كفارة المسيح – ترجمة: توفيق فهمي أبو مريم

كفارة المسيح – ترجمة: توفيق فهمي أبو مريم

كفارة المسيح – ترجمة: توفيق فهمي أبو مريم

كفارة المسيح – ترجمة: توفيق فهمي أبو مريم

 

تقبع في صميم أعماق المسيحية عقيدة في غاية الأهمية هي عقيدة الكفّارة.

يلخص بولس الرسول، محامي العقيدة السليمة، الايمان المسيحي بعبارات موجزة فيقول:

فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ 3 خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ،

وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ 4

كورنثوس الثانية 15: 3 – 4

 

على الرغم من أن بولس الرسول يعتبر أن جزء من البشارة هو المسيح القائم من الأموات، لكنه يعطي في المقام الأول الأهمية لحقيقة موت المسيح عن خطايانا.

بغض النظر عن حقيقة أن قلة من القادة الدينيين يرفضون بشدة عقيدة الكفّارة، وأن موت يسوع المسيح كان تضحية ضرورية لفداء البشر، فإننا نستند على أرضية صلبة من النص الكتابي لبحث هذا الموضوع العظيم.

كلمة كفّارة في الصيغة الرسمية للكتاب المقدس هي مصطلح خاص بالعهد القديم. تظهر فقط مره واحدة في العهد الجديد في رومية 5: 1 وتترجم ” مصالحة “.

ان اقتراح فكرة الكفّارة لا يأتي من وحي الخيال، لأن كلمة كفّارة تعني أن موت المسيح الكفّاري يصالح الخاطئ مع الله ويعيده له.

يكفِّر هنا تأتي بمعنى يقدم تعويضاً. في الكتاب المقدس الكفّارة مرتبطة بخطية الإنسان. أمر الله إسرائيل بتخصيص يوم في السنة، العاشر من الشهر السابع، وأسماه يوم الكفّارة.

لاويين 16: 29 – 30، 23: 27 – 28

كان الشعب يحضر ذبيحة خطية، حيوان بريء كأضحية يسفك دمه لتحقيق الكفّارة. لاويين 16: 27

يقول الرب: لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ.

لاويين 17: 11

بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَة. عبرانيين 9: 22……

سنلقي الضوء في هذه الدراسة على التعليم الكتابي الذي يوضّح أن موت المسيح وسفك دمه هو عمل يكفّر عن خطايا البشرية.

يجدر بنا تذكير أنفسنا عند الخوض في هذا الموضوع المهيب، أن موت يسوع المسيح على الصليب في الجلجثة هو حقيقة تاريخية.

وصلت الى يدي بعض الكتب الخيالية (يقول الكاتب) عن موت المسيح. تميل غالبا تلك الكتب الى جر القارئ الى حالة شعرية خيالية خطرة من الحلم واللاواقعية.

لكن العقيدة السليمة تتعامل مع حقائق وليس خيال. يذكر العهد الجديد وحده ما يقارب مائتا مرة موت المسيح. ومع أن اللاهوتيين يختلفون في معنى الصليب، لكن موت الرب اعتبر حقيقة تاريخية عبر تاريخ الكنيسة.

يقبل بعض اللاهوتيون حقيقة موت المسيح، وفي نفس الوقت يقولون صراحة أن الكفارة ليست عقيدة ولا هي نظرية أو عقلانية.

نؤمن أن الانسان تجدّد وتم فداءه وصولِح مع الله، وتمت مسامحته وتبريره وتبنيه، ليس بعقيدة الكفّارة بل بالكفّارة نفسها بتضحية وموت ربنا يسوع المسيح كبديل عنّا.

لا نستطيع أن نطمح بأن نغطي كل جوانب هذا الموضوع العظيم من خلال هذه الدراسة المختصرة، لكننا سنوضح بعض أساسيات الكفّارة ليكون للمؤمنين قاعدة صلبة تدعم إيمانهم.

 

نظرية إيرونيّوس للكفّارة:

عبر التاريخ تم تحدي كل عقائد الكتاب المقدس العظيمة، كتب بروفيسور معروف في جامعة مشهورة كتابا بعنوان “الحياة البشرية ليسوع “

The human life of jesus

ينكر فيه صراحة ً تعاليم الكتاب المقدس بالكفّارة، ويقول:

” أجرؤ على الاقتراح، بعدم موافقتي على الفهم المتبع بشكل كبير بأن يسوع قصد أن الخطية والقبر يتم العفو عنهم عبر الإيمان به”

ويكمل بأن يقول إن يسوع نظر الى صَلبه كمجرد ” تضحية رمزية درامية ” وأن فكرة ” التوبة بالإنابة لم تظهر في تعاليمه “.

ويعترف بأن ” ملكوت السماوات يجب أن يُشترى بثمن، لكن على كل واحد منا أن يدفع هذا الثمن بنفسه “

هذه الأفكار هي مجرد أفكار بشرية وليس هناك ما يدعمها في النص الكتابي على كل حال.

كتب قائد ديني اخر، اشتُهِر لرفضه العلني للنظرة التاريخية المسيحية للكفّارة، ” الأب الذي يجب مصالحته على أبناءه، والذي يجب تهدئة غضبه، والذي يُشترى عفوه، هو ليس أب يسوع المسيح….لا تزال تستخدم ترانيم على نطاق واسع تخلد نظرية أن الله يعفو عن الخطاة لأن يسوع اشترى هذا العفو بطاعته والامه. لكن العفو المدفوع الثمن ليس عفواً “

للإنسان العادي قد تبدو هذه النظرة منطقية، لكنها محاولة للتعتيم على فهمه كي لا يفهم وجهة نظر الله عن الكفّارة.

ويمكن اعتبار نظريات ايرونيوس هذه انها ببساطة عبارة عن محاولة إحياء أفكار أقدم.

والأكثر تصديقا من نظريات إيرونيوس هذه عن الكفّارة هي ” نظرية التأثير الأخلاقي ” والتي تم تعميمها عبر هنري فان دايك واخرون. وتنظر الى موت المسيح على أنه عرض درامي صمم ليثير في الانسان حب الله، وليترك أثر أخلاقي لدى الإنسان.

وتستثني الفكر الكتابي الذي ينادي بالالام بالإنابة والفداء، وينظر الى أن دور الكفّارة أنه مجرد الهام واقناع البشر لفعل الصواب.

ويفسر عمل المسيح على الصليب على أنه عمل استشهاد لسبب محق، وهو يقتصر على كونه المثال الأنقى للتضحية بالنفس.

وأن المسيح هو مجرد مثال وليس مخلّص حيث أن موته لم يكن تكفير. وأن لا حاجة لأي تضحية عن الخطية حيث أن الله الساكن في السموات لن يكون قاسيا على خليقته على الأرض.

 تنص نظرية التأثير الأخلاقي على أن الله هو أب لجميع البشر، وأنه لا يحاسب الإنسان على الخطيئة.

لنكن حذرين من مثل هذه النظرة المشوّهة والتي تناقض عقائد التجديد والفداء وعقائد أساسية أخرى في الايمان المسيحي.

لن تكفي مشاعر التأثر بألم المسيح وحده ليكفر لأحد الخطأة عن خطيته ويعيده لله. يجب أن يتم سداد دين الخطية، والمسيح قد دفع على صليب الجلجثة.

 يقول: Dr Loraine Boettner د. لورين باوتنر

 ” لا يتعب أبدا المحامون عن نظرية التأثير الأخلاقي عن السخرية من فكرة أن الله يجب استرضاءه. يتجاهلون العقيدة الكتابية التي تقول أن الاثار الذاتية للخطية على قلب الانسان تنفره من الله وتجعله غير قادر على الانجذاب لأي دوافع محقة مهما كانت قوية.

إنهم لا يرون شرخاً لا يمكن عبوره بين الله القدوس والإنسان الخاطئ، وبالنتيجة لا يوجد سبب لإرضاء العدالة الإلهية.”

نظرية شائعة أخرى عن الكفّارة تعرف باسم ” النظرية الحكومية ” تم ابتكارها على يد القانوني الشهير هيغو غروتيوس في بدايات القرن السابع عشر.

Hugo Grotius

اشتقت النظرية الحكومية بشكل كامل من وجهة نظر قانونية ولذلك يعجب بها الكثيرون. جوهر هذه النظريه أن القانون الإلهي والقانون الحكومي واجبيّ النفاذ. وهي تعترف بأن الإنسان خاطئ، لكن الله المحب الساكن في العلا لا يرغب بمعاقبة الخطأة، وبنفس الوقت لا يستطيع أن يسمح أن تنتهك كرامة ورفعة قوانينه.

وهنا يوجد عناصر من الحقيقة في هذه النظرية، وهي أن القانون مقدس، وأن الخطية لا يجب أن تمر بلا عقاب، وأن ” النظام الذي يحكم الكون يستمر فقط إذا احترم الإنسان القانون. ولكن وتبعاً ل

غروتيوس فإن السبب الوحيد لموت المسيح هو لإظهار معاداة شريعة الله للخطيئة، وأن العقاب الذي تكبده المسيح كان لمجرد ترك تأثير في الاخرين يشدد على أهمية الحفاظ على القانون.

وبالنتيجة النهائية، عوقب المسيح للحفاظ على الشكليّات، وليبقي على هيبة النظام والقانون فقط.

ويكمن ضعف النظرية الحكومية في حقيقة أنها لا تجعل الخطأة يشعرون بمدى سوء الخطية بنظر الله، وأن المسيح، في موته وضع خطايا الخاطئين على نفسه. ويظهر الله وكأنه يعاقب شخصاً بريئاً ومحقاً لمجرد أن يترك انطباعا عند الاخرين.

هذه النظرية تحاول أن تجعلنا نؤمن بأن ” الصليب مجرد رمز صُمِم ليعلمنا مدى كراهية الله للخطية ” وهذا يجعل علاقة الخطأة بعذابات ربنا علاقة عامة وليست شخصية، وأن المسيح اشترى مجرد عفو عام عن كل البشر. لكن النظرية الحكومية تبطل وتفقد صدقيتها أمام التعاليم الصريحة للعهد القديم والجديد.

 

 تفسير الكفّارة

من المهم أن نعرف عند محاولتنا تفسير الكفّارة الدافع وراء موت المسيح. لم يعلم الكتاب المقدس مطلقا أن المسيح مات كشهيد عاجز.

هؤلاء الذين لم يفهموا ويقدّروا عمل يسوع المسيح لأجلنا، لم يفهموا أيضاً موضوع طبيعة وتأثير الخطيّة على الإنسان.

تُعلم الكثير من نصوص الكتاب المقدس أن كفّارة المسيح هي تكفير عن خطية البشر، وبالتالي فالخطية هي التي جعلت الكفّارة ضرورية.

تجسد المسيح لكي يموت عن خطية البشر، هل كان ابن الله سيتجسد في حال لم يخطئ الإنسان؟ هذا ما لا نعلمه ولا ننوي أن نخمّن.

يكفينا أن نعلم أن الخطية أوجبت الصليب في تجربة ابن الله.

على الرغم من التعليم الخاطئ في العلم المسيحي (في بعض الأحيان)، فوجود الخطية حقيقة لا يمكن انكارها. ويظهر الكتاب المقدس حقيقة طبيعة الخطية ويكرس العقوبة. منذ سقوط ادم، رزحت الانسانية جمعاء تحت ثقل ومرارة عقوبة الخطية. وتشهد تجارب الحياة اليومية أن هناك خطب ما في حياة الانسان. ولا يُلام الله الآن على الشر الرهيب الموجود في العالم. هو ببساطة خلق الانسان بإرادة حرّة، وأفسد الانسان الامتيازات التي مُنِحت له.

عندما كان جريفيث روبرتس كبيراً لأساقفة بانجور قال:

 Griffith Roberts was Dean of Bangor

” كان من الأفضل لآدم أن تكون يداه حُرّتان لأخذ الثمرة المحرمة، من أن تبقى يداه كل الأيام مقيدتان خلف ظهره “

الحريّة هي من أعظم بركات الله للإنسان، ودخلت الخطية للعالم عندما أساء الانسان استخدام امتياز الحريّة.

حازت مشكلة الشر على اهتمام المفكرين لعصور طويلة. مع كل حرب، مجاعة، وباء، خسارة كبيرة في الأرواح، ظهر السؤال: ” إن كان إله الرحمة والحب موجودا، لماذا سمح بألم ومعاناة البشر ؟ ” دعونا لا نظن السوء بعلاقة الله بالحزن والمعاناة المرتبطة بمشكلة الشر.

يظهر النص الكتابي أن الشيطان هو سبب استمرار الشرّ على الأرض:

 “فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ.” أف 6: 12

تظهر الأخلاق والأحكام الأخلاقية لنا نحن البشر أن الإنسان تحت سيطرة قوة شريرة.

كل الخطية هي خطة الشيطان الشريرة بغرض جعل الانسان يتصرف بشكل مستقل عن الله.

أَنَّ إِبْلِيسَ مِنَ الْبَدْءِ يُخْطِئُ. يوحنا الأولى 3: 8

وهو سيطر على نظام العالم بما أنه: الَّذِينَ فِيهِمْ إِلهُ هذَا الدَّهْرِ

كورنثوس الثانية 4: 3-4

كل الذين لا يطيعون الله قيل عنهم أنهم: أبناء المعصية. أفسس 2:2 2: 17 -18 ويحد من تأثير كلمة الله. مرقس 4:15

تم تحذير المؤمنين ليقاوموا الشيطان. يعقوب 4: 7

وممارسة أعلى درجات الحيطة والحذر لئلا يعثروا ويقعوا في فخاخ ابليس. 1 تيموثاوس 3: 6

 سيطر الشيطان على قايين عندما قتل أخاه هابيل. 1 يوحنا 3: 12

هو أغوى داود ليحصي أبناء اسرائيل. أخبار الأيام الأول 21: 1

هو ألهب حماس يهوذا الإسخريوطي ليخون يسوع مقابل ثلاثين من الفضة. يوحنا 13: 2، 27

أعمى عقل بطرس عن ضرورة موت المسيح الكفّاري. متى 16: 22 – 23

سعى إلى زعزعة إيمان بولس بإلحاق معاناة جسدية بالرسول العظيم

2 كورنثوس 12: 27

هذه فقط أمثلة بسيطة تظهر عبئ الخطيئة والمعاناة الهائلة الناتجة عن الشيطان.

 إن مسألة الخطيئة وآثارها الفظيعة تجبرنا على التفكير وذلك إذا أردنا أن نمتلك فهماً كافياً للكفّارة. كان قضاء الله منذ البدء أن نتيجة الخطية موت. ليس موت جسدي فحسب والذي هو انفصال النفس عن الجسد لكن أيضا الموت الروحي أي الانفصال الأبدي للإنسان ككل عن الله. تكوين 2: 16 – 17، رومية 6: 23.

ولأن الجميع أخطأوا. رومية 3: 23، 5: 12. نتيجة لذلك يجب أن يموت الكل لأن عدل الله يستوجب أن تدفع العقوبة. فالخطية تسيء لقداسة الله، وبالضرورة تستوجب غضبه المقدس. فحيث هناك خطيئة لا يمكن تجنب غضب الله. الكثير من الآيات تتحدث عن غضب الله

الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ. يوحنا 3: 36

لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ. رومية 1: 18

لأَنَّهُ بِسَبَبِ هذِهِ الأُمُورِ يَأْتِي غَضَبُ اللهِ عَلَى أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ. أفسس 5:6

غضب الله مختلف تماما عن مشاعر غضب الانسان الخارجة عن السيطرة، لكنها مشاعر مقدسة وسخط عادل ضد الخطيئة

وبسبب الحقيقتان العظيمتان، قداسة الله وخطية الانسان. تبرز الكفّارة كضرورة مطلقة اذا أراد الخطأة أن يُعفى عنهم ويُحضروا الى الله.

عندما يكون عندنا إدراك حقيقي لقداسة الله، سندرك تماما حقيقة الخطية، وعندما نرى الخطيّة على حقيقتها، سندرك بشكل كافي معنى الكفّارة.

السبب الوحيد لاستياء الناس عند الوعظ عن الصليب هو لأنهم ليس لديهم الشعور الكافي بالفرق بين الخطية وقداسة الرب.

عندما يرفض الانسان مواجهة الخطية، سيجد أن من السهل الاستغناء عن ما يعلمه الكتاب المقدس عن موت المسيح الكفّاري.

تعريف الخطية بحسب اعتراف ويستمنستر ” أي رغبة بعدم تطبيق أو التعدي على قانون الله ” وهذا ربما من أفضل تعريفات الانسان المعروفة للخطية. يقول الكتاب المقدس:

وَكُلُّ مَا لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ فَهُوَ خَطِيَّةٌ. رومية 14: 23

وهذا يعني أن كل فكر وفعل يصدر من الانسان وهو ليس عملا ناتجا عن فكر وفعل ايمان بالله وبإرشاد الله فهو خطية.

الخطية قد تُرتكب عن جهل، لكنها تبقى خطية. قد لا ينتج عقوبة قاسية عن خطية الجهل كما هو الحال عند ارتكاب الخطية طوّعا وبكامل الارادة. ورغم ذلك فإن كل الخطايا قابلة للعقاب وتستوجب العقاب.

نعلم من الكتاب المقدس أن الانسان قد يخطئ بطرق شتى، ولنلقي نظرة على بعضها:

قد يخطئ الانسان بالفكر: فِكْرُ الْحَمَاقَةِ خَطِيَّةٌ. أمثال 24: 9

طُمُوحُ الْعَيْنَيْنِ وَانْتِفَاخُ الْقَلْبِ، نُورُ الأَشْرَارِ خَطِيَّةٌ. أمثال 21: 4

رغبات الانسان المعروفة فقط لله قد تكون خطية، قال يسوع:

وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ. مت 5: 28

عندما يتعلم الانسان فعل الخير ويرفض أن يطيع، يرتكب خطية.

فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ. يعقوب 4: 17

ولكن الخطية الأكبر هي رفض الرب يسوع المسيح. يقول يسوع عندما يأتي الروح القدس:

 وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ

أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي. يوحنا 16: 8-9

 رحمة ومحبة الله غير محدودة ولا مثيل لها. لكن تبقى عقوبة الخطية واجبة السداد. لذلك، فمن الماضي السحيق، قبل تأسيس العالم، قرر وخطط الله عمل الكفّارة ليقدمها لخلائقه المخدوعين من ابليس. لو لم يكن هناك خطة موجودة وخالدة في الفكر الإلهي، لكانت البشرية بلا رجاء. وكذلك قُضي الأمر في الفكر الإلهي أن أحد الأقانيم الآب والابن والروح القدس سيقدم نفسه كبديل إلهي مكان الخاطئ. كان ابن الله الأزلي هو هذا البديل. وهذا تطلب أن يأخذ البديل لنفسه جسدا بشرياً. ولذلك:

الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا. يوحنا 1: 14

اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَد. 1 تيموثاوس 3: 16

أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ 2 كورنثوس 5: 19

 

و حيث أن عمل الكفّارة والذي يحمل الخطية، هو عمل الثالوث الآب والابن والروح القدس، ( يوحنا الأولى 3: 16، 4: 10، عبرانيين 9: 14 )، ورغم ذلك كان الابن هو من غادر مجد السماء و:

 فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا

6 الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا للهِ 7 لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ.

8 وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. فيليبي 2: 5 – 8

لا يوجد تفسير آخر للكفّارة غير حقيقة أن الإبن الأزلي لله، بلا لوم، الذي لم يعرف خطية ولم يرتكب خطية.

لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ. 2 كورونثوس 5: 21

فعندما سُفِك دمه على الصليب، استطاع الله الرحيم المُحِب، أن يطهّر ويعفو عن الخطأة. لأن البديل الإلهي حمل عنهم عقوبة الخطيّة. يكره الله الخطيّة ويعاقب عليها، لكنه يحب الخطأة، ولكي يفدي هؤلاء الذين أحبهم:

الرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. اشعياء 53: 6

لا يوجد تفسير شافي للكفّارة بمعزل عن أن المسيح أتى الى العالم لكي يموت مكان الخاطئ، كما قال:

كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ. متّى 20: 28

سبق فأخبر عن موته وفسّر الغرض منه بشكل كامل. كان جزء أساسياً من الخطة الإلهية ليبرّر الخطأة المدانين.

مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِق أعمال 2:23

في الواقع هذا هو قلب العهد الجديد

 

 

تأثير عمل الكفّارة

قُدِمت الكفّارة عن الخطية لكل الناس في كل مكان. عقيدة الاختيار أسيئ فهمها من الكثيرين لتعني لهم أن المسيح مات من أجل قلّة من المختارين الذين أعطوا له من الآب والذين تم اختيارهم منذ الأزل ليكونوا شعبه.

صحيح أن الكفّارة، التي صنعها الله نفسه، وهي ملكه وحده، وهو يملك السيّادة المطلقة لاختيار ما يصنع بها. وأكثر من ذلك ندرك أن من خلال الكفّارة أصبح الطريق مفتوح لله ليسامح ويفدي كل من يختار أن يدعوه. ويملك الحق والامتياز ليخلص القليلين أو الكثيرين أو حتى كل الجنس البشري أو من يعتبره مناسباً.

الله وحده هو مخلص البشر، ونعلم من معرفتنا ومن الكتاب المقدس، ومن ما نشاهده في العالم، أنه لا يخلص الكل.

ولكن فيما يتعلق بمدى تأثير الكفّارة فإن من غير الصحيح القول أن المسيح مات فقط من أجل الذين رآهم الله مناسبين ليخلصهم.

أكدّتُ مرارا ً وتكراراً على ايماني بسيادة الله المطلقة، أن لا شيء يحدث أو ممكن أن يحدث دون ارادته. لكنّ الايمان بسيادة الله لا يعني أن الله يتصرف اعتباطياً بلا أسباب صالحة، أسباب صالحة وموزونة، بحيث لا يمكن بأي حال أن يفعل غير ذلك. أي نظرة للسيادة الإلهية تتضمن تصرفاً اعتباطيا ً في ارادة الله ليست فقط مناقضة للكتاب لكنها منافية للمنطق.

يملك الله القدرة في سيادته ليبيد مخلوقاته متى أراد، لكن من غير الوارد أو الكتابي أن نقول على الأقل، أن السيادة الإلهية تدين بعض الناس بشكل تعسفي وفي استبداد شديد قد ترسلهم إلى بحيرة النار.

أنا أؤمن أيضاً بسابق علم الله، أي أن الله يعلم مسبقاً الأحداث المستقبلية قبل وقوعها وأن التاريخ سيتبع علم الله بأحداث المستقبل. ولأن علم الله المسبق كامل فهو يعرف مصير كل انسان منذ الأزل.

لكن هذا لا ينفي بأي حال من الأحوال الارادة الحرة للإنسان.

معرفة الله المسبقة لا تعني ابدا أن الله يقول اعتباطياً ” أنا أعلم ما أفعل ” هو بالتأكيد يعلم ما يفعل لكن في مسألة قبول الانسان أو رفضه ليسوع المسيح كمخلّص، من العادل فقط أن نضيف أن الله يعلم ماذا سيفعل الشخص بخصوص هذا.

 

كالفن Calvin

حقيقة معرفة الله المسبقة الكاملة لوضع الفكرة المغلوطة استخدم

عن محدودية الكفّارة. قال أن: ” الله متناقض بإرسال المسيح للموت لهؤلاء الذين لن يؤمنوا وهو يعلم مسبقاً بخسارتهم “

بعد موت كالفن كتب آخرون بنفس فِكره.

يقول أحدهم في محاولة توضيح مقولة كالفن ” مع أن الإنسان لا يتوقع ما يعرف أنه غير ممكن الحدوث، فمثلا إن عرف أنه لو دعا ثلاثين شخصاً الى مأدبة، أن عشرين سيقبلون الدعوة وعشرة لا، ورغم ذلك يبقي المأدبة كافية للثلاثين، هو يتوقع فقط عشرين وسيحضّر فقط لهؤلاء. ألا يخدع الذين يعترفون بمعرفة الله المسبقة أنفسهم بأن يقولوا أن المسيح مات من أجل الناس جميعاً، ألا ينسب هذا حماقة لمن تُعتبر طرقه كاملة ؟ ألا يظهر الله وكأنه يسعى يائساً أن يفعل ما لن يحدث وكأنه يتصرف بحماقة “.

لكن هل الكاتب هنا استعمل مثالاً توضيحيا مقنعاً ؟ لا أعتقد ذلك!

عندما دعا الله كل الناس للخلاص، كانت التحضيرات واحدة لو قبل قليلون أو كثيرون أو الكل الخلاص.

كانت الكفّارة ضرورية لخاطئ واحد أو مليون. لو قبل فقط عشرة بالمئة من الجنس البشري يسوع المسيح كمخلص فهو لم يمت عبثاً، ليس هناك خسارة، عدد الذين سيقبلون أو سيرفضون المسيح ليس له علاقة بتحضيرات ذبيحة الحمل منذ تأسيس العالم.

الإيمان بمعرفة الله المسبقة لا يتطلب الإيمان بإدانته التعسفية لبعض مخلوقاته، هذه وجهة نظر متطرفة حول محدودية الكفّارة.

وجهة نظر أخرى لخلاص المسيح هي فكرة الكونيّة.

و تقدم الكونيّة فكرة متطرفة عن ذبيحة كفّارة غير محدودة التأثير، بمعنى أن المسيح مات عن جميع البشر وأنه حتماً كل البشر سيخلصون، ان لم يكن في هذه الحياة ففي تجربة مستقبلية لاحقة.

كان تأثير وجهة النظر هذه قويا وناجحا لشعور الكثيرين، وهو ايمان قديم ربما من عمر المسيحية.

تقول الكونية ” نؤمن بإله واحد، طبيعته المحبة، ظهر كرب واحد يسوع المسيح، وكرامة روح قدس واحد، والذي بالنتيجة النهائية سيعيد كل عائلة الجنس البشري الى القداسة والسعادة “

بكلمات أخرى، تُعلِّم الكونية الأبوة الكونية لله، وتجانس كل الأرواح في النهاية مع الله.

يدّعي مجموعة من الكونيّين أن هذا يمكن تحقيقه عبر موت المسيح ويستشهد أتباعهم ب كورنثوس 15: 22

 أَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ

لكنهم يسيئون استخدام النص. يتحدث الاصحاح الخامس عشر كاملا في كورنثوس الأولى عن قيامة الجسد، وهي بقوة المسيح الحي أن أجساد البشر جميعاً ستقوم، البعض للحياة الأبدية والآخرين للدينونة.

وإن أصر الكونيّون على استخدام جملة ” في المسيح يحيا الجميع ” لتعني حياة روحية، فليس لهم أن يصرّوا أن الجميع سيحيون حياة روحية بمعزل عن كونهم ” في المسيح “. فالإنسان الذي ليس ” في المسيح ” سيكون في ” آدم ” وفقط هؤلاء الذين بالمسيح هم في مكان الحياة. وهذا يترك الاخرين خارجا الذين هم ضد المسيح، بسبب الكبرياء، الأنانية، الشهوة أو اللامبالاة رفضوا المسيح.

أو دعونا ننظر للآية من وجهة نظر أخرى. أن النص كله كُتب للمؤمنين، وأن كل المؤمنون الذين يرقدون بالمسيح هم من الناحية الجسدية في آدم، وإلا لماذا ماتوا. لا ينجو الإنسان من الموت الجسدي الذي حكم الله به على آدم عندما يصبح مسيحياً.

بالجسد نحن بالإنسان آدم وبه يأتي الموت، لكن ونحن بنعمة المسيح نثق بالقيامة من الأموات. في الحالة الأولى هي ضرورة الطبيعة وهي موروثة، لكن في الحالة الثانية هي خيارنا الحرّ – وهي شخصية.

هناك وجهة نظر كتابية مقنعة وواضحة عن تأثير الكفّارة بين هاتين الحالتين. تعليم النص الكتابي عن أن موت ابن الله كافي ووافي لجميع الذين مات من أجلهم. وأن الكفّارة متاحة للجميع.

 وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا

يوحنا الأولى 2:2

رسالة البشارة هي أن المسيح مات من أجل الجميع.

أَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ،

الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ…

تيموثاوس الأولى 2: 5 – 6

ذبيحة المسيح غير محدودة في تأثيرها، ومتاحة للجميع. محبة الله تجلت في المسيح على الصليب في الجلجثة ووصلت للعالم أجمع:

لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ

يوحنا 3: 16

رغبة الله هي خلاص كل البشر.

أَنَّ هذَا حَسَنٌ وَمَقْبُولٌ لَدَى مُخَلِّصِنَا اللهِ،

الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ. تيموثاوس الأولى 2: 3- 4

بما أن إرادة الله وأمنيته هي أن يخلص جميع الناس، فقد قام بتوفير الكثير لخلاص الجميع

لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ

بطرس الثانية 3: 9

تقول الآية المشهورة في حزقيال 18: 32

لأَنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ مَنْ يَمُوتُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، فَارْجِعُوا وَاحْيَوْا

هنا يناشد الله الإنسان للعودة له للحياة، نعلم أن الكثيرين لم يعودوا، ذهبت مناشداته أدراج الرياح. أي سخرية ستكون لغة الله هذه لو لم يكن باستطاعتهم العودة.

الكفّارة عالمية في عرضها وتأثيرها وهذا واضح من الآية التالية: أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ، لِجَمِيعِ النَّاسِ. تيطس 2: 11

مرة أخرى يجب أن نقبل هذه العبارة بقيمتها الفعلية ونقبل أن نعمة الله قدمت الخلاص ليكون في متناول البشر جميعا ً. يقول يوحنا الرسول بنفس هذا المعنى:

وَنَحْنُ قَدْ نَظَرْنَا وَنَشْهَدُ أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَ الابْنَ مُخَلِّصًا لِلْعَالَم. يوحنا الأولى 4: 14

كاتب العبرانيين يقول:

وَلكِنَّ الَّذِي وُضِعَ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، يَسُوعَ، نَرَاهُ مُكَلَّلًا بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ، مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ اللهِ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ. عبرانيين 2: 9

يمكن أن نضاعف عدد الشواهد من الأسفار المقدسة التي تُظهر أن الكفّارة شاملة عالمية، لكن يكفينا الآية التالية:

وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ. كورنثوس الثانية 5: 15

فرصة الولادة الجديدة، فرصة البداية الجديدة في هذه الحياة، أعطيت لكل البشر دو استثناء، ولأن المسيح مات كبديل عنّا، قُدمت الكفّارة عن العالم أجمع.

قال المسيح لتلاميذه وهو يصعد الى السماء:

اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. مرقس 16: 15

نداء البشارة المخلص للعالم كله. كان عند الرّب نظرة أشمل من اليهودية. صحيح أنه أرسِل خصوصاً لخراف بيت إسرائيل الضالة، لكنه بالتأكيد علّم تلاميذه أن يكونوا شهوداً له:

فِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ. أعمال 1: 8

و لم يكن إرسالهم بالتأكيد مأمورية حمقاء.

ذبيحة الكفّارة كافية لكل البشر، لكنها تصلح فقط للذين يؤمنون!

فاعلية الكفّارة في حياة أي كان مشروطة بالإيمان. عندما يرفض الإنسان الإيمان لا يؤدي عدم ايمانه الى ابطال وجود الخلاص.

قدم الله الخلاص لكل البشر بشكل مستقل ومنفصل عن الإيمان.

مات المسيح من أجل الجميع إن آمن الجميع أو لم يؤمنوا. هو عرض عالمي شامل مقدم للجميع، ويقع الخطأ على الانسان اذا لم يقبل شموله بتأثير هذا العرض.

 

أثر الكفّارة:

علينا أن ننظر الآن إلى بعض آثار موت ربنا يسوع المسيح فيما يتعلق بالله، ثم فيما يتعلق بالإنسان.

 

الرضا:

فيما يتعلق بالله، أرضى موت ربنا يسوع لمسيح الله، كان يجب أن يحوز الخطأة قبل الدخول الى حضرة الله المقدسة على رضا الله ليس تعسفاً. لكن لأن قداسته وعدالته تتطلب ذلك.

عقيدة موت يسوع المسيح كبديل عن الخطأة المدانين لإرضاء العدل الإلهي لا يمكن تجاوزها.

عندما نقارن قيمة آلام موت ابن الله فيما يتعلق بالله وفيما يتعلق بالذين خلصوا بها نشعر بأنها أقرب الى الخسارة.

لكن أن تعني الكفّارة للخطأة كما تعني لله هذا ما لا يخطر على البال إن الرضا الذي يحصل عليه الخاطئ من موت المسيح هو ضئيل اذا ما قورن بالرضا الذي يحصل عليه الآب.

إن قانون الله الأخلاقي منذ البدء يعبر بشكل كامل عن طبيعة الله. فالقانون مقدس وعادل وصالح. الآية في رومية 7: 12 تُظهر للإنسان كيف هي طبيعة الله.

عندما انتهك الإنسان القانون الإلهي المقدس ووقع في الخطيّة ناقض الطبيعة. الله القدوس يكرّه الخطية وإن لم يكن كذلك فلن يكون قدوس. وكإله عادل ليس فقط يكافئ الأبرار بل يعاقب الشر.

موت المسيح أعطى العقاب المناسب للخطيّة الذي كان ضرورياً لاستيفاء العدل الإلهي

ولأن كل الخطيه هي أساساً ضد الله، هو فقط من يجب إرضاءه بعمل الصليب. وكان كذلك.

” كيف أمكن لموت المسيح كبديل أن يستوفي الرضا الكامل للعدل الإلهي ؟ ” واجهنا هذا السؤال من شاب مفكِّر يافع.

في حالة الدين المالي أو التجاري، من يقوم بالسداّد ليس بذي أهمية بقدر السدّاد نفسه. وإن كان الدّين عبارة عن دولارات وسنتات، فالأمر لا يهم كثيرا أو قد لا يهم مطلقاً.

لكن المسيح في آلامه لم يكن يدفع ديّناً تجاريا. كان يدفع دَيّناً جزائياً.

لا يوجد مخلوق ساقط، محدود، مذنب أمام الله واحد يمكنه مطلقاً أن يدفع ما هو مدين به إن كان في هذا الزمان الحاضر أو في الأبدية.

الحقيقة الملزمة هي ” النفس التي تخطئ، موتاً تموت ” وبما أن الجميع أخطأوا، ولا يوجد إنسان مثقل بالخطية يستطيع الدفع عن إنسان آخر مثله لاستيفاء رضا الله. فالخاطئ عندما يحمل عقوبة خطيته يهلك الى الأبد. بينما عندما يقبل الخاطئ يسوع المسيح كحامل لخطيته يخلص الى الأبد. الفرق هو في أن الله كان وراء الكفّارة.

إن كان يجب استيفاء العدل الإلهي فعقوبة الخطية يجب أن تُدفع من شخص مقدّس. في أي دراسة لعمل الكفّارة، تبرز حقيقة شخصية المسيح الكاملة البارّة بالدرجة الأولى.

سرّ رضا الله يكمن بشخصية من دفع دين الخطأة. تم إرضاء الله بعمل الصليب لأن الذي مات على الجلجثة كان ابنه المحبوب كما تشرح الآية أن الذي:

الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ. رسالة بطرس الرسول الأولى 2: 22

موروثة أو شخصية ( عبرانيين 4: 15 ) الذي كان ” بلا خطية “

و الذي كان:

قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ ( عبرانيين 7: 26 )

وشهد بولس في رسالة كورنثوس الثانية 5: 21 أنه: لم يعرف خطية

و يوحنا أعلن أنه ” ليس فيه خطيّة ” 1 يوحنا 3: 5

تعرّض يسوع للتجارب، لكن هو الرب بالطبيعة أساساً، ولايستطيع الرّب أن يخطئ.

لذلك، كإله وإنسان مثالي، الدم الذي سُفِك كافي وفعّال لاستيفاء العدل والحق وإرضاء قداسة الله. بالفعل قد تم إرضاء الله!

 

الكفّارة

تظهر قيمة موت المسيح كتبرير للحقّ الإلهي واضحة في ذكر كلمة الكفّارة. هنا ندخل في جانب دقيق من عقيدة التبرير والكفّارة.

تظهر كلمة الكفّارة ( يتحدث الكاتب عن الترجمة الإنجليزية ) ثلاث مرات.

يستخدمها يوحنا الرسول مرتين في رسالته الأولى يقول عن يسوع المسيح في 1يوحنا 2: 2

وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا

و مرة أخرى في 1 يوحنا 4: 10

فِي هذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا

الكلمة اليونانية هنا هي ” هيلاسموس ” وتعني الذي يكفّر وتشير الى الكفّارة. في سفر العدد 5: 8 كبش الكفّارة

و في مزامير 130: 4 لأَنَّ عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ

و هي الطريقة الوحيدة التي يظهر فيها الله رحمته للخطأة المذنبين، المسيح وحده، من خلال سفك دمه في تضحيته بموته كبديل هو الكفّارة التي تكفر عن الذنوب.

هو يفرز ذنب الخاطئ عندما يتألم عن الخطية. شخص الرب هو من يعطي مفعول الذبيحة الكفّارية.

يقول بولس الرسول عن المسيح في رومية 3: 25:

الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ

هنا الكلمة اليونانية المستخدمة ليست ” هيلاسموس ” التي تعني ” الذي يكفر” بل هي ” هيلاستيريون ” أي مكان الكفّارة وتستخدم ” هيلاستيريون ” مرة أخرى في عبرانيين 9: 5

” وَفَوْقَهُ كَرُوبَا الْمَجْدِ مُظَلِّلَيْنِ الْغِطَاءَ. أَشْيَاءُ لَيْسَ لَنَا الآنَ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنْهَا بِالتَّفْصِيلِ “

هيلاستيريون أي مكان الكفّارة… الغطاء أو كرسي الرحمة أو هيلاستيريون وهنا يجب أن نعود للعهد القديم لنفهم ما هو كرسي الرحمة أو الغطاء الذهبي أو تابوت العهد في قدس الأقداس.

كان كبير الكهنة يرش دم الأضحية البريئة مرة واحدة في السنة في يوم الكفّارة ليكفّر عن كسر الشريعة. حيث يوضع لوحي الشريعة في تابوت العهد. كان الدم المرشوش يغطي كسر الشريعة ليسمح بالتقاء الله بالإنسان الخاطئ ( خروج 25: 21-22، لاويين 16: 2 13 – 14 )

كان الغطاء أو كرسي الرحمة مصنوعاً من ذهب نقي.( خروج 25: 17 ) ويغطي تابوت العهد كاملاً.

يسوع المسيح ابن الله النقي هو كرسي رحمة الخاطئ، ودمه يغطي كل خطية. وكرسي الرحمة تبعا للكتاب المقدس في خيمة الاجتماع كان رمزاً ليسوع المسيح. تمم الرب النبوة والرمز بشكل مثالي.

بعد موته ودفنه قام وصعد الى السماء، ومهد دمه المسفوك الطريق للخاطئ ليأتي الى الله.

وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُول، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا. عبرانيين 9: 12

المسيح هو غطاء تابوت العهد ( كرسي الرحمة ) مرشوشا بدمه الكريم.

عمل الرب الكفّاري هو ليس مجرد استرضاء الله لنفسه مهدئاً غضبه بنفسه

لم يتغير شعور الله تجاه البشرية ولم يكن هناك وقت في التاريخ أبدا لم يحب فيه الله الإنسان. رغب الله دوماً بمباركة الإنسان بالخلاص وما يرافقه من سلام وفرح، لكن خطية الإنسان كانت عائقاً في طريق الله، وفصلت بينه وبين الخاطئ. صحيح أن الله يكره الخطية وسيبقى دوماً يكره الخطية. موت يسوع المسيح لم يغير ذلك بأي حال من الأحوال.

كان موت المسيح عملية قانونية بحتة. تَحَمّل القاضي العقوبة بنفسه وأصبح كرسي القضاء هو كرسي الرحمة. صلاة العشّار ” يارب ارحمني أنا الخاطئ ” لوقا 18: 13 هي حرفياً ” يا رب كفِّر عن ذنوبي ” هذه العبارة يساء فهمها ويساء استخدامها أحياناً. وقف العشار بخلفيته من العهد القديم قبل موت المسيح، وكان يسأل الله فعلياً أن تنحي ذبيحة الخطية عنه الخطايا وتقدم له أساساً للخلاص من الله العادل القدوس. لنتذكر لم يطلب كرم الله وتساهله عليه، لكنه كان يطلب مجرد عمل يفضي للصفح عنه وبهذا فقط تبرر.

اليوم نعلم أن صلاة كهذه ليس من الضروري قولها. لقد صفح الله بالمسيح. أصبح الابن الأزلي كرسي الرحمة، وبهذا لا داعي أن نطلب من الله أن يفعل ما فعله أصلاً، وطلب كهذا يعني رفضنا موت المسيح. لا يمكن لله أن يتساهل مع الخطية، ولا يحتاج الخاطئ أن يتسول رحمة الله. كان الله رحيماً عندما وفّر للإنسان، والإنسان يخلص عندما يؤمن ويقبل الرب يسوع المسيح. دفع الله ثمن الإثم، وبناءً عليه قُدِمت رحمته لنا اليوم.

 أَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبُّ صَالِحٌ وَغَفُورٌ، وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِكُلِّ الدَّاعِينَ إِلَيْكَ

مزامير 86: 5

 أَنَّ عِنْدَ الرَّبِّ الرَّحْمَةَ وَعِنْدَهُ فِدًى كَثِيرٌ. مزامير 130: 7

 

البديل:

يُنظر الى موت المسيح في تأثيره على البشر أنه مات كبديل، ومع أننا لا نجد كلمة بديل أو بدل في الكتاب المقدس، إلا أن فكرة البديل تظهر جلية في عمل المسيح على الصليب.

كلمة تعويض أو بديل لا تمثل كل ما فعله الرّب بموته، لكنها تشير الى يسوع المسيح كبديل للخطأة، الذي حمل الحكم المروّع لله على الخطية.

 كثيراً ما نسمع أن عمل الصليب هو آلام وموت المخلص بالإنابة أي تألم ومات عنّا. كلمة إنابة تعني أن وكيل أو جهة أوكلت للعمل عن آخرين. يقف الإنسان الساقط أمام الله مديوناً وغير قادر على السدّاد لا في الزمان الحاضر ولا بالأبدية. لذلك يحتاج الى بديل مخوّل أن يقف مكانه ويمثله. الرب يسوع المسيح هو هذا البديل لذلك نستفيد من موته بطريقة فريدة. موت غير الخاطئ بديلاً عن الخطأة. مات استفانوس كشهيد عن الحق، لكن نحن لم نستفد من موته بأي شكل من الأشكال.

يظهر موضوع البديل بشكل واضح في العهد القديم، عندما اختار الله الحمل الخالي من أي عيب كالحيوان الأساسي للذبيحة، كان يُعلم شعبه أنهم يُغفر لهم فقط ويتم حصولهم على بديل لأن اخر بريء أخذ مكانهم ومات بدلاً عنهم. وبالأحرى، فإن كل ذبيحة في العهد القديم كانت تنفيذاً لحكم القانون كبديل عن أحد المذنبين، وكل تقدمة كانت تشير الى موت المسيح كبديل.

نرى ذلك في حالة ابراهيم واسحق ( تكوين 22: 1 – 13 ).

كانت امتحاناً لإيمان ابراهيم. قال له الرب أن يأخذ اسحق ويقدمه ذبيحة على جبل المريّا. فعل ابراهيم كما طلب منه، ربط اسحق على المذبح وجهزه للذبح. كلّمه الله وأوقفه. وعندها وجد ابراهيم الكبش بين الأشجار، الذي كان الله قد جهزه بنفسه. ويخبرنا الكتاب أن:

 فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكًا فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضًا عَنِ ابْنِهِ

تكوين 22: 13

لنلاحظ كلمة ” عوضاً عن ” أي التضحية البديلة التي أنقذت اسحق من الموت وهي نبوّة رائعة عن أن المسيح سيقدم كبديل عن الخاطئ. وهي توضح عنصر البديل في عمل فداء المسيح

يقول اشعياء النبي:

4 لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولًا

5 وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا

6 كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا

اشعياء 53: 4 – 6

تزخر آيات العهد الجديد بمقاطع كثيرة تُظهر الرب يسوع المسيح وهو يأخذ مكان الخطأة بموته.

الآيات التالية تذكر ذلك:

كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ. متّى 20: 28

كَمَا أَنَّ الآبَ يَعْرِفُنِي وَأَنَا أَعْرِفُ الآبَ. وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ الْخِرَافِ

يوحنا 10: 15

أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ. يوحنا 6: 51

وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي

وَكَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلًا: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ. لوقا 22: 19 – 20

يذكر بولس الرسول في جميع كتاباته تقريبا ويُعلم أن موت المسيح كان كبديل:

 لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ. كورونثوس الثانية 5: 21

نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ الآبِ، وَمِنْ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ،

الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا، لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ حَسَبَ إِرَادَةِ اللهِ وَأَبِينَا. غلاطية 1: 3- 4

مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي. غلاطية 2: 20

اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ. غلاطية 3: 13

وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً. أفسس 5: 2

أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا. أفسس 5: 25

بطرس الرسول يقول عن يسوع:

الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ. بطرس الأولى 2: 24

و أيضاً:

فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ

بطرس الأولى 3: 18

توضح كل الآيات السابقة وكثيرة أخرى فكرة البديل الفعلي.

 

المصالحة:

موت ربنا يسوع المسيح أفضى الى المصالحة. كلمة ” مُصالحة ” يمكن تعريفها على أنها: ذلك الأثر لموت المسيح في تغيير الحال بين الله والخاطئ من العداوة والنفور الى الحب والثقة.

لم يكن هناك حاجة للمصالحة قبل سقوط الإنسان، لكن عندما حلّت الكارثة في جنة عدن، تسلل الخلاف حيث كان يجب أن يسود الانسجام. فقد الإنسان مواطنته في الجنة وأصبح غريباً. خطية آدم فصلت بينه وبين الله. اشعياء 59: 2

وما كان صحيحًا بالنسبة لآدم، فقد أصبح في جوهره حقيقةً لكل ذريته، لذا كان على الإنسان أن يتصالح مع الله. ضع في اعتبارك حقيقة أن الحاجة إلى المصالحة تقع على عاتق الخاطئ

أصبح الإنسان عدوًا لله؛ لم يصبح الله عدو الإنسان أبداً. توقف الإنسان عن محبة الله؛ لم يتوقف الله أبداً عن حب الإنسان. الآن لا يمكن للمصالحة أن تحدث أبدًا حتى يتم إزالة العداوة الموجودة، وبما أنه لا يوجد عداوة في قلب الله، يجب إزالتها من قلب الإنسان. كيف يتم مثل هذا الفعل؟

نحن هنا لنرى عمل محبة الله. بينما يكره الله خطيئة الإنسان، يتوق قلبه العظيم لحبه للخاطئ ويتحرك نحوه في محاولة لتحقيق المصالحة. هنا يمكننا أن نرى اختلافًا ملحوظًا بين الإنسان والحب الإلهي.

حب الإنسان تعبر عنه الآية في رومية 5: 7.

فَإِنَّهُ بِالْجَهْدِ يَمُوتُ أَحَدٌ لأَجْلِ بَارّ

نادراً ما يتخذ الحب البشري فعلاً إلا إذا وجد شيئًا في موضوعه لإرغامه على القيام بذلك. لكن محبة الله متميزة ومختلفة عن أي نوع آخر من المحبة، لأن:

اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا. رومية 5: 8

لذلك:

أَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ. 5: 10

أثبت الإنسان أنه عدو الله بإظهار كراهيته بالعرض الوحشي الذي قُدم على الصليب ضد ابن الله البار.

ولكن بنفس المشهد كان الله يتقدم ليحقق أهدافه، لذلك:

إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ. 2 كورونثوس 5: 19

عندما مات المسيح، تمت المصالحة وتحقق رضا الله بالصفح عن الخطية. عندما نحى المسيح الخطية بتقديم نفسه ذبيحة، أنهى الإنفصال بين الله والإنسان. تقول: ” أنه لا يزال هناك أعداء كُثر لله ” نعم صحيح. لكن الله قام بدوره. والآن يجب أن يتوب الإنسان ويعود الى الله. ورفض ذلك هو رفض للمصالحة التي تمت بالمسيح. أتى الله للإنسان بالمسيح. يتوسل إليه أن يعود، ويعرض عليه أن يغفر له ويزيل كل ذنوبه إذا أراد أن يثق به. وعندما يستقبل الخاطئ يسوع المسيح كمخلصه، سيقول أيضًا مع بولس،

بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا بِاللهِ، بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي نِلْنَا بِهِ الآنَ الْمُصَالَحَةَ. رومية 5: 11

هل قُبِل عمل مصالحة الله بموت المسيح؟

في كولوسي 1: 20 – 21 نقرأ:

 وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلًا الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ: مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ

وَأَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلًا أَجْنَبِيِّينَ وَأَعْدَاءً فِي الْفِكْرِ، فِي الأَعْمَالِ الشِّرِّيرَةِ، قَدْ صَالَحَكُمُ الآنَ

في هذه الآيات نرى وجهين للمصالحة، آية 20 تقول سيصالح الله كل الأشياء لنفسه، إن كانت هذه الأشياء في الأرض أو في السماء، يتم تذكيرنا مجدداً أن ألخليقة كلها تأثرت بالخطية. يقول الرب ” ملعونة الأرض “. تكوين 3: 17 و

فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ. رومية 8: 22 ومصالحة ” الكل ” في كولوسي 1: 20 هي إزالة اللعنة عن الأرض والسماء، لعنة الأرض تسبب الألم والحزن والمعاناة والكوارث والموت الذي يحلّ يوميا على الإنسان على الأرض.

وبالتالي الأرض بحاجة ماسّة للتطهير. ونعم السماء كذلك! فالخطية بدأت في السماء عندما ثار لوسيفر، ابن الصبح وسعى لوضع نفسه فوق عرش الله. اشعياء 14: 12- 15

المصالحة مع الله تمت بسفك دم يسوع المسيح وتطهير كل الأشياء على الأرض وفي السماء. عبرانيين 9: 22

 لكن الآية الحادية والعشرين من كولوسي، الإصحاح الأول تتحدث عن مصالحة جميع المؤمنين بالله، وأنت، الذي كنت أحيانًا تنفر والعداء في عقلك من خلال الأعمال الشريرة، ولكن الآن قد تصالحت. المصالحة بين “كل الأشياء” في الآية الحادية والعشرين هو المستقبل. هنا نرى عمل المسيح المجيد نيابة عن الخطأة الذي يصبح فاعلاً في اللحظة التي يؤمن بها المرء. يفرح المؤمن بإعادته إلى الله واستعادته بالكامل. نحن المسيحيين تم عزلنا عن الله وعدائنا في أذهاننا. لقد اخترنا طريقتنا الخاصة التي كانت معارضة لطريقة الله، ولكن الآن من خلال دفع عقوبة المسيح من قبل الله، تصالحنا مع الله، “فِي جِسْمِ بَشَرِيَّتِهِ بِالْمَوْتِ” (كولوسي 1: 22). ولأننا متصالحون مع الله، فقد تمت تسوية العلاقات الشخصية.

 في درس سابق في هذه السلسلة حول التبرير، رأينا كيف يتم تسوية العلاقات القضائية بين الله والإنسان. هنا نعلم أن المصالحة تحول قلب المجرم نحو القاضي في الحب

جانب آخر من خدمة المصالحة يتم تدريسه في رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس. دعونا نقرأ الآيات التالية بعناية،

لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ

أَيِ الْعَدَاوَةَ. مُبْطِلًا بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ، لِكَيْ يَخْلُقَ الاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا،

وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلًا الْعَدَاوَةَ بِهِ أفسس 2: 14- 16

يبدو من الواضح تمامًا أن “العداوة” التي يتم التحدث عنها هنا ليست بين إله مقدس ورجل شرير، بل بين يهود وأمميين. بموجب القانون، كان من غير القانوني تمامًا أن يأكل يهودي مع أممي. العداوة بين الاثنين معروفة للجميع، ويمكن تتبعها بسهولة في التاريخ. في الواقع كان “السياج المتوسط” هو القانون الذي كان اليهودي ملزمًا به

عندما جاء بطرس إلى بيت كورنيليوس، عبر عن وجهة نظر اليهود في هذا الأمر (أعمال الرسل 10:28)، وبعد ذلك أخذه الإخوة لتناول الطعام مع الأمم (أعمال الرسل 11: 2-3). في الهيكل القديم كان هناك جدار يفصل بين الأمم عن بلاط بني إسرائيل، والذي كتب عليه: “لا يجوز للأمم، لا رجل من الأمم، أن يتجاوز هذا الجدار تحت طائل ألم الموت. ” في هيكل هيرودس كان الخط الفاصل عبارة عن جدار حجري بارتفاع خمسة أقدام، وأصبح هذا الجدار “العداء”، وهو سبب الشعور بالمرارة بين اليهودي والوثني. لكن في وقت مبكر من خدمة ربنا العامة تحدث إلى المرأة السامرية، وهذا بدوره أدى إلى تبشير مدينة أممية (يوحنا 4: 1-39).

 دخل الجليل لينير للأمم الذين كانوا في الظلمة (متى 4: 12-16)، وبذلك حقق النبوة حسب إشعياء (إشعياء 9: 2). عندما طهر الهيكل (مرقس 11: 15-17)، استشهد الرب يسوع بإشعياء 56: 7 عندما قال الله يدعى بيتي بيت صلاة لجميع الناس.

ثم ذهب إلى الصليب، ومرة واحدة حطم الجدار بموته عندما مات لليهود والوثنيين. لم يحاول أن يصلح أي منهما، لكنه أتاح لأي عدد منهم أن يصبح “انساناً جديدًا”، يصالحهم مع بعضهم البعض، ثم يصالح كلاهما مع الله “في جسد واحد”. كم هو رائع هذا! يخلص اليهود والأمم متحدين من خلال الإيمان بدم ربنا الآن صاروا إنساناً جديدًا. إلى هذا المدى كانت آثار كفّارته!

 

الفداء:

في نظرنا في آثار موت ربنا على الصليب، لا يوجد مصطلح واحد في حد ذاته كما ذُكر أعلاه يمكن أن يمثل عمله الخلاصي بأكمله. هذا العمل كبير للغاية بحيث لا يمكن استيعاب أي مرحلة منه. الموضوع واسع جدًا لدرجة أن بعض الأفكار لا يمكن أن تشير أبدًا إلى اكتمال فهمه. ومع ذلك، ربما لم يتم استخدام أي كلمة لتمثيل عمل خلاص المسيح أكثر من كلمة الفداء. ولكن يجب علينا أن نحذر أن يقتصر استخدامنا على هذا المصطلح أو أي مصطلح آخر فقط حتى لا نقيد عمل الصليب.

الفداء يعني الاسترداد أي إعادة شراء شيء تم فقده مؤقتًا.

 يقول: Dr. L. S. Chafer

الفداء هو فعل من الله يدفع به بنفسه الفدية ثمن الخطيئة البشرية التي تتطلبها قداسة الله الغاضبة وحكمه. إن الفداء يأخذ حل مشكلة الخطيئة، حيث أن المصالحة تتولى حل مشكلة الخاطيء، والكفّارة تحل مشكلة إله انتُهِك حقه. كلها مهمة بشكل لا نهائي وكلها ضرورية لتحليل عقيدة عمل المسيح الكامل، عمل انتهى إلى حد الكمال الإلهي. على الرغم من أن هذا أجزاء من وحدة متكاملة، إلا أنه لا يجب التعامل مع هذه الموضوعات الرائعة على أنها مرادفات

تعني الفكرة الكتابية عن الخلاص أن يسترد المرء شيئًا يمتلكه هو نفسه، ولكن لفترة ما وجد في حوزة شخص آخر ويجب أن يُدفع سعره بشكل قانوني. مثل كل مرحلة من مذهب الخلاص العظيم، فإن الخلاص هو عمل الله نفسه. عندما يخلص أي إنسان، يفعله الله بنفسه

لا تقتصر فكرة الفداء في الكتاب المقدس على تعليم العهد الجديد بل توجد في كل كلمة الله. قال أحدهم ذات مرة أن الكتاب المقدس كله يتمحور حول الخلاص. لن نواجه صعوبة كبيرة في تتبع عقيدة الفداء في الكتاب المقدس إذا وضعنا في الاعتبار أن المصطلحين فدية وفداء هما نفس المعنى عمليًا. أينما ذُكِر الفداء هذا يحتم أنه تم دفع ثمن الفدية.

تعبرعقيدة الخلاص في العهد القديم عن فكرة التحرير بدفع ثمن فدية. قد يكون الشيء المسترد شخصًا أو ميراثًا. إذا أصبح الرجل مثقلاً بالديون، وبعد رهن ممتلكاته بالكامل، قد يبقى غير قادر على تلبية مطالبات الدائنين، فقد يرهن نفسه، قوته وقدرته الخاصة، في الواقع سيصبح عبدا لدائنه. ولكن، يقول الله،

فَبَعْدَ بَيْعِهِ يَكُونُ لَهُ فِكَاكٌ. يَفُكُّهُ وَاحِدٌ مِنْ إِخْوَتِهِ. لاويين 25: 48

لاحظ أن الفداء يجب أن يتم من قبل قريب، أقرب الأقرباء، والتي أدت الفكرة إلى معنى عنوان (فداء أو فكاك الوليّ)

كما أصبح بوعز في قصة راعوث وليّ الفكاك. راعوث 4: 4 -6

رمز جميل لربنا يسوع المسيح الذي جاء من السماء إلى الأرض حتى يكون وليّ الفكاك وفادي الدَّين لنا جميعاً.

وجب أن يكون الوليّ من أقرب المقربين كما وجب أن يمتلك القدرة على دفع ثمن الفداء. مهما بلغ الثمن وجب على الفادي الدفع. لاويين 25: 27.

فقط المسيح هو القادر على دفع ثمن فداء الخطأة، وهذا ما فعله

اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا. غلاطية 3: 13

بدمه الكريم. بطرس الأولى 1: 18 – 19

في العهد الجديد، يتم استخدام ثلاث كلمات يونانية مختلفة لترجمة الفداء، وبدون فهم هذه الكلمات، تُفقد الفروق التي تعلمها لقارئ النص الإنجليزي (أو أي لغة أخرى)

 

أغورازو، وهو ما يعني الشراء في السوق

إكساغورازو وهو ما يعني الشراء من السوق

لوتارو وهو ما يعني فكها وتحريرها

وهذا المشهد عن سوق العبيد، حيث يصور الخاطئ تحت العبودية، كمربوط بالخطية أو كما يقول بولس الرسول: مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ

رومية 7: 14

حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ. أفسس 2: 2

مدانون. يوحنا 3: 18

محكومون بالموت لأن أجرة الخطية موت. رومية 6: 23

أصبح ابن الله الوكيل الوليّ الفادي. عندما اتخذ جسداً من لحم ودم مثلنا. عبرانيين 2: 14

أخذ مكان العبد الخاطئ وصار لعنة وسفك دمه كثمن فدية لخلاصنا. متى 20: 28

عندما اشترى من السوق، دفع ثمن كل عبد – خاطئ مربوط بالخطية، لذلك تحقق الفداء للجميع ( انظر 1 كورونثوس 6: 20، 7: 23، و2 بطرس 2: 1 ) وهذا ” أغورازو ” الشراء من السوق.

لكن الخلاص هو أكثر من مجرد دفع الثمن. بعد أن دفع الوليّ الوكيل الفادي الديّن في السوق، أخرجنا من السوق. أخرجنا حتى لا نعود مرة أخرى للبيع أو نتعرض للعبودية مجدداً. بالطبع لا يخرج من السوق إلا أولئك الذين سيذهبون معه، وعندما يكون الخاطئ على استعداد للثقة في مخلصه الذي دفع ثمن الفدية، فهو مطمئن من الخلاص من حالة الاستعباد اليائس ومن العبودية إلى الخطيئة.

هذا يتجاوز ” أغورازو ” أو مجرد دفع الثمن المطلوب في سوق العبيد الى ” إكساغورازو ” أي الشراء للإخراج من السوق.

تم استخدامه أربع مرات على الأقل في العهد الجديد، مرتين مع الإشارة إلى خلاص المؤمنين اليهود من لعنة الشريعة المكسورة غلاطية 3:13؛ 4: 4-5

 

الكلمة اليونانية الثالثة المستخدمة عن الفداء هي ” لوتارو” وهي تفيد بأن الشخص المفدي ّ قد حُلّ أو أطلق سراحه. هذه الكلمة توجه تفكيرنا الى التحرير الفعلي. التلميذان، في الطريق الى عمواس قالا: نَحْنُ كُنَّا نَرْجُو أَنَّهُ هُوَ الْمُزْمِعُ أَنْ يَفْدِيَ ” لوتارو ” إِسْرَائِيلَ. لوقا 24: 21

في إشارة بالطبع إلى خلاص اليهود من الطغيان الروماني. يظهر اللفظ المقابل في المقطعين التاليين حيث يتم عرض نفس الموضوع قال زكريا: مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ

لوقا 1: 68

أما حنّة:

فَهِيَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَقَفَتْ تُسَبِّحُ الرَّبَّ، وَتَكَلَّمَتْ عَنْهُ مَعَ جَمِيعِ الْمُنْتَظِرِينَ فِدَاءً فِي أُورُشَلِيم

هذا فداء بمعناه الكامل، لأن يسوع المسيح لم يدفع الفدية حتى يتم نقل عبودية الخاطئ فقط من سيد إلى آخر. كما قال الدكتور ل. شافر، “لقد اشترى مع الأخذ بالاعتبار أنه رغم أن الفدية مجانية لكن المسيح لن يحمل عبداً غير راغب في ترك العبودية “.

ومع ذلك، يشمل الفداء نوعًا من العبودية الجديدة، لأن المؤمن يخلص، ليس فقط “خارج” سوق الخطيئة، ولكن “إلى” الله. أغنية الفداء لدينا هي:

وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: «مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، رؤية 5: 9

لاحظ أننا خلصنا “إلى الله”. الآن نعلم أن هذا يمكن أن يعني الفداء المستقبلي للجسد وصعوده إلى حضرة الله. ولكن ألا يمكن أن تشير أيضًا إلى انفصال المؤمن الحالي عن الرب؟ ألا نكون، بالمعنى الطوعي، عبيدا للسيد المسيح؟ أشار الرسول بولس إلى نفسه على أنه “خادم (عبد) ليسوع المسيح… مفرز لإنجيل الله “(رومية 1: 1). تم تخليص بولس، ليس فقط من أسلوب حياته السابق، عبدًا للخطيئة، ولكن تم خلاصه لله، ليصبح طوعًا عبدا ليسوع المسيح.

هذه الحقيقة موضحة عادة في العهد القديم. كانت السنة السابعة في إسرائيل سنة إطلاق للفقراء والخدم العبرانيين. اقرأ خروج ٢١: ١- ٦ وتثنية ١٥: ١٦- ١٧. إذا خدم العبد سيده لمدة ست سنوات، قال الله: “في السابع يخرج بلا مقابل” (خروج 21: 2). لكنه لم يضطر للذهاب. إذا أحب العبد سيده الجديد، يمكنه البقاء طوعًا كعبد. يتم ختم العلاقة الطوعية من خلال الثقب لأذن العبد. الآن تم تحرير المسيحي من قبل المخلص، ولكن لديه خيار أن يسلم نفسه للمخلص. ربنا يسوع هو المثال الأفضل للعبد المتطوع، الذي يرد وصفه في مزمور 40:

بِذَبِيحَةٍ وَتَقْدِمَةٍ لَمْ تُسَرَّ. أُذُنَيَّ فَتَحْتَ. مُحْرَقَةً وَذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ لَمْ تَطْلُبْ

حِينَئِذٍ قُلْتُ: «هأَنَذَا جِئْتُ. بِدَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّى

أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلهِي سُرِرْتُ، وَشَرِيعَتُكَ فِي وَسَطِ أَحْشَائِي».

 

هذا الجزء من العهد القديم مقتبس في الرسالة إلى العبرانيين 10: 7، وهو يتحدث عن ربنا كخادم منتصر، وهو من كل النواحي تحقيق كامل للنوع. بصفته الخادم المستسلم، “أصبح مطيعاً حتى الموت، حتى موت الصليب” (فيلبي 2: 8)، ليخلصنا من عبودية الخطية والموت. الآن رغبته هي أن نسلم أنفسنا له طواعية.

في فداء المؤمن، هناك تجربة من ثلاثة جوانب، واحدة منها في الماضي، والثانية في الحاضر، والثالثة في المستقبل

 

(1) أعطانا ربنا يسوع المسيح نفسه ليخلصنا من عقوبة الخطيئة

… لدينا الفداء من خلال دمه، وغفران الخطايا، حسب غنى نعمته (أفسس 1: 7). انظر أيضًا كولوسي 1:14

 

لاحظ الكلمات “لدينا الفداء”. هذا ليس شيئًا نسعى إليه، ولا ما نأمل في الحصول عليه، ولكنه ملكنا الحالي – “لدينا الفداء”. لأن جميع الذين كانوا تحت القانون فشلوا في الحفاظ على قانون الله، كانوا تحت لعنة

 

10 لأَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَالِ النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ. غلاطية 3: 10

إذا كان أي إنسان يأمل أن يخلصه القانون، فيجب أن يكون فاعلا لكل ما ينطوي عليه القانون، لأنه “مدين للقانون كله” غلاطية 5: 3

 

كل من يحفظ القانون كله، ومع ذلك يسيء إلى نقطة واحدة، فهو مذنب للجميع. يعقوب 2:10

 

الآن نحن لم نحافظ على القانون كله، ونحن نعرفه. لكن الفادي المبارك حقق كل مطالبه الصالحة، ثم تألم ومات على الصليب حاملاً لعنتنا، لأنه مكتوب، “ملعون كل من عُلِق على خشبة” (تثنية 21:33، غلاطية 3:13). كل الذين يبحثون عن مأوى تحت دمه المسفوك يخلصون من الذنب وعقاب الخطيئة. كل مؤمن “مبرر (معلَن بار) بحرية بنعمته من خلال الفداء الذي في المسيح يسوع” (رومية 3: 24). قد لا نشعر دائمًا بأننا مخلصون، ولكن “لدينا الفداء”. قد يخبرنا البعض أننا سقطنا من النعمة، لكن “لدينا الفداء”. قد يقودنا الشيطان إلى تصديق الكذبة، لكن “لدينا الفداء”. لقد نجح الفداء الموجود في المسيح يسوع في تسوية مسألة الخطيئة، بحيث تم خلاصنا من غضب الله المقدس وحكمه الصالح. الفداء من عقوبة الخطيئة هو حيازة المؤمن

(2)

انظر الآن إلى الجانب الثاني من الخلاص. يتكون عمل الصليب من أمور أكثر بكثير من الخلاص من عقوبة الخطيئة، لأنه منصوص عليه بوضوح في الكتاب المقدس أن موت ربنا يجعل من الممكن أيضًا الخلاص من قوة الخطيئة أيضًا. كتب الرسول بولس،

 

لأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ، لِجَمِيعِ النَّاسِ،

12 مُعَلِّمَةً إِيَّانَا أَنْ نُنْكِرَ الْفُجُورَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَالَمِيَّةَ، وَنَعِيشَ بِالتَّعَقُّلِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي الْعَالَمِ الْحَاضِرِ،

13 مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ،

14 الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَيُطَهِّرَ لِنَفْسِهِ شَعْبًا خَاصًّا غَيُورًا فِي أَعْمَال حَسَنَةٍ. (تيطس 2: 11-14).

نؤكد مرارًا وتكرارًا على حقيقة أن الخلاص ليس من الأعمال، لأنه لا يمكن لأعمالنا أن تستفيد من الفداء. بعبارة أخرى، نحن لا نُفتدى لكوننا صالحين أو نحاول فعل الخير، ولكن الفداء بدم يسوع المسيح يوفر خلاص المسيحي من قوة الخطيئة. لا يمكننا أن نكتفي بمعرفة أننا قد تم تنجيتنا من الجحيم. مات المسيح ليخلصنا من أشياء غير مقدسة. نحن مخلصون للأعمال الصالحة (أفسس 2:10). هذا هو الجانب العملي لفداءنا، الخلاص من قوة الشر في هذه الحياة.

 

تتبادر إلى الذهن آيتان من الكتاب المقدس، كلاهما بقلم الرسول بولس، وكلاهما ابتدأهما بالكلمات “هذا قول أمين”. يقول الأول أنه قول أمين، أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا (تيموثاوس الأولى 1:15). الثاني يقول لنا إنه قول أمين، “الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ أَنْ يُمَارِسُوا أَعْمَالًا حَسَنَةً ” (تيطس 3: 8). لقد تم تخليصنا من عقوبة الخطيئة؛ نحن نتخلص يوميا من قوة الخطيئة. نرجو أن نسير بالقرب من “الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ” (رؤيا 1: 5).

الَّذِي فِيهِ أَيْضًا أَنْتُمْ، إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ، الَّذِي فِيهِ أَيْضًا إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ،

14 الَّذِي هُوَ عُرْبُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى، لِمَدْحِ مَجْدِهِ. أفسس 1: 13 -14

تخبرنا هذه الآية أن الله اشترى صك ملكيتنا ونحن في انتظار أن نخلص ونُفتدى: مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا. رومية 8: 23

لذلك اليوم ننتظر، نراقب مجيء مخلصنا، الرب يسوع المسيح،

فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّتِي مِنْهَا أَيْضًا نَنْتَظِرُ مُخَلِّصًا هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ،

21 الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ. فيلبي 3: 20 – 21

في ضعفنا الجسدي وضعفنا الحالي، نتطلع إلى الخلاص لأجسادنا، عندما “نتغير” (كورنثوس الأولى 15:52)، و”أن تكونوا مثله” (1 يوحنا 3: 2). الخلاص المجيد! والمخلص الرائع!

كفارة المسيح – ترجمة: توفيق فهمي أبو مريم

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

الآباء الأولين وقيامة أجساد القديسين الراقدين – ترجمة: مجدي نادر

الآباء الأولين وقيامة أجساد القديسين الراقدين – ترجمة: مجدي نادر

الآباء الأولين وقيامة أجساد القديسين الراقدين – ترجمة: مجدي نادر

الآباء الأولين وقيامة أجساد القديسين الراقدين – ترجمة: مجدي نادر

 

النص المعني في متى 27: 51-54

٥۱ وَإِذَا حِجَابُ الْهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ إِلَى اثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. وَالأرْضُ تَزَلْزَلَتْ، وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ،

٥۲ وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ

٥۳ وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ، وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ.

٥٤ وَأَمَّا قَائِدُ الْمِئَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ يَحْرُسُونَ يَسُوعَ فَلَمَّا رَأَوْا الزَّلْزَلَةَ وَمَا كَانَ، خَافُوا جِدًّا وَقَالُوا: «حَقًّا كَانَ هذَا ابْنَ اللهِ!». (متى 27: 51-54 ESV)

التحدي المعاصر لتاريخية الآيات

في كتابه عن قيامة السيد المسيح (آر.  530، 548، 556، يتحدث مايك ليكونا عن رواية قيامة القديسين في متى 27: 51-54 “كـجزء غريب” (RJ، 527) “و “تقرير غريب” (RJ، 530، 548، 556، تؤكد هذه الاقتباسات وجهة نظره…

  1. أُطلق على هذه الآيات “شعرية”، و”أسطورة “، و”منمقة أدبيا”، و”اجتهادات شخصية” (أنظر 306، 548 و552 و553). يُدَّعى أن متى كاتب الإنجيل يستخدم الأسلوب الأدبي الروماني اليوناني وهو “أسلوب مرن” حيث “غالبا ما يكون من الصعب التمييز بين نهاية التاريخ وبداية الأسطورة” (RJ، 34). يعتقد ليكونا أيضا أن نصوص العهد الجديد الأخرى قد تكون أساطير، مثل سقوط الجمع للوراء عندما قال يسوع “أنا هو” في يوحنا 18: 4-6 (انظر RJ، 306، ملاحظة 114) ومثل حادثة حضور الملائكة عند القبر المسجلة في الأربع اناجيل.  (Mt. 28:2-7; Mk. 16:5-7; Lk. 24:4-7; Jn. 20:11-14; see RJ, 185-186).

يشير ليكونا إلى بعض العلماء الإنجيليين المعاصرين لصالح وجهة نظره، مثل كريج بلومبرغ الذي يشك في صحة تاريخية معجزة قصة العملة والسمكة في متى (متي 17:27).

أيضا قال بلومبرج إن كل الأسئلة التاريخية الخاصة بحادثتي انشقاق حجاب الهيكل وقيامة القديسين لا تزال بلا إجابة.  (hew, electronic ed., 2001 Logos Library System; the New American    Commentary [421 Broadman and Holman, vol. 22)

.

كما يستشهد كريج ب (و. ل. كريج) والمنحاز له د. روبيرت ميللر، صديقه في (اجتماع يسوع)، بأن متى نقل هذه القصة من مرقص. على الرغم من أنه يدعي أنه يصدق ذلك، فقد خلص كريج إلى أنه “ربما لا يوجد سوى عدد قليل من العلماء المحافظين [المعاصرين] الذين سيعاملون القصة على أنها تاريخية (من تعليقات كريج في بول كوبان، هل سيقف يسوع الحقيقي من فضلك؟ بيكر، 1998).

وعلى عكس اغلب العلماء الأرثوذوكس على مر القرون، هناك عدد قليل نسبيًا من العلماء المعاصرين الذين ينكرون أصالته، ويطغى عليهم “العديد” (الغالبية العظمى) من العلماء الأرثوذكس التاريخيين الذين تمسّكوا بتاريخية قيامة القديسين في متى 27.

 

الدليل لصحة تاريخية الآيات

على الرغم من هذه الشكوك والانكار المعاصر، أشار علماء آخرون إلى العديد من المؤشرات التاريخية في آيات متى 27: 51-54، مثل:

وردت المعجزة (قيامة القديسين) في كتاب يعرض نفسه على أنه تاريخي (راجع متى 1: 1، 18)

تم تأكيد العديد من الأحداث في هذا الكتاب باعتبارها تاريخية (على سبيل المثال، ميلاد، حياة، أفعال، تعاليم، موت، وقيامة المسيح)؛

وردت في السياق المباشر لأحداث تاريخية أخرى، وهي موت المسيح وقيامته؛

تُعرض قيامة هؤلاء القديسين أيضًا كحدث نتيجة للموت الحرفي وقيامة المسيح (راجع متى 27: 52-53)

يشار إلى نسبها مع الأحداث التاريخية السابقة بسلسلة من العطف (و … و … و، وما إلى ذلك)

مهد للحدث بكلمة التنبيه (هوذا) (الأية 51) مما يؤكد على حقيقته.

للمعجزة نفس الخصائص الأساسية للقيامة الحرفية للمسيح، بما في ذلك: (أ) القبور الفارغة، و(ب) جثث الموتى تنبض بالحياة، و(ج) ظهور هذه الجثث التي تم بعثها للعديد من الشهود تفتقر إلى الزخرفة الأدبية الشائعة في الأساطير، كونها رواية قصيرة وبسيطة ومباشرة؛

تحتوي على أحداث تم التأكيد على أنها تاريخية من قبل الأناجيل الأخرى، مثل (أ) حجاب الهيكل المنقسم (مرقس 38:15؛ لو 23:45)، و(ب) رد فعل قائد المئة (مر 15:39، لو 23:47). إذا كانت هذه الأحداث تاريخية، فليس هناك سبب لرفض الأحداث الأخرى، مثل الزلزال وقيامة القديسين.

علاوة على ذلك، من غير المرجح أن تتأثر قصة القيامة بمصدر الأسلوب اليوناني الروماني (الذي تبناه ليكونا Licona) لأن اليونانيين لم يؤمنوا بقيامة الجسد (راجع أعمال الرسل 17:32). في الواقع، كانت القيامة الجسدية مخالفة لاعتقادهم السائد أن الخلاص من الجسد، وليس قيامة الجسد، كان من جوهر الخلاص. قال هوميروس إن الموت نهائي والقيامة لا تحدث (الإلياذة 24.549-551). أعلن هانز جوزيف كلوك: “لا يوجد شيء مثل فكرة القيامة المسيحية في العالم اليوناني الروماني” (السياق الديني للمسيحية المبكرة. مينيابوليس: Fortress Press، 2000، ص 151).

قام دا كارسون DA Carson بملاحظة مثيرة للاهتمام حول أولئك الذين ينكرون تاريخية هذا النص، قائلين: “يتساءل المرء لماذا لم يقم الإنجيلي، إذا لم يكن لديه شيء تاريخي، باختراع [أسطورة] أقل إشكالًا” (كارسون، ” ماثيو “في شرح الكتاب المقدس للعارضين؛ ماثيو، مارك، لوقا، أد. فرانك جبيلين. Zondervan، 1984، p.581)

دراسة لأقوال كبار معلمي الكنيسة عن النص

على الرغم من احترامه العام للآباء الأوائل، يشير مايك ليكونا إلى تصريحات الأب في هذا المقطع على أنها “غامضة” و “غير واضحة” و “غامضة” و “إشكالية” و “مربكة”. 4 ولكن من الواضح أن هذا ليس هو الحال، كما يمكن للقراء أن يروا بأنفسهم في الاقتباسات التالية. على الرغم من اختلافهم في التفاصيل، فإن الآباء الذين شملهم الاستطلاع أجمعوا على الطبيعة التاريخية لهذا الحدث.

في الواقع، لم يقدم أي شخص أدلة واضحة ولا لبس فيها على أن أي أب أرثوذكسي اعتبر أن هذا المقطع ليس تاريخيًا. في المقطع التالي سلطنا الضوء على كلماتهم الهامة التي تؤكد الطبيعة الحرفية والتاريخية للحدث.

كان الأب الرسولي إغناطيوس أول من استشهد بهذا المقطع، ويقر ليكونا بأن كتاباته “مقبولة على نطاق واسع على أنها أصلية ومؤرخة. م 100-138 وأكثر شيوعًا في كاليفورنيا. حوالي 110 م (Licona، RJ، 248). ويضيف أن هذه الكتابات توفر “رؤى قيمة لمعرفة الكنيسة في أوائل القرن الثاني …” (المرجع نفسه). إذا كان الأمر كذلك فان هذه الكتابات هي الأقرب لتوثيق حقيقة قصة قيامة القديسين في متى 27

إغناطيوس إلى التريليانز Trallians

أكد إغناطيوس بوضوح الطبيعة التاريخية الحرفية لقيامة هؤلاء القديسين، معلناً: “بالنسبة للكتاب المقدس، “قام الكثير من أجساد القديسين الراقدين” “فتحت قبورهم. لقد نزل السيد المسيح حقا، إلى جهنم وحده، لكنه قام برفقة جمع كثير” (الفصل التاسع، الآباء Ante-Nicene، المجلد الأول، ص 70).

إغناطيوس للمغنيسيين (70-115 م)

“… ولأجل أن نتمكن من العثور على تلاميذ يسوع المسيح، سيدنا الوحيد – كيف يمكننا أن نعيش منفصلين عنه، الذين انتظرهم أنبياء أنفسهم في الروح كمعلمهم؟ وبالتالي من انتظروه عن حق، أتى لهم من الأموات “[الفصل. IX] (ألكسندر روبرتس وجيمس دونالدسون، محرران. آباء Ante-Nicene، المجلد الأول (1885). أعيد طبعه من قبل Grand Rapids، MI: Eerdmans، ص 62. وأضاف التأكيد في جميع هذه الأقتباسات) .6

إيريناوس (120-200 م)

 كان إيريناوس مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بكتاب العهد الجديد. كان يعرف بوليكارب وهو تلميذ الرسول يوحنا. كتب إيريناوس: “… لقد عانى [المسيح] من يستطيع أن يقود تلك النفوس عالياً بعد صعوده. كان هذا الحدث أيضًا مؤشرًا على حقيقة أنه عندما نزلت ساعة المسيح المقدسة [إلى الجحيم]، صعدت العديد من النفوس وشوهدت في أجسادهم “(شظايا من الكتابات المفقودة من Irenaeus XXVIII، Ante-Nicene Fathers، المجلد الأول.، ألكسندر روبرتس، المرجع نفسه، 572-573).

ويتبع هذا (في XXIX) هذا البيان: “كُتب الإنجيل بحسب متى إلى اليهود. لأنهم شددوا بشكل خاص على حقيقة أن المسيح [يجب أن يكون] من نسل داود. متى أيضًا، الذي كان لديه رغبة أكبر [لإثبات هذه النقطة]، بذل جهدًا كبيرًا ليوفر لهم دليلًا مقنعًا على أن المسيح هو من نسل داود … “(المرجع نفسه، 573  (

كليمنت الأسكندرية (155-200 م)

تحقق أب آخر من القرن الثاني من تاريخ قيامة القديسين في متى 27، فكتب: “لكن أولئك الذين رقدوا نزلوا ميتين، لكنهم صعدوا أحياء”. “من الواضح أنه تمت ترجمته إلى حالة أفضل” (ألكسندر روبرتس، محرر. Stromata، Ante-Nicene Fathers، المجلد الثاني، الفصل السادس، 491).

ترتليان (160-222 م)

كتب أبو المسيحية اللاتينية: “وأصبحت الشمس مظلمة في منتصف النهار”(ومتى اهتزت الشمس إلا وقت ألآم المسيح، عندما ارتجفت الأرض من مركزها، وانشق حجاب الهيكل وانفتحت القبور) “لأن هذين الشرين قد قام به شعبي” (ألكسندر روبرتس، محرر، جواب لليهود، الفصل الثالث عشر، آباء ما قبل نيقية، المجلد 3، 170).

هيبوليتوس (170-235 م)

يصرح مرة أخرى: “سيقوم الموتى من القبور”، أي من الأجسام الأرضية، يولدون مرة أخرى ولادة روحية، وليس جسدية. لهذا يقول، هي القيامة التي تتم من خلال بوابة السماء، والتي، من خلالها، يقول: “إن كل أولئك الذين لا يدخلون يظلون ميتين” (ألكسندر روبرتس، آباء ما قبل نيسيان، المجلد 5، دحض كل بدعة، الكتاب الخامس، الفصل 3، ص 54). يحرر أقوال آباء ما قبل نيقية هذا كمرجع إلى قيامة القديسين في متى 27:52، 53 (في الملاحظة 6، ص 54.)، كما هو في الواقع.

أوريجانوس (185-254 م)

على الرغم من حقيقة أن اوريجانوس كان معروفًا بحروفه الأفلاطونية الحديثة لبعض النصوص الكتابية، فقد أعلن أن متى 27 تحدث عن قيامة تاريخية حرفية لهؤلاء القديسين. كتب: “بخصوص هذا السؤال، على الرغم من أننا قادرون على إظهار الأعجاز المتعلق بهذا الحدث، لكن من أي مصدر آخر يمكننا أن نقدم إجابة من روايات الإنجيل، التي تنص على أنه” كانت هناك زلزال أرضي، وانقسمت الصخور، وفتحت القبور، وانشق حجاب الهيكل من أعلى إلى أسفل، وساد الظلام في النهار، وفشلت الشمس في إعطاء ضوئها ” (ضد سيلسوس، الكتاب الثاني، الثالث والثلاثون. ألكسندر روبرتس، آباء ما قبا نيقية Ante-Nicene، المجلد 4، 444-445).

“ولكن إذا كان هذا سيلسوس، الذي، من أجل العثور على مسألة اتهام ضد يسوع والمسيحيين، يستخرج من مقاطع الإنجيل التي تم تفسيرها بشكل غير صحيح، ولكنه يمر في صمت على أدلة ألوهية يسوع، هل سينصت إلى المعجزات الألهية؟، دعه يقرأ الإنجيل، ويرى أنه حتى قائد المئة، والذين كانوا معه يراقبون يسوع، عند رؤية الزلزال، والأحداث التي وقعت [بمعنى، قيامة القديسين]، خافوا بشدة، قائلين “هذا الرجل كان ابن الله” (المرجع السابق، السادس والعشرون، ص 446).

كيرلس الأورشليمى (حوالي 315 م – 386 م)

كما تحقق الآباء الأوائل في الشرق من تاريخية نص متى. كتب كيرلس من القدس: “لكن من المستحيل أن يقول البعض، أن الموتى يقومون. ومع ذلك قام إليسوس [أليشع] برفع الأموات مرتين، عندما كان يعيش وأيضاً عندما مات … أليس المسيح قام؟ …  في هذا النص (قيامة القديسين) قام كل من الميت الذي نتحدث عنه بنفسه، وأقيم العديد من الموتى دون أن يمسوه. لقد خرج الكثير من أجساد القديسين الذين رقدوا من القبور، ودخلوا المدينة المقدسة (من الواضح أن هذه المدينة التي نحن فيها الآن) وظهروا للكثيرين” (المحاضرات الكاثوليكية XIV، 16، Nicene Fathers آباء نيقية، Second السلسلة الثانيةSeries، المجلد .7، ص .98)

علاوة على ذلك، “أعتقد أن المسيح قام أيضًا من الأموات، بدليل من الكتاب المقدس الإلهي، ومن القوة العملية حتى في اليوم الذي قام فيه نزل إلى الجحيم وحده، لكنه صعد من هناك مع شركة عظيمة لأنه نزل الى الموت، والعديد من أجساد القديسين الذين رقدوا قاموا من خلاله” (المرجع نفسه، الرابع عشر، 18، المجلد 7، ص 99).

غريغوريوس النزينزى (حوالي 330 م – 389 م)

“هو [المسيح] يضع حياته، ولكن لديه القدرة على أخذها مرة أخرى؛ ومزق الحجاب لأن أبواب السماء الغامضة فتحت. الصخور تشققت، أقام الموتى. يموت لكي يعطي الحياة، وموته يدمر الموت. دفن، لكنه قام مرة أخرى. ينزل إلى الجحيم، لكنه يرفع النفوس. يصعد إلى السماء، ويأتي مرة أخرى ليحكم على الحي والميت، ويضع إليك هذه الكلمات لتختبرها” (شاف، المرجع نفسه، المجلد السابع، القسم العشرون، ص 309).

جيروم (342-420 م)

يتحدث عن نص متى 27، كتب: “لا يشك في أي ما تدل عليه هذه العلامات العظيمة وفقًا للرسالة، وهي أن السماء والأرض وكل الأشياء يجب أن يشهدوا لربهم المصلوب” (استشهد بالأكويني، التعليق على الأناجيل الأربعة، المجلد الأول، الجزء الثالث: سانت ماثيو (أكسفورد: جون هنري باركر، 1841)، 964.

“كما قام لعازر من بين الأموات، ارتفعت أيضًا العديد من أجساد القديسين لإظهار قيامة الرب؛ ولكن على الرغم من أن القبور قد فتحت، فإنها لم تقم مرة أخرى قبل قيام الرب، ليصبح أول مولود للقيامة من الأموات” (استشهد به الأكويني، المرجع نفسه، 963).

هيلاري بواتييه (حوالي 315 م – 357 م)

“تم فتح القبور، لأن رابطات الموت قد انقطعت. وقام العديد من أجساد القديسين الذين رقدوا، لإلقاء الضوء على ظلام الموت، وإلقاء الضوء على كآبة الجحيم، سرق أرواح الموت “(استشهد به الأكويني، المرجع نفسه، 963).

كريسوستوم (347-407 م)

“عندما بقي [المسيح] على الصليب قالوا ببلاغة، أنقذ الأخرين، اما نفسه فلا يستطيع أن يخلصها. ولكن ما لا يجب أن يفعله لنفسه، فعله وأكثر من ذلك من أجل أجساد القديسين.
لأنه إذا كان من الرائع إقامة لعازر بعد أربعة أيام. هذا في الواقع دليل على امكانية القيامة. ولكن قد لا يُعتقد أن ما تم القيام به كان مجرد مظهر، يضيف الإنجيلي، ويخرج من القبور بعد قيامته، ويذهب إلى المدينة المقدسة، وظهر للكثيرين” (استشهد به الأكويني، المرجع نفسه.، 963-964(

القديس أوغسطين (354-430 م)

كتب أعظم باحث في بداية العصور الوسطى، القديس أوغسطينوس: “كما لو أن جسد موسى لم يكن مدفونا في مكان ما … وقام منه من خلال القوة الإلهية في الوقت الذي شوهد فيه إيليا مع المسيح: كما في وقت الأم المسيح، قامت أجساد قديسين عديدة، للكثيرين في المدينة المقدسة بحسب الكتاب المقدس “(أوغسطين، في إنجيل القديس يوحنا، Tractate cxxiv، 3، فيليب شاف، نيقية وآباء ما بعد نيقية، المجلد السابع، 448).

فَقَالَ مَتَى: “فتزعزعت الأرض، وتصدعت الصُّخور. وفتحت القبور. وكثير من أجساد القديسين الذين رقدوا، خرجوا من القبور بعد القيامة، ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا للكثيرين.” ليس هناك سبب للخوف من أن هذه الحقائق، التي كانت مرتبطة فقط بمتى، قد يبدو غير متناسق مع السرد الذي يقدمه أي من البقية [من كتاب الإنجيل) …. لأنه كما قال متى لا يخبرنا فقط كيف رأى قائد المئة الزلزال، ولكنه يلحق أيضًا الكلمات [في 54]، “وهذه الأشياء التي تم القيام بها” ….. ولن يكون من الأنصاف اتهام كاتبي الأناجيل بالتضارب، ببساطة لأن أحدهم ربما يكون قد حدد حدثًا واحدًا كسبب مباشر لدهشة قائد المئة، بينما يقدم الآخر حادثة مختلفة “(القديس أوغسطين، الوئام من الأناجيل، كتاب III، الفصل الحادي والعشرون في شاف، المرجع نفسه، المجلد السادس، ص 206، التأكيد مضاف).

القديس ريميجيوس (438 – 533) “رسول الفرنجة”

“ولكن سأل أحدهم، ما الذي حدث لأولئك الذين قاموا مرة أخرى عندما قام الرب. يجب أن نؤمن أنهم قاموا مرة أخرى ليكونوا شهودًا على قيامة الرب. قال البعض إنهم ماتوا مرة أخرى، وتحولوا إلى التراب، مثل لعازر والباقي الذي أقامه الرب. لكن يجب ألا ننسب بأي حال من الأحوال أقوال هؤلاء الرجال، لأنه إذا ماتوا مرة أخرى، فسيكون عذابًا لهم أكبر مما لو لم يقوموا مرة أخرى. لذلك يجب أن نؤمن بدون تردد أن الذين قاموا من بين الأموات عند قيامة الرب، صعدوا أيضًا إلى السماء معه “(استشهد في الأكويني، المرجع نفسه، 964).

توما الأكويني (1224-1274)

بما أن أوغسطين كان أعظم مفكر مسيحي في بداية العصور الوسطى، كان الإكويني أعظم معلم في النهاية. وكذلك تمسك بتاريخ قيامة القديسين في متى 27، كما يتضح من اقتباساته من الآباء (بموافقة) في تعليقه العظيم على الأناجيل (السلسلة الذهبية)، كما تشير جميع مراجع الإكويني المذكورة أعلاه، بما في ذلك جيروم، هيلاري بواتييه، كريسوستوم، وريميجيوس (انظر الأكويني، المرجع نفسه، 963-964).

جون كالفن (1509-1564)

استمرت سلسلة المعلمين المسيحيين العظماء الذين يحملون تاريخ هذا النص في الإصلاح وما بعده. كتب جون كالفن:

متى 27:52. وفتحت القبور. كانت هذه إشارة خاصة شهد فيها الله أن ابنه دخل سجن الموت، ليس للبقاء هناك مغلقًا، ولكن لقيادة جميع الأحرار الذين كانوا محتجزين هناك. هذا هو السبب في أنه، الذي سرعان ما سيغلق في قبر، فتح القبور في مكان آخر. ومع ذلك، قد نشك فيما إذا كان فتح القبور هذا قد حدث قبل القيامة، لأن قيامة القديسين التي تمت بعد فترة وجيزة، تبعت في رأيي، قيامة المسيح.

من السخف أن يتصور بعض المترجمين أنهم أمضوا ثلاثة أيام على قيد الحياة ويتنفسون، مختبئين في المقابر. يبدو لي أنه عند موت المسيح فتحت القبور دفعة واحدة. في قيامته، حصل بعض الرجال الأتقياء على أنفاس وخرجوا وشوهدوا في المدينة. يُدعى المسيح البكر من بين الأموات (1 كو 15: 20؛ العقيد 1:18) …. يتفق هذا المنطق بشكل جيد للغاية،

تعليقات ختامية

بالطبع، هناك بعض جوانب نص متى 27 لقيامة القديسين التي كان الآباء على يقين منها. على سبيل المثال، هناك سؤال حول ما إذا كان قد تم إحياء القديسين قبل أو بعد أن كان يسوع وما إذا كان ذلك بمثابة إنعاش لجسد بشري أو قيامة دائمة لجسد خالد. ومع ذلك، لا يوجد سبب واضح للشك في أن جميع الآباء الذين شملتهم الدراسة قبلوا تاريخية هذا النص. شهاداتهم مقنعة للغاية لأسباب عديدة:

أولاً، يعود التأكيد الأقرب إلى الطبيعة التاريخية لقيامة القديسين في الأصحاح 27 من متى إلى إغناطيوس، وهو معاصر الرسول يوحنا (الذي توفي حوالي 90 م). لا يمكن للمرء أن يطلب التحقق في وقت سابق من قيامة هؤلاء القديسين إلا من إغناطيوس (70-115 م). كتب: “من انتظروه عن حق، جاءوا، أقامهم من الأموات” [الفصل. تاسعا]. وأضاف في رسالة إلى Trallian تريليانز، “بالنسبة للكتاب المقدس،” قد قامت أجساد القديسين الذين رقدوا”، فتحت قبورهم.

لقد نزل، في الواقع، إلى جهنم وحده، لكنه قام برفقة العديد من الناس” (الفصل التاسع، الآباء قبل نيقية Ante-Nicene، المجلد الأول، ص 70). يتكلم المؤلف المعاصر عن الرسول الأخير (يوحنا) بشكل لا لبس فيه عن القديسين في متى 27 الذين تم إحيائهم حرفياً بعد أن كان يسوع.

ثانياً، الشهادة التالية على تاريخية هذا المقطع هي إيريناوس الذي عرف بوليكارب تلميذ الرسول يوحنا. بخلاف الآباء الرسوليين، فإن إيريناوس مثال جيد كشاهد على الفهم الأول لما بعد الرسولي لنص متى 27. وأوضح أن “العديد” من الأشخاص “صعدوا وشوهدوا في أجسادهم” (شظايا من الكتابات المفقودة من ايريناؤس – اباء ما قبل نيقية Irenaeus XXVIII. Ante  -Nicene Fathers، المجلد الأول، المرجع نفسه، 572-573).

ثالثًا، هناك سلسلة متصلة تقريبًا من آباء الكنيسة العظماء بعد إيريناوس (القرن الثاني) الذين اعتبروا هذا المقطع تاريخيًا (انظر أعلاه). مما يدحض كثيرًا من “الشك”، و”الصراع” المزعوم حول النص عندما يفهم المرء أنه، في حين تم فتح القبور في وقت وفاة المسيح، ومع ذلك، فإن قيامة هؤلاء القديسين لم تحدث إلا بعد قيامة السيد المسيح (متى 27: 53، أضيف التأكيد) 7 لأن يسوع هو”باكورة “(1 كو 15: 23) للقيامة.

رابعاً، شدد الأب العظيم القديس أغسطينوس على تاريخ متى 27 حول قيامة القديسين، وتحدث عنهم على أنهم “حقائق” و “أشياء تم القيام بها” كما سجلها “المؤرخون” الإنجيلين (القديس أوغسطين)، تناغم الأناجيل، الكتاب الثالث، الفصل الحادي والعشرون في شاف، المرجع نفسه، المجلد السادس، ص 206، التأكيد مضاف).

خامساً، استخدم العديد من الآباء هذا المقطع بطريقة تبريرية كدليل على قيامة المسيح. يكشف هذا عن قناعتهم بأنها حدث تاريخي ناتج عن الحدث التاريخي لقيامة المسيح. كان إيريناوس صريحًا في هذه النقطة، معلناً، “متى أيضًا، الذي كان لديه رغبة أكبر [لإثبات هذه النقطة]، بذل جهدًا كبيرًا ليوفر لهم دليلًا مقنعًا على أن المسيح هو نسل داود …” (إيريناوس، المرجع نفسه، 573 ).

البعض، مثل كريسوستوم، أخذها كدليل على القيامة العامة. “لأنه إذا كان من الرائع اقامة لعازر بعد أربعة أيام، فان الأكثر روعة هو قيامة الذين رقدوا من امد بعيد فهم لم يبقوا هكذا لوقت طويل؛ هذا في الواقع دليل على القيامة العامة (استشهد به الأكويني، المرجع نفسه، 963-964).

فهمها أوريجانوس على أنها “أدلة على ألوهية يسوع” (أوريجانوس، المرجع نفسه، الكتاب الثاني، الفصل السادس والثلاثون. آباء ما قبل نيقية، 446). لم يكن أي من هؤلاء الآباء سيعطيها هذا الوزن الاعتباري لو لم يقتنعوا بتاريخ قيامة هؤلاء القديسين بعد قيامة يسوع في متى 27.

سادساً، حتى أب الكنيسة أوريجيانوس، الذي كان يعارض التفسير الحرفي للأحداث في الكتاب المقدس، أخذ هذا النص للإشارة إلى القيامة التاريخية الحرفية للقديسين. كتب عن الأحداث في متى 27 أنها “أدلة على ألوهية يسوع” (أوريجانوس، المرجع نفسه، الكتاب الثاني، الفصل السادس والثلاثون. آباء ما قبل نيقية، 446).

سابعاً، كان بعض أعظم معلمي الكنيسة حريصين على الإشارة إلى أن القديسين قاموا نتيجة قيامة يسوع، هذه اضافة طبيعية للقيامة في متى 27.  كتب جيروم: “كما قام لعازر من بين الأموات، هكذا قام العديد من أجساد القديسين مرة أخرى لإظهار قيامة الرب؛ ولكن على الرغم من أن القبور قد فتحت، الأ انها لم تقم مرة أخرى قبل قيام الرب، ليصبح باكورة القائمين من الأموات “(استشهد به الأكويني، المرجع نفسه، 963).

وأضاف يوحنا كالفن: “ومع ذلك، قد نشك فيما إذا كانت القبور قد فتحت لقيامة القديسين التي تمت بعد فترة وجيزة بعد قيامة السيد المسيح، في رأيي انها تبعت قيامة المسيح. من السخف أن يتصور بعض المترجمين أنهم أمضوا ثلاثة أيام على قيد الحياة ويتنفسون، مختبئين في القبور. “يبدو لي أنه من المحتمل أن تكون القبور قد فتحت عند موت المسيح؛ في قيامته، حصل بعض الرجال الأتقياء على أرواح وخرجوا وشوهدوا في المدينة. يُدعى المسيح البكر من بين الأموات (1كورنثوس 15:20؛ العقيد 1:18” (تعليقات كالفين الجديدة للعهد، المجلد 3، الصفحات 211-212).

ثامناً، يقدم القديس أوغسطين إجابة على الفرضية الخاطئة للنقاد المعاصرين بأنه يجب أن تكون هناك إشارة أخرى إلى حدث في العهد الجديد مثل هذا من أجل تأكيد أنه تاريخي. وكتب، “لن يكون من الأنصاف ان نشكك في تضارب أقوالهم (الأناجيل الأخرى)، ببساطة لأن أحدهم قد يكون قد حدد حدثًا واحدًا كسبب مباشر لدهشة قائد المئة، بينما يقدم آخر حادثًا مختلفًا” (القديس أوغسطين، المرجع نفسه).

لذا، خلافا لمزاعم العديد من نقاد العهد الجديد الحاليين، فإن نص متى 27 عن قيامة القديسين هو تأكيد واضح لا لبس فيه على تاريخ قيامة القديسين. ويدعم ذلك خط متصل تقريبًا من المعلقين العظماء في الكنيسة الأولى وعبر العصور الوسطى وفي فترة الإصلاح (جون كالفين). لم يتم العثور على مثال واحد لأي أب شمله الدراسة يعتقد أن هذه كانت أسطورة. يرجع هذا الاعتقاد إلى قبول المنهج النقدي الحديث، وليس إلى عرض تاريخي نحوي للنص أو إلى الشهادة الداعمة للمعلمين الأرثوذكس الرئيسيين للكنيسة حتى فترة الإصلاح.

تاسعاً، إن الدافع لرفض قصة قيامة القديسين في متى 27 لا يستند إلى تفسير جيد للنص أو إلى التأييد الأولى من الآباء بل يستند إلى افتراضات مضللة:

(1) بادئ ذي بدء، هناك تحيز ضد كل ما هو خارق للطبيعة بدأ في القرن السابع عشر ويندرج تحت الكثير من المنح الدراسية المعاصرة. ولكن لا يوجد أساس فلسفي لرفض المعجزات (انظر معجزاتنا والعقل الحديث، Grand Rapids: Baker، 1992)، ولا يوجد أساس توضيحي لرفضها في هذا النص. في الواقع، بنفس المبدأ يمكن للمرء أن يرفض قيامة المسيح لأنها خارقة للطبيعة وتوجد في نفس النص.

(2) علاوة على ذلك، هناك أيضًا افتراض خاطئ للإشارة المزدوجة التي تؤكد أنه إذا لم يتم ذكر حدث ما مرتين على الأقل في الأناجيل، فإن تاريخه يكون موضع تساؤل. ولكن على هذا الأساس يجب رفض العديد من الأحداث الأخرى أيضًا، مثل قصة نيقوديموس (يو 3)، المرأة السامرية في البئر (يو 4)، قصة زكّا (لو 19)، القيامة لعازر (يو 11)، وحتى ولادة المسيح في المذود مع ترتيل الملائكة (لوقا 2)، وكذلك العديد من الأحداث الأخرى في الأناجيل. كم عدد المرات التي يجب أن يتم فيها ذكر الحدث في جزء من الأدب في القرن الأول بناءً على شهود موثوقين لكي يكونوا صادقين؟

(3) هناك حجة أخرى يبدو أنها تؤثر على الكثير من دراسات العهد الجديد المعاصرة في هذا الشأن. من المفترض أن حدثًا مثل هذا، إذا كان حرفياً، كان سيشمل عددًا كافيًا من الأشخاص والمقابر لتوثيق أدلة مهمة عليه في مكان صغير مثل القدس. يشير ريموند براون إلى ذلك، مشيراً إلى أن “… العديد من المترجمين يرفضون فكرة رؤية العديد من الموتى القائمين في القدس – مثل هذه الظاهرة الواسعة النطاق كان يجب أن تترك بعض الأثار في التاريخ اليهودي أو العلماني!” ومع ذلك، فإن هذه في أفضل الأحوال حجة زائفة.

والأكثر من ذلك أن “الكثيرين” يمكن أن يعني مجموعة صغيرة فقط وليس مئات الألاف. علاوة على ذلك، لفتت القصة الانتباه الكافي لجعلها في أحد الأناجيل القانونية، إلى جانب قيامة المسيح وغيرها من الأحداث المعجزة. باختصار، إنه في كتاب تاريخي. يقال إنها ناتجة عن قيامة المسيح. وقد استشهد بها الآباء الأوائل كدليل على قيامة المسيح ودليلًا على القيامة القادمة. ليست هناك حاجة إلى أدلة أخرى لصحتها.

 

انكار العصمة

وفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن المجلس الدولي بشأن العصمة الكتابية (ICBI)، فإن إنكار تاريخية ماثيو 27 قيامة القديسين هو إنكار لعصمة الكتاب المقدس. هذا واضح من العديد من بيانات ICBI الرسمية.

(1) يتحدث بيان شيكاغو عن العصمة ضد هذا النوع من “إزالة التاريخ” من الأناجيل، قائلاً: “نحن ننكر شرعية أي معاملة للنص أو البحث عن المصادر الكامنة وراءه التي تؤدي إلى إعادة نسبيته، أو نزع تاريخه، أو الانتقاص من تدريسه أو رفض ادعاءاته بأصالة التأليف “(المادة الثامنة عشرة).

(2) يضيف البيان: “يجب أن تتوافق جميع ادعاءات الكتاب المقدس مع الواقع، سواء كان هذا الواقع تاريخيًا أو واقعيًا أو روحيًا” (Sproul، Expler Inerrancy (EI)، 43-44).

(3) قال مؤسسو المجلس الدولي بشأن العصمة الكتابية ICBI، “إن الكتاب المقدس هو بالفعل تاريخ فداء، وهذا يعني أن أعمال الخلاص التي أحدثها الله حدثت بالفعل في عالم الزمكان” (Sproul، EI، 37).

(4) مرة أخرى، “عندما ينتج عن البحث عدم تاريخية الكتاب المقدس، أو رفض تعاليمه أو رفض مصداقية القصص الخاصة بالكتاب المقدس [عندها] فقد تجاوز حدوده الصحيحة (Sproul، EI، 55).

في وقت لاحق، كتب سبراول Sproul: “بصفتي الرئيس السابق والوحيد لمؤسسون المجلس الدولي بشأن العصمة الكتابية ICBI خلال فترة عملي كمحرر أصلي لتأكيدات ونفي بيان شيكاغو بشأن عصمة الكتاب المقدس، يمكنني القول بشكل قاطع أن آراء السيد مايكل ليكونا ليست متوافقة حتى عن بعد مع البيان الموحد للمؤسسة” (رسالة، 22 مايو 2012، التأكيد مضاف).

(5) أيضًا، “نحن ننكر أن الفئات العامة التي تنفي صحة تاريخية النص قد تُفرض ذلك على الروايات الكتابية التي تقدم نفسها على أنها واقعية” (شرح التأويلات (EH)، الثالث عشر). “ننكر أن أي حدث أو خطاب أو قول تم الإبلاغ عنه في الكتاب المقدس قد اخترعه كتاب الكتاب المقدس أو التقاليد التي أدرجوها”

(6) أخيرًا، بصفتي مؤطرًا لبيانات المجلس الدولي بشأن العصمة الكتابية ICBI، يمكنني أن أشهد على أن وجهة نظر روبرت جونتري المماثلة في إزالة تاريخية نص متى كانت موضوعًا لمناقشات ICBI هذه. ويؤدي ذلك إلى مطالبته بالاستقالة من الجمعية اللاهوتية الإنجيلية (بأغلبية 74٪). نظرًا لأن آراء ليكونا Licona تفعل الشيء الأساسي نفسه، فيجب استبعادها على نفس الأساس. استخدم غوندري الأسلوب اليهودي من المدراش إلى إزالة تاريخية بعض أجزاء الإنجيل، واستخدم ليكونا النوع اليوناني الروماني والأساطير، لكن المبدأ هو نفسه.

The Early Fathers and the Resurrection of the Saints Norman Geisler

الآباء الأولين وقيامة أجساد القديسين الراقدين – ترجمة: مجدي نادر

الغفران بدم المسيح (عب 9: 15-22) – ترجمة: أندرو أبادير

الغفران بدم المسيح (عب 9: 15-22)ترجمة: أندرو أبادير

الغفران بدم المسيح (عب 9: 15-22) – ترجمة: أندرو أبادير

الغفران بدم المسيح (عب 9: 15-22) – ترجمة: أندرو أبادير

بواسطة ستيفن ج. كول* في 21 مارس 2013

*(عمل ستيفن ج. كول راعياً لزمالة فلاجستاف المسيحية من مايو 1992 حتى تقاعده في ديسمبر 2018. ومنذ عام 1977 إلى العام 1992 كان راعي كنيسة مجتمع بحيرة جريجوري في كريستلاين، كاليفورنيا. تخرج من مدرسة دالاس اللاهوتية وحصل على ماجستير اللاهوت في شرح الكتاب المقدس سنة 1976)

 

 منذ زمن المسيح، تعثر الناس في عقيدة أن المسيح كان عليه أن يسفك دمه للتكفير عن خطايانا. فعندما أعلن يسوع للاثني عشر أنه كان عليه أن يذهب إلى أورشليم حيث سيتألم ويموت، وبخه الرسول بطرس قائلاً: “حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا!” (متى 16: 21-22). وكتب الرسول بولس يقول، “فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ…” وتابع قائلاً، “وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ.” (1كو 1 :18، 23-24).

اللاهوتيون المتحررون يبغضون فكرة أن دم المسيح يدفع ثمن خطايانا. وقد أطلقوا على مثل هذه الآراء “دين المجزر”. إنهم يسخرون من المسيحيين الذين يؤمنون بالله الذي سيكون تافهًا بما يكفي إذا غضب من خطايانا، ووثنيًا بما يكفي إذا كان إرضاؤه يتحقق بإراقة الدم. ولقد هاجم الكاتب المسرحي، جورج برنارد شو، الكتاب الأنجليكاني للصلاة المشتركة بهجوم لاذع قائلاً: “إنه مُشبَّع بالخرافة القديمة – والشيطانية من وجهة نظري – وهي التكفير عن طريق سفك الدم، والتي أعتقد أن المسيحية يجب أن تتخلص تمامًا منها، إذا كانت تريد البقاء بين الناس المفكرين” (مقتبس من كتاب “خبزنا اليومي” 8 / 79).

ولكن منذ بداية تاريخ البشرية، أوضح الله أن غفران الخطايا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال سفك الدم لبديل مناسب. فعندما أخطأ آدم وحواء، أدركا عريهما وخاطا أوراق التين معًا لمحاولة تغطية ذنبهم وعارهم. لكن الله لم يقبل نهجهم. وبدلاً من ذلك، ألبس الزوجين المذنبين جلد حيوان مذبوح (تك 3: 21). وبهذا العمل، أظهر الله بطريقة تصويرية عقوبة الخطيئة المروعة، وأيضًا رحمته العظيمة في توفير بديل مناسب.

ولا شك أن الله شرح لآدم وحواء وأولادهم نوع الذبائح التي يقبلها. وأطاع هابيل الله بتقديم ذبيحة من قطيعه، لكن قايين قدم لله قرباناً من ثمار الأرض. وقَبِلَ الله تقدمة هابيل، لكنه لم يقبل تقدمة قايين (تك 4: 3-5). وفي غضبه، قتل قايين شقيقه. وفي عجرفته وتمرده، أصبح قايين أبًا لأولئك الذين يكرهون طريقة الله للمغفرة من خلال سفك الدم.

لطالما مارست الأديان الوثنية استرضاء الآلهة أو الأرواح من خلال الذبائح الدموية. وفي بعض الأحيان ذهبوا إلى حد تقديم الذبائح البشرية، بما في ذلك أطفالهم. لكن من الخطأ أن نفكر في أن اليهود وضعوا نظام ذبائحهم على أساس محاكاة الوثنيين. وبدلاً من ذلك، كما أشار جون كالفن، “كانت جميع الذبائح الوثنية فسادًا أخلاقياً، استمد أصله من نظام أسسه الله” (تفسير كالفن للرسالة إلى العبرانيين 9: 16، صفحة 209[دار نشر – بيكر]).

ربما كان لدى البعض في كنيسة العبرانيين أصدقاء يهود غير مؤمنين سخروا منهم لأنهم آمنوا بمسيح مصلوب. لكن الكاتب يشير إلى أن نظام العبادة اليهودي بأكمله كان قائماً على ذبائح الدم، وأن الله أسس هذا النظام للإشارة إلى ذبيحة واحدة كافية أي لذبيحة يسوع المسيح. فالعودة إلى النظام القديم يعني العودة إلى نظام لم يكن باستطاعته تطهير ضمائرهم أبدًا ويعني أيضاً التخلي عن الفداء الأبدي الذي قدمه الله في المسيح (عب 9: 12-14). في هذا النص يركز على نقطة أن…

 

  • غفران الخطايا لا يتحقق إلا بدم المسيح.

في (عب 9 :15) يوضح أنه لأن المسيح قدم دمه كفارة لأجل خطايانا، فهو بالتالي وسيط عهد جديد (راجع عب 8: 6). ويركز على وعد الله بمغفرة الخطايا بموجب العهد الجديد (عب 8: 12). ويوضح أن موت المسيح غطى كل ذنوب أولئك الذين تمت دعوتهم بموجب العهد القديم، لكي “يَنَالُونَ وَعْدَ الْمِيرَاثِ الأَبَدِيِّ.” (عب 9: 15).

ذكر “الميراث” يبرز فكرة الوصية (الورث). وهناك بعض الالتباس في هذه الآيات لأن الكلمة اليونانية نفسها يمكن ترجمتها إما “عهد” أو “ورث” (أو “وصية”). في (عب9 :15، 18، 20)، يجب ترجمتها “عهد”. ولكن في (عب 9 :16، 17) تشير إلى ورث أو وصية أخيرة، والتي تنبع من ذكر الميراث (ترجمة النسخة الدولية الجديدة للكتاب المقدس تترجمها بهذه الطريقة). الوصية تصبح سارية المفعول فقط بعد وفاة صاحبها. وبطريقة مماثلة، دشن موسى العهد القديم بالدم وفقاً لأمر الله. ولكن يسوع دشن العهد الجديد بدمه. وهكذا فإن خلاصنا (ميراثنا) يعتمد بشكل آمن على العهد الجديد بدم المسيح، والذي هو أفضل بكثير من دم الحيوانات. نراعي هنا ثلاثة أشياء:

  • نحتاج جميعاً إلى مغفرة الخطايا لأن خطايانا قد أبعدتنا عن الله.

كما قيل سابقاً، يمكنك إنكار الذنب وأن تتقسى لدرجة أن ضميرك لا يعود يزعجك، ولكن إذا كان الله قدوسًا وإذا انتهكت معاييره المقدسة، فإنك تقف مذنب قانونياً في قاعة محكمته. لذا فإن القضية الرئيسية مع الذنب ليست فقط الشعور بالذنب، ولكن المسؤولية الجنائية الفعلية. فإذا أدانك الله يوم الدينونة، فإن ذنبك يصبح أبديًا. وعقوبة الله النهائية على الخطية هي الانفصال الأبدي عنه في بحيرة النار (وهو ما يسمى “الموت الثاني”، راجع سفر الرؤيا 20 :14).

عادة ما ينكر الخطاة حاجتهم إلى غفران الله من خلال تقليل شأن قداسة الله وعدالته وتضخيم صلاحهم أو مزاياهم. فهم يعتقدون خطأً ما يلي “بالتأكيد الله محبة، والله المحب لن يرسل شخصًا جيدًا مثلي إلى الجحيم” لكن الكتاب المقدس واضح في أن الله قدوس وعادل. سيعاقب على كل الخطايا. ومحبته لا تعني أنه سيضع جانباً قداسته أو عدله. الكتاب المقدس واضح أيضًا في أننا أكثر خطية في محضر الله مما نتخيل. فلقد ولدنا منفصلين عن الله لأن ذنب آدم قد انتقل إلينا. وأضفنا بسرعة ذنوبنا إلى ذنب آدم! والذنوب اقترفناها من خلال انتهاك معايير الله المقدسة، عن طريق أعمالنا وأفكارنا.

كوننا انفصلنا عن الله، نحتاج إلى وسيط ليصالحنا معه. “لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ” (1 تي 2: 5). “هُوَ وَسِيطُ عَهْدٍ جَدِيدٍ” (عب 9: 15). إذا سبق لك أن شاركت في نزاع قانوني، فقد يساعد الوسيط الجانبين على التوصل إلى اتفاق مرضي للطرفين. يستمع إلى شروط كلا الجانبين ويحاول التوصل إلى حل يرضي الجميع. فقد عرف المسيح قداسة الله المطلقة. وعرف أيضًا حمل الإنسان الكبير من الخطية. وقد أخذ جسداً بشرياً، وعاش بتوافق تام مع معايير الله المقدسة، ثم قدم نفسه ثمن الفداء الذي يتطلبه عدل الله. وبذلك أصلح بين الطرفين (راجع رسالة بولس الرسول الثانية لأهل كورنثوس 5: 18-21).

يتساءل الناس أحيانًا عن كيفية خلاص أولئك الذين عاشوا قبل المسيح. والجواب هو: لقد تم خلاصهم بنفس الطريقة التي خَلُصْنَا بها، من خلال الإيمان بدم المسيح المسفوك. فالذبائح التي قدموها ترمز أو تُصُوِّر ذبيحة المسيح الذي قدم نفسه كبديل عنهم. كتب إشعياء في (اش 53: 5- 6، 11) يقول: “وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا…. مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا.

وهكذا أرجأت ذبائح العهد القديم عقوبة الخطايا حتى دفع المسيح ثمنها. كان خلاص القديسين الذين سبقوا المسيح، إذا جاز التعبير، على الحساب حتى دفع المسيح الفاتورة. يقول بولس الرسول الشيء نفسه في رسالته إلى رومية (رو 3: 23-26) “إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ، مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ.

حقيقة أن كل إنسان هو خاطيء وبحاجة إلى غفران الله تعني أنه يمكنك تقديم البشارة بالإنجيل لكل شخص عالماً أن قوة الله للخلاص هي لكل من يؤمن. قد تشعر بالخوف لأن الشخص الذي تتحدث معه هو مثقف وذكي. فقد ينطلق إلى الفلسفة أو العلم لمحاولة إثبات عدم وجود الله. لا تخف. فقط ضع في ذهنك أن هذا الرجل هو خاطئ سيموت ويقف أمام الله القدوس. فهو يحتاج إلى وسيط ليصالحه مع الله قبل ذلك اليوم. ويسوع المسيح هو الوسيط الوحيد. ودمه المسفوك هو ثمن الفداء للخطاة الذين يؤمنون به.

 

  • طريقة الله الوحيدة لغفران الخطايا هي سفك الدم.

أصدر الله أمرًا أن “أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ” (رو 6: 23). وفي سفر اللاويين (17: 11)، يشرح الله لماذا يجب أن يُراق الدم: “لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ.” إن عدل الله يتطلب سداد العقوبة، وهي الموت. وفي رحمته، يقبل موت بديل ملائم بدلاً من موت الخاطئ. فنظام الذبائح الحيوانية بموجب العهد القديم صور وأشار إلى المسيح، “حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ” (يوحنا 1 :29). لاحظ ثلاثة أشياء:

  • الخطية تؤدي إلى الموت الجسدي والروحي:

لقد أخبر الله آدم وحواء أنه في اليوم الذي يأكلوا فيه من شجرة معرفة الخير والشر، سيموتون بالتأكيد (تك 2 :17). لكنهم أكلوا من ثمر الشجرة ولم يسقطوا أمواتاً في ذلك اليوم. ولِمَ لا؟ ففي اللحظة التي أكلوا فيها من ثمرة الشجرة ماتوا روحيا. ففي السابق، كانا يتمتعان بعلاقة حميمة مع الله، دون حواجز بينهم. ولكن على الفور تم عزلهم عنه وحاولوا إخفاء أنفسهم من محضره المقدس.

في ذلك اليوم نفسه، بدأت عملية الموت الجسدي. فعلى الرغم من تدبير الله وقصده، عاش هؤلاء البشر الأوائل لمئات السنين، ثم ماتوا جميعًا في النهاية. فلقد أصبحت أجسادهم عرضة للشيخوخة والمرض. الخطية أدت إلى الموت أيضاً من خلال القتل والحرب. فكل الفظائع القبيحة في العالم، سواء كانت ويلات المرض، أو فظائع الجريمة، أو الإرهاب، أو الحرب، أو الدمار البيئي لموارد العالم، هي نتيجة الخطية.

عندما قرأت قصصًا عن مرسلين يذهبون إلى قبائل وحشية حاملين بشارة الإنجيل، تعجبت من أن هذه القبائل لم تُبِد نفسها منذ قرون سابقة. فتاريخهم عبارة عن سرد طويل لقبيلة تعتدي على قبيلة أخرى، ثم تنتقم القبيلة الأخرى بطرق وحشية. ومن ثم تنتقم القبيلة الأولى وتستمر الدورة. والشيء نفسه يحدث، مع ذلك، في أماكن أكثر “تحضر” من العالم. فتاريخ العالم بأكمله هو تاريخ من المعارك حول الأراضي أو الموارد. رجال مغرورون يسيطرون على رجال مغرورين آخرين حتى يتم الإطاحة بهم. الخطية هي جذر لكل موت جسدي في العالم. وتؤدي الخطية أيضاً إلى الموت الروحي لكل إنسان بعيد عن الحياة مع الله.

  • الدم يُظهر الصورة الواقعية لثمن الخطية:

تتكرر كلمة “الدم” ست مرات في الآيات 18-22، بالإضافة إلى “الموت” أو “الموتى” ثلاث مرات في الآيات 15-17. هل فكرت يومًا في مدى دموية وفوضوية الديانة اليهودية؟ فقد تم رش كل شيء بالدم. وقد ذبح الكهنة عشرات وأحيانًا مئات أو آلاف الحيوانات على المذبح. وأخذوا أوعية مليئة بالدم ورشوها على المذبح. وتم حرق الجثث على المذبح، بحيث كانت الرائحة ثابتة وغامرة. أنا شخصياً لم أرَ أبداً ذبح ثور أو خروف أو ماعز. أقوم بشراء اللحوم المقطعة مسبقًا والمغلفة بالسلوفان في محل البقالة. فأن يتم نقلنا مرة أخرى ومشاهدة تقديم الذبائح في خيمة الاجتماع ستكون تجربة مروعة لمعظمنا. فالدم يُظهر الصورة الواقعية لثمن الخطية.

  • تم تدشين العهد القديم بالدم، لأن الموت هو عقوبة الله للخطية.

يذكر الكاتب في (عب 9: 19) تفاصيل غير واردة في نص سفر الخروج إصحاح 24، ولا يوجد ذكر كذلك للماعز أو الماء أو الصوف القرمزي أو الزوفا أو رش الكتاب. بينما تذكر نصوص أخرى بعض هذه الأشياء في طقوس أخرى (لاويين 1:10؛ 14: 4-6؛ عدد 19: 6، 18). فإما أن الكاتب يجمع بشكل عام كل هذه الطقوس معاً، لأنه يتعامل مع الموضوع الأصلي وهو أن جميع الأشياء في العهد القديم تم تطهيرها بالدم (حسب رأي كالفن وجون أوين). أو ربما يعتمد على التقليد الشفهي الذي كان جميع اليهود على دراية به. وعلى أي حال، فوجهة نظره هي “أنه وفقًا للقانون، يمكن للمرء أن يقول، أن كل الأشياء تقريبًا تم تطهيرها بالدم” (9 :22). وكان الاستثناء هو أن الرجل الفقير يمكن أن يقدم تقدمة من الحبوب بدلاً من الذبيحة الحيوانية (لا 5: 11-13). لكن الاستثناء لم يبطل القاعدة التي تقول “بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ”. لقد كان الله يشير إلى أن الموت هو عقوبته المفروضة جزاء لخطايانا.

وهكذا فإن كل إنسان يحتاج إلى مغفرة الخطايا. وطريقة الله الموحدة لمغفرة الخطايا هي سفك الدم.

 

  • موت الرب يسوع المسيح دشن العهد الجديد بالدم:

دم الرب يسوع المسيح هو بالطبع كناية عن موته. فبينما كانت معاناة الرب يسوع الجسدية دموية ومروعة، فإن ما مر به روحياً هو الذي خلصنا من لعنة الشريعة. كما قال بولس الرسول، “لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ.” (2 كو 5: 21). فإن أسوأ عذاب احتمله المسيح على الصليب كان أن يتم فصله عن الآب لأنه يتحمل عقابنا.

في (عب 9: 16-17)، يستخدم الكاتب التشابه بين الوصية الأخيرة والعهد لإظهار أن المغفرة تأتي إلينا كورثة للمسيح وأن المغفرة تأتي إلينا من خلال دمه.

  • نحصل على الغفران كورثة للمسيح:

لكي تحصل على ميراث، يجب أن يتم تضمينك في الوصية، ويجب أن يموت الشخص صاحب الوصية. أولئك الذين يدعوهم الله (عب 9: 15) هم الورثة. لا ينصب التركيز هنا على الذين يدعون الله، ولكن على من يدعوهم الله. وبعبارة أخرى، هو مالك الميراث، وهو صاحب الوصية، وهو الذي يختار الورثة. لدى الله قائمة محددة، وليس صحيفة تسجيل. وبمجرد وضع الوصية، لا يتم تفعيلها حتى وفاة الموصي.

كلنا نعرف هذا المبدأ. راي ستيدمان في كتابه (ماذا يمكن أن يقوله الله أيضاً؟ [دار نشر جوسبيل لايت- ريجال]، ص 139) يروي كيف كان في اجتماع مع مجموعة من الناس حيث كان مدير مركز مؤتمرات مسيحي يشرح إجراءات توفير ممتلكات إضافية لتوسيع المركز. ووصف اتفاق عقده المركز مع أرملة، حيث سيقومون بدفع راتبًا سنويًا لها حتى وفاتها، على أن تنتقل ممتلكاتها إلى مركز المؤتمرات عند وفاتها. عند ذلك رفع رجل يده على الفور وسأل مازحاً: “ما أخبار صحتها؟” كان للسؤال مذاق سيء، لكنه يوضح الحقيقة أن الوصية لا قيمة لها للمستفيدين حتى وفاة الموصي.

لذا فإن السؤال الذي تحتاج للإجابة عنه هو، “هل سمعت دعوة الله في الإنجيل واستجبت بالإيمان بموت المسيح؟” لقد مات ليمنح فوائد الوصية للورثة. فإذا كنت وريثًا للمسيح من خلال الإيمان بدمه، فلديك منفعة الغفران التي أمّنها بموته.

  • الغفران يأتي فقط من خلال دم المسيح:

إذا لم يكن هناك غفران بدون سفك دم، فإن العكس صحيح أيضًا: مع سفك الدم، هناك غفران! كما رأينا في (عب 9: 9)، فإن ذبائح العهد القديم هذه لم تستطع أن تجعل المؤمن كاملاً في الضمير. لقد كُرِّست هذه الذبائح لتطهير الجسد، ولكن “لأنَّهُ إِنْ كَانَ دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ وَرَمَادُ عِجْلَةٍ مَرْشُوشٌ عَلَى الْمُنَجَّسِينَ، يُقَدِّسُ إِلَى طَهَارَةِ الْجَسَدِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ للهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ!” (عب 9: 13- 14).

بالمنطق لا نقدر أن نربط رش الدم على الأشياء على أنه لتطهيرها (9: 13، 22)، بل بالأحرى على أنه لتلطيخها. فإذا كان لديك قميص جيد تلطخ ببعض الدماء، فأنت تعلم أنك بحاجة إلى تنظيفه بسرعة وإلا فإن قميصك سيصطبغ بشكل دائم بالدماء. لذا فإن أخذ الدم ورش الكتاب، والبشر، والخيمة، وجميع الأوعية المقدسة سيقوم منطقياً بتلطيخها، وليس تطهيرها.

لكن الطب الحديث (الذي لم يكن لدى العبرانيين القدماء أي علم به) كشف عن مدى دقة الحديث عن خاصية التطهير التي للدم. فلقد كتب الدكتور بول براند، المتخصص في علاج الجذام (مع فيليب يانسي، في كتاب المسيحية اليوم [2/18/83]، ص 13) حول كيف تم تصميم الدم ليقوم بتطهير الجسم من السموم والنفايات التي يتم بناؤها في الأنسجة:

لا توجد خلية أقل اتساعاً من الشعيرات الدموية، وخشية أن تتراكم المنتجات الثانوية السامة بها… فمن خلال عملية كيميائية أساسية لانتشار الغازات ونقلها، تقوم خلايا الدم الحمراء الفردية، التي تسير ببطء داخل الشعيرات الدموية الضيقة، بإطلاق شحناتها من الأكسجين الطازج وامتصاص النفايات (ثاني أكسيد الكربون واليوريا وحمض البوليك). ثم تقوم الخلايا الحمراء بتوصيل هذه المواد الكيميائية الخطرة إلى أعضاء يمكنها التخلص منها خارج الجسم.

وأكمل ليوضح كيف تعمل الرئتان والكليتان، بالإضافة إلى الكبد والطحال، على تنظيف الدم من هذه السموم للحفاظ على نظام أجسادنا نظيفًا وصحيًا. يمكن لكل خلية دم حمراء الحفاظ على تسلسل تحميل وتفريغ هذه المواد الكيميائية لحوالي ربع مليون دورة فقط. ثم يتم تكسيرها (خلايا الدم الحمراء) وإعادة تصنيعها بواسطة الكبد، بينما يطلق نخاع العظام خلايا حمراء جديدة لمواصلة العملية (حوالي أربعة ملايين خلية في الثانية الواحدة!).

صمم الله هذا كصورة جميلة لإظهار أنه مثلما يقوم الدم بتنظيف أجسادنا من السموم، فإن دم المسيح، الذي يسري في قلوبنا بالإيمان، يطهر أرواحنا من سم الخطية. وفيما يتعلق بالتطهير الروحي الذي نحتاجه، كتب أحد الأشخاص ما يلي: “لا يمكن لدم الحيوانات أن يطهر من الخطيئة لأنه غير أخلاقي. ودم الإنسان الخاطئ لا يستطيع أن يطهر لأنه فاسد. لكن يمكن لدم المسيح وحده أن يطهر لأنه أخلاقي” (استشهد به ويليام جريفيث توماس، في كتابه “الرسالة إلى العبرانيين: تفسير وعظي” [دار نشر إيردمان] ص 117-118). سُفك دم المسيح ليمنح التطهير من الخطية والمغفرة التي نحتاجها جميعًا. هل استخدمته لتطهر روحك؟ إنه طريق الله الوحيد لمغفرة الخطايا.

 

خاتمة:

تقول الأسطورة أنه خلال مرضه الخطير، جاء الشيطان إلى غرفة علاج مارتن لوثر (راهب ألماني، وقسيس، وأستاذ للاهوت، ومُطلق عصر الإصلاح في أوروبا)، ونظر إليه بابتسامة منتصرة، وربطه برباط ضخم، والذي انحل من تلقاء نفسه. قرأ لوثر في الرباط الضخم الطويل السجل المخيف لخطاياه، واحدة تلو الأخرى. في البداية، عانى من اليأس. ولكن فجأة صرخ لوثر: “شيء واحد نسيته. الباقي كله صحيح، ولكن هناك شيء واحد نسيته: “دم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية” “وحينما قال لوثر ذلك، اختفى المشتكي على المؤمنين (الشيطان) ورباطه الطويل (بول تان، موسوعة 7،700 رسم توضيحي [دار نشر- أشورانس] ص480).

قال لوثر أيضًا (نقلاً عن ريتشارد تشارلز هنري لينسكي، كتاب “تفسير إنجيل يوحنا” [دار نشر -أوجسبيرج]، صفحة 130):

الخطيئة لها مكانان فقط؛ إما أن تكون معك، بحيث تقع على عاتقك، أو تكون على عاتق المسيح حمل الله. فإذا كانت تقع على عاتقك، فستهلكك؛ أما إذا كانت تقع على عاتق المسيح، فأنت قد تحررت وستخلص. خذ الآن أيهما تفضل.

إن غفران خطاياك لا يأتي إلا بدم يسوع المسيح. تأكد من أنك قمت بانسكاب دمه على قلبك بالإيمان!

 

أسئلة للمناقشة:

  • لماذا يعتبر تكفير المسيح كبديل عنا لخطايانا عقيدة أساسية للإيمان المسيحي؟
  • لماذا لا يوجد تطهير من الخطية إلا من خلال دم المسيح؟
  • كيف تنصح شخصًا يقول إنه يؤمن بالمسيح، لكنه لا يزال يشعر بالذنب على خطاياه السابقة؟
  • سأل أحدهم: “لماذا لا يستطيع الله أن يقول فقط” أنا أغفر لك؟ لماذا الحاجة إلى الدم؟” ما هو ردك؟

Lesson 26: Forgiveness Through Christ’s Blood (Hebrews 9:15-22)

https://bible.org/seriespage/lesson-26-forgiveness-through-christ%E2%80%99s-blood-hebrews-915-22?

 

الجحيم – سي إس لويس

الجحيم – سي إس لويس

الجحيم – سي إس لويس

الجحيم – سي إس لويس

“ما هو العالم، أيها الجنود؟

إنه أنا؛ أنا، هذه الثلوج المتواصلة، هذه السماء الشمالية؛ أيها الجنود، هذه العزلة التي نجتاز فيها هي أنا.”

دبليو دو لا مير W. DE LA MERE

نابليون Napoleon

“ريتشارد يحب ريتشارد؛ أي أنا أكون أنا.”

شكسبير Shakespeare

في فصل سابق تم الاعتراف بأن الألم الذي يستطيع وحده أن يوقظ الإنسان الشرير على معرفة أنه ليست كل الأمور على ما يرام، قد يقوده أيضاً إلى تمرد نهائي لا توبة فيه. كما تم إدراك من خلال ما سبق أن الإنسان لديه إرادة حرة لذلك فإن كل العطايا التي توهب له هي سلاح ذو حدين. يتبع هذه الافتراضات مباشرة أن المهمة الإلهية المضنية لفداء العالم لا يمكن أن يتم التيقن من نجاحها فيما يتعلق بنفس كل فرد. فالبعض لن يقبلوا الفداء. لا توجد عقيدة أرغب بشدة في إزالتها من المسيحية أكثر من هذه، لو كان الأمر في سلطتي.

لكن هذه العقيدة تحظى بكل التأييد في الكتاب المقدس، وعلى الأخص، في كلمات ربنا نفسه؛ ويتم اعتناقها دائماً بواسطة المسيحيين؛ كما أن المنطق يدعمها. فعند لعب أية مباراة رياضية، لا بد أن يكون هناك احتمال دائماً لخسارتها. هكذا إذا كانت سعادة مخلوق ما تكمن في إخضاع الذات، فلا يستطيع أحد أن يقوم بهذا الإخضاع إلا المخلوق نفسه (رغم أن الكثيرين يمكنهم أن يساعدوه في القيام بذلك) وهو قد يرفض. إنني أود أن أدفع أي ثمن لكي أتمكن من أن أقول بصدق، “الجميع سوف يخلصون”. لكن منطقي يرد بحسم، “بدون إرادتهم، أم بإرادتهم؟” فإذا قلت “بدون إرادتهم” فإني سأفهم في الحال أن هناك تناقض؛ فكيف يمكن لفعل إخضاع الذات الإرادي الفائق أن يكون غير إرادي؟ وإذا قلت “بإرادتهم”، فإن منطقي سيرد، “وكيف سيحدث هذا إذا لم يخضعوا؟” 

إن الأقوال الدومينيكانية Dominical (الخاصة بالرب يسوع المسيح) بشأن الجحيم، مثلها مثل جميع الأقوال الدومينيكانية الأخرى، يتم توجيهها إلى الضمير والإرادة، وليس إلى فضولنا الفكري. فعندما أيقظتنا هذه الأقوال لكي نقوم باتخاذ فعل ما إذا اقتنعنا باحتمالية رهيبة (الجحيم)، ربما فعلت هذه الأقوال كل ما كان يقصد لها أن تفعل. لكن إذا كان كل العالم عبارة عن مسيحيين مقتنعين بهذه الاحتمالية، لكان من الضروري أن نقول كلمة أخرى عن هذا الموضوع. إلا أنه بحسب طبيعة الأمور، هذه العقيدة هي واحدة من الأسباب الرئيسية التي تُهاجَم المسيحية على أساسها باعتبارها بربرية ووحشية، والتي يتم بها الطعن في صلاح الله.

فيقال إن هذه عقيدة بغيضة – وبالحقيقة، أنا أيضاً أكرهها من عمق قلبي – وأتذكر المآسي التي حدثت في حياة البشر من الإيمان بها. أما عن المآسي الأخرى التي تأتي من عدم الإيمان بها فإننا لم نُخبَر عنها إلا القليل. لأجل هذه الأسباب، وهذه وحدها، أصبح من الضروري أن نناقش الأمر.

لا تكمن المشكلة ببساطة في إله يرسل بعضاً من مخلوقاته إلى الهلاك الأبدي. كانت تلك ستكون هي المشكلة لو أننا كنا مسلمين Mahometans لكن المسيحية، كما هي دائماً، بدون أن تغير الواقع المعقد، تقدم لنا شيئاً أكير تعقيداً وأكثر غموضاً، تقد إلهاً غنياً في الرحمة يصبح إنساناً ويموت ميتة العذاب لكي يزيل ذلك الهلاك الأبدي عن خليقته، والذي رغم هذا، عندما يفشل ذلك العلاج البطولي النبيل، يبدو غير مستعد، أو حتى غير قادر، على إيقاف ذلك الهلاك بفعل قوة مجردة.

لقد قلت بدون تكلف منذ لحظات أنني أود لو أدفع “أي ثمن” لكي أزيل هذه العقيدة. لكني كذبت. فأنا لم يكن يمكنني أن أدفع واحداً على ألف من الثمن الذي دفعه الله بالفعل لكي يزيل تلك الواقع. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ غنى كثير في الرحمة، ومع ذلك لا يزال هناك جحيم.

لن أحاول أن أثبت أن هذه العقيدة يمكن احتمالها. دعونا لا نسيء الفهم؛ إنها لا يمكن احتمالها. لكن أعتقد أن هذه العقيدة يمكن أن تبرهم أنها أخلاقية، بواسطة نقد الاعتراضات التي تقام ضدها عادة، أو يتم الشعور بها، ضدها.

أولاً، هناك اعتراض، في كثير من الأذهان، على فكرة عقوبة القصاص بمثل هذه الطريقة. وقد تم التعامل بطريقة جزئية مع هذا الأمر في فصل سابق. فهناك تم الزعم بأن كل عقوبة تصبح غير عادلة إذا انتزعت منها فكرتا عدم الاستحقاق والجزاء؛ وتم اكتشاف جوهر صواب واستقامة داخل عاطفة الانتقام نفسها، متمثل في المطالبة بألا يشعر الإنسان الشرير أنه راض تماماً عن شره الذي ارتكبه. وأنه لا بد أن يظهر له ما يظهر عن حق للآخرين – أي الشر الذي ارتكبه. وقلت إن الألم يغرس راية الحق داخل قلعة المتمرد. كنا نناقش الألم الذي كان لا يزال في الإمكان أن يقود إلى التوبة. لكن ماذا إذا لم يقد إلى التوبة – إذا لم تحدث أية مكاسب أخرى على الإطلاق سوي غرس راية الحق؟

دعونا نحاول أن نكون أمناء مع أنفسنا. تصور معي إنساناً قد حصل على ثروة أو سلطة بواسطة أسلوب مستمر من الخداع والقسوة، باستغلاله لأعمال ضحاياه النبيلة لأجل الوصول إلى غايات أنانية بحتة، ساخراً من سذاجتهم؛ والذي بعد أن تحقق له النجاح، يستخدمه لإشباع الشهوة والكراهية، وأخيراً يتخلى عن آخر ميثاق شرف بين اللصوص بأن يخون المتواطئين معه بتهكمه عليهم في لحظاتهم الأخيرة من حيرتهم وإحباطهم.

بل افترض أكثر من ذلك، أنه يفعل كل هذا، ليس (كما نود أن نتخيل) معذباً بالشعور بالذنب أو حتى بالارتياب، ولكنه يأكل بنهم مثل صبي في المدرسة وينام في سلام مثل طفل صحيح الجسم – إنسان مرح، متورد الوجنتين، بدون هم في العالم، واثق بنفسه ثقة تامة لا تهتز حتى النهاية بأن هو وحده الذي وجد الحل للغز الحياة، وأن الله والناس حمقى قد استغلهم بأفضل طريقة ممكنة، وأن طريقة حياته ناجحة ومرضية ولا يمكن تعويضها، لا بد أن نكون حذرين عند هذه النقطة. إن أقل انغماس في شهوة الانتقام هو خطية مميتة للغاية.

لذلك تشير علينا المحبة المسيحية أن نبذل أقصى جهد لتجديد مثل هذا الإنسان؛ أن نفضل تجديده، حتى ولو بالمخاطرة بحياتنا الشخصية، ولو على حساب حرماننا نحن أنفسنا، عن أن يعاقب؛ أن نفضل ذلك بلا أي حدود. لكن ليس هذه هي المشكلة، لنفترض أنه لن يتجدد، ما المصير الذي يمكنك أن تعتبره ملائماً له في العالم الأبدي؟ هل يمكنك أن ترغب حقاً أن مثل هذا الإنسان، إذا ظل كما هو (ولا بد أنه قادر على فعل ذلك إذا كانت لديه إرادة حرة) يجب أن يكون مستقراً إلى الأبد في سعادته الحالية – هل يستمر، طوال الأبدية، مقتنعاً تماماً أنه هو الذي ضحك في النهاية؟

وإذا لم تكن تنظر إلى ذلك باعتباره مقبولاً، فهل مجرد شَرّك – الحقد فقط – هو الذي يمنعك من القيام بذلك؟ أم هل تجد أن الصراع بين العدل والرحمة، الذي يبدو لك في بعض الأحيان قطعة بالية من اللاهوت، يدور الآن فعلياً في فكرك الشخصي، وتشعر كثيراً كما لو أن هذه الفكر (القصاص) جاء إليك من فوق. وليس من أسفل؟ ليست الرغبة التي تحركك هي إيقاع الألم بمثل ذلك المخلوق التعس، بل مطلب أخلاقي حقيقي بأنه إن عاجلاً أم آجلاً، يجب توكيد ما هو صائب وتوكيد الراية التي غرست في تلك النفس شديدة التمرد، حتى لو لم يتبع ذلك كسب أشمل أو أفضل.

من ناحية ما، من الأفضل للمخلوق نفسه، حتى لو لم يصبح صالحاً أبداً، أن يعرف أنه فاشل، ومخطئ. حتى الرحمة بالكاد تستطيع أن تتمنى لمثل هذا الإنسان استمراره الأبدي برضى في مثل هذا الوهم الشنيع. قال توما الاكويني Thomas Aquinas عن الألم، مثلما قال أرسطو Aristotle قبله عن الشعور بالخزي، أنه ليس شيئاً جيداً في حد ذاته، بل شيئاً قد يكون له خير معين في ظروف محددة. هذا يعني أنه إذا كان الشر موجوداً، فإن الألم في إدراكه للشر، حيث أن هذا نوع من المعرفة، هو خير نسبياً؛ لأن البديل هو أن تكون النفس جاهلة بالشر، أو جاهلة بأن الشر مناقض لطبيعتها، وكما يقول الفيلسوف، “أي منهما سيء بشكل واضح”. وأنا أعتقد، أننا رغم أننا نقشعر من ذلك، إلا أننا نتفق معه.

إن المطالبة بأنه يجب على الله أن يغفر لمثل هذا الإنسان بينما يظل الإنسان كما هو، مبنية على خلط بين التغاضي والتستر على الشر وبين الغفران. “فالتغاضي عن الشر” يعني ببساطة تجاهله، ومعاملته كما لو كان خيراً. لكن “الغفران” لا بد أن يتم قبوله وبالمثل تقديمه لو كنا نريده أن يكون كاملاً: فالإنسان الذي لا يعترف بأي ذنب لا يمكنه أن يقبل أي غفران.

لقد بدأت بمفهوم الجحيم كعقوبة قصاصية إيجابية يوقعها الله لأن هذا هو الشكل الذي تلقى بسببه العقيدة أكثر النفور، وقد تمنيت أن أعالج أقوى اعتراض. لكن بالطبع، رغم أن ربنا تكلم كثيراً عن الجحيم باعتباره حكم يوقعه كرسي القضاء، فقد قال أيضاً في مكان آخر أن الدينونة تتمثل في نفس حقيقة أن البشر يفضلون الظلمة على النور، وأنه ليس هو، بل “كلمته”، هي التي تدين البشر (يو 3: 19؛ 12: 48). لذلك فإن لدينا الحرية – حيث أن المفهومين على المدى الطويل يعنيان نفس الشيء – أن نفكر في هلاك هذا الإنسان الشرير ليس كحكم مفروض عليه، بل لمجرد حقيقة كونه ما هو عليه.

إن سمعة النفوس الضالة هي “رفضهم كل ما هو ليس ببساطة ذواتهم”[1]. فالإنسان الأناني الذي تخيلناه منذ قليل يحاول أن يحول كل شيء يقابله إلى عالم للذات أو ملحق لها. الشعور “بالآخر”، أي القدرة نفسها على الاستمتاع بالخير، خامدة عنده إلا بقدر ما لا يزال جسده يجذبه إليه في نوع من الاتصال البدائي مع عالم خارجي. يُزيل الموت هذا الاتصال الأخير. فتتبقى لديه رغبته. أن يعيش بالكامل في الذات وأن يستغل ما يجده هناك بأفضل صورة ممكنة. وما سيجده هناك هو الجحيم.

هناك اعتراض آخر يوجه إلى عدم التناسب الواضح بين اللعنة الأبدية ووقتية الخطية. فإذا فكرنا في الأبدية باعتبارها مجرد وقت ممتد من الزمن، سنجد بالفعل عدم تناسب. لكن الكثيرين يرفضون هذه الفكرة عن الأبدية. فإذا فكرنا في الزمن باعتباره خط – وهو تشبيه جيد، لأن أجزاء الزمن متوالية ولا يمكن أن يتواجد اثنان منها معاً في نفس الوقت؛ في مركزه، إذ لا يوجد عرض Width في الزمن، بل طول Length فقط – ربما يكون علينا أن نفكر في الأبدية كسطح مستو أو حتى كمجسم. وهكذا فإن واقع الكائن البشري بأكمله سيكون ممثلاً في شكل مجسم. هذا المجسم سيكون أساساً هو عمل الله، عاملاً من خلال النعمة والطبيعة، لكن الإرادة البشرية الحرة ستكون هو المسهمة بالخط القاعدي الذي نطلق عليه الحياة الأرضية؛ فإذا رسمت خطك القاعدي أعوجاً، فإن المجسم كله سيكون في المكان الخطأ.

حقيقة أن الحياة قصيرة، أو، بحسب التشبيه، أننا نسهم فقط بضلع صغير واحد في المجسم المركب كله، يمكن أن ننظر إليها باعتبارها رحمة إلهية. لأنه إذا كان مجرد ترك رسم ذلك الخط الصغير إلى إرادتنا الحرة، يتم في بعض الأحيان بطريقة سيئة للغاية بحيث يُفسد الكل، فكم بالأحرى كان سيصيب المجسم من اعوجاج وفوضى لو كان قد أوكل إلينا المزيد منه؟ هناك نموذج أبسط من نفس هذا الاعتراض يقول إن الموت يجب ألا يكون هو الحد النهائي الفاصل، ويجب أن تكون هناك فرصة ثانية. لكني أعتقد أنه لو كان من المحتمل لمليون فرصة أن تفعل حسناً، فإنها كانت ستعطى. لكن المعلم في معظم الأحيان يعرف، في حين لا يعرف التلاميذ والوالدين أنه في الحقيقة لا نفع من إرسال التلميذ لاجتياز امتحان ما مرة أخرى. لابد أن تأتي النهاية في وقت ما، ولا يتطلب الأمر إيماناً قوياً للغاية لكي نصدق أن العلم والمعرفة الكلية الإلهية تعرف متى.

هناك اعتراض ثالث يثار بشأن حدة رعب آلام الجحيم كما يفترضها فن العصور الوسطى. وفي الحقيقة، كما تشير إليها أجزاء معينة من الكتاب المقدس. يحذرنا فون هوجل Von Hugel هنا بألا نخلط العقيدة نفسها مع التشبيهات imagery التي يمكن أن يتم تصويرها بها. يتكلم ربنا عن الجحيم بثلاثة رموز؛ الأول، خاص بالعذاب (“عذاب أبدي” متى 25: 46)؛ والثاني، يختص بالهلاك (“بل خافوا بالحري من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم”، متى 10: 28)؛ والثالث، يختص باللعنة والحرمان أو الإقصاء أو الطرد إلى “الظلمة الخارجية”، كما في مثل الإنسان الذي لم يكن يرتدي ثياب العرس أو مثل العذارى الحكيمات والجاهلات. التشبيه الشائع عن النار مهم لأنه يجمع بين فكرتي العذاب والهلاك.

الأمر الأكيد للغاية هو أن كل هذه التعبيرات يقصد بها افتراض شيء مريع ورهيب بصورة لا يمكن وصفها، وأي تفسير، لا يواجه هذه الحقيقة، أخشى أنه سيكون خارج الاعتبار منذ البداية. لكن ليس من الضروري أن نركز على تشبيهات العذاب بحيث نغفل تلك التشبيهات التي تفترض الهلاك والحرمان. مم يتكون هذا الشيء الذي يمكن لكل هذه التشبيهات الثلاثة أن تعبر عنه برموز مناسبة على قدم المساواة؟ يجب أن نفترض بالطبع أن الهلاك يعني الدمار أن انتهاء الشيء الذي يتم إهلاكه. يتحدث الناس كثيراً كما لو أن إفناء النفس هو أمر ممكن جوهرياً، إلا أننا في جميع خبراتنا، يعني تدمير شيء ما ظهور شيء آخر. فإذا أحرقت قطة حطب، سيتكون لديك غازات، وحرارة، ورماد. فكون أنه كان هناك حطب يعني الآن وجود هذه الأشياء الثلاثة.

فإذا كان يمكن تدمير النفس، ألا يجب أن تكون هناك حالة لكينونة مستمرة للنفس الإنسانية؟ ألا يمكن أن تكون هذه هي الحالة التي يتم وصفها بصورة جيدة باعتبارها العذاب، والهلاك، والحرمان؟ ربما تذكر أنه في المثل يذهب المُخلَّصون إلى مكان معد لهم، بينما يذهب المدانون إلى مكان لم يعد للبشر على الإطلاق (متى 25: 24-41). وهكذا أن تدخل السماء يعني أن تصبح أكثر آدمية مما قد نجحت في أن تكونه على الأرض في أي وقت مضى؛ أما دخول الجحيم فمعناه أن تحرم من الإنسانية. فما يلقى (أو يلقي بنفسه) إلى الجحيم ليس إنساناً؛ بل “بقايا” أو فضلات. فأن تكون إنساناً كاملاً يعني أن تجعل العواطف مطيعة للإرادة والإرادة مقدمة إلى الله؛ أما أن تكون إنساناً سابقاً أو “شبحاً ملعوناً مداناً” – فقد يعني هذا أن تكون لديك إرادة مرتكزة بالكامل في ذاتها وعواطف غير محكومة بالإرادة على الإطلاق.

من المستحيل بالطبع أن تتخيل ماذا سيكون عليه وعي مثل هذا المخلوق – الذي يكون بالفعل كومة مهلهلة من الخطايا المعادية أكثر منه خاطئ. لذلك ريما بكون هناك شيء من الحقيقة في القول بأن “الجحيم جحيم ليس من وجهة نظره هو، بل من وجهة نظر سماوية”. لا أعتقد أن هذا يناقض قسوة كلمات ربنا. بالنسبة للمدانين وحدهم، يمكن أن يبدو قدرهم أمراً أقل من أن يكون لا يطاق. ولا بد من الاعتراف بأننا إذ نفكر في الأبدية في هذه الفصول الأخيرة، فإن فئات الألم والسعادة، التي شغلتنا لفترة طويلة، تبداً في الانحسار، إذ يلوح في الأفق خيراً أو شراً أكثر ضخامة. فلا الألم ولا السعادة بمثل هذا الصورة (الأرضية) يكون له الكلمة الأخيرة. لأنه حتى لو كان يمكن ألا يحوي اختبار الضالين (إذا كان يمكن أن يطلق عليه اختبار) أي ألم بل الكثير من المتعة، لا تزال تلك المتعة السوداء سيكون من شأنها أن ترسل أي نفس، لم تتم إدانتها نهائياً بالفعل، طائرة إلى صلواتها برعب الكابوس؛ لأنه حتى لو كانت هنالك آلام في السماء، فإن كل من يفهمون سيرغبون فيها.

الاعتراض الرابع هو أنه لا يوجد إنسان محب يمكن أن يكون هو نفسه سعيداً في السماء بينما يعلم أن هناك حتى ولو نفس بشرية واحدة لا تزال في الجحيم؛ إن كان الأمر كذلك، فهل نكون نحن أكثر رحمة من الله؟ يقع في خلفية هذا الاعتراض صورة ذهنية للسماء والجحيم وهما يتواجدان معاً في نفس الوقت ويستمران بصورة متواصلة كما يتواجد معاً تاريخ كل من إنجلترا وأمريكا: بحيث أنه في كل دقيقة يمكن للمباركين أن يقولوا “عذابات الجحيم متواصلة الآن”. لكني ألاحظ أن ربنا بينما يؤكد على هول الجحيم بقسوة شديدة دون كلل فإن يؤكد عادة ليس على فكرة الاستمرارية بل الحسمية والنهائية.

فالإرسال إلى النار المهلكة عادة ما يتم التعامل معه باعتباره نهاية القصة – وليس بداية قصة جديدة. حيث أن النفس الضالة ستظل ثابتة أبدياً على موقفها الشيطاني الشرير فهذا ما لم يمكن الشك فيه؛ لكن ما إذا كان هذا الثبات الأبدي يتضمن استمرارية لا نهائية – أو استمرارية على الإطلاق – فهذا ما لا يمكننا أن نعرفه. توجد لدى د. إدوين بيفان Dr. Edwyn Bevan بعض التكهنات المثيرة حول هذه النقطة. إننا نعرف عن السماء أكثر جداً مما نعرف عن الجحيم، لأن السماء هي مسكن الإنسانية ولذلك فهي تحوي كل ما يُتضمن في الحياة الإنسانية الممجدة. لكن الجحيم لم يُصنع لأجل البشر. لذلك فهو لا يقارن بالسماء من أية ناحية؛ إنه “الظلمة الخارجية” الهوة الخارجية حيث يتلاشى الكائن في اللاوجود.

أخيراً، يثار الاعتراض بأن الهلاك النهائي لنفس واحدة يعنى انهزاماً للقدرة الكلية الإلهية. وهكذا هو الأمر. ففي خلق كائنات لديها إرادة حرة، تخضع القدرة الكلية الإلهية منذ البداية إلى احتمالية مثل هذه الهزيمة. لكن ما تسميه أنت هزيمة، أسميه أنا معجزة؛ لأنه أن يصنع (الله) كائنات ليس هي نفسه، وبالتالي أن يُصبح من إحدى النواحي، قادراً على أن يتحمل مقاومة عمل يديه، فهذا هو أغرب وأكثر الأشياء التي لا يمكن تخيلها في المآثر التي ننسبها إلى الإله. إنني أعتقد عن طيب خاطر، أن المدانين هم من ناحية ما، متمردون ناجحون حتى النهاية؛ وأن أبواب الجحيم مغلقة من الداخل. إنني لا أعني أن الأشباح قد لا ترغب في الخروج من الجحيم، بالطريقة المبهمة التي “يتمنى” بها الإنسان الحسود أن يكون سعيداً؛ بل لأنهم بالتأكيد لا يرغبون حتى في المراحل التمهيدية الأولية للتخلي عن الذات التي بها وحدها يمكن للنفس أن تصل إلى أي خبر. إنهم يتمتعون إلى الأبد بالحرية المريعة التي طلبوها، ولذلك فهم مستعبدون لذواتهم؛ تماماً كما يخضع المباركون للطاعة إلى الأبد، فيصبحون طوال أكثر فأكثر حرية.

على المدى الطويل إذاً سنجد أن الإجابة على كل الذين يعترضون على عقيدة الجحيم، هي نفسها سؤال: “ما الذي تطلب من الله أن يفعله؟” هل أن يزيل خطاياهم السالفة، بأي ثمن، أن يمنحهم بداية جديدة، مذللاً كل صعوبة ومقدماً كل معونة معجزية؟ ولكن الله فعل ذلك حقاً، على الجلجثة، هل أن يغفر لهم؟ أنهم لا يرغبون أن يغفر لهم. هل أن يتركهم بمفردهم؟ للأسف، أخشى أن هذا هو ما يفعله حقاً.

تحذير أخير، وأكون قد انتهيت. لكي أوقظ العقول العصرية لفهم هذه القضايا، قمت بمغامرة بأن أقدم في هذا الفصل صورة لنوع من الإنسان الشرير الذي يمكننا أن ندرك بأكثر سهولة أنه شرير حقاً. لكن بعد أن أدت هذه الصورة دورها، كلما تم نسيانها كلما كان ذلك أفضل. فإننا في كل النقاشات الخاصة بالجحيم يجب أن نحتفظ باستمرار أمام أعيننا بمشهد تلك الدينونة المحتملة، لي لأعدائنا ولا لأصدقائنا (حيث أن كلاً من هذه يفسد المنطق)، بل لأنفسنا. فهذا الفصل لا يتحدث عن زوجتك أو ابنك، وليس عن نيرون Nero أو يهوذا الاسخريوطي؛ إنه يتحدث عني وعنك.

[1] Von Hugel “Essays & Addresses”

الجحيم – سي إس لويس

إله محب لن يعذب الناس أبدًا في الجحيم – لي ستروبل

إله محب لن يعذب الناس أبدًا في الجحيم – لي ستروبل

إله محب لن يعذب الناس أبدًا في الجحيم – لي ستروبل

إله محب لن يعذب الناس أبدًا في الجحيم – لي ستروبل

في رأيي هناك نقص خطير جداً في شخصية المسيح الأخلاقية وهو إيمانه بالجحيم. فأنا بنفسي لا  أشعر أن أي شخص مثقف تماما يمكنه أن يؤمن بالعقاب الأبدي.

برتراند رسل – ملحد (1)

الجحيم هو إطراء لله العظيم لحقيقة الحرية الإنساني وكرامة الاختيار الإنساني.

تشيسترتون. – مسيحي (2)

 كان القاضي كورتلاند. أ. مأسرز في ورطة. فقد كانت تمثل أمامه متهمة اشتركت بدور صغير في قضية مخدرات. كانت أم فقيرة في الحادية والثلاثين من عمرها لها أسرة صغيرة. كانت نادمة علي جريمتها. وفي رأي القاضي كانتتستحق فرصة ثانية. وكان تحقيق العدالة يتطلب إبقاءها تحت المراقبة.

ولكن كانت هناك مشكلة: فلو وجدها ماسرز مذنبة بالتهمة الصادرة ضدها، فلن يكون أمامه اختيار في قانون ماساشوستس إلا أن يعاقبها بالحبس لمدة ست سنوات. لقد عرف أن السجن سيترك فيها جُرحا إالي الابد. وأكثر، ومن المحتمل سيدمر الضعيفة وسيتركها مُرة النفس، غاضبة، بلاعمل، ومقّدر لها لمزيد من المتاعب.

  هذا نوع يُدعي ل{ العقوبة الإلزامية} الذي يُغير إتجاه القضاة في تقرير بعض أنواع القضايا. الجانب الايجابي  هو أن القضاة يُمنعون من أن يكونوا متساهلين للغاية. أما العاقبة السلبية فهي أنه في بعض الحالات يمكن أن تكون العقوبة الذاتية قاسية للغاية – كما هو  الحال في هذه القضية حيث وقفت المتهمة خلف القضبان لفترة أطول من أكثر اللصوص المسلحين.

   لم يُعرف عن ماسرز أبداً أنه تراجع عن إصدار فترات حبس طويلة للمجرمين لو كانت الظروف تسمح بذلك. لكن في هذه القضية اعتبر أن العقوبة الإلزامية –  بدون إماكنية إطلاق السراح المبكر { إجها         ض مطلق للعدالة }.

    وهكذا قدّم ماسرز اختياره: { خالف القانون كي تكون عادلاً}. لقد صرح أنها مذنبة بتهمة أقل لا تستلزم فترة سجن محددة، وحكم عليها بخمس سنوات من إبقاءها تحت المراقبة مع النصح المتطلب.

  قال ماسرز لبوسطن غلوب في تحريها عن العقوبة الإلزامية:{ لو لم يكن القاضي علي فعل ذلك، فلا يجب أن يعتلي منصة المحكمة. فالقاضي إما أن يكون إنسانا آليا يوافق روتينيا علي هذه العقوبات، أو يكون منقاداً  بحس العدالة}.(3)

   كنتُ أفكر في هه القضية بينما كانت الطائرة تهبط تجاه مطار لوس أنجلوس الدولي في صباح أحد أيام سبتمبر الحارة. تأملتُ قائلاً: { كم من السخرية أن قانوناً مصمما لتدعيم العدالة يكون مهدداً لتحريفها بدلاً من ذلك. استطعتُ أن أفهم معني العدالة الذي دفع ماسرز يتجنب إصادر عقوبة  تناسب الجميع، بل فرض عقوبة بديلة تناسب الجريمة بشكل أكثر تناسباً.

   لمدة طويلة كباحث روحي، وجدتُ أن معني العدالة الخاص بي يُنتهك بالتعليم المسيحي عن الجحيم الذي اعتبرته أكثر ظلماً بمراحل مما ستكون فترة السجن الإلزامية في القضية التي أمام ماسرز. لقد بدأ التعليم بالنسبة لي كالقتل الكوني، عقوبة أوتوماتيكية غير قابلة للاستئناف لعذاب والتعذيب بلا نهاية. إنها عقوبة إلزامية، مطلقة : فكل واحد ينال نفس العواقب بعض النظر عن ظروفه . قف خارج  خط الله ــ حتي ولو قليلاً، حتي ولو دون قصد ــ وسوف تُصفع بعقوبة سجن بلا نهاية لها في مكان يجعل Leavenworth  يبدو مثل ديزني لاند.

  أين العدالة من ذلك؟ أين التناسب بين الجريمة والعقاب؟ أي نوع من الآلهة يستمتع برؤية مخلوقاته تتألم إلي الأبد ــ بلا رجاء، خارج الفداءــ في غرفة تعذيب كل جزء منها في رعب وبربرية أي معسكر اعتقال نازي؟ ألم يكن الملحد بي. سي. جونسون علي حق عندما أعلن أن (( فكرة الجحيم سخيفة أخلاقياً؟))(4)

  هذه أسئلة صعبة وشعورية. كنتُ بحاجة لإجابات من سلطة ثاقبة الذهن، إنسان لن يتهرّب من التحديات الشريفة. نظرتُ من خارج نافذة الطائرة بينما كانت لوس اجلوس الضاحية تُجتاز من أسفل، وهي تتألق في ضوء الشمس اللامع . كنتُ قلقاً بخصوص مواجهتي مع فليسوف محترم تصارع بشدة مع هذا التعليم المزعج  للدينونة الأبدية.

اللقاء السادس : جي بي مورلاند ـــ دكتوراة في الفلسفة

 

  لم يأخذ الأمر طويلاً حتي احصل علي سيارتي المؤجرة وأقودها إلي بيت مورلاند الواقع بالقرب من مدرسة تالبوت الاهوتيةن حيث يعمل فيها أستاذاً في برنامج الماجستير في الفلسفة وعلم الأخلاق.

  لقد أوضح كتاب مورلاند: ما وراء الموت: استكشاف برهان الخلود ــ Beyond Death :Exploring the Evidence for Immorality .  أنه قام بالكثير من التفكير الشامل والتحليل الذاتي الشخصي عن تعليم الجحيم. وقام مع المؤلف المشارك جاري هابير ماس  بالبحث عن طبيعة  النفس، واختبارات ما قرب الموت، وتناسخ الأرواح، ولاهوت السماء.

  اخترتُ أيضاً مورلاند بسبب خلفيته الواسعة. فهو رجل علم حاصل درجة في الكيمياء من جامعة ميسوري، ولديه معرفة شاملة للاهوت، إذ يحمل درجة ماجستير من معهد من معهد دالاس اللاهوتي، وهو فليسوف موضع تقدير حيث حصل علي شهادة الدكتوراة في جامعة كاليفورنيا الجنوبية.

  أصدر مورلاند اكثر من 12 كتاباً، بما فيها تدّرُج المدينة العلمانية Scaling the Secular city   ، المسيحية وطبيعة العلم Christianity and the Nature of Science;

هل الله موجود؟ Dose God Exist ?  ، ( مناظرة مع كاي نيلسون)، فرضية الخلقّThe Creation  Hypothesis  ، الجسد والنفس Body and Soul ، أحب الرب إلهك من كل عقلك  Love Your God With All Your Mind ، يسوع تحت الهجوم Jesus Under Fire  الذي حصل علي جائزة. كل هذا وهوفي الحادية والخمسين فقط.

    حياني مورلاند ، وكان يرتدي قميصاً قصير الأكمام، وبنطلوناً وحذاء بدون جوارب. في ممشي بيته المصمم علي طراز مزرعة . صافحته وقدمتُ له مواساتي . عرفتُ أنه سافر إلي سان دييجو الليلة السابقة، وشاهد فريقه المحبوب Kansas City Chiefs  يلقي هزيمة نكراء أمام الفريق المتواضع Chargers. كان لا يزال يرتدي قبعة بيسبول كان أسم فريقه بارزاً علي مقدمتها.

  بالداخل، بعد تبادل قليل من المزاح، غرقتُ في أريكة غرفة معيشته وتنهدتُ. لقد كان موضوع الجحيم كبيراً، ثقيلاً، مثيراً للجدل، ونقطة ارتكاز للمتشككين الروحيين. بحثتُ في ذهني عن نقطة انطلاقة .

أخيراً قررتُ أن أكون أميناً، فاعترفتُ قائلاً: << لستُ متأكداً من أين أبدأ . كيف يتسني لنا حتي مناقشة موضوع الجحيم؟ >

  فكر مورلاند للحظات، ثم ضبط جلسته في كرسيه الأخضر الوثير، واقترح قائلاً:< ربما يحب أن نميز بين محبة شئ أو دم محبته وتقرير ما إذا كان من الصواب القيام به. >

<< ماذا تقصد؟>>

فشرح قائلاً: < كثيراً ما يكون الشئ الذي نحبه ليس هو الشئ الصحيح الواجب عمله. فالبعض يقولون إن الزنا ممتع، ولكن معظم الناس يتفقون علي خطأه. وعادة ما يكون فعل الشئ الصحيح غير ممتع. فإخبار إنسان حقيقة قاسية يحتاج أن يسمعها، أو طرد واحد لا يقوم بمهامه جيداً يمكنها أن تكون أمور غير ممتعة بالمرة.>

فقاطعته قائلاً:>  والجحيم يستدعي استجابة عميقة . فالناس يتصرفون بقوة ضد الفكرة نفسها.>

< هذا صحيح . فهم يميلون لتقييم ما إذا كان مناسباً مبنياً علي مشاعرهم أو إساءتهم العاطفية تجاهه.>

< كيف نفهم ذلك؟ >

< أعتقدُ أن الناس يجب أن يحاولوا إقصاء مشاعرهم جانباً، فأساس تقييمهم يجب أن يكون ما إذا كان الجحيم حالة علاقات عادلة أخلاقياً ام صحيحة أخلاقياً، وليس ما إذا كانوا يحبون المفهوم، أو لا يحبونه>.

  توقف مورلاند قبل الاستمرار وأضاف : ” من المهم أن نفهم أنه إن كان إله المسيحية حقيقيا، فإنه يكره الجحيم ويكره الناس الذاهبين إليه. فالكتاب المقدس واضح تماما: الله لا يُسر بموت الشرير.” (5)

ربما يكون الأمر هكذا، لكن الأمر ينتهي بهم وهم يقضون أبديتهم في مكان من الرعب الملق واليأس المدقع. ورجعتُ بذاكرتي للقائي مع تشارلز تمبلتون ــ المبشر الذي صار متشككاً فدون

إنكار، لديه مشاعر قوية بخصوص الجحيم، لكنها بدت أنها مشتعلة بالغضب المقدس والثورة الأخلاقية.

بصراحة، كنتُ واعيا قليلاً بفصل مناقشة الجحيم تماماً عن استجابتنا العاطفية لهاــ وفي النهاية بدأ أنهما مرتبطان بصورة تدعو لخيبة الأمل.

 

معالجة تحدي تمبلتون

 

  رغم أنني فهمتُ فكرة مورلاند أن أخلاقية أو عدم أخلاقية الجحيم امرّ مستقل عن مشاعرنا تجاه الموضوع، غير انني قررتُ أن تكون أفضل خططي هي مواجهة مورلاند مباشرةّ باعتراضات تمبلتون ــ العاطفية منها والكلية.

  جلست منتصباً، متجهاً لمواجهة مورلاند بقرب أكثر. قلتُ له: ” لقد قابلتُ تشارلز تمبلتون حول هذا الموضوع وقد كان عنيداً جداً. فقد قال لي ( لم أستطع أن أعرّض يد إنسان للنار للحظات . ولا حتي للحظة! فكيف يمكن لإله محب أن يعذبك إلي الأبد لأنك لا تطيعه ولا تفعل ما يطلبه دون أن يسمح بموتك، بل مواصلاً عذابك في هذا الألم طول الأبدية؟ ) “

  ثم لفظتُ كلمات تمبلتون الأخيرة بنفس نقمة المُقّت التي إستخدمها في التحدث معي:” ولا حتي المجرم يمكنه أن يفعل ذلك!”

  بدا أن التحدي يتردد صداه غالبا في غرفة معيشته، فتصاعد التوتر بسرعة. ثم بدوتُ اتهاميا أكثر من فضولي، فتُوجهت بالسؤال طالبا :” د. مورلاند ماذا تقول إاء ذلك؟”

  الكثير جدا من أفكاره تنطلق فيما وراء المشاعر.

  الآن عليك أن تفهم شيئاً بخصوص مورلاند : فهو فليسوف، ومفكر، وعقلاني معتدل.

ولاشئ يبدو وأنه يضايق مكانه. رغم نغمتي الاتهامية ــ التي بدت تقريبا وكأنها تتضمن حقاً أنه كان مسئولاً بصفة خاصة عن خلق الجحيم ــ لم يُصدر مورلاند أية إساءة. ولكن بدلاً من ذلك، انطلق ذهنه لجوهر الموضوع. بدأ مورلاند:” مفتاح إجابة تمبلتون هو في صياغته. لقد صاغ سؤاله حتي سار كسؤال:” متي توقفت عن ضرب زوجتك؟ فمهما كانت إجابتك، فأنت مُدان منذ البداية لو قبلتّ صياغته”.

  فقلتُ:” لذلك فمقدمته المنطقية خاطئة. كيف ذلك؟”

   ” حسنا، الأمر هو أن الجحيم ليس غرفة تعذيب”.

ارتفع حاجباي، فبالطبع ستكون هذه أخبار سارة لأجيال كثيرة من أطفال مدارس الأحد الذين كانوا يرتعبون في كوابيس بالأوصاف المرعبة للتعذيب الأبدي والعذاب بالنار في الهاوية.

  فسألته:”  أليس الأمر كذلك؟”

” فهز مورلاند رأسه، واستطرد: ” الله لايعذب الناس في الجحيم، ولذلك فتمبلتون مخطئ تماماًبخصوص ذلك. إن تمبلتون يجعل الأمر أيضاً وكأن الله طفل مُدلل يقول للناس:” انظروا، إن كنتم غير مستعدين لطاعة أوامري الإلزامية، فسوف أعاقبكم علي ذلك، فسوف أجعلكم تدفعون الثمن. حسنا. بالطبع، إن كان الله مجرد طفل له أوامر إلزامية، فسوف يكون الأمر متقلباً بالنسبة له أن يحاكم الناس. لكن ليس هذا علي الإطلاق هو مايحدث هنا.

  “إن الله هو الكيان الأكثر كرماً وحباً وروعة وجاذبية في الكون. لقد خلقنا بإرادة حرة وخلقنا لهدف: أن ننتمي إليه وللآخرين بحب. نحن لسنا أموراً عارضة، ولسنا قرودا معدلة، ولسنا اخطاء عشوائية، ولو خبنا مراراً وتكراراً عن الحياة من أجل الهدف الذي خُلقنا لأجله ــ الهدف الذي سيسمح لنا أن ننمو أكثر من أن نحيا بأية طريقة أخري ــ فإن الله لن يكون بوسعه علي الإطلاق إلا أن يمنحنا ما طلبناه طوال حياتنا، وهو الانفصال عنه”.

   ” وهذا هو الجحيم ….”

   ” نعم، هذا هو الجحيم. هناك نقطة إضافية. من الخطأ أن نعتقد أن الله هو كيان محب ببساطة، ولاسيما عندما تقصد بكلمة محب المعني الذي يستخدمه معظم الأمريكان اليوم. نعم، الله كيان عطوف، لكنه أيضا كيان عادل، أخلاقي، وطاهر. ولذلك فإن قرارات الله غير معتمدة علي الحسية الأمريكية الحديثة. وهذا  احد الأسباب لماذا يجتاز الناس أبداً وقتا عصيباًبفكرة الجحيم حتي الأزمنة الحديثة. الناس اليوم يميلون للاهتمام فقط بالفضائيل الأكثر نعومة كالحب والرقة, بينما ينسون الفضائل الصعبة كالقداسة والبر والعدالة.

 ” ولذلك في صياغة سؤاله أظهر لنا بمبلتون كياناً حاقداً فرض هذه القواعد الإلزامية الظالمة وفي النهاية يضرب قدميه ويقول: ” إن لم أصل إلي أهدافي، فسوف أعذبكم إلي الأبد.”

  غمضت عينا مورلاند الحادتين مع عيني وشّدد قائلاً:” لا شئ يمكنه أن يكون أبعد من الحق”.

موقف الله اللاحق

 

  قلتُ بينما استرخيتُ في الأريكة: ” حسناً، إذا هنا فرصتك لإعلان الأمر بوضوح. لنضع بعض الأساسات بترتيب تعريفاتنا. لقد قلتُ إن الجحيم ليس غرفة تعذيب. فما هو إذا؟

  فأجابني:” إن جوهر الجحيم إتصالي. فالمسيحية تقول إن البشر هم أقيم الكائنات في الخليقة كلها. فبما أن البشر مهمو، فالعلاقات الشخصية أيضا مهمة، ويكون الجحيم بشكل إتصالي بشكل واسع.

  ” في الكتاب المقدس، الجحيم هو الانفصال أو الابتعاد عن أجمل كيان في العالم ــ الله نفسه. إنه الإفراز عن أي شئ مهم، من أية قيمة، وليس فقط من الله، بل أيضا من الذين عرفوه وأحبوه.”

  ارتبكتُ بشئ ما، فتساءلتُ:” هل الجحيم عقاب لكسر معايير الله. أم إنه العاقبة ألطبيعية لمن يعيشون حياة يقولون فيها:” لا يهمني أن أكون منفصلا عن الله، فأنا أريد أن أفعل الأشياء بطريقتي الخاصة، ومن ثم تُمنح لهم رغبتهم علي الدوام بانفصالهم عن الله إلي الأبد؟”

  فقال:” إنه الاثنين. لا ترتبك: فالجحيم عقوبة ــ وبيس عقاباً. الجحيم ليس التعذيب. فعقوبة الجحيم هي الانفصال عن الله، الذي يأتي بالخزي، والكرب، والندم. ولأنه سيكون لنا كل من الجسد والنفس في الوضع المُقام، فإنالتعاسة المُختبرة يمكنها أن تكون عقلية وجسدية. لكن الألم الذي سيُعاني منه سيكون بسبب الحزن الناتج عن الابتعاد النهائي، المطلق، الدائم عن الله، وعن ملكوته، وعن الحياة الصالحة التي خُلقنا من أجلها في المقام الأول. فالناس في الجحيم سيحزنون حزنا عميقا علي كل ما فقدوه.

  ” الجحيم هو الحكم النهائي الذي يقول لك إنك مرفوض من الحياة من أجل الهدف الذي خُلقت لأجله، والبديل الوحيد هو الحكم عليك بعيدا إلي الأبد. لذلك فالجحيم عقوبة. لكنه أيضا العاقبة الطبيعية لحياة كانت تُعاش في إتجاه معين.”

  فأشرت قائلاً:” وفقا لسفر التكوين عندما خلق الله كل شئ، أعلن أنه ” حسن “. ومن الواضح أن الله قد خلق الجحيم. ولكن كيف عساه أن يفكر أن الجحيم حسن؟ ألا يُعّرض هذا الأمر شخصية الله للنقاش؟”

   فأجابني مورلاند:” في الواقعن لم يكن الجحيم جزءاً من الخليقة الأصيلة . فالجحيم هو موقف الله اللاحق. الجحيم شئ اضطر الله لعمله لأن الناس اختاروا أن يتمردوا ضده ويبتعدوا عن الأفضل بالنسبة لهم، وعن الهدف الذين خُلقوا من أجله.

  ” عندما أسس الناس الولايات المتحدة، لم يبدأوا بإنشاء السجون. لقد كانوا يودون أن يكون لهم مجتمعً بلا سجون. لكنهم اضطروا لإنشائها لأن البعض لم يتعاون. ونفس الأمر ينطبق علي الجحيم.

    ” هل الجحيم مكان مادي؟”

   ” نعم ولا. عندما يموت الناس، تترك نفوسهم أجسادهم ولا يعودا ماديين. يقول الكتاب المقدس إنه عندما يموت الناس الذين سيذهبون أخيراً إلي الجحيم قبل مجئ المسيح، فسوف ينفصلون عن حضور الله، لكنهم لن يكونوا في مكان مادي لأنهم ليسوا بماديين. وبهذا المعني، من المحتمل ألا يكون الجحيم موقعاً. بل جزءاً حقيقياً من الكون. ويكون الأمر مثلما تدخل باباً إلي نوع آخر من الوجود.”

فضحكتُ قائلا:” يبدو كأختبار ما بقرب الموت.”

فأجابني :” حسناً، أعتقد أن اختبارات ما بقرب الموت أوضحت دون شك معقول أنه عندما يموت الناس، لا يزالوا قادرين علي الوعي.”

  ثم واصل كلامه:” في الدينونة الأخيرة، سيقوم جسدنا وستتحد نفسنا معه. وعند هذه النقطة، أعتقد أنه سيكون هناك مكان في الكون سيُفصل فيه الناس عن المكان الأصلي الذي سيظهر فيه نشاط الله وشعبه. لذلك عند هذه النقطة يكونمن المعني أن نتكلم عن الجحيم كمكان ــ لكنه لمن يكون غرفة تعذيب أو ما شابه.”

نار، ودود، وصرير أسنان

  آن آوان مجاز” غرفة التعذيب” مرة أخري. فقلتُ: ” لا عجب أن هذه رؤية شائعة عن الجحيم. فعندما كنتُ في حوالي العاشرة من عمري، أُخذتُ إلي مدارس الأحد، حيث أضاء المعلم شمعة وقال: هل تعلم كم من المؤلم أن تحرق إصبعك؟ حسناً، تحيل جسدك كله في النار علي الدوام إلي الأبد هذا هو معني الجحيم.”

  أومأ مورلاند كما لو كان قد سمع مثل هذه القصة من قبل.

  فأضفت:” الآن يرتعب بعض الأضفال. قد سخطتُ لأن هذا الشخص كان يحاول التحكم فيّ. أعتقدُأن الكثير من الناس قد مروا بهذا النوع من الاختبار. وعليك بالاعتراف أنه عندما يأتي آوان الحديث عن الجحيم، فإن الكتاب المقدس يميل بالتأكيد للإشارة إلي النار.”

  فأجابني مورلاند:” هذا صحيح، النار صورة مجازية.”

  فرفعتُ يدي معارضاً:” حسناً، مهلاً، لقد اعتقدتُ أنك دارساً محافظا. هل تحاول أن تُخفف فكرة الجحيم لتجعلها أكثر قبولاً؟

  فأجابني:” قطعاً، فأنا اريدُ ان أكون دقيقاً كتابياً. نحن نعرف أن الإشارة للنار صورة مجازية لأنك إن حاولت فهمها حرفيا، لن يكون لها معني.فمثلاً، الجحيم موصوف علي أساس أنه مكان الظلمة المُطلقة ومع ذلك هناك نار أيضاً. كيف يمكن هذا؟ فالنار ستنير المكان.

  وبالاضافة  إلي ذلك، نحن نعرفُ أن المسيح سيعود ثانية مُحاطا بالنار، وأنه سيكون هناك سيف كبيرً خارجا من فمه. لكن لا أحد يعتقد أن المسيح لن يكون قادراً لقول أي شئ لأنه سيكون مختنقاً بسيف. إن الصورة المجازية للسيف تشير إلي كلمة الله في الدينونة. والنار تشير إلي المسيح الآتي في الدينونة. في عبرانيين 12:19 يُدعي الله ناراً آكلة. ومع ذل لا أحد يعتقد أن الله مصباح بنزين. إن استخدام الصور المجازية للنار طريقة لقول إنه إله دينونة.”

  فتسألتُ:” ماذا عن الجحيم كمكان يأكل فيه الدود أجسا البشر باستمرار.”

  فقال مورلاند:” في أيام يسوع كان آلاف الحيونات تُقدم كل أسبوع في الهيكل، وكان هناك نظام صرف للدم والشحم للتدّفق خارجا والتجمع في بركة. وكان هناك دود يتغذي علي ذلك. وكان مكان قبيح للغاية. عندما كان يسوع يُعّلم، أستخدم هذه الاستعارة لقول إن الجحيم أسوأ من ذلك المكان المقزز خارج المدينة.”

  فقلتُ:”هناك أيضاُ العبارة” صرير الأسنان” لوصف من هم في الجحيم، ألا يشير ذلكلرد فعل الناس لألم العذاب؟”

   فقال مورلاند:” بأكثر دقة، هذا معناه وصف حالة من الغضب أو إدارك خسارة فادحة. إنه تعبير عن ثورة إثر إدراك أن المرء قد أرتكب خطأ جسيماً. فلو كنت قد عشت مع من هم منهمكينفي شئونهم، ومتمركزين حول ذواتهم وانانيين، فهم يغضبون عندما لا يصلون إلي طريقهم. أؤمن أن صرير الأسنان تعبير من نوع شخصية الناس الذين سيسكنون الجحيم.”

  قلتُ محاولاً إدخال قليلاُ من التساهل:” لا نيران، لا دود، لا صرير أسنان من العذاب ــ ربما لا يكون الحيم سيئاً كما اعتقدنا.”

  فأجاب مورلاند بسرعة وبقوة:” من الخطأ أن نفكر هكذا. فأية صورة مجازية تتضمن إشارة تتضمن إشارة حرفية. المجازي هو النار الحارقة، والحرفي هو أن هذا هو مكان الحسرة المطلقة. إنه خسارة كل شئ، ومعناه الإشارة إلي حقيقة أن الجحيم هو أسوأ موقف يمكن أن يحدث لإنسان.”

  فقلتُ :” لقد ذكرت أن الناس في الجحيم هم منهمكين في شئونهم وأنانيين، وقد رفضوا الله طوال حياتهم. فهل من الممكن بالنسبة لنوعية هؤلاء أن تكون السماء جحيماً؟”

  فقال:” دعني أوضح الأمر هكذا: هل سبق الحياة مع إنسان كان وسيماً بشكل لا يُصدّق، وجذاباً جداً، وأكثر ذكاءً منك؟ وعندما تكون في موقف اجتماعي، يريد الناس أن يستمتعوا إليه، لاإليك. افترض أنك لا تهتم بذلك الشخص، لكنك تبقي معه في غرفة لمدة 24 ساعة يوميا لمدة 30 عاما. فسوف يكون هذا اختبار صعب تماماً.

  والآن ضاعف هذه الخواص 10000 مرة، وهذا قدر ضئيل مما عليه الله. فالله ذكيّ حقاً حقاً. وهو جذاب جداً . وهو أكثر نقاءً أخلاقياً منا. وإن لم يقع الناس عاطفيا في محبته، فإن إجبارهم أن يعيشوا حوله إلي الأبد ــ عاملين نفس الأشياء التي يريد الناس الذين يحبونه أن يعملوها ــ سيكون غير مريح بالمرة.

    ” عليك أن تفهم أن شخصية الناس لا تتكون بالقرارات علي الفور، بل بآلاف الاختيارات الصغيرة التي يقومون بهاكل يوم دون حتي أن يعرفوا عنها شيئا. فكل يوم نُهيئ أنفسنا حتي نكون إما مع الله شعبه، ونُقّيم الأشياء التي يُقيمها هو، أو نختار ألا نشترك في هذه الأمور. لذلك، نعم، الجحيم  أساساً مكان للناس الذين لا يريدون الذهاب إلي السماء.”

  ” هل تقصد أن الناس يختارون الجحيم عن وعي؟”

  ” لا، فأنا لا أقصد أنهميرفضون السماء عن وعي ويختارون الذهاب إلي الجحيم بدلاً من ذلك. لكنهم يختارون عدم الاهتمام بالقيم التي ستكون حاضرة في السماء كل يوم.”

  فقلتُ:” لذلك في الواقع، بالطريقة التي نحيا بها حياتنا، إما نُهيئ أنفسنا لنكون في محضر الله والتمتع به إلي الأبد، أو نُهيئ لوجود نحاول فيه أن نجعل أنفسنا مركز الكون، ولا نهتم أن نكون مع الله أو مع من يحبونه.”

  فأوما مورلاند قائلاً:” هذا صحيحّ تماماً. فالجحيم ليس مجرد حكم. إنه حكم، لكنه أيضا نهاية طريق مختار ــ الي حد ما ــ في هذه الحياة ههنا والآن، يوماً فيوم.”

  ومع ذلك، هناك ملامح للجحيم تبدو وكأنها تخترق معني العدالة بالنسبة لنا. علي الأقل شعرتُ بذلك في الماضي فقد إستفدتُ من وقفة في حوارنا لأمد يدي إلي حقيبتي وأستخرجُ قائمة كتبتها في الطائرة.

  قلتُ لمورلاند:” ماذا لو طلبتُ ردك عن كل من هذه الموضوعات. إن هدفي ليس أن أتجادل معك، بل إنني أريدُ منك فقط أن تُذح منظورك، وفي النهاية سأزن ما إذا كنتُ أعتقد أنك تُقدم إجابات كافية، وما إذا كان التعليم عن الجحيم بالإجمال يواجه الفحص.”

  فأجاب:” هذا يبدو عادلاً” نظرتُ إلي القائمة، وقررتُ أن أبدأ بواحد من أكثر الاعتراضات المثيرة للعاطفة علي الإطلاق.

  الأعتراض الأول: كيف يمكن لله أن يرسل الأطفال إلي الجحيم؟

  الناس يتراجعون بفكرة أن الأطفال ينزلون إلي الجحيم . في الواقع، يحب بعض الملحدين أن يوبخوا المسيحين لأنهم يتذكرون كتابات مُبشرو القرن التاسع عشر الذين استخدموا لغة مرعبة لوصف اختبارات الأطفال المرعبة ف يالجحيم. علي سبيل المثال، كتب قس بريطاني لقبه

” رسول الأطفال” هذه الكلمات الرهيبة: طفل صغير في فرنه الأحمر الساخن.إسمع كيف يصرخ للخروج منه ! أنظر كيف يتلوي في النار! إنه يضرب رأسه في سقف الفرن. ويضع قدميه علي الأرضية. يمكنك أن تري علي وجه الطفل الصغير ما تراه علي وجوه كل من هم في الجحيم ــ اليأس البائس والمرعب.(6)

قلتُ لمورلاند:” إن فكرة الأطفال في الجحيم مُخيفة جداً. فكيف يمكن أن يكون هناك إله محب إن كان الأطفال محكوم عليهم بالجحيم؟”

  كنتُ مهتماً برؤية ما إذا كانت إجابة مورلاند ستتوافق مع تقرير الدارس نورمان جيسلر السابق تتناول حول هذا الموضوع.

  فحذر مورلاند بخصوص الاقتباس السابق قائلاً: ” تذكر أن اللغة الكتابية حول النار واللهيب لغة مجازية.”

  ” نعم، حسناً، ولكن هل سيكون هناك أطفال في الجحيم؟”

   أستند مورلاند ــ أب لابنتينــ إلي الأمام بينما كان يتكلم وبدأ قائلا:” عليك أن تفهم أنه في الحياة بعد الموت، فإن شخصياتنا تعكس موقفا بالغاً علي أي حال، وهكذا يمكننا أن نقول تأكيداً إنه لن يكون هناك أطفال في الجحيم.”

  ” وبالطبع لن يكون في الجحيم من أُتحيت له فرصة النمو حتي البلوغ، ويكون قد اختار إلي الجحيم ببساطة لأن كل ما كان يحتاجه وقت قصير باق ويكون قد مات قبل أوانه. مدّ مورلاند يده نحو مائدة وسحب كتابه المقدس الجلدي، وقال:” بالإضافة إلي ذلك، في الكتاب المقدس يُنظر إلي الأطفال بشكل عام كصور مجازية للخلاص. ففي كل النصوص التي يُستخدم فيها الأطفال بالإشارة  إلي الحياة الأخري، يُستخدمون كصور أنهم نالوا الخلاص وليست هناك أية حالة يستخدم فيها الأطفال كصور للدينونة.”

 قلب صفحات العهد القديم حتي استقر علي سفر صموئيل الثاني، فقال:” هاك مثال جيد: الطفل الذي أنجبه داود من بثشبع إثر علاقة أثيمة مات، ويقول داود في 2 صم 12 : 23 ” أَنَا ذَاهِبٌ إِلَيْهِ وَأَمَّا هُوَ فَلاَ يَرْجعُ إِلَيَّ». لقد كان داود يُعبرّ عن حقيقة أن طفله سيكون في السماء وأنه سنضم إليه يوماً. لذلك هذا دليل أخر أن الأطفال لن يكونوا في الجحيم.”

الأعتراض إلثاني : لماذا يعاني كل إنسان نفس الشئ في الجحيم؟

  بينما كنتُ أصيغُ سؤالي الثالي، نهضتُ من الأريكة وتمشيتُ حتي النافذة الأمامية، متوقفاً في جزء من شعاع الشمس الذي كان يتراقص علي السجادة. كانت قضية ماساشوستس التي تتضمن القاضي ماسرز تكمن في ذهني.

  قلتُ:” إن معني العدالة لدينا يتضلت أن يُحاسب الأشرار علي إيذائهم للآخرين. وبهذا المعني يجب أن يكون الجحيم  رادعا مناسبا للبعض. ومع ذلك، فإن معني العدل يُخترق لدينا أن يحمل أدولف هتلر نفس العقوبة الأبدية التي يحملها إنسان عاش حياة جميلة وفقاً لمقاييسنا الخاصة، لكنه لم يأخذ قرار إتباع الله .”

  كان مورلاند يصغي باهتمام، وقال” يبدو من الظلم أن يُعرّض كل إنسان لنفس العواقب. هل هذا ما تقصده؟”

 ” نعم، هذا صحيح . ألا يزعجك هذا؟”

إتجه مورلاند في كتابه المقدس إلي العهد الجديد، وقال: ” في الواقع ليس كل إنسان يختبر الجحيم بنفس الطريقة. فالكتاب المقدس يُعلم أن هناك درجات مختلفة من المعاناة والعقوبة.”

وصل إلي متي 11 ، ثم بحث بإصبع السبابة حتي استقر علي الآيات 20 – 24التي قرأها بصوت عال: 20حِينَئِذٍ ابْتَدَأَ يُوَبِّخُ الْمُدُنَ الَّتِي صُنِعَتْ فِيهَا أَكْثَرُ قُوَّاتِهِ لأَنَّهَا لَمْ تَتُبْ: 21«وَيْلٌ لَكِ يَا كُورَزِينُ! وَيْلٌ لَكِ يَا بَيْتَ صَيْدَا! لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي صُورَ وَصَيْدَاءَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكُمَا، لَتَابَتَا قَدِيمًا فِي الْمُسُوحِ وَالرَّمَادِ. 22وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ صُورَ وَصَيْدَاءَ تَكُونُ لَهُمَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكُمَا. 23وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةَ إِلَى السَّمَاءِ! سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ. لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى الْيَوْمِ. 24وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرْضَ سَدُومَ تَكُونُ لَهَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكِ»

أقلق مورلاند الكتاب المقدس، وقال:” يقول يسوع إن الناس سيحاسبون وفقاً لأعمالهم.”

فتساءلتُ:” أليس حساباً موحداً؟ هل ستُضبط العدالة وفقاً لكل فرد؟”

” تماماً، ستكون هناك درجات من الانفصال، والعزلة، والفراغ في الجحيم. أعتقد أن هذا أمر مهم لأنه يؤكد أن عدالة الله تناسبية. ليست هناك تماماً نفس العدالة لكل إنسان يرفض رحمة الله.

” تذكر، إن كان الله يسمح حقاً أن يُشكلّ الناس شخصياتهم بآلاف الاختيارات التي يقومون بها، فسوف يسمح بهم أيضا بمعاناة العواقب الطبيعية للشخصية التي اختاروا أن يتخذوها لأنفسهم. وألئك الذين في تشكيل أسوأ بشكل فردي سيختبرون درجة أعلي من العزلة والفراغ.”

الأعتراض الثالث: لماذا يُعاقب الناس بلا حدود علي جرائم محودة؟

كيف يمكن لأي خطأ ارتكبناه في هذه الحياة أن يستحق عقوبة أبدية؟ أليس من الظلم أن نقول إن حياة محدودة من الخطية تستلزم عقوبة غير محدودة؟ أين العدل؟

تساءلتُ بينما جلستُ علي حافة الأريكة:” كيف يمكن أن نفعل أي شئ في هذه الحياة يستلزم عذاباً أبدياً؟”

فأشار مورلاند قائلاً:” تذّكر أنه ليس عذابا. الصياغة خطيرة. إنه ليس عذاباً واعياً أبدياً، لكنه معاناة واعية أبدية ترجع إلي الحكم عليك بعيداً عن الله.”

فقلتُ:” حسناًن ولكن هذا لا يحل السؤال”

” حسناً، إنه لا يحل السؤال، ولكن دعني أحاول . أولاً: نحن نعرف جميعاً أن الدرجة التي يستحق الإنسان عندها العقوبة ليست متعلقة بالمدة الزمنية التي أخذها لارتكاب جريمة. فمثلاً: يمكن أن يأخذ قاتل عشر ثوان لارتكاب جريمته، وسرقة الموسوعة البريطانية من شخص آخر يمكنها أن تأخذ نصف يوم لو أخذت وقت طويلاًلاقتحام البيت. وفكرتي هي أن درجة العقوبة العادلة  للفرد ليست متعلقة بالمدي الزمني الذي أخذته لاتكاب الفعل، بل بالأحري متعلقة بمدي قسوة العمل نفسه.

وهذا يقود للنقطة الثانية. ماهو الشئ الأكثر بشاعة الذي يمكن أن يقوم به إنسان؟ معظم الناس ــ لأنهم لا يعرفون الكثر عن الله ــ سيقولون إنه إيذاء الحيوانات، أو تدمير البيئة، أو إصابة شخص اخر. ولا شك أن كل هذه الأفعال مرعبة. لكنهم يشحبون في ضوء الشئ الأسوأ الذي يمكن أن يرتكبه إنسان، الا وهو أن يسخر ويُحقر ويرفض محبة ذاك الذي ندين له بكل شئ، والذي هو خالقناــ الله بنفسه .

عليك أن تفهم أن الله أعظم بغير حدود في صلاحه، وقداسته، وعطفه، وعدله من أي إنسان آخر. أن تعتقد أن إنساناًيمكنه أن يحيا حياته كلها متجاهلاً إياه بأستمرار بالطريقة التي يختارها للحياة بدونه وهو يقول:” لم أهتمُ بالمرة بما وضعتني هنا من أجله. لم أهتُم بالمرة بقيمك أو بموت إبنك عني. سوف أتجاهل كل ذلك ـ فهذه هي الخطية القصوي. وتكون العقوبة الوحيدة التي تقتضي ذلك هي العقوبة القصوي التي هي الانفصال الأبدي عن الله.

كما أشار آلان جوميز إالي أن طبيعة العنصر الذي تُرتكب ذه الخطية، وطبيعة الخطية نفسها، لابدّ أن تؤخذ في الاعتبار عند تحديد درجة الشناعة.” (7)

جعلتني إجابة مورلاند أفكر في الحادثة التي سأل فيها ناموسيّ يسوع  عن الوصية الأعظم في الناموس، فقال له يسوع :” أحب الرب إلهك.”(8)

في الولايات المتحدة تُعاقب أخطر جريمةـ القتل ـ بأقصي عقوبتها ألا وهي الانفصال عن المجتمع في السجن مدي الحياة. ومن هنا بدأ أنه من المنطقي بالتأكيد أن نقول إن انتهاك ناموس الله المُطلق بتحد سيأتي بالعقوبة المطلقة، ألا وهي الانفصال عن الله وعن شعبه إلي الأبد.

الاعتراض الرابع: ألم يقدر الله أن يدفع كل إنسان للذهاب إلي السماء؟

قلتُ لمورلاند :” دعني أعود للوراء لنقطة ذكرتها أنت في البداية. لقد قلت إن الله يحزن من ضرورة الجحيم.”

” نعم هذا صحيح.”

” لذلك لماذا لا يدفع ببساطة كل إنسان للذهاب للسماء؟ فهذا سيبدو أنه حلاً بيسطاً.”

فأجاب مورلاند :” لأنه بهذا يكون لا أخلاقياً”

فقلتُ في اندهاش:” لا أخلاقياً؟ لا أخلاقياً أكثر من الجحيم ؟”

” نعم، لا أخلاقياً. تتبعني في ذلك : هناك فرقّ بينا القيمة الجوهرية والقيمة المساعدة. فالشئ تكون فيه قيمة جوهرية لو كان قيماً وصالحاً في ذاته ومن ذاته، وتكون فيه قيمة مساعدة لو كان قيماً كوسيلة لغاية معينة . مثلا : إنقاذ الأرواح صالحاً جوهرياً. والقيادة علي الجانب الأيمن من الشارع قيمة مساعدة. فهي صالحة فحسب أنها تحافظ علي النظام. لو قرر المجتمع أن كل إانسان يجب أن يقود علي الجانب الأيسر، فسوف يكون الأمر حسناً. فالهدف هو الحفاظ علي النظام وإنقاذ الأرواح.

“والآن، عندما تعامل الناس وكأنهم قيمين بصورة مساعدة، أو كأنهم مجرد وسيلة لغاية معينة، فأنت بذلك تجردهم من إنسانيتهم، وهذا خطأ. فأنت تعامل الناس كأشياء عندما تعاملهم فحسب كوسائل لغاية تعاملهم كما لو كانت لديك قيمة جوهرية.”

فتساءلتُ:” وما علاقة هذا بدفع الناس للذهاب إلي السماء؟”

” إن دفعتّ الناس لعمل شئ ضد حرية إرادتهم، فانت بذلك تُجردهم من إنسانيتهم. وتقول إن الخير الناشئ عما تريده أكثر قيمة من أحترام اختياراتهم، فأنت بذلك تعامل الناس كوسائل لغاية معينة بمطالبتهم عمل شئ لا يريدونه. وهذا ما سيكون لو أن الله قد دفع كل إنسان إلي السماء.

” لي Lee   ، بما أن الله قد منح البشر حرية الإرادة، فبيس هناك ضمان أن كل إنسان سيختار أن يتعاون معه. فأختيار دفع كل إنسان إلي السماء ليس أخلاقيا لأنه يُجرده من إنسانيته، ويسحب منهم كرامة فعل قراراهم الشخصي، ويحرمه من حرية الاختيار، ويعامله كوسائل لغاية معينة .

” الله لا يمكنه أن يُشكلّ شخصية الناس نيابة عنهم. والناس الذين يفعلون الشر أو يتبنون المعتقدات الخاطئة يبدأون بعيداً عن الله، ثم ينتهي بهم الأمر أخيراًفي الجحيم. الله يحترم الحرية الإنسانية. في الواقع سيكون من عدمالمحبة ــ ونوعاً من الإجبار الإلهي ــ أن تدفع الناس لقبول السماء وقبول الله وهم لم يريدوا ذلك حقا. عندما يسمح الله للناس أن يقولوا له ” لا ” فهو حقا يحترمهم ويُقدّرهم.

الأعتراض الخامس : لماذا لا يطرد الله الناس فحسب؟

ملمح أخر من ملامح الجحيم مزعج بشكل خاص للناس وهو إن مدته أبدية. فماذا لو كان الجحيم لا يستمر إلي الأبد؟ وماذا لو أن الله قد أباد الناس ــ أي ضردهم خارج الوجود ــ بدلاً من إجبارهم للانفصال نه إلي الأبد؟

قلت لمور لاند:” بالطبع سيكون هذا إنساني أكثر من أبدية من الحسرة والندم.”

فأجابني:” صدق أو لا تصدق، الانفصال الدائم عن الله أسمي أخلاقياً من الإبادة. فماذ يُبررّ الله أخلاقيا لإبادة إنسان؟ عندما تُقصي النسا عن اختبار الانفصال المُدرك عن الله إلي الأبد، حسنا، فانت تعامل الناس ههنا كوسائل لغاية معينة.

” الأمر يُشبه إجبار الناس للذهاب إلي السماء. فما تقوله هو الشئ الذي يهم حقاً هو أن الناس لا يعودوا يعانون عن وعي، لذل سأبيد هذا الإنسان خارج الوجود لتحقيق هذه الغاية، هل تفهم؟ هذا معاملة الشخص كوسيلة لغاية معينة. “

” ما يفعله الجحيم هو أن يميز أن الناس لهم قيمة جوهرية. وبما أن الله يحب القيمة الجوهرية، فعليه أيضا أن يكون راعياً للأشاص، لأن هذه معناه أنه راعيا للقيمة الجوهرية . إنه يرفض إبادة خليقة خُلقت علي صورته. ولهذا في الدينونة الأخيرة يكون الجحيم هو الاختيار المشروع الأخلاقي الوحيد.

” الله لايحب ذلك، لكنه يعزلهم. وهذا يُمجد حرية إرادتهم. وهو لا يتعدي ذلك. في الواقع ، فإن الله يعتبر الناس ذوي قيمة جوهرية حتي ارسل ابنه يسوع المسيح كي يعاني ويموت في مقابل أن ــ لو اختاروا ـ يقضوا الأبدية معه في السماء.”

بعض الاهوتيين يؤكدون أن الإبادة هي ما يعلمه الكتاب المقدس. فهم يقولون إن الكتاب المقدس يُعلم أنه بينما عقوبة الجحيم أبدية، فإن العقاب ليس أبدياً.

المؤمنون بتعليم الإبادة يميلون لاقتباس مزمور 37 الذي يقول إن الأشرار” يُقطعون”،

” كالدخان فنوا”، ” أما الأشرار فيبادون جميعا”. ويسيرون إلي مزمور 145: 20 حيث يقول داود”20يَحْفَظُ الرَّبُّ كُلَّ مُحِبِّيهِ، وَيُهْلِكُ جَمِيعَ الأَشْرَارِ.”. وإشعياء 1: 288وَهَلاَكُ الْمُذْنِبِينَ وَالْخُطَاةِ يَكُونُ سَوَاءً، وَتَارِكُو الرَّبِّ يَفْنَوْنَ”ويؤكدون أيضاً أن الاستعارات التي استخدمها يسوع دليل علي نظرية الإبادة ” الأشرار يُربطونا ليُحرقوا”(6)

سألتُ مورلاند :” أليس معني ذلك أن نظرية اإبادة متناغمة مع الكتاب المقدس، ومن ثم فهي طريقة معقولة لتوفيق عدل الله مع تعليم الجحيم؟”

فأنتصب مورلاند قائلاً بإصرار :” لا، ليس هذا هوالتعليم الكتابي. فعندما تحاول أن تفهم ما يُعلمه مؤلف، تبدأ بالفقرات الواضحة التي قصدها المؤلف للتحدث عن الموضوع، ثم تنتقل إلي الفقارت الغير واضحة التي ربما تكون غير مقصود منها التعليم بشأن الموضوع.

” عني أشرح ذلك: هناك فقرات في الكتاب المقدس تقول إن يسوع المسيح مات من أجل كل إنسان، وهناك أيضا غلاطية 2: 20 التي يقول فيها الرسول بولس إن المسيح ” الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي “فهل عليّ أن أفترض الآن من هذه الفقرة أن المسيح مات فقط عن بولس؟ لا، ولم لا؟ لأن هناك فقرات واضحة تُعلم أن المسيح مات عن الجميع، ولذلك عندما نصل لعبارة بولس، نقول إنه من الواضح أن بولس لم يقصد أن يسوع قد مات عنه فحسب، لأننا نفسر الغير واضح في ضوء الواضح.

“والآن، ماذا عن هذه الفقرات المتعلقة بالجحيم؟ العهد القديم يتضمن فقارت واضحة عن الجحيم كونه ابدياً، فدانيال 12: 2 يقول” َوكَثِيرُونَ مِنَ الرَّاقِدِينَ فِي تُرَابِ الأَرْضِ يَسْتَيْقِظُونَ، هؤُلاَءِ إِلَى الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، وَهؤُلاَءِ إِلَى الْعَارِ لِلازْدِرَاءِ الأَبَدِيِّ ” والكلمة العبرية المُطابقة لكلمة أبدي everlasting  مُستخدمة في كلا الحالتين. فلو قلنا إن الناس سفنون في الجحيم، فيجب أن نقول أيضاً إنهم سيفنون في السماء. فلا يمكنك أن تتمتع بمزايا شئ ما دون التعرض لعدم مزاياه { مافيش حلاوة من غير نار!} وهذه الفقة المقصود منهابوضوح أنها تُعلّم عن هذا الموضوع.

” في العهد الجديد، في متي 25، يُقّدم يسوع تعليماً واضحاً حيث يقصد طرح قضية الحالة الأبدية للسماء والجحيم، ويستخدم نفس كلمة أبدي everlasting للإشارة لكلا الأمرين.

” ننتقل إذاً من هذه الفقرات الواضحة إلي التعليم الغامض عن ” القطع “. كل هذا الكلام عن الدمار والقطع في العهد القديم المقصود منه عادة الناس المقطوعين من إسرائيل ومن الأرض. فمعظم هذه الفقرات لها علاقة ضعيفة ــ أو ليست لها علاقة ــ بموضوع الحياة الأبدية، ولكن لها علاقة بالقطع في هذه الحياة عن الوعود التي أعطاها إبراهيم للشعب في الأرض .”

فأشرتُ قائلاً بأن أصحاب نظرية الإبادة يقتبسون أيضاً اللغة الكتابية عنالنار كدليل أن الناس يُدمرون أكثر مما يُعذبون إلي الأبد في الجحيم. وقد صاغ ذلك القس البريطاني اللامع جون ستوت قائلاً:” إن النار نفسها يُصطلح عليها كونها” أبدية”، ولا ” تطفأ”، ولكن سيكون الأمر شاذاً جداً إن كان ما يُلقي فيها لن يكون مُعرّضا للدمار. إن توقعنا سيكونالعكس، فسوف يُستهلك إلي الأبد، لا سيُعذب إلي الأبد.” (11)

ومع ذلك، كان مورلاند عنيداً، فقال: ” إن لغة النار مجازية ففي سفر الرؤيا يُقال لنا إن الجحيم والموت سيُطرحان في بحيرة النار. والآن فإن الجحيم ليس شيئاً يمكنه أن يحترق. إنه مملكة. وهذا يُشبه القول بأن السماء يمكنها أن تُحرق. فالسماء ليست بهذا النوع من الأشياء الذي يحترق. وكيف تحرق الموت؟ الموت ليش بشئ يمكنك أن تحرقه.

لذلك من الواضح أن بحيرة النار معناها الإشارة  غلي الدينونة . فعندما يُقال إن نهاية مقررة للجحيم، فإن كلمة ” جحيم” يكون معناها الإشارة إلي الحالة المؤقتة لمن هم بين مرحلة موتهم وبين القيامة العامة. وعند هذه النقطة، ستقدم لهم اجسادهم من جديد، وسيوضعون بعيداً عن الله . والموت ستًوضع له نهاية لأنه لن يكون هناك موتّ فيما بعد. ولذلك فإن لغة بحيرة النار معناها بوضوح لغة مجازية للدينونة، وليس احتراق حرفيّ.”

الأعتراض السادس: كيف يمكن أن يوجد الجحيم جنباً إلي جنب مع إلسماء؟

تسألتُ:” لو كان المقصود من السماء أن تكون مكاناً للا دموع، فكيف يمكن أن يكون هناك جحيم ابدي موجود في نفس الوقت؟” ألا ينوح من هم في السماء علي الذين يعانون إلي الأبد في الجحيم؟”

فقال مورلاند:” أولاً: أعتقد أن الناس في السماء سيُدركون أن الجحيم طريقة لتكريم الناس باعتبارهم كائنات قيمة جوهريا مخلوقة علي صورة الله.”

ثانيا: كثيراً جداً ما تنبع قدرة الإنسان علي التمتع بشئ من النمو والحصول علي المزيد من الرؤية الناضجة، فعندماكانت طلفتيّ صغيرتان، لم تكن إحداهما قادرة علي التمتع بهدية ما لو كانت الأخري قد حضلت علي هدية أفضل قليلا من هديتها من وجهة نظرها. وعندما كبرتا، كانتالواحدة قادرة علي التمتع بهديتها بغضّ النظر عن هدية الأخري. في الواقع، لو كانتالواحدة تنزعج بخصوص ما كانت تحصل عليه الأخري، فهي تسمح بذلك للأخري أن تسيطر عليها.

قال سي إس لويس إن الجحيم ليس له حق الفيتو ضد السماء. وكان يقصد بذلك أن الناس في السماء لن يُحرموا من امتيازالتمتع بحياتهم بسبب وعيهم بالجحيم. فلو لم يقدروا، سيكون للجحيم حق الفيتو ضد السماء.

” عليك أن تتذكر أن النفس كبيرة بشكل يكفيها أن يكون لديها شعور منسجمُ من الفرح، والخير، والحب، والسعادة، وفي نفس الوقت يكون لديها شعور بالحزن والأسي من أجل الأخرين. ليست هذه حالات غير متناغمة في حياة الإنسان، فهي علامة لشخصية الفرد ونضوجه حتي إنها قارة أن تستوعب تكل الحالتين في نفس الوقت.

 الأعتراض إلسابع: لماذا لم يخلق الله فقط الذين كان يعرف أنهم سيتبعونه؟

تساءلتُ:” بما أن الله يعرف المستقبل، فلماذا خلق إذاً أولئك الذين كان يعرف أنهم سيحيدون عنه وستنتهي حياتهم في الجحيم؟ ألم يكن قادراً أن يخلق فقط أولئك الذين كان يعرف أنهم سيتبعونه ولا يخلق ببساطة الذين كان يعرف أنهم سيرفضونه؟ فهذا الاختيار سيبدو أنه إنساني أكثر من الجحيم.”

فقال مورلاند:” هذا يعتمد علي هدف الله. فلو كان الله قد اختار ان يخلق أربعة، أو ستة، أو سبعة أشخاص، فربما استطاع أن يخلق فقط أولئك الذين سيذهبون إلي السماء. لكن المشكلة هي أنه حالما يبدأ الله في خلق أناساً أكثر، يصبح من الأكثر صعوبة أن يخلق من سيختارونه ولا يخلق من سيرفضونه.”

“لماذا؟”

“لأن أحد الأسباب التي يضعنا الله هنا من أجلها هو أن يعطينا فرصة للتأثير علي الآخرين.”

فكر مورلان للحظات قبل أن يصل أخيراً إلي تشبيه. فتساءل:” هل تذكر أفلام العودة إلي المستقبل؟ هل تذكر كيف عادوا في الزمن، وغيروا بياناً واحدا بسيطاً، ثم عندما عادوا إلي المستقبل كانت المدينة قد تغيرت بأكملها؟ أعتقد أن هناك قدرّ من الحق في ذلك.

” إن الحقيقة البسيطة هي أننا نتأثر بملاحظة الآخرين. افترض مثلاً أنه عندما كنتُ صبياً صغيراً أعطي الله والديّ اختيار الانتقال إلي إلينوي لأنهما عارضا البقاء في ميسوري. لنقل إنه جاراً مسيحيا كان مرائياً، وقد لاحظتُ هذا الرجل، واخترتُ بسبب أسلوب حياته أن أرفض الإنجيل بقية أيام حياتي. والآن افترض أن رفاق العمل كانو ينظرون إليّ كيف كنتُ بغيضاً، وأن خمسة منهم قد صاروا تابعين للمسيح بسبب مثالي الردئ لما تبدو عليه حياة إنسان غير مسيحي. حسنا، لو ذهبنا إلي إلينوي، لغاب عنا واحد ــ وهو أنا ــ لكن يكون خمسة افراد قد نالوا الفداء.

” من الناحية الأخري، اعترض أن الله لا يختار تقديم عرض وظيفة جديدة لأبي، ومن ثم نبقي في ميسوري. فربما أقابل مدرب رياضي مسيحي يغمرني بحياته وينتهي بي الحال أن أتبع الله بسبب ذلك. لكن بسبب أن حياتي المسيحية ليست ما يجب أن تكون عليه حقاً، يُقنع خمسة أفراد بغير المسيح.

” ل تفهم رؤيتي؟ إنه سيناريو عودة إلي المستقبل. فعندما يُختار الله أن يخلق شخصاً، يكون له تأثير علي اختيارات الآخرين،وربما يكون له تأثير علي قراراتهم بالإيمان بالمسيح أولا.

” هناك جزء أخر من ذل يتعلق بكيفية خلق النفس. هناك رؤية أن النفس تأتي إلي الوجود لحظة الحمل، وبشكل ما تُمرّر من خلال الوالدين. أي إن الإمكانات التي للنفس محتواه في البويضة والحيوان المنوي للأب والأم، وهذا يُسمي Traducianism (الايمان بأن النفس قد وُهبت من قبل الوالدين مع الجسد)

وهذا معناه ان والديّ قد خلقا نفسي بفعل التوالد. ومن ثم لا يمكن أن يكون لي والدان مختلفان. وهذا معناه إذا أن الطريقة الوحيدة التي استطاع الله أن يخلقني بها هي إن كان نسبي السلفي بأكمله قد سبقني، لأن جدودا مختلفين معناه آباءّ مختلفين، ومن ثم أدوات مختلفة للنفس.

“وهاك تضمين ال Traducianism لسؤالنا: علي الله أن يزن تماما سلاسل سلفية مختلفة في مجموعها. ولا يمكنه أن يزن أفراداً فحسب. ولذلك فربما يكون أن الله يسمح باتحاد بعض السلاسل معا، حتي أن بعض الأفراد الذين يرفضون المسيح فيها ـ ولنقل افتراضاً جد جد جديد ـ يسمحون للمولودين فيما بعد أن يؤمنوا بالمسيح. وهذا معناه أن الله يوازن السلاسل البديلة وليس فقط البشر البديلة.

” عندما يقوم الله بهذه الدينونات، يكون قصده لا أن يحفظ الكثير من الناس خارج الجحيم بقدر الإمكان، بل أن يأتي بالكثيرين إلي السماء بقدر الإمكان.

” والأسوأ لأنه ربما يسمح بمزيد من الناس الذين سيختارون الذهاب إلي الجحيم أن يُخلقوا لجذب عدداً أكبر من الناس يختاروا الذهاب إلي السماء.

الأعتراض الثامن: لماذا لا يعطي الله الناس فرصة ثانية؟

يقول الكتاب المقدس بصراحة:” وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ،” (12) ولكن لو كان الله محباً في الحقيقة، فلماذا لا يعطي الناس فرصة ثانية بعد الموت لصنع قرار إتباعه والذهاب إلي السماء؟

تسأءلتُ:” لو كان الناس قد تذوقوا الجحيم ألا يعطيهم ذلك اتجاهاً قويا لتغيير افكارهم؟

فقال مورلاند :” هذا السؤال يفترض أن الله لم يفعل كل ما كان يستطيعه قبل أن يموت الناس، وأنا أرفض ذلك. فالله يفعل كل ما يستطيعه ليعطي الناس فرصة، ولن يكون هناك إنسان واحد سيكون قادراً أن يقول لله :” لو لم تسمح لي أن أموت قبل ميعادي، لو كنت قد منحتني عاماً أخر، لكنتُ قد قمتُ بهذا القرار.”

” الكتاب المقدس يقول لنا إن الله يُبطئ مجئ المسيح إلي الأرض كي يمنح كل إنسان الفترة الكافية بقدر المستطاع حتي يأتي إليه(13) فلو كان كل ما يحتاجه الإنسان وقتاً إضافياً قصيراً للمجئ إلي المسيح، فسوف يمد الله وقته علي هذه الأرض ليمنحه تلك الفرصة . ومن هنا لن يكون هناك أي إنسان كان بحاجة لوقت إضافي قصير أو مات قبل آوانه استجاب لفرصة أخري لقبول المسيح.

” الله عادل. فهو لا يحاول أن يجعل هذا صعباً علي الناس. أؤمن أنه من الممكن بالتأكيد أن أولئك الذين يستجيبون للنور من الطبيعة أنهم قد قبلوه إما ان تكون بشارة الإنجيل قد أرسلت لهم، أو أن الله سيدينهم بناء علي معرفته بما كان من الممكن أن يفعلوه لو كانت قد أتيحت لهم فرصة لسماع الإنجيل. الحقيقة البسيطة هي أن الله يُكافئ أولئك الذين يريدونه.”(14)

ومع ذلك كان هذا يعالج جزءاً من السؤال، فقلتُ:” مهلاً، ألن يكون الموت والوعي بحضور او بغياب الله بعد أن تموت شيئاً دافعاً جداً بالنسبة للناس؟”

“بلي ، ولكن بأسلوب سلبي. أولاً: عليك أن تدرك أنه كلما عاش الناس منفصلين عن الله لفترة أطول، كلما قل احتمال قدرتهم علي اختبار حرية إرادتهم وثقتهم به. ولذلك فإن معظم الناس الذين يأتون إلي المسيح يفعلون ذلك حينما يكونون صغاراً. فكلما تعيش بعادة سيئة لفترة أطول، كلما كان التحول عن هذه العادة صعباً. وهذا ليس مستحيلاً ــ لكنه أكثر صعوبة. لذلك ما الذي سيجعل الناس يفكرون مثلاً ان فترة حضانة عشر سنوات من الانفصال عن الله ستجذب انتباههم؟

” بالإضافة إلي ذلك، فإن هذا سيجعل الحياة قبل الموت لا علاقة بها بالموضوع اصلاً. ومن هنا يكون السؤال: لماذا لم يخلق الله الناس منذ البدء بفترة الحضانة؟ لماذا خلقهم علي الأرض لمدة 75 عاماً، وسمح أن يموتوا ثم يضعهم في فترة الحضانة لو كانتفترة الحضانة هي التي يحتاجونها فعلاً في المقام الأول؟ هاك الحق يل لي Lee    هذه الحياة هي فترة الحضانة!

“الشئ التالي الذي لابدّ أن تضعه في ذهنك هو : لو أن الناس رأوا عرش دينونة الله بعد الموت، فسوف يكون الأمر إكراهياً تماماً ألا تكون لهم قوة حرية الإرادة فيما بعد. فأي قرار فعلوه لن يكون حرية إرادة أصلية حقيقة، بل يكون مُكرها تماماً.

” ويكون الأمر مثل أن أُمسك غادوفاً فوق أبنتي وأقول :” ستتأسفين إلي أختك لارتداء فستانها دون استئذان”. فأي اعتذار لن يكون اعتذاراً حقيقياً، بل سيكون مجرد تجنب.والناس الذي يختارون في فرصة ثانية لن يختاروا حقا الله ـ ملكوته ، أو طرقه، ولا سيكونوا مُهينين للحياة معه في ملكوته. لكنهم سيقدمون “اختياراً” حذراً فقط لتجنب دينونته.

” سأقترحُ شيئاً أخر. الله يحتفظ بتوازن مرهف بين الحفاظ علي وجوده بشكل واضح بما فيه الكفاية حتي يعرف الناس أنه هناك، وفي نفس الوقت إخفاء وجوده بما فيه الكفاية حتي أن من يريدون أن يختارواتجاهله يمكنهم ذلك. وهكذا فإن اختيارهم المصيري سيكون اختياراً حراً تماماً. “

الأعتراض التاسع: أليس تناسخ الأرواح أكثر عقلانية من الجحيم؟

الهندوس يرفضون فكرة الجحيم. وبدلاً من ذلك يؤمنون بتناسخ الأرواح، حيث يرجع الناس إلي هذا العالم في هيئة أخري بعد موتهم. وتُمنح لهم فرصةُ أخري للقيام ب الكارما السيئة the bad karma  التي أنتجوها في حياتهم السابقة وينتقلون إلي الاستنارة.

تساءلتُ ” ألا يعد تناسخ الأرواح أسلوباً عقلانياً بالنسبة لإله محب أن يمنح الناس بداية جديدة حتي يمكنهم أن يتوبوا خلال المدة القادمة ولن يكون مضطرا لإرسالهم إلي الجحيم؟ أليس هذا مفضلاًََ علي الجحيم؟”

فأجابني :” تذكر، نحن لا نقرر ماهو حقيقي بناءاً علي ما نحبه أو ما لانحبه. فعلينا أن نفكر في البرهان. لستُ أعرف أي طريق أخر لتقرير ما إذا كان شئ صحيح إلا من خلال النظر إلي البرهان.

فقلتُ:” نعم، ولكن اليس هناك برهان لتناسخ الأرواح ــ وخاصة الأشخاص الذين لديهم ذكريات لحياة مبكرة أو حتي التحدث بلغات لا يعرفونها؟”

فقال ” أعتقد أن برهان تناسخ الأرواح ضعيف لعدة أسباب. فمثلاًهو برهان غير متماسك. دعني أشرح لك السبب. رقم 2 هو رقم زوجي أساساً. فلو قلت لي إنك تتأمل في الرقم 2، لكنه رقم شاذ، لقلت لك:” يمكنك أن تُفكر في رقم 3 أو 5، ولا تفكر في 2، لأنني سأقول لك شيئا واحداً أساسياً بالنسبة لذلك ــ إن رقم 2 رقما زوجياً.

“والآن ليس أساسياً بالنسبة لي ان طولي كذا. ليس أساسياً بالنسبة لي أنني أزن 165 رطلاً. لكن الأساس بالنسبة لي أنني إنسان.

“لو كان لك أن تقول:” مورلاند في الغرفة الأخري، وقد فقد خمسة جنيهات، فمعظم الناس سيقولون:” حسناً له .” فماذا لو قلت:” مورلاند في الغرفة الأخري، وتخيل! إنه مكعب من الثلج”، فمعظم الناس سيقولون:” لايمكن أن يكون هذا هو مور لاند، لأنه إن كان هناك شئ واحد أعرفه عنه، فهو أنه إنسان، وليس مكعب ثلج.”

“حسناً، تناسخ الأرواح يقول إنه يمكنني أن أعود إلي الحياة في صورة كلب، أو اميبا، فأنا لستُ أدري لماذا لم أستطع ان أعود كمكعب ثلج. ولو كان هذا حقيقي، فما الاختلاف بين أن يكون مورلاند وأن تكون أي شئ أخر؟ لا شئ أساسي بالنسبة لي، وكما أن الازدواج شئّ أساسي بالنسبة للرقم 2، فالإنسانية شئ أساسي بالنسبة لي. وتناسخ الأرواح يقول إن ما هو أساسي بالنسبة لي ليس أساسيا حقاًعلي أي حال.”

فتعجبتُ:”إذاً هو غير متماسك.”

فقال :” تماماً، والسبب الأخر هو أنني لا أؤمن بتناسخ الأرواح بسبب كل هذه البراهين التي اقترحتها أنتــ أشياء منقبل الذكريات المُفترضة للحياة السابقة ــ يمكنها أن تُفسر بصورة أفضل بوسائل أخري.

“يمكن أن تكون هناك تفسيرات نفسية ــ فالناس يبدو أنهم يتذكرون تفاصيل معينة، لكنها تخمينات محفوظة أو غامضة، أو يمكن أن تكون هناك تفسيرات شيطانية لبعض أوجه هذا النشاط حقا، عندما تفحص البحث بحرص، ستجد أنه يفشل في تدعيم تناسخ الأرواح.(15)

“وأخيراً لستُ أؤمن بتناسخ الأرواح لن هناك خبير في هذا السؤال، وهو يسوع الناصري. وهو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي مات وقام من الأموات وتكلم بسلطان حول هذه القضية. يقول المسيح إن تناسخ الأرواح زائف، وإن هناك موتاً واحداً وبعد ذلك الدينونة. وقد قام رسله ــالذين علمهم بوضوح ــ بتكرار تعاليمه حول ذلك.”

بدلاً من ذلك، علّم يسوع عن واقعية الجحيم. ففي الواقع، ناقش هذا الموضوع اكثر من أي إنسان أخر في الكتاب المقدس. فأشرتُ قائلاً:” من السخرية أن ملحدّين كثيرين يقبلون يسوع كمعلم عظيم، ومع ذلك فهو الواحد الذي كان لديه الأكثر ليقوله عن الجحيم.”

فقال مورلاند:” نعم، وتذكر هذا : البرهان هو أن يسوع وتابعيه كانوا فاضلين. فلو أردت أن تعرف كيف تري الفقراء، فاسأل إنساناً كالأم تريزا. ولاتسأل هيو هيفنر، لأن إنساناً كالأم تريزا لديها من الصفات مايفوق هيفنر. وإن أردتّ أن تعرف ما إذا كان الجحيم عادلاً بشكل أساسي، فأسأل يسوع. وهاك الدليل : إنه لم ير ياية مشكلة مع التعليم .

” أعتقد أننا في وضع محفوف بالمخاطر عندما نقارن مشاعرنا وإدراكاتنا الأخرقية بمشاعر وإدراكات يسوع. فبهذا نقول إن لدينابصيرة أعظم منه للنفاذ غلي ما هو عادل وماهو غير عادل. وأعتقد أن ذلك ليس ما يجب أن نعلنه.

الحق عن الجحيم

استندتُ للخلف علي الأريكة وفكرتُ للحظات. لقد أجاب مورلاند ببراعة علي أقسي الاعتراضات المتعلقة بموضوع الجحيم. وكأن عليّ إلاعتراف أنني عندما  جمعت كل إجاباته معا، بدأ أنها تقدم عرضاً معقولاً حول هذا التعليم .

ومع ذلك، فهذا لم يزيل عدم ارتياحي. وقد كنتُ في صحبة جيدة.  قال سي إس لويس ذات مرة إن عقيدة الجحيم ” أحد الأسباب الرئيسية التي تُهاجم بها المسيحية كديانة بربرية، ويُطعن بسببها في صلاح الله.”(16)

بالنسبة لمورلاند، تحدث كفيلسوف وكلاهوتي، لكني كنتُ فضوليا بخصوص رد فعله الشخصي تجاه الموضوع فسألته:” ماذا عنك يا مورلاند؟ لقد نسجت حججا مقنعة في صالح التعليم  ــ ولكن كُن أميناً ــ ألا تأتيك أوقات تشعر فيها بعدم الأرتياح الشديد لوجود الجحيم؟”

فخلع مورلاند نظارته ذات الإطار الفضي، وفرك عينيه قبل الكلام. وقال:” إطلاقا. لا جدال. ولكن، من جديد، أن أشعر بعدم الارتياح حول شئ ليس معناه أن تكون لي دينونة عقلانية معتبرة وتكون خاطئة. أؤمن أن الجحيم يمكن تبريره أخلاقياً، لكني لا أشعرُ بالارتياح تجاهه لأنه أمر محزن.”

توقف وواصل:” لتتذكر أن الله لا يشعر بالارتياح تجاهه أيضاً. فالله لا يحبه. لذلك ماهي الاستجابة المناسبة للشعور بعدم الارتياح؟ لا أن أحاول خلق رؤية من الحياة الأخري تمنعني من الشعور بعدم الارتياح. فهذه طريقة مرعبة للاقتراب ‘لي الحق. لكن الشئ المناسب عمله هو الاعتراف بان الجحيم حقيقي، والسماح لمشاعر عدم ارتياحنا أن تُحفزنا علي العمل.

“بالنسبة لمن لا يعرفون المسيح، يجب أن يحفزهم لمضاعفة جهودهم لطلبه والعثور عليه. وبالنسبة لنا نحن الذين نعرفه، يجب أن تجعلنا نضاعف جهودنا لنشر رسالة رحمته ونعمته لمن يحتاجونها.

ونحن بحاجة للحفاظ علي المنظور الصحيح من خلال هذا كله . تذكر ان الجحيم سيكون إلي الأبد أثراً للكرامة الإنسانية، وقيمة الاختيار الإنساني، إنه عزلة حين يقول الله شيئين مهمين:”أنا أحترم حرية الاختيار لدرجة إنني لن أجبر البشر، وأقيم حاملي صورتي لدرجة أنني لن أبيدهم.”

” هلي مكنك أن تري كيف أن عقيدة الجحيم يمكن أن تكون حجر عثرة بالنسبة للباحثين الروحيين؟”

“نعم، وأود أن أقول شيئاً حول ذلك. كلما تحاول أن تبدأ صداقة مع أي إنسان، لن تفهم كل شئ عنه، وليس بالضرورة تتوافق او تشعر بارتياح بخصوص كلُ رؤاه. ولكن عليك أن تتساءل سؤالاً جوهيريا:” هل تثق بذلك الإنسان لدرجة أن تريد الدخول في صداقة معه؟

” نفس الأمر ينطبق مع يسوع. فكل موضوع فردي بن يجد طريقه للحل قبل أن ندخل في علاقة معه. لكن السؤال الجوهري هو هل يمكنك الوثوق به؟

“سأشجع أي باحث روحي علي قراءة إنجيل يوحنا ثم يتساءل: ” هل أومن بيسوع؟” أعتقد أن الإجابة هي نعم. وأنا أؤمن أنه بينما ننمي علاقتنا معه بمرور الوقت، سنصل إلي الثقة به في تلك الأوقات التي نفتقد فيها الفهم الكامل.”

ما الذي سيفعله الله؟

جعلتُ كلمات مورلاند تتأصل للحظات قبل الوقوف وتقديم الشكر له علي وقته ومعرفته،قلتُ :” لقد كان موضوعاً صعبا أقدر استعدادك للتحدث عنه.”

فاؤما مبتسماً وقال :” عفواً، أتمني أن يكون مفيداً.”

قادني للخارج. حيث تصافحنا الأيدي،وقفزتُ في السيارة للعودة إلي المطار. ازدحام المرور لم يزعجني، فقد كان أمامي المتسع من الوقت قبل انطلاق رحلتي. في الحقيقة أثرتُ القيادة المتمهلة لأنها أتاحت لي فرصة للتأمل في اللقاء.

هل كان الجحيم الاختيار الوحيد المتاح لله؟هو هو عادل وأخلاقي؟ هل التعليم متناغما منطقيا؟بوضوح، أتقد يسوع ذلك . وأنا أمنتُ أن تحليل مورلاند كان كافيا بشكل شامل للتغلب علي موضوع الجحيم كعقبة.

لم يكن هذا معناه أنني كنتُ مرتاحاً تماما ً بكل قارق دقيق من النقاط التي قدمها. لكن كان معناه أن تفسيراته ــ عندما تتجمع معا ــ طانت أقوي بشكل كاف لا يدعوني السماح لهذا الموضوع أن ينحرف برحلتي الروحية.

بينما كنتُ مُحاصراً وسط ازدحام مرور لوس انجلوس الذي لا مفر منه، مددتُ يدي لحقبيتي، وفتشتُ عن مواد البحث التي جمعنعا لإعداد حديثي مع مورلاند. واخيراً، تمكنتُ من سحب شريط لقاء سابق عن الجحيم كنتُ قد أجريته مع اللاهوتي الامع كارسون Carson D.A   وضعتُ الشريط في جهازالتسديل وقدمته لسماع بعض الملحوظات التي بدا أنها خاتمة مناسبة للظهيرة.

الجحيم ليس مكاناً يُودع فيه الناس لانهم كانوا رجالاً صالحين، بل أنهم ببساطة لم يؤمنوا بالشئ الصحيح. إنهم يُودوا هناك أولاً وأخيراً لأنهم يتحدون خالقهم، ويريدون أن يكونوا في مركزالكون. الجحيم ليس مليئاً بالناس الذين تابوا فعلاً، والله ليس وديعا بشكل كاف أو صالح بشكل كاف كي يدعوهم خارجاً، إنه ملئ بالناس الذين مازالوا يريدون علي الدوام أن يكونوا مركز الكون ويصممون في تمردهم الذي يتحدي الله.

ماذا سيفعل الله؟ لوقال إن هذا الأمر لا يهمه، فلا يعد الله إلهاً يُعجب به. فإما أن يكون لا أخلاقي أو أنه مرواغ بشكل إيجابي. فبالنسبة له، ان يتصرف بأي أسلوب أخر في وجه مثل هذا التحدي السافر هو التقليل من شأن الله نفسه.(17)

مشاورات

اسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  • ماذا كان مفهومك عن الجحيم قبل قراءة هذا الفصل؟ كيف دعم او صدّ تحليل مورلاند هذه المعتقداتظ
  • قال مارك توين “Heaven for the climate, hell for the companionship> في ضوء وصف مورلاند فيكف تستجيب لمن يُقدم هذه الملحوظة؟
  • هل كانت عقيدة الجحيم عقبة بالنسبة لك كباحث روحي أو كمؤمن بالمسيحية؟ بأية أسليب محددة تعامل مورلاند بالهموم التي جعلتك تتراجع في رحلتك الروحية؟

لمزيد من الأدلة

مصادر أخري حول هذا الموضوع

*Gray R. Habermas and J. P.Moreland .Beyond Death: Exploring the Evidence for immortality. Wheaton, 111: Crossway, 1998.

* Micheal J. MURRAY. “HEAVEN AND Hell” in reason for the hope within. Ed. By micleal.j.murray, 287-317. Grand rapids, mich : Eerdmans , 1999.

* William v. crockett, editor. Four views on hell. Grand rapids, mich : zondervan. 1996
إله محب لن يعذب الناس أبدًا في الجحيم – لي ستروبل

نزول المسيح إلى الجحيم ، مقتطف من عظة قديمة حول يوم السبت العظيم

نزول المسيح إلى الجحيم ، مقتطف من عظة قديمة حول يوم السبت العظيم

إقرأ ايضا: الجحيم في التعليم المسيحي الكتابي

أدرج مقتطف من عظة قديمة حول يوم السبت العظيم في صلاة منتصف الليل أو الفجر. 

ماذا حدث؟ يخيم اليوم على الأرض صمت عظيم ووحدة. صمت عظيم لأن الملك ينام: لقد دُهشت الأرض وصمتت لأن الله الذي تجسد له نام وأيقظ أولئك الذين ناموا منذ قرون. مات الله في الجسد ونزل ليهز مملكة الجحيم.

يذهب حتماً للبحث عن الأب الأول، كالغنمة الضائعة. يريد أن ينزل لزيارة أولئك الذين يجلسون في الظلام وفي ظلال الموت. ذهب الله وابنه ليخلصا من المعاناة آدم وحواء المسجونَين.

دخل الرب إليهم حاملا أسلحة الصليب المنتصرة. وصاح آدم ما أن رآه وهو يهز صدره متعجبا: «الرب معكم». ورد المسيح على آدم قائلا: “ومع روحك”. وأخذ بيده وهزها قائلا: “استيقظ، أنت من ينام، وقم من الموت والمسيح ينيرك.

 أنا إلهك، ولأجلك أصبحت ابنك؛ لأجلك ولأجل هؤلاء، الذين انبعثوا منك، وأطلب من أولئك الذين كانوا في السجن ان يخرجوا ومن أولئك الذين كانوا في الظلام أن يستنيروا! ومن أولئك الذين لقوا مصرعهم أن يقوموا! وآمرك يا أيها النائم ان تستيقظ! فأنا لم أخلقك لكي تبقى أسير الجحيم. قُم من بين الأموات. أنا حياة الأموات. قُم، يا من خلقتُ! قُم، يا تمثالي، المصنوع على مثالي! قُم، فلنخرج من هنا! أنت فيّ وأنا فيك ونحن في الواقع طبيعة واحدة لا تتجزأ.

ولأجلك أصبحت أنا، إلهك، ابنك. ولأجلك أنا، الرب،.تماهيت مع طبيعتك وأصبحت خادم لأجلك جئت على الأرض وتحت الأرض ، أنا الجالس فوق السماوات. لأجلك أيها الانسان تشاطرت الضعف البشري، إلا أنني أصبحتُ بعدها حرا بين الأموات. من أجلك، أنت الذي خرج من بستان جنة عدن، خانني أحدهم في بستان الزيتون وسلمني لليهود، وعُلقت على الصليب. أنظر كم بصقة طالت وجهي من أجلك، لأتمكن من اعادتك الى نفس الحياة الأول. أنظر كم صفعة على خدي، تحملتها لأعيد جمالك المفقود على صورتي.

أنظر الى ظهري وكم من جلدة تحملت لكي أحرر كتفيك من أثقال خطاياك. أنظر الى يداي المسمرتين على الخشب من أجلك، أنت الذي أخطأت ومددت يدك إلى الشجرة. متُ على الصليب وخرق الرمح ضلوعي، من أجلك، أنت الذي غفيت في الجنة وأخرجت حواء من ضلعك. لقد شفى ضلعي ألم ضلعك. وسيحررك نومي من نوم الجحيم. أوقف رمحي الرمح الذي كان مسلطاً عليك.

قٌم، فلنبتعد من هنا. لقد أخرجك العدو من أرض الجنة. أنا لن أعيدك الى تلك الحديقة، بل سأجلسك على العرش السماوي. لقد وضعت ملائكة كخدم لحراستك وسأجعلها الآن تعبدك كما تعبد الله تقريباً، حتى ولو لم تكن إلهاً.

العرش السماوي جاهز والحمالون جاهزون ينتظرون الأوامر والصالة جاهزة والمائدة ممدودة والمنزل الأبدي مزين والأبواب مشرعة أي وبكلماتٍ أخرى ملكوت السماوات معد لك منذ قرون الأبدية.

sources: أليتيا

العدد الأول : ونزل إلى الجحيم من قبل الصليب

يقول البعض أن معجزة نزول السيد المسيح إلي الجحيم ليخلص أرواح الأبرار ويضع حداً للموت لم تورد في الكتاب المقدس، ونحن نذكر لهم علي سبيل المثال لا الحصر: 

 +الذي فيه أيضا ذهب فكرز للأرواح التي في السجن” ( 1بط 19:3 ) 
 +وأما أنه «صعد»، فما هو إلا إنه نزل أيضا أولا إلى أقسام الأرض السفلى“. ( أفسس 9:4 )” من يد الهاوية أفديهم. من الموت أخلصهم” ( هوشع 14:13 )

ولم يخلو الكتاب المقدس من نبوءات عن هذا الموضوع:

+ “لتفتح عيون العمي لتخرج من الحبس الماسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة“. ( اشعياء 7:42 )
+ ”الحق الحق أقول لكم: إنه تأتي ساعة وهي الآن، حين يسمع الأموات صوت ابن الله، والسامعون يحيون“. ( يوحنا 25:5 ) 

 وهذا ما تحقق بعد قيامة السيد المسيح له كل المجد عندما “قام كثير من أجساد القديسين الراقدين” (متي 27)

+ وفي القداس الإلهي نقول: “ونزل إلي الجحيم من قِبل الصليب“.

+ ويقول القديس كيرلس الأورشليمي : “قد صُدم الموت برعدة، إذ رأى زائرًا جديدًا ينزل الجحيم دون أن يرتبط بسلاسله. ما لكم يا حراس الجحيم ارتعبتم عند رؤيته؟! الموت هرب وبهروبه انكشف جبنه. لقد جرى إليه الأنبياء القديسون وموسى مستلم الشريعة، وإبراهيم، وإسحق، ويعقوب، وأيضًا داود وصموئيل وإشعياء ويوحنا المعمدان، لقد أفتدى كل الصالحين الذين ابتلعهم الموت. إنه يليق بالملك أن يخلص مرسليه النبلاء.”

+ ويقول يوحنا الذهبيّ الفمّ : “اليوم جال المخلص في كل أرجاء الجحيم، اليوم خلع الأبواب النحاسية وحطم أقفاله الحديديّة (أش2:45). كم من الدقة في الوصف! لم يقل “قد فتح الأبواب”، بل خلعها، ليؤكّد أنه جعل أبوابها عديمة الاستعمال ثانية، ولم يقلْ “سحب الأقفال” بل حطّمها، ليؤكّد أن حراسة المكان باتت غير ممكنة. فهل من الممكن اعتقال أحدهم في سجن دون أبواب، أو خلف أبواب بغير أقفال؟ وإذا كان المسيح هو مَن خرّبها، فمَن يستطيع أن يصلحها؟ فالمقصود هنا أنه وضع حدّاً للموت. فالأبواب النحاسيّة صورة عن صلابة الموت وقساوته. وأما الآن وقد أشرق النور في الجحيم، غدت الجحيم سماءً“.

فيا ليتنا نقول مع المرتل : أعظمك يا رب لأنك احتضنتني … وأصعدتَ من الجحيم نفسي، وخلصتني من الهابطين في الجب. (مز29)

الاعتقاد السليم عن السماء والجحيم حسب المفهوم الكتابي الأصيل

 الاعتقاد السليم عن السماء والجحيم حسب المفهوم الكتابي الأصيل

الاعتقاد السليم عن السماء والجحيم حسب المفهوم الكتابي الأصيل

الاعتقاد السليم عن السماء والجحيم حسب المفهوم الكتابي الأصيل

  • سلام لكم يا أجمل إخوة أحباء، قد سبق وتم كتابة هذا الموضوع من فترة طويلة للغاية، ولكني أحببت أن أضعه مرة أخرى لكثرة الأسئلة فيه وعدم وصول كثيرين لمكانه، لأنه غالباً وضعته هنا رداً على سؤال:

أولاً لنا أن نعرف أنه حينما نسمع عن السماء أو الفردوس أو الجحيم في الكتاب المقدس أو في تعاليم الآباء والكنيسة عموماً، ينبغي أن لا يأتي في أذهاننا المعنى الحرفي والمادي للكلمات، لأن هذه الكلمات إنما هي صورة لتقريب المفاهيم لأذهاننا !!!
فإيماننا الصحيح ليس هو إيمان العامة من الناس الذين حينما يسمعون كلمات الوحي المقدس عن السماء من فوق والأرض من تحت والهاوية تحت الأرض، يظنون أن أرواح الناس تصعد للسماء كمكان مادي نتصوره بخيالنا الخاص ونعتبره فوق السماء التي نراها أو فوق النجوم والكواكب الأخرى، وأيضاً اعتقاد العامة عن أن الأرواح والنفوس التي أخطأت وبعيدة عن الله وجدفت عليه أو عاشوا في الشر والفساد، تنزل إلى حفرة مظلمة عميقة تحت الأرض يتعذبوا ويحرقوا بالنار وتلتف حولهم الحشرات والثعابين ويُحبسوا فيها، لأنه لا يوجد شيء أسمه جحيم خلقه الله في سفر التكوين، بل وكلمة القبر التي تُعبَّر عن الجحيم أحياناً ما هي إلا تعبير عن النفي بعيداً عن الله وهذا هو الهاوية، والهاوية هي الجحيم، أي هو معنى تصويري لتقريب الصورة أو المعنى لأذهاننا، لأن القبر كقبر يُدفن فيه الناس فعلياً في الأرض ليس هو هاوية ولا جحيم ولا مكان عذاب حرفي، إنما المعنى في الكتاب المقدس حينما يتحدث هكذا ما هو إلا معنى تعبيري أو تصوري عن حالة الإنسان الخاطئ أو الشرير !!! ومستحيل أن يُأخذ المعنى الحرفي للكلام !!!

  • وبالطبع ليس معنى كلامي أنه لا يوجد مكان ما بشكل ما سيكون مكان للأشرار، إنما أنا أقصد أنه لا نقدر أن نحدد الأمكنة أو نتصور شكلها في كمال حقيقتها !!!

وحينما نقول أن السماء من فوق في التعبير المسيحي الصحيح، أي نقصد مكان السمو والرفعة، مكان الراحة والعزاء والسلام، لأن السماء التي نقصدها ليست من فوق ولا في أي بعد من أبعاد الزمن أو الحياة المادية المنظورة، بل كلمة ( فوق ) تعني ما يعلو على إدراك الحواس الجسدانية الإنسانية.

عموماً كل تشبيهات الكتاب المقدس هي تشبيهات لكي تقرب الصورة للإنسان، لأن كل ما في الكتاب المقدس هو حقائق تعلو على كل حواس البشر وإدراكاتهم وإمكانياتهم العقلية من المستحيل أن تُكتب في كمال حقيقتها، بل يُكتب كتشبيهات وتصورات لتقريب الصورة للناس، والروح القدس يعلن في القلب برؤية داخلية الحقائق الإلهية ويقبلها الإنسان بسهولة وبساطة الإيمان ولا يقدر – بل من المستحيل – أن يُعبَّر عنها بشكل كلمات مادية في كمال حقيقتها المطلقة، بل يصورها بصور مادية لتقريب المعنى فقط ..
___________________

 

  • الجحيم: Hell – hades – ᾅδης

لا ترد هذه الكلمة في الترجمة العربية للكتاب المقدس (ترجمة فانديك) إلا مرة واحدة في العهد الجديد في قول الرب لبطرس على إعلانه الصريح بأنه هو “المسيح ابن الله الحي”، أنه سيبني على صخرة هذا الإيمان كنيسته، [ وأبواب الجحيم πύλαι ᾅδου لن تقوى عليها ] (متى 16: 15 – 18). وأبواب الجحيم هنا المقصود بها كل قوات الشر مجتمعة معاً بكل قوتها وجبروتها، وهي تصور الجحيم كمدينة حصينة قوية ذات أبواب ضخمة مرعبة، وهي تُظهر أمام ذهننا صورة القوى الشيطانية وحصنها المنيع، وهذه المملكة أو مدينة الجحيم تقاوم الكنيسة التي أسسها المسيح الرب بكل قواتها الشريرة لتُسقطها من رتبتها، ولكنه – الرب بنفسه – يحفظها في سرّ الإيمان الحي، ولأنه هو صخرتها الحقيقية المؤسسة عليه لذلك فمهما ما كانت قوات الجحيم لن تقوى عليها أو تستطيع ان تمسها طالما كل من فيها متمسك بإيمانها الحي، كما هو مكتوب: [ لأن كل من وُلِدَ من الله يغلب العالم، وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا ] (1يو 5: 4).

  • وكلمة “جحيم” هي ترجمة للكلمة اليونانية ᾅδης، وتُنطق [ هادز – hades ] ويتكرر ذكرها في العهد الجديد باليونانية حوالي 11 مرة. وتُترجم في سائر هذه المواضع بكلمة “الهاوية”. والكلمة عموماً تعني [ أرض غير مرئية – مملكة الظلام ] وكانت تُعتبر – كما سنرى في باقي الشرح – أن جميع أرواح الموتى، قبل إتمام الفداء، تنزل إليه دون الإشارة إلى خصائصهم الأخلاقية.

وقد جاءت الترجمة الكاثوليكية في جميع مواضعها بكلمة “الجحيم”، ويُقابلها في العبرية كلمة [ شيئول שְׁאוֹל] التي تُذكر حوالي 65 مرة في العهد القديم، وهي عادة تُربط بكلمات عبرية أخرى تدل على الموت والقبر والمكان المظلم الذي يسكنه الأموات ولا يُذكر فيه الله، وهو يعتبر مكان غامض مُظلم وخَربْ عبارة عن هوة عظيمة لا قرار لهُ، يُطرح فيه الموتى مقطوعين خارج فاعليات التاريخ في عزلة تامة عن الله مطروحين منه ومفصولين عنه، وتُترجم هذه الكلمة (شاؤول) ومشتقاتها في العربية إلى “الهاوية”. وعادة لا تُشير الكلمة فقط للموت الجسدي والإنطراح في الموت في معزل عن الله، بل تُشير ايضاً لانتهاء العلاقة الحياتية للإنسان مع يهوه الرب الذي هو حياة النفس.

ونجد أن الكلمة تتخذ معاني مختلفة كثيره وتمتد، من مجرد مكان انتظار خلاص يهوه للأبرار الذين يدخلون الجحيم منتظرين الخلاص متوقعينه، ليمتد المعنى ليشمل أنه يضم الأشرار والصالحين، والبعض شرح المكان على أساس الاعتقاد أنه مكان لعقاب الأشرار، أما في مثل الغني ولعازر [ فرفع عينيه في الهاوية وهو في العذاب ورأى إبراهيم من بعيد ولعازر في حضنه ] (لو16: 23)، وفي الليتورجية القبطية وفي قداس القديس باسيليوس الكبير: [ نزل (المسيح الرب) إلى الجحيم من قِبَل الصليب ]، أي بواسطة الصليب بموته عليه، ليُخرج الرب منه كل الذين رقدوا على رجاء مجيء المسيا المُخلِّص، منذ آدم إلى يوم الصليب. وكان الجحيم في العهد القديم هو مكان انتظار نفوس الموتى، أما الآن فهو مكان انتظار نفوس الأشرار فقط، كما أن فردوس النعيم هو مكان انتظار نفوس الأبرار.

  • جهنم – جحيم – geenna– γέεννα– הנם – Hinnom

يقول الأب صفرونيوس من آباء القرن السادس:

[ ولأنه لا يوجد نص واضح في الأسفار المقدسة يُصرح بأن الله خلق الجحيم، استطعنا أن نُدرك من تعليم الكنيسة الجامعة أن الرب نزل إلى الجحيم عندما صُلب لكي يبدد ما جَّمعه الإنسان لنفسه، ولكي يرد هؤلاء الذين كانوا أسرى لعنة الموت إلى الحياة ويُدخلهم إلى الفردوس .

وحتى عندما نسمع عن الفردوس، فإن الفردوس ليس مكاناً خلقه الله؛ لأنه لا يوجد في النظام الكوني في الأيام الستة الأولى، مكان اسمه الفردوس، ولا يجب أن يختلط هذا بما دونه سفر الخليقة الأولى عن ” جنة عدن “؛ لأنها مكان خلق آدم الأول، أمَّا الفردوس فقد سمعنا به لأول مرة من فم الرب يسوع عندما بشَّر اللص اليمين، وقال له: ” اليوم تكون معي في الفردوس ” مؤكداً أن لعنة الموت سوف تباد بقوته، وانه سوف يحمل معه اللص، أي نفسه الإنسانية إلى راحة وعزاء وسلام في الكون؛ لأنه سيرد له الحياة، وسوف يكون في انتظاره عندما يموت؛ لأن الرب يسوع مات قبل اللص، ولأنه ( أي اللص اليمين ) مثل الملائكة والقوات السمائية سوف يجد نفسه مع ابن الله في تسبيح وتمجيد مع القوات السماوية، وهو ما يُسمى ( عند العامة ) ” السماء “، أي السماء من فوق. وهي ليست من فوق ولا في أي بُعد من أبعاد الحياة المادية المنظورة، بل ” فوق ” تعني ما يعلو على إدراك الحواس الجسدانية؛ لأننا عندما نسمع الرب يقول: ” المولود من فوق … ” ( يو 3: 3 )، فهو لا يقصد مكاناً يعلو على الأرض، بل كما ذكر نفس الإنجيل ” من الله “.

ومع أننا نحتاج إلى أن نُذكَّر عامة الناس بهذه الحقائق، إلا أنه يجب أن نترك السُّذج حسب تصوراتهم حتى لا يفقدوا سلامهم المبني على تصورات عقلية ليس لها وجود في التعليم المستقيم. ولذلك يجب نقل هؤلاء تدريجياً من تصوُّر الأبعاد المنظورة إلى تصوُّر بلا أبعاد، وهذا يُمكن بواسطة التعليم الذي ينقل فكر الإنسان إلى ما هو فوق، أي ما يعلو على الحواس. 

أكرر ما سبق وذكرته، إننا لا نؤمن بأن الله خلق مكاناً لتعذيب البشر؛ لأنه لا يوجد نص واحد في كل الأسفار يدعونا إلى هذا الاعتقاد الذي لا يتفق مع صلاح الله، ولا مع ما يتصوَّره العامة من الناس عن عدل الله الذي خلق مكاناً لراحة المؤمنين، وسجناً لعذاب الأشرار؛ لأن هذا تصوُّر مادي مبني على ما تعرفه المدن والحضارة التي لا تضع في اعتبارها أن القصر والسجن لا يعبَّران بالمرة عن عدل الله، وأن القاضي والقانون والسجان لا ينطبق على السماء، إنما هو تصوُّر أرضي لا يخدم بشارة الإنجيل .

وحتى عندما نسمع في سفر الرؤيا عن بحيرة النار والكبريت ( رؤ 19: 20 )، وغيرها من صور مادية، فلأننا نعرف أن الشيطان ذو طبيعة روحانية مظلمة لا تؤثر فيها النار المادية، أي تلك التي تشتعل في الأشياء وتحرق ما هو منظور، فلذلك السبب – أي للقوات الشريرة طبيعة غير مادية – فرض علينا الإيمان بطبيعة الشيطان أن نقول إنها استعارة وتشبية يُقرَّب لنا حقيقة حالة القوات الشريرة والأشرار عندما يبتعدون عن الله.

وعندما تذكر الأناجيل ” جهنم “، فإنها تؤكد لنا أن ذلك هو تصوُّر قلب الإنسان الفاسد بشهوات وغرور الخطية؛ لأنه بسبب التعدي، وبسبب الابتعاد عن الشركة، أظلَّم فيه الإدراك الروحي وصار يتصور الله كما يتصور القساة والعتاة من البشر، ولكن الله غير ذلك؛ لأن الإنسان الذي يُفسد حياته يضع نفسه بعيداً عن صلاح الله ولا يرى إلاَّ الظلمة والشرّ الذي فيه، أمَّا نحن الذين استنارت قلوبنا بنور الإنجيل ، فإننا ” سنراه كما هو ” ( 1يو 3: 2 ) . وعندما نراه، سوف نرى مجده، ونتغير إلى ذات صورة الابن المجيدة.

من هذا نعرف أن رؤية الأبرار بنور المحبة، ليست مثل رؤية الأشرار بظلمة الخطية. أمَّا كيف يبقى الأشرار مثل ” النفاية ” بعيداً عن السماء الجديدة والأرض الجديدة، فهذا ما لا نعرفه (على وجه الدقة)؛ لأنه لم يحدث بعد، ولأنه محفوظ لنا في يسوع المسيح ربنا .

لكننا يجب أن نُدرك أنه يوجد يوم للدينونة، وأن الأبرار لهم ميراث الملكوت، والأشرار لهم ” الظلمة الخارجية ” كما قال الرب. ولكن يجب أن نفهم هذه الأمور على قدر ما تؤكده الأسفار المقدسة، وليس حسب إدراكنا البشري فقط .

أمَّا ما هو ضروري لنا في هذه الأيام، فهو أن نحفظ الإيمان ونسلك حسب القداسة حاملين صليب ربنا يسوع المسيح، وأن نسأل الروح القدس لكي ينير بصائرنا ونكشف ما في قلوبنا للآباء الذين لهم خبرة وعرفوا أسرار الإنجيل ]

عن رسالة الأب صفرونيوس إلى تلميذه ثيؤدوروس ( تادرس )

 

المئوية الثانية في التوبة – عن كتاب التوبة وعمل الروح القدس في القلب

 

الجزء الثاني ، مترجم عن المخطوطة القبطية ؛ صفحة 29 – 31 فقرة 27 إلى 29

_______________________________

  • المراجع:

1 – التفسير التطبيقي للكتاب المقدس

2 – معجم المصطلحات الكنسية – الجزء الأول (أ – ج) – الطبعة الأولى سبتمبر 2001

3 – معجم ألفاظ الكتاب المقدس – إعداد المستشار: نجيب وهبه

4 – معجم أسماء الأعلام في الكتاب المقدس – الطبعة الأولى ديسمبر 2006 – سعيد مرقص

5 – القاموس الموسوعي للعهد الجديد (يوناني عربي) – الطبعة الأولى 2007 – فيرلين د. فيربروج

6 – القاموس الموسوعي للعهد القديم (عبري عربي) – المجلد 1 – الطبعة الأولى 2009

7 – التوبة وعمل الروح القدس في القلب – المئوية الثانية في التوبة للأب صفرونيوس – مترجم عن المخطوطة القبطية

الجحيم في التعليم المسيحي – رؤية كتابية و أبائية

الجحيم في التعليم المسيحي – رؤية كتابية و أبائية

الجحيم في التعليم المسيحي – رؤية كتابية و أبائية

الجحيم في التعليم المسيحي – رؤية كتابية و أبائية



كثيراً ما سمعت من ملحدين و مؤمنين عن الجحيم بشكل يتنافي مع ما تعلمه المسيحيه عن الله المُحب و يتلخص تعليمهم في : ( أن الجحيم هو مكان عقاب الاشرار و ان الله سيعاقب هؤلاء الذين لم يستمعوا لوصاياه بإدخالهم في حفره كبيره ترتفع منها ألسنة اللهب الحارق الذي سيحترقون به كل لحظه إلي الابد بدون توقف ) .

و حتي ان هذا الشرح البعيد عن الله المُحب و المُخلِص للبشريه صار هو مصدر السخريه و الورقه الرابحه عند كل ملحد فيتفاخرون قائلين : ( من هذا الاله الذي يحرق شخصاً لانه لم يستطع أن يحبه ، أنا كإنسان لا استطيع ان احرق اصبع احد لانه لم يحبني او حتي لم يستمع إليَّ ، و ما الفائده من ان اعاقب علي افعال وقتيه زمنيه بعقاب ابدي لا ينتهي . حتي ان هذا الاله لا يدعني احترق و انتهي بل كلما احترق يصنع لي جلداً جديداً لكي لا استنفذ من التألم من العقاب . أي إله هذا و عن أي محبة تتحدثون ) . 



و في حقيقة الامر فإن الجانبان مُخطئان لانهم لم يعرفوا الله في حقيقته و المعني المقصود من الجحيم بحسب التعليم المسيحي والكتاب المقدس له منذ القرون الاولي ، حتي قبل ان يظهر الالحاد و اي نقد للجحيم في تلك الازمنه . 

أصل كلمة جهنم التي استخدمها الكتاب المقدس للتعبير عن مكان وجود الاشرار : 

تخبرنا قواميس الكتاب المقدس ان اصل كلمة جهنم هي ( وادي هنوم ) و جاء عنه في قاموس الكتاب المقدس : [هو اسم الوادي الذي يمر إلى الجنوب والغرب من مدينة القدس: وادي هنوم ( يش 15: 18 ونح 11: 30، أو وادي ابن هنوم ( يش 15: 8 و 18: 16 )، أو وادي بني هنوم ( 2 مل 23: 10 ) وكان لهذا الوادي أهمية كبيرة. فقد كان الحد الفاصل بين نصيبي كل من يهوذا وبنيامين. وعلى الحرف الجنوبي المشرف عليه بني سليمان مرتفعة لكموش إله موآب ( 1 مل 11: 7 ). 

وفي الوادي أجاز احاز ومنسى أولادهما بالنار ( 2 مل 16: 3 و 2 أخبار 28: 3 و 33: 6 ). وابطل يوشيا عباده مولك حيث كان الرجل يعبر ابنه أو ابنته في النار في الوادي حينما نجس الوادي والمرتفعات بعظام الأموات وبكسر التماثيل ( 2 مل 23: 10-14 و 2 أخبار 34: 4 و 5 ). ثم جعل الوادي مزبلة القدس ومكان الضباب بلوعتها. وهكذا استمر احتقار المكان حتى سمى اليهود مكان الهلاك على اسمه ومن هنا ولدت كلمة جهنم، أي وادي هنوم ( مت 5: 22 و 10: 28 و 23: 15 ). حيث البكاء وصرير الأسنان، وحيث النارالأبدية والعقاب الدائم للخطاة ( مت 25: 46 ومر 9: 43- 44 و 2 بط 2: 4 ).

ويسمى وادي هنوم اليوم وادي الربابة. ويسمى الجزء الشرقي منه توفة. وقد أطلق عليه ارميا اسم وادي القتل ( ار 7: 31 و 32 و 19: 6 و 2 مل 23: 10 ). ] (1) . و هكذا فأصل الكلمه يرجع إلي مكان كانت تقدم فيه الذبائح البشريه للإله مولك فيقدم اللاباء ابنائهم كضحيه ليرضي عنهم الإله ، فهي كما نري مكان يعبر عن ما يصل إليه حال الإنسان البعيد عن الله و من يبحث عن طرق اخري لإشباعه حتي انه يقدم ابنائه ليحترقوا ظاناً انه يقدم خدمه للإله . فيحرق الانسان نفسه بأعمال يديه و بإرادته الحره . 

هل نفهم من هذا ان جهنم هي ممر او مكان به نار ماديه يحترق بها الانسان كنتيجه لأفعاله كما في وادي هنوم هذا ؟ 

هذا غير صحيح ، لإن جهنم هي حاله و ليست مكان و ليست بها نار من الاساس ; نعم ، فجهنم ليست مكان مادي مخلوق به نار ماديه خلقها الله لتعذيب البشر بل جهنم هي حالة البعد و الاغتراب عن الله و هذا هو الاشد ألماً من أي عذابٍ مادي ، ربما هذا ما يشعر به البعيد عن الله الأن من حالة الحزن و اليأس و الوحده كلها حالات للغربه عن الله أكثر ايلاماً من أي عذاب أخر . 



و سندرس معاً كل مقطع من هذه الاجابه الموجزه لنعرف ان كانت تتطابق مع نصوص الكتاب و تعاليم اباء الكنيسه ام انها ابتداع نتيجة التأثر بالفكر الالحادي !

اولاً : الجحيم ليس مكاناً مادياً مخلوقاً : 

يقول الاب المطران ايرثيئوس : بعد ان تغادر النفس الجسد تنتظر مجئ المسيح و الدينونه الاتيه عند حدوث قيامة الاجساد . و مع ذلك هي تتمتع بعربون مُسبق بحسب اعمالها ، و تُقيم في الأماكن الخاصه التي يجب ان نفهمها علي انها طرق حياة خاصه ….ليست بالطبع هذه اماكن جغرافيه و لكنها اماكن نوسيه ( كلمة نوس تعني عند الاغريق العقل و المنطق و قد عمدها اباء الكنيسه لتعني عندهم عمق الانسان الداخلي او عمق العقل و القلب الذين تنبع منهما الافكار ) ….

فالقديس مرقس افيانيكوس يقول(2) : اننا عندما نقول ان الملائكه تسكن في السماء فإننا لا نعني مكاناً جسدياً ” لكن بالاحري مكان اسمي من العقل و الفهم ” حتي و لو كنا نسميه مكاناً . (3) 

و يقول القديس غريغوريوس النيسي : لا ينبغي ان نظن ان الجحيم هو مكان و لكنه حاله للنفس غير مرئيه و غير جسدانيه .(4) 



فكما نري أن الجحيم في تعاليم الاباء ليس هو ماكن مادي مخلوق . و نتسائل ما هو الجحيم إذاً إن لم يكن مكاناً ؟ 



الجحيم هو حالة يعيشها الانسان البعيد عن الله ، حالة ربما نشعر بها جزئياً الأن عندما نخطئ و نبتعد عن الله المُحب ، حالة لا يمكن وصفها لانها ما لم تري عين و لم تسمع به أُذن حالة ابديه فوق المكان ، ربما نشعر بها جزئياً في الحزن و اليأس و الخوف و الوحده المره . ان يكون الانسان مفرغاً من الله بعيداً عنه . هذه الحالة التي يضع فيها الانسان نفسه بإرادته الحره بعيداً عن الله رافضاً و مصراً علي رفضه لله . فيخرج نفسه من دائرة العشق الالهي في الملء و التلذذ بالله .



يقول عنها الاب المطران ايرثيئوس فلاخوس : من البديهي ان لا يتعلق الامر بأماكن محدده و لكن كما قلنا من قبل يتعلق الامر بطرق حياة خاصة . يوجد فرق بين الفردوس و الجحيم كطرق حياة خاصه .

لا وجود للفردوس و الملكوت في منظور الله , و لكن في منظور الانسان . فالله يرسل نعمته لكل الناس طالما انه يشرق شمسه علي الاشرار و الصالحين و يمطر علي الابرار و الظالمين . و لو ان الله اعطانا وصية ان نحب الجميع و حتي اعدائنا فإنه بلا شك يفعل نفس الشئ . فمن المستحيل الا يحب الله الخطاه ايضاً , إلا ان كل شخص يشعر بمحبة الله بطريقة مختلفة بحسب حالته الروحيه .

للنور خاصيتان الاناره و الحرق . و لو كان لدي شخص ما ابصاراً جيداً فإنه يستفيد من خاصية الانارة التي لنور الشمس و يستمتع بكل الخليقة . و لكن لو وجد شخص اخر محروماً من عينيه و ابصاره فإنه يشعر بالضوء علي انه حارق . هكذا هو الحال ايضاً في الحياة الاتيه و في حياة النفس بعد مغادرة الجسد . سوف يحب الله الخطاة ايضاً و لكنهم لن يكونوا قادرين علي استقبال هذا الحب كنور , و لكنهم سيستقبلونه كنار حيث انهم لن يكونوا مقتنين لعين و بصيرة روحيه . (5) 



و يقول القديس غريغوريوس النيزنزي : يجب استقبال هذه الأمور من منظور أن الحياة الاتيه ستكون نوراً بالنسبه لأصحاب الأذهان المُطهره ” و بالطبع بحسب درجة طهارتها ” ، و نسمي هذا ملكوت السموات . و هي ستكون ظلمة بالنسبة لإولئك الذين أظلم عضو التمييز لديهم التي هي في الواقع إغتراب عن الله . (6) 



و يقول د / مورلاند : في الكتاب المقدس ، الجحيم هو الإنفصال أو الإبتعاد عن اجمل كيان في العالم – الله نفسه . إنه الإفراز عن أي شئ مُهم ، من أية قيمة ، و ليس فقط الله ، بل أيضاً من الذين عرفوه و احبوه . (7)



و يقول القديس يوحنا الدمشقي موضحا ان العذاب ليس عقاب الهي، بل عدم امكانية الشركة في الله والتمتع والتلذذ به:ـ الله لا يعاقب أحد في المستقبل، لكن الجميع يجعلوا أنفسهم مستقبلين للشركة في الله. فالشركة في الله فرح، بينما عدم الشركة فيه هو الجحيم ! (8)



و يتحدث العلامة أوريجانوس مشبهاً الخطية بغليان الشئ حتي الفوران فكأن الخطيه هي غليان داخل النفس حتي وقت قيامة الاموات فتخرج ظلمة الخطيه لتغطي هذه النفس التي عاشت بحب حياتها بعيداً عن الله : 

عندما تجمع النفس في داخلها اعمالا شريرة كثيرة وخطايا عديدة يأتي وقت تغلي فيه هذه الشرور … عندما تجد النفس انها خرجت بارادتها من الترتيب والتدبير الكامل الانسجام مع ذاتها سوف تتحمل النفس الام العقوبة التي جلبتها علي ذاتها بخروجها الحر وسوف تشعر بعقوبة تغربها وتشتتها خارج هذا التديبر. “ (9)

و يكمل نفس التعليم القديس مقاريوس الكبير قائلاً : كما أن مملكة الظلمة والخطيئة تبقى خفيّة فى النفس إلى يوم القيامة، الذى فيه سوف تُغمر أجساد الخطاة أيضًا بالظلمة المختفية الآن فى النفس، هكذا مملكة النور، والصورة السماوية ـ يسوع المسيح ـ يضئ الآن سرًا داخل النفس، ويملك فى نفوس القديسين ولكنه مخفى عن عيون الناس، وعيون النفس فقط هى التى ترى المسيح حقًا حتى يأتى يوم القيامة، الذى فيه سيُغمر الجسد أيضًا بنور الرب ويتمجد به، ذلك النور المختفى الآن فى نفس الإنسان . (10)

ثانياً : نحن من نتغرب عن الله و ندخل في حالة الجحيم و ليس الله هو من يتركنا :

كما رأينا في تعاليم الاباء ان الله لم يخلق لنا مكان يسمي جهنم ليعذبنا فيه بل هو الم بُعدنا عن الله مصدر التعزيه و الفرح و الحياه ، و هذا ما أخترناه في الحياة بإرادتنا رافضين عمل الله .

يقول القديس باسيليوس الكبير : الله ليس مسببًا لعذابات الجحيم [الموت الأبدي] بل نحن أنفسنا، لأن أصل الخطية وجذرها كائن في حريتنا وإرادتنا. (11)



و يقول الاب دوروثيئوس : ليس للشر وجود في ذاته، لأنه ليس من ضمن المخلوقات، وليس له مادة. إنما النفس بانحرافها عن الفضيلة تصير شهوانية وتلد الخطية، فتتألم حيث لا تجد لها راحة طبيعية في ذاتها. هكذا تُنتج النفس الشر بذاتها، وتعود تتألم منه. يقول غريغوريوس اللاهوتي: “تتولد النار عن مادة، وهي تحرق المادة، هكذا يُفسد الشر الإنسان الشرير“.(12)



و يقول القديس غريغوريوس النيسي : النفس هي التي تحمل علامات تغربها . و هذه النفس هي التي بنفسها تدين ذاتها بشده من اجل اهمالها . و سوف تصرخ و تبكي و ترثي لحالها خارجاً للأبد .(13)



و القديس يوحنا ذهبي الفم : إن اختار احد ان يغمض أعين عقله و لم يرد ان يستقبل النور و اشعته ، ظلمة هذا الإنسان لا تأتي بسبب طبيعتة النور ، و لكنها تأتي بسبب شره الشخصي الذي ، بإرادته الحره ، يحرمه من هذه النعمه . (14)



و يقول د / مورلاند : إن الله هو الكيان الاكثر كرماً و حباً و روعة و جاذبية في الكون . لقد خلقنا بإرادة حره و خلقنا لهدف ، أن ننتمي إليه و للأخرين بحب . نحن لسنا اموراً عارضه ، و لسنا قروداً مُعدله ، و لسنا أخطاء عشوائيه ، و لو خبنا مراراً و تكراراً عن الحياه من اجل الهدف الذي خُلقنا لأجله – الهدف الذي سيسمح لنا ان ننمو اكثر من ان نحيا بأية طريقة اُخري – فإن الله لن يكون بوسعه علي الإطلاق إلا أن يمنحنا ما طلبناه طوال حياتنا ، و هو الإنفصال عنه .. و هذا هو الجحيم . (15)



و يقول العلامه اوريجانوس : فلننظر في ما قد تعني النار الابديه . إننا نجد ، بالواقع ، في اشعياء النبي إشاره إلي أن نار العقاب ملازمة كل إنسان : أدخلوا في لهيب ناركم و في الشرر الذي اضرمتم ( اش 50 : 11 ) . فهذه الكلمات تبدو و كأنها تبوح بأن كل إنسان إنما يوقد لنفسه شرر نار تلازمه ، بدل ان يُزج في نار أُخري أضرمها سواه من قبل ، و تتقدم في الوجود عليه . إن أود هذه النار ، و الماده التي تُغذيها ، هما خطايانا التي يُسميها بولس الرسول خشباً و تبناً و حشيشاً ( 1 كو 3 : 12 ) . (16)



و يؤكد علي ذلك القديس يوحنا الدمشقي : ليس لان الله صنع الجحيم، بل نحن من اوجدنا الجحيم لذواتنا، كما انه بالتأكيد ليس الله هو من صنع الموت، بل نحن من سببناه لانفسنا. (17)

و يقول في موضع آخر : لكنه إذ اخضع النفس للجسد و آثر الملذات الجسدية و تناسي كرامته الخاصة و ماثل البهائم و تشبه بها ( مز 34 : 13 ) , خالعا نير صانعه و محتقرا امر الهه فيصبح عرضة للموت و الفساد , فيلقي للعذاب و يعيش حياة شقية . لأنه لم يكن مفيدا له و لا لائقا به ان يحظي بالخلود بدون تجربة …. و عليه كان يجب ان يمتحن الانسان اولا لان رجلا بلا اختيار و لا تهذيب ليس جديرا بالاعتبار . و هو بالاختبار يكتمل في حفظ الوصية , و هكذا ينال الخلود جزاء فضيلته .

فإن الانسان – و هو وسط بين الله و المادة – إذا حفظ الوصية و جنح عن ميله الطبيعي الي الكائنات , يصبح متحدا بالله اتحادا اعتياديا , اذ يكون قد نال رسوخا في الخير لا يتزعزع . اما اذا سقط , فيميل بالاحري الي المادة , و يحيد عقله عن الله علته , و يؤول الي الفساد , و يصير عرضة للألم – بدل عدم الالم – و للموت – بدل الخلود (18)



و يقول القيس مقاريوس : حينما تخرج نفس الإنسان من الجسد فإن هناك سر عظيم يتحقق. فإن كان الشخص المنتقل تحت ذنب الخطية فإن جماعات من الشياطين والملائكة الساقطين وقوات الظلمة يأتون ويأسرونه ويأخذون تلك النفس إلى مكانهم. ولا ينبغى أن يتعجب أحد من هذه الحقيقة. لأنه إذا كان هذا الإنسان أثناء حياته فى هذا العالم خاضعًا لهم وعبدًا مطيعًا لهم، فكم بالحرى عندما يترك هذا العالم، فإنه يصير أسيرًا لهم فى مملكتهم. (19) 



و يتحدث القديس يوحنا ذهبي الفم مُعلقاً علي نص رسالة روميه قائلاً : لاحظ كيف يستخدم الكلمات بكل دقة، لأنه يقول: ” تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب “، مبينًا أن الدينونة ستحدث على أية حال، وأن السبب فيها، ليس هو الذي يدين ـ أى الله ـ بل الذي يُدان ـ أى الإنسان الخاطئ ـ إذ يقول: ” تذخر لنفسك”، أي أنت الذي تذخر لنفسك الغضب، وليس الله هو الذي يذخره لك. 

لأن الله فعل ما ينبغي فعله، وخلقك قادرًا أن تميز بين الأمور الحسنة والأمور السيئة، وأظهر لك طول أناه، وأنذرك باليوم المخيف، وكل هذا لكي يقودك إلى التوبة. فلو أنك تماديت في عنادك فإنك ” تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة “. ولكي لا تعتقد عند سماعك لكلمة “غضب” إنه يوجد لدى الله بُغضة، فإنه يضيف عبارة “دينونة الله العادلة”. (20

ثالثاً : الجحيم ليس عقاباً من الله : 

من البديهي ان العقوبة تكون عن امرٍ يمكن ان يتم إصلاحه و تغييره . فمثلاً الأب يعاقب إبنه من اجل ان يهذبه و يجعله افضل و يُعلمه ، لكن ما معني ان يكون العقاب ابدي ؟! هذا أمر غريب و ضد العقل و المنطق .. و كما رأينا فإن جهنم هي حالة يدخل فيها الانسان الذي بإرادته رفض الله و اصر علي حالة رفض الله فيخلي ذاته من مصدر الفرح و الحياه و التعزيه ليصير الي حالة الجحيم الكئيبه المظلمه . و هو بهذا ليس عقاب بل نتيجه لما رغبت فيه إرادة الانسان .

عن ذلك يقول الاب تادرس يعقوب : الله أب، يود أن يتبنَّى الإنسان الترابي. والوصية الصادرة منه دافعها الحب لا الاستعباد، إعلان الحرية لا الإذلال. هي وصية أبوية! أما العقوبة الصارمة التي أعلنها كجزاء للعصيان، فلم تكن للانتقام، بل للكشف عن النتيجة الطبيعية لعملٍ يرتكبه الإنسان بيديه.

فكما أن الأب يمنع طفله من لمس النار لئلا يحترق، لا لأنه يريد حرقه، بل لأن طبيعة النار محرقة. هكذا يحذر الله آدم من المعصية، لأن المعصية أو الانفصال عن طاعة الله بطبيعته يُفقد الإنسان حياته. فالتحذير والإنذار هنا من قبيل الحنو والترفق لا الغضب بمفهومنا البشري والانتقام.

والعجيب في حديث الله لنا، أنه لا ينسب النيران الأبدية إلينا، بل يقول إنها معدة لإبليس وملائكته (مت 25: 41)، وكأنها لم تُعد للبشرية. لكنه عندما يتحدث عن الملكوت السماوي ينسبه لنا، “معد لكم (مت 25: 34).(21)



و يقول القديس يوحنا ذهبي الفم : الذين اخطأوا و لو في حقه لا يرغب في معاقبتهم انتقاماً لنفسه لانه لا يصيب لاهوته ضرراً , انما يفعل ذلك لاجل نفعنا نحن , لكي يمنع انحرافنا الذي يتزايد باستهتارنا و عدم مبالاتنا به . فكما ان الذي يبقي خارجاً بعيداً عن النور ,لا يضر النور في شئ , بل تقع الخسارة العظمي عليه كونه في الظلام , هكذا من اعتاد ان يحتقر القوة القادرة , لا يضر القوة بل يضر نفسه بأكبر ضررٍ ممكن . (22) 



و يقول ابو الفلسفه اليونانيه و حليف الاباء افلاطون : المسؤلية علي من اختار اما الله فبغير ذنب .(23)

رابعاً : معاني عذابات الجحيم المذكوره في الكتاب المقدس :

القراءه السريعه و السطحيه للكتاب المقدس تولد عدم فهم سليم لكلمة الله و هذا الفهم الخاطئ هو ما ينتج عنه كل تعليم شرير اصاب الكنيسه منذ بدع القرون الاولي إلي اليوم .فيقول القديس هيلاري ( أثناسيوس الغرب ) : إن الكتاب ليس في قراءته بل في فهمه . (24) ،

ويقول الاب متي المسكين : تبقي موهبة معرفة الكلمه علي اسس صحيحه من الانجيل و بفهم صحيح و إدراك صحيح بحسب الفكر الانجيلي و اللاهوتي , تبقي هي الاساس الاول الذي لا غني عنه و الذي عليه يتوقف عمل كل موهبه اخري , و يكفي ان نتصور انساناً يسعي لينال موهبة الخدمه او التعليم او النبوه او التكلم بلسان او الشفاء او الوعظ , و هو غير مُتأسس علي معرفة الانجيل بعهديه معرفه متقنه , فالعثره و التخبط و البلبله التي قد يقع فيها كفيله لا ان تلغي كل موهبه اخري , بل و تشكك في مصدرها و تهدم الكنيسه . (25) .

و الضابط للفهم الصحيح لكلمة الله هو داخل الكنيسه و ضمن جماعتها المصليه النقيه ، فيقول الاب جورج فلورفسكي : الكتاب ينتمي إلي الكنيسه و لذلك يُفهم بشكل وافٍ و يُفسر بشكل صحيح فيها و ضمن جماعة الإيمان القويم فقط . أما الهراطقه , أي الذين خارج الكنيسه , فلم يملكوا مفتاح فكر الكتاب , لانه لم يكن الاستشهاد بكلام الكتاب كافياً إذ يجب علي الإنسان أن يشرح معني الكتاب الحقيقي و القصد منه بشكل كليّ , و أن يُدرك مُسبقاً نموذج الاعلان الكتابي و مخطط عناية الله المُخلِّصه ( الخلاصيه ) .و هذا لن يتحقق إلا بالرؤيه الايمانيه . (26)

و لهذا قدمنا كل الاستشهادات الابائيه السابقه التي تدل علي اجماع الاباء و تعليمهم القويم في موضوعنا ، و سنعتمد عليهم ايضاً لفهم معاني الكتب المقدسه في وصفها للآلام الجحيم .. 



إن قديسيي الكنيسه يأخذون النار الماديه و العقاب اللانهائي ” بطريقة مجازيه ” فهي مسألة مجازيه لان نور الابرار غير مادي ، كما ان نار الخطاه ليست مخلوقه ولا ماديه (27) . فهما حقيقتان واقعتان و حالتان حقيقيتان ، و لكنهما ليسا كالحالات التي نعرفها من عالم الحواس . 



يستخدم الكتاب المقدس العديد من الصور ليصف حالة ( الاشرار في الابديه ) مثل النار و الدود و الثعابين و صرير الاسنان . تعبر كل هذه عن حقائق أُخري . فيفسر القديسيون النار بالجهل بالله . فلا يجب ان نظن ان هذه النار هناك هي نار ماديه ولا ان الظلمه الخارجيه هي شئ اخر غير الجهل بالله . (28) 



و هذا نفهمه من صريح نصوص الكتاب المقدس ففي حين ان الكتاب يصف الجحيم بنار لا تطفأ ، يقول انها ظلمات ! فكيف تكون نار و ظلمه في نفس الوقت إن لم يكن المعني مجازياً ؟ . و يعلق المطران ايرثيئوس قائلاً : يوصف الجحيم بصورة النار و الظلمه ، و لكن هذين التصويرين متضاضين ! إذاً ليس الجحيم لا نار و لا ظلمه كما نعرف هاتين الحقيقتين . (29) ، و ايضاً يصف الكتاب حالة الانسان هناك بأنه يبكي و يصر علي اسنانه .

و هذا ضد ان يكون الانسان محترقاً فالصرير علي الاسنان معناه اما ان الانسان يتجمد من البرد او في حالة حزن و غيظ شديد !! ، و قيل في سفر الرؤيا ان الجحيم و التنين و الموت سيلقون في جهنم ! فهل الجحيم و الموت اشخاصاً حتي يتم الالقاء بهم في جهنم ؟! ام المعني الرمزي انهم سيفنون و يكونون بعيدين عن مكان الابرار ؟ و غير ذلك الكثير ،فالرب كان دائماً يتكلم بأمثال و يقول عنه متي الانجيلي : ( هذا كله كلم به يسوع الجموع بامثال و بدون مثل لم يكن يكلمهم 35 لكي يتم ما قيل بالنبي القائل سافتح بامثال فمي و انطق بمكتومات منذ تاسيس العالم .. مت 13 : 34 -35 ) .



و لهذا يقول القديس ذهبي الفم : لا تأخذوا الكلمات بحسب الفهم الظاهر ، و لكن فسروا عمق معناها من خلال الفهم الإنساني المحدود . كما ترون ، إن لم يستعمل هذه العبارات فكيف كان من الممكن ان نفهم هذه الاسرار التي تفوق الوصف . (30)



و هذه التعبيرات الرمزيه هي اسلوب التعليم الكتابي دائماً ، فمثلاً السيد المسيح قد قال عن نفسه انه الكرمه ، و حجر الزاويه ، و باب الخراف … إلخ . و ليس الرب شجرة و لا حجراً ولا باباً !!! إنما هذه المجازات تشرح لنا طبيعة عمله الذي تعجز اللغة البشرية عن وصفه . و هناك فارق بين ما هو حق حرفي ( exact) و ما هو حق غير حرفي ( true , but not exact ) ; المسيح ولد و مات و قام و صعد .. هذا حق حرفي تاريخي ; و المسيح هو بالحقيقة الكرمه و حجر الزاوية و باب الخراف … هذا حق و لكنه غير حرفي . 

و وصف العذاب الابدي في الكتاب المقدس بأنه ( ظلمه خارجيه ) – ( نار و كبريت ) – ( شعور بالذبح ) – و ( دين لا ينتهي إلا بدفع الفلس الاخير ) – و ( دود لا ييموت و نار لا تطفأ ) … و هذه كلها اوصاف من عالمنا لشرح ما لم تسمع به أذن و ما لم تر عين و ما لم يخطر علي قلب بشر من عذاب الحرمان من الله ; الله الذي معرفته هي هي الحياة الابديه ذاتها ( يو 17 : 3 ) . فإن كانت الحياة الابديه هي معرفة الثالوث القدوس و عشرته للأبد ، فالموت الابدي واضح انه ليس في عذابات يمكن شرحها ، بل في حرمان عذابه اسوأ من اي نوع من العذاب الذي نعرفه في عالمنا المادي . (31)



و يقول القديس مرقس افيانيكوس شارحاً بعض اوصاف آلام الجحيم : إننا بلا شك عندما نتحدث عن الجهل بالله نعني عدم الشركه فيه ، طالما اننا نُدرك ان الخطاه سوف يرون الله . بمعني انهم سوف يرون الله و لكنهم لن يشتركوا فيه ، و سيكونون جُهال به .

إن معرفة الله في التقليد الارثوذكسي هي الاشتراك فيه . و تشير الدوده او بعض السلالات من الزواحف السامه أكلة اللحوم إلي عذاب الاشرار بواسطة ضميرهم و ندمهم المرير . و يعني صرير الاسنان نفس الشئ بالظبط ، أي انه يُشير إلي الحزن و الغضب و النحيب المر الذي لإولئك الذين هم في صراع مع أنفسهم . (32)



و يوضح القديس امبرسيوس ايضاً معني صرير الاسنان و النار قائلاً : صرير الأسنان ليس صرير أسنان جسدية ! وليس الدود أيضا جسديا ! لم تكتب هذه الأمور الا لأن الدود يظهر مع الحمي الشديدة، وكذلك من لا يتوب ويطهر من خطاياه سوف يحترق في ناره ويتآكله دوده. لهذا كتب اشعيا سيروا في نيرانكم والشرار الذي أوقدتموه (اش 50: 11) انها نيران كآبة الخطية ونتيجتها، انها كالدود لأن خطايا النفس تطعن العقل والقلب وتأكل أحشاء الضمير. “ (33)



و يكمل العلامه اوريجينوس : اما في أمر الظلمات الخارجيه فلا تشير ، برأيي ، إلي مكان مُظلم من الجو إنتفي النور عنه ، قدر إشارتها إلي حال الذين غرقوا في ظلمات جهل مطبق ، بعيداً عن كل نور يبزغ من العقل و الادراك . (34)

و يكمل القديس غريغوريوس بالاماس في معني الظُلمه الخارجيه تعليقاً علي ( مت 22 : 1 – 14 ) قائلاً : عدم اقتنائه ثياب العُرس ترتبط بطرده من مكان إقامة المتنعمين و من الارتباط الوثيق بهم . فالأمر يتعلق بصورة رئيسيه بالإنفصال عن الله و عدم الإشتراك في نعمته.

تشير حقيقة ان يديه و رجليه قد رُبطت بأمر الملك إلي رباطات الشخص بخطاياه المتلاحقه في هذه الحياه . فالألم غير المُحتمل و العذاب العظيم الذي يشعر به الشخص عندما يرتكب هذه الخطايا في هذه الحياة سوف يستمران ايضاً في الحياة الابديه . و حقيقة انه مُلقي في الظُلمه الخارجيه تُشير إلي صيرورته بعيداً عن الله لانه لم يعمل اعمال النور هنا . (35) 



لكن لماذا استخدم الله هذا الاسلوب للتحذير من نتيجة الحياة في الخطيه ؟ يقول القديس يوحنا فم الذهب : لكن كيف يستطيع ذاك الذي يحب أن يُهدد بجهنم والجحيم والعقاب؟ يهدد بهذا من أجل المحبة ذاتها.

لأنه يريد أن يجتث خطيتك بالترهيب الذي يستخدمه كلجام يضبط به اندفاعك نحو الأمور الأكثر سوءًا، وهو يصنع كل شئ لكى يضبط سلوكك ويوجهك نحو الطريق المستقيم، سواء عن طريق الوعد بالخيرات أو بالتحذير من الانحدار إلى الأمور المحزنة، فيعود بك إلى الطريق المؤدى إليه مُبعدًا إياك عن كل الشرور التي هى أكثر فزعًا من الجحيم ذاته. (36) 

فالإنسان لا يمكنه تخيل مدي صعوبة الحالة في البعد عن الله . فيريد الرب ان يظهر له من العالم المادي ان هذا امر يفوق كل عذاب .



و أخيراً فإن حالة الانسان الخاطئ البعيد عن الله هي اصعب و اشد ايلاماً من كل عذاب مادي بشري . فيقول القديس مار اسحق السرياني : فإن الاسي الحاصل في القلب بسبب الخطية ضد محبة الله هو أكثر حدة من أي خوف من العقاب . ،، و يكمل قائلاً : إن الخطاه في جهنم محرومون من محبة الله . (37)







قبل ان ينتهي كلامنا يجب ان نعرف ان الذوبان في العشق الالهي هو ما نسعي نحوه اي نحو الله و الشركه معه سواء كانت هنا علي الارض او في مكان اخر ، فقمة لذتنا و اكتمال شبع نفوسنا هو في ذاك الشخص المُحب الذي يملأ الكل و يعطي الكل كل شئ حتي ذاته ، إذ هو يريد ان يتحد فينا و يملأنا منه تعزيه و رجاء و سلام و يشملنا بعطف محبته . يقول ذهبي الفم : نقول إن لا الخلاص من جهنم ولا التمتع بالملكوت يعتبر أمرًا ذى قيمة كبيرة إذا ما قورن بذاك الذي سنراه في الدهر الآتى.

لأن الأعظم من كل هذا هو محبة المرء للمسيح وتمتعه بمحبة المسيح. لو ساد هذا على حياة البشر فهو أسمى من كل اعتبار. وعندما يتحقق هذا فأى حديث وأى فكر يمكن أن يُعبّر عن طوباوية هذه النفس؟ لا يوجد شئ آخر، سوى اختبار تذوق هذه السعادة. (38) 



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ

1 – رجعت إلي قاموس الكتاب المقدس لانه قام بتلخيص الموضوع مع ذكر الامور الرئيسيه . لكن هذا ايضاً ما قالت به جميع القواميس الموسوعيه للكتاب المقدس و سأذكرها ان اردت معرفة المزيد عن هذا الموضوع : قاموس المحيط الجامع في الكتاب المقدس ، حرف الجيم ، جهنم في العبريه …. دائرة المعارف الكتابيه ، حرف الجيم ، جهنم …. القاموس الموسوعي للكتاب المقدس للعهد الجديد . فيرلين د.فيربروج . ترجمة مكتبة دار الكلمه . كلمه رقم 1147 . ص 122 ، 123 .

2 – جدير بالذكر أن القديس مرقس افيانيكوس رئيس اساقفة مدينة افسس هو احد اباء القرن الخامس عشر الارثوذكسيين و كان ممثلاً للوفد الارثوذكسي في مجمع فيرارا – فلورنسا [ 1438 – 1439 ] و الذي كان يهدف إلي وحدة الكنائس و قد تصدر موضوعاته عقيدة المطهر التي ظهرت في قرون متأخره عند اللاتين .

3 – الحياة بعد الموت . ايروثيئوس فلاخوس مطران نافاباكتوس . ترجمة د. نيفين سعد . إصدار كنيسة مارجرجس اسبورتينج . ص 65 . Mark Eugenicus , po 15 p 153

4 – الحياة بعد الموت . مرجع سابق . ص 66 . Gregory Of Nyssa , op . cit . p 235

5 – الحياة بعد الموت . مرجع سابق . ص 24

6 – الحياة بعد الموت . مرجع سابق . ص 191 . Gregory the theologian , or . 40 . 45 , on holy Babtism ,NPNF ns vol .7 , p 377

7 – د / ج . ب . مورلاند ، دكتور في الفلسفه من جامعة كاليفورنيا الجنوبيه و اللاهوت من معهد دالاس و قد أصدر اكثر من 12 كتاباً في قضايا لاهوتيه مختلفه … عن كتاب القضيه الايمان . لي استروبل . ترجمة حنا يوسف ، إصدار مكتبة دار الكلمه . ص 224

9 – Against the Manicheans, PG 94:1545D-1548A . بحث الاستاذ اشرف بشير . https://www.facebook.com/note.php?no…50196548430889

8 – The faith of the early fathers vol I, p196 . بحث الاستاذ اشرف بشير . https://www.facebook.com/note.php?no…50196548430889

10 – عظات القديس مقاريوس الكبير . ترجمة د / نصحي عبد الشهيد . إصدار المركز الارثوذكسي للدراسات الابائيه . عظه 2 : 5 . ص 42

11 – القديس باسيليوس الكبير . الحب الالهي . الاب تادرس يعقوب مالطي . إصدار كنيسة مارجرجس اسبورتينج . ص 104 ، نقلاً عن دكتور عدنان طرابلسي: الرؤية الأرثوذكسية للإنسان، منشورات النور، لبنان. ص 137

12 – الأب دوروثيؤس . الحب الالهي . مرجع سابق . ص 104 .

13 – The faith of the early fathers , vol ii . p 57 – 58 . العداله الالهيه حياه لا موت ، مغفرة لا عقوبه . د / هاني مينا ميخائيل . مراجعة و تقديم نيافة الانبا اثناسيوس مطران بني سويف المتنيح ص 147

14 – The faith of the early fathers , vol ii . p 106 . العداله الالهيه حياه لا موت ، مغفرة لا عقوبه . مرجع سابق . ص 147 .

15 – عن كتاب القضيه الايمان . لي استروبل . ترجمة حنا يوسف ، إصدار مكتبة دار الكلمه . ص 223

16 – المبادئ للعلامه اوريجينوس 2 – 10 – 4 .تعريب الاب جورج خوام البولسي . منشورات المكتبة البولسيه . سلسلة الفكر المسيحي بين الامس و اليوم (31 ) . ص 238

17 – Against the Manicheans, PG 94:1569Β . بحث الاستاذ اشرف بشير . https://www.facebook.com/note.php?no…50196548430889

18 – المائة مقالة في الايمان الارثوذكسي . ترجمه عن اليونانيه / الارشمندريت أدريانوس شكور . مترجم عن : migne . P . G ., t . 94 , vol . 789 – 1228 . ص 144

19 – عظات القديس مقاريوس الكبير . ترجمة د / نصحي عبد الشهيد . إصدار المركز الارثوذكسي للدراسات الابائيه. عظه 22 : 1 . ص 212

20 – تفسير رسالة بولس الرسول إلي أهل روميه . ترجمه عن اليونانيه د / سعيد حكيم يعقوب . مراجعة د / جوزيف موريس فلتس . الجزء الاول . ص 116 . تعليقاً علي ( رو 2 : 5 ) .

21 – الحب الالهي . الاب تادرس يعقوب مالطي . إصدار كنيسة مارجرجس اسبورتينج . ص 249

22 – إتركها هذه السنه ايضاً . للراهب هرمينا البراموسي . ص 33 , 34 N.P.N.F first series vol . IX , an exhortation to Theodore after his fall , letter 1 . p 93

23 – النصوص المسيحيه في العصور الاولي . القديس يوستينوس الفيلسوف و الشهيد . الدفاعان و الحوار مع تريفون و نصوص اخري . ترجمة أ / امال فؤاد . مراجعة عن النصوص الانجليزيه و اليونانيه هيئه علميه اكاديميه تحت اشراف د / جوزيف موريس فلتس . الدفاع الاول ف 44 . ص 71 . De Repub 10 . 617 E

24 – هيلاري اسقف بواتييه . الي كونستانس 2 : 9 . مجموعة الاباء اللاتين , مين 10 . 570 – الاب جورج فلورفسكي . الكتاب المقدس و الكنيسه و التقليد . ص 95 .

25 – الاب متي المسكين . الروح القدس الرب المحيي . ج2 . ص 773

26 – جورج فلورفسكي . الكتاب المقدس و الكنيسه و التقليد . ص 96

27 – المقصود انها ليست مخلوقه من الله لانها ليست شئ مادي بل هي احساس بالغربه و البعد عن محضر الله مصدر السعاده فتصبح الابديه بؤس علي من عاشوا في ظلمة رافضين نور الله .

28 – الحياة بعد الموت . مرجع سابق . ص 139

29 – الحياة بعد الموت . مرجع سابق . ص 196

30 – Reason & faith – p . 205 .. العداله الالهيه حياه لا موت ، مغفرة لا عقوبه . د / هاني مينا ميخائيل . مراجعة و تقديم نيافة الانبا اثناسيوس مطران بني سويف المتنيح . . ص 50

31 – العداله الالهيه حياه لا موت ، مغفرة لا عقوبه . مرجع سابق . ص 50 ، 51

32 – الحياة بعد الموت . مرجع سابق . ص 139 . Mark Archbichop of Ephesus : Homily 2 , P.O .15 . p . 130

33 – The Faith of the Early Fathers Vol 2 p 163 . العداله الالهيه حياه لا موت ، مغفرة لا عقوبه . مرجع سابق . ص 89 .

34 – المبادئ للعلامه اوريجينوس 2 – 10 – 8 .تعريب الاب جورج خوام البولسي . منشورات المكتبة البولسيه . سلسلة الفكر المسيحي بين الامس و اليوم (31 ) . ص 243 .

35 – الحياة بعد الموت . مرجع سابق . ص 172 . Gregory palamas , hom 41 , EPE 10 , p 574 – 576.

36 – تفسير رسالة بولس الرسول إلي أهل روميه . ترجمه عن اليونانيه د / سعيد حكيم يعقوب . مراجعة د / جوزيف موريس فلتس . ج 2 . ص 94 . تعليقاً علي ( رو 5 : 11 ) .

37 – الحياة بعد الموت . ايروثيئوس فلاخوس مطران نافاباكتوس . ترجمة د. نيفين سعد . إصدار كنيسة مارجرجس اسبورتينج . ص 189 . Isaac the Syrian : the ascetical homilies , hom 64 , op . cit . p . 223 .

38 – تفسير رسالة بولس الرسول إلي أهل روميه . ترجمه عن اليونانيه د / سعيد حكيم يعقوب . مراجعة د / جوزيف موريس فلتس . ج 2 . ص 99 . تعليقاً علي ( رو 5 : 11 ) .

الجحيم في التعليم المسيحي – رؤية كتابية و أبائية

Exit mobile version