ايات عن التعزية – العطاء – العدل – الاحسان – السماء

ايات عن التعزية – العطاء – العدل – الاحسان – السماء

ايات عن التعزية – العطاء – العدل – الاحسان – السماء

التعزية:

  1. “مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، أبو الرأفة وإله كل تعزية، الذي يعزينا في كل ضيقتنا.” (2 كورنثوس 1: 3-4)
  2. “إذًا إن كان وعظ ما في المسيح، إن كانت تسلية ما للمحبة، إن كانت شركة ما في الروح، إن كانت أحشاء ورأفة.” (فيلبي 2: 1)
  3. “ربنا يسوع المسيح نفسه والله أبونا الذي أحبنا وأعطانا عزاءً أبديًا ورجاءً صالحًا بالنعمة.” (2 تسالونيكي 2: 16)
  4. “في كل ضيقهم تضايق، وملاك حضرته خلصهم. بمحبته ورأفته هو افتداهم، ورفعهم وحملهم كل الأيام القديمة.” (إشعياء 63: 9)
  5. “فرحًا أبديا يكون على رؤوسهم. يهتفون فرحين، ويبيد الحزن والتنهد.” (إشعياء 35: 10)

العطاء:

  1. “أعطوا تُعطَوا. كيلاً حسنًا، ملبدًا، مهزوزًا، فائضًا، يعطون في أحضانكم.” (لوقا 6: 38)
  2. “الله يحب المعطي المسرور.” (2 كورنثوس 9: 7)
  3. “لأنك في كل شيء أغنيتَهم للحرية التي تعمل بها فينا شكرًا لله.” (2 كورنثوس 9: 11)
  4. “المعطي بيد سخية لا يخسر، والدرهم في يد الفقير لا ينقص.” (سيراخ 29: 12)
  5. “كل من له يُعطى فيزداد، ومن ليس له فالذي عنده يؤخذ منه.” (متى 13: 12)

العدل:

  1. “لنُجرِ العدل ونعمل الحق، لأن ذلك مقبول عند الله.” (مزمور 11: 7)
  2. “لأن الرب محب العدل ولا يترك أتقياءه. يكونون محفوظين إلى الأبد، أما نسل الأشرار فينقطع.” (مزمور 37: 28)
  3. “طوبى للذين يحفظون العدل، ويفعلون البر في كل حين.” (مزمور 106: 3)
  4. “إن سرت في وسط الضيق تُحييني، على غضب أعدائي تمد يدك، وتخلصني يمينك.” (مزمور 138: 7)
  5. “إن أعطى إنسان كل ثروة بيته بدل المحبة، يحتقر احتقارًا.” (نشيد الأنشاد 8: 7)

الإحسان:

  1. “من يسد أذنيه عن صراخ المسكين، فهو أيضًا يصرخ ولا يُستجاب.” (أمثال 21: 13)
  2. “طوبى للرحماء، لأنهم يرحمون.” (متى 5: 7)
  3. “أكرم الرب من مالك ومن كل باكورات غلتك.” (أمثال 3: 9)
  4. “من يسد أذنيه عن صراخ المسكين، فهو أيضًا يصرخ ولا يُستجاب.” (أمثال 21: 13)
  5. “لا تمنع الخير عن أهله حين يكون في طاقة يدك أن تفعله.” (أمثال 3: 27)

السماء:

  1. “السماء والأرض تزولان، ولكن كلامي لا يزول.” (متى 24: 35)
  2. “في بيت أبي منازل كثيرة.” (يوحنا 14: 2)
  3. “وأما نحن فلنا مواطن في السماوات، التي منها ننتظر مخلصًا، هو الرب يسوع المسيح.” (فيلبي 3: 20)
  4. “لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض، حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون.” (متى 6: 19)
  5. “طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض.” (متى 5: 5)

ايات عن الخدمة – الغفران – الصداقة – الأمانة – الصدق

ايات عن التعزية – العطاء – العدل – الاحسان – السماء

أيات عن الصلاة – التواضع – الصبر – الشجاعة – المعرفة

آيات عن القيامة – الحكمة – القوة – الرجاء الأبدي – الخلاص

آيات عن الإيمان والمحبة والسلام والرجاء والغفران

 

ايات عن التعزية – العطاء – العدل – الاحسان – السماء

دراسة في الإسكاتولوجيا PDF الموت والقيامة السماء والمطهر وجهنم – الأب أوغسطين لاتور

دراسة في الإسكاتولوجيا PDF الموت والقيامة السماء والمطهر وجهنم – الأب أوغسطين لاتور

دراسة في الإسكاتولوجيا PDF الموت والقيامة السماء والمطهر وجهنم – الأب أوغسطين لاتور

دراسة في الإسكاتولوجيا PDF الموت والقيامة السماء والمطهر وجهنم – الأب أوغسطين لاتور

تحميل الكتاب PDF

كتاب الله الإنسان الألم PDF – سي إس لويس

كتاب الله الإنسان الألم PDF – سي إس لويس

كتاب الله الإنسان الألم PDF – سي إس لويس

كتاب الله الإنسان الألم PDF – سي إس لويس

كتاب الله الإنسان الألم PDF – سي إس لويس

تحميل الكتاب PDF

كتاب الروح وماذا بعد الموت؟ – القمص عبد المسيح بسيط PDF

كتاب الروح وماذا بعد الموت؟ – القمص عبد المسيح بسيط PDF

كتاب الروح وماذا بعد الموت؟ – القمص عبد المسيح بسيط PDF

كتاب الروح وماذا بعد الموت؟ – القمص عبد المسيح بسيط PDF

تحميل الكتاب PDF

كتاب السماء – القمص أنطونيوس البرموسي

كتاب السماء – القمص أنطونيوس البرموسي

كتاب السماء – القمص أنطونيوس البرموسي

كتاب السماء – القمص أنطونيوس البرموسي

تحميل الكتاب

 

هل الكون مسطح أم كروي؟ وهل هو نهائي ومحدود أم أنه لا نهائي وغير محدود؟

هل الكون مسطح أم كروي؟ وهل هو نهائي ومحدود أم أنه لا نهائي وغير محدود؟

هل الكون مسطح أم كروي؟ وهل هو نهائي ومحدود أم أنه لا نهائي وغير محدود؟

ج:

كان الاعتقاد السائد من قبل أن الكون مسطح كالبحر والنجوم تسبح فيه، ولكن عندما جاء انيشتاين أثبت بواسطة نظرية النسبية العامة أن الكون ككل كروي وليس مسطحا، حيث قال ” إن كل جسم في الفراغ يخلق حوله مجالا، وأن الفضاء حول هذا الجزء يتحدب وينحني بمقتضى خطوط مجاله، بمعنى أن كل مادة موجودة في الكون تؤدي إلى انحناء في سطح هذا الفضاء، بمعنى أننا لو عرفنا الكثافة الكلية في الكون لعرفنا مقدار الانحناء والشكل العام له”(1) وعن طريق حساب الكثافة الكلية للكون كله، أمكن حساب انحناء الكون التقريبي، فوجد أنه كروي الشكل ولكنه غير ثابت، وأن نصف قطره التقريبي نحو 35 مليون سنة ضوئية.

وقديما في سنة 390 ق.م. اعتقد ” ديموكريتوس ” Democritus أن الكون لا نهائي وغير محدود، بل هو ممتد إلى ما لا نهاية، أما الآن فيقول الأستاذ جلال عبد الفتاح أنه قد تم التأكد من ” أن الكون متناه أو محدود وإن لم نعرف له حدود، وإن الكون له بداية محددة، وله أيضا نهاية محتومة”(2).

كما يعلق أيضا الأستاذ جلال أبو الفتوح على مثل هذه التساؤلات قائلا ” بعض هذه الأفكار تبدو تساؤلات فلسفية إلى حد ما، ولكنها أدت إلى اكتشافات رائعة ننعم بها في حياتنا اليومية، وإلى إدراك دقة الخلق وعظمة الخالق.. هل الكون استاتيكي ثابت، أو أنه ديناميكي متحرك؟ وهل الكون متناه أو محدود أو له حدود معينة، أو أنه لا متناه أو أبدي بغير حدود على الإطلاق؟ وهل الكون له بداية محددة ونهاية محتومة، أم أنه سرمدي ليس له بداية أو نهاية؟ هل الكون يتمدد إلى ما لا نهاية، أم أنه ينكمش، أم أنه حالة وسط من التعادل..؟ لكي تدرك كل ذلك لا بد من فهم طبيعة المادة التي يتشكل منها الكون”(3).

ويحصر الأستاذ رأفت شوقي الآراء المختلفة في نهائية أو لا نهائية الكون، وكرويته، ونهايته فيقول:

” 1- كانوا قديما يقولون أن الكون لا نهائي ولا حدود له، لأنهم كانوا يهابون الإصطدام بالسؤال المألوف: لو أن هذا الكون محدود وله نهاية، فما وراء تلك النهاية؟

2- قال اينشتاين أن الكون ” كروي ” وليس بمسطح واعتمد على نظريته النسبية التي وضعها وقال فيها أن كل جسم في الفراغ يخلق حوله مجالا، وأن الفضاء حول هذا الجزء يتحدب وينحني بمقتضى خطوط مجاله بمعنى أن كل مادة موجودة في الكون تؤدي إلى إنحناء في سطح الفضاء، بمعنى لو عرفنا الكثافة الكلية في الكون لعرفنا مقدار الانحناء والشكل العام له، وأمكن حساب الكثافة الكلية في الكون كله، ومن هذا الرقم التقريبي كله يمكن حساب إنحناء الكون التقريبي وأنه كروي الشكل ولكنه غير ثابت من وقت إلى آخر، ونصف قطره التقريبي = 35 مليون سنة ضوئية.. وأثبت اينشتاين أن الكون نهائي ولكنه غير محدود.. أي لا يصح أن نسأل عن نهايته.

3- يرى فريق آخر أن الكون في عملية متكررة من ميلاد وفناء إلى ما لانهاية، فبعد أن يتمدد ويبرد يعود فينكمش ويسخن وتدب فيه الحياة إلى ما لا نهاية أيضا.

4- وفريق آخر يرى أن الأشعة المتبعثرة في الفضاء لا تتلاشى، بلا تعود وتتفاعل لتنتج ذرات بدائية، ثم أتربة دقيقة، ثم سحب سديمية لتعطي أجرام سماوية من جديد، وهكذا تتكرر الدورة إلى ما لا نهاية”(4).

_____

(1) أورده أسامة يوسف عزمي – ورأى الله ذلك أنه حسن ص 17.

(2) الكون ذلك المجهول ص 26.

(3) الكون ذلك المجهول ص 26.

(4) نظريات العلم والكتاب المقدس ص 12.

هل الكون مسطح أم كروي؟ وهل هو نهائي ومحدود أم أنه لا نهائي وغير محدود؟

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة ختان إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

الخليقة

اليوم الأول[1]

“في البدء”

1“في البدء خلق الله السماء والأرض”[2]. ما هو بدء كل شيء إلا يسوع المسيح ربنا و”مخلص جميع الناس”[3] “بكر كل خليقة[4]“؟ إذاً في هذا البدء، بمعنى في “كلمته” “خلق الله السموات والأرض، كما يقول يوحنا البشير في بداية إنجيله: “في البدء كان الكلمة وكان الكلمة عند الله وكان الكلمة الله. كان هذا في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان.[5]” وهو لا يتكلم هنا عن بدء زمني ولكنه يقول إن السماء والأرض وكل ما خلق قد خلق “في البدء” أي في المخلص[6].

الظلمة

وكانت الأرض محتجبة ولا شكل لها، وكانت الظلمة تغطي الهاوية، وروح الله يرف على المياه”[7] كانت الأرض محتجبة ولا شكل لها قبل أن يقول الله “ليكن نور”[8] وقبل أن يفصل النور عن الظلمة وفقاً لما يشير إليه ترتيب السرد. بعد ذلك أمر الله بأن يكون هناك جلد وهذا أسماه “سماء”. وحين نصل إلى تلك النقطة سنوضح الفرق بين الجلد والسماء ولماذا أطلق على الجلد السماء. ولكن الآن يقال: “كانت الظلمة تغطي الهاوية”[9]، فما هي تلك الهاوية؟ بالتأكيد هي الهاوية التي سيكون فيها[10] “إبليس وملائكته”[11]. على الأقل هذا أيضاً مذكور بوضوح في الإنجيل، حين قيل عن المخلص: “إن الشياطين الذين كان يطردهم كانوا يطلبون إليه ألا يأمرهم بالذهاب إلى الهاوية.”[12]

لهذا يبدد الله الظلمة طبقا للنص الكتابي القائل: “وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله أن النور كان حسناً وفصل الله النور عن الظلمة. وسمى الله النور نهاراً وسمى الظلمة ليلاً. وكان مساء وكان صباح: يوماً واحداً.”[13]

الزمن

وطبقا للحرف، فإن الله أطلق على النور نهاراً وعلى الظلمة ليلاً ولكن طبقاً للمعنى الروحي، دعونا نرى بعدما “صنع السماء والأرض” في ذلك “البدء الذي تحدثنا عنه سابقاً، وبعد أن قال أيضاً إنه كان نور ثم فصل النور عن الظلمة وأطلق على النور نهاراً وعلى الظلمة ليلاً، وبعد أن قال إنه كان مساء وكان صباح، لماذا لم يقل الله “اليوم الأول”[14] لكن “يوم واحد”[15]؟ ذلك لأن الزمن لم يكن موجوداً قبل كون العالم. ولكن الزمن بدأ يوجد مع الأيام التالية. فاليوم الثاني والثالث والرابع وكل الأيام الأخرى بدأت تشير إلى الزمن.

اليوم الثاني

السماء والجلد[16]

۲ وقال الله: “ليكن جلد في وسط المياه وليفصل المياه من المياه. وكان كذلك. فعمل الله الجلد[17]” وبعدما خلق السماء، يخلق الله الآن الجلد. في الواقع هو خلق السماء أولاً التي قال عنها: “السماء كرسيي”[18]، ثم بعد ذلك خلق الجلد، أي السماء الجسدية. فمن الواضح أن كل جسد يكون صلباً ومتماسكاً وهذا ما يفسر أن الجلد “فصل بين المياه التي فوق السماء من المياه التي تحتها.”[19]

وحيث أن كل ما كان الله سيصنعه كان مكوناً من روح وجسد، فلهذا قد قيل إن السماء، أي كل مادة روحية يعتمد عليها الله، كما على كرسي، قد خلقت في “البدء” وقبل كل شيء. ولكن السماء الأخرى، أي الجلد، هي جسدية. لهذا فإن السماء الأولى التي وصفناها بأنها روحية هي روحنا، التي هي بالضرورة روحية، أي إنساننا الروحي الذي يرى الله ويتأمله. ولكن الأخرى، التي هي السماء الجسدية والتي يطلق عليها جلد، فهي إنساننا الخارجي الذي يرى بأعين الجسد.

وكما أطلق على الجلد سماء لأنه يفصل بين المياه التي فوقه عن تلك التي تحته، هكذا الإنسان، الذي هو كائن في جسد، إن استطاع أن يفصل ويميز بين المياه العليا التي “فوق الجلد” والمياه التي “تحت الجلد” فسوف يسمى هو أيضاً سماء أي “إنساناً سماوياً[20]” كقول الرسول بولس: “فإن مسكننا هو في السماء[21]

هذا إذا هو ما تحويه ألفاظ الكتاب ذاتها: “فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه الذي فوق الجلد. ودعا الله الجلد سماء ورأى الله أن هذا حسن، وكان مساء وكان صباح، وكان ذلك يوما ثانياً[22]

المياه العليا

وليهتم كل واحد منكم إذن بأن يصير من يفصل الماء الذي هو في الأعلى عن الماء الذي بالأسفل حتى يصل إلى الفهم والمشاركة في الماء الروحي الذي هو “فوق الجلد”، ويجري من بطنه أنهار ماء حي تنبع إلى الحياة الأبدية”[23]، مبتعداً بلا شك ومفصولاً عن الماء السفلي أي عن ماء الهاوية الذي يضع الكتاب فيه الظلمة وحيث يسكن “رئيس هذا العالم[24]” و”التنين العدو “مع ملائكته”[25] كما سبق وقلنا.

وهكذا إذاً بالاشتراك في الماء العالي الذي هو فوق السموات يصبح كل مؤمن سماوياً بمعنى أن يركز ذهنه في الأشياء العليا والسامية ولا يكون أي شيء من أفكاره في الأرض، ولكن تكون كلها في السماء، و “يطلب ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الآب”[26]. حينئذ هذا الإنسان نفسه سيحسبه الله مستحقاً للمديح الموجود في النص القائل: “ورأى الله أن هذا كان حسناً”[27]

اليوم الثالث

تصبح أرضا خصبة

ثم ما عرضه في التكملة عن اليوم الثالث يلحق بذات المعني. والواقع أن الكتاب يقول: “وقال الله: ليجتمع الماء الذي تحت السماء إلى كتلة واحدة ولتظهر اليابسة[28]. وكان كذلك”[29].

لنسعى نحن إذن إلى جمع الماء الذي تحت السماء” وأن نزيلها بعيداً عنا حتى تظهر بعد ذلك “اليابسة” أي أعمالنا التي نعملها بالجسد “حتى إذ يرى الناس أعمالنا الحسنة يمجدوا أبانا الذي في السموات”[30]. لأننا إن لم نفصل عنا المياه التي تحت السماء، أي الخطايا ونقائص جسدنا فلن تتمكن يابستنا من الظهور ولن يكون لها الثقة بأنها تسير نحو النور. “كل من يفعل الشر يكره النور ولا يأتي إلى النور خشية أن تدينه أعماله، ولكن من يتمم الحق يأتي إلى النور حتى تظهر أعماله ونراها بما أنها قد عملت في الله”[31]. وهذه الثقة لن تعطى لنا إن لم نطرح ونقطع بعيداً عنا، مثل المياه، نقائص الجسد التي هي أسباب الخطايا. وحين يتم ذلك فإن اليابسة فينا لن تظل “يابسة” كما سنرى فيما يلي.

يقول الكتاب في الواقع ليجتمع الماء الذي تحت السماء إلى كتلته ولتظهر اليابسة. ودعا الله اليابسة أرضاً ومجتمع المياه دعاه بحراً”[32]. وكما أن اليابسة حين تنفصل عن المياه، كما قلنا منذ قليل، لا تبقى يابسة” ولكنها تدعى منذ ذاك “أرضا”، هكذا أيضا أجسادنا، إن حدث مثل هذا الانفصال فيها، فلن تظل “يابسة”، بل سوف تدعى “أرضاً” حيث سيمكنها بعد الآن أن تنتج ثمراً لله.

والله حين “خلق في البدء السماء والأرض خلق فقط فيما بعد الجلد واليابسة ودعا الجلد “سماء” معطياً إياه اسم سماء التي كان قد خلقها قبلاً. ودعا اليابسة “أرضا” لأنه أعطاها القدرة على أن تنتج ثمراً. إذاً إن ظل أحد يابساً بسبب إثمه ولم ينتج ثمراً بل “شوكاً وحسكاً”[33] كما لو كان ينتج “غذاء للنار[34]” فسوف يصير هو نفسه “طعاماً للنار” بسبب ما ينتجه. أما إن فصلته غيرته اليقظة عن مياه الهاوية التي هي أفكار الشياطين، وإذا بدا كأرض تنتج ثمراً، فيجب عليه أن يترجى معاملة بنفس الطريقة، لأن الله يدخله إلى “أرض يفيض فيها اللبن والعسل[35].”

الإتيان بثمر

۳ ولكن دعونا نرى مما يلي ما هي الثمار التي يأمر الله “الأرض” التي أعطاها هو نفسه هذا الاسم بإنتاجها. “ورأى الله أن ذلك حسن. وقال الله: لتنبت الأرض عشب الحقول يحمل بذراً كجنسه وكهيئته، وشجرا ذا ثمر ينتج ثمراً يحوي بذره بداخله كهيئته على الأرض. وكان كذلك”[36]. ومن الواضح لو تمسكنا بحرفية النص، إنه توجد هنا الثمار التي أنتجتها الأرض حينما لم تعد بعد “اليابسة”

ولكن دعونا نرجع إلى أنفسنا من جديد. فها نحن الآن “أرض” ولم نعد بعد “يابسة”، فلنأت إذاً لله بثمار وفيرة ومتنوعة حتى نكون نحن أيضاً مباركين من الآب الذي يقول: ها إن رائحة ابني كرائحة حقل مثمر باركه الرب”[37]، وحتى يتحقق فينا قول الرسول: “حين تشرب أرض المطر الآتي عليها مراراً كثيرة وتنتج عشباً صالحاً للذين يزرعونها، فستنال بركات من الله. ولكن الأرض التي تنبت شوكاً وحسكاً تبدو نوعيتها رديئة وقريبة من اللعنة وننتهي بإحراقها”[38].

4 “فأخرجت الأرض عشب الحقول يحمل بذراً كجنسه وكهيئته، وشجراً ذا ثمر يعمل ثمراً يحوي بذره بداخله كجنسه على الأرض. ورأى الله ذلك أنه كان حسنا. وكان مساء وكان صباح، وكان هذا اليوم الثالث[39].” فالله يأمر الأرض ألا تنبت فقط “عشب الحقول ولكن أيضا “البذار” حتى يمكن أن تنتج ثمراً باستمرار. ولم يأمر بأن تنبت فقط شجراً ذا ثمر” ولكن أيضا شجراً “يحمل ثماراً تحوي بداخلها بذرها كجنسها” وذلك حتى تستطيع بفضل هذه البذار التي بداخلها أن تؤتي ثمراً باستمرار.

وبالمثل، علينا نحن أيضا أن نأتي بثمر وأن تكون في أنفسنا البذار، أي أن نحوي في قلوبنا بذور كل الأعمال الحسنة وجميع الفضائل التي إذ تكون مغروسة في أرواحنا هكذا تجعلنا نتمم ببر كل الأعمال التي نعملها. لأن ثمار هذه البذار هي أعمالنا حين تأتي من كنز قلبنا الصالح”[40].

لأننا إن سمعنا الكلمة وبعد سماعها تنبت أرضنا في الحال عشبا، وإن “جف هذا العشب”، قبل أن ينضج ويأتي بثمر، فإن أرضنا سوف يطلق عليها أرضاً “صخرية”[41]، ولكن إن ترسخت الكلمة في قلبنا بجذور عميقة حتى تعطي ثمرة الأعمال وتحوي بذار الخيرات العتيدة، فحينئذ تعطي أرض كل منا بالحقيقة ثمراً كطاقتها “الواحدة مائة، والأخرى ستين، والأخرى ثلاثين للواحدة[42]“. ولكن بدا لنا من الضروري أن نلفت النظر إلى أن ثمرنا لا يجب أن يحوي “شقاقا”[43] أي زوانا في أي مكان، وأنه لا يجب أن يكون على جوانب الطريق”[44] بل يجب أن يكون مزروعاً على الطريق ذاته، على هذا الطريق الذي يقول: “أنا هو الطريق”[45] حتى لا تأكل طيور السماء”[46] ثمارنا ولا كرمنا. ومع ذلك إن استحق أحد منا أن يكون كرمة[47]، فليحترس من أن يحمل “أشواكا” بشكل العناقيد، وإلا فإن تلك الكرمة لن تشذب ولن تقلم، ولن تحصل “السحب” على الأمر (من الله) بأن تسقط عليها الأمطار، بل بالعكس سوف تترك “قفراً” حتى تنبت فيها الأشواك “[48].

اليوم الرابع

الأنوار: المسيح والكنيسة

5 وبعد ذلك تستحق السماء من الآن أن تكون مزودة بأنوار. فقال الله: “لتكن أنوار في جلد السماء لتضيء على الأرض وتفصل النهار عن الليل[49]“. فكما أمر الله أن تكون هناك أنوار في الجلد الذي يدعى سماء، حتى تفصل بين النهار والليل هكذا يمكن أن يحدث لنا أيضا شرط أن نجاهد حتى ندعي ونصير سماء؛ فيكون لنا في أنفسنا مثل أنوار لتنير لنا المسيح وكنيسته. فالمسيح هو “نور العالم[50]” هو الذي ينير الكنيسة أيضا بنوره[51]. فكما نقول إن القمر يحصل على نوره من الشمس حتى يتمكن الليل ذاته من أن يستنير به، هكذا أيضاً الكنيسة إذ تحصل على نورها من المسيح، تنير كل من هم في ليل الجهالة. ولكن إن تقدم أحد حتى صار “ابنا للنهار” سائرا بأمانة كما في وضح النهار”[52]، “كابن للنهار وابن للنور[53]“، فهذا ينيره المسيح ذاته كشمس النهار.

6 “لتكن علامات ولتحدد الأزمنة والأيام والسنين، ولتكن أنوار في جلد السماء لتنير الأرض. وكان كذلك[54] ” فكما أن الأنوار التي نراها في السماء قد وضعت لتكون “علامات ولتحدد الأزمنة والأيام والسنين” وتنير من الجلد من هم في الأرض، هكذا المسيح؛ إذ ينير كنيسته يعطي أيضاً علامات من خلال تعاليمه، حتى نعلم لدى استقبال العلامة كيف نتجنب “الغضب الآتي[55]” بحيث لا يفاجئنا “يوم الرب كلص[56]“، بل يسمح لنا بالحري أن نصل إلى سنة نعمة الرب[57]“.

فالمسيح إذاً هو “النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آت إلى هذا العالم[58]“، وتصير الكنيسة المستنيرة بنوره هي نفسها “نور العالم وتنير “الذين في الظلمة[59]“، كما يؤكد ذلك المسيح نفسه حين يقول لتلاميذه: “أنتم نور العالم[60]“. وينجم من هنا أن المسيح هو نور الرسل، والرسل بدورهم هم نور العالم، فهم في الواقع الكنيسة الحقيقية بسبب أنهم بلا دنس ولا غضن ولا شيء من مثل ذلك”، وفقا لقول بولس الرسول أن الله “أراد أن يظهر أمامه كنيسة مجيدة بلا دنس ولا غضن ولا شيء من مثل ذلك[61]“.

۷ “وعمل الله نورين عظيمين، النور الأكبر ليتسلط في النهار والنور الأصغر ليتسلط في الليل، وعمل أيضا النجوم. ووضعها الله في جلد السماء حتى تضيء على الأرض لتتسلط في النهار وفي الليل وحتى تفصل بين النور والظلمة. ورأى الله أن ذلك حسن. وكان مساء وكان صباح، وكان هذا اليوم الرابع[62]“. وكما أن الشمس والقمر، وفقا للكتاب المقدس، هما النوران العظيمان في جلد السماء هكذا أيضاً المسيح والكنيسة بداخلنا. ولكن أضاف الله نجوماً في الجلد، فيجب علينا نحن أيضاً أن نرى ما يمثل النجوم في داخلنا أي في سماء قلوبنا. فموسى نجم فينا يضيء وينيرنا بأعماله وكذلك إبراهيم وإسحق ويعقوب وإشعياء وإرميا وحزقيال وداود ودانيال وكل من شهدت لهم الكتب المقدسة بأنهم كانوا مرضيين لله[63]. وكما أن كل “نجم يختلف عن نجم في العظمة[64]” هكذا كل قديس بمقدار عظمته يسبغ نوره علينا.

وكما أن الشمس والقمر ينيران أجسادنا، هكذا ينير المسيح والكنيسة عقولنا. على الأقل هما ينيرانها، إن لم نكن عمياناً روحياً. لأنه كما أن الشمس والقمر لا يشعان نورهما على العميان الجسديين الذين لا يمكنهم أن يستقبلوا النور، هكذا المسيح يمد أرواحنا بنوره، ولكنه لن ينيرنا إلا لو لم يمنعه عمى عقلنا. فإن كان هذا هو الحال، فينبغي أولاً أن العميان يتبعون المسيح قائلين وصارخين: ارحمنا يا ابن داود[65]“، فبعد أن ينالوا من المسيح نفسه الإبصار، يمكن بعد ذلك أن يشرق عليهم بهاء نوره.

وأيضاً الذين يبصرون لا يستنيرون بالمسيح بالتساوي ولكن كل واحد على القدر الذي يستطيع به تلقي النور. فإن عيون جسدنا لا تنيرها الشمس بالتساوي ولكن كلما صعدنا إلى أماكن مرتفعة وكلما وضعنا المرصد في مكان عال حيث تتأمل النظرة من خلاله شروق الشمس، تمكننا من إدراك بريقها وحرارتها بصورة أفضل. وهكذا كلما اقتربت عقولنا بصعودها وارتفاعها من المسيح وتعرضت بمزيد من القرب لبريق ضيائه، أشعت أيضاً بنوره بصورة أكثر روعة وأكثر لمعانا، كما يقول الله ذاته هذا من خلال النبي: “اقتربوا إلي فأقترب إليكم، يقول الرب[66]“، ويقول أيضاً: “أنا إله يقترب ولست إلهاً بعيداً”[67].

ومع ذلك فنحن لا نقترب إليه جميعنا بنفس الأسلوب “ولكن كل منا يذهب إليه حسب إمكاناته الخاصة.[68]” إما نذهب إليه مع الجموع وهو يشبعنا بأمثاله[69] فقط لئلا يجعلنا الصوم الطويل نخور في الطريق[70]، أو نظل باستمرار وبلا نهاية جالسين عند قدميه لا نهتم إلا بسماع كلمته دون أن ندع أنفسنا نضطرب “باهتمامات الخدمة الكثيرة”، “مختارين النصيب الأفضل الذي لن ينزع منا”[71]. وعند الاقتراب هكذا منه[72] نأخذ أكثر من نوره. ولو بقينا معه مثل الرسل بلا انقطاع في كل تجاربه[73] دون أن نبتعد عنه ولو إلى قليل، فهو يوضح ويفسر لنا سراً ما قاله للجموع[74] وينيرنا بنور أكبر بكثير وحتى لو استطعنا أن نذهب معه إلى قمة الجبل كبطرس ويعقوب ويوحنا[75] فلن نستنير فقط بنور المسيح، ولكن أيضا بصوت الآب ذاته.

 اليوم الخامس

الزواحف والطيور: الأفكار الطيبة والأفكار السيئة

۸ “وقال الله: لتنتج المياه بين الحيوانات الحية كائنات تزحف وطيور تطير على الأرض في جلد السماء. وكان كذلك[76]” وحسب التفسير الحرفي تنتج المياه “الكائنات التي تزحف” “والطيور” عند أمر الله، وهكذا نعلم من هو خالق هذه الكائنات التي نراها. ولكن لنرى كيف يحدث الشيء ذاته في جلد سمائنا، أي في الحقيقة الثابتة التي لعقلنا وقلبنا.

أتصور حينما استنارت عقولنا بالمسيح شمسنا، فإنها تحصل بعد ذلك على الأمر بأن تظهر من المياه التي بها “كائنات تزحف” وطيور تطير بمعنى أن تعرض للنور الأفكار الجيدة والأفكار الرديئة، حتى تعمل الفصل بين الجيدة والرديئة، بما أنها جميعها تأتي من القلب. لأن من قلوبنا تخرج. كما من المياه الأفكار الجيدة والرديئة. لنعرض إذاً، على كلمة الله وبأمره، الأفكار الجيدة والرديئة أمام نظر الله وحكمه حتى إذ نستنير به نستطيع أن نفصل الرديء عن الجيد، أو بعبارة أخرى أن نبعد عنا ما يزحف على الأرض ويقدم اهتمامات أرضية.

أما الكائنات الأفضل، أي “الطيور”، فلندعها تطير ليس فقط “على الأرض” ولكن أيضاً في “جلد السماء”. أو بعبارة أخرى لنعد إلى فكر واعتبار المخلوقات الأرضية وكذلك السماوية التي فينا كي نتمكن من فهم أن الكائنات الزاحفة هي العنصر الضار فينا. فلو نظرنا “لامرأة باشتهاء[77]” فهذا نوع من الزواحف السامة ولكن إن كان لدينا الشعور بالتعفف فحتى لو هامت بنا سيدة مصرية عاشقة، فنصير كالطيور تاركين بين يديها الثياب المصرية ونهرب بلا توقف من الفخاخ الدنيئة[78]. وإن كان فينا ميل للسرقة فهذا أيضاً من الزواحف الكريهة، ولكن إذا فكرنا وإن كنا لا نملك سوى “فلسين صغيرين” لتقديمهما كصدقة “عطية لله[79]” فهذه الفكرة هي طير لا يفكر في الأرضيات، بل يتجه بأقصى سرعة ممكنة إلى جلد السماء. وإن سلمنا بفكرة أنا لا ينبغي أن نحتمل آلام الاستشهاد فهذا نوع من الزواحف السامة، ولكن إن تكونت لدينا الفكرة المتعقلة بأننا يجب أن نجاهد حتى الموت من أجل الحق[80] فهذا يكون طيراً وصل من الأرض إلى الأعالي[81]. وعلينا التفكير بالمثل بالنسبة لباقي أنواع الخطايا والفضائل ونميز الزواحف والطيور التي تحصل مياهنا على الأمر بإبرازها حتى نحكم عليها في إطار نظرة الله.

9 “وخلق الله الحيوانات المائية العظيمة وكل كائن حي من الحيوانات الدبابة التي أنتجتها المياه كجنسها وكل طائر ذي جناح كجنسه[82].” وفيما يتعلق بهذه المخلوقات، كما فيما يتعلق بمن تحدثنا عنها للتو، علينا أيضا أن نفهم أننا يجب أن ننتج “حيوانات مائية عظيمة وكذلك “حيوانات دبابة كجنسها يجب في رأيي أن نرى في الحيوانات المائية العظيمة: الأفكار الآثمة والتصرفات الشنيعة المخالفة لله. ومع ذلك فكل تلك الأفكار يجب أن نظهرها بالنسبة إلى الله ونعرضها أمامه حتى يسمح لنا بتقسيم وفصل الجيد من الرديء وحتى يعين الرب لكل منا مكانه كما سنرى فيما بعد.

۱۰ “ورأى الله أنها كانت حسنة. وباركها الله قائلا: أثمري وأكثري واملأي المياه التي في البحار وليكثر الطير على الأرض. وكان مساء وكان صباح وكان هذا اليوم الخامس[83]” أخذت “الحيوانات المائية العظيمة وكذلك “كل كائن حي من جميع الحيوانات الدبابة التي أنتجتها المياه الأمر بأن تبقى هناك حيث يسكن “التنين الذي صنعه الله ليسخر منه[84]“. ولكن الطيور عليها أن تكثر على الأرض التي كانت قبلا “اليابسة”، والتي تدعى الآن “أرضا”، كما قلنا عاليه.

المنفعة من وراء الشر

ومن الممكن أن نتساءل: لماذا تمثل الحيوانات المائية العظيمة والكائنات الدبابة الشر بينما الطيور تمثل الخير في حين أنه قيل عنهما معا: “ورأى الله أنها حسنة[85]“؟ ذلك لأنه بالنسبة للقديسين، فحسنة هي الكائنات التي تضادهم، لأنهم يستطيعون أن يغلبوها وعندما يغلبونها يصير لهم مجد أعظم عند الله. وفي نهاية المطاف، حين طلب إبليس من الرب أن يسلطه على أيوب[86]، فقد كانت مهاجمات العدو بالنسبة لأيوب سبب مجد مضاعف بعد النصرة[87]، والدليل على ذلك أنه قد استعاد ضعف ما كان قد فقده في هذا العالم، كما أنه مستعد جداً لأن يستعيده دون أدنى شك بذات الأسلوب في السماء. ومن ناحية أخرى يقول بولس الرسول: “لا يكلل أحد إن لم يحارب قانونياً[88]“. فكيف تكون هناك حرب بدون عدو؟ فجمال النور وروعته لن يلاحظا إن لم تأت ظلمة الليل. هل نمتدح هؤلاء بسبب عفتهم إن لم ندن أولئك بسبب فسقهم؟ هل نمجد هؤلاء بسبب شجاعتهم لو لم يكن هناك جبناء ومرتعدون؟ تناول ما هو مر فتصير حينئذ الحلاوة ألذ. تأمل شيئاً مظلماً يبدو لك الشيء المنير أكثر جاذبية. فباختصار، تأمل الأشرار يظهر مجد الأبرار الأكثر تألقاً. ولهذا يقول الكتاب عنها جميعا: “ورأى الله أنها حسنة[89]“.

ولكن لماذا لم يكتب أن الله قال إنها حسنة بل قال “ورأى الله أنها حسنة”؟ لأن الله رأى فائدتها والسبب الذي سمح لها. مع كونها حسنة في ذاتها. بأن تجعل الصالحين يصلون إلى الكمال. لذا قال: “أثمري وأكثري واملأي المياه التي في البحار وليكثر الطير على الأرض[90]“، وهذا يعني أن الحيوانات المائية العظيمة والكائنات التي تزحف يجب أن تكون في البحر كما قلنا عاليه وأما الطيور فيجب أن تكون على الأرض.

اليوم السادس

حيوانات الأرض: الإنسان الأرضي

۱۱ “وقال الله: “لتنتج الأرض الحيوان الحي كجنسه: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها. وكان كذلك. فعمل الله وحوش الأرض كجنسها وجميع الكائنات التي تزحف على الأرض كجنسها ورأى الله أنها حسنة[91].” التفسير الحرفي هنا لا يمثل صعوبة. لأنه يقول بوضوح إن الله هو الذي خلق الكائنات الحية والبهائم والوحوش وثعابين الأرض. أما بالنسبة إلى المعنى الروحي، فمن المفيد أن نربط هذا المقطع بالتفسيرات السابقة.

منذ قليل، كانت الآية تنص على: “لتنتج المياه بين الحيوانات الحية كائنات تزحف وطيور تطير فوق الأرض في جلد السماء.[92]” أما الآن فتنص على: لتخرج الأرض حيوانات حية كجنسها: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها” ففيما يتعلق بالكائنات التي تخرجها المياه سبق وقلنا إنها يجب أن تفسر بتحركات وأفكار عقولنا والتي تأتي من عمق قلبنا. أما الآن فيما يتعلق بأية: “لتخرج الأرض حيوانات حية كجنسها: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها[93]“، فأعتقد أننا ينبغي أن نرى فيها تحركات إنساننا الخارجي، أي الإنسان الجسداني والأرضي. وإجمالاً لا يذكر الطيور في الفقرات التي ترتبط بالجسد، ولكنه يذكر فقط البهائم والدبابات ووحوش الأرض. لأنه حسب رأي الرسول أن “البر لا يسكن جسدي[94]” وأن “حكمة الجسد هي عداوة لله[95]” فهذه بالتأكيد هي وحوش الأرض، أي جسدنا المخلوق، التي أوصى من جهتها الرسول أيضا هذه الوصية: “فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض، الزنا والنجاسة والدعارة والبخل وعبادة الأوثان… إلخ[96]“.

إذا بأمر الله وبواسطة كلمته عملت كل الأشياء المنظورة وأنشأ هذا الكون المرئي الهائل، ومن ناحية أخرى وفي الوقت ذاته وبصورة رمزية تم تحديد العناصر التي يمكنها أن تجمل هذا العالم الأصغر الذي هو الإنسان[97]، وحينئذ خلق الإنسان نفسه كما سيعرفنا ذلك ما يلي

خلق الإنسان

۱۲ وقال الله: “لنعمل الإنسان على صورتنا وشبهنا وليتسلط على أسماك البحر وطيور السماء وعلى الكائنات الحية وعلى كل الأرض وعلى كل الكائنات التي تدب على الأرض[98]“. وتبعا لتفسيراتنا السابقة، فإن الإنسان كما وصفناه هو من يتلقى من الله أمراً بالتسلط على الوحوش التي ذكرناها سالفاً، أي الطيور والوحوش الدبابة والبهائم وكل ما عداها. وقد قلنا ما هو التفسير الرمزي الذي يجب أن نعطيه لها حين شرحنا أن الماء، أي عقل الإنسان، قد تلقى أمرا بإنتاج الحس الروحي، والأرض بإنتاج الحس الجسدي بحيث إن الروح تتسلط على الحيوانات وليس العكس. لأن الله يريد أن “العمل” العظيم[99] هذا، وهو الإنسان، الذي من أجله خلق الكون كله[100]، لا يكون فقط غير ملوث وغير مصاب من قبل ما ذكرناه عاليه، ولكن أيضاً أن يتسلط عليها. ولكن دعونا الآن نرى بكلمات الوحي ذاتها من أي نوع من الكائنات الحية يصنف الإنسان.

عظمة الإنسان

إن جميع المخلوقات الأخرى خلقت بأمر إلهي، هذا هو ما يقوله الكتاب: “وقال الله: ليكن جلد[101]“، وقال الله: “لتجتمع المياه التي تحت السماء في كتلة واحدة ولتظهر اليابسة[102]“، وقال الله: لتخرج الأرض عشب الحقول[103].” ويعبر الكتاب بنفس الطريقة بالنسبة لكافة المخلوقات الأخرى. ولكن لنر ما هي المخلوقات التي صنعها الله بنفسه، ولنقس بها عظمة الإنسان: “في البدء عمل الله السموات والأرض[104]“، وأيضاً: “عمل نورين عظيمين[105]” والآن أيضاً: “لنعمل الإنسان[106]“. هذه فقط هي المخلوقات دون غيرها التي تحددت كعمل الله الشخصي. فالله لم يعمل سوى السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والآن الإنسان، وأما جميع الباقي فيقول الكتاب إنه عًمل بناء على أمره. فلننظر من هنا ما هي عظمة الإنسان، فهو يجعله مساو لأعظم العناصر وللعناصر الرئيسة. فهو يكرم مثل السماء، ولذلك فله الوعد “بملكوت السموات”، وهو أيضاً يكرم مثل الأرض، ولذا يأمل أن يدخل إلى أرض جيدة، في “أرض الأحياء حيث يتدفق اللبن والعسل[107].” وهو أيضاً يكرم كالشمس والقمر ولذا قد وعد بأن يضيء كالشمس في ملكوت الله[108]

۱۳ بل أتبين في وضع الإنسان شيئاً أسمى أيضاً، لا أجده في أي موقع آخر: “وعمل الله الإنسان، على صورة الله عمله[109]” وهذا لم يذكر لا عن السماء ولا الأرض ولا عن الشمس أو القمر.

الإنسان شبيه الله

بالتأكيد ذلك الإنسان الذي وفقاً للكتاب “عًمل على صورة الله لا نقصده إنساناً جسدياً. فالواقع أن نموذج الجسد لا يحوي صورة الله. ولم يقل إن الإنسان الجسدي قد “عُمل” ولكن إنه “صُنع كما ينص الكتاب فيما يلي. يقول الكتاب: “وصنع الله الإنسان أي شكله من طمي الأرض[110]. أما من عُمل “على صورة الله” فهو إنساننا الداخلي، غير المرئي، غير الجسدي، غير القابل للفساد وغير المائت. لأننا من هذه الصفات نعرف بدقة أكثر صورة الله[111]. فالتصور بأن الإنسان الجسدي هو الذي عمل حسب صورة الله وشبهه، هو الافتراض أن الله نفسه جسدي وأنه يمتلك شكل بشري، ومثل هذه الفكرة عن الله تعد وبكل وضوح تجديفاً. حاصل الكلام، فإن هؤلاء البشر الجسديون، الذين يجهلون معنى اللاهوت، حينما يقرأون عن الله في الكتاب: “السماء عرشي والأرض موطئ لقدمي[112]“، يتصورون أن الله له جسد ضخم حتى إنه يمد قدميه من السماء حيث هو جالس حتى الأرض. وإن كانت لديهم تلك الأفكار فذلك لأنه تنقصهم الآذان المطلوبة لسماع كلام الله المذكور في الكتاب عن الله باستحقاق. فكلمة “السماء عرشي” تفسر كما ينبغي عن الله عندما نعلم أن الله يستريح ويسكن في الذين “مسكنهم في السموات[113]“، أما من كان لهم سلوك أرضي بعد، فنجد فيهم الجزء الأخير من نعمته، كما يشار إلى ذلك بأسلوب مجازي من خلال ذكر القدمين.

فإذا كان من بينهم من وضعوا جهادهم وحماسهم في أن يصيروا سماويين من خلال قداسة الحياة وعمق الفكر، فهؤلاء يصبحون هم أنفسهم أيضا عرشا لله، بعد أن جعلوا أولا سماويين بسلوكهم، وهم يقولون: “أقامنا مع المسيح وأجلسنا معه في السماوات[114].” وأما الذين “كنزهم في السماء[115]” فهؤلاء يمكن أن يطلق عليهم سماويين وكذلك عرشاُ الله لأنه “حيث يكون كنزهم هناك يكون قلبهم[116]“، والله لا يكتفي بأن يستند عليهم ولكنه يسكن أيضاً فيهم[117]. وإن كان هناك من يصلون إلى درجة أن يستطيعوا القول: “أم أنكم تبحثون عن برهان أن المسيح هو الذي يتكلم فيّ[118]“، فلا يكتفي الله بأن يسكن في هؤلاء فقط، ولكنه يسير في وسطهم أيضاً. ولهذا فالكاملون إذ صاروا سماويين أو أصبحوا سماوات، فإنهم يخبرون بمجد الله[119]” كما يقول في المزمور، لهذا أيضا التلاميذ الذين كانوا من السماوات قد أرسلوا ليخبروا بمجد الله ويأخذوا اسم “بوانرجس أي ابني الرعد[120]“، حتى تؤكد لنا قوة الرعد أنهم حقاً من السماوات.

إذاً “عمل الله الإنسان، على صورة الله عمله[121]“. فعلينا أن نرى ما هي صورة الله ونبحث على شبه أية صورة خلق الإنسان، لأنه لم يقل إن الله عمل الإنسان على صورته أو على شبهه، ولكن أنه “عمله على صورة الله فما هي إذا صورة الله الأخرى هذه التي عمل الإنسان على شبهها؟ لهذه الصورة لا يمكن أن تكون إلا مخلصنا: هو بكر كل خليقة[122]” ومكتوب عنه أنه “بهاء النور الأبدي والرسم المرئي لجوهر الله[123]“، ويقول هو عن نفسه: “أنا في الآب والآب فيّ[124]” ومن رآني فقد رأى الآب أيضاً[125].” والواقع أن من يرى صورة شخص يرى الشخص الذي تمثله الصورة. وهكذا، نحن نرى الله عن طريق كلمة الله الذي هو صورة الله. وهكذا يحق ما يقوله إن: “من رآني فقد رأي الآب أيضاً”.

فالإنسان خلق إذا على شبه هذه الصورة. ولهذا، مخلصنا، الذي هو صورة الله، إذ تحركت مشاعر الشفقة لديه من أجل الإنسان الذي عًمل على شبهه، والذي رآه ينحل من صورته ليلبس صورة اللئيم، أخذ هو نفسه صورة إنسان، بدافع الشفقة، وجاء إليه كما يشهد بذلك أيضا الرسول حين يقول: “مع إنه كان الله بحاله، لم يتمسك بلهفة بمساواته مع الله، لكنه أخلى نفسه آخذاً حالة العبد، صائرا في شبه الناس، وإذ عًرف كإنسان من خلال كل ما بدا منه، وضع نفسه حتى الموت[126]

فكل من يأتون إليه ويجتهدون في أن يكونوا مشاركين لتلك الصورة العاقلة[127] بتقدمهم، “يتجددون يوما بعد يوم حسب الإنسان الداخلي[128]” على صورة من صنعهم، وهكذا يمكنهم أن يصيروا تشبيهين بجسد مجده[129]“، ولكن كل واحد بحسب قدراته. لقد تشكل الرسل من جديد على شبهه حتى قال عنهم هو نفسه: “إني ذاهب لأبي وأبيكم، إلهي وإلهكم[130]“، وقد طلب هو نفسه إلى الآب من أجل تلاميذه حتى يعاد لهم الشبه القديم قائلا: “أيها الآب اعمل بحيث يكونوا واحداً فينا، كما أننا أنت وأنا واحد[131].”

فلتكن إذن أعيننا دوماً على صورة الله هذه حتى يمكننا أن شكل من جديد على شبهه. فإن كان الإنسان المخلوق على صورة الله قد صار مشابها لإبليس بالخطية، بنظره، على عكس طبيعته، إلى صورة إبليس، فكم بالأحرى لو نظر إلى صورة الله التي خلقه الله حسب شبهها، فهو سينال بالكلمة وبقوته الشكل الذي أعطى له بالطبيعة. وإن وجد أحد أنه يشبه أكثر إبليس منه إلى الله، فلا ييأس من أنه يمكنه استعادة شكل صورة الله، بما أن المخلص لم يأت ليدعو الأبرار بل الخطاة إلى التوبة[132].” فمتى كان عشاراً[133] وبالطبع كانت صورته تشبه إبليس، ولكن بمجيئه إلى صورة الله وإلى ربنا ومخلصنا وباتباعها، تم تغييره إلى شبه صورة الله. ويعقوب ابن زبدي ويوحنا أخوه[134] “كانا صيادين[135]” وشخصين عديمي العلم[136]“، ومن الواضح أنهما كانا بناء على ذلك يشبهون بالأحرى صورة إبليس، ولكن باتباعهما هما أيضاً لصورة الله صارا مشابهين له مثل باقي التلاميذ. وبولس كان يضطهد[137] صورة الله ذاتها ولكنه حين استطاع أن يرى جمالها وعظمتها، حولته تلك الرؤيا إلى شبهها إلى درجة عالية، حتى إنه قال: “أم أنتم تبحثون عن البرهان على أن المسيح هو الذي يتكلم فيّ[138]؟

“خلقهما ذكرا وأنثى”

14 “ذكراً وأنثى خلقهم وباركهم الله قائلا أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض وكونوا أسيادها[139].” إنه من المثير للاهتمام أن نبحث هنا بتفسير حرفي لماذا يقول الكتاب: “خلقهما ذكرا وأنثى” في حين لم تكن المرأة قد خلقت بعد. بلا شك. هكذا أعتقد أنه بسبب البركة التي أعطاهما الله إياها قائلا: “أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض، فيقول الكتابة، مستبقاً ما كان سوف يحدث: “ذكراً وأنثى خلقهما”، لأن الرجل لا يستطيع أن يثمر ولا أن يتكاثر إلا بالمرأة. وحتى لا يكون هناك إذاً تردد في الإيمان بحلول تلك البركة، يقول: “ذكرا وأنثى خلقهما”، فعلى هذا النحو، إذ يرى الرجل أن النمو والتكاثر ينتج من أن المرأة مرتبطة به، فيمكنه أن يحتفظ بثقة أكبر في البركة الإلهية. فلو كان الكتاب قد قال: “أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض وكونوا أسيادها” دون أن يضيف أنه “خلقهما ذكرا وأنثى” لظل الإنسان حتما متشككا في البركة الإلهية، مثلما فعلت مريم التي جاوبت على بركة الملاك: “كيف يحدث هذا بما إني لست أعرف رجلا[140]؟” ولكن إذا كان الكتاب يقول مستبقا: “خلقهما ذكرا وأنثى” فربما أيضاً لأن كل أعمال الله مقدمة بكونها متحدة ومنجمعة كالسماء والأرض والشمس والقمر، فقد أراد الكتاب من هنا إذاً أن يوضح أن الإنسان أيضاً هو عمل الله وأنه لم يخلق دون الاتفاق والارتباط اللازمين له.

كل ذلك لم يقم بشيء سوى الإجابة على مشكلة التفسير الحرفي.

15 ولكن دعونا نرى أيضا بالمعنى المجازي كيف خلق الإنسان ذكراً وأنثى على صورة الله. إنساننا الداخلي مكون من روح ونفس. لنقل أن الروح هي الذكر، ويمكن أن تعتبر النفس هي الأنثى. فإن تفاهما واتفقا فيما بينهما يثمران ويكثران باتحادهما فيلدان – كأبناء – الأعمال الصالحة والأفكار والتأملات المفيدة التي يمكن بها الأرض ويكونون أسيادها، أي أنهما إذ يتحكمان في ميول الجسد يحولانها إلى مقاصد أسمى ويكونون أسيادها بعدم تساهلهما مع أي تمرد للجسد ضد إرادة الروح. أما إن هبطت النفس المتحدة بالروح والمقترنة بها، إذا جاز التعبير، أحياناً إلى الشهوات المادية ومالت إلى متعة الجسد، فبدت أنها تطيع إنذارات الروح الخلاصية حيناً وتستسلم للرذائل الجسدية حيناً آخر، فإن هذه النفس الملوثة، كما من زنا جسدي، لا يمكنها أن تثمر ولا أن تتكاثر بشكل شرعي، بما أن كلمة الكتاب تعلن أن “أبناء الزنا لا يصلون إلى كمالهم[141]“، فمثل هذه النفس التي تهمل الارتباط بالروح وتستسلم بكاملها إلى ميول الجسد وإلى الشهوات الجسدية كما لو كانت قد ابتعدت عن الله بوقاحة، فتلك النفس ستسمع الصوت القائل لها: “اتخذت وجه امرأة زانية وبذلت نفسك دون حياء للجميع[142]” وستعاقب إذا كزانية ويأمر الرب بإعداد مذبحة أبنائها[143].

16 “وتسلطوا على سمك البحر وعلى طيور السماء وعلى الخيل والحمير وعلى كل الحيوانات التي على الأرض وعلى الزواحف التي تدب على الأرض[144].” لقد سبق وأن فسرنا ذلك بالمعنى الحرفي[145] حين تعرضنا لآية: “وقال الله: لنعمل الإنسان” والباقي تم تفسيره حين قال: “ليتسلطوا على سمك البحر وعلى طيور السماء. إلخ[146]

أما بالمعنى المجازي، فما يبدو لي هو أن ما تشير إليه الأسماك والطيور والحيوانات والزواحف التي على الأرض هو ما قد سبق وقلناه أيضاً أعلاه، أي سواء ما ينتج عن تدابير النفس وفكر القلب أو ما يتولد من الشهوات المادية وحركات الجسد. وفي هذه جميعها يمارس القديسون الذين يحفظون بركة الرب تسلطهم من خلال قيادة الإنسان بالكامل طبقاً لإرادة الروح، أما الخطاة فهم على العكس تحت سيادة ما ينشأ عن نقائص الجسد وشهواته.

غذاء الإنسان

۱۷ “وقال الله ها قد أعطيتكم كل عشب يبذر بذراً على سطح الأرض كلها وكل شجر فيه ثمر ببذر يبذر، هذا يكون لكم طعاماً ولكل حيوانات الأرض وكل طير السماء وكل الدبابات التي تدب على الأرض والتي فيها نفس حية.[147]” وبالمعنى التاريخي، هذه العبارة تشير بوضوح إلى أن الله في البدء سمح باستخدام العشب كطعام، أي الخضراوات وثمار الأشجار ولكن فيما بعد، حين تم العهد مع نوح بعد الطوفان سمح الله للإنسان أن يتغذى على اللحوم. وسوف نفسر لاحقاً أسباب ذلك بشكل أفضل في موقعها. أما بالمعنى المجازي، فالعشب وثمار الأرض التي وهبت للإنسان كطعام يمكن أن تفسر على أنها الأهواء الجسدية. فالغضب والطمع هما إذا أفرع الجسد[148]، وثمر هذه الأفرع، أي العمل، بالنسبة لنا نحن الكائنات العاقلة كما بالنسبة لوحوش الأرض، هو مشترك، لأننا حين نحتد بحق، أي من أجل توبيخ شخص مذنب وإصلاحه من أجل خلاصه، فنحن هنا نتغذى من ثمرة الأرض هذه وغذاؤنا هو الإحتداد الجسدي الذي يردع الخطية ويستعيد العدالة.

وربما يبدو [لكم] أني قد استنتجت هذا من أعماقي أكثر مما استنتجته من سلطان الكتاب الإلهي، ولكن ارجعوا إلى سفر العدد وتذكروا ما عمله الكاهن فينحاس؛ إذ رأى امرأة زانية من مديان سلمت نفسها لفعل النجاسة مع رجل من بني إسرائيل أمام أعين الجميع، وإذ امتلأ من الغضب ومن الغيرة المقدسة، أمسك بسيف وطعن كل منهما به في صدريهما[149]. هذا التصرف حسب له براً من قبل الله، وفقا لكلمة الرب: “فينحاس هدأ غضبي وسوف يحسب له هذا براً[150]“. فهذا الطعام، أي الغضب الأرضي قد صار إذن غذاءنا حين نستخدمه بتعقل من أجل العدل. ولكن حين يوصل الغضب إلى أعمال مخالفة للصواب كمعاقبة الأبرياء، أو كالثورة في وجه من لم يفعلوا أي سوء، يكون هذا الطعام من أجل بهائم الحقل وثعابين الأرض وطيور السماء لأن الشياطين أيضاً تتغذى على نفس هذا الطعام، الذين يقتاتون أعمالنا السيئة ويفضلونها. وقايين مثال لنا على هذا النوع من الأعمال، هو الذي من غضبه وغيرته قتل أخاه البريء[151]. ويجب أن نقول ذلك عن الشهوة وعن كل الأهواء التي من هذا النوع. لأنه عندما تشتهي نفسنا وتنضني تائقة للإله الحي[152]“، فيكون الاشتهاء هو طعامنا. ولكن إذا نظرنا امرأة غريبة لنشتهيها[153] أو إذا اشتهينا أي شيء يملكه القريب[154] هنا تصبح الشهوة طعاما حيوانياً. ومن الممكن أن نعطي مثالا لذلك: شهوة آخاب وما فعلته إيزابل من أجل كرم نابوت اليزرعيلى[155].

ويجب بالتأكيد أن نلاحظ حذق الكتاب المقدس حتى في اختيار الكلمات، فبينما قال حين كان الأمر يتعلق بالبشر: “قال الله: ها قد أعطيتكم كل عشب يبزر بزراً على الأرض وكل شجر على الأرض: هذا يكون لإطعامكم[156]“، لم يقل ذلك حين كان الأمر يتعلق بالبهائم: “إني أعطيتها كل هذا طعاما لها” لكن: هذا يستخدم طعاما لها[157]“، وباتباع المعنى الروحي الذي عرضناه، يجب نفهم أن هذه الغرائز قد أعطاها الله للإنسان ومع ذلك فهو يعلن أنها تستخدم أيضا طعاماً لبهائم الأرض. هذا هو السبب إذن في أن الكتاب الإلهي قد استخدم أسلوباً حذراً للغاية: فيخبر بالنسبة للبشر أن الله قال: “أعطيتكم هذا طعاما[158]“، أما عندما يأتي إلى البهائم، يقول إن هذا يستخدم أيضاً طعاماً للبهائم والطيور والثعابين، ليعني أن هذا لا يأتي كأمر من قبل شخص، وإنما كنوع من الإعلان من قبل شخص.

أما نحن، فلنعكف وفقا لقول بولس الرسول “على القراءة[159]“، حتى نستطيع، حسب كلماته الخاصة، “أن نأخذ فكر المسيح[160]” ونعرف “ما أعطاه الله لنا[161]“، وما أعطاه طعاما لنا لا يجب أن نجعل منه طعاما للخنازير أو للكلاب[162]. لكن لنهيئ بداخلنا طعاما يجعلنا مستحقين لاستقبال كلمة وابن الله في قلوبنا، الذي يأتي مع أبيه والذي يريد أن يقيم فينا مسكنه[163] في الروح القدس[164] الذي يجب قبل كل شيء أن نكون له هيكلاً[165] بقداستنا. له المجد الدائم إلى دهر الدهور آمين[166].

 

 

 

[1] العناوين الجانبية من وضع مترجم النسخة الفرنسية.

[2] انظر: تك 1: 1.

[3] انظر: 1 تي 4: ۱۰.

[4] انظر: كو 1: 15.

[5] انظر: یو ۱: ۳

[6] هناك شروحات أجزل ومتنوعة أكثر وأدق في:

In principio, Commentaire sur S. Jean, I, 90-124, SC 120, p. 106 – 125

ويتعلق الأمر هنا بالنسبة إلىأوريجانوس بحفظ دور الكلمة في الخلق كل شيء به كان”، وأيضا بتأكيد لا زمنية البدء بحيث يمكن أن يطابق عرض الكتاب المقدس لبداية الخليقة مع الوجود المسبق للعالم المعقول (المدرك بالعقل لا بالحواس). وسنلاحظ بعد قليل (في نهاية الفقرة 1) أنأوريجانوس يعبر بوضوح عن فكرة أن ’’يوم الخليقة الأول” لا يحسب في الزمن. فبالنسبة له، تكون مخلوقات اليوم الأول (“السماء” و”الأرض” كما يفهمهما) موضوعة إذا خارج الزمن، في الوجود المسبق. ارجع إلى:

In principio, Interpretations des premiers versets de la Genese, Paris, Etudes augustiniennes, 1973; chez Origene, p. 88-92, par P. Nautin.

[7] انظر: تك 1: ۲ (حسب نص الترجمة السبعينية للعهد القديم). ومن الجدير بالذكر أن النص

الذي يعتمد عليه العلامةأوريجانوس في عظاته على سفر التكوين وفي كل اقتباساته من العهد القديم هو نص الترجمة السبعينية. كما أنه في بعض الأحيان يعتمد على الذاكرة فلا

تأتي اقتباساته حرفية.

[8] انظر: تك 1: 3.

[9] انظر: تك 1: ۲.

[10] يذكر النص كلمة “سوف” (erit) بدلا من كلمة “كان” (erat) وحيث وضعناأوريجانوس في مناخ خليقة ما قبل الزمن، تكون الهاوية التي يصفها أيضا من نفس الطبيعة هي موجودة قبل الزمن. لكن هل كان (erat) بالفعل إبليس وملائكته فيها (وهذا يطابق الفكر الأوريجيني)، أم يجب انتظار أن يكون الزمن قد أتم عمله الذي سوف. (erit) تحدث فيه المعركة ضد إبليس، وهذا ما تمكن روفينوس من تصوره من خلال سفر الرؤيا ( ۹: ۱۲ و ۲۰ : ۳). وفي مكان آخر في هذه العظات نجد أن الهاوية هي مسكن إبليس الدائم (راجع العظة 4: 4).

[11] انظر: رؤ 12: 9؛ 20: 3 (انظر مت 25: 41).

[12] انظر: لو ۸: ۳۱.

[13] انظر: تك 1: ۳. 5.

[14] اقرأ، بالتزامن مع عظة أوريجينيس:

De opificio mundi de PHILON (en français dans “ Les œuvres de Philon d’Alexandrie’’, ed. Du Cerf, Paris, I, trad.R. Arnaldez, 1961).

[15] انظر: تك 1: 5.

[16] لتتبع شرح وفكرأوريجانوس عن رمزية السماء هذه والجلد والمياه، انظر:

  1. PÉPIN, Théologie cosmique et théologie chrétienne, PUF Paris 1964, le chap. VI de la 4 partie, p. 390-417.

[17] انظر: تك 1: 6- ۷.

[18] انظر: إش 66: ۱.

[19] انظر: تك 1: 7.

[20] انظر: اکو 15: 4۷.

[21] انظر: في ۳: ۲۰.

[22] انظر: تك 1: ۷۔ ۸.

[23] انظر: يو ۷: ۳۸؛ 4: 14.

[24] انظر: يو 12: 31. حرفيا “أمير هذا العالم.”

[25] انظر: رؤ 12: 7؛ 2: 3.

[26] انظر كو 3: 1.

[27] انظر تك 1: 8.

[28] حرفياً: العنصر اليابس”.

[29] انظر تك 1: 9.

[30] انظر متى 5: 16.

[31] انظر: يوحنا 3: 20-21.

[32] انظر تك 1: 9.

[33] انظر: تك 3: 18؛ عب 6: 8.

[34] انظر: إش 9: 19.

[35] انظر خر 3: 8؛ 33: 3.

[36] انظر تك 1: 10-11.

[37] انظر: تك 27: 27.

[38] انظر: عب 6: 7-8.

[39] انظر: تك 1شك 12-13.

[40] انظر: لو 6: 45.

[41] انظر: مت 13: 5-6، 20.

[42] انظر: مت 13: 8، 23.

[43] انظر: مت 13: 25.

[44] انظر: لو 8: 5.

[45] انظر: يو 14: 6.

[46] انظر: مت 13: 4؛ لو 8: 5.

[47] إن الطريقة التي يشير بهاأوريجانوس هنا إلى المراتب الروحية هي غير دقيقة. فهو لا يعطي تصنيفات محددة وواضحة المعالم لتلك المراتب التي يقترحها من خلال الصور الكتابية. ويبدو أن حالة “الكرم” هنا متفوقة عن حالة “الأرض”، لكن لا توجد أية اشارة الطبيعة هذا التفوق. وفي مواضع آخرى، يميزأوريجانوس المراتب وفقا للفرق الذي يجده بين نوح وحيوانات الفلك (العظة ۲: ۳)؛ وبين إبراهيم ولوط (العظة 4: ۱)؛ وبين إسحق وإسماعيل (العظة ۷: ۲)؛ وبين رفقة وجمالها (العظة ۱۰: ۲)؛ وبين الأرض واليابسة (العظة ۱: ۲)؛ وبين الأرض والسماء (العظة ۱: ۲). ونعتقد أنه سيكون من غير المجدي أن نبحث هنا عن شيء أخر بخلاف مجرد تمييز الخبرة بين مسيحيين كاملين تقريباً.

[48] انظر: إش 5: 2، 6.

[49] انظر تك 1: 14.

[50] انظر يو 8: 12.

[51] انظر: يو 8: 12.

[52] انظر: رو 13: 13.

[53] انظر 1تس 5: 5.

[54] انظر: تك 1: 14-15.

[55] انظر: 1تس 1: 10؛ مت 3: 7؛ لو 3: 7.

[56] انظر: 1تس 5: 4.

[57] انظر: إش 61: 2.

[58] انظر: يو 1: 9.

[59] انظر: رو 2: 19.

[60] انظر: مت 5: 14.

[61] انظر: أف 5: 27.

[62] انظر: تك 1: 16-19.

[63] انظر: عب 11: 5. ارجع إلى العظة ۹: ۲ “كان هناك في الشعب اليهودي الكثير من الأبرار والأنبياء الذين يمكن أن نقارنهم بحق مع نجوم السماء.”

[64] انظر: 1كو 15: 41.

[65] انظر: مت 9: 27.

[66] انظر: زك 1: 3.

[67] انظر: ار 23: 23.

[68] انظر: مت 25: 15.

[69] انظر: مت 13: 34.

[70] انظر: مت 15: 32؛ مر 8: 3.

[71] انظر: لو 10: 39 وما بعده.

[72] انظر: مت 13: 36.

[73] انظر لو 22: 28.

[74] انظر: مر 4: 34.

[75] انظر: مت 17: 1-3.

[76] انظر: تك 1: 20.

[77] انظر: مت 5: 28.

[78] انظر: تك 39: 7 وما بعده.

[79] انظر: لو 21: 2.

[80] انظر: سي 4: 28.

[81] موضوع الاستشهاد الذي يظهر هنا ليس بلاغة محضة، ولكنه يجعلنا نفهم أن الاضطهاد في ذلك الزمان كان يمكن أن يبعث من حين لآخر. وبعد بضعة سنوات، ختم أوريجينيسن الدرس الرمزي الذي يستخلصه اليوم من عرضه، بآلامه الخاصة.

[82] انظر: تك 1: 21.

[83] انظر: تك 1: 21-23.

[84] انظر: مز ۱۰۳: ۲۹. هذا هو المزمور رقم ۱۰۳ بحسب نص السبعينية ويقابله مزمور رقم 104 في النص العبري الماسوري وهو النص الذي أخذت عنه الترجمة البيروتية.

[85] انظر: تك 1: 21.

[86] انظر: أي 1: 9.

[87] انظر: أي 42: 10.

[88] انظر 2تي 2: 5.

[89] انظر: تك 1: 21.

[90] انظر: تك 1: 22.

[91] انظر: تك 1: 24-25.

[92] انظر: تك 1: 20.

[93] انظر: تك 1: 24.

[94] انظر رو 7: 10.

[95] انظر رو 8: 7

[96] انظر: كو 3: 5.

[97] “العالم المصغر” هو فكرة أرسطوطالية وكثيراً ما يرجع إليها فيلو.

[98] انظر: تك 1: 26.

[99] انظر أف 2: 10.

[100] LACTANCE, De ira Dei, 13, CSEL, p. 99

“إذا تفحصنا إدارة العالم الكونية، فسنفهم مدى عظمة الحقيقة الموجودة في اعتقاد الرواقيين الذين يقولون إن العالم قد أنشئ من أجلنا”

CISERON, De nat. deor. II, 62, 154:

“كل ما هو في العالم قد اعد وانجز من أجل خير البشر” ويرفضأوريجانوس فكر كیلسوس الذي لا يقبل أن يكون الله قد صنع كل شيء من أجل الإنسان.

[101] انظر: تك 1: 6.

[102] انظر: تك 1: 9.

[103] انظر: تك 1: 11.

[104] انظر: تك 1: 1.

[105] انظر: تك 1: 16.

[106] انظر: تك 1: 26.

[107] انظر: خر 3: 8؛ 33: 3.

[108] انظر: مت 13: 43.

[109] انظر: تك 1: 27.

[110] انظر: تك 2: 7.

[111] يرجعأوريجانوس من أجل شرح أكثر تفصيلا للإنسان المخلوق على صورة الله في تعليقات على سفر التكوين. لكن الجزء الأكبر من هذه التعليقات مفقود اليوم باستثناء ربما المقطع الطويل الذي على البردية التي تملكها جامعة جيسين (Giessen).

[112] انظر: إش 66: 1.

[113] انظر:: في 3: 20.

[114] انظر: أف 2: 6.

[115] انظر: مت 19: 21.

[116] انظر: لو 12: 34.

[117] انظر: 2كو 6: 16.

[118] انظر: 2كو 13: 3.

[119] انظر: مز 18: 1 (بحسب السبعينية).

[120] انظر: مر 3: 17.

[121] انظر: تك 1: 27.

[122] انظر: كو 1: 15.

[123] انظر: عب: 1: 3.

[124] انظر: يو 14: 10.

[125] انظر: يو 14: 9.

[126] انظر: في 2: 6-8.

[127] تعادل “عاقلة” هنا تقريبا “روحية” أو حتى “إلهية”. ويقال “عاقل” عن كل من يتطابق مع مبادئ العقل المستنير بالروح القدس. “المعرفة العقلية” هي المعرفة التي تجعلنا نتشارك مع كلمة وحكمة الله (العظة ۳: ۲). “المخلوقات العقلية” هي المخلوقات التي تستمد حياتها من الثالوث (العظة ۲: 5). “الحس العقلي” هو الحس الذي يسمح لنا بأن نسود على شهوات الجسد وأن نقف بلا انقطاع أمام الله العظة 4: 14؛ العظة ۱۲: 5)، وألا ننظر إلى الوراء وأن نكون على الدوام متجهين صوب الخلاص (العظة 5: ۲)؛ وهو الذي يجعل الماء الحي الذي للحياة الأبدية ينبع فينا (العظة 12: 5)، وهو انعكاس صورة الله فينا (العظة ۱۳: 3). وعلى العكس فإن الذين لم يضئ عندهم الإيمان بعد هم كائنات محرومة من العقل (العظة ۲: ۳).

[128] انظر: 2كو 4: 16.

[129] انظر في 3: 21.

[130] انظر: يو 20: 17.

[131] انظر: يو 17: 21-22.

[132] انظر: لو 5: 32.

[133] انظر: مت 10: 3.

[134] انظر: مت 4: 21.

[135] انظر: مت 4: 18.

[136] انظر: أع 4: 13.

[137] انظر: 1تي 1: 13.

[138] انظر: 2كو 13: 3.

[139] انظر: تك 1: 27-28.

[140] انظر: لو 1: 34.

[141] انظر: حك 3: 16.

[142] انظر: إر 3: 3.

[143] انظر: إش 14: 21.

[144] انظر: تك 1: 28.

[145] ارجع إلى العظة 1: 12.

[146] انظر: تك 1: 26.

[147] انظر: تك: 1: 29-30.

[148] أي التي يتغذى عليها.

[149] انظر: عد 25: 7-8.

[150] انظر: عد 25: 11-12؛ مز 105: 31 (بحسب السبعينية).

[151] انظر: تك 3: 8.

[152] انظر: مز 83: 3 (بحسب السبعينية).

[153] انظر: مت 5: 28.

[154] انظر: خر 20: 17.

[155] انظر: 1صم 21.

[156] انظر: تك 1: 29.

[157] انظر: تك 1: 30.

[158] انظر: تك 1: 29.

[159] انظر: 1تي 4: 13.

[160] انظر: 1كو 2: 16.

[161] انظر: 1كو 2: 12.

[162] انظر: مت 7: 6.

[163] انظر: يو 14: 23.

[164] هذه العبارة تذكر مصطلح “في الروح القدس” حينما تتكلم عن عمل الثالوث معنا. وسنجد في (العظة ۲: 5) عبارة “من الأب بالابن والروح القدس” وهي كلها تعتبر بدايات لما استقر في القرن الرابع: “من الأب بالابن في الروح القدس.

[165] انظر: 1كو 6: 19.

[166] انظر: رو 11: 36.

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

مجتمع الله الجديد : مجتمع الله في فعله

مجتمع الله الجديد : مجتمع الله في فعله

مجتمع الله الجديد : مجتمع الله في فعله

مجتمع الله الجديد : مجتمع الله في فعله

 

كل مجتمع – سواء كان بدائياً أو متحضراً – وجد أنه من الضروري أن تكون له أحكام وقواعد تحكم سلوك أعضائه. وهذه الأحكام بكل بساطة تأتي نتيجة الخبرة التي اكتسبوها عن أفضل الطرق لعمل الأشياء. وأحياناً، كما هو الحال بالنسبة لقليل من مجموعات قوانين الشرق الأوسط قديماً، تنبع القوانين من المعتقدات الدينية.

وبين آونة وأخرى، كما هو الحال في العهد القديم، نجد خليطاً بين الناحيتين. وليس معنى هذا أن العهد القديم بدا على هذا القدر من البساطة بالنسبة لأولئك الذين حاولوا أن يتبعوه أيام يسوع. لأنه في ذلك الحين كان العهد القديم قد صار معقداً نتيجة إضافات تفسيرات وتطبيقات مفصلة – إلى الدرجة التي كان يتطلب الأمر معها أن يكون الإنسان متخصصاً في الدراسات اللاهوتية. والأصعب من ذلك هو أن يحفظها.

وموقف يسوع من السلوك كان مختلفاً تماماً عن ذلك. وفي مناسبات عديدة تحدي القواعد التي كان يضعها الفريسيون. فعلى سبيل المثال، فإنه بالنسبة لموضوع السبت، أعلن يسوع قناعته بأن “السبت إنما جُعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت” فهو يوم جعل ليستخدمه الناس بحيث يتمتعون فيه، لا لأن يكون يوماً مملاً كئيباً يقضي في محاولة يائسة لعدم تدنيسه. وكان الفريسيون مستاءين طبعاً لتجهل ناموسهم، لأنه على أية حال كان الغرض المعترف به منه هو مساعدة الناس على إرضاء الله، وكيف يتسنى لهم ذلك إلا عن طريق إطاعة متطلباته؟

وفيما نقرأ الأناجيل يتضح لنا أن يسوع كان يقصد أيضاً أن يساعد الناس على معرفة الله. لكن الإله الذي تحدث عنه تم تصويره بشكل مختلف. فلم يكن هو الإله الذي يطلب الالتزام بعدد كبير من التعليمات المستحيلة، بل هو الله الذي يمكن للإنسان أن يكون في علاقة شخصية معه كأب. فأبو يسوع إله غفور، يعتني بالناس حتى وهم في نقصهم الأخلاقي. ولكنه يهتم بأن يعرفوه بشكل أفضل حتى تنطلق قوته لتغيير حياتهم.

سبق أن عرفنا مضامين كل هذا في الأمثال التي قالها يسوع، كما لاحظنا أيضاً بعض النتائج الأخلاقية لتعليمه. فالذين يعيشون في شركة مع الله يجب أيضاً أن يحبوا قريبهم. وعليهم أن يهتموا بالمنبوذين، وأن يهتم كل منهم بخير الآخر. ولكن لماذا ينبغي على شعب الله أن يسلك على هذا النحو؟ ما هو أساس التعليم الأخلاقي؟ أي – التعليم الخاص بالسلوك – الذي علم به يسوع، وكيف يمكننا فهمه؟ هذه هي الأسئلة التي سنحاول الإجابة عليها في هذا الفصل.

ليس من السهل أن نتكلم عن الأخلاقيات التي علم بها يسوع بمعزل عن بقية تعليمه ذلك أن كل تعليمه عن الله وعن مجتمعه الجديد يتضمن بعداً أخلاقياً. والموعظة على الجبل والتي تعد بصفة عامة أكبر مجموعة شاملة من التعاليم الأخلاقية في الأناجيل[1]، تجدها أيضاً عامرة بالفكر اللاهوتي. ومع ذلك، فإن هذه الموعظة تعطينا فكرة طيبة عن وضع الأخلاقيات في المجتمع الجديد الذي جاء يسوع ليفتتحه.

قبل أن نلقي نظرة على المضمون الفعلي للعظة على الجبل، نحتاج أولاً إلى التفكير في أفضل وسيلة لفهم ما يقوله يسوع فيها. وهذا أمر له أهميته، لأنه من الواضح أن الطريقة التي يعطي بها يسوع تعليمه هنا، تختلف تماماً عن نهج كتب الأخلاقيات الحديثة، بل وتختلف بالكلية عن الطرق التي يعبر بها الناس العاديون عن نفس الأفكار. وكمعلم صالح، كان من الطبيعي أن يستخدم يسوع صيغاً من اللغة والتعبيرات التي يفهمها أولئك الذين سمعوه لأول مرة. وهناك على الأقل ثلاث طرق مختلفة استخدمها يسوع في تقديم تعليمه:

ç معظم العظة كُتب شعراً، على الرغم من أنه لو لم يتم لفت انتباهنا إلى ذلك فلربما ما كنا نعرف أنها شعر. والشعر في بعض اللغات يعتمد في تأثيره على القافية ونيرة التوكيد. غير أن الشعر العبري مختلف إلى حد ما، فهو يعتمد في تأثيره على تناغم الفكر، وهناك نوعيتان أساسيتان من الشعر. وهذا يعتمد في تأثيره على تناغم الفكر، وهناك نوعيتان أساسيتان من الشعر. وهذا يعتمد على ما إذا كان التناغم في التماثل أو في الاختلاف. لنأخذ – على سبيل المثال – العبارة التالية من متى. وهذه يمكن ترتبيها شعراً على النحو التالي:

“لا تعطوا القدس للكلاب

ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير”[2].

وأمامنا هنا شعر عبري أصيل، نجد فيه أن الشطر الثاني يكرر فكرة الشطر الأول، ولكن باستعمال تشبيه مختلف. وهذا يسمى “التوازي المترادف”. وهناك أمثلة كثيرة منه في المزامير والأجزاء الشعرية الأخرى في العهد القديم.

وهناك نمط آخر من الشعر العبري نسيمه “التوازي المعكوس” وفي إنجيل متى أيضاَ نموذج منه:

“هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة

وأما الشجرة الردية فتصنع أثماراً رديئة”[3]

وهناك درس مماثل تعلمناه من كل شطر، لكن الفكر تم التعبير عنه باستخدام المفاهيم العكسية تماماً. وهذا الأسلوب نجده كثيراً في العهد القديم.

حتى الصلاة الربانية يمكن ترتيبها شعرياً. وقد وضعها هنتر A. M. Hunter على النحو التالي:

“أبانا الذي في السماوات

ليتقدس اسمك

ليأت ملكوتك

لتكن مشيئتك

كما في السماء

كذلك على الأرض

خبزنا كفافنا

أعطنا اليوم

واغفر لنا ذنوبنا

كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا

ولا تدخلنا في تجربة

لكن نجنا من الشرير”[4]

 

ç هناك ملمح عام آخر في تعليم يسوع، وهو استخدام الصور البلاغية. والتي تأخذ شكل قصص الأمثال، وفي أحيان أخرى تكون مجرد توضيحات رائعة من الحياة اليومية. وكثير من الأمثال تعلم بالطبع دروساً أخلاقية، غير أن العظة على الجبل تستخدم صوراً من الحياة الواقعية. وهذا أمر يختلف عن الطريقة التي تميل إلى رفع المستوى الأخلاقي بها في أيامنا هذه. فنحن نتكلم عن الأخلاقيات بطريقة مجردة، ولكن يسوع كان دائماً يتعامل مع أشياء حقيقية. فعلى سبيل المثال، قد نقول:

“إن المادة يمكن أن تشكل عائقاً أمام النمو الروحي”. أما يسوع فقال:

“لا يقدر أحد أن يخدم سيدين… لا تقدرون أن تخدموا الله والمال”[5].

كان يسوع يتكلم بطريقة حيوية. وكثيراً ما كان يستخدم المبالغة المفرطة لتوضيح هدفه. فقد قال على سبيل المثال: “إنه خير لك أن تقلع عينك من أن تزني، وأن تقطع يدك بدلاً من أن تغضب الله”[6]. ومن الواضح أنه لم يكن يقصد أن نعمل ذلك حرفياً، لكنه استخدم لغة المبالغة هذه لكي يؤثر في سامعيه ويقنعهم بجدية رسالته.

وفيما نقرأ الموعظة على الجبل، نحتاج إلى أن ننتبه إلى هذه الأساليب المختلفة التي اعتاد يسوع أن يستخدمها في رسالته. فمعرفة الصياغات المختلفة تساعدنا على فهم ما الذي كان يسوع يعنيه بما يقوله.

إذاً، ما هي نوعية الأخلاقيات التي نادى بها يسوع؟ ما هي مبادئ العمل التي يجب أن ترشد الذين قبلوا سيادة الله على حياتهم؟ هناك ثلاثة أمور تميز أخلاقيات مجتمع الله الجديد عن معظم النظم الأخلاقية الأخرى.

يسوع يعلن معايير الله

تعليم يسوع الأخلاقي جزء لا يتجزأ من تعليمه عن سيادة الله في حياة البشر. وما لم نفهم هذا، فمن الصعوبة أن نفهم معنى الموعظة على الجبل.

وكل النظم الأخلاقية لها مقدمة منطقية أساسية يقوم عليها كل شيء آخر. وتعليم يسوع الأخلاقي يقوم على أساس الإعلان بأن الله الذي خلق كل الأشياء، والذي عمل في التاريخ في اختبار إسرائيل الذي سجله العهد القديم، يمكن أن يعرف بطريقة واقعية وشخصية. وسلوك أتباع المسيح هو نتاج طبيعي لارتباطهم الشخصي مع الله، أبيهم.

وهذا المبدأ كان له دائماً موضع أساسي في اليهودية. فالعهد القديم نفسه كان قائماً على مقدمتين منطقيتين بسيطتين كانتا أساسيتين أيضاً في تعليم المسيح في العهد الجديد.

صلاح الإنسان يستمد طابعه من الله

يتمثل الجزء الأساسي لأحد أقسام ناموس العهد القديم في عبارة “تكونون قديسين لأني قدوس الرب إلهكم”[7]. والمعايير الأخلاقية التي كان يحتاج إليها شعب الله لم تكن أقل من انعكاس طبيعة الله نفسه عليهم. وقد أوجز أحد الباحثين ذلك بأن وصف الأخلاقيات الكتابية بعبارة “علم السلوك الإنساني، كما حدده السلوك الإلهي”. فالإنسان يجب أن يسلك كما يسلك الله.

ومن أروع سمات أعمال الله كما اختبرته إسرائيل رغبته في العناية بأناس لا يفكرون فيه، فقد دعي إبراهيم من بلاد ما بين النهرين وأعطي وطناً جديداً، ولم يكن ذلك لتميزه من الناحية الأخلاقية أو الروحية، ولكن لمجرد أن محبة الله اتجهت نحوه. ولقد خرجت إسرائيل من تجارب الخروج المحبطة وما تبعها، ليس بسبب كمالهم الأدبي، بل بكل بساطة بسبب عناية إله محب. وعلى أساس أعمال لطف الله هذه التي لم يكونوا يستحقونها، كان لله طلبات معينة من شعبه.

وتبدأ الوصايا العشر بعبارة: “أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية…”[8]. وهذه هي الفرضية المنطقية التي قامت عليها الوصايا. فلأن الله صنع شيئاً لشعبه، فإن عليهم مقابلة ذلك بمحبة وطاعة. ونفس النموذج نجده في موضع آخر في ناموس العهد القديم: “واذكر أنك كنت عبداً في أرض مصر ففداك الرب إلهك “لذلك” أنا أوصيك بهذا الأمر اليوم”[9].

وأخلاقيات العهد الجديد لها نفس أساس هذه القاعدة. فعلى سبيل المثال، فإنه لم يلفت النظر أنه حين أراد بولس أن يوقف النزاع الذي كان قائماً في كنيسة فيلبي[10]، لم يلجأ إلى المنطق العادي لحل هذه المشكلة بل إلى نفس هذه الناحية بالذات من سمات الله التي رأيناها في العهد القديم. لقد أخذ مثال الطريقة التي بذل لها الله نفسه من أجل خلاصنا في المسيح، وأخذ منه الأساس الذي أقام عليه مناشدته الأخلاقية لقرائه. ولأن يسوع تخلى عن كل شيء لأجلنا، فيجب علينا أن نكون مستعدين أن نضحي بأنانيتنا لكي نرضيه.

والحقيقة أن شخصية الله كإله قدوس وكأب محب هي أساس تعليم الكتاب المقدس بالنسبة للسلوك، له على الأقل ثلاث نتائج عمليه هام….

ç هذه النتائج أعطت اليهود والمسيحيين على السواء إحساساً كبيراً بخطورة الخطية. فحين يواجه الناس بإله قدوس مستعد أن يبذل نفسه تماماً بمحبة لمنفعة أولئك الذين لم يهتموا به أو يوقروه، هنا يدركون كيف أن طبيعتهم تختلف عن طبيعة إلههم. فعلى سبيل المثال، حين تأثر إشعياء بالمعنى الحقيقي لقداسة الله كان رد فعله الفوري هو أنه أدرك – وربما للمرة الأولى – المدى الكامل لخطيته[11]. ونفس الشيء لا بد وأنه كان ينطق على معظم الناس الذين تقابلوا مع يسوع. وفي حالات كثيرة غفر يسوع خطايا أولئك الذين أتوا إليه، وهو نفسه يذكرنا أن أولئك الذين يدركون حاجتهم هم فقط الذين يمكن أن يغفر لهم.

ç وصلاح المسيحي له طبيعة روحية غير عالمية تتجاوز متطلبات المنطق العادي. فطبيعة الله كما أعلنها يسوع تبين محبته الباذلة، وهذا ما دأب يسوع على امتداحه بشكل عملي في تعليمه. فقد قال للشاب الغني: “اذهب بع كل ما لك وأعط الفقراء…”. وفي الموعظة على الجبل قال يسوع لتلاميذه أن يذهبوا ميلين إذا سخرهم الرومانيون على حمل حقائبهم لميل واحد. وعليهم أن يحولوا الخد الآخر ويقابلوا الشر بالخير. وكثيراً ما تبدو لنا هذه الأشياء غير معقولة على الإطلاق، بل وقد يعتقد البعض أنها سخيفة. ولكننا إذا ما نظرنا إليها في ضوء ما بذله الله من أجلنا، فلسوف تظهر لنا بشكل مختلف.

ç يجب أن تكون الرغبة العارمة لشعب الله هي إرضاء الله ومقابلة محبته بطرق تعكس طابعه. وهذا هو ما يحفزهم على إطاعة وصايا يسوع. علينا أن نحب أعداءنا ليس من أجل أن نلفت الأنظار إلينا، لكن “لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات”.

الصلاح المسيحي والمجتمع

الموضوع الرئيسي للعهد القديم هو الإيمان بأن الله قد عمل، وبشكل حاسم في تاريخ شعبه إسرائيل، وأنه دخل معهم في علاقة وثيقة من خلال عمل عهد معهم. وهذا معناه أن الفرد الإسرائيلي، لم يكن إطلاقاً مجرد فرد، بل عضواً في شعب الله. ونتيجة ذلك فالصلاح الذي يتطلبه الله يجب أن يظهر ليس في أفراد أتقياء فحسب، بل في مؤسسات الحياة القومية.

وبنفس الطريقة أعلن يسوع أنه جاء ليقيم ملكوت الله في حياة أتباعه[12]. ولكن ليس في حياتهم كأفراد فقط، بل كذلك في حياتهم المشتركة وإحدى الوصيتين العظميين هي أن الإنسان يجب أن يحب قريبه كنفسه[13]. والذين يقبلون سيادة الله على حياتهم[14]، أعطوا وصية جديدة لتكون أساس المجتمع المسيحي: “أن تحبوا بعضكم بعضاً. كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً. بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إذا كان لكم حب بعضاً لبعض”[15].

الالتزام بوصايا يسوع الأخلاقية

تعليم يسوع قصد به فقط أن يكون أسلوب حياة بالنسبة لأولئك الذين يخضعون حياتهم لسلطان الله. وهذه هي النقطة التي غالباً ما أسيء عندها فهم الأخلاقيات التي نادى بها يسوع. والذين يدعون أنهم يستطيعون تقبل الموعظة على الجبل، ولا يقبلون ما ادعاه يسوع بالنسبة لشخصه يكونون قد أساءوا فهم جوهر تعليمه. وذلك أنه من المستحيل تماماً أن يفصل فكره اللاهوتي عن أخلاقياته، ومن يحاول ذلك يدمرهما معاً.

وفي مقدمته للموعظة على الجبل، يخبرنا متى أن التلاميذ هم الذين كانوا يشكلون جانب المستمعين للعظة، وأن عناصر العظة المختلفة من الواضح أنها موجهة لأناس معنيين ملتزمين وليس لكل الناس. وهذا ما فهمه المسيحيون الأوائل.

ومن المؤكد أن العظة استعلمت بالشكل الذي نعرفها نحن به، لكي تعلم المتجددين حديثاً في الكنائس التي كان متى مرتبطاً بها في القرن الأول. وفي إطار حياة يسوع، وكذلك في إطار الكنيسة الأولى، كانت التعاليم الأخلاقية للموعظة تسبق بالكرازة بالرسالة المسيحية وقبولها.

وقد أوضح “دود”، أنه يمكن التمييز بين خطين من التعليم المسيحي الأول في العهد الجديد، ومن المثير أن نجد أنهما يتناغمان مع النموذج العام الذي لاحظناه في تعليم العهد القديم الأخلاقية. فمن ناحية هناك نوعية التعليم التي يسميها “الكرازة Kerygma” وتمثل هذه في الأساس إعلاناً عما فعله الله للبشر من خلال حياة يسوع وموته وقيامته.

وهذا يماثل الطريقة التي دُعي بها إبراهيم وذريته وأُقيموا كأمة في العهد القديم. ولقد عمل الله من خلال المسيح ليس كنتيجة لأي قيمة أخلاقية في الشعب الذي أصبح من أتباعه، ولكن بدافع من محبته غير المستحقة – وهذا ما يسميه المسيحيون “نعمة”. وكما دعيت إسرائيل لإطاعة الناموس على أساس ما فعله الله، فهكذا أيضاً أعطى المسيحيون الأوائل نصائح وتحذيرات أخلاقية وروحية.

وأطلق البروفسور “دود” على هذا الخط وصف “تعليم: didache”. وبوسعنا أن نرى هذه الخطين بوضوح تام في بعض رسائل بولس، والتي غالباً ما تعرض للمسائل اللاهوتية أولاً ثم تصور مناشدة عملية للمسيحيين على أساس الحجج اللاهوتية. غير أن الفرق ليس مهماً للغاية، والواقع أن الكرازة Kerygma والتعليم Didache يلتقيان في النهاية معاً. لأن أخلاقيات العهد الجديد لم تكن تتمثل في بعض القواعد التي فرضت من خارج، بل في نوعية من الحياة أعطيت للمسيحيين نتيجة ما عمله المسيح من أجلهم.

وبإمكاننا أن نوضح هذا من الأقوال المتعلقة بالإنسان كفرد، والتي وردت في الموعظة على الجبل، والتي لا يمكن فهم أي منها بمعزل عن الإيمان بأنه في المسيح اقتحم الله التاريخ بطريقة حاسمة. فحين قال يسوع لتلاميذه أن يغفروا للآخرين زلاهم، فكان ذلك على أساس أنهم هم أنفسهم نالوا غفران الله[16]. وحين طلب منهم أن يحبوا أعداءهم[17]، فنحن نتذكر فاعلية محبة الله التي أظهرت لهم دون أن استحقاق. وفي كل حالة نجد أن عطية الله، ونعمته المجانية، دائماً تأتي قبل طلب شيء. وحتى العمل المرسلي الذي قام به التلاميذ كان لا بد أن يتم على نفس هذا الأساس. وقد قال لهم يسوع: “مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا”[18].

يسوع يعلم أخلاقيات الحرية

من بين أعظم الإغراءات التي يتعرض لها قراء الموعظة على الجبل، محاولة تفسيرها كمجموعة من القواعد والتعليمات – كناموس جديد للمسيحيين، يحل دائماً بدلاً من ناموس العهد القديم العتيق. وهذا شيء برز في وقت مبكر جداً من تاريخ الكنيسة، ويعتقد بعض الباحثين أنه حتى متى نفسه اعتبرها “ناموساً جديداً” سلمه يسوع على الجبل في الجليل، مثلما سلم “الناموس القديم” بيد موسى على جبل سيناء.

غير أن تعليم يسوع الأخلاقي لم يقصد به إطلاقاً أن يكون ناموساً” بأي حال من الأحوال.

ç تعليم الموعظة على الجبل يختلف تماماً عما نعرفه في العادة بأن “ناموس” فمعظم النواميس تقوم على أساس الكيفية التي يتم بها حساب السلوك المتوقع والذي يمكن قبوله من أغلبية الذين تم وضع القانون من أجلهم، والناموس الذي لا يمكن حفظه هو ناموس سيء، وليس من فائدة في عمل ناموس ليضغط على الناس لكي يصبحوا على ما يخالف حقيقتهم. ولكن هذا بالطبع هو ما يعمله بالضرورة تعليم يسوع. فهو يطلب منا أن نكون مختلفين عما نحن عليه بالطبيعة. ولذلك لا يكفي أن نعتبره كناموس جديد، لأن متطلباته ليست من النوعية التي يمكن لأي إنسان أن يوفيها بمجرد بذل الجهد.

ç طوال مدة خدمته كان يسوع في نزاع مع الفريسيين، وهم مشرعو الأمة اليهودية. فقد كانوا مهتمين بالأعمال التي يمكن التحكم فيها بواسطة القواعد. إلا أن نهج يسوع كان على النقيض من ذلك تماماً. فقد كان يهتم بالأكثر بالناس والمبادئ. وسر الصلاح عنده لا يكمن في إطاعة التعليمات، بل في الأعمال التلقائية للطبيعة التي تغيرت. “لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثماراً ردية ولا شجرة ردية أن تصنع أثماراً جيدة”[19].

وتعليم يسوع ليس ناموساً، بل هو أخلاقيات للحرية. فالذين يقيمون سيادة الله في المجتمع الجديد يتمتعون بحرية أن يعرفوه في إطار علاقة حية كأبيهم. وموعظة يسوع على الجبل لا تقدم أحكاماً وتعليمات بل هي تقدم لنا مبادئ، والمبادئ تهتم بماهية الشخصية أكثر مما تهتم بما يعمله. وليس معنى هذا أنه لا أهمية للأعمال، بل أن يسوع أدرك أن الطريقة التي نسلك بها تعتمد على نوعية الناس التي نحن منها. وبدون الميل والتحفيز الداخلي الصحيح، لن يكون بمقدورنا حتى أن نبدأ في فهم تعليم يسوع الأخلاقي. لأنه كما أوضح “مانسون T. W. Manson” الأمر ببراعة فقال: تعليم يسوع يعد بوصلة وليس خريطة المعدات العسكرية، فهو يقدم لك الاتجاهات لا التوجيهات.

هل ألغى يسوع ناموس العهد القديم

هناك قول ورد في الموعظة على الجبل كثيراً ما أثار بعض المصاعب. وهو القول الذي جاء في: “لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكن إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل”.

وقد قدمت عدة تفاسير لهذا القول:

ç أبسطها هو القول بأن هذه العبارة في الواقع لم تصدر عن يسوع، ولكنها جاءت في العظة في وقت لاحق، وهي تعكس موقفاً في كنائس اليهود المسيحيين، والذين كان متى يكتب لهم إنجيله. 

ولعل متى كان يفكر في الفوضى التي حدثت في بعض الكنائس نتيجة سوء فهم تعليم بولس عن الحرية من قيد الناموس، وربما أراد أن يحول دون وقوع أية حركات مماثلة من قبل المسيحيين الذين كان يعرفهم. وربما بدا هذا أنه حل متطرف، لكن هذه الآيات لا تتناغم طبيعتها مع بقية ما جاء في تعليم يسوع بجملته، حتى أن مفكرين كثيرين اعتقدوا أن هذا هو أفضل حل.

ç قيل أيضاً إنه حين تكلم يسوع عن “تكميل الناموس” فربما كان يعني شيئاً مختلفاً إلى حد ما عما اعتقدنا أنه قصده. فالمجتمع الجديد الذي يتحدث عنه يسوع، عادة ما يصور على أنه تكميل للعهد القديم، وكان ثمة عنصر هام في العهد القديم وهو أن شعب الله بمقدوره أن يتمتع بعلاقة حية معه. وعلى الرغم من أن الكتبة والفريسيين فرغوا هذه العلاقة من مضمونها، وضمنوها تشريعاتهم، إلا أنه ربما كان يسوع يشير إلى غايته الأساسية، والتي تطلب بالنسبة لحياة الشخص أن تكون حياة الإنسان مستقيمة أمام الله: “وماذا يطلبه منك الرب إلا أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعاً مع إلهك” (ميخا 6: 8).

ç ومن المحتمل أيضاً أن ما قاله يسوع عن استمرارية الناموس لا يجب فهمه حرفياً ومثل الكثير من تعاليمه، من الممكن أن يكون هذا أسلوب مبالغة للتأكيد على أن إرساليته ورسالته كلها لها أصولها العميقة في الإعلان الإلهي الذي تضمنه العهد القديم.

[1] متى 5-7

[2] متى 7: 6

[3] متى 7: 17.

[4] متى 5: 29.

[5] متى 6: 24.

[6] متى 5: 29.

[7] لاويين 19: 2.

[8] خروج 20: 2.

[9] تثنية  15: 15.

[10] فيلبي 2: 5-11.

[11] إشعياء 6: 1-8.

[12] متى 22: 34-40.

[13] مرقص 12: 28-34.

[14] لوقا 10: 25-28.

[15] يوحنا 13: 34-35.

[16] متى 6: 14-15.

[17] متى 5: 44.

[18]  متى 10: 8.

[19] متى 7: 18.

لماذا إعتمد المسيح؟ معمودية المسيح في نهر الأردن (الغطاس)

لماذا إعتمد المسيح؟ معمودية السيد المسيح في نهر الأردن (الغطاس)

لماذا إعتمد المسيح؟ معمودية المسيح في نهر الأردن (الغطاس)

لماذا إعتمد المسيح؟ معمودية المسيح في نهر الأردن (الغطاس)

معمودية المسيح تمثل لنا  اهمية كبرى فهي :

أولاً: المسيح الذي بلا خطية ذهب لمعمودية التوبة ؟ اليس غريباً هذا ليس موضعه المناسب ! فما الذي ذهب به الي هناك ؟ تخيل طبيب غير مصاب بالسرطان جلس مع مرضي السرطان ودخل معهم ..! هذا الطبيب ليس موضعه وسط المرضي لماذا ذهب الي هناك ؟

فهو ليس في الاحتياج لهذا …!وما هو هذا التواضع ..اذا قلنا هذا علي الطبيب ما بالك بالرب يسوع هكذا المسيح لم يكن محتاج لهذا الامر بل كونه انسان كامل وضع نفسه مع البشر كبداية اعلان خدمته لاخوته لاجلهم هم وليس لاجله .وتاكيد ما جاء عن يوحنا في النبوات ان هذا من يعد ويجهز طريقاً للرب .فيسوع اعطي شاهده لهذا .

اوضح لنا يوحنا ان المسيح لم يكن يحتاج لهذه المعمودية بقوله في متي 3 : 14  أنا المحتاج أن أتعمد على يديك وانت تاتي الي ! وكان رد يسوع انه ينبغي ان نكمل كل بر .

ثانياً: كان يوحنا وكثيرين هم من يحتاجون الي هذه الشهاده التي تمت خلال هذا العمل فالمسيح ليس بحاجة لشهاده انسان فاعماله الخلاصية تكفي .

مهد الرب لتاسيس سر المعمودية في تقديم نفسه ليوحنا اشاره الي تاسيس معمودية الماء والروح القدس الذي سيكون للكنيسة عما قريب .فغطس المسيح في المياة ليس لاجل تقديسه فهو الذي يقدس هذا الماء .

ثالثاً: كان هذا تواضع من الرب لكسر تشامخ البعض الذين يقولون بعدم ضرورة المعمودية او الماء .فالذي بلا خطية ولم يكن محتاج لهذه المعمودية اعتمد ..!

رابعاً: التاكيد علي مسيانية يسوع في سفر اعمال الرسل 19 : 4 فقال بولس: «إن يوحنا عمد بمعمودية التوبة، قائلا للشعب أن يؤمنوا بالذي يأتي بعده، أي بالمسيح يسوع».

خامساً: التاكيد ان هذا الجسد هو جسد حقيقي مشابه لنا في كل شئ متمم لكل الوصايا

سادساً: تتميم كل بر يسوع لم يكن محتاج للمعمودية لكن ارسي تنقية المياة للتطهير الحقيقي فالمسيح تمم الختان وهكذا تمم هذا الامر فقد رفض البعض معمودية يوحنا وقبلها العشارين والزناه وتكلم يسوع عنهم ان العشارين سيسبقوكم للملكوت .

سابعاً: اعلان بداية خدمة يسوع وهو في الثلاثين من عمره .

ثامناً: استعلان الثالوث لنا وفتح باب شركة في الثالوث من خلال المعمودية .فهذا استعلان وليس حقيقة فلم يكن الروح القدس ليسوع  بظهوره للحمامة فكان له َ! ولم يكن الآب يشهد الا عندما فتحت السموات …! كل هذا هو استعلان لماهية الثالوث لنا فالروح القدس والآب واحد مع الابن في الجوهر .لكن ما تم هو وسيلة ايضاح الثالوث لنا .

يرى القديس يوحنا ذهبي الفم ان معمودية يوحنا جسر بين الشكل اليهودي والمعهمودية المسيحية .فمعمودية يوحنا ليست معمودية الروح القدس ولا تمنح غفران النعمة. بل هي دعوة للتوبة ولهذا السبب قال يوحنا انه يعمد بالماء لكن سياتي من يعمد بالروح .

قال يوستينوس الشهيد (165 م) في حواره مع تريفوا ان الابن لم يكن بحاجة الي هذه المعمودية لكنه فعل هذا لكشف واستعلان نفسه للبشرية. واستطرد يوستينوس وقال انه اظهر اعلان الآب والابن والروح القدس فهو اكثر بكثير من كونه نجار.

رأى توما الاكويني ان معمودية يوحنا عاجزه عن غفران الخطايا .فعندما تعمد يسوع كان لهذا اشارات ومدلولات روحية مثلما كان في عرس قانا الجليل في يوحنا 2 يمكننا النظر الي هذه الحادثة بانها نعمة الرب علي الزواج .

تامل مار افرام (373) من خلال ترتيله تقارن بين معمودية يسوع في نهر الاردن والولاده من العذراء فقال انظر النار والروح في بطن من حملتك ! اري النار والروح في النهر حيث اتعمدت ! فالنار والروح لنا بالمعمودية !في الخبز والدم نجد النار والروح القدس. فالمسيح الذي سكن في رحم العذراء من حيث الجسد هكذا كان في رحم نهر الاردن .

لماذا إعتمد المسيح؟ معمودية المسيح في نهر الأردن (الغطاس)

السماء – سي إس لويس

السماء – سي إس لويس

السماء – سي إس لويس

السماء – سي إس لويس

“إنها مطلوبة. إنك توقظ إيمانك بالفعل. ثم بعد ذلك كل شيء يقف ساكناً؛ معلقاً؛ أولئك الذين يظنون أنه عمل غير مشروع هذا الذي سأقوم به، دعهم يرحلون.”

شكسبير SHAKESPEARE, Winter’s Tale

 

“وأنا مغمور في عمق رحمتك دعني أموت الموت الذي تشتهيه كل نفس حية.”

كوبر COWPER out of Madame Guion

 

“فإني أحسب”، يقول القديس بولس، “أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا.” إن كان الأمر كذلك، فإن كتاباً عن الألم والمعاناة لا يقول أي شيء عن السماء، يترك تقريباً جانباً كاملاً من جانبي الرواية. في المعتاد يضع الكتاب المقدس والتقليد أفراح السماء في جانب مقابل للآلام الأرضية، ولا يوجد حل لمعضلة الألم لا يقوم بذلك يمكن أن نطلق عليه حلاً مسيحياً.

إلا أننا نشعر بالخجل الشديد في هذه الأيام حتى من مجرد ذكر السماء؛ فنحن نخشى من التهكم حول السعادة في السماء، وأن يقال لنا أننا نحاول “الهروب” من واجبنا في أن نصنع عالماً سعيداً هنا والآن عن طريق أحلام بعالم سعيد في مكان آخر. فإما أن تكون هناك سعادة في السماء أو لا تكون. لكن لو لم تكن هناك سعادة في السماء، إذاً المسيحية باطلة وزائفة، لأن هذه العقيدة منسوجة داخل نسيجها بأكمله. وإذا كانت هناك هذه السعادة، فإن هذه الحقيقة، مثلها مثل أية حقيقة أخرى، لا بد أن تتم مواجهتها، سواء كان هذا مفيداً في الاجتماعات السياسية أم لا.

مرة أخرى، إننا نخشى أن تكون السماء رشوة، وأننا إذا جعلناها هدفاً لنا فإننا لن نصبح نزيهين. لكن الأمر ليس بهذه الصورة. فلا تقدم السماء أي شيء يمكن للنفس المنتفعة أن ترغب فيه. فمن الآمن أن تخبر ذوي القلوب النقية أنهم سوف يرون الله، لأن أنقياء القلب وحدهم هم الذين يريدون ذلك. هناك مكافآت لا تلوث الدوافع. فمحبة رجل لامرأة ليس نفعية لأنه يريد أن يتزوجها، ولا تعتبر كذلك محبته للشعر نفعية لأنه يريد أن يقرأه، ولا محبته للتدريبات الرياضية أقل نزاهة لأنه يريد أن يجري ويقفز ويمشي. فالحب بحسب تعريفه، يسعى للاستمتاع بما أو بمن يحبه.

ربما تعتقد أن هناك سبباً آخر لصمتنا بشأن السماء، بمعنى، أننا لا نرغب فيها حقاً. لكن قد يكون هذا وهماً. إن ما سأقوله الآن هو مجرد رأي خاص بي بدون أدنى سلطة، لذلك فإني أخضعه لحكم مسيحيين أفضل ودارسين أفضل مني. في بعض الأحيان أفكر أننا لا نرغب في السماء؛ لكن في مرات أكثر أجد نفسي أتساءل ما إذا كنا، في أعماق قلبنا، قد رغبنا في أي شيء آخر على الإطلاق. ربما تكون قد لاحظت أن الكتب التي تحبها حقاً مرتبطة معاً بخيط خفي.

إنك تعرف جيداً ما هي السمة المشتركة التي تجعلك تحبها. رغم أنك لا تستطيع أن تصيغ ذلك في كلمات؛ لكن معظم أصدقائك لا يرون تلك السمة على الإطلاق، وكثيراً ما يتساءلون لماذا، إذ تحب هذا، يكون عليك أيضاً أن تحب ذلك. مرة أخرى، أنت تقف أمام بعض المناظر الطبيعية، التي تبدو وكأنها تجسد ما تبحث عنه طوال حياتك؛ ثم بعد ذلك نظرت إلى التصديق الذي يجلس إلى جانبك الذي يظهر أنه يرى ما رأيته انت، لكن عند الكلمات الأولى تجد هوة كبيرة تفصل بينكما، فتدرك أن هذا المنظر الطبيعي يعني شيئاً مختلفاً تماماً بالنسبة له، إنه يسعى إلى رؤية مغايرة ولا يهتم بالإيحاء الذي يفوق الوصف الذي أثارك.

حتى في هواياتك، ألم يكن هناك دائماً نوعاً من الجاذبية الخفية يجهلها الآخرون بصورة غريبة، شيئاً، لا يمكن تعريفك به، ولكنه يكون دائماً على وشك الظهور. في رائحة الخشب المقطوع في الورشة أو قرقعة المياه على جانب القارب؟

أليست كل الصداقات التي تستمر طوال الحياة تولد في اللحظة التي تلتقي فيها أخيراً بإنسان آخر يكون لديه نوع من المعرفة المحدودة (لكنها تكون ضعيفة وغير أكيدة حتى في أفضل صورها) لذلك الشيء الذي ولدت وأنت ترغب فيه، والذي يكون قابعاً تحت التغير المستمر للرغبات الأخرى، وفي كل أوقات الصمت اللحظي بين العواطف الأعلى صوتاً، ليلاً ونهاراً، وسنة بعد سنة، منذ الطفولية وحتى الشيخوخة، تبحث عنه، وتراقبه، وتصغير إليه؟ إنك لم تحصل عليه أبداً.

كل الأمور التي امتلكت نفسك بعمق من قبل كانت مجرد لمحات منه، ومضات مثيرة، وعود لم تتحقق تماماً، وأصداء تلاشت بمجرد أن لامست أذنيك. لكنه لو أصبح ظاهراً بالفعل، لو جاء صدى في أي وقت مضى ولم يتلاشى بل تضخم داخل الصوت نفسه فإنك ستعرفه. بلا أي احتمال للشك سوف تقول، “ها هو أخيراً الشيء الذي صنعت لأجله”. إننا لا نستطيع أن نخبر به بعضنا البعض.

إذ إنه السمة السرية المميزة لكل نفس، الرغبة التي لا يمكن التعبير عنها والتي لا يمكن إشباعها، الشيء الذي رغبنا فيه قبل أن نلتقي بزوجاتنا أو نكّون صداقاتنا أو نختار عملنا، والذي سنظل نرغب فيه على أسِرّة موتنا، عندما لا يعد العقل يعرف الزوجة او الصديق او العمل. فأثناء وجودنا يوجد هذا الشيء. وإذا فقدناه، نفقد كل شيء.

تلك السمة أو العلامة المميزة في كل نفس قد تكون نتيجة الوراثة والبيئة، لكن هذا يعني فقط أن الوراثة والبيئة هما من بين الأدوات التي بواسطتها يخلق الله النفس. إنني أتساءل ليس عن الكيفية، بل عن السبب الذي لأجله يصنع الله كل نفس مميزة ومتفردة. فإذا لم يكن له أي استخدام لكل هذه الاختلافات، فأنا لا أرى سبباً يجعله يخلق أكثر من نفس واحدة. لكن تأكيد أن مداخل ومخارج فرديتك لا تعد غامضة بالنسبة له؛ وفي يوم من الأيام لن تكون سراً غامضاً بالنسبة لك.

فالقالب الذي يصنع منه المفتاح سيكون شيئاً غريباً، لو أنك لم ترى مفتاحاً من قبل؛ والمفتاح نفسه سيكون غريباً بالنسبة لك لو لم تكن قد رأيت قفلاً. إن لنفسك شكلاً رائعاً ومختاراً بعناية لأنها تجويف صُنع لك يلائم بروزاً معنياً في المعالم اللامحدودة للجوهر الإلهي، أو مفتاحاً لفتح واحد من الأبواب في منزل به العديد من الشقق. لأنه ليست الإنسانية بصورة مجردة هي التي ستخلص، بل أنت، أنت القارئ كفرد، سواء كنت جون ستوبس أو جانيت سميث. أيها المخلوق المبارك السعيد.

إن عينيك أنت هي التي سوف تراه (الله) وليس عيناً آخر. كل ما أنت عليه، بدون خطية، من المقدر لك أن تحظى بالشبع المطلق، إذا تركت الله يأخذ طريقه الصالح في حياتك. نظرت ساحرة بروكين The Brocken specter “إلى كل رجل كأنه هو حبها الأول”، لأنها كان خدعة، لكن الله سوف ينظر إلى كل نفس وكأنها هي حبه الأول لأنه هو حبها الأول. سيبدو مكانك في السماء وكأنه صنع لأجلك، ولأجلك أنت وحدك، لأنك أنت صُنعت له، صُنعت له غرزة تلو الأخرى مثلما يصنع القفاز لليد.

من وجهة النظر هذه يمكننا أن نفهم الجحيم في جانبه الخاص بالحرمان. طوال حياتك كانت هناك نشوة غير قابلة للتحقيق تحلق أبعد من قبضة وعيك. لكن سيأتي اليوم الذي ستستيقظ فيه لتجد، فيما يتجاوز كل رجاء، إما أنك قد حصلت عليها، أو أنها كانت في متناول يدك لكنك قد فقدتها إلى الأبد.

قد تبدو هذه فكرة خاصة وذاتية خطيرة عن اللؤلؤة كثيرة الثمن، ولكنها ليس كذلك. فالشيء الذي أتكلم عنه ليس اختباراً. فقد اختبرت فقط الاحتياج إليه، لكن الشيء نفسه لم يتجسد فعلياً أبداً في أية فكرة، أو صورة، أو عاطفة. فقد يستدعيك دائماً خارج نفسك. وإذا لم تخرج خارج نفسك لكي تتبعه. إذا جلست لكي تتأمل في الرغبة وأنت تحاول أن تتعلق بها في ذهنك، فإن الرغبة نفسها سوف تهرب منك. “فالباب الذي يوصل إلى الحياة يفتح عامة خلفنا” و “الحكمة الوحيدة” لإنسان “يلازمه عبير الورود غير المرئية، هي العمل”[1].

هذه النار الخفية تخرج عند استخدام الخوار؛ قم بتغطيتها بما يبدو أنه الوقود البغيض للعقيدة والأخلاقيات (لكي تضمن استمرار اشتعالها ببطء)، أدر ظهرك لها، وباشر واجباتك، وعندها سوف تتقد وتتوهج. يشبه العالم صورة ذات خلفية ذهبية، ونحن الشخصيات الموجودة في تلك الصورة؛ فإلى أن تخطو خارج مسطح الصورة إلى الأبعاد الواسعة للموت، لا تستطيع أن ترى الذهب. لكن لدينا أشياء تذكرنا به. لك نغير استعارتنا التشبيهية، نقول إن التعتيم ليس كاملاً تماماً. فهناك شقوق يظهر منها النور. لكن في بعض الأحيان يبدو المشهد اليومي كبيراً لغموضه.

هذه هو رأيي؛ وقد يكون خاطئاً. ربما تكون هذه الرغبة الخفية أيضاً جزء من الإنسان القديم ولا بد من صلبها قبل النهاية. لكن هذا الرأي له خدعة غريبة لتجنب إنكار الذات. فهذه الرغبة – بل الأكثر كثيراً الرضا والشبع – يرفض دائماً أن يكون متواجداً بالكامل في أية خبرة. فمهما حاولت تحديدها والتعرف عليها، يتضح أنها ليست هي بل شيء آخر؛ بحيث أنه بالكاد يمكن لأية درجة من الصلب أو التغيير أن تذهب إلى أبعد مما تقودنا الرغبة نفسها أن نتوقعه. مرة أخرى، لو كان هذا الرأي غير صحيح، فإن شيئاً أفضل يكون صحيحاً. لكن “شيئاً أفضل” – ليس هذه الخبرة أو تلك، بل أبعد منها – هو في الأغلب تعريف الشيء الذي أحاول أن أصفه.

الشيء الذي تتوق إليه يستدعيك بعيداً عن الذات. بل حتى الرغبة في الشيء تحيا فقط إذا تركتها وتجاهلتها. هذا هو القانون المطلق – البذرة تموت لكي تحيا، والخبز لا بد أن يُلقى على وجه المياه، والشخص الذي يضيّع نفسه يخلصها. لكن حياة البذرة، والعثور على الخبز، واسترداد النفس، هي أمور حقيقية مثل التضحية الأولى. لذلك يقال حقاً عن السماء أنه، “لا توجد ملكية في السماء، فإذا تجرأ أي إنسان بأن يدعو شيئاً ما أنه ملكه، فإنه سوف يُطرح مباشرة إلى الجحيم ويصبح روحاً شريرة”[2].

لكنه يقال كذلك، “من يغلب فسأعطيه حصاة بيضاء، وعلى الحصاة اسم جديد مكتوب لا يعرفه أحد غير الذي يأخذ” (رؤيا 2: 17). ماذا يمكن أن يكون ملكاً للإنسان أكثر من اسمه الجديد الذي حتى في الأبدية يظل سراً خاصاً بينه وبين الله؟ وماذا يا ترى تعني هذه “الخصوصية”؟ بالتأكيد. إن كلاً من النفوس المفدية سوف تعرف وتمجد إلى الأبد خاصية ما معينة في الجمال الإلهي أفضل مما يمكن أن يقوم به أي كائن آخر، فلماذا غير ذلك إذاً تم خلق كل الأفراد، إلا لأن الله، حيث أنه يحب كل منهم إلى ما لا نهاية، يحب كل منهم بطريقة مختلفة؟ وهذا الاختلاف، أبعد كثيراً من أن يعوق، يفيض بالمعاني في حب كل الكائنات المباركة لبعضها البعض.

في شركة القديسين. فلو كان الجميع قد اختبروا الله بنفس الطريقة وقدموا لله عبادة متماثلة، لما كان لترنيمة الكنيسة المنتصرة أي تناغم، لكانت كما لو أن فرقة موسيقية تقوم فيها كل الآلات بعزف نفس النغمة الواحدة. يخبرنا أرسطو أن المدينة هي “وحدة المختلفين”، ويخبرنا القديس بولس أن الجسد هو وحدة بين أعضاء مختلفة والسماء مدينة، وجسد، لأن المباركين يظلون إلى الأبد مختلفين؛ يظلون مجتمعاً، لأن كل منهم لديه شيء يقوله للآخرين كلهم – فسيجد كل منهم في الله أخباراً جديدة ومتجددة دائماً عن “إلهي”، والذي سوف يسبحه الجميع باعتباره “إلهنا”.

لأنه بلا شك أن المحاولة الناجحة المتواصلة، لكن غير المكتملة على الإطلاق، التي تقوم بها كل نفس بتوصيل رؤيتها المتفردة لجميع الآخرين (وهذا بطرق يُعتبر الفن الأرضي والفلسفة مجرد محاكاة غير متقنة لها) هي أيضاً من بين الغايات التي خلق الفرد لأجلها (لمدح مجد نعمته).

هذا لأن الوحدة تتواجد فقط بين المختلفين؛ وربما من هذا الرأي، تلقي نظرة لحظية على معنى كل الأشياء. مبدأ وحدة الوجود Pantheism هو عقيدة ليست كاذبة تماماً بقدر ماهي وراء الزمن بصورة ميؤوس منها. ففي القدين، من قبل الخليقة، كان سيصبح صحيحاً أن نقول إن كل شيء كان هو الله. لكن الله خلق؛ وهكذا قد سبب وجود أشياء أخرى غير نفسه. ولكونها مختلفة، فيمكنها أن تتعلم أن تحبه. وأن تحقق الوحدة بدلاً من مجرد التماثل. وهكذا ألقى الله أيضاً خبزه على وجه المياه.

وحتى داخل الخليقة يمكننا أن نقول ان المادة غير الحية، التي ليست لديها إرادة، هي واحد مع الله بالمعنى الذي لا يكون فهي البشر كذلك. لكنه قصد الله أننا يجب أن نعود إلى تلك الهوية القديمة (كما قد يريدنا بعض الصوفيين الوثنيين أن نفعل) بل إننا يجب أن نواصل إلى الحد الأقصى للاختلاف هناك، لكي نتحد مرة أخرى معه بطريقة أسمى. حتى داخل الإله الواحد الأقدس نفسه، لا يكفي أن يكون الكلمة هو الله، بل لا بد أيضاً أن يكون الكلمة “عند” أو “مع” الله. فالآب يلد الابن أزلياً والروح القدس ينبثق؛ هذا الإله يقدم لنا الاختلاف والتمييز داخل ذاته نفسها حتى أن وحدة المحبة التبادلية تتسامى على مجرد الوحدة الحسابية أو الهوية الذاتية.

لكن التمييز والاختلاف لكل نفس – السر الذي يشكل الوحدة بين كل نفس والله، الجنس البشري في حد ذاته لن يلغي أبداً القانون الذي يمنع الملكية في السماء. أما بالنسبة إلى رفاقها من المخلوقات، فإننا نفترض أن كل نفس، سوف تشترك أبدياً في تقديم كل ما تتلقاه إلى الباقين كلهم. اما بالنسبة لله، لابد أن نتذكر أن النفس ما هي إلا تجويف يملأه الله. فوحدتها مع الله، تقريباً بحكم التعريف، هي إخلاء وتخل مستمر عن الذات – فتح، وكشف وتسليم للذات.

فالروح المباركة هي قالب مجوف ينتظر في أي وقت بصبر أكثر فأكثر أن ينسكب فيه المعدن المشع، جسد يتكشف دائماً بالكامل أكثر فأكثر لوهج شمس النهار الروحية. لا يجب أن نفترض أن ضرورة شيء مواز لإخضاع الذات سوف تنهي على الإطلاق، أو أن الحياة الأبدية لن تكون أيضاً إماتة أبدية (للذات). بهذا المعنى، كما أنه قد تكون هناك متع في الجحيم (ليقنا الله منها)، قد يكون هناك شيء ليس على العكس تماماً من الآلام في السماء (ليمنحنا الله سريعاً أن نتذوقها).

لأنه في إعطاء الذات، إذا كان في إي مكان آخر، نلمس إيقاعاً ليس فقط لكل الخليقة بل لكل الكيان. هذا لأن الكلمة الأزلي Eternal Word قدم نفسه أيضاً كذبيحة؛ وتلك لم تكن فقط على الجلجثة. لأنه عند صلب “فإنه فعل في الطقس العاصف لعوالمه النائية، ذلك الذي كان قد فعله قبلاً في بيته في المجد والسرور”[3]. فمن قبل تأسيس العالم يعود الإله المولود ويخضع للإله الوالد بالطاعة.

وكما أن الابن إنساناً عادياً، أعتقد أنه قيل بصدق أن، “الله يحب ليس نفسه كنفسه بل باعتبارها الصلاح او الخير؛ وإذا كان هناك شيء أفضل من الله، لكان قد أحبه ولم يحب نفسه”[4]. لذلك من الأسمى (الإله) إلى الأدنى (المخلوق)، تتواجد الذات ليك تُخلى، وبواسطة هذه الإخلاء، تصبح نفساً بأكثر صدق، وعندها تصبح أكثر اخلاء، وهكذا إلى الأبد. ليس هذه قانوناً سماوياً يمكننا أن نهرب منه بأن نظل أرضيين، ولا هو قانون أرضي يمكننا أن نهرب منه بأن نَخلص: لكن ما هو خارج نظام إعطاء وإخلاء الذات ليس أرضاً، ولا طبيعة، ولا “حياة عادية”.

بل هو فقط وببساطة الجحيم. ومع ذلك فحتى الجحيم يَشق من هذا القانون مثل هذا الواقع حيث أنه عنده. فهذا السجن القاسي في الذات هو مجرد وجه العملة الآخر لإعطاء الذات الذي هو واقع مطلق؛ إنه الشكل السلبي الذي تأخذه الظلمة الخارجية بواسطة توضيح وتعريف شكل الواقع؛ أو الذي يفرضه الواقع على الظلمة بأن يكون له شكل وطبيعة إيجابية خاصه به.

إن التفاحة الذهبية للطبيعة الذاتية، إذ ألقيت بين الآلهة الباطلة، أصبحت تفاحة الخلاف الشقاق لأنهم تزاحموا وتدافعوا عليها. إنهم لم يعرفوا القانون الأول للعبة المقدسة، وهي أن كل لاعب لابد بكل وسيلة ممكنة أن يلمس الكرة ثم يمررها بعد ذلك في الحال. فإذا وُجدت والكرة في يدك يكون هذا خطأ؛ وإذا تشبثت بها، هذا هو الموت. ولكنها عندما تطير للأمام وللخلف بين اللاعبين بسرعة شديدة بحيث لا يمكن للعين أن تتبعها، والمدرب العظيم نفسه هو الذي يقود اللعب، معطياً نفسه أزلياً لخليقته في الخلق، ثم راداً إياها لنفسه مرة أخرى بتضحية الذبيحة في الكلمة، عندها حقاً تجعل الرقصة الأبدية Eternal Dance “السماء تنعس مع التناغم”.

كل الآلام والمسرات التي نعرفها على الأرض هي تلقينات مبكرة لحركات تلك الرقصة؛ لكن الرقصة نفسها لا يمكن مضاهاتها على الإطلاق بآلام هذا الزمان الحالي. فإننا إذ نقترب من إيقاعها الأزلي، يغوص الألم والمتعة حتى يختفيا عن الأنظار تقريباً. هناك يتواجد الفرح في الرقصة، ولكن الرقصة لا تتواجد لأجل خاطر الفرح. بل أنها حتى لا تتواجد لأجل خاطر الخير، أو الحب، بل إنها هي الحب نفسه Love Himself، والخير نفسه Good Himself، وبالتالي فهي فرحة. إنها لا توجد لأجلنا، بل نحن الذين نوجد لأجلها.

إن حجم وفراغ الكون الذي أخافنا في بداية هذا الكتاب، لا يزال يجب أن يخيفنا، لأنه رغم أنها ليسا أكثر من منتج ثانوي ذاتي لخيالنا ثلاثي الأبعاد، إلا أنهما يرمزان إلى حق عظيم. فكما هي أرضنا بالنسبة لجميع النجوم، هكذا بلا شك نحن أيضاً البشر واهتماماتنا بالنسبة لكل الخليقة؛ وكما هي كل النجوم بالنسبة للفضاء نفسه، هكذا أيضاً كل المخلوقات، وكل العروش والقوى وأقدر الآلهة المخلوقة، بالنسبة إلى لانهائية ولامحدودية الكائن ذاتي الوجود Self Existing Being (الله)، الذي هي بالنسبة لنا آب وفادي ومعزي ساكن فينا.

إنه هو الكائن الذي لا يستطيع أي أنسان أو أي ملاك أن يقول أو يدرك ما هو في نفسه، أو ما هو العمل الذي يعمله “من البداية إلى النهاية”. لأن هؤلاء جميعهم مستمدون وغير جوهريين، لذلك فإن رؤيتهم تخذلهم وهم يغطون أعينهم من النور المفرط للحقيقة المطلقة، الذي كان والكائن والذي يأتي، الذي لم يكن من الممكن أبداً أن يكون غير ذلك، والذي ليس له ضد أو نقيض.

بعض الأحيان، تنتج تصميماً على إخفاء المعاناة، أما النساء اللواتي يعانين من التهاب المفاصل الروماتويدي Rheumatoid Arthritis فيظهرن مرحاً وهو الأمر المميز للغاية. حتى أنه يمكن مقارنته بأمل مرض السل Spes Phthisica؛ وربما يرجع هذا إلى تسمم طفيف للمريض من العدوى أكثر منه إلى زيادة في قوة الشخصية. بعض ضحايا الألم المزمن تتدهور حالتهم، فيصبحون خصاميين ولوامين ويستغلون مركزهم المميز كمرضى لممارسة الاستبداد المنزلي.

لكن الأمر الغريب هو أن الفاشلين يكونون قليلين للغاية والأبطال كثيرين جداً؛ يوجد تحدي في الألم البدني يمكن لمعظم الناس أن يدركوه ويستجيبوا له. من ناحية أخرى، فإن المرض الطويل، حتى دون ألم، يستنزف العقل كما يستنزف الجسد. فيتخلى المريض المزمن عن الصراع وينجرف بعجز وبوضوح إلى يأس الشفقة على الذات. حتى في هذه الحالة، بعض المرضى في حالات جسدية مماثلة، يحتفظون بهدوئهم وإيثارهم إلى النهاية. أن ترى ذلك، فتلك خبرة نادرة ولكنها مؤثرة.

أما الألم النفسي فأقل درامية من الألم الجسدي، ولكنه أكثر شيوعاً وأيضاً أكثر صعوبة في تحمله. المحاولات المتكررة لإخفاء الألم النفسي تزيد من العبء؛ فمن السهل أن تقول “أسناني تؤلمني” عن أن تقول “إن قلبي مكسور”. لكن إذا تم قبول السبب ومواجهته، فإن الصراع يقوي وينقي الشخصية وفي الوقت المناسب سوف يعبر الألم في المعتاد.

إلا أنه في بعض الأحيان، يستمر ويكون أثره مدمراً؛ فإذا لم يتم مواجهة السبب أو الاعتراف به. فإنه ينتج الحالة المحزنة للعصابية المزمنة. لكن البعض ببطولية يقومون بالتغلب حتى على الألم النفسي المزمن، وفي كثير من الأحيان ينتجون عملاً بارعاً، ويقوون، ويشددون ويشحذون شخصياتهم إلى أن يصبحوا مثل الصلب المقسى.

أما في الجنون الفعلي فتكون الصورة أعتم. في العالم الطبي بأكمله لا يوجد شيء أكثر شناعة يمكن أن نفكر فيه مثل إنسان يعاني من الكآبة او السوداوية المزمنة Chronic MeLancholia. لكن معظم مختلي العقل لا يكونون غير سعداء، او بالفعل، لا يكونون واعين بحالتهم. في كلتا الحالتين، إذا شفوا من هذا المرض، فإن ما يثير الدهشة هو أنهم لا يتغيرون إلا قليلاً. ففي معظم الأحيان، لا يتذكرون شيئاً عن مرضهم.

يقدم الألم فرصة للبطولة؛ وهذه الفرصة يتم اغتنامها بتكرار

مثير للدهشة.

[1] George Macdonald جورج ماكدونالد

[2] Theologica Germanica

[3] “Unspoken Sermons”, George Macdonald جورج ماكدونالد

[4] Theologica Germanica

السماء – سي إس لويس

Exit mobile version