الرد على الجاهل الكتابي وشرح والمباحثات الغبية والسخيفة اجتنبها

الرد على الجاهل الكتابي وشرح والمباحثات الغبية والسخيفة اجتنبها

الرد على الجاهل الكتابي وشرح والمباحثات الغبية والسخيفة اجتنبها

الرد على الجاهل الكتابي وشرح والمباحثات الغبية والسخيفة اجتنبها

“لا تجاوب الجاهل حسب حماقته

لئلا تعدله أنت

جاوب الجاهل حسب حماقته

لئلا يكون حكيماً في عيني نفسه” (أمثال 26: 4، 5).

لدى الأسفار المقدسة الشيء الكثير لتقوله عن “الجاهل”، وبالامتداد عن المرأة الجاهلة. نحتاج أولاً إلى تقرير ما هي هوية هذا الجاهل في عرق الأسفار المقدسة. ليس هو بالضرورة ذلك الشخص العديم المعرفة أو الأمي؛ بل قد يكون على نقيض ذلك مثقفاً جداً ويحظى باحترام كبير في نظر المجتمع بسبب ضلوعه من طرق العالم.

ترى، لماذا ينعته الكتاب المقدس بالجاهل؟ ذلك لأنه في حالته الساقطة (راجع رومية 1: 18-32؛ 3: 10-18؛ 5: 12-19؛ 8: 7-8؛ 1كورنثوس 2: 14؛ أفسس 4: 17-19)، هو تخلص عن مصدر الحكمة الحقة في الله. علينا ألا ننسى أبداً كيف أن مخافة الرب هي بداية الحكمة والمعرفة (أمثال 1: 7؛ 4: 7) – لكي يعتمد بالمقابل على قواه الفكرية التي يجد فيها اكتفاء ذاتياً.

باختصار، الجاهل الكتابي هو ببساطة الإنسان غير المؤمن الذي يقرر عن وعي، مع أنه قد لا يسلم بذلك أو يدركه، أن بإمكانه أن يعيش حياته بموجب مقدراته الفكرية التي يجد فيها اكتفاء ذاتياً. باختصار، الجاهل الكتابي هو ببساطة الإنسان غير المؤمن الذي يقرر عن وعي، مع أنه قد لا يسلم بذلك أو يدركه، أن بإمكانه أن يعيش حياته بموجب مقدراته الفكرية الذاتية وبمعزل عن الله.

فهو نتيجة لذلك، قد تخلى عن الموقع (البو ستو أو نقطة الارتكاز) الذي يمكنه وحده من معرفة أي شيء بشكل أكيد. هل تؤيد الأسفار المقدسة هذا المفهوم عن هوية “الجاهل”؟ هل هو ببساطة الشخص غير المؤمن الذي ارتأى أن يعيش حياته بمعزل عن الله؟ تأمل في الآيات التالية:

– أيوب 2: 9، 10: “فقالت له امرأته: بارك الله ومت!”. فقال لها: “تتكلمين كلاماً كإحدى الجاهلات!”

– المزمور 14: 1: “قال الجاهل في قلبه: “ليس إله”. فسدو ورجسوا بأفعالهم. ليس من يعمل صلاحاً”. لنلاحظ كيف أن الجاهل ينكر على الله أن يكون له مكان في حياته؛ كما أن عبادة الأوثان الناتجة من ذلك، تقوده إلى الفجور.

– المزمور 75: 22: “قم يا الله. اقم دعواك. اذكر تعيير الجاهل إياك اليوم كله”.

– أمثال 1: 7: “مخافة الرب رأس الحكمة، أما الجاهلون فيحتقرون الحكمة والأدب”. لنلاحظ كيف أن الجاهل يرفض أن يجعل حكمة الله في بداية كل تفكيره.

– أمثال 13: 15: “طريق الجاهل مستقيم في عينيه، أما سامع المشورة فهو حكيم”.

– أمثال 12: 23: “الرجل الذكي يستر المعرفة، وقلب الجاهل ينادي بالحمق”.

– أمثال 13: 16: “كل ذكي يعمل بالمعرفة، والجاهل ينشر حمقاً”.

– أمثال 13: 19: “الشهوة الحاصلة تلذ النفس، أما كراهة الجهال فهي الحيدان عن الشر”.

– أمثال 14: 7: “اذهب من قدام رجل جاهل إذ لا تشعر بشفتي معرفة”.

– أمثال 14: 16: “الحكيم يخشى ويحيد عن الشر، والجاهل يتصلف ويثق”. لنلاحظ المفارقة هنا بين الجاهل والحكيم الذي يخشى ويتجنب الشر. الإشارة الضمنية هنا، هي أن الجهل في تهوره الطائش، يواصل سيره في الدرب المنحدرة لخرابه، وهو مقتنع بأن موقعه، أي الـ (بوستو) الذي عنده مناسب لمواجهة كل طارئ

– أمثال 15: 5: “الأحمق يستهين بتأديب أبيه، أما مراعي التوبيخ فيذكى”. هنا الجاهل يود فعل ما يريده هو، والسير في طريقه.

– أمثال 18: 2: “الجاهل لا يسر الفهم، بل بكشف قلبه”.

– أمثال 19: 1: “الفقير السالك بكماله خير من ملتوي الشفتين وهو جاهل”.

– أمثال 24: 9: “فكر الحماقة خطية، ومكرهة الناس المستهزئ”.

– أمثال 29: 26: “المتكل على قلبه هو جاهل، والسالك بحكمة هو ينجو”.

– إرميا 4: 22: “لأن شعبي أحمق. إياي لم يعرفوا هم بنون جاهلون وهم غير فاهمين. هم حكماء في عمل الشر، ولعمل الصالح لم يفهمون”.

– إرميا 5: 21-23: “اسمع هذا أيها الشعب الجاهل والعديم الفهم، الذين لهم أعين ولا يبصرون…. أإياي لا تخشون، يقول الرب؟ أولا ترتعدون من وجي؟ وصار لهذا الشعب قلب عاص ومتمرد. عصوا ومضوا”.

– متى 7: 26: “وكل من يسمع أقوالي هذه ولا يعمل بها، يشبه برجل جاهل، بنى بيته على الرمل”.

– لوقا 12: 20، 21: “فقال له الله: يا غبي! هذه الليلة تطلب نفسك منك، فهذه التي أعددتها لم تكون؟ هكذا الذي يكنز لنفسه وليس هو غنياً لله”.

– رومية 1: 21-23: “لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله، بل حمقوا في أفكارهم، وأظلم قلبهم الغبي. وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء، وأبدوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى، والطيور، والدواب، والزحافات”.

– 1كورنثوس 1: 18-24: “فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله، لأنه مكتوب: “سأبيد حكمة الحكماء، وأرفض فهم الفهماء”. أين الحكيم؟ أين الكاتب؟ أين مباحث هذا الدهر؟ ألم يجهل الله حكمة هذا العالم؟ لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة، استحسن الله أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة. لأن اليهود يسألون آية، اليونانيين يطلبون حكمة، ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوباً: لليهود عثرة، ولليونانيين جهالة! وأما للمدعوين: يهوداً ويونانيين، فبالمسيح قوة الله وحكمة الله”.

– أفسس 5: 17: “لا تكونوا أغبياء بل فاهمين ما هي مشيئة الرب”.

توضح هذه الآيات الكتابية أن الجاهل هو ذلك الرجل أو المرأة الذي لا يجعل من الله ومن كلمته الموقع، أي (البو ستو أو نقطة الارتكاز) لمجمل تفكيره. باختصار، الجاهل هو خائن العهد الذي لم يتخلص بعد من خطيئته ويبقى بالتالي ينقض العهد. ونتيجة لذلك، يقدم على كل عملياته الذهنية من منطلق موقعه (البو ستو) الساقط، وينظر بالتالي إلى الإيمان المسيحي كجهالة.

بعد أن بينا أن الجاهل الكتابي هو ببساطة الشخص غير المؤمن، أي من يرفض أن يستودع حياته لتعليم كلمة الله، يترتب علينا الآن التحدث عن حافظ العهد الذي بنى حياته بملء حريته وإرادته على صخرة كلمة الله التي اتخذ منها موقعه “البو ستو” له، والذي يعيش ويتحرك ويوجد ضمن دائرة الإعلان الخاص.

والسؤال هو: كيف يترتب على حافظ العهد أن يرد على ناقض العهد في ادعائه بأنه هو صاحب الفهم الحقيقي لطبيعة الأمور، وفي دعوته الإنسان المسيحي إلى الاستيقاظ والكف عن تنشق رائحة الورود، لكي يبدأ يعيش في “عالم الواقع”. المثلان المذكوران في مستهل دراسة الألفاظ هذه، يعرضان علينا الطريقة التي يترتب علينا اتباعها في سعينا لربح غير المؤمن للإيمان المسيحي.

الأول بين هذين المثلين: “لا تجاوب الجاهل حسب حماقته لئلا تعدله أنت”، يعني أن ليس على المسيح محاولة تقديم إجابات نهائية لغير المؤمن من زاوية موقعه (البو ستو) المغلوط أما فعل ذلك فلن يقود إلا إلى سخافة دفاعية. يكتب “غريغ باهنسن” في هذا السياق:…. على المدافع الدفاع عن إيمانه انطلاقاً من افتراضاته المسبقة [أي من خلال عمله ضمن دائرة الإعلان الخاص]، وفي حال استسلامه لافتراضات غير المؤمن، لن يتسنى له أبداً المجاوبة عن سبب الرجاء الذي فيه.

سيكون قد خسر المعركة منذ البداية إثر سقوطه باستمرار في الأشراك وراء خطوط العدو. لذا، لن يتمكن من بسط ما للمسيحية من قوة فكرية إلى جانب ما تنطوي عليه من تحديات[1].

باختصار، هذا المثل يطلب من المسيحي الرد على تصريحات الجاهل الكتابي وأسئلته معتمداً في ذلك “إجابات الحق”، و”حجج الحق”. إن إجابات وحجج الحق هذه من شأنها الاستناد إلى أمور مختلفة.

مثلاً، بوسع المسيحي، وعلى غرار بولس في 1كورنثوس 9: 3-8، الاستناد إلى: (1) حقائق الأسفار المقدسة (راجع عبارته “فإنه مكتوب”)، (2) معلومات تاريخية من صنف ظهورات المسيح لبعض الأشخاص الذين أمسوا فيما بعد شهود عيان لحقيقة قيامته، أو للنظام السائد العالم الخارجي (أعمال 14: 17)، و(3) إلى اختباره الشخصي (راجع عبارة بولس، “وأخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا” (1كورنثوس 15: 8)، وإلى راوياته عن اختبار هدايته في أعمال 22، 26).

ولكن ما يقوله المسيحي من قبيل الرد وعرض الحجج الإيجابية، يجب أن يكون حقاً ومنسجماً مع الإعلان الإلهي في الأسفار المقدسة، وذلك بمعزل عن طبيعة الأمور التي يستند إليها.

وصلنا الآن إلى المثال الثاني: “جاوب الجاهل [الشخص الذي يحاول العيش مستقلاً عن الله] حسب حماقته [فلسفته هذه في الاستقلال] لئلا يكون حكيماً في عيني نفسه”.

هذا يعني أن المسيحي قد يجد نفسه مضطراً أحياناً أن يعتمد حججاً من الصنف التي يهاجم شخص الجاهل (أد هومينم)، إذ يتعاطف مع موقف غير المؤمن ثم، بناء على موقفه كمؤمن مستنير، يقدم على إرعام غير المؤمن على رؤية كيف أن نقطة انطلاقه سوف تقوده، لا محال، إلى العدم. هذا الموقف الفلسفي الذي لا يمكنه التعايش معه إن كان يبغي تجنب الإقدام على الانتحار. ومن جديد، يكتب “باهنسن” أن المسيحي بفعله هذا: …. إنما يهدف إلى إظهار لغير المؤمن نتيجة افتراضاته [الذاتية، والمغلوطة].

ذلك لأنه هذه الافتراضات المسبقة النابعة من عدم الإيمان، وفي حال تتبعناها حتى النهاية، فإنها تجعل المنطق البشري فارغاً واختباره عقيماً ويخلو من أي معنى. إنها باختصار تقود إلى تدمير المعرفة، إلى طريق مسدود وعبث معرفي وإلى الجهل الكامل. المدافع المسيحي، بجعله نفسه في موقع غير المؤمن وتتبع ذلك حتى مرحلة التقويض الغبي للحقائق والقوانين، إنما يمنع بذلك الجاهل من أن يكون حكيماً في عيني نفسه[2].

يصر “فرانسيس شايفر”، على أن كل إنسان غير مؤمن يعيش حالة من التوتر في مكان ما على السلسلة المتصلة ما بين الله، والعالم الحقيقي (العالم الذي يصرح الله أنه هناك)، وما هو نفسه حقاً عليه (مخلوق على صورة الله) من جهة، والخلاصات المنطقية لافتراضاته المسبقة غير المسيحية (كون العالم وهو أيضاً نفسه من نتاجات بداية لا شخصية، زائد الزمن، زائد الحظ) من جهة أخرى.

كما أنه يصف الخلاصات المنطقية التي يؤول إليها عدم الإيمان هذا في حياة غير المؤمن، بأنها بمثابة “إزالة السقف” الذي كان قد بناه فوقه لحماية نفسه من “ضربات” بيئته الحقيقية والأخيرة، أي الله الذي هو حقاً هناك[3]. أما “مارتن لوثر” فلعله كان سيطلق على هذه العملية ببساطة اسم “الكرازة بالناموس”. لكني أسلم بأن الكتاب المقدس قد يرى في هذا إحدى المستلزمات المطلوبة من الخطاة، وذلك في معرض دعوته الناس إلى التوبة عن استقلاليتهم والرجوع إلى الله.

تفسير موجز لـ 2تيموثاوس 2: 23-26

“والمباحثات الغبية والسخيفة اجتنبها، عالماً أنها تولد خصومات، وعبد الب لا يجب أن يخاصم، بل يكون مترفقاً بالجميع، صالحاً للتعليم، صبوراً على المشقات، مؤدباً بالوداعة المقاومين، عسى أن يعطيهم الله توبة لمعرفة الحق، فيستفيقوا من فخ ابليس إذ قد اقتنصهم لإرادته”.

يصرح بولس في هذا النص عن المقاومين للإيمان أنهم ضمنياً “يجهلون الحق”، و”قد فقدوا عقلهم”، كما أنهم “وقعوا في قبضة الشيطان وشركه”، وهم إنما يتممون إرادة الشيطان. والجدير ذكره أيضاً أن غير المؤمنين هؤلاء، ولتسويغ حالتهم، يثيرون “مباحثات غبية وسخيفة” يترتب على عبد الله أن يتجنبها، بما أن هذه المباحثات تتحكم بها الافتراضات المسبقة للجاهل الكتابي.

ما يحتاج إليه هؤلاء الجهال للحق، يصرح بولس، هو “معرفة الحق” لكي يسترجعوا صوابهم وعقلهم فينفلتون من شرك ابليس. هذا يعني يجب منحهم عقلية جديدة (بو ستو) موجهة نحو الله، هنا قد يصلح عبد الرب كأداة لمنحهم هذا من خلال تأديبهم [تعليمهم الحق]. لعل الله يمنحهم توبة [تغييراً في الذهن]، لكن عبد الرب هذا، لا يقوى على تغيير ذهنهم، أو على منحهم هذا التوجه الجديد. وكما يقول أمثال 28: 22: “إن دققت الأحمق في هاون بين السميذ بمدق، لا تبرح عنه حماقته”.

هذا هو عمل الله في استخدامه الحق الذي يقدمه المؤمن للشخص غير المؤمن لمنحه التوبة. هذا يعني أن على المسيحي إدراك كيف أن “نجاحاته الدفاعية” إنما تعتمد في نهاية المطاف على الله وتأتي منه.

[1] Greg Bahnsen, A Biblical Introduction to Apologetics (unpublished syllabus), 28.

[2] Greg Bahnsen, A Biblical Introduction to Apologetics (unpublished syllabus), 28.

[3] Francis Schaeffer, The God Who Is There, 127-30.

الرد على الجاهل الكتابي وشرح والمباحثات الغبية والسخيفة اجتنبها

الاعتقاد السليم عن السماء والجحيم حسب المفهوم الكتابي الأصيل

 الاعتقاد السليم عن السماء والجحيم حسب المفهوم الكتابي الأصيل

الاعتقاد السليم عن السماء والجحيم حسب المفهوم الكتابي الأصيل

الاعتقاد السليم عن السماء والجحيم حسب المفهوم الكتابي الأصيل

  • سلام لكم يا أجمل إخوة أحباء، قد سبق وتم كتابة هذا الموضوع من فترة طويلة للغاية، ولكني أحببت أن أضعه مرة أخرى لكثرة الأسئلة فيه وعدم وصول كثيرين لمكانه، لأنه غالباً وضعته هنا رداً على سؤال:

أولاً لنا أن نعرف أنه حينما نسمع عن السماء أو الفردوس أو الجحيم في الكتاب المقدس أو في تعاليم الآباء والكنيسة عموماً، ينبغي أن لا يأتي في أذهاننا المعنى الحرفي والمادي للكلمات، لأن هذه الكلمات إنما هي صورة لتقريب المفاهيم لأذهاننا !!!
فإيماننا الصحيح ليس هو إيمان العامة من الناس الذين حينما يسمعون كلمات الوحي المقدس عن السماء من فوق والأرض من تحت والهاوية تحت الأرض، يظنون أن أرواح الناس تصعد للسماء كمكان مادي نتصوره بخيالنا الخاص ونعتبره فوق السماء التي نراها أو فوق النجوم والكواكب الأخرى، وأيضاً اعتقاد العامة عن أن الأرواح والنفوس التي أخطأت وبعيدة عن الله وجدفت عليه أو عاشوا في الشر والفساد، تنزل إلى حفرة مظلمة عميقة تحت الأرض يتعذبوا ويحرقوا بالنار وتلتف حولهم الحشرات والثعابين ويُحبسوا فيها، لأنه لا يوجد شيء أسمه جحيم خلقه الله في سفر التكوين، بل وكلمة القبر التي تُعبَّر عن الجحيم أحياناً ما هي إلا تعبير عن النفي بعيداً عن الله وهذا هو الهاوية، والهاوية هي الجحيم، أي هو معنى تصويري لتقريب الصورة أو المعنى لأذهاننا، لأن القبر كقبر يُدفن فيه الناس فعلياً في الأرض ليس هو هاوية ولا جحيم ولا مكان عذاب حرفي، إنما المعنى في الكتاب المقدس حينما يتحدث هكذا ما هو إلا معنى تعبيري أو تصوري عن حالة الإنسان الخاطئ أو الشرير !!! ومستحيل أن يُأخذ المعنى الحرفي للكلام !!!

  • وبالطبع ليس معنى كلامي أنه لا يوجد مكان ما بشكل ما سيكون مكان للأشرار، إنما أنا أقصد أنه لا نقدر أن نحدد الأمكنة أو نتصور شكلها في كمال حقيقتها !!!

وحينما نقول أن السماء من فوق في التعبير المسيحي الصحيح، أي نقصد مكان السمو والرفعة، مكان الراحة والعزاء والسلام، لأن السماء التي نقصدها ليست من فوق ولا في أي بعد من أبعاد الزمن أو الحياة المادية المنظورة، بل كلمة ( فوق ) تعني ما يعلو على إدراك الحواس الجسدانية الإنسانية.

عموماً كل تشبيهات الكتاب المقدس هي تشبيهات لكي تقرب الصورة للإنسان، لأن كل ما في الكتاب المقدس هو حقائق تعلو على كل حواس البشر وإدراكاتهم وإمكانياتهم العقلية من المستحيل أن تُكتب في كمال حقيقتها، بل يُكتب كتشبيهات وتصورات لتقريب الصورة للناس، والروح القدس يعلن في القلب برؤية داخلية الحقائق الإلهية ويقبلها الإنسان بسهولة وبساطة الإيمان ولا يقدر – بل من المستحيل – أن يُعبَّر عنها بشكل كلمات مادية في كمال حقيقتها المطلقة، بل يصورها بصور مادية لتقريب المعنى فقط ..
___________________

 

  • الجحيم: Hell – hades – ᾅδης

لا ترد هذه الكلمة في الترجمة العربية للكتاب المقدس (ترجمة فانديك) إلا مرة واحدة في العهد الجديد في قول الرب لبطرس على إعلانه الصريح بأنه هو “المسيح ابن الله الحي”، أنه سيبني على صخرة هذا الإيمان كنيسته، [ وأبواب الجحيم πύλαι ᾅδου لن تقوى عليها ] (متى 16: 15 – 18). وأبواب الجحيم هنا المقصود بها كل قوات الشر مجتمعة معاً بكل قوتها وجبروتها، وهي تصور الجحيم كمدينة حصينة قوية ذات أبواب ضخمة مرعبة، وهي تُظهر أمام ذهننا صورة القوى الشيطانية وحصنها المنيع، وهذه المملكة أو مدينة الجحيم تقاوم الكنيسة التي أسسها المسيح الرب بكل قواتها الشريرة لتُسقطها من رتبتها، ولكنه – الرب بنفسه – يحفظها في سرّ الإيمان الحي، ولأنه هو صخرتها الحقيقية المؤسسة عليه لذلك فمهما ما كانت قوات الجحيم لن تقوى عليها أو تستطيع ان تمسها طالما كل من فيها متمسك بإيمانها الحي، كما هو مكتوب: [ لأن كل من وُلِدَ من الله يغلب العالم، وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا ] (1يو 5: 4).

  • وكلمة “جحيم” هي ترجمة للكلمة اليونانية ᾅδης، وتُنطق [ هادز – hades ] ويتكرر ذكرها في العهد الجديد باليونانية حوالي 11 مرة. وتُترجم في سائر هذه المواضع بكلمة “الهاوية”. والكلمة عموماً تعني [ أرض غير مرئية – مملكة الظلام ] وكانت تُعتبر – كما سنرى في باقي الشرح – أن جميع أرواح الموتى، قبل إتمام الفداء، تنزل إليه دون الإشارة إلى خصائصهم الأخلاقية.

وقد جاءت الترجمة الكاثوليكية في جميع مواضعها بكلمة “الجحيم”، ويُقابلها في العبرية كلمة [ شيئول שְׁאוֹל] التي تُذكر حوالي 65 مرة في العهد القديم، وهي عادة تُربط بكلمات عبرية أخرى تدل على الموت والقبر والمكان المظلم الذي يسكنه الأموات ولا يُذكر فيه الله، وهو يعتبر مكان غامض مُظلم وخَربْ عبارة عن هوة عظيمة لا قرار لهُ، يُطرح فيه الموتى مقطوعين خارج فاعليات التاريخ في عزلة تامة عن الله مطروحين منه ومفصولين عنه، وتُترجم هذه الكلمة (شاؤول) ومشتقاتها في العربية إلى “الهاوية”. وعادة لا تُشير الكلمة فقط للموت الجسدي والإنطراح في الموت في معزل عن الله، بل تُشير ايضاً لانتهاء العلاقة الحياتية للإنسان مع يهوه الرب الذي هو حياة النفس.

ونجد أن الكلمة تتخذ معاني مختلفة كثيره وتمتد، من مجرد مكان انتظار خلاص يهوه للأبرار الذين يدخلون الجحيم منتظرين الخلاص متوقعينه، ليمتد المعنى ليشمل أنه يضم الأشرار والصالحين، والبعض شرح المكان على أساس الاعتقاد أنه مكان لعقاب الأشرار، أما في مثل الغني ولعازر [ فرفع عينيه في الهاوية وهو في العذاب ورأى إبراهيم من بعيد ولعازر في حضنه ] (لو16: 23)، وفي الليتورجية القبطية وفي قداس القديس باسيليوس الكبير: [ نزل (المسيح الرب) إلى الجحيم من قِبَل الصليب ]، أي بواسطة الصليب بموته عليه، ليُخرج الرب منه كل الذين رقدوا على رجاء مجيء المسيا المُخلِّص، منذ آدم إلى يوم الصليب. وكان الجحيم في العهد القديم هو مكان انتظار نفوس الموتى، أما الآن فهو مكان انتظار نفوس الأشرار فقط، كما أن فردوس النعيم هو مكان انتظار نفوس الأبرار.

  • جهنم – جحيم – geenna– γέεννα– הנם – Hinnom

يقول الأب صفرونيوس من آباء القرن السادس:

[ ولأنه لا يوجد نص واضح في الأسفار المقدسة يُصرح بأن الله خلق الجحيم، استطعنا أن نُدرك من تعليم الكنيسة الجامعة أن الرب نزل إلى الجحيم عندما صُلب لكي يبدد ما جَّمعه الإنسان لنفسه، ولكي يرد هؤلاء الذين كانوا أسرى لعنة الموت إلى الحياة ويُدخلهم إلى الفردوس .

وحتى عندما نسمع عن الفردوس، فإن الفردوس ليس مكاناً خلقه الله؛ لأنه لا يوجد في النظام الكوني في الأيام الستة الأولى، مكان اسمه الفردوس، ولا يجب أن يختلط هذا بما دونه سفر الخليقة الأولى عن ” جنة عدن “؛ لأنها مكان خلق آدم الأول، أمَّا الفردوس فقد سمعنا به لأول مرة من فم الرب يسوع عندما بشَّر اللص اليمين، وقال له: ” اليوم تكون معي في الفردوس ” مؤكداً أن لعنة الموت سوف تباد بقوته، وانه سوف يحمل معه اللص، أي نفسه الإنسانية إلى راحة وعزاء وسلام في الكون؛ لأنه سيرد له الحياة، وسوف يكون في انتظاره عندما يموت؛ لأن الرب يسوع مات قبل اللص، ولأنه ( أي اللص اليمين ) مثل الملائكة والقوات السمائية سوف يجد نفسه مع ابن الله في تسبيح وتمجيد مع القوات السماوية، وهو ما يُسمى ( عند العامة ) ” السماء “، أي السماء من فوق. وهي ليست من فوق ولا في أي بُعد من أبعاد الحياة المادية المنظورة، بل ” فوق ” تعني ما يعلو على إدراك الحواس الجسدانية؛ لأننا عندما نسمع الرب يقول: ” المولود من فوق … ” ( يو 3: 3 )، فهو لا يقصد مكاناً يعلو على الأرض، بل كما ذكر نفس الإنجيل ” من الله “.

ومع أننا نحتاج إلى أن نُذكَّر عامة الناس بهذه الحقائق، إلا أنه يجب أن نترك السُّذج حسب تصوراتهم حتى لا يفقدوا سلامهم المبني على تصورات عقلية ليس لها وجود في التعليم المستقيم. ولذلك يجب نقل هؤلاء تدريجياً من تصوُّر الأبعاد المنظورة إلى تصوُّر بلا أبعاد، وهذا يُمكن بواسطة التعليم الذي ينقل فكر الإنسان إلى ما هو فوق، أي ما يعلو على الحواس. 

أكرر ما سبق وذكرته، إننا لا نؤمن بأن الله خلق مكاناً لتعذيب البشر؛ لأنه لا يوجد نص واحد في كل الأسفار يدعونا إلى هذا الاعتقاد الذي لا يتفق مع صلاح الله، ولا مع ما يتصوَّره العامة من الناس عن عدل الله الذي خلق مكاناً لراحة المؤمنين، وسجناً لعذاب الأشرار؛ لأن هذا تصوُّر مادي مبني على ما تعرفه المدن والحضارة التي لا تضع في اعتبارها أن القصر والسجن لا يعبَّران بالمرة عن عدل الله، وأن القاضي والقانون والسجان لا ينطبق على السماء، إنما هو تصوُّر أرضي لا يخدم بشارة الإنجيل .

وحتى عندما نسمع في سفر الرؤيا عن بحيرة النار والكبريت ( رؤ 19: 20 )، وغيرها من صور مادية، فلأننا نعرف أن الشيطان ذو طبيعة روحانية مظلمة لا تؤثر فيها النار المادية، أي تلك التي تشتعل في الأشياء وتحرق ما هو منظور، فلذلك السبب – أي للقوات الشريرة طبيعة غير مادية – فرض علينا الإيمان بطبيعة الشيطان أن نقول إنها استعارة وتشبية يُقرَّب لنا حقيقة حالة القوات الشريرة والأشرار عندما يبتعدون عن الله.

وعندما تذكر الأناجيل ” جهنم “، فإنها تؤكد لنا أن ذلك هو تصوُّر قلب الإنسان الفاسد بشهوات وغرور الخطية؛ لأنه بسبب التعدي، وبسبب الابتعاد عن الشركة، أظلَّم فيه الإدراك الروحي وصار يتصور الله كما يتصور القساة والعتاة من البشر، ولكن الله غير ذلك؛ لأن الإنسان الذي يُفسد حياته يضع نفسه بعيداً عن صلاح الله ولا يرى إلاَّ الظلمة والشرّ الذي فيه، أمَّا نحن الذين استنارت قلوبنا بنور الإنجيل ، فإننا ” سنراه كما هو ” ( 1يو 3: 2 ) . وعندما نراه، سوف نرى مجده، ونتغير إلى ذات صورة الابن المجيدة.

من هذا نعرف أن رؤية الأبرار بنور المحبة، ليست مثل رؤية الأشرار بظلمة الخطية. أمَّا كيف يبقى الأشرار مثل ” النفاية ” بعيداً عن السماء الجديدة والأرض الجديدة، فهذا ما لا نعرفه (على وجه الدقة)؛ لأنه لم يحدث بعد، ولأنه محفوظ لنا في يسوع المسيح ربنا .

لكننا يجب أن نُدرك أنه يوجد يوم للدينونة، وأن الأبرار لهم ميراث الملكوت، والأشرار لهم ” الظلمة الخارجية ” كما قال الرب. ولكن يجب أن نفهم هذه الأمور على قدر ما تؤكده الأسفار المقدسة، وليس حسب إدراكنا البشري فقط .

أمَّا ما هو ضروري لنا في هذه الأيام، فهو أن نحفظ الإيمان ونسلك حسب القداسة حاملين صليب ربنا يسوع المسيح، وأن نسأل الروح القدس لكي ينير بصائرنا ونكشف ما في قلوبنا للآباء الذين لهم خبرة وعرفوا أسرار الإنجيل ]

عن رسالة الأب صفرونيوس إلى تلميذه ثيؤدوروس ( تادرس )

 

المئوية الثانية في التوبة – عن كتاب التوبة وعمل الروح القدس في القلب

 

الجزء الثاني ، مترجم عن المخطوطة القبطية ؛ صفحة 29 – 31 فقرة 27 إلى 29

_______________________________

  • المراجع:

1 – التفسير التطبيقي للكتاب المقدس

2 – معجم المصطلحات الكنسية – الجزء الأول (أ – ج) – الطبعة الأولى سبتمبر 2001

3 – معجم ألفاظ الكتاب المقدس – إعداد المستشار: نجيب وهبه

4 – معجم أسماء الأعلام في الكتاب المقدس – الطبعة الأولى ديسمبر 2006 – سعيد مرقص

5 – القاموس الموسوعي للعهد الجديد (يوناني عربي) – الطبعة الأولى 2007 – فيرلين د. فيربروج

6 – القاموس الموسوعي للعهد القديم (عبري عربي) – المجلد 1 – الطبعة الأولى 2009

7 – التوبة وعمل الروح القدس في القلب – المئوية الثانية في التوبة للأب صفرونيوس – مترجم عن المخطوطة القبطية

كتاب: مدارس النقد والتشكيك – الجزء الثاني – مقدمة النقد الكتابي

كتاب: مدارس النقد والتشكيك – الجزء الثاني – مقدمة النقد الكتابي

 

كتاب: مدارس النقد والتشكيك – الجزء الثاني – مقدمة النقد الكتابي

Exit mobile version