الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

“إنسان كان له ابنان”

إقرأ أيضًا: مثل الابن الضال – مينا كرم

الأخ الأصغر

يمكن على النحو الأفضل أن تُعَنوَن هذه القصة التي حكاها السيد المسيح “مثل الابنين الضالين”. فهي مسرحية قصيرة في فصلين حيثُ الفصل الأول عنوان “الأخ الأصغر الضال”، والثاني عنوان “الأخ الأكبر الضال”.

يبدأ الفصل الأول بطلب قصير، لكن صاعق. فالابن الأصغر يأتي إلى الأب ويقول: “أعطني حصتي من الميراث”. ولا شك أن المستمعين الأصلين أذهلهم طلب مثل هذا. ليس أن ثمة خطأ ما كان في توقع الابن أن ينال حصة من ثروة العائلة. ففي تلك الأيام كان الابن، عند وفاة الأب، يحصل على نصيب مضاعف لما يرثه الأولاد الآخرون. فإذا كان لأب وارثان، يحصل أكبرهما على ثلثي الأملاك، فيما يحل الأصغر على ثلث واحد.

غير أن قسمة الملكية لم تكن تحصل إلا بعد وفاة الأب. أما هنا، فالابن الأصغر يُطالب بميراثه الآن، الأمر الذي كان علامة على عدم احترام شديد. فأن يطلب هذا، ولأب ما يزال حياً، هو أشبه ما يكون بتمني موت أبيه؛ إذ إن الابن الأصغر، جوهرياً، كان يقول إنه يريد ممتلكات أبيه، لا أباه. فطالما كانت علاقته بأبيه وسيلة لأجل غاية التمتع بثروة أبيه، وها هو الآن قد سئم تلك العلاقة. إنه يريد الخروج والابتعاد… الآن. ولذا يقول: “أعطني حصتي!”.

لكن ردّ الأب هو أكثر إذهالاً بعد من الطلب. فقد كان مجتمعاً أبوياً إلى أقصى حد، فيه كان احترام الشيوخ وتوقيرهم بكل التعبيرات السخية، ولا سيما من قبل المرء لأبويه، أمرين فائقي الأهمية. وكان من شأن الأب التقليدي في الشرق الأوسط أن يرد على طلب كهذا بطرد الابن من العائلة بلا شيء سوى الضرب الفعلي. غير أن هذا الأب لا يفعل أي شيء من هذا القبيل، بل “قسم لهما معيشته” فحسب.

ولكي نفهم أهمية هذا التصرف، ينبغي أن نلاحظ أن الكلمة اليونانية المترجمة “معيشة” هنا هي الكلمة “بيوس” (Bios)، وتعني “حياة”. وقد كان ممكناً أن تُستعمل كلمة محسـوسة أكثر للدلالة أكثر على رأس المال، ولكن لم تُستعمل أية كلمة أخرى. فلم لا؟

لا بد أن ثروة هذا الأب كانت بالدرجة الأولى بالعقارات أو الأملاك غير المنقولة؛ وللحصول على ثُلث ملكيته الصافي، كان عليه أن يبيع قسماً كبيراً من الأراضي التي يملكها. ونحن، في حضارتنا الحديثة المتحركة المدنية، ربما لا نفهم علاقة أهل الأجيال السالفة بأرضهم. تأمل البيت الشعري التالي في مغناة “أوكلاهوما” (Oklahoma) لرودحز وهمرشتاين (Rodgers and Hammerstein): “نحن نعلم أننا ننتمي إلى الأرض، والأرض التي ننتمي إليها عظمية!”

ولاحظ أن البيت لا يقول إن الأرض تنتمي إليهم، بل بالأحرى إنهم هم ينتمون إليها. فهذا يُلخص ببراعة كيف كانت هويات الناس في الماضي مرتبطة فعلاً ارتباطاً وثيقاً بمكانهم، أو بأرضهم. فأن تخسر جزءاً من أرضك كان يعني أن تخسر جزءاً من ذاتك وقسطاً كبيراً من مقامك في المجتمع. ونحن جميعاً قد سمعنا قصصاً عن أصحاب مناصب إدارية مهمة ناجحين، من الرجال والنساء على السواء، استقالوا من وظائفهم نهائياً كي يعكفوا على الاعتناء بولد ضعيف محتاج. فهذا هو ما يفعله الأب. وإن لم يكن موازياً دقيقاً له.

وهكذا، فإن هذا الابن الأصغر يطلب من أبيه أن يقسم حياته قسماً. ويفعل الأب ذلك، من أجل محبته لابنه. وما كان لمعظم مستمعي السيد المسيح قط أن يروا أباً من آباء الشرق الأوسط يستجيب على هذا النحو. فالأب يتحمل بصبر خسارة هائلة للكرامة، فضلاً عن ألم المحبة المرفوضة. وفي العادة، حين تُرفض محبتنا نفضي، وننتقم، ونفعل ما في وسعنا لتقليص مودتنا تجاه الشخص الرافض، حتى لا نتألم كثيراً. غير أن هذا الأب يُبقي على محبته لابنه ويتحمل الألم الشديد.

 

خطة الأخ الأصغر

ننتقل الآن إلى المشهد الثاني من الفصل الأول. إذ ينطلق الابن إلى “كورة بعيدة” ويُبذر كل ما له بنمط حياة جامح. وبعدما هوى فعلاً إلى الوحل مع الخنازير، “رجع إلى نفسه” ورسم خطة. فهو أولاً قال لنفسه إنه سيرجع إلى أبيه، ويعترف بأنه مخطئ، وبأنه قد حُرم حق أن يكون ابنه. ولكنه ثانياً نوى أن يطلب إلى أبيه أن “اجعلني كأحد أجراك”.

إن هذا طلب محدد جداً. فالخدام كانوا يشتغلون في الملكية ويُقيمون هناك. أما “الأجْرى” فكانوا أنواعاً شتى من أصحاب الحرف والمهن يُقيمون في القرى المحلية ويكسبون أجرتهم بالعمل. ويعتقد مُفسرون كثيرون أن استراتيجية الابن الأصغر كانت شيئاً من قبيل ما يلي: لقد أهان الابن الأصغر عائلته، وتالياً أهل بلده جميعاً. وكان “ميتاً” بالنسبة إليهم، كما يصف أبوه حالته.

وقد علم الحاخامون أن المرء الذي ينتهك معايير الجماعة لا يكفي أن يٌقدم اعتذاراً، بل عليه أيضاً أن يعوض عما أتاه. فالابن ينوي أن يقول: “يا أبي، أنا أعلم أني لا أملك حق العودة إلى العائلة. ولكن إذا جعلتني متدرباً عند واحدٍ من أجْراك حتى أتعلم مهنة وأكسب أجرة، فعندئذ على الأقل يمكنني أن أبدأ بوفاء ديني”. هذه كانت خطته. وهناك، في زريبة الخنازير، تمرن الابن الأصغر على خطابه. وعندما شعر بأنه مُستعد للمواجهة، نهض وباشر رحلة العودة إلى الديار.

والآن نصل إلى المشهد المسرحي الثالث والأخير من الفصل الأول. فها هو الابن الأصغر يصير ضمن نطاق الرؤية من البيت. ويراه أبوه فيركض…. يركض إليه! وكقاعدة عامة، فإن الآباء المميزين في الشرق الأوسط كانوا لا يركضون. كان للأولاد أن يركضوا؛ وللنساء أن يركضن؛ وللشبان أن يركضوا. أما رب الأسرة، ركن الجماعة المبجل ومالك الملكية الكبيرة، فما كان له أن يركض. ما كان أن يرفع أذيال ثوبه ويعري ساقيه مثل أحد الأولاد. غير أن هذه اب يركض فعلاً. إنه يركض إلى ابنه، ويُبدي عواطفه علناً إذ يقع على عنق ابنه ويُشبعه تقبيلاً.

لا شك – على الأرجح – أن هذا الاستقبال فاجأ الأخ الأصغر على نحو مدهش. وإذ حار وارتبك، حاول أن يبسط خطة العمل التي أعدها في سبيل التعويض. ولكن الأب قاطعه، لا متجاهلاً خطابه المحضر فحسب، بل مناقضا إياه مباشرة أيضاً. إذ يقول للخدام: “هيا! هاتوا الحلة الأولى وألبسوه!” فما هذا الذي قاله؟

إن الحلة الأولى في البيت لا بد أن تكون رداء الأب الخاص، العلامة الجلية على رد المقام في العائلة. فالأب يقول: “لن أنتظر حتى تكون قد وفيت دينك؛ لن أنتظر حتى تكون قد تذللت كفاية. إنك لن تكسب كسباً الرجوع إلى داخل العائلة، بل إني سأردك. سأكسو عريك وفقرك وثيابك الرثة بأثواب منصبي وكرامتي”.

ثم يأمر بأن يُعد الخدام وليمة احتفال، الطبق الرئيسي فيها هو “العجل المسمن”. وفي ذلك المجتمع، لم تكن معظم الوجبات تشتمل على اللحم. إذا كان طعاماً فاخراً غالياً. فقد كان اللحم أغلب الأحيان يُدخر للمناسبات والحفلات الخصوصية. ولكن ما من لحم كان أغلى من العجل المسمن. فأن تقام وليمة كهذه لا بد أنه كان أمراً لا يحدث إلا في المناسبات النادرة جداً، والأرجح أن القرية كلها دُعيت. وما إن ذاع الخبر سريعاً، حتى باتت وليمة كاملة الأوصاف جارية بمواكبة موسيقا ورقص، وكان هذا احتفالاً برد الابن الأصغر إلى الحياة والعائلة والمجتمع.

يا له من مشهد غاية في الروعة! لقد كان على الأب بعد أن يعالج حالة الابن الأكبر الروحية والأكثر تعقيداً وسميّة، في الفصل الثاني من المسرحية. ولكن الفصل الأول أصلاً تحدى عقلية الاخوة الكبار برسالة مُذهلة: إن محبة الله وغفرانه يستطيعان أن يصفحا عن أي نوع وكل نوع من الخطية أو الإثم، ويردّا المرتكب التائب إلى مقامه. فلا يهم من أنت، أو ماذا فعلت.

ولا يهم إذا كنت قد ظلمت الناس عمداً، أو حتى قتلتهم فعلاً، ولا كم تعسفت على نفسك. لقد علم الأخ الأصغر أن كثيراً من الطعام كان متوفراً وفائضاً في بيت أبيه، غير أنه اكتشف أيضاً أن هناك نعمة متفاضلة. فما من ذنب لا تستطيع محبة الأب أن تصفح عنه وتستره، وما من خطية تقوى على تحدي نعمته.

فالفصل الأول إذاً يبين “الإسراف السخي” لنعمة الله. إذ يصور السيد المسيح الأب هاجماً على ابنه في محبة ليس فقط قبل أن تتاح له فرصة كي ينظف حياته ويبرهن على تغير قلبه، بل أيضاً قبل أن يتمكن من تلاوة خطاب توبته. فلا شيء، ولا حتى الندم الذليل، يستحق رضى الله. إن محبة الآب وقبوله مجانيان تماماً.

ولكن الفصل الأول، على الرغم من كل جماله، لا يمكن أن يقوم وحده. وثمة مفسرون كثيرون، إذ يُركزون على الفصل الأول حصرياً، يستنتجون أن هذا المثل يناقض التعليم المسيحي التقليدي. فهم يقولون: “انظروا! لا ذكر هنا للتكفير عن الخطية. فلا حاجة إلى مخلص على صليب يؤدي عقاب الخطية ويفي دينها. إن الله هو إله محبة شاملة يقبل كل إنسان، مهما كان”.

لو كانت هذه هي الرسالة، لكان السيد المسيح ختم الحكاية هنا. ولكنه لم يفعل هذا؛ لأن الرسالة ليست هكذا. فبينما يُبين لنا الفصل الأول مجانية نعمة الله، سيُرينا الفصل الثاني كلفة النعمة وذروة القصة الصحيحة.

 

 

الأخ الأكبر الضال

عندما يسمع الأخ الأكبر من الخدام أن أخاه قد رجع، وأن أباه أرجعه إلى مقامه السابق، يستشيط غضباً. فالآن دوره في إهانة أبيه.

لقد رفض أن يدخل إلى ما يُرجح أنه كان أكبر وليمة وحدث عام أقامهما أبوه يوماً. فإنه بقي خارج الباب، مُدلياً علناُ بصوته حاجباً الثقة عن أفعال أبيه. واضطر ذلك الأب إلى الخروج لمحادثة ابنه الأكبر، الأمر الذي يحط من قدرك أن تفعله إذا كنت سيد الدار والحقول ومضيف وليمة عظيمة. ثم راح الأب يتوسل إلى ابنه الأكبر كي يدخل، غير أن هذا أصر على الرفض.

لماذا ثار غضب الابن الأكبر بشدة؟ لقد استاء كثيراً، ولا سيما من الإنفاق الذي كان جارياً؛ فهو يقول لأبيه: “إنك لم تعطني قط جدياً لإقامة حفلة، فكيف تجرؤ أن تعطيه العجل؟” غير أن العجل المسمن ليس سوى رمز؛ لأن الأب قد بذل نفقات تخطت العجل. فبإدخاله الأخر الأصغر من جديد إلى العائلة، جعله وارثاً من جديد، له حق في ثلث ثروة العائلة (وقد تضاءلت جداً الآن).

هذا أمر شائن لا يطاق في نظر الأخر الأكبر. وها هو يجمع الأمور بعضها مع بعض. “لقد اجهدت نفسي كثيراً بالعمل الشاق، وكسبت ما نلته. أما أخي فلم يفعل شيئاً قط كي يكسب أي شيء. وبالحقيقة كان يستحق الطرد فقط، غير أنك أنعمت عليه بالخيرات! فأين الإنصاف في هذا؟” لذلك يُشير الأخر الأكبر إلى سجله. “لم أعص لك أمراً قط! فإن لي حقوقاً! ومن حقي أن أستشار بشأن هذا الأمر! لا يحق لك أن تقرر هذه القرارات من جانب واحد”.

وهكذا، فإن حنق الأخ الأكبر جعله يتمادى في إهانة أبيه؛ فهو يرفض أن يخاطبه بالأدب والاحترام اللذين توجبهما تلك الحضارة على الصغار نحو الكبار، ولا سيما في العلن. إنه لا يقول “يا أبي الكريم”، بل يباشر كلامه متحدثاً عن نفسه: “ها أنا….” وفي حضارة تُضفي أهمية كلية على احترام الكبار وتوقيرهم، يُعد سلوك كهذا شائناً. وربما كان معادل عصري لهذا التصرف في كتابة أحد الأبناء سيرة حياة مُذلة تُدمر أبيه وحياته المهنية.

وأخيراً نصل إلى العقدة. كيف سيكون رد الأب على ثورة ابنه الأكبر السافرة؟ ماذا سيفعل؟ ربما كان من شأن رجل من أهل زمانه ومكانه أن ينكر في الحال. غير أنه يستجيب من جديد برقة مُذهلة، إذ يمضي قائلاً: “بني، على الرغم من أهانتك لي علناً، ما زلت أريد أن تحضر الوليمة. لن أقدم على إنكار أخيك، ولكني أيضاً لا أريد أن أنكرك أنت.

أدعوك إلى التراجع عن كبريائك، والدخول إلى الوليمة. الخيار بيدك. أتقبل أم لا؟” وهذه مناشدة دراماتيكية سخية على نحو غير متوقع.

وهنا تعتري المشاهدين دهشة بالغة. هل يلتئم شمل العائلة أخيراً بوحدة ومحبة؟ هل يتصالح الأخوان؟ هل يلين الأخ الأكبر بفضل هذه العرض الرائع ويتصالح مع أبيه؟

بينما تخطر في بالنا هذه الأفكار كلها، تُختم القصة! فماذا لم يُكمل السيد المسيح القصة ويخبرنا بما جرى؟ ذلك لأن جمهور هذه القصة الحقيقي كان الفريسيين، الأخوة الكبار. إن السيد المسيح يتوسل إلى أعدائه كي يستجيبوا لرسالته. وما تلك الرسالة؟

سيبرز الجواب عن هذا السؤال فيما نتمهل في الفصول التالية كي نفهم النقاط الرئيسية التي يبتغي السيد المسيح أن يجعلنا ندركها هنا. وبكلمة وجيزة، يُعيد السيد المسيح تعريف كل ما كنا نحسب أننا نعرفه بشأن التواصل مع الله. إنه يعيد تعريف الخطية، وما يعنيه كون المرء ضالاً، وما يعنيه كون الإنسان مخلصاً.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

 

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

الخلاص والتبني – الجزء الثاني مقدمة، التبني عند القديس بولس الرسول

الخلاص والتبني – كيف نعيش خلاصنا
للعودة للجزء الأول (تمهيد)أضغط هنا.

 

2 – مقدمـــــــــــــــــــــة

 

[sonship – full rights of sons ]
بنوَّه – الحقوق الكاملة للأبناء

كلمة التبني مُترجمة من العبرية בַּתללָקח – batllaqah، وعن اليونانية ύίοθεσία – huiothesia، أي وضعه في موضع الأبناء، أي اتخاذ شخص [ ليس ابناً طبيعياً له صلة الرحم ] أبناً، وعموماً الكلمة تُشير إلى الإجراء القانوني الذي يستطيع به أي إنسان أن يلحق أبناً بعائلته، ويخلع عليه قانونياً كل حقوق وامتيازات الابن، بالرغم أنه ليس ابناً طبيعياً له، بل وليس من عشيرته أو قومه الأقربين، إذ جرت العادة عند الناس قديماً وحديثاً على أن يتبنوا أولاد لأنفسهم، فيتمتع هؤلاء المتبنين بجميع حقوق البنوية من وراثة وغيرها كأنهم أبناء حقيقيون، وذلك مثلما حدث في تبني ابنة فرعون لموسى النبي (خروج 2). 
وكانت من عادة المرأة قديماً، إذ لم يكن لها ولد تُعطي جاريتها زوجه لرجلها، فإذا ولد منها بنون تبنتهم سيدة الجارية وحسبتهم بنين لها (أنظر تكوين 16). وإذا حدث أن رجلاً ليس له سوى ابنه وحيدة، يُمكنه أن يعطيها زوجة لعبد معتوق، ويتبنى أولادها ليرثوه ويحيوا اسمه من بعد موته. وكان التبني أمراً مشهوراً أيضاً عند الرومان واليونانيين، وقد وضعت قوانين مُخصصه توضح كيفية احتلال مركز الابن في وضع شرعي.

وعموماً هذه الكلمة (التبني)، لا تُذكر في العهد القديم إلا نادراً وفي مواضع محددة، فلا يوجد في العهد القديم أية قواعد (قوانين) خاصة بالتبني، رغم وجود تعبيرات مثل: [ أنا أكون له أباً وهو يكون لي ابناً ] (2صموئيل 7: 14)، أو [ واتخذكم لي شعباً ] (خروج 6: 7) 
بل هذه الكلمة لا تظهر بوضوح إلا في العهد الجديد، وعلى الأخص في رسائل القديس بولس الرسول، وتُذكر في: [ رومية 8: 15 و23؛ رومية 9: 4؛ غلاطية 4: 5؛ أفسس 1: 5 ]

+ إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف، بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب (رومية 8: 15)
+ وليس هكذا فقط بل نحن الذين لنا باكورة الروح نحن أنفسنا أيضاً نئن في أنفسنا متوقعين التبني فداء أجسادنا (رومية 8: 23)
+ الذين هم إسرائيليون ولهم التبني والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد (رومية 9: 4)
+ ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني (غلاطية 4: 5)
+ إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته (أفسس 1: 5)

  • أولاً : الفكرة القانونية العامة
[ سوف نذكر التبني – باختصار شديد – من خلال العهد القديم وعادات الشعوب لنميز ما بين المفهوم القانوني وعادات الشعوب، وبين العهد الجديد وما شرحه القديس بولس الرسول على وجه التحديد لنفهم ما هو وضعنا الصحيح بالنسبة لعلاقتنا مع الله في المسيح، لأننا لن نفهم ما كتبه القديس بولس الرسول وفي ذهننا لبس ما بين التبني على مستوى الجسد وعادات الشعوب وما بين بنوتنا الحقيقية في المسيح يسوع !!! ]
عموماً كانت هذه العادة [ التبني ] شائعة بين اليونانيين والرومانيين، وغيرهم من الشعوب قديماً، ولكنها لا تُذكر إطلاقاً في الشريعة اليهودية:
  • 1 – في العهد القديم:نقرأ في العهد القديم عن ثلاثة حالات من التبني:
الحالة الأولى موسى: وقد تبنته ابنة فرعون [ ولما كبر الولد جاءت به إلى ابنة فرعون فصار لها ابناً [ تبنته ] .. ] (خروج 2: 10)
الحالة الثانية جنوبث، وقد تبنته خالته تحفنيس زوجة فرعون مصر [ فولدت لهُ أخت تحفنيس جنوبث ابنهُ وفطمته تحفنيس في وسط بيت فرعون. وكان جنوبث في بيت فرعون بين بني فرعون ] (1ملوك 11: 20)
والحالة الثالثة أستير: وقد تبناها مردخاي [ وكان مربياً لهدسه أي أستير بنت عمه، لأنه لم يكن لها أب ولا أم (مات أبوها وأمها فتبناها مردخاي)… أستير ابنة أبيحايل عم مردخاي الذي اتخذها لنفسه ابنة ] (أستير 2: 7 و15)

ونُلاحظ بالنسبة لهذه الحالات الثلاث، أنها لم تحدث في فلسطين، بل في خارجها، وبالتحديد في مصر وفارس، حيث كان التبني أمراً شائعاً في تلك المناطق. والتبني يصدر عادةً عن الأب المتبني (الذي يريد التبني)، فهو من يتخذ المبادرة على الدوام. وقد يكون الدافع لهذا هو الاحتياج العاطفي، أي ملء الفراغ العاطفي لعدم وجود ذرية تُشبع العواطف الأبوية والمفاهيم الدينية، وايضاً لحفظ اسم العائلة واستمرارها، أو للرغبة في ممارسة السلطة الأبوية.

وكانت إجراءات وشروط التبني تختلف من شعب لآخر حسب عاداته وتقاليده وديانته، فقد كان التبني عند الأمم الشرقية يمكن أن يمتد إلى العبيد أو الأسرى [ كما في حالة موسى ]، وبالتبني ينالون حريتهم ويحصلون على الحقوق الكاملة التي للأبناء والأحرار.
أما عند اليونان والرومان، فكان التبني قاصراً على المواطنين الأحرار، إلا في بعض الحالات الاستثنائية فقط.
  • 2 – عند اليونان: 

كان ممكناً للإنسان في أثناء حياته أو في وصية تُنفَذ بعد وفاته، أن يتبنى أي مواطن يوناني ذكر، فيصبح في مكانة الابن له كل حقوقه الكاملة في كل شيء، ولكن بشرط أن يقبل الابن المتبني القيام بكل الالتزامات القانونية والواجبات الدينية التي يلتزم بها الابن الحقيقي.

  • 3 – عند الرومان:

نلاحظ أن سلطة الأب عند الرومان سلطة عاتية، فكان الأب يُمارس على ابنه سلطة شبيهة بالسلطة التي يُمارسها السيد على عبده، وقد أضفى هذا صورة غريبة على عملية التبني !!!

وكانت إجراءات التبني شبيهة بما كان يُجرى عند اليونانيين، وعلى وجه التحديد: كان التبني إجراء به ينتقل الابن من سلطة أبيه الحقيقي، إلى سلطة أبيه بالتبني، وكأنها عملية بيع افتراضية للابن، يُصبح بها خاضعاً تماماً لسلطة الأب الجديد الذي تبناه.
وكانت الإجراءات تتم بأن يقوم الوالد ببيع ولده للأب الجديد ثلاثة مرات، بعدها يَمْثُل الوالد الجديد أمام القاضي ويُعلن أن هذا الولد صار أبناً له، وهكذا يصبح هذا الابن هو الوريث الشرعي لأبيه بالتبني.

 

ثانياً: التبني في رسائل القديس بولس الرسول


بالطبع وبلا شك كان القديس بولس الرسول عارفاً بالعادات الرومانية كشخص كان يتمتع بالجنسية الرومانية، كما أنه سواء في موطنه في طرسوس المدينة الكبيرة، أو في رحلاته العديدة، قد عرف عادات الشعوب والمناطق الأخرى.

وطبعاً بولس الرسول يستخدم الفكرة ليس في حرفيتها القانونية كما هي عند الرومان أو عند باقي الشعوب ولا حتى على مستوى العهد القديم مثل الحالات التي رأيناها، فمن الخطر الذهاب بكلمات القديس بولس عن التبني إلى حدود بعيدة من التفاصيل لتشتمل على فكر الشعوب أو حتى فكر اليوم عن التبني سواء بقبوله أو رفضه قانونياً، ولا يصح أن نطبقه من الجهة الحرفية القانونية على كلمات الرسول، لأن هناك اختلاف بارز وجوهري بين التبني عند الشعوب، والتبني عند الله في المسيح يسوع، لأن القديس بولس يستخدم كلمة التبني ليُبين أن الله – بإعلان نعمته في المحبوب يسوع ابنه بالطبيعة والحق – أتى بالناس إلى علاقة الأبناء الحقيقيين ومنحهم اختبار وتذوق علاقة التبني في الابن الوحيد له بالطبيعة، فكلمة البنيين أضفى عليها الرسول معاني متسعة ليوضح علاقتنا الجديدة بالله في يسوع المسيح ابنه الحقيقي والوحيد، لأن بالتجسد الإلهي الفائق قُدمت لنا الطبيعة الجديدة الداخلية، ليكون كل إنسان مؤمن بالمسيح على شبه المسيح الرب نفسه، متمثلاً بالله، لأن العلامة المُميزة للمسيحي الحقيقي ليست في الأساليب والأشكال الخارجية الظاهرة للناس، إنما في تجديد القلب وسلام الأفكار الداخلية والمحبة لله التي تظهر في محبة القريب وكل إنسان، وبذلك يتحقق فينا عملياً التجسد الإلهي، لأن ابن الله بالطبيعة صار ابناً للإنسان، وذلك لكي يصير أبناء الإنسان أبناء الله في الابن الوحيد، لأننا من شخص ربنا يسوع المسيح نستمد التبني.

__________يتبـــــع__________
العنوان القادم؛ تابع ثانياً: التبني في رسائل القديس بولس الرسول
1 – التبني في الرسالة إلى أهل غلاطية

 

سرّ يسوع تقديس الإنسان للاتحاد بالله -الجزء الثاني

سرّ يسوع تقديس الإنسان للاتحاد بالله
شهادة حية لإيمان مُسَلَّم من جيل إلى جيل
من التصق بالرب فهو روح واحد ] (1كو 6 : 17)
سر يسوع تقديس الإنسان أي تأهيل الطبيعة البشرية للحياة مع الله
كمجال حي لنتذوق عمل المسيح الخلاصي في حياتنا
الجزء الثاني :/ غاية التجســـــــــــد
للعودة للجزء الأول – المقدمة 
أضغط هنا.

التجسد فعل إلهي ذات حركتين، حركة نزول وحركة صعود، أي تنازل أو نزول إلهي وصعود بشري، أي الكلمة صار إنساناً لكي يرفع كل إنسان للإتحاد بالله؛ أي أن النزول العجيب الغير المدرك لله إلى عمق حالة البشرية الساقطة حتى إلى درجة الموت، قد صار نزول إلهي فتح لجنس البشر طريق الصعود لله وهذا هو الخلاص …

أي أن النزول الإلهي، أي نزول الله في الجسد، الكلمة صار جسداً، جعل البشر قادرين على الصعود في الروح القدس على حسب قول أبينا القديس اثناسيوس الرسولي.

لقد كان من الضروري أن يتم هذا الإتضاع الإرادي من جهة الله، المسمى بالإخلاء من مجد الألوهة الذي تممه شخص الكلمة المتجسد إذ أخلى ذاته آخذاً شكل العبد، وذلك حتى تُحقق البشرية الساقطة دعوتها إلى اللاهوتية ( أي الاتحاد بالله – وليس معنى ذلك أن يساوي الإنسان الله طبعاً بل هو فعل نعمة ممنوح من الله للإنسان بتجسد الكلمة الذي اتحد بنا اتحاد حقيقي غير قابل للانفصال بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ). وهكذا فأن هدف العمل الفدائي الذي أكمله المسيح له المجد أو بالحري هدف التجسد عموماً قد أصبح هو الهدف النهائي للبشرية كلها: أن تعرف طريق الإتحاد مع الله، وتحيا في شركة حقيقية معه بالوحدة الحقيقية في المسيح يسوع الكلمة المتجسد.

فإن كان هذا الإتحاد قد أكتمل في شخص ابن الله المتجسد، الذي هو (( الله صار إنساناً ))، فمن الضروري أن كل شخص بالتالي يؤمن بالمسيح الله الظاهر في الجسد، يصير مُقدساً بالنعمة فيُصبح مقر سكنى الله ويتطبع بالطبع الإلهي أي ” شريك الطبيعة الإلهية ” حسب تعبير القديس الطوباوي بطرس الرسول ( 2بط 1 : 4 )، ( مع ملاحظة أن الكلام لا يُقصد به بالطبع أن يصير شريك في الطبيعة الإلهية ذاتها من جهة الجوهر، يعني يصير أقنوماً لأن هذا تجديف ويستحيل أن يكون، وفهم حرفي للجدل والخروج عن عمل الله، بل المقصود هو أن يتطبع بالطبع الإلهي أي تحقيق صورة الله فيه بعمل النعمة )

فبالتجسد أخذ الله على نفسه طبيعتنا البشرية الساقطة والمتردية في شهواتها (1)، وضمها إلى لاهوته باتحاد غير قابل للافتراق (لاهوته لم يفارق ناسوته – وهذا هو إيماننا ) (2)، لتسري فيها الحياة الإلهية فتجددها وتشددها وتُعيد تكوينها من جديد بالقيامة وهذا هو قوة الخلاص وفعله …

فبالتجسد اتحد الله بالإنسان اتحاد حقيقي غير قابل للافتراق، لتسري في الإنسان حياة الله وهكذا يتقدس، وكيف يكون ذلك على المستوى الواقعي، يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [ الكلمة اتخذ جسداً لكي ننال نحن الروح القدس ] ( تجسد الكلمة ، وأيضا ضد الأريوسيين : 8 )
ويقول القديس أمبروسيوس : [ بالروح نقتني صورة الله وننمو إلى مشابهته، وبالروح كما يقول معلمنا بطرس نصير شركاء الطبيعة الإلهية، وهذه الشركة لا تعطينا ميراثاً جسدياً ،بل تلك الرابطة الروحية في نعمة التبني ] ( عظة على الروح القدس 8 : 94 ، 95 )
ويقول أيضاً : [ إذن فقد خُتمنا بروح الله ” الذي فيه أيضاً إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس الذي هو عربون خلاصنا.. ] ( أف 1 : 13 و 14 )، فنحن نُختم بالروح لكي نقتني بهاؤه وصورته ونعمته … حتى يصور الروح القدس فينا مشابهة الصورة الإلهية ] ( على الروح القدس 6 : 79 )
ويقول القديس اثناسيوس الرسولي : [ الكلمة صار جسداً لكي يجعل الإنسان قادراً أن يتقبل اللاهوت ( ضد الأريوسيين 2: 59 )
ويقول ايضاً : [ لقد صار إنساناً لكي يوحدنا مع الله في شخصه، وخرج من امرأة ووُلد من عذراء لكي يحول إلى نفسه جنسنا الضال، ويُصيرنا بالتالي جنساً مقدساً وشركاء الطبيعة الإلهية كما كتب بطرس الطوباوي ( 2بط: 1 : 4 ) ] ( الرسالة 60 إلى أدلفيوس ، ب.ج 26 : 1077 )
ويقول في منتهى التركيز والقوة: [ فلأجل هذا قد صار الاتحاد لكي يصير من هو إنسان بحسب الطبيعة ملتحماً بطبيعة اللاهوت، فيصير بذلك خلاصه واتحاده بالله مضموناً ] ( ضد الأريوسيين 2: 70 ، ب.ج 26 : 296 )
ويقول أيضاً: [ لقد صار الكلمة جسداً لكي يقدم هذا الجسد من أجل الجميع فنستطيع نحن أن نتحد بالله بمشاركة الروح القدس. فلم يكن ممكناً أن ننال ذلك بوسيلة أخرى إلا بأن يلبس هو جسدنا المخلوق ] ( الدفاع عن قانون نيقية 14 ، ب.ج 25 : 448 )

وهذا القول الأخير أظهر فيه القديس اثناسيوس النتيجة من تجسد الكلمة وهي أن ننال نحن الروح القدس لنتحد بالله بواسطته، أي أن الكلمة أخذ جسدنا ليتمكن من أن يعطينا روحه القدوس، وهذا هو عينة ما نقصده ونتغنى به في ثيئوتوكية الجمعة في الكنيسة القبطية:

هو أخذ جسدنا *** وأعطانا روحه القدوس
وجعلنا واحداً معه *** من قِبَل صلاحـــــــه
هو أخذ الذي لنــا *** وأعطانا الذي لــــــه
نسبحـــه ونمجده *** ونزيده علــــــــــــــواً

باختصار شديد، إن غاية التدبير الإلهي له شقين، الشق الأول هو العتق من الخطية أي الحرية من سلطان الخطية وهذا هو الفداء أو الخلاص 
والشق الثاني : من جهة الدعوة الإلهية أو كمال الخلاص أو الغاية النهائية من التجسد يطلق عليها آباء الكنيسة = الإتحاد بالله = التبني، أي نصير أبناء في الابن الوحيد

ولكي لا يعتقد أحد أني أتكلم من نفسي أو من جهة تأملاتي الخاصة أكتب ما قد كتبه القديس إيرينيئوس ( أستشهد عام 200 ميلادية وهو من الآباء الرسوليين ) : [ أن البعض لا يقبلون عطية التبني ويحتقرون الميلاد البتولي الذي به تجسد كلمة الله. وهم بذلك يسلبون الإنسان من الارتقاء نحو الله ويصيرون غير شاكرين لكلمة الله الذي تجسد من أجلهم. فإنه لهذه الغاية قد صار كلمة الله إنساناً وصار ابن الله ابناً للإنسان: لكي يتحد الإنسان بالكلمة ويقبل التبني فيصير ابناً لله ] ( ضد الهراطقة 3: 19 : 1 – 3 )

عموماً كختام لهذا الجزء، نقول أنه سوف يُستعلن هذا السرّ بكاملة في نهاية الدهور، بعد أن تعود كل المخلوقات لتصير متحدة بالمسيح ليصير الله الكل في الكل:
” اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضاً فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلَئ الْكُلَّ. وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ. ” ( أف4: 10 – 13 )
” فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّتِي مِنْهَا أَيْضاً نَنْتَظِرُ مُخَلِّصاً هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ. ” ( في3: 20 – 21 )



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طبعاً لا اقصد من قريب أو بعيد أن المسيح كان فيه خطية (مستحيل طبعاً) ولكنه اتحد بنا اتحاد حقيقي كامل بلا خطية
(2) المسيح اتحد بنا اتحاد لا يقبل الافتراق يقول القديس كيرلس الكبير [ لقد وُلِدَ بحسب الجسد من امرأة آخذاً منها جسده الخاص لكي يغرس نفسه فينا باتحاد لا يقبل الافتراق ] ( تفسير لوقا 22 : 19 ، ب.ج 72 : 909 )

 

غنى النعمة ووافر السلام لكم جميعاً في الرب
كونوا معافين باسم الثالوث القدوس
الإله الواحد آمين

 

بحث خاص عن الإنجيل معناه – الجزء الثاني: العهد القديم أولاً: الله المتكلم.

تابع بحث خاص عن الإنجيل معناه
1 – العهد القديم: [أولاًالله المتكلم
(للعودة للجزء الأول: أضغط هنا. )

أن موضوع الكلمة الإلهية في العهد القديم، ليس موضوع نظري، كما هو الحال في التيارات الفكرية المختلفة، أو مثل الفلسفة اليونانية، أو مقولة الكُتَّاب الشهيرة [ في البدء كانت الكلمة ]، إذ يعتبرون أن أول شيء ظهر في التاريخ هو الكلمة، ومعنى [ في البدء كانت الكلمة ] هُنا بحسب راي الكتاب والمفكرين والفلاسفة تختلف اختلاف جذري عن ما قاله القديس يوحنا الرسول في الإنجيل، فلا يصح ان نخلط الأمرين معاً، أو نظن أن الكلمة عند يوحنا الرسول مثل باقي الفلاسفة اليونان أو الكُتَّاب عموماً…
ولكن الكلمة الإلهية على مستوى العهد القديم لم تكن مجرد كلمة مكتوبة أو منطوقه، إنما هي تُعبِّر قبل كل شيء عن حادث شخصي اختباري في واقع الحياة المُعاشة: أن الله يُكلم – مباشرة – أشخاصاً مُختارين، وبواسطتهم يُكلم شعبه وسائر البشر والناس، ولكن لا يتكلم جزافاً بل مع الكلام يُعطي نبوات تتحقق وبعض الآيات والمعجزات التي تُرى في الواقع الإنساني والتاريخي. [ الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء ] (عبرانيين 1).

1– تعتبر الحركة النبوية إحدى الركائز الأساسية في العهد القديم لإظهار كلمة الله: ففي كل عصر من العصور، يُكلم الله أشخاصاً مُختارين موكلاً لهم مهمة تبليغ كلمته، وهؤلاء البشر الذي يختارهم ويُعينهم الله هم أنبياء، بالمعنى المتسع للكلمة (أنبياء)، وقد يُخاطبهم الله بطرق متنوعة كثيرة، فيُكلم البعض عن طريق:

+ رؤى وأحلام: [ في جبعون تراءى الرب لسليمان في حلم ليلاً وقال الله أسأل ماذا أُعطيك ] (1ملوك 3: 5)
[ لكن الله يتكلم مرة وباثنتين لا يلاحظ الإنسان. في حلم في رؤيا الليل عند سقوط سبات على الناس في النعاس على المضجع. حينئذ يكشف آذان الناس ويختم على تأديبهم. ليحول الإنسان عن عمله ويكتم الكبرياء عن الرجل. ليمنع نفسه عن الحفرة وحياته من الزوال بحربة الموت ] (أيوب 33: 14 – 18)

[ النبي الذي معه حلم فليقص حلماً والذي معه كلمتي فليتكلم بكلمتي بالحق ما للتبن مع الحنطة يقول الرب ] (أرميا 23: 28)

+ ويُكلم البعض الآخر خلال إلهام داخلي يصعُب وصفه: [ (أليشع يقول) والآن فأتوني بعوادٍ. ولما ضرب العواد بالعود كانت عليه يد الرب ] (2ملوك 3: 15)

+ أو يكلم وجهاً لوجه كما كلم الرب موسى: [ فنزل الرب في عمود سحاب ووقف في باب الخيمة ودعا هرون ومريم فخرجا كلاهما. فقال اسمعا كلامي أن كان منكم نبي للرب فبالرؤيا اُستعلن له في الحلم أُكلمه. وأما عبدي موسى فليس هكذا بل هو أمين في كل بيتي. فماً إلى فم وعياناً أتكلم معه لا بالألغاز وشبه الرب يُعاين (نركز على أن موسى لم يرى الله في كمال جوهره أو بهاء مجده بل شبه فقط، غير باقي الأنبياء) فلماذا لا تخشيان أن تتكلما على عبدي موسى ] (عدد 12: 5 – 8).

+ بل وأحياناً نجد أن الكتاب المقدس لا يوضح طريقة تبليغ كلمة الله للناس: [ وقال الرب لإبرام: أذهب من أرضك وعشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أُريك ] (تكوين 12: 1)


ولكن عموماً ليس هذا هو جوهر الأمر، أي طريقة الكلام نفسه، فجميع الأنبياء عندهم إدراك شخصي واعي واضح بيقين أن الله القدوس الحي هو الذي يُكلمهم بنفسه، وهذا نجده واضحاً أن تتبعنا الأمر منذ البداية بتدقيق، ونجد أن كلمته تغمرهم وتملك عليهم مُلكاً خاصاً على نحوٍ ما، إلى حد الشعور بقوة شديدة تملك عليهم وتقودهم ليتمموا مقاصد الله التي قصدها:

  • [ فأخذني الرب من وراء الضأن وقال لي الرب: أذهب تنبأ لشعب إسرائيل ] (عاموس 7: 15)
  • [ الأسد قد زمجر فمن لا يخاف. السيد الرب قد تكلم فمن لا يتنبأ ] (عاموس 3: 8)
  • [ قد أقنعتني يا رب فاقتنعت وألححت عليَّ فغلبت. صرت للضحك كل النهار، كل واحد استهزأ بي لأني كلما تكلمت صرخت. ناديت: ظلم واغتصاب، لأن كلمة الرب صارت لي للعار وللسُخرة كل النهار، فقلتُ لا أذكره ولا أنطق بعد باسمه. فكان في قلبي كنار مُحرقة محصورة في عظامي فمللتُ من الإمساك ولم أستطع ] (أرميا 20: 7 – 9)


فبالنسبة للأنبياء تُعتبر كلمة الله الحادث الأول الذي يرسم لهم معنى حياتهم الشخصية ووسط المجتمع أيضاً، فتتدفق كلمة الله من خلالهم بطريقة عجيبة ذات سلطان، تجعلهم يعزون مصدرها إلى عمل روح الله، ولا يستطيعوا إمساكها أو عدم النطق بها أو الهروب منها مهما ما كانت المشقات والآلام التي يحتملونها، لأن عادة كلمة الله يقاومها الأشرار بشدة قد تصل للعنف وقتل الأنبياء أنفسهم لكي لا يسمعوا صوت الرب…

ويوجد بالطبع حالات أخرى لتوصيل كلمة الله للأنبياء والقديسين ورجال الله عموماً، بواسطة طرق لا تلفت النظر، أقرب في ظاهرها إلى الوسائل العادية التي يستخدمها البشر في علاقتهم المتبادلة، وهي الطريقة التي تستعين بها الحكمة الإلهية لمخاطبة قلوب البشرّ: 

  • [ ألعل الحكمة لا تُنادي والفهم ألا يُعطي صوته. عند رؤوس الشواهق عند الطريق بين المسالك تقف. بجانب الأبواب عند ثغر المدينة عند مدخل الأبواب تصرح. لكم أيها الناس أُنادي وصوتي إلى بني ادم. أيها الحمقى تعلموا ذكاء ويا جُهال تعلموا فهماً. اسمعوا فإني أتكلم بأمور شريفة وافتتاح شفتي استقامة. لأن حنكي يلهج بالصدق ومكرهة شفتي الكذب. كل كلمات فمي بالحق ليس فيها عوج ولا التواء. كلها واضحة لدى الفهيم ومستقيمة لدى الذين يجدون المعرفة…. فالآن أيها البنون اسمعوا لي فطوبى للذين يحفظون طرقي. اسمعوا التعليم وكونوا حكماء ولا ترفضوه. طوبى للإنسان الذي يسمع لي ساهراً كل يوم عند مصاريعي حافظاً قوائم أبوابي. لأنه من يجدني يجد الحياة و ينال رضى من الرب. ومن يُخطئ عني يضر نفسه، كل مبغضي يحبون الموت ] (أمثال: 8: 1 – 9؛ 31 – 36)
  • [ وقد وهبني الله أن أبدي عما في نفسي وأن أجري في خاطري ما يليق بمواهبه فأنه هو المرشد إلى الحكمة ومثقف الحكماء ] (حكمة 7: 15)


وكلمة الله هي الحكمة التي تعمل في القلوب بقصد الإرشاد في تدبير شئونهم أو في كشف الأسرار الإلهية: [ (الملكة الوثنية تتحدث إلى الملك) يوجد في مملكتك رجُل فيه روح الآلهة القدوسين وفي أيام أبيك وُجدت فيه غيرة وفطنة وحكمة كحكمة الآلهة، والملك نبوخذ نصر أبوك جعلهُ كبير المجوس والسحرة والكلدانيين والمنجمين… من حيث أن روحاً فاضلة ومعرفة فطنة وتعبير الأحلام وتبين ألغاز وحلَّ عُقد وُجِدَت في دانيال هذا الذي سماه الملك بلطشاصَّر. فليُدعَ الآن دانيال فيُبين التفسير ] (دانيال 5: 11 – 12)
[ فقال فرعون لعبيده هل نجد مثل هذا رجُلاً فيه روح الله. ثم قال فرعون ليوسف بعدما أعلمك الله كل هذا ليس بصير وحكيم مثلك ] (تكوين 41: 38 – 39)

عموماً وعلى كل حال لسنا هُنا أمام كلمة بشر عُرضة للتقلب أو الخطأ، فالأنبياء وكتبة الحكمة على اتصال مباشر مع الله الحي بطريقة ما يُكلمهم بها الله ويلهمهم حسب مقاصده ورأيه .

– كلمة الله، أي الكلمة الإلهية، لم تُلقى على بعض الناس المختارين من الله بصفتها تعليم سري، يتحتم عليهم أن يخفوه عن عامة الناس، بل هي رسالة يجب تبليغها في ميعادها الذي حدده الله، وتُقدم لا إلى دائرة صغيرة من الناس، وإنما إلى الشعب الإسرائيلي بأجمعه بلا استثناء، لأن الله يُريد أن تصل كلمته إلى شعبه بواسطة حاملي رسالته أي كلمته.
وعليه، فأن اختبار كلمة الله ليست وقفاً على عدد صغير من الناس أو المتصوفين، أو حتى القديسين عابدي الله بالأمانة، بل أن شعب إسرائيل كله مدعو إلى أن يعترف بأن الله يُخاطبه بواسطة من يرسلهم إليه. حتى وأن صادفت كلمة الله – في البداية – اعتراضاً أو احتقاراً من الناس [ أنظر أرميا 36 للضرورة ]، إلا أنها ستتجلى أخيراً بكل جلالها بفضل علامات لا تقبل الجدل تُظهر أنها من الله لتُحقق مقاصده وتعلن رأيه وكما هو مكتوب بإعلان إلهي كلنا تحققنا منه يقيناً: 

  • [ أليست هكذا كلمتي كنار يقول الرب وكمطرقة تُحطم الصخر ] (أرميا 23: 29)
  • [ هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي لا ترجع إليَّ فارغة، بل تعمل ما سُررت به وتنجح فيما أرسلتها له ] (أشعياء 55: 11)
__________يتبــــــــــع__________
العنوان القادم 
تابع العهد القديم: [ثانياً] اعتبارات مختلفة للكلمة

 

 

أعيادنا الحية – الأسرار (الجزء الثاني) القداس الإلهي

أعيادنا الحية – الأسرار (الجزء الثاني) القداس الإلهي

أعيادنا الحية – الأسرار (الجزء الثاني) القداس الإلهي

للرجوع للجزء الأول أضغط هنا.

 

أعيادنا الحية – الأسرار
الجزء الثاني – تابع تمهيد
(2) القداس الإلهي
 
هو عشاء الرب وفيه يُقدم لنا ذاته طعاماً للحياة: [ أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء، أن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أُعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم ] (يوحنا 6: 51). وهذه هي المحبة في عمق معناها عند الله، وهو أن يعطينا ذاته لكي نحيا به، فالمحبة تستدعي الاتحاد للشركة، وأكمل صورة مادية لهذا الاتحاد هي اتحاد الأطعمة بالجسم البشري، إذ تتحوَّل في من يتناول منها إلى لحمه ودمه وعِظامه، لأن الأطعمة هي التي تبني الجسد وتقويه…لذلك إذ شاء الرب يسوع لعظمة محبته الفائقة التي لا تُحدّ، أن يتحد بنا اتحاداً سرياً في أكمل صورة ممكنة، فأعطانا ذاته بشكل طعام في سرّ الشكر، ولكن الفرق بين الطعام الإلهي والطعام الاعتيادي لاحتياج الجسد وتكوينه، هو أن الأخير – الطعام الجسدي – يتحول إلينا حينما نتناوله، أي يدخل في تركيب الجسد الفاني ويندفع إلى المخرج ما تفضل منه خارج احتياج الجسم، بينما الأول – أي الطعام السماوي الذي هو خبز الحياة – عندما نتناوله، فنحن من نتغير إليه وليس هو الذي يتحوَّل إلينا، وهذا التغيير هو تغيير سري، أي أن صورة الله تنطبع فينا وهو بنفسه يُغيرنا إليه، وتسري حياته الشخصية فينا، فنُردد مع الرسول بإيمان رائي الذي حدث سراً بالروح كنتيجة فينا: [ أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ ] (غلاطية 2: 19)
 
فالمسيح الرب في سرّ الإفخارستيا لا يتحوَّل فينا ويتغير إلينا ليُصبح فاني مع الجسد، بل نحن من نتغير إليه ونتشكل بشكله ونتطبع بطبعه، فتقول صلاة القسمة المقدسة: [ اشفِ ايها الرؤوف نفوسنا الشقية بمراهم أسرارك المُحيية… عند استحالة الخبز والخمر إلى جسدك ودمك تتحول نفوسنا إلى مشاركة مجدك، وتتحد نفوسنا بألوهيتك… لكي بذوق لحمك نؤهل لذوق نعمتك، وبشرب دمك نؤهل لحلاوة محبتك. وهبت لنا أن نأكل لحمك علانية، أهلنا للاتحاد بك خفية. وهبت لنا أن نشرب كأس دمك ظاهراً، أهلنا أن نمتزج بطهارتك سراً. وكما أنك واحد في أبيك وروحك القدوس نتحد بك وأنت فينا.. ]، وبذلك نتشكل ونتطبع بطبعه الإلهي من جهة طهارة النفس والنمو في القداسة، فنمتلئ من نعمة الله في كل مرة نتناول من هذا السرّ العظيم الذي للتقوى، وهذا هو المعنى العملي للاتحاد بالله الذي يُسمى التألُّه عند آباء الكنيسة، اي أننا نتحد مع الله حتى أنه هو الذي يحيا فينا، فنموت عن أنفسنا ليحيا الله فينا، لكي به نحيا ونتحرك ونوجد، لذلك كثيرين فهموا التأله عند الآباء خطأ وتصارعوا على المعاني وكل واحد حرم الآخر لأنه لا يتفق معه في المفاهيم، والبعض شرحه على أساس أننا نتحول فنصير آلهة، أي نخلق ونوجد في كل مكان.. الخ، وهذا عيب خطير في الفهم والشرح، لأن المقصود هو أن يحيا المسيح فينا، لأن النظرة الروحية الآبائية العميقة من جهة الخبرة، تنطلق من لفظة هامة وهي [ الاتحاد بالله سراً ]، أو الشركة والتشرب من [ طهارة الابن الوحيد ]…
وبسبب الشرح الحرفي المادي الخارج الإيمان وخبرة الحياة بإنسان جديد روحاني لبسناه في المعمودية، أتى المفهوم المغلوط المشوه للإيمان الحي، بأن الذي يتناول واصابه خدش أو جرح يجعل دم المسيح الرب ينزل مع دمه وبذلك يفقد ما ناله، وكأن الرب فينا يتحول إلينا وينطبق عليه كل ما هو من الجسد حسب قوانين الطبيعة، مع أنه أعطانا جسده سراً في شكل خبزٍ وخمر، ولم تنطبق عليه قط كل القوانين التي للفيزياء أو الكيمياء، أو أي قوانين بشرية، لأن من المستحيل أن المسيح الرب القائم من الأموات يتحول فينا نحن الترابيون إلى عنصر ترابي أو أرضي قابلاً للفساد أو الانحلال، فيسيل منا إذا جُرحنا أو حينما تمس افواهنا أكواب المياه أو يخرج مع اي شيء يخرج من أفواهنا !!! ولو كان هذا صحيحاً فكيف قُطع رؤوس الشهداء بعد التناول، هل ممكن أن نتصور أن دم المسيح انسكب منهم على الرض عند شهادتهم وفقدوا ما تناوله في سرّ الإفخارستيا !!!
فلننتبه يا إخوتي، لأن الرب يسوع قهر الفساد وأبطل سلطان الموت، حتى أنه لم يرى فساداً ولا جسده تحلل في القبر، فالحقيقة الأرثوذكسية (أي المستقيمة، ولا أتكلم عن الكلمة من جهة طائفية) هي التي عبَّرَ عنها القديس بولس الرسول، بأن المائت يُبتلَع بالحياة: [ حتى تبتلع ما هو زائل – حتى يُبتلع المائت بالحياة ] (2كورنثوس 5: 4)، فدم المسيح [ يُطهر ضمائرنا من الأعمال الميتة ] (أنظر عبرانيين 9: 13 – 14)
فالرب بنفسه قال عن كل من يتناول من هذا السرّ العظيم [ من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أُقيمه في اليوم الأخير ] (يوحنا 6: 54)، فالإفخارستيا تعمل في داخلنا للحياة الأبدية حسب عمل استطاعته [ الذي سيُغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده بحسب عمل استطاعته ] (فيلبي 3: 21)؛ ويقول القديس كيرلس الأورشليمي: [ هذا الخبز المقدس الذي يوزع لغذاء النفس. هذا الخبز لا ينزل إلى الجوف، ولا يُدفع إلى المخرج (متى 15: 17). ولكنه يتوزع على كل بنيتك لفائدة النفس والجسد ] (عظة 23: 15).

فالجذر هو الدخول إلى شركة الطبيعة الإلهية، أي الدخول في برّ المسيح الرب وطهارته ووداعته، أي هي لبس المسيح الرب بمعنى أدق، والاتحاد به اتحاداً سرياً حقيقياً بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، وهو دخول سري على مستوى عمل الروح القدس الذي يُغيرنا إليه، ويجعلنا هيكل خاص لحلوله فينا، وبذلك يجعلنا نرتديه ونتشح به، ويقول القديس كيرلس الأورشليمي: [ وإذ أنت تشترك في جسد المسيح ودمه، تُصبح جسداً واحداً ودماً واحداً مع المسيح. وهكذا نُصبح نحن حاملي المسيح، بما أن جسده ودمه ينتشران في أعضاءنا. وبهذه الكيفية نُصبح على حد تعبير الطوباوي بطرس “شركاء الطبيعة الإلهية” (2بطرس 1: 4) ] (من عظات القديس كيرلس الأورشليمي)

 
فبالإفخارستيا يا إخوتي نُصبح حقاً أبناء القيامة حسب ما أعلن لنا الرب وسلمنا أباء الكنيسة وحسب شهادة القداسات نفسها في الصلوات، فالرب اتحد بجسدنا اتحاداً كاملاً حقيقياً، وأخذ الترابي الذي لنا لكي يُعطينا الذي له، أي يُلبسنا ذاته ويعطينا الروح القدس روح القيامة (أنظر رومية 8)، وتقول التسبحة الكنسية وثيئوطوكية الجمعة: [ أخذ الذي لنا وأعطانا الذي لهُ ]؛ [ هو أخذ جسدنا وأعطانا روحه القدوس وجعلنا واحداً معهُ من قِبَلْ صلاحه ]، أي باختصار شديد، دخلنا في سرّ الوحدة معه لنتطبع بطبعه هو، فأصبحنا نتحوَّل لعدم الفساد وصرنا سماويين، رعية مع القديسين وأهل بيته فعلاً بالتناول من جسده ودمه.
 
يا إخوتي الإفخارستيا لم ولن تكون ذبيحة الصليب فقط، بل هي مرتبطة ارتباط وثيق بالقيامة، لأن الرب يسوع لم يعطينا جسده المصلوب، بل جسده القائم من الأموات، لأنه لا يعطي ذاته لنا ميتاً لنظن أنه يتحول لجسدنا المائت، والطقس الكنسي بارع في الشرح لأنه يؤكد تمام التأكيد بإيمان حي لا يلين أن الجسد هو [ الجسد المُحيي ]، ويقول القديس أثناسيوس الرسولي:
[ إننا لا نشترك في جسد إنسان بل نتناول جسد الكلمة نفسه ] (رسالة 2: 1)
[ يا أحبائي إننا لا نقترب من عيد أرضي بل عيد سماوي وأبدي. ولا نرى شيئاً من الظلال بل الحقيقة… أما نحن فإننا من الآن نأكل من الكلمة الذي من الآب، وتُدهن أعتاب قلوبنا وتُختَم بدم العهد الجديد ] (رسالة 4: 3)
[ أننا نأكل طعام الحياة، ونعطش دائماً لكي تمتلئ نفوسنا بالشبع من ينبوع دمه الكريم ] (رسالة 5: 1)
[ لنستعد لكي نقترب من الحمل الإلهي، ولكي نلمس الطعام السماوي ] (رسالة 5: 5)
ويقول القديس إيرينيئوس: [ عندما ينال الكأس الممزوج والخبز المصنوع، كلمة الله، تصير الإفخارستيا جسد ودم المسيح، ومنها يتغذى ويحيا جسدنا وينمو. كيف إذن يؤكدون (الهراطقة) أن الجسد غير قابل على تقبل عطية الله التي هي الحياة الأبدية، وهو الذي تغذى من جسد ودم الرب، والذي هو دمه ونال نمواً من الخبز الذي هو جسده ]
ويقول أيضاً: [ والآن كيف يقولون أن الجسد يمضي إلى الفساد ولا يتشارك في الحياة، وهو الذي تغذى بجسد الرب ودمه، إما أن يُغيروا رأيهم أو يكفوا عن تقديم التقدمات… الإفخارستيا تؤكد رأينا، ونحن نُقدم لهُ مما لهُ مُعلنين شركتنا ووحدتنا، معترفين بقيامة الجسد والروح، لأنه كما أن الخبز الذي من الأرض، بعد أن ينال استدعاء الله، لا يعود بعد خبزاً عادياً، بل يصير إفخارستيا مكونة من عُنصرين، أرضي وسماوي، كذلك أيضاً أجسادنا، باشتراكها في الإفخارستيا لا تعود قابلة للفساد Corruptible بعد أن نالت رجاء القيامة الأبدية]

إننا باقترابنا من المائدة الإلهية – ليس فقط نتحد بالله – بل نتحد بعضنا ببعض، فعندما يُريد البشر التعبير عن اتحادهم أو توطيد علاقتهم، يجتمعون حول مائدة واحدة لتناول الطعام سوياً، هكذا المؤمنون – مع الفارق – يتحدون بعضهم ببعض ويصبحون جسداً واحداً عندما يتناولون كلهم من المائدة الإلهية الواحدة: [ فإننا نحن الكثيرين خُبزٌ واحد، جسد واحد، لأننا جميعُنا نشترك في الخبز الواحد ]، لذلك يا إخوتي لأن هناك خُبز واحد حي نازل من السماء للحياة، ونحن بالرغم من إننا كثيرين نصير جسد واحد، وذلك لأننا جميعاً نشترك في هذا الخبز الواحد، لأن بالاتحاد بشخص الكلمة المتجسد ربنا يسوع المسيح، نصير واحداً فيه على المستوى العملي والفعلي في حياتنا: [ أما هؤلاء فهم في العالم وأنا آتي إليك، أيها الآب القدوس أحفظهم في اسمك، الذين اعطيتني، ليكونوا واحداً كما نحن ] (يوحنا 17: 11)، [ وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد ] (يوحنا 17: 22)، [ أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد وليعلم العالم إنك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني ] (يوحنا 17: 23)، [ وعرفتهم اسمك وسأُعرفهم، ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به وأكون أنا فيهم ] (يوحنا 17: 26).

وعلينا أن نحذر من أن نفهم اتحادنا ببعضنا البعض بسبب الإفخارستيا وإننا جسد المسيح السري ككنيسة، أن هناك انقساماً بين جسد المسيح الشخصي وجسده على المذبح ووجوده في السماء عن يمين الآب، ونحن كأعضاء فيه من لحمه وعظامه، ونقسم المسيح الرب الواحد لعدة أجساد، معنوية ومادية وروحية.. الخ، واحد في السماء يختلف عن ما هو على المذبح أو يختلف عن الكنيسة، لأن ليس للمسيح الرب جسدان وليس له تعدديه، لأن هذا يخضع للفكر البشري الضعيف، وفي نفس ذات الوقت ليس بكوننا جسد المسيح السري معناها إننا ناكل بعضنا البعض على المذبح، لأن الأساس هو أن جسد الرب الذي على المذبح هو الذي يجعلنا كنيسة وليس العكس، لأننا لسنا نحن من يصنع للمسيح جسد، بل هو الذي يجمعنا ويوحدنا به، لأنه يسكن في كل واحد فينا ويجمعنا إلى واحد في شخصه الحي، وحينما ندخل في إطار الشرح العقلي ونخضع السرّ للعقل نتعثر ونقسم المسيح الرب الواحد بعدة أجساد ونضعه تحت نظريات وأفكار كثيرة ومنقسمة، فنخرج خارج السرّ الإلهي وندخل في المباحثات السخيفة التي تجلب خصومات وانشقاقات لا حصر لها، ونُقسم جسد المسيح الواحد بسبب رأي وفكر كل واحد …

وتقول الديداكي [ كما أن هذا الخبز المكسور، كان مرة مبعثراً على التلال، وقد جُمع ليصير (خبزاً) واحداً، كذلك أجمع كنيستك من أقاصي الأرض في ملكوتك. لك المجد والسلطان بيسوع المسيح أبد الدهور ]
ويقول الأسقف سرابيون في الخولاجي: [ وكما أن عناصر هذا الخبز، كانت فيما مضى، قد بُعثرت مرة على الجبال، قد جُمعت معاً وصارت واحداً، كذلك ابنِ كنيستك المقدسة من كل أمة ومدينة وبلد وقرية وبيت، أجعل منها كنيسة واحدة حية جامعة ]
وفي خولاجي دير بلوزة بأسيوط يقول: [ وكما أنتثر هذا الخبز على الجبال والتلال وفي الوديان (بصورة زرع – القمح ) وجُمِعَ ليصير جسداً واحداً. وكذلك هذا الخبز نبع من كرامة داود المقدسة، وهذا الماء ينبع عن الحمل الذي بلا دنس، ممتزجين وصائرين سراً واحداً، هكذا أجمع كنيسة يسوع المسيح الجامعة ]

وهنا نرى بوضح أن الوحدة التي تتم بين المؤمنين بالمناولة المقدسة، ترمز إليها مادة السرّ نفسها، فالخبز الذي تحوَّل إلى جسد المسيح، مؤلف من حبوب كثيرة من الحنطة أو القمح، اندمجت كلها لتؤلف وحدة واحدة، وكذلك الخمر التي تتحول إلى دمه بالسرّ، عُصارة حبات كثيرة وعديدة من العنب.

عموماً، يأتي المؤمنون إلى كنيسة الله وهم متفرقين، ينتمون إلى بيئات مختلفة ومتعددة، ولكن عندما يتحدون بالمسيح الرب الواحد الذي تجسد وصُلب [ ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد ] (يوحنا 11: 52)، يتحدون معاً عندئذٍ ويصيرون كنيسة واحدة لراعٍ واحد، إذ أنهم لا يصيروا أفراداً مستقلين كل واحد يحيا مبتوراً عن الآخر ووحدته معه صورية شكلية معنوية، بل يصيروا في شركة حقيقية في جسد واحد غير منقسم او منفصل، أي يصيرون شعباً لله واحداً في هيكل الرب الجديد الذي هو جسد المسيح يسوع الذي سيجمع كل الشعوب: [ ويرفع راية للأمم، ويجمع منفيَّي إسرائيل، ويضُم مشتتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض ] (أشعياء 11: 12)

_____يتبع_____
وفي الجزء القادم سنتكلم عن خلاصة ما تكلمنا فيه عن القداس الإلهي

 

أعيادنا الحية – الأسرار (الجزء الثاني) القداس الإلهي

سلسلة تعليم المعمدين – الجزء الثاني.

كلمة للذين قبلوا سرّ الإيمان واعتمدوا حديثاً
(سلسلة تعليمية للبنيان والنمو – الجزء الثاني)
للعودة للجزء الول أضغط هنا.

 

أنتبه أيها الحبيب يا من قبلت سر الخلقة الجديدة ودُعيَّ عليك الاسم الحسن، فصرت مسيحي عن جدارة، وعضو في الجسد الحي الذي هو هيكلاً مقدساً شرفه الله ويسكنه بروحه الذي صار قائماً في إنائك الخاص لا يُفارق، فتأمل في عظمة عطايا المسيح الرب الذي شرفك بها، إذ جعل من ذهنك بيتًا لله مقدساً تستقبل النور الإلهي حينما تقرب من وجه النور في مخدع صلاتك لتُصلي إليه وتقرأ كلمته فتحب وصاياه وتحيا بها…

فلك الآن أن تتعمق وتبدأ في معرفة الأسرار الفائقة، لأن منذ معموديتك فُتحت لك كنوز السماء لتأخذ من العطايا الإلهية بمسرة الله، فتغتني وتشبع من المجد الفائق الذي لله الآب في المسيح والذي صار منسكباً لك بروحه، لأن الآن عندما تقرأ عن الأسرار ستفهم ما لم كنت لا تفهمه عنها قبلاً، واعلم أن هذا الأمر ليس بشيء هين، فأنت دُعيت مؤمناً، والإيمان يأتي من أمانة القلب، والرسول بولس يقول [ أمين هو الله ] (1كورنثوس 1: 9)، ويقول أيضاً القديس يوحنا الرسول: [ هو أمين وعادل ] (1يوحنا 1: 9)، وبذلك أنت نلت لقب من ألقاب الله، أي [ أمين ]. لهذا أحذر لئلا يكون لك اللقب أنك “أمين” وأنت لك إرادة مخالفة، لأنه ينبغي أن تكون أميناً في إرادتك وتستمر في الحفاظ على قوة معموديتك (أي الخليقة الجديدة التي نلتها من الله) لأنها كالبذرة تحتاج عنايه فائقة لتنمو وتثمر فيك الثمار الإلهية الحلوة، والله لن يُعطي ويُغني شخص لا يُريد أن يستقبل أمانة الله في قلبه لتصير صفة إيمانه الحي، لكي يشع الله في أمانته بازدياد ان استمر على أمانة قلبه.

وعليك أن تعلم الآن إننا لا ننال المعمودية مرتين أو أكثر وذلك لأنه يوجد [ ربٌ واحد، وإيمان واحد، ومعمودية واحدة ] (أفسس 4: 5)، فلا تُعاد المعمودية قط، لأن الإنسان لا يولد مرتين بل مرة واحدة، والمعمودية هي ميلادك الجديد الفوقاني الذي لن يُعاد قط، بل عليك أن تنمو وفق ما دُعيت إليه وتسلك فيه:
  • [ فأطلب إليكم أنا الأسير في الرب أن تسلكوا كما يحق للدعوة التي دعيتم بها. بكل تواضع ووداعة وبطول أناة محتملين بعضكم بعضا في المحبة. مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح برباط السلام. جسد واحد وروح واحد كما دعيتم أيضاً في رجاء دعوتكم الواحد. رب واحد إيمان واحد معمودية واحدة. إله وأب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم ] (أفسس 4: 1 – 6)

فالآن صرت خليقة جديدة فاجعل كل أعمالك تتفق مع ما نلت من الله، لأن الله لا يطلب منا سوى القلب الصالح، الذي يصدر منه ويخرج كل الصلاح لأن الله بشخصه يسكنه. ولا تقل كيف تُمحى خطاياي ؟ لأنك اغتسلت بل تبررت بروح إلهنا، وليس لك الآن إلا أن تبتعد تماماً عن كل معثرة وأي مصدر للشر وتنسى حياتك القديمة تماماً، وتحيا بالتوبة الدائمة التي لا تتوقف، والتي سوف نتحدث عنها (والموضوع مكتوب في المنتدى وسوف أشير إليه في التعليم عن التوبة). 
فمن اليوم كف عن كل ما هو رديء، كف لسانك عن كل نطق غير لائق، أغمض عينك عن التطلع إلى الخطية والتجول فيما يضُّرك، ولتسرع قدماك بشغف إلى التعليم الصحيح الذي من رجال الله الممسوحين الذين لديهم موهبة التعليم من الله، سواء تلك التي تسمعها أو تقرأها:

  • [ وصايا الرب مستقيمة تفرح إياه. أمر الرب طاهر يُنير العينين ] (مزمور 19: 8)
  • [ صيانة من العثار (العثرة) ومعونة عند السقوط، هو يُعلي النفس ويُنير العينين، يمنح الشفاء والحياة والبركة ] (سيراخ 34: 20)
  • [ لأنك أنت تضيء سراجي، الرب إلهي يُنير ظُلمتي ] (مزمور 18: 28)
  • [ فتح كلامك (إعلان أقوالك) يُنير، يُعقل الجهال ] (مزمور 119: 130)
  • [ طوبى لمن يواظب على هذه فأن الذي يجعلها في قلبه يكون حكيماً. وإذا عمل بها يقدر على كل شيء لأن نور الرب دليله ] (سيراخ 50: 30 و31)

ولنفترض أن لك ذهب خام مخلوط بمواد أخرى مثل النحاس والقصدير والحديد والرصاص وبعض الشوائب الأخرى، وأنت تسعى للذهب النقي، فهل يُمكنك أن تُنقيته بطريق آخر غير النار التي تستمر فترة وفترات حتى يتم تنقيته بالدرجة التي تحتاجه فيها، وهكذا بنفس الطريقة لا يمكن للنفس أن تتنقى بدون التلاوات الإلهية المجمعة من الأسفار المقدسة بروح الإرشاد والتعليم الذي يقودك روح الله إليها:

  • [ لأن الله لم يعطنا روح الفشل بل روح القوة والمحبة والنُصح ] (2تيموثاوس 1: 7)
  • [ وأما المُعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يُعلمكم كل شيء، ويُذكركم بكل ما قلته لكم ] (يوحنا 14: 26)

وكما أن المهرة في حرفة صياغة الذهب ينفخون النار بأدوات دقيقة فيشعلونها تجاه الذهب الموضوع في البوتقة، وبهذا يبلغون غايتهم، هكذا بنفس الطريقة محبي كلمة الله وعاشقيها يثيرون رعباً للأعداء الروحانيين بواسطة روح الرب، وتصير النفس كما لو كانت على نار بوتقة الجسد، فيهرب الخصم أي الشيطان منها وتسقط كل بقايا الثوب القديم البالي، ويسكن الخلاص ورجاء الحياة الأبدية قلبها، وعندئذ تبدأ النفس في التنقية من خطاياها وتدخل في عمق سرّ الخلاص وتفرح بالشركة الإلهية مع القديسين في النور.

لذلك يا إخوتي عليكم أن لا تتسرعوا وتقبلوا كل شيء يقال لكم أو تقبلوا كل ما تسمعونه وتعتبروه من الله وتحيوا به، بل عليكم أن تتأنوا كثيراً جداً وتصلوا باستمرار وكثيراً ليُعطيكم الله روح التمييز والإفراز لتصغوا بكل طاقتكم إلى التعاليم التي منه هو، لأن الآن صار لكم أعداء كثيرين، ويجدر بكم أن تتعلموا كيف تتعاملون مع أفكار الجميع ليس لأجل المواجهة بل في قلبكم وفكركم الذي ينبغي أن تُسلحونه بالنور البهي المشع في وجه يسوع [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6).

فهوذا السلاح مُعد الذي هو [ سيف الروح ] (أفسس 6: 17) وهو مُهيأ لك، فقط أبسط يدك بطريقة صالحة لكي تحارب حرب الله، وتغلب القوات المقاومة وتصير حصناً منيعاً يصد كل محاولة لتعليم خاطئ يجعلك تفشل في الطريق الإلهي، لأن ليس كل تعليم تسمعه هو من الله، ولا حتى خبرة كل إنسان وكلامه الصالح يصلح لك أنت أيضاً بالضرورة، لأن التعليم الذي من الله هو صالح للجميع، لكن لكل شخص منهجه وخبرته الخاصة التي لا تصلح لغيره قط؛ لذلك اسأل الله أن يجود عليك بنعمة التمييز لتميز ما هو صالح لك وما هو لا ينفعك بالرغم من انه نافع لغيرك…

وفي النهاية دعني أقدم لك هذه الوصية: [ اعرف التعاليم واحفظها إلى الأبد ]، واحفظ التعليم الذي سوف أكتبه لك لأن ما سيكتب لن يكون مجرد عظات عادية، فإن العظات العادية مع كونها صالحة وتستحق المديح، لكننا إن أهملناها اليوم ندرسها غداً. أما التعاليم بخصوص المعمودية التي سأقدمها لك مسلسلة إن أهملتها اليوم فمتى ستدرسها كما ينبغي ؟! 
تصور أنه الآن أوان غرس الأشجار، فأن لم نحفر بعمقٍ، كيف نقدر أن نغرس الشجرة بطريقة صحيحة، لأننا لو غرسناها بطريقة خاطئة، أو في وقت غير وقتها لن تفلح زراعتها ولن تثمر في أوانها !!!
فالتعليم نوع من البناء المتراص المتكامل، إن لم يرتبط ببعضه البعض بنظام صحيح يكون البيت مُعيباً والبناء كله غير سليمٍ، ويؤول كل تعب وعمل شاق إلى لا فائدة لأن مصير البناء أن يتهاوى وسيكون سقوطه عظيماً.
فيلزمنا الآن أن نضع الحجر على الحجر بانتظام وتساوي بترتيب مُتقن، وخلال اللمسات الأخيرة لإزالة الزيادات يصير البناء منسقاً جميلاً ومتيناً، هكذا بنفس الطريقة نجلب المعرفة والتعليم كما لو كانت حجارة، هذه التي نحضرها واحدة فواحدة حتى يتهيأ لنا بناء مترابط متناسق. فإن لم تتهيأ التعاليم في وحدة واحدة، ونرتبها كما يليق التعليم الأول فالثاني.. الخ، فإن البناء يُعد لكنه لا يكون سليماً أبداً.

كتاب: مدارس النقد والتشكيك – الجزء الثاني – مقدمة النقد الكتابي

كتاب: مدارس النقد والتشكيك – الجزء الثاني – مقدمة النقد الكتابي

 

كتاب: مدارس النقد والتشكيك – الجزء الثاني – مقدمة النقد الكتابي

Exit mobile version