تفنيد شبهة: تشابه المسيحية مع الديانات الوثنية – أجيوس
[gview file=”http://www.difa3iat.com/wp-content/uploads/2016/01/Agios.pdf” save=”0″]
تفنيد شبهة: تشابه المسيحية مع الديانات الوثنية – أجيوس
[gview file=”http://www.difa3iat.com/wp-content/uploads/2016/01/Agios.pdf” save=”0″]
عن كتاب: هل اقتبست المسيحية عقائدها من الوثنية؟
الإله ميثرا هو أحد إلهة الديانة الفارسية التي تتكون أساسا من إلهين أحدهما إله الخير (أهورامازدا – Ahur Mazda)، والآخر إله الشر (أهريمان –Ahriman)، المضاد له، إلى جانب إلهة عديدة جدا تابعة أما لإله الخير أو لإله الشر. وتقول الأساطير أن إله الخير أهورا مازدا خلق ميثرا من صخرة وجعله ممثله على الأرض لكي يحمي أتباعه من أتباع إله الظلام أهريمان. ثم أنتقل هذا الإله بعد ذلك إلى آسيا الصغرى ثم أوربا وتلاشت عبادته في القرن الرابع المسيحي. وتقول عنه دائرة معارف ميثرايكا: ” ميثرا إله النور الإيراني القديم، والذي يعني أسمه: ” صداقة ” و ” عقد ” وهو أيضا يحافظ على النظام الكوني ويذكر أحيانا كابن ” أهورا مازدا – Ahura Mazda (إله الحكمة – والإله السامي الذي خلق السموات والأرض) ” الذي ساعده في كفاحه ضد قوات الشر التي تمثل بانجرا مينايو (Angra Mainyu – إله الظلمة والمدمر الأبدي للخير وممثل خالق الشر وجالب الموت والأمراض)، وكان ميثرا قد ولد من صخرة (أو من كهف) وحارب الشمس وتمكن من أثر الثور الإلهي وذبحه قبل أن يصعد إلى السماء، ومن دم الثور جاءت النباتات والحيوانات النافعة للإنسان.
وبانبثاقه من الزرادشتية نزل إلى حالة ” يازاتا – Yazata – تصميم إيراني قديم لـ ” إله “. وفي الأفستا (Avesta) يصور وكأن له عشرة آلاف أذن وعين ويركب على مركبة تجرها خيول بيضاء. وفي القرن الرابع قبل الميلاد نهضت معرفته وصارت له مكانة عالية ثانية في العبادة الفارسية، وأخيرا انتشرت عبادته فيما وراء إيران وآسيا الصغرى وبالتدريج صارت ديانة سرية وتقشفية ولا يسمح بالانضمام لها سوى للرجال. وأصبحت شعبية ميثرا متزايدة بين الجنود الرومان حوالي 100م حيث صار ميثرا في ذلك الوقت (Deus sol invictus)، أي الشمس التي لا تقهر. وقد أنضم إلى عبادة ميثرا الإمبراطور الروماني كومودوس (Commodus)، وعندما تحول قسطنطين إلى المسيحية في 312 بدأت ديانة ميثرا في الانحسار، وبعد أحياء مؤقت في حكم يوليانوس المرتد (331 – 363م) تلاشت العبادة[1].
جاء في قاموس أديان ومعتقدات شعوب العالم عن ميثرا: ” ميثرا (Mithra) الإله القوي لبلاد فارس القديمة معنى أسمه ” عقد ” و ” صداقة ” وقد أرتبط بميترا الهندي. قبل إصلاحات ذردشت شارك ميثرا بقوة مع الإله الأعلى، أهورا، ويتكلم عنها بشكل متكرر كأهورا ميثرا (Ahura – Mithra). ركز ذردشت على أهورا مازدا، لكن ميثرا عاش كإله العقود، ورب الحرب، وفي الوقت الحاضر كقاضي الميت،. الأضاحي مازالت تُؤدّى إلى ” رواق معّمد ميثرا ” (دار – آ – ميلير Dar – I – Melier) حيث النار المقدسة تُحرقُ إلى الأبد. طائفة ميثرا انتشرت في الغرب كديانة ميثرا (Mithraism) وربما في الشرق في مياتريا، البوذية “[2].
وعن عبادة الميثيراية يقول: ” ميثيراية (Mithraism) جُلبت بشكل خاص من قبل الجنود، ارتبطت بالإله ميثرا، غير أنها الأكثر شعبية وانتشارا في الهند، وبلاد ما بين النهرين، وآسيا الصغرى وأوربا. أن طائفة ميثراس يقال أنها وصلت روما في 67م قد صارت ديانة الإمبراطورية من قبل الإمبراطور كومودوس (182 – 192) “[3].
أما دائرة المعارف البريطانية فتقول: ” ميثرا كلمة سنسكريتية ميترا، في الأسطورة الهندوأوروبية القديمة، إله النور التي انتشرت عبادته من الهند في الشرق وحتى أسبانيا في الغرب وبريطانيا العظمى وألمانيا. وترجع أقدم إشارة مكتوبة للميترا فيديك لسنة 1400 ق م. وقد انتشرت عبادته في فارس وبعد هزيمة الإسكندر الأكبر للفرس خلال الحرب في كل العالم إلهيليني. وفي القرنين الثالث والرابع للميلاد حمل عبادة ميثرا وأيدها الجنود الرومان وكانت المنافس الرئيسي للديانة المسيحية المتقدمة حديثا “[4].
وتضيف دائرة المعارف البريطانية وتقول: ” وبحسب الأسطورة فقد ولد ميثرا حاملا مشعلين ومسلح بمطواة من صخرة إلى جانب نهر مقدس وتحت شجرة مقدسة، ابناً للأرض ذاتها. وحالا ركب الثور معطي الحياة الكونية وقتله وأخصب بدمه كل النباتات. وكان ذبح ميثرا للثور موضوعاً عاما للفن إلهيليني وأصبح طقس ذبح الثور نموذجا للخصوبة في ديانة ميثرا “[5].
ويقول موقع متخصص[6]: ” بدأتديانة ميثرا في فارس منذ حوالي أربعة آلاف عام وقد تبلورت هذه الديانة منمجموعة عقائدوديانات متعددة كانت موجودة في بلاد فارس في ذلك الوقت ونتج عنها سلسلة متعددة من الإلهة و لكن الإلهة الرئيسية اثنان إلهالسماوات (أهورا مازدا –Ahura – Mazda ) وإله الظلام (Ahriman) وهوالضد له و تندرج الإلهة المختلفة تحت الولاء لهذا الإله أو ذاك .إلهالسماء أهورا مازدا خلق ميثرا وجعله ممثلا له على الأرض لكي يحمي أتباعه منأتباع إله الظلام أهريمان. وكان قاضياً يحاكم أرواح الموتى ويقودهم إلىالجنة .كلمة ميثرا مشتقة من كلمة فارسية بمعنى ” تعاقد ” أو ” عهد ” ويقال أنإله السماء خلق ميثرا ليكون الحافظ والضامن للعقود والتعهدات والوعودالتي يقطعها البشر مع بعضهم لأيمانهم بالكوارث التي قد تحل بهم نتيجةخيانة العهود .فقد خلق الإله أهورا مازدا الإله ميثرا من إلهة عذراء وكانتتعتبر إلهة الإخصاب قبل إعادة ترتيب الإلهة وأسمها Anahita وقد ظهر هذاالإله في صورة إنسان .وقد حملت هذه الإلهة أثناء استحمامها من بذرة كانالإله تركها في بحيرة (هامون) الموجودة في مقاطعة سيستان في بلاد فارس.
وتقول الأسطورة أن صعود ميثرا إلي السماء كان في عام 208 ق . م بعد أن عاش على الأرض 64 عاما “.
” ديانة ميثرا الفارسية كانت مزيج منالتقاليد والطقوس أكثر منها مجموعة من العقائد. وعندما أقتبس البابليونهذه العقيدة من الفرس قاموا بعمل تطوير وتنقيح كبير لها وأصبح أهورامازدا هو الإلهBaal أو بعل والآلهة أناهيتا أصبحت الآلهة عشتار (Ishtar) -والإله ميثرا أصبح (Shamash)،أو الإله شماش وربما يكون من هنا جاءت كلمةشمس العربية حيث كان يعتبر هذا الإله ميثرا عند الفرس (إله الشمس عندالبابليين وكذلك عند الرومان فسمي إله الشمس وكانوا يعتبرون الشمس إحدىعينيه. وكان التاج الفارسي على هيئة قرص شمس ومنه اشتق العديد من تيجانالملوك. لأن هذا الإله كان يعتبر إله الشمس عند الفرس كان من ألقابه (إله المراعي الواسعة)وكان الإله ميثرا يعتبر السبب في نمو المراعيالخضراء ونمو النباتات وكان يخصص الشهر السابع من التقويم الفارسي له وكذلك اليوم السادس عشر من كل شهر. كذلك كان يقام احتفال له في الربيع “.
” كانالفرس يسمون ميثرا (الوسيط) بين إله النور كبير الإلهة أهورا مازدا وإلهالظلام أهريمان كما كانوا يؤمنون بأن له ألف عين علامة على أن لاشيء يخفىعليه من أعمال البشر وكان يسمى أيضا إله الحقيقة وإله النور السماوي “.
” الإله ميثرا كانت له رفيقة هي الإلهة Verethraghna إلهة النصر عند الفرس وكانت الذبائح تقد له لأنه من المعتقد أن تقديمالذبائح للإله ميثرا كانت تعطي القوة في الحياة والنصر في المعارك. مكتوب في كتب الفرس القديمة أن ميثرا كان يتجسس على أعدائه وكانيسحقهم في كل معاركهم ويبيد من يخالفه من الأمم ويعطي قوة لأتباعه ضدأتباع إله الظلام. وعندما انتقلت عبادة ميثرا للرومان كان ميثرا يعتبر إلهالعهود والمواثيق وكان العلامة على احترام العهد هي المصافحة باليد، علامة السلام لأن من يصافح لا يحمل في يده سلاح ومن هنا ظهرت المصافحة (handshake)علامة السلام والصداقة ومنها انتشرتلدول البحر الأبيض وأوروبا والعالم “.
” في التقليد الأرميني لعبادة ميثرا كان يعتقد أن ميثرامقره في كهف يخرج منه مرة واحدة في العام يولد فيها من جديد. فيالتقليد الفارسي كانت تقام المعابد لميثرا في الكهوف لأنه من المعتقد أنالعالم كله عبارة عن كهف كبير خلقه ميثرا والعديد من الذبائح كانتتقدم للإله ميثرا من مواشي وطيور وكان الكهنة يشربون مشروباً معيناً قبلتقدمهم إلى مذبح الإله ميثرا والشعب كان يجب عليه أن يجلد نفسه بالسياطعلامة على التطهر قبل التقدم للمذبح “.
” يؤمن أتباع ميثرا أن الأرواح البشرية تنزل علىالأرض عند الولادة ولكي ترجع إلى السماوات العليا مرة أخرى يجب أن تجتازسبع سماوات وكل ما زادت طاعة والتزام المؤمن يجتاز إحدى هذه السماوات ولذلك فمن أهم طقوس المعتنقين لديانة ميثرا هو تسلق سلم رمزي عدد درجاتهسبعة كل درجة من معدن مختلف كرمز للصعود للسماوات العليا. من طقوسالعبادة للمؤمن الجديد بديانة ميثرا أنه يقرع الطبول ثم يتم رفع الستارعنتمثال لميثرا وفي نهاية السلم الذي يصعده المؤمن الجديد يعطى تاج فيرفضه ويقول أن ميثرا هو تاجه ثم يتم رسم علامة بالنار على جبهته على شكل X داخلقرص رمزاً لقرص الشمس لأن ميثرا إله الشمس. بعد هذا يأكل المؤمن الجديدرغيفاً من الخبز يتم وضعه على إحدى الطبول في الشمسلكي يستلهم قوته منالشمس ويشرب الخمر علامة على الفرحة, بعد هذا يتعهد المؤمن بقطع كافةالروابط العائلية مع أسرته ويرتبط بالمؤمنين بميثرا مثله فقط, ثم يقدم رغيفاً من الخبز وكوباً من الماء لتمثال ميثرا. أثناء هذه الطقوس يصلى الحاضرونمجموعة صلوات تتحدث عن رحلة ميثرا التي أخترق فيها السماوات السبع راكباعلى جواده وهي مشابهة لقصة الإسراء والمعراج عند أصدقائنا المسلمين “.
” بينما كان الرجال يعبدون ميثرا كانت النساء (الزوجاتوالبنات) يعبدن مجموعة أخرى من الآلهة النسائية الأخرى هذه العبادة للإلهةالنسائية كانت تتطلب منهم تقديم ذبيحة الثور للآلهة النسائية ولكن لماذاالثور بالذات سنعرف بعد قليل. يتم عمل حفرة في الأرض وتوضع المؤمنةالجديدة بالإلهة في حفرة ويتم إغراقها بدم الثور المذبوح والحفرة رمزللموت ودم الثور رمز للتطهير وخروج المؤمنة الجديدة من الحفرة رمزلبداية الحياة الجديدة و بعدها تصبح المؤمنة مساوية للإله.
بعد هذاقام الرجال باقتباس نفس الطقس من النساء وكانوا يقومون بما يسمى معموديةميثرا وبعدها على الرجل أن يثبت شجاعته واستحقاقه للإيمان فكان يسبح فينهر ثائر أو ينزل من على جرف عالي أو يقذف من وسط النيران ويداه مقيدتان وعيناه معصوبتان. بعد هذا يتلقى المؤمن الجديد كلمة سر خاصة به وتكونمحددة لشخصيته مع باقي المؤمنين والآن نأتي إلى الشعار الرئيسي للإله ميثرا الذي يصوره وهو يذبحالثور إلام يشير؟!
أولا الثور يرمز إلى الرجولة والقوة الجنسية وذبحالإله ميثرا للثور رمز لانتصار الروحانية في الإنسانعلى الشهوة أو الجانبالحيواني فيه. كما أنه رمز لانتصار الجانب النسائي الضعيف على القوةالذكورية الغاشمة. وكما تقول الأسطورة فأن ميثرا تحالف مع الشمس التيطلبت منه قتل الثور الحيواني وذهب الطفل ميثرا ليقتل الثور الذي كان يرعىفي المراعي الخضراء الواسعة ويأكل من خيرها وعندما رآه ميثرا أمسكه منالقرنين و جره إلى أحد الكهوف ولكن الثور هرب منه فعاد وأمسكه مرة أخرىمن أنفه (المنخار) وبعد أن أخذ الضوء الأخضر من الشمس سحب الثوربمساعدة كلبه مرة أخرى إلى الكهف وذبحه. بعد ذبح الثور خلق العالم وبدأ الزمن في الظهور (دوران الشمس) ومن جسم الثور المقتول ظهرتالنباتات والمزروعات على الأرض ومن دمائه ظهرت الخمور. من هنا بداً الصراع بين الإله ميثرا والإله أهريمان إله الظلام حتى نهاية الأيام “.
وتقول دائرة المعارف ويكيبيديا (Wikipedia)[7]: ” أسرار المثرية، أو أسرار ميثرا، كانت ديانة سرية وأصبحت علانية بين الجنود الرومان من القرن الأول إلى القرن الرابع. ونأخذ معلوماتنا عن هذه الديانة من تفسيرات الوثائق القديمة الباقية. ومعظم هذه الخصائص تصور ميثرا كمولود من صخرة، وأنه ضحى بثور. وكان لدى من عبدوه نظام معقد من سبع درجات أولية. فقد تقابلوا في معابد تحت الأرض بأعداد كبيرة والقليل فقط هو المعروف عنها. فقد ولد ميثرا من صخرة ويصور في معابده وهو يذبح ثور بطريقة برج الثور. والقليل فقط معروف عن الإيمان المشارك لهذا.
تاريخ وتطور الديانة المثرية: هناك نزاع بين العلماء أن كان للمثرية أي ارتباط بفارس. وأصلها غامض. ولم تمارس أسرار المثرية حتى القرن الأول الميلادي، حتى المعابد الفريدة التي تحت الأرض والتي ظهرت في الكشوف الأثرية ترجع للربع الأخير من القرن الأول الميلادي. وترجع أقدم مواقع تشهد لهذه الديانة لما بين 80 – 120م وليس قبل ذلك. بل ويرجع أقدم كشف اثري لوثيقة مثرية يبين مثرا وهو يذبح الثور لـ 98- 99م وهذا مجرد نقش لميثرا وهو يقتل الثور. وقد وجد في روما بدون أي كتابة معه أو أي تفصيلات فقط مجرد نقش، وكذلك نقش أخر يعود لنفس التاريخ تقريباً وبعض النقوش الأخرى من أزمنة مثيلة. بل ويعود أقدم نص لأسرار ميثرا في تمثال يرجع لحوالي سنة 80م.
وقد بدأت الدراسة العلمية لميثرا مع فرانز كومونت (Franz Cumont) الذي نشر مجلدين جمع نصوصاً مصدرية وصوراً في فرنسا في 1894 – 1900م. وافترض كومونت أن هذه الديانة الرومانية من ديانة الولاية الفارسية المازدية (Mazdaism) الولاية التي انتشرت من الشرق. ولكن نظريات كومونت رفضت كلية في أول مؤتمر للدراسات المثرية عقد سنة 1971م. وقد ظهرت نظريات عديدة حديثه كلها لا تتفق مع نظريات كومونت.
وقد بدأ وجود المثرية يتلاشي في القرن الرابع الميلادي مع صعود المسيحية وانتشارها وأن كان الإمبراطور يوليانس الجاحد (Julian the Apostate – 331/332 – 26 يونيو 363م)، قد حاول إحيائها مرة أخرى، ولكن لا يوجد أي دليل على استمرارها في القرن الخامس. وتقول نفس دائرة المعارف أن القليل جدا هو المعروف عن هذه الديانة وعن طقوسها فلا يوجد أي أثر تركه لنا من عبدوه إلا القليل النادر الذي لا يقدم لنا أي صورة حقيقة عن هذه الديانة وعن طقوسها، ولذا فمن الصعب على علماء الآثار أن يقدموا لنا شيئاً واضحاً عنها. وهذا يؤكد لنا أن كل ما بناه كومونت من افتراضات اثبت العلماء عدم صحتها، وكما سنبين حالاً، فأن كل ما افترضه من تماثلاث أو مشابهات بين المسيح وميثرا لا أساس له ولا صحة بل من افترضه وخياله!!
من الواضح مما ذكرناه أعلاه أن شخصية ميثرا، والتي لا تزال مجهولة بشكل كبير بالنسبة للعلماء، قد مرت بالعديد من التطورات والتبديلات والتحولات حتى أصبحت رمزاً لعبادة كاملة سميت باسمه، ففي البداية نراه إلهاً هندياً قديماً يسمى مترا فيدي(Mitra – Vedic) يتبع مجموعة الديفا (Devas) وهي مجموعة من الآلهة الكونية ويظهر مترا في النصوص الهندية القديمة في صورة ثنائية مع الإله فارونا (Varuna) رب السماء، وهو إله شمسي وكان نموذجاً إلهياً للصدق والصداقةوراعي للعقود والاجتماعات.وانتقل مترا من الهند ليعبر الحدود إلى إيران ويظهر باسم ميثرا (Mithra)، وكان يمثل إله الشمس، ويعد أكبر الإلهة في الدين السابق للدين الزرادشتي، وبعد ظهور زرادشت ودعواه التوحيدية إلى أهورامزدا، تواري ميثراقليلاً، لكنه عاد للظهور من جديد بعد وفاة زرادشت، وبمرور الوقت أخذ اسم أهورامزدا يتضاءل أمام ميثرا. وما أن بدأ اسم ميثرا يعلو وينتشر في إيران القديمة، ظاهراً في صورة الشاب الوسيم الذي تعلو رأسه هالة من النور تمثل العلاقة بينه وبين الشمس، حتى تلقفه العالم اليوناني الروماني في القرون الأولي الميلادي ليصل إلى أقصى مدى من الانتشار. وقد تحول من ميثرا أو ميثرا إلى ميثراس Mithras فياللسان اللاتيني.
ويعتبر الأثري والمؤرخ البلجيكي فرانز كيومونتFranz Cumont هو أول من درس ديانة ميثرا (Mithraism)[8] وقدمها للعالم الغربي، ولأنه كان الأول في المجال فقد خلط بين ميثرا الروماني اليوناني وبين ميثرا الإيراني، وقد كانت أبحاثة حتى منتصف القرن العشرين غير مشكوك فيها إلا إن المؤرخين وعلماء الآثار بداية من منتصف القرن العشرين (1971م) وحتى الآن أثبتوا خطأ نظرية كيومونت حول ميثرا[9].
وهناك نقطة هامة يجب أن نؤكد عليها وهي أنه لم يكن لديانة ميثرا أي كتب مقدسة، وأتباعه لم يكتبوا أي شيء عن معتقداتهم الدينية، فقط كانت عبادته وأسطورته تتناقل شفوياً. ومعظم ما نعرفه عن ميثرا مجرد تخمينات واستنتاجات خمنها واستنتجها من درسوا أسطورته من خلال بعض النقوش والصور الأثرية التي ترجع إلىالقرنين الثاني والرابع الميلاديين. ومثل ما ذكرناه من إلهة وثنية وما سنذكره في الصفحات التالية فقد قام الملحدون منذ جريف كرسبي وحتى الآن بعمل تماثلات أو تشابهات أو تطابقات مفبركة بين ميثرا والرب يسوع المسيح مدعين أن المسيحية اقتبست الكثير من حياة المسيح وتعاليمه وأعماله من أسطورة ميثرا!! وكما بينا من قبل أنهم رتبوا حياة وأعمال وتعاليم المسيح ونسبوها لهذه الإلهة الأسطورية ثم عادوا وقالوا أن المسيحية هي التي اقتبست هذه الأفكار من الأساطير الوثنية!! وفيما يلي أهم هذه التلفيقات والفبركات التي أسموها تماثلات بين ميثرا والمسيح:
ونحن نسأل؛ هل تقول أساطير ميثرا أنه ولد من عذراء؟ والإجابة هي لا! لأن الأساطير تقول أنه ولد من صخرة أو من الأرض ذاتها ولا يمكن أن تكون الصخرة عذراء أو غير عذراء لأنها جماد وكذلك الأرض!! فهل يمكن للصخرة أو الأرض أن تتزوج وتمارس علاقات زواجية تتحول بسببها إلى غير عذراء حتى تظل الصخرة التي لم تتزوج عذراء؟! فما يلفقه هؤلاء مجرد تلفيقات مكشوفة، فتقول الأسطورة أنه خرج من الصخر الصلب، وهناك العديد من النقوش التي تؤكد هذا، ولا يمكن أن يتصور أحد أن الصخرة مثيلة بالعذراء القديسة مريم ولا بأي مخلوق بشري!! كما زعمت الكاتبة الملحدة أكاريا (Acharya S) والتي قالت في كتابها ” شموس الله – The Suns of God ” أن الإله الهندي مترا قد ولد من أنثى هي أديتي (Aditi)، ” أم الآلهة “، غير المنتهكة والبازغة، وهنا تستخدم كلمة ” dawn ” بمعنى عذراء، وهذا ليس صحيحا أيضا حيث إن كلمة (dawn) تعني فجر، كما أن أديتي لا تعتبر عذراء، أديتي هي أم لعد غير معروف من الآلهة السمائية (celestial)[10]!! بل وتعترف أخاريا (Acharya) أشهر من يكتب الآن في هذه التلفيقات والفبركات أن مترا ” ولد من الأنثى أديتي (Aditi) أم الآلهة، ثم راحت تلعب بالألفاظ فتقول ” العذراء الناضجة أو غير المنتهكة أو الأم العذراء “!!
وتقول دائرة المعارف البريطانية ” أديتي (Aditi) كلمة سنسكريتية تعني ” غير المحدود ” وفي العبارة الفيدية للأسطورة الهندية فهي تشخيص لغير المحدود وأم لمجموعة من الإلهة السمائية (the Ādityas). وكإلهة أولية يشار إليها كأم لإلهة عديدة بما ذلك فيشنوا في تجسده الصغير وفي إعادة الظهور الأخير لكريشنا 000 فليس لدينا معرفة بعدد أبنائها (the Ādityas) أو هويتهم وأبنائها “[11].
ويقول معجم ديانات وأساطير العالم أنها: ” إلهة أم قديمة في الديانة الهندوسية. وتقول الريج فيدا (Rig – Veda) أن أديتي كانت زوجة كاسيابا (Kasyapa) أو براهما وأم أديتاس ومجموعة أخرى من صغار الإلهة، منهم مترا وأريامان وفارونا وداكسا وانيزا. وفي بعض الروايات أنها أم الإله إندرا إله المطر. ليس لهذه الإلهة صورة بشرية وإن كانوا يصورونها أحيانا في صورة بقرة “[12].
إذا فهي، بحسب الأساطير الهندية زوجة وأم لعدد غير معروف من الآلهة وليس لها صورة بشرية وإن كانت تصور أحيانا في صورة بقرة!! والسؤال لهؤلاء الملحدين وأشياعهم كيف تكون عذراء وهي زوجة وأم؟! وما وجه الشبه ببينها وبين العذراء وهي ليست بشرية ولا تصور في صورة بشرية بل صورت في صورة بقرة؟! ما علاقة كل هذا بالعذراء القديسة مريم الإنسانة وليست الإلهة أو البقرة؟! وأين هو وجه التشابه المزعوم والملفق؟!
وتقول قصة ميثرا الإيرانية أن ميثرا ولد سفاحا من علاقة بين أهورا مازدا وأمه!! ولكن لا يوجد حمل من عذراء هنا!!
وفيما يلي عدة صور تصور مجموعة صور ميلاد ميثرا وانبثاقه من الحجر وليس من عذراء ولا يبدو في الصور سوى ميثرا مع كوتس وكوتوباتس تابعيه الوحيدين اللذين يمثلان (الشروق والغروب). وكان أتباع ميثرا يحتفلون بميلاده في معابدهم كل عام بتصوير انبثاقه من الحجر وكأنه ميلاد جديد لاأكثر ولا أقل.
ويضيف الباحث Punkish تعني أديتي بحسب المواقع الفلكية حر غير مرتبط، سماء غير محدودة بالمقارنة بالأرض المحدودة إلهة فيدية تمثل المولد الأولي لكل ما هو منبعث!! كل الفراغ الأبدي غير المحدود العمق الذي لا يسبر غوره الذي يمثل الحجاب فوق غير المعروف!! والكثير من الأوصاف التي تجعلها شيئاً غير محدود وليست مجرد أم سواء عذراء أو غير ذلك[13].
وهو اليوم الذي وافق الانقلاب الشتوي الشمسي، لكون ميثراهو رب الشمس.
والسؤال هنا متى ولد الرب يسوع المسيح؟ ومتى ولد ميثرا بحسب ما تقوله الأساطير؟ وهل ولد الرب يسوع المسيح يوم 25 ديسمبر؟ وهل قالت أساطير ميثرا أنه ولد يوم 25 ديسمبر؟ ونقول لهم أن هذا مجرد تلفيق في تلفيق!! فلم يذكر في الأناجيل الأربعة ولا في أي سفر أخر من أسفار العهد الجديد أن الرب يسوع الرب يسوع المسيح ولد يوم 25 ديسمبر، بل أن ما ذكره الإنجيل هو بشارة الملاك لزكريا الكاهن بميلاد يوحنا المعمدان بقوله: ” كان في أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا من فرقة أبيا وامرأته من بنات هرون واسمها إليصابات ” (لو1 :5)، فقط ” كان في أيام هيرودس “، ولم يسجل أي تفاصيل أخرى. وعن بشارة الملاك للعذراء يقول: ” وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف. واسم العذراء مريم ” (لو1 :26و27). أما عن ميلاده فيقول: ” وفي تلك الأيام صدر أمر من أوغسطس قيصر بان يكتتب كل المسكونة. وهذا الاكتتاب الأول جرى إذ كان كيرينيوس والي سورية. فذهب الجميع ليكتتبوا كل واحد إلى مدينته. فصعد يوسف أيضا من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهودية إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم لكونه من بيت داود وعشيرته ليكتتب مع مريم امرأته المخطوبة وهي حبلى. وبينما هما هناك تمّت أيامها لتلد. فولدت ابنها البكر وقمطته وأضجعته في المذود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل ” (لو2 :1-6). وفي كل ذلك لم يسجل يوم أو شهر مطلقا، كما لم تحدد السنة بدقة، فقد ارتبط ميلاد الرب يسوع المسيح بهيرودس الملك وبالاكتتاب.
أكليمندس السكندري يقدم لنا عدة أراء مختلفة حول تاريخ ميلاد الرب يسوع المسيحوأكليمندس كان متواجدا بعد صعود الرب يسوع المسيح بحوالي 150 سنة، حيث يقول أن البعض قال أنه، المسيح، ولد في 19 إبريل، والبعض الآخر في 10 مايو، في حين أكليمندس نفسه حدد هذا اليوم بـ 17 نوفمبر. وإذانظرنا اليوم وجدنا أن الكنيسة الشرقية تحتفل بميلاد الرب يسوع المسيح في يوم 29 كيهك، وهذا التقليد متبع منذ القرن الثاني الميلادي، ومنذ العام354 بعد الميلاد تحتفل كنيسةروما وبعض الكنائس الغربية بميلاد الرب يسوع المسيح في يوم 25 نوفمبر، وقد كان هذا اليوم قد عد خطأ يوم الانقلاب الشتوي، حيث تطول الأيام من بعده، وقد كان يحتفل فيه بعيدميثرا تعبيراً عن مولد الشمس التي لا تقهر، وما كاد القرن الرابع ينتهي حتى بدأت الكنائس الغربية في الاحتفال بميلاد الرب يسوع المسيح يوم 25 ديسمبر من كل عام. واعتماد الكنيسة الغربية يوم 25 ديسمبر من كل عام للاحتفال بميلاد الرب يسوع المسيح لا يعتمد على علماللاهوت بل هو عبارة عن عرف واجتهاد من القائمين على الكنيسة وليس دين. ولا يوجد أي ذكر عن تاريخ ميلاد ميثرا، لكن يعتقد انه ولد في يوم 25 من ديسمبر، فتاريخميلاده غير محدد.
قيل أن هناك مجموعة من الرعاة شهدت ميلاد ميثرا، مثل ما حدث في حالة الرب يسوع المسيح، وقد زعم بهذا التلفيق فرانز كيومونت، الذي ذكرناه أعلاه، في كتابه أسرارميثرا(The Mysteries of Mithras) المنشور عام 1903 والذي بينّا أن العلماء اثبتوا عدم صحة كل نظرياته تقريباً!!
فقد كان ميلاد ميثرا، بحسب الأساطير، عجيباً جداً، حيث أنه قد انبثق من صخرة صماء منتصباً تزين رأسه قلنسوة فريجية، ويحمل في يده اليمنى سكيناً وفي اليسرى شعلة بددت
– 73 –
ظلمة الليل. وهناك نقش يظهر ميثرا وهو خارج من الصخرة ويساعده بعض الرجال، الذين يفترض أنهم رعاة، لكن هذا النقش يعودإلى القرن الرابع الميلادي، هذا بالإضافة لأن وقت ولادة ميثرا لم يكن البشر قدخلقوا بعد. أن قصة ولادة ميثرا قد تطورت على مدى السنيين، وأقدم النقوش التي تتحدث عنها تعود للقرن الرابع الميلادي، ولا يوجد نقوش تعود لما قبل ذلك[14].
وإذا كان الرجال الذين وصفوهم بالرعاة في أساطير ميثرا قد ساعدوه في الخروج من الصخرة! فقصة الرعاة في ميلاد المسيح مختلفة تماما، أولاً فهم لم يحضروا ميلاده بل بشرتهم الملائكة بميلاده: ” وكان في تلك الكورة رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم. وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم فخافوا خوفا عظيما. فقال لهم الملاك لا تخافوا. فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب. انه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلّص هو المسيح الرب. وهذه لكم العلامة تجدون طفلا مقمطا مضجعا في مذود “. كما ظهر جمهور من الملائكة من السماء يسبحون ويهتفون مسبحين بهذه المناسبة: ” وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة “. ” ولما مضت عنهم الملائكة إلى السماء قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض لنذهب الآن إلى بيت لحم وننظر هذا الأمر الواقع الذي أعلمنا به الرب. فجاءوا مسرعين ووجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعا في المذود. فلما رأوه اخبروا بالكلام الذي قيل لهم عن هذا الصبي. وكل الذين سمعوا تعجبوا مما قيل لهم من الرعاة ” (لو2 :8-18). وهذا لم يحدث في حالة ميثرا فأين هو وجه التشابه أو التماثل؟؟!!
(4) الشبهة الرابعة: اعتبار ميثرا مسافر عظيم ومعلم وسيد:
قيل أن ميثرا حمل لقبالمعلم متنقل (مشاء) مثله مثل الرب يسوع المسيح، يتنقل من مكان لآخر ليعلم الناس وينقل لهم حكمته. وهنا نؤكد أنه لا يوجد نقش واحد يقول أن ميثرا كان معلما، فلم يذكر مطلقاً أنه علم شيئاً، أو كان رحالة!! فمن أين أتوا بهذا إلهراء؟! وأين دعي أنه كان معلماً: ماذا علم؟ وعلم من؟ ومتى؟ونقول لمثل هؤلاء أن أي قائد ديني يتوقع منه أن يكون معلماً لأتباعه ينقل لهم حكمته، ولكن ميثرا لم يكن له تعليم ولم تقل وثيقة واحدة أنه ترك تعاليم لأتباعه!! وهنا نسأل؛ لو كان ميثرا معلماً، فما الذي علمه؟ وأين قامبتعليمه؟ومن الذين تلقوا عنه العلم؟لا يوجد أي كتابات أو نصوص عن أن ميثراترك تعاليم للمؤمنين به. كما نسأل أيضاً؛ أين دعي سيداً؟ بالرغم من أنه من الطبيعي أن يكون الإله سيدا!! ومع ذلك لم يقل نقش واحد أنه دعي كذلك!!
(5) الشبهة الخامسة: كان لميثرا، مثل المسيح أثنى عشر تابعاً:
أورد كذلك فرانز كيومونت وتبعه العديد مقولة أنه كان لميثرا 12 تابعا مثل تلاميذ الرب يسوع المسيح، بدون أن يقدم وثيقة أو دليل يقول بذلك[15]!! فقط مجرد وجود عدة نقوش تصور ميثرا محاط باثني عشر برج فلكي!! فما علاقة الأتباع بالأبراج؟! وأمامنا اثنان من هذه النقوشالتي أساء البعض فهمها واعتبروا أن الأبراج الاثنى عشر المحيطةبميثرا هم أتباع ميثرا، في حين أن هذا النقش يصور ميلاد ميثرا بشكل مختلف، حيث يعتقدأنه ولد من البيضة الكونية الأولي في المحيط الكوني فكانت الأبراج تحيط به، حيث يوجد لميثرا العديد من قصص الولادة ولكن لا يوجد بينها أي ذكر لميلاد من عذراء!!
أي أنه لم يكن لميثرا اثنا عشر تابعاً، ولا يوجد أي دليل على وجود أتباع لميثرا في النقوش محل الدراسة، فقد كان لميثرا الإيراني تابع واحد فقط يدعى فارونا (Varuna)، وكان لميثرا الروماني رفيقان مساعدان حملا الشعلتين الصغيرتين وهما كوتس (Cautes) وكوتوباتس (Cautopates) وهما يمثلا الشروق والغروب، بينما يمثل ميثرا الظهيرة حيث ترتفع الشمس في كبد السماء، كذلك فقد كانلميثرا أربع رفاق من الحيوانات هم الأسد والكلب والثعبان والعقرب.أما محاولةالربط بين الأبراج الفلكية وعدد
التلاميذ فهو نوع من أنواع الخلط الغير العلمي[16].
6 – ميثرا، مثل المسيح، وعد اتبعاه بالخلود:
زعموا بدون أي وثيقة أو دليل أو حتى إشارة من قريب أو بعيد أن ميثرا، مثل المسيح وعد أتباعه بالخلود!! ولا نعلم كيف يبيحون لأنفسهم مثل هذه الفبركة وهذا التلفيق؟! وعلى الرغم من أنه من الطبيعي أن يعد أي من يزعمون أنهم آلهة أتباعهم بالخلود إلا أن الوثائق الخاصة بميثرا لا تقول بمثل ذلك على الإطلاق، بل تتكلم عن الارتقاء في المستويات إلى الخلود بتقديمه لدم الثور الذي ذبحة، وهذا غير الخلاص في المسيحية من الخطية والذي تم بدم المسيح.
7 – يقولون أنه، مثل المسيح، صنع معجزات:
ونقول لهؤلاء أنه من الطبيعي أن ينسب لأي من يدعونه إله معجزات، فحتى البسطاء والسذج في جميع الأديان يدعون ذلك لمن يمكن أن نسميهم بأولياء الله ويدعون الاستجابة لطلباتهم مثل الحبل والولادة وشفاء المرضى 00 الخ ومع ذلك فلا تقول وثيقة واحدة أو نقش واحد أن ميثرا صنع معجزات مثل المسيح أو يمكن أن تقتبس عنه وتنسب للمسيح مثل تحويل الماء إلى خمر أو تهدئة العاصفة 00 الخ
8 – يزعمون أن ميثرا كثور الشمس العظيم ضحى بنفسه لأجل سلام العالم:
وما يزعمونه هذا مجرد تلفيق ولا أساس له من الصحة ولا وجود له في أساطير ميثرا، فميثرا لم يقدم نفسه ولم يضحي بنفسه بمعنى أنه مات من أجل خطايا البشرية، ولم يكن هو ثور الشمس العظيم كما لفقوا، ولكنه هو الذي قتل الثور. وتقول الأساطير أن ميثرا قام بالتضحية بالثور المقدس لكي يخرج من جسد الثور النباتات والأعشاب، ومن نخاعه الشوكيبذرة القمح ومن دمه العنب الذي يعطي الشراب المقدس (هناك نصوص تتحدث عن أن منيالثور خرجت منه الكائنات وجسد الثور كان أصل النباتات)، وجدير بالذكر أنه فيالنصوص الزرادشتية فإن قتل الثور المقدس كان عمل أهريمان، وفي يوم القيامة سيعادالتضحية بالثور من جديد على يد رب الأرباب ومن شحم ونخاع الثور سيكتسب البشرالخلود[17].
وهنا نقول لمثل هؤلاء الملفقين؛ أين قيل أنه كان مخلصاً؟ أو مكفراًللذنوب أو فادياً لخطايا البشر؟ تقول الأسطورة أنه ضحى بثور مقدس لكي يخلق الحياة، هو الذي قدم الثور ليخلق لا ليفدي، كما أنه هو الذي قدم الثور ولم يكن هو الذبيحة، فقد قدم المسيح نفسه ذبيحة عن خطايا العالم ” فإذ ذاك (المسيح) كان يجب أن يتألم مرارا كثيرة منذ تأسيس العالم ولكنه الآن قد اظهر مرة عند انقضاء الدهور ليبطل الخطية بذبيحة نفسه ” (عب9 :26)، ” وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبديا ” (عب9 :12). كما أنه لا يوجد في ديانة ميثرا ما يسمى بتكفير الخطايا.
9 – الشبهة السابعة: العشاء الأخير:
قيل أن ميثرا قد تناول العشاء الأخير،وتحدث فيه قائلاً ” من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير “.
وتقول الأساطير أنه بعد أن ضحى ميثرا بالثور المقدس ليخلق الحياة، تناول طعام العشاء مع هيليوس (Helios)،رب الشمس، وفي نقش آخر يظهر فيه ميثرا يتناول الطعاممع الشمس ذاتها وذلك قبل أن يدخل السماء مع باقي الإلهة، وكانت الوجبة التي تناولها ميثرا مكونة من (الخبز، الماء، النبيذ واللحم) وقد كان أتباع ميثرا يتناولون هذهالوجبة أثناء طقوسهم.ولا يوجد في كل أساطير ميثرا أي شيء يشبه العشاء الرباني على الإطلاق، وإنما هو تلفيق الملفقين[18]!!
وقد قيل أنه وجد نقش يقول مثل هذه العبارة التي قالها المسيح منسوبة لميثرا، وبعد الدراسة تبين الآتي، كما قال Godwin أن النقش ” هو لنقش فارسي ” ولكنه لم يقدم وثيقة ولا تاريخاً للنص، ولم يقل أين وجده، هكذا كلام مرسل!! إلى أن وجد العلماء في كتابات (Vermaseren) قوله أن هذا النص يرجع للعصور الوسطى وأن قائله المنسوب إليه ليس هو ميثرا بل (Zarathustra)!! وهذا يعني أن النص مأخوذ من المسيحية وليس العكس.
10 – تضحيته السنوية هي فصح المجوس الذي هو كفارة رمزية وعربون إعادة الميلاد الجسداني والأخلاقي!!
وبالرغم من أن هذه العبارة غامضة فهي ملفقة ومزيفة، فلم يحدث أنه كان لميثرا احتفال سنوي لما أسموه بتضحية ميثرا!! إلا مرة واحدة في التاريخ!! وقد استخدم هؤلاء الملفقون تعبيراً مسيحياً يهودياً (كفارة الفصح) ليوحوا بوجود تماثل بين طقوس ميثرا والطقوس المسيحية
10 – زعموا أن ميثرا مثل المسيح صلب ومات ودفن ثلاثة أيام وقام:
ونسأل هؤلاء من أين أتوا بهذا التلفيق؟! فلا توجد وثيقة أو نقش خاص بميثرا يقول أنه مات أو دفن، بل ويقول أحد العلماء الدارسين لهذه الأساطير الميثرية ويدعى جوردون (Gordon): ” لا يوجد موت في أساطير ميثرا “، وبالتالي لا توجد قيامة من الموت لكي يحتفلوا بها، وتقول أساطير ميثرا أنه بعد أن أنهى مهمته الأرضية صعد حياً إلى السماء في عربة تجرها الخيول السماوية، فهو لم يمت ولم يمسه سوء ولا أذى. إنما موضوع الصليب ما هو إلا مزاعم لفقوها!!
ولكن أثنان من هؤلاء الملفقين (Freke and Gandy [Frek.JM, 56]) استغلوا عبارة قيلت في كتابات العلامة ترتليان وزعموا أن أتباع ميثرا انشئوا قصة لميثرا مثيلة تعطي إيحاء بالقيامة!! ولكن عبارة ترتليان قيلت بعد العهد الجديد بحوالي 250 سنة، ولا يمكن أن تعني ما قاله حيث يقول نص عبارة ترتليان الهامشية، أي التي كتبها في هامش كتابه (Against Heretics, chapter 40) : ” إذا كانت تسعفني الذاكرة ميثرا هناك (في مملكة الشيطان) يضع ميثرا علاماته على جباه جنوده ويحتفل بقربان من الخبز ويقدم صور للقيامة وأمام سيف يكلل بتاج 00″[19]. ونقول لهؤلاء أن ترتليان ليس مرجعا في ديانة ميثرا بل أنه يتكلم عن شيء يحاول أن يتذكره، فهل يني هؤلاء عقائدهم على ما يتذكره ترتليان عن شيء من الواضح أنه لا يعرفه بل سمع عنه شيئاَ يحاول أن يتذكره؟!
12 – زعموا أنه كان يحتفل بميثرا، مثل المسيح، في الفصح ويوم الأحد:
وهذا الكلام مجرد تلفيق، فقد كان يحتفل بميثرا الإيراني في 8 أكتوبر وفي 12 – 16 سبتمبر، وعيد المواشي في 12 – 16 أكتوبر، كما كانوا يحتفلون في الاعتدال الربيعي، وقد كانت مجرد احتفالات موسمية لا علاقة لها لا بقيامة المسيح، ولا بموت لميثرا أو قيامته مزعومة له. وكان الرومان يحتفلون بميثرا يوم الأحد. وهذا لا علاقة له بيوم الأحد المسيحي لأن المسيح قام في اليوم الأول من الأسبوع اليهودي وهو التالي بعد السبت، يوم الراحة اليهودي، وكان اليوم واحد، أو رقم واحد في الأسبوع، وتصادف أن هذا اليوم الأول كان معروفا عند الرومان بيوم الشمس. ومن ثم فلا علاقة بين الاثنين على الإطلاق.
12 – الألقاب المتشابهة:قيل أن ميثرا قد حمل نفس الألقاب التي حملها الرب يسوع المسيح، فهو المنقذوالفادي، والراعي الصالح، وابن الله، الطريق والحق والضوء، الكلمة،الوسيط.
ونؤكد لهم أن ميثرا لم يكن ابن لأي إله سواء كان هذا الإله (أهورامزدا أو هيليوس)، بل كان حليفا لرب الشمس هيليوس، كذلك فهو لم يكن منقذاً أو فادياً للبشر،ولم يطلق عليه أي من الألقاب السابقة باستثناء لقبي الكلمة (logos) والوسيط.وبالنسبة للقب الكلمة فميثرا لم يلقب بالكلمة الحية (living word)، وهولقب الرب يسوع المسيح، ومفهوم الكلمة موجود في العهد القديم وفي كتابات أقتبسها المسيحيون من فيلو الفيلسوف اليهودي الذي عاش قبل ظهور ميثرا بزمن طويل، أما لقب الوسيط فميثرا كان وسيط بين الخير والشر بينما الرب يسوع المسيح كان وسيطاً بين الله والإنسان.
والجدير بالذكر أن ديانة ميثرا كانت ديانة ذكورية جداً، فقد كانت عقيدة سرية موقوفةعلى المحاربين، ولم تكن تقبل بانضمام النساء للديانة. وقد دخلت هذه الديانة في صراع مع المسيحية، انتهت بانتصار المسيحية.
[1]http://en.wikipedia.org/wiki/Mithra
http://www.well.com/~davidu/mithras.html
2 قاموس أديان ومعتقدات شعوب العالم ص 492.
3 السابق ص 492.
[4] Encyclopedia Britannica. Mithra.
[5]Encyclopedia Britannica. Mithra.
[6]http://www.farvardyn.com/mithras.php
[7]http://en.wikipedia.org/wiki/Mithra
[8]http://www.sacred-texts.com/cla/mom/index.htm
[9] http://en.wikipedia.org/wiki/Mithraic_Mysteries
[10] http://en.wikipedia.org/wiki/Aditi
[11]Encyclopedia Britannica. Aditi.
12 معجم ديانات وأساطير العالم ص 47.
[13]
[14]http://en.wikipedia.org/wiki/Mithraic_Mysteries
[15]http://www.sacred-texts.com/cla/mom/index.htm
[16]
[17]
[18]http://en.wikipedia.org/wiki/Mithraic_Mysteries
[19]
عن كتاب: هل اقتبست المسيحية عقائدها من الوثنية؟
عن كتاب: هل اقتبست المسيحية عقائدها من الوثنية؟
للقراءة بتنسيق آخر
1 – الديانة البوذية مؤسسها ومعتقداتها وأهم أفكارها:
البوذية[1]: هي ديانة وفلسفة تشمل عقائد وتقاليد وممارسات متنوعة، وهي ديانة غير إلوهية (إلهية)، وأن كانت من الديانات الرئيسية في العالم، وقد تم تأسيسها عن طريق التعاليم التي تركها سيدهارتا جوتاما (Siddhartha Gautama) المعروف ببوذا ” Buddha – المتيقظ “. وقد نشأت البوذية في شمالي الهند وتدريجياً انتشرت في أنحاء أسيا، التيبتفسريلانكا، ثم إلى الصين، منغوليا، كوريا، فاليابان. وللبوذية فرعان رئيسيان هما ثيرافادا (Theravada)، أي تعاليم مدرسة الشيوخ، والماهايانا (Mahayana)، أي العربة الكبيرة. وتتمحور العقيدة البوذية حول 3 أمور (الجواهر الثلاث): أولها، الإيمان ببوذا كمعلّم مستنير للعقيدة البوذية، ثانيها، الإيمان بـ ” Dharma – دهارما “، أي التعاليم، وهي تعاليم بوذا وتسمّى هذه التعاليم بالحقيقة، ثالثها وآخرها السانجا (Sangha)، أي المجتمع البوذي. وتعني كلمة بوذا بلغة بالي الهندية القديمة، ” الرجل المتيقّظ ” (وتترجم أحيانا بكلمة المستنير). وتجدر الإشارة إلى أن اللفظ الأصلي لمؤسس الديانة البوذية (بوذا) هو ” بودا “، بالدّال، وليس بالذال.
(1) بوذا حياته وشخصه: إن أولى المعلومات عن حياة بوذا (Buddha) لا تعدوا كونها مجرد آثار شفوية متناثرة، لم تظهر أولى الترجمات الكاملة لحياته إلا بعد وفاته بسنين، غير أن المؤرخين يُجمعون على أن بوذا ولد في منتصف القرن السادس حوالي سنة (563) قبل الميلاد، في لومبيني (Lumbini)، وعاش في كابيلافاستو (Kapilavastu)، وكلاهما في نيبال الحالية. وكان اسمه الحقيقي ” Siddhartha Gautama – سيدهارتا جوتاما “، وكان والِدُه سودهودانا (Śuddhodana) حاكما على مملكة صغيرة. وتقول الأسطورة وبعد ميلاده بفترة أخبر أحد المنجمين والد الأمير، الملك سودهودانا (Śuddhodana) وتنبأ له أن بوذا أما سيكون ملكا عظيماً أو يتنكر للعالم المادي ويصبح رجلا قديساً، وذلك اعتمادا على ما سيكون خارج حوائط القصر.
ولأن والده كان يريد أن يرى أبنه ملكا لذا منعه من مغادرة أراضي القصر، وقد تربَى الأمير الشاب في رعاية والده وعاش حياة باذخة وناعمة، حتى إذا بلغ سن التاسعة والعشرين، أخد يتدبر أمرهُ وتبين له كم كانت حياته فارغة ومن غير معنى. وعلى الرغم من جهود والده في منعه من الخروج من أراضي القصر إلا أنه خاطر بالهرب من القصر عدة مرات، وفي سلسلة من الصدامات عرفت في الأدب البوذي بالانطباعات الأربعة تعلم معاناة الناس العاديين، من خلال معاناة رجل عجوز ورجل مريض وجثمان ميت وأخيراً من خلال رجل قديس ناسك. هذه الأمور جعلته يترك المعيشة في القصر ويبحث عن عيشة الزهد والنسك ويبحث عن الحياة الروحية. فقام بترك الملذات الدنيوية، وذهب يبحث عن الطمأنينة الداخلية وحالة التيقظ (الاستنارة)، محاولا أن يخرج من دورة التناسخ (حسب التقاليد الهندوسية). قام بممارسة اليوغا لبعض السنوات، وأخضع نفسه لتمارين قاسية وكان الزهد والتقشف شعاره في هذه المرحلة من حياته. وقد حاول في البداية أن يصل على أقصى درجات الزهد فعرضه ذلك للموت، ولكن بعد أن قدمت له فتاة قروية لبن وأرز في لحظة بالغة الأهمية فقد غير اتجاهه.
وبعد سبع سنوات من الجُهد، تخلى ” جوتاما ” عن هذه الطريقة، والتي لم تعُد تقنعه، واتبع طريقا وسطا بين الحياة الدنيوية وحياة الزُهّاد. فجلس تحت شجرة التين، والتي أصبحت
– 152 –
تُعرف بشجرة الحكمة، ثم أخذ في ممارسة التأمل، وقد جرب حالات عديدة من التيقظ، حتى أصبح ” بوذيساتفا “، أي أنه صار مؤهلا لأن يَرتقى إلى أعلى مرتبة وهي بوذا. ففي إحدى الليالي وعندما كان جالسا تحت شجرة التين، بلغ حالة الاستنارة، وأصبح بوذا، أي المتيقظ (أو المستنير). بعد أن بلغ أعلى درجات الحقيقية، شرع بوذا يدعو إلى مذهبه، فانتقل من قرية إلى قرية، فتجمّع الناس من حوله، وأسس طائفة من الرهبان عرفت باسم ” سانجا “. وكرس بوذا بقية حياته لتعليم الناس حقيقة دعوته.
وقد جاء في كتاب ” المعتقدات الدينية لدى الشعوب “: ” وتروي النصوص كيف التقى، على التوالي، برجل يعذبه المرض، ثم برجل في آخر مراحل الوهن والشيخوخة، ثم بجثة محمولة إلى مكان المحرقة، ومن خلفها يسير الحزانى من الأقارب والأصدقاء, – وبينما هو متفكر في هذه الوقائع، وكيف أن هذا هو مصير كل إنسان، رأى شخصاً رابعاً وهو رجل مقدس محلوق الرأس، جوال متدين، وواحد من الذين نذروا أنفسهم للسعي في حياة الزهد، لكي يعثروا على طريق التحرر من عبث الحياة الظاهر. وهؤلاء الرجال المتدينون الجوالون هم الذين يعرفون باسم ” الشرماينيين – Shramanas “، ولم يكونوا ظاهرة غريبة على الهند القديمة. وهكذا تحول سيدهارتا (Siddhartha ) إلى هذه الحياة، حياة الزاهد المتجول، آملاً أن يجد حلا لمشكلات الوجود البشري “[2].
ويضيف جون كولر: ” وبعد أن تأثر بحق، على هذا النحو بـ ” حقيقة ” المعاناة، تأمل جوتاما في تلك ” الحقيقة ” مركزا على اكتشاف سبيل إلى وقف كل معاناة. وبعد سنوات من بذل الجهد والانضباط، بما في ذلك أقسى أشكال التقشف، خلص جوتاما إلى أنه لا الطرف الأقصى للانغماس في الملذات، ولا الطرف الأقصى في التقشف البالغ، يمكن أن يفضي إلى القضاء على المعاناة. وعندئذ تبنى جوتاما طريقاً وسطاً بين هذين الاتجاهين المتطرفين، واستعان بضبط النفس والتطهر، وركز كل طاقاته على أسباب المعاناة. وفي أطار قيامه بالتركيز انكشفت له أسباب المعاناة، وأصبح جوتاما سيدهارتا هو بوذا المستنير، وأصبحت الاستنارة فيما يتعلق بأسباب المعاناة ووقفها ملك يمين “.
وبعد موت بوذا انتشرت أفكاره وكتبت عنه عشرات الأساطير فبعضها جعلت منه إلها، فبعضها جعلت منه أحد تجسدات الإله فيشنو ولكن بصفة عامة كانت حياته كحياة أي أمير أو ملك، ومثل الكثيرين من الذين زهدوا في الحياة وبحثوا عن التخلص من معاناة الحياة وآلامها فلجئوا للنسك والزهد والتقشف لكي يصلوا إلى التخلص من هذه المعاناة. وسنشير للكثير من القصص والأساطير التي خلعوها على ميلاده وحياته وموته عند حديثنا عن المقارنة بين المسيح وبوذا.
فقد كانت البوذية في الأصل حركة رُهبانية نشأت داخل التقاليد البراهمانية، وتحولت عن مسارها وقد قام بوذا بإنكار المبادئ الأساسية في الفلسفة الهندوسية، بالإضافة إلى رفضه وِصاية السُلطة الكَهنوتية، ولم يعترف بأهلِية كتابات الفيدا، وكذا مظاهر وطقوس عبادة الآلهة التي كانت تقوم عليها. كانت التعاليم الجديدة التي بشر بها موجهة للرجال والنساء وإلى كل الطبقات الاجتماعية بدون استثناء. كان بوذا يرفض المبدأ القائل بأن القيمة الروحية للإنسان تتَحدَد عند ولادته (نظام الطبقات الاجتماعية الهندوسي). تتواجد البوذية اليوم في صورتين: العقيدة الأصلية المسماة ” ثيرافادا ” (أو ” هينايانا “) ومعناها ” العربة الصغيرة “، ثم الـ ” ماهايانا ” أو ” العربة الكبيرة “[3].
انتشرت البوذية في بلدان عديدة: الهند، سريلانكا، وتايلاند، وكمبوديا، وبورما، ولاوس، ويسود مذهب ” ثيرافادا ” في هذه الدول، فيما انتشر مذهب ” ماهايانا ” في كل من الصين، واليابان، وتايوان، والتبت، ونيبال، ومنغوليا، وكوريا، وفيتنام، وبعض الأجزاء من الهند. يتواجد في العالم حوالي 150 مليون إلى 300 مليون شخص من معتنقي هذه الديانة. تعتبر عملية إحصاء عدد المنتسبين لهذه الديانة في البلدان الآسيوية مشكلة عويصة نظرا لتعوُد الناس على اعتناق خليط من المعتقدات في آن واحد، كما أن بعض البلدان مثل الصين تمنع إجراء مثل هذه الإحصاءات نظرا لحساسية الموضوع الديني.
(2) تعاليم بوذا الأصلية: كانت التعاليم التي خلفها بوذا لأتباعه شفوية. لم يترك وراءه أي مصنف أو كتاب يعبر فيه عن معتقداته وآرائه. بعد وفاته قام أتباعه بتجميع هذه التعاليم ثم كتابتها، وشرحها. من بين آلاف المواعظ الواردة في كتابات السوترا والتي تنسبها الآثار الهندية إلى بوذا، يصعب التفريق بين المواعظ التي ترجع إليه وتلك التي وضعها أتباعه ومُرِيديه بعد وفاته، على أنها تسمح لنا باستخلاص الخطوط العريضة التي قامت عليها العقيدة البوذية.
وتقوم العقيدة الأصلية على مبدأين: يتنقل الأحياء أثناء دورة كينونتهم من حياة إلى أخرى، ومن هيئة إلى أخرى: إنسان، إله، حيوان، شخص منبوذ وغير ذلك. تتحدد طبيعة الحياة المقبلة تبعا للأعمال التي أنجزها الكائن الحي في حياته السابقة، ينبعث الذين أدوا أعمال جليلة إلى حياة أفضل، بينما يعيش الذين أدوا أعمالاً خبيثة حياة بائسة وشاقة. عُرف المبدأ الأول بين الهنود حتى قبل مقدم بوذا، فيما يُرجح أن يكون هو من قام بوضع المبدأ الثاني.
ويمكن تلخيص تعاليم بوذا بالحقائق النبيلة الأربع التالية: 1- أن الحياة معاناة: وهي لا تخلو من المعاناة التي يسببها الشقاء ومصادر الشقاء في العالم سبعة: الولادة – الشيخوخة – المرض- الموت – مصاحبة العدو- مفارقة الصديق- الإخفاق في التماس ما تطلبه النفس وفي هذا المجال، يقول بوذا: ” أن سر هذه المتاعب هو رغبتنا في الحياة وسر الراحة هو قتل تلك الرغبة) 2 – والحقيقة الثانية : هي الأصل في منشأ المعاناة وعدم وجود السعادة وهي ناجمة عن التمسك بالحياة ويقول بوذا: ” أن منشأ هذه المعاناة الحتمية يرجع إلى الرغبات التي تمتلئ بها نفوسنا للحصول على أشياء خاصة لنا أننا نرغب دائما في شيء ما مثل: السعادة أو الأمان أو القوة أو الجمال أو الثراء … “، أي أن سبب الشقاء وعدم السعادة هو الأنانية الإنسانية وحب الشهوات والرغبات 3 – والحقيقة الثالثة : هي حقيقة التخلص من المعاناة ولا يتم إلا بالكف عن التعلق بالحياة والتخلص من الأنانية وحب الشهوات في نفوسنا وتسمى هذه الحالة (النيرفانا) أو الصفاء الروحي 4 – والحقيقة الرابعة: هي أن طريق التخلص من الأنانية والشهوات ومتاع الدنيا يوجب على الإنسان أتباع الطريق النبيل ذي الفروع الثمانية وهي: – الإدراك السليم للحقائق الأربع النبيلة – التفكير السليم الخالي من كل نزعة هوى أو جموح شهوة أو اضطراب في الأماني والأحلام – الفعل السليم الذي يسلكه الإنسان في سبيل حياة مستقيمة سائرة على مقتضى السلوك والعلم والحق – الكلام السليم أي قول الصدق بدون زور أو بهتان – المعيشة السليمة القائمة على هجر
– 155 –
اللذات تماما والمتطابقة مع السلوك القويم والعلم السليم – السلوك السليم – الملاحظة السليمة – التركيز السليم.
(3) الحقائق النبيلة الأربع: أثناء مرحلة تبشيره الأولى، قام بوذا بتعليم أتباعه الحقائق الأربع النبيلة. وتختزل هذه الحقائق تعاليم العقيدة الأصلية.
1 – الحقيقة الأولى هي المُعاناة: الحياة الإنسانية في أساسها معاناة متواصلة، منذ لحظات الولادة الأولى وحتى الممات. كل الموجودات (الكائنات الحية والجمادات) تتكون من عناصر لها دورة حياة مُنتهية، من خصائص هذه العناصر أنها مُجردة من مفهومي الأنا الذاتي والأزلية، كما أن اتحادها الظرفي وحده فقط يمكن أن يُوحي بكينونة موحدة. تتولد الآلام والمعاناة من غياب الأنا (راجع فقرة أناتمان) وعدم استمرارية الأشياء، لذا فهي – المعاناة – ملازمة لكل دورةِ حياة، حتى حياة الآلهة (لم تتعارض البوذية الأولى مع الهندوسية وتعدد الآلهة) نفسها والمليئة بالسعادة، لابد لها أن تنتهي. بالنسبة لبوذا والذي كان يؤمن بالتصور الهندوسي لدورة الخلق والتناسخ (الانبعاث)، لا يشكل موت الإنسان راحة له وخلاصا من هذه الدورة. وهذه الحقيقة الأولى علمها بوذا كالآتي: ” تلك أيها الرهبان، هي الحقيقة النبيلة للمعاناة، فالميلاد معاناة والملل معاناة، والمرض معاناة، والموت معاناة، ووجود الأشياء التي نكرهها معاناة، والأنفصال عن الأشياء التي نحبها معاناة، وعدم الحصول على ما نرغب فيه معاناة، وبأختصار، فأن المجموعات الخمس التي تنبع من التملك مؤلمة “[4].
2 – الحقيقة الثانية عن أصل المعاناة الإنسانية: إن الانسياق وراء الشهوات، والرغبة في تلبيتها هي أصل المعاناة، تؤدي هذه الرغبات إلى الانبعاث من جديد لتذوق ملذات الدنيا مرة أخرى. تولدت هذه الرغبة نتيجة عدة عوامل إلا أن الجهل هو أصلها جميعا. إن الجهل بالطبيعية الحقيقة للأشياء ثم الانسياق وراء الملذات يُوّلِدان الجذور الثلاثة لطبيعة الشّر، وهي: الشهوانية، الحِقد والوَهم، وتنشأ من هذه الأصول كل أنواع الرذائل والأفكار الخاطئة. تدفع هذه الأحاسيس بالإنسان إلى التفاعل معها، فيقحم نفسه بالتالي في نظام دورة الخلق والتناسخ. ويقول بوذا تفسيرا للحقيقة النبيلة الثانية: ” تضرب جذورها في تلك الرغبة الملحة Carving أو الشهوة التي تسبب تجدد الصيرورة أو الميلاد من جديد، وتصحبها اللذة الحسية، وتسعى إلى الإشباع في التو واللحظة (هنا، والآن) أي التوق إلى الملذات: التوق إلى الصيرورة، التوق إلى اللاصيرورة “.
3 – الحقيقة الثالثة عن إيقاف المعاناة: وتقول بأن الجهل والتعلق بالأشياء المادية يمكن التغلب والقضاء عليهما. يتحقق ذلك عن طريق كبح الشهوات ومن ثمة القضاء الكلي (نيرفانا) على ثمار هذه الأعمال (كارما)، والناتجة عن الأصول الثلاثة لطبيعة الشر. وحتى تتحقق العملية لا بد من الاستعانة بالقديسين البوذيين من الدرجات العليا، وحتى ببوذا نفسه، والذي يواصل العيش في حالة من السكينة التي لا يعكر صفوها طارئ.
4 – الحقيقة الرابعة هي الطريق الذي يؤدي إلى إيقاف المعاناة: ويتألف الطريق من ثماني مراحل، ويسمى بالدَرْب الثُماني النبيل، تمتد على طول هذا الطريق ثماني فضائل:
الفهم السوي، التفكير السوي، القول السوي، الفعل السوي، الارتزاق السوي، الجهد السوي، الانتباه السوي، وأخيرا التركيز السوي.
وتوزع هذه الفضائل إلى ثلاثة أقسام: الفضيلة، الحكمة والتأمل. ويتم الوصول إلى كل واحدة منها عن طريق وسائل مختلفة. أول هذه الوسائل هي أتباع سلوكيات أخلاقية صارمة، والامتناع عن العديد من الملذات. تهدف الوسائل الأخرى إلى التغلب على الجهل، عن طريق التمعن الدقيق في حقيقة الأشياء، ثم إزالة الرغبات عن طريق تهدئة النفس وكبح الشهوات، وهي – أي الوسائل – تشتمل على عدة تمارين نفسانية، من أهمها ممارسة التأمل (ذيانا)، لفترة طويلة كل يوم. عن طريق إعمال العقل في جملة من الأفكار أو الصور، وتثبيتها في الذهن، يمكن شيئا فشيئا أن يتحول العقل ويقتنع بحقيقة العقائد المختلفة للبوذية، فيتخلص من الشوائب، والأفكار الخاطئة، والمناهج السيئة في التفكير، فتتطور بالتالي الفضائل التي تؤدي إلى الخلاص، وتتبدد العادات السيئة المتولدة عن الشهوة. عن طريق إتباع هذه التمارين والتزام الأخلاق النبيلة يمكن للراهب البوذي أن يصل وفي ظرف زمني قصير (فترة حياته) إلى الخلاص.
(4) الجواهر الثلاث: عندما يعتنق شخص ما الدين البوذي عليه أن يعلن وبصريح العبارة
– 157 –
أنه يلتمس لنفسه الملاذ ويتعوذ بالجواهر الثلاث (أعوذ ببوذا، بالدراما وبالسانجا)، ويتم ذلك أمام جمع من الرهبان البوذيين (سانجا)، وفق مراسيم وطقوس خاصة. حسب مفهوم البوذية يتوجب على الشخص الطامح إلى الخلاص أن يلوذ بثلاثة أشياء أساسية، والمعروفة بـ ” الجواهر الثلاث “: بوذا: والمقصود هنا الشخصية التاريخية المعروفة باسم ” جوتاما “، إلا أن هذا المفهوم يتسِع – حسب مذهب ماهايانا – ليشمل بوذاتٍ (جمع بوذا) آخرين يمكن التعوذ بهم؛ الدهارما: وهي التعاليم التي تركها بوذا – الشخصية التاريخية -، وتتلخص حسب ماهايانا في نصوص الـ ” سوترا “؛ السانجا: وهي طائفة الرهبان والراهبات، والمقصود هنا بعض الرهبان ممن نَذر نفسه لمساعدة الآخرين، ويٌطلق على بعضهم لقب ” بوديساتفا “.
والهدف الأول من طلب الملاذ هو التخفيف من العواقب والمعاناة التي تسببها الكارما، وهذا ما يطمع إليه غالبا عامة الناس، إلا أن الهدف الأسمى يتمثل في الوصل إلى حالة الاستنارة أو التيقظ والتحرر الكُلي من الكارما، وهذا حال الرهبان والراهبات..
(6) مفاهيم أساسية:
أ – الكارْما: يطلق لفظ كارما على الأفعال التي يقوم بها الكائن الحي، والعواقب الأخلاقية الناتجة عنها. إن أي عملٍ، خيِّرا كان أو شّرا، وأي كان مصدره، فعل، قول أو مجرد إعمال فكرة، لا بد أن تترتب عنه عواقب، ما دام قد نَتَج عن وعي وإدراك مسبوق، وتأخذ هذه العواقب شكل ثمارٍ، تنمو وبمجرد أن تنضج تسقط على صاحبها، فيكون جزاؤُه إما الثواب أو العِقاب. قد تطول أو تقصر المدة التي تتطلبها عملية نضوج الثمار (أو عواقب الأعمال)، غير أنها تتجاوز في الأغلب فترة حياة الإنسان، فيتحتم على صاحبها الانبعاث مرة أخرى لينال الجزاء الذي يستحقه. ولا يمكن لكائن من كان أن ينال جزاء لا يستحقه، نظرا لأن الكارما تقوم على عدالة شاملة. يعمل نظام الكارما وفق قانون أخلاقي طبيعي قائم بذاته وليس (كما في الأديان الأخرى) تحت سلطة الأحكام الإلهية. تتحدد وفقا للكارما عوامل مثل المظهر الخارجي، الجمال، الذكاء، العمر، الثراء والمركز الاجتماعي. حسب هذه الفلسفة يمكن أن لكارماتٍ مختلفة ومتفاوتة، أن تؤدي في النهاية إلى أن يتقمص الكائن الحي شكل إنسان، حيوان، شبح أو حتى إحدى شخصيات الآلهة الهندوسية.
ب – الآلهة: كما جردت البوذية الموجودات من مفهوم الأنا فقد جردت الكون من مفهوم الخالق الأزلي – مصدر خلاص الجميع – لا تعارض في البوذية مع فكرة وجود آلهة عديدة، إلا أنها رفضت أن تخصص لها مكانة في عقيدتها. تعيش الآلهة حياةً طويلة وسعيدة في الفردوس، ومع هذا فهي معرضة لمواقف صعبة، على غرار ما يحصل للكائنات الأخرى. يمكن لها أن تخوض تجربة الممات ثم الانبعاث من جديد في كينونة أقل شأنا. ليس للآلهة يدٌ في خلق الكون، كما لا يمكنها التحكم في مصير الكائنات الحية. ترفض البوذية الصلوات والأضاحي التي تخصص لها. من بين الأشكال التي يمكن تقمُصها بعد الانبعاث ترى البوذية أن الحياة الإنسانية أفضلها على الإطلاق، رغم أنها من درجة أعلى إلا أن انشغال الآلهة بملذاتها الشخصية يشغلها عن طلب التحرر. فقط الكائنات الإنسانية تتوفر فيها المزايا التي تؤهلها إلى بلوغ التيقظ (الاستنارة) ومن ثمة التحرر.
ج – النيرفانا: الهدف الأسمى حسب البوذية هو التحرر التام عبر كَسر دورة الحياة والانبعاث، والتخلص من الآلام والمعاناة التي تحملها خلال حياته. وبما أن الكارما هي عواقب الأفعال التي يقوم الأشخاص، فلا خلاص للكائن ما دامت الكارما موجودة.ويستعمل لفظ ” نيرفانا ” لوصف حالة التيقظ التي تخمُد معها نيران العوامل التي تسبب الآلام (الشهوة، الحقد والجهل). لا يحدُث التبدد الكلي للكارما عند بلوغ النيرفانا، يمكن وصف هذه الحالة بأنها بداية النهاية في طريق الخلاص. النيرفانا حالة من الوعي والإدراك لا يمكن تعريفها ولا حتى فهمها، بعد أن يصلها الكائن الحي، ويُصبح متيقظا، يستمر في العيش ومع الوقت يقوم بتبديد كل الكارما الخاصة به، حتى يبلغ عند مماتِه ” النيرفانا الكاملة ” -parinirvana- (التبدد الكُلي للكارما). عندما يموت هؤلاء الأشخاص فإنهم لا يُبعثون – فقد استنفذت الكارما -، ولا يمكن لأيٍ كان أن يستوعب حالة الطوبى الأزلية التي يبلغونها (حسب أقوال بوذا نفسه).
ونظريا على الأقل، يمكن لأي كان أن يبلغ حالة النيرفانا، إلا أن تحقيقها يبقى مقصورا على أفراد طائفة الرهبان. بعد أن يمر الشخص على كل المراحل في الدرب الثماني النبيل، ويتوصل إلى حالة اليقظة (الاستنارة)، يحظى بمكانة رفيعة بين قومه ويطلق عليه في التقاليد البوذية –للتيرافادا – لقب ” أرهانت ” (arhant).
وبالنسبة للأشخاص الآخرين والغير قادرين على بلوغ الغاية النبيلة، عليهم الاكتفاء بتحسين الكارما الخاصة بهم، لعلهم يحظون بحياة أفضل بعد الانبعاث. عادة ما يكون هذا مطلب أفراد الطائفة البوذية من غير الرهبان (العلمانيين أو الناس العاديين)، يأمل هؤلاء أن يصبحوا يوما من أفراد ” السانجا ” (مجتمع الرهبان البوذيون)، وأن يعيشوا حياة تؤهلهم للوصول إلى حالة التيقظ. للوصول إلى النيرفانا، يجب أتباع سلوكيات أخلاقية هي خليط من حياة العزلة وانطواء على الذات. تتطلب هذه الأخيرة ممارسة أربع فضائل، والتي تسمى ” قصر البراهما “: الإحسان، الإشفاق، التفكير الإيجابي، والرزانة. تساعد هذه الممارسات على انبعاث إيجابي (حياة أفضل). يتوجب على الأشخاص القيام بأعمال اجتماعية جليلة، وبالأخص تجاه الرهبان البوذيين (الصدقات)، وكذا الالتزام بالقواعد الخمس التي تشكل أساس الممارسات الأخلاقية للبوذية:
1- الكف عن القتل،
2- الكف عن أخذ ما لم يُعطى له،
3- الكف عن الكلام السيئ،
4- الكف عن السلوكيات الحِسية المُشينة،
5- الكف عن تناول المشروبات المُسْكِرة والمخدرات.
وبإتباع هذه التعاليم يمكن القضاء على الأصول الثلاثة للشرور: الشهوانية، الحِقد، والوَهم.
(7) أناتمان أو عقيدة اللا – أنا: تنقسم الكائنات إلى خمس مفاهيم – حسب البوذية -: الهيئة (الجسمانية)، الحواس، الإدراك، الكارما والضمير. الإنسان هو مجرد اتحاد زمني طارئ لهذه المفاهيم، وهو معرض بالتالي للـ ” لا – استمرارية ” وعدم التواصل، يبقى الإنسان يتحول مع كل لحظة جديدة، رغم اعتقاده أنه لا يزال كما هو. ترفض البوذية الفكرة القائلة بأن هذه الأقسام – أو المفاهيم -، يمكن اعتبارها كينونة موحدة وروحا قائمة بذاتها (أتمان)، وتعتبر أنه من الخطأ التصور بوجود ” أنا ذاتية “، وجعلها أساس جميع الموجودات التي تؤلف الكون. يعتقد بوذا أن عقيدة كهذه يمكن أن تؤدي إلى الأنانية، فتنجم عنها الرغبة التي تولد الآلام. وعليه فقد قام بتعليم عقيدة الـ ” لا – أنا ” (أناتمان). يقول بوذا أن الكينونة تحددها ثلاثة عناصر: الـ ” لا – أنا ” (أناتمان)، الديمومة العارِضة – سريعة الزوال- (أنيتيا) والآلام (دوكا).
وقد أوجبت عقيدة الـ ” لا – أنا ” على بوذا أن يعيد شرح التصور الهندوسي لدورة الحياة والتناسخ (عجلة الحياة والمسماة ” سامسارا “)، فكانت عقيدة ” التوالُد المُحدَد ” (المشروط)، وتتلخص الفكرة في أن مجموعة من الأحداث الدورية – تتكرر مع كل دورة جديدة -، وهي اثني عشر عاملا يرتبط كل منها بالآخر، هي التي تساهم في الظروف التي تولد الآلام – وليس ” الأنا الذاتية “، بما أنه نفى وجودها -. إن تسلسل هذه الأحداث يُبيّن كيف تنشأ انطلاقا من جهلِ تركيباتٌ نَفسانية والتي تصبح بدورها المُسببات التي تؤدي إلى تشغيل الحواس والوظائف العقلية. ومن هنا يتولد الإحساس المسئول عن الشعور بالرغبة والتعلق بالحياة. تقوم هذا السلسلة بتفعيل وتشغيل عملية التناسخ، فتنطلق دورة تتجدد باستمرار، حياة فشيخوخة فموت. عن طريق هذه السلسلة من الأسباب تنشأ علاقة بين الكينونة الآنية والكينونة الآتية (إن تصور البوذية للحياة على أنها فيضٌ طارِئ تَشَكَل بعد اجتماع عدة عوامل، يتعارض مع فكرة انبعاث نفسِ الكائن الحي في كل مرة!). عن طريق ممارسة التأمل يتم إجهاد هذه التركيبات النفسانية، ومن ثمة إيقاف مسببات الآلام، والوصول إلى الخلاص والتحرر (الخروج من دورة التناسخ). كما جردت البوذية الموجودات من مفهوم الأنا فقد جردت الكون من مفهوم الخالق الأزلي -مصدر خلاص الجميع -.
(8) السَّلات الثلاث والكتابات المقدسة الأخرى: نسخة محفوظة في تايلند لبعض الفقرات من سوترا بيتاكا: كتبت على غرار النسخة الأصلية بلغة بالي القديمة، وفوق رقائق تتخذ من خشب البابموكانت التعاليم التي دُونت أثناء المجامع البوذية الأولى يتِم تناقلها بطريقة شفهية، حتى تقرر في القرن الأول قبل الميلاد تدوينها بطريقة نهائية. اختارت كل مدرسة لغة معينة لتدون بها هذه التعاليم، وكانت اللغة السنسكريتية (بلهجاتها العديدة) اللغة الطاغية. لم يتبق اليوم إلا بعض القطع المتناثرة من المخطوطات الأولى. بالإضافة إلى النسخ بالسنسكريتية تتواجد نسخة أخرى كتبت بلغة بالي، وهي لغة هندية قديمة، تعتبر هذه الأخيرة النسخة الكاملة الوحيدة المحفوظة لتعاليم بوذا الأصلية، ويُطلق عليها أتباع مذهب ” تيرافادا ” تسمية “قانون بالي “. وقد تم ترتيب الكتابات البوذية التي كتبت في الفترة الأولى في ثلاث مجموعات، عرفت باسم ” تريباتاكا ” (Tripitaka) أو ” السَّلات الثلاث “:
(1) سوترا بيتاكا (Sutra Pitaka): وهي مجموعة الكتابات الأصلية، وتتضمن الحوارات التي دارت بين بوذا ومُرِيديه. قُسمت بدورها إلى خمس مجموعات: (1) النصوص الطويلة، (2) النصوص المتوسطة الطول، (3) النصوص المَجمعة، (4) نصوص متنوعة ثم (5) مجموعةٌ من النصوص المختلفة الأخرى. وتتضمن المجموعة الأخيرة روايات كثيرة عن الكينونات السابقة التي عرفها بوذا التاريخي، بالإضافة إلى بعض القصص المختصرة عن التعاليم التي تتعرض إلى الأخلاق وكيفية ضبط النفس، ويستحب الناس هذه القصص كثيرا، نظرا للعبر التي تتضمنها.
(2) فينايا بيتاكا (Vinaya Pitaka): وهي الكتابات التي تتعرض للجانب التنظيمي والأخلاقي لحياة الرهبنة، وتتضمن حوالي مائتين وخمس وعشرين قاعدة، حول سلوك الرهبان والراهبات البوذيات. رتبت هذه القواعد حسب حجم الضرر الذي يترتب عن تركها وعدم الأخذ بها، كما أرفقت بقصة تحكي أهميتها.
(3) أبهيدارما بيتاكا (Abhidharma Pitaka): وتتضمن مناقشات في الفلسفة، العقائد وغيرها من الموضوعات التي تمس العقيدة البوذية. قسمت إلى سبعة أقسام يتضمن كل منها تقسيمات للظواهر النفسانية، وتحليلات متعددة لظواهر ما وراء الطبيعة. نظرا لطبيعة المواضيع التي تتعرض لها هذه الكتابات، فقد نفرَ منها عامة الناس، واقتصرت دراستها على بعض الرُهبان المُتمكنين.
وبالإضافة إلى السَّلات الثلاثة، هناك نصان أساسيان في عقيدة ” التيرافادا “، رغم أنهما لا يُصنفان ضمن النصوص الأساسية. (Milindapanha) أو (أسئلة الملك ميليندا)، ويرجع إلى القرن الثاني للميلاد، وتمت صياغته في شكل أسئلة وأجوبتها، تتعلق بجوهر العقيدة البوذية. ثاني هذه الكتابات والمعروف باسم (Visuddhimagga)، قام بكتابته الراهب بوداجوسا (Buddhaghosa) في القرن الخامس للميلاد، ولخص فيها الأفكار البوذية بالإضافة إلى شرحه إلى كيفية ممارسة التأمل.
ويَعتقد أتباع مذهب ” تيرافادا ” أن السَّلات الثلاث، تتضمن خلاصة أقوال وتعاليم ” سيدهارتا جوتاما ” التي استوعبتها وحفظتها ذاكرة أتباع البوذية. على أن مذهب ماهايانا الشمالي لا يكتفي فقط بالتعاليم التي تركها بوذا التاريخي. بعد أن انقسم أتباع البوذية الأوائل إلى مذاهب وفِرق، أضافت هذه الجماعات إلى السلات الثلاث العديد من النصوص الأخرى. رغم أن هذه الكتابات أنجزت بعد الفترة التاريخية الأولى للبوذية، إلا أن أتباع المذهب الشمالي (ماهايانا)، يَعتبرون أنها لا تقل أهمية عن النصوص الأصلية. وتعتبر “سوترا لوتس الشريعة الحَقَانِية” (Saddharmapundarika Sutra) من أهم هذه الكتابات.
(9) سانجا: الرهبان والحياة في الأديرة: منذ الأيام الأولى لظهورها شعر أتباع العقيدة البوذية بحاجتهم إلى أن ينتظموا، فتشكل ما يعرف بالـ” سانجا “، وهو الاسم الذي أُطلِق على هذا التنظيم الاجتماعي الجديد. اعتزل البوذيون الأوائل حياة العامة حتى صار مجتمعهم ذا طبيعة رهبانية خالصة. قاموا بحلق رؤوسهم واختصروا لباسهم في قطعة قماش واحدة ذات لون برتقالي فاقع. ظل اعتماد هذا المظهر سائدا منذ تلك الأيام الأولى وأصبح اليوم علامة فارقة تميزهم. اتبع الرهبان البوذيون حياة التِرحال في بداية الأمر، وكانوا يتجمعون مرة واحدة في السنة وذلك عند حلول موسم الأمطار والفياضانات وتعذر السفر نظرا للمشقة الكبيرة، ومع مرور السنين تركوا حياة التِرحال وبنوا لأنفسهم مقراتٍ دائمة حتى يؤووا إليها. تُدبر كل طائفة أمرها بنفسها، وبصفة مستقلة عن الطوائف الأخرى، ويتم اتخاذ القرارات بصفة جماعية. كانت الحياة الرهبانية تنظَّم وِفْق نصوص ” فينايا بيتاكا ” (Vinaya Pitaka) (راجع: السَّلات الثلاث). يتم كل أسبوعين عقد اجتماع يضُم جماعة منتخبة من الرهبان، تقوم هذه المجموعة بقراءة القواعد الخاصة التي جاءت بها كتابات ” فينايا “، ويقوم المذنبون أثناء الجلسة بالاعتراف علنا بكل المخالفات التي ارتكبوها.
لم يكن سانجا (أو مجتمع الرهبان) حكرا على الرجال فقط، وقد خرجت البوذية في منحاها هذا عن الأعراف التي سادت في الديانة الهندوسية. عادة ما يكون الرهبان أو الراهبات – حسب مذهب تيرافادا- عُزابا، يكسبون قوت يومهم عن طريق طلب الصدقة من العامة، ورغم أن هذه العادة تبدو مستهجنة بعض الشيء إلا أنها ظلت ملاصقة لتاريخ الرهبان البوذية منذ أيام بوذا. وحدها مدرسة ” زن ” -أو ” تشان “- تحظر على رُهبانها الارتزاق بهذه الطريقة، فأوجبت عليهم بدل ذلك العمل في الحقول لكسب قوتهم اليومي. تُعتبر
– 163 –
المدارس البوذية في اليابان أكثر تفتُحا من غيرها، فمدرسة ” شين “، تسمح لرهبانها بالزواج وتأسيس عائلة. عادة ما يتولى الرهبان البوذيين إدارة مراسيم الجنازة، كما يقودون الاحتفالات التي تنظم على شرف بعض الموتى، ويتم فيها تِعداد خصالهم الحميدة والأعمال الخيِّرة التي أنجزوها أثناء حياتهم.
(10) الحياة العامة، العبادة والمظاهر الاحتفالية: ستوبا بالقرب من لاسا في التبت: غالبا ما تحتوي هذه الأبنية على بقايا وآثار لبوذا، يتبرك بها الناس بالإضافة إلى الرهبان، يُشكل جمهور الناس في البلدان الآسيوية القِطاع الأكبر من أتباع البوذية. فيما يُمارس الرهبان طقوسهم الدينية بطريقة جماعية، يَطغى الجانب الفردي على ممارسات الجمهور. رغم اختلافهما في الواجبات وما يترتب عن ذلك، يشترك الجمهور والرهبان في تلاوتهم لصيغة الملاذات الثلاث : “أعوذ ببوذا، بدارما وبسانجا “، وذلك أثناء أداءهم للصلوات.
وتختلف بعض مظاهر التبجيل والاحتفال ببوذا والقديسين تبعا للمذهب والبلاد، فرغم أن أتباع مذهب ” تيرافادا ” لم يرفعوا بوذا التاريخي إلى درجة الإلوهية، إلا أنهم خصصوا له بناءات خاصة تدعى ” ستوبا ” وهي أبنية على شكل قباب، توضع بداخلها لوازم وآثار مختلفة ترجع إلى بوذا. يقوم الأتباع بالمشي حول مبنى الـ ” ستوبا ” في اتجاه عقارب الساعة، حاملين معهم زهورا وبعضا من عيدان البخور، كدلالة على احترامهم للمكان.
وتحتفظ أماكن متفرقة ببعض الآثار لبوذا، على غرار معبد ” كاندي ” في سريلانكا، والتي يضُم في صومعته سِنا يُقال إنها تعود لبوذا، ويحتضن المكان احتفالا كبيرا يقام سنويا بمناسبة ذكرى ميلاده. يُعتبر يوم ميلاد بوذا أهم مناسبة احتفالية في الرزنامة البوذية، يُطلق على المناسبة في مذهب تيرافادا اسم ” فايساكا ” (Vaisakha) وتقام الاحتفالات التي تصاحبها على مدار الشهر الذي يلي هذا التاريخ (تاريخ مولد بوذا). ثاني أهم مناسبة في البلدان التي يسود فيها المذهب الأخير – تيرافاد -، ويطلق عليها اسم ” بيريت ” (pirit)، يتم فيها تلاوة نُصوص مختارة من قوانين بالي (راجع النصوص المقدسة) حتى تطرد الأرواح الشريرة ويشفى المرضى، كما يتم فيها مُباركة الأعمال الخيِّرة وغيرها.
وتكتسب الطقوس والمراسيم أهمية أكبر لدى أتباع مذهب ماهايانا (الصين واليابان). يتم تعليق صور مختلفة لبوذا ولشخصيات مقدسة في مذابح المعابد وفي مخادع البيوت، وتتخذ كوسيلة للتبرك. تتم العبادة عن طريق أداء الصلوات وترتيل بعض النصوص المقدسة بطريقة جَهْورِية، كما يتم تقديم بعض القرابين من فواكه وزهورٍ وبخور. تُعتبر مناسبة ” أولامبانا ” (Ullambana) أبرز المظاهر الاحتفالية البوذية وتحظى بشعبية كبيرة في الصين واليابان، يَعتقد الأَتباع أنه وفي هذا اليوم تفتح أبواب العالم الآخر، ويسمح للموتى بزيارة أقربائهم الأحياء، ويقوم هؤلاء بدورهم بتقديم القرابين عرفانا لهم.
(11) التاريخ والانتشار: المجامع البوذية الأولى: رغم إلحاح أتباعه عليه إلا أن بوذا توفي من غير أن يُزكي شخصاً يتولى شؤونهم، وصَأهم بالعمل على طلب الخلاص. كانت التعاليم الشفوية أهم تركة خلفها بوذا وراءه، أحس أتباعُه بالفراغ الذي تركه رحيله، فقرروا أن ينتظموا في طائفة واحدة حتى يحافظوا على هذه التركة. جرياً على هذا المبدأ عقد أتباع البوذية الأوائل عدة اجتماعات لبحث المسائل المختلفة التي تتناول عقيدتهم. يعتبر المؤرخون أن أربع مجامع فقط يمكن اعتبارها أساسية. تم عقد أول مجمعٍ بعد وفاة بوذا بفترة قليلة في ” راجغير” (الهند) عام 477 ق.م. قام الحاضرون بتلاوة التعاليم الشفوية التي تركها بوذا، واتفقوا فيما بينهم على مضمونها، كما ناقشوا المنهج الأمثل في الحياة الواجب إتباعه عند اختيار حياة الرَّهبنة.
وبعد حوالي قرن من التاريخ الأول عقد المجمع الثاني في ” فايسالي ” (ولاية بيهار- الهند)، كان هدفه توضيح وجهات نظر اتجاه بعض التصرفات التي تطبع الحياة اليومية على غرار استعمال النقود، استهلاك الخمر، بالإضافة إلى بعض الأمور وكذا البدع الجديدة التي استحدثتها إحدى طوائف الرهبان. اختتمت الجلسات بعدا أن تم الإجماع على منافاة هذه التصرفات لروح البوذية. يعتقِد البعض أنه وأثناء عقد هذا المجمع ظهرت ولأول مرة علامات الانقسام بين الأتباع ذوي توجهات مختلفة. تُشِير المصادر التاريخية التي دُوِنت في تلك الفترة إلى خلاف نَجم بين أعضاء المجلس الكبير (ماهاسانغيكا) ومجلس القدماء (ستارفيرا)، بعد أن أبدى الأخيرين مواقف متشددة وصارمة اتجاه التصرفات والبدع الجديدة. لم يكن لهذه الخلافات تبِعات فورية في حينها، إلا أنه وبعد مرور سبعٍ وثلاثين عاماً منذ ذلك التاريخ، أخذت الخلافات تتفاقم، كانت المواضيع محل الخلاف متنوعة، وتشمل الجوانب المتعلقة بتنظيم الأديرة، تفسير بعض المسائل العقائدية، كيفية معاملة جمهور الناس بصفتهم لا ينتمون إلى مجتمع الرهبان وغيرها من المسائل. في مثل هذه الظروف تم عقد مجمع آخر، ونظرا لاتساع الهُوة بين الأطراف المتنازعة تقرر الإعلان وبصفة رسمية عن انقسام الطائفة البوذية للمرة الأولى في تاريخها.
وانشطر أتباع البوذية بعد المجمع الثاني إلى جماعات وطوائف عِدة (تعرف بالمدارس التقليدية، وبلغ عددها ثماني عشرة مدرسة)، اختلفت كل واحدة مع الأخرى في المسائل العقائدية، الفلسفية، والتنظيمية وغير ذلك. اندثرت أغلب المدارس التقليدية الأولى ولم يتبق منها اليوم إلا واحدة فقط، وتعرف باسم “تيرافادا” وهو المذهب السائد في الهند وسائر البلدان المُطلة على خليج البنغال. وكان المجمع الثالث للبوذية حدثا استثنائيا في تاريخ البوذية، فقد تم عقده في ” باتاليبورتا ” (عاصمة إقليم بيهار في الهند) في القرن الثالث قبل الميلاد، وتحت إشراف الملك أشوكا، أعظم ملوك دولة ” ماوريا “، والتي شملت مساحتها كل بلاد الهند وباكستان تقريبا (هندوستان). من أهم النتائج التي ترتبت عنه، طرد العديد من أشباه الرُهبان والمنافقين الذين التحقوا بالـ”سانجا” (الاسم الذي يطلق على مجتمع الرُهبان) بعد أن قدَم الملك أشوكا دعمه لهم. تم التشديد على محاربة البدع الجديدة المتحدثة، وإقصاء كل الذين كانوا وراءها. أثناء هذا المجمع تم الانتهاء من كتابة النصوص المعروفة باسم ” تيربيتاكا ” أو ” السَّلات الثلاث ” (راجع النصوص المقدسة)، كما عرفت العقيدة الأساسية (والمقصود هنا الدارما أو التعاليم) والقواعد السلوكية التي يقوم عليها مُجتمع الرهبان، بعض التعديلات بعد أن أضيفت إليها مجموعة من المفاهيم الفلسفية، عرفت باسم ” أبيردارما ” (abhidharma). سمح هذا المجمع للبوذية ولأول مرة أن تعرف طريقها إلى الانتشار خارج رقعتها الأصلية، عندما قرر المجتمعون إرسال مجموعة من الأشخاص إلى البلدان المجاورة بهدف الدعوة إلى الدين الجديد.
عقد مجمع رابع تحت أشراف الملك ” كانيشكا “، في جَلندار (ولاية جامو – كاشمير) عام 100 بعد الميلاد. كان الهدف منه التقريب بين أهم تيارين في البوذية، “تيرافادا” و”ماهايانا”، إلا أن أتباع المذهب الأول رفضوا لاحقا الاعتراف بما جاء فيه[5].
(12) الخلاصة: ونلخص ما سبق أن بينا بما جاء عن البوذية في الموسوعة الماركسية، حيث تقول: ” ديانة عالمية تبشر بالخلاص من الألم عن طريق ترك الرغبة وتحقيقالتنوير الأعلى الذي يعرف باسم النيرفانا. وقد نشأت البوذية في الهند في القرن السادس قبل الميلاد. وهي واسعة الانتشار في الأزمنة الحديثة في اليابان والصينونيبال وبورما وغيرها من البلاد، حيث يوجد لها نحو 500 مليون معتنق. ففي الفترةالتي كان فيها النظام المشاعي البدائي ينهار وتظهر الدول الطبقية، عبّر سيدهارتامؤسس البوذية، الذي يطلق عليه اسم بوذا (أي الرجل المستنير) عن احتجاج عامة الشعبعلى الديانة البراهمانية بسبب فوارقها القبلية المقدسة وطقوسها المعقدة في عبادةالآلهة والتضحية لها. وسعى إلى التحرر من الألم، لا عن طريق التغيير الاجتماعي، ولاعن طريق مقاتلة قوى الطبيعة، وإنما عن طريق الكمال الأخلاقي الذي يكون بلوغهبالانسحاب من الحياة (الانعتاق الجميل) وانغماس المرء في النيرفانا. وقد أنكر بوذا وجود الله الخالق، وأنكر أيضا ديانة الفيدا ولكنه قبل تعاليمها عن دورة الميلادوالممات (السانسارا) وعن الجزء (الكرما) التي تشير فقط إلى أن تناسخ الأرواح لايتوقف على القبيلة التي ينتمي إليها إنسان ما، ولا على التضحيات التي قدمها، وإنمايتوقف على حسناته وسيئاته.
وكانت فكرة بوذا عن الخلاص في البداية (من القرن الثالثإلى القرن الأول ق.م.) تقوم على المذهب الفلسفي القائل بأن العالم والشخصيةالإنسانية شكلا تيارا من عناصر المادة والوعي – يسمى الدهارما – يحل الواحد منها محل الآخر باستمرار. ويكمن الطريق إلى الخلاص وفقا لهذا المذهب في قمع أي ” إثارة ” للدهارما. وفي القرون الأولى من الميلاد اتخذت الديانة البوذية طابعا مختلفا تماما. فاستبدل التبجيل البسيط لذكرى المعلم بتأليه بوذا، وصار خلاص الإنسان يتوقف على فضلالآلهة الذي يمكن السعي إليه عن طريق ترديد السوترا أو الأسفار المقدسة. وأصبحت هذهالديانة الجديدة تعرف باسم الماهايانا، تمييزا لها عن الاتجاه التقليدي، اتجاهالهنيايانا الذي نبع من بوذا نفسه. كذلك فقد تغيرت فلسفة بوذا. فعلى غير ما كانيراه فلاسفة الهنيايانا من أن الدهارما المادية والنفسية حقيقة، فإن فلاسفة الماهايانا أفتوا بأن الدهارما غير حقيقية وأن العالم كله غير حقيقي. وقد وضحناجاريونا (القرن الثاني بعد الميلاد) الأساس المنطقي لمذهب لا واقعية الدهارما، أو السنوياتا (الخواء) وتميز وسائل ناجاريونا بين كل الماهايانا سوترا، بمنطقها وتماسكها. وقد أصبح مذهبه الفعلي نقطة انطلاق للمنطق البوذي الذي عرضه ويحتاجا وهارما كيرتي (500-700 بعد الميلاد).
وأصبحت تعاليم ناجاريونا عن لا واقعية الفكر التصوري، وعن المعرفة الحدسية المطلقة، أساسا للمدارس المثالية اللاحقة (المادهياماكا والفيجانافادا) في المذهب البوذي التنتري (التنترا هي كل واحد منالأعمال الدينية السنسكريتية التي تتعلق أساسا بالسحر) وفي المذهب البوذيالاستبطاني (يمكن تسميته بالمذهب البوذي الاستبطاني لأنه الاتجاه من البوذية الذيينبذ الكتب المقدسة للديانة البوذية ويقول بالاستبطان الذاتي وسيلة مثلي لبلوغ المعرفة). ويؤكد المنادون الآن بالبوذية على طابعها ” العقلي ” و” الإلحادي ” وهذه النعوتالجديدة جزء من محاولة نشر شكل متطور على نحو حديث من الديانة البوذية. وينادي البوذيون تحت زعامة منظمة ” الزمالة البوذية العالمية ” بنزع السلاح والتعايشالسلمي “[6].
مما سبق يتبين لنا أن الديانة البوذية، مثل بقية الأديان الوضعية، هي ديانة متطورة في فكرها وعقائدها ولم يؤله بوذا في أساطيرهم إلا ابتداء من القرن الأول الميلادي، أما قبل ذلك فلم يكن ينظر إليه إلا كمجرد حكيم كان يبحث عن النيرفانا أي سلامه النفسي.
كما يجب أن نؤكد على حقيقة علمية هامة وهي أن التعاليم البوذية كتُبت ابتداء من القرن الأول قبل الميلاد، أما الأساطير البوذية ومنها الخاص ببوذا نفسه فقد كتبت فيما بين القرن الثاني والقرن الخامس قبل الميلاد!! أي أن أول أسطورة بوذية كتبت في القرن الثاني الميلادي وليس قبل ذلك وتتكلم عنه كمجرد بشر عادي لا مميزات له إلا في كونه مجرد مصلح ديني للديانات الهندوسية وليس إله ولا أبن إله ولا شبه ذلك!! فقد أنكر هو نفسه وجود إله آلهة للكون!! وقد كتبت بقية الأساطير والتي بالغت في شخصه بصورة أسطورية مبالغ فيها بعد ذلك بكثير وعلى سبعة مراحل!! ولو أفترضنا، جدلاً، وجود أي تشابه بين البوذية والمسيحية فهذا لا يعني أن البوذية أثرت على المسيحية بل العكس لأن الكتابة المسيحية هي الأقدم، كما كانت البوذية قاصرة على بلاد شرق أسيا، في حين أن المسيحية انتشرت في كل بلاد ودول حوض البحر المتوسط وشبه الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين وسوريا وفارس وما جاورها من بلاد الهند، وقد كتُبت جميع أسفار العهد الجديد القانونية في فلسطين وروما وبلاد اليونان وآسيا الصغرى (تركيا)، وكُتب منها 22 سفراً قبل سنة 67م، وكتبت كتابات القديس يوحنا فيما بين سنة 75 و95م، ولم يكن هناك أي صلة لتلاميذ المسيح بالمناطق التي وجدت فيها البوذية على الإطلاق وعندما ذهب القديس توما إلى الهند كان يحمل معه الإنجيل للقديس متى. كما أن البوذية كما قلنا لم يبدأ الكتابة لتعاليمها وأساطيرها إلا فيما بعد، وعلي سبيل المثال تقول دائرة المعارف الويكيبيديا: ” كانت التعاليم التي دُونت أثناء المجامع البوذية الأولى يتِم تناقلها بطريقة شفهية، حتى تقرر في القرن الأول قبل الميلاد تدوينها بطريقة نهائية. اختارت كل مدرسة لغة معينة لتدون بها هذه التعاليم، وكانت اللغة السنسكريتية (بلهجاتها العديدة) اللغة الطاغية. لم يتبق اليوم إلا بعض القطع المتناثرة من المخطوطات الأولى “[7].
أما ما يختص بجوهر العقيدة البوذية فقد بدأت الكتابة فيما بين القرن الثاني والخامس للميلاد: ” ويرجع إلى القرن الثاني للميلاد، وتمت صياغته في شكل أسئلة وأجوبتها، تتعلق بجوهر العقيدة البوذية. ثاني هذه الكتابات والمعروف باسم (Visuddhimagga)، قام بكتابته الراهب بوداغويا (Buddhaghosa) في القرن الخامس للميلاد، ولخص فيها الأفكار البوذية بالإضافة إلى شرحه إلى كيفية ممارسة التأمل “[8].
2 – هل المسيحية مقتبسة من البوذية؟!
كتب المشككون، كما بينا في الفصول السابقة سلسلة من الكتب التي تنكر وجود المسيح التاريخي وتزعم أنه أسطورة وأن سيرة وروايات حياته المدونة في الأناجيل ما هي إلا اقتباسات مما جاء في أساطير الآلهة الوثنية! وقد أعتمد الكثيرون من الكتاب أصحاب النزعات الليبرالية والعقلانية وغيرهم على ما كتبه ويكتبه هؤلاء المشككون، الذين لا يؤمنون بإله ولا بحياة أخرى بعد الموت أو بعالم الروح ولا بوحي أو كتب من السماء، في الغرب والذين يحاولون تصوير المسيحية بل وكل دين يقول أنه دين سماوي بأنه مجرد أساطير وخرافات!! ومن هنا يعملون مقارنات غير حقيقية بل ووهمية، كما سنرى، بين ما جاء في الكتاب المقدس وما جاء في أساطير الديانات الوضعية كالبوذية والزردشتية والديانات اليونانية والمصرية .. الخ وقد قرأنا هذه المقارنات مكتوبة بأسلوب مصور لإغواء وتضليل السذج والبسطاء من المؤمنين!! كما قرأنا ورجعنا لمصادر هذه الديانات الوضعية، وما كتبه هؤلاء المشككون ومن سار على خطاهم. والغريب أنه عند قراءة ما جاء في الديانات الوثنية وما كتب عنها في دوائر المعارف العلمية والدينية يصاب الإنسان بالدهشة بسبب التلفيق والتلفيقات التي لفقها المشككون ومن سار على دربهم في عمل مقارنات كاذبة ومضللة، بل ويأخذه العجب لهذا التلفيق والدجل والتضليل والتدليس الواضح بل والفاضح الذي يقوم به هؤلاء لخداع البسطاء والسذج من المؤمنين وغير المؤمنين!! بل والأغرب أن نجد بعض الكتاب من الأخوة المسلمين يلجئون لهذه الكتب الإلحادية المضللة والكاذبة وكأنها أتت بالحق اليقين متجاهلين حقيقتين الأولى؛ أن بعض ما يزعم هؤلاء المشككون أنه مقتبس عن الأساطير الوثنية مثل ميلاد المسيح من عذراء وصنعه للمعجزات مثل إقامته للموتى وشفائه للمرضى وتفتيحه لأعين العميان .. الخ موجود أيضا في القرآن!! ثانياً: ما كتبه هؤلاء الكّتاب أنفسهم ضد الإسلام نفسه!! فكيف يكيل هؤلاء الكُتاب بمكيالين؟!! يعتبرون هؤلاء المشككين علماء فيما يختص بالمسيحية ويتجاهلون ما يكتبونه ضد الإسلام؟؟!!
ونظراً لانتشار هذه الخرافات والخزعبلات في الكثير من الكتب المنشورة ومواقع النت واستخدام البعض لها لتضليل بسطاء المؤمنين لذا رأينا أن نشرح محتوى هذه الديانات الوضعية كما جاءت في كتبها وما كتبه عنها العلماء الجادون المحايدون وما جاء في مواقعها على النت وتفنيد هذه التلفيق والمزاعم والتي ألفها ولفقها هؤلاء الكتاب المشككين ومن اعتمدوا على كتبهم والرد عليها رداً علمياً ليستد كل فم ويخرس كل لسان كما يقول الكتاب لكنيسته: ” كل آلة صورت ضدك لا تنجح وكل لسان يقوم عليك في القضاء تحكمين عليه ” (اش54 :17). وقد بينا أعلاه أصل ونشأة وفكر وعقائد البوذية الجوهرية، سنبين الآن تلفيق وكذب بما أدعوا أنه تماثل بين المسيحية والبوذية.
والسؤال الآن: هل هناك أي تماثل أو تشابه بين المسيحية والبوذية؟؟
1 – هل هناك علاقة أو تشابه أو تماثل بين شخصية المسيح وبوذا؟!!
يزعم هؤلاء الكتّاب ومن أتبع خطاهم على طريق التضليل والتدليس أن بوذا قال أنه هو ابن الله، وآمن أتباعه أنه هو المخلص للبشرية من مآسيها وآلامها وأنه يتحمل عنهم جميع خطاياهم!! والغريب أنهم يقولون هذا الكلام دون أن يستشهدوا بأية كتب أو مواقع بوذية على الإطلاق!! هكذا يقولون ما يصوره لهم خيالهم. وعند الرجوع للمصادر البوذية من كتب ومواقع على النت لا نرى أي أثر لهذه التلفيق والافتراءات على الإطلاق بل نجد العكس تماماً!! فبوذا لم يقل مثل هذا الكلام على الإطلاق بل ولم يذكر الله أو أي آلهة في فلسفته وأبحاثه على الإطلاق، كما أن البوذية، في جوهرها، لما وجدت أن الله غير موجود في فكر وفلسفة بوذا وضعته هو في مكان الله، ولكن ليس بالمفهوم المسيحي أو الإسلامي بل بالمفهوم الهندوسي الذي سبق أن شرحناه!! ومن ثم لا تقول بأنه أبن الله ولا تهتم من الأساس بموضوع الألوهية ولا تتكلم عنها، بنفس الطريقة التي يدعيها الملفقون، حيث تقول دائرة معارف ويكيبيديا تحت كلمة بوذا: ” لم يدعي بوذا لنفسه أي حاله إلهية ولا أدعى أنه يوحى إليه من إله أو آلهة. فبوذا هو أحد الذين استيقظوا كلية على الطبيعة الحقيقية للوجود فتحرر من دائرة الولادة الموت وإعادة الميلاد. وراح يستأصل كل الصفات السالبة وطور كل الصفات الموجبة التي يمكن أن تضم العلم الكلي (بوذا ليس كلي القدرة مثل الله في المسيحية والإسلام أو اليهودية) “[9].
وتقول موسوعة عالم الأديان[10]: ” بناء على رأي بوذا، البوذية فلسفة، لكنها في رأي البوذيين دين. ويتفق باحثون مع بوذا إذ يرون أنه لم يكن نبياً، ولا صاحب دين، ولم يتلقى وحياً إنما هو باحث فيلسوف مفكر عاش على الأرض. وفكر فيما حوله من الأحياء، ورأى ما ينزل من متاعب، وأنتفع في تفكيره بما سبقه من فلسفات وأفكار، واهتدى إلى نتائج بعضها من أقوال من سبقوه، ويقول ” مولانا أبو المكارم آزاد ” الذي كان وزيرا للمعارف بالهند حول هذا الموضوع ما يلي[11]:
” يبدو لي أن وضع بوذا في صفوف الفلاسفة أسهل من وضعه في صف الأنبياء، وذلك
لأنه لم يتعرض في مباحثه لوجود الله، بل حاول حل مسألة الحياة، وانتهى منها دون التحرش بالله وبوجوده. إنه قد قطع أي علاقة له مع الحياة الدينية في الهند التي كانت تدين بآلهة وإلهات لا تعد ولا تحصى، أنه بدأ بحثه وفرغ منه دون أن يلجأ إلى الاعتقاد بالله، وأن الأساس الذي بني عليه بحثه، أساس فلسفي، فقال إن هدف الجهد الإنساني يجب أن يكون الوصول لحل مسألة الحياة، وذلك من المستطاع دون الاستعانة بودودٍ فوق العقل. أجل، أسرع أتباعه بعد وفاته إلى تحويل تعاليمه إلى مذهب دينيّ. ولما وجدوا أن المكان الذي يحتله الله في الأديان فارغاً، عمدوا إلى بوذا نفسه، فحملوه ووضعوه فوق عرش الإله الفارغ، إلا أن بوذا ليس بمسئول عما فعله أتباعه “.
ويضيف العلامة الهنديّ: ” رادها كرشنن ” الذي كان نائبا لرئيس جمهورية الهند سنة 1952، أن بوذا لم يكن نبيا لأنه لم يقرر عقائد، ولم يكن كذلك فيلسوفاً لأنه لم يؤسس مذاهب فلسفية، إنما أسس دعوته بناء على تجربته الروحية التي لا يمكن بيانها بألفاظ، فدعوته حكاية عن هذه التجربة، وعن الطريق المؤدي إليها، وبوذا يقول أن الحق لا يُعرف بالنظريات ، بل يُعرف بالسير المتواصل في طريقه. وفي ذلك يقول أيضاً: أن عملي ملكي، وعملي ميراثي، وعملي هو الرحم الذي يحملني، وعملي هو الجنس الذي أنتمي إليه، وعملي هو الملجأ الذي ألتجئ إليه “[12].
2 – هل كان بوذا مخلصاً للبشرية؟؟
زعم هؤلاء الكتاب المشككون ومن سار وراءهم وعلى دربهم وأتبع تلفيقهم أن بوذا والبوذية تقول أن بوذا هو مخلص البشرية وحامل خطاياها!! وانه تحمل عنهم جميع خطاياهم!! هكذا بدون برهان أو دليل؟؟!! مجرد كلام في كلام وتلفيق في تلفيق وتضليل في تضليل!! فالعقيدة البوذية، كما بينا أعلاه، تقوم على أساس البحث عن أسباب المعاناة البشرية والتخلص من تكرار عملية التناسخ، الميلاد والموت وتكرار إعادة الميلاد، وتقول دائرة معارف ويكيبيديا: تقوم العقيدة الأصلية على مبدأين: يتنقل الأحياء أثناء دورة كينونتهم من حياة إلى أخرى، ومن هيئة إلى أخرى: إنسان، إله، حيوان، شخص منبوذ وغير ذلك. تتحدد طبيعة الحياة المقبلة تبعا للأعمال التي أنجزها الكائن الحي في حياته السابقة، ينبعث الذين أدوا أعمال جليلة إلى حياة أفضل، فبينما يعيش الذين أدوا أعمالاً خبيثة حياة بائسة وشاقة. عُرف المبدأ الأول بين الهنود حتى قبل مقدم بوذا، فيما يُرجح أن يكون هو من قام بوضع المبدأ الثاني “[13].
فلا بوذا ولا البوذية قال بأنه قد جاء ليخلص البشرية من خطاياها، ولا أنه هو مخلص أو المخلص للبشرية، على الإطلاق، فالبوذية ليس بها عقيدة ولا فكر يمس الخلاص من الخطية، بل تنادي بفكرتين، كما بينا أعلاه، هما ” الكارما ” و ” النيرفانا “. والكارما كلمة صينية تقليدية وتعني الفعل أو العمل الذي يفعله أو يقوله أو يفكر فيه الإنسان مهما كان، وفي البوذية يستخدم التعبير بصفة محددة للأعمال التي تصدر من الإنسان، سواء كانت عقلية مقصودة أو عقلية مرضية “[14].
كما أن الكارما هي: ” الأفعال التي يقوم بها الكائن الحي، والعواقب الأخلاقية الناتجة عنها. إن أي عملٍ، خيِّرا كان أو شّرا، وأي كان مصدره، فعل، قول أو مجرد إعمال فكرة، لا بد أن تترتب عنه عواقب، ما دام قد نَتَج عن وعي وإدراك مسبوق، وتأخذ هذه العواقب شكل ثمارٍ، تنمو وبمجرد أن تنضج تسقط على صاحبها، فيكون جزاؤُه إما الثواب أو العِقاب. قد تطول أو تقصر المدة التي تتطلبها عملية نضوج الثمار (أو عواقب الأعمال)، غير أنها تتجاوز في الأغلب فترة حياة الإنسان، فيتحتم على صاحبها الانبعاث مرة أخرى لينال الجزاء الذي يستحقه “.
والنيرفانا هي ” الانطفاء أو الخمود وهي مصطلح تقني يطلق على حالة الفناء الصوفي والتي يصل إليها الإنسان بعد التحرر والاستنارة بعد الموت ويستخدم Jains هذه الكلمة للإشارة إلى المكان الذي تنجح فيه الأرواح المحررة في سماء الكون، ويؤمن البوذيون بأن هذه الكلمة تعني الفناء ولكن ليس بالمعنى الذي يتضمن تدمير الإنسان. ما يتخلص منه هو الرغبة والتي من غيرها يعود الإنسان إلى الأرض ويقوم بدورته في الترحال عبر أرجائها. وتصف النصوص البوذية النيرفانا بالهدوء الذي في قمة الجبل أو قطعة من الجواهر النفيسة “[15]. وهي أيضاً: ” نص عام للاستنارة، هدف البوذية “[16].
وكما تقول دائرة المعارف الويكيبيديا[17]: ” النيرفانا الهدف الأسمى حسب البوذية هو التحرر التام عبر كَسر دورة الحياة والانبعاث، والتخلص من الآلام والمعاناة التي تحملها. وبما أن الكارما هي عواقب الأفعال التي يقوم الأشخاص، فلا خلاص للكائن ما دامت الكارما موجودة. يستعمل لفظ ” نيرفانا ” لوصف حالة التيقظ التي تخمُد معها نيران العوامل التي تسبب الآلام (الشهوة، الحقد والجهل). لا يحدُث التبدد الكلي للكارما عند بلوغ النيرفانا، يمكن وصف هذه الحالة بأنها بداية النهاية في طريق الخلاص. النيرفانا حالة من الوعي والإدراك لا يمكن تعريفها ولا حتى فهمها، بعد أن يصلها الكائن الحي، ويُصبح متيقظا، يستمر في العيش ومع الوقت يقوم بتبديد كل الكارما الخاصة به، حتى يبلغ عند مماتِه ” النيرفانا الكاملة ” -parinirvana- (التبدد الكُلي للكارما). عندما يموت هؤلاء الأشخاص فإنهم لا يُبعثون – فقد استنفذت الكارما -، ولا يمكن لأيٍ كان أن يستوعب حالة الطوبى الأزلية التي يبلغونها (حسب أقوال بوذا نفسه) “.
وكان بوذا يعلم أتباعه أن يعتمدوا على أنفسهم للوصول على حالة النيرفانا للخلاص من الخطايا والشرور، ولم يقل أبداً ولم يؤمن مطلقا بفكرة المخلص الذي يخلص آخرين من خطاياهم، وبالتالي فالبوذية ليس لديها أي فكرة عن الفداء والكفارة والخلاص الني هي جوهر المسيحية، فقط على أن الإنسان يعتمد على نفسه وعلى أعماله.ويقول تاريخ بوذا أنه نادى بأن: ” كل شيء مخلوق خاضع للفساد والموت، كل شيء زائل. حقق خلاصك بالاجتهاد بعد المرور من خلال حالات التوسط، يموت البوذي للوصول للبارانيرفانا (التوقف عن الإدراك والإحساس) “[18].
أما المسيحية فتقوم على أساس أن الخطية والموت دخلا إلى العالم عن طريق سقوط الإنسان الأول آدم بغواية إبليس ولابد للتبرير من الخطية والعودة إلى الحالة الأولى التي كان عليها الإنسان أن يقدم المسيح ذاته نيابة عن البشرية: ” لأن المسيح إذ كنا بعد ضعفاء مات في الوقت المعيّن لأجل الفجار. فأنه بالجهد يموت احد لأجل بار. ربما لأجل الصالح يجسر احد أيضا أن يموت. ولكن الله بيّن محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا. فبالأولى كثيرا ونحن متبرّرون الآن بدمه نخلص به من الغضب. لأنه أن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه فبالأولى كثيرا ونحن مصالحون نخلص بحياته. وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضا بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الآن المصالحة من اجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ اخطأ الجميع ” (رو5 :6- 12). أي الخلاص الأبدي بدم المسيح الذي سفكه على الصليب: ” لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية ” (يو3 :16)، ” لأن ابن الإنسان أيضا لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين ” (مر10 :45).
وهذا يعني أنه لا بوذا ولا البوذيين قالوا بهذا الكلام الذي يدعيه هؤلاء المشككون ولا من سار على خطاهم. ولم يكن بوذا فاديا ولا مخلصاً بل كان مجرد مصلحاً دينيا للديانات الهندوسية كما يقول أحد الدارسين للبوذية (Wulf Metz): ” جاء بوذا من العالم الديني للهندوسية … كان بوذا مصلحا للهندوسية كما كان لوثر مصلحا للكاثوليكية الرومانية. فقط مثلما أجتهد لوثر في كيفية غفران الخطايا، اجتهد جوتاما (بوذا) في السؤال عن كيف يتحرر الإنسان من بؤس إعادة الميلاد (التناسخ) المتكرر بلا نهاية “[19].
3 – هل تجسد بوذا بحلول الروح القدس على العذراء مايا؟!
يزعم هؤلاء المشككون ومن سار على دربهم ومن اهتدى بهداهم!! أن بوذا مثل المسيح ولد بحلول الروح القدس على العذراء مايا، أم بوذا!! وهنا نجد قمة العجب والتلفيق والتضليل لأن بوذا لم يتكلم مطلقا عن الله أو أي إله بأي صورة من الصور، وأن كان أتباعه قد وضعوه هو في مكان الله، ولكن ليس بالمفهوم المسيحي أو الإسلامي، بل آمنوا بالعديد من الآلهة والإلهات التي تموت وتولد من جديد مثل البشر! ولذا فهم لا يؤمنون بعقيدة الله الواحد في ثالوث ولا يعرفون شيء عن الروح القدس، روح الله، تقول دائرة المعارف الويكيبيديا: ” كما جردت البوذية الموجودات من مفهوم الأنا فقد جردت الكون من مفهوم الخالق الأزلي – مصدر خلاص الجميع -. لا تعارض في البوذية مع فكرة وجود آلهات عدة، إلا أنها رفضت أن تخصص لها مكانة في عقيدتها. تعيش الآلهات حياةً طويلة وسعيدة في الفردوس، ومع هذا فهي معرضة لمواقف صعبة، على غرار ما يحصل للكائنات الأخرى. يمكن لها أن تخوض تجربة الممات ثم الانبعاث من جديد في كينونة أقل شأنا. ليس للآلهة يدٌ في خلق الكون، كما لا يمكنها التحكم في مصير الكائنات الحية “[20].
وتقول دائرة المعارف البوذية أن البوذيين قد آمنوا بعدد كبير من الآلهة الذين يولدون ويموتون ويعاد ميلادهم من جديد مثل البشر: ” منذ بدايتها ميزت البوذية بين عدد كبير من الآلهة المتفاوتة في الدرجات (devas والتي تترجم آلهة). كما أكدت البوذية وبكل شدة على أن بوذا نفسه ليس إلهاً بل إنسان. والآلهة في البوذية باختلاف درجاتها هي كائنات فوق البشرية (superhuman)، وتؤثر في العالم بطرق متعددة. وعلى الرغم من أن الكثير من هذه الآلهة لها أصول فيدية (هندية) فلم تعتبرها التقاليد البوذية الأقدم ككائنات خالدة، بل بالأحرى تخضع للسامسارا (تناسخ الأرواح = تجوال الأرواح)، مثل كل الكائنات الميتافيزيقية الخاضعة لقانون الكارما، وبالتالي تخضع للموت وإعادة الميلاد، التناسخ.
وتذكر النصوص المبكرة لبالي أن الآلهة تسكن في مجالات روحية (سماوات) عديدة مختلفة. ففي المجال الأدنى للشهوة (kamadhatu)، الذي فوق المجال الإنساني، تعيش الآلهة والأرواح المختلفة والذين تحدث معارك كثيرة بينهم وبين جماعات من الآلهة الماكرة والغيورة. وهناك الأشوراس (Asuras جماعة من الآلهة القوية الباحثة والتي يشار إليها في بعض الأحيان كأرواح شريرة أو خاطئة – وهي مثيلة بالتيتانس Titans الإغريقية)[21]. وهذه الآلهة المتنوعة تشمل الملوك الإلهيين؛ الثلاثة والثلاثين إلها الذين يقيمون في (ترياستريماس – Trayastriṃśa)، سماء الآلهة المندمجين من الفيدا ويشرفون على ساكرا (S´akra = أندرا) ومارا (MARA) وياما (Yama)، آلهة الوهم والموت؛ والكائنات المنيرة (BODHISATTVAS) في حياتهم بما يتضمن حالياً ميتريا (MAITREYA)، الذي فوق مجال الوعي، في مجال الشكل الصافي (rupadhatu) الذي يقيد الآلهة المجردة، وأهمهم براهما العظيم وخدامه، وعلى القمة المنيرون (الذين يعيدون الشيء – anagamins) الذين لا يولدون من جديد في العالم الإنساني بعد الموت، ولكن في سماء الإلهيات الصافية الذي يعيشون فيها هم فقط. ويعتبر مارا إله الموت والشهوة والطمع والوهموالضلال أهم الآلهة، والمذكور في كل النصوص البوذية المبكرة والذي كان يحاول خداع بوذا … والذي برغم هزيمة بوذا له إلا أنه ظل يسبب له المتاعب “[22].
وتذكر دائرة المعارف البوذية العشرات من الآلهة سواء التي كانت منذ بداية البوذية أو التي أدخلتها التقاليد المختلفة عبر كل عصورها. ونلاحظ هنا تنوع الآلهة بين الخيرة والشريرة، الآلهة الكاملة وأنصاف الآلهة والكائنات الإلهية التي يترجمها البعض أحيانا بالملائكة كما يترجم الأرواح الشريرة والآلهة الشريرة أحيانا بالشياطين تأثرا بالمسيحية والإسلام.
والسؤال الآن: من أين أتى هؤلاء بهذا التلفيق!! فبوذا بحسب ما جاء في الكتب البوذية ولد من أب وأم كسائر البشر، وكان أبوه ملكا هندوسيا أسمه سودهودانا (Shuddhodana) وزوجته اسمها مايا، أي لم تكن عذراء بل زوجة للملك سودهودانا الذي كان ملكاً وزعيماً لإحدى القبائل المشهورة في نيبال، وعندما ولد بوذا أسموه سيدهاتا وقد لُقب ببوذا والتي تعني في اللغة السنسكريتية ” المستنير أو المتنور “[23]. وتقول أول أسطورة بوذية كتبت في القرن الأول، كما يقول أحد الذين الذي تخصصوا في البوذية:
” تظهر أقدم روايات أسلاف بوذا ولا تقدم أي شيء غير عادي عن ميلاده، فهي تتكلم بصورة محضة عن ميلاده من نهاية أمه وجانب والده لسبعة أجيال للخلف. وبحسب أخر أسطورة فهو لم يلد مثل الكائنات الأخرى ولكن في نفس الوقت كان ملكاً كونياً نزل من سماء توسيتا (Tusita) باختياره وبهذا فلا اعتبار لوالده ولكن هذا لا يعني ولادته من عذراء بل يمكن أن يسمى parthogenetic، أي أن سودهودانا ليس منجبه “[24].
وتقول دائرة المعارف البوذية: ” أن النصوص الموجودة الآن تضم كم كبير من القصص الأسطورية التي تسللت ودخلت إلى البوذية خطوة خطوة وقد غيرت الخصائص الأصلية لسيرة حياة بوذا. وقد دونت هذه التجمعات في شكلها النهائي بعد موت بوذا بقرون طويلة من النقل الشفهي “[25].
ويجب أن نضع في الاعتبار هنا عقيدة تناسخ الأرواح (إعادة الميلاد) والتي تقول أنه عندما يموت الإنسان تنزل روحه في جسد أخر وتولد من جديد كإنسان أخر أو في جسد حيوان .. الخ ثم يموت ثانية ويعاد ميلاه هكذا إلى يصل إلى مرحلة التطهير والنرفانا. وكذلك الإله الذي يتجلى في عشرات الأجساد والشخصيات!! والتي لعبت دورا كبيرا في تطوير شخصية بوذا وتحوله إلى أسطورة، بل وأحد الآلهة، تجلوا عدة مرات، أي الذين ولدوا وماتوا وعادوا للحياة من جديد في شخصيات جديدة. ومن هنا يقول Wulf Metz نقلا لإحدى هذه الأساطير: ” أنه أثناء تجسده الأول (يقصد بوذا) والأخير نظر من سماء توشيتا (Tushita)، ” كرسي الآلهة المتنافسة ” ليجد الوقت المناسب والمكان والوالدين اللذين سيتناسخ منهما (أي يولد من جديد منهما) فأختار الفترة من التاريخ عندما يمكن أن تستمر حياة الإنسان لمئة سنة لا أطول بكثير ولا أقل بكثير لينشر تعليمه. وكمكان أختار الهند الشمالية باعتبارها الأرض المركزية، وأختار الفاضلة مايا لتكون أمه زوجة سودهودانا التي بينت طهارة وسموا أثناء حيواتها السابقة في 10000 عمر للعالم “!! أي أثناء ميلادها على الأرض وتناسخها آلاف المرات!!
وكانت أول وأفضل سيرة ذاتية عن بوذا هي التي كتبها Ashvaghosha في القرن الأول وتمسمى Buddhacarita (أي أعمال بوذا) والتي تقدم صورة واضحة عن ميلاه لا من عذراء بل من امرأة متزوجة، حيث تقول: ” وكان له [ ملك ساكياس (the Sakyas)] ملكة رائعة وجميلة ومخلصة وكانت تسمى مايا من تشابهها مع مايا الإلهة. وتذوق الاثنان بهجة الحب ويوم ما حبلت هي بثمرة بطنها ولكن دون دنس بنفس الطريقة التي ترتبط بها المعرفة بالنشوة فتحمل ثمرة “[26].
وهنا التأكيد على أنها زوجة لا عذراء ولكن الأسطورة تعطي للميلاد لمحة أسطورية وتؤكد أن له أباً. ويقول الموقع البوذي التالي:
” ولد سيدهرثتا (بوذا) حوالي سنة 563 ق م في مدينة كابيلافاستو (Kapilavastu) (التي تقع الآن في نيبال) وكان والدا سيدهارثا هما الملك سودهودانا والملكة مايا الذين حكموا ساكياس (the Sakyas) “[27].
وتقول دائرة معارف ويكيبيديا: ” وتقول أسطورة أنه وُلد حوالي القرن السادس قبل الميلاد، ويقال أن مكان ميلاده لومبيني (Lumbini) في ولاية ساكياس (the Sākyas) … وكان أبوه ملك ساكياس وعاش سيدهرثتا (بوذا) في رفاهية .. “[28].
وبعد موت بوذا بقرون عديدة نشأت حول مولده الأساطير ولكن لا تقول أسطورة واحدة منها أنه ولد من عذراء بل من زوجة تعيش حياة زوجية طبيعية مع زوجها. فتقول موسوعة عالم الأديان: ” نُسج حول ولادة بوذا تصوّر يشبه ما جاء عن ولادة الأنبياء. منها أنه في أحد الأيام، حلمت الملكة أنها كانت مستلقية على فراشها عارية البطن، تتهلل خلالها فرحاً كلما تقلبت من جانب إلى آخر فوق سحاب أحلامها. فأطل القدر بنظرته المستطلعة على السهول الجنوبية الخضراء، من موطنه فوق الهملايا السماوية، فأستوقف أنظاره تلك الصبية الغافية الحسناء، التي ألهتها أطياف النوم الحريرية عن بعض حشمتها، فلم يتمالك نفسه ونزل إليها من عليائه وجامعها، بعد أن سلبت لبه بغنج الآسيوية ونعومتها. ولما حان وقت ولادتها ، أنجبت طفلاً جميلاً، أسمه سودهارتا، وماتت بعد أسبوع من ولادته “[29].
ويقول سليمان مظهر: ” أن الملكة مايا كانت ترتعش وهي تحكي لزوجها قصة الحلم الغريب الذي رأته في تلك الليلة من ليلي صيف 568 ق م، فبينما هي مستلقية على الفراش إذ بأربعة من الملائكة في ثياب بيض يتقدمون منها ويحملونها بكل محتويات حجرة نومها، ويطيرون بها إلى أعلى قمة في جبال الهملايا حيث تقوم شجرة باسقة خضراء، ويضعونها تحت ظلها. ولا تكاد الملكة تطل حولها حتى تقترب منها أربع ملكات يدخلنها الحمام ويلبسنها ثيابا جميلة ويعطرنها بعطور رائعة الرائحة، ثم يحملنها إلى منزل آخر مصنوع كله من الفضة، وتضعها الملكات على فراش آخر مقدس، وهناك يهبط فيل أبيض من فوق جبل ذهبي ويتقدم منها، وفي خرطومه غصن نبات البشنين، ويدور الفيل حول الفراش دورات ثلاثاً، ثم يمس جانب الملكة الأيمن ويدخل في رحمها … فاضطرب الملك وهو ينصت لزوجته. ولم تكد الملكة تنتهي من قصة الحلم حتى أرسل الملك يستدعي أربعة وستين حكيماً من حكماء قبيلته. وأنطلق الحكماء إلى القصر الملكي حيث راحوا يستمعون لقصة حلم الملكة … وقال الحكماء: لا يشغلن بالك سيء أيها المعلم السعيد … ولكن ابشر، فالملكة قد حبلت بغلام سيصبح ملكا على كل البلاد لو هو استقر في بيته … أما إذا كانت الثانية وغادر داره هائما على وجه الأرض، فعندئذ سيصبح هو البوذا (المستنير) كاشف نقاب الجهل عن وجه هذا العالم.
ولم تمض ايام حتى تحقق ما قاله الحكماء، وأحست الملكة بحقيقة الحمل. وكان هناك شيء عجيب. فقد كان الجنين يبدو واضحا وهو يجلس القرفصاء في رحم أمه. وظل على هذه الصورة حتى أقترب موعد الوضع. وفي ذلك اليوم طلبت الملكة من الملك أن تسافر إلى أهلها لتضع مولودها هناك، وإذ هي في الطريق فوجئت بالمخاض وهي تحت شجرة ” سال ” في بستان يُسمى ” لومبيني “. وتحت الشجرة الوارفة الظلال جلست الملكة القرفصاء .. بعد أن حجبها الخدم عن الأنظار بستار خاص. ولما أرادت النهوض مدت يدها إلى غصن الشجرة، فانحنى من تلقاء ذاته حتى قارب كفها، ولم تكد تنهض حتى كان تحتها طفل تلقفته أيدي أربعة من البراهمة في شبكة نسجت خيوطها من أسلاك الذهب. ووقف المولود فجأة، وتقدم إلى الأمام سبع خطوات، ثم صاح في صوت عذب: ” أنا سيد هذا العالم، وهذه آخر حياة لي “[30].
ونلاحظ هنا أن خيال سليمان مظهر وفكره الإسلامي ومحاولة استخدامه للمصطلحات المسيحية الإسلامية قد أثر بشدة على سرده للأسطورة! فاستخدم تعبير ملائكة والبوذية أصلا تؤمن بالعديد من الآلهة والآلهات التي تتناسخ وتتجلى في شخصيات متنوعة وليس لديها عقدية الملائكة بمفهومها المسيحي أو الإسلامي، كما قال أن المخاض جاء لأم بوذا وهي تحت شجرة بنفس الصورة القرآنية لميلاد المسيح “َ فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ” (مريم : 23)، وكذلك حديث بوذا بعد مولده مباشرة. ولكن هذه الصور لا تقول أبدا أنه حبل به أو ولد من الروح القدس، لأنهم لا يؤمنون بما يسمى بالروح القدس.
أما الحبل بالرب يسوع المسيح فقد كان من الروح القدس ومن مريم العذراء ” تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس”، يقول الكتاب: ” وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف.واسم العذراء مريم. فدخل إليها الملاك وقال سلام لك أيتها المنعم عليها.الرب معك مباركة أنت في النساء. فلما رأته اضطربت من كلامه وفكرت ما عسى أن تكون هذه التحية. فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله. وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست اعرف رجلا. فأجاب الملاك وقال لها. الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله ” (لو1 :26 – 35).
والخلاصة أنه لم تقل أسطورة بوذية واحدة أن بوذا ولد من عذراء ولا جاءت بسيرة للروح القدس التي لم يعرف عنها البوذيون أي شيء ولا يوجد أي تشابه بين الحبل به وميلاده وبين الرب يسوع المسيح وأن وجد شيء من التشابه في ناحية من النواحي فهذا يرجع إلى أن كل الأساطير البوذية كتبت بعد موته بقرون عديدة، أي بعد ميلاد المسيح وانتشار المسيحية مما يؤكد أن هذه الأساطير هي التي أخذت بعض الأفكار من المسيحية وليس العكس.
4 – هل دل نجم على ميلاده؟
يزعم هؤلاء المشككون ومن سار على دربهم وأكاذيبهم وتدليسهم أنه عندما ولد بوذا ظهر نجم في السماء ليدل على مكان ميلاده يدعونه نجم بوذا؟؟!! وهذا غير صحيح على الإطلاق لأن البوذية لا تذكر شيئاً عن ذلك. كما يقولون: ” لما ولد بوذا فرحت جنود السماء ورتلت الملائكة أناشيد المحبة للمولود المبارك “!! وهنا نقول لهم أن الأساطير التي كتبت بعد ميلاد المسيح بمئات السنين قد تأثرت بما جاء في المسيحية عن المسيح وخاصة الكتب الأبوكريفية التي كتبت بعد القرن الثاني والتي تحكي أساطير عن ميلاد المسيح وطفولته!! وهنا نكمل ما جاء في كتاب قصة الديانات لسليمان مظهر عن حلم الملكة ” ووقف المولود فجأة، وتقدم إلى الأمام سبع خطوات ثم صاح في صوت عذب: أنا سيد هذا العالم .. وهذه الحياة هي أخر حياة لي .. وفي نفس اللحظة ظهرت اثنتان وثلاثون علامة في السماء وعلى الأرض .. فحدث زلزال شديد، وانتشر النور في كل مكان، وسقط مطر خفيف في غير ميعاده، وتفتحت براعم الزهور وأكمام الثمار، وانتشرت ريح زكية طيبة عمت كل الأرجاء واستعاد الأعمى البصر واسترد الأصم السمع .. وعاد الأبكم ينطق ويغني .. وانطلقت أنباء مولد الأمير لتعم كل مملكة ” السكيا ” .. ومن كل مكان جاءت الأفواج لتهنئة الملك .. مشاة وعلى ظهور الخيل والفيلة .. إلى القصر حاملين الهدايا “.
ثم يتكلم عن زاهد اسمه ” أسيتا ” ويحكي قصته بشكل أسطوري يقول أنه ذهب ليرى الطفل وعندما رآه قال لأبيه ” هذا الطفل أيها الملك سيصل إلى درجة التنوير السامية .. إنه سيدخل النبرفانا .. ويهدي العالم على طريق الحق والصواب “. (قصة الديانات ص 88 – 90).
ونلاحظ هنا أن الكاتب، سليمان مظهر يكتب بأسلوب أدبي راقي أقرب منه إلى الشعر فزاد الأسطورة من عنده وحولها إلى أسطورة جديدة أكثر أسطورية من الأسطورة الأصلية!! وهذا عكس ما ينقله كتاب أخرون عن نفس الأسطورة مثل Wulf Metz الذي يقدم الأسطورة في شكل أقل أسطورية من سليمان مظهر[31].
وهنا لنا عدة ملاحظات هي:
1 – على الرغم من أن هذه الأساطير كتبت بعد الميلاد بكثير إلا أنها لا تتشابه أو تتماثل مع قصة ميلاد وطفولة المسيح كما جاءت في الأناجيل القانونية الموحى بها على الإطلاق، ولكن تتشابه في بعض أجزائها مع الكتب الأبوكريفية المسماة بأناجيل الميلاد الأسطورية والتي كتبت بعد الميلاد بأكثر من مائتي عام. في حين تقول قصة ميلاد المسيح كما جاءت في الإنجيل للقديس لوقا: ” فولدت (العذراء القديسة مريم) ابنها البكر وقمطته وأضجعته في المذود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل وكان في تلك الكورة رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم. وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم فخافوا خوفا عظيما. فقال لهم الملاك لا تخافوا. فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب. أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلّص هو المسيح الرب. وهذه لكم العلامة تجدون طفلا مقمطا مضجعا في مذود. وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة ولما مضت عنهم الملائكة إلى السماء قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض لنذهب الآن إلى بيت لحم وننظر هذا الأمر الواقع الذي أعلمنا به الرب. فجاءوا مسرعين ووجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعا في المذود. فلما رأوه اخبروا بالكلام الذي قيل لهم عن هذا الصبي. وكل الذين سمعوا تعجبوا مما قيل لهم من الرعاة ” (لو2 :7-18). وهنا نرى القصة في بساطتها كما حدثت بعيدا عن الخيال والأسطورة.
2 – أن هذه الروايات تتشابه مع بعض مما جاء في القرآن عن مولد العذراء للمسيح تحت نحلة وأكل العذراء من النخلة: ” فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً ” (مريم:23)، ” وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ” (مريم:25). حيث تقول الأسطورة كما نقلها سليمان مظهر: ” وإذ هي في الطريق فوجئت بالمخاض وهي تحت شجرة “، ” ولما أرادت النهوض مدت يدها إلى غصن الشجرة فانحنت من تلقاء نفسها حتى قارب كفها “، وكذلك حديث المولود لحظة ميلاده ” فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ” (مريم:24)،!! ” ووقف المولود فجأة، وتقدم إلى الأمام سبع خطوات ثم صاح في صوت عذب: أنا سيد هذا العالم “!! فهل نقول لهم أن ما جاء في القرآن مأخوذ عن هذه الأساطير؟؟!!
3 – لم تقل الأساطير البوذية مطلقاً أن نجماً دل على ميلاد بوذا، مع ملاحظة أن الوثنيين كانوا يؤمنون أن لكل إنسان نجمه الخاص به الذي يولد بميلاده ويموت بموته بل ولا يزال البسطاء في الريف يؤمنون بذلك!! فعندما كنا أطفال صغار وكنا نرى شهبا يتساقط من السماء في هيئة نجم كان الكبار يقولون لنا أن إنساناً مات وها نجمه قد سقط!! ونجد ما يقرب من ذلك في سيرة أبن هشام حديث عن ” نجم احمد الذي ظهر في السماء ” حيث تقول في [ رواية حسان بن ثابت عن مولده صلعم ] قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري. قال حدثني من شئت من رجال قومي عن حسان بن ثابت، قال والله إني لـغـــلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان أعقل كل ما سمعت، إذ سمعت يهوديا يصرخ بأعلى صوته على أطمة بيثرب يا معشر يهود حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له ويلك ما لك ؟ قال طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به. قال محمد بن إسحاق فسألت سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فقلت. ابن كم كان حسان بن ثابت مقدم رسول الله صلعم المدينة؟ فقال ابن ستين ( سنة )، وقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وخمسين سنة فسمع حسان ما سمع وهو ابن سبع سنين “[32].
فهل يمكن لنا أن نسأل الأخوة المسلمين الذين يقولون بما قاله المشككون عن المسيح وبوذا هذا السؤال؟ من أين اقتبس كاتب السيرة وراوة الحديث فكرة هذا النجم ” نجم أحمد ” من البوذي كما زعموا عن بوذا؟ أم من هذا الفكر الذي يتحدث عن أن لكل إنسان نجمه؟؟!!
[1]http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A8%D9%88%D8%B0%D9%8A%D8%A9
http://en.wikipedia.org/wiki/BuddhIsm
2 المعتقدات الدينية لدى الشعوب، عالم المعرفة، أشراف جفري بارنر، ترجة إمام عبد الفتاح إمام، ص 217.
3 جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ص 191.
4 جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ص 192.
5 http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A8%D9%88%D8%B0%D9%8A%D8%A9
6 http://www.marxists.org/arabic/glossary/terms/02.htm
7 http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%88%D8%B0%D9%8A%D8%A9
8 http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%88%D8%B0%D9%8A%D8%A9
9 http://en.wikipedia.org/wiki/BuddhIsm
10 موسوعة عالم الأديان ج 5 : ص12-14.
11 د أحمد شلبي، أديان الهند الكبرى ، ط 9 ص 175.
12 د أحمد شلبي، أديان الهند الكبرى ، ط 9 ص 176.
13http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%88%D8%B0%D9%8A%D8%A9
14http://en.wikipedia.org/wiki/Karma_in_Buddhism
16قاموس أديان ومعتقدات شعوب العالم ص 514 مكتبة دار الكلمة.
17 The International Dictionary of Religion p,132.
18http://en.wikipedia.org/wiki/Nirvana
http://en.wikipedia.org/wiki/Buddhism#Nirvana
http://www.edepot.com/budintro.html
19The worlds Religions p,226.
20 http://en.wikipedia.org/wiki/Buddhism
21http://en.wikipedia.org/wiki/Asuras
22Encyclopedia of Buddhism. Pp. 233-234.
23 قاموس أديان ومعتقدات شعوب العالم ص 152. أنظر ايضاً Encyclopedia Buddhism p. 82.
24The Life of Buddha as Legend and History. Edward J. Thomas. Dover:1949.p,36.
25Encyclopedia Buddhism p. 85.
26The Translation of the Meanings of Sahih Al-Bukhari: Arabic-English 9 Vol Set. Muhammed Muhsin Khan (trans). Darussalam:1997.p,36.
27http://www.edepot.com/budintro.html
28http://en.wikipedia.org/wiki/BuddhIsm
29 موسوعة عالم الأديان ج 5 ص 20.
30 سليمان مظهر، قصة الديانات، ص 100 – 102. أنظر أيضا: موسوعة عالم الأديان ج 5 ص 20 و21.
31The worlds Religions p.222.223.
[32]راجع :سيرة ابن هشام – الجزء الأول.
http://arabic.islamicweb.com/Books/seerah.asp?book=2&id=20