعف البشري ورأى أحابيل الشيطان والشباك التي يحاول أن يوقع فيها خليقته، لذا تحنن برحمته وأوجد التوبة وأعطيت لي سلطتها» (الوصية الرابعة، 3، 4-6).

إذاً، الله وحده يشفي الخاطئ. ولكن كيف؟ بواسطة التوبة (Metanoia). فبمقابل الإرادة الإلهية التي تريد خلاص المعمّدين، وبمقابل رحمة الله المستعد دائماً لغفران الخطايا وللشفاء منها، على الخاطئ أن يتجاوب بتوبة نصوح وعميقة. وهنا، كما يؤكد هرماس، التوبة لا تعني سر التوبة بالمفهوم الكنسي القانوني، ولكن المقصود هي فضيلة التوبة وممارستها، أعني تغيير حالة النفس، أو بالأحرى تجديد داخلي، خلقي ومسلكي، وحتى تجديد بالأفكار وبالعواطف والعادات على شكل ارتداد أو انقلاب داخلي.

بهذا المعنى يقول: «إني أعطي الوعي للتائبين لأني أنا لهم. ألا تعتقد أن عملية التوبة هي عملية إدراك؟ إن التوبة هي عملية حكمة عظيمة. إن الخاطئ يتعقّل عندما يدرك أنه فعل شراً أمام الله، فيذكر العمل الشرير الذي صعد إلى قلبه ويتوب ويمتنع عن عمل الشر، وليس هذا فقط بل يفعل الخير ويضع نفسه ويعذبها لأنها أخطأت. أرأيت أن التوبة هي عملية إدراك عظيمة؟» (الوصية الرابعة، 2، 2).

هذه التوبة تطبّق على جميع الخطايا دون تمييز، وحتى على الخطايا المحفوظة مثل الكفر والزنى والقتل (الوصية الرابعة، 1، 7؛ المثل التاسع، 26، 5). فالامرأة الزانية، مثلاً، على زوجها أن يقبلها إذا تابت بعد أن تعترف بخطيئتها، والكفرة كذلك إذا لم يكن كفرانهم إلا بالكلام وحسب، وليس بارتداد القلب إلى الشر. وهذه التوبة، إذا كانت تطال جميع الخطايا، لكنها لا تطال جميع الخطأة.

إنها تطال المسيحيين القدامى وليس المسيحيين الذين تعمّدوا أو الذين سيتعمّدون. فالمسيحي الذي يسقط في الخطيئة بعد العماد يُبعد عن الجماعة ويكون في حالة انفصال عن الكنيسة. والكنيسة تفرض عليه كفّارات عديدة لأنها تعتبر أن العماد أدخله في جماعة القديسين وعليه أن يبقى قوياً، ولا يخطأ، بنعمة الله التي تسهر عليه.

من هنا، فالتوبة يجب أن تكون مخلصة وصادقة، والله يعطي حينئذٍ الغفران الكامل، الذي هو نعمة خاصة، للذين طهّروا نفوسهم وقلوبهم، بينما الخبثاء والكفرة المتمسكون بكفرهم يرفضهم ويبعدهم عن البرج الذي هو كنيسته. وبهذا المعنى يقول هرماس «عندما أنهى الراعي فحص كل الأغصان قال لي: لقد أريتك هذه الشجرة المحبة للحياة. أرأيت كم هم التائبون والمخلصون؟ قلت: إني أرى يا سيد.

قال الراعي: إن الله أعطى روح التوبة لمستحقيها حتى تدرك عظمة رحمته. قلت: لماذا لم يتب الجميع؟ قال: إن الله يعطي روح التوبة للقلوب التي يجب أن تتنقّى وتتطّهر، أما القلوب التي يملؤها الخبث فإن توبتها تكون توبة مرائية، ولن يعطيها روح التوبة لئلا تهين اسمه» (المثل الثامن، 6، 1-2).

وباختصار، فالكنيسة يجب أن تكون جماعة القديسين، وهي تؤمن وتعتقد أنه بإمكان كل مسيحي أن يحافظ على براءة العماد دون خطيئة، رغم أنها أيضاً تعرف مدى الضعف البشري. لذلك تقدّم للخاطئ وسيلة خلاص بعد هذا العماد إذا أخطأ من جديد، ولكن لمرّة واحدة. وبذلك يكون سر التوبة القانوني معطى بعد عيش روح التوبة الحقيقية. كل ذلك لأن رحمة الله وغفرانه هما المحرك الأساسي في قلب جماعة المسيح التي هي كنيسته على الأرض.

و/ الزواج في كتاب الراعي لهرماس:

بالنسبة إلى الزواج المسيحي، فإن عدم فسخه يؤكد عليه هرماس مراراً في كتاب «الراعي»، وحتى في حالة الزنى، كما أن الزواج الثاني بعد موت أحد الشريكين هو مسموح، بعكس ما بشّر به المتزمّتون في بعض البدع. ونعرض هنا الصعوبات والمشاكل التي طرحها هرماس والتي أجاب عليها «الراعي» بوضوح:

أولاً: هل يخطئ الزوج الذي يعيش مع امرأته الزانية؟ يجيب الراعي: كلا إذا كان يجهل ذلك. وأمّا إذا عرف بزناها وبقي معها فإنه كمن يشاركها بذلك: «قلت: اسمح لي يا سيدي أن أوجّه لك بعض الأسئلة. قال: قل. فقلت: يا سيدي، إذا كان لرجل زوجة وكان يعتقد أنها مخلصة ثم تبيّن له أنها تزني أيخطئ إن استمر عائشاً معها؟ أجاب: إذا عاش معها وكان لا يدري بأنها تخطئ فإنه لا يخطئ، أمّا إذا اكتشف أنها تزني ورفضت أن تتوب وثابر على العيش معها فإنه يخطئ ويشترك معها في الزنى.

قلت: ماذا يجب أن يفعل الزوج إذاً؟ أجاب: عليه أن يتركها وأن يعيش وحيداً، أمّا إذا تزوج ثانية بعد ترك زوجته فإنه يزني» (الوصية الرابعة، 1، 4-6).

ثانياً: إذا ندمت الإمرأة الزانية، بعد أن يكون تركها زوجها، فهل يعود إليها ويقبلها؟ يجيب الراعي: نعم يجب أن يقبلها إذا تابت، وإلا ارتكب خطيئة، وعليه تحمّل المسؤولية: «قلت: وإذا تابت المرأة بعد تركه لها، وأرادت أن تعود إلى زوجها، ألا يجب أن يقبلها؟ قال: لا شك.

قلت: وإذا رفض قبولها؟ قال: إنه يرتكب خطيئة ويتحمّل مسؤولية كبرى لأنه يجب أن يقبل التائب لمرّة واحدة لا لأكثر، لذلك لا يجوز لرجل أن يتزوج مرة أخرى، وكذلك المرأة» (الوصية الرابعة، 1، 7-8).

ثالثاً: وهل ما هو متوجب على الرجل بالنسبة لامرأته هو نفسه متوجب على المرأة؟ يجيب الراعي: الأمر نفسه يطبق على الرجل الذي يزني كما على المرأة: «لا يزني المرء إذا دنس جسده فقط، بل إذا تصرّف كما تتصرّف الأمم أيضاً. إذا ثابر أحدهم على ذلك ولم يقبل أن يتوب فابتعد عنه ولا تعاشره، وإلا تكون شريكاً في خطيئته. لذلك يمنع الرجل والمرأة من الزواج الثاني لأن المنع يفسح المجال للتوبة.

قال: إني لا أسهل مثل هذه الأعمال. هدفي هو منع الخاطئ عن الخطيئة. من أخطأ سابقاً فهناك من يستطيع شفاءه. يشفيه المالك القدرة لفعل كل شيء» (الوصية الرابعة، 1، 9-11).

رابعاً: أمّا إذا مات أحد الزوجين، فهل يخطئ الزوج الحيّ إذا تزوج مرة ثانية؟ يجيب الراعي: كلا، لكن يحوز على شرف عظيم ويكرّم المخلص إذا حافظ على عفته: «ثم سألته قائلاً: ما دمت يا سيدي قد احتملت أسئلتي فاسمح لي أن أسألك هذه المرة أيضاً. لو فرضنا يا سيدي أن الزوجة قد توفيت أو بالعكس، أيجوز لأحدهما أن يتزوج؟ وهل يخطئ إذا فعل ذلك؟ قال: كلا لا يخطئ، ولكن إذا بقي بدون زواج فإنه يحوز على شرف عظيم ويكرّم المخلص.

حافظ إذاً على العفة والشرف فتحيا في الله. حافظ من الآن على كل ما قلته وسأقوله لك. حافظ على ذلك من تاريخ استلامي لك ودخولي إلى بيتك. إذا حفظت وصاياي فخطاياك السابقة تغفر لك، لا بل كل خطايا الآخرين تغفر لهم إذا حافظوا على هذه الوصايا وسلكوا طريق العفة» (الوصية الرابعة، 4، 1-4).

وهكذا، باختصار، فإن الزاني تغفر خطيئته لمرة واحدة، والزواج الثاني بعد موت أحد الشريكين ليس خطأً، لكن الحفاظ على العفة هو شرف عظيم وتكريم للمخلص.

الخلاصة

من كل ما تقدّم يمكننا اختصار تعليم هرماس في «الراعي» بأنه تعليم أدبي، أخلاقي، روحي. فالهمّ الأساسي الذي كان يشغل المؤلف هو حثّ المؤمنين على العيش بالتزام وبإخلاص للعقيدة التي اعتنقوها في زمن كانت فيه الكنيسة تتنفس الصعداء بعد الاضطهادات التي توالت وقبل الاضطهادات التي ستلي، بحيث أن الرخاء القليل الذي حصلت عليه جعل الكثيرين من أبنائها يفترون في إيمانهم، ويصبحون منهمكين بشؤونهم الزمنية، الأمر الذي تطلّب تذكيراً بجوهر الروح المسيحية.

فالمسيحي الحقيقي ليس ذلك الذي حفظ الوصايا وحسب، بل أيضاً ذلك الذي يقوم بأعمال صالحة ليحقق لنفسه الغبطة. وبهذا المعنى يقول في المثل الخامس: «فإذا فعلت حسنة علاوة على أوامر الله فإنك تحقق مجداً عظيماً وتكون ممجداً عند الله حيث تدعى لتكون. وإذا حافظت على وصاياه وأضفت إليها أعمالاً صالحةً بتطبيقك لها فإنك تحقق لنفسك الغبطة» (المثل الخامس، 3، 3).

غير أن هرماس لم يكن ذلك اللاهوتي البارع، على حدّ قول اللاهوتي «باردي» (Bardy) في كتابه «لاهوت الكنيسة من القديس كليمنضوس الروماني إلى القديس ايريناوس»، باريس 1945، ص 141. لذلك نراه في حيرة كبرى عندما يتكلم عن التجسّد. فاسم «يسوع» مثلاً، واسم «المسيح» لا يأتي على ذكرهما إلا قليلاً.

هو يتكلم عن ابن الله، أو عن الابن الحبيب، ولكن ابن الله هذا يتطابق. والروح القدس. وبهذا المعنى يقول: «الحقل هو العالم، وسيد الحقل هو خالق الكل ومجهزّه ومقوّيه، وأمّا الابن فهو الروح القدس، وأما العبد فهو ابن الله» (المثل الخامس، 5، 1). كذلك نراه أيضاً يجعل من الملاك ميخائيل، الملاك العظيم والممجّد، ابن الله ورئيس الملائكة.

في حالة كهذه، ماذا يمكننا القول عن كتاب لاهوته غير واضح؟ الجواب هو التالي:

أولاً: إن الالتباس بين «ابن الله» و«الروح القدس» كان منتشراً في ذلك العصر. وهذا ما بيّنه اللاهوتي «جان دانييلو» (Jean Danielou) في كتابه «تاريخ المعتقدات المسيحية قبل مجمع نيقيا»، تورنه – باريس، 1958 – 1961. فالعقيدة لم تحدّد كليّاً إلا في ذلك المجمع.

ثانياً: إن اللاهوتيين كانوا غارقين في التفاسير أكثر منه في التحديدات. وهرماس كان من هؤلاء الذين كانوا يشدّدون على الحياة الأخلاقية والمسلكية أكثر منه على التحديدات اللاهوتية. وبهذا المعنى يقول اللاهوتي «جولي» (Joly) في مقدمته لكتاب «الراعي»: «إنه الكاتب الأخلاقي الذي يلفت الانتباه. فهرماس أراد أن يكون كاتباً أخلاقياً، ولم يؤكد مرة واحدة على أنه لاهوتي بحصر المعنى» (هرماس: الراعي، المقدمة، 33).

من هنا يمكننا استنتاج ما يلي: إن الجهد الإنساني، في نظر هرماس، يجب أن يشدّد على الحفاظ على روح الله الموجود فينا. ومخافة الله، التي يتكلم عنها دائماً، هي مفتاح ذلك. والمحافظة على الوصايا لا تكفي، بل علينا أن نضيف إليها أعمالاً صالحةً. فالأعمال الصالحة هي واجبة وضرورية للخلاص كما الالتزام بالتعليم الإلهي. وكل عمل لا يكون خاضعاً لإرادة الله هو عمل ناقص، وربما يحمل إلينا العقاب بدل الجزاء الحسن.

لذلك، على المسيحي أن يسير بخطى الله وبوحيه كما تعلّم الكتب المقدسة، وكما تعلّم الكنيسة الجامعة التي تجسّد تعليمه وتسهر عليه، خدمة للنفوس، وتمجيداً لله. وكل ما جاء في الرؤى والوصايا والأمثال شاهد على ذلك.

كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث

ما صحة وجود آيات من الإنجيل على جدران إحدى مستشفيات العين – أبو ظبي؟

ما صحة وجود آيات من الإنجيل على جدران إحدى مستشفيات العين – أبو ظبي؟

ما صحة وجود آيات من الإنجيل على جدران إحدى مستشفيات العين – أبو ظبي؟

ما صحة وجود آيات من الإنجيل على جدران إحدى مستشفيات العين – أبو ظبي؟

تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي صورة لمستشفى الواحة في منطقة العين – أبو ظبي عليها آيات من الإنجيل المقدس، ولهذا باشرنا في اليتيا التدقيق في الموضوع.
مستشفى الواحة هو مشفى خاص أسسته الدكتورة الأمريكية ماريان كنيدي هي وزوجها بات أوائل ستينيات القرن الماضي، عرف أهل مدينة العين الدكتورة كنيدي باسم ”ماما لطيفة” وتوفيت عن عمر يناهز 84 عاما.

ما صحة وجود آيات من الإنجيل على جدران إحدى مستشفيات العين – أبو ظبي؟

ولامارة أبو ظبي محبة كبيرة للعائلة حيث عند وفاتها بعثت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك برقية تعزية الى عائلة كينيدي قالت فيها إن أبناء الإمارات وخاصة في مدينة العين والمنطقة الشرقية سيذكرون دائما الدكتورة ماريان وأياديها البيضاء من خلال الخدمات الطبية والرعاية الصحية الجليلة التي قدمتها إليهم.

ما صحة وجود آيات من الإنجيل على جدران إحدى مستشفيات العين – أبو ظبي؟

ويعتبر المستشفى شاهدا على قصة تطور مجتمع يحمل في طياته وثنايا ذاكرته قصصاً وحكايات يتبادلها أبناء المدينة عن أول مستشفى في مدينة العين، وكيف كانوا يتلقون العلاج، وكيف كـــــــانت العيادات في بداية عهدها تحت سعف النخيل.

ما صحة وجود آيات من الإنجيل على جدران إحدى مستشفيات العين – أبو ظبي؟

رسالة المستشفى هي توفير معيار دولي للرعاية الصحية وخدمات عالية الجودة إلى المجتمعات التي تخدمها، بينما تمثل حنان وحب يسوع المسيح.
وفي بحثنا، عرفت أليتيا أن المرضى يحصلون على انجيل عند دخولهم المستشفى، كما وتحتفل المستشفى بالأعياد المسيحية والمسلمة على حد سواء.

ما صحة وجود آيات من الإنجيل على جدران إحدى مستشفيات العين – أبو ظبي؟

هذا ما يريده العالم، انفتاح مسيحي اسلامي وهذا ما جعل من دولة الامارات احدى أبرز دول العالم اقتصادياً وثقافياً.

ما صحة وجود آيات من الإنجيل على جدران إحدى مستشفيات العين – أبو ظبي؟

المصدر: http://ar.aleteia.org

ما هو الكتاب المقدس؟

ما هو الكتاب المقدس؟

رسالة وشهادة : ما هو الكتاب المقدس؟

رسالة وشهادة : ما هو الكتاب المقدس؟

“فماذا إن خان بعضهم؟ أتبطل خيانتهم وفاء الله”؟ (رو 3: 3)

رسالة وشهادة : ما هو الكتاب المقدس؟ هل هو كتاب كالكتب الأخرى المعدَّة للقارئ العادي الذي ننتظر منه أن يستوعب معناه مباشرة؟ إنه بالأحرى كتاب شريف موجَّه إلى المؤمنين أولاً. وممَّا لا شك فيه أن المرء يقدر أن يقرأ أي سفر مقدَّس كما يقرأ “النصوص الأدبية” عادة. لكن هذه القراءة لا علاقة لها بهدفنا المباشر، فنحن لا نهتم بالحرف بل بالرسالة. هذا ما عبَّر عنه بقوة القديس إيلاريون في قوله: “الكتاب المقدس ليس بقراءته، بل بفهمه” (Scriptura est non in legendo, sed in intelligendo). هل نجد في الكتاب المقدَّس، مأخوذاً كلاًّ، وكتاباً واحداً، رسالة معيَّنة؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فإلى من تكن هذه الرسالة موجَّهة بشكل خاص؟ أ إلى أشخاص مؤهَّلين لفهم الكتاب وتفسير رسالته؟ أم إلى الجماعة والأشخاص بصفة كونهم أعضاء في هذه الجماعة؟

مهما كان أصل النصوص التي يشتمل عليها الكتاب المقدس فمن الواضح أنه في مجمله من خلق الجماعة في التدبير القديم والكنيسة المسيحية على حد سواء. فهو لا يشتمل على كلِّ النصوص التاريخية والتشريعية والتعبّدية الموجودة، بل على نخبة منها. وهذه النخبة أصبحت ذات سلطان من خلال استعمالها -وعلى الأخص في الليتورجيا- وفي وسط الجماعة ومن خلال القيمة التي أعطتها لها الكنيسة. لقد كان هناك هدف واضح يحدِّد هذه “النخبة” ويعيِّنها: “وصنع يسوع أمام تلاميذه آيات أخرى غير مدوَّنة في هذا الكتاب. أمَّا الآيات المدوَّنة هنا، فهي لتؤمنوا بأن يسوع هو المسيح ابن الله. فإذا آمنتم نلتم باسمه الحياة” (يوحنا 20: 30-31). ينطبق هذه الهدف على الكتاب كلِّه.

فما حصل هو أن بعضاً من الكتابات اختير وجُمع وسُلِّم بعد ذلك إلى المؤمنين ليكون نسخة عن الرسالة الإلهية يجد اعتمادها. إن الرسالة إلهية وآتية من الله، بل إنها كلمته، لكن المؤمنة هي التي سلَّمت بصحة الكلمة التي قيلت وهي التي شهدت لحقيقتها. لذلك فإننا نؤكد الصفة المقدسة للكتاب بواسطة الإيمان. ولأن الكتاب أُلِّف ضمن الجماعة بهدف بنيانها، فلا نقدر أن نفصل الكنيسة عن الكتاب المقدس. فالكتاب والعهد متصلان اتصلاً وثيقاً، والعهد يفترض وجود شعب، ولذلك ائتُمن الشعب على كلمة الله (رو3: 2) في التدبير القديم. أمَّا في التدبير الجديد فائتُمنت كنيسة الكلمة المتجسد على رسالة الملكوت. فالكتاب هو حقاً كلمة الله، لكنه يستند إلى شهادة الكنيسة التي وضعت قانون الكتاب وثبتته.

على المرء ألاَّ يغفل الخلفية التبشيرية للعهد الجديد الذي تجسَّدت ودُوِّنت فيه “البشارة الرسولية” بهدفيها: بنيان المؤمنين وهدي العالم. إذن، العهد الجديد ليس كتاب الجماعة حصراً كما كان العهد القديم. فهو ما زال كتاباً تبشيرياً، لكنَّه يبقى مع ذلك في حمىً عن الغرباء. كان موقف ترتليان من الكتاب المقدس نموذجياً، لأنه لم يكن مستعداً للبحث مع الهراطقة على أسس كتابية في المواضيع الإيمانية التي لم يكونوا على اتفاق فيها. فالكتاب يخصّ الكنيسة، ولذلك كان احتكام الهراطقة إليه غير شرعي، إذ لا حقّ لهم في ملك غريب. هذه الحجَّة الرئيسة نجدها في مبحثه الشهير “معارضة الهراطقة” (De praescriptione haereticorum) حيث يؤكد أن غير المؤمن لا يحقّ له لمس الرسالة، لأنه لم “يستلمها”. فلا “رسالة” له في الكتاب المقدس.

لم يكن مصادفةً إعتبار منتخبات متعدَّدة ومدوَّنة في أوقات مختلفة وعلى يد مؤلفين عديدين كتاباً واحداً. فلفظة ta biblia بصيغة الجمع، في حين أن لفظة Bible (الكتاب) بصيغة المفرد. وهذا دليل على أن هذه الأسفار تؤلف كتاباً مقدساً واحداً، ذا موضوع رئيسي واحد ورسالة واحدة، بل تؤلف رواية العلاقات بين الله وشعبه المختار، ومدوَّناً يودر أفعال الله وعظائمه (Magnalia Dei).

فالله ابتدأ بالمسيرة، إذ هناك بداءة ونهاية تكون الهدف والغاية، أي هناك نقطة إنطلاق كامنة في كلام الله “في البدء” (تكوين 1: 1) ونهاية يشير إليها كلام الرؤيا الختامي: “تعالي أيها الرب يسوع” (رؤيا 22: 20). إذن، هناك قصة كاملة تبتدئ من سفر التكوير وتنتهي بسفر الرؤيا، وهذه القصة هي تاريخ، ومسيرة تتحرك بين هاتين النقطتين. ولهذه المسيرة إتجاه معيَّن. وهناك هدف أساسي ورجاء إكتمال سيتحقق في آخر الأزمنة. فهذه القصة ذات مراحل وكل مرحلة ترتبط بطرفي المسيرة ولها مكانة صحيحة وفريدة في القصة كلِّها. لذلك تُفهم كلّ مرحلة من السياق كلِّه والمنظور كلِّه.

كلَّم الله آباءنا “مرَّات كثيرة وبمختلف الوسائل” (عبر 1: 1) وكشف عن نفسه خلال العصور باستمرار قائداً شعبه من حقيقة إلى حقيقة. فهناك مراحل في إعلانه واستزادة (per incrementa). وهذا التنوع يجب ألا يُهمل أو يُغفل. ولكن يبقى الله في هذا الإعلان المتعدِّد الأنواع هو هو ورسالته السامية هي هي. فتماثل الرسالة هو الذي يعطي الكتابات المختلفة وحدتها الحقيقية، رغم تنوع أساليبها. لقد أُدرجت في الكتاب روايات مختلفة دون أن تُغيَّر، حتى أن الكنيسة عارضت كلّ المحاولات لاستبدال الأناجيل الأربعة بإنجيل واحد يؤلِّف بينها، أي عارضت تحويل “الأناجيل الأربعة” (Tetraevangelion) إلى “الإنجيل الرباعي” (Diatessaron)، رغم الصعوبات الناجمة عن “الاختلافات بين الإنجيليين” (التي تصارع معها المغبوط أوغسطين). والسبب هو أن الأناجيل الأربعة تثبّت وحدة الرسالة تثبيتاً تاماً، ربما بشكل أكثر تماسكاً من أي جامع يجمعها.

إن الكتاب المقدس سِفر عن الله، لكّن إله الكتاب ليس مخفيّاً (Deus absconditus) بل معلن (Deus revelatus) يكشف عن ذاته ويفعل في صميم الحياة الإنسانية. فما الكتاب مجرّد مدوَّن إنساني عن أعمال الله وأفعاله، بنوع من التدخل الإلهي نفسه. فالكتاب يحمل في طيّاته الرسالة الإلهية. وبما أن أعمال الله تؤلّف رسالة، فإننا لا نحتاج إلى تجاوز الزمان أو التاريخ حتى نلاقي الله. فهو يلاقي الإنسان في التاريخ، أي في العنصر الإنساني، في وسط وجود الإنسان اليومي.

فالتاريخ ينتسب إلى الله، والله يدخل التاريخ الإنساني. إن الكتاب المقدس في جوهره مرلَّف تاريخي يدوّن أعمال الله، من غير أن يكشف أسراره الأزلية، لأن هذه الأسرار لا تُدرك إلاّ عن طريق التاريخ: “ما من أحد رأى الله. الابن الأوحد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه” (يوحنا 1: 18). وأخبرنا عنه بدخوله التاريخ، أي بتجسده المقدّس. ولذلك يجب ألاّ نتخلّص من الإطار التاريخي للإعلان، لأننا لا نحتاج إلى تجريد الحقيقة المعلَنة لنا عن الإطار الذي حصلت فيه الإعلانات. فتجريد كهذا يلغي الحقيقة ذاتها التي ليست فكرة بل شخص هو الرب المتجسد.

ما يستوقفنا في الكتاب هو تلك العلاقة الخالصة بين الله والإنسان، فهي أُلفة العهد، أُلفة اختيار وتبنٍّ. وهي تبلغ أوجها في التجسد عندما “أرسل الله ابنه مولوداً لامرأة، مولوداً في حكم الشريعة” (غلاطية 4: 4). في الكتاب لا نرى الله وحده، إذ نرى الإنسان أيضاً. إنه إعلان الله، لكن ما أُعلن هو اهتمام الله بالإنسان. فالله يعلن للإنسان عن نفسه ويظهر له ويكلّمه، ويكشف له عن المعنى الخفي لوجوده وعن الهدف الأسمى لحياته. إننا نرى الله آتياً ليعلن عن نفسه ونرى الإنسان يلاقيه ويسمع صوته ويجيبه، أي إننا لا نسمع صوت الله فقط، بل صوت الإنسان مجيباً بكلام الصلاة والشكر والعبادة والرهبة والمحبة والحزن والنم والتهليل والأمل واليأس. ففي العهد شريكان، الله والإنسان، يجتمعان في سرّ اللقاء الإلهي – الإنساني الحقيقي، الموصوف والمدوَّن في قصة العهد، حتى إن الإجابة الإنسانية تندمج في سرّ كلمة الله.

في الكتاب حوار يشترك فيه الله والإنسان، لأنه ليس مونولوجاً إلهياً. فهما يتكلمان، ولكن تكون صلوات كاتب المزامير وتضرعاته، مع ذلك، “كلمة الله”. فالله يريد ويتوقع ويطلب هذا الجواب أو الاستجابة من الإنسان، لأنه يكشف له عن نفسه ويحاوره ويقيم العهد مع أبناء الناس، من دون أن تعرَّض هذه المودة والأُلفة تعالي الله للخطر. “فمسكنه نور لا يُقترب منه” (1 تيمو 6: 16). لكن هذا النور “حاء العالم لينير كلّ إنسان” (يوحنا 1: 9). هذا هو سرّ الإعلان و”غرابته”.

ولأن الإعلان تاريخ للعهد، فالإعلان المدوَّن -الكتاب المقدَّس- هو قبل كلّ شيء تاريخ. فالشريعة والأنبياء والمزامير والنبوءات أمور محوكة في النسيج التاريخي الحيّ. إن الإعلان الإلهي ليس مجموعة أقوال إلهية وحسب بل هو في الأساس بيان عن الأعمال الإلهية وممرّ لله إلى التاريخ. وهذا الإعلان بلغ أوْجَه عندما تجسَّد كلمة الله وتأنَّس. لكنَّ كتاب الإعلان مصنَّف عن المصير الإنساني أيضاً، لأنه يقص حوادث خلق الإنسان وسقوطه وخلاصه. وبما أن الكتاب يقصّ تاريخ الخلاص فالإنسان ينتمي عضوياً إلى هذه القصة، فيظهره لنا الكتاب في طاعته وثورته العنيدة وفي سقوطه ونهوضه. ويتلخَّص المصير الإنساني كلّه في مصير إسرائيل القديم والجديد الذي هو شعب الله المختار.

إن لحدث الاختيار أهميَّة بالغة، لأن شعباً قد اختير وفٌرز عن الأمم الأخرى وصار واحة مقدسة وسط الفوضى الإنسانية. فالله أقام عهده مع شعب واحد وأعطاه شريعته المقدسة. ومن هذا الشعب برز كهنوت حقيقي وإنْ كان كهنوتاً مؤقتاً، ومنه ظهر أنبياء حقيقيون نطقوا بكلمات ملهمَة من روح الله. فكان هذا الشعب مركزاً مقدَّساً وإن كان مركزاً خفيّاً للعالم كلّه، وواحة حبْتنا بها رحمة الله في عالم ساقط وخاطئ وضال وغير مخلَّص. كل هذه الأمور لا تشكِّل حرف الرسالة الكتابية، بل قلبها، فهي لم تكن عملاً بشرياً، بل أتت من الله. لكنها كانت “من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا”. إن الميزات التي أُعطيت لإسرائيل القديم خضعت لهدف أسمى وهو الخلاص الكوني “لأن الخلاص يجيء من اليهود” (يوحنا 4: 22).

كونيٌّ هدف الخلاص، لكنه يتمّ عن طريق الفرز والاختيار، عندما يُوجِد الله في وسط السقوط والدمار الإنسانيين واحة مقدَّسة. فالكنيسة أيضاً هي واحة مفروزة لكنها غير منفصلة عن العالم، لأنها ليست ملجأ وحمى فقط، بل حصن أماميّ وطليعة جيش الله.

في الكتاب المقدس هناك خط الأحداث الزمنية مركز أو نقطة حاسمة تكوِّن بداءة جديدة، لكنها لا تقسم المسيرة إلى مرحلتين، بل تزيدها تماسكاً واتحاداً، حتى إن التمييز بين العهدين ينتمي إلى وحدة الإعلان الكتابي. يجب أن نميِّز بين العهدين تمييزاً واضحاً دون أن نخلط بينهما، رغم ارتباطهما العضوي. وهذا الإرتباط لا يقوم فقط على كونهما منهجين، بل أساساً على شخص يسوع المسيح. إن يسوع المسيح ينتمي إلى العهدين كليهما. فهو يُتمّ التدبير القديم ويكمل “الشريعة والأنبياء” ويدشِّن العهد الجديد، وبالتالي يكمل العهدين، أي الكل. هو مركز الكتاب المقدس نفسه لأنه هو البدء (arche) والنهاية (to telos). هذه الوحدة السرِّية بين البدء والمركز والنهاية تعطي المسيرة الزمنية بشكل غير متوقَّع واقعيتها الأصيلة ومعناها التام، من دون أن تهدم الحقيقة الوجودية للزمن. فلا يوجد مجرَّد أحداث تعبر، بل وقائع ومآثر وأمور جديدة تبرز دوماً إلى الوجود: “ها أنا أجعل كلّ شيء جديداً” (رؤيا 21: 5).

في النهاية يجب أن نعتبر العهد القديم “كتاباً لميلاد يسوع المسيح، ابن داود، ابن إبراهيم” (متى 1: 1)، لأنه كان فترة وعود وانتظار وزمن عهود وتنبوءات. فلم يكن الأنبياء وحدهم الذين يتكلَّمون بالنبوءات، بل الأحداث. كان التاريخ كلّه نبوياً و”نموذجياً” وعلامة نبوية تشير إلى الاكتمال المستقبلي. أمَّا الآن فقد انتهت فترة الانتظار وتحقَّق الوعد وجاء الرب ليقيم مع شعبه إلى الأبد. انتهى تاريخ اللحم والدم وظهر تاريخ الروح: “وأمَّا بيسوع المسيح فوهبنا النعمة والحق” (يوحنا 1: 17). إنه إكمال للقديم وتحقيق له وليس هدماً. “إن العهد القديم يمتد إلى العهد الجديد” (Vetus Testamentum in Novo patet). والفعل “patet” يعني “أُعلن” و”أُكمل”.

وهكذا تبقى أسفار العبرانيين مقدَّسة حتى عند إسرائيل المسيح الجديد، ويجب ألاَّ نتخلَّى عنها أو نهملها، لأنها ما زالت تروي لنا قصة الخلاص وعظائم الله (Mangnalia)، وتشهد للمسيح. ولذلك يجب أن تُقرأ في الكنيسة ككتاب تاريخ مقدَّس، من دون أن تتحوّل إلى مجموعة من النصوص الإثباتية والشواهد أو المواقع اللاهوتية (Loci theologie) أو إلى كتاب أمثال وحِكَم. فالنبوءات تحققت والنعمة حلَّت محلّ الشريعة، لكن لم يزُل أيّ شيء، لأن “الماضي” في التاريخ المقدَّس لا يعني ما “انقضى” أو “زال”، بل أساساً ما أُنجز وأُكمل. “والإكمال” هو المقولة الأساسية في الإعلان الإلهي.

فكلّ ما تقدَّس يبقى مكرَّساً إلى الأبد وحاملاً ختم الروح القدس الذي ما زال ينفخ في الكلمات التي أوحى بها. وقد يصح أن نقول إن العهد القديم ليس أكثر من كتاب عندنا وعند الكنيسة، لأن الإنجيل أخذ مكان الشريعة والأنبياء. أمَّا العهد الجديد فهو أكثر من كتاب، لأننا ننتمي إليه، مؤلِّفين شعب الميثاق الجديد. ولذلك نحن نفهم الإعلان في العهد القديم ككلمة الله “ونشهد للروح الذي تكلَّم بواسطة الأنبياء”. لأن الله تكلَّم بواسطة ابنه في العهد الجديد، ونحن نُدعى لا لأن نسمع فقط، بل لأن ننظر إليه: “الذي رأيناه وسمعناه نبشِّركم به” (1 يوحنا 1: 3). فنحن نُدعى لأن نكون “في المسيح”.

إن ملء الإعلان الإلهي هو يسوع المسيح، والعهد الجديد هو تاريخٌ كالعهد القديم. فهو التاريخ الإنجيلي عن الكلمة المتجسد وبدء التاريخ الكنسي، وهو التنبؤ الإعلاني (apocalyptic) أيضاً. الإنجيل تاريخ والأحداث التاريخية هي أساس الإيمان ومصدره وقاعدة الرجاء المسيحي، لأن العهد الجديد يقوم على وقائع وأحداث وأعمال وليس على تعاليم ووصايا وكلمات فقط. منذ البدء، في يوم الخمسين، عندما شهد القديس بطرس، بصفته شاهد عيان، على أن ملء الخلاص قد تمَّ بالرب الناهض قائلاً: “ونحن كلُّنا شهود (martyres) على ذلك” (أعمال 2: 32)، كانت للبشارة الرسولية صفة تاريخية أكيدة. وعلى أساس هذا الشاهد التاريخي تقوم الكنيسة. إن للعقائد المسيحية بنية تاريخية أيضاً، لأنها ترجع دائماً إلى الأحداث والواقع التي تشكّل التاريخ المقدس. وفي سرّ المسيح “يحل ملء الألوهية كلّه حلولاً جسدياً” (كولوسي 2: 9).

هذا السرّ لا يُفهم على الصعيد الأرضي فقط، لأن له بعداً آخر، لكنَّ الحدود الأرضية لا تُلغى، بل تظهر بعض العوامل التاريخية بجلاء في صورة المسيح المقدسة. كان التبشير الرسولي دوماً سرداً لما حصل، هنا وفي هذه اللحظة (Hic et nunc)، وما حصل كان جديداً وجوهرياً، لأن “الكلمة صار بشراً” (يوحنا 1: 14). فالتجسد والقيامة والصعود هي أحداث تاريخية، لكنَّها لا تحمل معنى أحداث حياتنا اليومية نفسها ولا تكون على المستوى نفسه. لكنَّها لم تكن أقل تاريخية وواقعية، لأنها كانت تزخر بالواقعية أكثر من تلك. من الطبيعي ألا نستطيع تأكيدها إلاَّ عن طريق الإيمان. لكن هذا التأكيد لا يبعدها عن إطارها التاريخي.

فالإيمان يكتفي بالكشف عن بعد جديد ويفهمنا المعطى التاريخي في عمقه وحقيقته الكاملة. إن الإنجيليين والرسل لم يكونوا مؤرخين عاديين حتى حتى يوردوا كل أعمال يسوع وأفعاله يوماً فيوماً وسنة فسنة. إنهم دوَّنوا سيرة حياته وسردوا أعماله ليقدِّموا لنا صورته التاريخية والإلهية بوقت واحد. فهذه الصورة لم تكن صورةً لملامح جسده، بل أيقونة تاريخية للإله المتجسد. الإيمان لا يخلق قيماً جديدة، بل يكشف عن قِيَمٍ موجودة. إنه نوع من الرؤيا “وتصديق ما لا نراه” (عبرانيين 11: 1). (يفسِّر الذهبي الفم لفظة elenchos “التصديق” أو “الإيقان” مثلما يفسِّر لفظة opsis “وجه”). فما “لا يُرى”  لا يقلّ واقعية عمّا “يُرى” ولعلّه أكثر واقعية. “لا يقدر أحد أن يقول إن يسوع رب إلاّ بإلهام من الروح القدس” (1 كور 12: 3). أي إننا لا نقدر أن نستوعب عمق المعاني الإنجيلية إلا عن طريق الخبرة الروحية. وما يكشفه الإيمان يُعطى بحقّ.

ولأن الأناجيل كُتبت في الكنيسة فهي شهادة الكنيسة ومدوّنات خبرتها وإيمانها، كما أنها سرد لأحداث تاريخية وشهادة لوقائع حدثت فعلاً في مكان معيَّن وزمن محدَّد. وإذا كنَّا نكتشف “بالإيمان” أكثر ممّا نكتشف “بالحواس” فهذا دليل واضح على عدم كفاية الحواس في معرفة الأمور الروحية، خصوصاً أن ما حدث كان عملاً جبَّاراً قام به إلهنا المنقذ، وتدخلاً إلهياً في مجرى الأحداث التاريخية. لكن يجب ألاَّ نفصل بين “الحدث” و”معناه” لأنهما يقدِّمان لنا الحقيقة.

بما أن الكنيسة تحفظ الإعلان فهي تفسِّره تفسيراً صحيحاً. ولا شك أن الإعلان يُصان بالكلمات المدوَّنة، لكنَّ هذه الكلمات لا تستنفد الإعلان كله، لأن الكلمات البشرية ليست سوى علامات ومدلولات لا تحييها إلاَّ شهادة الروح. إننا لا نعني بهذا إنارة الروح القدس لعدد من البشر في وقت معيَّن، بل العون الدائم الذي يهبه الروح القدس لكنيسة الله، “عمود الحق ودعامته” (1 تيمو 3: 15). يحتاج الكتاب المقدس إلى تفسير وشرح، لأن الشيء الجوهري هو رسالة الكتاب لا كلامه. هنا يقوم عمل الكنيسة التي أقامها الله لتشهد دائماً للحقيقة المطلقة وللمعنى الكامل للرسالة، لأنها تنتمي إلى الإعلان بكونها جسد الرب المتأنس. بل إن نشر الإنجيل والتبشير بكلمة الله ينتميان كلاهما إلى جوهر (esse) الكنيسة التي تعتصم بشهادتها. وما هذه الشهادة رجوعاً إلى الماضي أو تذكراً لأحداث غابرة وحسب، بل كشف مستمر عن الرسالة المعلنة إلى القديسين والمصونة بالإيمان.

فالرسالة تتحقَّق من جديد في حياة الكنيسة حيث يكون المسيح حاضراً كمخلِّص وكرأس لجسده، مكملاً عمله الخلاصي فيها. ولذلك، لا يُعلن الخلاص في الكنيسة فقط، بل يتحقَّق فيها، لأن التاريخ المقدس ما زال مستمراً وعظائم الله باقية. هذه العظائم (magnalia Dei) لا تقتصر على الماضي، بل يستمر حضورها ووجودها في الكنيسة وبواسطتها في العالم. الكنيسة جزء لا يتجزأ من رسالة العهد الجديد وهي قسم من الإعلان الإلهي وقصة “المسيح التام” (“المسيح التام، رأس وجسد”، totus Christus caput et corpus على حد تعبير أوغسطين)  والروح القدس. لكنَّ نهاية (telos) الخلاص لم تبرز إلى حيِّز الوجود بعد. إن خبرة الكنيسة وحدها تُبقي العهد الجديد حيّاً، لأن تاريخ الكنيسة هو قبل كل شيء تاريخ الخلاص. ولذلك تُعلَن وتُثَبَّت حقيقة الكتاب بنمو الجسد الذي هو الكنيسة.

تاريخ ومنهج: يجب أن نقبل مباشرة كون الكتاب المقدس صعباً ومختوماً بسبعة أختام. وكلَّما مرَّ الزمان أصبح أكثر صعوبة. ولكنَّ صعوبته لا ترجع إلى أنه مدوَّن “بلغة مجهولة” أو إلى احتوائه “كلمات سرِّية لا يُسمح لنا بتلاوتها”. فبساطته التامة هي حجر عثار لنا، لأن أسرار الله موضوعة في قوالب الحياة اليومية عند الإنسان العادي، حتى إن التاريخ كلّه يظهر بشرياً مثلما كان الرب المتجسد.

الكتاب “موحى به” من الله، فهو كلمته. لكنَّ بحث ماهية الوحي بدقة أمر مستحيل، لأنه محاط بسر، بسر مواجهة الله للإنسان. إننا لا نستطيع أن نفهم الطريقة التي سمع بها “قديسو الله” كلمة سيدهن، ولا كيفية تعبيرهم اللغوي عمَّا أوحى به الله إليهم. وحتى في عملية تعبيرهم الإنسان كان صوت الله معهم. هذه هي معجزة الكتاب  وأسراريته: إنه ظهور كلمة الله مدوَّنة في لغة بشرية. ومهما كانت الطريقة التي نفهم بها الوحي الإلهي فعلينا ألاَّ تغفل عاملاً أساسياً وهو أن الكتاب ينقل إلينا كلمة الله في لغة بشرية.

فالله كلَّم الإنسان بالفعل، وهذا يفترض وجود من يسمع الكلمة ويعيها. ولذلك ترتبط “التشبيهية” (anthropomorphism خلع الصفات الإنسانية على الله) بهذا الأمر، لأنه لا مجال هنا لانزلاق نحو الضعف البشري، لأن اللسان البشري لا يفقد خصائصه الطبيعية عندما يصير عربة للإعلان الإلهي. فإذا ما أردنا أن تكون كلمة الله مدوِّية، فلساننا يجب أن يبقى لساناً بشرياً. إن الإلهام الإلهي لا يمحو العنصر البشري، بل يغيِّر وجهه فقط. فكل “ما يفوق الطبيعة” لا يهدم “ما هو طبيعي”: “ما هو فوق الطبيعة” (hyper physin) لا يعني “ما هو بخلاف الطبيعة” (para physin). واللغة الإنسانية لا تخون الإعلان الإلهي ولا تقلِّل من شأنه أو تقيِّد قوة كلمة الله. وما دام الإنسان مخلوقاً على صورة الله ومثاله فهو يقدر أن يعبِّر عن كلمة الله بكلماته البشرية بشكل كافٍ وصحيح، لأن كلمة الله لا تخفت عندما ينطق بها لسان بشري. أمَّا قبول الله مخاطبة الإنسان فقد أكسب الكلمة البشرية قوة وعمقاً جديدين، وأعطاها شكلاً مختلفاً.

وعندما ينفخ الروح في نظام اللغة البشرية يقدر الإنسان أن ينطق بكلام الله وأن يتحدَّث عن العلي، أي يكون “اللاهوت” ممكناً. فاللاهوت (Theologia) هو كلام على الله (Logos peri Theou). وهو ممكن من خلال الإعلان الإلهي فقط. إنه استجابة بشرية لما تكلَّم به الله أولاً، وشهادة إنسانية لله الذي كلَّمه ولمن سمع كلمته وحفظها. وهو يدوِّنها ويردِّدها الآن. تبقى طبعاً هذه الاستجابة غير كاملة، لأن اللاهوت يتكوَّن باستمرار. لكنَّ منطلقه يبقى هو هو: كلمة الله والإعلان. يرجع اللاهوت دائماً إلى الإعلان الإلهي ويشهد له بطرق متعدِّدة: بقوانين الإيمان والعقائد والطقوس والرموز الكنسية. فالكتاب هو بمعنى من المعاني كلمة الله والاستجابة الإنسانية بآن واحد، أي كلمة الله المعبَّر عنها من خلال استجابة الإنسان الإيمانية. لذلك نعثر دائماً على تفاسير بشرية في العرض الكتابي لكلمة الله، لأن هذا العرض يتأثر دوماً بالظروف التي يتكوَّن فيها. فهل يقدر الإنسان أن يفلت من وضعه البشري؟

لخصت الكنيسة رسالة الكتاب المقدس في دساتير إيمانها وفي طرق أخرى، فأصبح الإيمان المسيحي منهجاً من القناعات والاعتقادات. وفي منهج كهذا تتضح البنية الداخلية للرسالة الأساسية وتظهر كلّ البنود الإيمانية في علاقاتها المتبادلة. إننا نحتاج إلى منهج للإيمان مثلما نحتاج إلى خارطة في أسفارنا، ونحتاج إلى ربط المنهج العقيدي بالإعلان الإلهي مثلما ترشدنا الخارطة إلى أرض واقعية. ومن الأهمية بمكان أن نلاحظ أن الكنيسة لم تفكِّر يوماً في أن منهجها العقيدي يقدر أن يحلّ محلّ الكتاب المقدس. بل آمنت أنه يجب حفظهما جنباً إلى جنب. إذن، عندنا من جهة عرض عام للرسالة الأساسية في إطار منهجي أو في دستور إيماني، وعندنا من جهة أخرى كلّ المراجع الخاصة التي تشير إلى مراحل معيَّنة من مراحل الإعلان. يمكن القول إنه لدينا المنهج والتاريخ.

هنا تظهر لنا مشكلة مُهمة وهي إلى أي مدى نقدر أن نضع التاريخ في قالب منهجي؟ وكيف نستخدم الكتاب المقدس إستخداماً لاهوتياً؟ وكيف نستخدم الشواهد المتعدِّدة التي تغطي مئات السني لرسم شكل واحد؟ يجب أن نتذكر دائماً أن الكتاب المقدس واحد، رغم كونه مجموعة من الأسفار. فحلّ هذه المشكلة يعتمد على فهمنا للتاريخ ورؤيتنا للزمن. والحلّ الأسهل هو محاولة إغفال تعددية الأزمنة وتجاوز الحقبة الزمنية التي وقعت فيها العملية كلّها. هذه التجربة واجهت المسيحية منذ زمن مبكر. فإننا نجدها متأصلة في جذور التفاسير الاستعارية منذ أيام فيلون الإسكندري وبرنابا المنحول (Pseudo-Barnabas) إلى أيام ما بعد الإصلاح البروتستانتي، عند إحياء النزعات الاستعارية.

كما واجهت هذه التجربة جميع الصوفيين. لقد نظروا إلى الكتاب كمجموعة من الأمثال المقدَّسة المدوَّنة بأسلوب رمزي خاص. لذلك كانت مهمة التفسير الكشف عن المعاني الخفية والإفصاح عن الكلمة الإلهية التي عُبِّر عنها بأساليب متعدِّدة وأُخفيت تحت حجب مختلفة. أمّا الحقيقة التاريخية والمنظور التاريخي فلا صلة لهما بالأمر. كما أن الملموسية التاريخية عندهم هي إطار تصويري أو خيال شعري، لأن ما يهمَّهم هو المعنى الأبدي. هذه النظرة تحوِّل الكتاب المقدس إلى مصنَّف لأمثال بنَّاءة ورموز عظيمة تشير إلى الحقيقة الأبدية. أوَليست حقيقة الله هي هي على الدوام وإلى الأبد؟ في هذه الحال يكون البحث في العهد القديم عن شواهد لكل المعتقدات المسيحية البارزة أمراً طبيعياً. فيذوب بذلك كلّ عهد في الآخر وتنطمس ميزاته الخاصة. إن عيوب المنهج التفسيري ومخاطرة ظاهرة بوضوح، لذلك لا تتطلَّب دحضاً مطوَّلاً. أمَّا علاجه فهو تصحيح النظرة التاريخية. فالكتاب تاريخ وليس منهجاً إيمانياً ويجب ألاّ يُستعمل “كخلاصة لاهوتية” (Summa Theologiae).

كما أن ليس تاريخ الإيمان البشري، بل تاريخ الإعلان الإلهي. لكن المشكلة الأساسية تبقى من غير حلّ وهي: لماذا نحتاج إلى تاريخ ومنهج؟ ولأي سبب حفظتهما الكنيسة معاً؟ هنا أيضاً الجواب الأسهل هو الأقل إرضاء. وهو أن نزعم بأن الكتاب المقدَّس هو النص الأوحد الذي يعوَّل عليه بالنسبة للإعلان وبأن كلّ ما تبقَّى هو تفسير له فقط علماً أنه لا يمكن أن يكون للتفسير السلطان الذي للنص الأصلي.

هناك شيء من الحقيقة في هذا الكلام. لكنَّ الصعوبة الحقيقية التي نواجهها هي: لماذا تبطل المراحل الحديثة في الإعلان المراحل القديمة؟ وهل نحتاج في عهد المسيح إلى الشريعة والأنبياء؟ وهل تظلّ تحتفظ بالسلطان الذي تتمتَّع به الأناجيل وكتابات العهد الجديد الأخرى؟ إنها ما زالت فصولاً أساسية في الكتاب الواحد كما كانت سابقاً، لأنها لم تُدرج في قانون الكتاب المقدَّس كوثائق تاريخية فقط، أو كأسفار تتعلَّق بمراحل تاريخية عابرة. وهذا الشيء يصحّ في العهد القديم خاصة: “فإلى أن جاء يوحنا كان هناك نبوءات الأنبياء وشريعة موسى” (متى 11: 13). إذن، لماذا نحتفظ بالشريعة والأنبياء؟ وما هو الاستخدام الصحيح للعهد القديم في كنيسة المسيح؟

أولاً يجب أن نستخدمه استخداماً تاريخياً إلاَّ أن هذا التاريخ مقدَّس، لأنه ليس تاريخ قناعات بشرية وتطوراتها، بل تاريخ أعمال الله وعظائمه. فأعمال الله هذه ليست تدخلاً إليهاً وعشوائياً في الحياة البشرية، بل أعمال متكاملة قادت الشعب المختار إلى هدف الله السامي، أي إلى المسيح. لذلك نرى الأحداث الأولى تنعكس على الأحداث اللاحقة، لأن هناك استمراراً في العمل الإلهي ووحدة في الهدف والقصد. هذا الاستمرار هو أساس المنهج التفسيري الذي يرتكز على دراسة رموز الكتاب (Typology). فالمصطلحات الآبائية كانت وفيرة في هذا المنهج التفسيري.

لكن يبقى التمييز بين منهجين تفسيريين واضحاً، لأن الاستعارة (allegory) منهج تفسيري أيضاً. فيه يسعى المفسِّر إلى البحث في النصوص والمقاطع والجمل وحتى الكلمات ليتوصل إلى المعنى الخفي الذي يوجد فيها، “وراء الحرف”. أمَّا في منهج “دراسة الرموز” فيسعى إلى شرح الأحداث وتفسيرها دون شرح النص نفسه. ولذلك ما كانت منهجاً فيلولوجياً فقط، بل كانت منهجاً تاريخياً يهدف إلى إبراز التوافق الضمني بين الأحداث في العهدين، الذي يجب كشفه وتثبيته وتقويمه. إن المفسِّر “الرمزي” لا يسعى إلى بحث الأمور المتشابهة، لأننا لا نجد لكلّ أحداث العهد القديم “ما يُشبهها” في العهد الجديد، مع أن بعض الأحداث الأساسية في التدبير القديم كانت صوراً ورموزاً أو “نماذج” لأحداث أساسية في العهد الجديد. وكانت نتيجة قصد إلهي لأنها تشير إلى مراحل التدبير الخلاصي الواحد.

مارس بولس الرسول نوعاً من هذا التفسير حين قال في غلاطية (4: 24): “في ذلك رمز” (estin allegoroumena Hatina). هناك غاية واحدة إلهية وراء أفعال الله وقد أُعلنت كلّها في يسوع المسيح. يقول أوغسطين في هذا الصدد: “يجب أن نفتِّش عن السرّ في الفعل نفسه، وليس في الكلمة فقط” (In ipso facto non solum in dicto, mysterium requirere debemus) (العظة 6، 2 في المزمور 68). كان المسيح “سرّ” العهد القديم، لا لأن موسى والأنبياء “تحدَّثوا” عنه فقط، بل لأن مجرى التاريخ المقدس كلّه يتجِّه إليه. وبهذا المعنى كان تتمَّة لكل النبوءات. ولذلك لا نقدر أن نفهم العهد القديم بدقّة أو أن نكشف عن “أسراره” إلاَّ على ضوء المسيح، وقد كُشفت فعلاً بمجيء “المنتظر”.

فالمعنى النبوي الحقيقي للنبوءات لا يُرى بوضوح إلاّ بعد أن تتحقق، لأن النبوءة التي لم تتحقق تظل مبهمة وغامضة (كما هو الحال في سفر الرؤيا الذي تشير نبوءاته إلى ما سيأتي “في النهاية”). هذا لا يعني إضافة معنى جديد إلى النص القديم، فالمعنى موجود فيه، لكننا لا نراه بوضوح. فمثلاً، عندما  نماثل في الكنيسة الخادم المتألم في سفر أشعيا بالمسيح المصلوب، فإننا لا “نطبِّق” رؤية من رؤى العهد القديم على حدث من أحداث العهد الجديد، إنما نوضح معناها الذي لم يكن ممكناً أن يُفهم بوضوح قبل المسيح. فالذي كان أولاً رؤية (أي “توقّعاً أو حدساً”) أصبح الآن واقعاً تاريخياً.

نقطة أخرى مهمة وهي أن “الصوَر” في نظر المشتغل بتفسير الاستعارات ليست سوى انعكاسات للنموذج الأصلي الموجود سابقاً أو وصف “لحقيقة” أزلية مجرَّدة، أي أنها تدلّ على ما يفوق الزمان. أمَّا دراسة الرموز فتتجه إلى المستقبل، لأن “الرموز” توقعات وتصورات مسبقة لأمور ستحدث في المستقبل. لذلك، كانت دراسة الرموز منهجاً تاريخياً أكثر منها منهجاً فيلولوجياً، لأنها تفترض وجود حقيقة تاريخية موجَّهة من الله وترتبط بفكرة العهد. فيرتبط الماضي والحاضر والمستقبل بالهدف الإلهي الأوحد الذي هو المسيح.

لدراسة الرموز إذن معنى خريستولوجي (أي ذو صلة بالكنيسة أيضاً كونها جسد المسيح وعروسه). لكن من حيث التطبيق لم يُحفظ التوازن الحقيقي بشكل دقيق. فحتى في الاستخدام الآبائي أٌفسدت دراسة الرموز كثيراً بانحرافات استعارية وإضافات خارجية خاصة بالعبادة والوعظ. والمهم أنه في تقليد الكنيسة الأولى التعليمي الذي يرتبط بإقامة الأسرار حٌفظ هذا التوازن الأسراري. هذا هو تقليد الكنيسة، أمَّا الانحرافات فنعزوها إلى فضول العلماء الشخصية وتخيُّلاتهم. لقد وعت الكنيسة الأمور تاريخياً، ولذلك قُرئ الكتاب المقدَّس دائماً في الكنائس مع عرض العقيدة (أي المنهج) لكي يذكِّر المؤمنين بالأسس التاريخية لإيمانهم ورجائهم.

يعتقد أوغسطين أن الأنبياء تكلَّموا على الكنيسة بشكل أوضح من كلامهم عن المسيح أي ماسّيا (في المزمور 30، 2 و ennaratio 2، مجموعة الآباء اللاتين مين 36، 244). كان هذا بمعنى من المعاني أمراً طبيعياً، لأم الكنيسة كانت موجودة بادئ ذي بدء. فإسرائيل، شعب الله المختار وشعب الميثاق، كان كنيسة أكثر منه أمَّة “كالأمم” الأخرى. في الكتاب -وفيما بعد- استعملت اللفظتان ta ethne وgentes (الأمم) لتصفا الأمميين أو الوثنيين، بخلاف الشعب الواحد (أو الأمة) الذي كان أيضاً وأساساً كنيسة الله. إن الشريعة أُعطيت لإسرائيل بوصفه كنيسة كي تشمل الحياة “الروحية” “والزمنية” للشعب، لأن الوصايا الإلهية تضبط الوجود الإنساني كله وتنظِّمه.

وبذلك يكون تقسيم الحياة بين ما هو “روحي” وما هو “زمني” تقسيماً لا أساس له. كان إسرائيل جماعة مؤمنين أقامها الله، متَّحدة بالشريعة الإلهية والإيمان الحقيقي والطقوس المقدسة والسلطة الكهنوتية. هنا نجد كلّ عناصر التحديد التقليدي للكنيسة. لكنَّ التدبير القديم وجد كماله في التدبير الجديد، عندما أقام الله عهداً جديداً ورفض إسرائيل القديم لقلة إيمانه. وهذا ما جعله يخسر يوم الرب أو يوم الافتقاد. وأتت كنيسة المسيح لتكون الاستمرار الحقيقي الأوحد للعهد الذي أقامه الله قديماً. (فلنتذكر أن لفظتي “الكنيسة” و”المسيح” هما من أصل عبري. “الكنيسة” هي qahal و”المسيح” يعني Messiah). فهي إسرائيل الحقيقي بحسب الروح (Kata Pneuma).

وبهذا المعنى رفض القديس يوستينوس رفضاً قاطعاً الفكرة التي تقول إن العهد القديم هو صلة الوصل بين الكنيسة والمجمع اليهودي. فالعكس هو الصحيح في نظره، ولذلك يجب أن نرفض الإدِّعاءات اليهودية من أساسها، لأن عدم إيمانهم بيسوع المسيح جعل العهد القديم لا ينتمي إليهم، وجعله ملك الكنيسة وحدها. فلا يحق لأي شخص بعد أن يدَّعي الانتماء إلى موسى أو الأنبياء، إذا لم يكن أولاً مع يسوع المسيح. فالكنيسة هي إسرائيل الجديد والوارث الأوحد للوعود القديمة. في هذا الكلام العنيف الذي صرَّح به هذا المدافع المسيحي القديم نجد مبدأً تفسيرياً ذا أهمية بالغة وهو أننا يجب أن نقرأ العهد القديم ونفسِّره بكونه كتاب الكنيسة وربما يجب أن نضيف إلى هذا فنقول أنه كتاب عن الكنيسة.

اتُّخذ الحق بدلاً من الشريعة، لأنها وجدت فيه كمالها. ولهذا أٌبطلت الشريعة ولم يبقَ حفظها واجباً على المهتدين حديثاً. فإسرائيل الجديد كان له دستوره الخاص. وصار هذا الجزء من العهد القديم وكأنه مهجور، لأنه يرتبط أساساً بالوضع التاريخي -لكن لا بمعنى النسبية التاريخية العامة، بمقدار ما هو بمعنى التدخل الإلهي والعناية الإلهية. فالرب أوجد الوضع الافتدائي الجديد ودشَّنه، فهو أوْجَدَ وضعاً جديداً في المنظور المقدّس للخلاص. كلّ ما انتمى إلى الحالة السابقة فَقَدَ معناه، وإذا ما احتفظ بهذا المعنى فكسابق تصوّر فقط.

حتى إننا لا نستثني الوصايا العشر من هذه القاعدة لأن “الوصية الجديدة” قد نسختها. والآن يجب أن نستخدم العهد القديم من خلال علاقته بالكنيسة فقط. ففي التبرير القديم اقتصرت الكنيسة على أمَّة واحدة. أمَّا في التدبير الجديد فأُبطلت الفوارق القومية وزال التفريق بين اليوناني واليهودي وصار الجميع واحداً في المسيح الواحد. وبكلام آخر، لا يجوز أن نُبعد بعض أجزاء العهد القديم التي تتعلَّق بحياة الكنيسة، ولكن لا يحق لنا في الوقت ذاته أن نجعل منها نماذج كتابية لحياة الشعوب الزمنية.

فإسرائيل القديم كان كنيسة مؤقتة، لكنه لم يكن نموذجاً للأمم. طبعاً، إننا نقدر أن نتعلَّم الشيء الكثير من الكتاب المقدس عن العدالة الاجتماعية التي كانت جزءاً من رسالة الملكوت الآتي، وعن التنظيم السياسي والاجتماعي والاقتصادي عند اليهود عبر العصور. وقد تكون هذه الأمور عوناً لنا في مناقشاتنا الاجتماعية. لكن لا يجوز أن نجد في الكتاب المقدس وخاصة العهد القديم نموذجاً مثالياً ودائماً للتنظيم السياسي والاقتصادي في عصرنا هذا أو في أي عصر آخر. ولعلَّنا نتعلَّم أموراً كثيرة من التاريخ العبري، لكنها تبقى درساً تاريخياً، وليس درساً لاهوتياً، لأن الكتاب ليس مرجعاً للعلم الاجتماعي أو العلم الفلكي. فالدرس الاجتماعي الأوحد الذي نأخذه منه هو حقيقة الكنيسة التي هي جسد المسيح. لذلك لن نقول إن الاستناد إلى الكتاب في الأمور “الدنيوية” هو “شاهد كتابيّ”، لأن “الشواهد الكتابية” هي في الأمور اللاهوتية فقط.

هذا لا يعني عدم وجود توجيهات وإرشادات في الكتاب، لأن بحثاً من هذا النوع لا يمكن أن يُعتبر “استعمالاً لاهوتياً للكتاب المقدس. ولعلَّ أمثولات التاريخي العبري القديم لا تفوق أمثولات الشعوب الأخرى. إذن، يجب أن نميِّز بكثير من الانتباه، الوقتي (المرتبط بحالة معيَّنة) عن الدائم في الميثاق القديم (وعلينا قبل كل شيء أن نتجاوز حدوده القومية)، وإلاَّ فإننا نقع في خطر إغفال ما هو جديد في الميثاق الجديد. وعلينا في العهد الجديد أن نميِّز بوضوح الوجهين التاريخي والنبوي، لأن موضوع الكتاب الرئيسي هو المسيح وكنيسته، وليس الأمم والمجتمعات ولا السماء والأرض.

كان إسرائيل القديم رمزاً للجديد الذي هو الكنيسة الجامعة، وليس رمزاً لأي أمة معيَّنة. فشمولية الخلاص ألغت الإطار القومي لكنيسة العهد القديم. وصارت هناك بعد المسيح “أمة” واحدة، الأمة المسيحية (genus christianum) – وبتعبير قديم “أمة ثالثة” (tertium genus) – أي الكنيسة شعب الله الأوحد. وكل وصف قومي آخر لن يجد ضمانة كتابية له. فالفروقات القومية تنتمي إلى نظام الطبيعة، لكنه لا تتعلق بنظام النعمة.

الكتاب المقدس كامل وتام، لكنَّ التاريخ المقدس لم يكتمل بعد. فقانون الكتاب يحوي سفر الرؤيا النبوي، وهذا دليل على أن هناك ملكوتاً سيأتي واكتمالاً سيتحقَّق. ففي العهد الجديد إذاً نبوءات، كما في العهد القديم، بل إن كيان الكنيسة كلَّه نبوي بمعنى من المعاني، لكنَّ للمستقبل معنى مختلفاً “بعد مولد المسيح” (post Christum natum). إن التوتر بين الحاضر والمستقبل يأخذ في كنيسة المسيح معنى وصفة غير اللذين اتخذهما في التدبير القديم لأن المسيح لا ينتمي إلى المستقبل فقط، بل إلى الماضي أيضاً وبالتالي إلى الحاضر. هذا المنظور الانقضائي له أهمية بالغة لفهم الكتاب بشكل صحيح. بل يجب أن نفحص كل “مبادئ” التفسير و”قوانيه” من خلا هذا المنظور. لكن علينا أن نتجنَّب خطرين كبيرين:

       أولاً: إننا لا نقدر أن نقول بوجود تشابه دقيق بين العهدين، لأن “الوضع الميثاقي” الجديد يختلف جذرياً عن القديم، فصلة الواحد بالآخر كصلة “الصورة” بـ “الحقيقة”. والفكرة التي تسود الشرح الكتابي عند الآباء تدول حول كون كلمة الله تكشف عن نفسها باستمرار وبمختلف الوسائل في العهد القديم بمجمله. لكن يجب ألاَّ نضع هذه الظهورات الإلهية (theophanies) على مستوى تجسد الكلمة وحجمه، خوفاً من أن يتحوَّل حدث الخلاص العظيم إلى ظل استعاري. “فالرمز” ليس سوى “ظل” أو صورة. ففي العهد الجديد نجد الفعل نفسه، لأنه أكثر من “صورة” عن الملكوت الآتي. فهو في جوهره حقل للإنجازات الإلهية.

       ثانياً: من السابق لأوانه أن نتحدَّث عن “الانقضائية المحقَّقة” (realized eschatology). فالانقضاء (eschaton) لم يأت بعد والتاريخ المقدَّس لم ينته إلى الآن. لذلك نفضِّل عبارة “الانقضائية المدشَّنة” (inaugurated eschatology)، لأنها تصف بكل دقة تحليل الكتاب المقدس، ألا وهو أن الحدث الحاسم في الإعلان الإلهي وقع في الماضي. “الحاسم” (أو “الجديد”) قد دخل التاريخ، وإن كانت المرحلة الأخيرة لم تحدث. في العهد الجديد ما عدنا في عالم الرموز، بل في عالم الحقيقة، ولكن تحت علامة الصليب. الملكوت دُشِّن، لكنه لم يتحقق كلياً. إن قانون الكتاب الثابت نفسه يرمز إلى إنجاز. فالكتاب المقدس أُغلق، لأن كلمة الله تجسَّد، وأصبح مرجعنا شخصاً حيّاً وليس كتاباً. مع هذا يحتفظ الكتاب المقدس بسلطانه ليس فقط كمصنَّف عن الأحداث الماضية، بل كمؤلف نبوي مليء بالإشارات إلى المستقبل والنهاية.

ما زال تاريخ الفداء مستمراً حتى يومنا الحاضر، لأنه تاريخ الكنيسة التي هي جسد المسيح. والروح-المعزِّي يقيم فيها دائماً. لكننا لا نقدر أن نجد منهجاً كاملاً للإيمان المسيحي، لأن الكنيسة مازالت في محجتها. أمَّا الكتاب فقد احتفظت به الكنيسة كمصنَّف تاريخي يذكِّر المؤمنين بطبيعة الإعلان الإلهي الفاعل “مرَّات كثيرة وبمختلف الوسائل” (عبر 1: 1).

ما هو الكتاب المقدس؟

نظرة لاهوتية وتاريخية عن الكتاب المقدس 

نظرة لاهوتية وتاريخية عن الكتاب المقدس 

ما هو الكتاب المقدس ؟ نظرة لاهوتية وتاريخية

ما هو الكتاب المقدس ؟ نظرة لاهوتية وتاريخية 

المقدَّس والتاريخي

الكنيسة هي وحدة الحياة المواهبية، أمَّا مصدر هذه الوحدة فمحتجب في سرّ العشاء الربّاني وفي سرّ يوم الخمسيين الذي هو النزول الفريد لروح الحق إلى العالم. فالكنيسة إذن رسولية، لأنها خُلقت وخُتمت بالروح القدس في الاثني عشر. والتعاقب الرسولي هو خيط روحي سرِّي يصل الملء التاريخي لحياة الكنيسة باكتمال جامع. هنا نرى أيضاً وجهين: الوجه الموضوعي الذي هو التعاقب السرّي غير المنقطع والاستمرار الهيرارخي. فالروح القدس لا ينحدر على الأرض مرة تلو المرة، بل يقيم في الكنيسة التاريخية “المنظورة” وينفخ فيها ويرسل أشعته إليها. هذا هو ملء اليوم الخمسيني وجامعيَّته.

أمَّا الوجه الذاتي فهو الوفاء للتقليد الرسولي، أي العيش وفق هذا التقليد الذي هو عالم حيّ وحامل الحقيقة. هذا هو مطلب أساسي ومبدأ للفكر الأرثوذكسي، لأنه يفترض إنكار الانفصالية الفردية ويلحّ بقوة على الجامعيَّة. إن الطبيعة الجامعة للكنيسة تُرى بكل حيويَّة في كون خبرة الكنيسة تنتمي إلى كل العصور. ففي حياة الكنيسة ووجودها يتمّ تخطي الزمن والسيطرة عليه بشكل سرِّي، أو، إذا جاز التعبير، يبقى الزمن في توقف تام. وهذا لا يعود إلى قوة الذاكرة التاريخية أو إلى تخيُّل يقدر أن “يتجاوز حاجزي المكان والزمان”، بل إلى قوة النعمة التي تجمع في وحدة الحياة الجامعة ما فصلته الجدران التاريخية. فالوحدة في الروح تجمع بطريقة سرِّية قاهرة للزمن جميع المؤمنين في كل العصور.

وهي تظهر وتتجلَّى في خبرة الكنيسة وخاصة في خبرتها في سرّ الشكر، لأن الكنيسة هي الصورة الحيَّة للأبدية في الزمن. فالزمن لا يقدر أن يوقف خبرة الكنيسة وحياتها. والسبب ليس في استمرارية تدفُّق النعمة الذي يفوق الشخص فقط، بل في الدمج الكامل والجامع لكلّ ما كان موجوداً في الملء السرِّي للزمن الحاضر. لذلك لا يقدِّم تاريخ الكنيسة تغييراً متعاقباً فقط، بل وحدة وتماثلاً. بهذا المعنى الاشتراك مع القديسين هو “شركة القديسين” (communio sanctorum).

والكنيسة تعرف أنها وحدة العصور كلِّها وأنها تبني حياتها على هذه الشركة. فهي لا تفكر في الماضي وكأنه قد عبر وولَّى، بل على أنه أُنجز وتمَّ وهو موجود في الملء الجامع لجسد المسيح الواحد. والتقليد الكنسي يعكس هذا الانتصار على الزمن. إن التعليم من التقليد أو بالأحرى التعليم “في التقليد”، تعليم من ملء خبرة الكنيسة التي تقهر الزمن، والتي يقدر أن يتعرَّف إليها كلّ عضو في الكنيسة وأن يملكها وفقاً لقياس رجولته الروحية، ولنموِّه الجامع، أي أننا نتعلَّم من التاريخ مثلما نتعلَم من الإعلان. فولاؤنا للتقليد ليس ولاء لأزمنة ماضية ولسلطان خارجي، بل ارتباط حيّ بملء خبرة الكنيسة. إذن، العودة إلى التقليد لا تكون بحثاً تاريخياً، لأن التقليد لا يحصره علم آثار الكنيسة، ولأنه ليس شهادة خارجية يمكن أن يقبلها كل إنسان لا ينتمي إلى الكنيسة. الكنيسة وحدها هي الشاهد الحيّ للتقليد.

ونحن نقبله ونحسّ به كحقيقة لا تقبل الشك من داخل الكنيسة فقط، فهو شهادة للروح ولإعلانه غير المنقطع وبشارته. ما التقليد سلطة خارجية تاريخية لأعضاء الكنيسة الأحياء، بل هو صوت الله الأبدي المستمر، أي إنه صوت الأزلية لا صوت الماضي فقط. فالإيمان لا يجد أساسه في أمثولات الماضي ووصاياه فقط، بل في نعمة الروح القدس الذي يحمل الشهادة الآن وإلى أبد الآبدين.

يقول خومياكوف: “لا الأفراد ولا مجموعاتهم ضمن الكنيسة حفظوا التقليد أو كتبوا أسفار الكتاب المقدَّس، بل روح الله الذي يحيا في جسد الكنيسة كلَّه”. “موافقة الماضي” نتيجة لولائنا لهذا “الكل” وتعبير عن ثبات الخبرة الجامعة وسط أزمنة متغيِّرة. يجب أن نعيش في الكنيسة، وأن نعي حضور الرب الواهب نعمته فيها، وأن نحسّ بتنفس الروح القدس فيها حتى نقبل التقليد ونفهمه، لأن جسد الكنيسة جسده الذي لا ينفصل عنه.

ولذلك لا يكون الولاء للتقليد موافقة للماضي فقط، بل بمعنى من المعاني تحرُّر منه مثلما نتحرر من قياس خارجي شكلي. التقليد هو أولاً مبدأ تجدّد ونموّ، وليس فقط مبدأ للمحافظة على القديم والدفاع عنه، ولا مبدأ للنضال من أجل إعادة الماضي، بحيث يكون الماضي مقياساً للحاضر. هذا المفهوم يرفضه التاريخ نفسه ووعي الكنيسة أيضاً. التقليد سلطان للتعليم (potestas magisterii) وسلطان للشهادة للحق.

فالكنيسة لا تشهد للحق بالتذكّر أو بكلام الآخرين، بل بخبرتها الحيَّة المستمرَّ’ وبملئها الجامع… هذا هو “تقليد الحقيقة” (traditio veritatis) الذي تحدَّث عنه القديس ايريناوس (ضد الهراطقة 1، 10، 2). التقليد عنده يرتبط “بموهبة الحق الأصلية” (charisma veritatis certum) (ضد الهراطقة 4، 26، 2)، “وتعليم الرسل” ما كان مجرَّد مثل ثابت يجب أن نعيده ونقلِّده وكأنه ينبوع للحياة ووحي يبقى إلى الأبد من دون أن ينفد. فالتقليد سكنى الروح المستديمة لا تذكّر للكلام فقط. فهو مبدأ قائم على المواهب وليس مبدأ تاريخياً.

الخطأ هو أن نقيِّد “مصادر التعليم” بالكتاب والتقليد وأن نفصل الكتاب عن التقليد وكأن التقليد مجرَّد شهادة شفويّة أو تعليم الرسل. فكلاهما أُعطيا في الكنيسة وقُبلا بملء قيمتهما المقدَّسة ومعناهما، لأنهما يحويان حقيقة الإعلان الإلهي التي تعيش في الكنيسة. لكنَّ الكتاب والتقليد لا يستنفدان خبرة الكنيسة هذه، بل إنهما تنعكس فيهما فقط. ففي الكنيسة وحدها يحيا إذاً الكتاب ويُعلن من دون أن يجزَّأ ويصير نصوصاً متفرقة ووصايا وأمثالاً، أي إن الكتاب أُعطي في التقليد، لكنه لا يُفهم وفق أحكام التقليد فقط، وكأنه تدوين للتقليد التاريخي أو للتعليم الشهي، لأنه يحتاج إلى تفسير. فهو مُعلن في اللاهوت. وهذا يصبح ممكناً من خلال خبرة الكنيسة الحيّة فقط. لا نقدر أن نقول إن الكتاب المقدس يتمتع باكتفاء ذاتي، لا لأنه ناقص أو غير تام أو غير دقيق، بل لأنه في جوهره لا يدَّعي أنه هكذا. لكن نقدر أن نقول إن الكتاب نظام أوحى به الله أو أيقونة الحق وليس الحق نفسه.

والغريب أننا غالباً ما نضع حدّاً لحرية الكنيسة ككل من أجل توسيع حرية المسيحيين، أي إننا ننكر ونحدّ الحرية المسكونية والجامعة للكنيسة باسم الحرية الفردية، فتقيِّد حرية الكنيسة بمقياس كتابي ابتغاء تحرير الوعي الفردي من المتطلبات الروحية التي تفرضها خبرة الكنيسة. هذا رفض للجامعيَّة وتهديم للوعي الجامع. وهذا هو خطأ الإصلاح البروتستانتي. يقول دين اينج بدقة عن المصلحين البروتستانت: “وُصفت عقيدتهم بأنها رجوع إلى الإنجيل بروح القرآن.  “عندما نعلن أن الكتاب مكتف بذاته نجعله عرضة لتفاسير غير موضوعية وكيفيَّة ونفصله عن مصدره المقدس.

فقد أُعطيِنَاه في التقليد، وهو مركزه الحيوي والمتبلور. إن الكنيسة التي هي جسد المسيح تتقدَّم الكتاب سرّياً، لأنها أكمل منه. وهذا الأمر لا يقلِّل من شأن الكتاب ولا يجعل صورته قاتمة، لكن المسيح لم يعلن الحقيقة في التاريخ فقط، لأنه ظهر وما زال يكشف عن نفسه لنا بثبات في الكنيسة التي هي جسده وليس في الكتاب فقط. في أيام المسيحيين الأوائل لم تكن الأناجيل المصدر الأوحد للمعرفة، لأنها كانت غير مدوَّنة بعد. لكنَّ الكنيسة عاشت وفق روح الإنجيل، بل إن الإنجيل نفسه برز إلى الوجود في الكنيسة عن طريق سرّ الشكر. فمن مسيح سرّ الشكر تعرَّف المسيحيون إلى مسيح الأناجيل. وهكذا صارت صورته حيَّة عندهم.

هذا لا يعني أننا نجعل الكتاب مصنَّفاً يناقض الخبرة، بل يعني أننا نجعلهما واحداً مثلما كانا منذ البدء. يجب ألا نفكر في أن كل ما قلناه ينكر التاريخ، لأننا نعترف بالتاريخ بكل واقعيته المقدَّسة. فنحن لا نقدِّم خبرة دينية ذاتية تناقض الشاهد التاريخي الخارجي، ولا وعياً سرياً فردياً، ولا خبرة لمؤمنين منعزلين، بل خبرة حيَّة كاملة للكنيسة الجامعة وللخبرة الجامعة وللحياة الكنسية. هذه الخبرة تشمل الذاكرة التاريخية أيضاً، فهي ممتلئة من التاريخ. وما هذه الخبرة تذكراً لأحداث قديمة فقط، بل رؤية لما تمَّ واكتمل ورؤية للانتصار السرِّي على الزمن ورؤية للجامعيَّة في كل زمان. الكنيسة تعرف عدميَّة النسيان. لذلك تصل خبرتها التي تهب النعمة إلى كمالها في ملئها الجامع.

هذه الخبرة لا يستنفدها الكتاب أو التقليد الشفوي أو التحديدات (الإيمانية)، ويجب ألاّ يستنفدها، ولا يمكن أن تستنفد، لأن الكلمات والصور يجب أن تتجدَّد في خبرتها، لا في “نفسانيات” (psychologisms) الشعور الذاتي، بل في خبرة الحياة الروحية. هذه الخبرة مصدر لتعليم الكنيسة. لكن لا تبدأ كلّ الأشياء في الكنيسة من أيام الرسل. وهذا لا يدلّ على أنه أُعلنت أمور “مجهولة” عند الرسل وأن كلّ ما هو متأخر يقل شأناً وإقناعاً. فكل شيء أعطاه الله وأعلنه منذ البدء. ففي يوم الخمسين اكتمل الإعلان ولذلك لن يقبل أي اكتمال آخر يوم الدينونة ويوم تحقيقه الأخير.

إن الإعلان الإلهي لم يتَّسع والمعرفة لم تزد. فالكنيسة اليوم لا تعرف المسيح أكثر مما كانت تعرفه في أيام الرسل. لكنها تشهد لأمور أكثر. وفي تحديداتها (الإيمانية) تصف الأمر نفسه من دون تغيير، لكن تبرز دائماً في الصورة التي لا تتغيَّر ملامح جديدة. لكن الكنيسة لا تعرف الحقيقة بصورة أقل أو بطريقة مختلفة عن معرفتها لها في الأيام القديمة. فوحدة الخبرة هي الولاء للتقليد. أمَّا الولاء للتقليد فلم يمنع آباء الكنيسة عن “خلق أسماء جديدة” (كما قال القديس غريغوريوس النزينزي) عندما كان ذلك ضرورياً للحفاظ على الإيمان الذي لا يتبدَّل.

فكلّ ما قيل بعد ذلك كان من الملء الجامع، وهو مساوٍ في قيمته وقوته لكلّ ما نُطق به في البدء. وإلى يومنا هذا بقيت خبرة الكنيسة محفوظة ومثبَّتة في العقيدة دون أن تُستنفد. فهناك أمور كثيرة لا تثبِّتها الكنيسة في العقيدة، بل في الليتورجيا ورمزية الأسرار وفي التعابير الصورية التي تستعمل في الصلوات والاحتفالات والأعياد السنوية. إن الشهادة الليتورجية شرعية كالشهادة العقيدية. وأحياناً تكون ملموسية الرموز أكثر وضوحاً وحيوية من أي مفهوم منطقي، كما توحي صورة الحمل الرافع خطيئة العالم.

تخطئ النظرة اللاهوتية التي تدعو إلى الاكتفاء بالحد الأدنى من الأشياء (minimalism) والتي تريد انتقاء التعاليم والخبرات الكنسية “الأكثر أهمية ووثوقاً وارتباطاً”. فهذا طريق خاطئ وطرح غير سليم للمسألة. طبعاً، لم تكن كلّ الأنظمة التاريخية في الكنيسة لها أهمية متساوية، ولم تكن كلّ أمورها التجريبية مقدّسة. فهناك أمور كثيرة تاريخية فقط. لكننا لا نملك مقياساً خارجياً لتمييزها، لأن مناهج النقد التاريخي الخارجي لا تكفي. فمن داخل الكنيسة فقط نقد أن نميِّز التاريخي وأن نميِّز المقدَّس. من داخلها نرى ما هو “جامع” وصالح لكلّ الأجيال وما هو مجرَّد “رأي لاهوتي” أو حتى حدث تاريخي عَرَضي. فالأهم في حيا الكنيسة هو كمالها وملء جامعيَّتها. وفي هذا الملء هناك حرية أكبر ممَّا في التحديدات الشكلية التي تقدِّمها النظرة التي تريد الاكتفاء بالحد الأدنى. ففي هذه النظرة نفقد أهمّ الأشياء أي الاستقامة والكمال والجامعيَّة.

أعطى مؤرخ كنسي روسي تحديداً ناجحاً جداً للصفة الفريدة التي تتحلّى بها خبرة الكنيسة فقال إن الكنيسة لا تعطينا منهجاً، بل مفتاحاً، لا تعطينا خارطة لمدينة الله، بل طريقة لدخولها. وقد يضلّ المرء بطريقه، لأنه لا يملك خارطة، لكنه يرى كلّ الأمور مباشرة وبواقعية وبلا وسيط. أمَّا مَنْ درس الخارطة فقط فجازف بالبقاء خارجاً من دون أن يجد شيئاً.

نقائص القانون الفكندياني

تبقى الصيغة الشهيرة التي قدَّمها فكنديوس الليرنسي (Vincent of Lerins) في وصفه طبيعة  الجامعة لحياة الكنيسة غير دقيقة. فالصيغة تقول: “ما آمن به الجميع في كلّ مكان وزمان” (Quod ubique, quod semper, quod ab omnibus creditum est). أولاً، إننا لا نعرف بوضوح إذا كان هذا المقياس تجريبياً أم لا. فإذا كان تجريبياً ثبت أنه خاطئ، لأنه عن أي “جميع” (omnes) يتحدَّث؟ وهل يجب أن نسال جميع المؤمنين عن إيمانهم، وحتى الذين لا يحسبون أنفسهم سوى مجرَّد مؤمنين؟ في جميع الأحوال يجب أن نقضي ضعفاء الإيمان والمشككين والثائرين على الإيمان. لكن هذا القانون لا يعطينا أي مقياس للتمييز والاختيار.

فالكثير من الخلافات تُثَار حول الإيمان، وأكثر منها حول العقيدة. فكيف نفهم عبارة “الجميع” (omnes)؟ ألا نكون متهوِّرين إذا ما عالجنا كلَّ الأمور المشكوك فيها وفق الصيغة التي نسبت خطأ إلى أوغسطين، أي إذا تركنا القرار “للحرية في الأمور المشكوك فيها” (in dubiis libertas). في الواقع، نحن لا نحتاج إلى أن نسأل جميع المؤمنين، لأن مقياس الحق تشهد له في أكثر الأحيان الأقلية. والكنيسة الجامعة قد تجد نفسها في يوم من الأيام “قطيعاً صغيراً” ولعلَّ اللاأرثوذكسيي الفكر سيكونون أكثر عدداً من الأرثوذكسيين. وقد ينتشر الهراطقة “في كل مكان” (ubique) وتنكفئ الكنيسة إلى خلفية التاريخ وتنسحب إلى الصحراء. وهذا ما حدث أكثر من مرة في التاريخ، ومازالت إمكانية حدوثه قائمة. ونقول بدقة إن في القانون الفكندياني نوعاً من الحشو والتكرار. فلفظة “الجميع” (omnes) يجب أن نفهمها وكأنها تشير إلى الأرثوذكسيين. في هذه الحالة يفقد هذا المقياس أهميته، إذ نكون قد عرَّفنا “الذات” (idem) “عن طريق الذات” (per idem).

وعن أية ديمومة وعن أي حضور كلِّي يتحدَّث هذا القانون؟ وبِمَ ترتبط لفظتا “المكان” (ubique)، و”الزمان” (semper)؟ هل ترتبطان بخبرة الإيمان أم بالتحديدات الإيمانية التي تشير إليها؟ في الحالة الأخيرة تكون هذه الصيغة خطيرة، لأنها تخفِّض الإيمان إلى حدّه الأدنى ولأن التحديدات العقيدية لا تفي بمقتضيات “المكان” (ubique)، و”الزمان” (semper) بدقة.

فهل يكون التقيُّد بحرف الكتابات الرسولية ضرورياً؟ يبدو أن هذا القانون فرضية للتبسيط التاريخي ولبدائية ضارّة، أي إنه يجب أن لا نبحث عن مقاييس خارجية وشكلية للجامعيَّة ولا نفسِّرها بموجب شمولية تجريبية. إن التقليد القائم على المواهب شامل لأنه يضمّ كل أنواع “المكان” و”الزمان” ويوحِّد “الجميع”، لكن قد لا يقبله الجميع عملياً. في جميع الأحوال يجب أن لا نبرهن حقيقة المسيحية عن طريق “قبول الجميع” (أو الإجماع) (per consensum omnium)، لأن “الإجماع” لا يُثبت عادةً الحقيقة. فتكون هذه العملية بمثابة حالة نفسية حادة تحتل مكاناً في الفلسفة أكثر من اللاهوت.

بل إن الحق نفسه هو المقياس الذي نقوِّم به أهمية “الرأي العام”. يقدر عدد قليل من الناس، ربما بعض المعترفين بالإيمان فقط، أن يعبِّروا عن الخبرة الجامعة، وهذا يكفي. ونقول بالتحديد إننا لا نحتاج إلى اجتماع عام ومسكوني، ولا إلى اقتراح أو تصويت، ولا حتى إلى “مجمع مسكوني” لكي نعبِّر عن الحقيقة الجامعة ونعترف بها. فالكرامة المقدّسة للمجمع لا تكون في عدد الأعضاء الذين يمثِّلون كنائسهم فيه. فقد يظهر مجمع “عام” كبير نفسه أنه مجمع لصوصي أو مجمعٌ مرتدّ عن الإيمان. وفي أكثر الأحيان يبطله “شتات الكنيسة” (ecclesia sparsa) بمعارضته الصامتة.

فعدد الأساقفة (numerus episcoporum) لا يحلّ المشكلة. إن الوسائل التاريخية والعلميَّة للاعتراف بتقليد مقدس وجامع قد تكون عديدة، ومنها دعوة المجامع المسكونية، إلى الانعقاد، ولكنَّها ليست الوسيلة الفريدة. هذا القول لا يشير إلى عدم ضرورة عقدة المجامع والمؤتمرات، فلعلّ الأقلية تحمل في كثير من الأحيان لواء الحق أثناء انعقاد المجمع، والأهم هو أن الحقّ يُعْلن في الكنيسة حتى من دون أن يلتئم أي مجمع.

وكثيراً ما تحمل آراء آباء الكنيسة ومعلِّمي المسكونة قيمة روحية أكبر من تحديدات بعض المجامع. فهذه الآراء لا تحتاج إلى إثبات أو إلى “إجماع” بل إنها المقياس وأداة البرهان. ولذلك تشهد الكنيسة لها بقبولها (receptio) الصامت. وأهميتها الكبرى هي في الجامعيَّة الداخليَّة، لا في شمولية تجريبية. نحن لا نقبل آراء الآباء كخضوع شكلي لسلطان خارجي، بل لأنها الدليل الداخلي على حقيقتها الجامعة. بل لأنها الدليل الداخلي على حقيقتها الجامعة. إن جسد الكنيسة كلّه له حقّ إثبات الأمور، بل له واجب الشهادة لصحتها. بهذا الروح كتب البطاركة الشرقيون منشور عام 1848 وقالوا إن “الشعب نفسه” (o laos)، أي جسد الكنيسة، هو “المدافع عن الدين” (hyperaspistis tis thriskias).

وقبل صدور هذا المنشور قال المتروبوليت فيلارت في كتابه عن التعليم المسيح، عندما أجاب عن هذا السؤال: “هل في التقليد المقدَّس كنز حقيقي؟” فقال: “إن الله يبني كلّ المؤمنين المتحدين جميعاً عبر الأجيال بواسطة تقليد الإيمان المقدس ليكونوا كنيسة واحدة. وهذه الكنيسة هي الكنز الحقيقي للتقليد المقدس أو عمود الحقيقة وقاعدته كما قال بولس الرسول” (1تيمو 3: 15).

إن قناعة الكنيسة الأرثوذكسية بأن الشعب بمجمله، أي جسد المسيح، هو “المدافع” عن التقليد والدين لا تقلِّل أبداً من قوة التعليم المعطاة للإكليروس. فهذه القوة المعطاة لهم هي وظيفة من وظائف الملء الجامع في الكنيسة. فهي قوّة تثبّت الإيمان وتوطّد التعبير عنه والنطق به وتقوّي خبرة الكنيسة التي حُفظت في الجسد كلّه. فالتعليم الذي يبشّر به الإكليروس هو فم الكنيسة: “إننا نركن إلى كلام المؤمنين، لأن روح الله ينفخ في كلّ واحد منهم”. لقد أُعطي لهم وحدهم أن يعلِّموا “بسلطان”، لأنهم لم ينالوا هذه القوة من جمهور المؤمنين، بل من رئيس الكهنة يسوع المسيح عندما وُضعت عليهم الأيدي. لكنَّ هذا التعليم تُعْرَف حدوده في تعبير الكنيسة كلّها. فالكنيسة مدعوة لأن تشهد لهذه الخبرة التي لا تُستنفد، لأنها رؤية روحية.

يجب على الأسقف في الكنيسة (episcopus in ecclesia) أن يكون معلِّماً، لأنه تسلَّم سلطان التكلُّم باسم القطيع. والقطيع تسلَّم حق التكلّم من خلال الأسقف. وعلى الأسقف أن يحتضن كنيسته وأن يظهر خبرتها وإيمانها، حتى يحقِّق هذا الأمر. وعليه أن لا يتكلَّم من عنده، بل باسم الكنيسة “وعبر إجماعها” (ex consensu ecclesiae). وهذا القول يناقض الصيغة الفاتيكانيَّة التي تقول: “من ذاته لا من إجماع الكنيسة” (exsese, non autem ex consensu ecclesiae).

إن الأسقف لا يتلَّقى قوة التعليم من رعيته، بل من المسيح عبر التعاقب الرسولي. لكن أُعطيت له قوة الشهادة للخبرة الجامعة التي لجسد الكنيسة. فهو يلتزمها، ولذلك يحتكم المؤمنون إلى تعليمه فيما يخص مسائل الإيمان. أمَّا واجب الطاعة فيزول عندما ينحرف الأسقف عن القاعدة الجامعة، فللشعب حقّ اتّهامه، وحتى حقّ خلعه.

حرية وسلطة

في الكنيسة الجامعة تزول الثنائية المؤلمة وينتفي التوتُّر القائم بين الحرية والسلطة، لأن السلطة الخارجية غير موجودة في الكنيسة. فالسلطة لا تقدر أن تكون مصدراً للحياة الروحية، لذلك تلجأ السلطة المسيحية إلى الحرية والإقناع عوضاً عن الإكراه، لأن الإكراه يبطل الوحدة الحقيقية في الفكر والقلب. لكنَّ هذا لا يدلُّ على أن كل ّ شخص قد تلقَّى حرية غير محدودة في التعبير عن رأيه الشخصي. “فالآراء الشخصية” يجب ألاَّ تكون موجودة في الكنيسة ولا يمكنها أن توجد فيها. وكلّ عضو في الكنيسة يواجه مشكلة مزدوجة.

أولاً، يجب أن يسود ذاته وأن يحرِّرها من حدوده النفسية وأن يرفع مستوى ووعيه إلى ملء القياس “الجامع”. ثانياً، يجب أن يفهم ويتحسَّس روحياً الاكتمال التاريخي لخبرة الكنيسة. إن المسيح لا يُعلن عن نفسه لأفراد منعزلٍ بعضهم عن بعض، ولا يقتصر عمله على توجيه مصيرهم الشخصي. فهو لم يأت إلى الخراف المبعثرة، بل إلى الجنس البشري بأجمعه. وهكذا يتمّ عمله في ملء التاريخ، أي في الكنيسة.

كلّ التاريخ مقدّس في معنى من معانيه، لكن تاريخ الكنيسة مأساوي أيضاً. فالجامعيَّة أُعطيت للكنيسة ولذلك كانت مهمتها الأولى أن تحقِّقها. الحقيقة لا تُدرك من دون ألم وجهاد، لأن تجاوز الذات والأخصّاء ليس أمراً سهلاً. والشرط الأول في البطولة المسيحية هو الانسحاق أمام الله وقبول إعلانه. وقد أعلن الله عن نفسه في الكنيسة. هذا هو الإعلان النهائي الذي لا يزول.

فالمسيح لا يُعلن نفسه لنا في عزلتنا، بل في علاقتنا الجامعة وفي اتحادنا. وهو يكشف عن نفسه ويُعلن أنه آدم الجديد ورأس الكنيسة ورأس الجسد. لذلك يجب أن ندخل حياة الكنيسة بتواضع وثقة وأن نحاول أن نكتشف أنفسنا فيها. ويجب أن نؤمن بأن ملء المسيح هو فيها وأن كل واحد منَّا أن يواجه صعوباته وشكوكه. لكننا نرجو ونؤمن بأن هذه الصعوبات ستنحلّ بجهد جامع موحَّد وبطولي وبعمل جريء. وكلّ عمل من أعمال الإلفة والوئام ممرّ نحو تحقيق الملء الجامع للكنيسة. وهذا يكون مرضياً في عيني الرب: “فأينما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، كنت هناك بينهم” (متى 18: 20).

نظرة لاهوتية وتاريخية عن الكتاب المقدس 

الكتاب المقدس والعلم – أمجد بشارة

الكتاب المقدس والعلم – أمجد بشارة

الكتاب المقدس والعلم – أمجد بشارة

الكتاب المقدس والعلم – أمجد بشارة

الزمن يدور بسرعة والنهاية تقترب. فالمسيحي غير المطلع على العلوم الخارجية والعلوم اللاهوتية, والذي يكتفي بإيمان تطبيقي, لا يتأمل حقيقته الإيمانية, عند أول مناقضة لإيمانه يحتار ويخاف, ويبدأ يغرق كبطرس, حيث لا مجال للغرق. هذه هي المشكلة. إن هناك عقلية غير عقليتنا تطرح الأمور خلاف ما نطرحها نحن, فيجب مجابهتها. 

الأرشمندريت أندريه سكريما.

تقليل شديد من مكانة الكتاب المقدس وقصور في فهم هدفه ومُبتغاه عندما نربطه بالعلم، فالعلم والكتاب المقدس ميدانان متوازيان لا يتلاقيان ابدًا، بل هم دائمًا في مكانتين حيث لا تعارض ولا تلاقي. هذا وأن العلم لا يستطيع مناقضة الكتاب, لأن حقيقة الكتاب تجري على صعيد آخر غير ميدان الحقيقة العلمية. ينبغي الإشارة هنا إلى خطأ بعض المسيحيين الذين لا يريدون مقابلة الكتاب بالعلم.

إن العلم إنما هو للكون المنظور وما هو قابل للإثبات, أما الكتاب فهو للحقيقة الروحية, لسرّ الخلاص حيث لا مكان للعلم، إذ يفقد الأرض الخصبة التي يستطيع أن يعمل عليها، وهي ملاحظة المادة.

فالبحث عن إعجاز او خطأ علمي في الكتاب المقدس هو عبث محض، مثله مثل من يبحث عن إعجاز علمي في عمل أدبي لأديب مُعاصر كنجيب محفوظ، أو من يبحث عن خطأ علمي عند شاعر معاصر وعارف بالعلوم كالأبنودي، وحتى هذا وذاك رغم أنهم عارفين بعلوم العصر إلا أنه بإخضاع أعمالهم لميزان العلم فسيسقطون كصخرة في ماء، لأن لمثل هذه الأعمال المناخ المُناسب لإختبارها، وللعلم مجال.

لكلٍ منهم إتجاه مُغاير وميدان خاص به لا يمكن أن يخضع لإختبارات ميدان آخر ويصمد، لأن الأديب لم يستهدف من البداية أن يتوافق مع العلم، بل رُبما على العكس، قد أراد أن يتعدى حدود الواقع والمُستقر بين الناس، وذاك في ميدان الأدب يحسب له من حسن البلاغة والتصوير. ولذلك عندما نقيس النص، يجب أن نختار بدقة المعايير التي يُمكن بها قياس ذلك النص بحسب الهدف الذي كُتِب لأجله، فلا يُمكن أن نختبر قدرات طيار في سباق للعجل! أو أن نُقارن بين سعة البحر وشموخ برج إيفل! 

يحدث هذا الخلط عادة عندما يحاول خادم الكلمة أن يُقدم فكره الخاص ليضيفه للنص الكتابي، ولا يمكن حدوث هذا الخلط العلم-ديني إلا إذا بصم الخادم فكره الخاص علي ما يُريد أن يقوله النص، فيحوله من رسالة للخلاص، وإعلان عن علاقة صميمية بين الله والإنسان، إلي نص دوّنه الله بهدف إيصال معلومات علمية وتاريخية دقيقة للإنسان، وكأن هذا جزء من هدف النص وهو في الواقع إنحراف تام عن مقاصد النص وعن طبيعته وعن معنى وجوهر الوحي المسيحي.

إذا نزعنا عن الكتاب معناه الأساسي، أي جوهر رسالته، وهو الحوار بين الله والإنسان في تاريخ الخلاص.. وما إلي ذلك، وشرحناه بمعانٍ بشرية علمية كانت أو تاريخية محضة أو فلسفية بحتة، مُعتمدين فقط علي ما يُمليه الفكر البشري المُجرد، فإننا نكون قد بترناه عن أصله الإلهي وأبتعدنا عن حقيقته الكلية والهدف الذي وجِدَّ لأجله.

في الحقيقة أن آفة المسيحيين العرب هي إختلاط الثقافات، حيث تداخل مفهوم الوحي المسيحي بالوحي في الثقافة السائدة الذي يعني أنه عمل إلهي محض، ومُنزل من السماء ومعصوم حرفيًا، وعليه، فقد تورطنا في شبكة أُخري حيث ان أصله إلهي محض [وليس شركة بين الإنسان والله كالوحي المسيحي] فيجب أن الله لم يخطئ في توصيل رسائل علمية وتاريخية عجز عنها جميع العلماء والمؤرخين! 

ويجب أن نُشير أن مشكلة الخلط بين الكتاب المُقدس والعلم، وتصدير هذا الخلط -الناتج عن سوء تفسير- على أنه تصادم بين الأثنين، هي مشكلة حديثة نسبيًا، قديمًا كان وقت اعتبر فيه كل ما جاء في الكتاب حقيقة كلية دون أي مجال للبحث؛ فالكتاب كله معًا وكل ما جاء فيه له قيمة مطلقة. إن اهتزاز ذنب كلب طوبيا كان له قيمة روحية! والتوصية بالخمر لمعدة تيموثيئوس كانت لها قيمة لكافة الأمراض, كونها وصية إلهية بحد ذاتها.

وكانت التوراة أيضًا, منذ وقت قريب نسبيًا, تلخص كافة المعلومات البشرية. منذ خمسة قرون فقط, كان العلم غير متنوع ولا يؤلف مثل الآن علومًا عدة تتشعب كل منها إلى علوم فرعية, واختصاصات عديدة (في الطب مثلاً نرى التخصص يصل إلى كل عضو من الجسم…).

والعلم الآن لا يدعي شمول مجموع المعرفة البشرية, بينما قبل عصر النهضة فقط كان يظن الإنسان أنه من خلال بعض الكتابات القليلة نسبيًا يُمكنه أن يُحصل معرفةً شمولية لكل الحقيقة. وكان يُظن أن الكتاب المقدس في تجرده محتويًا على كل شيء لأنه كتاب إلهي. كان الإنسان في الحقيقة ليس مؤمنًا بل مصدقًا ساذجًا يصدق كل شيء, كأنه من الله مباشرة, على منوال الأطفال حين يشاهدون الأعمال السحرية. فينبغي إذًا التفريق بين هذا الوضع الذي لم يكن روحيًا, بل ظرفيًا ناتجًا عن وضع الإنسان المسيحي غير المتعمق وغير المستنير, وعن شبه عبادته للكتاب, وبين الوضع الروحي الأصيل[1].

الكتاب المقدس في المفهوم المسيحي هو مختلف كليًا وبعيد كل البعد عن هذه المعاني، فهو نتاج شركة وتفاعل بين الله والإنسان، فعن طريق الإنسان يُوصل الله رسالة تعلن عن التدبير الالهي ومشيئة الله تجاه الإنسان وطريق خلاصه، تاركًا للكاتب المستنير بالروح كل امكاناته المتاحة ليستخدمها في الكتابة، فالشاعر يكتب نص شعري او نثر، والفيلسوف يكتب معاني اعمق من الكلمات الظاهرية، والصياد او الشخص البسيط يكتب بلغة ركيكة بسيطة كل البساطة علي قدر امكاناته، حتى إنه متروكًا للكاتب أن يرجع الي الوثائق التاريخية والكتابات المتاحة في عصره، كما حدث بخصوص سفر ياشر[2]، ولهذا يقول القديس غريغوريوس النيزنزي:

هكذا فإن المفهوم الحقيقي للكتاب لا يُعرف دائمًا بسهولة من الكل. لأن الحقيقة الإلهية تُصاغ بمساعدة اللغة البشرية والتي تعبر دائمًا عن إمور مخلوقة ومحدودة, وليس إطلاقًا عن الجوهر الالهي, لذا ينبغي أن يُعتبر الكتاب كإظهار وإعلان للإرادة الإلهية[3]. 

ويكتب أوريجانوس:

فإن كلمة الله الذي تسربل بالجسد من مريم, قد جاء إلي هذا العالم، وما رؤيَّ فيه كان شئ ما, وما فُهم كان شيئًا آخر. لإن منظر جسده كان متاحًا للكل أن يروه, لكن معرفة لاهوته قد اُعطيت لقليلين… هكذا أيضًا حين جائت كلمة الله بالأنبياء ومُعطي الناموس (موسى), فإنها لم تأت من دون أن تتسربل بشكل مناسب. لإنه مثلما كانت هُناك مغطاة ببرقع الجسد او حجابه (2كو 3 : 14)،  هكذا هُنا أيضًا جائت بحجاب المعني الروحي المخبأ داخل الحرف….طوبى لتلك العيون التي ترى الروح الإلهي المخفي في حجاب الحرف[4].

وكتب اللاهوتي الارثوذكسي الاب جورج فلوروفسكي:

إنَّ الكتاب المُقدس تاريخي بالجوهر[5]… فيه لا نسمع صوت الله فقط إنما صوت الإنسان أيضًا… في داخله تكمن معجزة الكتاب وسرّه، أي كلمة الله في لغة بشرية[6].

فالكنيسة تنظر للكتاب المُقدس من هذه الزاوية أي تتحرك في حرية من خلال العلاقة بين الحق الكتابي وإحتياجات ومفاهيم الإنسان المُعاصر، ولا تتحرك بإسلوب العالم الذي يريد البقاء ويخشى فقدان ثروته وسلطانه ومجده وأفكاره المكتسبة غير المقلقة. كل شيء جديد يقلق السلاطين. ولكن حقيقة الله هي الحرية نفسها, وعندما لا تدرك الكنيسة ذلك فلا يمكنها أن تتقدم, فتعارض الكنيسة العلم, ويعارض العلم الكنيسة بالتبعية[7].

فكوننا نؤمن أن الكتاب المُقدس معصوم تاريخيًا أو علميًا، فهذا يستدعي بالضرورة أن الوثائق التي رجع إليها الكُتَّاب كانت ايضًا معصومة تاريخيًا وعلميًا، وهكذا يصبح كل كاتب او عالم مًعاصر لعصر كتابة أحد الاسفار او سبقه ويعود إليه كاتب السفر معصومًا تمامًا من أي خطًا علمي أو تاريخي، وبالتالي فثقافة عصر الكاتب نفسها معصومة، وهذه أمور لا يُمكن تصديقها بل هي محض خرافات.

ففي كل التاريخ القديم لا يوجد مؤرخ واحد معصوم بل جميعهم خلطوا الخرافة بالتاريخ، حتى أن يوسيفوس المؤرخ اليهودي الأشهر، يذكر واقعة عن الإسكندر المقدوني جاعلاً منها علامةً علي تدخل إلهي لمساعدة مجموعة من الغزاة! فيقول: إنَّ أُناسًا من القدماء لم يعرفوا الرزيلة، قد إنشق لهم عبر البحر طريق للنجاة، حين رآي جنود الإسكندر ملك مقدونيا، بحر بامفيليا يتراجع أمامهم، وأصبح لهم طريقًا بعد أن ضلوا كل طريق، وذلك عندما أراد الله أن يقضي على قوة الفرس. هذا ما يتفق عليه تمامًا جميع رواة أخبار الإسكندر[8].  

وهكذا كما نرى لا يُمكننا القول بأن مؤرخي العصور القديمة كانوا معصومين من الخطأ، حيث أنهم –كعادة جميع الشعوب القديمة- يضعون الحدث التاريخي في غلاف إسطوري كحكاية شعبية يحفظها ويتناقلها العامة. والأنبياء في نقلهم من هذه الوثائق –الغير معصومة- لم يمنعهم الروح القدس من نقل ما بها من معلومات سواء صحت تاريخيًا أو لم تتوافق مع التاريخ، لأن للروح المُوحي للأنبياء هدفًا آخر، ألا وهو إيصال رسالة ذات معنى يختص بالإنسان والله، وهو بعيد كل البعد عن معاني العصمة التي إنتقلت إلينا من عصور الظلام.

فهناك دائمًا قصد داخل النص الكتابي وهو جوهر الرسالة وما أراد الروح إيصاله، هذا ما دفع القديس يوحنا ذهبي الفم أن يقول في إحدى عظاته: كما أن البناء الذي بلا أساس يكون مُختلاً ولا يؤمَنَ له، كذلك الكتاب المُقدس يصير بلا منفعة إطلاقًا، إذا فشل الفرد في استقصاء القصد منهُ[9]. ويقول أثناسيوس الرسولي عن أولئك الذين يخترعون لأنفسهم مقاصد بعيدة عن قصد الكاتب: هم يضلون كثيرًا إذ هم لا يدركون هدف الكتاب الإلهي[10].

فالكتاب المُقدس نافع في ذاته وفيه كل الحق. لكنه كأي كتاب آخر لكي يتم فهمه بشكل صحيح فأحد أهم العوامل المساعدة لذلك هي وضعه في سياق زمنه وتاريخه ومعرفة الثقافة التي نشأ فيها. ولا يُمكن الآخذ بهذه المعايير مع الوضع في الإعتبار بوهم الإعجاز العلمي الذي نشأ كفكرة من العدم مع بدايات القرن الثامن عشر. فلم يكن هدف الكاتب الملهم أن يعلمنا عن طبيعة الأشياء ونظام الكون، بل أن يعطينا كلام الله مستعينًا بما كان يعرفه الناس ويتداولونه في ذلك الزمان، فهو لم يرغب في إثراءنا بمعلومات عن أشياء لا تنفع للخلاص.

ولهذا لم يقم بأبحاث علميّة، بل صوّر الأمور بالصوَر والتشابيه التي عرفها أبناء عصره. وهنا يتجلى المفهوم المسيحي عن كلمة الله التي تتجسد في الزمان والمكان. والتي صاغها إنسان مُلهم بالروح منقيًا كل العناصر التي استخدمها من المفاهيم المغلوطة والوثنية علي ضوء إيمانه.

كما أن منهج العلم يختلف تمامًا عن منهج الدين، وهذا لا يعيب أحدهما فكما قلنا هما ميدانان مختلفان تمامًا، وأي محاولة للدمج بين العلم والدين ليست فقط لن تصمد امام النقد المنطقي، بل من شأنها ايضًا هدم الكتاب بأكمله وزعزعة الإيمان وبلبلة العامة، فمنظار جاليليو لازال شاهدًا أن كنيسة العصور الوسطى لأجل نظرتها الضيقة للنص الكتابي قد هرطقت الرجل وقطعته من الشركة، والآن كل العالم المسيحي على علم بأن المشكلة كانت كامنة في المُفسرين ضيقي الأفق خالطي الدين بالعلم، وليست المشكلة في النص. ولكن –للأسف- نحن نحتفظ بالتاريخ كذكريات بشرية لا كدرس لتلافي أخطاء الأولين.

يكفينا أن نقرأ نصوص الكتاب المقدّس لنتبيّن أنّها لا تحوي نظرة علميّة عن عمر الأرض، بل وحيًا دينيًا عن خلق الأرض. وفضلاً عن ذلك، نجد بعض الصوَر التي لا تتوافق وأيّة علوم واختبارات. كيف يكون الجلد جسمًا جامدًا، وكيف نقول بوجود قنوات مياه في السماء؟ كيف نقول بخلق النور قبل تكوّن الشمس والقمر والكواكب، وكيف نقول إنّ النبات وجدّ قبل أن تُخلق الشمس الضروريّة لحياة النبات؟ في الرواية الأولى يخلق الله كلّ شيء ثُم يخلق الإنسان، وفي الرواية الثانية يخلق الله الإنسان ثمّ يخلق النبات والحيوان.

كلّ هذه الملاحظات وغيرها تُبيّن لنا أنّ الكتاب المُقدّس ما أراد أن يعلّمنا كيف خُلِق الكون، بل مَن خلق الكون. أراد أن تكون كلماته تعبيرًا عن فعل إيمان بالله الذي خلق العالم[11]. 

فالله لم يرغب في أن يُعطينا رسالة علميةّ او محتوي تاريخي وقصص شعوب! بل أراد الله إعلان تدبير الخلاص المنشود في وجه المسيح ويعلن عن علاقته بحبيبه الإنسان الذي خلق كل شئ ووضعه تحت قدميه مُنصّبًا إياه إلهًا على الأرض. وعلى هذا الأساس فقط يُقاس تفسير النص وهذه هي الأهداف التي كان دائمًا ما يضعها الله علي قلب الكاتب الموحى إليه.

يجب أن نقتنع بأن الكتاب المُقدس لا يتحدث عن الديناصورات ولا عن أيام حرفية ولا عن عمر الأرض ولا عن التطور. من الغريب أن الناس يتوجهون إلي الكتاب لأجل الإجابة على هذه الأسئلة والكثير غيرها. 

يجب أن نُصدق أن أول وأهم شئ يتحدث عنه التكوين هو عن الله. لا تستطيع قراءة للنص أن تتغاضى عن هذه الحقيقة. فهو يبدأ بأن الله هو خالق الكون، وينتهي بوعد من الله  أنه سيُخلص إسرائيل من العبودية. وما بين هذا وذاك، نجد فاعلية الله. الله يتكلم، الله يبارك، الله يعاقب، الله يقاضي، الله يختار، الله يقود، الله يحرر، الله يجب أن يُعبد. فإذا سألنا أحدهم: عن ماذا يتحدث الكتاب المُقدس في مجمله؟ فنجيب: في المجمل الكتاب يتحدث عن الله[12].

ربما رسم تصويري من ذاكرة الطفولة قادر أن يجعلنا نفهم الفكرة. هل تتذكر كتب تلوين الصور التي كنت تصل فيها النقاط ببعضها واحد تلو الآخر لتحصل علي رسمة؟ شئ مثل هذا حدث في سفر التكوين الإصحاح الأول. فالكاتب يستخدم الأيام كالنقاط التي كنت توصلها ببعضها، وذلك لكي يصب هذا في صورة تخبرنا عن تفاعل الله الخالق. كل يوم يخبرنا عن فاعلية الله الصانع والذي يشعر بما يصنع… فالكاتب يريدنا أن نعرف الصورة الكلية عن فاعلية الله الخالق، ويستخدم كل الوسائل ليتأكد من أننا قد حصلنا على تلك الصورة[13]. 

ولهذا فالأصل دائمًا لمحاولة فهم النص بشكل صحيح هو محاولة معرفة قصد الكاتب من كتابة النص، كما يقول ذهبي الفم: ينبغي علينا ألا نختبر الكلمات كأنها كلمات مجردة وإلا فسينتج عن ذلك سخافات كثيرة, ولكن يجب أن نتتبع فكر الكتاب[14]. ويكمل كيرلس عمود الدين: كذلك ينبغي على الدارس للأقوال الإلهية أن يفحص أيضًا الأشخاص ويتفكر في الزمن, ولأي سبب قيل كل قول. وذلك حتى يُمكن لكل أحد أن يطبق التفسير اللائق بنعمة الروح لكل قول من هذه الأقوال[15].

ثم لا ننسَ أن الكتاب هو كلام الله خلال تاريخ البشرية بكامله, وهو يتكيف مع الإنسان في وضعه الظرفي حسب مراحله. كلام الله يتناول الإنسان من أدنى حالات السقوط ليرفعه إلى الخلاص. والناس في الكتاب يتكلمون لغة زمانهم, فغروب الشمس وشروق الشمس طريقة في التعبير, وليست إقرارًا علميًا فلكيًا! إنَّ الكتاب يستخدم لغة الزمان والمكان, وهذا شكل الإعلان الإلهي لا فحواه. لذا نجد فرقًا ملحوظًا بين سفر القضاة وسفر أشعياء مثلاً, أو بين إيليا ويوحنا المعمدان, فيوحنا يدع أخصامه يقتلونه بدلاً من أن يقتلهم.

ثم أن الكتاب يتكلم بلغة رمزية في كثير من الأحيان, برموز تتجاوز المعنى المباشر فيجب بذل جهد لفهمها. قصة الخلق مثلاً؛ أنها رواية صحيحة, ولكن يجب أن لا تُفهم فهمًا حرفيًا وماديًا. عندما يقول الكتاب إن الله يتكلم, هذا لا يعني أن له فمًا, وكذلك عبارة (القديم الأيام) لا تعني أن له لحية بيضاء… ينبغي الإرتفاع إلى المعنى الرمزي لأن الأشياء الروحية لا تُصوّر ماديًا, والإنسان الحديث خاصة, يعسر عليه تصورها لأنه يُدرك الأمور ماديًا فقط. ومع ذلك فإن العلم الآن قد تبين استحالة تصوير الإلكترون مثلاً، فقديمًا قد كانوا يظنون الإلكترون شيئًا كرويًا صغيرًا, ولكنه لم يعد قابلاً للتصوير الآن. إذًا يجب تجاوز الإدراك المادي للكتاب, والإرتقاء إلى المعنى الذي يختفي بين السطور. يجب أن نتجاوز أنفسنا في قراءة الكتاب[16].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مدخل إلي الكتاب المُقدس، الارشمندريت أندريه إسكريما، ص 20.

[2] راجع (يش 10: 13) و( 2صم 1: 18)

[3] تفسير الكتاب المقدس عند الاباء . د – جورج عوض ابراهيم . ص 15 – القديس غريغوريوس النيزنزي ضد افنوميوس .  BEIIE 67 , 193

[4] THE FATHERS OF THE CHURCH , ORIGEN , HOM ON GENSIS AND EXODUS , VOL 71 , P 29 . 

[5] هذا لا يعني انه كتاب تاريخ إنما أنه شاهد لعلاقة الله بالبشرية، لانه في جوهره هو نتاج تفاعل الله مع البشرية في التاريخ.

[6] الكتاب المُقدس والكنيسة والتقليد، ص 19- 44

[7] الارشمندريت اندريه اسكريما، مرجع سابق، ص21.

[8] antiquities of the jews- book, 2, 16:5

[9] P. G. 55, 35

[10] الرسائل عن الروح القدس، 2: 7

[11] الخوري بولس الفغالي، تفسير سفر التكوين.

[12] The Genesis factor : Probing life’s big questions, p. 20.

[13] The Genesis factor : Probing life’s big questions, p. 30.

[14] F. H. CHASE, CHRYSOSTOM.  p. 61

[15] والدة الإله. ترجمة د/جورج عوض ابراهيم. ص 27

[16] الأرشمندريت أندريه سكريما، مرجع سابق، ص 24.

الكتاب المقدس والعلم – أمجد بشارة

من هو يهوذا الاسخريوطي ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

من هو يهوذا الاسخريوطي ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

من هو يهوذا الاسخريوطي ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

من هو يهوذا الاسخريوطي ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

1 – يهوذا – شخصيته وخيانته للمسيح:

كان يهوذا الاسخريوطي أحد تلاميذ المسيح الأثنى عشر، ويعني أسمه ” يهوذا “، أنه يهودي أو من سبط يهوذا، ولقبه ” الاسخريوطي ” يعني أنه رجل من قريوت المذكورة في (ار48 :24و؛عا2: 2)، والتي يحتمل أنها كانت تقع في جنوبي اليهودية حيث توجد ” خرابة القريتين “. ويذكره العهد الجديد في أغلب المرات بمسلم الرب يسوع المسيح: ” ويهوذا الاسخريوطي الذي أسلمه ” (مت10 :4؛ ومر3 :19). ” ويهوذا الاسخريوطي الذي صار مسلما أيضا ” (لو6 :16).

وأنه كان معروفاً منذ اختيار الرب له أنه سيسلمه: ” أجابهم يسوع أليس أني أنا اخترتكم الاثني عشر وواحد منكم شيطان قال عن يهوذا سمعان الاسخريوطي . لأن هذا كان مزمعا أن يسلمه ” (يو6 :70و71). وذلك بناء على علم الرب وتدبيره السابق ” لان الذين سبق فعرفهم سبق فعيّنهم ” (رو8 :29).

كما يصفه الكتاب بأنه كان ” مزمعاً أن يسلم الرب “، بل وكان سارقاً للصندوق: ” فأخذت مريم منا من طيب ناردين خالص كثير الثمن ودهنت قدمي يسوع ومسحت قدميه بشعرها. فامتلأ البيت من رائحة الطيب. فقال واحد من تلاميذه وهو يهوذا سمعان الاسخريوطي المزمع أن يسلمه لماذا لم يبع هذا الطيب بثلاث مئة دينار ويعط للفقراء. قال هذا ليس لأنه كان يبالي بالفقراء بل لأنه كان سارقا وكان الصندوق عنده وكان يحمل ما يلقى فيه ” (يو12 :4-6).

وأنه تأمر مع رؤساء الكهنة وباع لهم المسيح: ” حينئذ ذهب واحد من الاثني عشر الذي يدعى يهوذا الاسخريوطي إلى رؤساء الكهنة ” (مت26 :14). ” ليسلمه إليهم ” (مر14 :10). وأثناء العشاء كشف عنه الرب بشكل غير مباشر لكل التلاميذ، وحذره التحذير الأخير بأنه، المسيح، سيسلم ويصلب سواء قام هو بتسليمه أم لا، فهذا هو ما حتمته المشورة الإلهية وما هو مكتوب في كتب الأنبياء.

كما حذره من المصير الذي ينتظره في حالة قيامه بتسليم الرب وخيانته له: ” وفيما هم يأكلون قال الحق أقول لكم أن واحداً منكم يسلمني. فحزنوا جدا وابتدأ كل واحد منهم يقول له هل أنا هو يا رب. فأجاب وقال. الذي يغمس يده معي في الصحفة هو يسلمني. أن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه. ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان. كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد ” (مت26 :22-24).

ثم يقول الكتاب: ” فدخل الشيطان في يهوذا الذي يدعى الاسخريوطي وهو من جملة الاثني عشر ” (لو22 :3). ” فحين كان العشاء وقد ألقى الشيطان في قلب يهوذا سمعان الاسخريوطي أن يسلمه … لما قال يسوع هذا اضطرب بالروح وشهد وقال الحق الحق أقول لكم أن واحدا منكم سيسلمني. فكان التلاميذ ينظرون بعضهم إلى بعض وهم محتارون في من قال عنه. وكان متكئا في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه.

فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه. فاتكأ ذاك على صدر يسوع وقال له يا سيد من هو. أجاب يسوع هو ذاك الذي اغمس أنا اللقمة وأعطيه. فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الإسخريوطي. فبعد اللقمة دخله الشيطان. فقال له يسوع ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة … فذاك لما اخذ اللقمة خرج للوقت. وكان ليلا. فلما خرج قال يسوع الآن تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه (يو13 :2و22-31).

هذا ما ذكره الكتاب عنه. وهنا يتبين لنا شخصيته الشريرة التي كان يعلمها الرب قبل اختياره، بل وبعلمه السابق، ولكن يبدو أنه انضم للمسيح كيهودي مخلص كان ينتظر المسيح المنتظر ولكن شخصيته بدأت تتطور بتطور الأحداث ومن خلال علاقته بالمسيح وأفكاره الخاصة كيهودي غيور على أمته ومستقبلها حتى وصل إلى الدرجة الحرجة الكافية لأن تدفعه أن يقوم بما عمله.

من هو يهوذا الاسخريوطي ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

ويبدو أن دوافعه الشخصية كانت تغلب عليه كثيراً فقد ” كان أميناً  للصندوق، إلا أنه تجاهل تحذيرات الرب يسوع المسيح من الطمع والرياء (مت 6: 20،لو 12: 1 – 3)، واستغل الأموال لحسابه ولتغطية جشعه، وتظاهر بالغيرة على الصندوق.

وبعد أن قبض على الرب يسوع المسيح ندم ، وبدأ يشعر بالذنب، وفي يأسه المتزايد بسبب طرد رؤساء الكهنة والشيوخ له، ” طرح الفضة في الهيكل وانصرف، ثم مضى وخنق نفسه ” (مت27 :5)، واشترى رؤساء الكهنة بالفضة حقل الفخاري الذي سمي فيما بعد ” حقل الدم ” فتحققت نبوة زكريا (11: 12 – 14). ويوضح لنا سفر الأعمال كيفية موته بعد أن شنق نفسه فيقول: ” وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها ” (أع1 :16-20). وتم فيه قول الكتاب: ” لأنه مكتوب في سفر المزامير لتصر داره خرابا ولا يكن فيها ساكن وليأخذ وظيفته آخر ” (أع1 :20).

2 –  يهوذا – ما دار حوله من نظريات عبر التاريخ:

دارت حول يهوذا الاسخريوطي العديد من الأفكار والنظريات عبر التاريخ بين من يقول بهلاكه الأبدي حسب تحذير الرب يسوع له، ومن يبرئه، ومن يقول بغفران المسيح له كما غفر لصالبيه ولبطرس الذي أنكره، وبين من قال أنه فعل ذلك خدمة للمسيح .. الخ ونلخص هذه النظريات بحسب ما وردت في عدة دوائر معارف وقواميس كتابية، وخاصة دائرة المعارف الكتابية التي لخصت ما جاء في كل هذه الموسوعات:

(1) انضمامه للرسل ليسلم المسيح: دار حوار طويل وجدل كثير، ليس حول روايات الأناجيل عن يهوذا فحسب، بل وأيضاً، حول شخصيته والمشاكل المتعلقة بها. فكون ” يهوذا ” مسلم يسوع واحداً من الاثني عشر المختارين، قد أعطي لأعداء المسيحية فرصة لمهاجمتها منذ العصور الأولى كما ذكر أوريجانوس. كما أن صعوبة الوصول إلى حل حاسم، قد أدى بالبعض إلى اعتبار يهوذا الاسخريوطي مجرد تجسيد للروح اليهودية. ولكن هذا الرأي، على أي حال، يقلل من القيمة التاريخية لكثير من الفصول الكتابية.

وهناك نظريات مختلفة لتفسير الموضوع، مثل أن يهوذا الاسخريوطي انضم لجماعة الرسل بهدف محدد، هو تسليم يسوع. ويفسرون هدف هذا الاتجاه على وجهين، هدفهما السمو بشخصية يهوذا وإبرائه من تهمة دوافع الخيانة.

(أ) فيقول أحد الجانبين إن يهوذا الاسخريوطي كان وطنياً غيوراً، ورأى في يسوع عدواً لأمته وعقيدتها الأصيلة، ولذلك أسلمه من أجل صالح أمته، ولا يتفق هذا الرأي مع طرد رؤساء الكهنة ليهوذا (مت 27: 3 – 10).

(ب) أما الاتجاه الآخر فقد اعتبر يهوذا الاسخريوطي نفسه خادماً أميناً للمسيحية إذ أنه توجه إلى التسليم ليتعجل عمل المسيح ويدفعه إلى إظهار قوته المعجزية بدعوة ملائكة الله من السماء لمعونته (مت 26: 53). أما انتحاره فيرجع إلى يأسه، لفشل يسوع في تحقيق توقعاته. ولقد راقت هذه النظرية – في العصور القديمة – للغنوسيين القاينيين، كما سنبين في الفصول التالية، وفي العصر الحديث ” لدى كوينسي والأسقف هويتلي، لكن العبارات التي استخدمها الرب يسوع المسيح وطريقة رفضه لتصرف يهوذا (يو17: 12) تجعل مثل هذا الرأي بلا قيمة.

(2) سبق تعيين يهوذا الاسخريوطي ليكون مسلمه: هناك رأي آخر يقول أن يهوذا سبق تعيينه ليكون مسلمه، وأن الرب يسوع كان عالماً منذ البداية بأنه سيموت بالصليب، وقد اختار يهوذا الاسخريوطي لأنه عرف أنه هو الذي سيسلمه، وهكذا تتحقق المقاصد الإلهية (مت 26: 54).

والذين يتمسكون بهذا الرأي يبنونه على علم يسوع بكل شيء كما في يوحنا (2: 24) لأن الرب يسوع ” كان يعرف الجميع “. وكذلك يوحنا (6: 64) ” لأن يسوع من البدء علم من هم الذين لا يؤمنون ومن هو الذي يسلمه “، كذلك يوحنا (18: 4) ” وهو عالم بكل ما يأتي عليه “.

ولكننا إذا أخذنا هذه النصوص حرفياً، يكون معنى هذا تطبيق عقيدة قضاء الله السابق بطريقة متزمتة أكثر مما يجب، وبهذا يكون يهوذا مجرد آلة أو وسيلة في يد قوة أعلى منه، وهو ما يجعل مناشدة الرب يسوع المسيح وتحذيراته له بلا معنى، كما أنه ينفي وجود المسئولية الشخصية والإحساس بالذنب، وهو ما كان يريد الرب أن يثيره وييقظه في قلوب سامعيه.

ولقد كتب يوحنا الرسول بعد وقوع الأحداث، ولكننا كما رأينا، كان في كلمات ربنا وضوح متزايد في التنبؤ بتسليمه. إن علم ربنا يسوع المسيح بكل شيء كان أعظم من مجرد معرفة متنبيء يدعي استطلاع المستقبل. لقد كان علمه بكل شيء هو علم من عرف، من ناحية، مقاصد أبيه السرمدي من نحو الناس، ومن الناحية الأخرى، كان ينفذ إلى أعمق أعماق الشخصية البشرية ويرى ما فيها من مشاعر ودوافع وميول خفية.

(3) تسليمه للرب يسوع المسيح كان نتيجة تطور تدريجي: ونظراً لأن الإنسان حر الإرادة فأننا نرى أن تسليم يهوذا الاسخريوطي للرب يسوع، كان نتيجة تطور تدريجي داخل نفسه، يبدو أكثر واقعية. فقد كان يهوذا الاسخريوطي الوحيد بين التلاميذ من المناطق الجنوبية، ولذلك فاختلافه في المزاج والنظرة الاجتماعية، بالإضافة إلى ما يمكن أن تؤدي إليه من اتجاهات دنيئة، قد يفسر جزئياً عدم وجود التعاطف الصادق بين يهوذا الاسخريوطي وبقية التلاميذ، وإن كان هذا لا يبرر مطلقاً خيانته التي حدثت فيما بعد.

لقد كانت له كفاءة خاصة في إدارة الأعمال، ولذلك اختير أميناً للصندوق، ولكن قلبه لم يكن منذ البداية نقياً، فقد كان يقوم بمسئوليته بدون أمانة، وامتد سرطان الجشع هذا من الأمور المادية إلى الأمور الروحية، فلم تحدث لأحد من التلاميذ خيبة أمل نتيجة انتهاء الحلم بمملكة أرضية ذات مجد وبهاء مثلما حدث ليهوذا الاسخريوطي .

ولم تكن ربط المحبة التي جذب بها يسوع قلوب التلاميذ الآخرين، وكذلك التعاليم التي بها سما بأرواحهم فوق الأمور الأرضية، لم تكن إلا قيوداً أثارت أنانية يهوذا الاسخريوطي . ولأنه كان مكبلاً بأطماعه، ولخيبة أماله، ثارت فيه الغيرة والحقد والكراهية، ولم تكن كراهية إنسان قوي بل كراهية إنسان ضعيف أساساً، فبدلاً من أن ينفصل صراحة عن سيده، بقى في الظاهر واحداً من أتباعه، كما أن تفكيره المستمر في توبيخات سيده، جعل الباب مفتوحاً أمام الشيطان ” فدخله الشيطان “، فهو إذاً كان قد علم الصلاح ولكنه لم يفعله  (يو13: 17).

كما كان أيضاً ضعيفاً في تنفيذ خططه الدنيئة، لقد حمله هذا التردد – أكثر من حقده الشيطاني الخبيث – على أن ينتظر في العليه حتى اللحظة الأخيرة، مما دفع يسوع لأن يقول له: ” ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة ” (يو13: 27).

وبهذا التفكير الضعيف حاول أن يلقي باللوم على رؤساء الكهنة والشيوخ (مت27: 3و4)، لقد حاول أن يبرئ نفسه ليس أمام يسوع البار الذي أسلمه، بل أمام شركائه في الجريمة. ولأن العالم الذي – بأنانيته – اتخذه إلهاً له، تخلى عنه أخيراً، مضى وخنق نفسه. إنها النهاية التعيسة لإنسان اعتنق بكل طاقاته روح المساومة والأطماع الذاتية، فلم يزن النتائج القاتلة التي قادته إليها تلك الدوافع الرديئة. ومن ثم يقول القديس أغسطينوس:

  ” أنه لا يستحق الرحمة ، ولذا لم يشرق في قلبه نور ليجعله يسرع ليطلب العفو من الذي خانه “.

  ومن ثم فقد كان لابد أن يتحقق فيه ما سبق أن أعلنه له الرب يسوع المسيح: ”  أن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه. ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان. كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد ” (مت26 :22-24).

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

يهوذا الاسخريوطي من هو؟ – القمص عبد المسيح بسيط

Exit mobile version