الوسم: دكتور موريس تواضروس
المدلولات اللاهوتية و الروحية في الكتاب المقدس بحسب أنجبل متى – الدكتور موريس تاوضروس
دراسات لاهوتية ولغوية في كتاب العهد الجديد الجزء الاول – الدكتور موريس تاوضروس
تفسير رسالة كورنثوس الأولى – دكتور موريس تاوضروس
تفسير رسالة يعقوب – الدكتور موريس تاوضروس
تفسير رسالة يعقوب – الدكتور موريس تاوضروس
تفسير رسالة يعقوب – الدكتور موريس تاوضروس
صلب المسيح – إزاي بعد 600 سنة المسلمين يقولوا “شبه لهم”؟ – الجزء الأول
تفسير رسالة العبرانيين – الدكتور موريس تاوضروس
الاستنارة الروحية (1) – د. موريس تاوضروس
الاستنارة الروحية (1) – د. موريس تاوضروس
الاستنارة الروحية (1) – د. موريس تاوضروس
1- مفهوم كلمة ” الاستنارة ”:
عملية الإنارة أو الإضاءة أو التنوير، تسمى باليونانية Φωτισμός وترتبط بالكلمة Φώτισμα التى تعنى أيضًا إنارة أو إضاءة وتستخدم عن المعمودية (انظر Patristic Greek Lexicon Lampe)
والآباء فى حديثهم عن المعمودية يؤكدون أهمية المعمودية فى الإنارة الروحية، فالقديس كلينضس الأسكندرى يقول: “إذ نعتمد نستنير”، والقديس باسيليوس الكبير يقول: “المعمودية ثوب منير”، والقديس مار إيوانيس الدارى السريانى يقول: “للمعمودية مفعولان رئيسيان هما: 1 ـ التطهير 2ـ الاستنارة”. ويشرح الاستنارة بأنها استنارة القلب بالنعمة الإلهية والفضائل السماوية التى بها يصبح المؤمن بارًا وابنًا لله ووارثًا للحياة الأبدية.
ويقول أيضًا إن ” هذا اللقب ـ أى الاستنارة ـ صار لقبًا مختصًا بسر المعمودية يميزها عن باقى الأسرار. وإن كانت الأسرار الأخرى هى أيضًا أنوار، غير ان سر المعمودية من حيث إنه يعطى النور الأول، احتفظ بهذا اللقب بذاته دون غيره”[1].
والقديس غريغوريوس النزينزى يقول عن المعمودية: [إنها ضياء النفوس ـ اشتراك فى النور ـ كمال العقل][2].
والقديس مقاريوس المصرى يقول: [ فى القديم كانت لهم معمودية لتطهير الجسد، أما عندنا نحن فتوجد معمودية الروح القدس والنار، وهكذا فإن المسيحيين يحصلون على مجد النور فى داخل نفوسهم، أما الظلمة ـ إذ لا تحتمل لمعان النور تضمحل وتهرب] [3].
ويقول أيضًا: [ حينما تعدى الإنسان الوصية ألقى الشيطان على النفس حجابًا مظلمًا، ثم تأتى النعمة فتزيل الحجاب تمامًا، حتى أن النفس إذ تصير نقية، وتستعيد طبيعتها ألأصلية وتصير صافية بلا عيب، فإنها تنظر دائمًا بصفاء ـ بعينها النقية ـ مجد النور الحقيقى ، وشمس البر الحقيقية ساطعة بأشعتها داخل القلب نفسه][4].
ولقد سبق للرسول بولس أن ربط بين فاعلية المعمودية والاستنارة الروحية للمؤمن فقال: ” لكى تذكروا الأيام السالفة التى فيها بعد أُنرتم، صبرتم على مجاهدة الآلام الكثيرة” (عب32:10).
والربط بين الاستنارة الروحية والمعمودية، يعنى أن الاستنارة الروحية هى المدخل الأول للحياة المسيحية أو هى العلامة الفاصلة بين المؤمن وغير المؤمن، وهى العودة بالإنسان إلى حالته الأولى قبل السقوط، وإلى عمل نعمة روح الله فى بناء حياتنا الروحية. ولذلك فإنه يُلاحظ فى طقس المعمودية، أن الاتجاه إلى الشرق يعنى طلب النور باعتبار أن النور ينتشر فى الكون من الشرق، وكما قال الرسول بولس: ” الذى قال أن يشرق نور من ظلمة هو الذى أشرق فى قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله فى وجه يسوع المسيح” (2كو6:4).
وتحدث ملاخى النبى عن المسيح باعتباره النور الذى أشرق علينا: ” ولكم أيها المتقون اسمى تشرق شمس البر والشفاء فى أجنحتها” (ملا2:4)، وفى الإنجيل للقديس لوقا، يرتبط مجئ السيد المسيح وبالإضاءة والإنارة والاستنارة: ” ليضيئ على الجالسين فى الظلمة وظلال الموت، لكى يهدى أقدامنا فى طريق السلام” (لو79:1)، وكما جاء أيضًا فى الإنجيل للقديس متى مقتبسًا من نبوة إشعياء: ” الشعب الجالس فى ظلمة أبصر نورًا عظيمًا، والجالسون فى كورة الموت وظلاله أشرق عليهم نور” (مت16:4).
وللارتباط القوى بين الحياة والنور، أصبح الشرق رمزًا للحياة، كما يقول المرتم: ” عندك ينبوع الحياة، بنورك يارب نعاين النور” (مز9:36)، ويقول النبى حزقيال: ” وإذا بمجد إله إسرائيل جاء عن طريق الشرق” (حز2:43)، كما أصبح الاتجاه نحو الغرب يعنى الظلمة؛ والظلمة تعنى الخطية والشر. ومن الطريف الربط هنا بين الكلمة اليونانية κακία التى تعنى الشر، وبين الكلمة القبطية χακι (كاكى) ـ وهى قريبة من الكلمة اليونانية ـ وتعنى الظلمة[5].
والرسول يوحنا يسهب فى الربط بين الظلمة وبين الشر، وعلى عكس ذلك يربط بين حياة النور وحياة الرب، فهو يقول: ” إن الله نور وليس فيه ظلمة البتة، إن قلنا إن لنا شركة معه، وسلكنا فى الظلمة نكذب ولسنا نعمل الحق، ولكن إن سلكنا فى النور كما هو فى النور فلنا شركة بعضنا مع بعض ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية” (1يو5:1ـ7). ويقول أيضًا: ” وصية جديدة أكتب لكم ما هو حق فيه وفيكم، أن الظلمة قد مضت والنور الحقيقى الآن يضيئ.
من قال إنه فى النور وهو يبغض أخاه فهو إلى الآن فى الظلمة. من يحب أخاه يثبت فى النور وليس فيه عثرة، وأما من يبغض أخاه فهو فى الظلمة، وفى الظلمة يسلك ولا يعلم أين يمضى لأن الظلمة أعمت عينيه” (1يو8:2ـ11).
2 ـ الحاجة إلى الاستنارة:
يقول القديس مقاريوس الكبير:
[وحينما صنع الله جسدنا هذا فإنه لم يمنحه أن تكون له حياة لا من طبيعة الله الخاصة ولا أن يحيا الجسد بذاته… ولا يمكن للجسد أن يعيش بدون الأشياء الخارجة عنه، أى بدون الطعام والشراب واللباس، فإن حاول أن يعتمد على طبيعته وحدها دون أن يأخذ شيئًا من الخارج فإنه يضمحل ويموت.
وهذا هو نفس الحال بالنسبة للنفس أيضًا فهى لا تملك النور الإلهى رغم أنها مخلوقة على صورة الله، وهكذا نظم الله أحوالها وقد سُر بأن لا تحصل على الحياة الأبدية من طبيعتها الخاصة، ولكن من لاهوته، أى من روحه، ومن نوره، تنال طعامًا وشرابًا روحانيًا، ولباسًا سماويًا وهذه هى حياة النفس، أى الحياة بالحقيقة] (المرجع السابق ص33).
وعن حالة آدم قبل أن يخطئ، قال القديس مقاريوس: [ كان كلمة الله معه وكان هو معلّمه وقد ألهمه أن يعطى أسماء لكل الأشياء. وكما كان يتعلم آدم من الكلمة هكذا سمى الأشياء جميعها].
ولما سُئل القديس مقاريوس: هل كل لآدم اختبار الروح وشركته، أجاب قائلاً: ” الكلمة نفسه بحضوره مع آدم، كان كل شئ بالنسبة له سواء كان معرفة أو اختبارًا أو ميراثًا أو تعليمًا أو إرشادًا، إذ ماذا يقول يوحنا عن الكلمة؟ ” فى البدء كان الكلمة” فأنت ترى أن الكلمة هو كل شئ وكائن قبل كل شئ. فإن كان لآدم (قبل السقوط) مجد خارجى حاضر معه فلا نستغرب أو نعثر من ذلك عندما يقول الكتاب: إنهما عريانيين وهما لا يخجلان، فلما تعديا الوصية انفتحت أعينهما فخجلا واختبئا من الله (انظر تك25:2، 10،7:3).
لو كانت الطبيعة الإنسانية لها القدرة بدون سلاح الروح القدس الكامل أن ” تقف ضد مكايد إبليس” (أف11:6) لما كان الرسول قد قال بتأكيد ” إله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعًا” (رو20:12).
أيضًا يقول: [ الويل على النفس التى لا يكون فيها المسيح الربان الحقيقى، فإنها توجد فى بحر مرارة الظلمة المرعب وتلاطمها أمواج الشهوات وتصدمها وتضربها عواصف أرواح الشر وتنتهى بالهلاك] [6].
[توجد عيون داخلية أعمق من هذه العيون الطبيعية ويوجد سمع أعمق من هذا السمع. وكما أن هذه العيون الجسدية تنظر وجه الصديق أو المحبوب وتتعرف عليه فإن عيون النفس المستحقة المؤمنة بسبب نوالها الاستنارة الروحية بنور الله، فإنها تنظر الصديق الحقيقى الذى هو العريس المحبوب جدًا والحلو جدًا أى الرب، وتتعرف عليه، إذ تكون النفس مملوءة ومشمولة بإشراق الروح الممجد][7].
لإن [النفس إن لم تولد الآن فى ” أرض الأحياء” (مز13:27) وتستمد غذاءً روحيًا منها وتنمو نموًا روحيًا أمام الرب وتكتسى من اللاهوت بحلل الجمال السماوى التى تفوق الوصف، فإنها بدون ذلك القوت لا يمكنها أن تعيش من نفسها فى فرح وراحة. إن الطبيعة الإلهية فيها خبز الحياة الذى قال ” أنا هو خبز الحياة ” (يو35:6)، “والماء الحى” (يو10:4)..” وزيت الابتهاج” (مز7:45)، وجميع أصناف طعام الروح السماوى ولباس النور، تلك التى تأتى من الله.
وفى هذه الأشياء تكون حياة النفس الأبدية. ويل للجسد حينما يعتمد على طبيعته الخاصة لأنه حينئذ يضمحل ويموت، وأيضًا ويل للنفس إن استندت على طبيعتها الخاصة ولم تضع ثقتها فى شئ سوى أعمالها الخاصة، ولم تنل شركة روح الله، فإنها تموت إذ أنها لم تحصل على حياة اللاهوت الأبدية الممنوحة لها] [8].
[ إن كل نفس لا تُصلّح وتُملّح بالروح القدس ولا تشترك فى الملح السماوى الذى هو قوة الله فإنها تفسد وتمتلئ برائحة الأفكار الرديئة الكريهة حتى أن وجه الله يتحول عن الرائحة المرعبة النتنة، رائحة أفكار الظلمة الباطلة وعن الشهوات التى تسكن فى مثل هذه النفس. والدود الشرير المرعب، الذى هو أرواح الشر وقوات الظلمة، تتمشى وتتجول فيها، وتسكن هناك، وتختبئ وتدب فيها وتأكلها وتأتى بها إلى التحلل والفساد. كما يقول المزمور ” قد أنتنت وقاحت جراحاتى ” (مز5:38)] [9].
3 ـ الاستنارة غير الوحى:
الاستنارة ليست وحيًا، والوحى ليس درجة عالية من الاستنارة، لأن المستنير ليس معصومًا من الخطأ، بينما أن الوحى يعصم الكاتب من الوقوع فى الخطأ. والاستنارة ليست على مستوى واحد عند جميع الناس، بينما لا يختلف الوحى فى درجته بين شخص وآخر، أو بالنسبة للكاتب الواحد بين عبارة وعبارة.
4 ـ الاستنارة تشمل الإنسان كله:
الاستنارة تشمل الإنسان كله، شخصه وما يصدر عنه من قول وفعل. فلا يمكن أن يكون هناك إنسان مستنير ويصدر عنه عمل أو قول غير مستنير، ولذلك ـ فى سفر الأمثال ـ سُمى السلوك بالنور ” أما سبيل الصديقين فكنور مشرق يتزايد وينير إلى النهار الكامل” (أم 18:4). كما عندما نتكلم عن شخص، فإن هذا الإيمان يشمل الشخص نفسه وأقواله وأفعاله وكل ما يصدر عنه.
المؤمن ليس هو الذى يؤمن فقط أن المسيح إله أو يؤمن بالثالوث القدوس، لكن الإيمان يظهر فى قوله وفى عمله وفى تصرفاته، ويظهر الإيمان فى ظروف حياته المختلفة.. فى فرحه يفرح فرح الإيمان، وفى حزنه يحزن حزن الإيمان، وفى رجائه يرجو رجاء الإيمان، وفى ضيقه يصبر صبر الإيمان، وفى علمه يُعلِّم تعليم الإيمان، وكما يقول الكتاب: ” فليضيئ نوركم قدام الناس لكى يروا أعمالكم الصالحة، ويمجدوا أباكم الذى فى السموات” (مت6:5). فالأعمال هنا هى نور مضئ. كل شئ يصدر عن المؤمن يكون كالنور المضيئ ” إن كان جسدك كله نيرًا ليس فيه جزء مظلم، يكون نيرًا كله، كما حينما يضيئ لك السراج بلمعانه” (لو37:11).
5 ـ الاستنارة ترتبط بإنارة الآخرين:
الاستنارة تحمل بطبيعتها الإشعاع على الآخرين، تمامًا كما لا يمكن أن يُوجد نور بدون إشعاع. ولذلك قيل عن السيد المسيح إنه “نور الناس”، ” والنور يضيئ فى الظلمة“، وقيل ” كان النور الحقيقى الذى ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم” (يو4:1و5و9). وقال المسيح عن نفسه: ” أنا هو نور العالم” (يو12:8). وعندما تحدث بولس الرسول عن رسالته قال: ” هكذا أوصانا الرب. قد أقمتك نورًا للأمم لتكون أنت خلاصًا إلى أقصى الأرض” (أع47:13). الشخص المستنير يعمل على إنارة الآخرين، كما قيل فى نبوة إشعياء عن المسيح: ” وأجعلك نورًا للأمم لتفتح عيون العمى، لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين فى الظلمة” (إش7:42).
6 ـ الاستنارة هى من طبيعة واحدة ولكنها ليست على درجة واحدة:
أ ـ فهى من حيث إنها من طبيعة واحدة، يقول القديس مقاريوس الكبير:
[ كما أن الأنوار والمصابيح الكثيرة تشتعل من نار واحدة، وهذه الأنوار والمصابيح المشتعلة هى من طبيعة واحدة، كذلك المسيحيون يشتعلون ويضيئون من طبيعة واحدة، هى النار الإلهية أى ابن الله، ولهم مصابيحهم مشتعلة فى قلوبهم وتضيئ قدامه].
ب ـ ومن حيث اختلاف الدرجة: يقول القديس يوحنا السُّلمى:
[ التمييز عند المبتدئين هو معرفة ذواتهم معرفة حقيقية، أما عند المتوسطين فهو حس داخلى يميز السجية الصالحة حقًا عن السجية الطبيعية وعن السجية الرديئة، وأما عند الكاملين فهو معرفة ناتجة عن استنارة إلهية تستطيع أن تضيئ بمصابيحها ما هو مُظلم عند الآخرين. ولعل تحديد التمييز بصورة عامة هو أنه معرفة ثابتة لمشيئة الله فى كل ظرف وفى كل آن ومكان، تتوفر فقط لأنقياء القلوب والأجساد والأفواه][10].
ولقد سبق وتناول بولس الرسول الحديث عن الاختلاف فى درجة الاستنارة فى رسالته إلى العبرانيين فقال: ” لأنكم إذ كان ينبغي أن تكونوا معلمين لسبب طول الزمان، تحتاجون أن يعلمكم أحد ما هي أركان بداءة أقوال الله وصرتم محتاجين إلى اللبن لا إلى طعام قوي. لأن كل من يتناول اللبن هو عديم الخبرة في كلام البر لأنه طفل. وأما الطعام القوي فللبالغين الذين بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة على التمييز بين الخير والشر” (عب 12:5ـ14).
ويلاحظ فى عبارات بولس الرسول ما يلى:
1 ـ عندما يقول ” ما هى أركان بداءة أقوال الله“، فإنه يستعمل فى اللغة اليونانية لكلمة “أقوال” صيغة التصغير فتعنى الكلمة ” أقوالاً مختصرة” .
2 ـ باعتبار أنهم فى حالة الطفولة فى الحياة الروحية، فلا يناسبهم أن يقدم لهم تعاليم متقدمة يصعب عليهم فهمها إذ ليس لهم خبرة روحية ولا يستطيعون أن يتعرفوا على التعاليم التى تكون على درجة عالية من التقدم والتى تقود إلى حياة التبرير وإلى الحياة الفاضلة المسيحية.
وحالة الطفولة فى الإيمان تكلم عنها بولس الرسول فى مواضع أخرى من رسائله فقال فى أفسس ” كى لا نكون فيما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم بحيلة الناس بمكر إلى مكيدة الضلال” (أف14:4)، وقال فى رسالته الأولى إلى كورنثوس: ” لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم وكطفل كنت أفطن وكطفل كنت أفتكر، ولكن لما صرت رجلاً أبطلت كل ما للطفل” (1كو11:13). وقال أيضًا: ” أيها الاخوة لا تكونوا أولادًا فى أذهانكم بل كونوا أولادًا فى الشر، وأما فى الأذهان فكونوا كاملين” (1كو20:14).
3 ـ إن التعاليم الروحية العميقة هى من أجل المسيحيين الناضجين الذين بواسطة المران والاعتياد صارت لهم الحواس الروحية مُدربة على أن تميز بسهولة ويُسر بين الخير والشر وبين الحقيقة والباطل. ومعنى هذا أنه كما أن لدينا حواس جسدانية فلنا أيضًا حواس روحية. لنا أعين روحية ـ ولنا إذن روحية ـ ولنا تذوق روحى. هذه الحواس الروحية يتعطل عملها بالخطية، غير أنها تكتسب صحتها وقوتها بواسطة عمل نعمة الروح القدس.
4 ـ كلمة ” البالغين ” أى الكاملين، غالبًا يستعملها الرسول بولس فى المقارنة مع الأطفال غير الناضجين.
5 ـ الحواس = ملكات الإدراك العقلية.
6 ـ مدربة أى مروضة كما قيل ” روض نفسك للتقوى” (1تى7:4).
7 ـ التمييز بين الخير والشر: كما قيل فى رسالة فيلبى ” حتى تميزوا الأمور المتخالفة” (فى10:1)، ” وأريد ان تكونوا حكماء للخير وبسطاء للشر” (رو19:16)، ” زبدًا وعسلاً يأكل متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير” (إش15:7).
(يتبع)
[1] الأسرار السبعة: تأليف المطران (حاليًا البطريرك زكا عيواص الأول)، والأب الربان (حايًا المطران) اسحق ساكا ـ بغداد 1970 ص 32ـ35.
[2] Greg. Naz. 36, 361.
[3] عظات القديس مقاريوس الكبير ـ طبعة ثانية ـ ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، 1991 ص345.
[4] المرجع السابق ص 178.
[5] الأنبا متاؤس: أسرار الكنيسة السبعة ـ الجزء الأول ـ 1991، ص 24ـ25.
[6] المرجع السابق: ص259.
[7] المرجع السابق، ص260.
[8] المرجع السابق، ص 33و34.
[9] المرجع السابق، ص28.
[10] يوحنا السُّلمى: السُّلم إلى الله ـ تعريب رهبنة دير مار جرجس الحرف ـ منشورات النور ـ لبنان 1980 ص 143.
الاستنارة الروحية (1) – د. موريس تاوضروس
الجسد – الإنسان فى تعاليم العهد الجديد (2) د. موريس تاوضروس
الجسد – الإنسان في تعاليم العهد الجديد (2) د. موريس تاوضروس
الجسد – الإنسان في تعاليم العهد الجديد (2) د. موريس تاوضروس
الجسد (ساركس)
أولاً: في المعنى اللغوى لكلمة (ساركس)
أ ـ في الفكر اليونانى
استعملت كلمة s£rx (ساركس) في الفكر اليونانى لتشير على الأخص إلى مادة اللحم سواء في الجسم الإنسانى أو الحيوانى أو لحم الأسماك، كما استعملت أيضًا عن اللحم الذي يُؤكل ـ وإن كان قد فُضِّل في هذه الحالة استعمال كلمة kršaj . واستعملت أيضًا حتى عن الجسم الميت. كذلك استعملت لتأكيد أن لحم العبد لا يختلف عن لحم الإنسان الحر، وذلك بقصد تأكيد أن أحدًا لم يُولد عبدًا بالطبيعة.
ب ـ في العهد القديم: dcK(باسار)
والمعنى الأصلى للكلمة ” جلد “، واستعملت بعد ذلك بمعنى الإنسان والجنس البشرى.
ومن الأمثلة عن استعمالها في العهد القديم نذكر [1]:
1 ـ في المعنى الأصلى بالنسبة إلى الإنسان ” جلد جسده ” لا11،10،3،2:13، مز5:102، أيوب20:19، واستعملت بمعنى ” لحم ” تك11:17 وما بعده، لا3:12، حز9،7:44، 17:39. وبالنسبة إلى الحيوان، استُعملت بمعنى: لحم (تك2:21) ولحم يُؤكل (حز14:4، دا 5:7) ولحم كتقدمة (إر15:11).
2 ـ في المعنى المتسع، بمعنى: جسم الإنسان (تك23:2، مز3:38، أيوب21:33، مز24:109، أيوب5:7، 12:6، لا11:17، 13:13، 4:16، 1مل27:21، 2مل30:6، دا 15:1، وأنظر أيضًا 1صم44:17، 2مل36:9، مز2:79، حز5:32).
واستُعملت بمعنى: الشخص لا18:13، كما استُعملت عن جسم الحيوان لا14،11:17، كما استُعملت عن الكروبيم حز12:10.
3 ـ واستُعملت عن الكائنات الحية (الإنسان أو الحيوان) تك17،6، 11:9،نحميا15:18، مز25:136، دا 9:4، إش6،5:40، إر31:25، أيوب10:12، 15:34، إر37:32، عدد22:16، 16:27، إش23:66، 24، إر12:12، تث26:5، حز9،4:21، مز2:65.
وتشير إلى كل مملكة الحيوانات (تك19:6، 15:7، 16، 21، 17:8).
4 ـ تشير إلى علاقة الدم تك23:2، 13:29، 2صم14،13:19، قض2:9، 2صم1:5، 1أى1:11، نحميا5:5، لا6:18، 49:25، تك27:37، إش7:58.
5 ـ لتلطيف العبارة، مثل ” لستر العورة ” (تك42:28)، ” وإذا كانت امرأة لها سيل وكان سيلها دمًا في لحمها ” (لا19:15)، ” يختتن … من لحمه ” (لو3،2:15) (وأنظر حز20:23، 7:44، 9، 22:16).
6 ـ في معنى مؤول ، مثل: عن حياة الإنسان الخارجية ” جسدى أيضًا يسكن مطمئنًا ” (مز9:16). وكلمات معلم الحكمة ” هى حياة للذين يجدونها ودواء لكل الجسد ” (أم22:4)، ” لماذا تطاردوننى.. ولا تشبعون من لحمى” (أيوب22:19). وأنظر أيضًا إش19:9، 26:49، زك11:5، مز2:27، أيوب5:2، أم30:14، مراثى إرميا4:3، أيوب14:13، أم11:5.
7 ـ للتعبير عن الاتجاه الداخلى ” يشتاق إليك جسدى ” (مز1:63)، ” قلبى ولحمى يهتفان بالإله الحى ” (مز2:84).
8 ـ تشير إلى عجز الإنسان وضعفه في مقابل أبدية الله . فالإنسان مائت محدود الأيام (تك3:6)، وماذا يمكن لهذا الإنسان الضعيف أن يصنع بى (مز4:56). وأنظر أيضًا إش3:31، 2أى8:32، إر5:17، دا 11:2، أيوب4:10، مز39:78.
9 ـ واستُعملت استعمالاً مجازيًا لتشير إلى القلب الحى المتجه للعمل حسب مشيئة الله حز19:11، 26:36. وأنظر أيضًا في الاستعمال المجازى: إش4:17، 18:10.
ج ـ في العهد الجديد
تحتل كلمة s£rx (ساركس) وضعًا هامًا في الفكر اللاهوتى للعهد الجديد، وقد وردت 147 في كتابات العهد الجديد. ومن بين الاصطلاحات الأنثروبولوجية، تقع كلمة ” ساركس ” في الموضع الثالث بعد كلمة ” ¥nqrwpoj ” وكلمة ” kard…a ” التي تعنى: قلب. وكلمة “ساركس” من الكلمات المستحبة لدى الرسول بولس، فقد وردت في رسالة رومية وحدها 72 مرة، ووردت 18 مرة في رسالة غلاطية، و10 مرات في رسالة أفسس، 5 مرات في رسالة فيلبى، 9 مرات في رسالة كولوسى، 6 مرات في رسالة العبرانيين، ومرة في رسالة تيموثيؤس الأولى، ومرة في رسالة فليمون. هذا بالإضافة إلى أن هذه الكلمة وردت بكثرة في غير رسائل بولس الرسول، ففى الإنجيل للقديس متى وردت 5 مرات، وفي الإنجيل للقديس مرقس وردت 4 مرات، وفي الإنجيل للقديس لوقا وردت مرتين، وفي الإنجيل للقديس يوحنا وردة 12 مرة، وفي سفر الأعمال وردت 4 مرات، وفي رسالة يعقوب وردت مرة واحدة، وفي الرسالة الأولى للرسول بطرس وردت 7 مرات، وفي رسالته الثانية وردت مرتين. وفي رسالة يوحنا الرسول الأولى وردت 3 مرات، وفي رسالته الثانية وردت مرة واحدة ، وفي رسالة يهوذا وردت 3 مرات، وفي سفر الرؤيا وردت 3 مرات. وفقط لم ترد في الرسالة الثالثة للرسول يوحنا.
ولقد تنوع استعمال الكلمة من معنى “اللحم” (سواء لحم الإنسان أو الحيوان)، إلى معنى “جسم الإنسان” ثم إلى معنى “الإنسان كله” وكذلك استُعملت لتشير إلى ” الجنس البشرى ” بأكلمه.
وهذا التنوع في المعنى نجده أيضًا في الترجمة السبعينية حيث تستعمل كلمة ” s£rx ” ترجمة للكلمة العبرية dcK(basar)، بينما عندما تكون الإشارة إلى اللحم كطعام للأكل. تُستعمل كلمة kršaj ، التي استُعملت في نفس المعنى في العهد الجديد مرتين (رو21:14، 1كو13:8).
ويعكس العهد الجديد نفس تعليم العهد القديم في النظر إلى الإنسان من حيث هو كل غير منقسم، بعيدًا عن الثنائية التي نجدها في الفكر الفلسفى اليونانى وعند الغنوسيين.
ثانيًا: تصنيف استعمالات كلمة s£rx “ساركس” في العهد الجديد[2]
يمكن أن يُصنف استعمال كلمة ” ساركس ” في العهد الجديد على النحو التالى:
1 ـ استعمال يمس الكيان الطبيعى Physical Structure ، مثال:
الختان (رو22:8، أف11:2)، المرض الجسدى (كو7:12، غلا14،13:4)، جسد الإنسان أو المخلوقات الأخرى (أف29:5، 1كو39:15).
2 ـ استعمال يتصل بالنسب الجسدى (رو3:1، 1:4، 8،5،3:9، 14:11،1كو18:10، غلا23:4، أف11:2. واقتُبِسَ تك24:2، في 1كو16:6، أف31:5).
3 ـ مجال الوجود في الوقت الحاضر (present existence)
فالإنسان في الوقت الحاضر يعيش في الجسد (2كو3:10، غلا20:2، فى24،22:1، 1تى16:3) ويكون حاضرًا أو غائبًا (كو5،1:2، 2كو16:5) وثمة ضيقات كثيرة يمكن أن يعانيها الجسد (1كو28:7، كو24:1).
4 ـ الضعف الجسدى (أف12:6، 2كو3،1:10، غلا13:4).
5 ـ الخبرة الأخلاقية، وتتضمن:
أ ـ العلاقة بين الجسد والخطية (رو5:7، 9،8:8، 2كو2:10، رو4:8، 13،12،5، غلا29:4، رو7،6،5:8، كو11:2، 13، 2كو1:7).
ب ـ حالات تظهر نشاط ” الساركس ” في دفع الإنسان لعمل الخطية (رو14:13، غلا24،16:5، أف3:2، رو12:8، غلا13:5، كو3:2، غلا19:5).
ثالثاً: الجسد (ساركس) ليس مجرد مادة [3]
كلمة ” ساركس ” s£rx اليونانية، تقابل ـ كما قلنا ـ كلمة dcK العبرية. وقد تُرجمت كلمة ” باسار ” العبرية في الترجمة السبعينية بمعنى كلمة ” ساركس ” 145 مرة ، وبمعنى كلمة kršaj (لحم) 79 مرة ، وبمعنى كلمة ” sîma ” (جسم) 23 مرة، وبمعنى كلمة crîj (جلد) 14 مرة ، كما تُرجمت أيضًا بمعنى كلمة ” ¥nqrwpoj ” (إنسان).
والمعنى الأساسى لكلمة ” ساركس ” في العهد الجديد، هو ” مادة اللحم ” المشتركة بين الإنسان والحيوان، ويُستثنى من ذلك ما جاء في 1كو39:15 حيث قيل ” ليس كل جسد جسدًا واحدًا، للناس جسد واحد وللبهائم جسد آخر وللسمك آخر ولطير آخر“. وفي الاستعمال الطبيعى لكلمة “ساركس” تكلم الرسول بولس عن الختان منفصلاً عن أية مصاحبة لعمل النعمة الروحى. فالحديث يدور حول الختان من حيث تأثيره على الجانب المادى للإنسان “الختان الذي في الظاهر في اللحم”. كذلك إلى أعضاء الساركس ” ناموس الخطية الكائن في أعضائى ” (رو23:7). على أنه يُلاحظ أن الرسول بولس لا يستعمل كلمة ” ساركس ” عندما يكون الحديث عن أكل اللحوم، ولكنه يستعمل كلمة ” kršaj ” وكلمة ” brîma ” (طعام) كما جاء في رو14، 1كو9.
وعلى الرغم من أن كلمة ” ساركس ” تعنى ” مادة اللحم “، فإنه لا يُفهم من هذا أنها المادة التي يتكون منها ” الجسم ” أى لا يحدث فصل هنا بين مادة اللحم التي يتكون منها “الجسم” وبين “الجسم” ذاته. وهذه الحقيقة توضح أن العهد القديم يمثل الخلفية اللاهوتية بالنسبة لفكر الرسول بولس. فلا يجب أن تُفهم كلمة ” ساركس ” على أنها جزء من الجسم، كما هو الحال بالنسبة للفكر الفلسفى اليونانى، الذي تمثل فيه كلمة ” ساركس ” الأجزاء الرخوة والعضلية من الجسم.
إن كلمة “ساركس” لا تستعمل فقط في معنى الجانب المادى للإنسان، ولكن تستعمل في معنى “الجسد الحي”. فالجسد بدون النفس ليس جسدًا. إن “الساركس” على الدوام هو “جسد حي”، هو “كيان عضوى يمثل نشاط كائن حساس”. فالجسد (الساركس) لا يعنى مجرد مادة (matter) في مقابل الصورة (Form). وكثيرًا ما يقع بعض الباحثين في هذا الخطأ، فيجعلون العلاقة بين “الساركس” s£rx و”السوما” sîma ، كالعلاقة بين المادة (matter) والصورة(Form).
إن كلمة “ساركس” لا تعنى مجرد المادة، أو لا تعنى المادة بوجه مطلق. الساركس ليس مجرد مادة، ولكنه مادة حية ذات صورة (Formed and animated) وهكذا يمكن القول منذ البداية، أن “الساركس” و”السوما” لا يختلفان، ولا يكون “للساركس” بالنسبة “للجسم” وضع المادة (Ûlh) أو “الهيولى” مقابل الصورة (Form)، كما هو الحال في فلسفة أرسطو. فأرسطو يفرق بين مادة الجسم وبين صورته فيقول: [لابد من القول بوجود “الصورة” إلى جانب القول بوجود “الهيولى”. والهيولى (المادة) هى القابل لأن تتخذ أية صورة، فمثلاً بالنسبة للتمثال المصنوع من البرونز ـ إذا صرفنا النظر عن صورة التمثال ـ فإن “الهيولى” في هذه الحالة هى البرونز ][4].
فلو طبقنا فلسفة أرسطو (وهذا ما لا نوافق عليه) على مفهوم “الساركس” و”السوما”، لكان “الساركس” هو مجرد مادة اللحم، ولكان “السوما” هو الجسد العضوى الحى. هذا التفريق غير موجود عند الرسول بولس، فهو لا يتحدث عن “الساركس” كمجرد مادة، ولكن “الساركس” هو هذا الجسم العضوى الحي، فلا يوجد إذن فصل بين “الساركس” و”السوما” كشيئين مختلفين.
إن كلمة “ساركس” استُعملت لتشير إلى الإنسان كله منظورًا إليه في وجوده الخارجى، أى لم تُستعمل الكلمة لتشير إلى جزء من وجوده الطبيعى، بل إلى كل الوجود الطبيعى للإنسان، فعندما يقول الرسول بولس ” أُعطيت شوكة في الجسد” (2كو7:12) فهو هنا لا يشير إلى جزء معين في الجسد، بل يشير إلى كل وجوده الطبيعى. وعندما يقول في غلا13:4″ ولكنكم تعلمون أنى بضعف الجسد بشرتكم ” وكذلك عندما يقول في غلا14:4 ” تجربتى التي في جسدى“، فإن الإشارة هنا ليست إلى هذا الجزء العضلى من الإنسان، بل إلى الصورة الظاهرة الخارجية لوجوده.
وفى رو19:6 ” أتكلم إنسانيًا من اجل ضعف جسدكم ” فإن التعبير هنا يشير إلى ضعف الإدراك. بل إن استعمال كلمة “ساركس”، ليس فقط يمكن أن يتضمن القدرات العقلية للإنسان، بل تستعمل أحيانًا على الأخص لتشير إلى هذه القدرات العقلية، على نحو ما تُستعمل لتشير إلى القوى الطبيعية، فمثلاً في 2كو5:7 ” لم يكن لجسدنا شئ من الراحة “، فإن كلمة “جسدنا” هنا تعنى، لنا نحن، وتتضمن بلا شك الضيقات الداخلية. ولقد عبّر عنها الرسول بولس في موضع آخر باستعمال كلمة “الروح” بدل “الجسد”، فقال ” لم تكن لى راحة في روحى ” كو13:2.
فالعبارتان متعادلتان ، وإن كانت عبارة ” لم يكن لجسدنا شئ من الراحة ” تشير أولاً إلى الضيقات الخارجية. وكذلك في 1كو28:7 ” مثل هؤلاء يكون لهم ضيق في الجسد “، فإن كلمة جسد هنا تشير إلى الإنسان كله معرضًا للضيقات الطبيعية والروحية. والعبارة في 2كو11:7 ” لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح ” يبدو واضحًا أنه لا يوجد هنا تقسيم للإنسان إلى عناصر خيرة وعناصر شريرة، أو عناصر فاضلة، وعناصر رديئة، فالروح شأنها شأن البدن، كلاهما يحتاج إلى التطهير والتنقية. وعبارة “جسدنا المائت” في 2كو11:4 تشير إلى الوجود الأرضى للإنسان.
وعبارة “فى الجسد” في 2كو3:10 (وكذلك أنظر غلا20:2، وفيلبى22:1، 24) تعنى: الحياة الأرضية في جملتها. وعندما يقول في 1كو5:5 ” يُسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد، لكى تخلص الروح في يوم الرب“، فإنه يقصد بعبارة ” هلاك الجسد” الإشارة إلى الوجود الأرضى بشكل عام.
إن كلمة “ساركس” تُستعمل للتعبير عن الضمير الشخصى[5]. فمثلاً عندما يقول الرسول بولس في رو18:7 ” فإنى أعلم أنه ليس ساكن فىَّ أى في جسدى شئ صالح “، فإن كلمة “جسدى” هنا تعادل “فىَّ” ويقصد بالعبارة ” فىَّ أنا من جهة الجسد “. وفي 2كو1:4 ” لكى تظهر حياة يسوع أيضًا في جسدنا المائت ” فإن عبارة ” في جسدنا المائت ” تعادل كلمة “فينا” ويقصد بالعبارة ” فينا نحن كمائتين “. وكذلك من الأمثلة الواضحة لاستعمال كلمة “ساركس” لتعبر عن الضمير الشخصى، قول الرسول بولس ” لم يكن لجسدنا شئ من الراحة “، فهو يعنى أنه هو نفسه لم يكن يشعر بالراحة.
وهذا ينطبق أيضًا على قول الرسول بولس ” لم تكن لى راحة في روحى ” أى لم يكن هو يحس بالراحة. فالكلمتان “جسد” و”روح” تستعملان هنا مرادفتين للضمير الشخصى. وعلى هذا النحو أيضًا عبارة ” لم يبغض أحد جسده قط ” (أف29:5)، فهى تعنى أنه لم يبغض أحد نفسه قط.
وكثيرًا ما “يُشخص” الرسول بولس الجسد كقوة وليس كمجرد مجال. فالجسد ـ كما قلنا ـ ليس مجرد مادة ، ولكنه مادة حية مزودة “بالعقل”. يقول الرسول بولس ” منتفخًا باطلاً من قِبل ذهنه الجسدى ” (كو18:2). فالرسول بولس ينسب للجسد هنا ذهنًا أو عقلاً يدفع الإنسان للانتفاخ الباطل. كذلك يتحدث الرسول عن “الساركس” كشخص له اهتمامات ” فإن الذين هم حسب الجسد فيما للجسد يهتمون … لأن اهتمام الجسد هو موت … لأن اهتمام الجسد هو عداوة لله ” (رو5:8ـ7)، وكشخص له مشيئة ” عاملين مشيئات الجسد والأفكار ” (أف3:2). والجسد أيضًا كشخص له أهواء وشهوات (غلا24:5، 2بط18:2، 1يو16:2)، وكشخص له أعمال ظاهرة (غلا19:5).
رابعاً: لا ثنائية في أنثروبولوجيا العهد الجديد
من هذا الاستعمال لكلمة ” ساركس ” الذي يُشار به إلى الإنسان كله، منظورًا إليه من الخارج، يصير من الطبيعى أن يمتد استعمال الكلمة عن كل ما يكون ظاهريًا (خارجيًا) ومرئيًا في معنى مضاد لما هو باطنى (داخلى) وروحى. وفي هذا يقول الرسول بولس ” ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانًا، بل اليهودى في الخفاء هو اليهودى، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان ” (رو29،28:2، وأنظرأف11:2).
فكلمة “ساركس” هنا تشير إلى ما هو خارجى وما هو ظاهر (أنظر 2كو16:4) وإلى الأشياء التي تُرى (2كو18:4)، وتشير إلى الحرف (رو29،27:2، 6:7، 2كو6:3). وبذلك تستعمل في معنى مقابل للإنسان الباطن، للقلب (2كو12:5) والروح (1كو5:5). وهكذا أيضًا فالصفة “ساركيكوس” sarkikÒj تُستعمل عن الأشياء الخارجية المادية (وليس فقط ما يتصل بالجسد) كما في رو27:15 حيث يقول ” لأنه إن كان الأمم قد اشتركوا في روحياتهم، يجب عليهم أن يخدموهم في الجسديات أيضًا ” (رو27:15) وأنظر أيضًا (1كو11:9).
على أن وضع الظاهر هنا في مقابل الباطن، أو الخارجى في مقابل الداخلى، أو الحرف في مقابل الروح، أو الأشياء المادية في مقابل الأشياء الروحية، كل هذا لا يعنى أن الرسول بولس قدم أنثروبولوجية ثنائية بين الروح والجسد، على نحو ما نجد في الفكر الفلسفى اليونانى (وهذا ما سبق وأكدنا عليه) لأننا لسنا هنا إزاء تناقض بين الروح والجسد، ولكن إزاء اتجاهات روحية أو جسدية. وفي الاتجاهات الجسدية تشترك الروح والجسد معًا. وبذلك نؤكد أن كلمة ” ساركس ” تشير إلى الإنسان كله منظورًا إليه من جهة خاصة.
وعندما يقول الرسول بولس ” الروح يشتهى ضد الجسد والجسد ضد الروح“(غلا17:5)، فهو هنا لا يتحدث من خلال الفكر اليونانى أى من خلال هذا الصراع الأخلاقى المألوف لدى اليونانيين بين العقل الإنسانى وبين شهوات الإنسان. فاليونانيون يربطون بين العمل الخيّر وبين عنصر سام في الإنسان، ويربطون بين العمل الشرير وبين عنصر أدنى في الإنسان، فالجسد عندهم يمثل عنصر الشر، وهو شر في ذاته، ولا يمكن رفع الشر عن الجسد إلاّ بتخليص النفس من الجسد نفسه، فهو في نظرهم بالطبيعة في وضع مضاد للروح.
أما بولس الرسول فلا ينظر إلى الجسد كأنه شر في ذاته، ولا ينظر إلى الروح كأنها خير في ذاتها، وهذا يتبين بوضوح عندما يتحدث عن أعمال الجسد (غلا19:5ـ21). فإن هناك عشرة أعمال من خمسة عشر عمل، هى أعمال لا ترتبط بخطايا الجسد. وهكذا الأمر في 1كو1:3ـ3، فإنه عندما يقول عن الكورنثيين إنهم جسديون، فإنه لا يقتصر على ذكر الخطايا المرتبطة بالجسد، ولكن يذكر من خطاياهم: الحسد والخصام والانشقاق، وهذه بلا شك خطايا الروح وليست خطايا الجسد، إذا جاز لنا أن نفصل بين خطايا ترتبط بالجسد المادى، وخطايا ترتبط بالفكر الروحى، لأنه في الواقع، تصدر الخطايا عن الإنسان كله جسدًا وروحًا معًا.
لقد وُصف الكورنثيون بأنهم ” جسديون” s£rkinoi (حرفيًا: مصنوعين من الجسد) أى غير ناضجين روحيًا. فهم لا يزالون غير قادرين على أن يعاملوا معاملة روحية، لأنهم لا يزالون يهتمون اهتمامات جسدية، فلم تعمل نعمة الله في حياتهم. وهذه الحالة ـ كما ذكرنا سابقًا ـ لا تنتج عن كون الجسد شرًا في ذاته، ولكنها تنتج عن اتخاذ الإنسان موقفًا مضادًا لله، أى يقف موقفًا متنكرًا لوضعه الطبيعى (من حيث هو مخلوق على صورة الله ومثاله). فالخلل الروحى هنا لا ينتج عن خلل في العلاقة بين أجزاء الجسم أو بين العناصر التي يتكون منها الإنسان، بعضها تجاه البعض الآخر، بل بسبب ما حدث من التواء أو اعوجاج في علاقة الإنسان الطبيعية نحو الله. ويمكن أن نصف هذا الموقف على النحو التالى:
الجسد كعنصر محايد يدل على الإنسان ” الذي يعيش في هذا العالم “، وأما الجسد مرتبطًا بالخطية، فهو يدل على أن الإنسان الذي يعيش ” من أجل هذا العالم “، ويصبح إنسان العالم، مثل هذا الإنسان يسمح للقيم المادية أن تتحكم في حياته وتصرفاته وتوجه مسلكه.
وعن أمثال هذا الإنسان يقول الإنجيل ” مثل هؤلاء لا يخدمون ربنا يسوع المسيح بل بطونهم ” (رو18:16)، ” الذين إلههم بطنهم ” (فى19:3). ” وأعمال الجسد ظاهرة التي هى زنى عهارة نجاسة دعارة، عبادة الأوثان، سحر، عداوة، خصام، غيرة، سخط، شقاق، بدعة، حسد، قتل، سكر، بطر، وأمثال هذه … الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت الله ” (غلا19:5ـ21)، والذين يصنعون ” تدبيرًا للجسد من أجل الشهوات ” (رو14:13)، ” عاملين مشيئات الجسد والأفكار ” (أف3:2)، ” الزنا، النجاسة، الهوى، الشهوة الرديئة، الطمع ” (كو5:3).
والجسدانى يحس بكفايته الشخصية ” ليس أننا كفاة من أنفسنا أن نفتكر شيئًا كأنه من أنفسنا ” (2كو5:3)، وتتمثل الحكمة الجسدية في ثقة الإنسان بنفسه وثقته في معرفته واتكاله على ذاته وافتخاره بنفسه (أنظر 2كو12:1، فى3:3، غلا13:6، 2كو18:11، 9:1، 12:5، 1كو31:1، 2كو17:10). ومعنى كل هذا هو تنكر الإنسان لوضعه الطبيعى، وفي هذا يعكس ما قاله إرميا النبى ” هكذا قال الرب: ملعون الرجل الذي يتكل على الإنسان ويجعل البشر ذراعه، وعن الرب يحيد قلبه ” (إر5:17).
خامساً: أنثروبولوجيا العهد القديم كأساس لأنثروبولوجيا العهد الجديد
إن الإنسان في العهد القديم الذي يعبر عنه بكلمة ” باسار “، يُحدد جوهريًا في علاقته بالله، كما جاء في إرميا النبى “ هاأنذا الرب إله كل ذى جسد، هل يعسر علىَّ أمر ما ” (إر27:32). وكذلك استعملت الكلمة في العهد القديم للتعبير عن الاختلاف والتباين والتباعد بين الله والإنسان ” ألك عينا بشر، أم كنظر الإنسان تنظر” (أيوب4:10، وأنظر أيضًا إش3:31). وكثيرًا ما استُعملت الكلمة في العهد القديم لتشير إلى الإنسان في وضع مضاد لله، أى الإنسان في ضعفه وموته “ فقال الرب لا يدين روحى في الإنسان إلى الأبد لزيغانه، هو بشر” (تك3:6)، ” كل جسد عشب… يبس العشب ذبل الزهر، وأما كلمة إلهنا فتثبت إلى الأبد ” (إش6:40ـ8) (وأنظر أيضًا مز4:56، مز39:78، 14:103، أيوب15:34).
وفي العهد القديم يمكن استعمال كلمتى “جسد” و”نفس” بالتبادل، وتتحد النفس والجسد معًا ” ويفنى مجد وعره وبستانه، النفس والجسد معًا ” (إش18:10). وهذا الاتحاد بين النفس والجسد، جعل البعض ينتهى إلى القول بأن العهد القديم ليس فيه النظرة إلى الجسد المادى كوحدة منفصلة، وأن الإنسان هو جسم محيى أكثر منه نفس متجسدة.
ويقول دافيد ستاسى David Stacey: وكأى عبرانى، فإن بولس لا يتكلم عن “الساركس” منفصلاً عن الإنسان ككل. فإن ضعف الجسد (غلا13:4) يمكن أن يكون وعكة (مرض ـ علة) عقلية ليس لها علامة أو دليل مادى طبيعى على الإطلاق، وتكون التسمية في هذه الحالة مناسبة. إن الضعف لا يلزم أن يكون محددًا في الساركس. فعندما يقول الرسول بولس مثلاً ” مثل هؤلاء يكون لهم ضيق في الجسد ” فإن هذا لا يعنى بالضرورة علة ما جسدية [6].
(يتبع)
[1] Theological Dictionary of the New Testament, Edited by Friedrich (G.), Translated by Bromiley (G.W.), Vol. VII. 1971.
[2] Robinson (H.W.), The Christian Doctrine of Man, T.T. Clark, 1952, p. 1130115.
[3] Tadroj (M.), proswpikÒthj toà ‘Anqrèpou kat£ tÐn ‘ApÒstolon, Qessalon…kh, 1959,S, 5-11.
[4] عبد الرحمن بدوى: أرسطو ـ مكتبة النهضة المصرية ـ 1964 ص 127 ـ 129.
[5] Stacey (D.), The Pauline View of Man, London Mavmillon, 1956 p. 154-173.
[6] Stacey (W.D.), The Pauline View of Man, p. 154-155.
