تحليل بنية الفكرة – كيفية فهم مقطع ما في الكتاب المقدس؟

تحليل بنية الفكرة – كيفية فهم مقطع ما في الكتاب المقدس؟

تحليل بنية الفكرة – كيفية فهم مقطع ما في الكتاب المقدس؟

تحليل بنية الفكرة – كيفية فهم مقطع ما في الكتاب المقدس؟

المبدأ الإرشادي: قم بتحليل بنية الوحدة الأساسية للفكرة، الجملة.

الكلمات الفردية لا تكون معلقة في عزلة عن بعضها البعض، ولكنها تكون مرتبطة معاً بالكلمات الأخرى لكي تشكل وتصيغ بنية الفكرة. وحيث أن الهدف المبدئي الأولي لدراسة الكتاب المقدس هو تحديد المعنى المنفرد الذي يقصده المؤلف، فإننا قد فكرنا في إرشادات لاكتشاف الخلفية التاريخية والمادية والثقافية للمقطع، ولتحديد الكلمات الفردية التي لها أهمية خاصة، أو التي لا تفهم بسهولة. ونحن الآن نتجه إلى الإرشادات لفهم المعنى من خلال تحليل بنية الفكرة.

هناك عاملان يشكلان بنية الفكرة: الجملة والسياق. فالوحدة الأساسية للفكرة في البنية النحوية هي الجملة، والتي سوف ندرسها في هذا الفصل. لكن الجمل بدورها، ترتبط معاً ببعضها البعض. لذلك، فلكي نتتبع مسار الفكرة، يجب دراسة أيضاً سياق كل جملة. وذلك السياق سيكون هو موضوع دراستنا في الفصل الحادي عشر.

وحدة الفكرة الأساسية: الجملة

إننا نقوم بدراسة بنية الجملة لكي نحلل مسار تدفق الفكرة ونحصل على فهم لمعناها. ويعتمد التحليل النحوي، أكثر من أي جزء آخر في الدراسة الكتابية، على معرف اللغة الأصلية.

فمسار الفكرة لا تحدده البنية في اللغة الإنجليزية، بل البنية في اللغة الأصلية. بالطبع، تلك البنية تكون ظاهرة بالنسبة للمترجم ويمكن أن تتم ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية. في بعض الأحيان لا يكون مسار الفكرة واضحاً في اللغة الأصلية أيضاً، لكن في أحيان أخرى يكون واضحاً في النص العبري أو اليوناني لكن حيث أن الإنجليزية ليس في مثل بنية هاتين اللغتين، يكون من الصعب الترجمة بوضوح.

لهذه الأسباب فإن المفسر الذي لا تكون لديه معرفة عملية باللغات الأًصلية، يعتمد على المترجم وعلى المعلق في تحليل مسار الفكرة في بنية الجملة. هذا الأمر ينطبق على الدراسة النحوية أكثر مما ينطبق على أي من الإرشادات الأخرى التي تستخدم لتحديد معنى المقطع. وعلى الرغم من أن المعرفة العملية باللغات مفيدة مع الإرشادات الأخرى، ومهمة في دراسة الكلمات، إلا أنها أساسية بالنسبة للتحليل النحوي.

في معظم الأحيان يكون مسار الفكرة واضحاً بما يكفي في اللغة الأصلية، ولكن قد تنشأ المشاكل في بعض الأحيان. وغالباً ما تكون هذه المشاكل واضحة بطريقة مباشرة في الترجمة، حيث أن المترجم الجيد يكون مسؤولاً عن مهمة جعل سير الأفكار مفهوماً.

فكيف يمكن لقراء الإنجليزية (أو العربية) أن يعي مثل هذه المشاكل؟ بطريقتين، أساساً: (1) عن طريق المقارنة بين ترجمات مختلفة، و(2) بمراجعة التفاسير النقدية. فإذا لم تتفق عدد من الترجمات على مسار الفكرة المعين، يمكنك أن تتأكد تماماً أن النص الأصلي به نوع من الغموض الذي يحتاج إلى البحث.

لكن توجد أخبار سارة للدارسين باللغة الإنجليزية (أو العربية)، والذين يشعرون بالإعاقة عند هذه النقطة.

أولاً، حيث أنهم محدودون في قدرتهم على تحليل البنية النحوية، فإنهم من المحتمل أن يعطوا اهتماماً أكبر للإرشادات الأخرى لتحديد معنى المقطع. وبالطبع فإن هذه الإرشادات الأخرى متاحة كذلك للدراس باللغات الأصلية. لكن أولئك الذين لديهم معرفة باللغات الأًصلية يكون لديهم اتجاه للتركيز أكثر من التحليل النحوي.

نتيجة لذلك، قد يتعرضون لإغراء ألا يعطوا اهتماماً مماثلاً للمهارات والإرشادات الأخرى التي قد تكون حتى أكثر جوهرية في تحديد معنى مقطع محدد. بكلمات أخرى، إن الدراس بالإنجليزية قد يجد من الأسهل أن تكون له عدة كاملة من الأدوات إذ يقوم ببناء فهم للمقطع.

ثانياً، إن الإرشادات الأساسية الأخرى متاحة بالكامل للدارس بالإنجليزية (أو العربية)، لذلك فإن يكون معتمداً بالكامل فقط في مجال التحليل النحوي. فمن المهم أن نؤكد على أن قارئ الإنجليزية لا بد أن يستشير الآخرين لأجل التوصل إلى أي قرار نهائي أو تفسيرات مهمة مؤسسة على البنية النحوية.

وعلى الرغم من أن التحليل الموثوق به للبنية النحوية قد لا يتم بدون معرفة باللغة الأًصلية إلا أنه في الغالبية العظمى من مقاطع الكتاب المقدس يمكن للدارس أن يحلل بثقة مسار الفكرة في الترجمة الإنجليزية الجيدة.

لكن ما هي الترجمة “الجيدة”؟ لا بد لكل المترجمين أن “يفسروا” أو يفهموا ويميزوا المعنى الذي قصد المؤلف لكي يقوموا بصياغة هذا المعنى في لغة أخرى. لكن ماذا يفعل المترجم عندما يكون المعنى غير واضح؟ يقوم بعض المترجمين بالتركيز على الصياغة، ويسعون لإعادة استنتاج اللغة الأصلية بأقرب صورة ممكنة.

فإن كان هناك عدم يقين أو غموض في اللغة الأصلية، يقوم المترجمون بالسعي لإظهار ذلك في الترجمة. وبالنسبة للدارس الجاد، تكون هذه ترجمة “جيدة” حيث أنها تنبه لأسئلة تتعلق بالتفسير، وتعطيه الفرصة لاستخدام إرشاداته ومهاراته لتحديد المعنى. وتعتبر الترجمات: الطبعة القياسية الأمريكية (ASV)، والكتاب المقدس القياسي الأمريكي الجديد، والطبعة القياسية المنقحة (RSV) أمثلة لهذا النوع من الترجمة.

بينما يقوم مترجمون آخرون بالتركيز على المعنى أكثر من النقل الحرفي من النص الأصلي إلى الترجمة. فبالنسبة لهم تكون مهمة المترجم هي تقرير المعنى وصياغته في اللغة الأخرى.

وهكذا يتم القيام بمهمة التفسير بأكبر قدر ممكن بالنسبة للقارئ بالإنجليزية. وبالنسبة للقارئ العادي للكتاب تعتبر هذه ترجمة “جيدة” حيث أنها تفسر مقاطع صعبة ومبهمة بالنسبة له. تعتبر إعادة الصياغة من هذا النوع. ونجد مثالاً لهذا المنهج في الترجمات: الأخبار السارة للإنسان الحديث (الطبعة الإنجليزية اليوم TEV)، الكتاب المقدس الإنجليزي الجديد (NEB)، وترجمة كتاب الحياة (TLB).

الترجمات الأخرى تقع فيما بين هذين النوعين. فترجمة الطبعة الدولية الجديدة هي مثال للترجمة المتوسطة، وهي جيدة باعتبارها تنقل أكثر دقة من الأصل، أكثر منها إعادة صياغة، ولكنها ليست هي الأفضل بالنسبة للدراسة الجادة.

في مسار الفكر التالي، من المفيد أن نطرح الأسئلة التالية بشأن كل وحدة من وحدات الفكرة:

1 – ما هو أو من هو الفاعل الأساسي للفكرة؟ وهذا الفاعل سيكون إما اسماً، أو ضميراً أو عبارة تحل محل الاسم.

2 – ما الفعل الذي يقوم به الفاعل؟ الفعل يشير إلى العمل، أو الحالة، أو الظرف، ويطلق عليه المسند.

3 – ما أو من هو المفعول به أو الذي وقع عليه فعل الفاعل؟ يمكن لهذا إما أن يكون مفعول به مباشرة أو مفعول به غير مباشر.

4 – كيف يتم وصف أجزاء الفكرة بواسطة كلمة أو عبارة؟ المقيدات النحوية تشمل الصفات والظروف.

5 – ما هي الصلات بين الأجزاء المختلفة للفكرة؟ حروف الجر وأدوات الربط هي كلمات توضح العلاقات.

6 – كيف ترتبط الفكرة الأساسية بالأفكار التي قبلها والتي بعدها؟

دعونا ننظر إلى بعض الأمثلة التي فيها يؤثر مسار الفكرة وبنية الجملة على معنى النص. لن أحاول أن أحل كل مشكلة في كل نص، ولكني سأوضح ببساطة كيف يكون من الأساسي أن نحلل البنية النحوية لو أردنا أن نتأكد من المعنى.

يقوم فاعل الجملة والفعل الذي يقوم بتعريف عمل أو حالة الفاعل بتشكيل نواة كل جملة، فكل جملة بها كل من الفعل والفاعل، وهما يحتاجان أن يكونا العنصرين الأولين اللذين يتم التعرف عليهما في بنية الجملة.

الفاعل

في بعض الأحيان يكون الفاعل مفهوماً ضمنياً ولا يُذكر أو يعبر عنه مباشرة، كما في الوصايا. فمثلاً في الآية “فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده” (لو 10: 2)، من هم بالضبط الذين سيطلبون؟ لا يتفق جميع المفسرين في ذلك. ويمكن للفاعل أن يكون جمعاً، حيث يقوم أكثر من شخص واحد أو شيء واحد بفعل الفعل.

قد يكون هناك عمل إضافي آخر ضروري بالنسبة للمفسر، عندما يكون الفاعل ضميراً. فعندما تستخدم الضمائر، هو، هي، أنتم، نحن، وغيرها، يكون من المهم أن نعرف من أو ما هو المشار إليه، وما إذا كان الفاعل مفرداً أو جمعاً، مؤنثاً أم مذكراً. فمثل هذه الأمور لا تكون واضحة دائماً في الترجمات الإنجليزية.

فمثلاً، يخبرنا يوحنا أن يسوع “إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله” (1: 11). لاحظ الطرف التالية التي تترجم بها الآية بالإنجليزية:

“جاء إلى خاصته، وخاصته من تقبله”. (KJV).

“جاء على ذلك الذي كان خاصته، ولكن خاصته لم تقبله” (NIV).

“جاء إلى وطنه الخاص، ولكن شعبه لم يقبله” (RSV).

“حتى في أرضه الخاصة وبين شعبه، لم يكن مقبولاً” (TLB).

“دخل إلى عالمه الخاص، ولكنه لم يقبله” (NEB).

هذه الترجمات الخمس توضح أن فاعل الفكرة ليس واضحاً تماماً. فمن هم أو ما هو “خاصته”؟ وبالرجوع إلى التفسير يمكن للمرء أن يكتشف أن “خاصته” لها جنس مختلف في المرتين المذكورتين في تلك الآية. فأول مرة نجد “خاصته” متعادلة الجنس ويمكن ترجمتها “أموره الخاص”، بينما المرة الثانية التي تذكر فيها كلمة “خاصته” هي في صيغة المذكر، وتشير إلى الشعب.

في بعض الأحيان لا يكون هذا واضحاً لكن التفسير يتوقف على هذا الإدراك: إن شعبهن الشعب اليهودي الذي كان يجب أن يقبله كانوا هم نفس الأشخاص الذين رفضوه.

الفعل

تمتلك الأفعال عدة خواص تجعل تحليلها ربما من أكثر النواحي أهمية في فحص بنية الفكرة. يحتاج المفسرون أن يطرحوا الأسئلة التالية: هل الفعل في الزمن الماضي أم المضارع أم المستقبل؟ هل الفعل يعبر عن حقيقة واقعية، أم أمر، أم تخمين، أم اقتراح؟ هل الفاعل هو الذي يقوم بأداء الفعل أم أنه يستقبل الفعل (هل هو مبني للمعلوم أم مبني للمجهول؟)، وهل الفعل تام أم ناقص؟

على سبيل المثال، في المقطع الشهير رومية 12: 1-2، من المهم ملاحظة تغير الزمن في الأفعال اليونانية:

“فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية. لا تشاكلوا هذا الدهر بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة”.

إنه أمر أساسي أن نعرف أن العدد الأول يتحدث عن فعل بسيط يمكن تتميمه، “فأطلب إليكم… أن تقدموا أجسادكم”. من ناحية أخرى، فإن الأفعال في عدد 2 هي في صيغة المضارع المستمر، بالتوقف عن التشكل بحسب تأثيرات هذا العالم، والاستمرار في مقاومة ضغط مسايرته ومشاكلته.

ومرة أخرى، فإن الفعل “تغيروا” ليس شيئاً يتم القيام به على مذبح الكنيسة، مرة واحدة وإلى الأبد، أو بقرار فوري سريع. فقوة الفعل تكمن في استمراريته: “استمروا في التغيير عن شكلكم بتجديد أذهانكم”. الأكثر من ذلك، إن الفعلين في عدد 2 هما في صيغة الأمر. فالطاعة ليست اختيارية.

إن نوع الفعل الذي يوصف قد لا يكون دائماً واضحاً في الترجمة الإنجليزية لأن اللغة الإنجليزية ليس بها نفس أنواع الفعل في اللغة الأصلية. لذلك فإن الدارس بالإنجليزية لا بد أن يطور حساسية تجاه الفروق الدقيقة الخفية في معنى أي فعل. فإذا كان معنى جملة ما سيتأثر كثيراً، بحسب احتمالية تأثير الفعل في اللغة الأصلية في اتجاه معين مختلف، فيجب عليه أن يتأكد من مراجعة ذلك في أحد التفاسير.

المفعول به

في معظم الحالات، يقوم الفاعل بالقيام بالفعل الذي يقع على مفعول به مباشر أو غير مباشر. فعندما قال يسوع “وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات” (مت 16: 19)، فإن المفاتيح هي مفعول به مباشر، إذ يتم إعطاؤها، والضمير المستتر “أنت” هو المفعول به غير المباشر الذي يتلقى نتيجة الفعل.

لكن من هو المقصود بـ “أنت”؟ وهل “أنت” هي في صيغة المفرد أم الجمع “أنتم”؟ هل يسوع يخاطب بطرس ومن سيأتون بعده، كما تعتقد ذلك الكنيسة الرومانية الكاثوليكية؟ أم أنه يخاطب قادة الكنيسة أم جميع المسيحيين؟

بالرجوع إلى التفسير أو إلى النص اليوناني، سنكتشف أن الضمير في صيغة المفرد في الأًصل، “أنت”. فيكون السؤال إذاً ما إذا كان يشير إلى بطرس وحده أم إلى أشخاص مثل بطرس. في السعي للوصول إلى إجابة، من المفيد أن ننظر إلى مقاطع موازية بعد ذلك بأصحاحين، حيث يتكرر نفس هذا الوعد. “كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء.

وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء” (مت 18: 18). في هذه الحالة نجد الضمير المستتر “أنتم” في صيغة الجمع. ويتبعه ما يبدو أنه تفسير، يوضح أنه إذا اتفق اثنان على الأرض في أي شيء يطلبانه فإنه سيكون لهما بواسطة الآب الذي في السماء. ويتبع ذلك مباشرة الوعد بأنه “حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم” (مت 18: 20).

أليس هذا الوعد إذاً هو لمن يصلون باتحاد باسم المسيح، وفي حضور ربهم؟ فبطرس، ومن هم مثله يستطيعون، من خلال الصلاة، أن يتحدثوا مع الله بخصوص أهدافه. يمكن هنا استخدام مبادئ أخرى أو إرشادات أخرى لتحديد ما هو المفعول به، بمجرد أن يتقرر من البنية النحوية ما هي الاختيارات أو الموانع.

كما أن هناك تفسيرات مختلفة تعطى للوعد “وتلذذ بالرب فيعطيك سؤل قلبك” (مز 37: 4). هل المرنم يريد أن يوضح أن الله سيجيب الصلاة بأن يعطي الشخص ما يرغب فيه؟ أم يعنى أن رغبة أو “سؤل” الشخص الذي يجب أن يكون لديه، هو الذي سوف يُعطى له؟

يمكن حسم الإجابة على هذا السؤال بواسطة دراسة بسيطة للكلمة والتي توضح أن الكلمة العبرية المترجمة “سؤل تعني في الحقيقة “التضرعات والتوسلات”. الطريقة الأخرى لتحديد المعنى تكون بفحص المقاطع المشابهة. فعلى سبيل المثال، يقول مزمور 78: 29: 31: “فأكلوا وشبعوا جداً وأتاهم بشهوتهم لم يزوغوا عن شهوتهم طعامهم بعد في أفواههم فصعد عليهم غضب الله وقتل من أسمنهم وصرح مختاري إسرائيل”.

يتضح من ذلك المقطع أنه لم يكن لديهم نوع السؤل أو الرغبة الصحيحة، ولكنهم أخذوا ما توسلوا في طلبه. لذلك فإن المرنم يعد بأن أولئك الذين يتلذذون بالرب هم الأشخاص الذين سوف تستجاب صلواتهم.

المقيدات النحوية

المقيدات النحوية مثل الصفات والظروف تعدل أو تغير معنى الكلمات الأخرى. فالصفات قد تخبرنا بالإجابة على أسئلة مثل “أي منها”؟ أو “كم عدد؟” أو “ما نوع؟”.

والظروف ستجيب على أسئلة مثل متى؟ أين؟ كيف؟ وإلى أية درجة؟ فحتى أبسط المقيدات النحوية يمكن أن تكون لها أهمية عظيمة. فمثلاً، بنوتنا لله يتم تمييزها عن بنوة المسيح لأنه، بحسب يوحنا 3: 16، يسوع هو ابن الله الوحيد. وهكذا فإن معنى وأهمية ذلك المقيد النحوي هو الفارق بين الهرطقة والحق. كما يمكن لعبارات كاملة أن تعمل كصفات.

أما الظروف أو الأحوال فإنها غالباً تكون مقيدات للفعل من كلمة واحدة. فمن المثير للاهتمام أن يهوه يخبر قراءه بأن “تجتهدوا لأجل الإيمان” (عدد 3)، وأن يسوع يعد بأن “يأتي سريعاً” (رؤ 22: 20). ويمكن للظروف والأحوال أن تكون عبارة كاملة أيضاً، مثال على ذلك، أننا نعرف أن الكمال في تشبهنا بصورة المسيح ينتظر حدثاً مستقبلياً محدداً لأن يوحنا يقول “أنه إذا أظهر نكون مثله”. (1يو 3: 2).

لذلك يجب ملاحظة الحالات التي تفرضها الظروف والأحوال والصفات بعناية.

الكلمات التي تظهر العلاقات

الكلمات التي تظهر العلاقات بين الكلمات الأخرى التي تأتي قبلها والتي بعدها يجب أن تحظى باهتمام خاص.

حروف الجر. إنها تسبق الأسماء أو الضمائر بهدف إظهار العلاقة بين ذلك الاسم أو الضمير

بفعل أو حالة معينة، أو بكلمة أخرى في الجملة. فمثلاً “إله الرجاء” في الإنجليزية (the God of Hope) يمكن أن يعنى أن الله هو إله كله رجاء، وأن الرجاء هو واحد من صفاته؛ أو أن هذا الإله هو مصدر رجائنا والسبب الذي لأجله يكون لدينا رجاء. نحوياً، كل من التفسيرين مسموح به، لكن المفسر يجب أن يفحص السياق ويختار التفسير المناسب.

أدوات الربط. غالباً ما تكون أدوات الربط هي مفتاح الفهم، لأنها تربط بين الأفكار. وهذه الأفكار قد تكون كلمات أو أجزاء قصيرة من الجملة، أو وحدات كبيرة من الفكرة. غالباً ما توضح أدوات الربط العلاقة بين الأفكار التي تصل بينها. ومن أدوات الربط التي تستخدم في التعرف على هذه العلاقات، الأدوات التي تعبر عن:

1 – الزمن: بعد، بينما، قبل، الآن، ثم، حتى، عندما.

2 – المكان: حيث، حيثما، في.

3 – السبب: لأن، لأجل، حيث، بينما.

4 – النتيجة: لذلك، إذاً.

5 – التفسير: لذلك، لأن.

6 – الهدف: من أجل، بحيث، أن.

7 – التضاد: لكن، مع ذلك، بينما.

8 – المقارنة: أيضاً، مثل، بالمثل، الأكثر من ذلك، أكثر من.

9 – الاستمرارية: و، أو، إما…أو، ولا هذا… ولا ذاك.

10 – بالرغم من، رغم.

11 – الشرط: إذاً.

12 – التأكيد: بالحقيقة، فقط.

كمثال لكيفية استخدام أدوات الربط نجد في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس: “لكي لا يكون انشقاق في الجسد بل تهتم الأعضاء اهتماماً واحداً بعضها لبعض” (1كو 12: 25).

والآن هل كلمة “لكي” تشير فقط إلى عدد 24، أم إلى الفكرة السابقة بأكملها؟ هل خطط الله لأن يعطي كرامة أعظم لتلك الأجزاء الضعيفة حتى لا يكون هناك انشقاق في الجسد؟ إن كان كذلك، فإن “لكي” لا بد وأنها تشير فقط إلى الفكرة السابقة لها مباشرة. لذلك يكون المفسر ملزماً بأن يعرف لماذا يكون إعطاء الكرامة للأعضاء الأضعف يحفظ الجسد من الانشقاق.

نحوياً، يمكن أن تشير “لكي” أيضاً إلى الفكرة السابقة بأكلمها، وهكذا يكون المعنى هو أن كل عضو مصمم ليؤدي وظيفته في اندماج مع الكل، مما يمنع حدوث الانشقاقات في الجسد. لذلك من المهم أن نكون حساسين إلى كلمات الربط بحيث يمكن فحص كل الاختيارات.

السياق

بالتفكير في البنية النحوية، يجب أن نضع في الاعتبار السياق المباشر. فيجب أن نحدد كيف ترتبط الفكرة المفتاحية بالأفكار الأخرى داخل السياق.

في كثير من الأحيان تكون الجمل طويلة ومعقدة. فكولوسي 1: 9-20 هي مثال لجملة طويلة في اليونانية. لذلك فبعد أن تمت ترجمتها إلى الإنجليزية كجملة واحدة طويلة (حتى رغم تقسيمها أجزاء أصغر باستخدام الفصلة، والفصلة المنقوطة) لا يزال تتبعها شديد الصعوبة. تستخدم ترجمة الكتاب المقدس القياسي الأمريكي الجديد سبعة جمل لهذه الفقرة، بينما تستخدم ترجمة كينج جيمس ثلاثة جمل فقط. وغالباً ما تساعد المقارنة بين عدة ترجمات، الدارس بالإنجليزية (أو العربية) على فهم تسلسل الفكرة.

رسالة بطرس الثانية أصحاح 1 هي مثال آخر لسلسلة طويلة ومعقدة ومترابطة من الأفكار. ويجب على المفسر أن يتتبع هذه العلاقة من آية إلى أخرى، مميزاً مسار الفكرة من عدد 1 وحتى عدد 11. فمثلاً، يقول عدد 4: “اللذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية”

فماذا يمكن أن يكون له أهمية أعظم من معرفة ما يمكننا من أن نصبح شركاء الطبيعة الإلهية؟ هل هو معرفة الله الآب ويسوع ربنا (ع2)؟ أم قوته الإلهية (ع3)؟ هل هو كل الأمور التي أعطتها لنا القدرة الإلهية (ع3)؟ أم هو مجده وفضيلته (ع3)؟ الإجابة الوحيدة على هذا السؤال الحيوي هي أن نتتبع مسار الفكرة منذ البداية وحتى النهاية، ملاحظين الكلمات الرابطة.

قم بفحص تسلسل الفكرة في صلاة بولس الجميلة في أفسس 3: 14-19:

“بسبب هذا أحني ركبتي لدى أبي ربنا يسوع المسيح الذي منه تسمى كل عشيرة في السماوات وعلى الأرض لكي يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله”.

لاحظ كلمتي الربط “لكي”، “حتى”، وكيف تقومان ببناء تصاعد للغرض في صلاة بولس، وفيها يقود كل طلب إلى احتمال الوصول إلى غرض أعلى وأعظم. نحوياً، يمكن لكلمة “لكي” أن تقدم ثلاثة طلبات صلاة منفصلة، ولكن الأفكار نفسها يبدو أنها تشير إلى رابطة تُبنى فيها كل فكرة على الفكرة السابقة لها. عملياً، بمثل هذا التصاعد في الطلبات والذي فيه تقود كل طلبة إلى نتيجة أعظم، يكون لدينا خطة عمل.

التحليل بالرسم التخطيطي

لقد سعيت فيما سبق، لتحديد منهج بسيط لمساعدة الدارس للكتاب المقدس بالإنجليزية على أن يطرح النوع الصحيح من الأسئلة عن مسار الفكرة، كما رأينا في البنية النحوية. وهناك مناهج أخرى، إلا أن البعض ممن لديهم معرفة قوية بقواعد اللغة الإنجليزية سيفضلون أن يبدأوا بتحليل للأجزاء المختلفة من الكلام.

لكن بطريقة أو بأخرى، لكي يفهم الدارس المعنى الذي كان في ذهن المؤلف، يجب عليه أن يفهم كيف يتفق كل جزء من الكلام مع الرسالة العامة للمقطع بأكمله. فكل فكرة يجب أن يتم فهمها كجزء من الخيط المتصل للمقطع كله. هناك منهجان مفيدان لتحليل بنية أو مسار الفكرة وتسلسلها، هما (1) تمثيل المقطع تخطيطياً، (2) تطويره في “تصميم ميكانيكي”.

الرسم التخطيطي النحوي

التخطيط النحوي يساعد الدارس على إعادة ترتيب كلمات المقطع بطريقة يمكنه بها أن يرى من نظرة واحدة الموضوع المحوري والبنية النحوية والفكرية الفعلية للمقطع. يجب أن يوضح هذا التخطيط العلاقات بين الكلمات والعبارات والجمل.

يستخدم الرسم التخطيطي، فقط الكلمات الموجودة في المقطع نفسه، في إعادة بعث للنص بدون اقحام تعليق من الخارج. يتطلب هذا النوع من التخطيط تغيير ترتيب الكلمات. الأشخاص الذين لديهم مهارة في استخدام هذا المنهج قد يفضلون أن يحللوا بنية الفكرة بهذه الطريقة.

التصميم الميكانيكي

من الأنواع المبسطة للتخطيط، التصميم الميكانيكي للنص. فبخلاف التخطيط النحوي، يتم ترك الكلمات في التصميم الميكانيكي في نفس ترتيبها الذي وجدت به في النص. مثل هذا التصميم يركز على العلاقة بين أجزاء الجملة، أكثر مما يركز على الوظيفة النحوية للكلمات الفردية.

هناك هدفان لتطوير تصميم ميكانيكي. الأول، هو أن النتيجة النهائية تسمح للدارس بأن يرى، من نظرة واحدة، العناصر الرئيسية للمقطع وعلاقتها ببعضها البعض. فيمكنه على الفور أن يرى الجزء الأساسي من الجملة، والمقيدات النحوية، وعلاقتها ببعضها البعض كذلك.

ثانياً، إن عملية تطوير التصميم تجبر المفسر على طرح أسئلة والقيام بملاحظات عن بنية المقطع. فإن كانت هناك أجزاء مبهمة من مسار الفكرة، لا بد وأن يجتهد لكي يقرر أين هو مكان الفكرة في التصميم.

ويكون عليه أن يقدم أحكاماً بخصوص كل جزء من أجزاء الجملة. وهذا سيمنعه من افتراض أنه يفهم مسار الفكرة قبل أن يكون قد درس بالفعل كل جزء من الجملة ومن المقطع. وهكذا تصبح التفاصيل كثيرة – وهذا أمر حيوي في دراسة الكتاب المقدس، حيث أن كل كلمة موحى به من الله.

لذلك فإن التصميم الميكانيكي له فائدتان عمليتان: (1) أنه يصبح ورقة عمل مثالية لتسجيل الملاحظات والتعليقات الناتجة عن تطبيق الارشادات التفسيرية على النص؛ (2) كما أنه خطة وسيطة جيدة بين دراسة النص وتكوين مخطط التعليم من المقطع. فكل جزء أساسي من الجملة والمقيدات النحوية الخاصة به، والمتصل بكل أدوات الربط، يساعد المرء على التفكير في النقاط الأساسية والثانوية التي يعرضها المؤلف.

لا توجد طريقة واحدة فقط هي الصحيحة لتصميم كل مقطع من الكتاب المقدس، رغم أن الدارسين الحذرين والمتمرسين سيتفقون على العلاقات بين معظم أجزاء الجمل وبعضها البعض. ومع ذلك، يجب على المرء أن يكون ثابتاً في الطريقة التي يقوم بها بهذا العمل لكي يحتفظ بثمار الدارسة لاستخدامها في المستقبل.

تعتمد الدقة التي يتم بها عمل التصميم على المقطع وعلى الغرض من الدراسة. فبعض المقاطع مثل معظم الروايات التاريخية، تتطلب تصميماً بسيطاً أو لا تتطلب تصميماً على الإطلاق.

وبعض المقاطع قد تصبح واضحة بتصميم بسيط، لكن العديد من المقاطع الأخرى في الرسائل مثلاً، تكون شديدة التعقيد. فالجدل فيها يكون شديد الإقناع والترابط والشمولية. تصيح هذه المقاطع واضحة، ومسار الفكرة فيها أكثر تأكيداً، من خلال تصميم ميكانيكي تفصيلي مخطط بعناية.

بالرغم من أن ميكانيكيات التصميم بسيطة للغاية، فإنها تتطلب قدراً من الوعي النحوي. فكر في الهياكل النحوية الثلاثة التالية.

أجزاء الجمل ذات الفكرة المستقلة. قم بوضع أجزاء الجملة ذات الفكرة المستقلة (أفكار كاملة) على يسار الهامش، وفي نفس السطر قم بكتابة الفاعل، والفعل، والكلمة أو العبارة التي تشير إلى المفعول به المباشر. سيمثل هذا السطر ما تتحدث عنه الجملة بصورة أساسية.

أجزاء الجملة ذات الفكرة غير الكاملة. وتوضع في السطر المقابل تحت الكلمة التي تصفها. المقيدات النحوية تشمل الجمل الظرفية، والأحوال، وأشباه الجمل، وجمل الربط. وهذه الأجزاء قد تشمل أيضاً مقيدات لغوية أخرى يمكن وضعها تحتها، بحيث قد تظهر النتيجة النهائية مدرجة تحت بعضها البعض.

حروف العطف وأدوات الربط. يمكن وضعها فوق السطر أو ربطها بجزء الجملة التي تربطه مع توصيل الأداة بالجزئيين اللذين تربطهما بخطين.

بالإضافة لذلك، يجب على الدارس أن يترك مسافة كافية بين الأسطر بحيث يمكنه أن يكتب فيها ملاحظاته وتعليقاته. ومن الأفضل أن يكتب ملاحظاته بلون مختلف بحيث عندما يتم استخدام الدراسة في وقت لاحق، يمكن أن يكون النص الكتابي مميز وواضح بلون مختلف عن تعليقات المفسر.

نص متى 6: 1 – 4

إن دراسة المثال التالي للتصميم بعناية سيكون هو أفضل وسيلة لتعلم ما تتضمنه عملية صنع التصميم.

متى 6: 1 – 4

(عدد 1)
(عدد 2)
(عدد 3)

والآن بعد أن اختبرت القيام بهذه العملية، قد يكون من المفيد تجربتها على مقطع بسيط تهتم به اهتماماً خاصاً، قبل أن تفكر في المثال التالي الأكثر تعقيداً.

نص فيلبي 1: 9 – 11

فكر الآن في النص المهم والصعب والجميل في فيلبي 1: 9 – 11. هناك مشاكل أساسية في هذا المقطع، فمسار الفكرة ليس واضحاً تماماً، رغم أنه قد يبدو كذلك للوهلة الأولى.

فيلبي 1: 9 – 11:

(عدد 9)

 

تعليق على فيلبي 1: 9 – 11

يصور التصميم السابق مسار الفكرة كما حددها أحد المفسرين. ولكن هناك احتمالات أخرى. فكر في الخمسة أسئلة الأساسية الخاصة بالبنية في هذا المقطع.

1 – “أن” (عدد 9) عندما قال بولس أنه كان يصلي “أن”، ربما كان يعني:

1) “إنني أصلي الأمور التالية”.

2) “إنني أصلي لكي تتحقق الأمور التالية”.

فالقصد الواضح في التخطيط لا يشير أي من الاختيارين هو الصحيح، كما لا تشير إلى ذلك بنية الجملة. لذلك فربما يتم اتخاذ القرار على أسس أخرى، مثل لاهوت الشخص في الصلاة. فمثلاً، الشخص الذي يؤمن بقوة بقرارات الله السيادية من الأرجح أن يختار الاختيار الأول.

2 – “حتى” (عدد 10). هل هذا يعني أن القدرة على تمييز ما هو متخالف هي نتيجة للمحبة التي ستزداد في المعرفة والفهم؟

يشير التصميم إلى مثل هذا المعنى. لكن، من ناحية أخرى، إن كان بولس يقصد بذلك أن تكون طلبة ثانية، فإنه سيتم وضعها تخطيطياً في نفس مستوى الطلبة الأولى مبتدئاً من نفس مكان هامش الطلبة الأولى، كالآتي:

أن تزداد محبتكم

                      حتى تميزوا الأمور.

3 – “لكي تكونوا” (عدد 10). يشير التصميم إلى أن كونهم مخلصين وبلا عثرة إلى يوم المسيح هو نتيجة تمييز الأمور المتخالفة. لكن إن كان بولس يعني أن الحالة الجيدة إلى يوم المسيح هي نتيجة ازدياد المحبة، كان يجب كتابة هذه العبارة في توازي مع العبارة السابقة، “حتى تميزوا الأمور”، كما يلي:

أن تزداد محبتكم

                     حتى تميزوا الأمور

                                             لكي تكونوا مخلصين وبلا عثرة.

4 – “مملوئين من ثمر” (عدد 11). يتم فهم الفاعل هنا باعتباره الضمير “أنتم”، أي المسيحيون في كنيسة فيليب. لاحظ أنهم لا يملؤون أنفسهم. لاحظ أيضاً أن الحالة كاملة وتامة – “مملوئين”. لكن تلك الحالة سوف يتم تكميلها في يوم المسيح بعد أن تكون صلاة بولس لأجلهم قد استجيبت.

التصميم الأصلي، بجعل “مملوئين” متوازية مع “لكي تكونوا مخلصين”، وهو المقصود أن يكون نتيجة “حتى تميزوا الأمور”، يشير إلى معنى أن كونهم مملوئين من ثمر البر هي حالة أو شرط مسبق لقدرتهم على تمييز الأمور المتخالفة. ويمكن القراءة كالآتي: “يمكنكم أن تميزوا الأمور المتخالفة، إذ تمتلئون من ثمر البر”. ولكنها يمكن أن تعني أنهم سيكونون مخلصين وبلا عثرة لأنهم قد امتلئوا من ثمر البر. فإن كان ذلك هو المعنى، لكان سيتم التخطيط كالآتي:

إلى يوم

           المسيح

                      مملوئين من ثمر

                                           البر.

5 – “الذي بيسوع المسيح” (عدد 11). هل الثمر هو الذي يأتي بيسوع المسيح، أم البر؟ يشير التصميم الأصلي إلى أن الثمر هو الذي يأتي من خلال المسيح. وقد تم اختيار هذا المعنى بسبب اتفاق الحالة في النص اليوناني. أما المعنى الثاني غير الصحيح هنا، بأن بولس يتحدث في هذا المقطع عن البر من خلال المسيح، فيمكن تخطيطه كالتالي؟

مملوئين من ثمر

                     البر

                          الذي

                                 بيسوع المسيح

وهكذا يتم التعبير عن مسار الفكرة كما تم تخطيطها كالآتي:

أصلي أن تنمو محبتكم وتزداد أكثر فأكثر، في كل من المعرف والفهم الحقيقي. نتيجة ذلك أنكم ستتمكون من تمييز الأمور المتخالفة. وهذا بدوره، سوف يؤدي إلى حياة مخلصة وبلا لوم أو عثرة، تمتد حتى يوم مجيء المسيح. كيف يمكنكم أن تعيشوا هذا النوع من الحياة؟ فقط لأنكم قد امتلأتم بالفعل من ثمر البر. وكيف حدث ذلك؟ لقد حدث ذلك من خلال يسوع المسيح. والغرض من ملئه لكم بهذه الطريقة هو أن يأتي المجد والحمد لله.

ملخص

لقد ذكرنا في هذا الفصل أربعة مناهج مختلفة لتتبع مسار الفكرة في مقطع، وقد قمنا بعمل شرح مفصل لاثنين منهم: (1) أسئلة أساسية يتم طرحها بخصوص المقطع، و(2) التصميم الميكانيكي. في الحقيقة أنهما يكونان أكثر فعالية عندما يتم دمجهما معاً كمنهج واحد، رغم أن كل منهما يمكن استخدامه بمفرده بطريقة مستقلة. وعندما يتم دمجهما معاً في منهج واحد، يتم طرح الأسئلة الخاص بالمقطع، ثم تصوير الإجابات على شكل تصميم ميكانيكي.

لكن أياً كان المنهج الذي سيستخدم من الأمور الأساسية أن نقوم بتتبع تدفق الفكرة بأكثر دقة ممكنة. وعندما يكون هناك غموض أو إبهام بشأن مسار الفكرة، فإن الدارس بالإنجليزية يمكنه أن يتأكد تماماً من الاختيارات المشروعة في تفسير معنى النص عن طريق مقارنة عدد من التفاسير النقدية أو الترجمات المختلفة للكتاب المقدس.

في بعض الأحيان يستمر الغموض لأن سير الفكرة قد لا يكون واضحاً تماماً في اللغة الأصلية. وفي الحالات التي تسمح فيها البنية النحوية بأكثر من معنى واحد، يكون تقرير أي معنى هو المقصود بواسطة المؤلف مبنياً عادة على إرشادات أخرى، بمجرد أن تتضح الاختيارات الأخرى. لكن لا يجب القيام بالاختيار أبداً بناء على ما يرغب المرء في أن يقوله المقطع، بل على أساس الاستخدام الحريص للإرشادات مثل دراسة السياقين القريب والبعيد، والمقاطع الموازية المشابهة، ودراسة الكلمات، والخلفية التاريخية والمادية والثقافية للمقطع.

فإن لم يكن لدينا عدة الأدوات الكاملة، سنكون معاقين عن الفهم الصحيح، حيث أن كل الإرشادات مترابطة معاً. فمثلاً، إننا نحتاج إلى السياق لكي نفهم معنى الكلمة، ونحتاج إلى معنى الكلمة لكي نفهم مسار الفكرة. لكن حيث أننا لا نستطيع أن ندرس كل الإرشادات في نفس الوقت، لا بد أن نكون صبورين، ونعمل على اتقان تلك المهارات الواحدة تلو الأخرى إلى أن نتمكن من استخدامها كلها معاً.

 

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

– جنسن، إيرفينج إل. Chicago: Moody, 1963. Independent Bible Study.

– كايزر، ولتر سي. Toward an Exegetical Theology: Biblical Exegesis for Preaching and Teaching. Grand Rapids: Baker, 1981.

– ترينا، روبرت إيه. Methodological Bible Study: A New Approach to Hermeneutics. Wilmore, Ky.: Robert A. Traina, 1952.

– والد، أوليتا. The Joy of Discovery. طبعة منقحة. Minneapolis: Augsburg, 1975.

تحليل بنية الفكرة – كيفية فهم مقطع ما في الكتاب المقدس؟

معرفة الثالوث القدوس إشراقة نعمة – وما معنى مولود ومنبثق !

في الواقع الروحي اللاهوتي، أن كل ما كُتب وقيل عن الثالوث القدوس، هو مجرد إشراقات من النعمة تُستعلن في لغتنا البشرية المحدودة للتعبير عن علاقتنا الاختبارية بشخصه القدوس، لذلك لم يُكتب أو يقال كل شيء عن الثالوث بوضوح شديد ومطلق من جهة أعماق طبيعته، أي من جهة كيانه الخاص في المطلق، أو من جهة ذاته في مُطلق معرفته، لأن ستظل معرفتنا محدودة وقاصرة من جهة أننا لازلنا في هذا الجسد الضعيف، وحسب عقلنا المحدود في الإدراك، لأن الله يستحيل إدراكه في كمال ذاته من جهة معرفتنا الشخصية به لأننا لا نستطيع أن نفحص أعماقه ونبحر في اتساع شخصيته، فنحن نؤمن ونصدق ما أُعلن لنا بالروح في قلوبنا سراً كفعل نعمة موهوب لنا من الله، وكل الأفعال التي تصلنا من الإعلانات الإلهية تخص العلاقة التي بيننا وبينه من جهة الشركة…

ومن جهة موضوع الولادة والانبثاق هو ما أُعلن لنا من خلال الكتاب المقدس وذلك لكي لا يحدث خلط بين الأقانيم، وندخل سراً في معرفة الله القدوس الحي والمُحيي بالروح القدس الذي يُعلمنا كل شيء ويُذكرنا بكلام المسيح الرب، بالرغم من أن كل التعبيرات التي وصلتنا تُعبر عن علاقة جوهرية بين الأقانيم لا نفهمها في مطلقها، بل نفهمها بطريقة ما، وذلك حسب الإدراك الروحي لكل واحد فينا وما ناله من نعمة، [ الذي وحدهُ له عدم الموت ساكناً في نور لا يُدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه ] (1تيموثاونس 6: 16)، [ الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر ] (يوحنا 1: 18)، [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6)…

عموماً استخدام كلمة مولود ومنبثق يلزمنا أولاًً اننا نعلم أن كلتا الكلمتين تصفان العلاقة بين الأقانيم الثلاثة ولا تصف عمليات بيولوجية أو فيزيوكيميائية لأن الله القدوس الحي منزّه أصلاً عن هذه العمليات التي تأتي للذهن فور سماعها بدون وعي وإدراك عميق للحق حسب إعلان الله في قلبنا بالروح القدس نفسه، لأن حينما نسمع أي صفة أو كلام عن الله يتبادر لذهننا فور سماعها بما يتناسب وما ينطبق على البشر، ويأتي في الذهن فوراً المعنى القاموسي للكلمة وحسب ثقافة كل واحد فينا ومعرفته الشخصية وما تربى عليه، غير عالمين أنها قيلت وكُتبت لتقرب لنا الصورة التي لن تكون في كمالها المُطلق، لأن الكمال يُعلن لنا منه إشراقات نورانية حسب قامة كل واحد فينا ومدى انفتاحه على الله على الأخص في الصلاة، ويتم إعلانها بالسرّ في داخل القلب، فنؤمن بها ونفرح ونُسرّ جداً، لأن معرفة الله التي تدخلنا في شركة معه تشع فرح خاص يملأ حياتنا بهجة، ولكننا – مع ذلك – لا نستطيع أن نُعبر عنها في كمالها المطلق الإلهي لأنه فائق وأعظم من كل إدراكاتنا وطاقتنا…

والمقصود من جهة الخبرة في حياتنا أن كل شيء كامل بالثالوث، أن كل شيء من الآب بالابن في الروح القدس [ لكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به ] (1كورنثوس 8: 6)، [ لأن به (المسيح الرب) لنا كلينا قدوماً في روح واحد (الروح القدس) إلى الآب ] (أفسس 2: 18) ((كل شيء من الآب بالابن في الروح القدس))

  • فالابن خرج من عند الآب:

– [ فقال لهم يسوع لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني لأني خرجت من قبل الله ] (يوحنا 8: 42)
– [ لأن الآب نفسه يحبكم لأنكم قد أحببتموني وآمنتم إني من عند الله (الآب) خرجت ] (يوحنا 16: 27)
– [ لأن الكلام الذي أعطيتني قد أعطيتهم وهم قبلوا وعلموا يقيناً إني خرجت من عندك ] (يوحنا 17: 8)

وفي هذه الأيات نرى شخص ربنا يسوع استعمل فعل ” خرج ” لوصف حقيقة صدوره من جوهر الآب أقنومياً كما يوضح إرساليته من جهة التجسد، وهذا الفعل يقابه باليونانية εξηλθον والذي تمت ترجمته للغة الإنكليزية بفعل Come out from وللفرنسية بفعل sortir. وهذا كله يعني خروجاً قام الآباء القديسون بتوضيحه أنه مثل خروج [ النور من النور ] بمعنى عدم انقسام وعدم انفصال، لأن الآب نور فالابن نور، ولكنه نور غير منفصل ولا متصل مجرد اتصال، بل نور من نفس ذات جوهر النور عينه، نور من نور. إله حق من إله حق، مساوي له في الجوهر مساواة مُطلقة، وهذا التفسير الآبائي له ما يسنده في الكتاب المقدس كقول الرب يسوع لفيلبس [ من رآني فقد رأى الآب ] و[ أنا في الآب والآب فيّ ] (يوحنا 14: 9 – 11) وأيضاً يقول الرسول: [ الذي هو (شخص الكلمة) صورة الله غير المنظور ] (كولوسي 1: 15)، [ الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة (أو يسرق أو يغتصب) أن يكون معادلاً للّه ] (فيلبي 2: 6)، أي أنه لم يختلس أو يدَّعي أن يكون مساوي لله، لأنه فعلاً خارج من الآب كخروج النور من النور، أو ولادة النور من النور، والولادة هنا ليست بشرية بل مستمرة إلى الدهر، نور من نور، يعني نور صادر باستمرار وتواصل من نفس ذات جوهر النور الواحد عينه ومساوي له بكل ما في الكلمة من معنى المساواة، وهو نور مستمر في الخروج بدوام، لأن النور حي فعال بيولد نور باستمرار بلا توقف، لأن لو توقف أصبح ليس نور…

عموماً انبثاق الروح القدس من الآب هو خروج الفيض من منبعه ومصدره الذاتي، أي شخص الآب. أما ولادة الابن من الآب هو أيضاً خروج، ولكن خروج كل الملء من منبعه الذاتي أي مصدره، وهو شخص الآب الذي هو النبع، فانبثاق الروح القدس من الآب هو انبثاق لشركة، لأن الفيض شركة بين النبع والملء الذي في المصب، فالنبع هو الآب، والملء الذي يملأ الكل في الكل هو الابن الحبيب [ الذي نزل هو الذي صعد أيضاً فوق جميع السماوات لكي يملأ الكل ] (أفسس 4: 10) [ (الكنيسة) التي هي جسده، ملء الذي يملأ الكل في الكل ] (أفسس 1: 23) . فليس الفيض هو الملء، وليس خروج الفيض هو قبول كل الملء.

باختصار شديد لكي لا أُطيل في الموضوع، الانبثاق هو الاستعلان الشخصي للطبيعة الروحية التي للألوهة. والولادة هي الاستعلان الشخصي لقبول كل ملء الألوهة، فالانبثاق هو هوية أقنوم الروح القدس كفيض. الولادة هي هوية أقنوم الابن كملء، والولادة ليست مجرد خروج عادي، ولكنها خروج كل الملء الذي لايُنتقص قط، فهي خروج الكل منطوقاً في الابن. والانبثاق ليس مجرد خروج عادي، ولكنه خروج الكل كشركة بين الآب والابن، لأن الروح القدس هو روح الآب وروح الابن بآن واحد، ومن هنا تظهر وحدة الثالوث القدوس، مثل الدائرة، ولكنها دائرة غير منغلقه أو ضيقه، بل متسعه جداً فوق ما نتصور أو نظن، ومن هذا الاتساع الفائق والغير مُدرك حدثت شركة عجيبة غريبة عن الإنسانية، وهو دخول الإنسان في حياة الشركة الإلهية كالتدبير بالابن الوحيد الجنس الذي اتخذ جسم بشريتنا ليوحدنا بشخصه ليدخلنا لدائرة المجد الإلهي الفائق، لذلك وهبنا روح الشركة الروح القدس الرب المُحيي حسب وعد الآب، الذي كان يستحيل أن نناله بدون تجسد الابن الوحيد، لأنه هو روح التبني الذي به نصرخ أبا أيها الآب، لأننا صرنا ابناء لله في الابن الوحيد…

واعلموا يا إخوتي علم اليقين أن أي شرح للثالوث القدوس من جهة ذاته بدون إعلان الشركة ودخولنا فيها، هو تزييف، واعتقاد الإنسان أنه يعرف عن شخص الله وطبيعة وهو لم يدخل في هذه الشركة، فهو كاذب وقد زيف التعليم دون أن يدري، لأن الله لا يُعرف إلا بإعلان ذاته لنا في شركة معه، لذلك قال الرسول يوحنا في رسالته الأولى: (الحياة أُظهرت.. وقد رأينا ونشهد.. الذي رأيناه وسمعناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة نُخبركم به لكي تكون لكم شركة معنا)، لذلك فأن كل من يدَّعي معرفة الله وهو ليس في شركة معه لا تصدقوه ولا تأخذوا منه تعليماً، حتى لو كان صحيح، لأن الله لا يقصد أن نملأ عقولنا بمعلومات عنه، لأنها لن تنفع حياتنا ولا أبديتنا، لأن قصده من معرفته أن يكون لنا شركه معه، لذلك اتحد بنا ليس فكرياً، بل اتحد بنا اتحاد حقيقي لنكون واحداً معه، ويُقيم شركة معنا وندخل داخل الله فتكون أبديتنا مضمونه، لأننا صرنا أبناء وليس عبيد: 

  • [ لا أعود أُسميكم عبيداً، لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيده، لكني قد سميتكم أحباء لأني أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي ] (يوحنا 15: 15)
  • [ لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع ] (غلاطية 3: 26)
  • [ ثم بما إنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً يا أبا الآب ] (غلاطية 4: 6)

معنى الآب الإله الحقيقي وحده !

نقرأ في الكتاب المقدس أن الآب هو الإله الحقيقي وحده ، ويقول قائل أن الآية هنا تنفي علاقة المسيح بالآب ، حيث أن المسيح – له المجد – يشهد أن الآب هو الإله الحقيقي وحده ( فقط ) :
” وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع الذي أرسلته ” ( يو17: 3 )

 

مع أن الكتاب المقدس واضح كشمس النهار وهنا يقع اسم يسوع المسيح موقع التكميل للتوضيح حسب عادة الكتاب المقدس في تفسير المعاني الصعبة . فالآب هو الإله الحقيقي الوحيد مع ابنه يسوع المسيح الذي أرسله لإعلان أبوته ووحدانيته والحق الإلهي الذي فيه .

 

ويقول القديس أثناسيوس الرسولي :
فإن كان الآب يُسمى ” الإله الحقيقي الوحيد ” فهذا قيل ليس بغرض نفي حقيقة المسيح الذي قال عن نفسه ” أنا الحق ” ، ولكن يقصد إقصاء ( الآلهة ) التي ليست هي ” الحق ” عن الآب وكلمته اللذين هما الحق . ومن أجل هذا فإن الرب أضاف حالاً ” ويسوع المسيح الذي أرسلته ” … وهكذا بإضافة نفسه إلى الآب أوضح أنه من جوهر الآب . وأعطانا أن نعرف أنه من الآب الحقيقي كابن حقيقي ، ويوحنا نفسه كما تعلَّم ( من الوحي في الإنجيل ) هكذا كان يُعلَّم ( بالروح ) في رسالته ” ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ” ( 1يو5: 20 ) ] ( عن رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى سيرابيون )

 

ولهذا يشرح الآباء العلاقة السرية بين الآب والابن كما نقولها في قانون الإيمان : [ نور من نور ، إله حق من إله حق ]

 

ونضع الآيات مقابل بعضها البعض لإظهار عظمة وقوة كلمات ربنا يسوع وفعل الحياة الأبدية التي صارت لنا من خلال الابن في معرفة الآب :

 

” وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع الذي أرسلته ” ( يو17: 3 ) ” لا أحد يعرف الآب إلا الإبن ومن أراد الإبن أن يُعلن له ” ( مت11: 27 )
” لأن الإنسان لا يراني ويعيش ” ( خر33: 20 ) ” الله لم يَرَهُ أحد قط الإبن الوحيد الذي هو في حضن الآب هوَّ خبَّر ” ( يو1: 18 ) 
” الذي رآني فقد رأى الآب ” ( يو14: 9 ) ” لو كنتم عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً ” ( يو14: 7 )

 

المسيح – له المجد – جاء يعلن الآب المحتجب عن الإنسان الذي لم يعرفه ولم يبصره . فمعرفة الآب يستحيل أن تتم بدون المسيح ، الذي أتى وأعلن لنا الآب وعرفنا سرّ الحياة الأبدية كقوة تسري فينا من وحدتنا معه كما أعطانا …

 

وصفة : ” الله واحد ” هي صفة جوهرية من واقع طبيعته وليس من جهة عدده ، فالله لا يعد ، فهو ليس واحد ولا اثنين ولا ثلاثة ولا أربعة عددياً ولا ينطبق عليه كل قوانين العدد ما بين الواحد أو الثلاثة أو أي أرقام عددية ، وليس هناك أول وثاني وثالث في الله من جهة الترتيب أو الأقدمية أو أضافه واحد لآخر لأن هذا يليق بالإنسان وليس بالله الواحد … 

فحينما نقول أن : الله واحد
فأننا نتعمق طبيعته ، كوصف لحقيقة الله لذاته واستعلانه الخاص عن ذاته ، على أن ( الواحد المطلق ) هو هو بآن واحد ( الحق المطلق ) ، وهو هو ( الإله الواحد ) حتماً .

 

ولكن المسيح – له المجد – أتى ليعلن الآب المحتجب عن الإنسان . فمعرفة الآب تستحيل أن تتم بدون المسيح له المجد ، الذي جاء يستعلنه في ذاته وفي طبيعته ، فذكر المسيح مع الله الآب له المجد : هو بقصد التكميل الاستعلاني وليس الإضافة .

 

وكما أن الابن يُمجد الآب ، والآب يُمجد الابن ، كذلك فالابن يستعلن الآب ، والآب يستعلن الابن بالروح القدس .

 

لذلك يستحيل معرفة أحدهما بدون الآخر . لذلك يقول رب المجد يسوع المسيح : ” الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع الذي أرسلته 

 

والقديس يوحنا يظهر المعنى في منتهى الإبداع في رسالته قائلاً : ” ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح ، هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ” (1بو5: 20 )

 

وهنا واضح من وضع الآيتين مقابل بعضهما البعض ، الوحدة بين الآب والابن بلا أي انفصال أو تشويش …
” الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع الذي أرسلته ” ” ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح ، هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية 

 

ويقول القديس اثناسيوس الرسولي 
لأنه حيثما ذُكر الآب ذُكر ضمناً كلمته والروح القدس الذي هو في الابن ، وإذا ذُكر الابن فإن الآب في الابن والروح القدس ليس خارج الكلمة ، لأن من الآب نعمة واحدة تتم بالابن في الروح القدس . وهناك طبيعة واحدة وإله واحد ” على الكل وبالكل وفي الكل ” ( أف4: 6 ) ]

 

Athanas. To Serap., 1:14

 

وإن كانت توجد في الثالوث القدوس هذه المساواة وهذا الاتحاد فمن الذي يستطيع أن يفصل الابن عن الآب أو يفصل الروح القدس عن الابن أو عن الآب نفسه ]

 

Athanas. To Serap., 1:20

 

لنتأمل في تقليد الكنيسة الجامعة وتعاليمها وإيمانها منذ البدء التي أعطاها الرب وكرز بها الرسل وحفظها الآباء . على هذه تأسست الكنيسة ، ومن يسقط منها لا يعتبر مسيحياً . إن هناك ثالوثاً مقدساً وكاملاً ومعترفاً به أنه الله الآب والإبن والروح القدس ، لا يتكون من واحد يخلق وآخر يُبدع بل الكل يخلقون ، وهو متماثل ( متساوي ) ، وفي الطبيعة غير قابل للتجزئة ، ونشاطه واحد . الآب يعمل كل الأشياء بالكلمة في الروح القدس وهكذا تُحفظ الوحدة في الثالوث القدوس ، وهكذا يُنادى بإله واحد في الكنيسة ” الذي على الكل ، وبالكل ، وفي الكل ” ، فعلى (( الكل )) كآب ، (( وبالكل )) أي بالكلمة ، (( وفي )) الكل أي في الروح القدس ، هو ثالوث ليس فقط بالاسم وبالكلام بل بالحق والفعل ، لأنه كما أن الآب واحد وإله على الكل هكذا أيضاً كلمته واحد وإله على الكل ، والروح القدس ليس بدون وجود فعلي ، بل هوَّ كائن وله وجود فعلي ]

 

Athanas, to Serap. 1: 28

 

 

سلسلة كيف أتوب -2- معنى التوبة في العهدين.

تابــــــع سلسلة كيف أتـــــوب – الجزء الثاني
التوبة ربيع الإنسان وتجديده المستمر
ثانياً: معنى التوبــــــــــــة في العهدين
للرجوع للجزء الأول أضغط هنا.
  • [2] معنى التوبة في الكتاب المقدس

التوبة لها عدة معاني من أهمها:

  • (1) تغيير العقل والفكر
  • (2) الشعور بالندم والتأسف على الزمن الضائع في حياة الفساد، لأن هنا أدرك الإنسان ضياع حياته
  • (3) التحول في الاتجاه والطريق، التحول عن الخطية بعيداً والعودة إلى الله ومن ثمَّ بداية التغيير الأخلاقي حسب وصية الله

والمعنى الأخير هو المشهور والهام في الكتاب المقدس، وهذا المعنى له شقين، سلبي وإيجابي:

  • الجانب السلبي = البُعد عن الخطية وعناد القلب ضد التوبة، وعدم الاستمرار في الخطية
  • الجانب الإيجابي = العودة والرجوع لله الحي، والبدء في حياة جديدة بنعمة الله تظهر ثمارها في التغيير الملحوظ في الأخلاق والتعلق بالله والحياة بالوصية، وهذا الجانب يظهر في حياة الابن الضال
  • أولاً – التوبة في العهد القديم:

نلاحظ أن التعبير الشائع في العهد القديم عن التوبة هو: 
1 – [ العودة أو الرجوع ]، ففي توبيخ إرميا النبي لحماقة شعب الله يقول: [ هل يسقطون ولا يقومون أو يرتد احد ولا يرجع ] (إرميا 8: 4)
2 – يوجد تعبير آخر أقل شيوعاً وهو: [ يندم ويتوب ] 
واستقر الفهم في المعنيان في (1، 2) على العودة إلى الله والتحوِّل إليه، بعد تغيير في الفكر الذي ترسخ فيه ضرورة العودة لله لأجل الخلاص والحياة وأن الشرّ لا ينفع لأنه يدمر النفس، وهذا يأتي عادة بعد خبرة حياة الشرّ والشعور بعدم منفعته لأنه الشر بطبيعته مُدمر لملكات النفس على كل وجه…
فإسرائيل مدين بطاعة الله لأنه هو حياته، لأنه شعبه الخاص الذي أحبهم ويحملهم ويقودهم حسب قصده كأحباء أخصاء له، لذلك يقع في الدينونة في حالة العصيان وتنكيث العهد، ويُمكنهم إرضاء الله بالندم والتأسف على ما فعلوا ومن ثمَّ الرجوع إليه بالتوبة والاعتراف بخطاياهم وذنوب آبائهم، وتوجد أيام للتوبة في إسرائيل لكافة جموع الشعب نجد ملامحها في نحميا 9: [ وفي اليوم الرابع والعشرين من هذا الشهر اجتمع بنو إسرائيل بالصوم وعليهم مسوح وتراب، وانفصل نسل إسرائيل من جميع بني الغرباء، ووقفوا واعترفوا بخطاياهم وذنوب آبائهم، وأقاموا في مكانهم وقرأوا في سفر شريعة الرب إلههم رُبع النهار وفي الرُبع الآخر كانوا يحمدون ويسجدون للرب الههم… وصرخوا بصوت عظيم إلى الرب إلههم ] (نحميا 9: 1 – 3)
ونجد هنا علامات التوبة واضحة من الناحية العملية على المستوى الواقع العملي المُعاش:

وهذه كلها لا يخرج عنها العهد القديم في كل حركات التوبة الحقيقية لشعب إسرائيل..
ولو كملنا في هذا السفر ورأينا الصلاة بعد ذلك، فسنجد أن هذه الصلاة مثال الصلوات التي تخص التوبة وفيها تذكُّر مراحم الرب لإسرائيل وعمله معهم، ثم التضرع للرب لأجل الرحمة والنجاة، ثم الميثاق وقطع العهد مع الله بتقديم توبة صادقة مع التعهد بالتزام بنودها وصدق الأمانة لله…
ونجد أيضاً هذا ظاهر في باقي الأسفار فيقول إشعياء النبي عن مراحم الله: 

ثم نجد عاموس يُعبِّر عن رفض الرب للعبادة الشكلية الكاذبة ليُطالب بالتوبة الصادقة، لأن التوبة الحقيقية تخرج الإنسان من شكل العبادة إلى جوهرها كروح وحياة لتدخل في حيز التطبيق العملي على مستوى الخبرة والشركة مع الله الحي والقديسين، فيقول: 

ونجد في العهد القديم أنه يركز على وعد التوبة من نوع جديد ثابت، لأن كل ما حدث لشعب إسرائيل قديماً انهم لم يثبتوا في عهد التوبة مهما كان صدقهم، وذلك لأنهم لم يتغيروا ويدخلوا في سرّ الحياة الجديدة، لذلك العهد القديم ركز على وعد التجديد، تجديد الحياة.

ولنلاحظ هنا عجز الشعب في تتميم هذا، لأن حزقيال يتكلم بروح النبوة، والله بهذا يكشف للشعب أنه لن يستطيع أن يعمل لنفسه قلب جديد ولا روح جديدة، وحدث فعلاً أن الشعب عاد لله كثيراً ولكنه سرعان ما يرتد مرة أخرى ويتعوج طريقة، وعادة نجد الرجوع لفترات قصيرة جداً ومحدودة، والبعد طويل للغاية لفترات قد تجتاز السنوات الطويلة والتي قد تعبر على أجيال، وهذا يوضح عجز الإنسانية الواقعة تحت سلطان الموت، لذلك نجد أن حتى داود النبي والملك الذي وجد الله قلبه صالح، يصرخ قائلاً: [ قلباً نقياً أخلق في يا الله، وروحاً مستقيماً جدد في داخلي ] (مزمور 51: 10)

+ ونجد أن الأسفار تُعلن أن التوبة الحقيقية الفاعلة في قلب الإنسان لن تأتي إلا نتيجة الفداء الإلهي حسب الوعد الأول الذي ظهر فور سقوط آدم (نسل المرأة يسحق راس الحية)، لذلك يقول إشعياء النبي بروح النبوة عن المواعيد لإسرائيل: [ قد محوت كغيم ذنوبك وكسحابة خطاياك. أرجع إليَّ لأني فديتك ] (إشعياء 44: 22)
ويقول إرميا النبي: [ بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب. أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً ] (إرميا 31: 33)
ويقول حزقيال: [ وأعطيهم قلباً جديداً وأجعل في داخلهم روحاً جديداً، وأنزع قلب الحجر من لحمهم وأعطيهم قلب لحم ] (حزقيال 21: 19)

نجد أن أول افتتاحية للعهد الجديد هو نداء التوبة، لا من ناحية الفكر بل من الناحية العملية على مستوى واقع الإنسانية المتعبة التي تصرخ بصمت وأنين قلبي خاص من الألم الموجع الذي لتسلط الخطية بالموت، لذلك نجد يوحنا المعمدان يستمر في إعلان متطلبات التوبة لتهيئة القلوب لتتميم الوعد وظهور الحياة الجديدة في حمل الله رافع خطية العالم، الذي وحده من اجتاز الموت ليكسر شوكة الخطية ويبيد سلطان الموت ويهدم قوة المُعاند أي إبليس ليفلت الكل من يده ولا يكون له سلطان على أحد إلا من يسلمه نفسه بإرادته الواعية ولا يُريد أن يدخل في سر عتق المسيح الرب…
لذلك نجد نداء القديس يوحنا المعمدان نداء من نوع خاص يُظهر فيه متطلبات التوبة في بداية العهد الجديد لذلك يقول: [ فاصنعوا ثماراً تليق بالتوبة، ولا تفتكروا (تتحججوا) أن تقولوا لنا إبراهيم أباً، لأني أقول لكم أن الله قادر أن يُقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم. والآن وُضِعت الفأس على أصل الشجرة، فكل شجرة لا تصنع ثماراً جيدة تُقطع وتُلقى في النار ] ( متى 3: 8 – 10)

ولو ركزنا في كلام القديس يوحنا المعمدان فأننا نُلاحظ أنه يُوجه الناس للتوبة الحقيقية على مستوى الواقع العملي لا النظري، وينفي كل حجة تُقال من جهة الافتخار بالانتساب لله عن طريق إبراهيم أب الآباء الذي حُسِب إيمانه براً، وهذا ما نفعله على المستوى الشخصي أحياناً بظني إني أحيا مع الله ولا حاجة لي للتوبة لأني ابناً لله كمسيحي والله قبلني ويقبلني في أي وقت وساعة، وذلك لأني آمنت به وأحيا معه، مع إنني أحتاج لأن أتوب وأتغير باستمرار ويظهر هذا كثمر في حياتي الشخصية عملياً وليس مجرد كلمات تُقال وألفاظ يُنطق بها معتمداً على لطف الله وطول أناته وأعمل ما شئت أنا:

  • [ أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته غير عالم أن لُطف الله إنما يقتادك إلى التوبة ] (رومية 2: 4)
  • [ فهوذا لطف الله وصرامته، أما الصرامة فعلى الذين سقطوا، وأما اللطف فلك أن ثبت في اللطف، وإلا فأنت أيضاً ستُقطع ] (رومية 11: 22)

والقديس بولس استلهم هذا الوضع وأظهر فضيحة قلب الإنسان الذي يتكل على أشياء في مضمونها رائع ولكن في جوهرها هروب من واقع الحياة حسب الحق الذي أعلنه الله الحي لنا لكي نواجه أنفسنا فنعود إليه تائبين بصدق، فنجده يقول في رسالة رومية:

  • [ هوذا أنت تُسمى يهودياً وتتكل على الناموس وتفتخر بالله. وتعرف مشيئته وتُميز الأمور المتخالفة مُتعلماً من الناموس. وتثق أنك قائد للعميان ونور للذين في الظلمة. ومهذب للأغبياء ومُعلم للأطفال ولك صورة العلم والحق في الناموس. فأنت إذاً الذي تُعلِّم غيرك ألست تُعلِّم نفسك، الذي تكرز أن لا يُسرق أتسرق. الذي تقول أن لا يُزنى أتزني، الذي تستكره الأوثان أتسرق الهياكل. الذي تفتخر بالناموس أبتعدي الناموس تُهين الله. لأن اسم الله يُجدف عليه بسببكم بين الأمم كما هو مكتوب. فأن الختان ينفع أن عملت بالناموس ولكن أن كنت متعدياً الناموس فقد صار ختانك غُرلة. إذاً أن كان الأغرل (الأممي البعيد عن الله ولا يعرف الناموس والمواعيد) يحفظ أحكام الناموس أفما تحسب غرلته ختاناً. وتكون الغرلة التي من الطبيعة وهي تُكمل الناموس تدينك أنت الذي في الكتاب والختان تتعدى الناموس. لأن اليهودي (والمسيحي) في الظاهر ليس هو يهودياً (أو مسيحياً) ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختاناً. بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان الذي مدحه ليس من الناس بل من الله ] (رومية 2: 17 – 29)

عموماً هذه هي قاعدة مواجهة النفس مع كلمة الله التي تكشف أعماق الضمير وخفايا القلب الغير ظاهره، ليعرف الإنسان نفسه ويكتشف عورة حياته لكي يرجع لله ليُشفى، وهذه هي التوبة بمعناها البسيط في العهد الجديد، لذلك نجد أنها تأخذ معناها القوي البسيط العميق بنطق ربنا يسوع المسيح، الله الذي أظهر قوتها بإعلانه الخاص وظهوره في الجسد قائلاً: [ قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل ] (مرقس 1: 15)

وقد شرح الرب بنفسه معنى التوبة لكي نفهم أصولها حسب قصده هو لا حسب معرفتنا وفلسفتنا الشخصية، لأنه وضح أن التوبة ليست مجرد أن يكف الإنسان عن الخطية ويُصبح إنسان ذو أخلاق في المجتمع وحياة التوبة بالنسبة له حياة خارجية أمام الناس، لكنه أظهر أن التوبة ضرورية للحياة فيه لذلك تتضمن الشخص بكامله، أي داخله وخارجه معاً، لأن التوبة تمس العقل أولاً لتغيير الفكر ليعي الإنسان ويُدرك أنه يحتاج أن يدخل في سرّ التوبة، ثم بعد ذلك تنزل لقلبه فيتغير داخلياً ثم تثمر فيه ثمراً جيداً يظهر أمام الجميع فيكون المدح لله الذي عمل فيه ووضع سره الخاص في داخله، لذلك يقول الرب يسوع: [ اجعلوا الشجرة جيدة وثمارها جيداً… لأن من الثمر تُعرف الشجرة ] (متى 12: 33)، لأن يا إخوتي أن كان الغرس جيد، والبذرة صحيحة جيدة، فأنها تُخرج شجرة أن تم رعايتها رعاية صالحة فأن ثمرها يعبر عن جودتها…

ولذلك نجد أن الرب يعود ويوضح ويؤكد على الداخل لذلك يقول: [ نقِ أولاً داخل الكأس والصفحة لكي يكون خارجها أيضاً نقياً ] (متى 23: 26)، لذلك علينا أن نحذر من أن نهتم بالخارج فقط وننسى الداخل، لأن الأصل في الداخل وليس بالخارج، لأن الخارج يُعبر عن الداخل، وأن غيرنا الخارج ليُصبح جميلاً أمام الناس وتركنا الداخل، فأننا نخدع أنفسنا ونغشها، لأنه ماذا ينتفع إنسان من أن يُطلي بيته من الخارج ويضع له كل زينة مع زروع وأزهار رائعة يسقيها ويعتني بها، حتى أن كل من يمر به يمدحه ويحسده على بيته، مع أنه أهمل داخل البيت حتى أنه امتلئ من كل قذارة ووسخ وسكنته الحشرات الضارة، وفاحت فيه كل رائحة نتنة حتى أن كل من يدخله يصاب بالاختناق والأعياء، وبكونه تعود وعاش في هذا الجو الموبوء فأنه لا يشعر بمدى الأمراض التي اصابته من جراء هذا العفن الذي ملأ بيته من الداخل… وهكذا كل من يهتم بشكله أمام الناس وينسى داخله يُصبح مريضاً بكل مرض ولا يشعر بمدى مرضة بل وقد يفتخر بعمله الظاهر الممدوح من الناس مع أنه مملوء من كل خراب وفي دمار نفسي وقلبي ومنطرح عن الله بعيداً جداً…
وهذا يحتاج إلى أن يُسرع ليستفيق طالباً العناية الإلهية الفائقة التي للطبيب الأعظم شخص ربنا يسوع حتى تُشفى نفسه ويأتيه مسرعاً ليطرد من بيته كل الوحوش الضارة أي الخطية التي فتكت بنفسه وشوهت داخله ويعيده مثل ولد في البراءة وبساطة القلب النقي: [ إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات ] (متى 18: 3)

  • + عموماً إن كان الأنبياء قد علَّموا بأن التوبة هي نوال الخاطئ قلباً جديداً وروحاً جديداً، نجد أن العنصر الجديد والهام في بشارة الرب يسوع في العهد الجديد، هي أن التوبة في عمق معناها اللاهوتي [ أي القلب الجديد والروح الجديد ] ليست في قدرة الإنسان ولا صناعته، بل هي الإيمان والثقة الشديدة في محبة الله الذي وحده قادر أن يُقيم الموتى من بُقعة العظام الجافة، وهذا ما نجده في حزقيال مكتوباً بروح النبوة عن عمل الله في العهد الجديد الذي فيه يُقيم الإنسان من موت الخطية الذي دمر كل ملكات نفسه حتى صار مثل العظام النخرة في قبور الموت الذي تحللت فيها الأجساد ولم يعد في مقدور أحد أن يقيمها قط. (رجاء قراءة حزقيال 37: 1 – 14 وذلك للضرورة)

ونرى أن الرب يسوع قد أعلن أن هذا الزمان الذي يقيم فيه الإنسان من تحت سلطان الموت والفساد، قد أتى الآن [ قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل ] (مرقس 1: 15)

والإيمان على هذا المستوى هو عبارة عن تحول من الفساد لعدم الفساد، من الموت للحياة، لأن التوبة في مفهومها الأصيل، هي عبارة عن تغيير في الفكر، بإحلال فكر محل فكر أي بالمعنى الرسولي: [ أما نحن فلنا فكر المسيح ]، وايضاً هي تحول في الاتجاه، من اليسار إلى اليمين أي من الموت للحياة، ومن الدينونة للبرّ، وبالمعنى الكتابي هو هتاف فرحة قلب انتقل من الموت للحياة بالإيمان الحي [ أين شكوتك يا موت أين غلبتك يا هاوية ]، وفي النهاية هذا كله يظهر في تغيير سلوك الإنسان كُلياً بناء على الإيمان الجديد الحي الذي اقتناه بالسرّ في قلبه كهبة نعمة ومنحة من الله، مبني على أساس استنارة الذهن، أدى إلى علاقة صحيحة مع الله الحي.

_________________________

وفي الجزء القادم سنتحدث عن
ثالثاً: دعوة التوبــــــــــة 


تابع دراسة في الذبائح (13) معنى الدم في العهد الجديد ومصطلحاته.

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח– ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
Sacrifice 166 – Sacrifices 142 – Sacrificing 12
[ الجزء 13 ]
4 – تابع/ ذبيحة الصليب في ضوء ذبائح العهد القديم
تابع (جـ) الذبائح الدموية والتقدمات الطعامية 
(3) الدم ومعناه في العهد الجديد وبعض المصطلحات التي تدل عليه
للرجوع للجزء الثانى عشر أضغط هنـا.
[3] في العهد الجديد: ترد كلمة αἷμα (دم) حوالي 97 مرة، حيث تُستخدم للدلالة على الدم الإنساني حرفياً ومجازاً: 
حرفياً: [ وامرأة بنزف دم مُنذُ اثنتي عشر سنة ] (مر5: 25)؛ [ وكان حاضراً في ذلك الوقت قوم يخبرونه عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم ] (لو 13: 1)؛ [ ولكن واحداً من العَسكَر طعن جنبه بالحربة، وللوقت خرج دَمٍ وماء ] (يو 19: 34)
ومجازاً من جهة الحكم: [ لكي يأتي عليكم كل دمٍ ذكي سُفك على الأرض، من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن بَرَخيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح. الحق أقول لكم : إن هذا كله يأتي على هذا الجيل ] (مت 23: 35 – 36)
وتأتي بمعنى قوي من جهة الجهاد ضد الشر والخطية [ لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية ] (عبرانيين 12: 4)
وكما تأتي الكلمة أيضاً لتُعبَّر عن دم الحيوانات عموماً [ بل يُرسَلْ إليهم أن يمتنعوا عن نجاسات الأصنام، والزنا، والخنوق، والدم … أن تمتنعوا عما ذُبح للأصنام، وعن الدم، والمخنوق، والزنا، التي إن حَفظتم أنفسكم منها فنِعِمّا تفعلون. كونوا معافين ] (أعمال 15: 20، 29)؛ وتعبر أيضاً عن دم الذبائح بوجه خاص: [ وقد ذكرت بهذا المعنى في عبرانيين حوالي 12 مرة ] 

وطبعاً تأتي بشكل أكثر أهمية كتعبير لاهوتي عن دم المسيح، حيث أنها رُبطت مباشرة 25 مرة بأهمية الخلاص بموت ربنا يسوع؛ وأيضاً كإشارة رؤيوية ( 9 مرات ) .

[أ] كلمة αἷμα (دم) ترد كدم إنساني حامل للحياة ومتصل بالجسد :

[ الذين ولدوا ليس من دمٍ ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل ] (يو1: 13)
والتعبير إراقة الدم يُشير إلى موت عنيف لشخص على يد آخرين [ أرجلهم سريعة إلى سفك الدم ] (رو3: 15)
وبالطريقة نفسها دم يسوع يمكن أن يُشير إلى موته العنيف وسفك دمٍ بريء، وهذا ظاهر في اعترافات يهوذا وبيلاطس والشعب وكهنة إسرائيل ورؤسائهم: [ حينئذٍ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دينَ، فندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلاً: قد أخطأت إذ سلَّمتُ دماً بريئاً ] (متى 27: 3 و4)؛ [ فلما رأى بيلاطس أنه لا ينفع شيئاً، بل بالحري يحدث شغب، أخذ ماءً وغسل يديه قُدام الجمع قائلاً : إني بريء من دم هذا البار! أبصروا أنتم! فأجاب جميع الشعب وقالوا: دمه علينا وعلى أولادنا ] (متى 27: 24 و25)؛ [ فلما أحضروهم (الرسل) أوقفوهم في المجمع فسألهم رئيس الكهنة قائلاً : “أما أوصيناكم وصية أن لا تُعلِّموا بهذا الاسم ؟ وها أنتم ملأتم أورشليم بتعليمكم، وتريدون أن تجلبوا علينا دم هذا الإنسان ] (أعمال 5: 28)

وبما إن الله هو وحده رب لكل حياة، لأنه هو الواهب الحياة لكل أحد، فهو الخالق العظيم ولا سلطان لآخر على حياة أحد مهما كان وضعه أو سلطانه الديني أو السياسي أو القضائي [ وليس معنى هذا أن القضاء لا يسري كقانون على أي إنسان، بل الكلام هنا يخص السلطان على حياة الإنسان ]، فالله وحده من يهب الحياة ويأخذها، لأنها منه وإليه ، حتى لو القضاء حكم بعدل بموت إنسان لأنه قاتل، فهو بذلك لا يضع سلطان على النفس بل يحكم حكم العدل حسب الأمر الإلهي ، من قتل يُقتل ، ولكن عن طريق القضاء فقط …
فالله كرب الحياة ومانحها وحده، لذلك فهو من يُسيطر على الدم والحياة الإنسانية، وهو من يقتص للدم الإنساني البريء [ تكوين 9: 5] ، وعلى الأخص دم الشهداء من الأنبياء والرجال الصالحين ومُحبين اسمه المؤمنين به المقتولين ظلماً وعدواناً لأن اسمه عليهم [ وتقولون لو كنا في أيام آباءنا لما شاركناهم في دم الأنبياء . فأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء. فاملأوا أنتم مكيال آبائكم … ها أنا أُرسل إليكم أنبياء وحُكماء وكتبة فمنهم تقتلون وتصلبون ومنهم تجلدون في مجامعكم وتطردون من مدينة إلى مدينة. لكي يأتي عليكم كل دمٍ زكي سُفك على الأرض من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا ابن براخيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح. الحق أقول لكم أن هذا كله يأتي على هذا الجيل ] [ متى 23: 30 – 36 ]

كما نرى في سفر الرؤيا صراخ الأبرار للانتقام لدمهم المراق بسبب بذل حياتهم في سبيل كلمة الله ، وطبعاً الانتقام هنا بمعنى الدينونة الأخيرة وانتهاء الأزمنة ، وليس معنى الانتقام كتشفي أو دفع ثمن ، فالدينونة تأتي على من سفك دم بريء لأن الدم يصرخ إلى الله ، كما قال في العهد القديم لقايين: [ ماذا فعلت صوت دم أخيك صارخ إليَّ من الأرض. فالآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك ] [ تكوين 4: 10 – 11 ]
[ ولما فتح الختم الخامس رأيت تحت المذبح نفوس الذين قُتُلوا من أجل كلمة الله ومن أجل الشهادة التي كانت عندهم . وصرخوا بصوتٍ عظيم قائلين حتى متى أيها السيد القدوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض. فأُعطوا كل واحد ثياباً بيضاً وقيل لهم أن يستريحوا زماناً يسيراً أيضاً حتى يَكْمَلَ العبيد رُفقاؤهم وإخوتهم أيضاً العتيدون أن يُقتلوا مثلهم ] ( رؤيا 6: 10 – 12 )
[ وسمعت ملاك المياه يقول: عادلٌ أنت أيها الكائن والذي كان والذي يكون، لأنك حكمت هكذا، لأنهم سفكوا دم القديسين وأنبياء، فأعطيتهم دماً ليشربوا لأنهم مستحقون 
وسمعت آخر من المذبح قائلاً : نعم أيها الرب الإله القادر على كل شيء، حق وعادلة هي أحكامك ] [ رؤيا 16: 5 – 7 ] 
[ ثم جاء واحد من السبعة الملائكة … وتكلم معي قائلاً لي : ” هلمَّ فأُريك دينونة الزانية العظيمة الجالسة على المياه الكثيرة التي زنا معها ملوك الأرض وسكر سكان الأرض من خمر زناها ” فمضى بي بالروح إلى البرية ، فرأيت امرأة جالسة على وحش قرمزي مملوء أسماء تجديف … والمرأة كانت متسربلة بأرجوان وقرمز، ومتحلية بذهب وحجارة كريمة ولؤلؤ، ومعها كأس من ذهب في يدها مملوء رَجاسات ونجاسات زناها، وعلى جبهتها اسم مكتوب : ” سرّ بابل العظيمة أم الزواني ورجسات الأرض ” 
ورأيت المرأة سَكرَى من دم القديسين ومن دم شهداء يسوع ] [ رؤيا 17 1 – 6 ] 
والله سيدين المسكونة بالعدل في الدينونة الأخيرة وينتقم من سافكوا دماء عبيده الذين لم يتوبوا ولم يرجعوا عن فسادهم وتجديفهم العنيد ضد الله وتحدي سلطانة على حياة النفوس:
[ ونظرت لما فتح الختم السادس وإذا زلزلة عظيمة حدثت والشمس صارت سوداء كَمسح من شعر والقمر صار كالدم. ونجوم السماء سقطت إلى الأرض كما تَطرح شجرة التين سُقاطها ( أي الثمر المـتأخر ) إذا هزتها ريح عظيمة. والسماء انفلقت كدرج مُلتف وكل جبلٍ وجزيرة تزحزحا من موضعهما. وملوك الأرض والعظماء والأغنياء والأمراء والأقوياء وكل عبد وكل حُرّ أخفوا أنفسهم في المغاير وفي صخور الجبال وهم يقولون للجبال أسقطي علينا وأخفينا من وجه الجالس على العرش وعن غضب الخروف. لأنه قد جاء يوم غضبه العظيم ومن يستطيع الوقوف ] [ رؤيا 6: 12 – 17 ]
[ وبعد هذا سمعت صوتاً عظيماً من جَمعٍ كثير في السماء قائلاً : ” هللويا الخلاص والمجد والكرامة والقدرة للرب إلهنا، لأن أحكامه حق وعادلة، إذ قد دان الزانية العظيمة التي أفسدت الأرض بزناها، وانتقم لدم عبيده من يدها ” 
وقالوا ثانية : ” ودخانها يصعد إلى أبد الآبدين ” ] [ رؤيا 19: 1 – 3 ]

[ب] والدم يُمكن أن يدل على كامل الشخص في نظر الله:

لأن أي فرد ينبغي أن يُعطي حساباً عن نفسه أمام الله ، لأن كل واحد مسئول عن نفسه وعن خلاصه ، أي تقبله الخلاص بإيمان شخصي واعي وتقديم توبة صادقة وحقيقية وأن يتبع يسوع في نفس الدرب الذي رسمه لنسير فيه ، فلا يوجد مسئول آخر عن حياة الإنسان غير الإنسان نفسه ، لأن للأسف التملص من المسئولية بدأ منذ أول يوم سقط فيه الإنسان عموماً منذ بداية الخلق ، فنسمع صوت آدم وحواء في إلقاء مسئولية السقوط لا على أنفسهم بل على الآخر :
[ وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار. فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة:. فنادى الرب الإله آدم أين أنت، فقال : سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت. فقال : من أعلمك أنك عُريان. هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها. 
فقال آدم : المرأة التي جعلتها معي هي أعطيتني من الشجرة فأكلت. فقال الرب الإله للمرأة ما هذا الذي فعلت. فقالت المرأة الحية غرتني فأكلت … ] [ تكوين3: 8 – 13 ]
والقديس بولس ببصيرة روحية نافذة لأعماق النفس ومرضها الدفين ، كشف وشخص المرض ونطق بالحكم حينما كان يكرز ويبشر اليهود ولم يسمعوا بعناد قلب فقال : [ دمكم على رؤوسكم! أنا بريء] [ أعمال 18: 6 ] و [ لذلك أُشهدكم اليوم هذا أني بريء من دم الجميع، لأني لم أؤخر أن أخبركم بكل مشورة الله. احترزوا إذاً لأنفسكم ولجميع الرعية … ] [ أعمال 20: 26 ]
وعلى ما يبدو أن القديس بولس كرسول من الله وخادم أمين مُعَيَّن من قِبَل الله كان في ذهنه ما تم كتابته في حزقيال : [ يا بن آدم قد جعلتك رقيباً لبيت إسرائيل فاسمع الكلمة من فمي وأنذرهم [ احترزوا لأنفسكم (الشاهد السابق) ] من قِبَلي. إذا قلت للشرير موتاً تموت وما أنذرته أنت ولا تكلمت (كرقيب مُعَيَّن) إنذاراً للشرير من طريقه الرديئة لإحيائه فذلك الشرير يموت بإثمه أما دمه فمن يدك أطلبه. وإن أنذرت أنت الشرير (كرقيب أمين) ولم يرجع عن شره ولا عن طريقه الرديئة فإنه يموت بإثمه. أما أنت فقد نجيت نفسك. والبار إن رجع عن بِرِه وعمل إثماً وجعلت معثرة أمامه فإنه يموت. لأنك لم تُنذره يموت في خطيته ولا يُذكر بِرِه الذي عمله. أما دمه فمن يدك أطلبه. وإن أنذرت أنت البار من أن يُخطئ البار وهو لم يُخطأ فنه حياة يحيا لأنه أُنذر وأنت تكون قد نجيت نفسك ] [ حزقيال 3: 17 – 21 ]
عموماً نجد أن القديس بولس الرسول الوكيل الأمين على رعية الله أنجز مهمته بإخلاص بإعلان الإنجيل، وكل من خدمهم وارسل لهم رسائل إنذار وتعليم كانوا مسئولين عن حياتهم بالتمام منذ وقت إنذارهم إلى يوم انتقالهم ، وهكذا كل نفس اليوم وصل لها بشارة الإنجيل والإنذار من الهلاك الأبدي ودعوتهم للتوبة هم مسئولين عن أنفسهم ودمهم عليهم !!!

[جـ] التعبير [ دمٍ ولحم ] :

يُصوَرُ ضعف الطبيعة الإنسانية وسرعة زوالها، أي يُعبَّر عن ضعف بشريتنا ، وأيضاً يُعبَّر كتعبير رئيسي في العهد الجديد على الوقوع تحت سلطان عبودية الخطية والموت ، لذلك مكتوب أن دمٍ ولحم لا يرثان ملكوت الله ، وذلك بسبب طبيعة الإنسان الساقطة تحت سلطان الموت الناشئ من تيار الفساد الذي سطا على إنسانيتنا التي سقطت بحريتها وإرادتها ، فتغيرت الطبيعة البشرية من حالة مجد وشركة مع الله في النور ، لحالة من الهوان والظلمة التي لا تقدر أن تتعامل مع الله النور الحقيقي ، لأن عندما يُشرق الله تتبدد الظلمة وتتلاشى ، لذلك قال الله لموسى لا يراني إنسان ويعيش ، لا لأنه يريد أن يُميت الإنسان بل لأن طبيعة ظلمة الإنسان لن تحتمل نور الله وبهاء مجده ، لذلك حينما رأى الشعب لمحة من نور الله على وجه موسى صرخوا ولم يحتملوا فوضع برقع ليستطيعوا النظر إليه !!!
[ فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما، لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سُلطان الموت، أي إبليس، ويعتق أولئك الذين – خوفاً من الموت – كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية ] [ عبرانيين 2: 14 – 15 ]
فهذا اللفظ [ دمٍ ولحم ] يُشير لحالتنا الساقطة كمخلوقات (كدمٍ ولحم) ، أي في حالتنا الطبيعية كبشر واقعين تحت سلطان عبودية الخطية لا نستطيع المشاركة في مجد الله : [ إن لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله ] [1كورنثوس 15: 50]، والذي يرث ملكوت الله الإنسان الجديد النوراني المخلوق حسب الله ، أي المولود من فوق وله طبع سماوي ، أي المولود من الله …

+ مصطلح دمٍ ولحم ورؤية الله ومعرفته الحقيقية وحرب القوات الشريرة: 

أيضاً تعبير دمٍ ولحم يوجه قلب الإنسان لمعرفة الله الحقيقية واستعلانه الخاص ، فتعبير دمٍ ولحم يدل على عجز المعرفة الإنسانية لأنها مرتبطة بالخطية ، لذلك يفشل الإنسان في إقامة علاقة مع الله القدوس ولا يقدر بالتالي على معرفته ، لأن الله لا يتعامل مع خطية ، وأيضاً الإنسان في حالة السقوط وسيطرة الخطية على قلبه لا يقدر أن يرى الله أو يتعرف عليه حتى لو اقترب إليه ، لذلك معرفة الله الحقيقية لا تأتي على مستوى اللحم والدم ، بل تأتي برؤية خاصة معلنه من السماء في داخل القلب سراً وكما قال الرب لبطرس حينما قال أنت هو المسيح ابن الله الحي : [ إن لحماً ودماً (حسب الترجمة الحرفية) لم يُعلن لك لكن أبي الذي في السماوات ] ( مت16: 17 ) .
وهذا يعني بالطبع أن يترك الإنسان نهائياً كل جهد للاستناد على الرؤية الإلهية بالسلطان الإنساني : [ لما سُرَّ الله الذي أفرزني ( اختارني وخصصني ) من بطن أمي . ودعاني بنعمته . أن يُعلن ابنه فيَّ لأُبشر به بين الأمم، للوقت لم استشر لحماً ودماً ] ( غلاطية 1: 15 – 16 ) …

+ تعبير دمٍ ولحم ومعركة الإيمان [ الحرب الروحية ]: 

ويأتي نفس التعبير ( دمٍ ولحم ) ليدل على معركة الإيمان مع قوات الشر إذ يظهر أن حربنا الروحية [ ليست مع دمٍ ولحم ] (أفسس6: 12) ، وان لهذه الحرب سلاحها الخاص ، ولا نستطيع إيجاد الأسلحة في قدراتنا النفسية ولا طاقتنا الشخصية أو حتى الفكرية ، ولا في أخلاقنا الشخصية ، ولكن اتكالنا على الله واستنادنا عليه هو سر نصرتنا بسلاحه الكامل: 
[ البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس ] (أفسس 6 : 11)
[ من أجل ذلك احملوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تقاوموا في اليوم الشرير و بعد أن تتمموا كل شيء أن تثبتوا ] (أفسس 6 : 13) 

عموماً الإنسان المسيحي يخوض معركتين، معركة داخلية وأخرى خارجية. ويقول القديس مقاريوس الكبير: [ الإنسان الذي يُريد حقيقة أن يُرضي الله ويكون معادياً حقاً للعدو الشرير، ينبغي أن يُقاتل في معركتين. معركة منهما تكون في الأمور المنظورة لهذه الحياة، وذلك بأن يتحوَّل تماماً ويبتعد من الارتباكات الأرضية ومحبة الارتباطات العالمية ومن الشهوات الخاطئة.
والمعركة الأخرى تحدث في الداخل، في الخفاء ضد أرواح الشرّ نفسها كما يقول الرسول ” فإن مصارعتنا ليست مع دمٍ ولحم بل مع الرؤساء، مع أجناد الشرّ الروحية في السماويات ” (أفسس6: 12)

فالإنسان حينما تعدى الوصية وطُرد من الفردوس، صار مُقيداً من ناحيتين، وبقيدين مختلفين. أحد هذين القيدين كان عن طريق هذه الحياة، أي في اهتمامات المعيشة ومحبة العالم، أعني محبة الملذات الجسدية والشهوات، ومحبة الغنى والعظمة والمقتنيات … وكل الأشياء الأخرى المتصلة بالحواس، والتي تحثه كلمة الله على أن ينفك باختياره (حيث إن ما يربط أي إنسان بكل أمور الحواس إنما يكون باختياره ورضاه). حتى إذا تحرر من كل هذه الاهتمامات يستطيع أن يحفظ الوصية حفظاً كاملاً .

وإلى جانب هذا الرباط، ففي كيان الإنسان الداخلي، تكون النفس محاصرة بسياج ومربوطة بقيود الظلمة من أرواح الشرّ، فيكون الإنسان غير قادر أن يحب الرب كما يُريد، أو أن يؤمن كما ينبغي، أو أن يُصلي كما يرغب. فمن ناحية توجد مقاومة سواء في الأمور المنظورة والظاهرة أو في الأمور الخفية غير المنظورة، وهذه المقاومة قد نتجت وصارت فينا من سقوط الإنسان الأول .

لذلك فحينما ينصت أي إنسان لكلمة الله ويقبلها، ويدخل في المعركة ويلقي عنه اهتمامات هذه الحياة ورباطات العالم وينكر كل الملذات الجسدية ويتحرر منها، فبعد ذلك إذ يلازم الرب وينتظره في الصلاة وبمداومة، فإنه يصير في وضع يمكنه من أن يكتشف وجود حرب أخرى في داخل قلبه، إنه يكتشف مقاومة خفية وحرب أخرى مع إيحاءات أرواح الشرّ وتنفتح أمامه معركة أخرى.

وهكذا بوقوفه ثابتاً راسخاً إلى الرب بإيمان لا يتزعزع وصبر كثير، منتظراً الحماية والمعونة التي تأتي منه، فإنه يستطيع أن يحصل من الرب على حرية داخلية من القيود والسياجات والهجمات وظلام أرواح الشرّ التي تعمل في مجال الشهوات والأهواء الخفية ] (عظة21 فقرة 1 – 2 )

[د] مفهوم الدم القرباني:

في الأساس موضوع إراقة الدم أو سفك الدم قد استخدمت مرة واحدة في العهد الجديد [ وكل شيء تقريباً يتطهر حسب الناموس بالدم ، وبدون سفك دم لا تحدث مغفرة ] (عبرانيين 9: 22) وهي ترجع في الأثاث إلى ميثاق العهد في سيناء – كما رأينا سابقاً في بداية دراستنا في [خروج 24 : 5 – 8] ومن المؤكد أيضاً أن كلمة إراقة الدم أو سكبه تتضمن أيضاً سكب الدم على قاعدة المذبح [خروج 29: 12 ؛ لاويين 4: 7 ،18 ، 25، 30، 34؛ لاويين 8: 15، 9: 12] ، ويرشه على شعب إسرائيل [خروج 24: 8؛ عبرانيين 9: 19] ، ونجد أن في عبرانيين 11: 28 أن سكب الدم يُشير إلى ذبيحة عيد الفصح [ خروج12: 7، 13، 22 – 23].
عموماً قد أخذ العهد الجديد مفهوم الدم القرباني من العهد القديم [ … هكذا يدخل الكهنة إلى المسكن الأول كل حين صانعين الخدمة. وأما إلى الثاني (قدس الأقداس) فرئيس الكهنة فقط مرة في السنة ليس بلا دم يُقدمه عن نفسه وعن جهالات الشعب … وأما المسيح وهو جاء رئيس كهنة للخيرات العتيدة فبالمسكن الأعظم والأكمل غير المصنوع بيد، أي الذي ليس من هذه الخليقة، وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداءً أبدياً. لأنه إن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجسين يُقدس إلى طهارة الجسد. فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب يُطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي … موسى بعد ما كلم جميع الشعب بكل وصية بحسب الناموس أخذ دم العجول والتيوس مع ماء وصُوفاً قرمزياً وزوفا ورش الكتاب نفسه وجميع الشعب، قائلاً هذا هو دم العهد الذي أوصاكم الله به. والمسكن أيضاً وجميع آنية الخدمة رشها كذلك بالدم وكل شيء تقريباً يتطهر حسب الناموس بالدم وبدون سفك دم لا تحدث مغفرة … لأنه لا يُمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع الخطايا … وكل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدم مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية … بالإيمان صنع الفصح ورش الدم لئلا يمسهم الذي أهلك الأبكار ] (أنظر عبرانيين 9 ، 10 ، 11: 28 ، 13: 11)
حيث أن دم الذبائح الحيوانية يُشير إلى موت المسيح الكفاري الذي صنع الصلح بدم صليبه الذي يعطي المغفرة والتقديس عن قوة واقتدار، مؤسساً سلام مع الله قائم على ذبيحة ذاته لا يتزعزع، ويُدعم العلاقة مع الله بشخصه، إذ اتحد بنا وجعلنا واحداً معه (بلا امتزاج أو اختلاط أو تغيير) بتجسده وصلبنا معه وداس الموت بموته وأقامنا معه وأصعدنا معه ، ودخل بدم نفسه للأقداس فوجد لنا فداءً أبدياً كما قال القديس بولس الرسول …

فدم يسوع المسيح يحتل المركز الأول والرئيسي في العهد الجديد ، فنجد عند افتتاح رسالة القديس بطرس الأولى يقول : [ بطرس رسول يسوع المسيح إلى المتغربين من شتات بُنْتُس وغلاطية وكَبودوكية وآسيا وبيثينية المُختارين بمقتضى على الله الآب السابق في تقديس الروح للطاعة ورش دم يسوع المسيح . لتكثر لكم النعمة والسلام ] (1بطرس 1: 1 – 2)
ونجد أيضاً الإشارات الكثيرة مصحوبة بكلمات توضح قوة فعل دم يسوع المسيح وقوته وتفوقه بل وتميزه عن العهد القديم الذي كان يُشير إليه بكل طقوسه وذبائحه فيأتي كمصطلح تأكيدي على دم المسيح هكذا : [ دم يسوع (عب10: 19 ؛ 1يو 1: 7) ؛ دم المسيح (1كو 10: 16 ؛ أف2: 13 ؛ عب9: 14) ؛ دم الرب(1كو11: 27) ؛ دم الحمل (رؤ7: 14 ؛ 12: 11) ] وكل هذا يشتق معناه في الأساس من ذبائح يوم التكفيرمن (لاويين 16). وهو دم قرباني والذي يتمثل في طاعة ربنا يسوع المسيح في الجسد للآب [ لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرون خطاة، هكذا بإطاعة الواحد سيجعل الكثيرون أبراراً ] (رومية5: 19) ؛ [ وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ] (فيلبي2: 8) ؛ [ مع كونه ابناً تعلم الطاعة مما تألم به ] (عبرانيين5: 8)
وأيضاً هو الذي أعطى الذبيحة الحقيقية من أجل إزالة الخطايا وطمس ملامحها الخفية والظاهرة بكل سلطانها وآلامها ومعاناتها وأعطى المصالحة التامة والكاملة مع الله بحيث لا يعوزنا أن نقدم أي شيء آخر لله حتى ولو كانت أعمالنا ، لأنه بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس : [لا بإعمال في بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني و تجديد الروح القدس (تي 3 : 5) ] وذلك بالطبع لأن [ المسيح وهو قد جاء رئيس كهنة للخيرات العتيدة فبالمسكن الأعظم والأكمل غير مصنوع بيد ، أي الذي ليس من هذه الخليقة. وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداءً أبدياً ] (عبرانيين9: 11 و12)

* عموماً يسوع بدمه الطاهر حررنا نحن بصفتنا شعب الله الجديد ، أي الكنيسة ، الذي اقتناها بدمه الكريم [ احترزوا إذن لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي أقتناها بدمه ] (أعمال 20: 28) ، وصار لنا فيه الفداء [ الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته ] (أفسس 1: 7) ، [ عالمين أنكم افتُديتم لا بأشياء تفنى ، بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء بل بدمٍ كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح ] (1بطرس 1: 18 – 19) ، [ وهم يترنمون ترنيمة جديدة قائلين : مستحق أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه لأنك ذُبحت واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمه ] (رؤيا 5: 9) ، وصار لنا به قوة الغلبة والنصرة الدائمة على عدو الإنسان الأول أي الشيطان [ الآن صار خلاص إلهنا وقدرته ومُلكه وسلطان مسيحه لأنه طُرح المُشتكي على إخوتنا الذي كان يشتكي عليهم أمام إلهنا نهاراً وليلاً ، وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم ولم يحبوا حياتهم حتى الموت ] (رؤيا 12: 10 ، 11)

ودم المسيح يظهر برّ الله من أجل الصفح عن الخطايا وتطهير القلب منها ، ويبرر كل من يؤمن ، وينال قوة خلاص ومصالحة أبدية مع الله [ متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح ، الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله ، لإظهار برّه في الزمان الحاضر ليكون باراً ويبرر من هم من الإيمان بيسوع ] (رومية 3: 22 – 26) ، [ فإذ تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح … لأن المسيح إذ كنا بعد ضعفاء مات في الوقت المعين (حسب التدبير) لأجل الفجار … الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا . فبالأولى كثيراً ونحن متبررون الآن بدمه نخلص به من الغضب . لأنه إن كُنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه فبالأولى كثيراً ونحن مُصالحون نخلص بحياته . وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضاً بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الآن المُصالحة ] (أنظر رومية 5: 1 – 11)
ودم ربنا يسوع يطهرنا من خطايانا دائماً عندما نعترف بها أمامه [ ولكن أن سلكنا في النور كما هو في النور فلنا شركة بعضنا مع بعض ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية . إن قلنا أنه ليس لنا خطية نُضل أنفسنا وليس الحق فينا . أن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويُطهرنا من كل إثم ] (1يوحنا 1: 7 – 9) ، [ يسوع المسيح الشاهد الأمين البكر من الأموات ورئيس ملوك الأرض الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه ] (رؤيا 1: 5) ، [ وأجاب واحد من الشيوخ قائلاً لي : هؤلاء المتسربلون بالثياب البيض من هم ومن أين أتوا ، فقلت له يا سيد أنت تعلم . فقال لي : هؤلاء هم الذين أتوا من الضيقة العظيمة وقد غسلوا ثيابهم وبيضوا ثيابهم في دم الخروف ] (رؤيا 7: 13 – 14) 
ودم المسيح أيضاً يطهر ضمائرنا ويغسلها من كل الأعمال الميتة حتى أنها لا تلومنا ونخدم الله الحي [ فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي ] (عبرانيين 9: 14) ، [ فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع . طريقاً كرسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أي جسده ، وكاهن عظيم على بيت الله ، لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي ] (عبرانيين 10: 19 – 22) ، [ وهم مطهرون مرة لا يكون لهم أيضاً ضمير خطايا ] (عب 10 : 2) 

ولنلاحظ أن في العهد القديم ، كانت المصالحة والتطهير مختلفان ، ولو أن كانت لهما ذات العلاقة والأعمال . فالمصالحة تُنتج من تقديم الدم القرباني إلى قدس الأقداس في يوم التكفير الذي يتم مرة واحدة في السنة [ فرئيس الكهنة فقط مرة في السنة ليس بلا دم يقدمه عن نفسه و عن جهالات الشعب ] (عب 9 : 7) ،؛ أما التطهير فكان من الممكن بلوغه في أي وقت من السنة ، وكان يتم خارج قدس الأقداس . أما في العهد الجديد فكلاهما يتمان في الخلاص بدم المسيح ، فالكفارة قدمت مرة واحدة وإلى الأبد بذبيحة ربنا يسوع ، الذي منها يتم تطهيرنا الدائم وإلى الأبد ، ففي دم يسوع تكمن قوة التقديس [ فأن الحيوانات التي يُدخل بدمها عن الخطية إلى الأقداس بيد رئيس الكهنة تُحرق أجسامها خارج المحلة ، لذلك يسوع أيضاً لكي يُقدس الشعب بدم نفسهتألم خارج الباب ] (عبرانيين 13: 11 – 12) 
وهو صار يحقق لنا القرب من الله بشكل أعمق واشمل من العهد القديم بالرغم من أننا كأمم لم يكن لنا عهود ولا معرفة بالله حتى على مستوى الطقس القديم الذي هيأ القلب لعمل المسيح الرب وقد كنا غرباء عن رعوية إسرائيل كشعب الله المختار [ لذلك أذكروا أنكم أنتم الأمم قبلاً في الجسد المدعوين غُرله من (الإسرائيليين) المدعو ختاناً مصنوعاً باليد في الجسد . أنكم كُنتم في ذلك الوقت بدون مسيح أجنبيين عن رعوية إسرائيل وغرباء عن عهود الموعد لا رجاء لكم وبلا إله في العالم ، ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح . لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط(بين الأمم وشعب الله) أي العداوة . مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً . ويُصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب قاتلاً العداوة به . فجاء وبشركم بسلام أنتم البعيدين والقريبين ، لأن به كلينا قدُماً في روح واحد إلى الآب . فلستم إذاً بعد غرباء ونُزلاء رعية مع القديسين وأهل بيت الله ] (أفسس2: 11 – 19) ، [ فإذ لنا أيها الإخوة ثقة (على أساس سر المصالحة في المسيح) بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع ] (عبرانيين 10: 19)

_______________
 

وفي الجزء القادم سنتكلم عن
الدم في العهد الجديد وبعض المصطلحات التي تدل عليه 
وتعدد أنواع الذبائح وغايتها وكيفية تقديمها عملياً


تابع دراسة في الذبائح (12) معنى الدم ومعنى كل المصطلحات التي تدل عليه.

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח– ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
Sacrifice 166 – Sacrifices 142 – Sacrificing 12
[ الجزء 12 ]
4 – تابع/ ذبيحة الصليب في ضوء ذبائح العهد القديم
(جـ) الذبائح الدموية والتقدمات الطعامية 
الدم ومعناه في العهد القديم ومعنى مصطلح ولي الدم
للرجوع للجزء الحادى عشر أضغط هنا.

[جـ] الذبائح الدموية والتقدمات الطعامية :

لابد أولاً أن نفهم معنى سفك الدم في مفهوم الشعوب وفي الكتاب المقدس، لنقدر أن نستوعب المعنى المقصود ونفرق ما بين فعل الشعوب القديمة وبين عمل الله والفكر الإلهي الصحيح:
[1]كقاعدة عامة كانت الذبائح تتمركز حول الدم بكونه يُمثل النفس، ففي الأزمنة المبكرة قد اُستخدمت الكلمةαἷμα – Haima (دم) بشكل فسيولوجي كحامل الحياة، وقوة الحياة. وهو كان يعتبر شرط لكل من الحياة البشرية والحيوانية، حتى أنه دل مجازاً – عند كثير من الشعوب القديمة على النسل، وذلك لكون الدم يُعتبر هو أساس الحياة، وقد أصبح مصطلح [ يُريق دماً ] مرادفاً لـ [ القتل ]، وسفك الدم يعني إهدار حياة، وكان يعتبر خطية عظمى، وخطية سفك الدم [ القتل ] يلزم أن يُكفر عنها بالدم…

تكتسب كلمة [αἷμα – Haima دم ] أهمية خاصة في الاستخدام الديني عند جميع الشعوب قديماً، وبعض الديانات المتخلفة من الشعوب القديمة، لأنه العنصر الأكثر أهمية في القرابين. فالدم القرباني أُعتبر بمثابة امتلاك التقوى وتطهير النفس، فطقوس الدم المتعددة عند شعوب الأمم القديمة، من شرب أو رش الدم، استخدمت خصوصاً في الطقوس السحرية لجلب المطر أو لجلب الرفاهية أو المحبة أو الأذى… الخ … وتتنوع الفكرة حسب فلسفة كل ديانة وثنية قديمة !!!
وكان شرب الدم، خاصة دم العدو المقتول، كان يُعتقد أنه يجلب القوة ويعطي هبة النبوءة، وأيضاً أحياناً يُضع في كأس ويتشارك فيه الذين يريدون أن يقيموا عهداً للتأكيد على عهدهم الذي لن ينحل أو ينقض !!!

[2] يرى العهد القديم أن الدم أساس الحياة: [ غير أن لحماً بحياته دمه لا تأكلوه ] ( تكوين 9: 4 ) & [ لأن نفس الجسد هي في الدم، فأنا أعطيتكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم، لأن الدم يُكفر عن النفس، لذلك قلت لبني إسرائيل: لا تأكل نَفس منكم دماً، ولا يأكل الغريب النازل في وسطكم دماً… لأن نفس كل جسد دَمُهُ هو بنفسه. فقلت لبني إسرائيل لا تأكلوا دم جسدٍ ما. لأن نفس كل جسد هي دمه. وكل من أكله يُقطع ] ( لاويين 17: 11 – 12 و 14 ) & [ لكن احترز أن لا تأكل الدم لأن الدم هو النفس فلا تأكل النفس مع اللحم ] ( تثنية 12: 23 ) 

وهذا كله ينبه عليه الله، لكي لا يُشابه شعب إسرائيل الأمم، والذين يعتقدون أن لهم السيادة على كل نفس حيوان أو إنسان، فالله هو الإله الواحد الوحيد وسيد الحياة وواهبها ومُعطيها، وهو ذو السيادة المطلقة على الدم وحياة البشر [ حي أنا يقول السيد الرب …. ها كل النفوس هي لي.. ] ( حزقيال 18: 4 وما قبلها وما بعدها ) ، لذلك فهو يُجازي لأجل إراقة الدم البريء: [ وأطلب أنا دَمَكم لأنفسكم فقط من يد كل حيوان أطلبه. ومن يد الإنسان أطلب نَفس الإنسان. من يد الإنسان أخيه. سافك دم الإنسان بالإنسان يُسفك دمه. لأن الله على صورته عمل الإنسان ] ( تكوين 9: 5 – 6 )
[ ظُلمي ولحمي على بابل تقول ساكنة صهيون ودمي على سكان أرض الكلدانيين تقول أورشليم. لذلك هكذا قال الرب: هَأ نَذَا أُخاصم خصومتك وأنتقم نقمتك وأُنشف بحرها وأجفف ينبوعها ] ( إرميا 51: 35 – 36 ) 

ويعود أيضاً الدم الحيواني إلى الله، بصفته الخالق العظيم، الذي له كل الخليقة، لذلك كان يأمر في سفر اللاويين عند ذبح أي حيوان يُسفك دمه: يُغطى بالتراب، كعلامة أن النفس هي لله، لأنه هو واهب الحياة، وذلك كاحترام للحياة التي أعطاها الله لكل الخليقة: [ وكل إنسان من بني إسرائيل و من الغرباء النازلين في وسطكم يصطاد صيدا وحشا أو طائرا يؤكل يسفك دمه ويغطيه بالتراب ] ( لاويين 17 : 13) 
واستهلاك الدم مُحرم مع الشحم أيضاً [ فريضة دهرية في أجيالكم في جميع مساكنكم: لا تأكلوا شيئاً من الشحم ولا من الدم ] ( لاويين 3: 17 ) & [ وكل دم لا تأكلوا في جميع مساكنكم من الطير ومن البهائم. كل نفس تأكل شيئاً من الدم تُقطع تلك النفس من شعبها ] ( لاويين 7: 26 – 27 ) & [ وكل إنسان من بيت إسرائيل ومن الغرباء النازلين في وسطكم يأكل دماً، أجعل وجهي ضد النفس الآكلة الدم وأقطعها من شعبها ] ( لاويين 17: 10 ) & [ لكن احترز أن لا تأكل الدم لأن الدم هو النفس، فلا تأكل النفس مع اللحم ] ( تثنية 12: 23 )

+ [ وثار الشعب على الغنيمة فأخذوا غنماً وبقراً وعجولاً وذبحوا على الأرض وأكل الشعب على الدم. فأخبروا شاول قائلين هوذا الشعب يُخطئ إلى الرب بأكله على الدم. فقال قد غدرتم. دحرجوا إليَّ الآن حجراً كبيراً. وقال شاول تفرقوا بين الشعب وقولوا لهم أن يقدموا إلىَّ كل واحد ثوره وكل واحد شاته واذبحوا ههنا وكلوا ولا تخطئوا إلى الرب بأكلكم مع الدم … ] ( 1 صموئيل 14 : 32 – 34 ) .

الدم قوة تطهير وتقديس: يعتبر الدم في العهد القديم قوة مطهرة ويقدم للتكفير عن النفس، لذلك يتم رشه على المذبح وتقديس به كل شيء تقريباً: [ فتذبح الكبش وتأخذ دمه وترشه على المذبح من كل ناحية؛ يضع يده على رأس قربانه ويذبحه لدى باب خيمة الاجتماع ويرش بنو هارون الكهنة الدم على المذبح مُستديراً ] (خروج 29: 16 ؛ لاويين 3: 2)
ويستخدم لتقديس الكهنة وملابسهم: [ فتذبح الكبش وتأخذ من دمه وتجعل على شحمه أُذن هرون وعلى شحم آذان بنيه اليُمنى وعلى أَبَاهِم [ إبهام اليد ] أيديهم اليُمنى وعلى أَبَاهِم أرجلهم اليُمنى. وترش الدم على المذبح من كل ناحية. وتأخذ من الدم الذي على المذبح ومن دهن المسحة وتنضح على هارون وثيابه وعلى بنيه وثياب بنيه معهُ. فيتقدس هو وثيابه وبنوه وثياب بنيه معهُ ] (خروج29: 20 – 21)

ويُستخدم للتكفير وهي أهم نقطة يركز عليها العهد القديم: ( ولا ننسى عند خروج شعب إسرائيل من مصر كيف عبر الملاك المهلك ولم يمس بكر كل من وضع الدم على العتبة العليا والقائمتين، إذ رأى الدم فعبر، لأن الدم كفر عن كل بكر وصار علامة خلاص [أنظر خروج 12: 21 – 28]
[ ويقرب هارون ثور الخطية الذي لهُ ويُكفرّ عن نفسه وعن بيته… ثم يأخذ من دم الثور وينضح بإصبعه على وجه الغطاء (غطاء تابوت العهد) إلى الشرق وقُدام الغطاء ينضح سبع مرات من الدم بإصبعه .
ثم يذبح تيس الخطية الذي للشعب ويدخل بدمه إلى داخل الحجاب ويفعل بدمه كما فعل بدم الثور: ينضحه على الغطاء وقدم الغطاء فيُكفِرّ عن القدس من نجاسات بني إسرائيل ومن سيآتهم مع كل خطاياهم. وهكذا يفعل لخيمة الاجتماع القائمة بينهم في وسط نجاساتهم، ولا يكن إنسان في خيمة الاجتماع من دخوله للتكفير في القدس إلى خروجه، فيُكَفَّرُ عن نفسه وعن بيته وعن كل جماعة إسرائيل، ثم يخرج إلى المذبح الذي أمام الرب ويكفر عنه، يأخذ من دم الثور ومن دم التيس ويجعل على قرون المذبح مستديراً . وينضح عليه من الدم بإصبعه سبع مرات ويطهره ويقدسه من نجاسات بني إسرائيل ] (لاويين 16: 6 ، 14 – 19)
[ ثم تقدموا بتيوس ذبيحة الخطية أمام الملك والجماعة ووضعوا أيديهم عليها ، وذبحها الكهنة وكفروا بدمها على المذبح تكفيراً عن جميع إسرائيل لأن الملك قال أن المحرقة وذبيحة الخطية هما عن كل إسرائيل ] (2أخبار أيام 29: 23 – 24) ، وللتطهير وتقديس الشعب [ أنظر لاويين 14 ، خروج 29: 20 – 21 ] 

ومن أهم استخدام للدم هو الدخول في العهد، ويُسمى: ( دم العهد ) [ فأخذ موسى نصف الدم ووضعه في الطسوس، ونصف الدم رشه على المذبح، وأخذ كتاب العهد وقرأ في مسامع الشعب. فقالوا كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع لهُ، وأخذ موسى الدم ورش على الشعب وقال: هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال ] (خروج 24: 6 – 8)

عموماً نجد أن هذا المفهوم عن الدم [ أي التقديس والتكفير والتطهير ] قد استمر في الفكر اليهودي بلا توقف حتى بعد ظهور ربنا يسوع في ملئ الزمان حسب التدبير، وكان تعبير لحمٍ ودم هو وصف مثالي للبشر في هذه الفترة، واعتقد أن هذا التعبير موجود إلى اليوم في ذهن الكثيرين …

+ مصطلح ولي الدم ومعناه: وهو تعبير ظهر في العصور القديمة وهو يعني: أنه إذا قتل إنسان، إنسان آخر، يُصبح الأقرب للقتيل الحق في أن يقتل القاتل، وكان يُطلق على هذا القريب [ ولي الدم ].
وربما هذا الأمر يعود في الأصل إلى ما أمر به الله نوحاً بعد الطوفان: [ من يد الإنسان أطلب نفس الإنسان. من يد الإنسان أخيه. سافك دم الإنسان بالإنسان يُسفك دمه. لأن الله على صورته عمل الإنسان ] (تكوين 9: 5و6 ) .

وكانت هذه قاعدة سائدة بين كثير من الشعوب والقبائل من جهة القضاء والحكم. وبمرور الزمن شملت هذه القاعدة القاتل المتعمد والقاتل سهواً أي الذي قتل عن دون قصد أو دراية، وللأسف تحول الموضوع من قاعدة قانونية لشكل فوضوي ثأري ، فكان الأخذ بالثأر سبباً في استمرار النزاع بين الأفراد والقبائل بشكل دموي مستمر عبر الأجيال ولا يتوقف !!!

وقد نظمت الشريعة في العهد القديم هذا الحق وحدت منه، إذ فرقت ما بين القتل المتعمد والقتل السهو، ووضعت أمام القاتل غير المتعمد ( أي القاتل سهواً ) منفذاً للنجاة. فأمر الله بتعيين مدن ملجأ [ ليهرب إليها القاتل الذي قتل نفساً سهواً ليهرب إليها حتى يقف أمام الجماعة للقضاء… فتقضي الجماعة بين القاتل وبينولي الدم حسب هذه الأحكام. وتنقذ الجماعة القاتل (سهواً) من يد ولي الدم وترده الجماعة إلى مدينة ملجأه التي هرب إليها، فيُقيم هُناك إلى موت الكاهن العظيم… وأما بعد موت الكاهن العظيم، فيرجع القاتل (سهواً) إلى أرض ملكه ] (عدد 35: 11 – 34 )، فبموت الكاهن العظيم تعتبر القضية منتهية تماماً ويصبح القاتل سهواً حُراً 

[ وهذا هو حكم القاتل الذي يهرب إلى هناك (مدن الملجأ) فيحيا، من ضرب صاحبه بغير علم وهو غير مُبغض له منذ أمس وما قبله. ومن ذهب مع صاحبه في الوعر ليحتطب حطباً فاندفعت يده بالفأس ليقطع الحطب وأفلت الحديد من الخشب وأصاب صاحبه فمات فهو يهرب إلى إحدى تلك المدن فيحيا لئلا يَسعى ولي الدم وراء القاتل حين يحمى قلبه ويدركه إذا طال الطريق ويقتله وليس عليه حكم الموت لأنه غير مبغض له منذ أمس وما قبله . لأجل ذلك أنا آمرك قائلاً ثلاث مُدن تفرز لنفسك … فزد لنفسك أيضاً ثلاث مُدن على هذه الثلاث. حتى لا يُسفك دم بريء في وسط أرضك التي يُعطيك الرب إلهك نصيباً فيكون عليك دم ]، ويتكلم الله في يشوع على أهمية هذه المدن والتقنين القضائي للقاتل السهو: [ فيهرب إلى واحدة من هذه المدن ويقف في مدخل باب المدينة ويتكلم بدعواه في آذان شيوخ تلك المدن فيضمونه إليهم إلى المدينة ويعطونه مكاناً فيسكن معهم . وإذا تبعه ولي الدم فلا يسلموا القاتل (سهواً) بيده لأنه بغير علم ضرب قريبه وهو غير مبغض له من قبل، ويسكن في تلك المدينة حتى يقف أمام الجماعة للقضاء إلى أن يموت الكاهن العظيم الذي يكون في تلك الأيام . حينئذ يرجع القاتل (سهواً) ويأتي إلى مدينته وبيته إلى المدينة التي هرب منها ] [ أنظر تثنيه 19: 4 – 13 ؛ يشوع 20: 1 – 9 ]

_______________
 

وفي الجزء القادم سنتكلم عن
الدم في العهد الجديد وبعض المصطلحات التي تدل عليه

 


دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس (الجزء 8) تابع المقدمة (جـ) العهد الجديد، معنى الذبيحة.

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח– ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
Sacrifice 166 – Sacrifices 142 – Sacrificing 12
تابع (1) مقدمـــــــــــــــة عامة
جـ – (1) العهــــــــــــد الجديــــــــــد – (2) معنى الذبيحة
للرجوع الى الجزء السابع اضغط هنـا.
(1): العهد الجديد
نجد في العهد الجديد استمرار وتفوق، فعوض أن كانت الذبيحة كرمز، أصبحت تنطبق على المرموز إليه، وتحققت في كمال اتساعها، وعموماُ – كما أوضحنا في العهد القديم – نجد أن ربنا يسوع يرجع إلى الفكرة النبوية عن أولوية النفس على الطقس: 
” فأن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئاً عليك فاترك هُناك قُربانك قُدام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك وحينئذٍ تعالى وقدم قُربانك ” ( مت 5: 23 – 24 )
ويوضح بالنسبة لعلاقتنا معه وبالتالي مع القريب: ” ومحبته (الرب) من كل القلب ومن كل الفهم ومن كل النفس ومن كل القدرة، ومحبة القريب كالنفس هي أفضل من جميع المحرقات والذبائح ” ( مرقس 12: 13 ) 
وبرجوعه للمفهوم الباطني الذي شُرح في العهد القديم لتوضيح الديانة الباطنية من القلب، يعدّ الأذهان لتفهم معنى ذبيحته الخاصة أي ذبيحة نفسه، فنجد أنه من عهد لعهد يقوم استمرار وتفوق، فالاستمرار يبدو في انطباق عناصر الذبيحة – في العهد القديم – على موت المسيح له المجد، والتفوق يظهر بفضل طابع الأصالة المطلقة في تقدمة يسوع :
” الذي هو رمز للوقت الحاضر الذي فيه تقدم قرابين و ذبائح لا يمكن من جهة الضمير أن تكمل الذي يخدم ” (عب9: 9)
” ليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً ” (عب9: 12)
” لأنه لا يمكن أن دم ثيران و تيوس يرفع خطايا ” (عب10: 4)
” لأنه أن كان دم ثيران و تيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجسين يقدس إلى طهارة الجسد ” (عب9: 13)
” فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي ” (عب9: 14).

والواقع أن هذا التفوق والتميز الفائق يُدخل في العالم حقيقة جديدة في ملئ جوهرها وطبعها الإلهي، وهي حقيقة الفداء والخلاص الأبدي الذي صُنع بدم عهد جديد، دم ابن الله الحي الذي يطهر النفس والضمير والقلب والفكر، طهراً أبدياً يفوق كل حدود إمكانيات البشر وفكرهم الخاص: 
” في تقديس الروح للطاعة و رش دم يسوع المسيح لتكثر لكم النعمة و السلام ” (1بط1: 2)
” فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع ” (عب10: 19)
” إن سلكنا في النور كما هو في النور فلنا شركة بعضنا مع بعض ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية ” (1يو1: 7)

(2): معنى الذبيــــــــــة
على ضوء دراستنا في العهد القديم، نستطيع أن نتعرف على معنى الذبيحة بوضوح ويُسر، والتي كان تركيزها الأساسي على التقديس والتكريس للرب: ” كونوا قديسين ” لكي يكون شعب إسرائيل شعب مخصص للرب من بين جميع الشعوب، وملخص معنى الذبائح كالآتي ( كما جاء في القاموس اللاهوتي الألماني لكيتل ): [ الذبيحة هي استحداث وَضع، من خلاله يُمكن أن يُستعلن الله نفسه بقصد تنظيم علاقة بينه وبين شعبه]. 
فبواسطة نظام الذبائح – في العهد القديم – أراد الله أن يكون له علاقة وتعامل شخصي مع شعبه. وأول مثل لذلك – كما رأينا سابقاً – ما جاء في بداية تعامل الله مع إبراهيم أب الآباء: ” فآمن بالرب فحسبه له براً. وقال له أنا الرب أخرجك من أور الكلدانيين ليعطيك هذه الأرض لترثها. فقال أيها السيد الرب بماذا أعلم أني أرثها. فقال له خُذ لي عجلة ثلاثية وعنزة ثلاثية وكبشاً ثلاثياً ويمامة وحمامه. فأخذ هذه كلها وشقها من الوسط وجعل شق كل واحد مقابل صاحبه…. ولما صارت الشمس إلى المغيب وقع على إبرام ثبات وإذا رعبه مظلمة عظيمة واقعة عليه…. في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقاً ” ( تكوين 15: 6 – 10 و12 و18 )
كذلك حينما أراد الله أن يُجرب إبراهيم في محبته وطاعته لله أكثر من كل شيء آخر طلب منه أن يقدم ابنه وحيده الذي يحبه وقبل فيه المواعيد ذبيحة، فأطاع ولم يتردد، ومنعه الله في آخر لحظة والسكين على رقبة ابنه، وأعدَّ له كبشاً للذبيحة عوضاً عن ابنه.

وفي هذا كان الله يُعبَّر أعظم تعبير – من خلال ابراهيم – عن أن الذبيحة لله هي في عينيه أقوى تعبير عن الحب والطاعة اللذين ارتبط بهما الإنسان بالله، ورد فعل الذبيحة بهذا الشكل هو رد الله على إبراهيم بعد تقديم ابنه بمحبة لله وطاعة منقطعة النظير:
” بذاتي أقسمت يقول الرب، أني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تُمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة… ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض ” ( تكوين 22: 16 – 18 )
وإذا أضفنا على شكل هذه الذبيحة الأشكال الأخرى التي وردت في الناموس، نستطيع القول أن الذبيحة دائماً للتعبير عن حضور الله ومعه نعمته وبره.

وإذا كان الأنبياء في أواخر الأيام – في العهد القديم – بدءوا يعلنون رفض الله لذبائح شعب إسرائيل، وكذلك المزامير – كما رأينا وشرحنا سابقاً – فلم تكن المعارضة على الذبائح في حد ذاتها، ولكن لأن الشعب بكهنته أهملوا القصد الأساسي من الذبائح الذي قامت عليه روحياً، وهو الوجود في حضرة الله لتكوين علاقة روحية تنمو مع الأيام مع التواضع والتقوى والإيمان والمحبة التي هي روح الطقس الذبائحي ومحوره، والتي كانت هي – بحد ذاتها – الذبائح الحقيقية والفعلية المقدمة لله. وهكذا حلَّت التقدمات المادية والشكلية عوض العلاقة الشخصية الروحية والتسبيح والشكر للخلاص في حضرة الله. وهذا كان بالنص، محور تبكيت الأنبياء والمزامير:
” أسمع يا شعبي فأتكلم يا إسرائيل فأشهد عليك. الله إلهك أنا ( إني أنا الله إلهك )، لا على ذبائحك أوبخك، فأن محرقاتك هي دائماً قدامي… هل آكل لحم الثيران أو أشرب دم التيوس؛ أذبح لله حمداً وأوفِ العلي نذورك، وادعني في يوم الضيق أُنقذك فتُمجدني !! ” ( أنظر مزمور 50: 7 و15 )
” أني أُريد رحمة لا ذبيحة، ومعرفة الله أكثر من محرقات ( وهو تحول باطني صادق = ذبيحة حقيقية مقبولة وليس أدق من موقف أب الآباء إبراهيم للتعبير عنها ) ” ( هوشع 6: 6 )
” بذبيحة وتقدمة لم تُسرّ ( لم تشأ )، أُذنيَّ فتحت، محرقة وذبيحة خطية لم تطلب. حينئذٍ قلت هانذا جئت بدرج الكتاب مكتوب عني. أن أفعل مشيئتك يا إلهي سُررت [ أعمل بمشيئتك يا الله ، شرعتك في صميم أحشائي ] ” ( مزمور 40: 6 – 8 )

عموماً طلب الله للعلاقة الروحية والحياة حسب الوصية بتقوى ومحبة كاملة له لم يكن يتعارض مع الذبائح إطلاقاً. ولكن بسبب التوقف عن القصد الأساسي من هذه الذبائح رفضها الله، لأن الله لا يرضى بشكل أو مظهر لأنه لا يتعامل مع المرائي أو من له صورة التقوى وينكر قوتها …

_______________
 

وفي الجزء القادم سنتكلم عن
يسوع يقدم نفسه ذبيحة – المسيح يسوع حمل الله


Exit mobile version