مجتمع الله الجديد : صور من المجتمع الجديد

مجتمع الله الجديد : صور من المجتمع الجديد

مجتمع الله الجديد : صور من المجتمع الجديد

مجتمع الله الجديد : صور من المجتمع الجديد

 

“الأمثال” هي بعض من قصص يسوع الأكثر شهرة. مثل قصة السامري الصالح[1]، أو الخروف الضال[2]، أو الزارع الذي خرج ليزرع[3]. ولكن إذا تصفحنا الأناجيل وحصرنا الأجزاء المختلفة من تعليم يسوع والتي وصفت بأنها “أمثال”[4] فلسوف نجد أنها تتضمن ليس فقط هذه القصص التي صيغت على هيئة أمثال[5]، بل سنجد أقوالاً أخرى من الطبيعي أن نصنفها بالأكثر على أنها تتضمن كل وسائل البلاغة مثل المجاز والتشبيه والرمز بل والأحجيات أيضاً[6].

الأمثال ومعانيها

والمثل الشعبي مثل “أيها الطبيب اشف نفسك”[7] يسمى مثلاً. وهكذا الحال تقريباً بالنسبة للقول الواقعي “كل ما يدخل الإنسان من الخارج لا يقدر أن ينجسه… إن الذي يخرج من الإنسان ذلك ينجس الإنسان”[8]. وبعض الأقوال في الموعظة على الجبل[9] من نفس هذه النوعية أيضاً، حيث ترسم صورة حية لشيء مألوف: الملح، النور، المدينة، وبواسطتها يفسر يسوع رسالته.

وكثير من الصور التي تناولها يسوع في إنجيل يوحنا تستخدم أيضاً نفس النوعية من التشبيهات المجازية لتوضيح رسالته. حيث يصف يسوع نفسه بأنه “الراعي الصالح”[10] أو “الكرمة الحقيقية”[11]، ثم يشبه عمل تلاميذه بجني الحصاد[12]، ويشبه نفسه الخبز وماء الحياة[13].

وتعليم يسوع مليء بأقوال الأمثال المشابهة لهذا، غير أنه عند مناقشة تعليم يسوع، فإنه من المعتاد ومن المناسب أن نحتفظ بكلمة “مثل” بالنسبة للقصص الحقيقية التي قالها يسوع[14].

أمثال أم تشبيهات مجازية؟

الطريقة التقليدية لفهم قصص الأمثال هذه هي اعتبارها تشبيهات مجازية. والتشبيه المجازي هو قصة مفصلة عن موضوع ما، كتبت بطريقة تبدو معها وكأنها شيئاً مختلفاً تماماً. وكتاب “جون بنيان John Bunyan” “سياحة المسيح” يعد مثالاً شهيراً على هذه النوعية من الكتابة. وفي هذا الكتاب يبدو “بنيان Bunyan” وكأنه يروي قصة رجل في رحلة. ولكن الرحلة غريبة جداً، والشخصيات أكبر بكثير من الحياة، حتى إن هذا لا يحدث إطلاقاً في رحلة. فهو يصف الأمور التي وقعت في حياة شخص مسيحي، منذ أصبح مسيحياً وحتى نهاية حياته.

ونجد مثل هذا التعليم في بعض أجزاء العهد الجديد. ففي إنجيل يوحنا على سبيل المثال، هناك التشبيه المجازي عن الكرمة والأغصان[15]…. وفي هذه القصة يبدو يسوع هنا وكأنه يشرح الوسائل التي من خلالها تثمر الكرمة عنباً، إلا أنه حين بدأ في الكلام عن غصن الكرمة الذي قرر أن يقطع نفسه عن الساق الرئيسي للنبات، أصبح من الواضح أنه لا يعطي درساً عن كيفية زرع العنب، بل كان يتحدث عما يعنيه أن يكون الشخص من تلاميذه.

وعلى الرغم من أنه لا توجد في الأناجيل إلا أمثلة قليلة من الصور المجازية، إلا أن معظم الحالات نجد أن طريقة فهم الناس للأمثال لا هي أمينة بالنسبة للهدف الأساسي الذي قصده يسوع في تعليمه ولا هي مفيدة بالمرة. لنأخذ على سبيل المثال قصة السامري الصالح، فطبقاً لما قاله لوقا فقد قال يسوع هذه المثل في معرض رده على سؤال “من هو القريب؟”[16] وفي النهاية أخبر يسوع صاحب السؤال بأن يفعل كما فعل السامري في القصة. ومع ذلك، ففي غضون فترة قصيرة كان المسيحيون يفسرون هذه القصة تفسيراً مجازياً، ناسين حقيقة أنها كانت رداً على سؤال عملي.

أين تجد أمثلة يسوع؟

 

متى

مرقص

لوقا

مثل الزارع

13: 1-23

4: 1-20

8: 4-15

الزوان في الحقل

13: 24-43

   

حبة الخردل

13: 31-32

4: 30-32

13: 18-19

الكنز المخفي

13: 44-46

   

العبد غير المتسامح

18: 23-35

   

السامري الصالح

   

10: 25-37

صديق منتصف الليل

   

11: 5-8

الغني الغبي

   

12: 13-21

الوليمة العظيمة

   

14: 15-24

الخروف الضائع

18: 12-14

 

15: 1-10

الابن الضال

   

15: 11-14

وكيل الظلم

   

16: 1-13

الغني ولعازر

   

16: 19-31

قاضي الظلم

   

18: 1-8

الفريسي والعشار

   

18: 9-14

الفعلة في الكرم

20: 1-16

   

مثل الأمناء

   

19: 11-27

الكرامين الأشرار

21: 33-46

12: 1-12

20: 9-19

وليمة العرس

22: 1-14

   

العبد الأمين

24: 45-51

   

العذارى العشر

25: 1-13

   

الوزنات

25: 14-30

   

 

الأقوال السبعة في إنجيل يوحنا والتي بدأها يسوع بقوله “أنا هو”، جاءت شبيهة بأمثال وهي:

 

خبز الحياة

يوحنا 6: 35-40

نور العالم

يوحنا 8: 12-13

الباب

يوحنا 10: 7-10

الراعي الصالح

يوحنا 10: 11-18

القيامة والحياة

يوحنا 11: 17-27

الطريق والحق والحياة

يوحنا 14: 1-7

الكرمة الحقيقي

يوحنا 15: 1-11

 

وطبقاً لما قاله أحد مفكري القرن الرابع “أوغسطينوس” فإن الرجل الذي نزل من أورشليم إلى أريحا هو آدم. وأورشليم كانت تمثل مدينة السلام الإلهية التي سقط منها، وأريحا كانت تشير إلى الموت الذي ورثه الجنس البشري نتيجة سقطة آدم. أما اللصوص فكانوا يرمزون إلى الشيطان وملائكته، الذين جردوه من خلوده. أما الكاهن واللاوي اللذان عبرا من الجانب الآخر فيرمزان إلى الكهنوت وخدمة العهد القديم، واللذان لم يقدرا أن يخلصاه. أما السامري الصالح فكان المسيح نفسه، وقيامه بتضميد جروح المسافر يشير إلى كبح الخطية، وأما الزيت والخمر اللذان صبهما على جراحه فيرمزان إلى تعزية الرجاء والتشجيع على العمل بجد. أما الدابة فترمز إلى الجسد الذي جاء به يسوع إلى الأرض، والفندق يشير إلى الكنيسة، وصاحب الفندق هو الرسول بولس. أما الديناران اللذان أعطيا له فهما وصيتا محبة الله ومحبة القريب.

ولا شك أن هذه القصة ترمز إلى قصة الخلاص بأكملها، ومن باب الأمانة، علينا أن نتذكر أن أوغسطينوس يخبرنا أنه تمتع تماماً بتفكيره في هذا الأمر. غير أننا في المحصلة النهائية علينا الاعتراف بأن مثل هذا التفسير لا يتصل تماماً بقصة السامري الصالح. وهذه “المعاني الروحية” خلعت على القصة ولم تأت منها. وفي تفسير أوغسطينوس لها، لا نجد بأية حال إجابة على السؤال الأساسي الذي طرحه ذلك الشخص على يسوع.

القصد من الأمثال

قد تتملكنا الدهشة إلى حد ما حين نكتشف أنه قبل نهاية القرن التاسع عشر لم نكن قد أدركنا تماماً عبثية هذا المنهج من التفسير. وحين بدأ الباحثون يقرأون العهد الجديد كوثيقة تاريخية، أدركوا أنه ربما قد استخدم يسوع الأمثال بنفس الطريقة التي كان يستخدمها معلمون آخرون في العالم القديم. وبعد مقارنة أساليب يسوع في التعليم بالطريقة التي استخدمت فيها الأمثال في الأدب اليوناني، أشار مفكر ألماني هو “أدولف جوليكر Adolf Julcher” أن يسوع استخدم الأمثال مثلما يستخدم الوعاظ في العصر الحديث الرسوم التوضيحية. ولم يكن يقصد أن يصل بها إلى معنى خفي في كل تفصيلة، بل كان بكل بساطة يصور ويوضح نقطة معينة.

وهكذا فإن النقطة الرئيسية في مثل السامري الصالح هي أن الشخص الذي أثبت أنه قريب حقيقي لم يكن أحد المتدينين اليهود بل واحد من السامريين المحتقرين المكروهين. وجميع التفصيلات الأخرى التي تضمنتها القصة مثل الدابة، والفندق، والزيت والخمر، ما كانت إلا تصويراً مجازياً رائعاً للمشهد لإضفاء الواقعية والإثارة على القصة. ولم تكن لها علاقة بالنقطة الأساسية لما كان يسوع يحاول قوله.

وإذا ما أدركنا هذه الحقيقة، فلسوف نتخلص من بعض مشاكل التفسير الحقيقية. ذلك أنه في بعض الأمثال نجد أن الشخصيات الرئيسية ليست في الواقع من نوعية الناس الذين يشعر المسيحيون بأنه ينبغي تقليد تصرفاتهم. فعلى سبيل المثال، هناك وكيل الظلم الذي حصل على ثناء سيده عندما تلاعب في الحسابات لمصلحته. فهل يسوع يمتدح حقاً مثل هذا التصرف؟

الإجابة هي لا بالطبع. وحين ندرك أن الغرض الرئيسي من المثال هو أننا ينبغي أن نتمثل ببعد نظره في أن يكون مستعداً لمواجهة أي كارثة في الحياة، هنا نستطيع أن نعرف أن بقية القصة ما هي إلا مجرد تصوير واقعي لموقف تم تخيله.

وتواصلاً لأفكار جوليكر الهامة بدأ مفكرون آخرون في محاولة اكتشاف المعنى الحقيقي لأمثال يسوع، ومن أشهرهم بروفسور “دود” في إنجلترا، وبروفسور “يواكيم جيرمياس” في ألمانيا، وكلاهما يتفقان مع “جوليكر” في أن الأمثال بوجه عام لا تتضمن سوى درس واحد، على الرغم من أنهم رأوا أيضاً أن موضوع الأمثال لا يتضمن أحد الحقوق الأخلاقية التي يتم تعميمها (كما كان جوليكر يعتقد) بل أن موضع الأمثال هو مجيء مجتمع الله الجديد. ومع ذلك اقتبس “دود” و”جيرمياس” عن “جوليكر” افتراضات معينة كانت عرضة للتشكيك منذ عهد قريب من قبل الباحثين الآخرين للعهد الجديد:

ç رغم أنه صحيح بوجه عام أن كل مثل من أمثال يسوع كان يتضمن نقطة رئيسية واحدة، إلا أن الأمر يكون مضللاً عند الإصرار على القول بأنه لم يكن هناك مثل على الإطلاق كانت له أكثر من نقطة واحدة رئيسية. فمن الواضح تماماً أن بعض الأمثال كانت تتضمن أكثر من درس واحد تعلمه.

ففي مثل الوزنات[17] – على سبيل المثال – يبدو أنه كان على الأقل يتضمن نقطتين بسيطتين. فالقصة تتحدث عن رجل مسافر قسم نقوده بين عبيده بغية الاحتفاظ بها في أمان. وحين يعود يكافئ العبيد بطرق مختلفة طبقاً لاستخداماتهم المتباينة التي استغلوا فيها نقوده. فالنقطة الأساسية لهذه القصة يجب أن تكون على تأكيد الصلة بين المسؤولية الفردية والدينونة الأخيرة. ولكننا نجد تشديداً آخر يمكن أن يكون له أهمية مماثلة، لأن السيد لم يتقيد بالتزامه القانوني أو الأدبي، فقد كان كريماً إذ استأمن عبيده على ممتلكاته. أما مثل وليمة العرس، يبدو أنه يدور تماماً حول نفس هاتين النقطتين، ومن الطبيعي أن كلاً منها كان يشكل جزءاً هاماً من تعليم يسوع عن طبيعة أبيه[18].

ç على الرغم من أنه لا يجب تفسير معظم الأمثال تفسيراً مجازياً، إلا أن كثيرين من المفسرين يدركون الآن أن هذا لا ينطبق على الأمثال كافة. ومثل الزارع يتضمن معنى مجازياً: فنوعيات التربة المختلفة قيل إنها تمثل أنماطاً مختلفة من الناس الذين يسمعون رسالة يسوع[19]. وكثيراً ما يثار جدل بأن هذا التفسير لا يعود إلى يسوع نفسه، بل نشأ في الكنسية الأرضية، في وقت كان المسيحيون يحاولون فيه تفسير السبب في أن أناساً قليلين هم الذين يتجاوبون مع وعظهم. ولا شك أن مَثَل كهذا يساعد في الإجابة على سؤال كهذا[20]. إلا أنه إذا حذفنا تفسير المثال هذا على اعتبار أنه لا يتضمن سوى معنى ثانوي، ربما أضيف في وقت لاحق، فإنه ستظل أمامنا مشكلة تفسير النقطة الرئيسية بحسب ما تحدث عنها يسوع لأول مرة. والحقيقة هي أنه من الصعب جداً معرفة ما هو المعنى الآخر الذي يمكن أن يتضمنه.

وهناك مثل أكثر من هذا يلفت النظر نجده في حالة مثل الكرامين الأشرار[21]. والقصة تتحدث عن رجل قام بتأجير كرمه لكرامين نظير إيجار يتضمن جزءًا من محصول العنب السنوي. ومع ذلك، عندما أرسل عبيده ليتسلموا نصيبه من المحصول قام المستأجرون بضربهم وقتلهم. وبعد أن تكرر حدوث هذا عدة مرات، أرسل الرجل ابنه، معتقداً أنه سيقابل باحترام أكبر. ولكنه لاقى أيضاً نفس المصير. ولذلك حين جاء صاحب الكرم أخيراً إلى الكرم، كان من المحتم أن يهلك هؤلاء الكرامين الأشرار. وفي هذه القصة فإن التفسير المجازي يبدو أنه المعنى الوحيد الممكن. وإذا لم تكن إسرائيل هي الكرم، والأنبياء لم يكونوا هم العبيد الذين أرسلهم سيدهم (الله)، ويسوع نفسه هو الابن، فلسوف لا يكون للمثل كله أي معنى.

وعلى هذا فيبدو أنه من الحكمة تبني موقفاً أكثر مرونة، وندرك أنه برغم أن الأمثلة لا تحتاج عادة إلى تفسير مجازي، إلا أن بعضها قد يحتاج إلى ذلك.

ç يؤكد كل من “دود” و”جيرمياس” أهمية فهم الأمثال في سياقها التاريخي الأساسي. ولأنهما يصران على هذه النقطة فقد بذلا جهداً كبيراً لمحاولة اكتشاف المعنى الحقيقي لأمثال يسوع لسامعيه، وبعد ذلك بالنسبة للمسيحيين الذين كانوا أول من كتبوها. إلا أن مفسرين آخرين بدأوا الآن يدركون أن هناك بعداً مخفياً في الأمثال يعطيها مذاقاً مميزاً لا نجده في بقية العهد الجديد.

وبصفة عامة نستطيع أن نقول إنه قبل أن يكون بمقدورنا أن نتأكد ما الذي يعنيه العهد الجديد بالنسبة لنا في أيامنا هذه، نحن في حاجة إلى معرفة ما الذي كان يعنيه بالنسبة لأولئك الذين قرأوه أولاً. ولكن الأمر في الحقيقة ليس هكذا بالنسبة للأمثال. لأنها تشبه عمل إنسان عظيم بأكثر مما هي عمل لاهوتي واع بذاته. ثم إن سماتها وأوضاعها لها في المقابل طابع شامل يمكن أن يفهمه أي شخص، ذلك أنها تتناول الاحتياجات الضرورية للإنسان. ولسنا بحاجة إلى أي بصيرة خاصة لفهم مثل الابن الضال، أو الوزنات، أو العمال في الكرم. فإن معناها ودعوتها تتضح لنا عند قراءتها.

الأمثال ورسالتها

ولكن ما هي رسالة الأمثال ودعوتها؟ في معناها الأوسع، موضوع الأمثال هو مجيء مجتمع الله الجديد، أو “الملكوت”. وهذا ما تشير إليه بوضوح كثير من الأمثال التي تبدأ بعبارة “يشبه ملكوت السماوات….”[22] وبسبب هذا، فإن المعنى الدقيق الذي نراه في الأمثال يعتمد إلى حد ما على ما نعتقده بالنسبة لما سيكون عليه المجتمع الجديد. فإنا ما اعتقدنا – مع ألبرت شويتزر – أن تدخل الله المثير والعاجل في شؤون المجتمع الإنساني هو أهم شيء فيها، فمن الطبيعي والحالة هذه أننا سنرغب في فهم التعليم التي تقول به الأمثال في هذا السياق. ومن ناحية أخرى، فإننا إذا اتبعنا منهج “دود” فإننا نجد صعوبة في أن نجد في الأمثال آثارً لأمور أخروية قد تحققت.

إلا أن رسالة الأمثال الحقيقية هي أكثر تعقيداً من أي من هذه البدائل. فإذا ما تأملنا معاً كمجموعة فسوف يتضح أن رسالتها تهتم بأربعة موضوعات رئيسية، كل منها يفسر بعض الحقائق الهامة عن مجتمع الله وتأثيره في حياة أولئك الذين يشكلون جزءًا منه.

المجتمع وسيده

معظم المجتمعات تتأثر تأثيراً كبيراً بشخصية قائدها أو قادتها. فالحاكم المستبد لن يجد صعوبة في حمل شعبه على تبني نفس المواقف. أما القدوة التي توجد في حاكم متحرر رحوم فهي دائماً ما تشجع شعبه على أن يشاركوه في وجهة نظر مماثلة. والمجتمع الجديد الذي أقامه الله ينطبق عليه هذا الكلام. فهو يستمد طابعه وشكله من الله الذي هو سيده.

وعلى هذا، فلا تأخذنا الدهشة حين نجد أن عديداً من الأمثال تخبرنا بأمور هامة عن طبيعة الله نفسه. فقصة الخروف الضال[23] تشرح لنا الحقيقة الجوهرية وهي أن الله إله نعمة: فهو يأخذ المبادرة في إيجاد وإعادة أولئك الذين بسبب الخطية أصبحوا في تنافر مع مشيئته. وهو يهتم بكل واحد من مخلوقاته ضل طريقه في الحياة، وتراه يبحث عن هذا الضال حتى يستعيده. والأمثال الأخرى في لوقا 15 – الدرهم المفقود والابن الضال[24] تؤكد أيضاً محبة الله للخطاة. ومحبته التي لا نستحقها عظيمة جداً حتى إن الله يعمل كل ما في وسعه كي يجدنا، ولن يقنع حتى يستعيدنا تماماً، مثل الابن الضال.

ويتضح مدى كرم الله على وجه الدقة في قصة عمال الكرم[25]. حيث يتحدث فيها يسوع عن سيد استأجر رجالاً ليعملوا في كرمه. وقد بدأوا العمل في أوقات مختلفة في النهار. وحين جاء وقت استلام أجورهم لم يكن بعضهم قد عمل سوى ساعة واحدة، في حين أن آخرين قد عملوا النهار كله، ولكن السيد أعطاهم كلهم نفس الأجر. ولم يغش أحداً منهم، لأن أولئك الذين بدأوا العمل من أول النهار وافقوا مقدماً على الأجر الذي سيتقاضونه. لكن السيد كان كريماً مع الذين بدأوا العمل في ساعة متأخرة من النهار. وقال يسوع إن ملكوت السماوات يشبه هذا. والله بالطبع، هو سيد هذا الملكوت، وهو كريم بلا حدود. والذين ينضمون إلى مجتمعه في اللحظة الأخيرة يلقون ترحيباً كبيراً مثل أولئك الذين كانوا أول من طرقوا بابه.

وقد يبدو لنا من هذا أن الله غير عادل إلى حد ما، لأنه من المؤكد أن الذين جاءوا مبكراً يستحقون أكثر من الذين بدأوا العمل في وقت متأخر من النهار.

وهذا هو السؤال الذي حاول جوليكر أن يجيب عليه حين قال إن المثل في العادة لا يدور إلا حول نقطة واحدة – وفي حالة المثل الذي نحن بصدده لا شك أنه كان على حق – لأنه توجد أقوال أخرى كثيرة ليسوع تبين أن الله يستجيب دون حدود لحاجات كل شعبه. وهناك – على سبيل المثال – قصة الصديق الذي جاء ليطلب طعاماُ في منتصف الليل[26]، والتي استخدمها لوقا ليؤكد أن الله راغب تماماً في الاستجابة لصلواتنا. “اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يفتح لكم”[27]. وهناك مثال آخر نجده في قصة قاضي الظلم والتي تؤكد نقطة مماثلة[28].

ثم إن هناك الأقوال التي تضمنتها الموعظة على الجبل، والتي برغم أنها ليست قصة أمثلة، إلا أنها دون شك تعد أمثلة بكل ما في الكلمة من معنى “انظروا إلى طيور السماء. إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأبوكم السماوي يقوتها. ألستم أنتم بالحري أفضل منها… ولماذا تهتمون باللباس. تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو. لا تتعب ولا تغزل… فإن كان عشب الحقل… يلبسه الله هكذا أفليس بالحري جداً يلبسكم أنتم يا قليلي الإيمان”[29]. فالله يهتم بشعبه، بل ويهتم حتى بأقل التفاصيل. لأنه أبوهم.

وهذا التأكيد على العلاقة الشخصية الوثيقة بين الله والذين يقرون بسيادته على حياتهم، يشكل واحداً من أكثر الأجزاء الرائعة الأساسية في تعليم المسيح. ويسوع نفسه يخاطب الله باعتباره أباه[30]. وفي إنجيل يوحنا، كثيراً ما استخدمت علاقة الله بيسوع، والتي هي علاقة أب بابن لتأكيد طبيعة يسوع الإلهية، غير أنه في الأناجيل الثلاثة الأخرى كثيراً ما يتم التشديد على طبيعة هذه العلاقة[31]. فالله أب ليسوع ولذلك يمكن أن يخاطب ويعرف بنفس الأسلوب الوثيق الذي يخاطب به الابن أباه الجسدي. فيسوع كان يخاطب الله على هذا النحو. وقد بدعاه “أبا” الآب، وهي الكلمة الآرامية بمعنى “أب” والتي تستعمل في البيت، وقد سمح لتلاميذه أن يفعلوا نفس الشيء حين يخاطبون الله في الصلاة[32].

وهذه الطريقة في مخاطبة الله هي طريقة جديدة تماماً. وعلى الرغم من أن اليهود كانوا يخاطبون الله أحياناً “كأب”، إلا أنهم لم يستعملوا اللغة المألوفة التي كان يستعملها يسوع، وكانوا في العادة يبررون ذلك بالإشارة إلى قداسة الله وعظمته. لكن “إله” أمثلة يسوع ليس بعيداً أو خارج نطاق الاتصال بالعالم، ومن المؤكد أنه “قدوس”، وهو مختلف تماماً عن البشر في طبيعته. ولكنه الله الذي نستطيع أن نعرفه في علاقة شخصية كأبينا. والأكثر من ذلك أنه “أب” محب. وهو يسهر على كل الذين ينتمون إليه، ويهتم بأقل التفاصيل في حياتهم.

المجتمع والفرد

وإن نكون جزءًا من المجتمع الجديد الذي تحدث عنه يسوع، لا يعطينا ميزة معرفة الله بطريقة وثيقة وشخصية فقط، بل إن ذلك يضع علينا كذلك بعض المسؤوليات. وهناك عدد من القصص التي قالها يسوع تؤكد على نوعية الاستجابة المطلوبة إذا كان لنا أن “ندخل الملكوت”.

في بداية إنجيل مرقص نجد أن الاتجاه الرئيسي لتعليم يسوع لخص في الشعار “فتوبوا وآمنوا بالإنجيل”[33] ثم إن كثيراً من القصص التي رواها يسوع تؤكد أهمية الابتعاد عن الخطية أي ممارسة التوبة كي تصبح عضواً في مجتمع الله. وقصة الابن الضال[34] – على سبيل المثال – لا تؤكد فحسب على صلاح الآب وكرمه بل أنها تبرز أيضاً أهمية أن يدرك الابن حماقته، وأن يكون راغباً في تغيير أسلوب حياته.

ولم تكن التوبة أبداً فكرة رائجة، لأنها تتطلب منا إقراراً بأننا ارتكبنا خطأ. وتعني وجود قدر معين من الخجل، وفقداناً لشيء من مكانتنا الأدبية. لكن يسوع أوضح تماماً أن أولئك الذين هم ليسوا مستعدين لتقبل هذا لا يمكن أن تكون لهم صلة حية مع الله. وأمامنا قصة الفريسي والعشار[35] اللذين توجها للصلاة في الهيكل في نفس الوقت. وقد أخذ الفريسي يفتخر بإنجازاته الأخلاقية والدينية – قال هذا لله. ومن ناحية أخرى، نجد أن العشار كان مدركاً تماماً لعدم استحقاقه أن يتكلم إلى الله، وكل ما استطاع أن يعمله هو أن يصرخ قائلاً: “اللهم ارحمني أنا الخاطئ”، ولكن يسوع قال إن “العشار” وليس الفريسي، هو الذي “نزل إلى بيته مبرراً” من الله، لأنه أدرك أنه خاطئ، وجاء إلى الله دون أية ادعاءات روحية. وقد وضح يسوع نقطة مماثلة في الغني الغبي، الذي اعتقد أن ثروته ستجعله في موقف طيب أمام الله[36]. وقد جعل تعليم هذه الأمثال واضحاً تماماً في قوله إن سيادة الله على حياتنا يجب أن نتقبلها في ثقة الأطفال “من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله”[37].

لكن التوبة والمغفرة ليستا نهاية المطاف. والواقع أنهما ليسا سوى بداية حياة تقضى تحت سيادة الله نفسه. لأنه في مجتمع الله الجديد نتمتع بنوع جديد من الحياة – “حياة أبدية”[38] – أو الحياة الأفضل كما كان يسوع يطلق عليها في بعض أقواله التي سجلها إنجيل يوحنا. فالحياة في مجتمع الله هي حياة يوجهها الله ويسيطر عليها[39]. والذين دخلوا الملكوت بالتوبة ومغفرة خطاياهم يتوجب عليهم أن يحبوا الله من كل قوتهم[40]. ويجب أن يخدموه على أنه سيدهم الوحيد حتى إلى درجة إعطائه السيطرة المطلقة على حياتهم[41]، لأن هناك نتائج عملية هامة سوف تظهر في طريقة حياتهم اليومية، ذلك أنهم يهتمون برأي الله وليس برأي الناس فيهم[42]. وهذا نراه بصفة خاصة في مواقفهم تجاه الأمور الدينية[43]. وعلى الرغم من أن البعض قد يقبلون سيادة الله على حياتهم على مضض[44]، إلا أن إخلاصهم أفضل من ذاك الذي يأتي أمام الناس بمظاهر كثيرة على عظم عبادته لله مع أنه في الحقيقة هو على خلاف ذلك.

وشعب الله يجب أن يعبده بروح تلك الأرملة التي وضعت في الخفاء فلسها الأخير في صندوق التقدمات في الهيكل[45]، فلا يجب أن يسلك في مظاهر زائفة حتى يراهم الآخرون ويمتدحون صلاحهم[46]. فهم يصلون ويصومون في الخفاء “فأبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك علانية”.

ç ولكن هذا ليس حجة لئلا تعمل شيئاً[47]. فالذين يقبلون سيادة الله في حياتهم، يجب أن يحسنوا التصرف فيما أعطاه الله لهم[48]. عليهم التصرف كملتزمين، فيستعملون الخير الذي أعطاه الله لهم بطريقة ترضي الله[49]، وعلى مثال وكيل الظلم، عليهم أن يكونوا مستعدين للقاء سيدهم[50].

ç والواقع أن طموحهم الأساسي في الحياة يجب أن يتعلموا المزيد عن الله وطرقه[51]. وهناك اثنان من أقصر الأمثلة يوضحان ذلك، وهما المثلان اللذان يتحدثان عن الكنز المخفي واللؤلؤة كثيرة الثمن[52]. فالإنسان الذي يجد حقلاً فيه كنز مخفي لن يتراجع عن بيع كل سلعة كي يشتري هذا الحقل. وعلى مثال ذلك، إذا كان يبحث عن لآلئ جيميلة، وتصادف أن رأى لؤلؤة رائعة فريدة، فلسوف يضحي بكل شيء كي يحصل عليها، وملكوت الله تشبه ذلك، فهي تستحق التضحية بكل ما نملك حتى نستمتع بعمل الله الحقيقي في حياتنا.

وهذا ما قصده يسوع حينما قال لتلاميذه: “ها ملكوت الله داخلكم”. فقد مارس الله فعلاً سلطانه على حياة أولئك الذين عرفوه كأب[53]، والمجتمع الجديد يمكن أن يكون حاضراً في حياة الشخص الذي يعرف حقوق الله في حياته.

المجتمع والشركة

وفي ذات الوقت نكون مخطئين لو اعتقدنا أن رسالة يسوع قاصرة على النواحي الشخصية من ناحية معتقدات الفرد وحياته الدينية. فإن جزءًا كبيراً من تعليمه يتناول علاقة شعب الله بالعالم ككل، وببعضهم البعض[54]. والواقع أنه في مثل العبد غير المتسامح يبدو أن يسوع يشير إلى أن الطريقة التي يتعامل بها الله معنا تعتمد من ناحية ما على الطريقة التي نعامل بها الآخرين[55]. وهناك أيضاً قول يسوع بأن محبة القريب تأتي في المرتبة الثانية في الأهمية بعد محبة الله.

وهذا معناه أن الذين يقبلون سيادة الله على حياتهم عليهم أن يسلكوا مثل أبيهم الذي في السماوات. وكَرم الله يشمل حتى المنبوذين في المجتمع، ويجب على أتباعه ألا يسلكوا بطريقة مختلفة. عليهم أن يسلكوا مثل السامري الصالح في المثل الذي قاله يسوع[56]. وقد طبق يسوع هذا بنفسه، إذ حمل رسالة الله إلى المنبوذين في المجتمع. وهذا ما جعل التلاميذ يدركون أن ملكوت الله كان في واقع الأمر حالاً في شخصه، وأن بوسعهم أن يتمتعوا ببركاته الآن في الحياة الحاضرة.

وبالنسبة لأولئك الذين قبلوا بالحقيقة سيادة الله على حياتهم، فإن هذا الاختيار الجديد ينتظرهم. فهم لا يشاركون في علاقة جديدة مع الله نفسه، بل أنهم يلتزمون أيضاً كل تجاه الآخر في شركة من الاهتمام والمحبة المتبادلين.

المجتمع والمستقبل

وأخيراً يشير عدد من الأمثال إلى مجيء ملكوت الله في المستقبل. وهي تشير إلى مجيء يسوع كابن الله السمائي ذي القدرة الخارقة للطبيعة، كما تتحدث عن دينونة الإنسان الأخيرة. وقد ظن البعض أن هذه لم تكن سوى طريقة رائعة لتقديم التحدي الذي تمثله رسالة يسوع حين يسمعها الناس لأول مرة. إلا أنه بالنظر إلى اللهجة الرؤوية القوية التي تتسم بها غالبية اللغة التي استعملت، فإنه من الصعب عدم استنتاج أن يسوع كان يفكر في وقت ما في المستقبل حين يباشر الله سلطانه وحقيقته كملك بطريقة مرئية. وفي ذلك الحين، سيكون هناك يوم عظيم للحساب. فالذين يعلنون فقط أنهم يخدمون الله ولكنهم في واقع الأمر لا يفعلون ذلك سوف يفرزون ويبعدون عن أولئك الذين ينفذون حقاً مشيئة الله. وهذا هو الدرس الأساسي الذي نتعلمه من أمثلة شبكة الصيد المطروحة في البحر. مثل الحنطة والزوان، ومثل الخراف والجداء.

وفي أمثال أخرى صورت الذروة المستقبلية للملكوت كوليمة. وهذه نوعية من اللغة المجازية كثيراً ما كان اليهود يستخدمونها لوصف البركات الآتية في العصر المسياني. لكن صور المسيح الخاصة بالملكوت، توضح أنه ليس كل أحد سيستطيع الدخول. والواقع أن مثل العشاء العظيم يشير إلى أن المبتدئين التقليدين لن يكون لهم مكان فيه على الإطلاق[57]. فالذين سيشاركون في بركاته سيأتون من الشوارع وليس من المقادس.

وهناك تأكيد عظيم في إنجيل متى على المسؤولية الملقاة على عاتق أولئك الذين يعلنون أنهم شعب الله. وبالنظر إلى أنه ما من أحد يعرف اليوم أو الساعة التي سيتم فيها ذلك، علينا أن نكون في حالة استعداد دائم مثل العذارى اللواتي انتظر وصول العريس[58].

وهذا العنصر في تعليم يسوع يسمو على الفروق الحادة التي نحب أن نصورها بين ما سيحدث في المستقبل وبين ما هو قائم الآن بالفعل.

وبالنظر إلى أن يسوع قد جاء، فقد أقبل أيضاً مجتمع الله الجديد بالفعل. وأولئك الذين يقبلون سلطان الله يشكلون الآن جزءًا من ملكوته. وأياً كان ما يُكشف عنه في المستقبل من أمور أخرى، فهو لن يكون بداية جديدة، يقدر ما سيكون تنفيذاً نهائياً لمضامين شيء سبق أن وجد هنا بجوهره. وعلى الرغم من أن مجتمع الله الجديد كانت له بدايات صغيرة ضئيلة، إلا أنها هي نفس نوعية البداية التي لا بد وأن تؤدي إلى نمو مذهل، ونموه سيكون على مثال حبة الخردل “وهي أصغر البذور” في العالم، ولكنها متى نمت تكون أكبر البقول[59].

الأمثال وسامعوها

قضى بعض الباحثين وقتاً طويلاً محاولين اكتشاف الموقف الحياتي (Sitz im Leben) لكثير من الأمثال، حيث كانوا يعتقدون أن عملهم هذا سيسهل لهم الوصول إلى معانيها المباشرة. غير أنه في معظم الحالات لم يكن في الإمكان التعرف بدقة على المواقف الحقيقة التي قال فيها يسوع بعض قصص معينة. لأنه، وعلى مثال الأجزاء الأخرى من الأناجيل، سُجلت الأمثال ليس باعتبارها جزءًا من سيرة يسوع الذاتية، تم ترتيبها ترتيباً زمنياً، بل سجلت كرسالة تفسر تعليم يسوع واستمرارية علاقته لاحتياجات العالم والكنيسة.

وفي كثير من الأحيان تأتي الأمثلة وقد تضمنت كل منها قصة، وقد يشلك هذا إشارة ما إلى وضعها الحياتي الأصلي في خدمة يسوع. ولعله لا يتشكك أحد في أن مثل السامري الصالح قد قيل إجابة للسؤال “ومن هو قريبي” والذي وجهه إلى يسوع أحد القادة الدينين اليهود. وهكذا أيضاً نجد أن المثال الذي قيل عن العبد غير المتسامح قاله يسوع رداً على سؤال بطرس عن عدد المرات التي يسامح فيها شخصاً أساء إليه[60]. كما أن يسوع قال أيضاً قصة الغني الغبي رداً على سؤال حول أفضل طريقة لتقسيم الميراث.[61]

وهناك أمثلة قيلت في سياقات مختلفة وأناجيل مختلفة. فمثل الخروف الضال نجده في إنجيل لوقا إلى جانب مثلي الدرهم المفقود والابن الضال[62]، وكان ذلك في معرض الرد على شكاوى الفريسيين من أن يسوع يخالط الأشرار[63]. وفي إنجيل متى ذكر نفس المثال لتشجيع التلاميذ على أن يكونوا “رعاة” أمناء للكنيسة. ومن الطبيعي أن يكون مفهوماً أنه ربما قال يسوع نفس القصة أكثر من مرة، واستخلص دروساً مختلفة في كل مناسبة منها. وكثيرون من الوعاظ يعيدون استخدام التوضيحات الجيدة.

ولكن الحقيقة هي أن هذه الأمثال تتميز بعدم وجود أية معلومات عن خلفيتها. فلا نعرف شيئاً عن الظروف التي قال فيها يسوع معظم الأمثال لأول مرة. وهذا ما تؤكده حقيقة أنها ذكرت في مجموعات في الأناجيل المختلفة. فإنجيل متى يضم أصحاحاً كاملاً خصصه كله للأمثال وإنجيل مرقص يحتوي على مجموعة مماثلة (برغم أنها ليست مطابقة) في حين أن لوقا يخصص جزءًا كبيراً تسود على غالبيته الأمثال[64].

بل وليس من المفيد حقاً، أن نحاول اكتشاف كيفية استخدام الأمثال في الكنيسة الأولى. فطلاب ما يسمى “بنقاد التنقيحات” وهو علم دارسة السبب الذي من أجله كُتبت الأناجيل. فحصوا الطرق التي استخدمت بها الأمثال المتباينة في الأناجيل المختلفة. وعلى سبيل المثال، يمكننا أن نعرف أن إنجيل متى يحتوي على عدد من الأمثال التي تشير إلى مجيء ملكوت الله في المستقبل – وأننا نظن أن هذا الموضوع كانت له بعض الأهمية في الكنائس التي كان متى يكتب لها. ومن ناحية أخرى يحتفظ لوقا بعدد من الأمثال، لا نجدها في الأناجيل الأخرى تتحدث عن مكان الشعوب غير اليهودية (الأمم) في مجتمع الله الجديد. والملاحظات التي من هذا القبيل بوسعنا أن نعرف منها أشياء قيمة عن متى ولوقا وقراء كل منهما. غير أنها تخبرنا القليل من ناحية أصل الأمثال نفسها أو معناها.

والمعنى الحقيقي للأمثال يجب أن يكون مرتبطاً بشكل وثيق بالدعوة التي توجهها لأولئك الذين يقرؤونها أو يسمعونها. فيه تعطينا صورة عن الله ومجتمع الجديد، وهي تدعونا إلى أن نكرس أنفسنا دون قيد أو شرط لتقبل مشيئته. وحين نعرف أننا نشبه الخروف الضال، أو المستأجرين الأشرار، أو الرجل الذي اكتشف كنزاً مخفياً في حقل، هنا فقط نكون قد شعرنا بتأثيره الكامل فينا. وفي التحليل الأخير، نجد أن الأمثال لا تخرج عن أن تكون التعبير عن حق الله في حياة البشر. فهم يحتاجون إلى الميل إلى الفهم، والإرادة للطاعة.

ماذا علم يسوع بالأمثال

هناك قول في إنجيل مرقص (مرقص 4: 11-12) يبدو أنه يوحي بأن يسوع قال الأمثال وكان يتعمد أن يأتي تعليمه في أسلوب غامض بالنسبة لأولئك الذين لم يصبحوا بالفعل تلاميذه، وذلك على مثال ما قاله إشعياء “لكي يبصروا مبصرين ولا ينظروا ويسمعوا سامعين ولا يفهموا لئلا يرجعوا فتغفر لهم خطاياهم”. وهذه الفكرة تأتي على النقيض من كل ما نعرفه عن يسوع، ومن ثم يتطلب الأمر بعض التوضيح. وهناك اقتراحات كثيرة قدمت في هذا الصدد تقتصر على ذكر اثنين منها.

ç طبقاً لما يقترحه “دود” (وآخرون ممن يتبنون آراءه)، هذا القول لم يصدر حقاً عن يسوع. بل أضافته الكنيسة الأولى لبيان سبب رفض الشعب اليهودي ليسوع. وكان – كما يقولون – جزءًا من حكمة الله نفسه، وعنايته الإلهية حيث قصد لهذا أن يحدث دائماً، ومع ذلك هناك حجتان ضد هذا الرأي.

أولاً: من المحتمل أن الجيل الأول من المسيحيين هم فقط الذين كانوا يهتمون اهتماماً بالغاً برفض اليهود ليسوع. ولم تكن المسحة اليهودية ظاهرة في الكنيسة إلا في مرحلة مبكرة جداً من نموها، وبعد دمار أورشليم على يد الرومان سنة 70م، اختفى المسيحيون اليهود تقريباً من الكنيسة. ومن المؤكد أن ذلك لم يكن له إلا تأثير بسيط على الكنيسة بوجه عام. وهذا معناه أن المشكلة كان في أقصى حدتها ليس بعد الأحداث التي شهدها يسوع في حياته بالجسد بوقت طويل. وكلما اقتربنا من فترة حياة يسوع نفسه، قلت الفرصة المتاحة للكنيسة للقيام بإضافات وتغييرات في تعليمه.

ثانياً: يتضمن إنجيل متى قولاً مماثلاً، حيث اقتبس نفس الفقرة من إشعياء، وبالنظر إلى معرفتنا أن متى كان بصفة خاصة مهتماً بالوضع النسبي لليهود والمسيحيين، فكنا نتوقع منه أن يحتفظ بنفس الكلمات تماماً مثل مرقص، إذا كان هذا القول يتعلق بالفعل برفض اليهود ليسوع. ولكن الحقيقة أن هذا القول في إنجيل متى له مضمون مختلف بشكل طفيف. فهنا يقول يسوع: “من أجل هذا أكلمهم بأمثال. لأنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون”. (متى 13: 13).

ç وهناك تفسير ثان يتناغم مع هذا القول في إنجيل متى. وعلى أساس هذا الفهم لنا أن نفترض أن الكلمة المترجمة “لكي… يبصروا” في إنجيل مرقص، قصد بها في الواقع أن تكون بداية قول حقيقي، تماماً مثلما جاءت في متى. والدليل الذي يؤيد هذا الرأي يمكن استخلاصه من مقارنة اللغة اليونانية التي كتب بها مرقص، بالأقوال الآرامية التي ربما كانت في خلفيتها. وهكذا فإن هذا القول لا يصف “الغرض” من التعليم بأمثال، بل العواقب التي لا بد أن تحدث نتيجة عمل ذلك. فقد كان يسوع يشير إلا أن الأمثال لا بد وأن تفصل بين أولئك الذين ينصتون إليها ببصيرة روحية عن أولئك الذين هم عميان من الناحية الروحية.

وهذا هو التفسير المرجح لأنه يتناغم مع ما رأيناه في أصحاح سابق عن موقف يسوع من حفظ مسيانيته سراً. كان أنه يتسق تماماً مع طبيعة الأمثال نفسها. فعلى الرغم من أنها لا تتطلب مجهوداً ذهنياً كبيراً، إلا أنها تتطلب درجة معينة من الالتزام وذلك لفهم ما يقوله يسوع.

والأمثال ليست أقوالاً فلسفية عن الحقائق المتعلقة بالله. فهناك معنى تخفى فيه الحقيقة، لأن الأمثال تدعو سامعي يسوع إلى أن يفكروا بأنفسهم ما هي مضامين رسالته. وأولئك الذين لم يكونوا مهتمين بصفة خاصة، كان يمكن أن يسمعوا المثل، ثم لا يفهمون منه شيئاً سوى أنه قصة. إلا أنه إذا فكرنا قليلاً، فإن نفس القصة يمكن أن تكون صورة لله ومعاملاته مع البشر في المجتمع الجديد الذي جاء يسوع ليقيمه.

هل قصد يسوع تأسيس الكنيسة

كثيراً ما تساءل الناس ما إذا كان يسوع قد قصد إقامة كنيسة. ونجد بالفعل في إنجيل متى قولين يبدو أنهما يشيران إلى أنه فعل ذلك (متى 16: 18-20؛ 18: 17). غير أن بعض الباحثين يعتقدون أن هذه الأقوال وضعها متى نفسه، ولم تأت مباشرة من تعليم يسوع. “فألبرت شويتزر”، على سبيل المثال، وجد أنه يستحيل عليه التفكير في أن يسوع قصد أن يقيم كنيسة، لأنه كان يعتقد أن يسوع كان يتوقع نهاية سريعة للعالم. لكن، حتى هؤلاء الذين لا يشاطرونه هذا الرأي كثيراً ما عارضوا فكرة أن يسوع كان مصمماً على أن يشرع في تأسيس كنيسة. أما “أدولف فون هارناك Adolf Von Harnack” واللاهوتيون التحرريون، فكانوا يرون أن يسوع مجرد معلم أخلاقي بسيط. ولأنهم يعتبرون أن مفهوم الكنيسة لا يتناغم مع هذا، فقد انتهوا إلى أنها إقحام غريب تم في وقت لاحق على الإنجيل الذي كان في أساسه بسيطاً. وبالرغم من أن قليلين في يومنا هذا هم الذين يوافقون على وجهة النظر هذه، إلا أنها تلفت بالفعل انتباهنا إلى حقيقتين هامتين يتطلب الأمر أن نتذكرهما حينما نتحدث عن يسوع والكنيسة:

ç “الكنيسة” لا تعني بالضرورة نوعية الهيئة الدينية التي برزت في القرن الثاني والتي نألفها اليوم في المسيحية كمؤسسة، ولقد تحدث يسوع عن شخصين أو ثلاثة باسمه (متى 18: 20).

ç وبالمعنى الدقيق، فإن وجود “الكنيسة” أثناء حياة يسوع يشكل مفارقة تاريخية. فالكنيسة في أسفار العهد الجديد ليست مجرد تجمع من أناس لهم فكر متماثل نظموا كمجتمع ديني. إنها شركة حية لأولئك الذين يشاركون في الخلاص الذي أعده الله من خلال حياة وموت وقيامة المسيح نفسه.

ولذلك هناك معنى ظهرت فيه الكنيسة إلى الوجود، ولكن بعد موت يسوع وقيامته.

ويصف العهد الجديد انسكاب الروح القدس يوم الخمسين، على أنه اليوم الحقيقي لتأسيس الكنيسة (أع 1: 8؛ 2: 1-4).

ولذلك نحن في حاجة إلى إثبات صحة أي قول عن قيام يسوع بتأسيس الكنيسة. غير أنه توجد في الوقت ذاته دلائل قوية في الأناجيل بأنه من المؤكد أنه قصد تكوين جماعة من أولئك الذين كانوا يتبعونه.

ç كل الأناجيل تصف يسوع بأنه الشخص الذي تحققت فيه كل الوعود المسيانية التي في العهد القديم، فالمسيا الذي تحدث عنه العهد القديم قد جاء في المسيح. وهناك عنصر له أهميته في تطلعات العهد القديم تمثل في الاعتقاد بأنه حين يأتي المسيا فلسوف يقيم مجتمعاً جديداً، وفي هذا المجتمع يتمتع شعب الله بعلاقة جديدة ووثيقة بسيدهم وببعضهم البعض. وكما سبق ورأينا هناك مبرر قوي للاعتقاد بأن جوهر ادعاءات المسيح على الأقل يمكن أن نرجعه إلى تعليم يسوع نفسه، وإذا كان قد رأي في نفسه أنه المسيح فلسوف يكون من الطبيعي جداً أن يتصور تأسيس ما يمكن أن يطلق عليه صفة “مجتمع” بين أتباعه. والاسم الذي اعتاد يسوع أن يطلقه على نفسه باستمرار وهو “ابن الله” يحتوي أيضاً على هذا المعنى. وقد لا يكون من الصواب القول – كما يفعل البعض – أن كل مرة استخدم فيها يسوع هذا الاسم كان يقصد أن يضم تلاميذه معه. غير أن ليس هناك شك أنه في سفر دانيال في العهد القديم نجد أن “ابن الإنسان” لم يكن فرداً بل كان عضواً يمثل “قديسي العلي” (دانيال 7: 13-18).

ç حين نتأمل طرق وصف يسوع لعمله، وعمل ملكوت الله، كثيراً ما توحي كلماته أنه يتحدث عن جماعة من الناس ارتبطوا ليس بالله فقط، بل ومع بعضهم البعض أيضاً. فهو – على سبيل المثال – يتكلم عن نفسه كراع، الأمر الذي يستشف منه أنه لا بد وأن يكون له قطيع (يوحنا 10: 1-18، لوقا 12: 32). وحين شبه نفسه بالكرمة وتلاميذه بالأغصان كان من الواضح أنه يقصد أن يشير إلى أن الأغصان لها علاقة بين بعضها البعض، وأيضاً مع الساق الرئيسية (يوحنا 15: 1-11). وكثير من الأشياء التي يقولها يسوع عن الملكوت ستكون صعبة الفهم ما لم نفترض أنه كان يدور في ذهنه صورة لمجتمع ما ظاهر مرئي (متى 23: 23؛ لوقا 16: 16). ومن الثابت أن تعليمه الأخلاقي يختص بالحياة بين أتباعه في إطار شركة أو جماعة (متى 5: 22؛ 7: 3-5).

ç أما الأكثر روعة، فهي حقيقة أن بعض الأمثال توحي بأن ملكوت الله لن يكون مجتمعاً جديداً فحسب، بل سيكون مجتمعاً مرئياً أيضاً. فأمثال من قبيل مثل حبة الخردل (مرقص 4: 30-32)، والحنطة والزوان (متى 13: 24-30)، شبكة الصيد (متى 13: 47-50)، العمال في الكرم (متى 20: 1-16)، ووليمة العرس (متى 22: 1-14) من الواضح أنها توحي بمجتمع منظم.

وعلى هذا يبدو من المعقول أن نستنتج أنه كان يدور بفكر يسوع تكوين مجتمع مستمر من أتباعه، وأن نوعية الكنائس التي جاء الحديث عنها في بقية العهد الجديد، أعطت صورة للمجتمع الذي قصد يسوع أن يقيمه.

 

[1] لوقا 10: 25-37.

[2] متى 18: 12-14.

[3] لوقا 15: 1-7.

[4] متى 13: 1-9.

[5] مرقص 4: 1-9.

[6] لوقا 8: 4-8.

[7] لوقا 4: 23.

[8] مرقص 7: 15-16.

[9] متى 5-7.

[10] يوحنا 10: 1-18.

[11] يوحنا 15: 1-11.

[12] يوحنا 4: 31-38.

[13] يوحنا 6: 35.

[14] يوحنا 7: 37-39.

[15] يوحنا 15: 1-11.

[16] لوقا 10: 25-37.

[17] متى 25: 14-30؛ لوقا 19: 11-27.

[18] متى 22: 1-14؛ لوقا 14: 15-24.

[19] متى 13: 1-9؛ مرقص 4: 1-9؛ لوقا 8: 4-8.

[20] متى 13: 18-23؛ مرقص 4: 13-20؛ لوقا 8: 11-15.

[21] متى 21: 33-45؛.مرقص 12: 1-12؛ لوقا 20: 9-19.

[22] متى 13: 24، 31، 33، 44.

[23] متى 18: 12-14؛ لوقا 15: 1-7.

[24] لوقا 15: 8-10؛ 11-32.

[25] متى 20: 1-16.

[26] لوقا 18″ 1-8.

[27] لوقا 11: 5-8.

[28] لوقا 11: 9.

[29] متى 26: 6-30.

[30] مرقص 14: 32-36.

[31] يوحنا 1: 14، 18؛ 5: 43؛ 8: 19.

[32] متى 6: 9؛ لوقا 11: 2

[33] مرقص 1: 15.

[34] لوقا 15: 11-32.

[35] لوقا 18: 9-14.

[36] لوقا 12: 13-21.

[37] مرقص 10: 15؛ لوقا 18: 17.

[38] يوحنا 3: 15؛ 6: 54؛ 10: 28؛ 17: 3.

[39] متى 22: 37-38.

[40] مرقص 12: 29-30.

[41] متى 6: 24؛ لوقا 16: 13.

[42] متى 16: 24-26.

[43] لوقا 9: 23-25.

[44] متى 21: 28-32.

[45] مرقص 12: 41-44؛ لوقا 21: 1-4.

[46] متى 6: 5-6؛ 16-18.

[47] متى 6: 4.

[48] متى 25: 14-30.

[49] لوقا 19: 11-27.

[50] لوقا 16: 1-8.

[51] متى 13: 44.

[52] متى 13: 45.

[53] لوقا 17: 21.

[54] متى 18: 21-35.

[55] متى 22: 39؛ مرقص 12: 31.

[56] لوقا 10: 25-37.

57 متى 13: 24-30؛ 47-50؛ 25: 31-33.

[57] لوقا 14: 15-24؛ متى 22: 1-14.

[58] متى 24: 36-44؛ قارن مرقص 13: 32-37؛ وانظر أيضاً متى 25: 1-13.

[59] متى 13: 31-32؛ مرقص 4: 30-34؛ لوقا 13: 18-19.

[60] متى 18: 21-35.

[61] لوقا 12: 13-21.

[62] لوقا 15: 1-7.

[63] متى 18: 12-14.

[64] متى 13؛ مرقص 4؛ متى 13: 18 – 16: 31.

الأمثال – أمثال المسيح – ما هي وما هي أنواعها وكيفية فهمها؟ – بحث مفصل

الأمثال – أمثال المسيح – ما هي وما هي أنواعها وكيفية فهمها؟ – بحث مفصل

الأمثال – أمثال المسيح – ما هي وما هي أنواعها وكيفية فهمها؟ – بحث مفصل

الأمثال – ما هو وما هي أنواعه وكيفية فهمه ؟ – بحث مفصل

المبدأ الإرشادي: قم بتفسير الأمثال بدقة بحسب المبادئ الخاصة التي يتطلبها هذا النوع من الأساليب الأدبية.

عندما صار الكلمة الأزلي بشراً، ظهر إعلان الله عن ذاته في كل من أعمال وأقوال يسوع المسيح. ومع ذلك كان من اللازم أن يتم تفسير أعماله بالكلمات – سواء كلماته هو أو كلمات الأشخاص الذين اختارهم لكي يتحدثوا عنه، أي الرسل. لذلك فإن تواصل المسيح اللفظي مع الناس هو أمر جوهري لفهم الله وحقه. وقد اختار المسيح أن يكون الكثير من تواصله اللفظي مع الناس عن طريق الأمثال. ولذلك فإنه من الأهمية بمكان أن نفهم هذا النوع الخاص من الصيغ الأدبية.

المثل هو قصة قصيرة من قصص الحياة الواقعية، وهو مصمم لتعليم حقيقة ما أو للإجابة على سؤال معين. وفي تعاليم يسوع، كان للمثل هدف إضافي، فقد أخبرنا، كان رأينا، أنه من إحدى أهدافه إخفاء الحق عن الأشخاص غير المتجاوبين، بينما جعله واضحاً للمستجيبين. وقد لاحظنا في الفصل الأخير أن المثل هو جزء من صيغة أدبية مميزة تسمى “تشبيه المقارنة”. وهو يشبه الاستعارة، لأن المقارنة عادة ما تكون ضمنية أكثر مما تكون مذكورة بوضوح.

ولا بد أن نقوم بالتمييز بين المثل والحدث التاريخي. فكثيراً ما تستخدم الأحداث التاريخية كشرح توضيحي، لكن المثل هو صياغة في صورة قصة تهدف خصيصاً إلى تعليم حق معين. ورغم أن المثل، تعريفياً، ليس تسجيلاً لحدث تاريخي، ولكنه لكي يكون مثلاً لا بد وأن ينطبق على الحياة الواقعية. لذلك فالمثل يختلف عن تشبيهات المقارنة الأخرى، مثل المجاز والرموز النبوية، التي قد تنطبق على الحياة أو لا تنطبق عليها.

سوف نقوم هنا باستكشاف ستة إرشادات أساسية لفهم الأمثال، وهي: ابدأ بالسياق المباشر القريب، تعرف على الهدف المحوري، حدد التفاصيل غير ذات الصلة بالموضوع، حدد التفاصيل ذات الصلة بالموضوع، قارن بين المقاطع المتشابهة والمتضادة، وابن العقيدة أو التعليم على مقاطع حرفية واضحة.

 

ابدأ بالسياق المباشر

في مثل الابن الضال (لوق 15: 11-32)، ترى من هو الشخصية الرئيسية؟ ما الأمر الذي تعتبره هو الهدف الأساسي من القصة؟ بالتأكيد يشير العنوان الذي أعطيناه للمثل إلى الشخصية الرئيسية في نظر معظم المسيحيين. لكن هناك من يعتبرون أن الأب هو الشخصية الرئيسية. لكن هذا المقطع يستخدم عادة لتوصيل تلك الرسالة التبشيرية: أنه مهما كان بعدك و ضلالك، ارجع إلى بيت أبيك السماوي، وهو سوف يقبلك.

لكن هل هذا هو الغرض الذي كان في ذهن يسوع في الأصل عندما روى هذا المثل؟ أول وأهم مبدأ إرشادي لفهم الأمثال هو فحص السياق المباشر. فعادة ما يوجد في المثل عنصران جوهريان في السياق، وهما: المناسبة التي قيل فيها المثل، وتفسير معناه.

 

المناسبة التي قيل فيها المثل

كل الأمثال تقريباً لها مناسبة تاريخية واضحة هي التي أدت إلى رواية القصة. وعلى الرغم أنه قد يكون من المقبول أن نطبق مثل الابن الضال (لو 15) بطريقة تبشيرية، إلا أن الموقف الذي كان يسوع يتحدث بشأنه في الأساس يشير بوضوح تام إلى هدف آخر. كان يسوع يتحدث إلى أشخاص متدينين اعترضوا على قبوله السريع والمرحب بالخطاة. لذلك يمكن للمرء أن يستنتج أن الشخصية الرئيسية في القصة هي الابن الأكبر.

بالتأكيد كان الفريسيون الذين يمثلون “الأخ الأكبر”، هم الذين يخاطبهم يسوع بالمثل. والحقيقة أن الهدف من القصة كان هو التضاد بين الأخ الأكبر والأب المحب الغفور كما يتمثل في يسوع نفسه. ويكون سياق المثل في تلك الحالة، كما في كل حالة، له أهمية أساسية في اكتشاف المناسبة والتعرف على الهدف من المثل.

في بعض الأحيان يتم تفسير معنى المثل في شكل تطبيق. ونجد مثل هذا التطبيق في متى 24: 44، “لذلك كونوا أنتم مستعدين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان”. وفي متى 25: 13، “فاسهروا إذاً لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التي يأتي فيها ابن الإنسان”.

إلا أنه ليست كل الأمثال يكون هناك تفسيرات لمعناها. لكن عندما يقوم يسوع بتفسير معناها أو عمل تطبيق لها، يكون هذا هو العامل المتحكم في التفسير. فيجب عندنا ألا نقحم معان أخرى على المثل.

 

التعرف على الهدف المحوري

بعد مثل الابن مباشرة، يسجل لوقا المثل الخاص بوكيل الظلم في لوقا 16: 1-15. من الواضح في هذا المقطع أن الخلفية يتم وصفها قبل وبعد المثل، مصحوبة بتفسير للمثل نفسه. فما هو الهدف من المثل؟ حيث أنه يقال عن يسوع في نهاية مثل الابن الضال، “وقال أيضاً لتلاميذه”، يمكن أن يظهر أن لوقا كان يقصد ربط تلك القصة بالمواجهة التي قام بها مع الفريسيين في المثل السابق.

ويتضح هذا الأمر أكثر في نهاية الرواية، حيث يكتب لوقا، “وكان الفريسيون أيضاً يسمعون هذا كله وهم محبون للمال فاستهزأوا به” (ع 14). لذلك فالمواجهة مع الفريسيين لا تزال مستمرة، لكن ما هو الهدف؟ هل كان يعلم الناس أن يغشوا؟ هل كان يعلم تلاميذه أن يستغلوا الآخرين؟ لقد اجتهد كينيث تيلور في تفسير هذا القسم، ثم توصل إلى استنتاج الترجمة التالية:

“لكن ترى هل أقول لكم أن تنصرفوا بهذه الطريقة، أن تشتروا الصداقة عن طريق الخداع؟ هل هذا يضمن لكم الدخول إلى البيت الأبدي في السماوات؟ كلا! لأنه إن لم تكونوا أمناء في الأمور الصغيرة، فلن تكونوا في الأمور الأكبر. ولو غششتم ولو قليلاً، فلن تكونوا أمناء في المسؤوليات الأعظم”. (لوقا 16: 9-10، TLB).

لقد قام المترجم هنا بتفسير المقطع ليعني عكس تماماً ما يبدو أن المقطع يقوله. هذا المقطع بلا شك مثير للارتباك بالنسبة للكثيرين. لذلك فإن التعرف على الهدف المحوري الذي يقصده التركيز عليه هو أمر أساسي في هذه الحالة ويقود المرء إلى الحل سريعاً. والهدف المحوري من هذا المثل واضح، لأن المسيح شرحه بوضوح في السياق. فهدف المثل ليس له علاقة بموضوع الخداع أو الغش.

ففي هذا المثل، لم يتم مدح وكيل الظلم بسبب خداعه، بل لقد تم مدحه لأنه “بحكمة فعل” بمعنى أنه استخدم موارده الحالية في التخطيط لأجل المستقبل، وهذه تعتبر حكمة. واستكمل يسوع بالشرح أن تلاميذه عليهم أن يستغلوا مواردهم الحالية للتخطيط للمستقبل “أبناء النور” في الحقيقة لم يقوموا بذلك، ولهذا السبب لم يكونوا حكماء. فقد كانوا يستخدمون مواردهم المادية الحالية لكي يعيشوا بها فقط، بينما كان يجب عليهم أن يستخدموها بحكمة للإعداد للبركات الأبدية في السماء. إذاً فإن يسوع يفسر بالتفصيل لماذا يجب مدح هذا الوكيل الحكيم.

إن الهدف المحوري هو السمة الرئيسية التي تميز المثل عن القصة الرمزية. ففي القصة الرمزية يقصد أن يكون هناك عدد من التشابهات المهمة بين القصة وحق روحي معين. أما في حالة المثل، فليس من المشروع ان نتعامل مع كل واحد من التفاصيل باعتبار أن له تطبيق روحي.

 

التعرف على التفاصيل غير ذات الصلة بالموضوع

تحوي الأمثال العديد من التفاصيل التي لا يقصد منها تعليم حقائق روحية على الإطلاق، إذ ليست لها أهمية روحية. هذه التفاصيل يجب التعرف عليها ووضعها جانباً. فإن أية محاولة لتفسيرها يمكن أن تضلل الإنسان وتبعده عن المعنى الذي كان يقصده المسيح.

“ومن منكم له عبد يحرث أو يرعى يقول له إذا دخل من الحقل تقدم سريعاً واتكئ، بل ألا يقول له أعدد ما أتعشى به وتمنطق واخدمني حتى آكل وأشرب وبعد ذلك تأكل وتشرب أنت. فهل لذلك العبد فضل لأنه فعل ما أمر به. لا أظن” (لو 17: 7-9).

لو أنك رأيت هذه القصة يتم تصويرها في التليفزيون فكيف ستشعر بشأنها؟ هل كان المسيح هنا يقدس العبودية؟ هل كان يقوم بإرساء مبادئ العلاقة بين العامل ومديره؟ هل كان يعلم عن مواصفات السلوك الطيب والعطوف والمهذب؟ كلا، ليس لأي من هذه المفاهيم أهمية في المعنى المقصود من المثل. لقد قام المسيح بإنشاء قصة تتفق مع الحياة الواقعية في زمنه لكي يوضح هدفاً واحداً بعينه.

بفحص السياق سنجد أن المسيح كان يعلم التلاميذ عن توبيخ الأخر الذي يخطئ والغفران له عندما يتوب. فالهدف من القصة هو أننا لا نستحق الفضل أو المدح عندما نقوم بعمل الصواب. لذلك فإن هذه التفاصيل الأخرى لا علاقة بها بهذا الهدف المحوري، ويجب وضعها جانباً.

 

 التعرف على التفاصيل ذات الصلة بالموضوع

التفاصيل ذات الصفة بالموضوع هي تلك المقصود بها أن تعلم حقيقة ما، ولذلك يكون من المشروع تفسيرها وتطبيقها. لكن كيف يمكن للمرء أن يعرف أية تفاصيل هي التي لها صلة بالموضوع وأي منها ليست له صلة بالموضوع؟ التفاصيل ذات الصلة بالموضوع هي التي تدعم دائماً الهدف المحوري.

ففي مثل الاين الضال، حقيقة أن الأب بقي في البيت، ولم يذهب للبحث عن ابنه، هي أمر ليس له علاقة بالموضوع. فيسوع لم يكن يعلن أن الأب لا يسعى لعودة الخطاة، لأنه قد أوضح عكس ذلك الأمر بالفعل في المثلين السابقين، الذي فيها قامت الأرملة بالبحث عن الدرهم المفقود، وذهب الراعي للبحث عن خروفه الضال. لكن إسراع الأب لملاقاة ابنه هو أمر له علاقة بالموضوع، ولذلك فإن له أهمية روحية.

كيف نعرف ذلك؟ لأنه يدعم الهدف المحوري، الذي كان يعبر عن إظهار ما في قلب الأب. وحقيقة أنه كان ينتظر الابن بشوق، وأنه لاقاه بفرح وقبول هو واحد من التفاصيل المهمة كذلك. عندما نفكر في هذا المبدأ الإرشادي، قد يكون من المفيد أن نقارن بين منهج الأمثال والأحداث التاريخية من ناحية، وبين الأمثال والاستعارات من ناحية أخرى.

 

الأمثال والأحداث التاريخية

هناك اختلاف كبير ما إذا كانت قصة الغني ولعازر (لو 16: 19-31) هي تسجيل لحدث تاريخي أم مثل. يعتقد البعض أن تاريخية القصة يجب الحفاظ عليها، خشية أن يضعف الحق الخاص بالجحيم والعقاب الأبدي نوعاً ما. لكن هذا معناه إساءة تفسير اللغة المجازية عامة والأمثال على وجه الخصوص. فالحق الذي يتم توصيله من خلال مثل ما هو في مثل حقيقة وأهمية الحق الذي يتم توصيله من خلال الصيغ الأدبية الأخرى.

ومع ذلك فمن المهم أن نميز بين الأحداث التاريخية والأمثال، لأن الإرشادات التي تستخدم لتفسير كل منها تختلف عن الأخرى. كما أن تطبيق القصة سيختلف في حالة الرواية التاريخية، وذلك لأن كل عبارة حرفية هي حقيقة ويجب قبولها باعتبارها هكذا، كما أن لها أهمية مستقلة عن كل الحقائق الأخرى في القصة. لكن هذا ليس معناه ان كل حقيقة لها أهمية روحية أو يمكن تطبيقها على الظروف الحالية. فالمؤلف الكتابي أو الرب يسوع نفسه قد يستخدم الحدث التاريخي كشرح توضيحي، ويقوم بتحديد التطبيقات المناسبة له.

فلو كانت قصة الغني ولعازر حدث تاريخي، يكون لكل التفاصيل فيها معنى. مثلاً، إن الأشخاص الذين في السماء، على الأقل في بعض الأحيان، يعرفون حالة الناس الذين في الجحيم ويستطيعون أن يتواصلوا معهم. هذا الفعل له معنى لاهوتي عميق. ومن ناحية أخرى، حقيقة أن هناك رجل غني وآخر فقير قد لا يكون لها أي معنى روحي أو لاهوتي.

إنها مجر حقيقة تاريخية أن الرجل الغني يتعذب في الجحيم والفقير الذي كان يستعطي ذهب إلى السماء. لكن بالطبع، إذا كنت تعتقد أن كل الأغنياء يذهبون إلى السماء، كما كان الكثيرون يؤمنون بذلك بالفعل، فإن حقيقة أن واحداً فقط ذهب إلى الجحيم يكون لها أهمية عظمى.

من ناحية أخرى، إذا كانت القصة مثلاً، فإن حقيقة أن هناك رجل غني وآخر شحاذ هي بلا شك من التفاصيل المهمة. لقد تم رواية هذه القصة بعد مواجهة الفريسيين مع المسيح مباشرة حور موضوع محبتهم للمال، والسلوك غير الحكيم بأن ينفق المرء موارده الحالية دون التفكير في الأبدية. ففي هذا السياق، يقول المسيح شيئاً إضافياً عن الثروة والإعداد للمستقبل. وهكذا، فباعتباره مثلاً، يكون للتفاصيل الخاصة بالثروة والفقر معنى معيناً.

كل من الروايات التاريخية والأمثال يمكن أن يحوي تعبيرات مجازية وأيضاً حرفية. فمثلاً، سواء تم اعتبار القصة السابقة حدث تاريخي أو مثل، فإن وجود لعازر في حضن إبراهيم ليس من الضروري أن يفهم باعتباره وضعاً جسدياً يصرخ فيه عبر الهوة التي تفصل بينه وبين الغني. في كلتا الحالتين يمكن أن يكون هذا تعبير مجازي عن “مكان المباركين”.

أما السؤال الخاص بما إذا كان أي من التفاصيل له أهمية روحية أو لاهوتية فهو أمر سيتم تقريره على أسس مختلفة، بحسب ما إذا كانت القصة تاريخاً يتم استخدامه للتوضيح أو أنه تمت صياغتها لتعليم حق معين. قد يكون من المفيد أن نذكر كل التعاليم المتعلقة بالجحيم التي يمكن أن نتعلمها من هذا المقطع لو كان مثلاً، وكل التعاليم عن الجحيم التي يمكن أن نتعلمها لو كانت القصة حدثاً تاريخياً. لكننا سنكون متيقنين بشأن العديد من التفاصيل الأخرى عن الوضع في الجحيم لو كانت هذه القصة حدثاً تاريخياً.

والآن، هل قصة الغني ولعازر مثل أم رواية تاريخية؟ يبدو أنها تحمل سمات المثل. فالعدد الأول من لوقا 16، يقول، “وقال أيضاً لتلاميذه كان إنسان غني”. ثم تبعها بقصة وكيل الظلم وفي عدد 19 يقول مرة أخرى، “كان إنسان غني” وتبعه قصة الغني وهو في الجحيم ولعازر وهو في “حضن إبراهيم” يجادل البعض بأن ذكر اسم لعازر أمر لا ينطبق على المثل.

لكنه افتراض غريب بالحق أن نعتقد أن المثل لا يمكن أن يحتوي على أسماء للشخصيات، إذ أن المثل هو قصة تم بناؤها بصورة متعمدة، كما أنها تشبه الحياة اليومية، لذلك فإن الشخص الذي يرويها له كل الحرية في أن يستخدم أية عناصر يجدها ضرورية لتوضيح هدفه. وفي هذه الحالة، فإن اسم لعازر الذي يعني “الذي يساعده الله”، ربما يكون واحداً من تلك التفاصيل التي تدعم التعليم الأساسي. (ستتم دراسة الإرشادات الخاصة بتطبيق الأحداث التاريخية على المواقف المعاصرة في الفصل 20).

على أية حال، من المهم أن نلاحظ أن تفسير القصة كمثل يجب ألا يضعف من معناها. فالمثل ليس خرافة أو قصة أسطورية، بل هو قصة مشابهة لما يحدث في الحياة الواقعية يتم بناؤها لتعليم حق كامل. في هذا الحالة، ربما يكون الحق هو استكمال للحق الموجود في الجزء الأول من الأصحاح، بأن المرء يجب أن يستغل موارده الحالية لكي يكون مستعداً للمستقبل وأنه إن لم يفعل ذلك، فإنه سيعاني بالفعل من الضياع الأبدي.

 

الأمثال والاستعارات

يمكن للأمثال والمجاز أو الاستعارة أن تتداخل معاً (انظر الرسم في الفصل 11)، من حيث أن كل منهما تم تصميمه لكي يعلم حقيقة روحية، عن طريق مقارنة شيء ما بحقيقة روحية. لكن على الرغم من تداخلهما، فإنهما يختلفان من ناحيتين:

1 – المثل يكون واقعياً، ولكن المجاز قد لا يكون كذلك. ففي المجاز، يمكن للمسيح أن يكون باباً أو كرمة؛ ويمكن للمؤمنين أن يكونوا خرافاً أو أغصاناً.

2 – رغم أن كلاً منهما قد يكون له موضوع أو هدف محوري، فإن المثل يتم صياغته للتركيز على هدف أساسي واحد، بينما تقوم الاستعارة غالباً بتعليم العديد من الحقائق المرتبطة أو حتى غير المرتبطة بها.

عندما يتضح التمييز بين المثل والاستعارة، من المهم أن نتبع الإرشادات المختلفة لتفسير كل منهما. نجد في متى 13: 1-23 وفي مرقص 4: 1-20، المثل الذي قدمه المسيح عن أربعة أنواع من التربة (مثل الزارع). وهو يطلق عليه مثل، ولكنه لا يتفق مع استخدامنا الفني لمصطلح المثل، ويمكن أن يكون استعارة. الحقيقة أنه في تفسير المسيح للأربعة أنواع من التربة يقوم بعمل تطبيق روحي على كل نقطة في القصة تقريباً.

فالبذور هي الكتاب المقدس، والطيور هي الشيطان، والتربة المحجرة هي القلب الحجري. لكن كيف يمكننا أن نتأكد من ذلك؟ لأن يسوع نفسه قام بتفسير القصة بهذه الطريقة. ومع ذلك فإن السياق الذي يتبع يشير بوضوح إلى موضوع واحد: بأن خلاصة حياة الإنسان تعتمد على استجابته لكلمة الله. هناك الكثير من التفاصيل التي يتم تصميمها عن عمد لتدعيم تلك الرسالة المحورية.

ورغم أن العديد من تفاصيل القصة لها أهمية روحية، إلا أن ذلك لا يعني أن جميعها له تلك الأهمية. فعندما نستخدم الاستعارة أو المثل بهذه الطريقة، فإننا نسيء استغلالها وتفسيرها. فعلى سبيل المثال، يقول أحد المفسرين عن مثل الزارع:

هل تعلمون أن حوالي 25٪ فقط هم الذين سيحصلون عليها؟ لكن يحصلون عل ماذا؟ على السماء… لكن 25٪ من ماذا؟ من أولئك الذين يسمعون بشارة الإنجيل، الأخبار السارة بموت يسوع عن الخطاة، ودفنه، وقيامته من القبر. فقط 25٪ منهم سيذهبون للسماء. نعم، هذه هي الحقيقة، بحسب ما ورد في مثل الزارع وأنواع التربة. ارجعوا لكتبكم المقدسة وتأكدوا من هذا الأمر.[1]

لكن لا توجد أية إشارة في المثل أو في تفسيره على أنه تم التنبؤ بنسبة الاستجابة، لكن فقط بأن هناك استجابات مختلفة يمكن توقعها. لذلك يجب أن يكون السياق هو المتحكم في المعنى، لأنه لا توجد تقريباً أية حدود للتفسيرات الخيالية، إذا تركنا الأمر لخيال المفسر الجامح.

في حالة الاستعارة شديدة الوضوح، يكون من المناسب أن نستنتج العديد من التشابهات بين نقاط الاستعارة. فمثلاً، استعارة الراعي الصالح (يوحنا 10) مبنية بهدف أن يكون هناك العديد من نقاط المشابهة. فالراعي، والسارق، والأجير، والذئب – يمكن أن يتم تشخيصهم جميعاً والتعرف عليهم في الحياة المعاصر. والعلاقة الموصوفة بين الراعي والخراف يمكن تطبيقها بالكامل على استجابة كل من المؤمن وغير المؤمن لدعوة الله اليوم. وكل من التفاصيل تقريباً يكون له معنى. هذه هي الطريقة التي يتم بها فهم الاستعارة.

 

المقارنة بين المقاطع المتشابهة والأخرى المتعارضة.

هذا المبدأ الإرشادي العام سوف نقوم بدراسته فيما بعد، لكن المقارنة بين المقاطع المتشابهة والمتعارضة هو أمر مفيد أيضاً في دراسة الأمثال. بعض الأمثال تكون مشابهة لبعضها البعض بحيث يمكن مقارنتها معاً.

يحوي لوقا 19: 11-23 مثل الإمناء: إنسان شريف، إذ يسافر إلى بلد بعيد، يعطي لكل من عبيده العشرة نفس كمية النقود، ثم يكافئهم بنسب مختلفة عند عودته، عندما يكتشف أن بعضهم قد ربح أكثر من الآخرين. كما أن متى 25: 14-30، من ناحية أخرى، يحكي عن مثل الوزنات الذي فيه يتسلم ثلاثة عبيد كميات مختلفة من المال. أما المكافآت بحسب سير المثل، فلا تختلف إلا بالنسبة للعبد الذي لم يكن أميناً، وكما حدث في المثل الأول، كان الحكم عليه قاسياً.

نجد تعاليم أخرى خاصة بالعبيد والاستعداد لمجيء الرب في متى 24: 45-51، والتي فيها يتم التضاد بين العبيد الأمين المستعد وبين العبد الذي كان يظن أن سيده سيبطئ في مجيئه، فلم يكن أميناً. نفس هذا التعليم يتم تقديمه بتفاصيل أكثر في لوقا 12: 35-48، حيث الوكيل الأمين الذي استعد يتناقض مع العبد الذي لم يستعد وكان بالفعل غير أمين.

وهكذا يظهر موضوع محوري في المقارنة بين الأمثال الأربعة، وهو: كن مستعداً. لكن كلاً من هذه الأمثال يعلم حقائق مختلفة أيضاً. فمثلاً، يعلم مثل الأمناء أن الشخص الذي له أمانة عظيمة سوف يُعطى مسؤولية أكبر. وهناك مكافآت مختلفة لدرجات الأمانة المتباينة. أما قصة الوزنات فتؤكد لنا أن المكافأة لا تعتمد على قدر النجاح وذلك بسبب قدراتنا المختلفة. وهناك مثل خامس عن العاملين في الكرم (متى 20: 1-16)، والذي يؤكد لنا أن الرب يكافئ بالحياة الأبدية كل من يأتون إليه، سواء أتو إليه مبكراً أو في أواخر حياتهم.

 

المبدأ الأساسي لدراسة المقاطع الحرفية الواضحة

يمكن أن يسهم المثل في فهم المبدأ الكتابي؛ ولكن المبدأ الكتابي يجب أن يبنى على مقاطع حرفية واضحة. وعندما يتم تفسير مثل ما، يمكن أن يتم استخدامه بصورة مشروعة كأي مقطع كتابي حرفي واضح في تأسيس المبدأ والتعليم الكتابي. لكن بصفة عامة، لا تعتبر اللغة المجازية هي أفضل عنصر لبناء المبدأ التعليمي.

على سبيل المثال، سيكون من الخطأ أن نأخذ مثل الحنطة والزوان (متى 13: 24-30)، والذي فيه تلقى العبيد في الحقل تعليمات بأن يدعوا الحنطة تنمو مع الزوان حتى الحصاد، ونستنتج منه أن التأديب الكنسي خاطئ. وهذا لأن مبدأ التأديب الكنسي لا بد أن يبنى على تعاليم أخرى من الكتاب المقدس. لكن الأمر الصحيح هو أن المسيح فسر هذا المثل وأوضح أنه في يوم الدينونة سيكون هناك فصل عظيم بين الأبرار (الحنطة) وفاعلي الإثم (الزوان)، الأعداد 40-43.

كما أن المسيح في تفسيره للمثل أوضح كذلك أن الحقل هو العالم (ع 38)، وليس الكنيسة. على أية حال، لا المثل نفسه ولا تفسيره، يقدم أي تعليم مباشر عن الموضوع من الذي يجب أن يعتمد، أو ما إذا كان يجب أن يكون هناك تأديب لمن يخطئون في الكنيسة.

إنه لخطأ فاحش أن نستخدم المثل، كما يفعل الكثيرون، لكي نعلم أن كل من يرغب في المعمودية يجب أن يعمد دون تمييز، وأنه يجب ألا تبذل أية محاولة لتقييم من يتقدمون لعضوية الكنيسة، أو لتأديب من يخطئون في الكنيسة، مهما كانت خطاياهم خطيرة. لكن المسيح علم بدلاً من ذلك أن هناك أناس صالحون وأناس أشرار في العالم، وأنه في يوم الدينونة الأخيرة سوف يتم تصفية كل الحسابات.

 

دراسة حالة

دعونا نأخذ المثل الموجود في لوقا 11: 5-13، ونطبق عليه الإرشادات الستة التي درسناها:

“ثم قال لهم من منكم يكون له صديق ويمضي إليه نصف الليل ويقول له يا صديقي أقرضني ثلاثة أرغفة لأن صديقاً لي جاءني من سفر وليس لي ما أقدم له فيجيب ذلك من داخل ويقول لا تزعجني البال مغلق الآن وأولادي معي في الفراش لا أقدر أن أقوم وأعطيك. أقول لكن وإن كان لا يقوم ويعطيه لكونه صديقه فإنه من أجل لجاجته يقوم ويعطيه قدر ما يحتاج” (لوقا 11: 5-8).

 

البدء بالسياق المباشر

كان المسيح قد علم التلاميذ للتو نموذجاً للصلاة رداً على طلبهم. والأكثر من ذلك، في الآيات التي تلي المثل مباشرة، قدم يسوع تفسيراً لمعناه: “وأنا أقول لكم أسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يفتح لكم. لأن كل من يسأل يأخذ. ومن يطلب يجد. ومن يقرع يفتح له” (لو 11: 9-10).

في حالة هذا المثل، توجد فرصة لرواية القصة وشرح معناها.

 

التعرف على الهدف المحوري

إن فحص القصة بجانب التفسير، يكشف عن أنها رويت لكي تعلم أن الله يستجيب الصلاة، خاصة الصلاة التي تكون بلجاجة. فالشخص الذي يستمر ويثابر على الطلب هو الشخص الذي سيأخذ، والشخص الذي يستمر في السعي هو الذي سيجد. (لاحظ أن زمن الفعل له أهمية في فهم هذا المقطع المحدد: “Keep on asking” أي في الزمن المستمر، وهذا هو زمن الفعل في اليونانية، وليس الزمن البسيط الذي فيه يتم الطلب مرة واحدة فقط.)

 

تحديد التفاصيل غير ذات الصلة بالموضوع

رغم أن الصديق لم يستجب في البداية، بسبب أمور شخصية أنانية، إلا أن هذا لا يكشف عن شيء يتعلق بالله أو باستجابته لنا. وتوجد تفاصيل أخرى أيضاً غير ذات صلة بالموضوع، مثل حقيقة أن هذا الطلب قد تم في منتصف الليل، وأن الصديق طلب ثلاثة أرغفة وليس أربعة؛ وأن هذا الخبز كان لأجل شخص آخر غيره. هناك الكثير مما يقال عن هذه النقاط، ولكنها ببساطة تم إدراجها كجزء من القصة لاستكمال حبكتها.

تحديد التفاصيل ذات الصلة بالموضوع

من ناحية أخرى، توجد حقائق أساسية. فاستمرار الجار في الطلب هو في الحقيقة جوهر القصة. فلن يفيد أن نطلب من الله ببساطة أمراً ما مرة واحدة فقط، ونترك الأمر بعد ذلك، أو أن نعلم أننا يجب ألا نكرر الطلبة أمام الله. إن تفسير المثل يوضح أننا يجب أن نلح ونستمر في طلب الله لتسديد احتياجاتنا.

 

مقارنة المثل مع المقاطع المشابهة والأخرى المناقضة

يوجد مقطعان يمكن مقارنتهما بهذا المثل، سواء من ناحية التشابه او الاختلاف. فحيث أن خلفية هذا المثل هو طلب التلاميذ من المسيح أن يعلمهم الصلاة، ورده عليهم كان بنموذج للصلاة (11: 1-4)، فمن الطبيعي جداً أن نقارن هذا المقطع بمتى 6: 7-15، الذي يقدم الصيغة الأكثر شيوعاً للصلاة الربانية. ففي متى، علمهم يسوع أن يصلوا هكذا، بدلاً من تكرار الكلام باطلاً. وهكذا بمقارنة المقطعين معاً، نركز على حقائق يكمل بعضها البعض.

فالصلاة بإلحاح ومثابرة ليس معناها التكرار الباطل لنفس الطلبة. ومن ناحية أخرى، رغم أن التكرار الباطل محظور، فهذا لا يعني أن الشخص يجب ألا يصلي بلجاجة. وهكذا يقوم المقطعان بتفسير أحدهما الآخر.

بعد تفسير المسيح لمثل الثلاثة أرغفة، قدم أيضاً شرحاً آخر للمثل:

“فمن منكم وهو أب يسأله ابنه خبزاً أفيعطيه حجراً. أو سمكة أفيعطيه حية بدل السمكة. أو إذا سأله بيضة أفيعطيه عقرباً. فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه” (لو 11: 11-13).

نجد هنا حقيقة إضافية تقدم لنا بخصوص الصلاة. فمثلاً لو أن القارئ قد استنتج من قصة الأرغفة الثلاثة أن الله يسمع بامتعاض لصلوات أبنائه، فإن هذا التعليم الإضافي سوف يضع حداً بسرعة لسوء التفسير هذا. والأمر المهم هو أن الشيء الوحيد الذي نحتاجه أكثر من أي شيء آخر يتم تعريفه ليس هو خبز الجسد، بل هو شخص الله الروح القدس نفسه، وهذا هو أكثر ما يبعث على الاطمئنان.

 

بناء المبدأ على مقاطع واضحة

بالنظر إلى السياق ومقارنته بالمقاطع الأخرى، نجد أن التعليم الذي يقدمه هذا المثل له مكانته في المبدأ التعليمي العام للصلاة. ففيه يتم تعليم العديد من العناصر المفتاحية للتعليم الخاص بالصلاة. وكما رأينا، سيكون من الخطأ أن نبني تعليماً عن الصلاة على قصة الأرغفة الثلاثة. ولكن الحقيقة المركزية في المثل هي عنصر مشروع يمكن إدراجه مع غيره من التعاليم الكتابية في بناء التعليم الكتابي عن الصلاة، وهي، استمر في الصلاة وسوف يستجيب الله.

 

ملخص

كانت الأمثال دائماً مصدراً لبركات لا توصف في تنوير شعب الله بالحقائق الروحية. وفي نفس الوقت، كانت الأمثال أيضاً مصدراً لارتباك لا يوصف في كل من العقيدة والممارسة والتطبيق في الكنيسة. ويجب ألا يدهشنا هذا الأمر، حيث أن المسيح نفسه أخبرنا أن الأمثال ستقوم بكل من التنوير والإرباك لسامعيها. لذلك فإن المطلب الأول لفهم معنى الأمثال، هو بالطبع أن يكون الشخص منتمياً ليسوع المسيح وملكاً له، وأن تكون لديه استنارة الروح القدس في ذهنه المتجدد.

ومع ذلك، فإن هذا بمفرده لن يضمن الفهم الواضح والتفسير الدقيق للأمثال، كما يشهد بذلك تاريخ التفسير. لذلك فإن المبادئ الإرشادية البسيطة التي حددناها هنا ستفيد الدارس الجاد للكتاب المقدس في استخدام الأمثال بطريقة سليمة وفعالة.

 

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

– بلومبرج، كريج إل. Interpreting the Parables. Downers Grove, III. InterVarsity، 1989.

– كابون، روبرت فارار. The Parables of Grace, Grand Rapids: Eerdmans,،  1988.

– _______ The Parables of the Kingdom. Grand Rapids: Eerdmans. 1985.

– _______ The Parables of Judgment. Grand Rapids: Eerdmans 1986.

– جيريمياز، جوشيم. The Parables of Jusus، طبعة ثانية. London: SCM، 1963.

– كيسترماكر، سيمون. The Parables of Jesus. Grand Rapids: Baker، 1980.

كيسنجر، وارين إس. The Parables of Jesus: Metuchen, N. J.: A History of Interpretation and Bibliography, Scarecrow، 1979.

– لوكير، هيربرت. All the Parables of the Bible. Grand Rapids: Zondrvan، 1963.

– ماكويلكين، روبرت سي. Studying Our Lord’s Parables. طبعة ثانية 1935. Grand Rapids: Zondervan، 1980.

– بنتيكوست، جي داويت. The Parables of Jesus. Grand Rapids: Zondervan، 1982.

– ترينش، ريتشارد سي. Notes on the Parables of Our Lord. 1861 طبعة ثانية. Grand Rapids: Baker، 1979.

– وينهام، ديفيد. The Parables of Jesus. Downers Grove, InterVarsity، 1989.

[1] أرني ميفز، Only 25% Will Make It, Come, نوفمبر – ديسمبر 1975، صفحة 5.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

الأمثال – ما هو وما هي أنواعه وكيفية فهمه ؟ – بحث مفصل

كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث

كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث

كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث

كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث

محتوى كتاب الراعي لهرماس

لقد تميز كتاب «الراعي» بعمقه الروحي، وبسعة المواضيع التي طرحها، عن باقي المؤلفات الأخرى التي وصلتنا من القرن الثاني المسيحي. فهو يحتوي على خمس رؤى واثنتي عشرة وصية وعشرة أمثال ضمّت جميع الإرشادات والتوجيهات والتعاليم التي تلقّاها من الامرأة، التي تمثل الكنيسة، ومن الراعي، الذي يمثل الملاك المرسل إليه من الله.

كل ذلك ضمن وحدة الموضوع ووحدة العقيدة. أمّا الرؤى فهي تحدد الغاية التي من أجلها كتب الكتاب، وأمّا الوصايا والأمثال فهي توسيع وشرح لما جاء في الرؤى. والغاية الأخيرة للكتاب هي الدعوة إلى التوبة والتجدّد الروحي. وهذه التوبة على هرماس نفسه أن يبدأ بها أولاً، ثم عليه أيضاً أن يبشّر بها أفراد عائلته والكنيسة والمؤمنين ورجال الدين أنفسهم. إنها دعوة لتهيئة النفس قبل عودة المسيح المنتظر.

أ/ الرؤى في كتاب الراعي لهرماس:

يبدأ كتاب «الراعي» بخمس رؤى تأخذ طابع الوحي، وهي تذكرّنا برؤى حزقبال النبي وبرؤيا القديس يوحنا الرسول، وهذا ما يحرّك القارئ ويجعله مشدوداً إلى ما جاء فيها وما هو منتظر من الذي يقرأها. وبعد أن يخبرنا هرماس عن الأحداث التي حصلت له وهو في طريقه إلى «كوماس»، وعن الدعوة إلى التوبة، تتراءى له الكنيسة بشكل امرأة مسنّة أعطته كتاباً لينقله على نسختين وتحذرّه من أن أبناءه قد اخطأوا ضد الله وجدّفوا على السيد، وأن امرأته قد أخطأت بنميمتها، الأمر الذي يستدعي توبة عميقة ليغفر الله لهم خطاياهم.

ثم تتراءى له الامرأة، في الرؤيا الثالثة، وتجلسه عن شمالها لأن اليمين هو محفوظ للذين تألموا وماتوا في سبيل الله، وتريه برجاً مبنياً على الماء، بواسطة الملائكة، بحجارة من قلب الأرض، متراصّة في ما بينها، طالبةً منه أن يحافظ على السلام، وأن يساعد المحتاجين، وأن يشدّد على رؤساء الكنيسة بأن يتحاشوا النزاعات المميتة، وبأن يحافظوا على التعاليم السماوية ويعملوا بها.

وبعد عشرين يوماً، وهو في طريقه إلى «كوماس»، جلس يصلي ويطلب من الله أن يفهمه معنى هذه الرؤى. وإذ هو في هذه الحال شاهد وحشاً كبيراً مخيفاً يخرج من الأرض، فابتدأ بالبكاء وبالصلاة حتى ظهرت له المرأة من جديد وهي في ثياب بيضاء ناصعة، وشدّدت عزيمته وقالت له: إن الوحش ينذر بغضب كبير لا خلاص منه إلا بالتوبة والارتداد إلى الله والمثابرة في حياة طاهرة وبالثقة التامة به تعالى.

وأمّا الرؤيا الخامسة، التي حصلت وهو في بيته، فلقد ظهر له رجل يلبس ثياب راعٍ، وعلى كتفيه جراب وفي يده عصى، يمثل ملاك التوبة الذي أتى ليذكره بالرؤى السابقة ويملي عليه الوصايا والأمثال. من هنا تسمية الكتاب باسم «الراعي».

ب/ الوصايا في كتاب الراعي لهرماس:

الوصايا تشدّد على واجبات الإنسان نحو الله ونحو القريب ونحو الذات. وأسا هذه الواجبات هو الإيمان بإله واحد، خالق كل شيء، والعودة إلى الفضيلة كوسيلة خلاصية. فلإيمان، ومخافة الله، والامتناع عن الشر، التي تتحدث عنها الوصية الأولى، هي الفضائل الثلاث التي تعطي القوة وتشدّد عزيمة الإنسان في مسيرته نحو الله. والوصية الثانية تفرض البساطة والبرارة في العيش، وتمنع النميمة والحقد، وتؤكد على أعمال الرحمة لجميع البشر.

والوصية الثالثة تأمر بأعمال المحبة وبعيش الحقيقة وبالهروب من الخداع والكذب. والوصية الرابعة تشدّد على الطهارة وتفرض التعامل الشريف في الحياة، الأمر الذي دفع بهرماس إلى طرح بعض الأسئلة عن الزواج والزنى والتوبة. والوصية الخامسة تدور حول العدل والفطنة لكي يبقى الروح القدس في داخلنا ونطرد الشيطان من حياتنا اليومية، هذا الشيطان الذي يحاول، بجميع الوسائل، أن يبعدنا عن الله ويحتل قلبنا بدل أن يكون هذا القلب هيكل الروح القدس نفسه. وفي الوصايا اللاحقة يتحدث عن وجود ملاكين عند الإنسان: ملاك الخير وملاك الشر.

فعلى الإنسان أن يتّبع إرشادات ملاك الخير، وأمّا التجارب التي هي من وحي ملاك الشر فعليه أن يبعدها عنه ويرفضها كليّا. وهذا يعود إلى مدى تعمقه بإيمانه وبمحبة الله. وأمّا بالنسبة إلى الخوف فهناك خوفان: خوف الله الذي يبني ويقدّس وخوف الشيطان الذي يهلك. كذلك بالنسبة إلى الامتناع عن أعمال الشر، فالخير هو ضمانة الخلاص، أمّا الشر فهو طريق الهلاك.

الوصية التاسع تشدّد على الابتعاد عن الشك والتردد في طلب الله بحجّة أن الخطيئة تبعد عن الحق. فتنقية القلب هي السبيل إلى عدم الشك، ولبوس الإيمان هو القوة بالذات لأنه يأتي من الله ويبعد الشيطان وأحابيله عن قلب الإنسان.

الوصية العاشرة تتحدث عن الحزن الذي هو أخ الشك والغضب. هذا الحزن هو أشرّ الأرواح وأكثرها قساوة وإفساداً للإنسان. إنه يطرد الروح القدس ويسبّب الغضب للذين ينجرّون وراء أباطيل الدنيا. فتنقية القلب من الحزن المميت تحيي الإنسان في الله. وتعطيه نقاوة ومحبة له تعالى، كاملة في الفرح، ومتجددة في النقاوة.

الوصية الحادية عشرة تذكّر بأن أقوياء الإيمان هم المتشحون بأثواب الحقيقة، البعيدون عن الشيطان الذي يملأ الإنسان بروحه الشريرة ويجعله عرضةً للاستماع إلى الأنبياء الكذبة وإلى عبادة الأوثان الفارغة من الحقيقة.

أمّا الوصية الثانية عشرة والأخيرة فتأمر بالابتعاد عن الرغبات الشريرة والوحشية التي تستهلك الإنسان بقسوة وتسلمه للموت. ثم تشدّد على الابتعاد عن رغبة المرأة الغريبة وعن الثروات والتنعم بالباطل والسكر وكل شهوة الملذات الصبيانية، وتفرض ممارسة الفضيلة والعدل والمسلك الحسن في الحق وفي خوف الله، وفي الوداعة التي هي ميزة الإنسان الصالح.

وينهي «الراعي» وصاياه الاثنتي عشرة بقوله: «إنك تعرف هذه الوصايا فاسلك وفقاً لها وعلّم الآخرين أن يسلكوا كذلك، واطلب أن تكون توبتهم طوال حياتهم نقية خالصة. أتم هذه الخدمة التي ألقيها عليك بجدٍّ، وإذا ما عملت جاهداً فإنك تقوم بعمل عظيم وستجد نعمة عند أولئك الذين سيتوبون وسيثقون بكلامك، وإني سأكون معك وسأجبرهم على الاعتقاد بك» (الوصية الثانية عشرة، 3، 3).

ج/ الأمثال في كتاب الراعي لهرماس:

هذا القسم الأخير من «الراعي» له الطابع الرؤيوي كما القسم الأول من الكتاب، مرتكزاً على بعض الأمثال التي وردت في الإنجيل المقدس. فالصور التي يعطيها تشدّد على نقاط أساسية وجوهرية في العقيدة المسيحية. ففي المثلين الأولين يتكلم «الراعي» عن المقتنيات والأملاك التي هي بحوزة المؤمنين، وعن طريقة استعمالها الحسن في هذه الدنيا.

وبما أنه ليس للإنسان مدينة أرضية ثابتة، فعليه أن لا يعلّق قلبه بثروات الأرض لأن هذه الثروات أعطيت من الله لتكون في خدمة المحتاجين. وبهذا المعنى يقول: «لماذا تقتنون الحقول الواسعة والعمارات الكبيرة والقصور والأبنية والبيوت ما دمتم تعرفون أن المدينة التي ستستوطنوها ليست هنا؟» (المثل الأول، 1). فالغني يملك ثروة كبيرة إلا أنه فقير في خدمة الله لأن أمواله تستنزف كل تفكيره وأوقاته. أما إذا التصق الغني بالفقير وأعطاه ما يحتاج إليه، فعطيته له باستطاعتها أن تحقق له أجره عند الله.

صلاة الفقير واعترافه بخطاياه زاخران بالغنى، ولصلاته قوة عظيمة عند الله. وعلى الغني أن يعطي الفقير كل شيء وبدون تردد لأن الفقير الذي يعطيه الغني فإنه يعطيه شكر الله عمّا أعطاه. وهكذا إذا ضاعف الغني اهتمامه بالفقير، وبقي في شركة دائمة مع حياته، فإن صلاة الفقير تساعده ليكون مقبولاً عند الله.

الغني والفقير يتمّان عملاً واحداً، هذا بالصلاة، وهي ثروته التي أخذها من الرب ويقدمها للرب مختاراً، وذاك بماله الذي أعطاه الرب ليعطي المحتاج بدون تردد. وهكذا يتم عملاً عظيماً يرضي الله لأنه استعمل ثروته بتعقّل وروية واستخدمها لصالح الإنسان وحقق إرادة الرب.

ثم ينتقل «الراعي» إلى شرح التصوّف المسيحي في المثل الخامس، مشدّداً على الصوم ودوره الخلاصي، فيقول: «الصوم الذي تصومه ليس بصوم، إني سأعلمك معنى الصيام الكامل المقبول لدى الله. انتبه أن الله لا يريد صياماً بطالاً كهذا الصوم وإنك لا تفعل شيئاً عادلاً إذا صمت كما تصوم. صم للرب هذا الصوم: لا تصنع الشر واعمل بقلب نقي وحافظ على وصايا الله وسر حسب أوامره ولا تدخلن إلى قلبك رغبة شريرة وآمن بالله.

فإذا فعلت ذلك وخشيت الله تكون قد صمت صياماً عظيماً مقبولاً عند الله» (المثل الخامس، 1، 3-4). فالمحافظة إذاً على الوصايا، والقيام بالأعمال الحسنة التي ترضي الله، وتطبيق تعاليم الله، ومساعدة الفقراء والأرامل، والبعد عن الكلام الشرير والرغبة الخبيثة، والمحافظة على الشريعة والناموس… جميع هذه تكون أفضل من الصوم، لا بل هي جوهر الديانة المسيحية.

في المثل السادس يرى هرماس راعيين مع قطيعيهما، يمثلان ملاك الشهوة وملاك العقاب. الأول يفسد أرواح عبيد الله ويصرفها عن الحقيقة إلى الشهوة الخبيثة حيث تضيع فتنسى وصايا الله الحي وتسلك طريق الشهوات الخداعة البطالة، منقادة إلى الفساد والموت، والثاني يستلم البشر الذين ضلوا طريق الله وغرقوا في الشهوات والملذات العالمية ليعذبهم حسب خطاياهم ويعاقبهم عقوبات مخيفة متنوعة.

فكل إنسان يغرق في لذة الشهوات يخضع لعقوبات عديدة لأنه يسلم نفسه للموت في الوقت الذي يملك فيه على الحياة. لذلك نرى أن الذين يعملون الخير يشعرون بلذة فعلهم، وهذه اللذة تكون مفيدة وتمنحهم الحياة، أما الذين يتّبعون الشهوات المضرّة فإنهم يجلبون عليهم المحن والعقاب الذي يقود إلى الموت الأبدي.

وفي المثل السابع يطلب هرماس من «الراعي» أن يبعد عن بيته ملاك العقاب. غير أن الراعي يقول له: «إن خطاياك كثيرة ولكنها لا تستحق أن تسلم بسببها إلى هذا الملاك إلا أن بيتك قد اجترح الخطايا والآثام الكبرى التي مرمرت الملاك العظيم، لذلك أمر أن تتعذّب ليتوب أهل بيتك ويتنقوا… ولا يمكن أن يتألم أولئك إذا لم يروا رب البيت متألماً. فالملاك يضطرهم بواسطتك إلى الألم. أمّا إذا انتفى عنك الألم فإنهم يشعرون أن المهم قد زال» (المثل السابع، 2-4).

وفي المثلين الثامن والتاسع تظهر الكنيسة بصورة صفصافة وبرج. ففي الصفصافة المتشعبة ينال كل مؤمن غصناً يمثله، فإذا كان الغصن فارغاً فهذا يعني أن المؤمن في حياة روحية نامية وعلى اتصال عميق بالله، أمّا إذا كان الغصن ذابلاً فيدل على حالة المؤمن النفسية التي تشوبها الأخطاء والنقائص، وهذا يعني أن كل إنسان سينال جزاءه أو عقابه حسب الحالة التي يكون عليها الغصن الذي يمثله.

أمّا الخطأة الخاضعون للتوبة فإذا عملوا بها نجواـ وإذا لم يعملوا هلكوا. وأمّا بالنسبة إلى البرج فإن حياتهم لله وعملوا الخير وكانوا مثالاً صالحاً في هذه الدنيا، غير أن الأشرار فلقد أبعدوا عن المساهمة في هذا البناء الذي يجب أن يكون كاملاً على صورة الكمال الذي رسمه المسيح لكنيسته.

أخيراً يبقى المثل العاشر الذي هو بمثابة خلاصة يشدّد فيها الملاك على هرماس لكي يتوب عن خطاياه هو وأهل بيته. كذلك يأمره الملاك بأن يعلن للجميع وسيلة خلاصهم، هذا الخلاص الذي لا يتم إلا بالتوبة، وبالتوبة الحقيقية، طالما أن البرج يُبنى. ولكن إذا لم يتب الجميع قبل نهاية بناء البرج، فإن التوبة بعد نهاية البناء لا تنفع مطلقاً.

وينهي الملاك كلامه قائلاً لهرماس: «قم برسالتك حق قيام وأذع على الناس عظائم الله، وستلقى استحقاقك من جرّاء خدمتك. من يتبع وصاياك يتمتع بحياة ووجود مغبوط. أما الذين يهملونها فإنهم لا ينالون الحياة وسيشقون في حياتهم» (المثل العاشر، 4، 1).

خلاصة تعليم كتاب الراعي لهرماس

أ: الثالوث الأقدس وسر التجسد في كتاب الراعي لهرماس:

إن المطلع على كتاب «الراعي» يلحظ بوضوح أنه كتاب توجيهي، همّه معالجة الأمراض التي ضربت الكنيسة، لا محاولة رفض البدع التي كانت سائدة إلى حد ما، ولا محاولة عرضٍ لاهوتي للعقيدة المسيحية ولشؤون الإيمان، رغم أننا تجد فيه تأكيداً واضحاً على وحدة الله وعلى الخلق من العدم (المثل الخامس، 5، 2؛ المثل السابع، 4). لذلك نراه غير قاطع في تحديده للثالوث الأقدس ولسرّ التجسد.

فكره غامض, ولغته غير واضحة. ولذلك أيضاً حاول كثيرون من اللاهوتيين والمؤرخين، من خلال مؤلفاتهم، التأكيد على أرثوذكسيته، مثل «جاكمان» (Jackman)، و «فريبل» (Freppel)، و «هارناك» (Harnack)، وغيرهم من اللاهوتيين الذين رأوا ثبات العقيدة فيه رغم الغموض الذي فرضته لغة الرؤى والوصايا والأمثال.

وباختصار، فإن لغته تشكو من عدم الوضوح، بيد أن عقيدته لا غبار عليها. والمثال على ذلك هو هذا المقطع الثاني من المثل الخامس الذي نورده هنا لنرى علاقة الآب والابن بالعبد. يقول «الراعي»: «كان لإنسان حقل وعبيد وقد زرع قسماً منه كرماً واختار له عبداً أميناً يحترمه.

ولمّا دعاه قال له: خذ هذا الحقل الذي غرسته وسيّجه حتى أعود ولا تفعل غير ذلك. حافظ على وصيتي فتحيا حياة سعيدة في بيتي. ثم سافر سيد الحقل إلى مكان بعيد. فأخذ العبد بعد سفر سيده بتسييج الحقل، وعندما أنهى عمله رأى أن الحقل مليء بالأشواك.

ففكر في نفسه وقال: ها إني قد أتممت العمل كما أمرني سيدي، فلماذا لا أفلح الكرم وأنقّيه من الأعشاب ليصبح جميل المنظر وتزادا ثماره؟ وبالفعل فلح العبد الكرم واقتلع منه كل الأشواك فصار الكرم جميلاً خالياً من الأعشاب التي كانت تعيق نموّه. بعد مضي وقت طويل عاد سيد الحقل وذهب لزيارة أرضه فوجد أن الكرم لم يكن مسيّجاً فقط، بل ومفلوحاً فلاحة حسنة ومنقى من الأعشاب المضرّة، والدوالي مليئة بالعناقيد، فدهش من عمل عبده وأعجب.

فاستدعى ابنه الحبيب ووريثه وكل المستشارين أصدقائه وأخبرهم بالأمر الذي أمر به وبالأفعال التي رأى عبده قد فعلها بعد عودته فهنأ هؤلاء العبد على الشهادة التي نالها من سيده. وقال لهم السيد: لقد وعدت هذا العبد بحريته إذا أتّم أوامري إلا أنه لم يتمّم أوامري فحسب بل عمل أكثر بكثير ممّا أمرته به، لذلك سأجعله، مكافأة على أعماله، شريكاً مساوياً لابني يرث معه لأنه يملك تفكيراً صائباً وقد حقق هذا التفكير ولم يهمله» (المثل الخامس، 2، 1-7).

في هذا النص نرى ثلاثة أشخاص: السيد والابن والعبد. فمن هم هؤلاء الثلاثة في نظر «الراعي»؟. الحقل يمثل ، أولاً، العالم، والسيد هو الله خالق كل شيء، وابن السيد هو الروح القدس، والعبد، الذي حرّره السيد، وقد أصبح أيضاً ابن الله لأنه اقتلع، من الكنيسة، التي هي الحقل، الشرور والخطايا بواسطة أعماله وآلامه وعذاباته. وهذا هو عمل الخلاص. ولكن الملفت للنظر أن «الراعي» لا يذكر مطلقاً اسم «المسيح» «يسوع» و«كلمة الله»، وحتى أنه لا يفرّق بين البنوّة الإلهية والروح القدس.

أمّا بالنسبة إلى سر التجسد، فالمقطع السادس من المثل الخامس يذكره كالتالي: «انتبه أن ابن الله لم يظهر بشكل عبد بل ظهر متشحاً بقدرة عظيمة وسلطان عظيم. قلت: كيف؟ إني لا استطيع أن أفهم ذلك. أجابني: إن الله الذي غرس كرمه، أي عندما خلق شعبه أوكل أمره لابنه والابن جعل الملائكة لحمايتهم وهو الذي نقّىشعب الله من خطاياهم وقد تعب كثيراً لأن كل كرمة تحتاج إلى تعب شديد لفلاحتها وتنقيتها.

هو الذي نقى خطايا البشر وأرشدهم إلى سبيل الحياة وأعطاهم الناموس الذي تسلّمه من أبيه. أرأيت كيف أنه سيد البشر وأن أباه أعطاه كل سلطان؟ قلت لك إن السيد قد استشار ابنه والملائكة القديسين بشأن اشتراك العبد بالميراث. إليك مل يعني ذلك.

الروح القدس كان قبل الخليقة، البسه اللباس الذي أراده. وهذا الجسد الذي لبسه الروح القدس خدم الروح بكرامة وسلك نقياً طاهراً دون أن يسبب له أي دنس. وبمسلكه النقي هذا وتعبه مع الروح وبتعاونه معه في كل الأمور ماشاه بقوة وشجاعة وأراد أن يجعله شريكاً لروحه المقدس. إن مسلك الجسد أعجب الله لأنه لم يتدنس في هذه الأرض وهو يحمل الروح. ولقد استشار الابن والملائكة الممجدين ليعطي لهذا الجسد الذي خدم الروح بأمانة كلية مكاناً يستريح فيه لا يبقى إخلاصه بدون مكافأة.

كل جسد سكنه الروح وخدمه بإخلاص ينال المكافأة بشرط أن يبقى نقياً طاهراً خالياً من كل دنس» (المثل الخامس، 6، 1-7). ويعلق اللاهوتي «باردنهيفر» على هذا النص قائلاً: «ماذا بإمكاننا أن نستنتج من ذلك سوى أن التجسد وحده هو الذي أوضح لنا الفارق بين الروح القدس وابن الله.

فإن ابن الله والروح القدس، لم يكونا سوى واحد قبل التجسد» (باردنهيفر: آباء الكنيسة، الترجمة الفرنسية، باريس 1898، الجزء الأول، ص94). وبمعنى آخر، فإن فكرة الثالوث، في نظر «باردنهيفر»، لم توضح كلياً إلا بعد التجسد، وبالتالي بعد أن تمجّدت إنسانية المخلّص بارتفاعها إلى مستوى الآب والروح القدس.

يذكر «الراعي» مراراً أن هناك ملاكاً هو، في الدرجة، أعلى من الملائكة الستة الكبار الذين يشكلون مجلس استشارة الله، وهذا الملاك يدعوه مرّة «المحترم» ومرّة أخرى «القديس» ومرّة ثالثة «الممجّد»، ولقد رأى فيه البعض «المسيح» (الرؤيا الخامسة، 2؛ الوصية الخامسة، 1، 7؛ المثل الخامس، 4، 4؛ 7، 1، 5). ولن هرماس يسمّيه «ميخائيل» (المثل السابع، 3،3). فهل هذا يعني أنه لا يفرّق بين ابن الله ورئيس الملائكة ميخائيل؟ ربما الأمر كذلك لأن «الراعي» يعتبر أن مهمة الاثنين هي إياها غالب الأحيان.

فهما (أعني ابن الله والملاك ميخائيل) مقلّدين بقوة الله نفسها بالنسبة إلى سلطتهما على شعب الله (المثل الخامس، 6؛ المثل الثامن، 3،3)، وهما اللذين يعلنان عن مصير المؤمنين (المثل الثامن، 3،3؛ المثل التاسع، 5، 2-7؛ 6، 3-6؛ 10، 4)، وهما اللذين يوكلان أمر الخطأة إلى ملاك التوبة لإصلاحهم (المثل الثامن، 2، 5؛ 4، 3؛ المثل التاسع، 7، 1-2). ولكن هذا التشابه بالرسالة وبالحالة لا يعني، حقيقة، أن الشخصين هما واحد.

فالملاك ميخائيل يسميه دائماً ملاكاً، بينما ابن الله ليس وحسب سيد الشعب (المثل الخامس، 5، 6، 4)، بل هو أيضاً سيد البرج ومالكه وربّه. إنه مطلق السلطة عليه (المثل التاسع، 5، 2، 6، 7؛ 7، 1). وبينما الملاك ميخائيل يضع الشريعة في قلب المؤمنين، يذكر «الراعي» أن هذه الشريعة هي «ابن الله» بذاته.

إذاً، رغم الغموض في مفردات «الراعي»، فإن التأكيد على سر الثالوث الأقدس وسر التجسد هو واضح جدا، وأن هرماس كان واعياً إلى هذا الأمر، لذلك شدّد على دور الآب والابن والروح القدس، وخصوصاً على دور الابن بعد التجسد. وإذا أردنا أن نفسر هذا الغموض، فربما الفكرة الوحيدة التي تعبّر عن ذلك هي أن اللغة الرؤيوية هي التي جعلتنا لا نرى الأمور بوضوح كما في التحديدات اللاهوتية التي نجدها عند آباء الكنيسة الذين كان همّهم توضيح الأمور بكل دقة ووعي.

ب/ الملائكة:

بالنسبة إلى الملائكة، فإن هرماس لا يتكلم عن طبيعتهم وهويتهم، ولكنه يشدّد على عددهم الكبير وعلى المهمات العديدة التي يأمرهم الله للقيام بها. وهو يقسمهم إلى قسمين: الملائكة القديسون الذين يسهرون على شعب الله وهم مستشاروه، أعني رؤساء الملائكة، والملائكة المرؤوسون الذين أوكل إليهم أمر الكنيسة (المثل الخامس، 5، 3).

هؤلاء الملائكة يبنون البرج الروحي بإدارة رؤساء الملائكة الممجدين (المثل التاسع، 6، 2). ورؤساء الملائكة يشكّلون مجلس الاستشارة لله ويسهرون على عبيده لكي يعملوا حسب إرادته ليرثوا الملكوت السماوي الذي هو مكافأة للصلّاح والمؤمنين (المثل الخامس، 6، 4-7).

أمّا مهمات الملائكة فهي: الحثّ على التوبة، والسهر على الإنسان لكي يعيش بخوف الله. وكما أن هناك الملاك الحارس (ملاك العدل) الذي يرشد إلى الخير، كذلك هناك الشيطان (ملاك الظلم) الذي يسعى لإبعاد الإنسان عنه تعالى: «هدف هذه الوصية تثقيفك في الإيمان ونمّوك في أعمال ملاك العدل. إنك إذا طبقت أعماله تحيا في الله.

كن واثقاً أن أعمال ملاك الظلم هي خاطئة وبتجنّبك لها تعيش لله» (الوصية السادسة، 2، 10). لذلك، على الإنسان أن يبعد عنه ملاك الظلم لكي لا يعيقه عن حفظ الوصايا ويمنع عنه الخلاص الذي يرجوه من الله. ولكن، رغم كل محاولات الشيطان (ملاك الظلم) ضد خدّام الله، فإن ملاك التوبة يسيطر عليه ويبعده عنهم: «عودوا أيها الذين يسلكون طريق الشيطان القاسية الوعرة ولا تخشوه لأنه ضعيف لا قوة له.

سأكون أنا ملاك التوبة معكم وأنا الذي سأسوده. الشيطان يثير المخاوف، إلا أن خوفه فارغ كليّاً. لا تخافوه فيبتعد عنكم» (الوصية الثانية عشرة، 4، 6-7). وهكذا، عندما يخذل هذا الشيطان أمام القلوب المليئة بالإيمان يفتش عن القلوب الفارغة ليسكن فيها: «كذلك الشيطان يجرّب عبيد الله، فمن كانت قلوبهم مليئة بالإيمان وقفوا بوجهه بقوة فارتدّ عنهم خائباً لأن قلوبهم مملوءة. لذلك يفتش عن القلب الذي يجد فيه فراغاً ليملأه فيدخله ويوجهه وفقاً لإرادته» (الوصية الثانية عشرة، 5، 4).

ج/ الكنيسة في كتاب الراعي لهرماس:

هرماس ليس واضحاً في كتاب «الراعي» عندما يتكلم عن تنظيم الكنيسة، لكنه يذكّر بدور الأسقف والشيوخ والمتقدّمين فيها عندما تطلب منه المرأة إعطاء الكتيّب إلى «كليمنضوس» لإرساله إلى المدن التي في الخارج: «اكتب كتيّبين، كتيّب إلى كليمنضوس وكتيّب إلى غرابتي. ويسمح لكليمنضوس أن يرسل ذلك إلى المدن التي في الخارج، وعلى غرابتي أن تنصح الأرامل والفقراء.

أمّا أنت فعليك أن تقرأ ذلك في هذه المدينة على الشيوخ ومتقدّمي الكنيسة» (الرؤيا الثانية، 4، 3). كذلك نراه يؤكد على أن الرسل والأساقفة والمعلمين والشمامسة هم الحجارة المربعة البيضاء في البرج الذي يمثل الكنيسة: «إليك ما تعنيه الحجارة التي دخلت البناء. الحجارة المربعة البيضاء المتشابهة كليّاً تمثل الرسل والأساقفة والمعلمين والشمامسة الذين سلكوا طريق الرب المقدس ورعوا وعلموا وخدموا بإخلاص وطهارة مختاري الله.

بعضهم مات وبعضهم لا يزال على قيد الحياة وكانوا دائماً على وفاق فيما بينهم، يسودهم السلام ويطيعون بعضهم بعضاً. لذلك تراهم في هذا البرج حجارة متلاحمة كليّاً وفي اتّساق عظيم» (الرؤيا الثالثة، 5، 1). وبعد ذلك نراه يشدّد على التفاهم بين أعضاء الكنيسة، وعلى عدم الشقاق، وعلى الثبات في الإيمان والمحبة: «أقول هذا الآن لمتقدّمي الكنيسة ولمتصدّري المجالس.

لا تكونوا كبائعي السموم الذين يحفظون سمومهم في علب، وعلبكم هي قلوبكم بأحقادكم وخبثكم. إنكم قساة عتاة لا تريدون أن تنقوا قلوبكم وتحققوا الدمج الكليّ لحكمتكم بنقاوة قلوبكم فتنالوا رحمة الملك العظيم. احذروا يا أبنائي أن تفقدكم شقاقاتكم حياتكم. كيف تريدون أنتم المختارين أن تنقوا أولئك الذين لا نقاوة فيهم؟ نقوا نفوسكم أولاً وتسالموا فيما بينكم حتى إذا ما وقفتم أمام الآب، أقف أنا بثبات أمامه لأقدم له مسردة الحساب عن جميعكم» (الرؤيا الثالثة، 9، 7-10).

وفي زمن كانت المواهب النبوية تزوّر، والأنبياء الكذبة يحاولون استغلال المؤمنين، نجده يشدّد على النبي الحقيقي الذي يُعرف من استقامة سيرته، ومن تواضعه، ومن حياته الروحية الصوفية، ومن رصانته وفطنته، ومن إعلانه الحقيقة أمام الجميع دون خوف ولا تراجع، ومن التزامه بكلام الرب الذي يوحيه إليه بواسطة الروح القدس: «قلت: كيف نميّز بين النبي الكاذب والنبي غير الكاذب؟

قال: من حياة المرء نستطيع أن نميّز النبي الكاذب والنبي الحقيقى. من كان فيه روح الله، فروح الله يأتي من فوق، يكون لطيفاً متواضعاً يهرب من الشر ومن الرغبات البطّالة ويجعل نفسه دون هذا الجيل.

لا يجيب على سؤال ولا يتكلم إلا علانية. الروح القدس لا يعطي وزناً لرغبات البشر ولا يتكلم إلا عندما يريد الله منه. عندما يدخل الإنسان الذي فيه روح الله إلى نجلس الصالحين المؤمنين بالله، يصلي المجلس فتتحرك روح النبوّة فيه ويملآه ويتكلم بملء إيمانه أمام الجميع كما يأمره الرب. بهذا نعرف النبوة الحقيقية من النبوة الكاذبة، ومن قوتها نعرف الألوهة الموحية» (الوصية الحادية عشرة، 7-10).

وباختصار، فإن الذي يشدّد عليه هرماس هو كنيسة القديسين الموحّدين بالله. ولقد حاول لمرّتين أن يشبهها بالبرج المبني على الماء، تلميحاً إلى شفافية العماد: هذا البرج الذي يضم القديسين الذين مات بعضهم وبقي البعض الآخر على هذه الأرض. فهم الحجارة المنتقاة البيضاء التي تمثل الرسل والأساقفة والمعلمين والشمامسة الذي عاشوا في القداسة وسلكوا طريق الرب ورعوا وعلموا وخدموا، بإخلاص وطهارة، مختاري الله (الرؤيا الثالثة). ومرّة ثانية (المثل التاسع) نرى البرج مبنياً على صخرة صلدة صامدة هي المسيح، باب الكنيسة.

والحجارة التي يُبنى فيها هذا البرج هي المعمّدون والخطأة والصديقون، وذلك لأن البناء يجب أن نبعد عنه كل حجر لا يجمّله ونسلمه إلى ملاك التوبة لكي يعيده إلى البرارة التي يريدها الله من مختاريه. وهذا الملاك هو وحده الذي يحم إذا كان المؤمنون قد أصبحوا أهلاً للبناء أم لا، بحيث أن الكنيسة يجب أن لا تضم إليها إلا الحجارة المصقولة البيضاء، أعني النفوس التي لها الفكر نفسه والعاطفة نفسها والإيمان نفسه والمحبة نفسها.

وهكذا، فعندما تصبح النفوس جميعها كاملة بالله تكون الكنيسة كاملة هي أيضاً، وتكون قد قامت بالمهمات الملقاة على عاتقها لخلاص البشرية جمعاء.

د/ العماد والحياة المسيحية في كتاب الراعي لهرماس:

يقول هرماس: «أريد أن أسألك أموراً أخرى. قال: ماذا تريد؟ قلت: لماذا أخرجت هذه الحجارة من الأعماق لتوضع في جدران البرج، ما دام الرجال الذين تمثلهم هذه الحجارة كانوا يحملون في ذواتهم هذه الأرواح؟ أجابني: كان عليهم أن يخرجوا من الماء لينالوا الحياة، ولم يكن بإمكانهم أن يدخلوا إلى الملكوت قبل أن يطرحوا الطبيعة الميتة لوجودهم الأول.

مع أن هؤلاء البشر كانوا أمواتاً فقبلوا ختم ابن الله ودخلوا الملكوت. وقد سبق وقال لي الراعي: الذين لا يحملون اسم ابن الله هم أموات، إلا أنهم عندما ينالون الختم يخلعون عنهم الموت ويلبسون الحياة. الختم هو ماء المعمودية. ننحدر أمواتاً إلى الماء ونصعد أحياء. هؤلاء سمعوا بالختم فاختتموا لكي يدخلوا إلى الملكوت» (المثل التاسع، 16، 1-4).

هذا النص يؤكد لنا على أن سر العماد يغفر جميع الخطايا السابقة، وهو ضروري ليصبح الإنسان في شراكة الكنيسة، وليساهم في بناء البرج المقدس. غير أنه من الضروري أيضاً أن يبقى الإنسان، بعد العماد، بدون خطيئة لأنه لا يجوز لمن غفرت خطاياه أن يخطئ من جديد. وبهذا المعنى يجيب «الراعي» هرماس عندما سأله: «أيمكنني يا سيدي أن أسألك سؤالاً آخر؟ قال: قل. قلت: سمعت بعض المعلمين يقولون إنه لا توبة إلا التوبة التي نلناها بعد المعمودية حيث نلنا مغفرة الخطايا. قال: صحيح ما سمعت وهذه هي الحقيقة بعينها.

لا يجوز لمن غفر له أن يخطئ، عليه أن يبقى في النقاوة» (الوصية الرابعة، 3، 1-2). فالعماد يمنح المعمّد قداسة ويجعله هيكل الروح القدس، شرط أن يحافظ على جسده نقياً، بلا دنس: «انتبه، احفظ جسدك نقياً بلا دنس حتى ينال شعادة الروح القدس القاطن فيه. احذر أن تأتيك الفكرة بأن جسدك فان ومعد للدمار، ولا تفسح المجال لتدنيسه لأنك إذا دنّست جسدك دنّست روحك، وإذا دنّست روحك فلن تحيا.

قلت: ما هو نصيب من فعل ما يدنس جسده قبل سماعه لهذه الكلمات؟ أيمكنه أن يخلص؟ اله هو الذي يشفي الخطايا الحاصلة عن جهل. انتبه الآن. الله الغفور يغفر لك خطاياك السابقة بشرط أن يبقى جسدك الآن بدون دنس. أنت ترى الاتصال الوثيق بين الجسد والروح. إنك إذا دنّست الجسد دنّست الروح، فإحفظهما نقيّين حتى تحيا لله» (المثل الخامس، 7، 1-4).

وأمّا عن الحياة المسيحية، فالإيمان ومخافة الله، وخصوصاً العفّة، هي الفضائل الأساسية للخلاص: «إليك ما تعنيه الأولى ذات الأيدي القوية. إنها تسمّى الإيمان. وبه يخلص مختاروا الله. والثانية المزنّرة ذات الهيئة الرجولية تسمّى العفّة، إنها ابنة الإيمان، ومن يتبعها تصبح حياته مغبطة لأنها تبعد كل الأفعال الشريرة. ومن يبتعد عن العمل الشرير يرث الحياة الأبدية» (الرؤيا الثالثة، 8، 3-4).

والعفّة، في نظر «الراعي»، تعني الامتناع عن كل الشرور وعمل الخير. والشرور التي يجب الامتناع عنها هي: الزنى، والفسق، والسكر، والكبرياء، والكذب، والشتم، والخبث، والرياء، والمكر، والسرقة، والغش، وشهادة الزور، والبخل، والشهوات غير المرتبة. وأن يكون الإنسان عفيفاً، فذلك يعني أن يعيش إيمانه بخوف الله، وأن يعيش المحبة والعدل والحقيقة والصبر، وأن يساعد الأرامل واليتامى والفقراء، ويكون مضيفاً للغرباء. هذه جميعها مفروضة على المسيحي ليكون مخلصاً، أو بالأحرى عليه أن يطبّق إيمانه بأعمال الخير وبالبعد عن جميع الشرور.

وفي حالة البرارة، التي ينالها الإنسان، من مجرّد قبوله سر العماد، يحصل على استحقاقات كثيرة إذا ما حفظ الوصايا، وتبع المشورات، وعاش الفضائل البطولية التي تحقق له مكافأة خاص من الله. إنه بذلك ينتقل من العبودية إلى البنوّة، والله يتبنّاه ويجعله وارثاً وشريكاً: «حافظ على وصايا الله لتصير مقبولاً عنده ومستحقاً لتكون من المسجلين في سجل حافظي وصاياه.

فإذا فعلت حسنة، علاوة على أوامر الله، فإنك تحقق مجداً عظيماً، وتكون ممجّداً عند الله حيث تدعى لتكون. إذا حافظت على وصاياه وأضفت إليها أعمالاً صالحةً بتطبيقك لها فإنك تحقق لنفسك الغبطة» (المثل الخامس، 3، 2-4).

وردّاً على هرماس الذي اعتبر أن إتباع الوصايا هو أمر صعب جداً يقول «الراعي»: ليس هناك من صعوبة إذا أراد الإنسان ذلك: «قلت: يا سيدي، إن هذه الوصايا عظيمة وصالحة وممجّدة ويمكنها أن تفرح القلب، قلب الإنسان الذي يستطيع أن يحافظ عليه. لكني لا أعتقد أن هناك من يستطيع أن يحافظ عليها لأنها صارمة جداً. أجابني قائلاً: إذا اعتقدت أنك تستطيع أن تحافظ فستحافظ ولن تكون صارمة بالنسبة لك.

أما إذا أهملتها ولم تحافظ عليها واعتقدت أنه يصعب على البشر أن يحافظوا عليها فلن تخلص لا أنت ولا أهل بيتك. بقولك إنك لا تستطيع أن تحافظ على الوصايا تدين نفسك وتحكم عليها حكماً قاطعاً» (الوصية الثانية عشرة، 3، 4-6). وعندما لفت هرماس «الراعي» إلى أن الشيطان يحارب الإنسان ويمنعه من إتباع الوصايا أجابه قائلاً: «قلت: أن الإنسان، يا سيدي، مستعد ليحافظ على وصايا الله ويطيعها، إلا أن الشيطان قاس ويتغلّب على الإنسان.

قال: إنه لا يستطيع أن يتغلّب على عبيد الله الذين يؤمنون من أعماق قلوبهم. الشيطان يجيد الصراع لكنه لا يغلب إذا صمدتم في وجهه بل يندحر ويهرب خجلاً. الأشخاص الفارغون هم الذين يخافون الشيطان كقوي» (الوصية الثانية عشرة، 5، 1-2).

وهكذا، باختصار، فإن العماد، بعد أن يغفر الخطايا، يعطي الإنسان قوة ليحارب الشيطان ولينتصر عليه، وليعيش بخوف الله، بعيداً عن كل الشرور، محققاً خلاصه الأبدي، شرط أن لا يعود إلى الخطيئة ثانية.

هـ/ التوبة والخلاص الأبدي في كتاب الراعي لهرماس:

السؤال المطروح الآن هو التالي: كيف بإمكاننا أن نحافظ على وسم العماد، ونعيش العفة في الحقيقة، ونصل إلى الكمال الذي دعانا إليه الله، والضعف البشري يجعلنا عرضةً للسقوط في الخطيئة كل لحظة؟ وهل المسيحي الذي يسقط، من جديد، في الخطيئة، بإمكانه أن يخلص؟ هناك رأيان متناقضان في ذلك: رأي الغنوصيين المتساهلين، ورأي المتشددين المبالغين. فالغنوصيين يعتبرون أن كل خطيئة مقترفة، بعد العماد، غير مهمة بحيث أنهم لا يتركون عبيد الله يتوبون توبة حقيقية.

وهذا ما يذكرّ به «الراعي» في المثل الثامن، 6، 5، قائلاً: «أمّا الذين سلموا أغصانهم يابسة ولم ينخرها السوس، هؤلاء يشبهون الأول. ‘نهم مراؤون، يحملون تعاليم غريبة ويضللون عبيد الله، وخصوصاً الخطأة. إنهم لا يتركونهم يتوبون ويعملون لإقناعهم بتعاليمهم البطالة السطحية، مع أن مجال التوبة مفتوح أمام هؤلاء». وأما المتشدّدون المبالغون، فلقد بشرّوا بتقشّف متطرّف، وفرضوا تصوفاً كاملاً في الحياة المسيحية، وعفة مطلقة في كل شيء.

ولكن هرماس طالب بحلّ إنساني إذ قبل بإمكانية مغفرة الخطايا بعد العماد، وبالتالي بالعودة إلى حالة البرارة بعد التوبة. وبهذا المعنى يقول: «بعد أن أنهى الراعي تفسير معاني الأغصان كلها قال لي: اذهب وقل لجميع الخطأة أن توبوا ليحيوا في الله لأن الرب، لرأفته بالجميع، يوزع التوبة على الجميع حتى لو كان البعض لا يستحقونها بسبب أعمالهم فالله طويل الأناة يريد أن يحقق دعوة ابنه للخلاص» (المثل الثامن، 11، 1).

وفي موضع آخر يقول: «المعمودية تغفر الخطايا، والمخلص وضع التوبة للذين آمنوا قبل هذه الأيام لأنه هو العارف خفايا القلوب والمالئ الكل رأى الضعف البشري ورأى أحابيل الشيطان والشباك التي يحاول أن يوقع فيها خليقته، لذا تحنن برحمته وأوجد التوبة وأعطيت لي سلطتها» (الوصية الرابعة، 3، 4-6).

إذاً، الله وحده يشفي الخاطئ. ولكن كيف؟ بواسطة التوبة (Metanoia). فبمقابل الإرادة الإلهية التي تريد خلاص المعمّدين، وبمقابل رحمة الله المستعد دائماً لغفران الخطايا وللشفاء منها، على الخاطئ أن يتجاوب بتوبة نصوح وعميقة. وهنا، كما يؤكد هرماس، التوبة لا تعني سر التوبة بالمفهوم الكنسي القانوني، ولكن المقصود هي فضيلة التوبة وممارستها، أعني تغيير حالة النفس، أو بالأحرى تجديد داخلي، خلقي ومسلكي، وحتى تجديد بالأفكار وبالعواطف والعادات على شكل ارتداد أو انقلاب داخلي.

بهذا المعنى يقول: «إني أعطي الوعي للتائبين لأني أنا لهم. ألا تعتقد أن عملية التوبة هي عملية إدراك؟ إن التوبة هي عملية حكمة عظيمة. إن الخاطئ يتعقّل عندما يدرك أنه فعل شراً أمام الله، فيذكر العمل الشرير الذي صعد إلى قلبه ويتوب ويمتنع عن عمل الشر، وليس هذا فقط بل يفعل الخير ويضع نفسه ويعذبها لأنها أخطأت. أرأيت أن التوبة هي عملية إدراك عظيمة؟» (الوصية الرابعة، 2، 2).

هذه التوبة تطبّق على جميع الخطايا دون تمييز، وحتى على الخطايا المحفوظة مثل الكفر والزنى والقتل (الوصية الرابعة، 1، 7؛ المثل التاسع، 26، 5). فالامرأة الزانية، مثلاً، على زوجها أن يقبلها إذا تابت بعد أن تعترف بخطيئتها، والكفرة كذلك إذا لم يكن كفرانهم إلا بالكلام وحسب، وليس بارتداد القلب إلى الشر. وهذه التوبة، إذا كانت تطال جميع الخطايا، لكنها لا تطال جميع الخطأة.

إنها تطال المسيحيين القدامى وليس المسيحيين الذين تعمّدوا أو الذين سيتعمّدون. فالمسيحي الذي يسقط في الخطيئة بعد العماد يُبعد عن الجماعة ويكون في حالة انفصال عن الكنيسة. والكنيسة تفرض عليه كفّارات عديدة لأنها تعتبر أن العماد أدخله في جماعة القديسين وعليه أن يبقى قوياً، ولا يخطأ، بنعمة الله التي تسهر عليه.

من هنا، فالتوبة يجب أن تكون مخلصة وصادقة، والله يعطي حينئذٍ الغفران الكامل، الذي هو نعمة خاصة، للذين طهّروا نفوسهم وقلوبهم، بينما الخبثاء والكفرة المتمسكون بكفرهم يرفضهم ويبعدهم عن البرج الذي هو كنيسته. وبهذا المعنى يقول هرماس «عندما أنهى الراعي فحص كل الأغصان قال لي: لقد أريتك هذه الشجرة المحبة للحياة. أرأيت كم هم التائبون والمخلصون؟ قلت: إني أرى يا سيد.

قال الراعي: إن الله أعطى روح التوبة لمستحقيها حتى تدرك عظمة رحمته. قلت: لماذا لم يتب الجميع؟ قال: إن الله يعطي روح التوبة للقلوب التي يجب أن تتنقّى وتتطّهر، أما القلوب التي يملؤها الخبث فإن توبتها تكون توبة مرائية، ولن يعطيها روح التوبة لئلا تهين اسمه» (المثل الثامن، 6، 1-2).

وباختصار، فالكنيسة يجب أن تكون جماعة القديسين، وهي تؤمن وتعتقد أنه بإمكان كل مسيحي أن يحافظ على براءة العماد دون خطيئة، رغم أنها أيضاً تعرف مدى الضعف البشري. لذلك تقدّم للخاطئ وسيلة خلاص بعد هذا العماد إذا أخطأ من جديد، ولكن لمرّة واحدة. وبذلك يكون سر التوبة القانوني معطى بعد عيش روح التوبة الحقيقية. كل ذلك لأن رحمة الله وغفرانه هما المحرك الأساسي في قلب جماعة المسيح التي هي كنيسته على الأرض.

و/ الزواج في كتاب الراعي لهرماس:

بالنسبة إلى الزواج المسيحي، فإن عدم فسخه يؤكد عليه هرماس مراراً في كتاب «الراعي»، وحتى في حالة الزنى، كما أن الزواج الثاني بعد موت أحد الشريكين هو مسموح، بعكس ما بشّر به المتزمّتون في بعض البدع. ونعرض هنا الصعوبات والمشاكل التي طرحها هرماس والتي أجاب عليها «الراعي» بوضوح:

أولاً: هل يخطئ الزوج الذي يعيش مع امرأته الزانية؟ يجيب الراعي: كلا إذا كان يجهل ذلك. وأمّا إذا عرف بزناها وبقي معها فإنه كمن يشاركها بذلك: «قلت: اسمح لي يا سيدي أن أوجّه لك بعض الأسئلة. قال: قل. فقلت: يا سيدي، إذا كان لرجل زوجة وكان يعتقد أنها مخلصة ثم تبيّن له أنها تزني أيخطئ إن استمر عائشاً معها؟ أجاب: إذا عاش معها وكان لا يدري بأنها تخطئ فإنه لا يخطئ، أمّا إذا اكتشف أنها تزني ورفضت أن تتوب وثابر على العيش معها فإنه يخطئ ويشترك معها في الزنى.

قلت: ماذا يجب أن يفعل الزوج إذاً؟ أجاب: عليه أن يتركها وأن يعيش وحيداً، أمّا إذا تزوج ثانية بعد ترك زوجته فإنه يزني» (الوصية الرابعة، 1، 4-6).

ثانياً: إذا ندمت الإمرأة الزانية، بعد أن يكون تركها زوجها، فهل يعود إليها ويقبلها؟ يجيب الراعي: نعم يجب أن يقبلها إذا تابت، وإلا ارتكب خطيئة، وعليه تحمّل المسؤولية: «قلت: وإذا تابت المرأة بعد تركه لها، وأرادت أن تعود إلى زوجها، ألا يجب أن يقبلها؟ قال: لا شك.

قلت: وإذا رفض قبولها؟ قال: إنه يرتكب خطيئة ويتحمّل مسؤولية كبرى لأنه يجب أن يقبل التائب لمرّة واحدة لا لأكثر، لذلك لا يجوز لرجل أن يتزوج مرة أخرى، وكذلك المرأة» (الوصية الرابعة، 1، 7-8).

ثالثاً: وهل ما هو متوجب على الرجل بالنسبة لامرأته هو نفسه متوجب على المرأة؟ يجيب الراعي: الأمر نفسه يطبق على الرجل الذي يزني كما على المرأة: «لا يزني المرء إذا دنس جسده فقط، بل إذا تصرّف كما تتصرّف الأمم أيضاً. إذا ثابر أحدهم على ذلك ولم يقبل أن يتوب فابتعد عنه ولا تعاشره، وإلا تكون شريكاً في خطيئته. لذلك يمنع الرجل والمرأة من الزواج الثاني لأن المنع يفسح المجال للتوبة.

قال: إني لا أسهل مثل هذه الأعمال. هدفي هو منع الخاطئ عن الخطيئة. من أخطأ سابقاً فهناك من يستطيع شفاءه. يشفيه المالك القدرة لفعل كل شيء» (الوصية الرابعة، 1، 9-11).

رابعاً: أمّا إذا مات أحد الزوجين، فهل يخطئ الزوج الحيّ إذا تزوج مرة ثانية؟ يجيب الراعي: كلا، لكن يحوز على شرف عظيم ويكرّم المخلص إذا حافظ على عفته: «ثم سألته قائلاً: ما دمت يا سيدي قد احتملت أسئلتي فاسمح لي أن أسألك هذه المرة أيضاً. لو فرضنا يا سيدي أن الزوجة قد توفيت أو بالعكس، أيجوز لأحدهما أن يتزوج؟ وهل يخطئ إذا فعل ذلك؟ قال: كلا لا يخطئ، ولكن إذا بقي بدون زواج فإنه يحوز على شرف عظيم ويكرّم المخلص.

حافظ إذاً على العفة والشرف فتحيا في الله. حافظ من الآن على كل ما قلته وسأقوله لك. حافظ على ذلك من تاريخ استلامي لك ودخولي إلى بيتك. إذا حفظت وصاياي فخطاياك السابقة تغفر لك، لا بل كل خطايا الآخرين تغفر لهم إذا حافظوا على هذه الوصايا وسلكوا طريق العفة» (الوصية الرابعة، 4، 1-4).

وهكذا، باختصار، فإن الزاني تغفر خطيئته لمرة واحدة، والزواج الثاني بعد موت أحد الشريكين ليس خطأً، لكن الحفاظ على العفة هو شرف عظيم وتكريم للمخلص.

الخلاصة

من كل ما تقدّم يمكننا اختصار تعليم هرماس في «الراعي» بأنه تعليم أدبي، أخلاقي، روحي. فالهمّ الأساسي الذي كان يشغل المؤلف هو حثّ المؤمنين على العيش بالتزام وبإخلاص للعقيدة التي اعتنقوها في زمن كانت فيه الكنيسة تتنفس الصعداء بعد الاضطهادات التي توالت وقبل الاضطهادات التي ستلي، بحيث أن الرخاء القليل الذي حصلت عليه جعل الكثيرين من أبنائها يفترون في إيمانهم، ويصبحون منهمكين بشؤونهم الزمنية، الأمر الذي تطلّب تذكيراً بجوهر الروح المسيحية.

فالمسيحي الحقيقي ليس ذلك الذي حفظ الوصايا وحسب، بل أيضاً ذلك الذي يقوم بأعمال صالحة ليحقق لنفسه الغبطة. وبهذا المعنى يقول في المثل الخامس: «فإذا فعلت حسنة علاوة على أوامر الله فإنك تحقق مجداً عظيماً وتكون ممجداً عند الله حيث تدعى لتكون. وإذا حافظت على وصاياه وأضفت إليها أعمالاً صالحةً بتطبيقك لها فإنك تحقق لنفسك الغبطة» (المثل الخامس، 3، 3).

غير أن هرماس لم يكن ذلك اللاهوتي البارع، على حدّ قول اللاهوتي «باردي» (Bardy) في كتابه «لاهوت الكنيسة من القديس كليمنضوس الروماني إلى القديس ايريناوس»، باريس 1945، ص 141. لذلك نراه في حيرة كبرى عندما يتكلم عن التجسّد. فاسم «يسوع» مثلاً، واسم «المسيح» لا يأتي على ذكرهما إلا قليلاً.

هو يتكلم عن ابن الله، أو عن الابن الحبيب، ولكن ابن الله هذا يتطابق. والروح القدس. وبهذا المعنى يقول: «الحقل هو العالم، وسيد الحقل هو خالق الكل ومجهزّه ومقوّيه، وأمّا الابن فهو الروح القدس، وأما العبد فهو ابن الله» (المثل الخامس، 5، 1). كذلك نراه أيضاً يجعل من الملاك ميخائيل، الملاك العظيم والممجّد، ابن الله ورئيس الملائكة.

في حالة كهذه، ماذا يمكننا القول عن كتاب لاهوته غير واضح؟ الجواب هو التالي:

أولاً: إن الالتباس بين «ابن الله» و«الروح القدس» كان منتشراً في ذلك العصر. وهذا ما بيّنه اللاهوتي «جان دانييلو» (Jean Danielou) في كتابه «تاريخ المعتقدات المسيحية قبل مجمع نيقيا»، تورنه – باريس، 1958 – 1961. فالعقيدة لم تحدّد كليّاً إلا في ذلك المجمع.

ثانياً: إن اللاهوتيين كانوا غارقين في التفاسير أكثر منه في التحديدات. وهرماس كان من هؤلاء الذين كانوا يشدّدون على الحياة الأخلاقية والمسلكية أكثر منه على التحديدات اللاهوتية. وبهذا المعنى يقول اللاهوتي «جولي» (Joly) في مقدمته لكتاب «الراعي»: «إنه الكاتب الأخلاقي الذي يلفت الانتباه. فهرماس أراد أن يكون كاتباً أخلاقياً، ولم يؤكد مرة واحدة على أنه لاهوتي بحصر المعنى» (هرماس: الراعي، المقدمة، 33).

من هنا يمكننا استنتاج ما يلي: إن الجهد الإنساني، في نظر هرماس، يجب أن يشدّد على الحفاظ على روح الله الموجود فينا. ومخافة الله، التي يتكلم عنها دائماً، هي مفتاح ذلك. والمحافظة على الوصايا لا تكفي، بل علينا أن نضيف إليها أعمالاً صالحةً. فالأعمال الصالحة هي واجبة وضرورية للخلاص كما الالتزام بالتعليم الإلهي. وكل عمل لا يكون خاضعاً لإرادة الله هو عمل ناقص، وربما يحمل إلينا العقاب بدل الجزاء الحسن.

لذلك، على المسيحي أن يسير بخطى الله وبوحيه كما تعلّم الكتب المقدسة، وكما تعلّم الكنيسة الجامعة التي تجسّد تعليمه وتسهر عليه، خدمة للنفوس، وتمجيداً لله. وكل ما جاء في الرؤى والوصايا والأمثال شاهد على ذلك.

كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 8 – الأمثال وكيفية فهمها والهدف منها

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 8 – الأمثال وكيفية فهمها والهدف منها

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 8 – الأمثال وكيفية فهمها والهدف منها
  • الأمثال في التاريخ.
  • طبيعة الأمثال.
  • التفسير الاستنتاجي للأمثال.
  • التفسير الحياتي للأمثال.

فى البداية علينا أن نلفت نظرك يا صديقي الدارس إلى أن كل ما جاء في الفصل السابع حول تعليم الرب يسوع في الأناجيل ينطبق أيضاً على الأمثال الواردة فيها. وهنا قد تسأل إذاً لماذا خصصنا للأمثال فصلاً خاصاً بها في هذا الكتاب؟ وهل تستحق هذا؟ ربما تسأل أيضاً كيف يمكن لهذه القصص المباشرة القصيرة والبسيطة التي تكلم بها السيد المسيح أن تٌشكل أسئلة أو قضايا تهم القارئ أو الدارس المفسر؟

ونحن نقول: من الصعب عليك أن يفوتك الهدف الذي يرمى إليه مثل السامري الصالح أو الأبن الضال. فإنه مجرد قراءتك لهذه القصص ستلمس قلبك وتتعزى ومع ذلك، فضرورة تخصيص فصل مستقل للأمثال تعود إلى سبب مهم وهو أنها بالرغم من بساطتها وإثارتها، قد عانت كثيراً من خطأ التفسير وسوء استخدامه.

الأمثال في التاريخ

ربما يعود سبب هذا التاريخ الطويل من إساءة تفسير الأمثال إلى ما قاله الرب يسوع ذات مرة، وقد قام مرقس البشير في أصحاح 4: 10-12 بتسجيله لنا (نرى ما يوازيه في مت 13: 10-13، لو 8: 9-10). إذ عندما سُئِل المسيح عن أسباب ضربه للأمثال، بدا وكأنه يشير إلى أن تلك الأمثال قد احتوت في ذاتها على أسرار لأولئك الذين من الداخل، بينما قامت على تقسية قلوب مَنْ هم في الخارج. إذ أنه بعد أن ضرب مَثل الزارع، قام بتفسيره بطريقة شبه رمزية، لدرجة اعتبر معها هذا التفسير مؤيداً لنظرية تقسية القلوب وفاتحاً أبواباً لا حصر لها في التفسير الرمزي.

وهكذا، فقد ظهرت على سبيل المثال عدة تفسيرات رمزية لمَثل السامري الصالح من بينها هذا التفسير:

  • إنسان كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا = آدم
  • أورشليم = مدينة السلام السماوية التي سقط منها آدم
  • أريحا = القمر، الذي يشير إلى طبيعة آدم المائتة
  • اللصوص = إبليس وملائكته
  • عرّوه = أي أنهم جردوه من صفة عدم الموت
  • ضربوه = بإقناعه بارتكاب الخطية
  • تركوه بين حي وميت = أنه كان يعيش كإنسان، ولكنه مات روحياً، إذاً فهو نصف حى.
  • الكاهن واللاوي = كهنوت وخدمة العهد القديم
  • السامري = يٌقال إن هذه الكلمة تعنى الحارس لذلك فالمسيح نفسه هو المقصود
  • ضمد جراحاته = ربط قيود الخطية
  • الزيت = تعزية الرجاء الصالح
  • الخمر = الحث على العمل بروح متقدة
  • الدابة = الجسد الذي اتخذه المسيح
  • الفندق = الكنيسة
  • الغد = بعد القيامة
  • الدينارين = الوعد في هذه الحياة والوعد في الحياة الأتية
  • صاحب الفندق = بولس الرسول

مهما بلغت غرابة كل هذا التفسير، فما يمكننا أن نكون متأكدين منه هو أن السيد المسيح لم يقصد أبداً ان نصل إلى مثل هذه الاستنتاجات. لأن النص أولاً يٌصرِح وبكل وضوح أن المثل كان إجابة على سؤال يتعلق بالعلاقات الإنسانية والسؤال هو: من هو قريبى؟ وليس عن علاقة الله بالإنسان، ثم إنه لا يوجد أي مبرر يدعو للظن بأن المسيح كان يتنبأ عن الكنيسة وعن بولس بهذا الشكل الغامض!

كما أنه وفى واقع الأمر، يوجد شك كبير جداً فيما إذا كان القصد من معظم الأمثال البقاء ضمن دائرة داخلية )أى قاصرة على مَنْ هم من الداخل(. ففي مناسبات ثلاث على الأقل يقول لنا لوقا البشير إن الرب يسوع كان قد كَلّم الناس بأمثال )3:15، 9:18، 11:19(، هذا الأمر الذي يُشير بوضوح إلى وجوب فهمهم لهذه الأمثال. علاوة على ذلك، فإن الناموسي الذي ضرب له الرب يسوع مثل السامري الصالح )لو 10: 25-37(، كان قد فهم المثل، تماما كما كان الكهنة والفريسيون قبلاً قد فهموا مثل الكرامين الوارد في متى 45:21.

وهنا نقول نعم وإن صادفتنا بعض الصعوبات أحياناً أثناء دراستنا للأمثال إلا أن السبب في ذلك يعود لكونها تحتاج إلى بعض المفاتيح التفسيرية لحلها، لكنها وبكل بساطة لأنها أصلاً مرتبطة ببعض الأمور التي سبق وأن اقترحناها في الفصل السابق عن الأناجيل. إن واحداً من أهم مفاتيح فهم تلك الأمثال هو اكتشاف هوية المستمعين الأصليين لها كما قلنا وذكرنا سابقاً، وفى الحقيقة كثيراً ما وصلت تلك الأقوال إلى البشيرين دون أية قرينة.

إذاً إن لم تكن الأمثال أسرارا رمزية للكنيسة، فما الذي قصد وعناه الرب يسوع في قوله في إنجيل مرقس 4: 10-12 عن سر الملكوت وعن علاقته بالأمثال؟ ما يمكننا قوله هنا أنه على الأرجح يكمن حل هذا الغموض في تعدد معانى الكلمة الآرامية )مثال( كما هي في العربية والتي ترجمت إلى اليونانية كانت تستخدم للدلالة على أنواع كثيرة من الاستعارات سواء الألغاز أو الأحاجي أو الأمثال، إذ لم تكن تعنى المعنى الأضيق للكلمة والمتمثل في ضرب مَثَل.

ولعل العدد الحادي عشر من هذا المثل قصد أن يوضح معنى خدمة الرب يسوع )سر الملكوت( إذ لم تكن هذه الجملة لتفهم من قِبل الذين هم من الخارج. فقد كان المعنى بالنسبة لهم بمثابة لغز أو أحجية. ولهذا السبب بالذات كان استخدامه للأمثال جزءًا من اللغز الذي انطوت عليه خدمته بجملتها بالنسبة لهم. لقد أبصروا، ولكنهم لم يروا، وقد سمعوا – وربما فهموا – الأمثال، ولكنهم أخفقوا في تقدير الدافع الحقيقي لخدمة الرب يسوع.

ونتيجة لما سبق، علينا من أجل نجاح عملية التفسير الاستنتاجي للأمثال أن نبدأ بالافتراضات التي اقترحنا تبنيها في كل النصوص الأخرى السالفة الذكر.

نعم فالرب يسوع لم يشأ ان يكون غامضاً، بل كان كل قصده أن يُفهم تماماً. إن مهمتنا الأولى إذاً هي محاولة سماع ما قد سمعوه هم أولاً. (السامعون الأصليون للمثل(. ونحن نحتاج من اجل القيام بهذا الأمر على نحو سليم البدء في معالجة السؤال التالى: ما هو المثل؟

 

طبيعة الأمثال

اختلاف أنواع الأمثال

عزيزي الدارس: أول ما يجب أن تلاحظه أثناء دراستك للأمثال هو أن الأقوال التي تم تصنيفها تحت بند الأمثال ليست كلها من نفس النوع، فهناك فرق جوهري، على سبيل المثال، بين مثل السامري الصالح (وهو مثل حقيقي)، من جهة، ومثل الخميرة في العجين )وهذا مثل تشبيهي(، من جهة أخرى كذلك أيضاً يختلف هذان المثلان السابقان عن قول المسيح ” أنتم ملح الأرض” )وهذا تعبير مجازى(، أو ” هل يجتنون من الشوك عنباً، أو من الحسك تيناً؟ ” (وهي عبارة ساخرة).

وعلى الرغم من ذلك، فستقابل عزيزي الدارس كل هذه الأنواع الأدبية من حين إلى آخر أثناء دراستك للأمثال.

إن مَثل السامري الصالح نموذج للمثل الحقيقي، فهو قصة واضحة وبسيطة لها بداية ولها نهاية وفيها نوع من الحبكة، هناك أيضاً أمثلة أخرى وكثيرة على هذا النوع من الأمثال كمثل الخروف الضال أو الابن الضال، ومثل العشاء العظيم، والفعلة في الكرم، أيضا مثل الغنى ولعازر، والعذارى العشر.

أما مثل الخميرة التي في العجين، فيميل إلى الأسلوب التشبيهي. فما قيل عن الخميرة، أو عن الزارع، أو عن حبة الخردل، ينطبق فعلياً على الخميرة وعلى الزراعة وعلى حبوب الخردل. والأمثال التي من هذا النوع هي أقرب إلى أن تكون إيضاحات مأخوذة من الحياة اليومية والتى استخدمها السيد المسيح لإيضاح غايته.

إن أقوالاً مثل أنتم ملح الأرض، عادة ما تختلف عن هذين المثلين. نعم ربما تدعى في بعض الأحيان بالأقوال الرمزية، إلا أنها في الحقيقة ليست سوى أقوال مجازية أو تشبيهات. أيضاً قد تبدو هذه الأقوال وكأنها تعمل بطريقة مماثلة للأمثال التشبيهية، إلا أن القصد منها أو السبب في ضربها، عادة ما يكون مختلفاً وبشكل ملحوظ.

من الجدير بالملاحظة هنا أنه وفى بعض الحالات، خاصة مَثَل كمَثَل الكرامين )مر 12: 1-11، مت 21: 33-44، لو 20: 9-18(، علينا الانتباه إلى أن هذا المثل قد يشبه وإلى حد كبير القصة الرمزية، حيث يكون القصد من سرد تفاصيل كثيرة للمثل هو إظهار أمر آخر لإثارتنا. (شاهدنا سالفاً كما في مثل السامري الصالح (، غير أن الأمثال بحد ذاتها ليست قصصاً رمزية حتى وإن كانت في بعض الأحيان قد تبدو لنا ذات معالم رمزية. وسبب ذلك يتعلق بالوظائف أو الأدوار المختلفة التي تقوم بها عادة تلك الأمثال.

ولأن الأمثال ليست كلها من نوع واحد، لذا لا يستطيع الدارس منا بالضرورة أن يضع قواعد يمكن أن تغطيها جميعها، وما سنقوله الآن هنا قد ينطبق فعلاً على “الأمثال” لكن بالمعنى الضيق للكلمة وفي نفس الوقت سيشمل الكثير مما سنقوله أنواعاً أخرى من الأدب أيضاً.

كيف تؤدي الأمثال وظيفتها؟

إن أفضل دليل يمكن أن يبين لنا ماهية الأمثال عادة ما نجده في عملها أو وظيفتها. وبالتباين مع معظم الأقوال التي ترد في صيغة الأمثال، كثل التين من الشوك، فإن الأمثال التي ترد في صيغة قصص لا تهدف لأن توضح بكلمات تصويرية تعاليم الرب يسوع النثرية، ولم تُعطَ من أجل أن تكون وسيلة لإظهار الحق –

مع أنها في نهاية الأمر قد فعلت هذا وبكل وضوح،

 لقد جاءت الأمثال القصصية كدعوة لتوليد نوع من

 الاستجابة عند السامع. فهو من خلالها يخاطب سامعيه ليستحوذ على اهتمامهم أو ليوقظهم لحقيقة الضعف الموجود في أفعالهم، أو ليحث فيهم استجابة ما تجاه المسيح وخدمته.

 في الحقيقة إن الطبيعة التي يتمتع بها المثل هي التي سببت لنا صعوبة كبيرة في تفسير الأمثال، فهى طبيعة داعية تنتظر الاستجابة من الآخرين. وهنا نرى أنه في كثير من الأحيان يصبح تفسيرنا للمثل هدماً لما كان عليه المثل في الأصل. إنه يشبه تماماً القيام بتفسير أو شرح نكتة. إذ إن كل القصد من النكتة عادة، هو ان يستجيب أو أن يتفاعل السامع معها استجابة فورية، وهذا ما يجعلها مضحكة. والنكتة مضحكة للسامع، لأنه وبكل بساطة يلتقط معناها كما هي.

إلا أن سامعها عادة لا يمكنه التقاطها إلا إذا فهم دلالاتها على الفور. فإن كان من الواجب عليك أن تشرح النكتة وتوضح دلالتها فستفقد هدفها ولن تعود قادرة على الاستحواذ على السامع، وبالتالي ستفشل في إحداث نوعية الضحك نفسها. نعم يمكن فهم النكتة فهماً كاملاً، إن قام أحد بتفسيرها، وقد تبقى مضحكة )لإن سامعها على الأقل فاهم لما كان منتظراً منه أن يضحك عليه(، لكنها ستعجز كما أسلفنا ، في أن تحدث نفس التأثير ذاته. وهكذا، فهي لن تعود لتعمل بالطريقة نفسها.

وهذا هو الحال مع الأمثال التي رواها الرب يسوع، والتي يمكننا الافتراض فيها بأن معظم السامعين قد تعرفوا فورًا على دلالاتها التي جعلتهم يدركون الهدف الجوهري لها والتي جعلت الأمثال تستحوذ على انتباههم. أما بالنسبة لنا، فالأمر مختلف. فالأمثال لم تُلق على مسامعنا، ولكنها وصلتنا مكتوبة. نعم قد نستطيع أو قد لا نتمكن من أن نفطن مباشرة للدلالات، إلا أنه لا يمكن لتلك الأمثال أن تعمل فينا بنفس الأسلوب الذي عملته في السامعين الأصليين.

لكن تفسيرنا وشرحنا لها يمكّننا من فهم ما قد أدركوه “هم” أو ما كان يمكننا أن ندركه لو كنا هناك معهم. وهذا هو بالضبط ما يتوجب علينا عمله في عملية التفسير الاستنتاجي. أما مهمة التفسير الحياتي فستأتي لاحقاً، إذ من خلالها سنعرف كيفية فهم واستيعاب فاعلية تلك الأمثال في أيامنا الحاضرة، وفى ظروفنا المعاصرة.

 

التفسير الاستنتاجي للأمثال

ايجاد الدلالات

دعونا الآن نعود إلى التشبيه الذي أوردناه عن النكتة، إن الأمرين اللذين يمكن أن يستحوذا على سامع النكتة وأن يثيرا فيه استجابة الضحك هما نفس الأمر ان اللذان استحوذا على سأمعى أمثال الرب يسوع. هذان الأمران هما: أولاً: معرفة السامعين أصلاً لدلالات القصة. ثانياً: التحول غير المتوقع في القصة. إن مفاتيح فهم القصة عادة ما تكون دلالاتها، وهي تلك الأجزاء المختلفة للقصة والتى يدركها السامع ما إن يسمعها.

فإن فات سامع النكتة فهم هذه الدلالات فيها انتفى عنده الإحساس بالتحول المفاجئ، ذلك لأن الدلالات عادة هي التي تخلق التوقعات العادية. فإن أغفل الشخص سامع المثل هذه الدلالات فيه فستفوته القوة والقصد أيضا مما قد قاله الرب يسوع.

إن أفضل إيضاح يمكننا تقديمه عن “الدلالات” هو مَثل ضربه الرب يسوع ودونه لنا لوقا البشير في قرينته الأصلية كاملاً (لو 7: 40-42). والقرينة الأصلية لهذا المثل تقول: إن الرب يسوع كان قد دُعي إلى عشاء عند واحد من الفريسيين اسمه سمعان. وهنا علينا ملاحظة أن هذه الدعوة لا تتميز بكونها جاءت إكراماً لأحد معلمي اليهود المشهورين. ومع ذلك فلعل إخفاق سمعان الفريسي في إظهار حسن الضيافة المعتاد والتي تميزت به تلك الحقبة من الزمن وفى البيئة الشرق أوسطية كان يعتبر نوعاً من الإهانة المتعمدة.

وفى تلك القصة سنرى أن أحد زواني البلدة سارعت بشق طريقها بين الضيوف إلى حيث كان الرب يسوع جالساً، ثم قامت بغسل قدميه بدموعها ومسحتهما بشعرها، وهذا ما جعلها تبدو حمقاء في عيون المدعوين، وعزز ذلك الفعل شكوك الفريسيين. فحسب رأى الفريسيين كيف يمكن أن يكون الرب يسوع نبياً ولم يقُم بإدانة فعلها المهين أمام الحاضرين؟

أما الرب يسوع العالم بأفكارهم، فقد قام بقص قصة بسيطة على مضيفيه. “كان لدائن مديونان، على الواحد خمسمئة دينار وعلى الآخر خمسون. وإذ لم يكن لهما ما يوفيان، سامح كليهما”. طبعاً كان هدف المسيح الجوهري من هذا المثل. هو أن يجيب الرجل عن سؤال فقُل أيهما يكون أكثر حباً له؟

ولم تكن هذه القصة بحاجة إلى تفسير، إلا أن الرب يسوع استمر في إيصال الهدف الذي أراده إلى أذهان سامعيه. لقد كان مَثله هذا يتضمن ثلاث دلالات رئيسية واضحة: المداين، والمديونين. فالله يشبه المداين، أما المديونان فهما سمعان والمرأة الزانية. والمثل هو بمثابة كلمة إدانة تتطلب استجابة من سمعان. كان من المستحيل أن يغفل سمعان الهدف، وربما احمرت وجنتاه خجلاً لدى انتهاء يسوع من سرد القصة. وهذا التأثير بالذات هو قوة المثل.

وهنا علينا الانتباه إلى أن المرأة أيضاً قد سمعت المثل ولا بد أنها رأت نفسها في أحد عناصر القصة. إلا أن ما سمعته المرأة لم يكن إدانة لها بل قبولاً من المسيح وبالتالي من الله.

ملاحظة هامة جداً: هذه القصة ليست رمزاً، بل مثلاً. فالقصة الرمزية الحقيقية هي تلك التي يُعطى كل عناصر فيها معنى غريباً تماماً عن القصة نفسها. فالرمز قد يعطى الدنانير الخمسمائة معنى معيناً، بينما يعطى الخمسين معنى آخر. كما أن الرمز قد يعطى معنى لأى تفصيل آخر قد تتضمنه القصة. علاوة على ذلك، هناك أمر آخر يتسم بأهمية خاصة، وهو أن الهدف من هذا المثل لا يكون في العادة موجودًا في دلالاته، كما هو الحال مع القصة الرمزية الفعلية.

بل إن الدلالات فيه لا تتعدى كونها أجزاء القصة التي تشد انتباه السامعين وتنطبق عليهم بطريقة أو بأخرى أثناء إصغائهم ومتابعتهم لها. أما الهدف أو الغاية من القصة، فيمكننا إيجاده في رد الفعل المطلوب. والهدف من هذا المثل هو كلمة إدانة لسمعان وأصدقائه، أو كلمة قبول ومغفرة للمرأة.

معرفة مستمعي الأمثال

سبق وأشرنا في الإيضاح السابق لأهمية معرفة منْ هم سامعو هذا المثل وكيفية تلقيهم للقصة لأن معرفتنا هذه تلعب دورًا في معنى المثل. وبطبيعة الحال، لقد تم ذكر المستمعين في سياق الكثير من الأمثال. وفى حالات كهذه، تكون مهمتك في التفسير ماهى إلا عبارة عن مزج لأمور ثلاثة:

  • أن تجلس وتستمع للمثل مرة تلو الأخرى.
  • أن تتعرف على الدلالات التي قصدها الرب يسوع، وأمكن إدراكها من قِبل المستمعين الأصليين.
  • أن تحاول تحديد كيفية رؤية المستمعين لشخصياتهم من خلال شخصيات القصة وبالتالى لكيفية تلقيهم الهدف الجوهرى.

والآن دعونا نحاول تطبيق هذا الأمر على مثلين مشهورين: مثل السامري الصالح (لو 10: 25-37)، ومثل الابن الضال (لو 15: 11-32). لقد ضرب الرب يسوع مثل السامري الصالح لرجل خبير في الناموس. ومن أجل تبرير نفسه، قال البشير لوقا، بأن هذا الرجل سأل المسيح قائلاً: “ومَنْ هو قريبي؟” ستجد لدى قراءتك للمثل مرة بعد مرة أن الرب يسوع يجيب على السؤال بالشكل الذي طرح به.

لكن بأسلوب مُعَبِر جدًا ساهم في كشف طبيعة ذلك الناموسي المعتد بنفسه وببره الذاتي. فهو كان يعلم تماماً ما يقوله الناموس في محبة الواحد لقريبه كنفسه، ولكنه كان ينوى تفسير معنى كلمة قريب بطريقة تظهر منها تقواه وطاعته للناموس.

وهذه القصة لها فقط دلالتان وهي: الرجل الجريح، والسامري الصالح، مع أن التفاصيل الأخرى في المثل ساعدت على إيضاح أثر القصة. وهنا بالتحديد يجب أن يراعى أمرين:

  • الرجلان اللذان جازا مقابل الرجل الجريح كانا من الطائفة الكهنوتية، ذلك النظام الديني الذي يقف وعلى نفس مستوى معلمي اليهود والفريسيين الذين يعدوا خبراء في الناموس.
  • في نظر الفريسيين كان التصدق على الفقراء ذا أهمية كبيرة، حيث أنه الطريقة الوحيدة التي كانوا يُعبِّرون بها عن محبتهم لأقربائهم كأنفسهم.

لاحظ كيف وقع الفريسي في شراك هذا المثل. كانت حادثة وقوع رجل بين أيدي لصوص على الطريق بين أورشليم وأريحا أمرًا كثير الحدوث. وفى هذا المثل نجد فئتين كهنوتيتين تمران بذلك الطريق وتجتازان مقابل الرجل الجريح. لقد روى الرب يسوع القصة من وجهة نظر الرجل الضحية، ولعل الناموسي قد شعر بسموه. ومن الممكن أن يكون قد دار في خاطره ما يلي: “وهل يمكن أن نتوقع أمرًا آخر من الكهنة؟ على كل حال لابد أن يكون الشخص النازل التالي فريسياً.

وسيظهر محبته للقريب بمساعدة هذا الرجل المسكين”. ولكن، على عكس هذا التوقع، فلم يكن الشخص التالي إلا سامرياً! وهنا عليك أن تتخيل أيها القارئ العزيز مدى ازدراء الفريسيين للسامريين. وإن أردت أن تسمع وأن تدرك ما سمعه الناموسي، لاحظ جوابه الذي جاء ردًا على سؤال الرب يسوع في نهاية القصة، فهو لم يسمح لنفسه حتى أن يتلفظ بكلمة السامري.

هل أدركت ماذا صنع الرب يسوع بهذا الرجل؟ إن الوصية العظمى الثانية هي أن تحب قريبك كنفسك، وقد كان لذلك الناموسي طُرق حسنة كثيرة مكنته من أن يحب قريبه لكن ضمن حدود معينة. أما ما فعله الرب يسوع فقد كشف الكبرياء والحقد في قلب هذا الفريسي، وبالتالي تقصيره الحقيقي والواضح في طاعة تلك الوصية. إذ لم يعد ممكناً لكلمة “قريب” أن تُحَدِّد بمعان محصورة. وقد ظهرت قلة محبة الفريسي في كراهيته للسامريين (وأيضًا في احتقاره للكهنة) وليس في عدم مد يد المساعدة للرجل الجريح.

وهذا أيضًا هو الأمر الحاصل مع مَثل الابن الضال. أما القرينة فقد كانت تذمر الفريسيين من جلوس الرب يسوع والأكل مع الفئة المرفوضة من الناس. إن الأمثال الثلاثة التي حكت عن الأشياء المفقودة في لوقا 15، جاءت بمثابة تبرير الرب يسوع لأعماله. ففي مثل الابن الضال، كانت هناك دلالات ثلاث واضحة: الأب، والابنان.

وهنا أيضًا، نجد بأن ما يحكم كيفية سماع الشخص لهذا المثل هو موقعه في المثل. ولكن في كلتا الحالتين يبقى الهدف هو: أن الله لا يغفر للضالين مجاناً فقط، بل ويقبلهم أيضًا بفرح عظيم. فالذين يعتبرون أنفسهم أبرارًا يظهرون بعكس ذلك عندما لا يشتركون في فرحة الأب بالابن الضال.

بطبيعة الحال، لقد استطاع شركاء المسيح على مائدة الطعام هنا وفى هذا المثل أن يروا أنفسهم من خلال الابن الضال، تمامًا كما ينبغى أن نفعل نحن أيضًا جميعًا. إلا أن قوة المثل التي نريدها لا نجدها إلا في موقف الابن الآخر، الذي كان دائما مع الأب، ومع ذلك فقد عزل نفسه خارجًا. فقد أخفق في مشاركة الأب محبة قلبه للابن الضال.

وهنا وكما في كل هذه الحالات، أو غيرها، ستنشأ صعوبات في الفهم وصعوبات في الاستنتاج، وسنوجهها في أغلب الأحوال. وصعوبة الفهم هذه عادة ما تسببها الفجوة البيئية التي تفصل بيننا وبين مستمعي الأمثال الأصليين، مما يجعلنا نغفل بعض أدق النقاط التي تتركب منها القصة كلها.

وهنا قد تحتاج في هذه المرحلة – صديقنا الدارس – إلى مساعدة خارجية، لكن عليك ألا تهمل هذه الأمور، لأن معرفة العادات الاجتماعية والتقاليد التي كانت سائدة آنذاك وأضفت الواقعية على القصص الأصلية أمر مهم جدًا.

الأمثال التي ليست لها قرينة

لكن ما الذي يمكن أن نفعله مع تلك الأمثال الموجودة في الأناجيل دون ذكر لقرينتها التاريخية الأصلية؟ لقد سبق وأوضحنا هذا الأمر في الفصل السابق من خلال مثل الفعلة في الكرم (مت 20: 1-16)، لذلك سنقوم الآن بمراجعة موجزة فقط. نكرر ونقول بأن القضية هي قضية تحديد المستمعين الأصليين وتحديد دلالات المثل. ولعل المفتاح الذي يقود للحل يكمن في تكرار قراءة المثل إلى أن تبرز دلالاته الرئيسية بوضوح. ويساعد هذا الأمر عادة على إعطاء الدارس دليلاً مباشرًا لمسألة المستمعين الأصليين.

وعليه، ففي مَثل الفعلة في الكرم، نجد ثلاث دلالات رئيسية: صاحب الكرم، والفعلة الذين عملوا طوال اليوم، والفعلة الذين عملوا لمدة ساعة فقط. إن تحديد هذا الأمر سهل، وذلك لأن المذكورين هم الوحيدون الذين دارت حبكة القصة حولهم.

وهنا يسهل أيضًا تحديد السامعين الأصليين. فمَنْ ذا الذي كان سيرى نفسه في شباك قصة كهذه؟ من الواضح تمامًا أنهم أولئك السامعون الذين يتمثلون في فعلة الكرم الذين عملوا طوال اليوم، خاصة وأن خاتمة المثل تركز عليهم وحدهم.

هكذا كان الأمر أيضا في مثل الابن الضال. فالله منعم، أما البار فعليه ألا يحسد المستفيدين من كرم الله. والذي حدث في القرينة الراهنة التي أوردها البشير متى هو أن القصد ذاته قد تم توجيهه إلى مستمعين جدد. ففي قرينة التلمذة، عَدّ هذا المثل تأكيدًا على كرم الله، بالرغم من اعتراضات الآخرين أو حقدهم.

وهنا يمكننا رؤية نفس هذا الأمر وقد حدث في مَثل الخروف الضال (مت 18: 12-14). ففي إنجيل لوقا، عمل هذا المثل إلى جانب مثل الدرهم المفقود ومثل الابن الضال كرسالة موجهة إلى الفريسيين. كان واضحًا أن الخروف الضال هو الخاطئ الذي يؤدي إيجاده إلى فرح في السماء. مرة أخرى، وكرسالة للفريسيين، كان يبرر الرب يسوع بهذا المثل قبوله للمنبوذين، أما للمنبوذين أنفسهم، فقد كان يؤكد لهم بأنهم غاية الراعي المحب من بحثه.

نجد هذا المثل أيضًا في إنجيل متى لكن كجزء من مجموعة أقوال تدور حول العلاقات في إطار الملكوت. ونجد القصة نفسها في هذه القرينة الجديدة، اهتمام الله بالضالين. ولكن الضالين هنا كانوا تلك الخراف التي ضلت عن القطيع. في إنجيل متى، كان الرب يسوع يتحدث من خلال المثل عما ينبغي فعله لأولئك الأصاغر ذوي الإيمان الضعيف والميالين إلى الضلال. وفى الأعداد من 6-9 في إنجيل متى نرى يسوع وهو يخاطب جماعته ويحذرهم من خطورة التسبب في ضلال أحد أولئك الأصاغر.

أما في الأعداد 10-14، فهو يحكى لهم مَثل الخروف الضال بضرورة الانطلاق للبحث عن ذلك الضال وإعادته إلى الحظيرة ومعاملته بمحبة. وهنا نرى أن المثل والهدف بقي نفس الهدف لكن المستمعين كانوا من نوع جديد تمامًا.

أمثال الملكوت

قمنا حتى الأن بأخذ إيضاحاتنا من الأمثال التي تُظهر الخلاف ما بين الرب يسوع والفريسيين. إلا أنه يوجد مجموعة أكبر من الأمثال – وهي أمثال الملكوت – يجدر بنا التحدث عنها. صحيح أن كل الأمثال التي سبق ومررنا بها عن الملكوت أيضًا إذ إنها تُعبِّر عن بزوغ فجر زمن الخلاص بمجيء الرب يسوع. إلا أن الأمثال التي نحن بصددها الآن هي وبالتحديد تلك التي تبدأ بعبارة “يشبه ملكوت الله…”.

أولاً:    علينا أن ننتبه إلى أن عبارة يشبه ملكوت الله تمهيدية لا ينبغي أن تفسر بالارتباط مع العنصر الأول الوارد في المثل. أي أن ملكوت الله لا يشبه حبه خردل أو تاجرًا أو كنزًا مدفونًا في حقل. فالمعنى المقصود من هذه العبارة التمهيدية هو: “هكذا يكون الحال أو الأمر في ملكوت الله…”. وعلى هذا الأساس فإن المَثل كله بجملته يقول لنا شيئا عن طبيعة الملكوت، وليس فقط بعضًا منه أو أحد دلالاته أو عناصره أو تفاصيله.

ثانيًا:    نجد إغراء في التعامل مع هذه الأمثال بطريقة مختلفة عن تعاملنا مع الأمثال التي سبق وبحثنا فيها، وكأنها في الحقيقة وسائل تعليم بدلاً من أن تكون قصصًا تتطلب استجابة أو رد فعل. ولكن هذا لا يعنى أن نسيء استخدام الأمثال. فمن المسلم به تمامًا أن الموضوعات الموحى بها من الله في كل من إنجيل مرقس 4 وإنجيل متى 13 وفي ترتيبها الحالي قد أُعطيت بقصد تعليمنا عن الملكوت، إلا أن هذه الأمثال كانت في الأصل جزءًا من المناداة الفعلية للرب يسوع بالملكوت الذي بزغ فجره بمجيئه شخصيا.

إن هذه الأمثال نفسها هي وسائل نقل للرسالة التي تتطلب الاستجابة لدعوة الرب يسوع للتلمذة.

خذ على سبيل المثال، مَثل الزراع الذي فسره الرب يسوع (مر 4: 3-20، مت 13: 3-22، لو 8: 5-15)، والذي اعتبره إنجيل مرقس المفتاح لفهم بقية الأمثال.

لقد فسر الرب يسوع دلالات المثل، فأنواع التربة الأربعة تشبه أربعة أنواع من الاستجابة للمناداة بملكوت الله. أما الهدف الجوهري الذي رمى إليه المثل فهو الإلحاح العاجل للوقت (مر 4: 3-20). لذلك نلاحظ أن معظم هذه الأمثال قد وُجهت إلى الجموع بصفتهم يمكن أن يصيروا تلاميذ.

وبما أن هذه الأمثال هي في حقيقتها أمثال الملكوت، نراها الآن وهي تنادي بالملكوت باعتباره “جاء بالفعل – ولم يأت بعد أيضًا”. لقد كان تشديدها يتركز على “ما جاء بالفعل”. فقد أتى ملكوت الله وساعة الله قد حانت، لذلك تتسم اللحظة الحالية بالإلحاح الشديد. ويتميز هذا الإلحاح في كرازة المسيح بأمرين:

إن الدينونة وشيكة والكارثة على الأبواب.

لكن هناك خبرًا سارًا فالخلاص متوفر للجميع. وهنا دعونا نتأمل في مثلين آخرين سيوضحان هذين الجانبين:

  • في لوقا 12: 16-20 تم وضع مَثل الغنى الغبي ضمن قرينة من المواقف تتعلق بالممتلكات، وكان ذلك في ضوء حضور الملكوت. إنه مَثل يسهل فهمه، وبه رجل ثرى ظن أنه بسبب اجتهاده قد أمن على حياته بأنه يستطيع الآن أن يستريح مطمئنًا. ولكن كما قال الرب يسوع في مواضع أخرى: “فإن مَنْ أراد يُخلِّص نفسه (أي يضمنها) يُهلكها” (مر 35:8 وما يوازيها). وهكذا. وبحسب منطق الكتاب المقدس، فإن هذا الرجل أحمق، لأنه حاول أن يعيش حياته دون أن يضع الله في الحسبان، وهناك كارثة مفاجئة توشك أن تحل به.

لم يكن الهدف من هذا المثل هو الحديث عن المجيء المفاجئ للموت، لكن الحديث عن الطبيعة المُلحة والعاجلة للوقت. فالملكوت على الأبواب، ومن الحماقة أن يعيش الشخص حياته من أجل ممتلكاته لكي يؤمِّن نفسه، خاصة عندما تكون النهاية على الأبواب.

لاحظ كيف عززت القرينة هذا الأمر، فقهيا رجل يريد من أخيه أن يقاسمه الميراث، إلا أن الرب يسوع رفض التدخل في التحكيم في قضيتهما وأخبرهم بهذا المثل الذي كان الهدف منه الايضاح بأن الرغبة في اقتناء الممتلكات لا تتناسب وإلحاح الساعة.

  • إن الساعة المُلحة التي تتطلب عملاً وتوبة هي أيضا ساعة الخلاص. وعليه، فإن حضور ملكوت الله هو في نفس الوقت خبر سار. ففي المثلين التوأمين بمتى 13: 44-46 (الكنز في الحقل واللؤلؤة الغالية الثمن) نجد التشديد مُنصباً على فرحة الاكتشاف. فالملكوت قد أدرك الأول، بينما سعى الآخر نحو الملكوت.
  • وبفرح قام كل منهما ببيع كل ما لديه من أجل الكنز واللؤلؤة. والملكوت ليس هو الكنز ولا اللؤلؤة، لكن الملكوت هو هبة الله. أما اكتشاف الملكوت ففرح لا ينطق به، وستلاحظ أيضاً كيف أن الدافع ذاته ظهر في الأمثال الثلاثة للأشياء المفقودة (لوقا 15).

إذن، هذه هي الطريقة التي نحتاج بها أن نتعلم قراءة الأمثال ودراستها. وهنا لا يفترض منا أبدا أن نحول الأمثال إلى رموز، بل علينا الاستماع لها وكأنها نداءات تتطلب استجابة للرب يسوع وخدمته.

 

التفسير الحياتي للأمثال

إن مهمة التفسير الحياتي التي تطرحها الأمثال فريدة من نوعها. ولهذه المهمة علاقة بحقيقة مفادها أنه عندما قيلت الأمثال في الأصل كادت ألا تحتاج إلى تفسير. فقد كان لها بداهتها الفورية في آذان السامعين بحيث كام جزء من تأثيرها في الكثيرين سببه قدرتهم على إدراك ما تهدف إليه. ومع ذلك. فقد جاءتنا هذه الأمثال مكتوبة، وبالتالي احتاجت إلى تفسير، نتيجة لافتقارنا لفهم دلالات الأمثال بالشكل الفوري الذي امتاز به السامعون الأصليون. ما علينا فعله إذاً.

نقترح أمرين:

كالعادة نحن نهتم أساساً بالأمثال في قرائنها الكتابية الحالية، لأنها قد وُجدت لنا في هذه القرائن ومن خلال التفسير الاستنتاجي الذي وضعناه لها سابقاً يمكننا اكتشاف معناها وغايتها بدرجة عالية من الدقة. وما نحتاج لإليه إذاً هو ما عمله متى (18: 10-14، 20: 1-16) هو ترجمة نفس الهدف الجوهري أو الغاية إلى ما يناظرها في قرينتنا المعاصرة.

وهنا نقول إنه من الجائز أن تحاول مع الأمثال القصصية بالذات رواية القصة بإعطائها دلالات معاصرة بحيث يستطيع السامعون المعاصرون الإحساس بالغضب أو بالبهجة التي اختبرها السامعون الأصليون. إن الصياغة التالية هي إعادة لمثل السامري الصالح لكننا نتخيل فيها هذا المثل وقد حدث في مجتمع معاصر وحديث في الغرب.

فى صباح يوم من أيام الأحد، وقفت عائلة فقيرة وبائسة ومستميتة على جانب أحد الطرق الرئيسية. فالكآبة كانت بادية على وجوههم والبؤس يوشح من ملامحهم. في هذا المشهد الحزين ترى الأم وهي جالسة على حقيبة ثياب بالية وقد تشعث شعرها واتسخت ثيابها، تنظر نظرة حزينة وهي تحمل بين ذراعيها طفلاً تفوح منه رائحة كريهة وهو يبكي بلا توقف. أما الأب ذو الذقن المسترسلة فكان يرتدى ملابس العمال ونظرات العبوس تنطلق من عينيه وهو يراقب ولديه الآخرين.

كانت هناك سيارة صغيرة وقديمة جدا بجانب العائلة، وقد تعطل محركها والناظر إلى السيارة يرثي لما عمله الزمن، إذا كانت حالتها كمَنْ أسلم الروح. لم تمض فترة طويلة حتى أتت من بعيد سيارة فاخرة كان الراعي هو مَنْ يقودها في طريقه إلى الكنيسة. وطبعاً ما إن رأى ربُّ الأسرة المسكينة السيارة تقترب منه حتى قفز من مكانه ملوحاً بيديه كمَنْ لدغته أفعى – لكن الراعي اجتاز العائلة مفتعلاً عدم رؤيتها، لأنه على ما يبدو، لم يكن راغباً في أن يطيل انتظار أفراد رعيته المحبوبة.

وبينما كانت سيارة الراعي تعانق الأفق البعيد، لاحت في الأفق القريب سيارة أخرى فتصدى لها الأب بسخط وغضب، لكن صاحب السيارة إذا كان رئيسا لإحدى الجمعيات الخيرية في تلك المنطقة، لم يشأ أن يتأخر عن موعد الكنيسة وهذا أيضاً تظاهر بعدم رؤيته للعائلة المنكوبة، مثبتا عينيه على الطريق، حتى اجتازهم مسرعاً.

أما السيارة الثالثة، فكان يقودها شخص معروف في المدينة بإلحاده وهو لم يدخل الكنيسة في حياته قط، لكنه لدى مروره بهذه العائلة التعيسة، أوقف سيارته على جانب الطريق ودعاهم للركوب معه. وبعد استفساره عن حاجتهم، أخذهم إلى إحدى الشقق السكنية المعروضة للإيجار وقام بدفع ما يوازى إيجار أسبوع وتغطية مصاريف الأسرة المشتملة على طعامهم وشرابهم أملاً في أن يجد الأب المسكين عملاً يرتزق به. ليس هذا فقط، بل قام أيضا بإعطاء الأب ما يكفي للانتقال للبحث عن عمل، وأعطى الأم بعض المال لتأمين بعض احتياجات أطفالها.

هذا هو ما جرب فعله أحد المؤلفين مرة. أما الذين سمعوه فتجاوبوا برد فعل غاضب ومستنكر إذ كانوا يفهمون “المثل” للمرة الأولى. ألعلك لاحظت مدى انطباق هذه القصة على قرينة المثل الأصلية؟ لقد كان المستمعون في هذه القصة يفكرون بالراعي وبرئيس الجمعية الخيرية، قائلين: (بالطبع هذا متوقع منهم) وكانوا يتوقعون أن يكون الشخص الذي يليهما من كنيستهم. وعلى كل حال، فنحن تعودنا في جيلنا أن نتحدث عن السامري الصالح وكأن السامريين كانوا أكثر الناس احترامًا.

ولكن بالنسبة للناس الصالحين الذين اعتادوا ارتياد الكنائس، فلا يوجد أمر أكثر إساءة لمشاعرهم من أن تمتدح أمامهم أعمال شخص مُلحد. وكان هذا هو بالضبط حال الناموسي في قرينة المثل الأصلية.

قد يكون هذا الأمر قاسياً على البعض، لكننا نصر بأنك أن تحاول عمل شيء من هذا القبيل فعليك القيام بالتفسير الاستنتاجي أولاً وبكل حذر، لأن تجربتنا علَّمتنا أننا وللأسف نبالغ في مدح أنفسنا، مما يجعلنا عازفين عن سماع أي إعادة أو صياغة جديدة لأمثال الرب يسوع، إذ قد تتناول قصورنا في أن نغفر لبعضنا (مت 18: 23-35)، أو غضبنا على النعمة عندما نريد أن يكون الله عادلاً (مت 20: 1-16)، أو كبرياءنا بسبب معرفتنا لمراكزنا في المسيح مقارنة مع الأشرار (لو 18: 9-14).

أذكر مرة كيف أننا لم ندر هل نضحك أم نبكى بعد سماعنا لمدرس في مدرسة الأحد كان قد أمضى ساعة في شرح رائع لهذا المثل (لو 18) تناول فيه تجاوزات الفريسيين. وبعد أن انتهى من شرحه، اختتم الدرس بصلاة ملؤها الصدق قائلاً فيها: نشكرك يارب لأننا لسنا مثل مدرس مدارس الأحد ذلك.

إن اقتراحنا الآخر للتفسير الحياتي متعلق بحقيقة أن كل أمثال المسيح هي من جهة خاصة وسائل للمناداة بالملكوت، لذلك نرى أنه لزامًا عليك الخوض في معنى الملكوت في خدمة السيد المسيح، وذلك بالرجوع إلى الدراسات الجيدة عن هذا الموضوع.

إن الرسالة العاجلة عن الملكوت باعتباره حاضرًا وموشكًا على الاكتمال لا تزال مطلوبة في يومنا الحاضر. فأولئك الذين يحاولون تأمين حياتهم باقتناء الممتلكات يحتاجون وبشكل مُلح إلى سماع كلمة الله عن الدينونة الوشيكة، وبالتالي يحتاج الضالون إلى سماع الأنباء السارة.

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 8 – الأمثال وكيفية فهمها والهدف منها

أمثال الرب يسوع المسيح و دليل الوهيته

أمثال الرب يسوع المسيح و دليل الوهيته

أمثال الرب يسوع المسيح و دليل الوهيته 

أمثال الرب يسوع المسيح و دليل الوهيته

 

أمثال الرب يسوع المسيح و دليل الوهيته

 

يظهر لاهوت الابن من خلال سرده لامثاله المدونة كتابياً. يذكر لنا كتاب “The Apologetics of Jesus” للدكتور نورمان جليسر (Norman L. Geisler) وباتريك زكرن (Patrick Zukeran). وهم يكتبون عن اطروحة الدكتوراه التي قدمها دكتور Philip Payne في جامعة كامبريدج حول هذا الموضوع فقال الدكتور فليب:

“في ظاهر الاثنان والخمسين مثلاً التي تم سردها .هناك عشرين مثلاً يضعون يسوع بنفس الصور النموزجية التي كان يتصف بها الله عادتاً في العهد القديم .فنجد ان يسوع يصور نفسه بشكل منتظم بهذه الصور كانت ملائمة بشكل كبير لوصف الله ”[1]

وبناءاً علي اطروحة دكتور فليب علّق كُلاً من جليسر وباترك قائلين: “

“بناءاً علي تصور يسوع لنفسه في اشارات تبين من هو.. مثل لاهوت الابن . واخبار هذه الحقيقة لمستمعيه. في امثال يسوع ايضاً كشف لكونه هو الله.ودافع عن هذا الامر .وكانت خدمته صادقة.فالدخول الي الملكوت وامتلاك الحياة الابدية يعتمد علي كيفية استجابة الشخص لكلمات يسوع .وسلطان يسوع في الدينونة ومنحه للحياة الابدية .هو نفسه سلطان يسوع نفسه..”[2]

ويمكننا تلخيص الامر علي النحو الآتي لشرح منطق يسوع في التكلم عن ذاته.

في العهد القديم تكلم الرب عن نفسه، وبامكاننا اعتبار الله (س) المسيح قال انا (س) لذلك قال “انا الله” نفسه [3]

المراجع

  1. Norman L. Geisler and Patrick Zukeran, The Apologetics of Jesus, p. 80 .1. 2. Ibid., p. 80. 3. Ibid., p. 80.
  2. Ibid., p. 80.
  3. Ibid., p. 80.
Exit mobile version